تألق النص و نقاء الموقف

محمد الفقيه صالح و تألق النص و نقاء الموقف

أمين مازن

7-11-2017

قد لا أكون مبالغاً إذا ما قلت أن فقيدنا المرحوم محمد الفقيه صالح الذي ينتظم لقاؤنا هذا تحية لشخصه، و تقديراً لعطائه، و تثميناً لدوره يعتبر من أبرز المثقفين الذين فضلوا إنتهاج الطريق الصعب، و هو يبدأ مشواره العملي عقب إكماله لدراسته الجامعية في سبعينيات القرن الماضي، عائداً من جامعات مصر التي أَهّلَه للإيفاد إليها حصوله على الدرجات المميزة في المرحلة الثانوية التي تعطي الحق لكل من يجتازها دون اللجوء إلى أي مسعى اللهم إلا تحديد المكان، و هو أيضاً من اليسر بما كان. كانت البلاد عند عودة مثقفنا دخلت عهداً جديداً، إمتد إليه هو الآخر شيء من الصراع و كان إقتياد المبدعين إلى السجون واحدة من مفرداته، إذ صار الإصطفاف خلف المطروح أكثر إغراء، و لكنه بدلاً من الذهاب إلى الطريق السهل شأن بعض مجايليه الذين حاول بعضهم ملء الفراغ الناتج عن إعتقال عشرات المثقفين الوطنيين الذين إمتلأت بهم زنازين السجن المركزي بطرابلس، و الكويفية في بنغازي عقب سقوط الطائرة الليبية بصواريخ اليهود في صحراء سيناء، و خروج الجماهير مستنكرة حالة التسيب الذي أدى إلى وقوع الكارثة لتبقى الساحة خالية من أي فكر رافض، كان هذا الصوت من بين الأصوات النقية التي حرصت على المساهمة الجادة بذلك العطاء اللافت لمجرد أن وجدت أقل الهوامش فانطلقت عبر صفحة آفاق ثقافية، تتصدى لكل من فاحت منه رائحة الإنتهازية في كتابات إتسمت بالتطاول على بعض الرموز الذين حمل إنتاجهم ما كان غير مرحب به من العهد المتعطش للهتاف و لا شيء غير الهتاف، عندما تطوعت الكتابات إياها، بالغمز و اللمز مما لم يرض الفقيه صالح و أمثاله، أولئك الذين لم تمنعهم حداثة التجربة و لم يغرهم كذلك الطموح الوظيفي نحو المغازلة، و إنما تصدوا بكل ما لدى الرجال من الشجاعة، فجاءت كتاباتهم مفعمة بالصدق و الشجاعة و رفض كل ما يشي بالإنتهازية، فكانت محاوراته الجسورة و نصوصه الشعرية المُعبّرة، و كان إصراره على مواقفه المبدئية على الرغم من الهدوء الذي طالما لاح على محياه و هو يقرأ ما أبدع أو يحاور ما قرأ لمجايليه مما رآه غير منصف لسابقيه. إنها المبادرات التي لم تخف على الرقيب السياسي الذي طالما وجد في التجمعات الثقافية فرصة للأرشفة غير البريئة، و من ردود بعض المتطوعين بالموضوعية المزعومة و الصراحة الخبيثة إن صح التعبير مناسبة لتقديم أفضل الخدمات للأجهزة الراصدة و غير المحايدة، خاصة و أن الفترة كانت تتطلب كل ما يتيسر تقديمه، إذ ثبت كما علمنا من أكثر من مصدر أن العهد الملكي و بإستثناء ما يتعلق بفصيل القوميين العرب و من معهم في أحداث 67 و ظروف محاكمتهم، لم يترك عن المشتبه فيهم سياسياً أي وثائق، و لأن محمد الفقيه صالح و نفراً من مجايليه الذين وحدت بينهم فكرة الأدب و استهوتهم الكلمة، و كان لهم موقفهم الجدّي و إصرارهم المشرّف كان أن وجد فيهم العهد من قد يكونون أجدر ممن يلحقون بمن سبقهم و ربما التضحية بهم على نحوٍ أيسر، إذ المقصود عند الأنظمة الشمولية التي ترفع شعارات التقدم و ما في حكمه أن تضحي أول ما تضحي بمن تلحق بهم مثل هذه الإشتباهات السياسية و يلاحظ عليهم الموقف الأصلب من سابقيهم فكان أن ألحقو بمن سبقهم من الناشطين الرافضين و من الطلبة على وجه التحديد، و كانت المحاكمة الخالية من عديد الشروط و المفتقدة لأبسط الأدلة، و مع ذلك كان سجنهم و كان ترويع أسرهم و حرمانهم من جميع الحقوق، إلا أنهم إتخذوا من سجنهم مناسبة لتنمية قدراتهم و مواصلة تعليمهم، فلم يخرجوا إلا و هم في أحسن أحوال التكوين لتأتي نصوصهم دالة على ما بذلوا و ما أنتجوا، كما و لم يعدموا من عديد سابقيهم من قدّر تضحيتهم، فلم يتردد في التعبير عن بالغ الإحترام و جميل العرفان. لقد خرجو من محنتهم تلك متخلّصين من أي إحساس بالإدانة أو إحساس بالغربة، كما و لم يتخذوا من تجربتهم السجنية هذه دافعاً لإدعاء البطولة التي تميزهم عن غيرهم أو تؤهلهم لمكافأتهم على ما بذلوا اللهم إلا النزعة الوطنية التي صات أكثر وضوحاً في مما رساتهم و ما استطاعوا الحفاظ به في كتاباتهم التي أُنجزت داخل الجدران و الأخرى التي شرعوا في إنجازها مسرعين، و لم يُحرموا ممن إحتفى بهم و سعى إلى إلحاقهم بالركب، دونما تأثر ببعض المحاولات التي تطوع بها البعض دونما تكليف من التكليفات و قد كان محمد الفقيه صالح في مقدمة هذا النهج الواقعي. و ما أن باشر عمله في الإدارة التي كان مُنسباً بها في الخارجية الليبية و حان موعد إيفاده للخارج، و وجد الوزير المثقف و الخيّر أيضاً الأستاذ جاد الله عزوز الطلحي الذي أغتنم هذه المناسبة لأُحييه على ما إتصف به من الإنصاف حتى كانت إسبانيا وجهته ليقضي المدة المحددة قانوناً فيعود من حيث خرج دون أن يلاحظ عليه أي سعي لتمييزه عن غيره أو تعويضه إن صح التعبير، ليكون ذلك ديدنه، خروج و عودة حسب الجدول المحدد، مُترفعاً عن أي ضجيج اللهم إلا المثابرة على العطاء و التحصيل و المساهمة الواعية التي طالما أثلجت صدر كل متابع للمدونة الشعرية، نعم لم يسع يوماً لسلخ جلده و لم يوهم نفسه بإمكانية الضحك على غيره و قبل ذلك نفسه، لقد صانَ نفسه و ممارساته عن مجانية العداء، و لم يتخذ من خلافات ما قبل السجن دافعاً لأي موقف جديد، أو صراع ناتج عن رواسب الماضي، و إنما ترك الأمور تسير وفقاً لظروفها و بما لا ينال من ثوابته التي هي ثوابت الوطن كما يجب أن يكون، قادراً على التفريق بين واجبات الوظيفة و رسالة الإبداع، و لم يشغله يوماً أكثر من تجديد نصه الشعري و الذود عنه و التصدي لأي قراءة تفوح منها رائحة التحامل و إستغلال السلطة الأدبية لمحاصرة إتجاه من الإتجاهات و تمرير الأحكام النقدية غير المنصفة، و كان المدركون لموضوعيته و سلامة موقفه لا يترددون في إنزاله المنزلة التي يستحقها و حسبه أنه كان مثالاً للمثابرة و الجدية و العمل الدؤوب حين أُسنِدَ إليه دور في إعداد الرؤية الثقافية لليبيا 2025، و بالجملة يمكنني في معرض التاريخ أن أشهد أن الفقيه صالح كما وقفت على ممارساته و قد كنت على رأس رابطة الأدباء و الكتاب و قبل ذلك في اللجنة التنفيذية للإتحاد و أشرفت على أكثر من نشاط أنه جمع كل ما قلت. و قد دفعني ذلك و بإقتراح من رفيق تجربته القاص عمر الككلي أن أعهد إليه بتقديم الجزء الثاني من كتابي "مسارب" الذي إتخذت فيه من الحديث عن تجربتي و كما يقولون سيرتي التي تناولت فيها العشر سنوات التي بدأت من آخر الخمسينيات إلى آخر الستينيات من القرن الماضي بالطبع و هي الحقبة التي أمكن لجيلنا أن يُحدد هويته الفكرية، فيما كان الفقيه صالح و مجايلوه ما يزالون في سنواتهم الأولى، و كان إختياري ذاك تعبيراً عن الإعتزاز و حرصاً على التواصل مع ذلك الإلتزام الذي تجلّى في جميل مواقفهم، و هو ما أدرك المنصفون مراميه و قوة الرسائل التي حملها، و غفل عن ذلك البعض بحسن نية و آخرون صمتوا عن مضض، و قد كان من جهته شديد الإعتزاز، و لو أردت التفصيل لقلت الكثير. و عندما بدأت الإنتفاضة في فبراير 2011 فُتح الباب أمام الفقيه صالح ليشغل الإدارة الأوروبية و لكنه فضّل أن يتملّص بكل ما لديه من الهدوء و القدرة على الصمت، و أذكر أنني إلتقيته في خضم الأحداث فوجدت المواقف مُتسقة و الممارسة متطابقة، حتى إذا ما قُدِّرَ للنظام أن يتداعى فكان من القلة التي إكتفت بما فعلت و لم تقترب من الماضي تفاخراً أو شماتة، على الرغم من أنه قد إستلم حقيبة سفارتنا بإسبانيا و كان من المعتاد أن يجمع من هو في مثل منصبه، بين الديبلوماسية و شيء من الإعلام، كما أنه عند إحتدام الإنقسام بين شركاء الأمس إختار موقفاً متوازناً جمع بين الثوابت التي يراها و الضغوط الجغرافية و ما ذلك إلا لإدراكه أهمية المحافظة بين الوظيفة من حيث هي مهنة و الأدب من حيث هو رسالة.

و الحديث في هذا الصدد يطول و مجاله يخرج عن هذا اللقاء المحصور في تجربته الأدبية و جوانب من سيرته، و حسبه هذا الفيض من الدراسات التي أنجزها و الدواوين التي أبدعها، و لعل الأجيال الجديدة بما دأبت عليه في السنوات الأخيرة من إختيارها مواضيع لأطروحاتها الجامعية حرصاً على التواصل البنّاء و التفاعل الخلّاق، أن تخص هذا المثقف الجاد و المبدع الجميل بدراسة تتناول تجربته و حياته، خاصة و أنه أحد الذين درسوا بمصر و ارتبطوا بالكثير من رموزها الذين لم يخلو من شهرة.

و أختم فأشكر لكم حسن إصغائكم مُعتذراً لكم عن أي هفوة قد تكون جاءت مني بغير قصد، معبّراً عن عظيم إعتزازي بموقف هذا الفصيل الوطني بما بذل من تضحية و أنجز من إبداع. و المجد للوطن هوية، و للكلمة سلاحاً، و الإلتزام منهجاً، و السلام عليكم.  إنتهى

________________________________


كرس أصدقاء دار الفقيه حسن بالعاصمة طرابلس نشاطهم الشهري الذي إلتأم مساء الثلاثاء السابع من شهر نوفمبر لجوانب من حياة و كتابات المثقف الوطني المعروف و الشاعر المبدع محمد الفقيه صالح، الذي وافته المنية في الأشهر الماضية بعد عمر قارب الخامسة و الستين من السنين، كان فيها مثالاً للمثقف المعطاء و المناضل الشجاع و الموظف الكفئ و الديبلوماسي المثالي. و قد أدار هذه الفاعلية بإقتدار ملحوظ و وعي ممتاز المثقف العضوي رضا بن موسى أحد رفاق الفقيه صالح في سجون ليبيا التي قضى فيها بن موسى خمسة عشر سنة و الفقيه صالح عشرة أعوام فيما كانت المحاكمة عرضة للتدخل و القساوة. كانت مفردات اللقاء بعد التقديم المكثف الذي قام به الأستاذ رضا، متمثلة في ثلاث عروض ألقاها كل من : أمين مازن ، عمار جحيدر ، إبراهيم حميدان، فيما كان الحضور جامعاً بين النوع و الكم، إذ جمع بين الأدباء و الشعراء و النقابيين و المحامين و المهتمين بالشأن العام الذين طالما تواصلوا مع الفقيه صالح و أمثاله من المثقفين الوطنيين و تفاعلوا مع تجربته، و ما تعرض له و غيره من المحن، و المهم في النهاية رحيله، و قد تجلّى ذلك في عديد الكتابات التي تابعت نبأ رحيله في الشهر الماضبة، مما كنا في علامات قد حرصنا على متابعته في حينه و حرصنا على إدراجه، و نعيد الآن أو نُذَكّربما كنا قد أشرنا إليه في حينها لأمثال عاشور الطويبي، أحمد الفيتوري،المهدي يوسف كاجيجي، عبد الفتاج البشتي، نورالدين خليفة النمر

____________________________

رحيل الأستاذ محمد الفقيه صالح

3-6-2017

تنعي أسرة علامات الشاعر الوطني الكبير و المناضل المعروف و الدبلوماسي القدير الأستاذ محمد الفقيه صالح الذي وافاه الأجل المحتوم بعد مرضٍ عضال، قاومه بكثير الصبر

و كان الفقيد قد دخل الخارجية الليبية في سبعينيات القرن الماضي عقب تخرجه من جامعة القاهرة التي درس فيها العلوم السياسية، و تعرف على الكثير من رموزها الثقافية الشابة و على رأسهم الشاعر فتحي سالم أحد كوادر حزب التجمّع. و عندما طالت أطياف المثقفين الليبيين حملات الإعتقال في تلك الفترة "سنة 76" و ما بعدها كان الفقيه صالح ضمن من طالهم الإعتقال "مجموعة الأسبوع الثقافي" و يُحكم عليه ضمن ذلك الفريق بالسجن المؤبد، حتى كانت الثمانينات و آخرها بالضبط، ليخرج ضمن من خرج و يعود إلى سابق عمله، و كان على رأس الخارجية يومها الأستاذ جاد الله عزوز الطلحي الذي حرص على تمكينه من العمل دون أي تحفظات، ليواصل مهمته بثبات و مقدرة و تخلُّص ملحوظ من أي عُقد، حتى إنتهت فترة عمله بالخارج فعاد إلى الداخل دون البحث عن أي إستثناء، و عندما بدأت أحداث السابع عشر من فبراير عُرض عليه إستلام الإدارة الأوروبية فاعتذر بلباقة و حاول الإنزواء، و مازلت أذكر آخر لقاء ضمنا بشارع الوادي بمدينة طرابلس، فإذا ما أتى دوره للعمل بالخارج كانت إسبانيا التي إكتسب بها خبرة ملحوظة مكانه المناسب كسفير، لولا أن المرض قد أنشَبَ أظافره فظل يعانيه في صمت حتى كانت النهاية

فإلى أسرته الصغيرة المُتمثلة في الأولاد و أمهم و أسرته الكبيرة المُتمثلة في ليبيا عامة و أطيافها الثقافية و السياسية، صادق العزاء، في رجل فقدناه و نحن أحوج ما نكون لأمثاله من الوطنيين الصادقين و المثقفين الملتزمين، و المناضلين الحقيقيين

إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ

_____________________________________

إدارة الموقع





الشاعر عاشور الطويبي يرثي في قصيدة جديدة له الشاعر محمد الفقيه صالح ، ويُرى الشاعر الطويبي في الصورة وهو يحتضن صديقه ورفيق عمره الشاعر محمد الفقيه صالح ،مرحبا به في احدى المناسبات الثقافية ، التي اقيمت منذ سنوات ، ببيت نويجي للثقافة بالمدينة القديمة طرابلس .





--------( مـرثـيّــة الـفـتى الـطـرابـلـسي )--------


إلى محمد الفقيه صالح 1953-2017


عاشور الطويبي


خـطـوطــــــاً في الهــواء مـدّهــــا

وأسقطَ سلالم السكينة على الأرض

قالت عنه امرأةٌ بالمدينة:

هـذا ولـدٌ خطفتـه جنيـاتُ الـقـلـعـة

وسقته بنات المعبد خمرتهنَّ المعتّقة

ترفقوا به إن قابلكم يلوّح بيده في الهواء

أو نائمــاً على عتبـات بحـر طرابلس

لا تشوّشوا عليه أغنياته، وفوق هذا وذاك

لا تلتقطوا ما يتساقط من ياسمين تحت قدميه

الياسمين زهور وديان تحلم بالماء

الكون جبّتهُ والريح براقـــه

طرابلسُ قالت: مرّ بي فردٌ كاملٌ

سوق النحّاسين قال:

بيننا هواءٌ وشجرٌ وحُروبٌ

بيننا جبالٌ وأنهارٌ وسُحبٌ

بيننا قلاعٌ وأعلامٌ ومقابرٌ

بيننا بيداء شاسعة وأسواقٌ وأغان

بيننا كلامٌ فصيحٌ وكلامٌ معجمٌ ونومٌ ويقظةٌ

أخذتْ النارُ الإلتفاتةَ الخجلى

أخذتْ البهجةُ الشاعرَ

يدور الكلامُ على نفسه كثور الطاحونة

يتساقط الشعير في الكيس كتساقط صوت الماء في أذن الثور

الفتى يُقسّم يومَه:

في النهار توتٌ أبيض وفي الليل توتٌ أسود


عـاشـــور الطويـبي ـ الـنـرويـج



__________________________________




كتب أحمد الفيتوري


أما قبل...

مُصابٌ بالشعر قبل وبعد في عام 2016 كُرم بجائزةٍ إسبانية في الشعر، أصدر ديوان شعر وكتاب في الفكر جديدين عن دار الرواد – طرابلس الغرب، ومن هذا وما قبل فإن محمد الفقيه صالح يحفرُ بذات الازميل الشعر الذي به يرى ما يرى، وهو منذ السبعينيات في مطلعه الحداثي المُستنير، اليساري الإنساني الوطني من لا يحده هذا الأفق عن أفقه الكون، مشغول ومغموس فيما يشغل الفكر البشري وان لم يُنتج الكثير فإن قليله عُصارة مُكثفة لاطلاع مُوسع وعميق، ونسجه فيما أنتج بسدة كونية ولكن منغمسة في كون وطني شفاف حيث أن الانسان عندهُ يتعين في مكان وزمان ومنهما يغترف المبدع الرؤية وحتى الرُؤيا، وبذا لا يِختزل ولا يختزل ولا يبسط ولا يتبسط، فالشعرُ كما الفكر هما قلبُ البشر وعقله...

(1)

عُرس محمد الفقيه صالح الشاعر الليبي كان بُعيد أيام، بل كان يوم الخميس ليلة الزفة، يوم – وبأقصى سرعة وجهد – بإمكانه العودة إلى طرابلس، لكن ذلك لا يهم فهو لم يقبل بتلك المهمة الرسمية قُبيل عرسه إلا من أجل عيون لوركا (قصر الحمراء... غرناطة).

جنون لوركا كان قد أصاب الفقيه منذ سنوات أولى من الشعر، حين كان الشاعر الفقيه يفك خط الشعر، كان لوركا يُترجم للعربية شذرات، شذرات، وكان الفقيه يشاهد عرس الدم العربي ويشاهد " عرس يرما لوركا " على مسرح الكشاف بطرابلس، كان لوركا يقتحم ذاكرة الشعر الليبي دون استئذان وكان الفقيه يهرول ليلحق بالقطار ليلحق بعرسه، القطار الذي سيقله إلى حبه إلى لوركا، ركب قطار غرناطة حين غادر الوفد الرسمي مدريد متوجها إلى طرابلس، الشاعر يهرول في شوارع غرناطة برفقة زميل جره معه، حين وصل إلى بيت لوركا ؛ وجد البيت مغلقا للصيانة حسبما تقول لوحةٌ مُعلقة على الباب، وحين كان يدور ويلف حوله ومعه القلق والإحباط كان جيران البيت انتبهوا:

- ما الذي يريده الغريب؟

- زيارة بيت لوركا!

حينها تقدم عجوز البيت وأدخلهُ: إنه تحت الصيانة، وهذه الفوضى لا تمنع من القول أن لوركا كان يجلس هنا، ويكتب على هذا المكتب، ومن هذه النافذة يُطل على الحمراء... وعاد الفقيه لليلة عرسه، وبقي الشاعر هناك في بيت لوركا الشاعر الذي كان يعرف جدا أن العدو لا يغدر فكان "عرس الدم". هذا ما جاء في مقالتي: لوركا الليبي التي كتبتها بمناسبة مئوية الشاعر الاسباني الأشهر ونُشرت حينها بمدونتي سريب.

(2)

اليوم محمد الفقيه صالح يحتفي بستين العمر، كأننا التقينا البارحة ولم نعش معا السجن لسنين عشر، كأنما لم نلتق في منتصف السبعينيات من القرن الماضي بل صباح اليوم، وكأنما لم تهزني أشعاره ولم ننتشي بهكذا هزة نحن الصحاب لعقود خلون بل الساعة.

محمد الفقيه صالح سفير ليبيا في اسبانيا حاليا، كما كان نزار القباني السفير السوري في اسبانيا الخمسينيات، أو كما سان جون بيرس الشاعر الفرنسي سفيرا أو كما بابلو نيرودا، محمد شاعرا كان، كائن، سيكون، وكنا في رحابه في رحاب الشعر.

في الذكرى الستين من العمر، في ربيعه الثالث يطل اطلالة الخجول، خجل من قرينه الشعر أن تأخذه عنه صرعة الموظف فيذهل عن هويته، عن الشعر هوية الغموض.

يا صديقي وصديق الشعر تُطل الستون في لحظتنا هذه والبلاد كما الشعر غامضة حد التلاشي، وأنت مُثقل بخفة الكائن الشعر، ونحن جملة وتفصيلا على باب مُشرع على احتمالات منها الأهم والأصعب ما كان حلمنا، وما نتوق إليه الساعة أن تنهض البلاد المُلتبسة في لحظتها بـ (جدل القيد والحرية).

مُتسربل بالشعر وما ولى من عمرنا نسجناه بالتوق وما تبقي أيضا، لك في عامك الستين الأماني الطيبات، لك الأحلام التي تبقي طازجة، لك الشعر و" الريح... مُثقلة بأقواس قزح" أو كما قال لوركا.

أما بعد...

ستون

شعر محمد الفقيه صالح

جالس

وسنيني معي، قرب نافذتي

نتأمل ما مرَ أو ما تسرب من ممكن

فأهش الأسى أو أزيج الستار

فتبدو السماء وغيم ينوس على مهل

ثمة الآن ريح تهز الغصون

فيسقط من شجر العمر

يابس أيامه

شمس تشرين تظهر أو تختفي

خلف ما يتصاعد من شجن

والحديقة تبدو محايدة من خلال الزجاج

سأفتح في التو نافذتي

أتوحد بالظل

أغدو أنا والحفيف وزقزقة العصافير والعشب

معزوفة واحدة.


______________________________



سعادة سفير الثقافة... وداعا

المهدي يوسف كاجيجي


"انا ابن مدينة، وسليل اسرة  متجذرة فى طرابلس، اين عشت طفولتى وصباى، فى حواريها وازقتها ومنعطفاتها، وتشممت عبق التاريخ والبشر فى اركانها، فطرابلس منقوشة فى كل خلية من خلايا جسدى، وحاضرة فى كل نبضة قلب وخفقة وجدان"...(الشاعر والسفير محمد الفقيه صالح خلال مقابلة صحفية).

عرفته من كتاباته واشعاره، قبل ان نلتقى، فهو من جيل اصغر، تعلم فى طرابلس، وتخرج من القاهرة، وخاض تجربة السجن كمثقف، وفى مدريد التقينا فى التسعينات، كان يشغل منصب الملحق الثقافى، فى السفارة الليبية، دمث الخلق، والده كان حرفيا فى سوق القصداره، بالمدينة القديمة، فنان يجيد الرسم بالطرق على المعادن، يقول عن تجربة العمل مع والده: الطرق على النحاس علمنى الصبر والدقة. عرفته الصحف والمكتبات الليبية والعربية كاتبا وشاعرا صدر له مجموعة دواوين، بعد سقوط النظام الجماهيرى، عاد الى مدريد سفيرا، تجربة جديدة فى بلد على دراية بمسالكه، وله علاقات وثيقة مع اعلامه ومثقفيه، وبالمشاركة مع البيت العربى فى مدريد، نجح السفير الجديد فى تقديم صورة غير نمطية عن بلاده ليبيا، وشهد البيت العربى معارض لفنانين من ليبيا، ومحاضرات، ولا انسى تلك الامسية الشعرية الرائعة للشاعر محمد الفقيه صالح، التي تم تقديمها بطريقة مبهرة، ولقد فاجا الجميع بالقاء كلمة الافتتاح باللغة الاسبانية، وصفقت القاعة طويلا، امام كلماته المتواضعة، وهو يقدم الاعتذار على اعتباره طالب مبتدئ.

اتردد على مدريد كلما سنحت الفرصة، ولقاء الشاعر السفير عادة لم تنقطع، احضر اليه حاملا كتب مطلوبة، واعود بكتب مهدات، فى اخر لقاء بيننا وكالعادة بحضور استاذنا الكاتب الصحفى محمد عبدالكافى اطال الله لنا فى عمره كان متالقا بالرغم من بدايات المرض اللعين، وكان متماسكا، تكلمنا طويلا وضحكنا قليلا، هذا الصباح تلقيت خبر رحيل الشاعر، فقرات قصيدته، الرحيل الى شجرة الزيتون:

هل تدور الرحى

ام يدور الزمان

جف نبع الرؤى

منذ حط الهوان

ويا ايها الصديق النبيل، سفير الثقافة الشاعر محمد الفقيه صالح... وداعا.

المصدر موقع ليبيا الستقبل

_______________________________


في رثاء الخالدين


عبد الفتاح البشتي

4-6-2017


ها هم أصحاب ورفاق السجن يغادروننا الواحد تلو الآخر

يغادرون مبكراً, لا تتجاوز أعمارهم نهاية الخمسينات أو بداية الستينات

يغادرون بعد مكابدة محنة السجن , وما أعقبه من معاناة جسدية وروحية ونفسية

ويا للأسف والحسرة فلم يتسن لمعظمهم حياة سعيدة ومريحة

عبد العاطي خنفر , أحمد فنوش , المبروك الزول , أحمد الطيب , محمد الشلطامي , السنوسي حبيب , إدريس المسماري , وأخيرا محمد الفقيه صالح , وقبل ذلك عبد العزيز الغرابلي

( آبت عصافير النوى للبحر

هجع الشذى للزهر

والأرض استعادت طينها

فلبست أثواب الحداد

بنفسجا , أفقاً خريفياً ومرثيةّ

وأسلت في الذكرى شراعي ) .

ستظل ذكرى هؤلاء الرفاق الرائعين جرحاً نازفاًّ يشعُّ حزناّ ولوعةّ وأسى

وسيظل غيابهم حاضراً أبداً

ستظل ذكراهم في قلوبنا ؛ كلماتهم , محبتهم , وإخلاصهم لليبيا وناساها الطيبين , لمبادئهم التقدمية في الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية

في عالم ترفرف عليه رايات العدل والكرامة الإنسانية

محمد الفقيه صالح , عبد العزيز الغرابلي وكل رفاقي الرائعين لا يموتون , انهم خالدون , فأرواحهم الزكية ترفرف خفاقة فوقنا تدعونا لمواصلة ما ابتدأوه من أجل ليبيا وأجيالها القادمة


________________________________


الشعر... العذوبة والأ ريحية

نورالدين خليفة النمر

5-6-2017

حتى أطرد من عقلي غيابه وأُتبّث في قلبي حضوره الشاعري الحيّ، هذه قراءة من آوراق قديمة يجدّد معناها حدث رحيله من فُلك دنيا ضيقة إلى رحابة حياة شاسعة. إنها قراءة في شاعر يموت ويحيى شعره، بعد آخر موّشح يغنّيه  في صباحه الأندلسي الآخير ليتوّشح بموت هو حياة في ذروة الخلود، لتبقى كلمة محمّد الفقيه صالح الروح الصالحة التي كانت صلاحنا وصلاح كوننا ويبقى شِعرُه الأريحيّة العذبة الساكنة فينا.

الشعر... العذوبة والأ ريحية

 


 

المقـاربـة الأيروسـيـّة...

إن مدار بحثنا في شاعرية "محّمد الفقيه صالح" سيكون متمحورا حول اكتشاف ذاتية الشاعر الوجداني التي تبدو وكأنّها من عمق اعماق الوجود متجلّية في تلك "الحميمّيات المركبّة" التي توّحد بين "أنـا الشاعر" و"كائنات العالم" في علاقة حميميّة يتماهى فيها جـوهر "الأنـا" مع جـوهر "الكائنات"، وغالبا ما تتجسّد تلك "لحميميّات المرّكبة" في صور "ايروسيّة" ٭ شهوية ملموسة يعبّر عنها إنفعال متوفّز وثّاب يفصح عن توتّر شاعري عميق يغوص بنا في ذلك الخضّم الغني بإتجاه منبع الكلام معبّرا عن رهافة وشفافية تنّم عن روح رقيق عذب يتغلغل في هذه الصور الشعرية التي تمزج بين الذات والكـائنات والأشـياء: "ترّف حول خاطري النوارس المبلّلة / بنشوة النهار والسفر" (حالات)…، "تنتشي فّي الغزالات، الشموس تصير ملكي / فتتبعني الشرانق… تحتفي الأشياء بي" (دفء الإبتهال) ولكن سرعان ما يفسح ذلك الروح الرقيق العذب المجال لإنفعال يتّسم بالعنف والتوتّر يعبّر عنه الشاعر بـ رعشة الجسد، وشهوة التفجير، ولهب الأمطار، والتجّذر في احشاء الليل الموحش: "تنوشني الأشياء في تحوّلاتها / فأنتشي برعشة الجسد" (تقاسيم تكوينية)، "جسدي مشدود ـ في لهب الأمطار ـ إلى الرجفة، والتوق المشرق" (حمّى الأرتعاش)، "أتوّحد بالنخل السامق في ليل الصحراء الموحش اتجّذر في / احشاء الليل" (مقاطع ليلية). ولكّن ذاتية الشاعر التي تتجلّى من خلال التعبير المحموم عن "الأنـا" تبدو مسلمة مسبقا إلى العملية "الديونيزسيّة" ٭، منقادة إلى ذلك الروح "الايروسي" الذي يلهب الكلمات فيكسبها حيوية ويمنحها حرارة، ويعطيها دفقا، مفجّرا موسيقى النّص، باعثا طاقاته الدّالة قبل كل احتواء تمارسه الكلمة ـ الفكرة، منتزعا تلك المنطقة الرقيقة والحسّاسة من رتابة اعتياد الكلام، فالشاعر يخبرنا بأن "الغيمة تنفعل، والأشياء حول الذات تتفتّح، والرغبات تشتجر، وفي الدم تشّب طفولة النهار، وفي الخطى لهفة الصهيل للعراء" "معّمدا، اصير، في دوائر الطقوس والحرائق" (تقاسيم تكوينية)، "تشّب في دمي طفولة النهار… / وفي خطاي لهفة الصهيل للعراء" (حالات)، "تتفتّح من حولي الأشياء، وتشتجر الرغبات" (جدلية الغابة) "أنفذ بالشهوات إلى أوردة الريح"، (رقص) "آه لو تنفعل الغيمة في جوف سمائـي / ألقي بنفسي في طقوس الماء" (إيماءات الضؤ والظلمة)، وتعبّر العملية "الديونيزسية" عن ذاتها في شعر محمّد الفقيه صالح عبر الإحساسية المثارة في الوعي، معتمدة الإيحاء يإعتباره نقيضا للوصف الموضوعي، فالشاعر لا يمكن أن يتواصل مع "الجوهر الكوني" إلاّ بإحداث بلبلة حادّة في حواسه، وتجسيد إنغماسه "الديونيزسي" الشهوي عبر الإيحاء بإعتباره إهابة، وتلميحا، وإستثارة، محدثا ذلك الفضاء الشعري الذي يفسح المجال لتدّخل الطبيعة غير المشروع والمباغث في الدراما الإنسانية.

الـنـمل هـنـا

والحرباء الـحيرى

والعـسل اللامع فوق ثمار المانجو

ونـصاعةمرجـان الشاطئ

موسـيقى الألـوان

وإيـقـاع الـخضرة

خـشـخشة الورق اليابس،

وإستنفار الخذر الهاجس في الحشرات المختبئة

إيـما، واستـدراج، وخطى خـجلى

إيلا ف في اعشاش الدفء

فـهمـس منـفعل

فدّوي… (جدلية الغابة)

في هذا المقطع من قصيدة (جدلية الغابة) يمنحنا الشاعر نصا يساعدنا في الولوج إلى أعماق (الكوني) المتعذّر سبره شاحنا نصّه بتأثير دينامي متصاعد، وإحساس بالحركة متنام، إحساس بحياة الغموض الموّارة المثيرة. هذا الإحساس الذي يتجلّى عبر اداء غنائي متميّز، يكتشف الشاعر فيه " أنـاه" من خلال تفاعل حميمي مع العالم، وفي إطار صورة كونية تمنحنا راحة وجود، وغبطة هناء، وإحساسا رهيفا بمعنى الكائنات.

انـفـصـام الأنـا الـتـخييلـي...

إن شاعرية "الحميميات المرّكبة" تتأسس على فاعلية "الأنـا التخييلي" الذي يتّحد مع أبعاد "الظاهرة الكونية" في مشهد حلمي يجمع (كينونة العالم) شاعريا حول جوهر "الأنـا" بإعتبار الأنا محور الشاعرية الوجدانية ومرتكزها، ويستمد "الأنـا التخييلي" في اشعار محمد الفقيه صالح فاعليته من ذلك البعد الشهوي"الأيروسي" الذي يفسح الطريق لدخول الشاعرية المتوّثرة في جسد اللغة، مانحا الشعر تلك القدرة على بعث حياة الكلمات التي تلاشت، وإيقاظ الصور التي بهتت وامّحت، مؤكدا في الوقت نفسه طبيعة الكلام غير المتوّقعة التي تفّك إسار الحمولة الشعرية التي يخفيها الكون في اعماقه. ولّكن "الأنـا التخييلي" الذي يمنحه البعد الأيروسي فاعلية الحرية وتوتّر الشاعرية وخصوبة الصور والإيحاءات هو في الوقت نفسه مفصوم بنوع من فرح النشوة، وعذاب الكآبة. ويعبّر الشاعر عن فرح النشوة: "بالمطر الواعد، والفرح الشمسي، وبرق المواعيد، وخبايا الطلع، وشهوة التحقّق"، و"لكّن المطر الواعد يأتي" (حمّى الإرتعاش) تحفّزا مسكونا بالفجآة"، (تقاسيم تكوينية) و"حنينا مسّتبدا للمواعيد التي تبرق في بدء المسافات" (ايماءات الضؤ والظلمة)، "واشتياقا الى وصل يتنامى بين الوحشة والفرح الشمسي " (مقاطع ليلية)، "وغوصا فيما يخبئه الطلع" (خطوط داخلية)، "وشبقا يحفر في احشاء الرؤيا ما أنجزه الطلق" (حمّى الأرتعاش) "وغيابا في حوار زهرتين أو في تبتّل الأشجار والأعشاب لغبطة الرياح والمطر" (حالات)، "وأن الورود الثمار، المياه، البذور الوليدة في نبض عاصفة البذل والأمتياح تمارس شهوتها للتحقّق" (دفء الأبتهال). ويعبّر الشاعر عن "عذاب الكآبة" بقّش الأنقباض، والمرايا المعتمات، والعيون المطفئة، ونخلة الحزن، وعشيّات العويل، وورود الفجيعة: "ولكّن الأعماق يخدشها قشّ الأنقباض… ويفتّض البكاء ما تداريه المرايا المعتمات في جحيم الذاكرة" (إيماءات الضؤ والظلمة) فـ "العشيّات مشبعة بالعويل" (مرثية للسحاب) و"الورود مخثرّة بالفجيعة" (القلب هدّته القصيدة)،" الخطوة تبلع الوقع، مفجوعة بالتوّجس أو بالعصافير إذ تستحيل على نخلة الحزن مرثية للسحاب" (مرثية للسحاب). ويتعمّق إنفصام "الأنـا التخييلي" في صورة إنضمام شعوري يتشّكل في نسق مقطعي يصل في بعض المواضع الشعرية إلى ذروة التكثيف الغنائي الذي يستمدّ نفسه من ثنائية تكسب إيقاعه الشعري دينامية، وتعطيه دفقا غنائيا حارّا. ففي قصيدة (تحوّلات في دائرة الأشياء) نقرأ هذا المقطع الذي يتّسم بالكثافة الغنائية:

اقول مـا هذا الـعمى الذي أصابـني؟

النساء والأشجار، والأطفال، والأنوثة التي ترّف في ثنايا

هذاالكون، والأمطار، والبحر الذي يفّح، والعشب

المنّدى، غبش الصباح، ساحة الميناء، عندما تعّج بالعمّال

لسعة البرد ورعشة الأجساد، والنوافذ التي يشّع منها الدفء والأسرار

اقول: هل إيماضة تجئ كي توقظ فّي جذوتي

وكـي أرى مـا لا أرى؟

في هذا المقطع من قصيدة (تحوّلات في دائرة الأشياء)، نلاحظ "ثنائية الإنساني والكوني"، إذ تتداخل مفردات الأنساني: "النساء، والأطفال، والعمّال، والأنوثة التي ترّف، ورعشة الأجساد والأسرار" مع مفردات الكوني: "الأشجار، والبحر المنّدى، غبش الصباح، والأمطار". وفي إطار ثنائية الإنساني والكوني ينتظر الشاعر تلك الإيماضة "الأيروسية" التي توقظ فيه جذوة التعشّق فتجعله يرى، ويحسّ بتلك الأنوثة التي ترّف في ثنايا هذا الكون الذي غالبا ما تتلبّسه روحا أنثوية يعبّر عنها الشاعر بالتعشّق الغابي، وشهقة الفجر وتنهّدات الزرقة المحتدمة. فللغابة إيماءة الأنثى: "غابة تؤمي لي، ونشيد صاعد من شهقة الفجر، ورفرفة الموج" (إيماءات الضؤ والظلمة)، وسيّدة العشق تطلع من الفجر الغابي وتغمر عاشقها بصخب الغابات:

آه.. لـو تطلع سيّدتي / آه.. لـو تطلع من هذا الفجر الغابي

وتغمرني بالخـصب الناشب في رحم الغابات. (جدلية الغابة)

والأنثى / الفراشة يصفها الشاعر في قصيدة (جدلية البحر) بأنّها: "اشتعال في خيال البحر"، وهي تطّل من بين الأغصان، وتقذف عاشقها بنهار صاف في قصيدة (رفرفة):

حديـقـة صمتي تزهر حين تطلّ فراشة قلبي

من بين الأغصان، وتقذفني بنهار صاف

تطعمني بيديها الفستق

وتحاورني بآناملها الفصحى

امشي في الطرقات إلى جانبها طفلا غرّا

حتى ألمس يدها

فيضّج الـنـعناع

ويـشـهق دغـل

إن الشعر يدخل طبيعة أخرى، مفرداتها تكمن، وتتبعثر في جدليات فيكتب ضجّة النعناع/ وشهقة الدغل، دمع الفّل ــ الطفل /، ونبض الغابة، عرّي إخضرار الحدائق /، وجنون التراب،. تجاسر اللون في التفّاحة /، ورفيف أجنحة الطيور، وبصرخة الأعشاب، يرسم ملامح لغة كونية جديدة نتعلّم من خلالها حبّ العالم ومديحه، فندخل جسدا وروحا في جوهر السعادة، نقتحم كون الكلام الذي يشيّده الشاعر بمفردات الإنساني والكوني في إطار تلك الشاعرّية الخصبة المتوّثرة. شاعرّية الحميميّات المرّكبة.

نورالدين خليفة النمر

الـهـوامــش:

٭ إيروس: إله العشق. وهو عند افلاطون منبع كل سعادة ومصدر كلّ خير. وفي العصور الحديثة إتّسع المفهوم الأيروسي فأصبح يدّل على الرغبة والشهوة. وهي حركة النفس طلبا للملائم ورغبة في التمتّع باللذّات الحسيّة والأنغماس فيها. (الموسوعة الفلسفية العربية ـ معهد الأنماء العربي).

٭ ديونيزوس: إله النشوة والإلهام عند اليونان ففي البدء اعتبر إله الخمر والكرمة والمرح. ثم إتسّع نفوذه فأصبح إله البساتين والغابات وحياة النبات وتتّسم اعياده بطابع المرح والصخب والنشوة.

٭ محمّد الفقيه صالح. خطوط داخلية في لوحة الطلوع. الدار الجماهيرية للنشر. ط 1. 1999.

٭ تبث بالقصائد غير منشورة في الديوان:

ـ مرثية للسحاب / جريدة الفجر الجديد / العدد… 1977.

ـ رفرفة / مجلّة الفصول الأربعة / العدد 50 / 1991.

ـ حالات / الفصول الأربعة / العدد 51/ 1991.

ـ رقص / مجلّة  لا / العدد 23 / 1992.

المصدر موقع ليبيا الستقبل

________________________________

موقع الكاتب والاديب : أمين مازن

  www.aminmazen.com © 2019 - 2008

طرابلس - ليبيا

Tel 0913245901