شؤون عربية و دولية

لقد زلزلت مصر زلزالها

امين مازن

31-12-2018

مَثُلَ الرئيس المصري السابق حسني مبارك أمام القضاء المصري قبل مُختتم العام شاهد إثبات على عملية الإقتحام الكبرى التي شهدتها مصر في الأيام الأخيرة من عهده بالأسابيع الأولى من مطلع العام 2011، عندما تدفق مائات الأشخاص الذين حَدَّدَ عددهم بثمانمائة شخص رئيس جهاز المخابرات المصرية الوزير عمر سليمان، في إحاطة قدمها للرئيس المصري في ذلك الوقت. هو تدفق جاء من غزة و شمل أكثر من مدينة سيناوية عدّدَها حسني مبارك في تلك الأيام العصيبة، التي عصفت بواقع كان يتقدم الطيف الذي يسوده، و تختلف الآراء، و مثلها المواقف حول طبيعة مستقبله، من مُقَرَّب يخلط الأمنية بالموقف، لينتهي إلى إمكانية التوريث، و آخر يُحسن توظيف المعلومة و المكانة فيقطع باستحالة ما سوى زوال العهد، و أكثر من ذلك لا يتردد في التحذير المبطن من خطورة بقاء مبارك في منتجع شرم الشيخ، لإعتماد المستشفى بديلاً، فلا يجد العهد الجديد بُدّاً من إيقاف الرجل علناً على ذمة المحاكمة و توجيه الإتهام له علنا، و القوات المسلحة أداة، إذ حَسِبَ الذين توصلوا بالإمدادات عبراً لغزة أن الصفقة قد انتهت إلى الأبد، و أن الجرّة قد سَلِمَت، كما يقول المثل، لتتم السُقيا منها كيفما اتُفِق، لولا أن كان ما كان من أيسر الطرق و أقلها تكلفة، ليأتي حسني مبارك اليوم مطلوباً للإدلاء بشهادته، على من ظن بالأمس أنه قد أنهى وجوده من خلال مقاضاته، فتتناقل وسائل الإعلام بالكلمة و الصورة و الأسئلة و أجوبتها ما يؤكد أن أقفاص الإتهام من الإتساع عند سلطة الزمن يمكن أن تحاكم أكثر من رمز، و إن كانت تتناوب التوقيت، أما أقفاص التاريخ فوحدها التي لا يمكن الخروج منها، و من صحة أدلّتها، و إن تعذّرَ صدور أحكامها و كتابة مسبباتها، و لم تزل قبل ذلك أسبابها، ليشهدها اليوم شعب مصر و هو يستعد للإحتفاء بمرور مائة عام على ثورة 1919، ثورة سعد زغلول و شعاره الخالد الدين لله و الوطن للجميع، ليكون حزب الوفد هو حزب الأمة، و مكونَيها الإسلامي و القبطي، فتكون القاهرة قبلة المستنيرين العرب كافة و في مقدمتهم أولئك الذين وفدوا من لبنان، و أعطوها ما لا حصر له من الإضافات، على الرغم من أن شريف مكة كان قد قاد في ذات التاريخ أقوى حركة خروج على الإستبداد التركي، ترتب عليه لاحقاً تثبيت الحدود الجغرافية بين أكثر من قطر، قدّرَ الغرب أهلية من ينبغي أن يستلم قيادته، فلاحَ أكثر من مشروع و دور و مكان، مثّلت مصر طليعته، فحضيت بأكثر من مغنم و تحملت كذلك من مغرم، لم يكن سعد -و قد أدركته الشيخوخة و من ثم الموت- بمنجاة منه، و إن سمحت بأكثر من دور لمصر الشعب و الرموز، أبرزهم ربما علميا، هو الشيخ حسن البنّا و مشروعه الذي ما لبث أن امتد إلى المحيط، على حين كانت الطبقة الوسطى على موعد مع المؤسسة العسكرية التي اتسعت بفضل معاهدة 1936 التي أبرزها الزعيم الوفدي مصطفى النحّاس حين تأكد له من شروطها ما هو أقرب إلى تحقيق الدولة التي تحرك نحوها الجيش عندما اتجه ذات يوم شرقاً و في بعض الأحيان جنوباً، ممن كان منهم الطيار حسني مبارك الذي أبقى عليه حياً قتَلة السادات فيخرج مسرعاً ليخلفه و يحافظ على ما حققه، فيفُك عُزلة مصر، و يحول دون الإساءة لشخص السادات، لتطاله زوابع الربيع ليأتي اليوم شاهدا، مُصِرّاً في الآن ذاته على الإذن له من الجيش كي لا يفقد شرف صفته هذه، مؤشراً إلى أن دور المؤسسة العسكرية ما يزال على رأس أرقام المعادلة، في بلد وصل سكانه المائة مليون من البشر، يزدادون في كل ثانية، فلا مناص من تمددهم و لا مهرب من مساعدتهم، وفقاً لتحالف المصالح و استحقاقات التعاون، و إكراهات الأمن، مما يعني أن مثول هذا الرجل التسعيني مسنوداً بنجليه في مختتم عام يرتفع فيه الكلام حول أكثر من سيناريو يتعلق بمصر المنشغلة بأمنها و حدودها جنوباً و بالضرورة شرقا، دافعاً باستدلالات حول مخاطر حلّت بها في مطلع هذه الحقبة من حدودها الشرقية و طيف سياسي محدد، بعضه داخل قفص الإتهام، و بعضه الآخر يشارك في المصالحة، فليس صعباً علينا كمراقبين أن نتوقع مزيداً من المستجدات، نعم، لقد زلزلت مصر زلزالها،فكم قد تحدّث أخبارها، و من يتجنّب آثارها.


_______________________________


أين مصلحة تونس من مصالحهم جميعاً

أمين مازن

7-11-2018

أقدم السيد يوسف الشاهد على تحوير الوزارة التونسية، التي كان قد ترأسها خلفاً للحبيب الصيد الذي ذهبت به أزمة مشابهة، خُيِّرَ في استفحالها بين الإستقالة أو الإقالة، بواسطة مجلس النواب، فآثرَ الإقالة، ليس من باب التشبُّث بالسلطة كما أكد أكثر من متابع لما يجري بتونس، و إنما من باب الثقة في حسن الآداء، و لو في حدوده الدُنيا المُتمثّل في نظافة اليد. يمثل الشاهد ما اعتبره البعض تشبُّثاً بالسلطة هو الآخر، لولا أن البعض لم يخفوا تحفظّهم من أن يكون ذلك كله بتداعيات مؤتمر نداء تونس في سوسة، و الذي جسَّدَ تصدّعاً غير عادي في هذا الحزب و الذي نتج عنه تأسيس حزب المشروع و ما مثّله من إفقاد لحركة النداء لأغلبيتها البرلمانية لصالح حركة النهضة. لقد رفض السبسي التحوير المُقترَح، و وصفته الناطقة بلسان رئاسة الجمهورية فرضاً للأمر الواقع، فيما اعتبره  البعض الآخر خطوة نحو المعركة الأكبر، و هي معركة الرئاسة الأولى التي سيُقترع عليها في السنة القادمة 2019 وسط تكهّن بأن السبسي سيمضي نحو الولاية الثانية و آخر يستبعدها، و إن رَجّحَ إمكانية الدفع بها للسبسي الإبن ليس للقرابة و حسب، و إنما لتوفّر عديد المقومات و في مقدمتها دوره في تأسيس حركة النداء و إقناع السيد الباجي بالمشاركة السريعة في الحياة السياسية التونسية و التصدي للتحالف الذي قادته النهضة و ما أُصطُلِحَ عل تسميته بحكم الترويكا، و ما أُخِذَ على الكثير من قراراتها من التجاوز الذي طالَ المختلفين في آرائهم و حريتهم، و أمنهم أيضاً. إنه الصراع الذي حسمه النداء بالحصول على الأغلبية النيابية،  و رأى زعيمه الباجي إشراك النهضة باعتبارها الأقوى، فيما رأت أطراف أخرى استحالة قدرته على الصمود، و ها قد صحَّت النبوَّة فأثبت الشاهد أنه لن يبقى حبيس خصوصية العلاقة مع حافظ السبسي، فلم يتردد في المجاهرة بما لديه من المآخذ، و لم يعدم المُبرر لعدم الإمتثال لعديد الضغوط لدفعه هو الآخر إلى الإستقالة، فكان التحوير الكبير قصد التقدم بها إلى مجلس النواب و الثقة ربما في إقرارها تعويلاً على التحالفات الجديدة و التي ستكون حركة النهضة من بين داعميها على خلفية أن الأصوات محسوبة سلفاً، ما لم تحدث حركة استقالات جديدة قد توجِد شيئاً من الشلل أو تفرض ما لم يكن محسوباً، و عندئذ قد تدخل التحالفات امتحاناً جديداً، و قد يتضح أن التشبّث بالشاهد ليس أكثر من استراحة المحارب الذي ينتظر معركة أكبر كما سبق و قلنا، ذلك أن تحالف الأمس و تحالف اليوم سيطرح دوماً سؤاله المركزي لأي برنامج يتعلق بالناس و حريتهم و أمنهم و الحذر من شيطنتهم، و المؤثرات التي قد تفرض شروطها عليهم، و هي تجيء عبر القوى الدولية مباشرة أو عبر وكلائها، بمن في ذلك المُكلَّفين بالتخريب، و كيف سيكون تعاطي الإتحاد التونسي للشغل و فسيفسائه النظرية بما تشترطه من حرص على الملكيات العامة و ما توفره من مَوَاطِن الشغل و خدمات كثيراً ما تصطدم بالخصخصة و رديفتها السياحة التي أُنيطَت بطيفٍ ظلَّ بعيداً على المشاركة من عهد بورقيبة، اللهم إلا إذا كانت حركة النهضة تريد أن تؤكد قدرتها على تجاوز ذلك الرجل الإستثنائي، و قد يزيد في هذه القراءة ما يعنيه إعادة السيد كمال مرجان إلى المشهد و ما يحمله من دلالات، و لا عجب، ما دمنا نتذكر ذلك القول المشهور بألّا صداقة أو عداوة في السياسة، و إنما المصلحة، و لا شيء غير المصلحة، غير أن السؤال الأخطر: أين مصلحة تونس من

مصالحهم جميعاً..؟. انتهى


_______________________________

أردوغان و المنزلة بين المنزلتين

أمين مازن

26-6-2018

حقق الرئيس التركي أردوغان فوزاً جديداً في الإنتخابات التركية، و قد جاء هذا الفوز من الدورة الأولى، خلافاً لما خمّن البعض من الحاجة إلى جولة أخرى فبات واضحاً أنه سيستمر في تسنّم مقعد الرئاسة التركية فترة جديدة مدتها خمس سنوات كاملة، و التي كان أهم مظاهرها اللافتة في الفترة الأولى ذلك القصر الأسطوري الذي كان و ما يزال حديث وسائل الإعلام العالمية لما جسده من ميل غير سوي تجاه البذخ و نزوح نحو النزعة السلطانية التي لا تقيم وزناً للشعوب و لا تحترم ما طرأ على العصر من تغليب روح التواضع و البساطة و عزوف عن الغلو و الأُبّهَة و كل ما يدل على الإحساس بالنقص الشخصي الذي لا يغطيه إلا المظهر، خاصة و أن هذا الفوز قد عززته الأغلبية النيابية لحزب أردوغان و حليفه المتطرف، مما يعني أن هذا السياسي العنيد سيستمر في سياسته الداخلية و الخارجة على السواء، أي سيضاعف من قبضته الحديدية على الجماهير التركية المستنفرة إعلامياً للمشكلة الإقتصادية و تجلياتها في مكافحة التضخم و انخفاض الليرة، و دفعها نحو ذلك الأمل الخلَّاب الذي ملأ به شعار حملته الإنتخابية بأن تكون تركيا ضمن عشرة اقتصادات عالمية، و سيمضي بذات الوقت في نهجه المتمثل في التدخل اللامتناهي في دول المحيط، حيث سوريا و العراق عربياً، و التلويح لوكلائه في السياسة و الإقتصاد الذين اقتدوا به في تبنِّي مصطلح التنمية في الهوية الحزبية مضيفين الحرية أو العدالة أو أي عبارة أخرى، اكتشفها منذ سنين هذا التيار السياسي في تركيا و هي تزامن مع تفكك الإتحاد السوفيتي و تتغلب على ذلك الحكم القضائي الذي حال دون بقاء نجم الدين أربكان في حكم تركيا لتأتي التنمية و ما إليها، و تكون من ثم المثال المفضل في أكثر من قطر عربي خاصة و أن التيار العثماني الجديد قد أردف توجهه هذا بمجموعة الصناعات السلعية الإستهلاكية التي منحت توكيلاتها لهؤلاء الذين وجدوا بين السياسة و الإقتصاد، فسوقوا هويتهم السياسية تحت مصطلح التنمية أو غير التنمية بدل الهوية الدينية و ما تحمله أحياناً من التقاطع مع المعاصرة و ما إليها، مستعينين بما تهيؤه توكيلاتهم في التوزيع و توفير حاجة الناس نحو توسيع القاعدة الشعبية، و حشد الطاقات القادرة على التحرك متى كان ذلك ضرورياً، غير أنها الضرورة التي كثيراً ما تكون على حساب الشعوب و إذا كان من أسوأ ما طال العلاقات العربية التركية في عهد هذا السياسي المسكون بالعظمة السلطانية هو إمعانه في التدخل اللامتناهي في شئون عديد الشعوب العربية، و في مقدمتها التي يظهر عليها الإنشغال الأكبر بالشأن القومي و يحفظ لها التاريخ جهداً معدوداً فيه، و قد بلغ هذا التدخل أقصى درجاته مع ما أُطلِق عليه الربيع العربي و ما بدا يلوح من ظروف زادت في أحلامه السلطانية و التي كان من سوء حظه أن تلتها في الأونة الأخيرة حركة المعارضة التي أطلق عليها ما دعاه المعارضة الفاشلة و ما رتب عليها من التضحية بما لا يقل عن ثلاثمائة ألف بين سجين و معزول من عمله لتبرر له في النهاية إجراءاته في الإنفراد بالسلطة بهذه الروح السلطانية، إلا أن الأخطر من ذلك كله ما دأب بعض ممثليه على الترويج له من إحياء للنزعات العصبية و دفع المكونات التي طالها التدجين ذات حقبة من الحقب فيثير لديها ما يدعو لإستشعار التميز أو الأولوية في العلاقة، فيكشف من مثل هذا الطرح عن أسوأ ما لديه و يجعله ليس أجدر من أن يظل في موقع المراقبة، أو كما يقول علماؤنا القدامى في منزلة من المنزلتين. انتهى

_______________________________

تعساً لمن تستدرجه الألعاب

22-6-2018

أمين مازن

لن يتعذر على المراقب السياسي الفطن، أن يقرر بأن ما تتسابق إليه عديد الفضائيات العالمية المحترفة، و المعتاشين على الإرتزاق مما تخوض فيه من الأحداث و المشكلات الطارئة، لن يكون له من عايد سوى المزيد من التصدع في العلاقات العربية العربية، و الدفع بها نحو كل ما يفرق الشمل و يبعثر الجهود، و يشغل عن كل ما هو أساسي، و قد كان آخر حدث في هذا الخصوص التصويت الذي جرى حول كأس العالم لكرة القدم و المنافسة التي حدثت بين المغرب و الولايات المتحدة و ما شهده من تضارب بين دول الخليج العربي و مغربه و في شيء من المفارقات اللافتة و المناقضة لكل ما كان معهوداً من التوافق شبه التقليدي مما جعل الأبواب تُفتح على اتساعها لشيطنة كل من أيَّدَ الولايات المتحدة و من شاركها في العرض، و توقيع صكوك الغفران عن الماضي و ربما المستقبل لكل من وقف إلى جانب المغرب، و دونما انتظار لموقف الطرفين من بعضهما البعض و ما يربط بينهما من وثيق الصلات السياسية و المصلحية و القدرة التي لا شك فيها لفرز الثوابت من المتغيرات، و ما تتكفل به الثوابت من القدرة على تجاوز كل ما يطفو على السطح من الأمور الطارئة، و التي لن تفلح أي مساعٍ ماكرة و مبالغات إعلامية مدسوسة لتدفع بها إلى ما يتجاوز حجمها، أو يحول دون اقتلاع أسبابها و تجفيف منابعها بكل القوة، نعم، لقد ركب فرسان الفضائيات صهوات جيادهم الخشبية، خالعين كل ما لديهم من قواميس النعوت البذيئة، مع دموع التماسيح المكشوفة، أملاً في توسيع الشرخ، حتى أن مجرد الإمتناع عن التصويت هو صوت من طرف المجندين على هيئة موقف قابل للتطوير، كما لو كانت الدورة الحالية لن تلحقها أخرى و أن التقدم الجمعي الأمريكي قد يمثل سابقة أو نموذجاً ينبغي أن يحتذى في الموسم المنتظر ليكون الملف القادم باسم المغرب الكبير بدوله الخمسة أو الأربعة يمكن أن يتم التنسيق لها و الإستعداد لإلتزاماتها بالدعم العربي الذي يمكن للخليج أن يسهم فيه كمشروع استثماري ناجح كلما توفر الوقت الكافي و التشاور الضافي، إذ لو انصرفت الأنظار من الآن إلى المستقبل و للدورة التي ستنظم بعد القادمة و في جو التقارب الرياضي الذي ساد مغاربياً هذه المرة ليُصار إلى التقدم لاحقاً بملف موحد يستفيد من أحقية المغرب و تأييد بقية الأقطار الشريكة و تطوير ما لاح من التقارب الرياضي إلى ما هو أكبر شمولاً و أوسع مدى، فيكون التقدم مُدعماً مغاربياً و يتخذ حوله ما تفرضه المشاركة من إزالة بعض أو كل ما يقف في الطريق من عقبات بدل التباكي على هذه الدورة و اتاحة الفرصة للقوى المتربصة لتواصل صب الزيت على النار، لكان في ذلك ما يجنب العرب مزيد الخلافات و تأجيل العتب أو اللوم إلى ما سيتيحه المستقبل من امكانية تعاضد و ربما شرح الإكراهات، و على قاعدة أن المشترك أكبر مما عداه و المستقبل أقدر دائماً على تطوير الحاضر، كل ذلك دون أن نهمل أبجدية لابد منها، و هي أن أي تقدم نحو أي شأن يتطلب تصويت العالم، ينبغي أن تُفاتح أولاً بشأنه الجامعة العربية كي تنظم التشاور المطلوب و تضمن الإجماع المبتغى بعيداً عن التشبت بالرأي و عدم الإكتراث بظروف الآخرين، بقيَّ أن يتعض العرب بما جرى أخيراً بين أمريكا و كوريا ليعلموا أن خلافاتهم أقل و انقساماتهم أصغر و ما يوحدهم أكبر، فقط لو كانوا جميعاً حذرين مما يُصغّرهم، و يشدهم نحو الأحقر، و تعساً لمن تستدرجه الألعاب.انتهى


______________________________

إنتخابات تونس البلدية و نجاح الخاسرين

أمين مازن

8-5-2018

بعد الكثير من الأخذ و الرد، و الفعل و الفعل المضاد، أقدمت الحكومة التونسية المنشغلة بتصفية مرحلة ما بعد شمولية بن علي، و محاولة الترويكا اليائسة لتطويل أجل الفترة الإنتقالية، على إجراء الإنتخابات البلدية، استجابة لإصرار الكثير من الأطراف غير المتجاوبة مع مساعي دُعاة المركزية، لما في مثل هذه الإنتخابات من علاقة بالقواعد الشعبية و ما يمكن أن تؤدي إليه من تأثير في المعركة الإنتخابية الأكبر، و التي لن تتأخر عن موفى السنة القادمة، حيث من المقرر أن يتوجه الناخب التونسي إلى صناديق الإقتراع لإختيار نوَّابه و مثل ذلك رئيسه.

و على الرغم من أن نسبة التصويت لم تتجاوز 33% فقد سارع المتحدث بإسم حركة النهضة الشريك الأساسي لحزب نداء تونس بإعلان فوز النهضة بالأغلبية كما لم يتأخر بعض أنصاره عن الخروج للشوارع تعبيراًعن السرور بهذا الفوز، بعكس حزب نداء تونس الذي أكد بموقفه المتحفظ على إدراكه لحقيقة الأزمة التي تفوق ترتيب الفوز، فيما انصرف حديث المراقبين إلى القراءة الأوعى و الأكثر دلالة و الأشد إلحاحاً لإستخلاص الدروس، إذا كان هناك من لا يزال يُعوِّل على قراءة الدروس و استخلاص نتائجها. فقد تبين أن فارق النسبة أو المقاعد ليس أكثر من "5" و ان اللافت حقاً هو الرقم الخاص بالمستقلين و القادمين من المجتمع المدني، كل ذلك دون تجاهل دلالة النسبة العامة التي لم تتجاوز ما سبق ذكره، و منذ أول إنتخابات أُجريت بعد رحيل بن علي مباشرة و حصول النهضة على ما أُعتُبِرَ أغلبية، فيما أُعتُبِرَ في النهاية و حسب الأرقام المتعلقة بالمجموع أن الفائز الأكبرهو صوت العازفين عن التصويت، أي الذين فضلوا المقاطعة، تعبيراً عن خيبة أملهم في أداء السلطة، و يأسهم ربما من امكانية تأثير المعارضة، و هو موقف لمن يستشعر المسئولية أن يُقرّه، و لكن لا يستطيع أن يتجاهل دلالته و يدعو إلى معالجة تبعاته، فالأصل في العمل السياسي أن تتم المشاركة لما في السلبية من التمكين للتردّي كي يستمر في سوء أدائه، فيما تتكفل المشاركة باختيار الأفضل و ربما الأهون عند الجنوح للتشاؤم. لقد ذكّرني هذا النجاح على الصعيد الشخصي بالإنتخابات اليتيمة التي شهدتها ليبيا في مطلع السبعينيات لإختيار ما أُطلِقَ عليه مجلس الأمة الإتحادي في مشروع الوحدة الليبية المصرية السورية، عندما وُضِعَ إلى جانب صناديق المُرشحين صندوق أسود طُلِبَ فيه إلى المُقاطعين " إذا أرادوا" الإدلاء بأصواتهم ، فكانت النتيجة في جميع الدوائر لصالح الصندوق الأسود بما في ذلك بعض الدوائر التي رشح فيها عدد من المشاهير لأن تيار الرفض أكبرمن أي توجه آخر. و إذا كانت هذه الحادثة يُمليها اليوم بعض ما حمله التاريخ، فإنها بالنسبة لتونس ينبغي أن تُبلّغ برسالة مفادها أن كل سماح لتيار السلبية كي يقوى، إنما هو تفريط في المُنجَز و تسهيل لمحاولات النكوص، الأمر الذي لا يملك كل من يعنيه أمر تونس و مستقبل الحرية في تونس كجزء من المغرب الكبير إلا أن  يقول بملءِ فيهِ احذروا الخسارات الصغيرة قبل أن تُفاجئوا بالخسارات الكبيرة، و مزيداً من المراجعة قبل أن يعصف بكم طوفان التراجع 

سَافِرْ.. فَفِي الأَسْفَارِ خَمْسُ فَوَائِد

أمين مازن

20-4-2018

أنهى أصحاب الجلالة و الفخامة و السمو العرب، كما هو المصطلح الذي يوجهون به خطابهم، أشغال مؤتمرهم التاسع و العشرين، محافظين على تقليدهم بإصدار البيان الختامي ، المُتضمنّ توصياتهم و مكان دورتهم القادمة، و التي يبدو أنها ستكون بتونس طبقاً للترتيب الهجائي، حيث كانت هذه القمة قد التزمت منذ سنوات بالترتيب المُشار إليه، ما لم يعتذر القطر المختص. و قد ترتّب على هذا التقليد أن يظل رئيس الدولة التي تستظيف أي قمة قائماً بالرئاسة إلى أن يسلمها لمن يخلفه، و صار على أمين الجامعة العربية الذي هو رئيس الجهاز الإداري للمؤسسة المذكورة و التي يُفترض أن تنظّم أشغال أي قمة بالتحضير لما سيُناقَش و متابعة تنفيذ ما اتُفِقَ عليه، فانتهى بذلك الخلط بين دولة المقر التي هي مصر و جنسية الأمين العام الذي هو في الأصل من كبار موظفي هذه الدولة، و كان يخلع على رئيسه  ما يشبه رئاسة العرب، الأمر الذي طالما أثار أكثر من حساسية، لم يتردد الرئيس بورقيبة في وصفها بالهيمنة، مما جعل من تنظيم أشغال  القمم العربية وفقاً لهذا التقليد، التخلص من هذه الحساسية، خاصة و أن ذلك قد تزامن مع تغيّر موازين القوى، و كذا مشاركة العرب في أكثر من عمل مسلح ابتداءً من الموقف من العراق و هي تجتاح الكويت، و تتعرض لاحقاً للغزو الثلاثيني و قبل ذلك انفراد السادات بزيارة القدس، كما أن من مبدأ الإنتخاب للمناصب القيادية في الجامعة و مرعاة التحاصص قد زاد من استشعار الشراكة و إن كانت هذه الشراكة بكل الأسف غالباً ما وقفت عند الأشخاص لانعدام الإنتاجية من الأساس، فضلاً عن ارتفاع الروح القطرية و قوة العلاقات الثنائية و بالذات مع مستعمري الأمس. و هكذا رأينا بيانات هذه القمم لا تخرج في معظم الأحيان عما يمكن وصفه بالكلام المُعاد الذي لا ترى فيه العين أو تسمع الأذن أكثر من الكلام، أما الأفعال فآخر ما يُنتَظر من هذه الإجتماعات الروتينية، و التي لم تُخفف مجرد التخفيف من صراع الإخوة الأعداء و هم يرون ضرورة استمرار أنظمتهم رهن ما يزرعونه من الأشواك في طريق بعضهم البعض. و ان الإستقطاب الذي ساد هذه المنطقة الجغرافية عبر التاريخ لم تفعل فيه عديد الشعارات أي فعلٍ يُذكر، بل ان استعمال السلاح بشراسة لم يحدث إلا بين حَمَلَة الشعار الواحد، كما أن المفاخرة بالدماء غير العربية لم نرها تُعلَن على رؤوس الأشهاد إلا في هذه الأيام الرديئة، و قل مثل ذلك على الحرب الأهلية التي يتسابق معظم أبناء العمومة على إشعال نيرانها و زيادة وقودها تجاوزت الماضي أضعافاً مضاعفة، و ما الحالة الليبية و ما يعتريها من التردّي المستمر سوى الدليل القوي على بعد المسافات بين ما تردده الأسس و تحركه التدابير مما يجعل من مشاركتنا التي فرضت تأخير بعض الرحلات و أربكت المواطنين فضلاً عما كلّفت من الأموال ليس أكثر من هدرٍ للوقت و المال في زمنٍ نحن أحوج ما نكون فيه إلى جهدنا و إمكانياتنا بعيداً عن المظاهر الإعلامية الفارغة و تكون المصلحة الحقيقية للمواطن الليبي هي تلك التي تُحبذ الإبقاء على القيود المتصلة بالأموال الليبية ما دامت أحوالنا على هذا النحو من الفوضى و التناحر ريثما تتوحد السلطة التنفيذية و مثلها التشريعية و الرقابية على مختلف الصعد، فالعرب الذين تحسبهم جميعاً و قلوبهم شتّى، لا يتفقون على شيء بكل الأسف أكثر من إطالة أزمتنا و تأجيج خلافاتنا، و نحن نخدع أنفسنا، اللهم إلا إذا  احتكمنا إلى القول المأثور سَافِرْ فَفِي الأَسْفَارِ خَمْسُ فَوَائِد. إنتهى

________________________________

 

عن الدور السعودي و الدعم و التنسيق الغربي

أمين مازن

19-4-2017

يواصل ولي العهد السعودي محمد بن سلمان زياراته التي شملت أمريكا و تلتها فرنسا و امتدت إلى أسبانيا، و قد تمتد إلى أخرى بعد أن بدأت ببريطانيا و كانت أكثرها لفتاً للنظر تلك التي اختص لها الولايات المتحدة الأمريكية عندما امتدت لأكثر من أسبوعين، جامعة بدون شك بين الرسمي المُعلن و الآخر السرِّي، وسط معلومات تؤكد أنه أصبح صاحب النصيب الأوفر إن لم يكن الكامل "في القرار السعودي" و توكيد أمريكي بأن السعودية ما تزال تتمتع بالمكانة الأولى في شراكاتها، إلى جانب خطوات شديدة الجرأة أكدت بواسطتها السعودية، أنها لم تعد مكتفية باستثماراتها و تحالفاتها العسكرية في حرصها على التمتع بتلك المكانة و إنما عززتها بالإنتقال إلى مرحلة تختلف كل الإختلاف عن الماضي و ما كان يسود فيه من تقاليد ليس لها من وصف سوى التخلّف الكامل عن روح العصر بحيث لا حرج من القول إنها لم تكن تزيد على معتقل كبير ليس لمن يعيش داخله أن يرى سوى مسلسل التابوهات، إذ بقدر ما تعاني المرأة من حقها في السير بالطرق كاشفة يديها أو وجهها طبقاً لما تُجمع المذاهب الإسلامية بعدم اعتبار الإثنين ضمن العورة المُحرَّمة، أي أنها يمكن أن تسير في حِلٍّ من ذلك البرقع الذي طالما يسّرَ طريق الجريمة، فتراها تشبه التمثال و هي تخرج خارج البيت لأي شأن من الشؤون، أما السماح لها بقيادة السيارة فقد كان في عداد المستحيل  مما جعل من القرارات التي أصدرها الأمير السعودي في الخصوص تؤكد لكل مراقب أن السعودية قد دخلت مرحلة جديدة بامتياز، و أن كل ما كان يراهن عليه خصومها و المتربصين بها تعويلاً على ما يوفره الإحتقان المتراكم من تسهيل مهمة أي مغامر يروم العبث بأمن هذا البلد المركزي، لحسابات تتعلق بالصراع الذي تدور رحاه بتأثير المطامع الدولية حول الموقع الجغرافي و الثراء الطبيعي و ما ينتج عن ذلك من التأثّر و التأثير، و ما يفرضه من ضرورات العمل على سلامة الجبهة الداخلية من عديد الفوارق التي يستحيل معها وجود القوة الشعبية الفاعلة التي طالما ضعفت و ربما انعدمت لعدم إحساس المواطنين بوجود الحد الأدنى من تكافؤ الفرص المتعلقة على نحوٍ خاص بالحرية الشخصية و تجلياتها على نحوٍ خاص في وجود ظاهر للحياة يحكمه المقدس و تمظهره في التحريم، و باطن ينعم المتمتعون به بما يفوق الخيال. و في واقع يسوده مثل هذا الغُبن الناتج على غياب الإحساس بالعدالة و ما يشيعه من الشعور بالطمأنينة و السعادة في العيش بكل أنواعه و التعبير عن ذلك، لا مناص من أن تختلف مواقف الناس بين من شعر بأن لديه ما يستحق التضحية و من يرى نفسه ليس أكثر من عنصر هامشي، حضوره و غيابه سواءٌ بسواء. و من هنا فإن ما أقدم عليه الأمير السعودي ليس مجرد ترتيب من التراتيب الإدارية، و إنما هو التحسس الذكي لأحوال الناس و دفعهم إلى مواقف أكثر إيجابية، على قاعدة  أن الحياة ليست عيشاً و حسب، و إنما هي الإحساس بالشراكة الحقيقية و تجلياته في حرية التحرك على كل الصعد، و ليس أمام المراقب المنصف إلا أن يرفع العقيرة مباركاً مثل هذا التوجه و أن يدعو بإلحاح جميع القوى الحية داخل الجزيرة العربية و خارجها لتُبارك هذا التوجه و تؤازر العمل به، لتكون السعودية واحدة من بلاد العرب و ليس فقط مقر المشاعر المقدسة التي يغشاها المرء مرة في العمر، أقرَّ نظامها أم لم يُقرّ، و مدنها أيضاً جزءاً من العالم، فلا ينحصر القادمون إليها في أولئك الباحثين عن الصفقات الكبيرة، أما ما تناقلته الأنباء عن تأسيس الأوبرا أو تشييد المسارح فضلاً عن الدور الأمريكي في الإستعانة بالمذهب الوهابي في أفغانستان و غيرها، فإن ذلك يعني أن المسئولية قد شملت التاريخ في نهاية المطاف، و ما ذلك إلا لأنها مرحلة جديدة بامتياز، ربما لأن الدور السعودي في المنطقة ما يزال يتقدم على ما عداه و لا مناص من دعمه و التنسيق معه.   إنتهى

_______________________________

ليست هي الأولى و لن تكون الأخيرة

أمين مازن

16-4-2018

لم تتأخر الولايات المتحدة و حليفتاها البريطانية و الفرنسية عن تنفيذ ما كانت قد هددت به في وقتٍ سابق بتسديد الضربات الجوية التي رأت فيها الكفاية لردع النظام السوري على ما أقدم عليه من ضرب معارضيه بالأسلحة الكيميائية قبل نهاية الأسبوع الثاني من شهر أبريل، عندما اعترف المتحدث الرسمي الأمريكي بتوجيه ما زاد على المائة صاروخ وُجِّهَت بتمامها و كمالها إلى الأراضي السورية، مؤكداً في الوقت ذاته إحاطة الجانب الروسي قبل التنفيذ بساعات قَدَّرَ أكثر من مراقب أنها كانت كافية لإخراج المواطنين الروس من الأماكن المُحددة للضرب، فتبيَّن مرة أخرى أن الإصطدام المباشر بين الطرفين، آخر ما يمكن أن يحدث، مهما ارتفعت لهجة الإعلام و تهديداته المُعتادة و التي طالما، حسب قصيروا النظر، أنها قد تعبث بالسلم العالمي، فحرصُ الطرفين على البقاء فوق كل اعتبار و ان كل صراع داخل رقعة الشطرنج لا يمكن تطبيقه في الحياة الدنيا، بل لعلّه أقرب ما يكون إلى ما يعمد إليه عديد الأصدقاء  من القمار في جلساتهم الخاصة، لا تعني أبداً أن يذهب الرابح إلى بيته بما ربح أو يعود الخاسر خالي الوفاض، فالجلسة دائماً للتسلية، أما سلامة الطرفين فإنه المُتفق عليه و ما من سبيل للإخلال به، و عندما يكتفي الجانب الروسي بالإدانة و يؤكد السوري فشل العدوان و تخرج المسيرات المستنكرة هنا و هناك، فإن الحقيقة التي لا لبس فيها هي أن الفصل السابع من الميثاق الأممي الذي شُرِعَ في تنفيذه منذ غزو العراق بتأييدٍ مُعْلَن و آخر مُضْمَر من عديد الأطراف العربية هو ذاته الذي برّرَ ما جرى أخيراً و ما سيجري لاحقاً، و لكنه متى تتهدد المصالح و تنطبق الحسابات و التي من أوكد ما تحرص عليه هو تفادي الإصطدام المباشر بين القوتين، بل أن التحاصص ذاته يكاد يكون في حكم المتفق عليه، فالذين ربحوا آخر الحروب هم الشركاء الحقيقيون بالنسبة لما يجري في العالم، و حسبُ المرء أن ينظر من أين انطلقت الصواريخ، إن داخل الوطن العربي، أو البحر الأبيض المتوسط، و كيف جاءت مختلفة هذه المرة عن بعض المرات السابقة في إشارة واضحة على أن التصريح الثلاثي الذي عرفه التاريخ العربي قبل ستين سنة و أكثر ما يزال حجر الزاوية، و أن الفصل السابع ما زال يمثل المبرر الأكبر، و ما مكافحة الإرهاب و حضر الكيميائي إلا الزيادة في نغمة الطنبور، و ما على الذين هبَّت عليهم رياح الربيع العربي منذ مطلع هذه الحقبة إلا أن يعلموا علم اليقين و ينتظروا انتظار الواثق أن الأقدار تمهل و لا تهمل، و أن المائة صاروخ التي أُطلِقت بقدر ما هي ليست الأولى فلن تكون الأخيرة. إنتهى

________________________________

الملالي و أولويات العالم


أمين مازن


1-1-2018


تناقلت وكالات الأنباء أخبار ما تشهده المدن الإيرانية و على رأسها العاصمة طهران من المظاهرات الشعبية العارمة، التي جاهر القائمون بها عن بالغ ضيقهم و شديد رفضهم لما يسود حياتهم من شديد الصعوبات تلك التي و إن كانت البطالة أقوى مظاهرها، إلا أن الذي لا شك فيه أن ذلك ليس وحده ما أثار غضب المقدمين عليها، إذ كل من لديه دراية بما طرأ على بلاد فارس من العام التاسع و السبعين من القرن الماضي من تقلبات غير مسبوقة طالت حياة الناس على مختلف الصعد، إثر عودة الإمام الخميني من منفاه الذي بدأه من بغداد و أنهاه بباريس عندما قضى السنوات الطويلة في التحضير لثورته التي إستهدف بها الشاه محمد رضا بهلوي معتمداً على تلك الآلاف المؤلفة من الإيرانيين الذين أفلح في حشدهم بواسطة ألاف الأشرطة التي تبرعت بنقلها و توزيعها البشرية قاطبة التي سئمت طغيان الشاه، دون أن تُدرك بالطبع أي بديل سيسود إيران بعده و يعيدها إلى هذه المرحلة من التردِّي، ففي ذلك الزمن الذي إضطر فيه شاه إيران لدعوة الدكتور شهبور بختيار كي يشكل حكومته الليبرالية لحكم إيران و يسند إليه مسئولية حكم البلاد مكتفياً بمقولته المشهورة التي أوصى بها جنراله مدير المخابرات الإيرانية "السافاك" الذي حذّرَ الإمبراطور من إحتمال إنحياز بختيار إلى الخميني، بأن على مدير السافاك أن يقتل بختيار إذا فعل ذلك، لتكون المفارقة أن مدير السافاك هذا رفض أمر بختيار الرامي إلى إعدام الخميني، فلا يكون أمامه -أي بختيار- سوى الفرار كي ينجو بجلده، و يخرج مدير السافاك مصوناً من أي أذى، و يبدأ الإمام مسلسله الدموي الذي إستمر طيلة هذه العقود، التي حافظ فيها إن لم يكن قد زاد من ترسانة السلاح و تذكية الروح المعادية للعرب و الإصرار على أن يكون الخليج و بعده الشرق الأوسط كاملاً للفرس و لا شيء غير الفرس، و يؤكد لعديد الدوائر التي كانت تراهن على الشاه ليكون الذراع الأقوى و تكون لبنان واحدة من محطاته تعويلاً على الإمام المهيب موسى الصدر، فإذا بالأقدار تغيبه بليبيا وسط صمت دولي عجيب يخرج متزامناً معه الخميني مكللاً بغار النصر حريصاً على التمسك بكل ما حققه على حساب العرب، و على كل ما هو حضاري داخل إيران و التي كانت عاصمتها طهران و قبل أن تُبتلى بجبروت الإمام و من يظاهره تشيعه و إخفاءه لشوفينيته واحدة من المدن العصرية بإمتياز حتى إذا ما ظهر في الأفق ما يشير بأن ملل الناس من الملالي قد طفح كيله و أن إنقضاء عصر كامل على حكمهم قد يفيد بأن كتابهم قد بلغ أجله، فها هو يلوح في الأفق ما يلوح بأن المعركة ضدهم قد آن أوانها و أن سلاح الكاسيت الذي إعتمده الخميني في معركته تطور اليوم إلى الشبكة العنكبوتية، حيث الفيس بوك أو التواصل الإجتماعي إن شئنا، و حيث أجيال جديدة ليس خارجها إبن الشاه ذاته الذي  يقول كل ما يحتاجه العصر، أجيال تُدرك أن ليس لما سوى الجغرافيا من سلطان لإستحالة تدمير أي عدو ملاصق دون أن يبوء مستعمل السلاح بذات الخسارة و لأن الملالي لا يفقهون هذه الحقيقة، فلا غرابة أن يكون إقتلاعهم على رأس أولويات العالم. إنتهى


______________________________



ماذا وراء إستظافة فرنسا للحريري

أمين مازن

18-11-2017

يحمل السيد سعد الحريري حقائب سفره مرفوقاً بمن معه من أفراد أسرته متجهاً لباريس، ليحل ظيفاً على الحكومة الفرنسية، تلبيةً لدعوة وجهها الرئيس الفرنسي و وزير خارجيته أثناء حلولهما اليومين الماضيين و إلتقائهما ولي العهد السعودي و رئيس الوزراء اللبناني المستقيل، هي زيارة يجمع أكثر من مراقب على إعتبارها قد مثّلَت المخرج المناسب و بالأحرى مشروع الإحتواء للأزمة الدستورية التي دخلها لبنان جرّاء الإستقالة غير المسبوقة التي تقدم بها الحريري أو لنقل أعلنها بالرياض عقب زيارة قام بها فجأة للسعودية، و ظل عقب إعلان الإستقالة مقيماً هناك بل و دونما تواصل يذكر مع الإعلام، على الرغم مما تردد عن قيامه بزيارة ألى الإمارات العربية، مما فتح الباب واسعاً على ما لا حصر له من الإشاعات بشأن الإستقالة و ما إذا كنت بضغط سعودي أو إكراه بالأصح للرجل مشترك الجنسية بين السعودية و لبنان، و العطف بالواو لا يفيد الترتيب كما يقول النُحاة، خاصة و إن الإستقالة تزامنت مع حملة غير مسبوقة أيضاً شُنت على الفساد و المفسدين في العربية السعودية طالت عدداً غير قليل من المتنفذين من مشاهير الأمراء الأثرياء المشهود لهم بقوة النفوذ مما فسر بقوة إرتباطه لما تنتظره السعودية من بعض الأحداث التي قد يمليها حسم إنتقال السلطة نهائياً من أبناء الملك عبد العزيز إلى حفدته، و حلول مرحلة جديدة قدّرها بعض الخبراء بخمسين سنة قادمة، بمعنى أن إستقالة الحريري بقدر ما هي نتاج ما يجري في لبنان من صراع، فقد لا تكون بعيدة كذلك عما تشهده السعودية أيضاً لما للحريري من خصوصية المكانة في البلدين، أو لمصلحة السعودية في البلدين بالأصح، غير أن دخول فرنسا على الخط و تمكنها من إستظافة الحريري إن كمقدمة للذهاب إلى بيروت و إستكمال الخطوات الضرورية لإستقالته و ربما إختيار من يخلفه، أو تراجعه هو و تحقيق ما يريده من حمل مسئوليته الحكم و ما تريده الأطراف المتكفلة بشد إزره و تسهيل مهمته، إنما يعني بكل بساطة أن فرنسا ما تزال مصرة على القيام بدورها الرئيسي حول ما يخص لبنان و تحالفات طوائف لبنان، بما لا يسمح للشيعة بتجاوز رئاسة البرلمان و المساهمة في الأعمال الخيرية و ما في حكمها مما بدأ به الإمام الصدر عندما حل بلبنان قادماً من إيران، و ليس الكتائب المسلحة التي تفوق إمكانيات الجيش اللبناني، على النحو الذي بلغته قوات الفدائيين الفلسطينيين الذين إتخذوا من بيروت -بعد أن أكرهتهم عمَّان- مقرّاً فغلبت قوتهم العسكرية قوة الجيش، و دخلت لبنان في حرب أهلية تجاوزت حرب 58 من القرن الماضي، فكان ما كان من حرب إنتهت بخروج السيد ياسر عرفات و منظمة التحرير مُيممين وجوههم نحو تونس و الجمع بين اللإقامة و المفاوضات و الوصول إلى الحل الذي لا بديل له لتكون العودة المنقوصة و التي لم يقبل بها الصهاينة حتى مات أبو عمار في ظروف غامضة، و تتوالى الأحداث الأقليمية و تتنامى القيادات العشائرية و الوكالات السياسية فيتأكد على ما يبدو ألا مهرب من تكرار سيناريو خروج عرفات، فيتعذّر على ما يبدوا الإبقاء على التحالفات التي جعلت سعد الحريري يستمر مع من طالتهم شبهة قتل أبيه لتأتي هذه الإستقالة و تلتها التطورات وصولاً إلى التوجه نحو باريس، عسى أن يكون في التحرك من هناك ما يتيح لفرنسا أن تحتفظ بدورها التاريخي في لبنان "و الذي هو قبل فرنسا و بعد فرنسا" و تحقيق شيء من التوازن بين المسيحية و الإسلام إنطلاقاً من القاهرة و أزهرها و بيروت و علمانيتها في إستقلال كامل عن ولاية الفقيه الفارسي و الحكم التركي و قصر النظر الباكستاني، بيروت الثقافة و الأدب، إبداعاً و ترجمةً و تفتُحاً لا حدود له على الحياة. و من هناك من باريس يباشر الحريري حياته وفقاً لتقديراته و شروط واقعه، فإذا ما حتّمت الظروف العامة إمتشاق السلاح من أجل ألا يسود في لبنان سوى سلاح الجيش اللبناني، فلا يكون الحريري في موضع المُحرَج و إنما يختار موقفه بلا ضغوط.    إنتهى

_______________________________

إستقالة الحريري حذَراً و لن يُغني حذرٌ عن قدَر

أمين مازن

6-11-2017

أعلن السيد سعد الحريري إستقالته من رئاسة الحكومة اللبنانية، و هي الرئاسة الثانية كما يدعونها في لبنان، البلد العربي الذي يمثل صيغة من أعقد الصيغ السياسية في الأنظمة العربية،  و أكثرها إرتباطاً بما ساد الوطن العربي من تسويات إنبَنَت على ما أُطلق عليه إتفاقية سايكس بيكو التي إقتسمت بموجبها بريطانيا و فرنسا الوطن العربي في القرن الماضي الذي شهد إنتهاء السيطرة التركية على كل ما كان تابعاً لها من المستعمرات و أخيراً إلغاءها للخلافة و إعلان جمهوريتها على يد كمال أتاتورك، إنها الإتفاقية التي حددت المبادئ الحاكمة على الرغم من ظهور أكثر من قوة سياسية في العالم و على رأسها أمريكا و روسيا.لقد جاءت خطوة الحريري هذه و هو يقوم بزيارة مفاجئة للعربية السعودية حيث أعلنها من هناك و بررها بما توفر لديه من المعلومات التي قد تجعله يلحق بوالده مقتولاً ،كما حدث منذ سنوات، مُحدِداً مسئولية الخطر المنتظر بإيران و سياساتها العدوانية في الوطن العربي، و لا سيما لبنان حيث حزب الله بزعامة حسن نصر الله و ما يمثله من ذراع لإيران و سوريا في ذات الوقت و جريمة الإغتيال الشنيع الذي أودى ذات يوم بحياة الرئيس رفيق الحريري و تعذّر القصاص من القتلة جراء نفوذ الدولتين، و إحتمال تكرار ذات المصير للحريري الإبن ما لم يُصغ للنصيحة السعودية و ما تمتلكه من وسائل التواصل مع عديد الأطراف الدولية، فلم يكن أمام هذا السياسي السني إلا أن يستفيد من هذه النصيحة الجريئة، خاصة و إن الكثير من ساسة العالم نجوا مما دُبِّرَ لهم من المكائد بفضل نصائح أصدقائهم الأجانب متى أحسنوا الإصغاء، و العكس صحيح عندما إستخفّوا بما سُرِّب لهم، على نحو ما حصل للأمير عبد الإله الذي إستخف بنصيحة شاه إيران التي أرسلها أي الشاه للملك فيصل و هو يزور تركيا في يونيو 1958 أي قبل الرابع عشر من يوليو في ذات السنة التي شهدت الإطاحة بالعرش الهاشمي في العراق عندما رد عبد الإله على ناصحه إن أهل البيت الذين ينحدر منهم هو و إبن أخته فيصل في حراسة عناية الله، إنها النصيحة التي لم يكن شاه إيران يرمي من ورائها الحيلولة دون ما دُبِّرَ للنظام، و إنما فقط ضمان سلامة الملك الشخصية، و هو ما ظفر به الشاه بعد ذلك التاريخ بواحد و عشرين سنة عندما سُمِحَ بإسقاطه على يد الخميني، و الذي إستطاعت ثورته أن تجعل لبنان ساحة من أطوع ساحاتها إستفادةً من الإرث النفيس الذي تركه سيد المحرومين "كما يُدعى" الإمام الصدر الذي إختفى ذات يوم ليظهر الخميني دون أن يحرك أي ساكن بشأن الصدر، حتى إذا ما قُدِّرَ للقذافي المتهم بإختفاء الصدر أن يكون الضحية إبنه هانيبال الذي كان أثناء ذلك الحدث ليس أكثر من طفل صغير، في الوقت الذي يُنسب للمستشار مصطفى عبد الجليل قولٌ مفاده أن لبنان نُصِح بعدم فتح ملف الصدر، و ما ذلك إلا لأن المخططات الشاملة للمنطقة لا تتأثر بتغير الأفراد، و السعداء فقط هم الذين يتوصلون بالمعلومة قبل غيرهم، فإذا ما أدركنا أن الطيف الشيعي بلبنان الذي وضع فاعليته موسى الصدر معولاً على شخصيته التي حدت بشاه إيران أن يدعمه، كما تردد في حينه، و أن السيد حسن نصر الله الذي إتخذ من هذا الموروث ما جعل الطيف الشيعي مُسخَراً لإيران في لبنان و سوريا على السواء، فإن إندلاع الأعمال العسكرية في لبنان قد يكون لسكانه أقرب من حبل الوريد، و من هنا فقد تكون حسابات سعد الحريري أدق من حسابات أبيه رفيق الذي مات موت الأبطال، و لن تكون نهاية حسن نصر الله على أقوى الإحتمالات سوى شبيهة بنهاية الإمام الصدر و أمثاله من الرجال، لقد بلغت الأزمة اللبنانية أقصى درجات التقاطع، و تحول حزب الله من تنظيم سياسي متغول على جميع الأحزاب فصار يُنعت بالدويلة داخل الدولة، فبات ضرورياً اللجوء إلى عمل عسكري محدد الأمكنة و الأهداف، و على رأس هذه الأهداف سلاح حزب الله، و على الرغم من أن الأهداف تكون في الغالب محددة و الرؤوس التي ستطير أيضاً، إلا أن أبواب التجاوز كثيراً ما تكون مفتوحة، و ما على اللاعب الماهر إلا أن يتجنب سبلها بالكامل، لعل سعد الحريري بإستقالته هذه قبل العودة إلى بلده قد إختار هذا الموقف، خاصة و أن الدوائر المطلعة لم تُخف ما توفر لديها من المعلومات عندما نشرت بعض ما علمت، و لا شك أنها زودته بما هو أكثر من ذلك. و مع ذلك يبقى أبلغ ما ترك الأولون: لن يُغني حذَرٌ عن قدَر. إنتهى


________________________________

الشاهد يُحوِّر حكومته التونسية و الباجي يصفها بالفرصة الأخيرة

أمين مازن

12-9-2017

أجرى السيد يوسف الشاهد رئيس الحكومة التونسية تعديلاً وزارياً موسعاً، شمل عشر حقائب وزارية، و عدداً من كُتّاب الدولةَ (ما يشبه مساعد وزير) و قد جاء هذا التعديل بعد سنة كاملة من تاريخ إضطلاعه، أي الشاهد برئاسة الوزارة. و هي الحكومة التي أُطلق عليها حكومة الوحدة الوطنية، حين خلفت حكومة الحبيب الصيد، و قد تأكد من هذا التعديل بقاء ميثاق الشراكة الذي أُبرِم في وقتٍ سابق بين حركتي نداء تونس و النهضة، بإعتبار النداء حزب الأغلبية و النهضة صاحب الترتيب الثاني، و هي الصيغة التي توصّل إليها الشيخان الباجي قايد السبسي، الذي فاز برئاسة الدولة التونسية و راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة التي صرّح أبرز قادتها عبد الفتاح مورو بأنه منح صوته في إنتخابات الرئاسة للباجي، في حين ترك للجماهير النهضاوية حرية التصويت في الإنتخابات المُشار إليها، و هو الموقف الذي لم يكن -حسبما أُشيع- موضع رضا الدكتور المنصف المرزوقي الذي سبق أن دخل ما أطلق عليه الترويكا عقب أول إنتخابات أُجريت بعد إجبار الرئيس زين العابدين بن علي على الفرار من تونس. في مطلع العام 2011 عندما جرت محاولة توسيع إختصاص المجلس الذي أُنتخب لإعداد الدستور قصد تمديد ولايته خلافاً للأجل الذي حُدِدَ عند إجراء الإنتخابات، و هو ما تصدى له الشارع التونسي بكل القوة و إضطلعت بقيادة حراكه ذاك، حركة نداء تونس عندما دعا إلى تأسيسها الباجي قايد السبسي، في تجمع موسع شمل معظم الأطياف التونسية ذات المنحى الليبرالي، لقد جاء هذا التعديل وسط جملة من الرهانات الرامية إلى إعطاء الكفاءات حظها الأوفر في الإختيار و ترتيب الأولويات المتصلة بالإقتصاد، و إرتفاع سقف المطالب التي خلقت وضعية بالغة الصعوبة، من بينها التعيينات غير المسئولة التي بادر بها الذين هيمنوا على القرار و وجهوه لمصلحة محاسيبهم فرتّبوا على العهد الجديد إلتزامات مالية لا قِبَل للخزانة بها. و هي ظاهرة شهدها أكثر من قطر من أقطار الربيع العربي إلا أن تونس لما لها من خصوصية أفلحت في طرحها بوضوح، و تُصر اليوم على البت فيها، تماماً مثلما هي المعاناة الناتجة عن توالي الإعتصامات و طلبات الحقوق التي قد لا تتفق مع مستويات الأداء، و لا تتلاءم مع الموارد الفعلية للبلاد، و هي وضعية تفرض على القوى السياسية التونسية و المتنورة بالذات، أن تضع في إعتبارها جملة من المخاطر التي تهدد تونس المستقرة و ما يُوجَّه لها من الضغوط التي تستفيد من المحيط و ما يتحرك فيه من سياسات لا تخفي إمتعاضها من تجربة تونس التي لم تعد طوع بنان القوى المتطرفة و الأخرى التي تنوب عنها، و تحتفظ لها على الأقل بما أفلحت في تحقيقه في غفلة من العموم الذين لا حياة لهم من دون التفتح على جميع المستويات، و عندما يُلوح الباجي صاحب التجربة الطويلة أن ما شهدته تونس من تعديل في حكومتها، بما يتعلق بالإكراهات الإقتصادية بدون شك، يمثل الفرصة الأخيرة، فليس أمام أنصار الديمقراطية و الإستقرار إلا أن يعلموا و يعملوا بما علموا، بأن ما يُنذر به المستقبل، يستوجب المحافظة على الوجود، بالأقل، بدل المغامرة التي قد تجيء بالأسوأ.إنتهى


_____________________________

أبعد من الدوحة وأكبر من أنجامينا

أمين مازن

28-8-2017


قطعت تشاد علاقتها الديبلوماسية مع قطر ، وأمرت بعثتها في أنجامينا بمغادرة تلك العاصمة ، وحددت لقرارها هذا موعداً زمنياً لا يزيد على عشرة أيام . أما مبررات هذا التصرف اللافت ، فقد أرجعته العاصمة التشادية إلى ما تتعرض له من إجراءات عدائية يقوم بها من التراب الليبي عدد من المعارضين التشاديين الذين تدعمهم الدوحة بالسلاح والمال وبقية التسهيلات التي يوفرها ، حسب الإدعاء التشادي ، ماتتمتع به قطر من المكانة الخاصة لدى العديد من المسؤوليين الليبين ، هي تهمة زاد في تزكيتها ماورد على ألسنة بعض مسؤولي دولة مالي الذين يشاركون تشاد تذمرها من الموقف القطري ، والذي يتخذ هو الآخر حسب الإدعاء المالي من التراب الليبي منطلقاً له ، ذلك يعني وبصرف النظر عن صحة ما قيل من عدمه ، أن ليبيا وفي حدودها الجنوبية تحديداً بإعتبارها الملاصقة لتشاد وماحولها يمكن أن تكون مسرحاً لعديد من العمليات العسكرية التي قد يقدم عليها أولئك المتضررون من الفوضى التي تسود ليبيا كما هو إجماع معظم الأطراف ممن لابد أن يتبنوا مثل هذه الموقف بدافع المساعدة أو المصالح المشتركة أو أي مبرر من المبررات التي تكون عسيرة التبرير ولا صعبة التنفيذ . وليس أمام مسؤلي ليبيا ، أن وجدوا سوى الوقوف المسئول أمام مايمكن أن يعود علينا من مزيد من التدخل المسلح . فما دام الثابت لدى عديد الدوائر أن بلادنا عاجزة عن حفظ أمنها . ومادام غياب الأمن قد تسبب في الإخلال بأمن الآخرين فإن من أوكد ما سيحل بنا هو المزيد من التدخل ، والتدخل في هذا الصدد لن يخرج عن الإستعانة ببعض الأطراف الليبية على هيئة سلطة محلية أو أخرى ذات أَحَقِّية تاريخية والإثنين معاً . أما إذا ما أضفنا إلى ذلك موقف التبو الليبين من مشروع الدستور الذي رافقته العجايب منذ تحديد أعضاء هيئة مساواة بين الأقاليم و إستياء معظم أهالي الجنوب من سوء تطبيق إتفاق الصخيرات من إفراغه من محتواه بواسطة الذين يريدون الظفر بكل شئ ، وليس أسهل عليهم من إقناع أي عضو من الأعضاء المنتخبين في الهيئات الثلاثة مجتمعة بالتخلي عن الأساسيات التي يفترض أن تكون بدهية، أما الإتفاق الذي وصف به رئيس المجلس الرئاسي المقترح على مخرجات الإجتماع الذي رعاه الرئيس الفرنسي ، بما أقدم عليه من دعوة البحرية الإيطالية لدخول الشواطئ الليبية لحجة المساعدة على مكافحة الهجرة الغير الشرعية ، وبقاء التراب الليبي مستباحاً للمهربين على كل المستويات واعتباراً الدوحة مسؤولة عن مايجري في أفريقيا وبالتحديد تشاد ومالي ، وهي المحاربة من تحالف يملك ما لا حصر له من القدرة على الفعل وتبرير الفعل ، إضافة إلى مايشكوه الناس في الجنوب من الحرمان من جميع الخيارت بالأحرى الضروريات ، فإن من المكابرةأن يظن كائن من يكون أن يواجه كل من يقرر التدخل أية صعوبة تذكر فإن ما أقدمت عليه تشاد إتجاه الدوحة ، ومايًنسب إليها من تهديد لأمن هذه الدولة الأفريقية وشقيقتها مالي وربما النيجر أيضا ، لا يعني سوى حقيقة واحدة تتعلق بنا نحن الليبين ، بإعتبار الأخطار تصل هناك من أرضنا وربما بعض الفرقاء المحسوبين علينا ومن جنوبنا تحديداً ، ومن ثم إنتظار مزيد التدخل ، غير أن القرار المتعلق بهذه الأمور مجتمعة ، أبعد من الدوحة وأكبر من أنجامينا .

تونس بين خصوصيتها و زوابع الربيع العر بي

أمين مازن

16-8-2017

كل من يُقِرُّ تونس على ما تصف به تجربتها السياسية و تجلياتها في الإقتصاد و التنمية و الإجتماع بالخصوصية التونسية، لا يملك إلا أن يستغرب ما طرحه الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي من توجه و توجيه يعطي بواسطته الحق للمرأة التونسية في الزواج من غير المسلم و كذا التساوي مع الرجل في الميراث و غير ذلك من الحقوق التي نظمتها مجلة الأحوال الشخصية كما هو المصطلح الذي عرفته الدولة التونسية الحديثة و أمضاه مؤسسها في غير ما مرة الرئيس المؤسس الحبيب بورقيبة، في معرض تبنِّيه للمشروع التحديثي الذي يقوم على مبدأ إشراك هذا الجزء من المجتمع في المعركة التنموية بنسبة متساوية بين الرجل و المرأة، إنه التوجه الذي قيل فيه الكثير و ما يزال يُقال عنه و فيه أيضاً. و الإستغراب الذي نقول به لا يتعلق بالموضوع من حيث الصواب أو الخطأ، أي أن الإستغراب يتعلق بالتوقيت على وجه التحديد. إذ ما دامت تونس على موعد مع تنظيم الإنتخابات البلدية في الأشهر القادمة و لما يحملة مثل هذا المشروع من ترسيخ لفكرة اللامركزية، و ما يُنتظر عن الأخذ بها من توسيع الصلاحيات التي ستُمكن السُلَط الجهوية من تنفيذ المخططات التنموية القادرة على وضع حد للبيروقراطية و لما تعانيه عديد المناطق من سطوة التهميش و ما يدفع إليه من مشاعر المرارة و ما تسبب فيه من إيجاد البيئات الحاضنة للتطرف و تجلياته المتمثلة في ظاهرة العنف التي تُلاحظ في أكثر من مدينة و ينتج عنها الإخلال بالأمن في غير ما مرة ما يفرض إعطاء الأولوية لهذا التوجه و ليس إدخال ما يربكه من المستجدات كانت الحكمة تقتضي أن تبقى الجماهير التونسية منصرفة إلى هذه التجربة الجديدة، لتضمن لها الإقبال المطلوب، و التنافس البناء، خاصة و أن بعض الأحزاب السياسية لم ترحب بهذا التوجه إذ رأت فيه ربما ما قد يقلل من هيمنتها و توالي إملاءاتها التي كثيراً ما تضحي بالقدرات الشخصية أمام الإنضباط الحزبي، في حين أن الخدمات البلدية في أحيان كثيرة تحتاج إلى نوع من التأهيل و الدُربَة التي لا تتوفر في الكثير من المندمجين في العمل الحزبي، مما يجعل من الزج بمثل هذا الموضوع الخلافي إضراراً بمثل هذا الإستحقاق على الوجه الأكمل إذ يستحيل على الذين سينخرطون في الجدل المتعلق بالمساواة في الميراث و حق الزواج بغير المسلم و أي نقاط أخرى ما تزال موجودة في مجلة الأحوال الشخصية أن يعطوا للإنتخابات البلدية ما هي في حاجةٍ إليه من الإهتمام، فحين يتعلق الأمر بالأصول يكون حظ الفروع أقل بكثير، اللهم إلا إذا كان الهدف متعلقاً بما يُشاع في أوساط تونسية كثيرة من أن تحالف نداء تونس مع حركة النهضة قد تم لصالح ما توصف به النهضة من الهوى السلَفي، و ليس ما عدل عليه النداء من مبدأ قطع الطريق عليها، حين طُرِحَ النداء كحزب و تقدم السيد الباجي لرئاسة تونس وحقق ما حقق من الأغلبية، بمعنى إثارة الأمور المتعلقة بالمساواة تزامناً مع عيد المرأة و من موقع المشاركة في التنمية تجئ بدافع الأولوية الحزبية التي تجعل من إنتخابات البلديات القادمة من الأمور الثانوية، غير أن البلد الذي عرف إتفاق الشيخين من أجل تونس و أثار من الإستغراب ما لم يخطر ببال الكثيرين، قد يجعل الإستغراب الذي أشرنا إليه من قليل في غير محله، فلتونس من الخصوصية ما يجعلها أقدر على تجنّب أي فخ يتوهم أعداؤها أن يضعوه في طريقها و الزج بها أمام زوابع الربيع العربي.  إنتهى

_______________________________

أول الغيث و أول الإبتلاء


أمين مازن

10-7-2017


لا يمكن لكل من يرقب التوتر الذي حلّ بمنطقة الخليج العربي الناتج عن رفض السلطات القطرية لقائمة الطلبات الثلاثة عشر التي حددتها السعودية و الإمارات العربية و البحرين، إلى جانب مصر، حول ما تراه ضرورياً لوقف ما أُعتُبِر مهدداً لأمن الدول المذكورة، و لا مَفرّ من المسارعة بتلبيته من جانب قطر، حالة ما إذا كانت قطر راغبة في تجنّب ما شُرع في تطبيقه من إجراءات رآى المخالفون أنها رادعة إذ بدأت من الإقتصاد و قد تصل إلى طردها -أي قطر- من مجلس التعاون الخليجي و ربما أكثر من ذلك، إلا أن يستشعر المخاطر الكبيرة التي تُنذِر بأوخم العواقب على أمن و إستقرار المنطقة بالكامل. ذلك أن هذا الموقف و إن يكن قد حَملَ أختام الدول الأربعة التي أعلنته إلا أنه أُحِيط بموافقة غير عادية من المجتمع الدولي، اللهم إلا إيران و تركيا اللتين لا تخفيان إنحيازهما الدائم لقطر، لما للمشترك المصلحي من تأثير على المواقف، و بالأحرى تشكيل التحالفات، و من ثم المستهدفات، ذلك أن بعد أن لاحَ في الأفق ما يؤكد أن ما خططته القوى الكبرى من السيناريوهات المتعلقة بمستقبل المنطقة لحقب قادمة، و كان للإتجاهات الأيديولوجية المتطرفة دورها في هذه اللعبة معولة إلى حد كبير على الدعم القطري و حليفه التركي في أكثر من ساحة و قد كان أبرزها شق الصف الفلسطيني، و توظيف بعض رموزه في اللعبة الإعلامية تحديداً، و إشعال الحروب في الجزيرة العربية لأكثر من دافع و مبرر، لم يعد كما كان عليه في الماضي إذ تعين على ما يبدو الإجهاز على هذه القوى فصار ضرورياً تجفيف المنابع المالية التي طالما كان لقطر دورها المؤثر إزاءها. و كذلك الحد من الأذرع الإعلامية و على رأسها الفضائية التي كان لها من التحريض القوي ما أثار حنق الأعداء قبل الأصدقاء فتعين العمل على وقف أذاها بتعديل النهج أو إسكات الصوت بالمرة، فقد وفرت هذه الأذرع أوسع المساحات لمن أُعتبروا على رأس من أُعتبروا موصوفين بالتطرّف بل المعوقين لعديد التسويات السياسية، الأمر الذي لم يحرص على إستمراره و عدم المساس به سوى الأتراك و ملالي إيران، أولئك الذين كلفتهم الدوحة عديد الإلتزامات المالية، إستضافة سخية، و حدباً منقطع النظير، مما لم يكن مبعث رضا في عديد الساحات، تلك التي رأى الكثير من أهلها في هذه المواقف دعماً للتدخل في شؤونها الداخلية و ثوابتها الوطنية، فلم تُخف إستياءها و بالغ سخطها و قد ظاهرها على ذلك أكثر من طرف دولي طالما إتخذ ما وُصِف بمحاربة التطرّف و الإرهاب شعارات تُطرح و إجراءات تُنفذ و دعوات لا تعرف التوقف، و ليس من المستبعد أن تشمل أكثر من سلطة و إن فضلت أن تبدأ بقطر. و الأمر جد عادي عند التدبّر المُنصف، فما من دولة من الدول ظهر لها من سياسة أخرى ما هدد أمنها و شروط إستقرارها إلا و سارعت من باب الدفاع عن الذات بإنتهاج أحزم السياسات إصراراً على درء المخاطر فتبدأ من الإحتجاج و تصل في النهاية إلى التحرّك العملي و الذي قد يشمل العسكري الذي كثيراً ما يعجز الذين يوقدون شرارته الأولى عن تقدير مدى نيرانه. من هنا فإن ما طُلب إلى قطر أن تقوم به من خطوات بإعتبارها متصلة بأمن المختلفين معها، و إصرارها على رفض ذلك بحجة المساس بالسيادة الوطنية، ما لم يجنح الجميع إلى الواقعية و تقدير المصالح الأكبر، فإن خطر الإنجرار إلى أي عمل عسكري لن يستطيع أحد التحكم في عواقبه، ذلك أن الإستراتيجية الرامية إلى إشعال الحروب المحدودة و بعيداً عن الشعوب الممسكة بمفاتيح العالم تعتبر على رأس الخيارات، كتقليم أظافر إيران بضربة لا تسمح لها بأي رد و جر تركيا إلى صراع أكبر يبدو هو الأخر كبير الإحتمال، أما إشغال الأربعة المناوئين لقطر المُتذمرين من مواقفها و القوى المتحالفة معها أو المؤتمرة بأمرها داخل الدولة المشار إليها في المزيد من الحروب التي لم تكفها حرب اليمن فهو أيضا قد يكون أكثر إلحاحاً، و في ذلك كله ما سيضاعف الخسارة و يبرر التدخل و يعوق قطار التنمية إن كانت تحتاج إلى التعويق، و لا شك فإن الصلَف الإيراني قد يتكفل بذلك خاصة و أن قطار المعارضة قد تحرك من فرنسا، تماماً مثلما إنطلق ليأتي بالملالي قبل ثلاثين سنة و يُطيح بالشاه في أكثر الحركات دراماتيكية، و تأثيراً. صحيح إن مستوى الوعي هنا أو هناك قد يفرض في نهاية المطاف الجنوح إلى السلم و الإنصياع لصوت العقل الذي يؤكد ان كل تضحية تجنب الإصطدام المسلح مهما كانت مؤلمة بالنسبة لمن يقبل بها فإنها تفوق في مردودها آلام الحرب، لأنها الخيار الأكثر إستحالة في تقدير مداها و فترات بقائها، و تبعات ما بعدها. و يكفي شاهداً ما نعانيه نحن الليبيون من شرور الأعمال العسكرية طوال السنوات التي تلت السابع عشر من فبراير، عندما إحتلت قطر الحيز الذي يفوق حجمها في الشأن الليبي، مؤيدة لهذا و مناوئة لذاك، فكان الإستمرار في الأعمال العسكرية و كان التشظّي الذي لم تكفه الحكومات الثلاث و لا العواصم العربية و الأوروبية التي لا تسأم إستقبال و توديع القائمين على هذه الحكومات و المؤتمرات التي لا ينتهي أحدها حتى ينبعث المؤتمر الآخر، و لا شيء في النهاية سوى مزيد من التشرذم و التكالب على المال العام و الجاه المُفتعل و السباق المحموم نحو الوجاهة و بالأحرى التفاهة

لقد سيطرت على الحياة العربية هذه الأيام حالة من التوتر الذي هدد أحوال السلم في الصميم، إنطلاقاً من المشكل القطري، الذي ذكرنا بأكثر من شكل مثل بداية من البدايات الحروب. و إذا كان العرب يقولون في أمثالهم القديمة أول الغيث قطرة، فسيقول المؤرخ المعاصر حين يرصد الأحداث العربية التي أثرت في سياساتها و ربما جرّت بعض ما يُسيء لا قدّر الله : أول الإبتلاء قطر. إنتهى


________________________________

لِلْبَيْتِ رَبٌّ يَحْمِيهِ

أمين مازن

22-6-2017


إستبدلت المملكة العربية السعودية الأمير محمد بن نايف بالأمير محمد سلمان فسَمّْت محمد سلمان ولياً للعهد و أناطت به كل ما كان من مشمولات محمد بن نايف الذي أُعْفِي من ولاية العهد أولاً و بقية المسئوليات السامية ثانياً، حريصة في الوقت ذاته على أن يكون محمد بن نايف أول المبايعين لولي العهد الجديد و الذي أُختِير من هيئة البيعة بما يشبه الإجماع، فجسّدت هذه الخطوة إجراءً حاسماً لا حرج من الجزم بضرورة الأخذ به، في هذه المرحلة التي يخوض فيها العرب أكثر من صراع مع مجموعة القوميات المجاورة في منافستها للعرب على أكثر من صعيد، بدعوى أن الإسلام الذي يُدين به أكثرها و عموم حكامها يبيح لها ما تخوض فيه من عنيف الصراع، فوجب على كل منشغل بالشأن العربي أن يبدي إرتياحه لهذه الخطوة، ليس لأن الأحوال هناك في الكامل على أحسن ما يرام، و إنما لأن ما يسود الحياة من عديد الإخفاقات هو قبل غيره ما يفرض البت في شرعية الحكم بما يسد الذرايع على كل من قد يتخذ من بعض الخلافات التي لا يخلو منها أي مجتمع و تتسلل من ثَم إلى البيت المالك فتعصف بالبلد كَكُل. و لا سيما في هذا الزمن الذي ليس فيه من رهان أكثر من تبرير الهدم، مثل الصراع الفكري المزعوم، حيث إدعاء الحرص على المحافظة فيما يكون الهدف الأكبر هو المزيد من الجمود و مقاومة كل نزوع نحو التطرف بمقاومة التغيير بحجة الحرص على الأصول، في الوقت الذي تجمع أكثر النظريات صواباً أن الناس خُلِقوا لعصرهم و أن كل سعي لإبقائهم رهيني ماضيهم سيُفضي بإزاحتهم نهائياً مع ذلك الماضي، إذ لا مجال لوقف عجلة التطور و حضر الإفادة من منجزات العالم، العالم الذي يختلف حتى القطيعة مع ذلك التراث الذي تركه مؤسس العرش السعودي و موحد المملكة و مطور أسرتها الحاكمة من مشيخة دينية إلى سلطة تزيح الطموح الهاشمي جنباً إلى جنب مع الإرث العثماني و دولة تستعين بخيرة الخبرات العربية و ترفع راية يتوسطها السيف و ما يحمله من الدلالات في العصر الذي ألغى فيه أتاتورك الخلافة، لتبقى بعد ذلك التاريخ كل هذه المراحل في ذُرية الملك المؤسس الأكبر فالأكبر في شيء من الخصوصية التي أنجزت الكثير حتى إذا ما أكدت جميع المتغيرات أن الزمن لم يعد ملائماً للإبقاء على أولئك الأبناء أن يبقوا حيث هم، كان لابد للأحفاد أن يبادروا بما يحمله الزمن في طياته من الإملاءات، فجاءت هذه الصيغة التي حققت هذه النقلة اللافتة على هذا القدر من السلاسة و الإحكام و المراعاة الملحوظة للكثير مما تزخر به التقاليد السعودية من أهمية الأجواء الروحانية، عند إتخاذ القرارات المصيرية، و هذا الحرص اللافت على خصيصة السمع و الطاعة دون التخلي عما تستوجبه واجبات إحترام الصغير للكبير، فليس أمام كل من يتابع ما يجري في هذا الوطن الذي تتكالب عليه القوى إلا أن يبدي موفور الإرتياح لما تحمله هذه الخطوة من دواعي الإطمئنان، إذ على ما قد يُشيع في الوطن العربي من السلبيات، فيكفي أن ما تم في بلاد الحرمين، لن يسر العجم و عواصمهم، طالما كان من أول أولوياتهم تسخير الدين كي يسود ما سوى اللسان العربي في هذه المنطقة أو غيرها على الرغم من أن الدين الذي يدّعون إتباعه و الإحتكام إليه قد نص في مُحكمه و هو يُخاطب من أُرسل للناس كافة بأن القرآن العربي ذكر له و لقومه، و من هنا فليس أمام كل عربي صادق في عروبته إلا أن يطمئن لما جرى بصدد الإستقرار السعودي موفراً أي خوض في السلبيات إلى وقتٍ آخر، و للبيت كما قِيل منذ القِدَم ربٌ يحميه

_______________________________ 


لا أُلْهِيَنَّكَ إنِّي عَنْكَ مَشْغولُ

أمين مازن

17-6-2017

لم يُثر الخامس من يونيو في ذكراه الخمسين هذا العام، إهتمام الكثير إن لم نقل كل وسائل الإعلام العربية، على نحو ما ما كان سائد طوال الحقب التي توالت على الواقع العربي، و الذي شهد منذ مطلع الحقبة الثانية من قرننا هذا ما أُصطُلِحَ على تسميته بثورات الربيع العربي التي أودَت بأعتى الدكتاتوريات التي إستطاعت أن تسود الوطن العربي و من مداخل كان شعارها إنقاذ مجتمعاتها من الإستبداد، فإذا بها لا تكتفي بالإنفراد بالسلطة و حسب و إنما تشرع في محاولة توريث أبنائها، فصارت تُنعت "بالجملكيات" بدلاً من الجمهوريات، نعم، لقد مرّ هذا اليوم في صمت و دون أي حديث و لو من باب الذكرى، و ما ذلك إلّا لأن العرب الذين كانوا يتحدثون -على الأقل- في الشأن العربي الواحد و الشعار الوحدوي الحالم، أصبحوا في زمن الربيع العربي لا ينشغلون إلا بمحاربة بعضهم البعض، و في أحسن الفروض إتقاء مكر بعضهم البعض، أما الفضائيات التي جعلت منها الأقمار الإصطناعية المراكز السايدة في طرح شئونهم المختلفة و صراعاتهم المحتدمة و مؤامراتهم المتناسلة، فقد وجدت و هي تعتاش على أحداث حاضرهم ما يغطي الكثير من ساعات البث الذي لا يعرف التوقف من أحداث أمسهم و التي كان على رأسها الخامس من يونيو 67 الذي أطلقت عليه النخب العربية التبريرية لقب النكسة بإعتباره أي العام قد شهد هزيمة الجيوش العربية على يد الجيش الإسرائيلي بعد عشر سنوات من أول حرب إندلعت سنة 48 و إنتهت يومها بطرد ما يقرب من نصف الشعب الفلسطيني إثر هزيمة وُصِفَت بالنكبة، فشُرعِنَ بواسطتها إسقاط العرش العلوي في مصر و إغتيال الملك عبد الله في الأردن و كسرت مصر إحتكار السلاح و صور الإعلام المضلل العدو الصهيوني على أنه من الهزيمة قاب قوسين أو أدنى و أعلن الصوت السياسي الإستعداد لمحاربة إسرائيل و من وراء إسرائيل فإذا بالطائرات تضرب في مطاراتها

كانت هزيمة جد مُنكَرة، قوبلت من طرف القائد الكبير عبد الناصر بالإستقالة التي قوبلت بذلك الرفض العارم من ملايين المصريين الذين خرجوا، كما يجمع أكثر المراقبين، تلقائياً رافضين الإستقالة و مُصرّين على مواصلة المعركة، إنطلاقاً من أن ما حصل نكسة يمكن الخروج منها، كما أمكن للعبارة الغامضة التي جاءت في خطاب تلك الأيام بأن الطائرات أُنتُظِرَت من الشرق فجاءت من الغرب أن تُروج إحتمال الهجوم من قاعدة الملّاحة مما أدى في وقتٍ لاحق إلى إحراق الكثير من شوارع طرابلس حيث بعض المتاجر الإيطالية و اليهودية، غير أن مصر ما لبثت أن أكدت براءة الأراضي الليبية من الهجوم، و حين لم يمض على تلك الهزيمة ما لا يزيد على السنتين و إنتهى عرش الملك إدريس، فكان أن أُعتبر ذلك بمثابة الرد على الهزيمة و الإصرار على مواصلة الكفاح بالدعم الليبي المنتصر و العهد الذي أيده الرئيس المصري و لم يتردد في تسليمه الأمانة لولا أن الموت لم يمهل الرئيس سوى ما لا يتجاوز السنة الواحدة و تصفية قاعدتي الملّاحة و العدم لإنتهاء المدة و تغير الإستراتيجية و يبقى السابع من يونيو طوال العقود التي تلت تلك الأيام مناسبة للخُطب و البيانات و حتى المظاهرات التي تحرك الكثير من القوى، تماماً مثلما ساعدت تلك الهزيمة على كشف الأسرار المتعلقة بالدور الأمريكي في الإطاحة بالعروش و إقامة البديل الجمهوري و هو دور لا يؤكد العمالة بقدر ما يؤكد التفاهم اليميني الذي يرى في الجانب الأمريكي المعادي للإلحاد ما يمثل أخف الضررين أو أهون الشرّين إنها الأسرار التي حملها أشهر كُتُب تلك المرحلة الذي أنجزه مايلز كوبلاند تحت عنوان لعبة الأمم و نُشِرَ في طبعة جيدة و وُزِّعَ في الوطن العربي من مشرقه إلى مغربه في أوج المقاومة الفلسطينية و بروز المشاريع الرامية إلى تصفيتها إبتداءً من مشروع روجر و تصفية جماعة ضافار و خنق اليمن الجنوبي عندما إضطرت بريطانيا لمغادرة تلك الربوع فلا تبقي في أيام العرب هذه سوى المسلسلات التي تؤرخ للثالث و العشرين من يونيو و السابع من يونيو و الصراع المُشوِّه لتلك الفترة فلا يبقى سوى اليأس و الإستعداد للتخلّي عن كل ما يُشرِّف السمعة و يرفع الهامة حتى ليصدق على الجميع قول الشاعر في تصوير بعض الأحوال المشابهة

وَقالَ كُلُّ خَليلٍ كُنتُ آمُلُهُ *** لا أُلفِيَنَّكَ إِنّي عَنكَ مَشغولُ


__________________________

"كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا"

أمين مازن

13-6-2017

سواء أُعتُبِرت القائمة التي نشرها السعوديون و من ظاهرهم في الخليج العربي المُتضمنة أسماء الأشخاص و الكيانات المُموَلَة من قطر و حُمِّلَت مسئولية الإرهاب، تمثل الموقف الدولي، و الذي اِشترطت دوائر الأمم المتحدة أن يكون صادراً من الأمم المتحدة مباشرة،أو لم تُعْتَيَر، فإن الخطاب الذي ألقاه الرئيس الأمريكي ترامب يوم الجمعة، و دعا فيه صراحة دولة قطر إلى وجوب التوقف عن دعم الإرهاب و العاملين عليه من أشخاص و هيئات قد غدت في نظر المجتمع الدولي ثابتة إزاء القطريين، و ليس أمامهم إن شاءوا لسفينتهم أن تَتجنّب زوابع الخليج إلا القبول بالمخطط العام، و أن يُزِيلوا من أذهانهم كل وهم يُزيِّن لهم إمكانية الشذوذ عن المخطط العام المُعد سلفاً لمنطقة الخليج و الذي اِكتسب من خطابات الرئيس الأمريكي في مؤتمري السعودية و ما تلاه في الخطاب الأخير و التغريدات المتكررة، عندما أكد التاريخ الطويل لقطر في دعم جماعات الإرهاب و نشر العنف، أي أن تغيير الموقف لا بُد أن يجمع بين الأنشطة السياسية و الأخرى الإعلامية و من باب أولى الثقافية، و ما من سبيل لتجنّب المخاطر المنتظرة، من دون تعديل السياسات الممنهجة على مختلف الصعد، و في مقدمتها بالطبع ما يردد المحسوبين على قطر من آراء متطرفة إن داخل بلدانهم أو وسائل الإعلام المتبنية توجهاتهم، إذ منذ أن ظهرت الإمبراطورية الإعلامية المدججة بأقوى أسلحة الإثارة و التأجيج، و الذي ظهر جلياً في أبرز القيادات الشرق أوسطية غير العربية الرافعة لشعارات التحرر و المعتمدة لمثل هذه الأنشطة و المتعهّدة لها بالإحتياجات المطلوبة إعتماداً على الوكيل القطري للحليفين التركي و الفارسي و على فلسفة أو اِستراجية قوامها هدم الجيوش الوطنية بالكامل و اِستبدالها بالمليشيات السفيهة التي تفتقد لأقل درجات المسئولية، و ليس لها من هم أكثر من إشاعة الفوضى و الشهوات التي لا تلتزم بأي قيد و لا ترتدع لأي رادع من أخلاق أو حتى عادة من العادات السائدة، و قد ساعدها على اِستقطاب العوام بعض ما أفلحت في القيام به من الفرقعات التي اِكتسبت صفة البطولة و ما هي من البطولة، و تحولت إلى ذراع غير وطني بالنسبة لمحيطها فقلل إلى حد كبير من اِحترام الشرفاء لها، إذ بدت قطر و كأنها المحرك لهذه الدُمى مجتعة، الأمر الذي لا يمكن أن يكون موضع إطمئنان بل مدعاة للإستخفاف و حتى الإزالة، و أقرب الأدلة على ذلك ربما هذه اللهجة العدائية و الدعوات الصادمة التي جاءت على لسان ترامب و طلباته المتلاحقة، الأمر الذي إستحوذ على إهتمام كل المراقبين، و إن يكونوا جميعاً غير براآى من شبهات الإحتراف الإعلامي و الترويج الإصطفافي، مما جعل من الحالة القطرية مسرحاً من أكبر مسارح الصراع بتجلياته المتعددة، حيث يمثل الشمال الأفريقي بحرائقه التلاحقة و زوابعه الهدامة أكبر مجالات المساومة تلك التي إذا كان ترامب قد فتح أوسع أبوابها فإن بوتن و هو يدخل منها قد يكون في مقدمة من يجني ثمارها، بما يدأب عليه من ليّْ أكثر من ذراع، في أكثر من ساحة تزخر بما لا حصر له من فرص التدخل كما هو حالنا معشر الليبيين ممن حملت القوائم المُسرَّبة عدداً من مشاهير قومنا، ممن يُفترض أن يكون الزج بهم دافعاً للجنوح للمراجعة، فيظهر علينا آخرون حاملين أقصى درجات التشدد و الإصرار على الإنتقام، و هكذا فبينما تسعى قطر للخروج من مأزقها و يتعاطى معها محيطها بما يرضي الجميع و يصون حقوق الجميع، نظل نحن لا هم لنا و لا هدف أكثر من إلاصرار على السوء و قفل أبواب التسامح و هدر الوقت الثمين في كل ما يضر الناس و يعطّل مصالحهم و هم محتاجون إلى أبسط الأشياء و أكثرها إلحاحاً لقمة للصائم و سترة للعورة، و أمن في عطلة العيد لولا أن ذلك ليس من أولويات الذين آلت إليهم معظم أمورنا فلم يرقبوا فيها إلّاً و لا ذمة فصدق في حقهم القول الخالد "كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا".إنتهى


_______________________________

ترامب و أول لقاءاته العربية

أمين مازن

25-5-2017

خص الرئيس الأمريكي ترامب المملكة العربية السعودية بأول زيارة يقوم بها خارج الولايات المتحدة، بعد إضطلاعه برئاستها، فحضر أشغال القمة التي جمعت بينه و بين أكثر من خمسين ملك و رئيس إستظافتهم لمدة يومين العاصمة السعودية الرياض تحت عنوان مقاومة الإرهاب و تجفيف مصادر تمويله، فجمع بين زيارة الرياض و مقابلة أهم الملوك و الرؤساء العرب. و التوجه من ثم إلى الدولة العبرية و إلتقاء رئيسها و من ثم الأراضي المحتلة حيث الرئيس محمود عباس، ليُنهي جولته هذه بالحلول في الفاتيكان و مقابلة البابا، في إشارة إلى أنه ينبغي من وراء هذه الزيارة إلى جانب ما سيبحثه فيها مع من سيلتقيه، أن يُعبِّر عن إحترامه للأديان الثلاثة التي يُوحِّد بينها الخليل إبراهيم أي أنه لم يعُد يُحمِّل الإسلام كدين مسئولية الإرهاب كما عُرِفَ عنه قبل أن يصل إلى البيت الأبيض. و قد كان الجانب السعودي شديد الذكاء حين قرر قبل مجيء هذا الرجل المشدود إلى مفهومه التجاري البراغماتي أن يرفع إستثماره بالخزاين الأمريكية إلى نحو أربعمائة مليار دولار جامعة بين التجارة و التسليح و مستوجبة من دون إعلان إلى ما لا يجوز التصريح به من المستشارين و الخبراء القادرين على توفير كل ما يطلب إليهم من ضمانات الكسب المالي و النصر العسكري و الإنجاز السياسي، فكل شراكة متكافية يمثّل أصحاب مموليها أمثال الملك سلمان و ولي عهده و ولي ولي عهده و من إلى جانب هذين الإثنين من الأجيال السعودية الجديدة خليقة بأن تحقق من المردود ما يفوق التكلفة أضعافاً مضاعفة لما في السوق الأمريكي من قوي الفرص و كبير الضمانات لبلوغ أقصى درجات الربح التجاري و السياسي، إن جاز التفريق، الأمر الذي ظهر جلياً في الخطاب الذي توجه به ترامب و ما حمله من رسائل كلها تطمين للجانب السعودي من حيث الدور الإقليمي و الأمن القارّي، و لا سيما ما يتعلق بالغريم الفارسي الذي كان دوماً مصدر إزعاج للسعوديين حتى و هم في أوجه التفاهم مع الإمبراطور الشاهنشاهي ناهيك و قد أصبح الملالي الشيعيون يجمعون بين الرصيد الفقهي و القرار السياسي و لا سيما و هم يبلغون ذلك المستوى المخيف من التسليح و تتوصل معهم إدارة أوباما إلى حل أثار قلق معظم أقطار الخليج و على رأسها المملكة العربية السعودية لولا أن شاءت الظروف أن يعتلي ترامب سدة البيت الأبيض و يعلن موقفه المعادي للإتفاق الأمريكي الإيراني فيكون بمثابة الهدية التي جادت بها الأقدار لتُطمئن السعوديين في خضم هذه الزيارة الإستثنائية التي جمعت بين مقاومة الإرهاب و تجفيف ينابيعه و من بين هذه الينابيع بالطبع نظام الملالي الإيرانيين و من يتعاطف معهم و ينوب عنهم بمشيخات الخليج المُصرَّة على تذكية نيران العنف و إستمرار الحروب الأهلية الهدامة و تبعاتها المتلاحقة. و عندما يكون الحضور العربي متمثلاً في وجود هذا الحشد من القادة و في إجماع على مقاومة الإرهاب فإن النزوع إلى التسويات الأكثر معقولية إن على المستوى العربي العربي أو الفلسطيني اليهودي و دون الإعلان عن أي مساعدات مالية كما هي العادة في كل لقاء أمريكي إسرائيلي، ذلك أن منطلق ترامب هو أن أمريكا الغنية ينبغي أن تزداد غنى و أن أمريكا القوية ينبغي أن تستثمر قوتها، و على الآخرين أن يحمدوها بما لم تفعل


_______________________________

من شر الوسواس الخنَّاس

أمين مازن

16-5-2017


أثار الخطاب الذي ألقاه الرئيس التونسي الأستاذ الباجي قايد السبسي في جمع من القيادات التونسية الكثير من التعليقات و الكثير من ردات الفعل داخل تونس و خارجها كما نقلت معظم الفضائيات، و ما من غرابة في ذلك، بل الغرابة حين لا يكون الأمر كذلك، فتونس كما هو معروف تمثل في أغلب الأحيان المؤشر لما يمكن أن تشهده المنطقة من متغيرات. و حسب المرء أن يذكِّر بذلك التصريح الذي جاهر به الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة في منتصف ستينيات القرن الماضي و هو يقوم بجولته في الوطن العربي داعياً العرب إلى ضرورة المطالبة بقرار الأمم المتحدة الداعي إلى تقسيم فلسطين بين العرب و اليهود ذلك القرار الذي رفضه العرب و قرروا دخول الحرب دون أي إستعداد يُذكر، لتكون النتيجة يومئذ تلك الهزيمة التي هيأت لليهود إعلان دولتهم فيما ذهبت الضفة الغربية لتكون من مشمولات المملكة الأردنية و تُدار غزة بإدارة مصرية و تُشيَّد على أرض سوريا و لبنان آلاف الأكواخ التي آوى إليها الفلسطينيون اللاجئون من أشهر المدن الفلسطينية التي تحولت إلى مواطن حديثة للإسرائيليين، لقد أراد بورقيبة بندائه ذاك أن يستبق الأحداث و يُفوِّت على اليهود فرصة إستغلالهم للرفض العربي و لكن الإرادة العربية الضعيفة و العاجزة عن إتخاذ أي قرار مصيري فضّلت رفض ذلك التوجه لتخسر البقية الباقية من فلسطين و يبدأ مسلسل الحل السلمي بعد ذلك في ظروف أضعف و ميزان للقوى أسوأ و تقطع القضية الفلسطينية عقب ذلك الموقف الإستباقي من بورقيبة ما لا حصر له من الخطوات التي كان الموقف التونسي على كل حال فيها أفضل من عديد المواقف العربية و قد كان آخرها إستظافة تونس لمنظمة التحرير الفلسطينية عشية إخراجها كاملة من بيروت مما هيأ للفلسطينيين ممارسة سياستهم في أجواء من الحريةالكاملة و التي لم تتوفر في أشهر العواصم العربية حيث التدخل السافر في كل صغيرة و كبيرة، و من هنا فإن ما نوَّه به الرئيس الباجي قايد السبسي من إمكانية إسناد مهمة حفظ أمن المنشآت الإقتصادية التونسية إلى الجيش التونسي، ربما يشير إلى بعض السياسات التي قد تُتبَع في المنطقة عموماً بشأن حفظ الأمن و بمباركة أو نصيحة، ربما دولية، فما تشهده تونس من ممارسات غير معتادة على نحو ما حصل في تطاوين من خلط بين المسيرات المُطالِبة ببعض الحقوق المشروعة و رفع الشعارات التي يمكن أن تدخل في عِدَاد العصيان المُهدد للسلم الإجتماعي بل و المنزلق نحو الدعوات الجهوية التي تطال الوحدة الوطنية في الصميم، فأن يتطور الإحتجاج ألى إغلاق الطرق أو حضر تدفق الغاز أو يوقف تصدير الفوسفات ما لم يتم التشغيل قسراً فإن ذلك يعني الإنجرار إلى الفوضى بإمتياز، أما إذا ربطنا ذلك بما تتناقله الأنباء، عن بقية أقطار الربيع العربي من حيث توزيع الثروات و إستغلال المعادن، فإن الضيق من مثل هذا النهج و التلويح بمقاومته عن طريق الجيش إنما يعني وعي تونس ببعض ما قد يؤدي إليه بعض الخطط من شرور قد تمتد إلى كل واقع عربي على حِدة، و قد تجعل العودة إلى ما كان سائداً قبل الربيع العربي من بين ما تفكر فيه بعض الدوائر الكبرى و مصالحها القارة، فالحديث في تونس إذاً ليس كلاماً يُرسل كيفما أُتفِق و ليس هو من قبيل شَغِل ساعات الإرسال المرئي و المسموع عبر الأقمار الإصطناعية التي تجاوزت بإمكاناتها المغرية جميع وسائل التواصل و قاعات الإجتماع، و قد كنا و ما نزال معشرالليبيين في مقدمة ما يُضرب به المثل عن فشل الربيع العربي الذي إتخذت منه بعض القوى سبيلاً لنشر كل ما هو سيئ و إشاعة كل ما يُبرر التدخل السياسي و حتى العسكري بكل أريحية، أي أن الخطاب موضوع الإهتمام قد لا يتوقف عند الحسابات المنظورة، كما أن التعويل على الصلاحيات التي تجعل الرئيس التونسي صاحب السلطة النهائية في تحريك الجيش ليس دائماً هو ما سيبقى سائداً فالتاريخ يعلمنا أن اِمتشاق السلاح حين لا يجيئ العدو من الخارج لا يعني بالضرورة أن يظل من يحمل السلاح مجرد حارس لمن يتربع على الكراسي الوتيرة حيث النمارق المصفوفة و الزرابي المبثوثة، إذ كثيراً ما تُغري كل من يقترب منها بالجلوس عليها بدل حراستها.و قدأُمِرنا منذ الأزل أن نستعيذ "من شر الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس".إنتهى


________________________________




فأين الثريا و أين الثرى

أمين مازن

10-5-2017

فاز المرشح الفرنسي إيمانويل ماكرون  ذو التسعة و الثلاثين عاماً برئاسة الجمهورية الفرنسية، وسط إحتفاء أوروبي بهذا الفوز، لما يعنيه من دعم للدور الفرنسي البارز في وحدة أوروبا، و من قطع للطريق على اليمين الفرنسي غير المريح لهذه الوحدة و دور فرنسا المهم في بنائها و غير المجدي أيضاً لفرنسا ذاتها لما قد تجلبه النظرة المنغلقة التي يرفعها هذا اليمين من مخاطر الإنكماش التي كثيراً ما تنتجها نظرات التعصب و دعوات الإنعزال، هو حديث إرتفع وسط نقاش غير عادي حول هذه الوحدة التي تحققت منذ سنوات و صارت بفعلها القارة التاريخية دولة واحدة لها عملة واحدة و إجراءات أمنية واحدة يمكن لكل متوجه إليها أن يطوفها من أقصاها إلى أقصاها بتأشيرة واحدة يتم الحصول عليها تحت مصطلح "الشنقن" و عارضها بطبيعة الحال من عارض و بلغت هذه المعارضة أقصى خطواتها في الإستفتاء البريطاني الذي إنتهى بخروج بريطانيا من الوحدة المشار إليها، و إن كان المتحدث بإسم بريطانيا لم يُخف إرتياحه لهذا الفوز لِما يراه في فرنسا من قوة الجدوى تجاه بريطانيا، بمعنى أن بريطانيا هي الأخرى و رغم خروجها من الإتحاد الأوروبي فقد رأت في هذا الفوز مصلحة لها على الرغم من أن اليمين الفرنسي ربما يدعو إلى ترك الإتحاد الأوروبي، و ذلك لأن بريطانيا يهمها في هذا الصدد الموقف منها كدولة و هو ما تأمله و تعمل من أجله دون شك.

كان يمكن للخبر أن يمر هكذا فمعارك الرئاسة في العالم الآخر لا تعرف التوقف فثمة مدة محددة بكل رئيس، لا تسمح لأي منهم أن يبقى بعد نفاذ المدة فلا مكان للأبدية أو إستحالة البديل أو أي شيء أبدع العالم الثالث في توليد مفرداته و ثمة من تعَوَّدَ ألا يتحدث حوله أبداً و لكنها الذاكرة و المتعلّقة على نحوٍ خاص بهذه الأرض التي نسكنها و تسكننا أينما حللنا إذ تعوّدنا أنها فوق الآيديولوجيات و فوق الأحوال حسنت أو ساءت، فالفائز في هذه الإنتخابات ربما يكون من مواليد 1978، أي بعد سنتين فقط من حديث دار بيني و من كان يحمل الوطن في القلب حول ليبيا و العالم 76 و كنا بين الأمل في إمكانية تحسن الأحوال و ربما ترديها فيما كانت تحركات العالم لم تنذر بالكثير، و قد رأى صاحبي أن العالم قد يسمح بقوة ثالثة إلى جانب أمريكا و روسيا و قد رجّح أن تكون هذه القوة في أوروبا الواحدة. و قد فرقتنا بعد ذلك الأيام و لم يسلم أحدنا من الموت بعد أن وحدت أوروبا و حل ما حل بليبيا حتى كان هذا اليوم الذي إنتهت فيه إنتخابات فرنسا وسط إحتفاء في أرجاء كثيرة من المعمورة بهذا الفوز لما له من الأثر الإيجابي في مسيرة البشرية فيما ينعقد آخر الإجتماعات التي تضم دول الجوار الليبي حول أسوأ الأزمات التي أقلقت العالم و إستدعت رأفة العدو بعد الصديق، أزمتنا معشر الليبيين و التي كان من بين مفرداتها رفض التدخل في الشأن الليبي كما لو كان هذا الإجتماع ليس نوعاً من التدخل أو أنه مُبرأ من المصالح القُطرية أو ليس جزءً أو نيابة عن قوى أكبر و مصالح أخطر، و ضغوط ربما لا تبقى و لا تذر.

لقد كنت أختلس بعض الوقت لأستمع أخبار العالم من المذياع طبقاً للتربية التي نشأت عليها في التعامل مع الخبر و قيمته الناتجة عن السمع، فتجدني أُعول على مذياع السيارة، و أعمد في أحيان كثيرة إلى الخلوة، و لا سيما حيث الشواطئ القريبة من سكني في ضاحية قرقارش الي دخلت ذاكرتي قبل أن تُبنى في خمسينيات القرن الماضي، لتُهدَم في النهاية قبل مُوفَى القرن و يبقى ركام ترابها مُذكّراً بفندق الشاطئ و أجنحته و إستثمارات عبد الجليل عارف و بو زيان حيث إتحاد الأدباء و الكتاب و رابطته بعد ذلك و نقابة المهندسين و قبلها مركز الجهاد و منزل عبد الحميد البكوش الذي شهد قبل رحيله في سبعينيات القرن الماضي عشية مولد الرئيس الفرنسي الفائز برئاسة فرنسا عندما كان الحديث الخصب حول عديد الشئون و منها الوحدة الأوروبية المنتظرة و دورها، و الوطن و ما يمكن أن يؤول إليه جراء الصراع الدولي و الحكم الغوغائي فيدغدغنا الأمل مرة و يسيطر اليأس مرات،حتى كان تفرق الشمل و هدم تلك المباني مجتمعة و التي حملت معها كل نذر الشئوم، فيبدو الأمر وكأنه مجرد شريط مرّ تستدعيه الذكرى و يقصر إزاءه العمل، وقع الحسرة و الحرقة و ترديد الأهة يقفز قول الشاعر

فأين الثريا و أين الثرى***و أين معاوية من علي 


_______________________________


أُقِيل ناجي جلّول فخرج الوزير و بقي المشروع

أمين مازن

5-5-2017

أنجز السيد يوسف الشاهد رئيس الوزراء التونسي قوله الذي صرّحَ به في غير ما مرة، بأنه دون غيره المُختص بتسمية زملائه من الوزراء أو تحديد محافظهم و أخيراً خروجهم بالإقالة أو الإستقالة. و كان حينها يتحدث عن أزمة الوزير عبيد البريكي عندما أقاله من منصبه، تلك الإقالة التي لم يُخف عبيد إمتعاضه منها، إذ فضّلَ أن يُطلَب منه تقديم إستقالته، فها هو مرة أخرى يعمد إلى إقالة السيد ناجي جلّول وزير التعليم، و أحد السياسيين اليساريين البارزين الذين ساهموا في تأسيس حزب حركة نداء تونس و صوغ برنامجه، ذلك الجزب الذي تصدى للقطيعة التي تَبنّتها حركة النهضة صاحبة المشروع الإسلامي السياسي التي حملت عقب سقوط زين العابدين بن علي شعار القطيعة مع الماضي و ظاهرها على ذلك أكثر من طيف سياسي أبرزهم السيد مصطفى بن جعفر أبرز حلفاء السيد أحمد المستيري أقدم المُنشقين على الرئيس بورقيبة، و المنصف المرزوقي الحقوقي المعروف، فجاءت حركة نداء تونس رافضة مبدأ الإقصاء على الهوية و الإحتكام إلى المحاكمة القانونية، إنها الحركة التي بادر إلى الإكتتاب فيها -حسب الأنباء- نحو مليون مُكتتب لمجرد أن دعا إليها السياسي المخضرم الباجي قايد السبسي فشهدت تونس معركة ضارية بدأت برفض التمديد للمجلس التأسيسي، ليكون بديلاً للبرلمان الذي لا مناص من إنتخابه لمهمة محددة، ليُصار إلى إجراء الإنتخابات النيابية و مثلها الرئاسية، تلك التي أتاحت لحركة نداء تونس الفوز بالأغلبية النيابية و للسيد السبسي برئاسة الجمهورية، هو فوز حرص الباجي أن يدعمه بالتحالف مع النهضة لتشكيل الحكومة، بدل الذهاب إلى الأحزاب الصغيرة للحصول على أغلبية تقصي النهضة فتذهب مضطرة إلى الجماعات المتطرفة، و تعصف بالسلم الإجتماعي و تستنسخ ما شهدته أكثر من جهة. الأمر الذي لا مهرب من إنعكاسه على معركة التنمية و الإستقرار و تشجيع الممول الأجنبي على المضي في المشاركة الكفيلة بتحريك الإقتصاد التونسي، و لا سيما المتمثل في نشاط السياحة و ما تحتاج إليه من السلم و الحرية الشخصية المرتبطة بالإسلام المالكي الوسطي و ليس المُتحجِّر الوهابي، هو توجه بلوره عديد المثقفين التونسيين و منهم من دفع حياته ثمناً له، عندما أدركوا خطورة النزعة الإقصائية و التي ربما تكون قد حدت لاحقاً بحركة النهضة ذاتها عندما إختارت الطريق الدعوي و رفضت صراحةً الأسلوب الغوغائي، فقد نبذت النهضة بكل الصراحة العنف لتحقيق توجهاتها السياسية، و نصَّت على أن تكون وطنية في إهدافها و ليست لها أي توجهات أممية، الأمر الذي ثمّنَه كل متابع للشأن المغاربي لما في أقطار المغرب الكبير من تأثير على بعضها البعض، و من الممكن القول أن ناجي جلّول كان يدفع بذات الإتجاه كما ظهر من أجوبته على أسئلة و تعليقات فضائية الحوار التونسي، على الرغم من أن المحاور سمير أصرَّ في غير ما مرة أن يلفت نظر جلّول إلى ما كان يُحاك ضده في الخفاء و ما ذلك إلا لأن جلّول ليس لديه ما يخسر إذا ما أُقِيل من وزارة التربية و التعليم، و ما من شك في أن هذه الحقيقة أكثر من غيرها ما جعل أوساطاً تونسية كثيرة لا تُخفي إمتعاضها من توقيت هذا الإجراء بإعتباره يصُب في غير الصالح العام بإمتياز

و إذا ما كانت إقالة ناجي جلّول قد أكدت ما سبق أن صرّح به الشاهد من أنه المختص وحده بتسمية و إقالة الوزراء، و بطبيعة الحال المحسوبين على حركة نداء تونس في الإئتلاف الحاكم، فأظافت له ما يمكن أن تظيفه من علامات القوة و التمتع بثقة الرئاسة بكل مقوماتها، و جسدت في الوقت ذاته إستحالة الصمود أمام الضغط النقابي و لو كان المطلوب إنقاص و بالأحرى المساس بساعات الدراسة، مما قد يبعث المسرة لدى أكثر من طيف سياسي و بالذات من أقلقهم إنبعاث نداء تونس و منجزه ليكون هذا النوع من الإقالات دافعاً للمزيد من التشظِّي و المزيد من بروز سلطة الذاتية و ربما العائلة و ما هذه الإقالات المتلاحقة إلا الرحلة الحثيثة نحو إنتهاء الأغلبية، و التي لم تكن مرونة النهضة سوى حلقة من حلقاتها، و عندما يكون أمثال المهدي جمعة و الحبيب الصيد، و يلحق بالركب آخرون ممن سينعكس التطاول على دورهم سلباً على حركة نداء تونس كحزب، فإن خروج ناجي جلّول من الوزارة التونسية كشخص، إلا أن الذي لا شك فيه -و بحكم ما وضح لأكثر من سنتين- لن يخرج كمشروع.إنتهى



_______________________________

أردوغان و إخفاء الفشل بالهجوم

أمين مازن

18-4-2017

بأغلبية واضحة الضآلة، و مطعون في نزاهتها من أكثر من مراقب، أُعلِن في تركيا عن نتيجة الإستفتاء الرامي إلى تعديل الدستور التركي على النحو الذي سعى إليه رجب طيب أردوغان، بعد أن فشل في تمريره عن طريق البرلمان، ليكون بواسطته جامعاً بين رئاستي الجمهورية و مجلس الوزراء، كي تذوب هذه الأخيرة في الأولى. و ليس كما حدد الدستور السابق الذي يحصر السلطة التنفيذية في رئيس الوزراء، و المختص بتسميته و من ثم محاسبته مجلس النواب، مما يجعل من مهمة رئيس الجمهورية محصورة في المسائل البروتوكولية، كما سيتيح التعديل المقترح أن تمتد رئاسة الجمهورية إلى ثلاث ولايات، بدلاً من ولايتين فقط، مما يعني أن أردوغان سيبقى سلطاناً لتركيا إلى العام 29 من القرن الحالي، و نحن نصفه بالسلطان لأن التعديل المقترح يعطيه حق إختيار و إعفاء  مساعديه من دون الرجوع إلى مجلس النواب، كما سيكون من مشمولاته تسمية الكثير من رجال القضاء، بمن فيهم أعضاء المحكمة الدستورية أي أن هذا الرئيس ليس له إلا أن يأمر فيُطاع و يحكم دون أن يخشى أي إستئناف، و يكفي أنه يملك صلاحية إعلان الأحكام العرفية أنّى شاء و متى رآى ذلك ضرورياً، لقد جاء هذا الإستفتاء أو لنقل طُرِحَ و أُنجز في ظروف إستثنائية بكل ما في الكلمة من المعاني، بدءً من حالة الطوارئ التي تلت ما ذُكِرَ عن المؤامرة المزعومة التي ترتّب عليها عزل و سجن أكثر من مائة و سبعين ألف مواطن تركي، ممن جمعوا بين الخبراء المختصين و الموظفين و السياسيين و العسكريين الأكفاء و الجامعيين الأفذاذ، إلى جانب التضييق على كل ذي رأي يدعو إلى عدم إقرار التعديل المقترح بإعتباره لا يخدم مصلحة الوطن التركي، و في الوقت الذي رأينا أردوغان و كبار مسئوليه يطوفون تركيا من أقصاها إلى أقصاها مبشرين بالجنة الموعودة و التي ستفتح أبوابها بعرض السموات و الأرض لمجرد أن يُقرّْ التعديل المقترح حيث الإستقرار غير المسبوق و التقدم الإقتصادي الذي لا نظير له، أما الذين رأوا في التعديل المقترح ما يمثل الخطورة على مستقبل تركيا الكمالية التي ظلت لما يقرب من قرن تحلم باللحاق بأوروبا و الدخول في هيئاتها و تنظيماتها، فقد كان التضييق عليهم و الحيلولة دون تمكنهم من إبداء رأيهم أكثر من أن تُحصى، و سواء قُدِّرَ لأردوغان أن يمضي في مشواره حتى النهاية أو أضطر إلى الإنصات لرأي المعارضة و التي عبَّر عنها على نحوٍ خاص ثلاث مدن رئيسة و قد نقول عواصم، هي أنقره و إسطنبول و إزمير، فإن حقيقة وجود تيار شوفيني يسود العقلية التركية، المُمتلئة شراهة على ثقافة الإستهلاك و تحقيق الوفرة الإنتاجية التي لن تكون بواسطتها تركيا سوى آلة إنتاج لا تعرف التوقف، و سوق لتصريف التقنية و السياحة و القوة الجسدية القادرة على تلبية طلبات السيد الأوروبي، الذي طالما لم يُصر على تحقيق التماثل الصحيح بين الشعب التركي و الشعوب الأوروبية، مما دعاها أي تركيا الأردوغانية لا تسأم تشغيل الكثير من الوكلاء الصغار الذين يتاجرون بالإرهاب فيشجعونه صغيراً و يحاربونه كبيراً، و لا سيما ثورات الربيع العربي التي إرتبطت بتدخل  تركي سافر ليس له من هدف سوى إنتاج المزيد من الأزمات الرامية إلى تخريب كل شيئ، رهاناً على إستعادة السيادة المفقودة التي لم تنتج يوماً سوى كل ما هو رجعي و مخالف لحركة التاريخ، و التي كان آخرها هذا الإستفتاء المُشوه، و هذه النتيجة غير المُطمئنة و هذا الإصرار المضحك من طرف أردوغان على أن ما جرى قد مثّل إنتصاراً له في الوقت الذي يفرض المنطق إعادة النظر، أما التصعيد الإعلامي الذي حرص على مخاطبة أوروبا به، فليس أكثر من إستشعار المرارة من حيث النسبة من ناحية، و لكونها أسوأ من ناحية أخرى، و قديماً قيل الهجوم أفضل وسيلة للدفاع. إنتهى



_________________________________

فيما مبارك يعود لبيته البيت الأبيض يفتح أبوابه

أمين مازن

4-4-2017


عاد الرئيس المصري السابق حسني مبارك إلى بيته الأصلي بإحدى ضواحي القاهرة، مُتمتعاً بحكم القضاء المصري الذي حكم في أعلى درجاته، ببراءة مبارك مما أُتُهم به قبل سنواتٍ ست بدأت في مطلع الحقبة الثانية من هذا القرن عندما حلّت رياح الربيع العربي التي عصفت بأكثر من نظام عربي شمولي، حسب الجالس على هرمه أنه سيبقى بمكانه مؤبدا لا يطاله التغيير من بين يديه و لا من خلفه، منهم من عدَّل الدستور في غير ما مرة من أجل البقاء الدائم في السلطة، و منهم من لم يتردد في السخرية بفكرة الدستور من الأساس، فقد إندلعت الشرارة الأولى من تونس على يد البوعزيزي الذي أحرق نفسه إحتجاجاً، لتمتد الشرارة إلى مصر، و تعود من ثم إلى ليبيا، و تمضي في الوقت ذاته نحو سوريا و اليمن. رياح قابلها زين العابدين بالفرار ألى مكة المكرمة، و عاندها القذافي فأدّت إلى قتله، و ما تزال آثار تعنّته باقية يدفع ثمنها شعبه، و إتخذ بشار و علي صالح موقفاً أحرقَ من بقى و دفع إلى الهجرة من لم يُحرق، و أصرّ حسني مبارك على البقاء رافضاً دعوات عديد الزعماء، غير مُتهيب من السجن و المحاكمة و ملازمة الفراش داخل السجن و المستشفى و أمام ساحات القضاء لتتوالى أحكام الإدانة و الطعون و الطعون المضادة حتى كانت هذه العودة إلى البيت الذي غادره منذ مطلع الثمانينيات، عندما أهَّله موقعه كنائب لأنور السادات كي يحل محله في حكم مصر و يستمر من ثم بواسطة أكثر من إستفتاء و إنتخاب، عهداً بدأ بحادث المنصة في إحتفالات العبور و سلامة من الرصاص كانت في حينها لافتة و لم تخف على كل ذي لُب، فقد سلِمَ مبارك في ذلك اليوم، و إستطاع أن يكمل المشوار الذي بدأه السادات و دفع ثمنه من عمره ليبقى خلفه مبارك فيطمع في توريث مصر لإبنه و تُزين له أطراف كثيرة طمعه هذا اللهم إلا محمد حسنين هيكل الذي مثَّل أقوى صوت معارض و ناصح في ذات الوقت إن و هو يكتب أو يحاضر أو يتحدث بالتلِفزيون و يؤكد أن رياح التغيير في مصر آتية لا ريب و لا مهرب منها، ما لم يُقدِم مبارك على عملية إستباقية.

لقد رحل هيكل من الدنيا قبل سنة مضت، بعد أن شهد سقوط حسني مبارك و مجئ الإخوان، و عجزهم على أن يجعلوا منها قائدة لمحيطها، فكان خروجهم منها مثلما سبقهم مبارك، ليجمعهم سجن مصر، و ها هو مبارك يعود إلى بيته، عودة تزامنت مع توجه السيسي لأمريكا و حلول عهد جديد بالبيت الأبيض، ربما يكون على رأس أولوياته ما أحدثه الربيع العربي في أكثر من قطر، و سيتلوه في توجهه الملك الأردني، و سبقهم جميعاً الطرف السعودي، و تؤكد الأنباء نجاح المصالحة السعودية المصرية، ليطل زمن قد تستعيد فيه مصر مكانها الطبيعي في الواقع العربي، بما يقتضي تهدية جميع الأطراف المعادية و لا سبما تلك التي تحركها الأموال الفاسدة و التوكيلات التجارية المشبوهة، فعودة مبارك إلى بيته تحمل إشارة أن مصر مستقرة و ان دورها آت لا ريب فيه، ان هذه الإشارة ستُعَزَّز بالتخفيف على الإخوان أيضا، فهم مكون من مكونات مصر، و لكنهم ليسوا أكبر مكوناتها كما يوهمهم الذين تتلمذوا عليهم تاريخياً و يريدون الآن أن يقودوهم سياسياً، بمعنى أن المستقبل قد يحمل تسوية يؤكد فيها هذا المكون المهم إستعداده للدخول في شراكة تُحكَم بواسطتها مصر، بواسطة سلطة لا تنتظر مباركة ملالي طهران و لا أوهام سلطنة بني عثمان و لا مشيخات الخليج، و إنما هي مصر الكنانة التي من بين أبنائها حسني مبارك الذي إستطاع بإصراره على البقاء و قبول المحاكمة على دعوات الآخرين لضيافته، فصغرت كل أخطائه، مصر التي لن يُسمح لأحد في محيطها أن يُنغّص عليها أو يتطاول على حجمها بأي مستوى من المستويات.إنتهى



_______________________________

قمة عمَّـان

" تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى "

أمين مازن

2-4-2017

لم تكن مؤتمرات القمة العربية، منذ إستحداثها في ستينيات القرن الماضي تزيد عن كونها صيغة من صيغ التراجع لكل نظام من أنظمتنا العربية قد وقع في ورطة من الورط التي أدخلته في إصطدام تحول إلى مأزق، و ما من مخرج إلا بلقاء الخصم، و تفرض المكابرة القائمة على عدم الإعتراف الشجاع فتوفر للقاءات القومية المُقنّعة بمصلحة الأمة، فرصة التفاهم الثنائي و ربما الثلاثي تحت مظلة المصالحة الجمعية و فتح الصفحات الجديدة التي لا تُفتح مرة إلا و تملؤها الأخطاء القادمة مرة أخرى. و من هنا فإن كل من يخدعه سوء تقديره فيعلق على أي مؤتمر من هذه المؤتمرات أملاً في الخروج بمكسب من المكاسب دونما إستفادة من تمهيد هذا المحور أو ذاك، لن يكون أكثر من واهم قليل الخبرة و قد يتعين وصفه بالسذاجة بدلاً من حسن النية.

و ليس مؤتمر عمان الأخير الذي حملت دورته الرقم الثامن و العشرين إلا واحد من هذه المؤتمرات التي سيحمل الملك الأردني قراراتها إلى الولايات المتحدة الأمريكية في عهدها الجديد، عهد الرئيس ترامب الذي أكد قبل إستلامه الحكم عزمه على نقل سفارة بلاده إلى القدس، بإعتبارها عاصمة إسرائيل، و هو ما لا يسأم العرب من إستنكاره ربما أكثر من طرد الفلسطينيين من بلدهم و بقائهم محرومين حرماناً مُخجلاً في الوطن العربي، إذ جدد المؤتمرون توكيلهم بوصاية البيت الهاشمي بشئون القدس، كما تحدثت الأنباء عن أكثر من تسوية أو المُضي نحوها على الأقل، لا سيما الخلاف المصري السعودي الذي يتبادل الطرفان أراءهما بصدده في صمت، و يراهن البعض على إستمراره و مضاعفة سلبياته، و غير هذا كثير مما سيبقى سرّاً لا يتوصل إليه كل مراقب مهتم، فالمؤتمر و الحالة هذه حقق المستهدف الأساس من تنظيمه، بالنسبة للأقطار العربية المُدركة لمصلحتها و القادرة على أداء دورها داخل دوائر اللعبة الكبرى و محاورها، على خلفية أن كل توتر من التوترات لا يمكن فصله عن نظيره في الساحات الأخرى، اللهم إلا من تعصف به سطحية الأحكام و سذاجة النظرة، فيرى في حضوره ما قد يجعله يتفوق على من سواه من الفرقاء في محيطه، ذلك أن الأهداف الكبيرة لا يمكن أن يعرفها - و ليس بلوغها - إلا من لديه الحد الأدنى من الإطلاع الحقيقي أو لنقل القراءة فقط.

لم نُحرَم معشر الليبيين من شرف حضور هذا المؤتمر، بما في ذلك المراسم البروتوكولية التامة، لمعاملة ممثلنا كرئيس دولة كامل الصلاحيات. فسرَّ بذلك من سرّ و غضب من غضب، و بين السرور و الغضب وجدت الفضائيات التي تُرسل من الداخل و الخارج مادتها الكافية لشغل ساعات إرسالها، لولا أن هذه المعاملة الكريمة لم تحل دون المشاركة بخطاب بائس أخرج قارئه من صفة الممثل للكل إلى المنحاز للجزء. و وفر الحجة لمن يطلب دعوتهم لإقرار إتفاق الصخيرات إلى ضرورة مراعاة مقترحاتهم تماماً مثلما حالت قبل ذلك جلسات وزراء الخارجية دون تمرير أي توصية لا تتفق مع المصالح الكبرى التي هي دون شك فوق الأطراف الليبية المتصارعة إلى تلك التي تعرف ماذا تريد من ليبيا أكثر مما تريد ليبيا، بل و القمة العربية كافة، و لا سيما حين يوجد في هذه القمة من يرى في طهران مثله الأعلى، و في أنقرة مصدر إلهامه، و لن يرى الإتحاد الأوروبي في طلب المعدات التقنية بدعوى مقاومة الهجرة غير الشرعية أكثر من ثمن رخيص على حساب الحاجات الضورية لليبيين الذين يطحنهم الغلاء في كل لحظة و الإنفاق الذي لا يعرف التوقف على الألاف من الذين يتقاضون أعلى المرتبات و يتجولون في كل بقاع الأرض و لا يعرف سقف السحب النقدي طريقه إليهم مما قد يخفى على أي طرف سوى الطرف الأوروبي الذي يعرف متى و كيف يتخذ ما يريد من الإجراءات القادرة على حفظ التوازن و قطع أسباب التطرف و تبعاته التي لا تعرف التوقف.إنتهى



________________________________

المغرب بين حكومة العثماني و بديل ثالث

أمين مازن

27-3-2017


عهد الملك المغربي محمد السادس بمهمة تشكيل الحكومة للسيد سعد الدين العثماني أحد قيادي حزب العدالة و التنمية المغربي خلفاً للسيد عبد الإله بن كيران رئيس الحزب المذكور و الذي كُلِّف بها منذ أكثر من خمسة أشهر كنتيجة للإنتخابات النيابية التي أُجريت في المغرب و أسفرت عن فوز حزب العدالة و لكن بأغلبية تتطلب مشاركة بعض الأحزاب، على نحو ما حصل قبل ذلك في الإنتخابات التي جرت متزامنة مع الربيع العربي و فاز فيها الحزب بذات النسبة فأشرك معه بعض الأحزاب ليُنجز برنامجه إلى جانب تعديل الدستور المغربي، و هي إجراءات جنّبت المغرب زوابع الربيع العربي و ما جلبته من أهوال على أكثر من قطر فيما وفرت للمغرب الوقت الكافي للمضي في طريق الإصلاح. و كان عديد المراقبين قد تنبأوا عقب الإنتخابات الأخيرة و الشروع في المشاورات الملزمة بإحتمال الوصول ألى هذه النتيجة أي الفشل في تحقيق الإئتلاف الضروري جراء التنافس غير المشرف بين القوى السياسية المغربية حين توهَّم أكثر من طرف إمكانية الظفر بالقسط الأوفر من السلطة و كذا إقصاء من لا يرضاه، الأمر الذي قد يعيد المغرب إلى مرحلة ما قبل الربيع العربي عندما كانت الحكومات المغربية و بالأحرى رئاستها من مشمولات العاهل المغربي وحده و ليس الأحزاب و الشيئ نفسه بالنسبة للوزارات السيادية و ليس من المستبعد أن يكون العرش العلوي لا يستبعد مثل هذه العودة، حين ترك السيد بن كيران يستغرق كل هذا الوقت في التشاور مع الأحزاب بحجة الحق الدستوري أو الضمان الدستوري، في الوقت الذي إختار الملك آفاقاً أوسع أهمها قيامه بأكثر من رحلة عمل إستطاع بواسطتها أن يخرج بلاده من أخطر مأزق دخلته عقب خروجها من منظمة الوحدة الأفريقية لموقف هذه الأخيرة من مشكلة البوليساريو، فإذا برحلات العمل المشار إليها تُتوج بعودة المغرب للإتحاد الأفريقي، من دون وجود حكومة عمل و ليس تسير أعمال، بل أن رحلات الملك هذه قد حدثت و الوضع الحكومي على هذه الكيفية مما يعني أن إستقرار أمر المغرب أكبر من الحكومات، و هكذا بعد خمسة أشهر من الإنتظار جاء إعفاء بن كيران و تكليف أحد قادة حزبه بتشكيل الوزارة إحتراماً للدستور مع تثمين الملك لخدمات بن كيران و توكيد على الرغبة في التعاون مع حزب العدالة بإعتباره حزباً وطنياً، ليأتي قبول العثماني و شروعه في مهمته التي لم يتردد في وصفها بالصعبة. و إذا كان هناك أكثر من مؤشر بإمكانية نجاح العثماني في تشكيل الحكومة المنتظرة على خلفية أن فشل بن كيران قد حقق ما كان في حاجة إليه "من قرص الوذن" و مراجعة الذات و إن سعد الدين العثماني بما هو عليه من الكفاية قد يغرس شيئاً من التجاذب داخل حزب العدالة، ما لم يفلح بن كيران في المراجعة و الحرص على إستمرار الحزب و ليس الأشخاص، فيحول دون ما يمكن أن يدور في الأفق السياسي المغربي من السعي لإستعادة ما كان سائداً من أحقية الملك في إسناد رئاسة الوزراء، بل و الوزراء أيضاً دونما إعتداد بما يمليه الدستور المُعدل، من وحوب مراعاة نتائج الإنتخابات، و ما تأتي به الأغلبية المطلقة أو النسب المحددة، فقد قلنا و نكرر ما درج عليه المغاربة في مثلهم المعروف "في المغرب لا تستغرب" بما في ذلك إمكانية أن يَلقى سعد الدين العثماني نفس المصير الذي سبقه إليه بن كيران و ظهور بديل ثالث. إنتهى



____________________________

ترامب.. نزوة أمريكية أم حقبة يمينية ؟

أمين مازن

22-1-2017


و كما كان منتظراً جلس الملياردير ترامب على المقعد الأول بالمكتب البيضاوي في عاصمة الولايات المتحدة الأمريكية واشنطن، إممتثالاً للإرادة الشعبية المُعبَّر عنها في صناديق الإقترع عندما أُحتُكِمَ إليها، حسب الطريقة الأمريكية، في إحتساب الأغلبية المنصوص عليها دستورياً و كذا تحديد مفرداتها بدءً من اليمين الدستورية من طرف الرئيس و نائبه و التي تبدأ بهذا الأخير، في إشارة قوية الدلالة على أن إدارة البيت الأبيض إذا ما شغرَ المقعد فجأة، يكون البديل جاهزاً لإتمام المسيرة، و يشهد جلسة القسم رئيس السلطة التشريعية و القضائية و كل من هو على قيد الحياة من رؤساء أمريكا السابقين ليلقي في حضورهم جميعاً الرئيس المُنصَّب أول خطاب له بعد إعتلاء كرسي الرئاسة، و يوقع من ثم ما يرى توقيعه في شئون الدولة، إيذاناً بالممارسة الفعلية للسلطة و هو ما تم كاملاً غير منقوص في العشرين من يناير الجاري. و الذي بلغ ذروته في الخطاب الذي إستغرق عشرين دقيقة، حرص فيه ترامب على الإلتزام بمبدأ أمريكا أولاً و قد كررها أكثر من مرة و التشديد على مقاومة التطرف الإسلامي، أو كما حدد حرفياً إقتلاعه من الجذور، فيما كانت أعداد كبيرة من المتظاهرين تهتف ملء حناجرها مُجاهرة برفض ترامب، و هو ما أُعتُبِرَ خروجاً عن المألوف بالنسبة لإجراءات إنتقال السلطة بأمريكا، و دليلاً على الإنقسام الذي قد لا يكون بنّاء في المجتمع الأمريكي. على أنه لم يمنع الرئيس الجديد من توقيع أول قانون يُعبّر عمّا وعدَ به حول الخدمة الصحية، إلى جانب تسمية وزير الدفاع و إصدار أوامره له - أي وزير الدفاع - و زميله وزير الداخلية بصدد ما يراه ضرورياً و سريعاً حول الإرهاب، إذ ليس لدى ترامب على ما يبدو الوقت الذي يتركه ضائعاً خارج محاربة الإرهاب، شأنه في ذلك شأن سلطة أوباما الذي لم يترك أخر يوم له في السلطة دون أن يضمن خروج الطائرات الأمريكية من قواعدها بأمريكا لتقطع ثلاثين ساعة من الطيران و من دون طيار لتلقي قنابلها في الأراضي الليبية، مُحصيةً عدد من أصابت، فمات أو بقي جريحاً و ربما من أي جنسيةٍ هو، بحيث لا يترك أي مجال للإدعاء، و على ذات المنوال هاجمت الطائرات أيضاً سوريا، و ما ذلك إلا لأن الإدارة الأمريكية لا تطلق بارودها بدون هدف و دون تقدير الخسائر المُنتظَرة، و حسبهم أنهم قدّروا خسائرهم قبل أن يُقدموا على التدخل في أحداث الربيع العربي. و مما لا شك فيه أن ذلك هو ما يدفع إلى قرأة الخطاب "الترامبي" بغير ما ذهب إليه الكثيرون من أن أمريكا مقبلة على مرحلة الإنكفاء للداخل مثلما كانت ذات يوم، تعويلاً على شعار ترامب - أمريكا أولاً - ، لأن الأولوية غاية و ليست وسيلة، هدف و ليست طريقة تصويب، فمتى تبيّن أن التدخل في شئون الغير سيحقق أولويات أمريكا فإن التغيير في المتناول، كما أن ما أُخِذَ على الإنفاق الأمريكي خارج الولايات المتحدة الأمريكية إذا ما أُخضِعَ للتدقيق الذي يُبيّن المكاسب الفعلية فإن الإنفاق من جديد لن يتوقف، فالأصل في المال هو الإستثمار و أي سياسة تحقق الإستثمار الأفضل يتعين الإنصراف إليها و لو كان ذلك خلافاً لما قيل في معركة الإنتخابات. و ما دامت رئاسة أمريكا قد آلت إلى رجل أعمال و ملياردير، فإن تأكُد من نوعية المردود هو الذي سيحدد توجهاته، و أمريكا على كل حال لم تتخل عن الإنكفاء القديم لمجرد الرغبة في الإنفتاح و إنما لأنها رأت ذلك هو الأفضل و الأجدى. و تبقى النقطة الحساسة هي إقتلاع التطرف من الجذور و التطرف الإسلامي بالذات، فتحديد نوعية التطرف سيبقى من مشمولات ترامب، مثلما كان لسلطة رونالد ريقان ذات يوم، و هم جميعاً خلفاء أيزنهاور صاحب المشروع الشهير بشأن فراغ الشرق الأوسط، و سيكون من السذاجة التي ما بعدها سذاجة أن يزعم كائن من يكون أن أياً من الساسة الأمريكيين قد إنتهج سياسة من السياسات على حساب وطنه و مصالح وطنه، فالإختلاف دوماً في الأساليب، لتحقيق مصلحة من المصالح التي يتطلّع بل يسعى إلى تحقيقها، و عندما يفوز الآن برئاسة الولايات المتحدة الأمريكية في مرحلة تاريخية تشهد فوز اليمين في أكثر من ساحة من ساحات العالم فإن ذلك يعني أن ينتظر الجميع ما سينوبهم من المرحلة و ما تمليه و تفرضه الإستحقاقات التي لا معدى للجميع من أن يتعاطو معها بما يجب و كما يجب، و ما نحن في الشرق الأوسط خارج هذه المرحلة التاريخية. و لن نكون معشر الليبيين بمعزل عن

تأثيرها و لا بمنأى عن تسوياتها. و يكفي أن نتذكر المشترك منذ النصف الثاني من القرن الماضي. إنتهى



___________________________________


لتستقبل تونس أبناءها، و تُنفذ بشأنهم قرارها

أمين مازن

2-1-2017


ليس لمن لديه مقدار حبة من خردل حُباً لتونس، و تقديراً لدورها و ثقة في جدوى إسهامها إلا أن يرفع العقيرة بأشد عبارات الإستهجان و الرفض لما دعت إليه بعض الأصوات هناك حول عودة التونسيين الذين شاركوا في حروب سوريا و العراق و قبل ذلك أفغانستان، و ربما ليبيا و اليمن أيضاً، تلك المشاركة التي لم تكن مثار ترحيب و رضا من عديد الأطراف، بل و ربما إستوجبت الكثير من الإجراءات الجزائية، مما رآى فيها أولئك المعترضون مُبرراً لتبنِّي منع هؤلاء من العودة إلى البلاد التونسية. و مثل هذا الإستهجان لا يُملِيه الإنحياز لهؤلاء العازمين على العودة أو التأييد لما أقدموا عليه في ديار الغُربة،  و لكن التمسّك في الحق الفطري لكل إنسان في العيش داخل بلاده، مُقيماً من البداية أو عائداً من الخارج، رهن يد السلطة التي تسود فوق أرضه و تطبق فيها ما تراه من الشرائع، و تصدر من القرارات، لا فرق أن يكون بقاء مثل هذا المواطن حراً طليقاً و موضع رعاية من الرعايات أو أن يكون محل رقابة أو محاسبة أو مُعَرَّضاً لأي إجراء من الإجراءات.

و من هنا فليس أمام تونس بكل أطيافها و ما تتوفر عليه من الإمكانات إلا أن تفتح أبوابها لعودة أبناءها المذكورين كي يدخلوا براً و بحراً و جواً، و لها أن تقرر بعد ذلك ما ترى من وجوب تطبيقه من التحفّظ أو المحاسبة، أو التكريم، فليس لأحد أن يمنعهم من العودة و لا أن يُحدد للسلطة طبيعة المعاملة و نوعية النظرة التي ستنظر بها. و تونس على كل حال دولة يحكمها القانون و تُدير شؤونها كدولة متعددة السلطات التشريعية و التنفيذية و المنظومات السياسية و لاسيما المؤسسة الأمنية التي تملك ما لا حصر له من وسائل التحفظ و الإيقاف طبقاً لبنك المعلومات، و عديد الحلفاء الذين لن يبخلوا بالمساعدة الضرورية، إن لهذه المجموعة أو لمن هم أكبر منها. و إذا كان السيد الباجي قايد السبسي قد أكد من موقعه كرئيس للدولة التونسية بأن لا حق في الدستور التونسي يُبيح طرد أي تونسي من بلده، و لم يختلف عنه السيد راشد الغنوشي الذي يرأس أكبر الأحزاب المشاركة في حكومة الوحدة الوطنية الذي بلور موقفه في المثل الشعبي المعروف مغاربياً " اللحم الباير يرفعوه أهله " بمعنى أن حق العودة لا يعني عدم المساءلة عن كل ما عساه قد أُرتِكب في حق الوطن أثناء الغياب. فإننا من باب الإنحياز لتونس و رفض أي دعوة لمنع أي من أبنائها عن العودة إلى بلادهم نُذَكِّر بمثل شعبي آخر يعرفه المغاربيون جميعاً و الذي يقول ما نصّه " المهبول يكتفوه أهله " بمعنى أن يتحملوا قبل غيرهم أي ضرر قد يتسبب فيه للآخرين. و بالتالي ليس أمام تونس إلا أن تفتح مداخلها البرية أو البحرية أو الجوية، ليدخل هؤلاء الراغبون في العودة أو الذين سيكرههم الآخرون على العودة، و لها بعد ذلك أن تعاملهم بالطريقة التي تفرضها مصلحة تونس و أمن تونس و إمكانيات تونس و مكانة تونس في المتجتمع الدولي. أما الدعوة لمنع أي منهم من العودة فهو آخر ما يُمكن للأُذن أن تسمعه فضلاً عن أن تدعو إليه. اللهم إلا إذا كانت سياسة إسرائيل هي المثال. و هو ما لا يمكن أن يخطر على البال، في الواقع أو الخيال.إنتهى



_______________________________






أوباما و المستوطنات الإسرائيلية..

رد فعل أم يقظة ضمير

أمين مازن

28-12-2016


إمتنعت الإدارة الأمريكية عن التصويت في مجلس الأمن الذي إلتأمت جلسته في الثالث و العشرين من ديسمبر للنظر في مشروع القرار الخاص بعدم شرعية المستوطنات التي دأبت إسرائيل على بنائها بالأرض التي إحتلتها سنة 1970، و قد سجل هذا الإمتناع تطوراً غير مسبوق، تجاه الفلسطينيين خاصة و العرب عامة، من طرف الإدارة الأمريكية الديمقراطية و رئيسها أوباما، الرئيس الذي دشّن عهده قبل سنواتٍ ثمان، بزيارة مصر و حديثه الذي حاول أن يفرّق فيه بين التطرف كموقف و الإسلام كدين، و هو موقف لم يرُق في حينه للإسرائيليين و إتخذ بشأنه نيتنياهو موقفاً أُعتُبِر مساساً بهيبة أمريكا، على الرغم من أنه قد خصّ به أوباما و يومئذ لم يتوقف الكثيرون أمام ذلك التصرّف و ربما إعتبروه خلافاً داخل الأسرة الواحدة، بالنظر لما للوبي الصهيوني من التأثير في السياسة الأمريكية، بإعتبار التعاطف مع إسرائيل أحد ثوابتها، و هو حساب لم ينتبه للثوابت الأكبر المتصلة بأمريكا الدولة و حق رئيسها في التمسّك بهذا الحق، و إن يكن قد يؤجل ذلك إلى الوقت المناسب، فيصون هيبة أمريكا و رئيسها و يحجّم بالضرورة إسرائيل و رئيس وزرائها. و لا شك أن ذلك ما دفع المندوب الأمريكي الممثل للبيت الأبيض الذي يجلس على عرشه أوباما أن يمتنع عن التصويت و يسمح للقرار الدولي أن يسجل هذه السابقة فيتم الثأر من تطاول نتنياهو و عدم الإصغاء لعديد الضغوط التي مورست و التي كان من بينها مطالبة المندوب المصري بإرجاء التصويت إستجابةً للإتصال الذي قام به الرئيس الأمريكي المنتخب، فأُجريَّ التصويت بناءً على طلب نيوزيلاندا و السينغال، ليأتي القرار الدولي ثأراً لأوباما من نتنياهو في معناه القريب و لصالح الإدارة الديمقراطية التي ليس لديها ما تخسر، و يبقي الباب مفتوحاً أمام مصر كي تدخل في إستحقاقات المرحلة القادمة التي سيقودها الجمهوريون، و تلك دائماً لعبة السياسة التي لا تعرف الصداقات الدائمة و لا العدوات الدائمة، و إنما المصالح الدائمة، و لكن كيف تُقيَّم فذلك هو الذي تختلف حوله الآراء و تتعدد الإجتهادات. و مع أن أمريكا دولة تُديرها المؤسسة إلا أن ما أقدم عليه أوباما أثثبت أن للذات تأثيرها. مما يعني أن ترامب هو الآخر سيكون لذاته تأثير و لكن التوقيت هو السؤال الأكبر



______________________________


أبعد من كلِنتون و ترامب

أمين مازن

10-11-2016


وجاءت نتيجة الإنتخابات الأمريكية مُخالِفة لكل ما راهَنَ عليه أكثر الناس إنشغالاً بها، بل و مشاركة في الكثيرمن مراحلها، عندما دأبت قياسات الرأي و توقعات الملاحظين وأكثر المساهمين الرسميين في الولايات المتحدة من أن الفوز سيكون حليف هيلاري كلِنتون، المرأة التي برَزَت في الحياة السياسية الأمريكية كسيدة أولى في البيت الأبيض عندما أقامت به مع زوجها بِل كلنتون الذي جلس في المكتب البيضاوي لثمان سنوات كاملة، و تكون من ثَمْ على رأس من حل به عقب خروج ذلك الزوج، هو السيد باراك أوباما الذي إختارها وزيرة للخارجية عند فوزه في تلك الإنتخابات، تقديراً ربما لتنازلها له في معركة الإنختاباتالأمريكية، ذلك التنازل الذي هيأ لأوباما أن يخوض المعركة بإجماع غايةً في القوة، و هو موقف لم ينسه أوباما، ليس فقط بإختياره هيلاري كلِنتون على رأس وزارة الخارجية و إنما بوقوفه الواضح الصريح معها في هذه المعركة الإنتخابية الضارية التي أُستُخدِمت فيها كل الوسائل، و لم يتردد أوباما في إعلان موقفه المُنحاز للسيدة هيلاري كلِنتون، ذلك الموقف الذي تشاركه فيه السيدة الأولى هي الأخرى، و كذلك ما فعلت شخصيات أمريكية كثيرة ليس خارجهم "كولن باول"، ذلك السياسي الجمهوري الذي شغل أرفع المناصب الأمنية و الدبلوماسية، و إذا به في هذه الحملة يجاهر بترجيحه لكفّة هيلاري كلِنتون بإعتبارها الأجدر بحكم أمريكا و لو لم تَكُن من الحزب الجمهوري، و كان مثل هذا الإنحياز من بين ما دفع كثير المراقبين على إعتبار كلينتون في حكم المنتصرة، بحيث لم تكد المعركة تبدأ حتى كان الإجماع قد إنعقد على فوز كلِنتون، حتى أن العاملين في إدارة البروتوكول أخذوا يفكرون في الصيغة التي سيُعَامَلْ بها الرئيس السابق بِل كلِنتون، الذي جمع بين الرئاسة السابقة بالأمس و زوج الرئيسة اليوم و تحضُر التقاليد الأمريكية عليه مثل كل الذين ترأسوا أمريكا أن يقوموا بأي عمل سيُحقق بموجبه راتباً من الرواتب، إذ عليه أن يكتفي بما حدَّدَهُ له العُرف و القانون فإذا بالأقدار و في الساعات الأخيرة من إحتِدام المعركة و الشروع في حصر الأصوات يَظهر رويداً..رويداً تغيِّر النتيجة الذي جاء على هيئة إنقلاب أو لنقل زلزال ليقلب الشعور العام رأساً على عقب، ليس بداخل الولايات الأمريكية و حسب، و إنما إمتد إلى معظم عواصم العالم و مراكز القرار بها.

و قد زاد من إستشعار ما سادَ من القلق، تلك التصريحات التي دأب الرجل على ترديدها دونما إقتصاد بل و مراعاة لضغوط المُنافَسَة، إذ لم يتردد الكثيرون في القول بإنعدام المقارنة بين المُرشحَين. وحدهُ المرشح " ترامب "، كان الوحيد الذي يؤكد أنه راهن على الأغلبية الصامتة التي لا بُدَّ أن تُغير النتيجة فتعطيه أصواتها و تُمكّنه من تحقيق النصر الذي لم يتردد بالغه لحظة واحدة، و كان الجميع من الذين إنشغلوا بهذه الإنتخابات و أخبارها يستبعدون أن تأتي كما يُريد، إلى أن كان ما كان فتظهر هذه النتيجة المزلزلة و التي لم يجد كل المعنيين بُدّاً من التعاطي معها و التصرُّف بموجبها، إنطلاقاً من هيلاري كلِنتون ذاتها التي بادرت بمهاتفة منافسها و تهنئته بفوزه في هذه الإنتخابات و يُعلِّق هو من جهته و في أول كلمة يوجهها نبأ هذه التهنئة واصفاً إياها بالسيدة وزيرة الخارجية التي خدَمَت أمريكا بجدارة و خاضت معركتها الإنتخابية على نحوٍ مُرضي مؤكداً إحترامه و حرصه على خدمة الوطن و إعتبار نفسه رئيساً لعموم أمريكا.

كان خطاب الرئيس مُرتجلاً و لكنه بدون شك ثمرة مشورة واضحة و إستيعاب جيد و أداء مفيد، الأمر الذي يؤكد أن فريقاً غير بسيط من الخبراء وراء هذا النجاح و أن الكثير من الأمل لا بُدَّ أن يكون معقوداً عليه في المستقبل. إنها المستويات الحضارية التي لا بُدَّ أن تسود هذا النوع من العلاقات حيث لا مكان للفردية و إنما الإحتكام الدائم للمؤسسة التي لا بُدَّ من الإحتكام إليها قبل الإقدام على أي قرار- و لا عجب - فأمريكا أكبر من هؤلاء جميعاً و مصادر القرار فيها ثمرة قِوى قد تشمل و قد تتجاوز هؤلاء جميعاً و حتى إذا خُيِّلَ لأيٍ كان تجاوز السياسات الموضوعة و المصالح الأساسية فإن في القضاء الذي أقصى نيكسون ذات يوم و مثل ذلك الرصاص الذي أُطلِقَ على كَنَدي ذات يوم بل و شمل شقيقه حين فكّرَ في خوض المعركة، فالسياسة الأمريكية ثابتة و الذين يتكلّفون بأدائها مُتغيرون.

ذلك يعني أن الكثير مما تحدَّثَ به الرجل و هو يخوض معركته الإنتخابية و لا سيما ما يتعلّق بالسياسة الخارجة التي قد تشمل الوطن العربي ليس بالضرورة أن تكون قابلة للتنفيذ كما نطَقَ بها، إذ مثلما غيّرَ من لهجته إزاء منافِسته كلِنتون فستكون له بدون شك لهجة مختلفة و مواقف مُحَددة إزاء الوطن العربي، فوعود المعارك لها لُغة و سياسات الواقع أو لنقل إملاءاته لها إستحقاقات أخرى. و مثلما حَسمت الأغلبية الصامتة المعركة لغير مصلحة كلِنتون التي حكمَ زوجها أمريكا ثمان سنوات بقيت أثناءها في البيت الأبيض و تَسَنّْمَت بعد ذلك الخارجية الأمريكية نصف المدة تقريباً و لم يُسمَح لها بالعودة إلى البيت الأبيض في الوقت الحاضر، و قد تأتي بعض المتغيرات و لكن دائماً من أجل أن تكون أمريكا الأقوى، و تُعْسَاً لمن لا يُدرِك هذه الحقيقة أو ينتظر ما سواها.إنتهى



________________________


رَبِحَ عَون المعركة فماذا رَبِحَ لبنان

أمين مازن

2-11-2016

تمكنَ مجلس النواب اللبناني، بعد سنتين و نصف من شغور مقعد الرئاسة الأولى بلبنان، و فشل خمس و أربعين جلسة من إنتخاب الجنرال ميشال عون، رئيساً لجمهورية لبنان، ليحُل بقصر بعبدا، الذي ظل مقفلاً طيلة هذه المدة، فحقق هذا الإنتخاب نصراً للجنرال السياسي لا مجال لإنكاره راداً بذلك إعتباره الذي فقده قبل ربع قرن مضى، عندما أُخرِج بقوة السلاح. و يبدأ في وقتٍ لاحق معركة الإنتخابات النيابية، ليفوز و يُشكل التيار الوطني الحر كحزب سياسي و قد حقق الجنرال ما طمحت إليه نفسه و ضاعف لبلوغه سَعيه، في إطار التقاليد المُتبعة في حَل الكثير من معضلات هذه الرئاسة، و التي طالما جاءت في خضم الصراع المُحتدم في الوطن العربي، و بروز كياناته المستقلة، عقب الحرب الكونية، تلك التي قُدِّرَ لفرنسا أن تُحسَب فيها ضمن الدول المنتصرة، لتشارك في الدفع بالكيانات العربية الناشئة في تلك الفترة، و بمقتضى الكثير من الإشتراطات المنسجمة قبل كل شيئ مع المصالح الكبرى لتلك الدول و بالذات معاهددة "سايكس بيكو" تلك التي من ضمن قواعدها بالنسبة " للبنان " تقسيم السلطات الثلاث بين الطوائف اللبنانية و ميثاقها الوطني الذي تَكَفّلَ بإعطاء الرئاسة الأولى للمسيحيين الموارنة، و الثانية للمسلمين السنة، فيما تكون السلطة التشريعية مُناطة بطائفة الشيعة، مع مكانة مرموقة للدروز بلغ أقصى بالغة في شخص السيد كمال جنبلاط و من ثم نجله وليد، إذ ما نزال نتذكر ذلك الدور الذي إضطلع به جنبلاط في مقاومة التجديد لرئاسة كميل شمعون غير المُنسجمة مع دستور لبنان، تلك المعركة التي قادها بحزم كمال حنبلاط. و قد تكون واحدة من دواعي إغتياله في توقيت مختلف، و لكن في مخطط واحد. و إذا كان الكثيرون يُسوِّقون اليوم أن هذا الإنتخاب قد جاءَ إستجابة لأوضاع لبنان الداخلية، أو ما أطلقوا عليه الرئيس الذي صُنِعَ بلبنان، فإن الذين يعرفون حقيقة ما يجري في الواقع العربي و علاقته بالمحيط الإقليمي و أبعد منه الدولي، يُدركون بما لا يدعُ مجالاً للشك أن العوامل الأكبر تظل دوماً سيدة الموقف. و لعل خطاب قَسَمُ اليمين الذي أعدّهُ الجنرال بعناية شديدة قد أوضح بوعي خطوط المرحلة القادمة و التي حددها في الحفاظ على حياد لبنان عربياً، و لو في الحد الأدنى منه، و هو توجه يفرضه قبل كل شيئ توازن القوى في المقام الأول، مما يعني أن عدم سعي الفرقاء نحو هذه العاصمة أو تلك لا يعني إنعدام التأثُّر أو لنقل التجاوب، إذ كل ما يجري يفرض الجنوح نحو التهدئة ذلك أن الفرقاء المدركين، كثيراً ما يكونون أكثر كَرَماً إزاء بعضهم البعض، و لهم دائماً في مستجداتهم ما يتكفّل بدمل جراحهم ذاتياً. و ما صمت الشيعة عن سر إختفاء الإمام الصدر عقب سقوط النظام الليبي و أسر أكثر من رمز أمني إلا الدليل القوي على الإلتزام بالإتفاقات الأكبر، بالحفاظ على سريتها وضمان سلامة الضالعين فيها، و بقيت بعد ذلك الكثير من ثوابت لبنان، فقد أُغتيل جنبلاط و آل دور الدروز للإبن وليد، و رحل بشير الجميل و ترأس لبنان أمين و أُغتيل طوني فرنجيه و ما يزال سليمان أبرز رجال الأسرة من الموارنة، و أُغتيل الحريري و كان سعد نعم الخلف، و لم يتم الصمت على تغييب الصدر لولا وجود برّي و نصرالله من ذوي التأثير الأقوى في لبنان، و لم يختف الإمبراطور بهلوي إلا عند ثبوت جدوى الملالي في تحقيق المطلوب الدولي و تحت ستار ما لا نظير له من زيف الشعارات. و من يدري فقد تُثبِت الأيام القادمة و ما يُقدِم عليه الجنرال عون من المواقف أنه خير من يُحسِن الدور المُنتظَر من لبنان الذي بقى طيلة هذه السنوات بعيداً عن أي دورٍ يُذكر، إذ ما تشهده المرحلة من حروب عسكرية و مالية و سباق نحو مصادر القرار تحتاج أول ما تحتاج لمن يمكن أن يُجيد الخلطة التي تستفيد من مفاتن لبنان و الأرز و الثلج و الثقافة العصرية و غلال بحر الخليج السمكية و سجاد إيران ما يُدخِل المنطقة في مرحلة جديدة ليس خارجها إعادة التخريط و تبادل السكان، خاصة و أن القيصر الروسي لن يقاتل خارج سوريا و السلطان التركي يستبعد الخروج من العراق بعامة و الموصل على وجه التحديد. و ما دام التوافق بلبنان سيد الموقف، سيعرف كل طرف حدَّهُ و يجلس دونه و لعل الجنرال أن يكون أكثر من غيره قدرة على التنبيه لهذه الحقيقة، و هو يُحسن تلاوة القسم الدستوري الذي يجعل من المحافظة على لبنان الإلتزام الأول و الأخير



_________________________________

في المغرب لا تستغرب

أمين مازن

8-10-2016


أسفرت الإنتخابات النيابية المغربية عن تصدُّر حزب العدالة و التنمية لقوائم الفائزين، إستكمالاً للمقدمات التي أشّرَت إليها الإنتخابات البلدية التي أُجرِيت في وقتٍ سابق، و قد تقدَّم فيها هي الأخرى قوائم الفائزين في أهم المدن المغربية و أكثرها حيوية و نمواً، إنطلاقاً من النهج الذي سلكه هذا الطيف السياسي المغربي الذي رآى في النموذج التركي أسلوباً جديراً بالإقتداء، من حيث إستبعاد العنوان الديني في تسمية التنظيم و تطعيم الحراك السياسي بالنشاط الإقتصادي أو لنقل التجاري عبر تجلياته الخدمية و التوكيلات السياحية و الصناعية ذات الشراكة الغربية، حين وجَدَت هذه القوى السياسية المُنتشرة بالوطن العربي و حتى الإفريقي في التعاون مع المصنعين الأتراك ما وفّرَ لها سخي الموارد و جعلها أكثر قدرة على ممارسة نشاطها السياسي في عِصمة من ضغط الحاجة، فتركيا الإسلامية التي أجَادت فن الشراكة الرأسمالية في أشهر السلع الإستهلاكية المصنعة في مجال التبريد أو لنقل الألِكترونيات بأنواعها أوجدَ المنافس غير البسيط للغازي الصيني الذي لم يتقيد بالمواصفات المُحددة عادة من طرف أنظمة التجارة العالمية. و كانت المغرب قد أفلحت في إستباق أحداث الربيع العربي الذي إجتاح الوطن العربي منذ سنواتٍ خمس جرّاء حالة الإستبداد التي سادت أقطاراً كثيرة فإستوجبت أكثر من إنتفاضة لم تتردد السياسة التركية في إستغلالها، فتمكنت بواسطة بعض بيادقها الخليجيين أن تثأر من كل الأقطار العربية التي شفَّت عليها عصا الطاعة و حققت الإستقلال.

لقد إستفاد من ذلك الموروث العقلاني الذي سلكه الحسن الثاني و هو يستشعر قرب الرحيل، عندما أقدَمَ على مصالحة الوجه الوطني البارز عبدالرحمن اليوسفي ليخرج من السجن إلى رئاسة الوزارة، فأقدَمَ على إجراء الإنتخابات المبكرة التي وفرت مناخ الحرية الذي أتاح لحزب العدالة أن يضفر بما أتاحته صناديق الإقتراع و من ثم تشكيل الحكومة التي تتلائم مع تقاليد المغرب بما تقتضيه من تقاسم للسلطة و يجلس عبد الإله كيران خمس سنوات كاملة على سُدة الحكم و من منطلق الولاء للعرش العلوي الذي يرى في الملك أميراً للمؤمنين و ليس النقيض الذي يقتدي بالسلطان العثماني أو الفقيه الفارسي أو المُتحجِّر الوهابي، و ما نتج عن ذلك من إشتعال النيران و شيوع الدمار في معظم بلدان الربيع العربي، حيث لا يتردد عديد المُتعنتين في الإصرار على تأجيج نيران الفِتَن داخل حدودهم بل و حتى جيرانهم فتبقى المغرب أخفّ وطأة مما سواها و لن نقول أفضل من غيرها و يكفي أن الإنتخابات التي أُجريت وسط سيل من الشائعات عن إحتمال التدخل و عن إحتمال تأثُر المعركة ببعض العلاقات التي يمكن وصفها بالسامية، فيأتي حزب العدالة مُتصدراً للقوائم، ليكون صاحب الحق الأول في التكليف بتشكيل الحكومة، إلا إذا لم يتوفر الوفاق المُحقِق للإتلاف فيُصار إلى بديلٍ آخر، و هو تقليد معمول به و سبق أن طُبِّقَ في عهد الملك الحسن الثاني أكثر من مرة، عندما كان منصب الوزير الأول مُناطاً بِمن لم يكونوا من أحزاب الأكثرية في مجلس النواب. و لا شك أننا حين نضع في عين الإعتبار ما يتوفر عليه المغرب من الخصوصية الحضارية و التركيبة السكانية و الإستحقاقات التنموية و الحدود الجغرافية، و نستوعب إكراهاتها على الوجه المُرضي، لن نستغرب أي خيار يأخذ به الملك ما يزخر به المخزن كما هو مصطلح المغاربة من نفيس المشورات الكفيلة بمراعاة المصلحة الوطنية المغربية، إن على الصعيد الداخلي أو الآخر الخارجي. و حَسْبُ المُراقب أن يذكر للمغرب مُمَثلاً في شخص الحسن الثاني عندما تحدث إلى الصحافة العالمية عن بعض ما يجري في الواقع العربي عقب زيارة السادات إلى القدس التي يؤكد أكثر من طرف أنه - أي الحسن الثاني - كان من بين عرَّابيها، فقد قال لو كُنت في مكان السادات لما زِدت خطوة أخرى على ما خطوت، غير أن السادات لم يستوعب النصيحة فمضى في مشواره مُسرعاً فجاءه الموت أكثر سرعة، على الرغم من أن كل من قرأ ما تحدث به الملك المغربي، لم يستبعد أن تكون الأمور المُنتظرة للسادات ليست على ما يُرام.

ليس من هدف هذه السطور كيل المديح إلى المغرب السلطة على أي مستوى من المستويات، فالمدح كما القدح عملة رديئة في العملية السياسية التي لا تتبنَّى إلا ما هو نسبي، كما أن في المغرب محطات ما تزال تطرح الكثير من الأسئلة و تستوجب كذلك بعض الإحتجاج، أن يكون مصير المهدي بن بركة من أولويات الشعب المغربي، فلا شك أن تسليم السيد عمر المحيشي في ثمانينيات القرن الماضي إحدى النقاظ السوداء في تاريخ هذا البلد الشقيق، كما أن الصمت بشأنها من طرف الكثيرين في زمننا هذا من المواقف المُحيرة إن لم نقُل المُخجلة، ليس من قبيل البحث عن الأزمات و إنما فقط معرفة الحقيقة، الحقيقة على الأقل.

و تبقى الإنتخابات مهما شابها في التنفيذ هي الخيار الأسلم و الأجدى و الأقرب إلى إطمئنان القلوب، و ليبقى أحسن مُختتم لنا : في المغرب لا تستغرب


____________________________


أربعة و ستون عاماً على ثورة يوليو 1952

أمين مازن

12-8-2016

حملتني فضائية النيل الثقافية، عبر حوارها المُوسّع مع الأستاذين الكبيرين: رفعت السعيد و صلاح عيسى حول الذكرى الرابعة و الستين لثورة يوليو 1952فإستعدت تلك الحقب البعيدة من خمسينيات القرن، و قد كنت يومها في مسقط الرأس "هون" عندما كانت إذاعة لندن تُعِيد إلقاء ذلك البيان و في صوت لافت " تبين بعد سنين إنه صوت السادات " البيان القاضي بتنازل الملك فاروق عن عرش مصر و سفره على ظهر الباخرة المحروسة من ميناء الإسكندرية، و كانت مشاعر السرور واضحة لدى الفئات المتعلمة التي كُنا قريبين منها و هي تحرص على إسماع الجُلّاس و المارِّين أخبار العالم بواسطة الأجهزة التي لم تكن تتجاوز أصابع اليد الواحدة، و من بينها النادي الأهلي الذي تأسس في تلك الأيام و أُختِير المبنى الذي طالما إحتضن عديد اللقاءلت و لاسيما تلك التي نُعِتَت عقب الحرب مباشرة بالجبهة الوطنية المتحدة، إذ كان ضمن مؤسسيها الأستاذ كامل الهوني، و قد ترأسها السيد سالم المنتصر، فقد رأى الأهل أن يستثمروا المبنى المُشار إليه في تجمُّع أطلقوا عليه النادي إذ حظرت دولة الإستقلال و لم يمض على قيامها أكثر من أشهر محدودة الحياة الحزبية، فأوجدوا بواسطة ذلك الجسم ما هيأ لهم البديل التجمُّعي الرامي إلى نشر الوعي الجَمعي في تجلياته الإجتماعية و الثقافية و بالضرورة السياسية فكان أن تبادلوا ما توصلوا به من حديث الكُتُب و مثل ذلك الصُحف و المجلات كالهلال و المُصور و آخر ساعة و ما وُجِدَ من الصُحف الليبية التي تتوفر بين الحين و الآخر، و لعل سيدي قاسم عبد الحفيظ كان صاحب جهد طيب رغم صعوبة الظروف.

لقد كانت فرحة الناس غامرة بما حدث في مصر، أملاً في أن يتحقق الحلم الكبير في جلاء الإنجليز عن قناة السويس، إذ قد تربَّى الجميع على ذلك التيار المُعادي للوجود الأجنبي، إذ طالما إستظهروا قصائد الكثير من الشعراء و لاسيما شوقي و قوله الخالد " والله ما دون الجلاء و يومه.....يوماً تُسميه الكنانة عيدا " و من هنا كان إستشعارهم للإحباط إزاء الإستقلال الذي أُعلِن قبل يوليو و ثورته بستة أشهر ليس أكثر، و لم يكن أمام الجيل الذي أنجزه من بُدْ سِوى أن يُبرِم المعاهدة البريطانية إن لضرورات المال أو الدفاع، أو لأن الإستقلال ما كان له أن يكون لولا ذلك الدعم السياسي الذي جعل الصومال تذهب إلى الوصاية و تدخل ليبيا قائمة الدول المستقلة. و لكن من ذا الذي يُدرك هذه الحقيقة ما دامت مصر بثقلها التاريخي غير مستريحة لهذا الإستقلال أو غير مُطمَئِنَّة له حتى و لو لم تكن تملك ما تحتاجه الدولة الناشئة من قليل الإحتياجات فإذا هي لا تكتفي بالعجز، و إنما تُعوِض عن العجز بالمُكابرة و التشكيك في الدولة الوليدة.

أتاح لي الإستقرار بالمدينة، المجال الأرحب للتحصيل المعرفي الحر، أي خارج الدراسة المُقَوُلَبَة، معرفة التطور الذي تحقق للثالث و العشرين من يوليو هذا و هو يختلف عن نظيره في سوريا الذي جاء على يد سامي الحناوي أحد ضباط سوريا و بعده أديب الشيشكلي، فلم يبقَ مجرّد حركة عسكرية قادها محمد نجيب اللواء الذي تجاوز الخمسين و الجامع بين الأُبُوَة المصرية و الخؤولة السودانية و بمشاركة ثلاثة أو أربعة عشر ضابط من الرتب المتوسطة يحمل جميعهم أو أكثرهم مؤهل أركان حرب، و إن محمد نجيب في معرض الخلاف الذي نشب سريعاً كان يُحبِّذ الإنتقال إلى الحكم المدني، فيما كان الآخرون يرون الإستمرار في الحكم و إنجاز البرنامج الثوري المُتمثل في تحديد الملكية الزراعية و تَمْصِير الإقتصاد و تعميم مجانية التعليم التي نادى بها طه حسين و حاول تطبيقها مُبكِّراً عشية تقلُّده وزارة التعليم، إلا أنه لم يمضِ حتى النهاية بسبب عدم الإستقرار الذي عاشته مصر في السنوات الأخيرة من حُكم الأسرة العلوية.

فالثالث و العشرون من يوليو كما يرى قادته الحقيقيون ثورة و ليس إنقلاباً و إن فلسفته تلك التي ظهرت في كتاب حمل نفس العنوان و قد كتبه جمال عبد الناصر الذي هو القائد الفعلي لم يُحدد هدفه في نظام الحُكم و إنما تغيير مصر بالكامل ليكون لها دورها في المحيط القومي و الإسلامي و العالمي و في تنظيم سياسي يختلف عن الأشكال السائدة التي هي الحزبية. إلا أن ذكاء النظام جعله يطرح فكرة تطهير الأحزاب، و ليس إلغائها، فتبين من الأدبيات أن خروج الإنجليز الذي تم بموجب المعاهدة إنما كان بضغط النشاط الفدائي، كما أن قبول عبد الناصر لفكرة الدعوة لمؤتمر باندونج و المشاركة فيه لاحقا دفعه إلى فتح أبواب المعرفة السياسية لحركة نشر غيرمسبوقة إستنفرت معظم القوى السياسية و الفكرية، فَخفّفَت من حالة الإحباط التي أحدثتها حملات الإعتقال التي طالت عديد القوى، فالناس كثيراً ما ينسون أحزانهم لمجرد فتح أبواب العمل و ظهور ما يبعث على الأمل.

تُعتبر السلطة الفعلية للثالث و العشرين من يوليو تلك التي دامت بين بروز الزعيم جمال عبد الناصر في الخمسينيات و الثامن و العشرين من سبتمبر 1970 هو اليوم الذي رحل فيه الرجل عن عالمنا و كان قبل ذلك بسنوات تسع "28-9-1961" قد شهد أكبر صدمة له تمثلت في إنفكاك تجربة الوحدة العربية التي إنبَنَتْ على وحدة مصر و سوريا تحت إسم الجمهورية العربية المتحدة و إضطلع برئاستها عبد الناصر و طبَّقَ بها تصوره السياسي القائم على حظر الحزبية و مثلها الصحافة الخاصة و التنظيمات النقابية، و تبنِّي مفهوم الإقليم القاعدي الذي يُفلِح في إقامة النظام الأفضل و دفع بقية الأقطار للإقتداء به، الأمر الذي أدخله في صراع مرير مع دُعاة جمع المشاريع الوحدوية أو الإتحادية السابقة، كالهلال الخصيب الذي دعا إليه القوميون السوريون الإجتماعيون لتوحيد سوريا و لبنان و كذا مشروع المغرب العربي الذي نشط عقب إستقلال تونس و المغرب في منتصف الخمسينيات، غير أنه إستقطب موافقة الأغلبية الساحقة من الوطن العربي إلى الحد الذي هانت أمامه خسارة أكثر من حرب، و أشهرها 5-6-1967 إلى جانب حرب اليمن التي إستنزفت مالاً يُحصى من المال و الأرواح و إنتهت بقيام جمهورية غير موالية لمصر على الوجه الأكمل غير أن الذي لا مجال لإنكاره أن تلك الفترة هي ذاتها التي شهِدت تحديد الملكية الزراعية بما أنهى الإقطاع و جعل الأغلبية الساحقة من أبناء الطبقة المتوسطة تدخل المدارس و الجامعات و تحوز المؤهلات التي جعلتها تتمتع بأوسع الفرص داخلياً و خارجياً.

لقد كانت الجماهير العربية خلف الزعامة الناصرية بالكامل و كان الدور واضحاً في تحقيق مصالح الأغلبية من أبناء مصر، لولا أن الطموح البرجوازي لا يعرف التوقف عن إبداء شراهته الإستهلاكية و تهافته على الكماليات، الأمر الذي أعطى للتغيير الذي تزامن مع إختفاء عبد الناصر و ظهور السادات كوريث جاءت به التركيبة السياسية و أسرع هذا الأخير بالمضي نحو الإنفتاح بقوة أثره الجيد لدى العامة فنسيَّ الكثيرون فضل عبدد الناصر في نشر المعرفة طمعاً في التمتُّع بالإنفتاح فكانت الدوامة التي لم يسلم أحدٌ منها.

لم أكن قد تجاوزت الخامسة عشر من العمر، في تلك الأيام 26 يوليو 1952 غير أن ما حظيت به من عناية الأهل حين لاحظوا ما لدي من الإستعداد فَتَعَهّدُوهُ بالمتابعة و التشجيع، إذ لم يقف الأمر عند إستظهار القرآن الكريم في تلك السن و إنما إمتد إلى المتون اللغوية و الفقهية، و التشجيع على المطالعة الحرة في أُمهَات الكُتب و الصحف و المجلات، لِأمتلك ما لم يمتلك عديد الأقران.

كما كان لإعتماد الوالد على حُسن خطي لتحرير ما كان يراسل به مَن يتواصل معهم من المسؤولين أسهمَ في توعِتي بأكثر من سنين عمري، من ذلك أنه طلب مني تبييض مطلب موجَّه لناظر الخاصّة الملَكية إبراهيم الشلحي ينادي بظم الجفرة لولاية فزان إنطلاقاً من العلاقة التاريخية مع عائلة سيف النصر و الذين كان لهم دورهم في تحرير فزان و تبنِّي فكرة بقائها تحت التاج السنوسي و ليس كما لوَّح الفرنسيون للسيد أحمد سيف النصر، و كان الموقف المُشار إليه رداً على تدَخُّل كبير مُتَصرُفِي المقاطعة الشرقية في إنتخابات أول مجلس نيابي ، و هو توجُّه ما لبث الشيخ أن عدلَ عنه حين لم يُقِرُّهُ عدد من شركائه في الرأي بالبلدة، لتخوفهم من بقاء فزان تحت النفوذ الفرنسي و ما يمكن أن يُلحِقُهُ بالسكان من الضرر.

و كذلك تبييض مذكرة حول الوضع الزراعي و الثروة الحيوانية خاطبَ فيها السيد سالم القاضي ناظر الصحة و الزراعة و بولاية طرابلس في ذلك الوقت و على نفس التوجه أسندَ لي تبييض المذكرة التي تقدمَ بها إلى نائب رئيس الوزراء و وزير المواصلات "عبد المجيد كعبار" لإختيار أحد المباني الجاهزة من زمن إيطاليا كي تكون مقراً للورشة الإتحادية المُختصة بالطريق الساحلي عندما تكرَّمَ السيد كعبار بتبنِّي المُقترَح و الأمر بتنفيذه رُغم ضغوط ولاية فزان، و قد ترتَّبَ على المشروع وجود عشرات الفُرص للتشغيل الذي رفع من معنويات الكثير من أبناء المنطقة. فضلاً عن إستراقي السمع للكثير مما كان يدور من نقاش بين من هُم أكبر مِنَّا سناً و أوسع علماً و حدباً علينا أيضاً، مما جعلني لا أستغرب بالمدينة و أُتابع ما كان يُحَضَّر لمؤتمر باندونج و يُذاع من أناشيد أنجزها أمثال صلاح جاهين و غناها عبد الحليم حافظ إلا و قد إمتلأت بالهَمْ السياسي و الفكر النقدي، خاصة و إن الأهل لم يكن لهم من حديث سوى ما يتعلق بالمعاهدات الأجنبية و شروطها و خلافات قادة يوليو و صراعهم حول الدستور، مما جعلني في نهاية المطاف جاهزاً للإصطفاف مع المثقفين الوطنيين العائدين من مصر المُنفتحين على تيارات لا ترى في الناصرية قضية مُلِحّة و إنما تتطلَّع إلى إنشغالات أخرى، و لا شك إن تلك البداية المُبَكِّرة هي التي دفعتني إلى مواصلة الإطلاع بما لثورة ثلاثة و عشرين يوليو و ما عليها، و لم أكن كذلك بين الجموع التي توجهت إلى المدينة الرياضية عَقِب سبتمبر 69 لمرتين متواليتين بمناسبة قدوم الرئيس جمال عبد الناصر عندما إصطف حوله رجال سبتمبر 69 ناظرين له نظرة الأولاد إلى والدهم، كما فَصّلت ذلك في الجزء الثالث من مساربي الذي وثّقتُ فيه للسنوات الثلاث الأولى من ذلك العهد، و أعتبرُ الكتاب المذكور ضمن ما حُسِبَ لي من مُنْجَز لم أُحْرَم التقدير عنه، غير أنني لم أتردد في إستثمار عيد ميلاده و ربما ذكرى وفاته أيضاً في التنبيه إلى الكثير مما عجزعن مُحاكاته فيه مُعظم و ربما كل الذين بقوا بعده.

فقد أجمَعَ كل الذين أرّخُوا لمسيرته السياسية و تجربته العملية على ما تمتَّعَ به من نظافة اليد و إستقامة المسلك و عدم الإنزلاق نحو أي نقيصة من النقائص، و قد كان للوثيقة التاريخية الخطيرة التي أنجزها الخبير الأمريكي الشهير مايلز كوبلاند و نُقِلَت إلى العربية كاملة أول سنة 70م بالتحديد على رأس ما أنصَفَ جمال عبد الناصر و عندما ينفرد رفعت السعيد و صلاح عيسى بتناول تلك المرحلة بهذه الموضوعية التي لا تتوقف عند الأنا الضيقة و التي لو إحتكمَ إليها كلاهما لَمَا كان منهما ذلك الحديث المُنصِف الجميل.

و قديماً قِيل : و من ذا الذي تُحصىَ سجَاياهُ كُلُّها.........كفى المرء نُبلاً أن تُعَدّ معَايبه




________________________________

الحبيب الصيد و الخَيَار الأصْوَبْ

أمين مازن

20-8-2016.

فَضَّلَ السيد الحبيب الصيد فكرة الذهاب إلى مجلس النوَّاب التونسي للبَث في مصير حكومته، خِلاَفاً لما سعى إليه الرئيس الباجِي قايد السبسي عندما عرَض فكرته الرامية إلى تشكيل ما دعاه بحكومة الوحدة الوطنية التي لا تقف عند الأغلبية البرلمانية بواسطة الأحزاب، و إنما تُشْرِك الإتحاد التونسي للشغل و مثله إتحاد الحرفيين لِمَا لدى هذين الإتحادين من القدرة على توفير القدر الأوفر من الإنتاج، بإعتبار المشاركة المقترحة ستضمن التقليل من الإضطرابات و ربما وقفها بعض الوقت.

و كان الكثير من المتتبعين للشأن التونسي و المداومين على الحديث عنه عبر وسائل الإعلام المصورة تحديداً لم يستبعدوا إمكانية ذهاب السيد الحبيب الصيد إلى مثل هذا الخيار عندما لاحظوا أن ما تتمتع به حكومة الصيد هذه من الأغلبية المُريحة في مجلس النواب لا يجعل من طرح فكرة حكومة الوحدة الوطنية هذه سوى محاولة لتحميل السيد الحبيب الصيد مسئولية ما تشهده تونس من الإخفاق في المجال الإقتصادي على وجه التحديد، بإعتبار السيد الصيد شخصية مستقلة و كان تكليفه برئاسة الحكومة يدخل ضمن محاولة حزب نداء تونس الذي هو حزب الأغلبية على عدم الظهور بمظهر المحتكر للسلطة بالكامل في تونس الوفاق و إظهار حزب النهضة هو الآخر بمظهر الشريك المؤثر حين يكون على رأس الحكومة شخصية مستقلة يمكن أن تكون في حكم المتعاطف أو غير الإصطدامي على الأقل، فكان أن أُشِيع في عديد الأوساط التونسية إن الحبيب الصيد لن يكون في ممارسته أكثر من موظف سامي لدى رئيس الجمهورية الباجي قايد السبسي بما يتوفر عليه من سمو المنصب و سامق المكانة، و يبدو أن الأستاذ الباجي بما لديه من المقومات الخامدة هو الآخر شيئ من مثل هذه المشاعر حتى إنه لم يتردد في طرح توجيهه الرامي إلى تشكيل حكومة الوحدة الوطنية دون التشاور مع عضده و شريكه الحبيب الصيد و الذي لم يتردد في التصريح أن الرئيس قد طرح مشروعه بدون تشاور، فكان في ذلك ما أشّْرَ لدى الكثيرين أن هدؤ الصيد و تهذيبه و زهده في المنصب قد لا يمنعه من ترجيح فكرة الذهاب إلى البرلمان للبثّ في مصير حكومته بعد أن يقدم من جهته البيانات اللازمة و يُجيب بالضرورة على الأسئلة المُفترَضة، و هكذا لم يمضِ طويل وقتٍ و لا الكثير من القول حتى توالت الأنباء عن ترجيح السيد الحبيب الصيد لسلوك هذا النهج، ليس لأنه يتوقع الحصول على الأغلبية المركزية أو أنه سيسعى لذلك و لكن فقط لإدراكه أن تشكيل حكومة الوحدة الوطنية دون عرض الأمر على البرلمان سيجعله وحده "كشخصية مستقلة" المسئول عن جملة الإخفاقات التي شهدتها الحياة التونسية، في حين أن المسئولية تقع على عاتق الجميع.

و من هنا وجب طرح الأمور مجتمعة للنقاش و تحديد أوجُه القصور و ربما إقتراح الحلول.

و لما كانت المشاكل الإقتصادية على رأس ما يفرض الواقع التونسي ضرورة التوجه إليه بجدية و حزم، سواء من حيث ما يستوجبه التشخيص من الشفافية المتعلقة بنوعية هذه المشاكل و أسبابها و مواقف الأفراد و الجماعات بصددها، أو تأثُّرها أي المشاكل بمستويات الأداء و مظاهر القصور و التقصير أو إرتباط ذلك بنوعية التحالفات المتعلقة بالمحيط الصغير و الكبير، فإن كل توجه إلى دَرء هذه المشاكل بحُجّة الحفاظ على التوافق و تغليب روح التعاون لن يُؤدي إلا إلى عدم تحديد المسئولية و توزيعها بما يدعو إلى بقائها حيث هي عندما يُكتفَىَ فقط بإعادة تشكيل الحكومة، في حالة إقتناع رئيسها بالإستقالة فيتبارى المتكلمون على كيل الثناء لشخصه و نظافة يده و إستقامة سلوكه، و لكن دون الخوض في أية صعوباتٍ كانت وراء تكبيل يده إزاء ما كان يُنتظر منه من أداء و تُسدل الستارة في النهاية عن الفترة بالكامل إنتظاراً للمستقبل.

و لأن هذا المستقبل يحتاج عادة إلى شيئ من الوقت لإعداد الدراسات المطلوبة و البيانات الكافية فإن المحصلة ستؤدي - بقصد أو بدون قصد - إلى هدر المزيد من الوقت و إخفاء ما لا ينبغي أن يُخفى.

و من هنا فإن مُضي السيد الحبيب الصيد إلى طرح مصير حكومته تحت قُبَّة البرلمان ينبني عن تصرف بالغ الحكمة بل و موفور الشجاعة، إذ على الرغم من أن ذلك قد يُظهره في صورة المُتشبت بالسلطة و هو البريئ منها بإجماع عارفيه جميعاً إلا أنه و من جانب سيكون الضمان الوحيد لإظهار الحقيقة كما يجب أن تكون و بالضرورة ستُعالََج و ما من سبيل إلى ذلك سوى المكاشفة داخل قبة البرلمان.

لقد شككت رموز سياسية كثيرة في تونس، كما تابعنا من خلال الفضائيات في جدوى المُضِي إلى تشكيل حكومة الوحدة الوطنية التي دعا إليها السيد الباجي قايد السبسي رئيس الدولة، لأن المطلوب و المُجدِي لتونس هو الإتفاق على برنامج الحكومة و ليس من يرأسها أو من يحمل حقائبها، و يبدو أن السيد الحبيب الصيد قد أحسن الإصغاء لهذه الأصوات و لا سيما تلك التي تمثل حضوراً في مجلس النواب التونسي، و لهذا فضّلَ أن يكون البث في مصير حكومته عن طريق البرلمان و وفق ما هو موجود في الدستور التونسي، بحيث يكون كشف الحساب صريحاً و واضحاً و تشخيص الصعوبات شفافاً و طريق الخلاص أكثر أمناً.

فقد وضع الرجل بعض أصابعه - كما تحدَّث المراقيون - على بعض مواطن الفساد المُتفشِّي في بعض الأوساط أو المرافق أو أي نشاط مما يجعل من الحوار المُنتظر حول سلبيات الحكومة أو رئيسها فرصة لتفادي ما عساه يُعتبر سلبياً أو عائقاً أو حائلاً دون الإصلاح إذ لا سبيل للعلاج قبل تشخيص المرض، و لن يكون ثمة من سبيل أكثر من تبادل الرأي حول مكان الرأي الذي هو مجلس النوَّاب فرئيس الحكومة وليد الأغلبية بعد الإنصاف المسؤول لملاحظات الأقلية. أما تنوير الرأي العام بحقيقة الصراع و شيئ من التفاصيل فمن الأُمور التي لا مفر منها في واقع شديد الترابط و كذلك التواصل هوالواقع التونسي الذي لا يُخفَى فيه أي سِر بشأن الإنحراف الذي تُجمِع أطراف كثيرة على برأة الحبيب الصيد منه، و تبقى شُبهة الضعف التي حرص البعض على إلصاقها به، فإن إصراره على أن يكون البثّ في مصير حكومته تحت قُبة البرلمان خير ما سَيُنقِيه منها إن لم نقُل يزيده نقاء



______________________________

ليست المحاولة الأولى و لن تكون الأخيرة

أمين مازن

17-8-2016.

اخفقت محاولة الإنقلاب العسكري الذي شهدته تركيا فجر الخامس عشر من يوليو الجاري، عقب ساعات محدودة من الشروع فيه حُجِزَ أثناءها رجب أردوغان في مكانٍ ما بمدينة إسطنبول على الأرجح فَحِيلَ بينه و بين الوصول الى العاصمة أنقره، حيث الحجم الأكبر للقوى المعارضة لسياساته، و قد إلتزمت العواصم الغربية المشهورة كافة الى جانب الولايات المتحدة الصمت المطبق، و عبّرَت خطوات التنفيذ عن قصف الكثير من المواقع الرسمية التي أُعتُقِدَ على ما يبدو أن اردوغان ربما يكون ضمن الموجودين بداخلها، فإقتصرَ حديثه على "السكايب" الذي شك المراقبون في صحته، إلى ان تسنّى له في وقتٍ لاحق الظهور علناً و دعوة مناصريه للخروج الى الشارع و معارضة الانقلابيين.

كل ما حرص عليه الجانب الامريكي بالتأكيد سريعاً هو ان الضباط الموجودين حالياً بالمطارات التركية لمهمتهم المحدوة في محاربة ما يدعونه بالارهاب لن تتأثّر بما حدث من التطورات المتعلقة بالسلطة. كما سارع في وقتٍ لاحق عدد من العسكريين المشاركين في المحاولة الفاشلة الى الفرار بأحد المروحيات المتوفرة بحوزتهم لليونان بذات القدر الذي جمعت فيه القوى المؤيدة لاردوغان بين اعتقال المزيد من كبار الضباط و العسكريين و القضاة و المستشارين القانونيين، و كذا إلقاء المسئولية كاملة على المعارض فتح الله غولن المقيم في الولايات المحتدة الأمريكية مع الإعلان الصريح بأن تركيا لن تقبل مستقبلا أن يكون أي مُجير لهذا الرجل في قائمة حلفائها دون التصريح بالطبع بالولايات المتحدة الامريكية، إذ أن تركيا قبل غيرها لا بد أن تعرف خطورة التحرّش بأمريكا.

لم يكن غريباً بالطبع أن تفشل مثل هذه المحاولة، فالأغلبية التي فازَ بها أردوغان في أكثر من لجوء لصناديق الإقتراع ليست بالبساطة التي تجعله غير قادر على حشد هذه الاعداد الكبيرة من القوى المدنية التي طالما ظهرت مؤيدة للكثير من سياساته و انواع مظاهره و مثل ذلك أُسرَتِهِ تجعله قادر على حشد بكل اليُسْر لتحقيق ذلك، فحين يكون الحزب مدعوماً من التجار و أصحاب المصالح و رجال الصناعة و المستفيدين من مستويات العيش النامي و قوة الإرتباط مع دول المحيط لن يصعب عليه التعبير السريع عن حجم التأييد الشعبي و تمظهراته الإعلامية المختلفة.

و في ذات السياق لم يكن غريباً أيضاً أن تسارع إدارة أردوقان بإعتقال هذه الأعداد الكبيرة من الضباط و المسؤولين و رجال الأمن و القضاء بتهمة تأييد الإنقلاب، فقوائم المُشتبه فيهم عادةً جاهزة و إنتظار المناسبة للتخلُّص أيضاً في حكم المتوقع و تاريخ الإنقلابات العسكرية في تركيا غير خافٍ على أي مراقب فتركيا منذ مصطفى كمال تُعوِّل في المقام الأول على الجيش، و جيشها اليوم يعتبر-حسب الإحصائيات الرسمية- خامس جيوش العالم، و وجودها على خطوط التماس مع روسيا و كذا تاريخ صراعها الطويل يُلقي عليها الكثير من المهَام لمن يتطلّع إلى مناوأة الروس كما أن الروس من جانبهم قد لا يترددون في التعاطي الإيجابي مع أي سانحة تَشي بإمكانية التصدُّع في العلاقات التركية الأمريكية ذلك أن الحسابات قد لا تكون دقيقة، و قد يكون النصر المؤقت بداية الهزيمة القادمة.

من هنا فإن كل من يرى في فشل هذه المحاولة دليلاً على أن الصراع داخل الدولة التي ظلّت لقرنٍ كامل عاجزة عن أن تحسم أمرها بين أسيا و أوربا، الإسلام أو العلمانية، الحكم العسكري المُعلن أو الآخر المُقنَّع و أخيراً المدني المُوجه بالمال و العمولات و الكثير من سماسرة النفط و صغار الوكلاء التابعين لهم، هو أيضاً قد يخطئ الحساب، فتركيا ما تزال تؤدي ما تؤدي بالوكالة و تستفيد من البواقي، و مثلما أُزيح مندريس و دُمريل و أربكان، عن طريق الكثير من مشاهير الجنرالات فإن الدور قد يأتي على أردوغان، فمن يحكم بالأغلبية التي تتجاوز النصف لا يمكنه البقاء ما لم يعمل على إشراك النصف الآخر، أما و أن الكثير من النصائح قد وُجِّهَت و لم يظهر أي أثرٍ لها، فإن ما حدث في الخامس عشر من يوليو لن يكون الأخير و قد لا يكون لمن سيُكرر المحاولة نفس المصير


___________________________

تعْسَاً لِمن يُخطئ الحِسَاب

أمين مازن

3-8-2016.


تناقلت وسائل الأنباء العالمية المختلفة نبأ عودة العلاقات الدبلوماسية بين أنقرة و تل أبيب، مما يعني طي صفحة هذه الأزمة التي إندلعت منذ ستة سنوات، و قد أُصطُلِح على تسميتها على الباخرة مرمرة تلك التي إمتطاها في ذلك التاريخ عدد من الشباب الاتراك الذين تاقت نفوسهم الى خرق الحصار المضروب على قطاع غزة من قبل الإسرائيليين، و يومها يَمّمَ أولئك الاتراك و جوههم شطر ذلك القطاع، فكان أن رد اليهود بموقف أكثر شدة، ففتحوا نيران مدافعهم و أنهوا حياة المجموعة بالكامل فكان تفاقم الأزمة و إستمرارها طيلة هذه السنوات و التي لم تتوقف أثنائها الجهود الرامية للخروج من مأزقها، حتى كان الإعلان الأخير الذي صرّحَت به إسرائيل في قدر كبير من الإحتفاء لما حمله من المكاسب الإقتصادية بالذات، فيما جاء الموقف التركي مُتَّصِفاً بالإقتصاد في الكلام و الأخذ على ما يبدو بالحذر قدر الإمكان. إستشعاراً للحرج ربما، لِمَا ستُثيره لدى عديد الأوساط العربية الشعبية من الإحتجاج أو الغضب أو عدم الإرتياح على الأقل.

ومعلوم أن أزمة مرمرة هذه كانت عشية إنبعاثها قد تزامنت مع الربيع العربي و ما شهدته من إنتفاضات أودَت بأكثر من مستبد من المستبدين العرب الذين لم يكتفوا بالبقاء في الحكم لحقب طويلة و إنما إستحدثوا بدعة التوريث لعدد من أولادهم و لم يَعْدَمُوا مًن يُؤيدهم و لو من باب أن التوريث المُقترَح قد يُمثل أقل الضررين .

و كانت تركيا الأردوغانية على علاقة وثيقة بالكثير من هذه الأقطار العربية التي قادها هذا النوع من الحُكام، حين كانت شركاتها المتعددة تنهض بتنفيذ أضخم المشاريع العقارية و تصنع الكثير من السلع المُعمِّرة التي تستوردها هذه الأقطار، مما جعل تركيا الحديثة المحكومة من قبل الإسلام المودرن تمتلك الكثير من فرص الإفادة لكل من يرتبط بها و بدوائرها المُتنفِّذة ممن يمكن وصفهم بشركاء المصلحة و حلفاء النفوذ و أصحاب المشورة المفيدة و حتى الظيافة المريحة لكل من يمّْمَ وجهه نحو الإستانة الخالدة و ما تزخر به من فرص الإستثناء و أماكن السياحة و ربما الإستثمار أيضاً فلا خوف هناك من تَبِعة تبييض الأموال و لا حساسية من العمولات التي تدخل في عداد الحرابة.

فلقد نجح أردوغان في إلباس مشروعه السياسي الرامي الى تجديد الخلافة العثمانية بإلباسها لُبُوس التنمية و العدالة و غيرها من المفردات القادرة على توفير القدر المطلوب من الحذر الكافي في تأجيل الإصطدام بالمؤسسة العسكرية التركية التي كثيراً ما سارعت بإزاحة كل من ظهرت بوادر مُعاداة العلمانية التي أسس لها أتاتورك في مطلع القرن الماضي و بقيت متحالفة مع النفوذ الغربي الذي طالما وجد في عديد الساسة الأتراك من سعى للإبقاء عليه، و لا سيما تحت صيغة الأحلاف التي حملت أسماء بعض المدن العربية كحلف بغداد عندما كان لشاه إيران دوره الملحوظ في خدمة السياسة الأمريكية تحت شعار محاربة الشيوعية و الترويج لإمبراطورية الدولار لترث العجوز البريطاني.

فمن تحسينات أردوغان في الآداء الإقتصادي و التوسع الصناعي السلعي الخفيف و المعمِّر، و الإقتصاد في الطرح الديني الجامد الذي لا يكتفي بالقول و إنما يعمد إلى فرض القول، بالفعل إمتلكت تركيا الجديدة قدرات ملحوظة على الإستقطاب و التبشير بنموذج مُتَفرِّد سرعانَ ما شاعت محاكاته في أقطار عربية كثيرة لعل أشهرها المغرب، و إن تكن تونس و غيرها ليست مُبرأة منه، حين طرحت شعارات التنمية و العدالة كأقنعة للايديولوجية، كما إكتسبت قدراً من الحضور لدى أوساط كثيرة عندما قررت حماس الإستفراد بقطاع غزة و التملُّص من توحيد السلطة الفلسطينية و إن في تغطية إعلامية منقطعة النظير و لاسيما عندما إتخذت هذه الأخيرة موقفاً ذا خصوصية و كسبت بواسطة الحصار الصهيوني هالة سياسية فاقت غيرها، مما اعطى للتحدي الأردوغاني بريقه الخاص عقب إندلاع أزمة مرمرة و التي أدت إلى قطع العلاقات بين الطرفين و لكن بقرار تركي، و ما أعقب ذلك من مفاوضات طال أجلها و قِيل الكثير عن شروط إنجاحها، و قد كان على رأس مرتكزاتها من حيث الطلب التركي ضرورة الإعتراف بالخطأ و بالأحرى الإعتذار من الجانب الصهيوني و التعويض المالي عن الضحايا الأتراك و رفع الحصار عن غزة، و قد ظلت تركيا مُتشبتة بموقفها هذا حسبما تردد طوال هذه المدة حتى كان الإعلان عن الإتفاق و عن عودة العلاقات في بحر اسبوع و من دون الحديث عمّا قدّمت إسرائيل من المطلوب و نفس الشيئ بالنسبة لأهم الشروط الإسرائيلية و على رأسها إلزام القادة الحمساويين على مغادرة تركيا، و تواجد السيد خالد مشعل بتركيا قبل إعلان الإتفاق بيوم او بعض اليوم، مما حدى بالمرقبين أن يروا إمكانية ترابط الأمور ببعضها.

و أياً ما كان شكل التسوية التي إنتهى الإتفاق إليها، فإن حقيقة كونها ستكون على حساب المصلحة العربية عامةً و الفلسطينية خاصةً هي ما لا مجال لإنكاره. فكل ما يُعتَقد أنه قد أُنجِزَ لصالح قطاع غزة أو حكومته بالأصح هو في الحقيقة لمداخل الإنقسام الفلسطيني و هو بدون شك الهدف المركزي للعدو الصهيوني، و بالضرورة على حساب العرب أو لنقل تحديداً الفلسطينيين.

كما أن بقاء القادة الحمساويين داخل الدولة التركية، و إن يكن قد جاء تلبية لرغبتها إلا أنه قد يُلقي عليها من المسئولية التي يمكن أن تُذَكٍّر كل من يفقه التاريخ السياسي التركي، بأن الإستظافات التي شملت مشاهير العرب غير الموثوق في نشاطهم داخل الإستانة إنما كان للإبقاء على أولئك الناشطين تحت العيون الراصدة و يظل التشرذم و إستمرار الإنقسام على الرغم من عديد الذرائع هو دائماً يصب في تقسيم المُقسم و تجزئة المُجزأ و هو ما تقرر من طرف الإستعمار منذ غزو العراق.

فإذا ما وضعنا في الإعتبار أن خريطة الشرق الأوسط لدى الدوائر الإستعمارية المأذونة قد حُدِّدَت منذ سنوات على أساس حفظ التوازن بين الفرس و اليهود و الأتراك و ضرورة التنسيق بين هذه القوى فإن ذلك قد حدد الدور العربي في الترتيب الثانوي بما في ذلك الدور الخليجي.

لقد بدأت تركيا الكمالية بقضم لواء الإسكندرون، و يتحجج الصهيونيون في طردهم للفلسطينيين بما جرى لليهود في أقطار عربية كثر، و ما دامت تركيا في حاجة للمهاجرين و لإمكانية تحقيق ذلك المطلب عن طريق ما يجري في سوريا و العراق و ما يلقاهم الفلسطينيون عبر إنقسامهم و التضحية بهم تحت مبرر الدفاع عنهم أملاً في أن يموت الكبار و سينسى الصغار كما قال أحد عُتَاتِهم منذ سنين في معرض ردِّه على من سأله.

فطوبى لمن يراجع التاريخ و يتأمّل و يستنبط و تُعْسَاً لمن يُخطئ الحساب



__________________________


النهضة التونسية.. نقلة نوعية أم مناورة سياسية

أمين مازن

29-5-2016

أعلن حزب النهضة التونسية في مُختَتم مؤتمره العاشر الذي عُقِد في منطقة الحمَّامَات السياحية قراره التاريخي بتحوله إلى حزب سياسي مدني يتبنَّى الدستور التونسي الذي تَوافقَ عليه مُمَثلو الأطياف التونسية المُنتخَبة من الشعب التونسي عَقِبَ الإطاحة بالرئيس زين العابدين بن علي، أي ما أَطلق عليه الشيخ راشد الغنوشي فصل الجانب الدَعَوي عن السياسي، بحيث يكون هذا الشِق من حق كل المنخرطين في الحزب و بمعايير العصر، و يذهب الجانب الدَعَوي للنشاط الجمعياتي و ما تحدده القوانين و اللوائح. و قد أثار هذا القرار تعليقات عديد المراقبين و المنافسين لهذا الحزب الذي إختبر قوته عَقِب الإطاحة بِبن علي و حكمه الشمولي فرآه البعض نوعاً من الممارسة البراجماتية التي اشتهر بها الشيخ الغنوشي الذي ظل حاضراً لأكثر من أربعة عقود في الحراك السياسي القائم على فهم محدد للإسلام كانت مراكزه في القاهرة من حيث المرجعية التاريخية فيما شملت مساحاته الحركية تركيا و الخرطوم و طهران و كابول و من باب أولى الرياض التي طالما عرفت جميعها الغنوشي مُنظِّراً و مناضلاً و رمزاً دائم الحضور فمن المستحيل حسب هذه القراءة أن تُصدِّق الافعال الاقوال، و هو الحذَر الذي لم يُخفهِ الرئيس الباجي في كلمته التي شارك بها في الجلسة المراسمية و ربما يكون الدافع لغياب الكثير من رؤساء الاحزاب عن الجلسة المذكورة.

بيدَ أن مراجعة الإكراهات المُحيطة قد تكون مُرجِّحة لإمكانية صدقية هذا التوجه، فما تواجه تونس من قوة المنافسة الاقتصادية على مختلف المستويات و ما حققه المجتمع التونسي من مواكبة لما يزخر به العصر من تمرُّد على كل ما في الماضي من تبرير للفوارق و ما يطبع تصرفات الكثير من الرموز السياسية من إزدواجية الموقف و ما يلوح في الأفق الدولي من تصميم على قطع دابر التطرّف بكل اشكاله، و من ضيق من الوصاية الأردوقانية و طموح لبعث خلافة ولي عهدها قد تجعل الغنوشي يكون اليوم أكثر إدراكاً بأن المصلحة الحقيقية لهذه الملايين التي تقطن هذه الارض الخضراء الجميلة المطلة بشكل لافت على عباب البحر أكثر حاجة ألى رصّ صفوفها و تنمية خصوصيتها و مراجعة ما يحفل به تاريخها كي تتمتّع بمواردها و تُسعِد أحوال متساكنيها كي يكونوا أكثر تلاؤماً مع محيطهم و أشدّْ حذراً من نذر الفوضى التي لم تتوقف عن محاولة التسلل إليهم و دفعهم نحو أتون المعارك الجانبية و الصراعات المدمرة، و لن يعدم الغنوشي الحُجّة التي سَتُسوِّغ له إعتماد مثل هذا الخيار إبتداءً من إجتهادات السلف من حيث المرجعية الإسلامية و مروراً بتونس المعاصرة التي لم تقبل بأي مسَاس يطال خصوصيتها أو دورها، و حسبها ما أجمعت عليه من تقدير للفصائل البعثية التي تكونت في المدرسة العراقية لما حافظت عليه رموزها من إستقلال القرار و تقدير للمصلحة الوطنية، و لا شك ان الشيخ مورو حين كرر القول بأن تونس فوق النهضة إنما يضع في إعتباره مثل هذه الخصيصة التونسية، و عندما يختتم راشد الغنوشي كلمته الإفتتاحية بالآية الكريمة ( اعْمَلُوا عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ ۖ ) إنما يريد ان يُحمِّل اتباعه و رفاقه و كل من يرون فيه القدرة، مسئولية ما قد تأتي به الايام لكل من يخرج بالدين من العبادة و ترويض النفس نحو ما هو طيب و مفيد إلى اسلوب من اساليب العنف تحت شعار تغيير المُنكر باليد، من الذين ينذرهم المقدس بالخزي فتكون التكملة (إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ) .

و إذا كان من حق الاطياف السياسية التونسية ان تتحفّظ حول خطاب الغنوشي الأخير فإن من حق الآخرين أيضاً أن يأملوا في مرحلة سياسية جديدة في تونس تقوم على فضيلة التسامح و حقيقة ان تونس بموقعها و إمكانياتها و إكراهات محيطها قد تفرض على ىالنهضة و غير النهضة التجديد في التوجه و الاسلوب و تبقى الصدقية دائماً رهينة الممارسة العملية و الموقف الواضح.

لقد أكدَت المقارنة و ما تزال أن تونس أفلحت في تجنُّب الكثير من ردات الفعل التي جعلت الكثير من نظيراتها في الربيع العربي أكثر تضرراً من عهد ما قبل الربيع اللهم إلا المغرب و لا شك ان ما حرص عليه الغنوشي من إعطاء الأولوية للمغرب العربي يضاعف من الأمل في مستقبل أكثر عصرية و إسهاماً في عالم لا مكان فيه لما سوى التوافق و أن إحتكار الحقيقة قد ولَّى إلى الابد، و من العبث التطلّع لإعادة إنتاجه



_____________________________

الحقيقة و الكرامة

أمين مازن

10-12-2015

كان لا بُد لي و انا اتابع من خلال الفضائية التونسية حوار مجلس النواب التونسي ما أُطلِقَ عليه موضوع الحقيقة و الكرامة، و الرامي الى جبر الضرر لاؤلئك الذين طالهم ما طالهم من الظُلم في عهد زين العابدين بن علي أمَلاً في تحقيق المصالحة الوطنية المنشودة بين الفُرَقاء التونسيين، و هو الحوار الذي اداره الشيخ مورو نائب رئيس المجلس المذكور و احد قيادي حزب النهضة، و مشاركة نواب الجبهة الشعبية و حركة نداء تونس و غيرهما من شركاء الحُكم و المعارضة ... كان لا بُد لي ان استدعي بعض التجارب التي أُتُبِعت في الخصوص بدءً من جنوب افريقيا عشية خروج المناضل مانديلا من السجن و فوزه في اول انتخابات تشريعية حرة تولّى على إثرِها رئاسة بلاده و من ثَم قيادة المرحلة التي أُستٌهِلّت بالمسامحة الكبرى التي جمعت بين جبر الضرر القائم على التعويض المادي و المعنوي فَتَمَكّن الطرفان من طَي صفحة الماضي و الإنصراف الى المستقبل، لتأتي بعد ذلك تجربة المغرب التي تبناها الحسن الثاني بإطلاق سراح المناضل الكبير عبدالرحمن اليوسُفي و غيره من اقطاب المعارضة المغربية و تمكينهم من خوض معركة الانتخابات النيابية بإشراف دولي ليكون النجاح حليفهم و يتزامن ذلك مع إستلام الملك محمد السادس مقاليد العرش المغربي و تُنَفّذ على ذات السياق المصالحة الكبرى التي جمعت هي الاخرى بين جبر الضرر المُتَمَثّل في تعويض عشرات المناضلين المغاربة عمّا لحِقهم من الأذى القائم على السجن و التعذيب و الإقصاء و الإكراه على الصمت، بحيث لم يعتل الملك محمد السادس العرش المغربي إلا و البلد العربي المواجه للطرف الاوروبي يدخل هذه المرحلة الحضارية القائمة على التسامح و الاعتراف المتبادل بحق الجميع في الحياة و المشاركة المتساوية التي لا تستنكف الاعتراف بالخطأ و لا تُصِر على الثأر من الجلّاد، الامر الذي كان من نتيجته أن استطاعت المغرب تجَنُّب الهزّات العنيفة و أجرَت اهم انتخابات تعدُدِية إستحقت الكثير من الاحترام،بل و أكّدَت أن الجماهير حين لا يُحَال بينها و بين آداء مسؤليتها تستطيع ان تُحقِق بواسطة الاقتراع الكثير من شروط التوازن بين الاطراف الشريكة،و ان المصلحة الوطنية فوق جميع الايديولوجيات، فَلا الماركسية تجعل من موسكو او بِكّين قِبلة لليسار و لا القومية العربية تُقِر القيادة البعثية او الناصرية و لا الاسلام يقتدي بإيران او تركيا و وكلائِهما في المنطقة،بل ان سَبتة و مليلية و جبل طارق أيضا تبقى مُؤجلة الى وقت آخر ، و تبقى الاولوية المغربية مُتَمثلة في الصحراء و لا شيئ غير الصحراء، فقد ادركوا اهمية المساحة و الموقع و النُدرة السكانية،فجمعوا بين الإصرارعلى فرض الامر الواقع و كَذا إستقطاب الاغلبية من السكان، فلم تُبق سوى بعض الضغوط غير المؤثرة.

ان الحديث عن الحقيقة و الكرامة هو المرادف للعدالة الانتقالية التي بدَأت بها جنوب افريقيا و طبقتها كذلك المغرب، و هي تُناقَش اليوم بتونس بل و أُتخِذت بصددها بعض الخطوات، و يشتد خِلاف الفُرَقاء التونسيين حول تطبيقها و لكنهم لا يمكن ان يتركوها او يوقِفوها او يسمحوا للعبث بها، و اذكر ان الكثير من اصدقائنا المغاربة يتحدثون عنها بإرتياح جَم و ينتَظمون بِسبَبِها خلف مصلحتهم الوطنية رافضين كل تدَخُّل فهي مطلب لا مَهرب منه و لا عُذَر لمن يتأخر عن المُضي نَحوه ، لأن الناس، كل الناس لا يمكن ان يقفوا دائما حول الماضي مُتَذمرين مما اصابهم او مُفتَخرين بما فعلوا، لأن المُضي الى المستقبل يحتاج الى جهود الجميع، و تونس بدون شك تنحى هذا المنحى و تسلك هذا النهج .

طبيعي انني تساءلت مثل غيري من الليبيين... اين نحن من ذلك كله، و كيف إتخذنا من سجون الماضي للإسراع بالكسب، و حَمِدتُ الله أن كنت ضمن الذين لم يتقدموا بأي اوراق بالخصوص حتى الآن ، بما في ذلك بطاقة سجين الرأي التى يشرفني كثيراً أن تصدر بتوقيع العزيز علي العكرمي الذي عرفته في ذلك الربيع، و علِمت يومها انه من مواليد تونس التي أُحِب و التي يناقش اليوم برلمانها هذا الموضوع تحت عنوان الحقيقة و الكرامة ،فلا حقيقة بدون كرامة و لا كرامة بدون حقيقة



_______________________________

هذه الحرب العالمية العربية

أمين مازن

13-8-2016

نعم ذلك هو حال العرب اليوم ، أوحال الأمة كما هو المصطلح القومي الذي تثبت كل المراجعات الواعية والمبنية على المصالح الحقيقية لحفد الوطن الكبير الا معدى من الانطلاق منه والاعتماد عليه منذ أن جاءت خاتمة الرسالات السماوية بذلك القول الخالد المنزل على أشرف من أرسل (إنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون).

أما مقومات الوقل بأن ما يشهده الوطن العربي من أحداث مؤلمة بأنها تمثل الحرب العالمية العربية فهو هذا الاحتكام اللامحدود وللسلاح في حسم كل الخلافات العربية والصراعات العربية بين ابناء الشعب الواحد والقطر الواحد والمنطقة الواحدة بل والقبيلة الواحدة هنا مذهب من المذاهب الدينية يذكي الخلاف، وهناك تحالف يبرر القتال ، وبين الاثنين لا يوجد الا من يورد السلاح ويسوق المعدات ويقول للجميع أنه مع الحوار ومع الحلول السلمية ومقولة لا غالب ولا مغلوب.

ويكفي أن يلقي المراقب نظرة سريعة على هذه المساحة التي تبدأ من المحيط الهادر إلى الخليج الثائر فلا يجد التلبية لنداء العروبة وخطاب القومية الذي ساد ذات يوم وانما يجد السلاح العربي الذي طالما اشترى بالمليارات الناتجة عن رفع سعر النفط والتكتلات الاقليمية بحجة التعاون العربي والتقارب العربي والمشروع الوحدوي ليرى هذا السلاح المتطور لا يوجه إلا للصدور العربية والمدن العربية والمنشآت العربية.

إن المبررات تتعدد وتنوع والمسوغات الإعلامية تزيد عن الحد وعن التصور وعن التفكير ولكن الحقيقة المذهلة والمحزنة والمخجلة في النهاية أن السلاح العربي لم يعد يوجه إلا للمواطن العربي، ابتداء من الكلاشينكوف الذي غد ايباع في الاسواق كما تباع لعب الأطفال ووسولا إلى الطائرات والصواريخ التي توشك أن تصل إلى ما يقترب من الذرة بعد أن وصلت إلى العنقودية وما شابهها بل وتجاوزها تدميرا وهولا.

ومثلما لا يوجد في هذه الساحة الشاسعة التي تشكل ما يطلق عليه الوطن العربي سوى الاقتتال فان مردود هذا الاقتتال المدمر يستطيع المراقب الذي لا يصل إلى مستوى الاختصاص العالي والمتسلح بالمقاييس العلمية الديقيقة أن ينظر فقط إلى هذا السيل الكبير من القرارات القاضية بتعطيل الدراسة في هذه المرحلة أوتلك أو إعادة الامتحان بحجة ما استشرى من الفساد وما تتعرض له المنشآت التعليمية وحتى الصحية من القصف، ومثل ذلك آلاف الناجين الذين يقطعون المسافات الطويلة سيرا على الأقدام وهذه المنظمات الخيرية التي ضاقت منها الأرض بما رحبت لتخفيف ما يلقاه هؤلاء النازجون الذين يفترشون الأرض ويكادون أن يسيروا عراة ، فلا يترد والكثير من الملاحظين وقادة الرأي من طرح فكرة إعادة احتلال هذه المساحات الشاسعة أو نخريطها أو تعديل حدودها أو نقل مجموعاتها البشرية من مكان لآخر، أما مصطلح الدولة الفاشلة فحدث ولا حرج وحسبك ما ترتب على ثروات الربيع العربي من خيبات الأمل ومذهل المفارقات.

وإذا كانت الشجاعة الادبية تقتضي الاعتراف بأننا معشر الليبيين ومنذ أكثر من سنة مضت لم نكن حارج هذه الحرب العالمية العربية بقدر ما كنا في اتونها بامتياز وضحاياها بلا استثناء فلا شك أن كل من لديه لنزر اليسير من العقل لا يملك إلا التعلق بأي قشة من شأنها تبعث على الأمل بامكانية الاقل من القليل لحلحلة الاجواى المتردية والاهوال المحرقة بكل شيء وليس أمامنا أن لم نجد ما نسهم به في أطفاء هذه النيران الملتهبة بواسطة هذه الحرب إلا أن ندفع لمثل هذا الاتجاه ان لم يكن بالفعل المؤثر فليس أقل من القول الطيب وذلك حسب القول الخالد أضعف الإيمان




____________________________

عسى الله أن يأتي بالفتح

امين مازن

10-8-2015

قررت السلطات التركية تجميد حسابات الرئيس اليمني المخلوع على عبدلله صالح ونجله أحمد الذي

شغل موقع الوريث الأول للعرش اليمني الذي اعتلاه صالح منذ عقود ، وظل متمسكا به رغم الكثير من الهزات والانهار التي لا تعرف التوقف لدماء اليمنيين في شمال وجنوب ذلك البلد الضحية ، كما شمل قرارالتجميد هذا الحوثي وجماعته من الطرف اليمني المدعوم من الامبراطورية الفارسية وسلطتها المتمثلة في ولاية الفقيه. وقد بررت السلطات التركية قرارها هذا بالامتثال للارادة الدولية المتمثلة في قرار مجلس الامن الرامي إلى التجميد المشار اليه ، والذي بقي لاسباب لم يفصح عنها السلطان التركي كان لم يكن ، وسيقول السفهاء من الناس ان القرار التركي قد جاء وفقا لما تحدثت وسائل الاعلام التركية ، اما الذين من الله عليهم بنعمة النظر عبر الزوايا الابعد ، فسيكون لديهم ماسيصل بهم ألى افاق ابعد ، وقد لايستغربرن ان مثل هذا الموقف قد يطال الكثير ممن يرون في تركيا الملاذ الآمن والحليف الدائم لما يمارسونه من سياسات ويدخرون من اموال ، وماتوفره السلطة التركية هذه بين الفينة والفينة من الدعم الذي تقتضيه حساباتها ويخيل لقصيري النظر انه قد جاء لأجل سواد عيونهم ، اذ اعتادوا أن يصدقوا ما يقال لهم وليس ما

تفرضه طبيعة الاحداث

لقد جاء الموقف التركي هذا وسط جملة من المتغيرات التي طالت بعض مواقف تركيا سابقا من جانب ، وظروف المحيط من جانب اخر ، فقد استشعرت تركيا على ما يبدو بعض رياح الخطر من التنامي الذي طرأ على مساهمة الاكراد السوريين في المعارك الدائرة داخل الدولة السورية التي تعيش منذ سنوات اربع حالة من الحرب المدمرة ، مما هيأ لهؤلاء المواطنين الذين طالما عانوا من التمييز القومي فرصة الاستيلاء على المناطق التي تشكل طائفتهم ما قد يسمح لها امكانية التصرف بالشأن السوري المحلي ، اعتمادا بدون شك على دعم الشقيق الاكثر قدرة على التصرف بالعراق المجاور ، على الرغم من أن هذا الشقيق لايمل التوكيد بأن ليس في نيته الانسلاخ عن العراق الموحد لان النظام اللامركزي الذي اعتمد عقب رحيل الرءيس صدام حسين بات كافيا لكل ما يطمح اليه المواطن العراقي صاحب القومية الكردية .

وقد اقتضى الخطر المستشعر أ ن اقدمت السلطات التركية على اصدار الامر لا سطولها الجوي كي يقوم بسلسة من الغارات التي استهدفت الاكراد في البلدين الجارين والحجة بالطبع أن الاكراد هنا وهناك يدعمون حزب العمال الكردي ذي النزعة الانفصالية ، اما الدافع الاعمق فهو ما تحقق للاكراد الاتراك من فوز في معركة الانتخابات التركية الاخيرة والتي قلمت اظافر اردوغان وطموحه لاستعادة الخلافة على أن الموقف التركي الجديد من علي عبدالله صالح ونجله احمد وحليفه الحوثي ومن معه جاء استجابة لما يشهده الواقع التركي من أحداث جراء الاحداث الاقليمية المؤثرة ، ليس فقط ما يجري في اليمن وما قرر مجلس الامن في الخصوص ، ولا الوفاق الذي حصل اخيرا بين روسيا وامريكا بشأن القنابل الكيمائية التي اكتشف اخيرا أنها تستعمل من قبل الجيش الاسد وتستوجب التحقيق الدولي !!وانما ماغدا يقترب من تركيا كتراب ومصالح ودور ، وهو ما يشغل ساستها -ولايقوم عليهم بالطبع – كا ليين كانوا او اوردغانيين ، وما الموقف التركي المتخاذل في الحرب الليبية الايطالية ولا الاخر الذي التزموه حديثا عقب فبراير ٢٠١١ ، فهم لن يدخروا جهدا في صون مصالحهم وأمنهم ولاسيما حين يكون ذلك كفيلا بتحقيق استفادتهم من بلايين الدولارات التي نهبها علي صالح ومن معه وظنوا أن تركيا ستحفظها لهم ، ولاسيما في التطورات المتعلقة بالطرق البحرية وباب المندب وبقية الممرات المائية وما يعلن بشأن سيناء فهل منا معشر الليبيين ، من يفكر التفكير السليم ويتخذ القرار الاسلم عندما ندعي للوفاق ، بدلا من الجنوح إلى الشقاق عسى الله أن يأتي بالفتح



__________________________

ما لجُرْحٍ بمَيّتٍ إيلامُ

أمين مازن

3-8-2015

توصلت الولايات المتحدة الأمريكية ومن يقف إلى جانبها من الدول الغربية إلى اتفاق يبد وأنه كاملا مع الدولة الإيرانية حول المشروع النووي الفارسي، تخلت بموجبه إيران عن الاستمرار في المشروع المسار إليه، فوفرت للطرف الغربي وقف المشروع المذكور ، فيما قبل هذا الطرف لا ير ان الخمينية كي تسترجع ذلك الدور الذي تحصلت عليه منذ ابعاد الزعيم الوطني الشهير محمد مصدق أول من شق عصا الطاعة على المعسكر الغربي في أول خمسينيات القرن الماضي.

عندما أقدم على تاميم النفط، مما دفع الرأسمالية الغربية إلى التخلي عن تسويق ليبقى متروكا أمام الشواطئ إلى أن قام الجترال راهدي ابنقلابه المعروف الذي تم بواسطته اسقاط حكومة مصدق ومن ثم التنكيل بجميع الوطنيين الإيرانيين الذين وفوا إلى جانب مصدق أن من اليسار الاشتراكي أو المتطرف الشيعي فكان أن اعيد رضا بهلوى إلى عرشه الامبراطوري واعطائه دور الشرطي الأول في تلك المنطقة ليتولى مقاومة النفوذ الروسي والرهان الدائم على الاحلاف الاجنبية وعلى رأسها حلف بغدادالذي طالما اثار غضب الرأي العام الإنساني لما رأى فيه من انحياز لما سوى المصالح الوطنية، إذ كانت إيران الشاهنشاهية دائبة السعي نحو تغريب الخليج أن من حيث التركيبة الديمغرافية أو الترويج لغير اللسان العربي في حياة المتساكنين وأخيراً الاستيلاء على جزره مثل طنب الكبرى والصغرى، أنه التوجه الذي لم يتوقف بعد قيام نظام الملالي بل ازداد توسعا وقوة عندما قدر له أن يسود إيران في آخر سبعينيات القرن الماضي عشية اجبار الشاه على مغادرة طهران تزامنا مع اختفاء أقوى حلفائه من الشيعة الأمام موسى الصدر وسط صمت لا يعرف أحد حقيقته اللهم إلا الغرب ومن في فلكهم ، حتى أن الاطراف اللبنانية المعنية بذلك الرجل لم تجد حرجا من النصح بوجوب المضي في ذلك الصمت عندما استجدت متغيرات الربيع العربي وما ادت إليه من اختفاء بعض المستبدين وما ذلك الآلاف الدور الفارسي قد تضاعف أكثر من ذي قبل بواسطة دور حسن نصر الله ومثل ذلك الحوتي وغيرهما كثر ولا سيما العراق والشام لقد كانت الاحداث تؤكد باستمرار ان خيطا حريريا ظل يربط نظام الملالى بتلك الدوائر على الرغم مما يقال عن الخلاف أي أن الثابت الأمريكي هو المحافظة على دور إيران التاريخي أيا كان من يتولى أمرها، الأمر الذي لا يجد معه المراقب السياسي الواعي حرجا من التوكيد حول ما يخوص فيه البعض بشأن حجم الربح الذي خرج به كل طرف من الاتفاق الأخير وأين سيكون العرب منه، إذ ليس كل ما يتفق عليه المتفاوضون ينشر أمام الآخرين وليس لما يذهب إليه محترفو الفضائيات وغيرهم من المجندين في الجيوش الإعلامية لذى معنى، لأن الأصل في السياسة هو ضمان المصلحة وتحقيق البقاء.

وما السلاح بكل أنواعه إلا الوسيلة القررة لهذا الفرصة فإذا ما ضمنت إياان الخمينية استعادة دورها في المنطقة بذات القدر الذي كانت ضالعة به زمن القيادة الشاهنشاهية في المحيط كله، فأن السلاح النووي المبتغى يمكن صرف النظر عنه، خاصة وأن الاتفاق لم ينص سوى على تاجيل ذلك النشاط ودون مساس بأي منشأة من المنشآت على أن كل من لم يذكر تلك المحطات التي مر بها الخميني عندما خرج من إيران إلى العراق ومغادرته من هناك إلى باريس وعودته من هناك محاطا باكاليل النار، ورفض المدير العام للسافاك تنفيذ تعليمات شهبور بختيار الرامية إلى اطلاق النار على موكب الخليفة العايد ومن ثم ترتيب خروج بختيار هذا ريثماتيم الاجهاز عليه لاحقا في منفاه، لايخفي عليه حقيقة ما يدبر في الخفاء لمنطقة كان العرب فيها ومايزالون خارج تاريخها وخارج واقعها، خاصة وأن الطريق إلى ضرب كل العرب من داخل حدودهم وبواسطة ابنائهم قد صارت في زمننا هذا أكثر يسرا من أي وقت مضى وعند ما يعمد الرئيس الأمريكي إلى تطمين حلفائه التقليديين العرب بأن اثفاقه مع إيران لا يعني تركهم لتغوله المنتظر، ويعمد المرجع الإيراني إلى التوكيد بأن ما قبل به مع أمريكا لا يعني أن أمريكا لم تعد تمثل الشيطان الأكبر، فأن ذلك هو التقليل الذي ما بعده تضليل، والذي ليس أمام من سيكون ضحية هذه التسوية من الطرفين أكثر من الصبر ولا شيء غير الصبر، والعودة إلى قول الشاعر الخالد: من يهن يسهل الهوان عليه .. مالجرح بميت ايلام.إنتهى



_____________________________

وَما الحَربُ إِلّا ما عَلِمتُم وَذُقتُمُ

أمين مازن

28-4-2015

أوشكت العمليات العسكرية التي أقدم عليها التحالف الخليجي أن تفرغ من مهمتها الرامية إلى تدمير الترسانة العسكرية اليمنية، والتي وقفت في السنوات الأخيرة تحت سيطرة الحوثيين وحليفهم الديكتاتور المخلوع علي عبد اللّه صالح، قادت إلى الاخلال بموازين القوى بين اللاعبين هناك فكانت هذه الغارات الجوية التي تجاوزت اعدادها مائات الطلعات في اليوم الواحد فتأكد أن الاهداف بلغت مراحلها الأخيرة وربما النهائية وشرع في التوجه إلى وقفها لولا أن الحوثيين وحليفهم طمعوا في استغلال الوقف للهروب بما بقى لديهم من أسلحة فتعيد من ثم تجديد الغارات فيما بادر الراعي الأمريكي بإعلان تعهده بالحيلولة دون وصول أية إمدادات عسكرية للحوثيين قد يقدم عليها المحرض الإيراني في مخططه القائم على الاستفادة من هذه التناقضات خاصة وهو يبدى شيئا من المرونة حول مشروعه النووي الأمر الذى لم ينطل على الطرف الأمريكي فكان التوكيد بأن أية تسوية في ذلك الجانب لن تكون ابدا على حساب مايجري في اليمن وهو موقف لايستغرب حين نستدعي الكثير من أحداث التاريخ المعاصر وماجرى منه في اليمن تحديداً والتى بلغت ذروتها في اعضاء حكم أسرة حميد الدين بدعم مصرى واضح في سيتنيات القرن الماضي حين لم تقف السعودية مكتوفة الايدى ليس من أجل أسرة حميد الدين وإنما لتكون السلطة الورثية بمعزل عن السيطرة الناصرية والشيء نفسه بالنسبة لجنوب اليمن عندما قررت بريطانيا الانسحاب من هناك فلم يكن الوريث فمثلا في عبد القوى مكاوي أحد منا ضلي إذاعة صوت العرب وإنما برز قحطان الشعبى ومن تلاه من القوى الصاعدة وكان هذا أيضا في قلب الصراع العربى والذى لم تكن ايران في جميع عهودها بعيدة عنه بقدر ماكانت في صميمه فاليمن والحالة هذه أحد أرقام المعادلة المهمة والصراع حولها سيكون على أكثر من صعيد وما هذه الترسانة العسكرية وهذه الوحدة التي قامت ثم انصرت وما الحروب الاهلية الشرسة التي بلغت أشدها في التسعينيات الماضية وتدق طبولها اليوم ليست بمعزل عن السيناريوهات الجديدة والتي ستكون الغارات الجوية على رأس خياراتها بما توفر للغزاة من تجنب أية خسارة في قواتهم من ناحية وماتتيحه القوى المتشددة من التحصن بالمنشآت العامة وتجلياتها الخدمية من صحة وتعليم من شرعنة الهجوم عليها جميعا من تدمير كل شيء فلا تنتهى الحروب إلا الجميع سينشغلون بإعادة الأعمار فتنصرف الجهود إلى التمويل من ناحية والتنفيذ من ناحية أخرى فإذا ماجاءت الحرب على هذا النحو الذي رافقه تجميد حسابات طغات الأمس من أمثال على عبد الله صالح ومن في حكمه فإن اللاعبين الحقيقين سيضمنون مردود الحرب بالكامل ليبقى الموت وحده من نصيب ابناء الشعب ،فمن لم تصبه بنادق الاعداء ستصيبه النيران الصديقة أما الشهادة فسيدعيها الجميع وقد لاتكون منطبقة على الجميع وعندما يبذل الحوثيون قصارى جهدهم كي تكون الحرب في الأرض ويكون عمرها أطول فلا شك أنهم مايزالون بعيدين عن القراءة الصحيحة للكثير مما يجرى بشأن الحرب والسلم والسلاح وسوقه واستعماله ونتائجه التى تثبت حقائق كثيرة إن الذين يشعلونها في الغالب لايستطعيون إطفاء نارها ولا السلامة من اثارها وقديما قال جدنا زهير:

«وما الحرب إلاّ ماعلمتم وذقتمو: وماهو عنها بالحديث المرجو



_________________________

الطيب البكوش وثوابت تونس

أمين مازن

21-4-2015

يتعذر على شخص الضعيف أن يتنصل من انحيازه المبدئي لتونس العزيزة، إن بحكم الجغرافيا التي تجعل من عاصمتها الجميلة وبالأحرى حدودها كافة أقرب إلى من مسقط رأسي حين اضطر إلى مغادرة إقامتي الدائمة في العاصمة أو من حيث التواصل مع فضاء اتها الكثيرة وأطيافها المتعددة فوفرت الكثير مما كنا نحتاج إليه من العبور إلى ما سواها من عواصم الوطن العربي، وكذانهجهاالقائم على مبدأ خذ وأطلب أي المذهب البورقيبي الشهير، فضلا عن إصرارها على احترام الماضي ورفض سياسة حرق المراحل وثمة بعد ذلك وقبله الكثير والكثير.

أما لماذا أصدح بهذا القول الآن، فالحق أن من وحي المقابلة المتلفزة التي أجرتها الفضائية الوطنية التونسية مع السيد الطيب البكوش المناضل التونسي المعروف ووزير الخارجية في حكومة الوفاق الوطني التونسي المتكون من حزب نداء تونس وبقية الأحزاب الشريكه، فقد كان في هذه المقابلة مثالا للتعقل والذكاء والقدرة على التخلص من عديد الفخاخ، ومن بينها بالطبع ما يتعلق بالعلاقات الليبية التونسية ، حين لم يفقد أي شرط من شروط التوازن  والتمسك بالثوابت التي توجب المحافظة على الجسور اللازمة للتعاطي مع جميع الفرقاء  لما في هذا النهج من صون لمصلحة البلدين الشقيقين ، بعيدا عن مأزق الإنحياز الذي لا يخدم سوى أعداء المصلحة المشتركة، ذلك أن سلطة الجغرافيا دوما تتجاوز السلط السياسية إذا يسبق دوما الجوار والعرف والعيش اليومي، فلا مكان للتفاوت الاقتصادي أو البشري بل والعسكري أيضا، ولا يبقى سوى التعاون والتناصح والتكامل، وهو ما يجعل به سجل التاريخ المشترك عبر القرون.

وكل محاولة للعبث بهذه التقاليد أو الخروج بها إلى عوالم السمسرة والصفقات  سيكون مدعاة لا حتقار الجميع،واستهجان الجميع وإن رأى فيه بعض السذج عكس ذلك.

من هنا لن نجد غضاضة في الجهر بالشد على يد السيد الطيب البكوش وهو يصدح برأيه القائل بإصرار تونس على التعاطي مع الفرقاء الليبين ما داموا يحترمون هذا التقليد ويرون فيه ما يخدم الليبيين جميعا وبالطبع التونسين أيضا، ومن ثم المغاربيين والعرب أجمعين .وشكرا للطيب في جميع الأحوال.إنتهى



________________________________

العلاقات السعودية الأمريكية

أمين مازن

8-2-2015

أخيراً غيب الموت الملك عبداللّه بن عبدالعزيز ، بعد عمر ناهز التسعين سنة ،لعله ان يكون ذات العمر الذي عاشه والده الذي غاب هو الآخر قبل خمسة وستين سنة مضت ،بعد ان افلح في توحيد الجزيرة العربية ، وإعلانها مملكة بجمع اسمها بين العروبة كهوية والسعودية كسلطان ، وعقب تمكنه من سحب البساط من شريف مكة الحسين الأول الذي قاد ما اسطلح على تسميته بالثورة العربية الكبرة التي انهت البقية الباقية من السلطة العثمانية وشرعنت ما عرف باتفاقية !!!سايكس بيكو !!! ويومئذ جمعت بين !!! السيف ولاإله إلا اللّه !!! وتطبيق الكثير من الجزاءات المنصوص عليها في الشريعة الاسلامية، وان تكن الاشتراطات موضع الكثير من الخلاف ، وقد حدث ذلك في الوقت بادر فيه الملك المؤسس بعد عديد الجسور نحو الدول الغربية والشرقية من روسيا وزعيمها ليني الى ألمانيا وزعيمها هتلر فأمريكا ورئيسها روزفل الذي وضع أسس اتفاقيات النفط استخراجا وتصريفا .في حين اعتمد في الداخل مبدأ تقوية العصبية بتنمية النسل عبر تعدد الزوجات ونوعية المصاهرات وإنتاج أسلوب الإمساك بجميع المناصب حيث لا فصل بين الإمارة والوزارة ولا مكان للسلطة التشريعية حتى ان بعض الأمراء ظلوا شاغلين لما أسند إليهم حتى الممات مثل الأمير فيصل وسعود مما هيأ لهم اكتساب الكثير من المهرات وجعلهم يتمكنون من رئاسة اي لجنة تشكل على مستوى عربي وأحيانن دولي . اذ بقدر ما اقتضت تبدلات الأيام تغيير الكثير من المئولين أتاحت السكونية ان تبقى السعوديون حيث هم ومن اخلاقيات العرب ان يستحي الاحق من التقدم على السابق !وإذا كان غياب الملك عبدللّه اليوم قد ارتبط بتطبيقالنظام الذي تمكن من اعتماد في السنوات الأخيرة بشأن تنظيم وراثة العرش السعودي جراء تقدم أعمار أبناء الملك المؤسس أصحاب الحق الأصيل في الوراثة ووفقا لحكم السن الأمر الذي أوجب إدخال تدبير جديد من شأنه أن يمهد السبيل لتقدم الأحفاد وتجلي ذلك في تسمية ما أطلق عليه «ولاية ولي العهد » حيث انيطت هذه المهمة بالأمير محمد نايف الذي سمي أيضا نائبا لرئيس الحكومة والى جانبه الأمير محمد سلمان الذي أستلم رئاسة الديوان مع حقيبة وزارية فلا شك أن ذلك ليدل بدون شك أن مراعاة المستقبل غير غائبة بل لعلها محسوبة بقوة ، وبالذات فيما يتعلق بما قد يدفع إليه أولئك الذين كانوا وما يزالون يضعون الخطط تلو الخطط للنيل من الحضور العربي في تلك الربوع واستبداله بولاءات أخرى، ان يكن الذين ظاهرها فلا شك ان أول اثر لها سيكون في الأضرار باللسان العربي وإزاحته «لسرطان » أخرى كانت منذ الأزل تهدد الفتى العربي قد جعلته «غريب الوجه واليد واللسان » كما قال جدنا المتنبي قبل ألف سنة ،بمعنى أن اللسان العري والنفوذ العربي لابد أن يكون من أول الألويات في البيت السعودي. لقد تحدثت الدراسات السياسية التي اختصت بالواقع السعودي من وجهة نظر غربية نقلت الى اللغة العربية فقدمت إحصائيات موثقة بإعداد السعوديين الفاعلين في مختلف المجالات يحضرني منها كتاب عنوانه (الأهل والغنيمة) عن وجود أرقام تتجاوز عشرات الآلاف إلى مائاتها، ممن انتظمت جميعها في نسيج من العلاقات القائمة على المصاهرة والشراكة مكونة كما وكيفا من القوى العسكرية والتقنية والعلمية ما ابهر بعض الذين كانوا يتصوروة أن السعودية لم تفعل شيئاً منذ تأسيسها فإذا بها في صورة مختلفة ، مما يجعل من بعض المقاربات السطحية التي تحضر حديثها عن العرش السعودي وولاية عهده في شيء واضح من السطحية، يتضح من خلاله عدم اطلاع الكثير من المتحدثين على ما كان يكتب وما يزال يكتب في الوقت الذي يفترض أن يضع كل متحدث في اعتباره تلك الملابسات مجتمعه فالذين أنتجوا تلك الطبقات التي بلغت الأرقام والمشار إليها كما وكيفا وقد أقصت ذلك الهاشميين من السلطة بل وافلحوا في تفادي المخطط المتزامن مع أزمة الكويت بعد أن دخل مرحلة التنفيذ فأذابه ينقض من أساسه وعندما يحل الآن باراك أوباما معزيا وتعيد ذاكرة الصور ومراسم توسيمه من طرف الراحل عبدالله ذات إلي جانب بعض توعداته التاريخية ويكون مرموقا بهذا العدد من الخبراء والمتنفذين الأمريكيين من جمهوريين وديمقراطيين ووسط هذا الاجماع على دور الصداقة بين البلدين إنما يؤكد عمق التحالف والذي لن يكون محصوراً في نظام الحكم هل سيكون ملكيا أو غير ملكي، بقدر ما يعني أن الحكم في حد ذاته سيبقى وأن ذلك ما يزال في مصلحة الوجود العربي وما يتهدد من غير العرب وأن حملوا الهوية الدينية وما على المعني بالشأن العربي والوجود العربي من موقع المسؤولية إلا أن يدرك ذلك ويؤجل كل ما من شأنه أن يضعف هذا الدور على أي مستوى من المستويات وهو دور اكتسب الكثير من شروط وجوده وتنامي تأثيره من خلال الثروة المالية ومثلها الدينية والتحالف المنظم والمتوازن مع الولايات المتحدة الأمريكية منذ روزفلت وعبدالعزيز وإلى ما بعد أوباما وعدبالله



_____________________________

هكذا حكـت تونس

امين مازن

20-11-2014

امتنع حزب نداء تونس عن تبني التوجه الذي دفعت اليه بعض القوى السياسية والتي حققت وجودا ملموساً في الانتخابات النيابية الأخيرة التي خولت الحزب المذكور الاحقية في تشكيل الحكومة التونسية القادمة ، فرأت ضرورة الإسراع بتشكيل الحكومة المنتظرة ، رهانا على أن يكون التكليف المطلوب من طرف الرئيس التوافقي المؤقت منصف المرزوقي ،فيما فضلت حركة نداء تونس تأجيل هذا الاستحقاق إلى حين الفراغ من الاستحقاق الانتخابات المتعلق برياسة الدولة وربما انتخاب ريس الجلي الجديد أيضا ، وكلها خطوات محددة في الدستور الجديد الذي فرغ المجلس التأسيسي من كتابة في الأشهر الماضية ، عندما استطاع الحراك السياسي الذي قاد المجتمع المدني وتابعه المجتمع الدولي حين امكن الحد من المحاولات الرامية إلى إطالة المرحلة الانتقالية واستغلالها في العديد الإجراءات القائمة على مبدأ الإحلال او التمكين او أي تسمية شئنا والتي هي باختصار شديد تتلخص في احكام القبضة على الدولة الوليدة ، مرة بتلوين التشريعات المتعلقة بنظام الدولة وإداراتها ، ومرة أخرى بتحديد توعية الأطر التي ستقوم بالتسيير لا فرق بين الدين والدنيا ، أخذا في الاعتبار تمديد الفترة الانتقالية من سنة واحدة إلى ثلاث سنوات !

ومما لا شك فيه أن مثل هذا الامتناع عن الانجرار نحو المسارعة بالمضي نحو السلطة التنفيذية من طرف حركة نداء تونس ما كان له أن يكون لولا ما تتوفر عليه قيادة الحزب التونسي من استيعاب واع للتجارب التي سادت اكثر من بلد شمله الربيع العربي التي اتخذت من الخلافات الدستورية وإشكاليات التسليم والاستلام مبرر المضي نحو مستنقع العنف والوقوع في درك ليس من السهل الخروج منه ،فكان هذا الإصرار على أن يتم استلام التكليف الرامي بتشكيل الحكومة المنتظرة من مشمولات الر ئيس المنتظر انتخابه قريبا ولمدة سنوات خمس بدلا من رئيس مؤقت اختير من المجلس التأسيسي لمدة سنة ومططها لثلاث .

اما القول بأن هذا الموقف مرده إلى حرص نداء تونس على أن يأتي التكليف من طرف ريسه الباجي قايد السبسي باعتباره الاوفر حضا لكسب معركة الرياسة ، مادام حزبه قد فاز بالأغلبية النسبية ، لان هذه الاغلبية لا يمكنها الا أن تتضاعف ، أن مثل هذا القول يجهل مفاجآت الاقتراع وما تتوفر عليه بعض الاسماء من العقلانية والحضور المحلي والدولي ،كما أن من جانب آخر لم يستوعب كما يجب المتغيرات التي حلت بتونس الجديدة والتي استطاعت أن تنجز دستورا متوازنا محدد للصلاحيات ، حذرا من تغول الرياسة معليا من شأن القضاء عند التنازع في أمور الاختصاص .

قلا يتردد في كبح جماح كل من هو في حاجة إلى أي مستوى نت مستويات الكبح ولا يجد كل من سيوجه اليه مثل هذا الكبح أي حرج بل ويذهب إلى الكثير من ذلك فيسلم التسليم المطلوب والدليل على ذلك موقف القضاء الصارم بشأن العزل السياسي ، لقد أكد حزب نداء تونس وعلى لسان امينه العام الطيب البكوش في لقاء متلفز الامتناع الذي اوفانا اليه والذي ارفقه بتأكيد آخر مفاده أن مبدأ توسيع دائرة المشاركة أولوية لا تتقدم عليها سوى الاتفاق على برنامج عمل واضح المعالم محدد التراتيب ، وأن ذلك قد تنسقه رياسة مجلس النواب ، ليس بالضرورة أن تكون من نداء تونس ولو كانت الرياسة الاولى من ذات الحزب ،مما يعني أن الانطلاق من نبدأ المحاصصة قد لا تكون المشترك الأول ، اذ أن الحكم حسب هذا الفهم يعني المسؤولية وليس الغنيمة ، فإذا ما وضعنا في الاعتبار أن ما تتحقق للمجتمع المدني من عوامل القوة ومقومات المقدرة على كشف أي اختراق ، الذي وقع الوقوف عليه منذ أن أجبرت " التروكيا " على إعادة تشكيل الحكومة على اساس الكفاية وضبط الآجال المتعلقة بإنهاء المرحلة الانتقالية وأمكن تحقيق ذلك فأن التطلع إلى مرحلة اكثر استقرار التونسي وأقرب إلى تحقيق ما ينتظره لها الأهل والأصدقاء تبدو اليوم أقرب من أي وقت مضى .

كل ذلك دون التقليل من دور المؤسسة الامنية التي اكدت منذ وصول تجربة بن علي قمة ازمتها ،أن دورها اكبر من الاشخاص ، فامتنعت عن ممارسة العنف تاركة للشارع أن يفرض ما يرى ، لان لتوقيت تدخلها أزرار قد لا تكون بيد رأس السلطة المحلية وحده ، مما يعني أن للتوازن أسراره وشروطه وحساباته التي ليس امام كل معني بتونس الا أن يضعه في حسابه، ويستفيد منه ، ما وسعته الاستفادة



________________________________

هل تكون تونس البداية

أمين مازن

11-11-2014

خرجت تونس كما قدرنا لها داما من المستنقع الذي راهن البعض على أن تقع فيه ، عندما هبت رياح التغيير في الوطن العربي في مطلع هذه الحقبة الزمنية التي اوشكت على نهاية نصفها الأول ، وكانت كما هو معروف انطلقت من هناك ، لتعصف بعد ذلك بأكثر من مستبد وتعصف بأكثر من نطام ، وتكون تونس كما هو ديدنها اكثر قوة على التعاطي معها ،ابتداء من قبول راس الهرم بما عرضه عليه واختاره الى حقب تصعب الملاحقة ، وترك المؤسسات الشرعية تدير عملية التغيير ، ووصولا إلى قبول حركة النهضة بما أصرت عليه الجماهير هناك من ضرورة التراجع عن ذلك المسلك المتطرف الذي يستحيل القبول به في المنطقة بالكامل ، ولا مهرب من مقاومته على اكثر من صعيد ، فاستبعد التوجه الرامي إلى إطالة الفترة الانتقالية قصد فرض الامر الواقع ،فحدد أجل لكتابة الدستور التوافقي وشكلت حكومة احتكم فيها إلى الاختصاص وليس إلى التحاصص الحزبي ، وقال السيد الغنوشي كلمته المشهورة ( خسرنا الحكم وربحنا الوطن ) وها نحن تري هذا التوجه يتج بإنجاز انتخاب مجلس النواب في كنف المراقبة الجماعية والمساعدة الدولية وتفضي نتاج العملية الانتخابية بفوز القوي التي راهنت اطراف كثيرة على استحالة عودتها مرة أخرى إلى المشاركة في القرار فما بالك أن تكن في المقدمة ، ترد الأنباء على أن أول المهنيين لحركة نداء تونس "قايد السبسي" هو ريس حركة النهضة " راشد الغنوشي " ويجيء ذلك كله عبر توكيدات بأن الأقصاء لا مكان له في تونس (جانفي )

بل أن حركة النهضة أكدت من البداية أنها لن تشارك في السباق المتعلق بالريأسة.

صحيح أن الدستور الجديد اوكل الصلاحيات الحقيقية لرييس الوزراء ، كما أن التجربة "التروكيا " قد أثبتت أن من يرأس الحكومة يستطيع أن يفر بما لم يفر به غيره من الشركاء ، وأن رييس الجمهورية المؤقت رأيناه يهجر ارتداء ربطة العنق ، تأثرا منه بالمغالطة التاريخية التي سوقها ملالي ....إيران بأنها –أي ربطة عنق –تعني الصليب ! وكان في موقفه هذا –ربما – يفصح عن تطور فكري جديد ، على الرغم من أن الغنوشي نفسه لم يثبت عليه التشدد في مثل هذه الشكليات .

في جميع الاحوال فأن الانتخابات التي اجريت بتونس وتمت اجراءها على هذا النحو من الأريحية والتوازن يوحي بأن هذا الموقف من تونس قد تكون له انعكاسات في اكثر نت مكان بالمنطقة ، وتونس كما قلنا ونقول سباقة لإدراك ما تفرضه المرحلة ، ما تمليه المتغيرات على اكثر من صعيد وفي اكثر من مكان



______________________________

قنبلة الصين السياحية

أمين مازن

15-4-2014

قد لا يثير الخبر الذي بثته وسائل الأعلام العالمية المتعلق بقرار إحدى الشركات الصينية العملاقة بمكافأة مستخدميها البالغ عددهم ستة عشرة ألف نسمة ، بتنظيم رحلة لهم حول بعض عواصم العالم ، ومن بينها عاصمة الإمارات العربية التي سيقيم فيها هؤلاء المكافئون عشرة أيام كاملة اقتضت حجز ألفي فندق وأكثر من أربعمائة دليل سياحي ، الأمر الذي سيترتب عليه إنفاق ملايين الدولارات ، بداً من تذاكر السفر ومرورا بمصاريف المبيت والإقامة وأخيرا مصاريف الجيب ... قد لا يثير هذا الخبر اهتمام الكثير من الذين يتابعون أخبار العالم وما ينتظم فيه من عديد الأنشطة والمشروعات السياحية فالسفر وما في حكمه يخص أولئك الذين يقومون به أكثر من غيرهم . اما الذين يتابعون دلالات التحرك ويستشرفون ما وراء الأحداث من مردود وما يشير إليه من المعاني ويحيل إليه من رحلة التاريخ . فلا شك أنهم سيتوقفون أمام الحدث بكل ما يستحقه من التمعن والمراجعة وحتى المردود . فليس السفر والعودة هو كل شيء في الخبر ، وإنما هو تلك الرحلة الطويلة التي بدأتها الصين منذ العشرية الأولى من النصف الثاني من القرن الماضي ، عندما تناقلت الأنباء تصدع العلاقات السوفيتية الصينية ، عندما كان الاتحاد السوفييتي يمثل الزعامة الوحيدة للمعسكر الاشتراكي المعادي للرأسمالية ويصر على احتكار الحقيقة المطلقة في تفسير الفكر الماركسي ، فلا يجد غضاضة في وصف كل مختلف معه بالمنحرف عن هذه الحقيقة سواء كان هذا المختلف هو الماريشال تيتو الذي تنادى له أساطين الفكر الماركسي بدءً من تولياتي في ايطاليا ومن يضاهيه في فرانسا . أو يتمكن من ضربه بالسلاح كما حصل في بولاندا مبكرا وتشيكوسلوفاكيا في وقت لاحق . ففي تلك السنين ظهرت بوادر الخلاف الصيني السوفيتي ، وقد كانت الصين قبل ذلك التاريخ اكبر مؤيدي الروس واشد المنتقدين لكل من اختلف معهم ، فإذا بذلك التنين الأصفر ولمجرد أن افتك مقعده في مجلس الأمن وشق الصف الغربي من خلال بريطانيا ينجح في سلوك طريق مختلف بشأن تطبيقاته الاشتراكية ، ويؤكد المرة تلو المرة ان الايدولوجيا لا تلغي الخصائص الوطنية وان وحدتها لا تضمن المصالح القطرية بل ان هذه المصالح كثيرا ما تتخذ من الأطروحات الفكرية ستارا لإخفاء المصلحة القطرية ، وان ما دأب على ترديده أساطين الفكر الاشتراكي الغربي من أدائه للاتجاهات الشوفينية حين كانت القضايا الفكرية تناقش في مدارج الجامعات و فضاءات العمل الحزبي ، وليس داخل البلدان التي تسودها هذه الأفكار وتبذل جهود كبيرة لتطويرها كي تخدم الهدف الوطني . فمنذ ذلك التاريخ بدأت الصين تشق طريقها المستقل ، وكان لها في توجهها هذا أكثر من مبرر ، ان يكن لطبيعة المجتمع الصيني الزراعي ما أدى الى سلوك طريق له خصوصية من البداية في بناء الصين الجديدة التي قاد ثورتها الحزب الشيوعي وزعيمه العملاق ما وتسى تونج الذي جمع بين الأبوة الفكرية والسياسية فترة ليست بالقصيرة فلا شك ان ما يتصف به المواطن الصيني من ميل للانضباط وحرص على العمل المستمر قد زاد من الخصوصية الصينية وأسباب تطورها وبالأحرى نجاحها في معركة البناء وبالنظر الى ان هذه الإمبراطورية الكبيرة تقع في أسيا وبجوار اليابان تحديدا ولان هذه الأخيرة شقت طريقها نحو التصنيع لمجرد ان تذوقت طعم نزع السلاح الذي وفر عليها الوقوع في ذلك الجحيم فظفرت بقوة عمل أبنائها لمعارك النمو مما جعلها تتحول بسرعة الى نموذج جدير بالاقتداء ويبدو ان الصين التي خرجت لتوها من الحرب وليس لها باع في الصناعة فظلت هي الأخرى ان تنحى هذا المنحى ، ويومئذ لم تتردد في المجاهرة للرفاق الروس بأن للاشتراكية أكثر من طريق ، بما في ذلك ــــ على ما يبدو ــــ تعديل القاعدة القائلة من كل حسب قدرته ولكل حسب حاجته ، الى معادلة أخرى هي استبدال الحاجة بالجهد ، بحيث لا يتساوى مردود الجهد الفعلي بالعقلي ، فينبغي طبقا لهذه المعادلة الغارق المفجع بين النظرية والتطبيق الذي لم يتحقق التخلص منه في الدولة الام فبدأ ميكروب البيروقراطية في التفش وتسلل وفقا لذلك داء السخط العام الذي ما لبث ان اخذ يسرى في تلك الإمبراطورية التي وان كانت أول من استطاع الوصول الى القمر إلا أنها في الآن نفسه ضربت الرقم القياسي في إرهاب الناس ، فيما مضت الصين في الاتجاه الذي ارتضته متبنية أسلوب العمل في صمت ، لتضيف الى اعتماد الزراعة طريقة للعيش الصناعة الخفيفة سبيلا لتطوير الناس ، لتواصل طريقها ذاك الذي بدأ من الأيسر فا لأيسر لتصل الى الأقوى فالأقوى فتحقق لها من خلال ذلك النهج الواقعي الميسر ، تجنب الصناعات الثقيلة التي طرق بابها السوفيت مقدما فكان ان وفقوا في انجاز ما كان صالحا لسوقهم دون ان يفلحوا في تسويقه نحو من كان يمكنه ان يوفر لهم نسبة الطلب القادرة على تطوير وتحسين العرض ، فظلت هذه الصناعة الجيدة من حيث النوعية اعجز عن تحقيق الرواج المطلوب لكل سلعة تنتج ، فيما كانت الصين تحتل السوق تلو السوق فتصرف ما أنتجت من ناحية ولا تتردد في فتح أسواقها أمام الآخرين من ناحية أخرى . لقد أفلحت هذه الرؤية الواقعية بان جعلت من قوم (( يأجوج ومأجوج )) قوة غير مسبوقة في الإنتاج ومثل ذلك الاستهلاك لتكون في عقود محدودة صاحبة الفعل الحقيقي في تحديد نسبة ميزان المدفوعات من حيث الصادر والوارد لتدخل في شراكة واعية مع أكثر من طرف اقتصادي ، بل وتطويع السياسة للاقتصاد ، ليكون العرض والطلب والتسوية في الأخذ والعطاء القاعدة الأساس في التعامل ، وليس من المستبعد ان تكون هذه الشروط وتلك الاكراهات هي ما عدلت من مواقف هذه الدولة الصاعدة في المحيط الدولي ، وحسب المرء ان يلاحظ ما اتسمت به سياستها الخارجية وفي المحيط الدولي تحديدا من عزوف ملحوظ عن أعمال حقها في النقص إزاء الكثير من المشكلات الدولية التي كان مسرحها مجلس الأمن ، وما ذلك إلا لأنها أدركت متطلبات الدولة وحدود اللعبة ونوعية المناطق التي يمكن لكل قوة سياسية ان تتحرك داخلها وربما بثت لها ان الأصل في إدارة شئون الشعوب هو الرهان على سعادة المواطن وتوفير احتياجاته التي لا يمكن حصرها في الخبز وحده ، ولان الرفاهية جزء لا يستهان به في حياة الناس ، وهي وان تعذرت من حيث الاقتناء فلا اقل من ان ترى معروضة في الأسواق ومن هنا لم تكد تسعينيات القرن ان تطل على العالم وينهار في غضونها حائط برلين حتى كانت الشيوعية تلقي ذلك المصير في أول دولة رفعت رايتها انطلاقا من موسكو لتعم ذلك البر الكبير الذي حمل فكرة طحن القوميات لتكون في خدمة القياصرة الجدد الذين اتخذوا من راية الفلاحين والعمال ستارا أخفوا بواسطته إطماعهم الصغيرة وانحرافاتهم المدمرة فكان ذلك التفكك المريع لتكون عاصمة الاشتراكية في العشرية الأولى من هذا القرن أكثر بلاد العالم غلاءً في حياة الناس ، وفسادا في ممارسات الساسة حتى ان بوتن ذاته يقال عن غناه غير المشروع الكثير والكثير . وحسبه ان يقدم على تلك المسرحية المضحكة المتمثلة في قبوله رئاسة مجلس الوزراء عندما تعذر بقاؤه على رأس الدولة لأكثر من دورتين ليبقى بعد ذلك في الموقع الثاني الى ان أمكنه العودة للسلطة مرة أخرى الأمر الذي لا تقبل به على سبيل المثال الولايات المتحدة الأمريكية التي حسمت هذه القضية بعدم البقاء في أي منصب عقب تبوا مقعد الرئاسة الأولى وتلك على العموم أمور يتعذر المضي في تفصيلها ، والتي تحاصر المرء حين يقرأ مثل هذا الخبر بوعي ويحاول النفاذ الى الدلالات التي يحملها والإشارات التي يشير بها . أعنى خبر الرحلة السياحية الصينية المقرر تنظمها من إحدى الشركات الصينية الضخمة على هيئة مكافأة للعاملين فيها ، إذ فضلا عما تؤكده من نجاعة الخيار الصيني القائم على الحيلولة دون ان يكون التطبيق الاشتراكي دوما مبنيا لاقتصاد التقشف عندما فضلت الصين الإنفاق حسب الجهد الى جانب المزاوجة بين المقدرة والحاجة ، فحققت ذلك المستوى من النمو الذي بهر العالم وجعل من تلك الكتلة البشرية غير المسبوقة ولا الملحوقة قادرة على تحقيق هذا المستوى من السعادة التي لا ينكرها اشد الناس عداوة للخيار الصيني ، ها هي تكتشف طريقا جديدا في حسن استثمار السياحة وتوظيفها في مشاريع تجمع إسعاد المهرة من مستخدمي الشركات بنهج مثل هذه الفرصة التي يتطلع إليها معظم ان لم تقل كل المتبنين للاقتصاد الرأسمالي لتتيح مثل هذه الرحلة الى جانب إسعاد العاملين تقديم إنفاق قادر على قلب الكثير من الموازين من خلال رحلة ستة عشرة ألف نسمة مزودين بمصاريف جيوبهم وحجوزات فنادقهم وشركات الطيران التي ستتكفل بنقلهم وفي إنفاق لا يمكن ان يقل متوسطة عن ألفا دولار لكل فرد ، فتكون الرحلة والحالة استفادة ذكية من السياحة التي طالما قلل من جدواها الاقتصاد المعادي للرأسمالية وشكك في مردودها على الشعوب منظروا لاقتصاد الموجه الذين طالما اعتقدوا ان أي مساعدة لا تذهب نحو الصناعة الثقيلة تعنى الاقتصاد الطفيلي لتكون النتيجة فشلا في الاثنين واستمرارا في حاجة الشعوب الى كل ما من شأنه ان يسد الرمق ويزيد من رصيد الأمل ، فإذا ما وضعنا في الاعتبار ان الصين بما لديها من شركات عملاقة وإدارة حازمة والتزام بشمولية التخطيط ، لا يمكن ان تحصر هذا التوجه في شركة واحدة بقدر ما يمكن ان يكون بداية لعشرات ان لم نقل مائات الشركات التي ستوظف مثل هذا الأسلوب التواصلي ، الذي سيغنى بدون شك عن ذلك التوجه المضحك الذي اتبع قبل نصف قرن مضى بتوزيع كتابات ما وأرائه حول مشـــاكل الأدب والفن ، ليحل محـله هـذا التواصل الذي يقدم الدليل على المستوى الحقيقي لما وصلت إليه الصين الجديدة وعـبر حركة يمكن ان توصـف بامتياز بقنبلة الصين السياحية



________________________________

هنيئا ًلتونس السباقة

أمين مازن

12-2-2014

أفلحت تونس السباقة في إنجاز استحقاقها الثوري الرئيس حيث توافقت القوى السياسية المتصارعة حول إدارة شؤونها على تحقيق هذا الإنجاز ، عقب سلسلة مضيئة من الحوار والتجاذب وكذا التناصح والتشاور ، لتخرج بصيغة دستورية توافقية لا مكان فيها لمبدإِ الغالب والمغلوب ، وليتم الإعلان عن الدستور المعتمد ، وسط احتفال دولي شارك فيه الكثير من المرتبطين بهذا البلد الصاعد ، فحق لكل من يهمه استقرار وتقدم تونس أن يتنفس الصعداء ، للخلاص من كل أسباب التوتر أو التناحر الهدام. لقد وافقت حركة النهضة أو لنقل جماعة الإخوان المسلمين بتونس ، بوصفها الحائزة على الأغلبية في المجلس التأسي التونسي المنتخب عقب انتصار ثورة الياسمين على مطلب بقية الفرقاء الرامي إلى تشكيل حكومة ذات تشكيلية غير حزبية ، يكون من مشمولاتها الإشراف على انتخاب رئيس الدولة المنتظر وكذا لها مجلس الأمة الى جانب إعادة النظر في جملة التعيينات السامية التي جرت عقب إمساك النهضة بمقاليد الأمور مما لم يكن موضع ترحيب أو لنقل ارتياح من بقية الفرقاء . فتم بالتالي نزع فتيل معركة لو قدر أن تنشب فلن يستفيد منها سوى أعداء تونس ومن لا يريدون لها إلاَّ الهلاك ، كما أنها حافظت على تقليدها التاريخي القائم على احترام المراحل أو أما عرف بمبدأ((خذ وطالب)) وهو الذي تبناه ذات يوم السيد «الحبيب بورقيبة»، عندما قبل التفاوض مع الفرنسيين في النصف الأخير من القرن الماضي بشأن مطلب الاستقلال فأقدم على القبول بالحكم الذاتي خلافا لما كان يصرّ عليه مجايلوه في النضال من اشتراط الاستقلال التام ممن لم يترددوا في معارضته بل وتخوينه وقد كان أبرزهم السيد «صالح بن يوسف» الذي لقي دعما غير بسيط من بعض الأطراف العربية التي كان ديدنها مناصرة التشدد لما رأت فيه من تخفيف لبعض أزماتها وتصدير للكثير من صعوباتها، بحيث لم تمض سوى فترة قصيرة على قبول الحبيب بورقيبة بذلك الاستقلال، الذي قيل حوله ما قيل حتى أمكن التخلص من حكم البايات وإعلان النظام الجمهوري الذي صار موضة العصر، كما تحقق لاحقاً إجلاء القوات الفرنسية التي تقرر في البداية أن تبقى في بنزرت ، وتصور البعض أنها ستبقى لآماد بعيدة ، ومن ثم دخلت تونس المحيط الدولي متدثرة بخصوصيتها، مُعبرةً عن شخصيتها ومستفيدة بالدرجة الأولى من ذلك النهج الذي عرفت به، أي نهج الأخذ والمطالبة ، وفضلت من ثمة أن تدعو كل من تشاور معها من العرب أن ينهج ذات النهج ، ولا سيما في الشأن الفلسطيني عندما جاهر بورقيبة بضرورة القبول بقرار التقسيم ، ليس لأن القرار المذكور قابلاً للتنفيذ وإنما لإخراج العرب من دائرة العناد الذي طالما وُصف به العرب وأفقدهم الكثير من تعاطف العالم، وسهّل على الصهيونية ان تحقق كل ما تتطلع إليه من استيلاء على الحق العربي ، خاصة وأن كواليس السياسة الدولية كانت مجمعةــ بالنسبة للمطلعين ــ على ضرورة إقدام اليهود على حرب أخرى يكون من شأنها طرح القضية الفلسطينية بفترة يمكن أن تكون ملائمة لتحقيق المزيد من المكاسب ، بالنسبة لليهود ، ما لم يطرحوا لعبة كتلك التي تفطن إليها بورقيبة ، لو وجدت الأذن العربية القادرة على الإصغاء ويومئذ كان الثمن الذي دفعه بورقيبة باهظاً في الشارع العربي الخاضع للفكر الغوغائي المجند بالكامل لمصالح إقليمية محدودة ، وتحت غطاء قومي ومعاداة لا تتوقف لليمين باللسان وتحالف محكم بالفعل ، غير أن بورقيبة ظل حيث هو حتى أثبتت الأيــام صحة ما جهر به ، إذ لم يكن له من عوامل السلبية سوى أسلوبه الكاريكتوى ، فإذا ما عصفت الظروف العربية بالفلسطينين وأخرجوا من لبنان كان بورقيبة أول من فتح بلاده لمنظمة التحرير على خلفية الصلح الساداتي المنفرد وما استدعاه من ضغوط متعددة . ومن الممكن القول إنّ تونس ظلت على موقفها هذا حتى بعد الإطاحة ببورقيبة من طرف بن علي، الذي لم يستطع هو الآخر أن يتجاهل بالكامل الخصوصية التونسية في أكثر من مجال حتى حان موعده هو الآخر وسط ظروف موضوعية داخلية وأخرى دولية ، أفلح هو أيضاً في التعاطي معها بالنسبة لسلامته الشخصية حين اختار إقامة يتعذر إخراجه منها تحت أي ظرف من الظروف ، ومرة أخرى كان للبنية الدستورية مالها في ضمان سلامة الحاكم المعزول وملء الفراغ الذي ربما خيل للبعض أن ينشأ حين كان الخروج على هيئة هروب وليس استقالة مكتوبة فكان ما كان من جملة التدابير التي تكلفت بإنهاء حكم بن علي وإجراء العملية الانتخابية السريعة للهيكل التشريعي التأسيسي ومن ثم حصول حزب النهضة على الأغلبية ومن ثم استلام الحكم ، على الرغم من بعض الوعود التي بذلت مبدئياً في هذا المجال من حيث الزهد في الوصول إليه . نعم ـ لقد حكمت النهضة تونس وسارعت إلى ما عُرف بسياسة التمكين لأعضائها في مختلف مفاصل الدولة بحيث لم يعد للاختصاص أهمية ولا للكفاءات أثرها في الإسناد . حسبما كان يردده المختلفة معا من بقية الفرقاء الذين ما لبثوا أن تكتلوا في جبهة واحدة جعلت هدفها الأول والأخير مقاومة هذا التغول، الأمر الذي كانت محصلته في الجلوس من جديد إلى طاولة التفاوض والاحتكام إلى مبدأ المكاشفة والعمل على تصحيح المسار بدلً من اعتماد الملاسنة والعاكسة والفعل وراء الفعل ، واستبعاد أية نزعة نحو الإقصاء والاستعانة على تذليل الصعوبات التي رؤى أنها قد حالت دون ذلك بالاتحاد التونسي للشغل. ذلك التنظيم النقابي العتيد ذي التاريخ الخالد في مسيرة النضال التونسي، والذي لم يبخل ببذل الجهد تلو الجهد حتى كانت هذه النتيجة المرضية المتمثلة في كتابة وثيقة دستورية توافقية ، وحكومة من الكفاءات يكون من مشمولاتها إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية وقبل ذلك إعادة النظر في جميع التعيينات الوظيفية السامية، التى رؤى أن حزب النهضة قد أقدم عليها بمنأي عن العدالة ومبدأ تكافؤ الفرص ، فغلب عليها مجتمعة معيار الانتماء السياسي على اعتبار أن تصحيح أية مسيرة من المسيرات لا يمكن تحققه إلا بجبر الضرر وإرجاع الحقوق الى أصحابها حتى يمكن للجميع بعد ذلك أن يوحدوا فيما بينهم ويتعاونوا على تحقيق المطلوب منهم ، فكان في ذلك ما أكد المحافظة على الخصوصية التونسية القائمة على تقدير العوامل المحيطة بصدد أي توجه من التوجهات ، لا فرق في ذلك بين الظروف الداخلية المتعلقة بالبنية الاقتصادية ومثلها الطبقية والاجتماعية إلى جانب التركيبة الديمغرافية والجغرافية ، فتونس التي أقامت هذه القلاع الاقتصادية المعتمدة على الخدمات والسياحة والعلاقة العميقة مع الآخر الأوروبي التي تضم مدارسها ومراكز التكوين فيها مئات الآلاف من البشر الذين ليس لهم من طموح سوى الولوج إلى شواطئ الآخرى لا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تعود إلى مذاهب الوهابيين ومن نهج نهجهم من اعتبار الملابس الرجالية القصيرة وللحي الطويلة والخمارات التي تحول النساء إلى اشباح يسرن في الشوارع أو يقدن السيارات بزي لا يفرق بينه وبين اللثام بل يشترك مع هذا الأخير في تسهيل مهمة كل من يتطلع إلى الإقدام على جريمة من الجرائم ، بل لا بد لها أن تحافظ على إرثها الوسطي وتنأي عن أي شكل من إشكال التعصب البائس في أي شأن من شؤون الحياة على أن أهمية التوافق تتضاعف أكثر فأكثر حين يتزامن مع توفر القدر الأوفر من الإجماع التونسي القاضي بمقاومة الإرهاب والإصرار على محاسبة الجناة بتقديمهم إلى المحاكمة أو التقاتل معهم ، كما حدث بالنسبة للذين حاولوا أن يشرعوا الاغتيال السياسي كما حدث لعضو المجلس التأسيس شكري بلعيد وزميله محمد البراهمي ، عندما ذكرت الأنباء تمكن قوات الأمن التونسي من قتل قاتل شكري بلعيد وهو إجراء وإن كان هناك من يصفه بمحاولة إخفاء الخيوط الحقيقية للجريمة إلاّ أنه لا ينفي توفر الجدية والصرامة لمقاومة المعتدين ، وهو أولاً وأخيراً يؤكد عدم إنجرار حزب النهضة التونسي خلف ذلك المفهوم الذي يدعو الى التضحية بالأوطان في سبيل الايديلوجي ، وأكثر من ذلك الاستيعاب بطبيعة المرحلة واشتراطاتها القاضية بصعوبة إن لم نقل استحالة قيام حُكم متشدد في محيط جغرافي مرتبط أوثق الارتباط مع الآخر الأوروبي ليس فقط على مستوى المصلحة وإنما على مستوى الأمن ، ويبقى السؤال الذي يخرج به كل من يراقب المشهد على ضوء ما جرى في تونس هو مدى استفادة بقية الأطراف المشتركة مع النهضة التونسية في بقية المحيط الجغرافي حيث البراح الأفريقي الواسع والبحر الأكثر إتساعاً وفي جميع الأحوال.. هنيئا لتونس بما حققت وتحية لقواها السياسية على جنوحها للتوافق وتخلصها من أمراض الإقصاء وإعادة إنتاج التغول السلطوي والطغيان الإيديولوجي



_____________________________

تحولات السيد منصف المرزوقي

امين مازن

لم يجد السيد منصف المرزوقي غضاضة في الطعن في انتخابات الرئاسة التونسية التي احتل فيها الترتيب الثاني بين السبعة والعشرين ، فصار من حقه أن يخوض الدور الثاني إلى جانب السيد الباجي السبسي، مع بقاءه أي المرزوقي –شاغلا لمقعد الرياسة المؤقتة للدولة التونسية ، بل ويطلب من منافسه السبسي ريس حزب نداء تونس أن يسمي مرشح الحزب المذكور لرياسة الحكومة ، على الرغم من أن معظم الفرقاء يتبنون تأجيل هذا الاستحقاق إلى ما بعد انتخابات الرياسة والتي لن تتأخر عن مستهل السنة القادمة "2015" مهما تعددن الطعون ، فكل تأجيل للعملية الانتخابية قد يوفر الظروف الأفضل ، فها هي الكيانات السياسية والشخصيات الاعتبارية تبادر بإعلان مواقفها هنا أو هناك وها هي حركة النهضة ممثلة في شخص زعيمها السيد راشد الغنوشي ترفع شعار الحياد في المعركة المنتظرة ، وذلك الشعار الذي تبنته في المعركة الرئاسية السابقة والتي تؤكد أكثر من مراقب واكثر من خبير في الشأن التونسي أن قواعد الحركة المشار إليها قد صوتت للمرزوقي ، اما الحديث عن الحياد الآن وفي وجود صندوقين فقط ودون الدعوة الصريحة بالامتناع عن التصويت فهو الموقف الذي يصعب على كل عاقل أن يحدد حوله توصيفا ما .

غير أن المرزوقي بموقفه هذا انما يؤكد فهمه لأن السياسة هي من الممكن ، اذ مادام هدفه متعلقا بقرطاج ، فأن كل تمديد لولايته ولو لأيام معدودة ليس خارج مصلحته ، اما وأن جملة من المتغيرات قد بدأت تلوح في الافق ، بصدد المعركة القادمة فأن أي تأجيل قد يفيد لإعادة الحسابات ، فما دامت المواقف وحساباتها غير منفصلة عن البث في حقاب الوزارة وما حكمها من المناصب ، وما دامت روابط حماية الثورة وكذا مراكز الوعظ والارشاد يراد لها هي الأخرى أن تخضع لإعادة النضر والمراجعة ، فأن أي فرصة لتنظيم الصفوف تبدو بالغة الأهمية ، وحدها النعرات الجهوية المتعلقة بالجنوب والشمال والسعي لأثارة الأولى اواء الثانية تبدو باعثة على السخرية والرثاء ، ففي زمن البناء الأيديولوجي والتنظيم النقابي مؤسسات المجتمع المدني لا يمكن للشعوب أن تعود إلى الخلف وتقيم زنا للقبيلة او العشيرة فالأغلبية  البرلمانية لن تسمح لأي ريس قادم أن يعيد تجربة الترويكا ما سبقها من ممارسات ، بل لعل رياسة البرلمان ستفرضه الكثير من التفكير والكثير من الحسابات ، فالائتلاف دايما شروطه وديناميكيته التي لا تعرف التوقف ، ومفاجآتها التي يصعب التنبؤ بها .إنتهى



_______________________

كي تحفظ تونس خصوصيتها

أمين مازن

ليس أمام كل من يعنيه الشأن العربي عامة والمغاربي خاصة إلا أن ينشغل بما يجرى في تونس من تحولات، وهي تعيش في أيامنا هذه الذكرى الخامسة لثورتها الرائدة التي تفجرت على هيئة انتفاضة ليس لها من هدف سوى إسقاط الرئيس زين العابدين بن علي والذي كان قد استلم رئاسته تلك قبل عقدين من الزمن، في ظروف بالغة التعقيد جراء الصراع الحاد على خلافة الرئيس الحبيب بو رقيبة الذي قطف ثمرة الكفاح الوطني التونسي بإبرامه معاهدة الاستغلال مع فرنسا التي اختارت لضمان مصالحها مع مستعمرات الأمس تمكين من توسمت فيهم الأهلية لتحقيق هذا التوجه من قادة الكفاح التونسي مثل الحبيب بو رقيبة صاحب النظرية السياسية القائلة «خذ وطالب» وهو النهج «البراغماتي» الذي طور معاهدة الحكم الذاتي إلى الاستقلال التام بل وانهاء حكم البايات وإعلان النظام الجمهوري الرئاسي الذي وجد فيه ضالته في الانفراد لاحقاً بحكم تونس برئاسة لم يتردد في إعلانها مدى الحياة مما أضفى على خطوة الزين المتمثلة في إعلان عجز الرئيس بو رقيبة وما ظهر ذلك في بعض قراراته الخيار الذي لا بديل له والذي أكده تسابق مختلف القوى الحية لتأييد ما اطلق عليه التحول وثمة من تطوع بوصفه بالمبارك، فلم تظهر أي معارضة اللهم إلا من فضل الصمت أو انقذه وجوده خارج تونس، خاصة وأنه التحالفات الاقليمية ومثلها الدولية كانت أكثر قدرة وأسرع ملاءمة لشرعنة ما ذهب إليه بن علي بل والأخذ بيده.

  غير أنه بدلاً من الاستفادة من التجربة لم يتردد في إعادة إنتاج ما أخذ على سلفه، ليستمر في مشواره الذي لم يحمه من سوء عواقبه لاحقاً سوى حسه الأمني الذي هيأ له سرعة الخروج والتوجه إلى حيث يتعذر منعه، ناهيك عن تسليمه وقد تحقق ابعاد الزين والمضي في إدارة الشأن التونسي بواسطة المؤسسات الدستورية القائمة والرئاستين المتمثلتين في السيدين فؤاد المبزع ومحمد الغنوشي واستبدال هذا الأخير بالسيد الباجي قايد السبسبي دون تجاهل بالطبع للدور الحاسم للمؤسسة العسكرية التي لم تتردد في الامتناع عن تنفيذ ما أمر به الزين ، كما هي عادتها مع كل من انتهى دوره وحاول إعادة العربة إلى الخلف، إلى جانب الاتحاد العام لنقابات العمال صاحب التاريخ الطويل، الذي طور هو الآخر المطالبة بالإصلاح إلى إسقاط النظام فكان من نتيجة هذه الوضعية أن حيل بين الجماهير الغاضبة وكذلك المتربصة بالمضي نحو التخريب، فبقيت الهياكل ووظفت مجتمعة لإدارة المرحلة المؤقتة فأجريت انتخابات المجلس الدستوري وظفرت التنظيمات القائمة وكذا المحظورة بما أنتج الرباعى الذي قادته النهضة برئاسة السيد راشد الغنوشي ومشاركة المنصف المرزوقي ومصطفى بن جعفر ويلوح في الأفق مايفيد بعزم ذلك الرباعي على تمديد الفترة الانتقالية ولاسيما هياكل حماية الثورة فكان خروج الشارع لتحديد خريطة الطريق والوصول أخيراً إلى الانتخابات المتعلقة برئاسة الدولة ومجلس النواب وكتابة الدستور التوافقي، بحيث لم يتأخر سوى ماهو من مشمولات القضاء.

لقد أفلح الشارع التونسي وهو يخرج لتصحيح المسيرة ووضع حد لبوادر الانحراف بما نتج عن تلك الانتفاضة التاريخية من طرد للمستبد وانتخاب المجلس التأسيسي الموقت والمتمثلة في المناورات الرامية إلى إطالة أجله بالانشغال الشمولى بدلاً من إنجاز المهمة المركزية المحددة في الدستور واعتماد لعبة التمكين في المهام الإدارية والدينية وتمرير مسلسل الاقصاء تحت حيل متعددة وكان للسياسي المحنك والمعارض الليبرالي الشهير الباجي قايد السبسي بما أثبته من جدارة لحمل المسئولة حين ترأس الحكومة التي أةرت أول انتخابات تعددية أناطت الأغلبية بحزب حركة النهضة أن يعلن عن تأسيس حزبه الذي وسمه بحركة نداء تونس ليكون لكل التونسيين المنتسبين لتونس الحديثة بقصد مقاومة النهضة المشار إليها فكان فوزه الشخصي برئاسة الدولة والأغلبية التي ضمنت رئاسة مجلس النواب وتشكيل ائتلاف يضمن مشاركة النهضة ويدفعها إلى تبني خطاب أكثر اعتدالاً ولاسيما فيما يتعلق بالعنف الذي امتد إلى الأشخاص في آرائهم وسلامتهم بل ومصادر رزقهم، الأمر الذي كان له أثره في إشاعة الكثير من مشاعر الارتياح والتخفيف من مخاطر الخوف لولا أن الذين لا ينظرون إلى نصف الكأس الملآن رأوا فيه ضرباً من ضروب النكوص وحتى الممارسة الانتهازية فكان لذلك أثره في بعض الكثير من أحاسيس القلق حول تونس الشعب وتونس الدولة وتونس التحديث الذي يقبل بالجميع ويشمئز من أى سياسة تطال الحريات العامة والخاصة أو تشرعن الاقصاء أو ادعاء القداسة ناهيك عن القتل الممنهج.

لكل ماسبق وفي معرض التعبير عن واجب الانشغال بما يجري في تونس ومن موقع الاهتمام القومي عامة والمغاربي خاصة والانحياز الشخصي لها في النهاية ووسط مشاعر المسرة بما تحقق في تونس قبل سنوات خمس وماتم تلافيه أيضاً من إجراءات التصحيح وقطع دابر الانحراف لابد من التحذير من أى انشقاق من شأنه المساس بشرعية الأغلبية والدخول بها في أى نوع من أنواع البحث القانوني أو الدستوري، فالتعددية الحقيقية من أخطر ما يخشاه دعاة التخلف، وهم لن يترددوا في بذل أى شىء في سبيله، وليس أمام السيد الباجي قايد السبسي إلا أن يبدأ بأقرب الناس إليه فيدعوه إلى التضحية الغالية وله في الحبيب الأب والحبيب الابن الأسوة الحسنة.إنتهى



________________________________

تركيا والعرب واستعادة الوعي

أمين مازن

انضمت تركيا أخير إلى قائمة الدول المتطلقه  إلى مخاطبة الوطن العربي عن طريق قناة فضائية تتحدث إلى العرب بلغتهم .وقد جاءت هذه الخطوة  وسط حزمة من السياسات التي أخذت الدولة الطورانية تنتهجها في السنوات الأخيرة ، حول الكثير من مشكلات الوطن العربي ابتداء من قضيه العرب المركزية "فلسطين" ومرورا بترميم الكثيرمن العلاقات الثنائية وتقويتها بواسطة التجارة وتبادل الوفود الرسمية والشعبية فضلا عن إيفاد واستقبال الكثير من المسئولين .ومن المؤكد ان وراء هذا التوجه أكثر من دافع ،إن يكن ظاهره يعود إلى الخلفية التاريخية المتصلة بحزب السيد أردغان فلا شك أن لليأس من أمكانية ولوج منظمة السوق الأوروبية المشتركة للدولة المذكورة بذرائع لم تمارس ضد غيرها دوره الأكثر قوة ،كما أن تمتع الدولة التركية بشئ من الحظوة مع الولايات المتحدة الأمريكية والصراع الخفي لهذه الإمبراطورية مع الاتحاد الأوروبي لايمكن تجاهله حين البحث عن الكثير من الخلفيات المؤثره في هذه المواقف والأخرى المضادة لها ،والأمر ذاته بالنسبة للدول الناطقة باللغة التركية تلك التي انسلخت منذ فترة عن الاتحاد السوفيتي السوفيتي وما نتج عن ذلك  من اختلال موازين القوى للمصلحة التركية إذ لأبدا أن يكون لذلك أثرة في بعث مزيد الفاعلية غير أن هذا التوجه التمثل في مخاطبة العرب بلسانهم ومن قلب الدولة التي طرحث ذات يوم فكرة تثريك العرب ثم التخلي عنهم وتحميلهم مسئولية تردى الإمبراطورية القديمة يعنى التخلى عن المشروع الاتاتوكي القائم على اللهت المحموم خلف النموذج الاوروبي والتخلى عن جميع الموروثات وهو مالم تاخذ به شعوب  أخرى أفلحت فى التخلص من الإستعمار وتاسيس نهضة جمعت بين المعاصرة والموروث كالصين والهند وقبلهما اليابان وهي دول تساوي إن لم تكن تتجاوز الحجم التركي الذي لم يحصد من المشروع الأتاتوركي سوى الانكماش وعبثية الاستخفاف بحقائق التاريخ واشتراطات المحيط حيث لا مهرب من تبادل التأثر والتأثير و بأكبرقدرممكن من التوازن.

ندرك والحالة هذه ان بعث فضائية تركية ناطقة باللغة العربية ليس مشروعا إعلاميا محدود الهدف حتى يبادر بعض محترفي الحديث بالفضائيات باقتراح الخطط اللازمة لإنجاحه بقدر ما هو جزء من توجه سياسي ينبغي رصده وتناوله بما يستحق من الأهمية والحديث حوله بصراحة والتعامل معه بجدية فقد تبادل الأتراك والعرب قبل قرن من الزمن ضرورات الجغرافيا فكانت الخسارة المشتركة وحان اليوم وعلى هدي من التجارب والمستجدات ان تتم المراجعة بوحي من الضرورات المشتركة، فليس احد من الطرفين كان السبب في تخلف الآخر بل لعل التخلف الذي سادهما معا هو الذي اوجد هذه النتيجة .

وما دامت السياسة في جوهرها لا تقبل بالعداوات والصداقات بقدر ما تحتكم دوما إلى المصالح ، فإن هذه المصالح حين تقيم بفهم  ستفرض بلا جدال ضرورة الذهاب إلى تاريخ جديد وواقع مختلف، واقع ملؤه الإيمان بقوة المشترك دون المساس بمبدأ التوازن والتمسك بالتكافؤ واحترام الخصوصيات، بحيث تكون هذه الفضائية خطوة على الطريق الطويل والذي يحتاج بدون شك إلى خطوة مقابلة من الجانب العربي، فهو بكل الصدق استعادة للوعي في المقام الأول، واستجابة لاستحقاقات لابد من التعاطي معها.



________________________

لنعتبر بما تشهده مصر

أمين مازن


ربما يكون شيخ الأزهر الشريف أكثر الناس تعبيرا عن واقع الحال عندما وصف موقفه حول تطور الأوضاع في مصر أخيرا بأخف الضررين ، فحقيقة أن السيد محمد مرسي الذي ترأس الجمهورية المصرية منذ سنة مضت ، قد تم إقصاؤه من موقفه الرسمي بالقوة ، فالإقصاء والحالة هذه يدخل تحت مصطلح الانقلاب ، بدليل إن البيان الرسمي جاء على لسان القائد العام للقوات المسلحة وتلاه وضع مرسي ونفر من مساعديه قيد الإقامة الجبرية ، أما إذا تذكرنا ما ساد مصر طوال السنة التي سبقت هذه الخطوة ووضعنا في الاعتبار ما ورد على لسان بابا الكنيسة القبطية و كذلك مجلس القضاء الأعلى فإن لتعبير بالانقلاب قد يخضع لأخذ و الرد وقبل ذلك التصريحات التي وردت على لسان الإخوان المسلمين في مصر بشان معركة الانتخابات الرئاسية وبالتالي تعديل موقفهم.

نعم لقد صرح الإخوان المصريون بأنهم لن يتقدموا لخوض معركة الرئاسة في مصر ، واكبر الكثيرون موقفهم المشار إليه ، بيد أنهم ما لبثوا إن عادوا فخاضوا المعركة ، وعندما تحقق لهم الفوز لم يترددوا في الذهاب نحو الاستفراد بالقرار وانتهاج ما اصطلح عليه ما خونه المواقع السامية الأمر الذي أثار امتعاض مختلف القوى السياسية بمصر ، على النحو الذي رأيناه ليجمع بين الاستفزاز والاستغراب وأخيرا الاستنكار وحسبهم ما درجوا عليه من حرص على تحصين كل ما أقدموا على اتخاذه من القرارات وسنوه من التشريعات كانت طوال هذه المدة مادة غير عادية لوسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمصورة ، وما من احد قدر له أن يدخل مصر ويقترب من أي شريحة من شرائحها الا ويلفت نظره ما يمر داخل ذلك الواقع من غضب إزاء كل ما يجري ولا سيما فيما يتعلق بحياة الناس من تدني قيمه الجنيه المصري أمام العملات الأجنبية والشكوى التي يجهر بها كل من يتم التعامل معه في الطرقات ووسائل النقل ومحال الإقامة على مختلف المستويات كما إن  كساد المحال العامة وخلوها من أي حركة تتعلق بالبيع والشراء فقد كانت ظاهرة وموضع حديث شديد المرارة ، كان كل شيء في تلك الربوع يدل على إن مصر قد تغيرت نحو الأسوأ وان ما يجري على مختلف الصعد كان يعني بكل بساطة إعادة إنتاج الماضي بكل سيئاته لقد أراد السيد محمد مرسي من خلال ما تحقق له على ما يبدو من شعور بولاية الأمر التي يتعين على الرعية أن تقدم على طاعتها طاعة أخرى أن يصون قراراتـــــه ، فتبني مبدأ التحصين كي لايكون أمام أي متظلم أن يطعن في أي إجراء فسجل عدوانا غير مسبوق على سلطة القضاء موضع احترام وفخر المصريين دون استثناء ، ليمضي في تقرير كل ما يعني له ، إذ حصر المشورة كما يقول معظم المتتبعون لشئون مصر في سلطة جماعته وثمة من يردد أن النظام التراتبي الأيديولوجي يلزمه بالإحكام لسلطة  تتجاوز سلطته المحددة قانونا ، وان كان الصراع يشيع ما حدث وما لم يحدث ، غير إن الذي لم يستطع أكثر الناس حماسا لما صار يجري في مصر هو إن نزعة الاستفراد بالقرار المتصل بحياة الناس على مختلف الصعد قد أصبحت في يد طيف سياسي واحد والحجة بالطبع هي إن هذا الطيف قد نال الأغلبية فصار من حقه أن يستحوذ على ما يمكنه القيام به وما لا يمكنه ، ولما كان الفارق كبيرا بين ما تردده الألسن بل وتحمله النوايا وبين ذلك الذي يطبق على الأرض وما يعتري هذا التطبيق من سوء القصد وآفة العبث التي ينتجها عادة الاستبداد والشعور بالأحقية خلافا لبقية عباد الله ، وقد شكلت هذه الملابسات الخلايا الأولي لتيار الرفض الذي رافق تجربة مرسي منذ أيامه الأولى ووجد فيها الرفقاء المختلفون معه والمنافسون له ما وفر المناخ الملائم لنمو تيار الرفض الذي صاحب التجربة والذي وضع أساسه مرسي نفسه حين لم يستجب لضرورات التوافق والاعتماد فقط على الأغلبية المتمثلة في معركة الانتخابات الرئاسية، فظن انها يمكن أن تغنيه عن مجلس النواب وتتيح له الاعتماد على شرعية الشورى و التي كانت موضع طعن رفع إلى القضاء العالي من البداية.

لقد خدعت نشوة الفوز في الانتخابات إخوان مصر، فلم يفرقوا بين الأغلبية التي حصلت في نسبة المقترعين وليس الذين يمثلون المجموع العام لمن لهم حق التصويت ، فلم يتفطنوا إلى هؤلاء الذين يحركهم عادة نوع السياسات التي تطبق وتطال حياة الناس من الجنسين ، حيث لا يرحب الجميع بالقيود التي يحاول المتدينون إن يطبقوها في الحياة العملية ، حيث يقبل الناس على الكثير من الممارسات التي يضيق بها الملتزمون دينيا فيذهب بعضهم إلى تغيير ما يرى باطلا باليد ، بدلا من اللسان على اعتبار إن السلطة الدينية تبيح ذلك وفي ذلك ما فيه من الاصطدام برغبات الآخرين ومن ثم الاستعداد لمؤازرة كل تحرك يرمي إلى مقاومة هذا النوع من السياسات فإذا أضفنا الي ذلك ما قد ينتج عن هذه التوجهات من تأثير في الحركة الاقتصادية المتمثلة في الأنشطة السياحية التي يمثل دخلها وأنشطتها نسبة لا يستهان بها من مجموع سكان مصر ، وضح أمامنا عدد الذين يكونون غير متفقين بل وجاهزين للتحرك ضد هذا النوع من السلطة أما إذا وضعنا في الاعتبار إن ما أثبته حسن تنظيم الإخوان المصريين لمخططهم الحزبي وضمن لهم ذلك الفوز الذي ظهر في أول انتخابات أجريت عقب الخامس والعشرين من يناير ، ووجود أطراف منافسة كانت تراقب الموقف وتكتشف مواطن الخطأ وهي تفاجأ بخسارة المعركة المذكورة ، فإن ذلك كله أدى الي تحفيز القوى المعارضة كي تعيد صفوفها وتبدأ في معركتها المبكرة ، لقد استهان الإخوان المصريون بالقوى السياسية التي نافستهم في معركة الانتخابات ، ولم يتفطنوا الي ما يمكن أن تتوفر عليه هذه القوى من إمكانية الاستفادة من عديد الخبرات والتجارب ، وفي مقدمة ذلك الدعوة التي طرحت منذ مدة بضرورة الذهاب إلى الانتخابات المبكرة ، على اعتبار أن مثل هذا التوجه يمثل شكلا من أشكال النضال التي كثيرا ما يلجأ إليها كل تيار معارض ، ويصر على دفع الأمور نحوها ، وكذلك يفعل من تبوأ سدة الحكم ويشعر أن الأمور تسير في صالحه ، فيذهب إلى استغلال الظرف للتبكير بالانتخابات فيضمن الفوز في المعركة ولما كان الوطن العربي لم يألف بعد مثل هذا التوجه ، فلم يعبأ كثيرا بهذه الدعوة التي طرحتها أحزاب المعارضة المصرية ، بيد أن هذه الأخيرة أخذت في استنفار مختلف القوى نحو هذا التوجه مستفيدة من صفحات التواصل الاجتماعي ، بل وذهبت الي أكثر من ذلك فطرحت دعوتها الرامية الي إعادة الانتخابات على شبكة المعلومات الدولية لكي يتسنى لكل من يتبنى مثل هذا التوجه أن يوقع بالتأييد من للأعلى صحة هذا الموقف بما تتطلبه شروط التثبت وكان أن تجاوز الرقم أكثر من ( 22 اثنين وعشرين مليونا ) ، ومن ثم ارتفع إلى ثلاثة وثلاثين ليحدد في النهاية يوم الثلاثين من يونيو موعدا للخروج في جميع مدن وقرى مصر ، فتأكد بما لا يدع مجالا للشك إن العودة إلى صناديق الاقتراع قد أصبح يمثل مطلب الأغلبية من أبناء الشعب المصري الذي لم يمض على تخلصه من استبداد حسني مبارك سوى سنة وبعض السنة ما لبثت أن استبدلت باستبداد آخر ظهرت علامات فشله على أكثر من صعيد فوجب أن يعاد النظر فيه ، ولأن التوجه اظهر سلفا إن النتيجة لن تكون في صالح السيد محمد مرسي ، فما كان منه الا أن يكرر سيناريو مبارك فيقبل أي شيء سوى ما يتصل بشخصه ، على الرغم من عديد النصائح التي أبديت في الخصوص بما في ذلك الصديق الأمريكي الذي لم يتردد في التصريح بان الديمقراطية لا تعني الأغلبية بقدر ما تعني ضرورة الإنصات للجميع وكذلك الطرف العسكري الذي أكد انه لن يقف على الحياد وهو يرى خطر الفوضى ليأتي في النهاية هذا السيناريو المتقن المتمثل في العودة إلى صناديق الاقتراع وشق طريق إدارة مدنية مؤقتة يرأسها ارفع منصب دستوري قانوني في مصر ، ولم تحل دونها المحاولات التي وصلت إلى حد استعمال السلاح ، ويتأكد - حتى الآن – إن ما جرى هو اخف الضررين كما عبر شيخ الأزهر ، صحيح أن بعض الخفايا قد لا تكون واضحة حتى ألان الا إن العودة الي صناديق الاقتراع بضغط القوات المسلحة تبدو وكأنها آخر ما سيطبق في الوطن العربي، أما الذين يتوهمون إلى الحيلولة دون قيام الجيوش سيضمن لهم الاستفراد بشعوبهم فعليهم أن يدركوا أن لا مهرب من هذا الذي شهدته مصر وان بصورة أخرى ، فلن تسود في الوطن العربي الجديد – وان اختلفت الوسائل – وجهة نظر واحدة وأخيرا لنعتبر بما تشهده مصر.


____________________________

موقع الكاتب والاديب : أمين مازن

  www.aminmazen.com © 2019 - 2008

طرابلس - ليبيا

Tel 0913245901