الشاعر سيد حجاب في موكب الخالدين


الشاعر سيد حجاب في موكب الخالدين

أمين مازن

28-1-2017

تمكن الموت أخيراً من أن ينشب أظفاره البغيضة في جسد المبدع و المناضل الكبير سيد حجاب بعد عمر دام سبعة و سبعين سنة، قضى خمسين سنة منها في ميدان الثقافة و النضال، كان آخرها حضوره المميز في لجنة الخمسين التي إختصت بكتابة آخر دساتير مصر، البلد الذي لم يرضى بما سواه بديلا حتى وهو يواجه أصعب المِحن و أشرس أنواع الإضطهاد، إذ قُدِّرَ له أن يعانق الحياة و الحركة الوطنية المصرية تخوض أضخم معاركها الحديثة التي واجهت بها أول مؤامرة إستعمارية برزت عقب الحرب مُتمثّلة في معاهدة "صدقي - بيفن" التي سقطت بفضل إتحاد الطلبة و العمال سنة 1946، أي السنة التي ولد فيها سيد حجاب، في الوجه البحري من مصر. لقد تزامن هذا الحدث، و مصر تعيش ذكرى ثورة الخامس و العشرين من يناير التي أسقطت ثاني رؤساء مصر الناصرية الذي لم يكتف بأن يحكم مصر كمستبد و حسب و إنما حاول أن يُورِّث هذا الحكم، متجاهلاً أن سابقيه اللذين كانا أطول قامة و أكثر حضوراً و أعظم دوراً  "على ما بينهما من الإختلاف"، لم يقتربا من موضوع التوريث البتة و قبل ذلك موضوع الفساد المالي و الخلط بين السلطة و التجارة، فإذا ولّينا الوجه نحو ما ِسوى السياسة، برزت أمامنا في ذات التاريخ تظاهرة الثقافة الكبرى المُتمثلة في الدورة الثامنة و الأربعين لمعرض القاهرة الدولي للكتاب، حيث أُطلِق على الشخصية الأدبية و بالأحرى حُدِّدَ إسمها في أبرز شعراء الحداثة المصرية في حقبة الخمسينات هو الشاعر صلاح عبد الصبور الذي قُدَِرَ له أن يرحل في السنوات الأولى من إستحداث هذا المنشط في تاريخ الثقافة المصرية و قد حُمِّل يومها صلاح عبد الصبور ما كان يمكن ألا يُحمَّل. لو لم يستسهل الكثيرون إختيار العنصر الأضعف و هم يخوضون معاركهم البطولية، و منهم من يلعن علناً ما ينحاز إليه سراً، مما يجعل من تسمية صلاح عبد الصبور هذه السنة دليلاً من أدلة المراجعة و محاولة الإنصاف خاصة و إن ضيف الشرف  حُدِّدَ في دولة المغرب الغنية بالمبدعين الكبار و النقاد الكبار القادرين عل المشاركة في تصحيح بعض ما لحق بصلاح عبد الصبور الذي طاله ما طاله في دورات معرض القاهرة ذات يوم عندما كان التسرع و مجانية التخوين تمثل الممارسة الأسهل في تقييم الفعل الثقافي مما يمكن أن يُصحح اليوم، و الشاعر الكبير سيد حجاب يرحل من دنيانا، فيكون الحديث عن غيابه و تناول عطائه الفني و إسهامه الثقافي من طرف عديد الرموز العربية ممن تعج بهم مصر بمناسبة الدورة المعرضية الحالية مناسبة بالغة الأهمية و سانحة غير عادية، و إن كان ما لمسناه في فضائيات مصر المتعددة و برامجها الأكثر تعدداً قد حولَ الحدث إلى مناسبة فاقت جميع المناسبات، و ليس من غرابة في ذلك دون شك، فسيد حجاب الذي إشتهر في مشواره الثقافي الطويل بالمضي الدائم تجاه العمل الإبداعي الجاد و العزوف الصادق عن كل أشكال الظهور المفتعل أو الصراع الجانبي، و الذي إستطاع أن يُحسِن إستثمار ملَكَته الفنية و قدراته الإبداعية في فن الدراما الذي طالما ملأ الفضائيات المصرية و من ورائها العربية منذ أن أصبحت الدراما سيدة الموقف بالنسبة لفضاء الشاشة الصغيرة التي حلّت محل السينما بإمتياز إبتداءً من بوابة الحلواني و ليالي الحلمية و ما تلاها من أعمال جادة زاوجت بين الفن الجيد و المضمون التقدمي النضالي المُكرَّس لخدمة قضية التطور على مهل، مما جعل من سيد حجاب صوتاً من أقوى الأصوات التي تصدَّت للسكونية و محاولات الإقصاء غير السليمة و غير البناءة بل و المتسببة في إستعداء الآخرين و ربما دفعهم إلى بعض التحالفات التي ما كان لها أن تكون لولا نَهم بعض الأطياف السياسية نحو الإنفراد بالسلطة و نقيصة الميل غير السوي نحو الإثرة و الإستخفاف بقدرة الخصم على إتخاذ المواقف المضادة و التي كثيراً ما تكون على حساب المشترك و منطق عليّ و على أعدائي. عسى أن تكون تجربة سيد حجاب مدعاة لمزيد البحث و التقييم و أن يكون رحيله أقوى محفز نحو هذه المهمة التي يستوجبها طول مشواره و حجم تراكمه و تنوع آثاره و ما أضافته لذلك الشعر الشعبي الخالد الذي أرسى دعائمه الأولى بيرم التونسي، و أعطاه زخماً جيل آخر قوامه فؤاد حداد و صلاح جاهين و فؤاد نجم و الأبنودي و القائمة أكثر من أن تُحصى و أن يكون سيد حجاب له الخصوصية الأشهر وربما الإنجاز الأوفر، إن جاز لأحد أن يُفرق بين حلقات هذه السلسلة المتواصلة في رحلة الفن الأصيل



______________________________

موقع الكاتب والاديب : أمين مازن

  www.aminmazen.com © 2019 - 2008

طرابلس - ليبيا

Tel 0913245901