جديدنا

مرة أخرى عاجل إلى غسان سلامة 2

أمين مازن

26-10-2017

رجع المتحاورون الليبيون إلى قواعدهم سالمين من أي أذى بحول الله و توفيقه، غانمين ما تمتعوا به من وقتٍ طيب بإقامتهم المريحة في تونس الخضراء منتظرين عودة سريعة حالة ما إذا رُؤيَّ أن ثمة جدوى من الرجوع إلى جولة ثالثة، ما دام الوسيط الدولي قد ترك الباب مُوارَباً عندما كتفى ببيانه المقتضب الذي ألقاه في نهاية الإجتماع بتونس مؤكداً فيه وجود قدر من التفاهمات حول بعض الأمور، واعداً بإحتمال الوصول إلى أخرى، و لكن دون أن يستبعد إمكانية التحول إلى خيار المؤتمر الوطني الموسع الذي نصّت عليه خريطة الطريق المعتمدة من مجلس الأمن. و الحق أن الوسيط المذكور كان بالغ البراعة في موقفه هذا إذ دلّت عديد القرائن أن تطويل عمر الأزمة يمثل الهدف المركزي. بدليل الإصرار على رفض إلحاق من ينبغي إلحاقه إلى مجلس الدولة من طرف ممثلي المجلس المذكور ذي الطبيعة الإستشارية و تلكؤهم في تقديم أي رأي مكتوب حول المسائل المطروحة ،المتفق عليه و غير المتفق، و مثل ذلك إشتراط موافقة مجلس النواب على البت في تسمية القائد العام للقوات المسلحة على الرغم من تعيينه من قبل المجلس الرئاسي المتكون من ممثلين لأقاليم ليبيا الثلاثة مما لا يتفق مع مبدأ تقاسم السلطات، بل و الذي يذكرنا بإشتراط النص على صفة أمير برقة في المراسيم الملكية المتعلقة بالشئون الليبية، و عبارة بدون قيد أو شرط في مبايعته "رحمه الله" لقيادة ليبيا أثناء الحرب العالمية الثانية و في ذلك كله ما يدل أن المتحاورين يراهنون على أنهم وُجِدوا ليبقوا و أن الظروف التي وجدتهم إن قُدِّرَ لها أن تدوم فستبقي عليهم في مواقعهم متمتعين بواقعهم واثقين كل الثقة أن المحافظة عليها أصعب من نيلها مما يجعل من المؤتمر الوطني الشامل الذي لا يفرّق بين فبراير و سبتمبر و يعيد إلى ذاكرتنا ذلك الدور الذي إضطلع به ذلك المؤتمر الرائد في إستقلال الوطن تحت مشورة الأمم المتحدة و مندوبها القدير أدريان بِلت و الذي نرى في غسان سلامة أقدر من يمكنه تجديد دوره في أيامنا هذه و هو يشهد هذا التشبث المخجل بالمواقع و الإصرار على ترك الشعب الليبي في غرب البلاد و شرقها، و قبلهما جنوبها، يكابد هذه الأحوال المزرية، لا لشيء سوى أن الأطياف التي إستأثرت بالسلطة ذات غفلة، و تصر على التشبث بها و لو كان الثمن هو الإجهاز على الكيان الوطني بالكامل، ما دام الإجماع الدولي قد إنعقد على أن ليبيا بما يسود أكثر مناطقها من الفوضى هي مصدر كل الشرور التي تطال جيرانها دون إستثناء، و ان الممسكين بالقرار فيها قد وصلوا بها إلى هذا الدرك الأسفل من التدنّي، مما يجعل من المضي نحو المؤتمر الوطني الشامل المخرج الأكثر واقعية لإستخلاف إدارة مؤقتة تنحصر مهمتها في أداء الخدمات الضرورية لعموم المتساكنين، من صحة و تعليم و سيولة مالية يمكن تدبيرها لمجرد بتر الأيدي التي إستمرأت النهب المشرعن على أكثر من صعيد و تمكين القوى العسكرية و الأمنية "التي لا تجهل الأطراف الأوروبية أعدادها و قدراتها و مرجعياتها" من حفظ الأمن و مراقبة الحدود لوقف التهريب على جميع مستوياته و الضالعين في جرائمه، بعيداً عن التحسس من شبهة الوصاية و إنعدام السيادة و قل ما شئت من العبارات الرنانة التي ليس لها من هدف سوى ضمان إستمرار سلطة و مصالح هذه الأجسام التي لم يقترع عليها مجتمعة سوى أقل من خمس السكان. كل ذلك دون أن ننسى أننا نتحدث في شهر أكتوبر الذي شهد قبل ما يقرب من سبعين سنة إعلان دستور ليبيا تحت إشراف المندوب الدولي أدريان بِلت حين مُنحت إستقلالها و كانت أفقر دولة في العالم، لتُحكم بعد ذلك بعهدين أحدهما لم يتجاوز العقدين و ثانيهما تجاوز الأربعة و شهدت جلساته تمزيق الميثاق الأممي ليتم الإسقاط بالموافقة الدولية، لتؤول الأمور إلى وضع جعل الأغلبية الساحقة تُعاني ما لا تخفى علاماته على كل مراقب منصف، و عندما تتحدث الأنباء عن وصول المندوب الدولي قصد مقابلة أطياف من المجتمع الليبي على نحو ما قام به منذ أيام مضت، نرى و قد أتاح هذا الفضاء إمكانية الجهر بما نرى وجوب الجهر به في هذه السطور و من باب التذكير بما سبق أن أدرجنا منذ أيام تحت عنوان عاجل إلى السيد غسان سلامة


_____________________________

عاجل إلى السيد غسان سلامة

أمين مازن

18-10-2017

سواء تاب المتحاورون إلى رشدهم و سارعوا إلى إنجاز مهمتهم المتمثلة في تعديل إتفاق الصخيرات و الذي توشك مدته على الإنتهاء، أو إستمروا في تسويفهم أملاً في أن تكون المدة مرتبطة بالإنجاز، و لو إستمرت إلى ما لا نهاية، و إن وضع المجتمع الدولي لخريطة الطريق المتعلقة بتعديل إتفاق الصخيرات و التي يجري الحوار حولها بتونس قد إنتهج نهجاً أكثر واقعية و أدعى إلى تحقيق المنجز العملي، فتحديد المدة الزمنية و أسلوب العمل و إقتراح الأولويات و وضع المواصفات إلى جانب الهيكلية و الإختصاصات و أخيراً إعتماد التعديل المُقرر في الإعلان الدستوري ليمثّل المرجعية التي يحتكم إليها قبل الذهاب ألى إختيار الأسماء المقترحة للتكليف، إنما ليبرهن عن تمثل غير عادي لما يسيطر على معظم المتحاورين إن لم نقل جميعهم من ميل لإطالة الأزمة. كما أن الدفع بفكرة المؤتمر الوطني كي يكون محفزاً للحل أو بديلاً للذهاب إليه في موضوع الأسماء إنما يعود إلى مراعاة كون ليبيا ما تزال خاضعة للبند السابع من الميثاق الأممي، أي أن الإحتكام إلى الإرادة الدولية في حالة إنسداد السبُل. خاصة و أن نسبة الإقتراع في الإنتخابات الثلاث التي عرفتها البلاد عقب 2011 قد جاءت بذلك التدنّي الذي لا حرج من وصفه بالمخجل، مما يعني أن كل تعليق للحوار لن يدفع ثمنه سوى ضعفاء البلاد و ان المجتمع الدولي مطالب اليوم أكثر من أي وقتٍ مضى بمزيد الإنخراط بما يفضي إلى إدارة تسير البلاد برئاسة تمثل سيادتها و بالتساوي بين أقاليمها، و حكومة منفصلة عن هذه الرئاسة و تعمل تحت إشرافها، تنبثق عنها قوات مسلحة و أخرى للأمن و سلطة قضائية مستقلة و أخرى رقابية، فضلاً عن مجلس نيابي يمنح الثقة و يحاسب و يسحب الثقة، و أخر إستشاري يحقق التوازن و يراعي سابقة الثقة التي أُعطيت في أول إقتراع و هو ما أُتبع في العالم أجمع بما في ذلك دولة الإستقلال و دستورها الذي يدعو الكثيرون للعودة إليه. بقي أن نرفع عقيرتنا معشر الليبيين و نحن في شهر أكتوبر الذي شهد ذات يوم 7-10-1951 إعلان ذلك الدستور، فنطلب من السيد غسان سلامة المندوب الدولي و هو يقول إنكم تتعرضون لنهب ممنهج. إن من ينظر إلى الحريق و يملك القدرة على إطفائه و لا يفعل ذلك فهو شريك فيما يجري، و من هنا فنحن ننتظر مخاطبة المجتمع الدولي و بالتحديد مجلس الأمن و الأمين العام للأمم المتحدة ليتخذ ما يرى لوقف هذا العبث الذي نعيشه دون أن يفكر هؤلاء المتحاورون بالتخلي عن أي نسبة من مرتباتهم الفلكية و مزاياهم، و عسى أن يقرأ السيد يلامة هذه السطور، و كم يكون جميلاً لو يضيف الأخرون ما لديهم. إنتهى


____________________________

إذا مِتُّ عطشاناً فلا نزل القطر

أمين مازن

16-10-2017

إن الوحدة الوطنية من حيث هي إستحقاق من إستحقاقات الوطن الجديرة بالتقديم على ما سواها من بقية الإستحقاقات، و مطلب يمكن أن ينزل منزلة فرض العين كما يقول أساطين الفقه بشأن فريضة الجمعة، و السعي إليها واجب لا عذر فيه لأي متخلف من المتخلفين. و ما ذلك إلا لأنها كثيراً ما أُبتُليت بما لا حصر له من أسباب التثبيط، و دواعي الفشل، أو عدم الجدية بالأقل، و ذلك منذ أن قُدِّرَ للدولة الوطنية عندنا معشر الليبيين أن ترى النور في مطلع النصف الثاني من القرن الماضي، إذ مع أنها كانت مطلباً توأماً لمطلب الإستقلال و الإنضمام إلى الجامعة العربية، كما هي شعارات تلك الأيام، إلا أنها من الناحية العملية لم تسلم من عديد الأخطار، لما هيمن عليها من طرح مثالي و تصور سطحي، لم يتفطن إليه عدد غير قليل من جيل الآباء عندما توههم بعضهم أن في إمكانه حرق المراحل، فإتخذ منها شعاراً بلغ حد الهوس، حتى لقد أُعتبر ذلك الإستقلال الذي أمكن تحقيقه من خلال إحتدام الصراع الدولي عندما مثّل الحل الوسط و بفضل الإستعداد لمساعدة الدولة الوليدة التي كانت يومها أفقر دولة في العالم، و لم يتردد الكثير من متقدمي الصفوف بتلك الأيام في إعتبار الإستقلال الذي أُعلن أنه ليس أكثر من صورة من صور إخفاء الإستعمار في حين كان الأذكياء من حولنا يسارعون بقبول الحلول الأقل عندما أدركوا و تبنوا القاعدة السياسية المعروفة بوجوب القبول بما هو كائن و من ثم السعي إلى بلوغ ما يجب أن يكون، كما أن الشكل الإتحادي ذاته الذي لم يكن ثمة مناص من القبول به، لم يكن بالسوء الذي الذي أطلقته بعض القيادات السياسية غير المسئولة و التي زيّن لها الإجماع الشعبي إمكانية حرق المراحل و تجاوز الكثير من الصعوبات الفعلية التي تحتاج إلى شيء من الوقت كي لا يرى فيها ذوو المصالح إضرار بمصالحهم تلك التي نمت في سنوات الإدارة الذاتية ليس فقط أثناء الإدارة البريطانية أو الحقبة الإيطالية بل إلى زمن التركي، و بالأحرى الوضع الجغرافي الذي أكسب عديد القيادات الإجتماعية قبل أن تتطور الحساسية -و بالضرورة مدن هذه القيادات شيئاً من الخصوصية التي إنعكست في سلوك الناس بما إتصفت به من البساطة بمن فيهم المسئولين الذين طالما إستجابوا لعديد الرغبات غير المنطقية لمجرد أن سعى إليها وجيه من وجوه القوم و أقسم عليها للمسئول ! الأمر الذي أشعر عديد الأطراف الليبية و لا سيما في شرق البلاد، عندما فرضت المصالح الإقتصادية الدولية الكبرى، إلغاء النظام الإتحادي بأن ذلك الإجراء قد جاء على حساب مصلحة الأغلبية، و مدفوعاً من الدولة المركزية التي جعلت كل ذي مصلحة أن يؤمم وجهه شطر مقر الحكومة، و التي أصرّ الملك المسن و من خلال عقدته الشخصية إزاء بنغازي التي تُعتبر دستورياً عاصمة البلاد الشرقية كما طرابلس عاصمتها الغربية فإذا به يفرض بواسطة الأمر الواقع مدينة البيضاء مما يعني أن نصوص الدستور في واد و سلطة الأمر الواقع في وادٍ آخر، تماماً كما هو الحال بالنسبة لمجلس الشيوخ المقرر تشكيله بالتساوي بين الولايات الثلاث و لمدة ثمان سنوات يختار نصفه الملك بإقتراح الحكومة و الولايات و النصف الآخر يُنتخَب من المجالس التشريعية، فإذا به يُعين بالكامل من طرف الملك دونما إلتزام بقاعدة التساوي و الحجة بالطبع أن النظام الإتحادي قد تم إلغاؤه، فلا داعي -حسب هذا التعريف المعتمد و إستغلال الوحدة المزعومة- أن تُراعى شروط الجغرافيا و لا سابقة العمل الوطني في الإدارة السامية ! و يكفي أن أخر مجلس للشيوخ زِيد أعضاؤه مرة سنة 65 و الثانية سنة 68 و لم يكن ضمن أعضائه المعينين أمثال مصطفى بن عامر و أحمد زارم و علي خير الدين و علي ازواوة و عبد العزيز الزقلّعي و الحاج محمد الكريكشي و علي الديب و محي الدين فكيني و فاضل بن زكري و غيرهم ممن تتوفر فيهم سابقة العمل الوطني و المساهمة في تأسيس دولة الإستقلال و لهم من المكانة الإجتماعية الشخصية و الموروثة ما لهم، و ما ذلك إلا لأن الإحتكام المتعلق بالإختيار قد أصبح متروكاً للمزاج و تدخلات الحاشية العاجزة عن إسداء أي نُصح مسئول و إن آخر ما كان يشغل بال الكثير من الذين تسللوا لصنع القرار هو إستحقاق الوحدة الوطنية التي ما من شيء يُعمق الإحساس بها و العمل في سبيل صونها مثل إشعار الفاعلين بأنهم شركاء في حمايتها و نرى أن مثل هذه السلبيات هي ما حدا بالأعداد الكبيرة من أمثال هؤلاء أن يقفوا متفرجين على العهد و هو يتهاوى في ذلك الصباح دون أن تُطلق من أجله رصاصة واحدة أو يمتنع عن التأييد سوى الأقل من القليل و من الذين إكتووا من بعض نيران النظام الذي إنتهى في ذلك اليوم، و لا سيما و هو يلوح لهم بحضر بعض المحرمات على العامة و تركها متاحة و أكثر من ذي قبل للخاصة عندما إستباحوا كل شيء، و هي ذاتها التي دفعت من آلت إليهم إمكانية المساهمة على أي مستوى من المستويات في إدارة هذا الشأن أو ذاك إلى المضي نحو تلك الصيغ المتعددة من اللجان و المؤتمرات و القيادات الإجتماعية و السياسية لتستطعم المصالح و تتبوأ مقاعد الصدارة و تجد من ثم السبيل نحو التأييد و حتى العتب عند اللزوم، بل و تُفقد في عديد اللقاءات أو تخاطب كي تجهر بما يُراد لها أن تجهر به، خاصة و أن ما زخرت به الذاكرة الشعبية و المصادر التاريخية حول معارك الجهاد الليبي و ما شهدته من البطولات و ما استشهد بها من الرجال قد أتاح الكثير من الفرص المثيرة للحوار و المبررة للفخر بجميل الذكريات و أيا ما كانت المواقف و إختلفت الرؤى ففي التجربة الكثير مما يمكن أن يقال و من الدروس ما يمكن أن يُستخلص بصدد إستحقاق الوحدة الوطنية و الذي كثُر الحديث حولها هذه الأيام، و يُصر البعض على تجريد حديثه هذا من الغرض الشخصي و الطموح السياسي و الهدف الحزبي مما يجعل من مثل هذه الأحاديث مجرد خيال أعجز من أن يُحقِق إضافة تُذكر، فكل حديث حول الوحدة الوطنية لا يتوقف أمام مصالح الناس و لا يدعو بإلحاح لتكافؤ الفرص بين أبناء الوطن الواحد و أقاليم الوطن الواحد فليس أكثر من تنظير و غير قابل للتطبيق و لغو من القول الذي لا يسمن و لا يغني من جوع، فالوحدة الوطنية لكي تكون مجدية لا بد أن يكون لها مضمون يثق في جدواه الناس كافة و لا ضير فقبل ألف سنة قال شاعرنا الخالد بيته المشهور

معللتي بالوصل و الموت دونه *** إذا مِتُّ عطشاناً فلا نزل القطر


______________________________

طريق سلامة و سلامة الطريق

أمين مازن

29-9-2017

سارع المتفرغون للتعليق على ماتشهده الحياة الليبية من مستجدات عبر القنوات الفضائية التي تبث من خارج البلاد، برفض التوجه الذي طرحه الأستاذ غسان سلامة، بشأن تنظيم مؤتمر وطني ليبي موسع تُرَاجَع فيه التعديلات النهائية لمخرجات إتفاق الصخيرات وتوضع به قائمة للأسماء المراد تكليفها بإدارة شؤون البلاد، مبررين رفضهم هذا بالخشية من إيجاد جسم جديد، على حساب الأجسام الموجودة والتي تمثل (بالرغم من تحاملهم الكثير عليها ، المشروعية) حتى إن بعضهم وصف مقترح سلامة بالزلزال الذي لن يكون له من مردود سوى تعطيل الحل المقترح، كأن هذا التعطيل لم تظهر ملامحه منذ مباشرة المؤتمر الوطني العام لمسؤولياته وإمتناعه عن المبادرة بإعداد دستور البلاد، إن بواسطة لجنة من لجانه أو أخرى يختارها، تاركاً لرئيس المجلس الإنتقالي مهمة البث في الموضوع، والذي أبى (غفر الله له) إلا أن يشرعن فكرة الأقاليم الثلاثة والتي بدأت من لجنة الواحد والعشرين التي وضعت مع المندوب الدولي ملف أساس دولة الإستقلال، وقد جاء هذا الموقف مجرداً من التوضيح اللازم، الأمر الذي جعل عديد المواطنين لا يعطون الأهمية المطلوبة للعملية الإنتخابية، خاصة وإن دوافع العزوف قد إعترت المواطنين لمجرد إكتشافهم لما ظهر على المؤتمر الوطني من نزوع نحو الممارسة التنفيذية لتأتي بعد ذلك إختيارتهم في الغالب مشوبة بالمحسوبية هذا فضلاً عما فرضوه من مرتبات فلكية ومزايا خيالية جعلتهم في مستوى الوزراء الأمر الذي لا وجود له في معظم إن لم نقل جميع بلدان العالم ، فإذا ما عنَّ لبعض الأطراف أن تشارك في إنتخاب مجلس النواب وترفض كل من لوحظ عليه شئ من الإخلال بالأمانة، كان ما كان من المواقف غير الديمقراطية والتي إنتهت باللجوء إلى السلاح، فإذا مافرضت الأحداث العودة إلى طاولة المفاوضات أو ما أُطلق عليه الحوار وتشكيل لجنة أو لجان للحوار والوصول إلى الإتفاق أو الوفاق ليستمر الأخذ والرد ويحتد الصراع الدولي في أكثر من مكان بما في ذلك بلادنا حيث كانت هذه الجلسة التي ترأسها الأمين العام وشارك فيها هذا الحشد الذي إنتظم بشأن ليبيا على هذا المستوى الرفيع لينعقد الإجماع على ضرورة الخروج بالإتفاق المنشود. وإناطت مسؤولية التنسيق للأمين العام للأمم المتحدة والذي كان قد إختار لمساعدته الأستاذ سلامة الذي حرص على وضع خارطة لطريق الحل ويكون من مفرداتها المؤتمر الوطني المقترح وعلى هذا القدر من المسؤولية، وتأتي ردت الفعل على هذا النحو، والذي رآى فيه المتفرغون للفضائيات مارأوا . والحق إن ماشهدته الأحداث من الأخذ والرد ، ومادرج عليه عديد الأطراف من وضع العصى بالدواليب كما يقولون، يجعل من المؤتمر المقترح مشروع بالغ الأهمية لما يمكن أن يترتب عليه من توسيع دائرة المشاركة والعمل على إعادة الثقة للكثير مِن مَن أحبطهم تهافت أكثر الذين تم إنتخابهم نحو مصالحهم، وإن مظاهر هذا الإحباط عبر عنها العزوف عن المشاركة من ناحية وتصريفها في أحياناً كثيرة لغير مايجب أن تصرف نحوه من ناحية أخرى. ومن ثم فإن المطلوب ليس الإصرار على عقد المؤتمر وحسب، وإنما التوسع فيه عدداً أو نوعاً لما في ذلك من بعث الحيوية وقطع الطريق على الذين يراهنون على عزوف الناس لتبقى لهم الساحة. وكم يكون مفيداً لو تصدر القرارات اللاغية لكل أنواع التحفظ ومحاولات الإقصاء، بل وإصدار أوامر الحظر على الإنفاق غير المشروع والإقتصار فقط على ماهو ضروي أما ما يتحدث عنه البعض عن الفراغ وتبرير ذلك في المضي في إنفاق المال وتعيين المحظوظين فلن ينطلي أبداً، وإن تعذّر التنبيه إليه جراء غياب الصحافة وإحتكار القنوات الرسمية في المديح والأخبار المعادة ليس غير. وما دامت نسبة المشاركة في جميع الإنتخابات على هذا النحو من التدني فإن كل حديث عن شرعيتها وحقيقة تعبيرها عن الرأي العام خيال مابعده خيال، ومع التعبير عن جزيل الشكر للأمم المتحدة متمثلة في شخص سكرتيرها العام لابد أن نثمن للإستاذ غسان سلامة مقترحه الرامي إلى عقد المؤتمر الوطني الموسع والوقوف من خلال حواراته على رأي الشعب بشأن الحلول المقترحة والأسماء القادرة على التنفيذ الجيد والتقدير السليم وإذ ذاك يمكننا أن نطلق بكل إطمئنان على مقترحات الأستاذ غسان، طريق سلامة وسلامة الطريق .

الدولة المدنية و بيت العنكبوت

أمين مازن

18-9-2017

يعمد الكثير من أتباع الأيديولوجية النفعية، و هم يطرحون ما لديهم من رؤية تتواءم مع ما يهدفون إلى تركه غير مُوضح. أو قابل لأن يُحمل على أكثر من وجه، مثل الحديث عن الدولة المدنية التي يريدون لها أن تسود في المجتمع الذي يتطلعون إلى حكمه، و من باب أولى الفوز بثقة ناخبيه أو تبوء مقاعد هيئاته المختارة، فتراهم يقصرون تعريف صفة المدنية هذه في شرط إستبعاد الهوية العسكرية عن شخصية الحاكم المنتظر، مردفين إلى ذلك الكثير من الكلام العام الذي لا صلة له بإشتراطات الدولة المدنية التي تسعى إليها عادةً جميع القوى السياسية، و هي تشكل تنظيماتها و تتقدم إلى مختلف جماهيرها طالبة نيل ثقتها و متطلعة إلى القيام بإدارة شئونها، إنه الطرح الذي لا يترتب عليه سوى المزيد من التشويش و المزيد من المغالطات الرامية إلى إخفاء المشروع الحقيقي لهذا النوع من الساسة الذين يعولون على التعميم و يستفيدون من عدم توضيح الأمور كما ينبغي لها أن تُوضح و تحديد المفاهيم كما ينبغي لها أن تُحدد، ذلك أن مدنية الدولة، و بعيداً عن إستعراض المصطلحات و إعادة ما درج على التحدث به المختصون، هي تلك التي تحتكم إلى دستور يحدد نظام الحكم، و أساليب محاسبة المسئولين و طريقة تعيينهم و صلاحياتهم لا فرق أن يكون هذا الحاكم ملكاً أو رئيساً، إذ يكفي أن يمثل صفة الرمز، إلى جانب سلطة مختصة بالتشريع و أخرى بالتنفيذ و ثالثة تختص بالبت في مختلف الطعون التي يمليها عادةً تظارب النظرة و إستشعار الغبن و التناقض مع نصوص الدستور الذي إتفق على صوغه جميع أبناء الشعب مُقرِّين الإعلاء من شأنه، و رفض أي مساس بقدسيته، بمعنى أن السلطة الحقيقية في كل دولة ،تزعم لنفسها صفة المدنية، فإن أول إشتراطاتها أن يكون برلمانها يملك السلطة التي تخوله القدرة على تصحيح المسار في إي وقت تستدعي فيه الأمور وجوب التصحيح، كما لا بد من وجود إقتصاد مرن يُتيح فرص العمل الحر بذات القدر الذي يفرض فيه واجب الأداء، فضلاً عن توفير الحريات العامة و تجلياتها في الصحافة و الإعلام، على أساس الإحتراف المنظّم و الدعم الرسمي المُعلن و المُحدد بحكم القانون المنظم للمهن و الكفيل بحضر كل تمويل مشبوه من شأنه المساس بشرف المهنة و سلامة الأوطان، و الدولة المدنية هي فوق ذلك، هي تلك التي تنظم فيها الأنشطة المعرفية التي تؤمِّن لذوي الحاجة تحقيق ما يطمحون إليه من سكن لائق يُسدد بواسطة الأقساط المريحة و الإتجار الحر الممول بواسطة رؤوس الأموال المعروفة يسدد أصحابها إستحقاقاتهم الضرائبية بعيداً عن الإحتيال و إدعاءات الإحسان بل الإقرارات المعقولة التي تُبيح الإعفاءات المشروعة و ترفض التهرّب الفج و تقبل أحياناً بالمصالحة التي تظمن الحد الأدنى من الأداء.

إن الدولة المدنية و الحالة هذه هي دولة الوضوح، دولة العهد الصادق و الإلتزام الشريف، الدولة التي لا يتقدم مرشحها لشغل مقاعد الرأي و المشاركة بإسم الإستقلال، فإذا ما كُتِبَ له الفوز و أقرّه الناس على ما إدعى فاجأهم بموقفه المنحاز الذي يُثبت بكل الأسف أن التلويح بصفة المستقل ليس أكثر من محاولة لإخفاء الوجه الحقيقي و الهدف الأبعد، و الأنكى من ذلك أن مثل هذا التعبير يتم في أحيان كثيرة لقاء نفع مادي و موقع قيادي، بل إن بعضهم لم يجد أي حرج في الإعتراف بأن ما قام به ليس أكثر من تُقية أو تكتيك مُبيت  لأن الإعلان عن الموقف الحقيقي يعني الخسارة المحققة، كأن التناقض لا يعني الخيانة و إن إخفاء الحقيقة في مثل هذه المواقف من الأمور التي تمس الشرف و الأخلاق و قد تجلّى هذا الموقف غير الأمين في ممارسة الكثير من أعضاء الهيئة المُكلفة بصوغ الدستور حين شُكِّلَت على مبدأ التساوي بين أقاليم البلاد الثلاثة، و إذا بالبعض ينحى المنحى المختلف، و الذي كانت مصلحته إقصاء أحد الأقاليم مباشرة بدعوى المصلحة العامة أو الأكثرية، و الأمر ذاته بالنسبة للمنحدرين من ذات المناطق، ممن غيروا مواقفهم إستجابة لبعض الضغوط و حتى الرغبات كما أُشيع، و على كلٍ فإذا كان هناك من يرى أن الدولة المدنية هي تلك التي يكون محتواها دينياً صرفا، فليكن ذلك مُعلناً و دون أي مواربة، فإذا كان لمثل هذا التوجه العدد الكافي من المناصرين كان بها، و إن كانت الأخرى وجب الرضوخ لما يرى الناس و يختار الناس، بل و الفوز بثقة الناس، أما المواربة، و حتى المراوغة فذلك ما لا يمكن التستر عليه، و إعفاء مرتكبيه من المسئولية الأخلاقية تحديدا، و تظل التشريعات التي إتخذت من القوانين المدنية دون غيرها المرجعية الأساس في معاملات الناس، و إن تكن لم تغفل الأعراف و الأديان و العادات، إنما كانت تجسد بصدق حقيقة الدولة المدنية القادرة على صون وحدات الشعوب، و ما على الذين يريدون أن يتخذوا من شعار الدولة المدنية غطاء لما يهدفون إلى تمريره في غفلة من الآخرين إلا أن يعلموا بكل الوضوح أن حجتهم واهية، و حيلتهم مكشوفة و قِربتهم مثقوبة، و أخيراً فإن بيتهم أوهن من بيت العنكبوت أما إذا تذرعوا بالحد الأدنى من الصدق و أعربوا عن القليل مما يرمونه صراحة، فليس أمام كل ذي ذمة -وعسى أن نكون منهم- إلا أن يبدي لهم الإحترام الكبير، و إن كان الخلاف معهم أشد و أكبر، و لعلهم يستحقون منزلة المجتهد الذي بُشِّرَ بنيل الأجرين في حالة الصواب و بالأجر الواحد في حالة الخطأ، و ليس من يقتحم الميدان كمن يجلس بين المتفرجين. إنتهى

_________________________________

وتقدِّرونَ، فتَضحكُ الأقدار

أمين مازن

5-9-2017

يُصر الكثير من مُتنفذي بلادنا هذه الأيام، ممن لا تطالهم مختنقات نقص السيولة النقدية بالمصارف، كما و لا تتأخر مرتباتهم الشهرية بأنواعها، و لا يُحال دونهم و دون سحب ما هم في حاجة إليه مما سبق أن إدخروه من عائد جهدهم لدى المصارف. و بالجملة إنهم الذين يعيشون في مأمن غير عادي من كل ما يُنغّص عليهم من نقص ضروريات العيش، فتراهم لا يسأمون تصدّر الفضائيات التي تبث من داخل البلاد و خارجها، تلك التي ظفروا بها في الأسابيع الأولى من الزمن الذي تلى العشرين من أغسطس 2011. و أفلحوا بعد ذلك في تأمين كل ما هم في حاجة إليه من التمويل الفكري و المهني و المالي، مكررين في تصدرهم هذا ما سبق أن تحدثوا به طوال السنوات الماضية حول ما لاقوه من المتاعب و بذلوه من التضحيات، القليل من هذا الذي قيل و يُعاد حدث بالفعل، و الكثير منه جاد به الخيال المجنح، و السلوك الذي يخالف التوجه الخالد الذي نهى المؤمنين عن إفساد صدقاتهم بالمَن و الأذى، بل و الذي يوجب مراقبة الواقع و ما يشهده من سوء الأحوال المعيشة لعموم الناس، تلك التي لا يعيش خارجها سوى هذا النوع من الذين إتخذوا من أسبقيتهم أو مشاركتهم أو حتى إدعائهم سبيلا للإمتياز المعيشي على من سواهم من المواطنين، و مكنتهم السطوة الإعلامية من إخفاء جميع سلبيات الحياة و التي تذبح بسيوفها عادةً الضعفاء دون غيرهم. إن هؤلاء الذين لا يملّون الظهور و لاسيما السنوي في العشرين من أغسطس يعيدون إلى الذاكرة أغسطساً آخر، عرفه التاريخ الليبي قبل سنة 69 تلك السنة التي أصبح أغسطس بعدها و حتى العشرين المنوه عنه، بمثابة الموسم الذي يُسمح فيه بإنفاق الكثير من المخصصات المالية المتعلقة بأنشطة الثقافة على هيئة إحتفاليات يتخذ منها المهمومون بالثقافة الوطنية مناسبة لتمرير شيء من آرائهم و أملهم في الأفضل، و يوجهها ذوو المآرب الشخصية لمكاسبهم و من يشاركهم في الإستفادة. و مجال ذلك على كل حال ليس هذا المجال. فأغسطس الذي نعيشه هو ذلك الذي إعتبرته دولة الإستقلال عيداً للجيش، تأسيساً على التحرك الذي بدأ في التاسع منه في أربعينيات القرن الماضي و من أرض مصر تحديداً بموجب نداء وجهه الأمير إدريس لعموم الليبيين إثر إتفاق أبرمه مع بريطانيا و أقرّه معظم المهاجرين الموجودين في تلك الربوع عندما تحركوا من هناك، فأُعتُبِرَ من ثم عيداً للجيش في دولة الإستقلال، على الرغم من وجود تحرك مشابه قاده أحمد سيف النصر من تشاد، و كان يمكن أن يشق الصف لولا قوة إيمان هذا المجاهد، و المهم أن التاسع من أغسطس أُعتُبِرَ عيد الجيش، بحلوله تتم الترقيات المستحقة و تُخرَّج الدفعات الجديدة و يتحدث رئيس الوزراء، كان الحديث تقليدياً و تغلب عليه لغة المناسبة التي ليس فيها سوى التمجيد اللهم إلا ما حدث سنة 68 عندما جاء حديث رئيس الوزراء عبد الحميد البكوش مختلفاً كل الإختلاف إذ إتخذ من المناسبة تذكيراً بما يسود الواقع من ضعف الولاء الوطني و سوء الأداء الإداري، و تخلّف الخطاب الإعلامي، الأمر الذي لم يرُق للدواير العليا التي كانت ترفض منطق النقد و تُحبذ لغة المديح التي ليس لها سوى الأثر العكسي من حيث إستفزاز المواطنين و إثارة غضبهم، حتى أن مثقفاً مثل عبد المولى دغمان لم يتردد في مطالبة مدير الإذاعة بالتوقف عن إذاعة الأناشيد التي من شأنها الدفع بالروح العسكرية عندما قال قولته المشهورة بلهجته الشعبية المُحببة "راكم ما جربتوش حكم العساكر" و كان يقصد التجربة المصرية و آخرين عرفهم التاريخ السياسي الليبي بدأوا ينضجون في تلك الأيام و يدعون لفكرة التمسك بدولة المؤسسات و لو كانت ضعيفة بدلاً من التفريط فيها و السعي لإزالتها لولا أن صوتهم كان أضعف من أن يؤثر كما أن المؤامرة الدولية كانت أكبر عندما إستفادت من شيخوخة الملك و عقدته من أبناء عمومته و إصراره في غير ما مرة على فكرة التنحّي عن الحكم، حتى أنه لم يتردد في القول -كما رويت عن السيد سيف النصر عبد الجليل- قوله أي الملك بصدد أبناء عمومته "ليس منهم رجل رشيد" و هو نفس الرأي الذي صرح به السيد عبد العزيز الشلحي، من أن عزمه على تغيير الحكم في الخامس من سبتمبر جاء لما سمعه من الملك حول ولي العهد، في حين كان الملازم معمر بوصفه قائد التنظيم طلب من موسى أحمد أن يحدد مع خليل جعفر و جماعته موعداً للإجتماع يوم الأربعاء الثالث من سبتمبر، إلا أنه عاد فقدم الموعد المتعلق بالتحرك يوم 1 سبتمبر و هو نفس الإجراء الذي إتخذه مع علي قشوط الذي كان يعتقد نفسه رئيساً للقذافي، و إذا به يُفاجأ بساعة الصفر فلا يكون أمامه سوى القبول بما أُمر به، كما روى عنه الذين تحدث إليهم من زنزانته سنة 76 ذلك أنه و لمجرد إستقرار الأمور لهذه المجموعة العسكرية المكونة من صغار الرتب و تمكنها من السيطرة على البلاد و كما لاحظه بعض المراقبين في حينه و كما أشرنا إليه في ما تيسّرَ نشره في مطلع هذه الألفية و قبل ذلك في أول تواصل أُذيع عبر الأثير، كان الرأي الراجح أن ما جرى لا يمكن أن يكون مفاجأة للدوائر الغربية، و إن طرفاً محدداً لا بد أن يكون قد تولّى تسهيل الأمر، و ما الإسراع بخروج القاعدتين من البلاد إلا علامة الإطمئنان على المستقبل و لعل الجهد الذي قام بنشره مجزءً في موقع ليبيا المستقبل ثم في كتابه التاريخ السياسي و لعبة الأمم قد أماط فيه الأستاذ إبراهيم عميش اللثام عن كثير الأسرار التي كنا قد روينا بعضها، و أهمها ما توفر للمرحوم عبد الحميد البكوش من إستعداد أمريكا لعدم الوقوف أمام أي محاولة تُقدم على إسقاط النظام الملكي و ما فاتح بشأنه بعض من يثق فيهم من الوطنيين و أبرزهم الأستاذ عامر الدغيّس، بل أن إقالة الملك للبكوش، ثم بقاء الملك خارج البلاد في تلك الصائفة التي سبقت سبتمبر و ترأس الرجل الطيب ونيس القذافي للوزارة إلى جانب الحسن الرضا لم تكن سوى الإزالة لأي عقبة أمام المغامرة المنتظرة و التي ما لبثت أن نجحت بكل اليسر و شرعت في التحرك لإستقرارها بعديد الأساليب، و من بينها طرح ذلك الكم الهائل من المشاريع الذي أوجد فضاءً شديد الإتساع للأجانب الذين يمكن بواسطتهم تحقيق أي شيء صعب، و حسبهم المساهمة المصرية في تأسيس المخابرات الخاصة بالنظام الجديد كما أشار فتحي الديب لاحقاً ثم المسارعة في تصفيتهم بإعتبار ليبيا ساحة للأمريكيين وحدهم، و من الضروري أن تكون دوائرها الأمنية لليبيين دون سواهم. و قد كان ذلك أقوى مؤشر على أن ما أُوجد من بعض فرص العمل ليس أكثر من إستدراج لدفع مصر الساداتية لتمضي في تصفية الوجود الروسي كمقدمة لحرب 73 ليُصار من ثم إلى وقف السادات عن المضي في حرب الحدود و التي كان قد منّى بها نفسه على ما يبدو بل لقد لقي حتفه و هو يحتفل بنصره بعد أن دعت الصحف الغربية إلى ضرورة إختفائه و ألمح إلى ذلك الحسن الثاني أحد عرابي زيارته الشهيرة، مما يعني أن المُصرِّين على تصدّر الفضائيات مفتخرين بما فعلوا، و يتزامن ذلك بما لا حصر له من الزيارات الرسمية التي يدعون إليها و الأخرى التي تأتيهم. فليس من المستبعد أن يستيقظوا ذات صباح مثلما إستيقظ الذين كانوا شهود المرحلة في أغسطس 69، عندما فوجئوا بغير ما توقعوا. و ما الغرابة في ذلك و قد قال الشاعرالعربي منذ القدم

وتقدِّرونَ، فتَضحكُ الأقدار


_______________________

أبعد من الدوحة وأكبر من أنجامينا

أمين مازن

28-8-2017

قطعت تشاد علاقتها الديبلوماسية مع قطر ، وأمرت بعثتها في أنجامينا بمغادرة تلك العاصمة ، وحددت لقرارها هذا موعداً زمنياً لا يزيد على عشرة أيام . أما مبررات هذا التصرف اللافت ، فقد أرجعته العاصمة التشادية إلى ما تتعرض له من إجراءات عدائية يقوم بها من التراب الليبي عدد من المعارضين التشاديين الذين تدعمهم الدوحة بالسلاح والمال وبقية التسهيلات التي يوفرها ، حسب الإدعاء التشادي ، ماتتمتع به قطر من المكانة الخاصة لدى العديد من المسؤوليين الليبين ، هي تهمة زاد في تزكيتها ماورد على ألسنة بعض مسؤولي دولة مالي الذين يشاركون تشاد تذمرها من الموقف القطري ، والذي يتخذ هو الآخر حسب الإدعاء المالي من التراب الليبي منطلقاً له ، ذلك يعني وبصرف النظر عن صحة ما قيل من عدمه ، أن ليبيا وفي حدودها الجنوبية تحديداً بإعتبارها الملاصقة لتشاد وماحولها يمكن أن تكون مسرحاً لعديد من العمليات العسكرية التي قد يقدم عليها أولئك المتضررون من الفوضى التي تسود ليبيا كما هو إجماع معظم الأطراف ممن لابد أن يتبنوا مثل هذه الموقف بدافع المساعدة أو المصالح المشتركة أو أي مبرر من المبررات التي تكون عسيرة التبرير ولا صعبة التنفيذ . وليس أمام مسؤلي ليبيا ، أن وجدوا سوى الوقوف المسئول أمام مايمكن أن يعود علينا من مزيد من التدخل المسلح . فما دام الثابت لدى عديد الدوائر أن بلادنا عاجزة عن حفظ أمنها . ومادام غياب الأمن قد تسبب في الإخلال بأمن الآخرين فإن من أوكد ما سيحل بنا هو المزيد من التدخل ، والتدخل في هذا الصدد لن يخرج عن الإستعانة ببعض الأطراف الليبية على هيئة سلطة محلية أو أخرى ذات أَحَقِّية تاريخية والإثنين معاً . أما إذا ما أضفنا إلى ذلك موقف التبو الليبين من مشروع الدستور الذي رافقته العجايب منذ تحديد أعضاء هيئة مساواة بين الأقاليم و إستياء معظم أهالي الجنوب من سوء تطبيق إتفاق الصخيرات من إفراغه من محتواه بواسطة الذين يريدون الظفر بكل شئ ، وليس أسهل عليهم من إقناع أي عضو من الأعضاء المنتخبين في الهيئات الثلاثة مجتمعة بالتخلي عن الأساسيات التي يفترض أن تكون بدهية، أما الإتفاق الذي وصف به رئيس المجلس الرئاسي المقترح على مخرجات الإجتماع الذي رعاه الرئيس الفرنسي ، بما أقدم عليه من دعوة البحرية الإيطالية لدخول الشواطئ الليبية لحجة المساعدة على مكافحة الهجرة الغير الشرعية ، وبقاء التراب الليبي مستباحاً للمهربين على كل المستويات واعتباراً الدوحة مسؤولة عن مايجري في أفريقيا وبالتحديد تشاد ومالي ، وهي المحاربة من تحالف يملك ما لا حصر له من القدرة على الفعل وتبرير الفعل ، إضافة إلى مايشكوه الناس في الجنوب من الحرمان من جميع الخيارت بالأحرى الضروريات ، فإن من المكابرةأن يظن كائن من يكون أن يواجه كل من يقرر التدخل أية صعوبة تذكر فإن ما أقدمت عليه تشاد إتجاه الدوحة ، ومايًنسب إليها من تهديد لأمن هذه الدولة الأفريقية وشقيقتها مالي وربما النيجر أيضا ، لا يعني سوى حقيقة واحدة تتعلق بنا نحن الليبين ، بإعتبار الأخطار تصل هناك من أرضنا وربما بعض الفرقاء المحسوبين علينا ومن جنوبنا تحديداً ، ومن ثم إنتظار مزيد التدخل ، غير أن القرار المتعلق بهذه الأمور مجتمعة ، أبعد من الدوحة وأكبر من أنجامينا .إنتهى


___________________________

المغرب يودع عبد الكريم غلّاَب

أمين مازن

18-8-2017

لم يبق سوى عام و بعض العام و يكمل الراحل المغربي الكبير الأستاذ عبد الكريم غلّاب الذي أدركته المنية يوم الأحد الماضي قرناً من الزمن إذ كان مولده في العام التاسع عشر من القرن الماضي بالمغرب ليتلقى تعليمه الأوّلي و المتوسط هناك، و يحل في النهاية بالقاهرة و في جامعة فؤاد تحديداً كما كانت تُدعى في تلك الأيام، و يضم إلى مهمته الدراسية نشاطه الثقافي و حتى السياسي ليرتاد عوالم الإبداع الأدبي المتمثل في الرواية، و تجربة الرأي المتمثل في المقالة الأدبية التي كان من أبرز منابرها مجلة الرسالة التي أسسها و أدارها و أكد فيها تياره المميز أحمد حسن الزيات بنثره الجميل و أسلوبه الخاص، و الذي قلّ أن يوجد كاتب ظهر في تلك الأيام لم يتأثر به و لو لفترة محدودة. ففي تلك العوالم و المراحل نشر عبد الكريم غلّاب الكثير من مقالاته، و يردفها من ثم برواياته الكثيرة و التي كان من أشهرها دفنَّا الماضي، سبعة أبواب، المعلم علي، و غيرها كثير و كثير جداً إذ تجاوزت كتبه من حيث العدد خمسة و سبعين كتابا. حدث ذلك و هو المنخرط في وقت مبكر بالعمل الوطني إذ كان من بين الذين رافقوا الزعيم علّال الفاسي عندما أسس حزب الإستقلال إذ ترأس في ذلك الزمن رئاسة تحرير صحيفة العَلَم لسان حزب الإستقلال، كما لم يتخلّف عن أي حراك يهدف إلى الدفع بالعمل المغاربي الموحد الذي يسعى إلى توحيد المغرب الكبير بأقطاره الأربعة، فكان لا يتأخر عن أي محاولة من محاولات التجميع و لا سيما الشأن الثقافي، على الرغم من أنه قد تطور في العمل السياسي حتى أنه إستلم حقيبة الخارجية المغربية، ذلك المنصب السيادي الذي كثيراً ما يجرف المكلفين به إلى شيء من الإنعزال إن صح التعبير، و لكن الأستاذ غلّاَب ظل دوماً إلى جانب ثوابته المتصلة بالعمل الجمعي و الخيار الوحدوي، مما جعله دائب الحماس و من ثم الترحيب بأي حراك في الخصوص، و أذكر أنه كان كبير الحماس لفكرة إتحاد الكتَّاب المغاربيين سنة 68 من القرن الماضي التي عمل عليها من الجانب الليبي إدارياً الأستاذ علي مصطفى المصراتي، أما الدراسات فقد جسدها أمثال الأستاذ عبدد الله القويري الذي كتب عن الأستاذ غلّاب دراسة ظافية حول روايته دفنَّا الماضي نشرها في أحد كتبه و كذلك فعل الأستاذ يوسف الشريف حول رواية سبعة أبواب حين خصّها بدراسة موسعة نُشِرَت في صحيفة الميدان سنة 68 على أكثر من حلقة.

على الصعيد الشخصي عرفت الأستاذ غلّاب عندما ضمه الوفد المغربي في مؤتمر الأدباء المغاربة سنة 69 و قبل الفاتح من سبتمبر بفترة محددة إذ أجريت معه حواراً موسعاً بصحيفة الميدان و كذلك فعلت عندما حللت بالمغرب عقب ذلك المؤتمر و كان صديقنا عبد الجبار السحيمي المُسيّر الفعلي للصحيفة المذكورة "العَلَم" قبل أن تؤول إليه رئاستها و مثله محمد العربي المساري، أما في السنوات الأخيرة حين وجدتني منجذباً لتقديم بعض المقاربات المتعلقة بالرواية، و من بينها ما أُنجِزِ في المدونة المغربية، فقد كانت روايته المهمة "المعلم علي" موضوع دراسة نشرتها في هذا الفضاء، و كانت أيضاً ضمن المقالات التي طالما ساهمت بها في صحيفة فبراير قبل جريمة تعطيلها بواسطة عدم تسدي نفقات الطبع. و عندما يرحل هذا الرائد الكبير و تخلو البلاد من أي جهة ثقافية يمكن أن تُسهِم على الأقل بتقديم واجب العزاء في شخصه و هو الذي لم يتأخر يوماً عن أي مشروع تواصلي مع ليبيا فما ذلك إلا لأن سوء الأحوال قد طال الوجود الوطني في الصميم، ما بالك بالموضوع الثقافي، إلا أن المبادرات الفردية تظل دوماً هي الأبقى و الأقدر على التمسك بالمشترك مهما تفشّت عوامل التثبيط و دواعي القصور، فعلى هذا المشترك و من موقع الحرص على إستمراره و التمسك بجدواه نعرب عن أوفر مشاعر العزاء و صادق المواساة للمغرب العزيز كُتَّاباً و مثقفين و سياسيين الذين يمثلون جميعاً الأسرة الكبيرة للمرحوم الأستاذ عبد الكريم غلّاب الأديب و السياسي و الإنسان. و نقول بكل الصدق هنيئاً له و سلام عليه، و ليرحمه الله و يعوض المغرب فيه خيرا.إنتهى


_______________________________


تونس بين خصوصيتها و زوابع الربيع العربي

أمين مازن

16-8-2017

كل من يُقِرُّ تونس على ما تصف به تجربتها السياسية و تجلياتها في الإقتصاد و التنمية و الإجتماع بالخصوصية التونسية، لا يملك إلا أن يستغرب ما طرحه الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي من توجه و توجيه يعطي بواسطته الحق للمرأة التونسية في الزواج من غير المسلم و كذا التساوي مع الرجل في الميراث و غير ذلك من الحقوق التي نظمتها مجلة الأحوال الشخصية كما هو المصطلح الذي عرفته الدولة التونسية الحديثة و أمضاه مؤسسها في غير ما مرة الرئيس المؤسس الحبيب بورقيبة، في معرض تبنِّيه للمشروع التحديثي الذي يقوم على مبدأ إشراك هذا الجزء من المجتمع في المعركة التنموية بنسبة متساوية بين الرجل و المرأة، إنه التوجه الذي قيل فيه الكثير و ما يزال يُقال عنه و فيه أيضاً. و الإستغراب الذي نقول به لا يتعلق بالموضوع من حيث الصواب أو الخطأ، أي أن الإستغراب يتعلق بالتوقيت على وجه التحديد. إذ ما دامت تونس على موعد مع تنظيم الإنتخابات البلدية في الأشهر القادمة و لما يحملة مثل هذا المشروع من ترسيخ لفكرة اللامركزية، و ما يُنتظر عن الأخذ بها من توسيع الصلاحيات التي ستُمكن السُلَط الجهوية من تنفيذ المخططات التنموية القادرة على وضع حد للبيروقراطية و لما تعانيه عديد المناطق من سطوة التهميش و ما يدفع إليه من مشاعر المرارة و ما تسبب فيه من إيجاد البيئات الحاضنة للتطرف و تجلياته المتمثلة في ظاهرة العنف التي تُلاحظ في أكثر من مدينة و ينتج عنها الإخلال بالأمن في غير ما مرة ما يفرض إعطاء الأولوية لهذا التوجه و ليس إدخال ما يربكه من المستجدات كانت الحكمة تقتضي أن تبقى الجماهير التونسية منصرفة إلى هذه التجربة الجديدة، لتضمن لها الإقبال المطلوب، و التنافس البناء، خاصة و أن بعض الأحزاب السياسية لم ترحب بهذا التوجه إذ رأت فيه ربما ما قد يقلل من هيمنتها و توالي إملاءاتها التي كثيراً ما تضحي بالقدرات الشخصية أمام الإنضباط الحزبي، في حين أن الخدمات البلدية في أحيان كثيرة تحتاج إلى نوع من التأهيل و الدُربَة التي لا تتوفر في الكثير من المندمجين في العمل الحزبي، مما يجعل من الزج بمثل هذا الموضوع الخلافي إضراراً بمثل هذا الإستحقاق على الوجه الأكمل إذ يستحيل على الذين سينخرطون في الجدل المتعلق بالمساواة في الميراث و حق الزواج بغير المسلم و أي نقاط أخرى ما تزال موجودة في مجلة الأحوال الشخصية أن يعطوا للإنتخابات البلدية ما هي في حاجةٍ إليه من الإهتمام، فحين يتعلق الأمر بالأصول يكون حظ الفروع أقل بكثير، اللهم إلا إذا كان الهدف متعلقاً بما يُشاع في أوساط تونسية كثيرة من أن تحالف نداء تونس مع حركة النهضة قد تم لصالح ما توصف به النهضة من الهوى السلَفي، و ليس ما عدل عليه النداء من مبدأ قطع الطريق عليها، حين طُرِحَ النداء كحزب و تقدم السيد الباجي لرئاسة تونس وحقق ما حقق من الأغلبية، بمعنى إثارة الأمور المتعلقة بالمساواة تزامناً مع عيد المرأة و من موقع المشاركة في التنمية تجئ بدافع الأولوية الحزبية التي تجعل من إنتخابات البلديات القادمة من الأمور الثانوية، غير أن البلد الذي عرف إتفاق الشيخين من أجل تونس و أثار من الإستغراب ما لم يخطر ببال الكثيرين، قد يجعل الإستغراب الذي أشرنا إليه من قليل في غير محله، فلتونس من الخصوصية ما يجعلها أقدر على تجنّب أي فخ يتوهم أعداؤها أن يضعوه في طريقها و الزج بها أمام زوابع الربيع العربي.  إنتهى

_______________________________

روسيا تتحرك.. و تَعساً لمن يُخطئ التقدير

أمين مازن

13-8-2017


أصبح في حكم المؤكد أن روسيا بدعوتها التي نفّذت فعلاً و الأخرى المُنتظرة للسيدين حفتر و السراج ستضاعف هي الأخرى دورها في الأزمة الليبية، و التي يؤكد أكثر من مراقب أنها ما تزال المجال الأوسع للصراع المحتدم حولها من ناحية، و الكفيل بإبرام عديد المقايضات بغيرها من ناحية أخرى. و هو دور يكتسب مشروعيته و جدواه من علاقة روسيا بليبيا التي إستقلت إثر الحرب الكونية الثانية و التي كانت روسيا أحد الرابحين فيها ضمن معسكر الحلفاء، ليضمر بعد ذلك في فترة النظام الملكي و يكتسب فاعلية مختلفة طوال عهد الفاتح من سبتمبر، و الذي حقق الكثير من أسباب إستمراره بواسطة التوازن مع تلك القوة، و هو توازن يخطئ كل من يقلل من جدواه أو من إمكانية تفعيله عل ضوء المستجدات التي قد تحدث، حالة وجود سلطة تعطي الأهمية لإحتياجات الناس أولاً و ضغوط المحيط ثانياً، و الذي شهد شيئاً من الإنزلاق، حين وقع التعويل على الجانب الإيطالي تحت مبرر مقاومة الهجرة غير الشرعية، و التي لم تكن من الناحية العملية تزيد على المحاولة الساذجة لإتخاذ ليبيا مكبّاً لهؤلاء القادمين بتجارة البشر، و مافيات التهريب التي لا يزعجها شيء أكثر من وجود سلطة ليبية موحدة، تعطي الأولوية لإحتياجات المواطنين من أمن و غذاء و سلطة مركزية مُهابة، و تشي بالمعاصرة، و ترفض بالضرورة كل أشكال السكونية، تلك التي تضيق بها أعداد غير قليلة من الليبيين التي تنشط في جلساتها الخاصة، المقارنة بين ما حلم به الناس في مطلع الربيع العربي و ما صدمهم بعد ذلك من الزوابع التي طالت حياتهم، و أوجدت فوارق معيشية لم يحلموا بها يوماً، ذلك يعني أن روسيا حين تشرع في سلسلة إتصالاتها الجديدة، فإن على كل من يراقب الموقف أن يضع في حساباته مثل هذه المحطات، أخذاً في الإعتبار الأعداد الكبيرة من العسكريين الذين أكملوا دراستهم و تدريباتهم هناك، و يتجرّع الكثير منهم كؤوس المرارة جرّاء الروح العدوانية التي إستهدفت مؤسسات الدولة على كل الصُعد و لا سيما الصعيد العسكري حيث الأعداد الكبيرة من المواطنين الذين لا يخفون ضيقهم مما لحقهم من الإذلال و الإهانة، و يخطئ كل من يتجاهل إستعدادهم القوي للثأر ما لحقهم من صنوف الأذى و الذين تسببوا فيه أيضاً، بمعنى أن روسيا حين تشرع في حراكها هذا فإن على كل من يتطلّع لتقدير فاعليتها أن يستدعي كل هذه المعطيات، كما لا بد أن يتدبّر الموقف الحازم الذي أولته منذ سنوات للأزمة السورية، حين تأكد لها أن مصلحتها مع بقاء النظام قبل أي شيءٍ أخر، خاصة مع وجود التناغم غير العادي بينها و بين الرئيس الفرنسي و الأمريكي، و ما عساه قد يكون ضايق الرئيس الفرنسي تحديداً من التوجه المنفرد الذي أقدم عليه السراج تجاه إيطاليا، و ما ترتّب عليه من لغط و ما أثاره من الإستهجان و حتى الإتهام، أما إذا أضفنا حبل الود القوي الذي يربط بين شرقنا و غربنا مع روسيا هذه، إلى جانب فرنسا، فإن التحرك الروسي اليوم و الذي سبق أن تناولناه، يبدو اليوم أقرب فاعلية مما سواه خاصة و أن ضغوطاً قوية تُمارس على مصادر التمويل و حتى الإتصال لقوى سياسية كثيرة ليس خارجها الساحة الليبية، و ما يُنفق عليها و منها، مما لن يكون خافياً على "الكى جى بي" و من في حجمها من أجهزة إستخبارات العالم، و ما يمكنها أن تُقدِم عليه من خطوات مباغتة، و تَعساً لمن يُخطئ التقدير .إنتهى

___________________________


لا سيادة ولا وطن مع التهريب

أمين مازن

7-8-2017

ليس ما تتعرض إليه البلاد من حملات، عدوانية تخريبية تطال الأمن والثروة وتهدد في نهاية الأمر ، الوجود بالكامل من الأمور الخافية ، بقدر ماهي ملموسة وشديدة الوضوح ، فتهريب النفط كما تنشر وسائل الإعلام المختلفة يتم في العلن والسر ، وموارده المالية تتجلى في مواقف مختلف الأطراف الشريكة ، وهي تستمر في أنشطتها المعادية أو مواقفها المتعنتة ، دونما تأثر بأي صعوبات مالية من المفترض أن تشكل ضغطاً من الضغوط ، وتفضى إلى شئ من الليونة المعقولة لو كانت الأمور عادية وإلا تجار بالبشر والمخدرات ومثل ذلك الأسلحة هو الآخر يُدرَك ويُدرِك أسراره ومن ثم إثارة جميع المنخرطين في الأزمة الليبية على أي مستوى من المستويات ، ذلك أن ليبيا وعلى مدى السنوات التي تلت السابع عشر من فبرايرو ما شهدته من أعمال عسكرية ، ومنذ أن تخلى عنها الحلف الأطلسي وتركها عن قصد أو بدون قصد للفوضى العارمة التي قاومت بكل القوة فكرة قيام الدولة حين نجحت في الحيلولة دون تخلي الجماعات المسحلة عن الإمساك بأسلحتها ومانتج عن ذلك من شعور كل مجموعة بأنها تمثل جيشا لوحدها ومن السهل على الغير والمفيد لها هي أن تسهم في تحقيق أي أجندة من الأجندات بحيث لم يمر قليل وقت حتى تحولت البلاد إلى سوق يُصدرُ منه ويورَدُ إليه أيضا كل مايضر بالمواطن الليبي في عيشه وأمنه ، حاضره ومستقبله ، فإن حصلت جريمة قيدت ضد مجهول وأن خطف ماخطف كانت الفدية المالية محددة القيمة ولا مجال للمفاصلة فيها ، وإن حلم مسئول من المسئولين بتحري الأصول في ما كُلِّفَ به كان الإقصاء من موقعه أخف مايمكن أن يطاله، وقد صار الخروج من هذا المأزق إعتماداً على القدرات المحلية من رابع المستحيلات ، وهكذا لم يعد الليبي يُرى إلا وهو واقف أمام المصرف عسى أن يخرج بما لا يتجاوز الخمسمائة جنيه والتي هي في الحقيقة لا تزيد عن ستين دولار أمريكي ، يحار هل يسدد ثمن الدواء أو الوقود أو المواد الغذائية ، أما اللحوم والفواكه فعليه أن بنتظر الجنة الموعودة. يحدث ذلك كله وليبيا تحت الفصل السابع من قانون الأمم المتحدة وتحضر قراراتها اي الهيئة الدولية إستيراد السلاح ، وتوجد بها بعثة تسمى بعثة الدعم يرأسها مندوب يُسمى ممثل الأمين العام تداول على القيام به أكثر من شخصية أوروبية وأخرى عربية ، وتعقد الإجتماعات المتعلقة بها من مؤتمرات دولية ومجالس محلية وهيئات تصالحية في عديد من العواصم ولاسيما تونس التي تكاد تكون العاصمة حيث يقيم بها العضو المكلف بالشؤون المالية فيصدر مايتراءى له من الأوامر أحياناً ويعلن أنه مقاطع مرات أخرى ، إنه وغيره من المقاطعين يُذكّروننا بنواب المعارضة 1960 الذين عارضوا جلسات النواب في البيضاء ثم إتخذوا من الجلسة الخاصة بإستقلال الجزائر مناسبه للإلتحاق ، فأستلموا جميع مستحقاتهم عن فترة المقاطعة اللهم الا الرجل المتفرد عبدالعزيز الزقلعي كما شهد بذلك سكرتير عام المجلس في ذلك التاريخ خليفة التليسي ! ولمَّا كانت الأمم المتحدة والدول الأوروبية تحديداً ليس لها من شاغل سوا الهجرة غير الشرعية وتقترح أكثر من صيغة لوقفها ويُنسب إلى المجلس الرئاسي المقترح تواصلاً في الخصوص ويروى عنه تكذيب من جانب آخر ، فإن أوكد ماتحتاج إليه الأغلبية الساحقة من الشعب الليبي وربما تطلبه بقوة من رئيس المجلس المذكور وقبل الحديث عن المصالحة الوطنية أو الإنتخابات المبكرة، هو دعوة المختصين معه في الشرعية أوالمساويين له فيها.

ومن منطق إستحالة قدرة الليبين وحدهم على وقف حملات التهريب المتعددة للمال والسلاح والبشر أن يبحثوا معه إمكانية الإستعانة بإحدى الدول الكبرى ولتكن فرنسا تحديدا أو تحت راية الأمم المتحدة لفرض رقابة صارما ومسلحة في البحر والبر لمراقبة الحدود الجنوبية التي تدفع بألاف المهاجرين وتستقبل ملايين الأطنان من النفط والسلع ، والشئ نفسة بالنسبة للبحر شمالاً وتونس غرباً ومصر شرقاً ، وقد نقول السودان أيضاً ، فمن التهريب كل الشرور تأتي وبوقفهم توقف، أما المدافعون عن السيادة الوطنية فللأسف الشديد أن أكثر من يقولون به إنما يعيدون إنتاج القول المأثور ( كلمة حق يراد بها باطل ) .إنتهى

____________________________

تأخّرَ إدراج هذه السطور لأسباب فنية

و قد رأينا الإبقاء عليها الآن للأرشيف فقط

نعم لفرنسا ديغول – لا لإيطاليا برلسكوني

أمين مازن

28-7-2017

سواء نجح اللقاء الذي سيلتأم هذا اليوم بالعاصمة الفرنسية باريس ، بين السيدين فائز السراج بما يمثله من صفة معترف بها دولية وكونه من الأساس نتاج الإنتخابات النيابية التي أدخلت المستشار عقيلة صالح من حيث الصفة الإعتبارية من ناحية والمظلة الإجتماعية المتمثلة في قبيلة العبيدات خاصة والحرابي وقد نقول برقة بصفة عامة ، وخليفة حفتر بما يمثله من خلفية عسكرية ذات حضور غير بسيط في مؤسسة الجيش ، أيّاً كانت الملابسات المحيطة، ومظلة إجتماعية قوامها الفرجان بما يمثلونه من حضور في أكثر من مكان في الوطن الليبي ، أو كان الإخفاق هو البديل ، فإن القول بأن ما جرى يمثل خطوة مشجعة في حل المعضلة الليبية . ولن يكون مبالغاً من قد يعلق عليها شيئاً من الأمل ، وينتظر بعدها من ثم بعض النتائج المختلفة عن سابقها. وتعليل ذلك ما لدى الجانب الفرنسي من الأوراق الكفيلة بدفع الأطراف المتصارعة نحو الحد الأدنى من المشترك ، ولا سيما ما يتعلق بالاستحقاقات الدولية. ذلك أن فرنسا التي كانت بين الدول الأربعة الكبرى التي هزمت المحور في الحرب الكونية الثانية ، هي واحدة من الدول التي أقرت إعطاء ليبيا إستقلالها وساهمت في تحمل إحتياجاتها المالية والفنية ،بإعتبارها طردت إيطاليا الفاشية من فزان التي تمثل المساحة الأكبر من ليبيا . كما شاركت في كثير من الخطوات التحضيرية والمشورات الضرورية ، وأبرمت في النهاية كل الإتفاقيات المتعلقة بالحدود الخاصة بالدولة الوليدة، حين نابت عن جميع دول الحدود مع حكومة ليبيا المستقلة، وفضلاً عن ذلك فهي تتمتع بأوثق العلاقات مع دول الحدود الجنوبية حيث الطوفان البشري من المهاجرين غير الشرعيين ، إن وهم يملئون ليبيا في طريقهم إلى الشمال وإنتشارهم علي النحو الذي يمثل عديد الأعباء أو وهم يتخذون من الجنوب موطناً يخل بالبنية الديمغرافية ، ويوفر أكبر الفرص لجميع أنواع الشرور المهددة للكيان الليبي، مما يجعل الإستعانة بفرنسا هذه في حل الكثير من المشكلات والإصغاء لكل ماقد تنصح به. وإعطاءها من ثم، شيئا من الأفضلية من التعاون، يدخل ضمن مايدخل في عداد النفس بإمتياز . فإذا ماوضعنا في الإعتبار إن التحرك الفرنسي هذا قد جاء في عقب آخر إنتخابات رئاسية لفرنسا جاءت بهذا الرئيس الشاب صاحب المبادرة، إلى جانب الولايات المتحدة الأمريكية برئاسة الرئيس الجمهوري صاحبة النصيب الأكبر في القرارات الدولية المصيرية وأن الرئيسين ومنذ إستلامهما مسؤولية الرئاستين ، كان الملف الليبي على رأس أولوياتهما . فإن الدخول الفرنسي اليوم له الكثير من الشروط الواقعية وفرص النجاح ، سيما وإن نزع السلاح من المليشيات كما قيل على رأس الأولويات . فمن هذه البداية يمكن تحقيق الأمن الشخصي ، بعد ذلك الغذائي . إذ لولا السلاح ما إرتفعت الرواتب بهذا المستوى الخيالي للمحسوبين على العهد دون غيرهم، ولما إستمر تهريب الوقود والسلع نحو البلد وخارجه ولما نجح المخربون في تأجيل قيام الدولة ،وأخيراً تهريب البشر ، مما يجعل من كل محاولة تبذل قادرة على إشاعة الكثير من الأمل ، ولا سيما حين تكون المحاولة من دولة بحجم فرنسا التي تتوفر علي رأي عام يعرف دورها في أحداث 2011 ، حين تركت ليبيا تطفح في الفوضى والتدخل الرجعي غير المسؤوول . فرنسا التي أنجبت رجلا عظيما بجحم ديغول ، وليس إيطاليا التي أنجبت سمساراً مثل برلسكوني آخر مقبلين آيادي الحكام الرجال في العصر الحديث.

إذا جئتَ فامنحْ طرفَ عينيكَ غيرنا

أمين مازن

21-7-2017

القوى السياسية المُتنفّذة في الواقع الليبي، بما يُطبَّق فيه من سياسات متعددة الأوجه و النتائج، جهوداً إعلامية غير قليلة العدد و الأساليب، للإبقاء على الصورة السياسية القائلة بأن كل شيء في هذا الواقع على خير ما يُرام، و أن كل ما يحتدم بداخله من صراع، لم يتخلّ يوماً عن إستخدام السلاح، و ما يشهده كذلك من إنقسام مخجل في عديد السُلَط و المؤسسات، و ما ينتج عن ذلك كله من تدنٍ منقطع النظير في الخدمات العامة، طالت أول من طالت الأغلبية الساحقة من الناس، في قوتهم و أمنهم و صحتهم، يمكن الإستمرار في تعليق مسئوليته دوماً على مشجب النظام السابق، و الذي توشك السنة السابعة التي تَلَت زواله على الإنتهاء، و أن ما شهدته هذه السنوات السبع العجاف من فادح الخسائر و أوقح الممارسات، لم يكن لها من عائد سوى فتح أبواب المقارنة على إتساعها بين العهدين، كما أن كل عودة من المقارنة حين يوجد المحاسب المُنصِف لن تكون في صالح الحاضر و إن إمتلك الأغلبية في الإحصاء. و قد كان آخر هذه الجهود الإعلامية اللافتة تلك التي شكلت موضوع الحوار المُتلفز الذي بثّته بتاريخ الرابع عشر من يوليو أشهر الفضائيات مراعاة للموقف المحسوب خبراً و تعليقاً و مشاركين، حول ما تردد عن تغيّر الموقف الأمريكي من الصراع الداير في ليبيا، على ضوء ما يجري في المنطقة، حين حرصت الفضائية المشار إليها على طرح الصراع المحتدم و التطور الذي قد يطرأ، هو صراع بين غرب الوطن و شرقه، و أن ثمّة من يُحضِّر لهذه الخطوة و فاتح بشأنها الجانب الأمريكي، و الذي لم يتردد في التحذير منها كما ذكر بعض المشاركين في الحوار، و ذهب البعض الآخر إلى القول بوجود معلومات محددة لديه و أسماء بعينها فُوتِحَت في هذا الشأن و أخرى أُوفدت في الخصوص، و في ذلك كله ما فيه من الحنكة و المهارة التي سَتُظهِر هذا المتحدث على هيئة المُطّلع عما يجري هناك من فعل و رد للفعل ستكون محصلته إعطاء المكانة المميزة لصاحب هذا الرأي بل و من يشاركه الحوار أيضاً كلما جد جديد يستوجب أخذ المشورة و إستطلاع أصحاب الدراية، و من سيكون صاحب الدراية و الأولى بالمشورة أكثر من مع مشاهير أمريكا، أحاديثه و بمدنها سُكناه و مقيله و مما لا شك فيه أن القائلين بهذا الرأي و الحريصين على بثّه و إقناع الآخرين به و هم يمارسون لعبة الخلط بين الأمنيات و الآراء و الشائعة و الحقيقة إنما يؤسسون للإبقاء على القراءات السطحية للأحداث و الممارسات التي لا مردود من ورائها سوى الكسب الشخصي الناتج عن العبث بالمسئولية و الإستخفاف بالأمانة مما لن يكون له من عائد سوى إزدياد السخط العام و الدفع بكل مغامر من المغامرين كي يعمل على الوصول للسلطة حالة ما إذا كان بعيداً عنها أو تعويق أي محاولة إصلاحية إذا كانت ستُفقِده ما تحصّل عليه، لا فرق أن يكون ذلك عن طريق صناديق الإقتراع التي جُرِّبت ثلاث مرات و جاءت بهذه الأعداد المهولة من "الممثلين" المختلفين في كل شيء سوى بقائهم في المشهد و تصدرهم إياه من موقع المشاركة مرة و بإسم المقاطعة مرات أخرى، و الشيء نفسه بالنسبة للمجالس الثلاث و الحكومات الثلاث و قل ما شئت من الثلاثات التي لا يسأم أعضاؤها الطواف بالكرة الأرضية و لا يتحرّجون من عقد لقاءاتهم التوفيقية في جميع مدن العالم، اللهم إلا أحد الشواطئ الليبية الذي يمكن بواسطته لو خلصت النوايا و قطع دابر الإستغلال أن يتم إستئجار أحد الفنادق العائمة الصالحة لإستضافة أي إجتماع و برقابة أمنية دولية تحول دون أي ضغط من الضغوط و لكن السباق في ليبيا لا وجهة له سوى وجهة المصلحة للذات أولاً و من حولها ثانياً، و يكفي أن عجز بند المرتبات حسب بيان السيد الصديق الكبير بلغ خمس مليارات، فمثل هذه المعلومة أبلغ حُجّة على تردِّي الأوضاع الليبية و حاجتها الماسة لأي بديل كثيراً ما تُمليه التقاليد الأمريكية، تلك التي تُعوِّل على العسكريين عندما يعجز المدنيون عن المعالجة المطلوبة فيتركون الحبل على الغارب و يقصرون المساهمة بالحد الأدنى ألا و هو البداية بمن يرون في أنفسهم القدوة الحسنة اللهم إلا التنازل عن قدر من مداخيلهم الخيالية و إستغلالهم لكل ما تحت أيديهم من صلاحيات لإفادة محاسيبهم على مرأى و مسمع من الجميع على النحو الذي لا يدخل أحد شبكات التواصل الإجتماعي إلا و يقرأ ما يصم الأذان و من ثم يسخر من كل من راهن على تعطيل الصحافة لإخفاء حجم الإنحرافات عن الناس كي لا تكون مثار سخريتهم و مبعث إزدرائهم و تحفيزهم لأي هزة ما لم تسبق الحلحلة.

و أخيراً.. فإذا كان ما يسوقه البعض بشأن الموقف الأمريكي، يتعلق على نحوٍ ما بما يمكن أن نطلق عليه شبح البديل العسكري الذي الذي قد يؤول إليه أمر البلاد فيأتي تسويقهم هذا مزيجاً من الرأي و التمني، و هو ما يصفه بعض الأجانب بالحالة المرضية، فإن الذي لا مناص من ضرورة مراعاته هو أن البديل العسكري الذي يخشاه الكثيرون من حيث المبدأ، و قد نشاركهم ذلك بينما ينزعج منه أخرون لما يحمله من تهديد لمغانمهم و إنهاء لسلطانهم، إنما يكتسب مشروعيته من تراكم الأخطاء و إستشراء الفساد و عجز الإدارة عن القيام بأي إصلاح من الإصلاحات، كما أن القوى الدولية و في مقدمتها أمريكا التي كثيراً ما تلجأ إليه لمصلحتها من ناحية و للحيلولة دون حكم القوى المتطرفة من ناحية أخرى، و هي في لجوئها هذا لا تراهن على إسم بعينه فقانون اللعبة في عالم الإنقلابات يقوم على فكرة الفريق الكامل، و وفق خطة تسمح بالسباق بين عديد الفرقاء و الأوفر حظاً هو الذي يُمهَّد أمامه الطريق فيما يكون التنفيذ من أقصر الطرق و كثيراً ما يكون المطلوب هو الذي لا تتجه إليه الأنضار و العكس صحيح، و تبقى الأعداد الضخمة من الضباط و ضباط الصف إلى جانب الأفراد الذين تعج بهم مدن و قرى غرب البلاد، خير من يمكنه تحقيق المطلوب حين تقرر أمريكا أو غير أمريكا الذهاب إلى هذا الخيار، أما نصيحتها لمن تحب فإنها كما قال الشاعر القديم

إذا جئتَ فامنحْ طرفَ عينيكَ غيرنا ** لِكَيْ يَحْسِبوا أَنَّ الهَوَى حَيْثُ تَنْظُرُ

التواصل يرتق التقاطع

أمين مازن

15-7-2017

تقاطع ثلاثاء هذا الشهر الذي إتخذَ منه أصدقاء دار الفقيه حسن موعداً للقائهم الشهري المُكرَّس للشأن الثقافي لما يقرب من السنتين، مع إلتزام إجتماعي لم يكن لديّ بُد من إعطائه الأولوية، ليس فقط لطبيعته المُتَمثّلة في عقد قران الداعيين و إنما لكونهما من أسرة الثقافة و المُسهِمين فيها لفترة تراوحت بين العقد و العقود. إن تكن الكتابة الصحفية التي إستمرت في صحيفة الجماهيرية سنواتٍ عشر، فإن رفقة فبراير التي دامت سنواتٍ ثلاثة قبل أن تُفلح ِِِبعض الأطراف في وأدها و الظفر بمقدراتها ليبقى بعد ذلك مكانها شاغراً لذوي المشاريع الخاصة و الإمكانات الخاصة، و قد كانت الصحفية و الإدارية النشطة فتحية الجديدي أحد شريكي المناسبة التي فرضت الغياب عن بيت الفقيه حسن، بما أثبتته من الجدارة منذ الشهر الأول من العام 2001 عندما أفلح العزيز منصور الأحرش في إعطائي مساحة يوم الثلاثاء التي شَغَرَت برحيل الشاعر علي الفزاني و الذي يعود إنتظامه بالصحيفة إلى الفترة التي إضطلع فيها برئاسة التحرير الدكتور محمد أوريث و أحسن رعايتها بعد ذلك خليفته الأستاذ عبد الرزاق الداهش، فهذه الرحلة التي دامت سنواتٍ عشر لم أتخلّف عن النشر فيها إلا بما لا يتجاوز أصابع اليدين، و لم تتوقف إلا ببداية أحداث فبراير 2011 و ما كان لها أن تستمر لولا حرص هؤلاء المُسيرين و ما يولونه من الإهتمام و قد مكّنَتْ عديد المتابعين أن يقرأوا ما تَيَسّرَ نشره حتى و هم خلف الجدران، كما ذُكر لي في أول إحتفال بعيد الإستقلال أُقيم بقصر الخُلد و كان من بين حضوره السيد عبد الحكيم بلحاج و هو يخاطب من عرَّفَ بيننا بأن المقال الوحيد الذي كان يقرأه و هو داخل السجن، هو مقال كاتب هذه السطور، مجاملة رصدتها في حينها و ربما توقعت بشأنها ما توقعت على أنها إنتهت حيثُ هي، خفف منها بدون شك أمثال الإخوة -مع حفظ الألقاب- صهد و هابيل و حبيب، و لن أذكر المرحوم المسماري فالصلة معه تختلف مع هؤلاء جميعاً و مبادراته تفوق في عمليتها من سواه، أما شريك الغياب عن منشط الفقيه حسن المسرحي و الأكاديمي المعروف حسن قرفال فمجال الحديث عن المشترك مجاله بدون شك يخرج من هذا المقام، و يكفي أن الدقائق التي قضيناها في إنتظار المأذون أتاحت لنا الحديث في عديد المواجع الفكرية و الذكريات المتعلقة بما شهدته البلاد من مختلف التجاوزات التي طالت الناس في حياتهم و أملاكهم و منهم من بادر بإفتكاك حقه بيده لمجرد أن سقط النظام و ثمة من إستعان بالمسلحين الذين سخّرَهم بهذه الطريقة أو تلك، و ثمة من آثر الإنتظار أملاً في قيام دولة القانون، فربح من ربح و خسر من خسر، و تلك دائماً طبيعة الحياة

كنت على علم أن موعد دار الفقيه حسن سيكون موضوعه بعض الكتابات الشعرية الشابة التي تنادى لإنجازها أكثر من شاعر شاب و آخر مسكون بتحفيز الآخرين و إذ أُضطررت كما سبق و قلت للتخلّف حاولت أن أُعوض بحضور أمسية الكيب و كانت معلوماتي أن الأمسية ستكون لمطولات الشاعر عبد المولى البغدادي، لولا أن المفاجأة تمثلت في إعادة عديد النصوص التي أُلقيت في مساء دار الفقيه حسن بالنظر إلى وجود معظم الأسماء أو لحضور السيد الكيب أو لأي إحتمال آخر

إلا أن هذه الوضعية جعلت الأمسية مُكتظة، و هي و إن مكنت شاعراً واضح الإجادة "أحمد الفاخري" من إلقاء نص شديد الإتقان و يدفعك كمستمع أن تطلب المزيد لولا أن "تكاثرت الضباء على خراش" كما يقولون. و كان أن أُضطر البغدادي إلى الإختصار و في ذلك ما فيه من الإضرار بما هيأ المستمع نفسه للإستماع إليه من هذا النوع من الشعر القائم على التأمّل و التعليق و الهم الوطني و القومي، حيث لا يحتكم المُتلَقِّي لأحكامه النقدية و رأيه في معنى الشعر و نوعيته و إنما الحرص على الإستمتاع بسلامة اللغة التي شارك فيها القادم من غاث "الدكتور على عبد الحميد" برواية بعض ما إستظهره من قصايد البغدادي عن مدينة غاث بمناسبة دورة من دورات مهرجانها كان قد دُعِى إليها و لبَّى الدعوة، فقد كانت قصيدة من قصايد شعر المناسبات الذي يتكي على التاريخ و يصلح لتربية الناشئة كي يستظهروا أحداث التاريخ و وصف مدنهم الخالدة كما فعل الكثير من شعراء الفصحى الذين نُشِرت أشعارهم في مناهج الدراسة و كان المفروض أن نكون مثلهم لولا أن مثل هذه القاعدة لم تكن ضمن ما إعتمدنا و نحن نضع مناهج الدراسة فكان أن فرّطنا في أصوب الأساليب التربوية لتوجيه ناشئتنا الذين طالما نشأوا منفصلين عن الكثير من محطات تاريخنا و ذكريات مُدننا ليس لأن السلطة لم تُوُلي هذه الأسس ما تستحق و إنما  لأن المتعاطين مع إنتاج النص لم يُولوا هذا الأمر ما يستحقه من العناية و إعلاء المنزلة كما فعل أشقاؤنا في مشرق الوطن العربي و مغربه، إذ كان لهم إحتفاؤهم بتاريخهم و أحداث بلدانهم بواسطة النص الأدبي، و قد زاد عليهم بعض بلدان المغرب الإهتمام الجِدِّي بالتراث و عيونه كما هو الحال في تونس إذ كان بعض المبدعين التراثيين حضورهم القوي كما هو الحال لأبي حيان التوحيدي، الذي أسكنه التربوي الكبير محمود المسعدي وجدان الناشئة التونسية مع الصفوف الأولى، فتحقق لهم ذلك التوازن غير العادي في سلامة النطق حيث يندُر أن تجد طالباً تونسياً ضعيف في النحو"فيجر بقال و يفعل بعلى" كما يقول أهلنا في معرض نقدهم لمن لا يُحسن الحديث الفصيح.

و عودة على تقاطع المواعيد التي حتّمت الغياب عن دار الفقيه، فإن العامل الإجتماعي ما كان له أن يكون لولا تواصل الكلمة الذي دام هذا الزمن الذي فصلته و كانت ثمرته هذه الكتابات الموثقة في الموقع و الصفحة و قبل ذلك و بعد سجل الوطن و ثقافته، و التعاطي مع أحداثه و رموزه و مختلف أجياله، و الأدب الملتزم بقضياه ماضياً و حاضراً و مستقبلاً. و أخيراً التواصل يرتق التقاطع ِ


___________________________

أول الغيث و أول الإبتلاء


أمين مازن

10-7-2017


لا يمكن لكل من يرقب التوتر الذي حلّ بمنطقة الخليج العربي الناتج عن رفض السلطات القطرية لقائمة الطلبات الثلاثة عشر التي حددتها السعودية و الإمارات العربية و البحرين، إلى جانب مصر، حول ما تراه ضرورياً لوقف ما أُعتُبِر مهدداً لأمن الدول المذكورة، و لا مَفرّ من المسارعة بتلبيته من جانب قطر، حالة ما إذا كانت قطر راغبة في تجنّب ما شُرع في تطبيقه من إجراءات رآى المخالفون أنها رادعة إذ بدأت من الإقتصاد و قد تصل إلى طردها -أي قطر- من مجلس التعاون الخليجي و ربما أكثر من ذلك، إلا أن يستشعر المخاطر الكبيرة التي تُنذِر بأوخم العواقب على أمن و إستقرار المنطقة بالكامل. ذلك أن هذا الموقف و إن يكن قد حَملَ أختام الدول الأربعة التي أعلنته إلا أنه أُحِيط بموافقة غير عادية من المجتمع الدولي، اللهم إلا إيران و تركيا اللتين لا تخفيان إنحيازهما الدائم لقطر، لما للمشترك المصلحي من تأثير على المواقف، و بالأحرى تشكيل التحالفات، و من ثم المستهدفات، ذلك أن بعد أن لاحَ في الأفق ما يؤكد أن ما خططته القوى الكبرى من السيناريوهات المتعلقة بمستقبل المنطقة لحقب قادمة، و كان للإتجاهات الأيديولوجية المتطرفة دورها في هذه اللعبة معولة إلى حد كبير على الدعم القطري و حليفه التركي في أكثر من ساحة و قد كان أبرزها شق الصف الفلسطيني، و توظيف بعض رموزه في اللعبة الإعلامية تحديداً، و إشعال الحروب في الجزيرة العربية لأكثر من دافع و مبرر، لم يعد كما كان عليه في الماضي إذ تعين على ما يبدو الإجهاز على هذه القوى فصار ضرورياً تجفيف المنابع المالية التي طالما كان لقطر دورها المؤثر إزاءها. و كذلك الحد من الأذرع الإعلامية و على رأسها الفضائية التي كان لها من التحريض القوي ما أثار حنق الأعداء قبل الأصدقاء فتعين العمل على وقف أذاها بتعديل النهج أو إسكات الصوت بالمرة، فقد وفرت هذه الأذرع أوسع المساحات لمن أُعتبروا على رأس من أُعتبروا موصوفين بالتطرّف بل المعوقين لعديد التسويات السياسية، الأمر الذي لم يحرص على إستمراره و عدم المساس به سوى الأتراك و ملالي إيران، أولئك الذين كلفتهم الدوحة عديد الإلتزامات المالية، إستضافة سخية، و حدباً منقطع النظير، مما لم يكن مبعث رضا في عديد الساحات، تلك التي رأى الكثير من أهلها في هذه المواقف دعماً للتدخل في شؤونها الداخلية و ثوابتها الوطنية، فلم تُخف إستياءها و بالغ سخطها و قد ظاهرها على ذلك أكثر من طرف دولي طالما إتخذ ما وُصِف بمحاربة التطرّف و الإرهاب شعارات تُطرح و إجراءات تُنفذ و دعوات لا تعرف التوقف، و ليس من المستبعد أن تشمل أكثر من سلطة و إن فضلت أن تبدأ بقطر. و الأمر جد عادي عند التدبّر المُنصف، فما من دولة من الدول ظهر لها من سياسة أخرى ما هدد أمنها و شروط إستقرارها إلا و سارعت من باب الدفاع عن الذات بإنتهاج أحزم السياسات إصراراً على درء المخاطر فتبدأ من الإحتجاج و تصل في النهاية إلى التحرّك العملي و الذي قد يشمل العسكري الذي كثيراً ما يعجز الذين يوقدون شرارته الأولى عن تقدير مدى نيرانه. من هنا فإن ما طُلب إلى قطر أن تقوم به من خطوات بإعتبارها متصلة بأمن المختلفين معها، و إصرارها على رفض ذلك بحجة المساس بالسيادة الوطنية، ما لم يجنح الجميع إلى الواقعية و تقدير المصالح الأكبر، فإن خطر الإنجرار إلى أي عمل عسكري لن يستطيع أحد التحكم في عواقبه، ذلك أن الإستراتيجية الرامية إلى إشعال الحروب المحدودة و بعيداً عن الشعوب الممسكة بمفاتيح العالم تعتبر على رأس الخيارات، كتقليم أظافر إيران بضربة لا تسمح لها بأي رد و جر تركيا إلى صراع أكبر يبدو هو الأخر كبير الإحتمال، أما إشغال الأربعة المناوئين لقطر المُتذمرين من مواقفها و القوى المتحالفة معها أو المؤتمرة بأمرها داخل الدولة المشار إليها في المزيد من الحروب التي لم تكفها حرب اليمن فهو أيضا قد يكون أكثر إلحاحاً، و في ذلك كله ما سيضاعف الخسارة و يبرر التدخل و يعوق قطار التنمية إن كانت تحتاج إلى التعويق، و لا شك فإن الصلَف الإيراني قد يتكفل بذلك خاصة و أن قطار المعارضة قد تحرك من فرنسا، تماماً مثلما إنطلق ليأتي بالملالي قبل ثلاثين سنة و يُطيح بالشاه في أكثر الحركات دراماتيكية، و تأثيراً. صحيح إن مستوى الوعي هنا أو هناك قد يفرض في نهاية المطاف الجنوح إلى السلم و الإنصياع لصوت العقل الذي يؤكد ان كل تضحية تجنب الإصطدام المسلح مهما كانت مؤلمة بالنسبة لمن يقبل بها فإنها تفوق في مردودها آلام الحرب، لأنها الخيار الأكثر إستحالة في تقدير مداها و فترات بقائها، و تبعات ما بعدها. و يكفي شاهداً ما نعانيه نحن الليبيون من شرور الأعمال العسكرية طوال السنوات التي تلت السابع عشر من فبراير، عندما إحتلت قطر الحيز الذي يفوق حجمها في الشأن الليبي، مؤيدة لهذا و مناوئة لذاك، فكان الإستمرار في الأعمال العسكرية و كان التشظّي الذي لم تكفه الحكومات الثلاث و لا العواصم العربية و الأوروبية التي لا تسأم إستقبال و توديع القائمين على هذه الحكومات و المؤتمرات التي لا ينتهي أحدها حتى ينبعث المؤتمر الآخر، و لا شيء في النهاية سوى مزيد من التشرذم و التكالب على المال العام و الجاه المُفتعل و السباق المحموم نحو الوجاهة و بالأحرى التفاهة

لقد سيطرت على الحياة العربية هذه الأيام حالة من التوتر الذي هدد أحوال السلم في الصميم، إنطلاقاً من المشكل القطري، الذي ذكرنا بأكثر من شكل مثل بداية من البدايات الحروب. و إذا كان العرب يقولون في أمثالهم القديمة أول الغيث قطرة، فسيقول المؤرخ المعاصر حين يرصد الأحداث العربية التي أثرت في سياساتها و ربما جرّت بعض ما يُسيء لا قدّر الله : أول الإبتلاء قطر. إنتهى


________________________________

أكبر من كوبلر و سلامة و من بعدهما

أمين مازن

4-7-2017


أنهى المندوب الدولي مارتن كوبلر مهمته المكلف بها من الأمم المتحدة في ليبيا، بعد أن توفّرت الموافقة على خلفه الأستاذ غسان سلامة، وزير الثقافة اللبناني السابق، و الذي وقع الإختيار عليه من الأمين العام للأمم المتحدة، حين تعذّرت الموافقة على المرشح قبله لهذه المهمة هو السياسي الفلسطيني الشهير سلام فياض، لإعتراض الولايات المتحدة الأمريكية التي رأت أن يكون المرشح لهذه المهمة ممثلا لدولة كاملة السيادة و ليس السلطة الفلسطينية التي لم تكتسب هذه الصفة بعد، أما الدافع الحقيقي فلا شك أنه يعود إلى شخص السيد سلام فياض ذاته إذ قد لا يكون صالحاً لهذه المهمة كما يريدها أن تكون أصحاب القرار الحقيقي في الموضوع الليبي. و قد تزامنت هذه الخطوة مع مرحلة أكثر تطوراً في المسألة الليبية، و إرتباطها القوي بالمعركة المحتدمة في الخليج العربي، بما تتعرض له قطر من الضغوط غير المسبوقة جرَّاء إنحيازها لبعض الجماعات المتشددة، أو هكذا تُوصَفْ، ذات النفوذ الملحوظ في ليبيا، و الذي إزداد عقب السابع عشر من فبراير 2011 عشية الإنتفاضة التي أسقطت نظام الفاتح من سبتمبر، تلك التي كان لقطر دورها غير العادي في تحديد توجهاتها التي طالت المنطقة بالكامل، و تبذل الآن ضغوط كبيرة، لتغيير الموقف منها، الأمر الذي ترفضه قطر تعويلاً على الحليفين الظاهرين تركيا و إيران، و من هم خلف الستار بالإدارة الأمريكية طبعاً، إنطلاقاً من القاعدة النحوية التي تشترط في إعراب المُضاف إليه إرتباطه بما يدل على الفعل أو رائحة الفعل، و الفعل دائماً أمريكي، كما أن رقعة الشطرنج و إن إعتمدت على القلاع إلا أنها لا تستغني عن البيادق مما يعني أن عمر أزمتنا لا يمكن إلا أن يمتد، كما أن الدور القطري قد لا يتأثر كثيراً، إذ حتى لو حدث ذلك فسيوجد البديل، و الذي لن يكون أقل سوءً، و قد يكون هو المطلوب، ففي إنعدام الشرعية، و الإصرار على إدعائها، و وجود مسئولين لم يزدهم بؤس الشعب و إحتياجه المخجل لكل شيء، سوى المزيد من التكالب على الرواتب الفلكية و المزايا المتناسلة و المهام التي لها أول و ليس لها آخر و التنافس المحموم على تعيين الأقارب و الأصهار بعد الأشقاء و الأبناء بالطبع في عديد المواقع و لا سيما السفارات و ملحقاتها و قُل ما شئت مما يُخترَع لإستمرار الصرف الذي بَحّت من التنديد به أصوات المراجعين الماليين و الإداريين و ذلك لأن وسائل الإعلام التي يُفترَض أن تتوقف أمام هذه السلبيات ليس لها من حديث سوى عن زمن ما قبل فبراير و ما شهده من بطولات مزعومة كما لو كان كل شيء بعد ذلك التاريخ نقي من كل شايبة، إنها الممارسات التي تتكفل بضمان الوصول إلى المصالح اليومية و لكنها لا ترتقي للشأن العام بأي مستوى من الستويات القمينة بالرصد، ففي واقع يسوده سوء الخدمات و إنعدام  الإحساس بالمسئولية إلى الحد الذي يعجز فيه المسئولون عن مساعدة الشركة العامة للكهرباء عن توزيع الأحمال التي تساعد على تسوية ساعات الإنقطاع فتعمد مدن بعينها إلى رفض القبول بأي توجيه، و كانت قبل ذلك إنفردت بالمضي في تنفيذ الكثير من السياسات التي جعلتها تبدو أكثر إزدهاراً من غيرها. و في زمن لا مكان فيه لتعميم سياسات التقشّف التي لا معدَى من أن تطال أصحاب الدخول الكبيرة يكون من المضحك أن ينتظر كاين من يكون أي جديد من تغيير مندوب دولي أو مجئ آخر بدله، إذ ليس غير ألطَاف الله يمكن إنتظار أي إنفراج، ذهب كوبلر أو جاء غسان، فنحن بكل المقاييس بالنسبة لأصحاب القرار الأكبر، أقل أهمية و أضعف دوراً و أقصر شكيمه من الخليج و تركيا و إيران. إنتهى


___________________________

لِلْبَيْتِ رَبٌّ يَحْمِيهِ

أمين مازن

22-6-2017


إستبدلت المملكة العربية السعودية الأمير محمد بن نايف بالأمير محمد سلمان فسَمّْت محمد سلمان ولياً للعهد و أناطت به كل ما كان من مشمولات محمد بن نايف الذي أُعْفِي من ولاية العهد أولاً و بقية المسئوليات السامية ثانياً، حريصة في الوقت ذاته على أن يكون محمد بن نايف أول المبايعين لولي العهد الجديد و الذي أُختِير من هيئة البيعة بما يشبه الإجماع، فجسّدت هذه الخطوة إجراءً حاسماً لا حرج من الجزم بضرورة الأخذ به، في هذه المرحلة التي يخوض فيها العرب أكثر من صراع مع مجموعة القوميات المجاورة في منافستها للعرب على أكثر من صعيد، بدعوى أن الإسلام الذي يُدين به أكثرها و عموم حكامها يبيح لها ما تخوض فيه من عنيف الصراع، فوجب على كل منشغل بالشأن العربي أن يبدي إرتياحه لهذه الخطوة، ليس لأن الأحوال هناك في الكامل على أحسن ما يرام، و إنما لأن ما يسود الحياة من عديد الإخفاقات هو قبل غيره ما يفرض البت في شرعية الحكم بما يسد الذرايع على كل من قد يتخذ من بعض الخلافات التي لا يخلو منها أي مجتمع و تتسلل من ثَم إلى البيت المالك فتعصف بالبلد كَكُل. و لا سيما في هذا الزمن الذي ليس فيه من رهان أكثر من تبرير الهدم، مثل الصراع الفكري المزعوم، حيث إدعاء الحرص على المحافظة فيما يكون الهدف الأكبر هو المزيد من الجمود و مقاومة كل نزوع نحو التطرف بمقاومة التغيير بحجة الحرص على الأصول، في الوقت الذي تجمع أكثر النظريات صواباً أن الناس خُلِقوا لعصرهم و أن كل سعي لإبقائهم رهيني ماضيهم سيُفضي بإزاحتهم نهائياً مع ذلك الماضي، إذ لا مجال لوقف عجلة التطور و حضر الإفادة من منجزات العالم، العالم الذي يختلف حتى القطيعة مع ذلك التراث الذي تركه مؤسس العرش السعودي و موحد المملكة و مطور أسرتها الحاكمة من مشيخة دينية إلى سلطة تزيح الطموح الهاشمي جنباً إلى جنب مع الإرث العثماني و دولة تستعين بخيرة الخبرات العربية و ترفع راية يتوسطها السيف و ما يحمله من الدلالات في العصر الذي ألغى فيه أتاتورك الخلافة، لتبقى بعد ذلك التاريخ كل هذه المراحل في ذُرية الملك المؤسس الأكبر فالأكبر في شيء من الخصوصية التي أنجزت الكثير حتى إذا ما أكدت جميع المتغيرات أن الزمن لم يعد ملائماً للإبقاء على أولئك الأبناء أن يبقوا حيث هم، كان لابد للأحفاد أن يبادروا بما يحمله الزمن في طياته من الإملاءات، فجاءت هذه الصيغة التي حققت هذه النقلة اللافتة على هذا القدر من السلاسة و الإحكام و المراعاة الملحوظة للكثير مما تزخر به التقاليد السعودية من أهمية الأجواء الروحانية، عند إتخاذ القرارات المصيرية، و هذا الحرص اللافت على خصيصة السمع و الطاعة دون التخلي عما تستوجبه واجبات إحترام الصغير للكبير، فليس أمام كل من يتابع ما يجري في هذا الوطن الذي تتكالب عليه القوى إلا أن يبدي موفور الإرتياح لما تحمله هذه الخطوة من دواعي الإطمئنان، إذ على ما قد يُشيع في الوطن العربي من السلبيات، فيكفي أن ما تم في بلاد الحرمين، لن يسر العجم و عواصمهم، طالما كان من أول أولوياتهم تسخير الدين كي يسود ما سوى اللسان العربي في هذه المنطقة أو غيرها على الرغم من أن الدين الذي يدّعون إتباعه و الإحتكام إليه قد نص في مُحكمه و هو يُخاطب من أُرسل للناس كافة بأن القرآن العربي ذكر له و لقومه، و من هنا فليس أمام كل عربي صادق في عروبته إلا أن يطمئن لما جرى بصدد الإستقرار السعودي موفراً أي خوض في السلبيات إلى وقتٍ آخر، و للبيت كما قِيل منذ القِدَم ربٌ يحميه

_______________________________ 


لا أُلْهِيَنَّكَ إنِّي عَنْكَ مَشْغولُ

أمين مازن

12-6-2017

لم يُثر الخامس من يونيو في ذكراه الخمسين هذا العام، إهتمام الكثير إن لم نقل كل وسائل الإعلام العربية، على نحو ما ما كان سائد طوال الحقب التي توالت على الواقع العربي، و الذي شهد منذ مطلع الحقبة الثانية من قرننا هذا ما أُصطُلِحَ على تسميته بثورات الربيع العربي التي أودَت بأعتى الدكتاتوريات التي إستطاعت أن تسود الوطن العربي و من مداخل كان شعارها إنقاذ مجتمعاتها من الإستبداد، فإذا بها لا تكتفي بالإنفراد بالسلطة و حسب و إنما تشرع في محاولة توريث أبنائها، فصارت تُنعت "بالجملكيات" بدلاً من الجمهوريات، نعم، لقد مرّ هذا اليوم في صمت و دون أي حديث و لو من باب الذكرى، و ما ذلك إلّا لأن العرب الذين كانوا يتحدثون -على الأقل- في الشأن العربي الواحد و الشعار الوحدوي الحالم، أصبحوا في زمن الربيع العربي لا ينشغلون إلا بمحاربة بعضهم البعض، و في أحسن الفروض إتقاء مكر بعضهم البعض، أما الفضائيات التي جعلت منها الأقمار الإصطناعية المراكز السايدة في طرح شئونهم المختلفة و صراعاتهم المحتدمة و مؤامراتهم المتناسلة، فقد وجدت و هي تعتاش على أحداث حاضرهم ما يغطي الكثير من ساعات البث الذي لا يعرف التوقف من أحداث أمسهم و التي كان على رأسها الخامس من يونيو 67 الذي أطلقت عليه النخب العربية التبريرية لقب النكسة بإعتباره أي العام قد شهد هزيمة الجيوش العربية على يد الجيش الإسرائيلي بعد عشر سنوات من أول حرب إندلعت سنة 48 و إنتهت يومها بطرد ما يقرب من نصف الشعب الفلسطيني إثر هزيمة وُصِفَت بالنكبة، فشُرعِنَ بواسطتها إسقاط العرش العلوي في مصر و إغتيال الملك عبد الله في الأردن و كسرت مصر إحتكار السلاح و صور الإعلام المضلل العدو الصهيوني على أنه من الهزيمة قاب قوسين أو أدنى و أعلن الصوت السياسي الإستعداد لمحاربة إسرائيل و من وراء إسرائيل فإذا بالطائرات تضرب في مطاراتها

كانت هزيمة جد مُنكَرة، قوبلت من طرف القائد الكبير عبد الناصر بالإستقالة التي قوبلت بذلك الرفض العارم من ملايين المصريين الذين خرجوا، كما يجمع أكثر المراقبين، تلقائياً رافضين الإستقالة و مُصرّين على مواصلة المعركة، إنطلاقاً من أن ما حصل نكسة يمكن الخروج منها، كما أمكن للعبارة الغامضة التي جاءت في خطاب تلك الأيام بأن الطائرات أُنتُظِرَت من الشرق فجاءت من الغرب أن تُروج إحتمال الهجوم من قاعدة الملّاحة مما أدى في وقتٍ لاحق إلى إحراق الكثير من شوارع طرابلس حيث بعض المتاجر الإيطالية و اليهودية، غير أن مصر ما لبثت أن أكدت براءة الأراضي الليبية من الهجوم، و حين لم يمض على تلك الهزيمة ما لا يزيد على السنتين و إنتهى عرش الملك إدريس، فكان أن أُعتبر ذلك بمثابة الرد على الهزيمة و الإصرار على مواصلة الكفاح بالدعم الليبي المنتصر و العهد الذي أيده الرئيس المصري و لم يتردد في تسليمه الأمانة لولا أن الموت لم يمهل الرئيس سوى ما لا يتجاوز السنة الواحدة و تصفية قاعدتي الملّاحة و العدم لإنتهاء المدة و تغير الإستراتيجية و يبقى السابع من يونيو طوال العقود التي تلت تلك الأيام مناسبة للخُطب و البيانات و حتى المظاهرات التي تحرك الكثير من القوى، تماماً مثلما ساعدت تلك الهزيمة على كشف الأسرار المتعلقة بالدور الأمريكي في الإطاحة بالعروش و إقامة البديل الجمهوري و هو دور لا يؤكد العمالة بقدر ما يؤكد التفاهم اليميني الذي يرى في الجانب الأمريكي المعادي للإلحاد ما يمثل أخف الضررين أو أهون الشرّين إنها الأسرار التي حملها أشهر كُتُب تلك المرحلة الذي أنجزه مايلز كوبلاند تحت عنوان لعبة الأمم و نُشِرَ في طبعة جيدة و وُزِّعَ في الوطن العربي من مشرقه إلى مغربه في أوج المقاومة الفلسطينية و بروز المشاريع الرامية إلى تصفيتها إبتداءً من مشروع روجر و تصفية جماعة ضافار و خنق اليمن الجنوبي عندما إضطرت بريطانيا لمغادرة تلك الربوع فلا تبقي في أيام العرب هذه سوى المسلسلات التي تؤرخ للثالث و العشرين من يونيو و السابع من يونيو و الصراع المُشوِّه لتلك الفترة فلا يبقى سوى اليأس و الإستعداد للتخلّي عن كل ما يُشرِّف السمعة و يرفع الهامة حتى ليصدق على الجميع قول الشاعر في تصوير بعض الأحوال المشابهة

وَقالَ كُلُّ خَليلٍ كُنتُ آمُلُهُ *** لا أُلفِيَنَّكَ إِنّي عَنكَ مَشغولُ


__________________________

"كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا"

أمين مازن

13-6-2017

سواء أُعتُبِرت القائمة التي نشرها السعوديون و من ظاهرهم في الخليج العربي المُتضمنة أسماء الأشخاص و الكيانات المُموَلَة من قطر و حُمِّلَت مسئولية الإرهاب، تمثل الموقف الدولي، و الذي اِشترطت دوائر الأمم المتحدة أن يكون صادراً من الأمم المتحدة مباشرة،أو لم تُعْتَيَر، فإن الخطاب الذي ألقاه الرئيس الأمريكي ترامب يوم الجمعة، و دعا فيه صراحة دولة قطر إلى وجوب التوقف عن دعم الإرهاب و العاملين عليه من أشخاص و هيئات قد غدت في نظر المجتمع الدولي ثابتة إزاء القطريين، و ليس أمامهم إن شاءوا لسفينتهم أن تَتجنّب زوابع الخليج إلا القبول بالمخطط العام، و أن يُزِيلوا من أذهانهم كل وهم يُزيِّن لهم إمكانية الشذوذ عن المخطط العام المُعد سلفاً لمنطقة الخليج و الذي اِكتسب من خطابات الرئيس الأمريكي في مؤتمري السعودية و ما تلاه في الخطاب الأخير و التغريدات المتكررة، عندما أكد التاريخ الطويل لقطر في دعم جماعات الإرهاب و نشر العنف، أي أن تغيير الموقف لا بُد أن يجمع بين الأنشطة السياسية و الأخرى الإعلامية و من باب أولى الثقافية، و ما من سبيل لتجنّب المخاطر المنتظرة، من دون تعديل السياسات الممنهجة على مختلف الصعد، و في مقدمتها بالطبع ما يردد المحسوبين على قطر من آراء متطرفة إن داخل بلدانهم أو وسائل الإعلام المتبنية توجهاتهم، إذ منذ أن ظهرت الإمبراطورية الإعلامية المدججة بأقوى أسلحة الإثارة و التأجيج، و الذي ظهر جلياً في أبرز القيادات الشرق أوسطية غير العربية الرافعة لشعارات التحرر و المعتمدة لمثل هذه الأنشطة و المتعهّدة لها بالإحتياجات المطلوبة إعتماداً على الوكيل القطري للحليفين التركي و الفارسي و على فلسفة أو اِستراجية قوامها هدم الجيوش الوطنية بالكامل و اِستبدالها بالمليشيات السفيهة التي تفتقد لأقل درجات المسئولية، و ليس لها من هم أكثر من إشاعة الفوضى و الشهوات التي لا تلتزم بأي قيد و لا ترتدع لأي رادع من أخلاق أو حتى عادة من العادات السائدة، و قد ساعدها على اِستقطاب العوام بعض ما أفلحت في القيام به من الفرقعات التي اِكتسبت صفة البطولة و ما هي من البطولة، و تحولت إلى ذراع غير وطني بالنسبة لمحيطها فقلل إلى حد كبير من اِحترام الشرفاء لها، إذ بدت قطر و كأنها المحرك لهذه الدُمى مجتعة، الأمر الذي لا يمكن أن يكون موضع إطمئنان بل مدعاة للإستخفاف و حتى الإزالة، و أقرب الأدلة على ذلك ربما هذه اللهجة العدائية و الدعوات الصادمة التي جاءت على لسان ترامب و طلباته المتلاحقة، الأمر الذي إستحوذ على إهتمام كل المراقبين، و إن يكونوا جميعاً غير براآى من شبهات الإحتراف الإعلامي و الترويج الإصطفافي، مما جعل من الحالة القطرية مسرحاً من أكبر مسارح الصراع بتجلياته المتعددة، حيث يمثل الشمال الأفريقي بحرائقه التلاحقة و زوابعه الهدامة أكبر مجالات المساومة تلك التي إذا كان ترامب قد فتح أوسع أبوابها فإن بوتن و هو يدخل منها قد يكون في مقدمة من يجني ثمارها، بما يدأب عليه من ليّْ أكثر من ذراع، في أكثر من ساحة تزخر بما لا حصر له من فرص التدخل كما هو حالنا معشر الليبيين ممن حملت القوائم المُسرَّبة عدداً من مشاهير قومنا، ممن يُفترض أن يكون الزج بهم دافعاً للجنوح للمراجعة، فيظهر علينا آخرون حاملين أقصى درجات التشدد و الإصرار على الإنتقام، و هكذا فبينما تسعى قطر للخروج من مأزقها و يتعاطى معها محيطها بما يرضي الجميع و يصون حقوق الجميع، نظل نحن لا هم لنا و لا هدف أكثر من إلاصرار على السوء و قفل أبواب التسامح و هدر الوقت الثمين في كل ما يضر الناس و يعطّل مصالحهم و هم محتاجون إلى أبسط الأشياء و أكثرها إلحاحاً لقمة للصائم و سترة للعورة، و أمن في عطلة العيد لولا أن ذلك ليس من أولويات الذين آلت إليهم معظم أمورنا فلم يرقبوا فيها إلّاً و لا ذمة فصدق في حقهم القول الخالد "كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا". إنتهى


____________________________

نضحك مع إللي جفاني

مصافحة.. إلى أحمد النويري

أمين مازن

8-6-2017

إستطاعت الفضائية الليبية 218 في معرض سعيها لتجاوز أجواء الكآبة و خطاب الإثارة و التحريض، و ردَّات الفعل و الفعل المضاد، أن تُعيد إلى الذاكرة ما سبق أن تغذّت به من كنوز الأدب الشعبي، رواياته؛ و أمثاله و نصوصه الشعرية المُعبِّرة، تلك التي كان من أشهرها ما كُنا نستمتع به من مساهمات الشاعر و الفنان أحمد النويري الذي طالما أتحفَنا به من رواياته مرة و ما كتب هو مرات، و لا سيما في شهر رمضان المبارك الذي اِشتهر فيه ببرنامجه قال صاحب العقل، فإذا بها تفرد له مساحة من الوقت عقب ساعات الإفطار، فيذكرنا بنصوص كثيراً ما إستمتعنا و إتعضنا بها بل و خرجنا بواسطتها من أقسى لحظات القنوط، هي كلمات مُرسَلة و مُنَغّمَة هدهدتنا بها أمهاتنا ذات يوم و هن يُخففن من آلامهن بإستشعار الأمل، كما لجأ إليها أباؤنا و هم يواجهون مِحن الأيام. لقد إستظهرناها في البدء دون أن ندرك معانيها البعيدة و مراميها القوية، و عُدنا إليها و نحن نُكابد ما نُكابد عبر مشوار العمر الذي صار لمجايلينا ممن إمتد بهم الزمن مُتقدماً، و من عاجلهم جزءً من ذكرياتنا، أولئك الذين شارَكَنَا منهم النويري و أمثاله في مجال الأدب و الفن عندما كان هذا الشاعر الشعبي يُسهم في عديد الأنشطة التي أُقيمت حول عدد الأعلام الوطنيين و لا سيما إدارة الثقافة و الفنون التي أنشأها المرحوم خليفة التليسي و هو وزير الثقافة و لم يستطع أن يُعيِّن لها المسئول الذي يرى فيه الكفاية، جرّاء ما كان يسود العهد من التردد و الإنغلاق، مما حرص التليسي على عدم التصريح به في حينه و قد علم النويري شيئاً منها و وثقها في الكثير من قصائده التي كان يكتبها عَفو الخاطر و هو يعايش شئوننا اليومية، نُرزَق الأولاد فيُبارك بشعره، و نتعرض لمِحنة السجن فلا يبخل بمواساة الأسرة في شهر الصوم، فيأتي حاملاً ما تيسَّر على الرغم من أن العهد لم يرتكب يومئذ جريرة مُضايقة الأُسَرْ، فتبقى الأحداث مجتمعة محفورة في الذاكرة كما هي مواقف آخرين أمثاله ممن كسبنا في المدينة الكبيرة من علاقات تجاوزت قرابة الدم أضعافاً مضاعفة بما حملت من المواقف الصادقة و ما أشاعت من المشاعر الجميلة بوصفها نتاج الجهود المتكافية و الذات المُقتدرة القانعة بما أنجزت و المُصرة على ما اِختارت، إنها التجربة التي بدأت مع السبعينيات و لم تزدها الأيام إلا المزيد من الحرص على المشترك و ما زلت كبير الشوق إليها و اِزداد هذا الشوق أضعافاً و أنا أشاهد النويري يرسل نصوصه الشعرية بإسم الرجل مرة و على لسان المرأة مرات و لكنها على العموم مِحنة الإنسان، الذي يجد في قولها أو قوله

يا ليعة اِللي تغرّب واِللي جلا من بلاده *** الفم يضحك و يلعب و القلب صابغ سواده

ليش ما اِدزّوا المراسيل و ليش ما تهنّوا الخواطر *** أنا القلب سهران ما بات و الدمع يسكب قواطر

لقد هزتني بدون شك أبيات النويري و أكبرت للفضائية منحها إياه مثل هذه المساحة التي تخرج بالمشاهد من دنيا الرصاص و رائحة البارود و خطاب الكراهية فيحل خطاب الحكمة و الجمال و التسامح و التسابق نحو المعروف و نصرة المسكين و الملهوف. و مع أني كنت في حاجة إلى أن أُسمعه ما كتبه على لساني أحدهم ذات مرة و أكابد ذات رزية "لُو كان يا حمد عزّيتني في الغالي *** اِنتَ قبل ديما يشغلك موالي" فعبّْرَتْ عن حالة مررت بها و لم أستطع بعد الخروج منها و ما أظنني قادر أبدا، إلا أنني ما لبثت أن ضمرت نصاً آخر فأُذكِّر به النويري إن قرأ ما أكتب و ربما قرأ غيره و أدرك من ذات الأقوال التي طالما تسلّى بترديدها كل من عضّهم الدهر و اِستعانوا عليه بالصبر و الإيمان و قوي الأمل فقال قائلهم

نرقد على الشوك عريان و نضحك مع اِللي جفاني

و نصبر على جور الايام لين يستوي لي زماني.إنتهى



___________________________

الدكتور التير في بيتَيّْ الفقيه حسن و عبد الرحيم الكيب

أمين مازن

5-6-2017

يواصل الدكتور عبد الرحيم الكيب تنظيم لقاءاته الشهرية التي دأب على ترتيبها ببيته في شئ من التلقائية و البعد عن الضجيج الإعلامي الصارخ، إذ بلغت هذه الأمسيات رقمها السادس، و كان قد إختار لها من العناوين "لقاء الوحدة الوطنية" بوصفها الإستحقاق الأهم، و الطلب الأجدر بالتوافق، و بذل المزيد من الجهد، في هذه الظروف التي شهد فيها الوطن أكثر من دافع نحو التشظّي، و هو توجه يسنده الكيب بالحرص على التواصل مع أي منشط من المناشط المتعلقة بالفكر، فنجده دائم الحضور، كما أنه لا يسأم توكيد حرصه على مشاركة الآخرين و لا سيما من يرى في حضورهم و مشاركتهم بالطبع، ما يمكن أن يحقق الإثراء المنشود، فلا تملك و أنت تراه يتحلَّى بهذا الخُلق الجميل إلا أن تضاعف من تجاوبك معه و تترك كل دواعي التثبيط و الإحباط.

و قد كان لقاء هذا الشهر محدداً في موضوع الأنا و الآخر، و الذي مثّل إنشغالاً قوياً للدكتور مصطفى التير، فألّفَ فيه كتاباً، كان منذ أيام موضوع نقاش عدد من المثقفين الوطنيين الذين يتحلّقون كل شهر بدار الفقيه حسن بطرابلس القديمة، فقدموا حول التير ندوة إتّصفت أوراقها بالجدية و خصّها المتابعون بحضور جيد، فجاءت محاضرته هذه سائرة في ذات السياق، و قد رحّبَ الكيب بمدعوييه و كرر توكيده المتعلق بفلسفة اللقاء ليُحيل مسئولية إدارة اللقاء إلى الدكتور إبراهيم الواكدي ليقدم في كلمات موجزة الدكتور التير بوصفه أشهر من أن يُعرَّف و الذي كان هو الآخر موجِزاً في حديثه المكتوب و من بين ما ورد في حديثه بداية مشروعه العملي الذي بدأه في منتصف ستينيات القرن الماضي عندما إلتقينا مصطفى التير و عدد من نظرائه في الوسط الجامعي و مجال علم الإجتماع بالذات عبر مجلة الرُوَّاد التي أناطت وزارة الإعلام و الثقافة و وزيرها المرحوم خليفة التليسي مسئولية تحريرها أي الرُوَّاد بعدد من الكتَّاب و من بينهم المرحوم نجم الدين الكيب الذي عمل بالمجلة على سبيل التفرّغ و إستطاع أن يتواصل مع أولئك الدارسين في مجال علم الإجتماع من أمثال التير و الحُوَّات و شلابي و الكبير ممن نشرت الرُوَّاد أوراقهم البحثية فشكلت يومئذ رافداً بالغ الأهمية للداعين لإجتماعية الأدب و ما يمثله من تطوير لمهمة الأدب الذي كثيراً ما قلل من دوره دُعاة الأدب للأدب فبدأت منذ تلك الأيام صلة وثيقة مع ذلك الجيل ما لبثت أن تطورت في وقتٍ لاحق على درب الجهود المشتركة و العمل على توسيع الدائرة و عدم التساوق مع الكثير من التسطيح الذي ساد الحياة الليبية في الحقب التي تلت تلك الأيام و ظلت أكثر فأكثر كلما إتسعت دائرة الإهتمام الثقافي و مثل ذلك المسئولية، حيث تشهد المدونة التي أنجزها هذا الجيل بالكثير من الإسهامات الفنية التي كان الدكتور التير في مقدمة المتجاوبين فيها على درب العمل الجمعي، حيث كان من القلة التي حققت حضوراً مستمراً دون الإنحدار إلى الدرك التهريجي الذي كثيراً ما يُستدرَج إليه بعض الذين أغرتهم المناسبات و هي تُوقِّت الأنشطة مع مواسمها بدلاً من أن يُصار إلى إستثمارها و الإستفادة من مواقيتها، فإن يتم توقيت ندوة من الندوات مع مناسبة من المناسبات الرسمية لا يعني بالضرورة أن ينجرّ المشارك في ندوة من هذه الندوات إلى الإكتفاء بظاهر المناسبة و ليس حُسن توظيف الموضوع. كان هذا النوع من المثقفين الجامعين بين الإختصاص العلمي و التدبُّر في الشأن العام يمثلون مخزوناً إحتياطياً لكل من يكابد تهريب الكلمة عن وعي و يبدعها عن معاناة، و تنتصر له دعوات الشمولية و تجَّار الكلمة القائمة على الهُتاف و تملّق المطروح، على نحو يفوق المُتخلّقين في ذات الرحم، فتجد هؤلاء كثيراً ما يضيقون بأمثال هذا النوع من الإختصاصيين، إذ طالما تذكروا بواسطتهم جيل سابق، منهم من رآى في الوظيفة طوق النجاة في زمن ما قبل سبتمبر و بعده بعض الشيء، اللهم إلا الترجمة و ما في حكمها، و منهم من وقف عند إختصاصه و لا سيما حين أوجدت المناخات الجامعية مناخاً لا بأس به بعد أن إستقرت عمليات الفرز و قبلت عديد الأطراف بما حققت و ما تحقق للآخر حولها. و كان الدكتور مصطفى التير واحداً من هؤلاء، يشارك دوماً من إختصاصه و يحاول أن يطور هذا الإختصاص كي لا يعزله الجفاف الأكاديمي، شارك معنا في التغيير الإجتماعي أول الندوات التي تَحسّسَت منها أطراف كثيرة و مجتمعنا و المستقبل و قبلها أخرى و بعدها كذلك، و ها هو الآن لا يتخلّف متحدياً ظروفه الصحية الصعبة، و تبقى بقية الأسئلة التي أثارتها المحاضرة و التعليقات، فذلك ما نأمل العودة إليه مرة أخرة و لا سيما ما يتعلق بدور المال في حركة المجتمع، إبتداءً من إبتلاعه للكثير من وموز النشاط النقابي عشية تصدير النفط ثم رفع أسعاره في السبعينيات و أخيراً الربيع العربي الذي هبّ عقب جملة من التسويات و إستدعى الصراع الذي دمر كل شيء و ما يزال يحول دون كل محاولة من محاولات الإصلاح.إنتهى


___________________________

وطن يُباع و يُشترى

أمين مازن

3-6-2017

كذّبَت الحكومة الإيطالية ما رددته بعض وكالات الأنباء عن إتفاقها -أي إيطاليا- مع حكومة النيجر على وجود عسكري جوي تستطيع بواسطته إيطاليا وضع حد للهجرة غير المشروعة التي تنطلق من تلك الربوع إنطلاقاً من أن هذه الهجرة بوضعها الحالي تهدد الأمن الإيطالي أكثر من أي بلد آخر، و أن الوجود العسكري لو قُدِّرَ له أن يكون فسيتكفّل بتجفيف منابع هذا النشاط الهدَّام من جذوره بدلاً من تركه يقطع صحاري ليبيا الواسعة و يبلغ من ثم شاطئها الذي لا نظير له في الطول و مثل ذلك التسيّب الذي جعل ما لا حصر له من المراكب المُعَدّة لحمل المائات و حتى الآلاف ممن لا يعدمون من يسهّل عبورهم بقوة السلاح، و ثمة من وصل به الأمر أخيراً إلى مهاجمة بعض النقاط البحرية الأمنية في معرض حرصه على إستمرار هذه التجارة و ما تدرُّه من من سخي الدخول، إن عن طريق الراغبين في السفر مباشرة، أو عن طريق الشركاء الآخرين القادرين عند اللزوم على تأمين المقابل المادي و ربما السياسي أيضاً، فبقاء ليبيا على هذا النحو من الفوضى المُتفشية في كل المجالات و هذه الإستحالة من إمكانية نجاح أي جهد إصلاحي إن وُجد فخطط تسعى لديمومته أطراف كثيرة ليس خارجها بأي حال إيطاليا و من معها من البقالين الليبيين، ذلك يعني أن التكذيب الإيطالي قد جاء في محله و هو متسق مع طبيعة المرحلة و مع الحسابات الإيطالية بالضرورة، فإيطاليا ليست معنية إستراتيجياً بأمن ليبيا و هي بالضرورة ليست معنية بالهجرة غير الشرعية كسياسة عامة، و لكنها فقط ستتحرك في الإطار المُتاح لها و هو مقاومة ما قد يطالها من هذه الهجرة و ربما بالقدر الذي لا يتجاوز السياسات الأكبر و لهذا نجدها تسارع بعرض مساعدتها بتوفير الإحتياجات الليبية من المعدات المتعلقة بحراسة السواحل و ما في حكمها، فهو مدخل قد يفتح الباب لتنشيط أو تأسيس بعض العلاقات و هو كذلك سيتُيح الفرصة لترويج بعض السلع في هذا الزمن الذي تبلغ فيه الأزمات الإقتصادية أشد سوئها، أي أن إيطاليا ليس أمامها سوى محاولة الإستفادة من الوضع القائم و لعلها من خلال هذا الوضع تُفلح في إستقطاب المزيد من البقالين الذين جعلهم الزمن يسوسون أمورنا بهذه العقلية فيعضّون على مكاسبهم بالنواجذ و تتحدث الأنباء عن أعداد المهام الرسمية بما يفوق الخيال في زمن لا تتوقف فيه حلقات النقاش و الأنشطة الموهومة التي تأتي على الأخضر و اليابس و تُبقي الطوابير أمام المصارف ليس للرواتب فقط، بل حتى الصرف من المدخرات الخاصة، فواقع كهذا لن يترتب عليه سوى نمو إقتصاد الخدمات و الخدمات أنسب أماكنها الشواطئ و ليبيا وفق الحسابات القديمة تمثِّل الشاطئ الرابع لإيطاليا، و عندما تعلن إيطاليا موقفها هذا و تقرر روسيا إجراء مناوراتها الضخمة أمام الشواطئ الليبية، و يذهب أردوغان إلى البيت الأبيض و يُقحم في حديثه أمام الرئيس الأمريكي ليبيا، في قائمة البلدان التي يهمه أمرها، و يصرف الرئيس نظره عمَّا تتطلع إليه أردوغان شأن فتح الله غولن أكبر مُصدّعي المهووس بتتريك الوطن العربي و نحن نكابد ما نكابد من مصايب الزمن المتناسلة، و سوء عاقبة إسناد الأمور لغير أهلها، دون أن تأتي الساعة، فلا يبقى سوى قول القائل:

وطن يُباع و يُشترى *** و نقول فليحيا الوطن


________________________

مازال نمشو و الطريق طويلة

أمين مازن

2-6-2017

تتوالى الدبلوماسيين الأوروبيين لبلادنا هذه الأيام بشكل غير مسبوق و غير مفرق بين مدينة و مدينة أو فريق و فريق، و لا متوقف عند أي تصريح من التصريحات التي طالما حصرت الشرعية في طرف، فأوعزت بقصد أو بدونه بما يعني نزعها من الطرف الآخر، الأمر الذي يؤكد الرأي القائل أن الكثير مما يُطرح على الطاولة، لا يعني بالضرورة تطابقه مع يدور خلف الستار، ما يعني أن الحالة الليبية و كما تدل عليها هذه الزيارات غدت تستولي على كل أو جل إهتمام هؤلاء المنخرطين في المتلاحق من سلسلة الزيارات و إن قراراتهم بصددها قد لا تكون من بين ما يُحاط به المسئولون الليبيون الذين يجري إلتقاؤهم و ربما دعوتهم إلى خارج الحدود أيضاً، و لا غرو، فليبيا ذات الندرة السكانية المخيفة و المساحة التي تضاهي بعض القارات و الزاخرة بالإمكانات المُعلَنة و الأخرى التي لا تخفى على كل من لديه أضأل قدر من المعرفة و التي يجعل منها موقعها المُطِل على هذا الخليط من الدول إلى جانب الشاطئ الطويل بعد أن تهيأ لها من الدور ما تهيأ في حقبة السبعينات و ما بعدها و حتى هبوب رياح الربيع العربي لا يمكن و لا يمكن لأي مُتفكّر في أمرها أن يزيح من التاريخ حقيقة أن ما تحقق لها من الدور و أُكتُشِفَ بها من الثروة و ما طالها بعد ذلك من المتغيرات لا يمكن أبداً الخروج من حقبة نتايج الحرب العالمية الثانية تلك التي إنتصر فيها الحلفاء الأربعة و ما توصلوا إليه من وفاق يالطا الشهير الذي رتّب عالم ما بعد الحرب و ما يحدده من توزيع المغانم بين المنتصرين و تجليات ذلك في الكيانات التي ستنبعث كفضاءات لكل دولة من الدول المنتصرة حين أُنجز كل شيء في توازن ملحوظ و تسويات ظاهرة البيان ليس خارجها تنظيم التحالفات التقليدية بين القوى السياسية المُتنفذة بين مُستَعمِري أمس و مُستَعمَريِه و قد تحولوا إلى حلفاء من نوع خاص، بحيث نرى ليبيا ذات الأقاليم الثلاثة التي رفع البريطانيون علمهم في إقليميها المميزين برقة و طرابلس، و إعتمدوا الجنيه المصري عملة في برقة في إشارة -ربما- لخصوصية الدور البريطاني المستفيد من دور الأمير إدريس، و قاموا بإصدار عملة بإسم حكومة ولاية طرابلس و إدارتها المؤقتة لحسابات قدروها ليكون الإقليم الثالث متمثلاً في فزان التي دخلتها قوات فرنسا و برفقتها مفارز أحمد سيف النصر كما هو معروف الأمر الذي شرعن ترجيح كفة النظام الإتحادي عشية تقرير المصير و بناء الدولة الفتية و دستور حمل بعض الضمانات الضرورية بشأن الثروة و نظام الحكم و توقِّي التوازن الضروري في الحقوق و الواجبات على النحو الذي لا يخفى على كل من يراجع وثائق المرحلة، و خير دليل على ذلك الإتفاقيات الثلاث التي أُبرمت مع دولة الإستقلال مع بريطانيا و أمريكا و فرنسا، إذ كان لروسيا فضاءاتها الأخرى، أما الذين خسروا الحرب فكان عليهم أن يقنعوا من ليبيا المنتظرة بما يحتاجه السوق و لا شيء غير السوق، و لأنهم أدركوا هذه الحقيقة فلم تعرف ليبيا أي إهتمام يزيد على إقتصاد الخدمات و لعلنا على ضوء تلك الخلفية و ما تلاها من مواقف نستطيع مصارحة كل من يرى لروما دوراً يفوق ذلك الدور و يستقبل مبعوثيها عقب سفر البريطانيين، إن كل تجاوز للحديث يتجاوز إستيراد بعض السلع و الإستثمارات الفردية الصغيرة سيكون مجرد إضاعة للوقت، كما أن كل من يزاوج بين النشاط العام و المصالح الخاصة لن يكون له حظٌ يُذكر، و ان الصمت عن الإستغلال لبعض الوقت، لا يعني إستمرار ذلك كل الوقت، بل لعل السماح بالقيام ببعض أعمال العنف الذي يسود واقعنا لا يعني سوى أن القرار النهائي بين الفرقاء الحقيقيين لم يُتَّخَذ، فليس أمام الأدوات سِوى المضي في حول ما لا تعلم، و ما علينا كمراقبين نُدرك الحقيقة سوى المزيد من الصبر و المزيد من الإنتظار، صحيح أن سياسات هذه العواصم لا تُرسَم لسنة واحدة بل و لا سنوات محددة، فهي تمتد إلى العقود و ليس السنين، غير أن أسلوب التنفيذ لا بد أن يفرض مستجداته، فلا تبقى بصمات أوباما على سبيل المثال عندما تحل بصمات ترامب، و قل مثل ذلك على فرنسا و ما يستوجبه الفرق بين سركوزي المغامر و من جاء بعده مباشرة و يأتي بعدهما اليوم، أما بريطانيا التي غادرت لتوِّها الإتحاد الأوروبي و إرتباط ذلك بارتباطها الفريد مع أمريكا، فإن دورها في المُشكل الليبي و بالأحرى الوجود الليبي لن ينفصل الآن و كما هو بالأمس عن أمريكا. و يبقى الحراك الذي تشهده جنوب أفريقيا و من بينه حلول بعض رموز سبتمير ...فمما لا يجب الإستهانة به لكل من يرى ضرورة إستشعار المسئولية خاصة و أن مشاكل المهجرين بالداخل و الخارج بلغت من التطور ما أدخلها في المحيط الدولي بإمتياز، أي أن هذه الأحوال السيئة و وجود القدر الكبير من الخبرة و العلاقات سيكون في مقدمة ما ينبغي أن يُوضع في الحساب عند الإستعداد لما يُنذر به الغد، و قديما قال أحدهم و هو يلخص التجربة و يوجز النصيحة

مازال نمشو و الطريق طويلة ***** واللي فرق من بينا يا ويله


___________________________


وحدة البنك المركزي الليبي و المسئولية الدولية

أمين مازن

30-5-2017

قد يستطيع كل متابع للشأن الليبي، على هديٍ من تاريخه الإداري تحديداً و أسماء الذين تقلّدوا سامي مناصبه، أن يقرر بأن بنك ليبيا المركزي قد مثل في أحيان كثيرة العقبة الكأداء التي حالت دون أي إصلاح جذري في سياساتنا الإقتصادية لما أُنيط به من صلاحيات كثيراً ما أُسِئ تطبيقها بقرارات إن سلمت من سوء القصد، فإنها بكل الأسف لم تسلم من سوء التقدير. فهذا البنك الذي كاد مركز محافظه أن يُضاهي منصب رئيس الوزراء منذ تأسيس دولة الإستقلال و إختصاص الملك بتسمية محافظه شهد من الإستقرار ما لم يشهده أي منصب آخر، حتى أن عدد الذين حملوا حقيبته لم يتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة طوال عمر دولة الإستقلال كما هيأت له سلطته الرقابية المستقلة أن يحول دون أجرأ محاولة إصلاحية في مجال حركة النقد طرحها من خلال إدراكه لما شهده الإقتصاد الليبي من تطور في آخر الستينات الخبير الإقتصادي الكبير علي عتيقة من موقعه كوزير و مستشار في حكومة عبد الحميد البكوش و الرامية إلى رفع جميع القيود عن حركة النقد لتوفير التغطية العالمية و دورها في تغطية العملة و هو توجه رآى الداعون له أن يُمكِّن ليبيا من منافسة أهم العواصم العربية هي بيروت لما في حرية الحركة من إغراء لكل مستثمر لولا أن عقلية الكثير من إقتصاديي البلاد كانت دون مستجدات العصر فأفلحوا في عرقلة ذلك التوجه، و لعلهم قد تمكنوا من ذلك لأن العهد الملكي -حسب التقدير الدولي قد أفلّ نجمه- فتُرِك له أن يُقرر ما يريد حتى كان ما كان ذلك الصباح و ما ترتّب عليه من تغيير طال كل شيء في المال و الحياة و السياسة على السواء، ليكون بنك ليبيا مجرد مبرر لممارسات السلطة العليا في التضييق حين يُراد التضييقق و العكس حين يكون العكس، و لعل الكثيرين يذكرون كيف كان المتحدثون بإسم بنك ليبيا يُدمجون المخصصات السياحية مع المهام الرسمية و العلاج كمبرر لعدم صرف المخصصات السياحية التي حُدِدَ سقفها بدولة الإستقلال و لم تُرفع سوى أشهر محدودة و ظلّت تُوقَف إمعاناً في التضييق غير المُبرر مع أنها كانت تُضيّق على محدودي الدخل دون غيرهم و الذين يُفترض أن النظام قد جاء من أجلهم كما كان يتردد إعلامياً بالداخل و الخارج، و إذا به ينتج العكس، و قد كان أسوأ ما اِنحاز إليه بنك ليبيا في تلك الأيام إقتراح قيمة ضرائبية على الودائع، الشيء الذي نأت عنه دول العالم قاطبة، كما سمعته من أبرز كفاءاتنا التي عَمِلَت داخل النظام هو المهندس الصديق جاد الله عزوز الطلحي و نحن نلتقي بسرت في إحدى جلسات مؤتمر الشعب العام فنستفيد من اِستراحاته الطويلة في تبادل الرأي حول عديد الأحوال و القضايا مما حملت عنه أجمل الذكريات.

لقد كان آخر الذين شغلوا منصب محافظ مصرف ليبيا المركزي هذا قبل السابع عشر من فبراير 2011 هو السيد فرحات بن قدارة، و قد كان الوحيد الذي قَلَّ عمره عن سابقيه إذ جاء تكليفه متزامناً مع ما كان يلوح من تشبيب المواقع و الحد من جيل الكهول و من يفوقهم في العمر، و قد وُصِفَت قراراته بالجراءة، و كان آخر جراءته هذه متمثلة في إقدامه على الإنشقاق لمجرد أن بدأت أحداث فبراير و قد ذُكِرَ عن الإنشقاق أنه فوت على العهد فرصة العبث بالأموال التي كانت رهن بنان بن قدراة، فاقتضى هذا الموقف أن يعيد النظام تسمية السيد محمد الزورق رجب لمنصب المحافظ ربما لأن توقيعه، أي الزروق مُعتمداً على أكثر من صعيد بعكس البديل غير المعروف، و كان المتوقع أن يؤدي الإنشقاق المذكور إلى تجديد الإستفادة من فرحات لمجرد سقوط النظام لولا أن من بيدهم الأمر إرتأوا العكس، إذ سرعان مارتفع الحديث حول منصب المحافظ لمجرد وصول المجلس الإنتقالي لطرابلس و تشكيل حكومته الإنتقالية ليكون الصديق الكبير صاحب الحظ الأوفر وسط نقاشات طويلة أذكر أنني إستمعت لبعضها بمحض الصدفة أثناء الإجتماعات التي كانت تُعقد بشارع بن عاشور و في مبنى الإيوان وسط التفكير في تجمع أطلقنا عليه يومها ملتقى طرابلس الأهلي كان المتحمسون له يريدون النأي به عن صيغة الحزبية، و كان الحوار المتعلق بالكبير منطلقاً بما تردد عن دوره في تمويل الإنتفاضة، إذ أُعتُبر التمويل على ما يبدو في مقدمة ما يُحسَب عند توزيع الحقائب الرسمية بشقيها الإقتصادي و السياسي، و قد عُدت يومها إلى ثمانينيات القرن الماضي عندما طبّق النظام القانون المتعلق بالتطوير العمراني و ما تبعه من البيت لساكنه فاضطر الكثير من المُلَّاك إلى ترك البلاد، غير أنهم حين فوتحوا من الناشطين السياسيين في المساهمة بتمويل أي نشاط سياسي لمقاومة النظام فكان الرفض موقف أكثرهم إن لم نقل كلهم حتى أن رأس النظام لم يتردد في كيل الثناء لهم علناً في أكثر من إجتماع رسمي، أي أن التمويلات المزعومة ما كان لها أن تتم لولا أنها قد طُُلبت من دوائر مأذونة و ربما ضُبطت نتائجها و إمكانية تسديدها لاحقاً، و على كل حال فقد إستلم السيد الصديق الكبير حقيبة محافظ بنك ليبيا المركزي و طبّقَ كل ما إرتآه من السياسات و انتهت أخيراً مدته القانونية، أما إجتهاداته فتبقى للتاريخ و أصحاب الخبرة الذين لا يُخفي الكثير منهم رفضهم لها، و قد ضرب مثلاً ملحوظاً في التشبُث بموقعه و الطعن في أي سلطة تسعى إلى تغييره و لم يعدم بالطبع من يظاهره على ذلك، أما الخاسر من موقفه و موقف غيره أيضاً هو الشعب الليبي بشكل عام و الضعفاء على وجه الخصوص، و ربما لا يُلام كثيراً على موقفه فما من أحد تساهلَ في أيامنا هذه حول السلطة و المال و ما من أحد أفادته اِستقامته أو مقدرته، و ربما كانت كثرة الشكاوى دليلاً على عدم الإنصياع للكثير من مراكز القوة، و تبقى وحدة بنك ليبيا أولى أولويات ليبيا اليوم و أحقّها بحزم المجتمع الدولي، فإن لم يجد الفرقاء في أمثال عبد الله السعودي و فرحات بن قدارة و محمد شكري و الطاهر الجهيمي من يُوحِّد بتوليه بنك ليبيا فما على المجتمع المذكور و أولهم السيد كوبلر أن يتبنّى أحدهم أو ينتدب خبير عالمي، فالبلد الذي رواتب العاملين فيه أكثر من دخول نفطه لا مجال لإنقاذه إلا بمثل هذا الإجراء الذي لا مهرب منه، فنحن أمام إنقسام مُدمِّر طال ضرره البلاد قاطبة و الناس كافة و تعين على المجتمع الدولي أن يهبّ لوقفه كما يهبّ لإطفاء أي حريق يعجز أهله عن إطفائه. إنتهى



____________________________

ترامب و أول لقاءاته العربية

أمين مازن

25-5-2017

خص الرئيس الأمريكي ترامب المملكة العربية السعودية بأول زيارة يقوم بها خارج الولايات المتحدة، بعد إضطلاعه برئاستها، فحضر أشغال القمة التي جمعت بينه و بين أكثر من خمسين ملك و رئيس إستظافتهم لمدة يومين العاصمة السعودية الرياض تحت عنوان مقاومة الإرهاب و تجفيف مصادر تمويله، فجمع بين زيارة الرياض و مقابلة أهم الملوك و الرؤساء العرب. و التوجه من ثم إلى الدولة العبرية و إلتقاء رئيسها و من ثم الأراضي المحتلة حيث الرئيس محمود عباس، ليُنهي جولته هذه بالحلول في الفاتيكان و مقابلة البابا، في إشارة إلى أنه ينبغي من وراء هذه الزيارة إلى جانب ما سيبحثه فيها مع من سيلتقيه، أن يُعبِّر عن إحترامه للأديان الثلاثة التي يُوحِّد بينها الخليل إبراهيم أي أنه لم يعُد يُحمِّل الإسلام كدين مسئولية الإرهاب كما عُرِفَ عنه قبل أن يصل إلى البيت الأبيض. و قد كان الجانب السعودي شديد الذكاء حين قرر قبل مجيء هذا الرجل المشدود إلى مفهومه التجاري البراغماتي أن يرفع إستثماره بالخزاين الأمريكية إلى نحو أربعمائة مليار دولار جامعة بين التجارة و التسليح و مستوجبة من دون إعلان إلى ما لا يجوز التصريح به من المستشارين و الخبراء القادرين على توفير كل ما يطلب إليهم من ضمانات الكسب المالي و النصر العسكري و الإنجاز السياسي، فكل شراكة متكافية يمثّل أصحاب مموليها أمثال الملك سلمان و ولي عهده و ولي ولي عهده و من إلى جانب هذين الإثنين من الأجيال السعودية الجديدة خليقة بأن تحقق من المردود ما يفوق التكلفة أضعافاً مضاعفة لما في السوق الأمريكي من قوي الفرص و كبير الضمانات لبلوغ أقصى درجات الربح التجاري و السياسي، إن جاز التفريق، الأمر الذي ظهر جلياً في الخطاب الذي توجه به ترامب و ما حمله من رسائل كلها تطمين للجانب السعودي من حيث الدور الإقليمي و الأمن القارّي، و لا سيما ما يتعلق بالغريم الفارسي الذي كان دوماً مصدر إزعاج للسعوديين حتى و هم في أوجه التفاهم مع الإمبراطور الشاهنشاهي ناهيك و قد أصبح الملالي الشيعيون يجمعون بين الرصيد الفقهي و القرار السياسي و لا سيما و هم يبلغون ذلك المستوى المخيف من التسليح و تتوصل معهم إدارة أوباما إلى حل أثار قلق معظم أقطار الخليج و على رأسها المملكة العربية السعودية لولا أن شاءت الظروف أن يعتلي ترامب سدة البيت الأبيض و يعلن موقفه المعادي للإتفاق الأمريكي الإيراني فيكون بمثابة الهدية التي جادت بها الأقدار لتُطمئن السعوديين في خضم هذه الزيارة الإستثنائية التي جمعت بين مقاومة الإرهاب و تجفيف ينابيعه و من بين هذه الينابيع بالطبع نظام الملالي الإيرانيين و من يتعاطف معهم و ينوب عنهم بمشيخات الخليج المُصرَّة على تذكية نيران العنف و إستمرار الحروب الأهلية الهدامة و تبعاتها المتلاحقة. و عندما يكون الحضور العربي متمثلاً في وجود هذا الحشد من القادة و في إجماع على مقاومة الإرهاب فإن النزوع إلى التسويات الأكثر معقولية إن على المستوى العربي العربي أو الفلسطيني اليهودي و دون الإعلان عن أي مساعدات مالية كما هي العادة في كل لقاء أمريكي إسرائيلي، ذلك أن منطلق ترامب هو أن أمريكا الغنية ينبغي أن تزداد غنى و أن أمريكا القوية ينبغي أن تستثمر قوتها، و على الآخرين أن يحمدوها بما لم تفعل. إنتهى


___________________________

من شر الوسواس الخنَّاس

أمين مازن

16-5-2017

أثار الخطاب الذي ألقاه الرئيس التونسي الأستاذ الباجي قايد السبسي في جمع من القيادات التونسية الكثير من التعليقات و الكثير من ردات الفعل داخل تونس و خارجها كما نقلت معظم الفضائيات، و ما من غرابة في ذلك، بل الغرابة حين لا يكون الأمر كذلك، فتونس كما هو معروف تمثل في أغلب الأحيان المؤشر لما يمكن أن تشهده المنطقة من متغيرات. و حسب المرء أن يذكِّر بذلك التصريح الذي جاهر به الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة في منتصف ستينيات القرن الماضي و هو يقوم بجولته في الوطن العربي داعياً العرب إلى ضرورة المطالبة بقرار الأمم المتحدة الداعي إلى تقسيم فلسطين بين العرب و اليهود ذلك القرار الذي رفضه العرب و قرروا دخول الحرب دون أي إستعداد يُذكر، لتكون النتيجة يومئذ تلك الهزيمة التي هيأت لليهود إعلان دولتهم فيما ذهبت الضفة الغربية لتكون من مشمولات المملكة الأردنية و تُدار غزة بإدارة مصرية و تُشيَّد على أرض سوريا و لبنان آلاف الأكواخ التي آوى إليها الفلسطينيون اللاجئون من أشهر المدن الفلسطينية التي تحولت إلى مواطن حديثة للإسرائيليين، لقد أراد بورقيبة بندائه ذاك أن يستبق الأحداث و يُفوِّت على اليهود فرصة إستغلالهم للرفض العربي و لكن الإرادة العربية الضعيفة و العاجزة عن إتخاذ أي قرار مصيري فضّلت رفض ذلك التوجه لتخسر البقية الباقية من فلسطين و يبدأ مسلسل الحل السلمي بعد ذلك في ظروف أضعف و ميزان للقوى أسوأ و تقطع القضية الفلسطينية عقب ذلك الموقف الإستباقي من بورقيبة ما لا حصر له من الخطوات التي كان الموقف التونسي على كل حال فيها أفضل من عديد المواقف العربية و قد كان آخرها إستظافة تونس لمنظمة التحرير الفلسطينية عشية إخراجها كاملة من بيروت مما هيأ للفلسطينيين ممارسة سياستهم في أجواء من الحريةالكاملة و التي لم تتوفر في أشهر العواصم العربية حيث التدخل السافر في كل صغيرة و كبيرة، و من هنا فإن ما نوَّه به الرئيس الباجي قايد السبسي من إمكانية إسناد مهمة حفظ أمن المنشآت الإقتصادية التونسية إلى الجيش التونسي، ربما يشير إلى بعض السياسات التي قد تُتبَع في المنطقة عموماً بشأن حفظ الأمن و بمباركة أو نصيحة، ربما دولية، فما تشهده تونس من ممارسات غير معتادة على نحو ما حصل في تطاوين من خلط بين المسيرات المُطالِبة ببعض الحقوق المشروعة و رفع الشعارات التي يمكن أن تدخل في عِدَاد العصيان المُهدد للسلم الإجتماعي بل و المنزلق نحو الدعوات الجهوية التي تطال الوحدة الوطنية في الصميم، فأن يتطور الإحتجاج ألى إغلاق الطرق أو حضر تدفق الغاز أو يوقف تصدير الفوسفات ما لم يتم التشغيل قسراً فإن ذلك يعني الإنجرار إلى الفوضى بإمتياز، أما إذا ربطنا ذلك بما تتناقله الأنباء، عن بقية أقطار الربيع العربي من حيث توزيع الثروات و إستغلال المعادن، فإن الضيق من مثل هذا النهج و التلويح بمقاومته عن طريق الجيش إنما يعني وعي تونس ببعض ما قد يؤدي إليه بعض الخطط من شرور قد تمتد إلى كل واقع عربي على حِدة، و قد تجعل العودة إلى ما كان سائداً قبل الربيع العربي من بين ما تفكر فيه بعض الدوائر الكبرى و مصالحها القارة، فالحديث في تونس إذاً ليس كلاماً يُرسل كيفما أُتفِق و ليس هو من قبيل شَغِل ساعات الإرسال المرئي و المسموع عبر الأقمار الإصطناعية التي تجاوزت بإمكاناتها المغرية جميع وسائل التواصل و قاعات الإجتماع، و قد كنا و ما نزال معشرالليبيين في مقدمة ما يُضرب به المثل عن فشل الربيع العربي الذي إتخذت منه بعض القوى سبيلاً لنشر كل ما هو سيئ و إشاعة كل ما يُبرر التدخل السياسي و حتى العسكري بكل أريحية، أي أن الخطاب موضوع الإهتمام قد لا يتوقف عند الحسابات المنظورة، كما أن التعويل على الصلاحيات التي تجعل الرئيس التونسي صاحب السلطة النهائية في تحريك الجيش ليس دائماً هو ما سيبقى سائداً فالتاريخ يعلمنا أن اِمتشاق السلاح حين لا يجيئ العدو من الخارج لا يعني بالضرورة أن يظل من يحمل السلاح مجرد حارس لمن يتربع على الكراسي الوتيرة حيث النمارق المصفوفة و الزرابي المبثوثة، إذ كثيراً ما تُغري كل من يقترب منها بالجلوس عليها بدل حراستها.و قدأُمِرنا منذ الأزل أن نستعيذ "من شر الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس"..إنتهى


____________________________

فأين الثريا و أين الثرى

أمين مازن

10-5-2017


فاز المرشح الفرنسي إيمانويل ماكرون  ذو التسعة و الثلاثين عاماً برئاسة الجمهورية الفرنسية، وسط إحتفاء أوروبي بهذا الفوز، لما يعنيه من دعم للدور الفرنسي البارز في وحدة أوروبا، و من قطع للطريق على اليمين الفرنسي غير المريح لهذه الوحدة و دور فرنسا المهم في بنائها و غير المجدي أيضاً لفرنسا ذاتها لما قد تجلبه النظرة المنغلقة التي يرفعها هذا اليمين من مخاطر الإنكماش التي كثيراً ما تنتجها نظرات التعصب و دعوات الإنعزال، هو حديث إرتفع وسط نقاش غير عادي حول هذه الوحدة التي تحققت منذ سنوات و صارت بفعلها القارة التاريخية دولة واحدة لها عملة واحدة و إجراءات أمنية واحدة يمكن لكل متوجه إليها أن يطوفها من أقصاها إلى أقصاها بتأشيرة واحدة يتم الحصول عليها تحت مصطلح "الشنقن" و عارضها بطبيعة الحال من عارض و بلغت هذه المعارضة أقصى خطواتها في الإستفتاء البريطاني الذي إنتهى بخروج بريطانيا من الوحدة المشار إليها، و إن كان المتحدث بإسم بريطانيا لم يُخف إرتياحه لهذا الفوز لِما يراه في فرنسا من قوة الجدوى تجاه بريطانيا، بمعنى أن بريطانيا هي الأخرى و رغم خروجها من الإتحاد الأوروبي فقد رأت في هذا الفوز مصلحة لها على الرغم من أن اليمين الفرنسي ربما يدعو إلى ترك الإتحاد الأوروبي، و ذلك لأن بريطانيا يهمها في هذا الصدد الموقف منها كدولة و هو ما تأمله و تعمل من أجله دون شك.

كان يمكن للخبر أن يمر هكذا فمعارك الرئاسة في العالم الآخر لا تعرف التوقف فثمة مدة محددة بكل رئيس، لا تسمح لأي منهم أن يبقى بعد نفاذ المدة فلا مكان للأبدية أو إستحالة البديل أو أي شيء أبدع العالم الثالث في توليد مفرداته و ثمة من تعَوَّدَ ألا يتحدث حوله أبداً و لكنها الذاكرة و المتعلّقة على نحوٍ خاص بهذه الأرض التي نسكنها و تسكننا أينما حللنا إذ تعوّدنا أنها فوق الآيديولوجيات و فوق الأحوال حسنت أو ساءت، فالفائز في هذه الإنتخابات ربما يكون من مواليد 1978، أي بعد سنتين فقط من حديث دار بيني و من كان يحمل الوطن في القلب حول ليبيا و العالم 76 و كنا بين الأمل في إمكانية تحسن الأحوال و ربما ترديها فيما كانت تحركات العالم لم تنذر بالكثير، و قد رأى صاحبي أن العالم قد يسمح بقوة ثالثة إلى جانب أمريكا و روسيا و قد رجّح أن تكون هذه القوة في أوروبا الواحدة. و قد فرقتنا بعد ذلك الأيام و لم يسلم أحدنا من الموت بعد أن وحدت أوروبا و حل ما حل بليبيا حتى كان هذا اليوم الذي إنتهت فيه إنتخابات فرنسا وسط إحتفاء في أرجاء كثيرة من المعمورة بهذا الفوز لما له من الأثر الإيجابي في مسيرة البشرية فيما ينعقد آخر الإجتماعات التي تضم دول الجوار الليبي حول أسوأ الأزمات التي أقلقت العالم و إستدعت رأفة العدو بعد الصديق، أزمتنا معشر الليبيين و التي كان من بين مفرداتها رفض التدخل في الشأن الليبي كما لو كان هذا الإجتماع ليس نوعاً من التدخل أو أنه مُبرأ من المصالح القُطرية أو ليس جزءً أو نيابة عن قوى أكبر و مصالح أخطر، و ضغوط ربما لا تبقى و لا تذر.

لقد كنت أختلس بعض الوقت لأستمع أخبار العالم من المذياع طبقاً للتربية التي نشأت عليها في التعامل مع الخبر و قيمته الناتجة عن السمع، فتجدني أُعول على مذياع السيارة، و أعمد في أحيان كثيرة إلى الخلوة، و لا سيما حيث الشواطئ القريبة من سكني في ضاحية قرقارش الي دخلت ذاكرتي قبل أن تُبنى في خمسينيات القرن الماضي، لتُهدَم في النهاية قبل مُوفَى القرن و يبقى ركام ترابها مُذكّراً بفندق الشاطئ و أجنحته و إستثمارات عبد الجليل عارف و بو زيان حيث إتحاد الأدباء و الكتاب و رابطته بعد ذلك و نقابة المهندسين و قبلها مركز الجهاد و منزل عبد الحميد البكوش الذي شهد قبل رحيله في سبعينيات القرن الماضي عشية مولد الرئيس الفرنسي الفائز برئاسة فرنسا عندما كان الحديث الخصب حول عديد الشئون و منها الوحدة الأوروبية المنتظرة و دورها، و الوطن و ما يمكن أن يؤول إليه جراء الصراع الدولي و الحكم الغوغائي فيدغدغنا الأمل مرة و يسيطر اليأس مرات،حتى كان تفرق الشمل و هدم تلك المباني مجتمعة و التي حملت معها كل نذر الشئوم، فيبدو الأمر وكأنه مجرد شريط مرّ تستدعيه الذكرى و يقصر إزاءه العمل، وقع الحسرة و الحرقة و ترديد الأهة يقفز قول الشاعر

فأين الثريا و أين الثرى***و أين معاوية من علي

____________________________ 



أُقِيل ناجي جلّول فخرج الوزير و بقي المشروع

أمين مازن

6-5-2017

أنجز السيد يوسف الشاهد رئيس الوزراء التونسي قوله الذي صرّحَ به في غير ما مرة، بأنه دون غيره المُختص بتسمية زملائه من الوزراء أو تحديد محافظهم و أخيراً خروجهم بالإقالة أو الإستقالة. و كان حينها يتحدث عن أزمة الوزير عبيد البريكي عندما أقاله من منصبه، تلك الإقالة التي لم يُخف عبيد إمتعاضه منها، إذ فضّلَ أن يُطلَب منه تقديم إستقالته، فها هو مرة أخرى يعمد إلى إقالة السيد ناجي جلّول وزير التعليم، و أحد السياسيين اليساريين البارزين الذين ساهموا في تأسيس حزب حركة نداء تونس و صوغ برنامجه، ذلك الجزب الذي تصدى للقطيعة التي تَبنّتها حركة النهضة صاحبة المشروع الإسلامي السياسي التي حملت عقب سقوط زين العابدين بن علي شعار القطيعة مع الماضي و ظاهرها على ذلك أكثر من طيف سياسي أبرزهم السيد مصطفى بن جعفر أبرز حلفاء السيد أحمد المستيري أقدم المُنشقين على الرئيس بورقيبة، و المنصف المرزوقي الحقوقي المعروف، فجاءت حركة نداء تونس رافضة مبدأ الإقصاء على الهوية و الإحتكام إلى المحاكمة القانونية، إنها الحركة التي بادر إلى الإكتتاب فيها -حسب الأنباء- نحو مليون مُكتتب لمجرد أن دعا إليها السياسي المخضرم الباجي قايد السبسي فشهدت تونس معركة ضارية بدأت برفض التمديد للمجلس التأسيسي، ليكون بديلاً للبرلمان الذي لا مناص من إنتخابه لمهمة محددة، ليُصار إلى إجراء الإنتخابات النيابية و مثلها الرئاسية، تلك التي أتاحت لحركة نداء تونس الفوز بالأغلبية النيابية و للسيد السبسي برئاسة الجمهورية، هو فوز حرص الباجي أن يدعمه بالتحالف مع النهضة لتشكيل الحكومة، بدل الذهاب إلى الأحزاب الصغيرة للحصول على أغلبية تقصي النهضة فتذهب مضطرة إلى الجماعات المتطرفة، و تعصف بالسلم الإجتماعي و تستنسخ ما شهدته أكثر من جهة. الأمر الذي لا مهرب من إنعكاسه على معركة التنمية و الإستقرار و تشجيع الممول الأجنبي على المضي في المشاركة الكفيلة بتحريك الإقتصاد التونسي، و لا سيما المتمثل في نشاط السياحة و ما تحتاج إليه من السلم و الحرية الشخصية المرتبطة بالإسلام المالكي الوسطي و ليس المُتحجِّر الوهابي، هو توجه بلوره عديد المثقفين التونسيين و منهم من دفع حياته ثمناً له، عندما أدركوا خطورة النزعة الإقصائية و التي ربما تكون قد حدت لاحقاً بحركة النهضة ذاتها عندما إختارت الطريق الدعوي و رفضت صراحةً الأسلوب الغوغائي، فقد نبذت النهضة بكل الصراحة العنف لتحقيق توجهاتها السياسية، و نصَّت على أن تكون وطنية في إهدافها و ليست لها أي توجهات أممية، الأمر الذي ثمّنَه كل متابع للشأن المغاربي لما في أقطار المغرب الكبير من تأثير على بعضها البعض، و من الممكن القول أن ناجي جلّول كان يدفع بذات الإتجاه كما ظهر من أجوبته على أسئلة و تعليقات فضائية الحوار التونسي، على الرغم من أن المحاور سمير أصرَّ في غير ما مرة أن يلفت نظر جلّول إلى ما كان يُحاك ضده في الخفاء و ما ذلك إلا لأن جلّول ليس لديه ما يخسر إذا ما أُقِيل من وزارة التربية و التعليم، و ما من شك في أن هذه الحقيقة أكثر من غيرها ما جعل أوساطاً تونسية كثيرة لا تُخفي إمتعاضها من توقيت هذا الإجراء بإعتباره يصُب في غير الصالح العام بإمتياز

و إذا ما كانت إقالة ناجي جلّول قد أكدت ما سبق أن صرّح به الشاهد من أنه المختص وحده بتسمية و إقالة الوزراء، و بطبيعة الحال المحسوبين على حركة نداء تونس في الإئتلاف الحاكم، فأظافت له ما يمكن أن تظيفه من علامات القوة و التمتع بثقة الرئاسة بكل مقوماتها، و جسدت في الوقت ذاته إستحالة الصمود أمام الضغط النقابي و لو كان المطلوب إنقاص و بالأحرى المساس بساعات الدراسة، مما قد يبعث المسرة لدى أكثر من طيف سياسي و بالذات من أقلقهم إنبعاث نداء تونس و منجزه ليكون هذا النوع من الإقالات دافعاً للمزيد من التشظِّي و المزيد من بروز سلطة الذاتية و ربما العائلة و ما هذه الإقالات المتلاحقة إلا الرحلة الحثيثة نحو إنتهاء الأغلبية، و التي لم تكن مرونة النهضة سوى حلقة من حلقاتها، و عندما يكون أمثال المهدي جمعة و الحبيب الصيد، و يلحق بالركب آخرون ممن سينعكس التطاول على دورهم سلباً على حركة نداء تونس كحزب، فإن خروج ناجي جلّول من الوزارة التونسية كشخص، إلا أن الذي لا شك فيه -و بحكم ما وضح لأكثر من سنتين- لن يخرج كمشروع.إنتهى


_____________________________








يغير الله من حال إلى حال

أمين مازن

24-4-2017

طالب أكثر من طرف دولي في معرض أحاديثهم الرامية إلى إيجاد مخرج تُحَل بواسطته الأزمة الليبية التي طال أمدها و تفاقمت أخطارها بضرورة أن يكون لليبيا جيش موحد تديره قيادة واحدة و بإشراف إدارة مدنية، كما هو الحال في جميع بلدان العالم المُتحضّر، بحيث تنحصر مهمة هذا الجيش في الدفاع عن الوطن و ما يتهدده من المخاطر، دون أن يقترن الدفاع بممارسة الحكم، و هو توجه عادته بعض الأطراف التي حرصت أن تتخذ من إنتهاء سلطة النظام السابق و مساهمتها في إسقاطه ليكون البديل عن ذلك سلطة ليس من أولوياتها الرقعة الجغرافية المُصطلح على تسميتها ليبيا ذات الحدود المُعترف بها في الشمال الأفريقي و سكانها الذين يُقدَّر عددهم بين خمسة و ستة ملايين من البشر، من سبتمبريين و فبرايريين، أي السلطة التي لا تسأم تصنيف المواطنين فتَعِد من تتواءم معهم بالفردوس الغني بالعين و الحُور فيما تقابل من سواهم بالويل و الثبور و عظايم الأمور، توجه عارض فكرة التخلّي عن السلاح و وضع أكثر من مخطط لمداخل الفترة الإنتقالية حتى تتحول إلى ديمومة، مما كانت نهايته لجوء الأطراف المتصارعة على الغنيمة إلى أعمال السلاح داخل العاصمة، و كان من الممكن أن يلحق الخصوم إلى أرض أجدادهم لولا أن فرضت المصالح المجاورة و شروط الإستقرار أن يقف كلٌ عند حده. ذلك أنه ثبُت بعد عديد المراجعات ألا مخرج من مأزق إنتشار السلاح و تصفية الكتايب المُمسكة به إلا بجيش وطني محترف القيادة و يعتمد التراتبية و يتبنّى الإنضباط، لا مناص من أن يتشكل فيسع جماهير الضباط كافة و الذين يقرُب عددهم من العشرين ألف و نحو مائة ألف من الأفراد، إنه الجيش الذي كان النظام السابق قد جمّده و لم يترك منه سوى ألوية محدودة أُوكِلَت إليها مهمة الدفاع عن النظام قبل أن يتقرر إسقاطه، فأعداد هؤلاء العسكريين جميعاً موجودة لدى عديد الدوائر و ما من صعوبة في حشدها من جديد لتفعيل دورها لتمثّل ليبيا قاطبة و تُقدم لها ما هي في حاجة إليه من الإمكانيات الضرورية، أي أن هذا العدد لا يشمل الكتايب التي تناسلت أعدادها و تمتعت بالمبالغ الفلكية بحُجة المشاركة في الثورة فأدى وجودها بما لديها من الإمتيازات التي لم ترهق الخزينة و حسب و إنما تسببت في العجز عن تسديد المرتبات العادية و ليس تلك التي تضاعفت عدة مرات.

لقد حدثت هذه المجاهرة ضمن ما أُثير أخيراً بشأن الأزمة الليبية في جلسة مجلس الأمن الدولي التي إلتأمت في الثامن عشر من أبريل التي تحدَّثَ بها أكثر من مندوب بدءً من المندوبة الأمريكية و إنتهاءً بالمندوب الروسي فضلاً عن السيد كوبلر الذي لم يكتف بتقريره إلى المجلس و إنما أرفق تقريره بتصريحات لقناة الجزيرة، ناهيك عن الرئيس الأمريكي الذي حدد مقاومة الإرهاب و تأمين حقول النفط مع إمكانية تخريط ليبيا إدارياً لتتكون من ثلاثة أقاليم كما كانت في العهد التركي، أي قبل أن تُحْتَل من إيطاليا في مطلع القرن الماضي عقب تنازل تركيا، و الذي لم يقبله الليبيون و قاوموه بقوة السلاح ليتحالفوا في أربعينياته مع الإنجليز من الشرق بقيادة الأمير إدريس، و مع فرنسا من الجنوب التي تعاون معها السيد أحمد سيف النصر، مما جعل دولة الإستقلال عند تقرير المصير الليبي تنص على الأقاليم الثلاثة و مثل ذلك الإستفتاء و أخيراً هيئة وضع الدستور و تشكيل مجلس الشيوخ، إنه النظام الذي عُدِّلَ جراء تعقيدات تصدير البترول و يبدو أنه قد يُعَاد مرة أخرى بتأثير ذات المصالح و صِلتها بالجانب الأوروبي و الأمريكي تحديداً.

لقد نُسِبَ إلى المندوب كوبلر قوله أن التعديل المُقترَح لإتفاق الصخيرات إعادة تشكيل مجلس الرئاسة ليُختصَر في رئيس و نائبين يُمثلون الأقاليم الثلاثة و آخر لرئاسة الوزراء يتكون هو الآخر من رئيس و نائبين و عدد من الوزراء، و الشيئ نفسه لمجلس النواب و الدولة، مع قيادة للجيش تتكون من قايد عام و مساعدين، و هي صيغة تهدف إلى توسيع الدائرة مع المحافظة على التوازن في التمثيل المتعلق أولاً بالأقاليم و ربما الأطياف السياسية و من باب أولى العسكرية، غير أنه لم ينسى و هو يتحدث عن هذه الأمور مجتمعة أن يتحدث بإسهاب عن حقوق الإنسان المهدورة في أماكن حجز المهاجرين غير الشرعيين الذين تأتي بهم عصابات التهريب و تنعدم في أماكن حجزهم أدنى الحقوق، كأن ليبيا وُجِدَت من أجل هؤلاء، و أكثر من ذلك يقول أن ليبيا تتسع لما لا يقل عن ثمانية أو عشرة ملايين بما يتوفر بها من الإمكانات، و هي تصريحات لا مناص من أن تؤخذ مأخذ الجد و ما من عُذر للفرقاء في عدم الإكتراث بها. أي أن على المتصدرين للمشهد و الضالعين في إصدار القرار أن ينصرفوا إلى المعضلات التي تطال المواطن و إحتياجاته الأساسية، من أكل و صحة و مواصلات و تعليم و كلها غاية في السوء و يضاعف من سوء أثرها النقص المخجل في السيولة، حيث تقف الصفوف الطويلة في كل مكان إنتظاراً لما لا يتجاوز الخمسمائة دينار لتعود في أحيان كثيرة بدونها، في الوقت الذي بلغت رواتب و مزايا أعضاء الحكومات الثلاثة و مجالسهم و هيآتهم السامية عشرات الألاف من الدنانير المؤمّنة دون أي متاعب، و لم يتحدث أي منهم عن ضرورة تخفيضها بإعتبارها زِيدَت على نحوٍ فاق أرقى بلاد العالم و أغناها و كان من أوكد الواجبات أن يُصار إلى تخفيضها لما أحدثته من إفراغ للخزينة و ما جسدته من الفوارق في العيش و إخلال بالموازين، فإذا ما أضفنا إلى ذلك سفرهم إلى شرق العالم و غربه إلى جانب الأنشطة الدعائية التي لا مردود منها سوى المزيد من إهدار المال العام و الوقت الثمين و إصرارهم على الظهور اليومي بالفضائيات مُرتدين أحدث الموديلات كما لو أنهم يمتهنون عرض الأزياء، أما القائمة الطويلة العريضة بأسماء الدبلوماسيين الذين يُراد لهم تغطية الكرة الأرضية بالكامل، و بما تحمله من علامات الجهوية و المُحاباة و عدم العدالة بين أبناء الوطن و في الوقت الذي يجري الحديث عن التوافق فليس له من دليل سوى الإصرار على إستغلال كل دقيقة في السلطة لإفادة المحاسيب و الشركاء و الأصهار و المراهنة على سياسة الأمر الواقع مما يجعل من هذه القائمة رسالة إستفزاز للوطن من أقصاه إلى أقصاه، و وفق أحد المطالب المهمة واجبة النفاذ و المحفزة للترحيب بأي مستجدات يمكن أن يُحكِم تخطيطها السادة الحقيقيون؛ إن كلما إزدادت مشاعر الإحباط و إستشعرت الرعية طعم مرارة الظلم كلما صار زوال العهد أول أولويات الناس.

لقد تزامنت الدعوة إلى إنبعاث جيش قوي مُوحد مع جملة من الإتصالات التي قام بها أكثر من مبعوث دولي و إجتماع قممي كان آخرها لقاء روما الذي شمل ترامب و الإيطاليين، و سبقه أكثر من لقاء ثنائي بين أكثر من قبيلة ليبية ذات وجود خارج الوطن و داخله، الطوارق و التبو و أولاد سليمان.. و تحت رعاية إيطالية وهي ذاتها التي رعت لقاء عقيلة صالح و السويحلي، مع تشديد ترامب أن دوره و دور بلاده ينحصر في القضاء على الدواعش، و لأن الدواعش يمكن أن يُحسَب ضمنهم كل من يُراد القضاء عليه، فإن دور ترامب يشمل الوطن كله. غير أن ما تُعيد عرضه الفضائيات في معرض صراعها مع خصوم هذه الأيام من لقاءات المصالحة التي سبقت إنتفاضة فبراير، حين لم يدَّخر القوم ما طاب لهم من الثناء، مما نكفوا عنه بعد ذلك مسرعين، لا بد أن يدعونا إلى تذكّر القول القديم ما بين طُرفة عين و إنتباهتها: يغيّر الله من حال الى حال



_____________________________


أردوغان و إخفاء الفشل بالهجوم

أمين مازن

18-4-2017


بأغلبية واضحة الضآلة، و مطعون في نزاهتها من أكثر من مراقب، أُعلِن في تركيا عن نتيجة الإستفتاء الرامي إلى تعديل الدستور التركي على النحو الذي سعى إليه رجب طيب أردوغان، بعد أن فشل في تمريره عن طريق البرلمان، ليكون بواسطته جامعاً بين رئاستي الجمهورية و مجلس الوزراء، كي تذوب هذه الأخيرة في الأولى. و ليس كما حدد الدستور السابق الذي يحصر السلطة التنفيذية في رئيس الوزراء، و المختص بتسميته و من ثم محاسبته مجلس النواب، مما يجعل من مهمة رئيس الجمهورية محصورة في المسائل البروتوكولية، كما سيتيح التعديل المقترح أن تمتد رئاسة الجمهورية إلى ثلاث ولايات، بدلاً من ولايتين فقط، مما يعني أن أردوغان سيبقى سلطاناً لتركيا إلى العام 29 من القرن الحالي، و نحن نصفه بالسلطان لأن التعديل المقترح يعطيه حق إختيار و إعفاء  مساعديه من دون الرجوع إلى مجلس النواب، كما سيكون من مشمولاته تسمية الكثير من رجال القضاء، بمن فيهم أعضاء المحكمة الدستورية أي أن هذا الرئيس ليس له إلا أن يأمر فيُطاع و يحكم دون أن يخشى أي إستئناف، و يكفي أنه يملك صلاحية إعلان الأحكام العرفية أنّى شاء و متى رآى ذلك ضرورياً، لقد جاء هذا الإستفتاء أو لنقل طُرِحَ و أُنجز في ظروف إستثنائية بكل ما في الكلمة من المعاني، بدءً من حالة الطوارئ التي تلت ما ذُكِرَ عن المؤامرة المزعومة التي ترتّب عليها عزل و سجن أكثر من مائة و سبعين ألف مواطن تركي، ممن جمعوا بين الخبراء المختصين و الموظفين و السياسيين و العسكريين الأكفاء و الجامعيين الأفذاذ، إلى جانب التضييق على كل ذي رأي يدعو إلى عدم إقرار التعديل المقترح بإعتباره لا يخدم مصلحة الوطن التركي، و في الوقت الذي رأينا أردوغان و كبار مسئوليه يطوفون تركيا من أقصاها إلى أقصاها مبشرين بالجنة الموعودة و التي ستفتح أبوابها بعرض السموات و الأرض لمجرد أن يُقرّْ التعديل المقترح حيث الإستقرار غير المسبوق و التقدم الإقتصادي الذي لا نظير له، أما الذين رأوا في التعديل المقترح ما يمثل الخطورة على مستقبل تركيا الكمالية التي ظلت لما يقرب من قرن تحلم باللحاق بأوروبا و الدخول في هيئاتها و تنظيماتها، فقد كان التضييق عليهم و الحيلولة دون تمكنهم من إبداء رأيهم أكثر من أن تُحصى، و سواء قُدِّرَ لأردوغان أن يمضي في مشواره حتى النهاية أو أضطر إلى الإنصات لرأي المعارضة و التي عبَّر عنها على نحوٍ خاص ثلاث مدن رئيسة و قد نقول عواصم، هي أنقره و إسطنبول و إزمير، فإن حقيقة وجود تيار شوفيني يسود العقلية التركية، المُمتلئة شراهة على ثقافة الإستهلاك و تحقيق الوفرة الإنتاجية التي لن تكون بواسطتها تركيا سوى آلة إنتاج لا تعرف التوقف، و سوق لتصريف التقنية و السياحة و القوة الجسدية القادرة على تلبية طلبات السيد الأوروبي، الذي طالما لم يُصر على تحقيق التماثل الصحيح بين الشعب التركي و الشعوب الأوروبية، مما دعاها أي تركيا الأردوغانية لا تسأم تشغيل الكثير من الوكلاء الصغار الذين يتاجرون بالإرهاب فيشجعونه صغيراً و يحاربونه كبيراً، و لا سيما ثورات الربيع العربي التي إرتبطت بتدخل  تركي سافر ليس له من هدف سوى إنتاج المزيد من الأزمات الرامية إلى تخريب كل شيئ، رهاناً على إستعادة السيادة المفقودة التي لم تنتج يوماً سوى كل ما هو رجعي و مخالف لحركة التاريخ، و التي كان آخرها هذا الإستفتاء المُشوه، و هذه النتيجة غير المُطمئنة و هذا الإصرار المضحك من طرف أردوغان على أن ما جرى قد مثّل إنتصاراً له في الوقت الذي يفرض المنطق إعادة النظر، أما التصعيد الإعلامي الذي حرص على مخاطبة أوروبا به، فليس أكثر من إستشعار المرارة من حيث النسبة من ناحية، و لكونها أسوأ من ناحية أخرى، و قديماً قيل الهجوم أفضل وسيلة للدفاع. إنتهى


_____________________________

 

محمود المنتصر و دوره السياسي في ليبيا

أمين مازن

10-4-2017

ربما يكون كتاب محمود المنتصر و دوره السياسي في ليبيا، الذي تولت نشره و توزيعه دار الرواد الليبية، بعد أن أنجزه الباحث العراقي - على الأرجح - صادق فاضل زغير الزهيري و راجعه الدكتور ظاهر محمد صكر الحسناوي بعد أن أشرف عليه كرسالة جامعية، بصدوره في ليبيا خلال هذه الظروف غير المناسبة قد جاء في غير وقته المناسب بكل ما في هذه الكلمات من معاني. فالعمل الذي حمل هذه الدراسة المهمة لهذه الشخصية الأكثر من مهمة، يتعذر عليه أن يجد من الرواج ما يتفق مع موضوعه، و من أسباب الإنتشار ما يتفق مع الجهود التي بُذِلت لإعداده. فالمنتج الثقافي المُعد لأصحاب الإختصاص حين لا توجد الظروف المناسبة لإقتناء الكتاب فإن حظ مؤلفه و ناشره لا يمكن إلا أن يكون غير حسن. فلا الأحوال الإقتصادية تشجع على الإقتناء و لا وسائل الإعلام تُقيم وزناً لما يزخر به التاريخ من كنوز المعرفة، و لا الوسط الإجتماعي يحفل كثيراً بما يشكله الماضي من دواعي إستشعار السعادة، و إلا فإن مثل هذا الكتاب بما يختص به من تاريخ المرحلة و الشخصية و المحيط، جدير بأن يُطبع المرة تلو المرة لمجرد ظهوره للأسواق، فلا يقف مردوده عند تغطية مصاريفه الضرورية و إنما يدر المردود المُجزي للمؤلف و الناشر بكل أريحية ليواصلا السير نحو الأفضل، و لكن الواقع المحزن الذي جعل لا صوات يعلو في حياتنا معشر الليبيين فوق صوت الرصاص و لا رائحة أكثر من رائحة البارود و لا قدرة إقتصادية يمكن أن تسمح للخاصة فضلاً عن العامة لما يتجاوز الكفاف، فإن وجد من ينشغل بالفكر فليس أكثر من الأيديولوجيا التي لا تسأم إحتكار الإنتاج و التسويق، مما لا يدخل ضمن أولويات الكتاب الثقافي في شقيه التاريخي و الإبداعي و بكل المقاييس لن يكون للمنشغلين بالكتاب من المقدرة ما يدفعهم للإقبال على الكتاب.

و كيفما كان مستوى التعاطي العام مع الثقافة و المثقفين، فنحن الآن أمام كتاب بالغ الأهمية بما تصدى له مُعِدُّه من محاولة نفض الغبار عن مرحلة من أخطر مراحل التاريخ الليبي و شخصية من أهم الشخصيات التي تمثل من يوصفون بجيل الآباء المؤسسين الذين نهضوا بمهمة بناء الدولة الليبية خلال القرن الماضي الذي شهد أوله مولد محمود المنتصر موضوع الكتاب و مراحل تكوينه و من ثم دوره، و لم تأتِ سبعيناته إلا و هو يلقى وجه ربه داخل جدران السجن و لا يتوصل أهله بنبأ وفاته إلا بعد يوم و بعض، مع ثلاث جمل من ذهب سطرها الصحفي الراحل جمعة نصر الفيتوري على صدر صحيفته الهدف "نحن نعلم يا محمود أنك كنت نظيف اليد و القلب و اللسان" و لست أدري كم من الناس الأحياء يذكرونها حين نُذكرهم بها، نعم في أول القرن ولد محمود المنتصر و في مطلع عشريته الثانية أُحتُلت البلاد من قبل إيطاليا عندما بلغ العجز التركي مُنتهاه و لم تبقى سوى سواحل ليبيا تعلوها الراية التركية التي طالتها الرياح على كل المستويات، ليبدأ في تلك الأيام الدور الإيطالي إنطلاقاً من التنازل التركي فيتمكن الطليان من إحتلال الشطوط على طولها و تنطلق المقاومة على أكثر من صعيد و بأكثر من رؤية، و تكون الزعامة في الغالب لطبقة الموظفين القائمين بإدارة شئون البلاد و رئاسة الأقاليم و القبايل، ليكون آل المنتصر على صلة بالكثير مما يجري و تدعوهم - شأن غيرهم في محيطهم الصغير و الكبير - إرتباطاتهم و مصالحهم إلى إتخاذ ما يتراءى لهم من المواقف و يكون من ثم إصطدامهم مع نظرائهم في الجاه و السلطة ما يُعرض بعضهم للقتل لتأتي من ثم ردة الفعل الطبيعية للإحتماء بمن يرون فيه إمكانية المساعدة فينشأ محمود المنتصر وسط هذه الظروف مُجتمعة فيتكون أولاً و يبدأ مشواره و يتمدد دوره و يأتي هذا الكتاب.

تجاوزت صفحات الكتاب ثلاثمائة صفحة، قُسّمت إلى أربعة فصول رئيسة و خاتمة مع تقديم للأستاذ المشرف و ملَاَحق جمعت المصادر و المراجع تمثلت فس عديد الدراسات الحديثة و الوثائق الرسمية و التقارير الدولية و الصحف و الدوريات و المجلات و بعض المراجع الأجنبية، على رأسها فصل كامل للتعريف بالجذور العائلية لآل المنتصر و مكونهم الرئيس المُتمثل في قبيلة الكوافي إحدى قبايل الأهالي بمصراتة و هو المقابل للكوارغلية، و هو التقسيم الذي إليه أخر تنظيم إعتمده الإيطاليون تعويلاً بلا شك على المسح الميداني الذي أعَدَّهُ الباحث أوغوستينو في عهد الوالي فولبي، عندما شهدت الإدارة نوعاً من الإستقرار المُحتكم إلى المنهج العلمي و هو تمهيد يبين المنزلة الخاصة التي بلغتها أسرة المنتصر عامة، و عمر باشا على نحوٍ خاص بإعتباره أول من إنتزع زعامة قبايل مصراتة من أسرة الأدغم الشهيرة و التي ظلت قبل بروز آل المنتصر تتبوأ مقعد القيادة.

و تؤكد المرجعيات التي إستقى منها التمهيد أحكامه أن الزعامة المُنَوّهْ عنها قد نشأت من خلال الجمع بين الدين و الدنيا، أي أنها في الوقت الذي تتجلَّى في عديد المناصب التي تولاها أكثر من جد في آل المنتصر من خلال إنخراطهم في المسئوليات الإدارية الرئيسة لأكثر من مدينة حتى بلغت العجيلات غرباً و ما جاورها، و لا سيما عمر باشا المذكور والد أحمد ضياء الدين و شقيقيه سالم و عبد القادر و هذا الأخير جمع بين السياسة و التجارة و الشعر الشعبي المميز كما تشهد مراسلاته مع معاصريه، فيما تؤكد الوقائع أن مقتل أبو القاسم المنتصر أثناء الصراع السياسي الذي شهدته مصراتة و الذي لم يكن أبناء المنتصر يحملون فيه السلاح على خصومهم قد فرض عليهم نوعاً من التواصل مع السلطات الإستعمارية من باب الدفاع عن النفس و إتقاء المزيد من الشرور، إلا أنه لم يكن بدعا بقدر ما كان جزءً من خيار رجّحه الكثير من متصدري المشهد السياسي الليبي و هم يناقشون الموقف بشكل جمعي مُرجحين فكرة التعاون اللهم إلا ما إنفرد به السيد محمد عبد الله البوسيفي، و هي مرحلة لم يكن لمحمود المنتصر وجود فيها بحكم السن، إذ ما لبث أن أُوفِدَ إلى إيطاليا قصد الدراسة الجامعية و هو ما هيأ له ضمن ما هيأ التعرف على السيد إدريس عندما زار إيطاليا بدعوة من الحكومة الإيطالية كأمير، و أُلتُقِطَت له الصور بالملايس الأوروبية، و هي الصورة التي نشرها الشيخ الطاهر الزاوي في كتابه الشهير "عمر المختار" الذي ألفه في المهجر المصري تحت إسم مستعار هو "أحمد محمود" و رد علي الشيخ الأخضرا العيساوي و كذلك الشيخ محمد بن عبد الملك، لقد كان الهدف من نشر الصورة المشار إليها الإساءة للسيد إدريس في حين إعتبرها بعض المراقبين دليلاً على التفتّح المبكر لذلك الرجل المُتحضّر و عندما عاد محمود المنتصر من رحلته التي دامت وقتها الضروري بمدينة روما مُنهياً دراسته الجامعية، بدأ سيرته العملية التي إضطلع فيها بإدارة أوقاف طرابلس و مدرسة الفنون و الصنايع و غيرهما من المرافق التي مكنته من تحقيق المكانة المرموقة كواحد من وجوه المدينة الذين يُشار إليهم بالبنان، فكان لا مناص من أن يُسهم في عديد الأنشطة الرسمية و البروتوكولية شأن نظرائه في المكانة العلمية و الإجتماعية.

كانت السلطة قد إستقرت لإيطاليا طبقاً لأحوال السِلم العالمي، إذ بإستثناء حرب الحبشة فلم يكن هناك أي حرب في العالم، كما أن الرأي العام الليبي مُعبأ ضد أثيوبيا لوجود أعداد كبيرة من أبنائها و من حولها أثناء الحرب الليبية الإيطالية، مما جعل الكثير من الليبيين ينظرون إلى محاربة إيطاليا لأثيوبيا و كأنها فرصة للثأر مما لقيه الليبيون، كما أن الوعود المعسولة التي لوَّح بها الإيطاليون دفعت الكثير من شباب ليبيا في تلك الأيام إلى الترحيب بالزعيم الفاشي مما جعل من المنافسين في وقتٍ لاحق و بالذات أولئك الذين غادروا البلاد عقب الحرب فإدَّعُوا ما طابَ لهم أن يدَّعوا إزاء الموجودين بالداخل، ممن كانت مواقفهم تجاه المستعمر أكثر إيجابية و معاناتهم أكثر ألماً، و مع ذلك لم يجدوا من الإنصاف إلا ما قلَّ أصحابه، و من العتب إلا ما كبُر حجمه، من الذين كان تنازلهم أكبر، و تقصيرهم أسوأ، كما هو الحال بالنسبة لمحمود المنتصر، الذي لم يتردد في مغادرة البلاد لمجرد توفر الفرصة المناسبة، ليكون في مقدمة المبادرين بالتحرك في سبيل عمل ليبي مُوحَد عندما كان في مقدمة من تواصل بالسيد إدريس و دعوته إلى الحيلولة دون إنقسام الصف الوطني و الحذر من المشروع البريطاني الرامي إلى تشجيع برقة على القبول بكيان قزم يقسم الصف و ينخدع بالإستعجال.

لقد بذل محمود المنتصر في غضون ذلك التاريخ الكثير من الجهد و الكثير من الصبر في سير تلك المعركة المريرة التي تُوِّّجت بإستقلال البلد، لما في تلك الصيغة من مواءمة بين مصالح الحلفاء الخارجين من الحرب منتصرين و المُتصدين لاحقاً للمد الشيوعي، و الشعب الليبي المحتاج لقوت يومه ناهيك عن إقامة دولته، مما جعل الدخول مع الطرف الأوروبي في معاهدات تُنظم العلاقة و تسمح بوجود بعض القوات العسكرية شرطاً لا مهرب منه، فكان أن أقدم محمود المنتصر بوصفه رئيس حكومة الإستقلال على إبرام المعاهدة المشار إليها بشروط بَذَلَ الكثير من الجهد أن تقوم على الحد الأدنى من الخسارة، معاهدة قبلت بها الأغلبية و لم تعارضها سوى الأقلية التي ليس لديها البديل الأفضل اللهم إلا التهريج الإعلامي المرتفع بعديد دول المحيط لحسابات تخصهم و مشكلات تعود عليهم أكثر من غيرهم، معاهدة أقرَها أول برلمان تم إنتخابه في إقتراع ليس في المستوى المثالي من النزاهة و لكنه ليس مُزيفاً بالمطلق، و كل مراجعه لقائمة الأسماء التي شُكِّل منها ذلك المجلس تؤكد أن الذين نالوا العضوية ليسوا نكرات في بلدانهم، و لعل محاضر الجلسات المدونة و المحفوظة أيضاً تشهد بوضوح على مستوى الأهلية، كما أن ما إنتهجه محمود المنتصر من حرص على إحترام الدستور و على دعوة القصر بعدم التدخل في شئون الدولة و وجوب تقييد الملك بمشورة رئيس وزرائه في كل ما يخص الدولة كما ينص الدستور في مادته الخامسة و الثلاثين تؤكد أن محمود المنتصر لم يكن مجرد رجل مُتطلّع إلى السلطة أو حريص على البقاء فيها و لو من دون إختصاص، فقد كان مثالاً للمسئول المُصرّ على ممارسة صلاحياته كاملة غير منقوصة بدليل أنه لم يتردد في إعلان تبرّمه من إقالة والي برقة و طرابلس، على الرغم من أن الأول كان مثالاً للتعنُّت و الموقف المُتصف بالجهوي فيما كان البديل للثاني مُتمثّلاً في إبن عمه الصدِّيق المنتصر، فلم تَعرِف القرابة نظر محمود المنتصر عن السر الحقيقي لذلك الإختيار و الذي لم يكن إلا لما عرف عن الصدِّيق من جموح للسلطة و إنحياز للخاصة الملكية على حساب الحكومة، ومما لا شك فيه أنه أدرك طبيعة النظام الذي يتطلّع الملك إلى فرضه في البلاد و هو الإمساك بالخيوط كاملة إن عن طريق الديوان الذي يرأسه السيد عمر شنِّيب الذي تربطه بالملك صلة العمل منذ سنين الإمارة أو إبراهيم الشلحي الذي عاشر الملك منذ نعومة أظفاره و قُربه إلى الدرجة التي طالما أثارت حفيظة أقرب الناس إليه و هو السيد الصدِّيق الرضا المُتصف بالكفاية و العلم و العقل الراجح، الأمر الذي لا يتفق و رؤية المنتصر و غير المنتصر من الذين لم يتجهوا إلى إعتماد الملكية الليبية إلا و هم يضعون نُصب أعينهم الشكل الدستوري الذي يحدد الصلاحيات و يُنطها بالحكومة فيما يكون دور الملك ترشيدي و هو مالم يرُق لإدريس كشخص له من الأتباع ما لا حصر له في عموم البلاد، و له نظرته الحاصة لبرقة و رجالها تحديداً فهو و الحالة هذه يعز عليه القبول بفكرة الدولة و الدستور و الصلاحيات و حتى الإتفاقيات التي طُرِحَت أمامه منذ المناداة به أميراً ثم ملكاً و ببيعة محصورة في شخصه و أبنائه من بعده، و ليس أبناء عمومته، و هو ما لم يتردد في الإخلال به منذ إعتماد السيد الرضا ولياً للعهد بواسطة مجلس النواب الذي حدد الدستور صلاحياته في عرش يعلوه الإدريس و أبناؤه من بعده، و هي على أي حال البداية الأولى لجميع ما عانت منه البلاد بعد ذلك العديد من المشكلات و الأحداث الخطيرة و لا سيما إغتيال إبراهيم الشلحي، و نقل الحكومة إلى البيضاء على الرغم من أن الدستور يعتمد بنغازي و طرابلس فقط.

لقد قدم محمود المنتصر إستقالته من رئاسة الحكومة، ليخلفه أحد وزرائه "محمد الساقزلي" و إبن جيله بالضرورة، و ربما صِنوه في نظافة اليد و التمسك بإحترام الدستور و حكم القضاء، فكان أن جاء من هو أكثر شراهة للسلطة و تغيرات المرحلة هو المهندس بن حليم الذي قضى أطول فترة في الحكم و أبرم الإتفاقية الأمريكية و ألحقها بالفرنسية و الإيطالية، و عاصر أزمة إغتيال الشلحي و صلافة عمر باشا الكيخيا بعدم تعزية الملك فيه لتسهل إزاحته من رئاسة الشيوخ في غياب السبب الحقيقي الذي هو المعاهدة الأمريكية، فيأتي البديل متمثلاً في السيد محمود بوهدمة الذي لا يُظاهى في الإستقامة و لكنه لا يُقارَن بعمر الكيخيا في قوة الشخصية. لقد إعتمد بن حليم في تمرير المعاهدة الأمريكية بالنسبة لمجلس النواب على والي طرابلس الصدِّيق المنتصر، و لكنه ما لبث أن تبنّى فكرة إزاحته ليشغل سفيراً بمصر ليحد من نشاط الطلبة، ليُصار إلى إستخلافه بالسيد جمال باشا آغا و من ثم إنتخاب السيد الفيتوري السويحلي لمجلس الشيوخ فتتحرك التيارات المعادية لآل المنتصر بمصراتة، إذ خرج محمود "موضوع الكتاب" من البلاد و أُزِيح السيد مختار المنتصر من كبير مُتصرفي المقاطعة الشرقية، و فقد مصطفى عضوية مجلس النواب بإنتهاء مدة المجلس، غير أن ما تمكن محمود المنتصر من إنجازه كرئيس للوزراء و في نظافة يد رافقته حتى رحيله من الدنيا و هو رهين السجن، و هو ما فصلت فيه الدراسة و مراجعها المُوثقة على أكثر من صعيد. لقد تنقَّل محمود المنتصر بين سفارتي ليبيا في بريطانيا و إيطاليا، و إشترى لكليهما مقراً من أحسن و أثمن المقرات إلى أن نُودِيَّ به مرة أخرى لرئاسة الوزارة خلفاً للدكتور محي الدين فكيني الذي تزامن عهده مع إنتهاء مدة معاهدتي بريطانيا و أمريكا، و كان مُصرّاً على عدم تجديدهما خلافاً لرغبة الملك الذي يرى في وجودهما الضمان الوحيد للإستقرار و كذا إنتهاء مدة مجلس النواب فكان لا مناص من إجراء الإحصاء العام و إعادة النظر في عدد أعضاء المجلس بما يتفق مع الدستور الذي يقترح لكل عشرين ألف نسمة نائباً واحداً أو كسر هذا العدد، و قد أُجرِيت الإنتخابات يومئذ بوقف مُسبق تجاه العناصر المتطرفة في مواقفها المعادية للغرب، و لكنها في ذات الوقت لم تحل دون تشكيل مجلس ضم الكثير من الأسماء التي لا تفتقد التجربة و لا تخلو من الطموح السياسي، فلم تقبل من الحكومة مجرد السماح لها بعضوية المجلس و هي التي ضمت عناصر كان لها دورها في إسقاط الدكتور فكيني الذي ناصب جميع سابقيه العداء فهي و الحالة هذه تريد مشاركة في السلطة بما فيها رئاسة مجلس النواب التي رآى محمود المنتصر إسنادها إلى الشيخ سالم القاضي، فبدا و كأنه حاباه لأسباب جهوية، و كان أن حُلَّ المجلس بدعوى تذمّر المواطنين من الإنتخابات، و الصحيح أن العهد غدا يُراهن على الضعفاء بحيث جاء المجلس على نحو لا يضاهى في الضعف بل و مُنعت المرأة من الإنتخاب مع أن الدستور يعطي هذا الحق. لقد أُجريت الإنتخابات بعد قبول إستقالة المنتصر، و يجيئ حسين مازق مع الإبقاء على وزير الداخلية فاضل الأمير و الوكيل مصطفى الأصفر واكمل لهما العملية الإنتخابية و ليشغل محمود المنتصر في إطار التوازن على ما يبدو منصب رئيس الديوان الملكي، خاصة و أن السيد علي الساحلي كما يؤكد أكثر من مصدر لم يعد مستريحاً لسوء أحوال السلطة الليبية، غير أن إسناد هذا المنصب لم يتبعه أي مشاركة في المسئولية اللهم إلا التواصل مع أدريان بلت بشأن مشروع الدستور المُقترح لليبيا غير الملكية و قد تردد يومئذ أن مجلساً رئاسياً قد تؤول إليه السلطة العليا في البلد سُميَّ له كل من خالد القرقني، مصطفى بن حليم، عمر سيف النصر، محمود بوهدمة، إلى جانب محمود المنتصر، و هو ما إستدعى ذلك الحراك الذي تصدى لرفض الفكرة و التوجه إلى الملك بطبرق، هو حراك دعا إليه حسين مازق من موقعه كرئيس للوزراء و زعيم قبيلة البراعصة التي تجاهلها التشكيل المقترح و مثل ذلك العبيدات و العواقير، إلى جانب تجمعات بشرية أخرى فكان أن شارك تيار الرفض الكثير من شخصيات البلد المعروفين ممن حشّدهم أمثال محمد عثمان الصيد و يونس بلخير و بلقاسم العلاقي و نوري بن عرسة و الطاهر العقبي و أحمد الحاج علي و القائمة أكثر من أن تُحصى. و مع أن الفكرة أُستُبعِدَت في الظاهر إلا أنها أعطت مؤشراً أن مستقبل الملكية ليس على ما يرام، خاصة و أن الملك قد أعلن لجماهير المحتجين أن نيته هذه ليست الأولى و لكنها تعود إلى أول وزارة شكلها محمود المنتصر نفسه، فبات واضحاً أن للأمر علاقة بمسألة ولاية العهد من الأساس، و التي كانت قد برزت عقب الإستقلال مباشرة. عندما كتب الملك وصيته التي وضعها في مظروفين مختومين بالشمع الأحمر، إحداهما للنواب و الأخرى للشيوخ إلى أن عاد مرة أخرى و أعلن إسم شقيقه محمد الرضا بعد أن وافق على ذلك المجلسان مع أن الدستور قد حصر المَلَكِية في إدريس و أبنائه من بعده كما قررت الجمعية الوطنية و ما من سبيل لتعديل الدستور بدون الإستفتاء العام على الأرجح بصدد العرش بعكس النظام الإتحادي الذي يشترط موافقة المجالس التشريعية وهو ما تم في عهد فكيني عند إلغاء النظام الإتحادي و إعلان الوحدة و تسمية المحافظات العشر.

و إذا كان من يتسنى له الإطلاع على هذا الكتاب سيقف على المكانة المرموقة التي تحققت لمحمود المنتصر عن جدارة، من خلال المحيط الذي إنحدر منه قبيلةً و أسرةً و التكوين الجيد الذي اتبع في تنشئته بدءً من طفولته و إنتهاءً بدراسته الجامعية و دخوله البلاد من أوسع أبوابها، و يكبر بالتالي الجهود المخلصة التي بذلها في معركة تأسيس الكيان الوطني، وسط ظروف غاية في الصعوبة، و ضغوط بالغة الشراسة، كان فيها مثال للصمود و الصبر و سلامة الذمة، و لا سيما إصراره على الإستقالة عشية إصطدامه بتدخل مراكز القوى التي طالما أثّرت في قرارات الملك، أو سخّرَها هو لمضايقة الحكومة و يلتمس له العذر في قبوله للعمل الدبلوماسي بلندن و روما عقب خروجه من رئاسة أول حكومة، فإنه لن يكون كذلك بشأن قبوله الحكم للمرة الثانية و من ثم إستقالته، هذه التجربة التي خاضها بعد سنواتٍ عشر، و قد تجاوز الستين من العمر و أضاف إلى تكوينه الأول و خبرته الأولى عندما حمل الأمانة من جديد، ليرأس الحكومة في ظروف ليست أقل سوءً من سابقتها و إن إختلفت نوعيتها و إمكانية التغلب عليها، إذ بقدر ما كان حصيفاً و هو يرفض التمديد و التجديد للمعاهدتين كي لا يكون رجل المعاهدات، إلا أن بقاءه على رأس الديوان الملكي من دون أي مشاركة ملموسة في المسئولية أو إستشعاره للجدوى من هذا البقاء في واقع كله فساد و وسط كله صراع دون أن يلفت نظره ما كان يتفشى في المحيط من نهم خلف المال و المكاسب و مظاهر الغنى التي بدأت تسود الحياة العامة و تُنذِر بقرب إنهيار النظام، حتى أنه لم يتردد في مصارحة لزواره من السفراء الأجانب عن ضيقه من تدخلات الملك في شئون الحكم الأمر الذي لا ينسجم مع نصوص الدستور و شروط الحكم الذي لم تكن بريطانيا و أمريكا بمعزل عن أسس تكوينه، فالموقف الطبيعي أن يقطع صلته مع ما كان يرفض بكل القوة و العزم، و قد كان من الممكن أن يعزي مثل هذا الموقف لو كان لمحمود المنتصر أو أبنائه إنشغال بالمال أو أي نشاط يزين ما سوى الإبتعاد و ليس هذا الموقف الحائر فلم يُحقق الإستفادة المُغرية و إنما البقاء على هذه الوضعية التي تجعل صاحبها بعيداً عن الربح و قريباً ربما من الخسارة، كما لو كان موظفاً في مقتبل العمر و ليس سياسياً قضى يومئذ أكثر من نصف قرن، و يستقبل ما لا حصر له من الدبلوماسيين المُتنفذين القادرين على إسداء الفصح و توفير المعلومة المتعلقة بمستقبل النظام و لا سيما تلك الرحلة المُريبة التي أقدَم عليها الملك و التي حفّزت عديد المسئولين السابقين على ترك البلاد في تلك الصائفة ليبقى كلٌ منهم حيث هو، حتى جرى ما جرى في ذلك الفجر بل و منهم من حاول التحرك، صحيح إن اللذين أدركتهم الأحداث كان منهم من دخل في حوار مع الملك المُصر على عدم العودة و ربما كان ينتظر تدبير آخر بمعنى أن محمود المنتصر الذي قام بكل هذه الأدوار ظل في النهاية بمعزل عن كل ما كان يجري فالكتاب و الحالة هذه قدّم الكثير من الحقائق عن هذا الرجل من حيث الإستقامة و لكنه لم يقدّم شيئاً عن إستشراف المستقبل، و إذا كان زهده في السلطة يُعلِّي من شأنه على الصعيد الشخصي، فلا شك أنه لن يكون كذلك حين يجرى تقويمه على الصعيد العام، و تبقى مسألة إبعاد السعداوي عقب الإنتخابات فلا شك أنها تمَّت بأمر إدريس شخصياً و قد حملت أوراقه الخاصة قوله لن أثق في السعداوي، أما الذي عارضها في مجلس الوزراء فهو إبراهيم بن شعبان الذي خاطب محمود المنتصر بقوله " خلِّي حد يقول لإدريس لا في البلاد "، و عندما وافق الجمع على قرار الإبعاد أردف معارضته بقوله "والله إلا ما تكون باشكاتب مع إدريس و حنى موظفين معاك" و كان إدريس قد زار طرابلس و هو ما يزال أميراً و تم إستقباله و كان في طريقه لبريطانيا ربما و قد خاطب الحاضرين بقوله الذي ردده الكثيرون "أشكركم و أشكرهم و سأبلّغ أمانيكم إلى الحكومة البريطانية" و لا ندري من أين جاءت رواية المشيرقي القائلة بمنع السعداوي من حضور العشاء ببيت المنتصر، إذ لم يرددها غيره، و الأقرب أنها أُلغيت بعد إلقاء القنبلة على الموكب في أكثر من شارع و إتهام شباب المؤتمر بالفعلة، فلا غرابة أن يقصر مجيئ إدريس إلى بيت المنتصر على الأمير. و قد تكون مجرد إشاعة لأن رواية واحدة لا تصلح حُجة للإدانة كما و لا البراءة أيضاً، و الله أعلم.إنتهى


____________________________


فيما مبارك يعود لبيته البيت الأبيض يفتح أبوابه

أمين مازن

4-4-2017

عاد الرئيس المصري السابق حسني مبارك إلى بيته الأصلي بإحدى ضواحي القاهرة، مُتمتعاً بحكم القضاء المصري الذي حكم في أعلى درجاته، ببراءة مبارك مما أُتُهم به قبل سنواتٍ ست بدأت في مطلع الحقبة الثانية من هذا القرن عندما حلّت رياح الربيع العربي التي عصفت بأكثر من نظام عربي شمولي، حسب الجالس على هرمه أنه سيبقى بمكانه مؤبدا لا يطاله التغيير من بين يديه و لا من خلفه، منهم من عدَّل الدستور في غير ما مرة من أجل البقاء الدائم في السلطة، و منهم من لم يتردد في السخرية بفكرة الدستور من الأساس، فقد إندلعت الشرارة الأولى من تونس على يد البوعزيزي الذي أحرق نفسه إحتجاجاً، لتمتد الشرارة إلى مصر، و تعود من ثم إلى ليبيا، و تمضي في الوقت ذاته نحو سوريا و اليمن. رياح قابلها زين العابدين بالفرار ألى مكة المكرمة، و عاندها القذافي فأدّت إلى قتله، و ما تزال آثار تعنّته باقية يدفع ثمنها شعبه، و إتخذ بشار و علي صالح موقفاً أحرقَ من بقى و دفع إلى الهجرة من لم يُحرق، و أصرّ حسني مبارك على البقاء رافضاً دعوات عديد الزعماء، غير مُتهيب من السجن و المحاكمة و ملازمة الفراش داخل السجن و المستشفى و أمام ساحات القضاء لتتوالى أحكام الإدانة و الطعون و الطعون المضادة حتى كانت هذه العودة إلى البيت الذي غادره منذ مطلع الثمانينيات، عندما أهَّله موقعه كنائب لأنور السادات كي يحل محله في حكم مصر و يستمر من ثم بواسطة أكثر من إستفتاء و إنتخاب، عهداً بدأ بحادث المنصة في إحتفالات العبور و سلامة من الرصاص كانت في حينها لافتة و لم تخف على كل ذي لُب، فقد سلِمَ مبارك في ذلك اليوم، و إستطاع أن يكمل المشوار الذي بدأه السادات و دفع ثمنه من عمره ليبقى خلفه مبارك فيطمع في توريث مصر لإبنه و تُزين له أطراف كثيرة طمعه هذا اللهم إلا محمد حسنين هيكل الذي مثَّل أقوى صوت معارض و ناصح في ذات الوقت إن و هو يكتب أو يحاضر أو يتحدث بالتلِفزيون و يؤكد أن رياح التغيير في مصر آتية لا ريب و لا مهرب منها، ما لم يُقدِم مبارك على عملية إستباقية.

لقد رحل هيكل من الدنيا قبل سنة مضت، بعد أن شهد سقوط حسني مبارك و مجئ الإخوان، و عجزهم على أن يجعلوا منها قائدة لمحيطها، فكان خروجهم منها مثلما سبقهم مبارك، ليجمعهم سجن مصر، و ها هو مبارك يعود إلى بيته، عودة تزامنت مع توجه السيسي لأمريكا و حلول عهد جديد بالبيت الأبيض، ربما يكون على رأس أولوياته ما أحدثه الربيع العربي في أكثر من قطر، و سيتلوه في توجهه الملك الأردني، و سبقهم جميعاً الطرف السعودي، و تؤكد الأنباء نجاح المصالحة السعودية المصرية، ليطل زمن قد تستعيد فيه مصر مكانها الطبيعي في الواقع العربي، بما يقتضي تهدية جميع الأطراف المعادية و لا سبما تلك التي تحركها الأموال الفاسدة و التوكيلات التجارية المشبوهة، فعودة مبارك إلى بيته تحمل إشارة أن مصر مستقرة و ان دورها آت لا ريب فيه، ان هذه الإشارة ستُعَزَّز بالتخفيف على الإخوان أيضا، فهم مكون من مكونات مصر، و لكنهم ليسوا أكبر مكوناتها كما يوهمهم الذين تتلمذوا عليهم تاريخياً و يريدون الآن أن يقودوهم سياسياً، بمعنى أن المستقبل قد يحمل تسوية يؤكد فيها هذا المكون المهم إستعداده للدخول في شراكة تُحكَم بواسطتها مصر، بواسطة سلطة لا تنتظر مباركة ملالي طهران و لا أوهام سلطنة بني عثمان و لا مشيخات الخليج، و إنما هي مصر الكنانة التي من بين أبنائها حسني مبارك الذي إستطاع بإصراره على البقاء و قبول المحاكمة على دعوات الآخرين لضيافته، فصغرت كل أخطائه، مصر التي لن يُسمح لأحد في محيطها أن يُنغّص عليها أو يتطاول على حجمها بأي مستوى من المستويات.إنتهى


_____________________________



قمة عمَّـان

" تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى "

أمين مازن

2-4-2017

لم تكن مؤتمرات القمة العربية، منذ إستحداثها في ستينيات القرن الماضي تزيد عن كونها صيغة من صيغ التراجع لكل نظام من أنظمتنا العربية قد وقع في ورطة من الورط التي أدخلته في إصطدام تحول إلى مأزق، و ما من مخرج إلا بلقاء الخصم، و تفرض المكابرة القائمة على عدم الإعتراف الشجاع فتوفر للقاءات القومية المُقنّعة بمصلحة الأمة، فرصة التفاهم الثنائي و ربما الثلاثي تحت مظلة المصالحة الجمعية و فتح الصفحات الجديدة التي لا تُفتح مرة إلا و تملؤها الأخطاء القادمة مرة أخرى. و من هنا فإن كل من يخدعه سوء تقديره فيعلق على أي مؤتمر من هذه المؤتمرات أملاً في الخروج بمكسب من المكاسب دونما إستفادة من تمهيد هذا المحور أو ذاك، لن يكون أكثر من واهم قليل الخبرة و قد يتعين وصفه بالسذاجة بدلاً من حسن النية.

و ليس مؤتمر عمان الأخير الذي حملت دورته الرقم الثامن و العشرين إلا واحد من هذه المؤتمرات التي سيحمل الملك الأردني قراراتها إلى الولايات المتحدة الأمريكية في عهدها الجديد، عهد الرئيس ترامب الذي أكد قبل إستلامه الحكم عزمه على نقل سفارة بلاده إلى القدس، بإعتبارها عاصمة إسرائيل، و هو ما لا يسأم العرب من إستنكاره ربما أكثر من طرد الفلسطينيين من بلدهم و بقائهم محرومين حرماناً مُخجلاً في الوطن العربي، إذ جدد المؤتمرون توكيلهم بوصاية البيت الهاشمي بشئون القدس، كما تحدثت الأنباء عن أكثر من تسوية أو المُضي نحوها على الأقل، لا سيما الخلاف المصري السعودي الذي يتبادل الطرفان أراءهما بصدده في صمت، و يراهن البعض على إستمراره و مضاعفة سلبياته، و غير هذا كثير مما سيبقى سرّاً لا يتوصل إليه كل مراقب مهتم، فالمؤتمر و الحالة هذه حقق المستهدف الأساس من تنظيمه، بالنسبة للأقطار العربية المُدركة لمصلحتها و القادرة على أداء دورها داخل دوائر اللعبة الكبرى و محاورها، على خلفية أن كل توتر من التوترات لا يمكن فصله عن نظيره في الساحات الأخرى، اللهم إلا من تعصف به سطحية الأحكام و سذاجة النظرة، فيرى في حضوره ما قد يجعله يتفوق على من سواه من الفرقاء في محيطه، ذلك أن الأهداف الكبيرة لا يمكن أن يعرفها - و ليس بلوغها - إلا من لديه الحد الأدنى من الإطلاع الحقيقي أو لنقل القراءة فقط.

لم نُحرَم معشر الليبيين من شرف حضور هذا المؤتمر، بما في ذلك المراسم البروتوكولية التامة، لمعاملة ممثلنا كرئيس دولة كامل الصلاحيات. فسرَّ بذلك من سرّ و غضب من غضب، و بين السرور و الغضب وجدت الفضائيات التي تُرسل من الداخل و الخارج مادتها الكافية لشغل ساعات إرسالها، لولا أن هذه المعاملة الكريمة لم تحل دون المشاركة بخطاب بائس أخرج قارئه من صفة الممثل للكل إلى المنحاز للجزء. و وفر الحجة لمن يطلب دعوتهم لإقرار إتفاق الصخيرات إلى ضرورة مراعاة مقترحاتهم تماماً مثلما حالت قبل ذلك جلسات وزراء الخارجية دون تمرير أي توصية لا تتفق مع المصالح الكبرى التي هي دون شك فوق الأطراف الليبية المتصارعة إلى تلك التي تعرف ماذا تريد من ليبيا أكثر مما تريد ليبيا، بل و القمة العربية كافة، و لا سيما حين يوجد في هذه القمة من يرى في طهران مثله الأعلى، و في أنقرة مصدر إلهامه، و لن يرى الإتحاد الأوروبي في طلب المعدات التقنية بدعوى مقاومة الهجرة غير الشرعية أكثر من ثمن رخيص على حساب الحاجات الضورية لليبيين الذين يطحنهم الغلاء في كل لحظة و الإنفاق الذي لا يعرف التوقف على الألاف من الذين يتقاضون أعلى المرتبات و يتجولون في كل بقاع الأرض و لا يعرف سقف السحب النقدي طريقه إليهم مما قد يخفى على أي طرف سوى الطرف الأوروبي الذي يعرف متى و كيف يتخذ ما يريد من الإجراءات القادرة على حفظ التوازن و قطع أسباب التطرف و تبعاته التي لا تعرف التوقف.إنتهى


__________________________



د.علي عتيقة و الأمل و الإرادة و العمل

أمين مازن

29-3-2017

كدأبي في جميع رحلاتي التي أقوم بها إلى مسقط الرأس "هون" تحت ضغط الإلتزامات الإجتماعية، أستعين على ملل الطريق، و أُضيف الآن مخاطرها، فأصطحب كتاباً أو مجلةً أو صحيفةً، حملتُ معي في رحلتي التي قمت بها منذ أيام للمشاركة في إحتفال الأهل بالمولد النبوي، المُجلد الضخم الذي أنجزه المرحوم الدكتور علي عتيقة قبل رحيله بفترة قصيرة إذ حمل تاريخ 2013، شاكراً للصديق محمد كانون تفضّلهُ بتزويدي بهذا الكنز المعرفي النفيس الذي كان قد فرغ من قراءته لِتوِّه، و وجد فيه ما يدعو غيره لقراءته. و قد كنت في رحلتي هذه أكثر تهّيباً من صعوبات السفر، و أشد إصراراً على القيام به في ذات الوقت، إذ الإحتفال بالمولد يُعيدني دوماً إلى إستدعاء الكثير من الذكريات، و أكثر من ذلك التحديات، غير أن مولدنا هذه السنة يحمل القلق الأكبر و الحيرة الأشد و الخوف الأقوى، فحين يكون الرصاص هو ما يمكن أن يُنهي حياة الإنسان بمناسبة أو بلا مناسبة، فإن الخوف يتحول إلى هواء يستنشقه الإنسان و شبح تتخيله العين، و بالذات عندما يكون المرور ببوابات شهدت الكثير من الترويع، مما يجعل السؤال عن مالك السيارة التي على المسافر أن يمتطيها و الركاب الذين سيشاركونه، أول الأولويات، و تصبح القراءة في نهاية المطاف هي العالم الأفسح للتخلّص من لحظات القلق و بالذات حين يخوض المرافقون في ما لا يُحب المرء الخوض فيه من أمور من شأنها إثارة الخلاف الذي لا ينتج سوى الصداع فالقراءة و الحالة هذه خير مُنقذ، و أفضل مساعد لإنفاق الوقت في ما يُفيد.

و يظل موضوع الكتاب و لاسيما حين ينطلق من سِيّر الرجال، في مقدمة ما يوفر العزاء بصدد الوقت الذي يستغرقه فعل القراءة و ما يتركه بذات الوقت فعل الكتابة أما إذا كانت القراءة تتعلق بكاتب تَسَنّىَ لك قدر من معرفته كشخص و دوره كمسؤول، فلا شك أن القراءة ستمتد إلى التحقق من حجم الصدقية أولاً و مقدار الدروس المستفادة ثانياً. و أشهد أنني عِشت هذه المشاعر مُجتمعة و أنا أنكب على صفحات هذا الكتاب الذي زادت صفحاته على الثمانمائة صفحة من الحجم الكبير، طيلة الساعات السبع التي هي زمن رحلة الذهاب و مثلها الأخرى التي إستغرقها الإياب، و شيئ من وقت الإقامة غير الطويلة سواء و أنا أقراء ما كتب المؤلف أو ما عشته طوال هذه الرحلة الطويلة التي كان المرحوم عتيقة أبرز شهودها و بعد ذلك الفاعلين فيها بجدية منذ أن ظهر ضمن ثالث تشكيل لمجلس إدارة جمعية الفكر الليبية في مطلع الستينيات من القرن الماضي عندما فتحت مقرها في شارع البلدية في مدينة طرابلس، بعد أن كانت تتحرك من نادي الإتحاد بإعتبارها ثمرة ندوات ذلك النادي الذي إتخذ منه بعض المثقفين فضاءً للتحرك و هم يعودون من جامعاتهم بالخارج، و يصدمهم تحول النادي الأدبي و هو يحصر نشاطه في دورات تعليم الكتابة، و يطال الإغلاق لرابطة المعلمين فلا يبقى سوى قاعة المدرسة الثانوية و التي لم يعُد من السهل التحرك منها، بالنظر إلى ما بدا يسود من الإرتياب حول أي نشاط ثقافي خشية تسلل الأفكار الجديدة، و التي لم تعُد تروق لعديد المسؤولين المحليين، و ما بدا يرد إليهم من المعلومات حول الكثير من الطلبة الذين عادوا من القاهرة تحديداً إن و هم قد أكملوا دراستهم أو حيِل بينهم و بينها إن يكن إصطدام الناصرية بحركة الإخوان بدايتها في أوائل و منتصف الخمسينيات فلا شك أن إصطدام الحركات اليسارية بالناصرية أيضاً و عقب قيام الوحدة المصرية السورية التي قامت على حظر النشاط الحزبي كانت أقواها، مما جعل الكثيرين يتحسسون نحو الجمعية المذكورة و لم يسلكوا ما سلكه من هم أكثر وعياً بالإنخراط في ذلك الكيان و العمل لتوظيفه لما يتطلعون إليه، و قد كان علي عتيقة من الذين فضلوا هذا الخيار إذ لم يكن - و خلافاً لما توهّمَ عديد المجايلين له - يعمل لمشروع مؤطّر و إنما يسعى للإستفادة من الممكن، و مما لا ريب فيه أن الرجل كان مُدرِكاً لطبيعة المجتمع الذي شهد بداية حياته و ما يسوده من صراع المصالح التي و إن كانت صغيرة إلا أنها شديدة الحِدّة، ليس خارجها بدون شك تلك المظاهرة التي إنتظمت في مصراتة ضد الشيخ سالم القاضي عندما إختلف مع تيار السعداوي، فأكبر فيه حدبه و طيب تمنياته عندما سعت إليه البعثة الدراسية التي جاءت إليه من ذلك الباب الذي جمع بين الإنصاف و حُسن التقدير من الآخر، و ليس من المستبعد أن يكون قد تناهى إلى سمعه ما كان يتردد من تعليقات غير مسئولة بصدد تأهيله العلمي، إذ عزّ على كثير الخصوم الجدد ممن عرفوا بداية عتيقة التي إرتبطت بنائب المتصرّف الإنجليزي و العمل معه في البيت و المكتب كيف لها أن تتطور إلى تلك المكانة التي عادَ بها، و إذا به بعد أن قطع ذلك المشوار الطويل يقوم بإنجاز هذا الأثر النفيس الذي زاوج بين سيرة الوظيفة و حقيقة البيت و مستوى الطبقة و التي رأيناها لا تسمح له بالإستمرار في العمل حتى في زاوية الزروق أو ميزران و ما شابههما غي مُتحرّج في الإعتراف بأي صغوبة من النصاعب و غير مُتنكر لأي فضل من الأفضال، فهو بالنسبة لواقعنا الليبي واحدٌ من الإستثنائيين إن لم نقل منعدم المثيل جميعاً، فلقد وضع الرجل أمامنا سيرته الدراسية هذه بكل ما يتوفر عليه الواثق في نفسه من الشجاعة، بالإعتراف لذوي الفضل بفضلهم، و غض النظر عمّن كانوا دون ذلك بعدم الخوض في مواقفهم، و قد وضع أمامنا من خلال الوثائق و التفاصيل، الطريقة التي إستطاع بواسطتها أن يتغلّب على كل نقص تشترطه طبيعة الدراسة الأكادمية، حيث تُهمل الشروط و إنما تُوضَع البرامج التي تتكفل بتعويض نواقصها، و قد دعم كل ما ذكر في الخصوص بالأوراق الثبوتية التي مُنِحَت له من تلك الجامعات بله المدارس، و بصدد هذه المسألة ذكرني على الصعيد الشخصي بمعلومات رويتها ذات يوم عن الأستاذ محمد المهلهل أحد الخريجين القدامى في مجال التعليم و الذي حِيلَ بينه و بين تبوّء المكان اللائق بل و الملاحقة أيضاً، الإشتباه السياسي عندما رُشِّح للوزارة في بداية سبتمبر 69، فقد ذكر لي ذات مرة و من خلال تجربته في الدراسة بأمريكا، أنهم أي الأمريكان يُعولون في تقييمهم على إمتحان القبول كي يُصنفوا الموفد بالمكان المناسب له، و هو ما تأكد من خلال ما عرضه عتيقة بتفصيل صريح و موثّق بصور القرارات و الشخصيات و حفلات التخرج و نوعية الجوائز و التكريم. و مع ذلك فقد ظل عتيقة يستشعر الكثير من الحرج إزاء عدم تمكنه من اللغة العربية فرأيناه يعتذر عن بعض التكليفات و يسعى في الوقت نفسه إلى معالجة ما كان يستشعره بمواصلة التحصيل الحر على أكثر من صعيد و لاسيما عندما توجه إلى جامع ميزران في محاولة لتلافي ما فات، و قد كشفت سيرة عمله لاحقاً على تمكنه من تلافي ما فات و هو المؤهل في جميع مراحل دراسته باللغة الإنجليزية بمنآى عن اللغة العربية أو متأثراً بإنجليزته إلى الحد الذي يفقد به شخصيته أو إنتمائه، و إنما هو دائماً ذلك الذي يستكبر على من سبقه علمياً كما لم يتخذ من الإلتزام الديني مبرراً لإدانة المختلفين معه ممن رافقهم في رحلة العمل و حمل معهم المسئولية و وجد لديهم من الصدق ما أثلج صدره و إستحق إشادته فبدا عمله هذا شهادة بالغة الصدق و النقاء و الوعي إزاء تلك المرحلة التي تقلّد فيها داخل ليبيا هذا الكم من المراكز القيادية التي شغلها عن جدارة و إعتذر عن بعضها بصدق أيضاً، فقد أنصف الدكتور عتيقة الإنصاف الذي يستحقه عندما عمل بمعيته في بنك ليبيا المركزي و أسس يومئذ قسم الدراسات و البحوث فقدم الكثير من الدراسات الجادة و التقويمات الجيدة عندما وجد في الدكتور العنيزي نِعم العون و وجد فيه كذلك نِعم القدوة فجعلنا ندرك معشر الذين لم نعرف العنيزي عن قرب و ربما خُيِّل إلى الكثير مِنا أن الدكتوراه التي كان يُقرن رمزها بإسمه هي تلك التي منحتها بعض جامعات إيطاليا و لم تكن تتجاوز الليسانس و أن بعضها كان حول الألعاب الشعبية، و ليس ذلك النوع الذي تثبته قدرات العنيزي في مجال صك العملة و ميزان المدفوعات و أهمية البحوث و الدراسات إزاء الأحوال الإقتصادية و الموازنة العامة، بل إن الرجل حين لمس الكفاية في مرؤوسه هذا لم يتردد في الإستفادة من خبرته بشأن تلييب منصب نائب المحافظ الذي شغله علي جمعة المزوغي عن جدارة بقرار العنيزي أولاً و رعاية خلفه خليل البنَّاني ثانياً، فكلاهما - بحسب عتيقة - خير من يأخذ بيد مرؤوسه بما يوفر لهم من الثقة و حسن الرعاية و مثل ذلك إحترام ما يتوصلون إليه من جيد الإقتراحات الإصلاحية، أما حديثه عن نزاهة حامد العبيدي و عِفّته عن كل ما يخدش السمعة و كذا تقديره لمن يأنس فيهم الكفاية فإن الدكتور عتيقة يُفلِح بواسطته في تصحيح الكثير مما كان مجهولاً عن هذا العنصر الوطني الأصيل و الذي طالما نال منه سوء الفهم و ميل الرجل إلى التواضع و الترفّع عن المظاهر الكاذبة و المفاخرة بالسلطة الزائلة، و حسب هذا الرجل ما وفّره للدكتور عتيقة من الدعم الذي أتاح له أن يقول كل ما لديه حول مشروعات التنمية و مشكلات الأقتصاد و عقود الإمتياز النفطية، و التي عبّرَت عنها التعديلات الإقتصادية و أشهرها تلك التي حصلت بعد خروج السيد محمود المنتصر من رئاسة الوزراة و بقاء وزرائه بعد تكليف أو بالأحرى تعيين السيد حسين مازق برئاسة الوزارة حتى كان ذلك التعديل الموسع و الذي تبين إرتباطه بسياسات النفط و عقود الإمتياز و لا سيما العقد الخاص بشركة الأوكسي دينتل و الذي ما لبث أن أدّى إلى إعتقال وزير النفط عقب سبتمبر 69 و بقائه نحو سنتين من دون أي محاكمة و ما ذلك إلا لأن المحاكمة تقتضي إلغاء العقد و هو ما كان أكبر من يُقدِم عليه النظام، كما أكد الدكتور محمود المغربي و هو يرأس الوزارة عقب سبتمبر و يتبنّى سياسة رفع الأسعار بعكس ما كان يُحذِّر الدكتور عتيقة من مكر الشركات و قدرتها على تعويض خسائرها برفع سعر المواد المُصنَّعَة و عدم القدرة على مواجهة ما يمتلكه الغرب من الأوراق إذا ما أقدمَت الدول المصدرة للنفط على رفع سعره غير المسبوق سنة 1973 و ما بعدها حتى كان ذلك الرفع المهول في المواد المُصنَّعَة بدءً من أقلام الرصاص إلى السيارات بِنِسَب بلغت العشرة أضعاف حتى إذا ما تشبَّع السوق بتلك المادة غير العادية أي النفط و حلَّ موعد خفض الأسعار لأقل من النصف فبقيت المواد المُصنَّعة حيث هي و كان ذلك الغلاء الفاحش الذي أتى على الأخضر و اليابس، على النحو الذي إستطعنا أن نُذكِّّر به في تسعينات القرن الماضي بقصد رد الإعتبار لهذا الخبير الإقتصادي اللامع الذي ظلمه الوطنيون الليبيون ذات يوم كما أشرت شخصياً في معرض التعليق على محاضرة ألقاها أبرز المسئولين على الإقتصاد الليبي هو الدكتور طاهر الجهيمي عندما حاضر برابطة الأدباء و الكتاب الليبيين مُفاخراً برفع أسعار النفط في حين أن الأمر لا يعدو كونه أحد المآزِق الذي أُستُدرِجَ إليها النظام.

و لا شك أنني اليوم أستشعر الكثير من الرضا حين أتذكر كلماتي تلك إذ كان التصريح بها يمكن أن يُساء فهمه أو يُستفاد منه في مجال السباق على تبخيس كل ما ساهمَ به كثير من رجال ما قبل سبتمبر الذين كان من المفروض أن يُستفاد منهم كما تحدث علي عتيقة من خلال حوار دار بينه و بين السيد عمر المحيشي، و هو توجُه لم أكن بمنـأى عنه عقب سبتمبر 69 عندما أُتِيحت لنا فرصة الحديث و شكلنا ذلك التيار الذي تابعه أمثال عتيقة ممن إلتقيناهم و لمسنا منهم الكثير من التقدير.

لقد كانت لقاءاتي مع الرجل محدودة إبتداءً من الأشهر التي تلَت خروجه من السجن حين لم يبخل بالتعبير عن الكثير من الثناء الذي سُعِدت به و آخر جرى في بيت المرحوم عبد الحميد البكوش أثناء بقاء هذا الرجل ببيته و قبل أن يتمكن من السفر لأكثر من مرة و ينظّم بعض شئونه على المهل قبل أن يقرر عدم العودة، و آخر عند عودته عقب السابع عشر من فبراير، و يبقى الكتاب الذي حمل شهادة من أصدق الشهادات و تجربة من أنفس التجارب التي لا غنى عنها لكل من يتطلع إلى معرفة سيِّر الرجال و هم يشقون طريق المعرفة و يُقدمون عصارتها لتُقدم مرجعاً من أنفس المراجع. و ليرحم الله علي عتيقة مكافحاً و عالماً و إنساناً لا يتنفس سوى الصدق و لا شيئ غير الصدق، و إذا كان قد عَنوَنَ كتابه بالإرادة و الأمل، فإنني أستطيع أن أُضيف إلى العنوان كلمة " العمل "، فيكون عنوان هذه السطور " د. علي عتيقة و الأمل و الإرادة و العمل ".إنتهى


____________________________


المغرب بين حكومة العثماني و بديل ثالث

أمين مازن

27-3-2017

عهد الملك المغربي محمد السادس بمهمة تشكيل الحكومة للسيد سعد الدين العثماني أحد قيادي حزب العدالة و التنمية المغربي خلفاً للسيد عبد الإله بن كيران رئيس الحزب المذكور و الذي كُلِّف بها منذ أكثر من خمسة أشهر كنتيجة للإنتخابات النيابية التي أُجريت في المغرب و أسفرت عن فوز حزب العدالة و لكن بأغلبية تتطلب مشاركة بعض الأحزاب، على نحو ما حصل قبل ذلك في الإنتخابات التي جرت متزامنة مع الربيع العربي و فاز فيها الحزب بذات النسبة فأشرك معه بعض الأحزاب ليُنجز برنامجه إلى جانب تعديل الدستور المغربي، و هي إجراءات جنّبت المغرب زوابع الربيع العربي و ما جلبته من أهوال على أكثر من قطر فيما وفرت للمغرب الوقت الكافي للمضي في طريق الإصلاح. و كان عديد المراقبين قد تنبأوا عقب الإنتخابات الأخيرة و الشروع في المشاورات الملزمة بإحتمال الوصول ألى هذه النتيجة أي الفشل في تحقيق الإئتلاف الضروري جراء التنافس غير المشرف بين القوى السياسية المغربية حين توهَّم أكثر من طرف إمكانية الظفر بالقسط الأوفر من السلطة و كذا إقصاء من لا يرضاه، الأمر الذي قد يعيد المغرب إلى مرحلة ما قبل الربيع العربي عندما كانت الحكومات المغربية و بالأحرى رئاستها من مشمولات العاهل المغربي وحده و ليس الأحزاب و الشيئ نفسه بالنسبة للوزارات السيادية و ليس من المستبعد أن يكون العرش العلوي لا يستبعد مثل هذه العودة، حين ترك السيد بن كيران يستغرق كل هذا الوقت في التشاور مع الأحزاب بحجة الحق الدستوري أو الضمان الدستوري، في الوقت الذي إختار الملك آفاقاً أوسع أهمها قيامه بأكثر من رحلة عمل إستطاع بواسطتها أن يخرج بلاده من أخطر مأزق دخلته عقب خروجها من منظمة الوحدة الأفريقية لموقف هذه الأخيرة من مشكلة البوليساريو، فإذا برحلات العمل المشار إليها تُتوج بعودة المغرب للإتحاد الأفريقي، من دون وجود حكومة عمل و ليس تسير أعمال، بل أن رحلات الملك هذه قد حدثت و الوضع الحكومي على هذه الكيفية مما يعني أن إستقرار أمر المغرب أكبر من الحكومات، و هكذا بعد خمسة أشهر من الإنتظار جاء إعفاء بن كيران و تكليف أحد قادة حزبه بتشكيل الوزارة إحتراماً للدستور مع تثمين الملك لخدمات بن كيران و توكيد على الرغبة في التعاون مع حزب العدالة بإعتباره حزباً وطنياً، ليأتي قبول العثماني و شروعه في مهمته التي لم يتردد في وصفها بالصعبة. و إذا كان هناك أكثر من مؤشر بإمكانية نجاح العثماني في تشكيل الحكومة المنتظرة على خلفية أن فشل بن كيران قد حقق ما كان في حاجة إليه "من قرص الوذن" و مراجعة الذات و إن سعد الدين العثماني بما هو عليه من الكفاية قد يغرس شيئاً من التجاذب داخل حزب العدالة، ما لم يفلح بن كيران في المراجعة و الحرص على إستمرار الحزب و ليس الأشخاص، فيحول دون ما يمكن أن يدور في الأفق السياسي المغربي من السعي لإستعادة ما كان سائداً من أحقية الملك في إسناد رئاسة الوزراء، بل و الوزراء أيضاً دونما إعتداد بما يمليه الدستور المُعدل، من وحوب مراعاة نتائج الإنتخابات، و ما تأتي به الأغلبية المطلقة أو النسب المحددة، فقد قلنا و نكرر ما درج عليه المغاربة في مثلهم المعروف "في المغرب لا تستغرب" بما في ذلك إمكانية أن يَلقى سعد الدين العثماني نفس المصير الذي سبقه إليه بن كيران و ظهور بديل ثالث.


___________________________

..والحر تكفيه الإشارة


أمين مازن

6-3-2017


يواصل المنحرطين في المشهد الليبي، من المسهمين في أحداثه على مختلف الصعد، تواصلهم مع الدوائر العالمية حول ما أُصطلح على تسميته الأزمة الليبية، مرة تحت عنوان مجموعة الأصدقاء، و أخرى تحت مُسمى دول الجوار العربي، و ثالثة تحت مظلة المجتمع الدولي. و تؤكد أكثر القراءات صحة إن الأمور ما تزال حيث هي، أي منذ ظهورها في السابع عشر من فبراير سنة 2011 و ما رافقها من مسارعة المُدّعي العام لمحكمة الجنايات الدولية بتحضير قائمة أسماء المطلوبين للعدالة لمحاسبتهم على ضلوعهم في قمع الأنتفاضة بقوة السلاح و المخالفة الصريحة لحقوق الإنسان بدءً بتجميد الأرصدة الليبية الرسمية و كذا المسجلة بأسماء الأشخاص الضالعين في ممارسات النظام، و من رُؤيَّ أنهم مجرد محللين لكل ما هو محرّماً، و ما رافق ذلك كله من توكيد على وجود المتشددين بين صفوف المحاربين و إعتبارهم قد تمكنوا من الحصول على موضع قدم في حرب ذلك الربيع و الذي قُدِّرَ له أن يمتد إلى أن أشرف الخريف على الحلول و تسبق حلوله كلينتون بإعلانها الشهير عن تحديد موعد سقوط النظام بيوم أو يومين، و إنهاء رمزه سجناً أو قتلاً و قد غُلِّبَ الخيار الثاني كما هو معروف، لتبدأ بعد ذلك الخطوات الأولى لبناء الدولة في مدى زمني ذُكِرَ أنه سيستغرق بضعة أشهر فيما كان العالمون ببواطن الأمور يؤكدون أن المُحدد سرّاً لن يقلّْ عن سنواتٍ ثلاث بالتفاؤل و خمس على الأكثر، تأسيساً على أن خريطة الشرق الأوسط التي وُضِعَت من الفاعلين الحقيقيين عقب الحرب الكونية هي دون غيرها التي تُمثل المرجعية لكل ما جرى بعدها من أحداث، و إن المسلسل الذي بدأ بإحتلال العراق في مطلع العشرية الأولى من الألفية الثانية هو ذاته الذي مازال مستمر في الشام، و بصورة مختلفة في اليمن، و ليس من المستبعد هو نصيبنا معشر الليبيين، إذ لا يبدو في الأفق أي دليل على وجود مستوى من مستويات المراجعة أو الإستفادة من هذه التجارب المريرة التي يعاني منها الواقع المؤلم و الملئ بالمعلومات التي تُثبت أن من المستحيل الوصول إلى مخرج من سوء ما يجري ما لم يتوفر اللإحتكام إلى مبدأ القبول بأخف الضررين وأن إسطورة الغالب و المغلوب و تبادل الشيطنة بين المتصارعين من الأمور التي يستحيل تطبيقها على أرض الواقع، فحقيقة أن الكثير من التجاوزات التي سادت في العقود الماضية تكررت بكل الأسف إن لم نقل الحسرة في السنوات الماضية و خير دليل على ذلك ما صار يتردد منذ سنوات بشأن الإعتداء غير المشروع و الذي دشنه الكثيرون بأخذ حقوقهم بأيديهم و دونما إعتبار لما نُصِحوا به عقب سقوط النظام مباشرة و وقوع بعض المسئولين قيد الأسر و تمكّن بعضهم الآخر من المغادرة فكان أن أُستُبِيح كل ما تركوا ثابتاً أو منقولاً، كما أن ليبيا جزء لا يتجزأ من المحيط الملاصق و إلى حدٍ ما المقابل، و هي بما تشهده من سيطرة المجموعات المُمسِكة بالسلاح و ما يقدم عليه أكثرها من تهافت نحو المال لا فرق بين الإتجار بالسلع و البشر، غدَت تمثل خطراً لا مثيل له و لا منجاة منه لمحيطها بشقيه فيكون التدخل في شئونها ضرباً من درء الأخطار التي لا مناص من أن تطالها ما لم تسارع بوقفها في مكانها. فكان لا مهرب و الحالة هذه من أن يتفق الجميع على أن الحل الناجع لما تشهده ليبيا من صراع هو ذلك الذي يتوصل إليه الليبيون أنفسهم و تتوالى من ثم المبادرات الرامية إلى معالجة النكوص الذي لوحظ بصدد إتفاق الصخيرات الذي مضى على إعلانه أكثر من عام و لم تشهد البلاد سوى المزيد من المصاعب المؤثرة في حياة الناس إن على مستوى الإطعام من الجوع أو الأمن من الخوف، ليس هذا فحسب بل إن الذي يُجمِع عليه معظم المراقبين هو أن الحريصين على إستمرار الأزمة بل و الحيلولة دون أي جهد للخروج منها هم الذين يمثلون الأطراف الفاعلة تلك التي يصدُق عليها دائماً القول المعروف «أسمع كلامك يعجبني أشوف أفعالك أتعجَّب» فهم حريصون على ليبيا الواحدة، و لكنهم لا ينشغلون إلا بقبايلهم، بل إن شعار الوحدة ليس سوىى صيغة لإستمرار ما يمارسونه من التحيّز اللامتناهي لذويهم الذين لا يبخلون عليهم من الحلال و الحرام، حتى أن فكرة الأقاليم الثلاث التي بُنيت عليها دولة الإستقلال، و أعادها للذاكرة السيد مصطفى عبد الجليل عند تحديد أعضاء هيئة الدستور، و لم يستبعدها إتفاق، الصخيرات، لولا أن المندوب الدولي و ظّفها بطريقته الخاصة و أن التشبُث بها و الإحتكام إليها حين يُطبَّق فيسد الطريق بكل القوة على التجاوزات و فكرة التمكين المعروفة، الأمر الذي حدا بأبناء الجنوب أن يوعزوا لممثليهم كي ينسحبوا من جميع اللقاءات التي ترفع شعار التسوية و ما هي من التسوية في شيئ، و هو توجه لا يملك كل ذي بصيرة إلا أن يستصوبه، و يدعو لضرورة مراعاته بكل الحزم و لا سيما حين يُدعى هؤلاء للسفر خارج الحدود للتشاور معهم و الإهتمام بهم، و نحن نقول هذا تأسيساً على ما تناقلته عديد الأوساط المُطلعة، أن مشروع التعديل المقترح بشأن تعديل إتفاق الصخيرات و المرتكزة على مبدأ الرئيس و النائبين أي الإكتفاء بثلاثة رؤوس بدلاً من تسعة، فقد رؤيَّ أن يُصار إلى فصل المجلس الرئاسي عن الحكومة، بحيث يُحصر المجلس الرئاسي في رئيس و نائبين ليُمثل ثلاثتهم سلطة الإشراف على السلطة التنفيذية، و تُكوَّن إلى جانبهم حكومة تتألف من الوزارات المُقررة و يرأسها هي الأخرى رئيس و نائبان على أن تختص بالسلطة التنفيذية، و على ذات السياق تكون رئاسة المجلس الإستشاري و الذي ينبغي أن تشمل عضويته المؤتمر الوطني بالكامل إلى جانب مجلس الناب بالطبع، بالإضافة إلى مجلس أعلى للقوات المسلحة، يتأسس على أساس الإحتراف و العقيدة الوطنية المُبرأة من أي مؤثر أيديولوجي، لتمثِّل هذه المجالس مجتمعة السلطة السيادية في البلاد، و يتم توزيعها على قاعدة الوفاق و حق الجميع في تسيير البلاد وفقاً لوثيقة اللإستقلال و دستوره الذي وُضِع من ممثلي الشعب من دون إستثناء عشية تقرير مصير ليبيا على أساس الإستقلال و الدستور المساوي بين الأقاليم الثلاثة و مبايعة إدريس و ذريته، فحقيقة أن المعرفة عمَّت جميع أرجاء ليبيا و المؤهلات العلمية العليا منتشرة في جميع المدن و القرى، كما أن المساحة الجغرافية و الثروات الطبيعية و الإمتدادت الجغرافية توفر الأهمية لكل إقليم، و لا مجال للمفاخرة بالثروة لكونها منتشرة و لا العدد لأن ليبيا مجتمعة أقل من عدد شاغري المستشفيات في بعض الأقطار العربية، و أن كل إصرار عل تشتيتهم و العبث بتآزرهم خيانة ما بعدها خيانة، لن يفلت كل ساعٍ فيها من سوء العاقبة، أمام الأجيال الحاضرة و القادمة فضلاً عن غضب الله و رسوله و المؤمنين و عود على ما بدأنا به هذه المقاربة نكرر إن الأمور ما تزال حيث هي من التأزم و صعوبة الوصول إلى أي مخرج، اللهم إلا مزيد التغوّل للمؤثر الخارجي من الأشقاء و الأصدقاء على السواء، و إتفاق الطرفين على تغليب كل ما يفيدهما على ما يفيدنا، و خير دليل على صواب هذه النظرة تزاحم المنخرطين في المشهد على التوجه نحو العواصم المؤثرة في هذا المشهد حيث تتم مقابلتهم هناك و أينما حلّوا من أعلى رأس الهرم إلى ما دون ذلك، لا فرق بين ما تذيعه و تنشره وسائل الإعلام و الآخر الذي يتم سِرّاً، و ظهور الكثير من رموز النظام السابق في أكثر من مرفق إعلامي مصور و آخر مكتوب متحدثين عن مشاكل المهجرين، و مسهبين في سرد متاعب الموقوفين ممن لم يُبَث في أمرهم بالمحاكمة و لا تمتد لهم يد الرحمة و هو ما كنا قد طرحناه من عام 2012. و ما يتردد على ألسنة قادة دول الجوار و مساعديهم و مجاهرة الدول الأربعة، بعزمها على الإنخراط في الشأن الليبي من منطلق الإسهام في حل مشاكله، و تخفيف مآسيه التي طالت الناس كافة، مما شرعن عزم روسيا على القيام بدور أكثر من ذي قبل في الوضع الليبي، بمباركة من أمريكا في عهدها الجديد و ما يتصف من متغيرات ملموسة و ما من شك في تأثير دورها قبلنا هذا التأثير أم رفضنا مع ملاحظة ما يرافق ذلك من متابعات إعلامية متوالية و تغطيات إخبارية ظافية و لا سيما ما يتعلق بحقوق الإنسان و ما تسهب به التقارير عن خروقاتها و الإنهيار السريع في الخدمات العامة بأنواعها و لا سيما الغلاء، و نقص السيولة، ليس في الرواتب و حسب، بل حتى المدخرات الشخصية، و ظهور روائح الفساد الكريهة، كل ذلك في الوقت الذي يؤكد كل متابع إن التعيينات في سلك الحكومة على قدم و ساق. هذا فيما يؤكد الكبار عزمهم على إنجاز الحل السياسي الذي سيوحد القوى مجتمعة، و يرفض كل أشكال الإقصاء، و بناء نظام مألوف على ما هو قائم في المحيط و في حدود الحجم الحقيقي للأهل و الجماعات و الإنفاق المرشّد و إنهاء كل مظاهر التسلح لدى الأفراد و الجماعات اللهم إلا من يتكفل بحفظ الناس و طمأنتهم على أنفسهم و حمايتهم من أنفسهم أيضاً مما يعني أن الرهان على تركنا هذه الوضعية التي غدت تعُم الجميع بأضرارها القاتلة، و صارت أقرب للجميع من حبل الوريد، و قديماً قيل: العبد يُقرع بالعصا **** و الحر تكفيه

.الإشارة



____________________________

لا تَحْسَبُوا نَأيَكُمْ عَنّا يغيّرُنا

أمين مازن

2-3-2017

عدِلت في اللحظات الأخيرة من الأسبوع الثالث لهذه السنة عن التوجه إلى قاهرة المعز و مواكبة أشغال الدورة الثامنة و الأربعين لمعرضها الدولي للكتاب، ذلك الفضاء الفكري الضخم الذي يغشاه عديد المثقفين العرب من مختلف الإتجاهات و المواقف و البلدان، فأخلَلت بوعدٍ قطعته لصديق العمر الأستاذ محمد فضل زيان، عندما حضّني في متسع من الوقت على هذا الحضور عسى أن نُخفف من الشوق و نتزود من دفء اللقاء بما يُخفف من جور الأيام و غائلات الزمن و قسوة خيبات الأمل على أكثر من صعيد. كان دافعي لهذا العدول تقاطع توقيت المعرض مع وصول أوسط فلذات الكبد إلى ليبيا و عشمي أنه سيُقدِّر ذلك بل أول من يقدِّر لإرتباطها بتلك التجربة المشتركة التي كُنا ضمن أول من خاضوها في سبعينيات القرن الماضي عندما ضمّنا السجن المركزي بطرابلس و الكويفية ببنغازي، و كانت والدتها بآخر شهور حملها إلى جانب الأولاد القُصّر و الوالد المُسن، أمام تلك التجربة السجنية المبكرة و المرفوقة بحملة إعلامية صورت لكل مراقب أنها تستحق أقوى الأحكام، فقد تلقينا في تلك المحنة نبأ قدوم المولودة في رسالة توصلنا بها من زوجته السيدة صفاء، التي أفلحت في تسخير العلاقات الشخصية لتبليغ الأخبار و توفير الإحتياجات أول بأول، فما كان من زيان و في محاولة لإشراك الجميع في إستقبال النبأ إلا أن أخذ ورقة و شرع يدون مقترحاتهم للأسماء و قد إقترح يومها المرحوم الأستاذ على بوزقية (أبو حسام) كوثر للمولودة الجديدة إعتزازاً برفيقته و أم أولاده الشاعرة كوثر نجم، و كان أن إخترت الإسم المُشار إليه، خاصة و أن رؤيا طافت بي مناماً قد حدَثت قبل ذلك بعدة أيام. و ها قد ودعنا ذلك التاريخ منذ عقودٍ أربع و صارت صغيرة تلك الأيام على وشك أن تكون جدة فإزداد حجم الإستجابة للإكراهات.

و لئن كانت دورات هذا المعرض تذكرني دائماً بعديد الإعزّاء الذين غيبهم الزمن الغدّار ممن كنّا نتخذ من هذا الفضاء السبيل لإلتقائهم و تبادل الرأي معهم و كذا صافي المودّة و جميل العواطف، يأتي ذلك مباشرة أحياناً، و إكتفاءً بالإتصالات التليفونية البعيدة عن الرقابة أحياناً أخرى، و من بينهم بالطبع من كانوا يتقدمون صفوف المنشغلين بواقعنا و يمثلون مستوى من مستويات الرأي الآخر، و لا سيما الرامي إلى الإنفراج و معالجة مشكلات الداخل عبر المطبوعات الورقية و مثلها الإلكترونية، تلك التي كان لها دورها و لم نتردد في التواصل معها مثل أخبار ليبيا، وليبيا المستقبل، و ليبيا اليوم، عندما كان أمثال عاشور الشامس و عيسى عبد القيوم و حسن الأمين، و غيرهم كثر ممن يتخذون من هذه المظاهرة فرصة للتواصل مع مثقفي الداخل، فقد كان الجميع يرون في ذلك ما يقوي اللُحمة و يوسع الدائرة و يؤكد الفاعلية و بالذات لِما يرافق دورات المعرض من مقابلات صحفية و أخرى تلفزيونية أمكن من خلالها الحديث عن النص الإبداعي و المستوى النظري بعد أن تقلص سلطان الحساسية و أدرك الكثيرون أهمية الإنتشار و قيمة المشاركة الحرة و المتخلصة من ضغط السلطة، يحضرني في هذا المقام ذلك النشاط الموسّع الذي أقامه مجلس الثقافة العام و وضع برنامجه و إختار مفرداته الكاتب منصور بوشناف و المرحوم إدريس المسماري و الشاعر هليِّل البيجو، عندما قام عدد من النقّاد المرموقين قراءاتهم حول عديد النصوص الليبية، منها كتابي " المولد " الذي وثّقت فيه الإعتقالات سنة 1973، و إستطاع الناقد و الأستاذ الجامعي الشهير صلاح السِروي أن يقدم حوله قراءة نفَذَت إلى أعماق الأعماق على الرغم من أن الظرف لم يكن يسمح بالخوض في تجربة السجن على نحوٍ موسع، كما أن النص من جهته لم يوثِّق للمرحلة بالكامل و إنما إكتفى بالممكن فقط، و إتخذَ من تجنيس النص بالرواية مُسوِغاً للإنتقاء الذي حدث بصدد التجربة كما أشرنا في غير ما مرة، و قد تأكد من خلال ذلك النشاط و ما قُدِّمَ من نصوص أن ما يوجد في الداخل يزخر بالكثير مما هو إيجابي، و أن بعضه أكثر قدرة على تمثُّل التجربة الحقيقية لحياة و ممارسة القوى التقدمية، كما أن عديد الأسماء كانت عبر حضورها المؤطرة مرة، و الشخصي مرة أخرى تثبت فاعلية بالغة الأهمية في أنشطة هذا المعرض في عديد الدورات و لا سيما جلسات المقهى الثقافي القائمة على الحوار الحر المجرد من الكلفة و المعتمد على الشخصيات المستقلة و ما يفرض وجودها من تحلُّق كثيراً ما كان أبرز حضوره محمد عفيفي مطر و فريدة النقَّاش سعدي يوسف و أم العز الفارسي و إدريس بن الطيِّب و أحمد الفيتوري و زباد علي و صالح السنوسي و غيرهم، و لو أردنا التفصيل لأثقلنا على المُتلقّي

على أن ما يعوض عن ذلك ما كُنا قد أمليناه في حينه، مما يمكن الرجوع إليه في الصحف الورقية و كذا ما تيسّر إدراجه هنا من كتابات وفّرت لمن رام دراسة المرحلة أكثر من مرجع لا أخَال أن ثمة من ينكر أهميته.

على أن الغيبة الجسدية عن هذه التظاهرة لم تحل دون متابعتها من خلال ما أتاحت وسائل الإتصال الحديثة و المتمثلة على نحوِ خاص في فضائية النيل الثقافية التي داومَت على نقل الأنشطة الشعرية نصوصاً مُُلقاة و حوارات مُكمِّلة، حتى أن الأربعة عشرة أمسية التي هي حصيلة المعرض الخاصة بالوطن العربي ككل أمكن متابعة معظمها ليس فقط من خلال الأسماء العربية التي حضرت من أكثر من ساحة عربية و لا سيما المغرب بوصفه البلد الضيف و الذي لوحظ عليه حُسن الإختيار من حيث جودة النصوص المُنتَجة من الجنسين و التي عبّر بعضها عن مستوى غاية في الجرأة بما جمعت بين دلالة المعنى و قوة المبنى كما يقول القدامى، أما الصوت الليبي المميز الذي عبّرت عنه فريال الدالي و التي تضيف إلى جمال ما تكتبه من نصوص تُزاوج بين الذات و الحياة، و الإلقاء بعد ذلك من الذاكرة مما يثير الكثير من مشاعر السعادة بوجود جيل يشق طريقه دونما تأثُّر بغياب الرعاية أو صرفها إلى غير ما ينبغي أن تُصرَف.

من جهتها عبّرت المشاركة المصرية عن التتطور الهائل و غير المُستغرب بالطبع الذي تحقق للشعر في أرض الكنانة، تطور جسّده عدد الشعراء من الجنسين، و مثل ذلك الأجيال، فما من أمسية من الأمسيات الأربعة عشر إلا و كان عدد الشعراء و الشاعرات من داخل مصر يزيد على الضيوف بنسبة لا تقل عن الثلثين، عدد مثّلَ الأعمار كما مثّلَ المدارس و أكدته نوعية النصوص مثلما دلّلَت عليه المؤلفات، فما من مشاركة أو مشارك إلا و قد أصدر عديد المجموعات الشعرية، و ما من نص أُلقِّيَ إلا و جسّد مستوى القيمة الشعرية و الشعورية. فقد حفلت النصوص الشعرية بالتجديد الملحوظ، كما لم تخل من التقليدي الأصيل و كانت الشعرية ظاهرة في كل نص أُلقِيَّ، فإذا ما إختفت التفعيلة لاح مستوى الإيقاع الآخّاذ أما الإحتفاء بالأسئلة العصرية و من دون أي تكلّف قسري فأكثر من أن يتسع له المقام لو أردنا الشواهد، و إذا كان الكثيرون يقولون بإستمرار أن المشهورين لا يمثلون شيئاً أمام من لا يزالون محجوبين عن الأنظار فلا شك أن ما أُلقِيَّ هذه المرة و بقاعة صلاح عبد الصبور على نحوٍ خاص قد أكد بقوة هذه الحقيقة، مما يعني أن بقية الفضاءات الأخرى لا بد أن تكون قد أظهرت ما تيسر لها هي الأخرى، لولا أن الظروف قد حكمت أن تكون هذه المتابعة مرتكزة على هذه الزاوية دون غيرها و هي على كل حال كافية للإفادة الموجزة و لكل من يبتغي التفصيل.

يتضح مما سبق أن التواصل و أسبابه أقوى بكثير من كل الإكراهات التي تفرض على المرء أن يغيب عن مثل هذه التظاهرات الخلاقة، و أن من يتطلع إلى التواصل و المشاركة لن يعدم الوسيلة، ففي زمن الشاشة الصغيرة و الشبكة العنكبوتية يمكن التواصل أخذاً و عطاءً، فالصورة شاهد قوي و الكلمة أطول عمراً، كما عبّرَ صلاح عبد الصبور في زيارة له قام بها لهذه المدينة قبل ما يقرب من خمسين سنة مضت سنة 1968

و أعود إلى ما بدأت به حول العدول عن التوجه إلى القاهرة و مقابلة من أُحب فأختم بما خاطب به أحد شعراء العرب في معرض التعبير عن شوقه لمحبيه و إصراره على تحدي الفراق حين قال:

لا تَحْسَبُوا نَأيَكُمْ عَنّا يغيّرُنا..... أنْ طالَما غَيّرَ النّأيُ المُحِبّينَا



______________________________


..إذا كنت لا تدري فتلك مصيبة

أمين مازن

20-2-2017

أقدَم رئيس المجلس الرئاسي المقترح على توقيع ما دعاه بمذكرة التفاهم مع الحكومة الإيطالية، و ستتمكن بموجبها الحكومة المذكورة من إعادة آلاف المهاجرين غير الشرعيين القاصدين أوروبا عبر إيطاليا ليُصار إلى إيوائهم بليبيا ريثما يُعادون إلى أوطانهم التي قدموا منها بواسطة إيطاليا التي عليها أن تؤمّن إحتياجاتهم طوال هذه الإقامة غير المُحددة بأجل، و إن سُوِقت بوصفها مؤقتة، و طرحت ما طرحت في المعاهدة الليبية الإيطالية التي أُبرمت قبل السابع عشر من فبراير 2011 بسنة و بعض السنة و قد جاءت إجراءات التوقيع بحسب الفضائيات مُحاطة بمظاهر الإحتفاء و ظهرت على مُحيا رئيس المجلس علامات السرور بما أقدم عليه، على الرغم مما تناقلته وسائل الإعلام المتعددة من المعارضة القوية لهذا الصنيع من عديد الأطياف و التي بدأت منذ أول إتصال قام به نائب رئيس المجلس الرئاسي المذكور أحمد معيتيق مع المعنيين، كانت حُجّة من وقّعَ و من ظاهره على ما فعل أن هذا الإجراء جزءٌ من معاهدة إستكملت جميع شروطها و لم تحمل أي إلتزامات جديدة، أما أن ما يقرب من نصف أعضاء المجلس بين مقاطع و مستقيل فمسألة لا تعني الرئيس المقترح و كونها واحدة من عدة مفردات يمكن أن تكون بالنسبة لليبيا أكثر أهمية و أقرب أولوية فأمرٌ هو الأخر غير ذا بال، ففي زمن الأمر الواقع و تسيير شئؤن الدولة بالمخالفة تحت حُجة المصلحة العامة يمكن أن تُسوَّق ألف مصلحة و مصلحة و في حُمَّى الطموح السطحي تهون ألف شُبهة و شُبهة.

و مما لا شك فيه أن ذلك قد دفع الكثيرين إلى الترحيب بالطعن الذي قُدِّمَ إلى القضاء حول دستورية هذا الإجراء بقصد إبطاله، فقد كانوا و الحق يُقال في صميم المصلحة الوطنية و لم يسبقه سوى ذلك الذي رُفِعَ حول قانون العزل السياسي و الذي لم تتمكن هيئة المحكمة من النطق بحكمها حوله، و كم يكن مفيداً و سارّاً لو طُبِّقَت عليه حالة الإستعجال، على إعتبار أن مسألة المخالفة الدستورية أوضح من الوضوح، فقد قفزت إيطاليا و ظاهَرَها على قفزها رئيس المجلس المقترح فأعطت الأولوية لهذه الإشكالية الدولية و ما تمثله من تهديد لأمن العالم فإختارت الطريق الأقصر بتدبير الإيواء لهذه الألاف المُؤلفة بالتراب الليبي ملوحة بتحمُّل نفقات الإيواء و إجراءات السفر، كأنما تريد أن تعيد ترتيباتها التي إتخذتها منذ قرن من الزمن عندما تبنَّت سياسة التقلقل السلمي لتُشرعن في وقتٍ لاحق إحتلال ليبيا متجاهلة للكيان الوطني المطروح و معاهدات الصلح المُقترحة، و تتخذ مما أنشأت أثناء فترة الإستعمار مبرراً لحقها في الوصاية على ليبيا، و سيكون مُتاحاً لها ما لم تتنادى جميع القوى لوقف هذا التوجه المُخيف و من خلال تعهدها بالمساعدة على الإيواء و الترحيل المتحكم في المُدَد المُحددة للإعادة حالة إنجازها لذلك بالفعل و التحقق من هُويات هؤلاء المغامرين ممن يبدأون رحلاتهم بإتلاف أوراقهم الثبوتية و يكون من أصعب المصاعب التثبُّت من هذه الهُويات، كما أن حقوق الإنسان المزعومة ستوفر لهم ما لا حصر له من الخدمات و أولها عدم المساس بهم إذ أن وجود المهربين يختلف كل الإختلاف عمن يحمل صفة المؤقت.

فإذا ما وضعنا في الإعتبار ما يتصف به عديد الليبيين المنهمكين في القطاع الخدمي و الزراعي و ما تدفعهم إليه حاجتهم للعمالة من التواصل مع هؤلاء و الإستفادة من سهولة التعاطي معهم، فإن المُضي نحو تشغيلهم بلا مسئولية و لا إجراءات سيكون هو الأسهل لمجرد تحرّك عجلة الإقتصاد، بل لعل إيطاليا من واقع معرفتها للظروف العامة و أساليب التغليب على مشكلات السيولة النقدية لن يستحيل عليها أن تُسرّع ببعث ظروف جديدة لا مكان فيها للتفكير في المصلحة العامة المتعلقة بمستقبل الأجيال، و يكفي أن نعود بالذاكرة إلى العقود الماضية التي تلَت رفع أسعار النفط و ما أحدثته من الإنتعاش الذي كانت الخدمات عِماده الأساسي، عندما نسيَّ المنخرطون في النشاط الخاص أي حديث عن الشأن العام و عن المستقبل و عن الأجيال الصاعدة، فقد إستوعبت المقاولات و المقاهي و المزارع الألاف و هي ستستقبلهم مرة أخرى، أما إذا كنا من الذين على علم بما تم حول ليبيا من عديد الإتصالات المتعلقة بالرقعة الجغرافية و النُدرة السكانية و مشكلات الجوار الأفريقي (الأسود بالذات) فلا شك أننا نُدرك حجم المخاطر المنتظرة، و الواقع أن مشكلة بعض المُتنفذين الليبيين تأتي من عدم إكتراثهم بأي مساحة تتجاوز مرمى نظرهم إذ يرون أن ليبيا حدودها المدن ليس غير أما الجنوب، أما المساحات الكبيرة فآخر ما يفكر فيه عديد المؤهلين الليبيين من الذين فتحوا أعينهم و وجدوا آباءهم يمتهنون التجارة و من أضيق أبوابها، فإذا ما إتسعت الأبواب بتأثير النفط كان الخروج من الوطن أول خياراتهم لمجرد بروز أي مظهر من مظاهر التأزم، إنه الخروج الذي يأتي قصد مقاومة التخلف الذي بدأت علاماته تظهر منذ السنوات الأولى التي تلَت سقوط النظام الملكي و ظهور بوادر الحكم الشمولي المعادي للديمقراطية و إن يكن يرفع شعار التحرر بل و الرافض للوجود العسكري المتمثل في القواعد، و إنما هو الخروج الرامي إلى تبادل الأدوار عند حلول الوقت المناسب، كما لمسناه من بعض القوى التي أنجزت المشروع الإستبدادي بكل الأمانة و هي تفكك الوحدة الوطنية على هذا النحو و ينبعث من بينها من يقصُر عن إدراك مخاطر اللعبة المترتبة على الإخلال بالديموغرافية السكانية على نحو ما يلوح من مذكرة التفاهم التي أزعجت القوى الوطنية كافة، حيث تثبت كل الوقايع أنها ليست سوى خطوة لتحويل البلاد إلى مكب للبشر من كل حدب و صوب، سواء و هم يصلون إلى أوروبا و يتم إرجاعهم و يسمح بإوائهم هنا أو يُحال دونهم و دون السفر بعد أن يصلوا إلى البلاد و يهمّون بمغادرتها عن طريق هذا الشاطئ أو ذاك مُعبّئين بأفكار ترى أن شمال أفريقيا بالكامل ينبغي أن يكون خاصاً بالسود وحدهم.

بقيَّ أن نلاحظ أن هذا الإعتراض لا يعني بأي حال من الأحوال الدعوة إلى عدم طي صفحة الماضي مع إيطاليا، فنحن دائماً مع التوجه إلى المستقبل و مع إعطاء الجغرافيا الأولوية، غير أن مآخذنا دوماً على إيطاليا كونها لم تتخذ من الإستعمار سبيلاً لبعث العلاقات السوية كما فعلت فرنسا مع تونس أو بريطانيا مع العراق و إنما بقيت دوماً المتقوقعة، و حسبها أنها لم تستعجل في تنفيذ ما حملته المعاهدة معها من عديد الإلتزامات سوى هذه الجزئية التي قفزت عليها قفزاً و تركت كل ما يمكن أن يُنجز بصدد المصالح الليبية بما في ذلك موضوع الهجرة و التي أجمعت دول أوروبا كافة على ضرورة التصدي لها من مصادرها إن بواسطة بعث المشاريع المشجعة على البقاء حيث المولد و النشأة، أو حتى المقاومة بالحواجز كأن تطرح إيطاليا و ينتبه من تحمّس للتوقيع معها الخطط التي تقاوم هؤلاء القادمين قبل إجتيازهم الحدود الليبية من الحدود الأفريقية تحديداً فتستهدف عصابات التهريب بأساطيلها الجوية و هي التي تملك ما لا حصر له من طائرات الأباتشي الشهيرة و الأخرى المقاتلة بدون طيار القادرة على التصوير من أبعد المسافات، لولا أن هذه المسألة ليست من مشمولاتها، فهي تريد فقط إبعاد هؤلاء القادمين إليها من الشواطئ الليبية قاصدين الذهاب إلى دول أخرى إذ تبادر بإجبارهم كي يعودوا إلى ليبيا بدعوى الإقامة المؤقتة و يُترك كل شيئ بعد ذلك للتساهيل، فإن خطر لأي ليبي أن يمارس نوعاً من الضغط هنا أو هناك كان لإيطاليا الحق، كل الحق، في إتخاذ كل ما يترآى لها أن تفعله خدمة للأنسانية بدون شك..!! فإذا وضعنا في الإعتبار أن الإنسانية تعني عدم إكراه المريض على السفر قبل الشفاء، و الأطفال قبل الكبر، و الشيوخ مراعاة لإعمارهم، و الحوامل حفاظاً على الأجنة.. ففي ليبيا المتسع كل المتسع للإقامة و للإيطالي المتعهد بالإنفاق ما يسهل المهمة و لمذكرة التفاهم التي لا تحمل من قريب أو بعيد ما يشير ألى الإقامة بليبيا من قريب أو بعيد كما يؤكد الناطق الرسمي للمجلس الرئاسي خير ضامن لعدم الأقامة بل السفر السريع !

و إذا كان تاريخ السياسة الليبية في جانبها النضالي يحفظ لكثير الرموز مواقفهم عبر جمعية عمر المختار و المؤتمر الوطني، و هذا الأخير تحدد صوته في جريدة الشعلة التي حمل مسئوليتها القانونية السيد مصطفى السراج و الذي تبوأ في أول مجلس نيابي أبرز مقاعد المعارضة التي صوتت ضد المعاهدة البريطانية و أشرف بعد ذلك على تلييب مؤسسة التأمين الإجتماعي و آثر في نهاية المطاف التفرّغ لحياته الخاصة حتى أنه لم يتردد في الرد على السيد عبد القادر البدري رئيس الوزراء سنة 1967 و ما شهدته من أحداث دامية عقب حرب تلك الأيام و تصويت إيطاليا لصالح إسرائيل دفعت البدري إلى توجيه اللوم لعدد من أعيان طرابلس فما كان من السراج الأب إلا أن قال على رؤوس الأشهاد "الملك ما خلَاش راجل في البلاد"، فإذا ما قُدِّرَ للنظام الملكي أن يسقط و ينتظم في عهد الفاتح من سبتمبر أكثر من لقاء لرجال المدينة و أعيان البلد و تفرض الإعتبارات القائمة على الأستاذ مصطفى السراج أن يكون بين الحاضرين، فإن ما يتعمّده من إختيار المقعد الخلفي و عدم الإستجابة لكل محاولة ترمي إلى الدفع به إلى الأمام، إنما يؤكد بوضوح ما يتوفر عليه الرجل من الحرص على الإقتصاد في الكلام و الخروج من هذه المواقف بأقل الخسائر فلا تذكر له اللقاءات المتلفزة أي مظهر من مظاهر التقرّب أو الحرص على أي تمييز عن الآخرين، إنها الحقائق التي توجب التذكير بها في معرض التعليق على ما أقدم عليه رئيس المجلس الرئاسي المقترح لعله يتعض و لعله يتحسّب من عواقب التاريخ و قديماً قال الشاعر: إن كنت لا تدري فتلك مصيبة *** و إن كنت تدري فالمصيبة

.أعظم



_____________________________



..رباعية الصبر و الأمل

إلى الأستاذ عبد الله بانون

أمين مازن

14-1-2017

" ما يوجعك غير من مات ... و كالوا عليه التراب     إلا بعيد الجباوات ... يجي بعد طول الغياب"

رباعية من الشعر الشعبي إعتاد ناس الريف ترديدها و هم يشكون ألَم فقدهم أعزّاءهم مُفرّقين بين غيبة مُحبيهم في ديار الغربة أو غياهب السجون، و غيبة الموت الذي لا رجاء معه في الدنيا، كِدت أن أُسمعها للأستاذ المحامي عبد الله بانون الذي يعاني حرقة فراق إبنه مُعِزّْ المُغيّب، بإعتباري أُعاني حرقة أكبر إزاء حرقة الموت، لولا أن الحديث في الشأن العام أثناء اللقاء الشهري الذي يحرص على تنظيمه السيد عبد الرحيم الكيب، لم يترك مجالاً لما هو خاص. بيد أن ما يربط بيني و بين الأستاذ بانون من حبال الود الشخصي و المشترك الوطني أوْجَبَ عليّْ كتابة هذه السطور و تدوينها في هذا الفضاء المكرَّس - في حدود المُتاح - لتوثيق كل ما يُثري الحوار و يؤكد التواصل و يُضاعف المعزَّة و يقوي المشترك. فعبد الله بانون الذي كان أحد حضور ذلك الجيل الذي كاد أن يشتد عوده و يقوى إسهامه في ستينيات القرن الماضي عندما أصاب الوهن الآباء المؤسسين لدولة الإستقلال ممن لم يعطوا الجدية الكافية لتعميق الولاء الوطني فيسروا جريرة الإفتتان بكل ما هو غير ليبي فخلف من بعدهم خَلَف لم يكن الكثير منهم أقل إفتِتاناً بهذا النهج غير السوي بما درَجوا عليه من التمكين للرفض و اليأس من إمكانية أي إصلاح و لو كان على هيئة ما شهدته البلاد من حراك آخر الستينيات عندما لاح في الأفق و بالأحرى تأكد أن ليس أمام شباب تلك الأيام من خيار إما المشاركة الجدية في النظام القائم و التصدي لدعوات التأييس و تزيين طريق الهدم، أو البقاء على الحياد بل و حتى المشاركة في التهيئة للتغيير و الذي لا معدى من أن يكون عسكرياً و في إتجاه التقليل من جدوى كل ما هو مدني، و هي نظرة قُدِّرَ لها أن تسود و تُيسِّر طريق الترحيب بما حدث في الفاتح من سبتمبر 69 عندما إستيقض القوم على ذلك الحدث الذي قلب كل الحسابات و لا سيما في جانبه السلمي لتندفع البلاد من أقصاها إلى أقصاها تأييداً لما جرى و تأتي الإعترافات الدولية في سرعة البرق، و بين الإتشداه و عدم المسئولية، و غياب الرؤية الواعية و شيوع روح المغامرة، و وجود طيف وطني تم التواصل معه في السجن، لم يكن أمام كل ذي بصيرة بخطر العمل العسكري إلا أن يلتزم الصمت على أحسن الفروض. و إذ أمكن السيطرة في وقت مبكر و قُدِّرَ للإعلام أن يشرع في أداء مهمته و للصحافة الموجودة أن تُدلي بدلوها و الأخرى المُعطّلة أن تستأنف صدورها عرَف الواقع الجديد ما درَج عليه البعض من سخي التأييد، كان عبد الله بانون أحد المشاركين فيه، حين لم يقبل الآراء الداعية للتوقف عن مسيرات التأييد و الإنصراف إلى العمل، كما إعتبر غيره عدم الإشادة بجلاء الأمريكان عن البلد نوعاً من التقصير أو عدم الوفاء للفتاة معيتيقة، التي رحلت إثر سقوط الطائرة الأمريكية و صُوِرَت كبطلة نضال " و لا شك أن هذا ما إقتضى تسمية قاعدة الملّاحة بإسمها " بعد أن حملت إسم القائد عقبة بن نافع.

هي حقبة تلتها حقب عدة، إختار البعض فيها التأقلم و ذهب البعض الآخر إلى أكثر من ذلك فجاهر بالتأييد و بالغ فيه، أو إتخذ الموقف الآخر فعارض و دفع الثمن من الحياة غياباً أبدياً أو تغييباً طال أمده و آخر سُويت أحواله، و إكتفى البعض الآخر بالإنزواء و من هذا البعض فيما بدا لي عبد الله بانون الذي إلتقيته في بعض أنشطة الراحل محمود الهتكي " القيادة الإجتماعية " لأجده بعد ذلك مُنسحباً حين وجد اللقاءات ستخرج عن الثقافة. فإذا ما رآى المثقفون أن يوقعوا بيانهم الشهير عقب إحتلال بغداد يكون بانون على رأس الموقعين دون أي تحفظ، مع أن البيان كان مشروع تكتل سياسي حاول أصحابه التسلل من خصوصية خطابهم.

و عندما يحرص الأستاذ عبد الله بانون على حضور هذا اللقاء الفكري تلبية لدعوة مُستظيفه الكيب و يربط مداخلته بما تيسّرَ لي الإدلاء به، مُتحدياً الظرف النفسي الذي يعيشه، و كذلك حادثة تمثيل المدينة في المجلس الإنتقالي التي طرحها سنة 2011 من تونس و لم يتوقف عندها، و من موقع الإعتزاز بهذه الرفقة الغنية بالحوار المثمر و الذي يَفرض اليوم أكثر من أي وقتٍ آخر أن نطرح شيئاً من القاربة المتعلقة بالحركة الوطنية التي خاضها جيل الآباء و إختلفت حولها المواقف من طرف القوى السياسية و الرموز الوطنية في غرب البلاد و شرقها، داخلها و مهجرها، أثناء الإحتلال و عشية طرح تقرير المصير، فقد إهتدى الأهل الذين أسسوا هيئة الإصلاح المركزية بل و أعلنوا الجمهورية الطرابلسية و صاغوا قانوناً أساسياً لمشروع الدولة، أن يعدلوا عن ذلك كله من أجل ليبيا و يوفدوا - بموجب قرار من مؤتمر غريان - أهم الرموز " الشيخ الطاهر الزاوي و الوجيه البشير السعداوي و السيد مصطفى الترجمان و آخرين " إلى السيد إدريس السنوسي مُنادين به أميراً على البلاد حرصاً عل وحدة الجهاد و البلاد و وحدة القرار و هي المرحلة التي مثلت فترة رجحان كفة الإستعمار الإيطالي لتأتي بعدها مرحلة الهجرة و النشاط الخارجي و مشروع التحالف مع بريطانيا في الحرب الكونية لقاء وعد بالإستقلال، و هو عرض جاء من بريطانيا و نصحَ البعض بأن يكون مكتوباً و رآى الأمير أن الظرف لا يسمح بإملاء الشروط و إنما القبول بالموجود و كان ما كان بصدد مبدأ الشوره و تكوين المستشارين و عددهم و كلام كثير يمكن الرجوع إليه في الوثائق التي حفظها كتاب "مولد دولة ليبيا" للدكتور فؤاد شكري و مؤلفات الدكتور المقريف و الأستاذ مفتاح الشريف و الدكتور عبد السلام العالم و مذكرات بن حليم و الصيد و كتابات الدكتور خَدّوري و سامي الحكيم و غير ذلك كثير. و من هذه مجتمعة يتضح أن أول محاولة للحراك الوطني عقب الحرب و الإتصال بالسيد إدريس هي تلك التي بادر بها السيد محمود المنتصر و الطاهر المريّض عندما توجها لمصر عارضين المبايعة لشخصه و أبنائه من بعده و أن تكون الدولة مَلَكِية دستورية، بمعنى أن رئاسة الحكومة التي آلت في وقت لاحق إلى السيد محمود المنتصر لم تكن طارئة و إنما هي نتاج الشراكة الأصلية، و هي ذاتها التي حَدَت بالمنتصر إلى الإصرار على أن تكون الحكومة مُشرفة على الولايات و بالضرورة رقيبة عليها و هو ما لم يرق للولاة و كذلك القصر الذي رآى أن يتخذ من الديوان و من الخاصّة المَلَكية أداة التدخل في الشأن الحكومي بلا حدود، كما أن نفس هذا الطيف من الساسة غير المنضوين تحت خيمة الوطنية التي إختصرها البعض في الزعيم السعداوي، إن هؤلاء الساسة هم الذين رفضوا أن يُترًك الملك يصدر أوامره في شئون الدولة دون مشورة مجلس الوزراء كما ينص الدستور، حتى أن الطعن الذي رُفع إلى المحكمة العليا من طرف الأستاذ علي الديب رئيس مجلس طرابلس التشريعي جرى بالتنسيق مع وزير العدل المرحوم فتحي الكيخيا، كما أن عمر باشا الكيخيا الذي يشكك البعض في دوره الوطني هو الذي جاهر بمعارضة المعاهدة الريطانية و إستنكف أن يُعزي الملك في ناظر خاصّته، و قل مثل ذلك عن الساقزلي الذي أصرّ على تنفيذ حكم المحكمة العليا، بمعنى أن هؤلاء لم يكونوا تُبّعاً أو ضُعفاء أمام العرش أو مُفرطين في حق الشراكة المسئولة في إدارة البلد، بل لعل تبنيهم أو موافقتهم على النظام الإتحادي لم يكن إلا من أجل الإبقاء على الحد الأدنى من الشراكة في إدارة شئون البلاد، و يكفي أن نذكر أن أول مجلس تشريعي لولاية طرابلس الغرب قد ضم جميع أعضاء المؤتمر الوطني في الإنتخابات التي أشرف عليها السيد فاضل بن زكري من موقعه والياً لطرابلس و هو المجلس الذي أقدَم الملك على حلّه عقب خروج بن زكري تماماً مثلما حلَّ المجلس التشريعي لفزان، بل لقد طرح بعض هؤلاء على الملك إمكانية التنازل عن العرش عندما لمسوا تردده في الأخذ بيد إبن أخيه الذي إختاره ولياً للعهد، و تركه بمنأى عن أي ممارسة و كذلك فعلَ بعض اللاحقين من جيلنا الذين تبنوا فكرة الدخول و محاولة الإصلاح فأدركوا أن الآخر لم يعد يرفض إمكانية الإقدام على التغيير من أي طرف معتدل و أكثر إستعداد للمغامرة و السعي نحو دور أكثر ملاءَمة للمرحلة حين تم ما تم في ذلك اليوم كما سبق و أشرنا منذ قليل، مما يوجب علينا أن نُحسن قراءة الأحداث في ضو شروطها الموضوعية و مرحلتها التاريخية. و لا شك إننا حين نُحسن القراءة سندرك أن المظاهرات التي شهدتها المدينة في تلك الفترة المبكرة من تاريخ الوطن و أثناء طرح مصير ليبيا في المحافل الدولية و لا سيما مشروع ( بيفن - سفورزا ) لم يكن الموقف الشعبي منصرفاً إلى الشكل الإتحادي لأن مشروع بيفن - سفورزا كان يعني وضع ليبيا تحت الوصاية الدولية أو الإنتداب بحيث تكون طرابلس من مشمولات إيطاليا و برقة من مشمولات بريطانيا و فزان من مشمولات فرنسا فالمظاهرات إذاً كانت من أجل الإستقلال، و عديد الأطراف الدولية دفعت في ذات التوجه، أما الصراع بشأن الوصاية فقد ساهم فيه أكثر من طرف بما في ذلك مصر المملكة في تلك الأيام. و لم يكن السيد عبد الرحمن عزام من موقعه في جامعة الدول العربية بعيداً عن هذا التوجه في مرحلة من المراحل، كما أن بريطانيا على لسان تشرشل أشادت بما أنفقته إيطاليا في ليبيا، و مبدأ التفاوض مع مستعمري الأمس كان مطروحاً في الوطن العربي، و ليس بالضرورة أن يُعتبر من أيده يقوم بدور العميل، كما أن تأسيس حزب الإستقلال يمكن أن يُفهم كخطوة إستباقية في طرابلس كي لا تبقى الأمور بعيدة عن الموقف العملي المُساوي للخطوات التي أُتُخِذَت بتشكيل الجمعية الوطنية التي وضعت الدستور و قبل ذلك لجنة الواحد و العشرين و التي صبَّت مُجتمعة في المشروع الإتحادي، كما أن حزب الإستقلال الذي إنبعث بعد المؤتمر الوطني ضم - كما تثبُت لوائح أسماء مُؤسسيه - أقوى الفاعليات ذات الوزن القبلي و هي التي أسست قبل هذا التاريخ الجبهة الوطنية المتحدة التي وجهت أول نداء بشأن الإستقلال عقب الحرب الكونية مباشرة، و هناك الكثير مما يمكن أن يُقال مما لا يصعب تتبعه على الأستاذ عبد الله بانون و الذي قد يجعل أحكامه أكثر إنصافاً حين يجد نفسه مدعواً إلى المشاركة في ما يُطرح من قضايا التاريخ، خاصة و إنه أبدى ترفّعه عن تخوين أي علم من أعلامه، بل و لم يستبعد عن بعضهم أن يكون أفضل الموجودين.

و أختم بالدعاء له و إياي عسى الله أن يفك الأسر و يجبر الضرر و يمن بالرحمة و الصبر.إنتهى



_____________________________


الدور الروسي.. توازن أم تأزيم

أمين مازن

8-1-2017


مثلما توقعنا قبل ما يقرب من سنة عن إمكانية تغيُّر الموقف الروسي بشأن الأزمة المتفاقمة عندنا في ليبيا، لم تكد شمس السنة المنصرمة تؤذن بالغروب، حتى ظهرت تصريحات المسؤولين الروس مؤكدة مثل هذا التوقع، بدءاً من المتحدث بإسم الخارجية الروسية، و إنتهاءً بمساعد وزيرها، و أخيراً أبرز المعلقين بها، أولئك الذين طالما إنتدبتهم الفضائيات المنشغلة بتسريب المواقف المُزمع إتخاذها لاحقاً و التي إنتهت بالدعوة إلى إعادة النظر في إتفاق الصخيرات، بما يؤدي إلى رفع ما رآى فيه البعض نوعاً من الضيم و المساس بشروط عدالة التوزيع في إدارة شؤون البلد سلطةً أو ثروة.

إن الموقف الذي ما كان لنا أن نتوقعه لو لم ندرك حجم التدخل "الروسي بالطبع" الذي طال الأزمة السورية و التغير الذي طرأ على موازين القوى عبر محاربة ما دُعى بمحاربة الإرهاب هناك، و الذي إتخذ منه الفرقاء ستاراً لما يطمحون إليه و ما ساعدت عليه التسويات المعروفة و التي طالما تدخلت في جميع الأحداث السياسية. إن على هيئة حروب بين الأطراف المحلية بحجة الصراع السياسي، أو التدخل الخارجي بحجة مقاومة الإستعمار و العكس صحيح.

هي وضعية طالت ليبيا منذ إنسلاخها من الإمبراطورية العثمانية و إرتهانها للإستعمار الإيطالي الفاشيستي و من ثم تخلصها منه على إثر هزيمة إيطاليا الفاشية و ما أملته الحرب الكونية من تسويات لم يكن الإتحاد السوفيتي بعيداً عنها، و القضية في المحافل الدولية، و ما تلى ذلك بشأن ليبيا المستقلة من النظام التقليدي و وريثه الشمولي، و الذي إرتبط في العقود الأخيرة، بل و الأولى أيضاً، ببناء الترسانة العسكرية التي شكلت مورداً من أهم الموارد المالية للإتحاد السوفيتي، مما دفع روسيا المُتخلية بالكامل عن النظرية الشيوعية منذ تسعينيات القرن الماضي أن تنتهج ذلك الطريق المتردد بشأن الأزمة الليبية التي أودت بنظام الفاتح من سبتمبر و إنتهت في النهاية إلى سقوطه بواسطة الحلف الأطلسي، حيث حقق ما يريد و ظل الروس بمعزل عن أي إسهام، إلى أن حصل التطور الذي حدث يشأن الأزمة السورية عندما صارت روسيا صاحبة التأثير الأكبر في سير المعارك فتُغير موازين القوى من سقوط النظام إلى تحديد نصيبه و حجم دوره، فبدا واضحاً أن التطور المُشار إليه لا مناص من أن يمتد لاحقاً إلى الحالة الليبية مما أثبتت الوقائع أن إنتظاره لن يطول، و هكذا كانت التصريحات الأخيرة من المسئولين الروس و كانت الزيارات التي سارع بها نحوهم بعض الفرقاء و التي أدت ضمن ما أدت إلى ما بدا يلوح من تغير في تصريحات بقية الشركاء الغربيين حول إتفاق الصخيرات و تكوين المجلس الرئاسي المقترح و إعتبار ثقة مجلس النواب في عداد المفردات الأساسية في مشروع التسوية، و إذا كان البعض سيرى في الموقف الروسي ما يمكن أن يساعد على تلافي ما عساه قد وقع من نقص و بالأحرى خسارة، إلا أن ذلك لا يعني أن الروس قد تكون لهم بدايلهم حين تقدير حساب الربح و الخسارة في أي تدخل يتم أو يقع التلويح به أو الشروع فيه، غير أن ما ينبغي الإنتباه إليه في حالة الإرتفاع إلى مستوى المرحلة هو الحذر كل الحذر من الإنزلاق مرة أخرى إلى دق طبول الحرب، ذلك أنها إذا دقت طبولها في غرب البحر الأبيض المتوسط و تسلل إليها الدُب الروسي و كان قد دخلها في شرقه و لم يتردد في الدفع بالكثير من أبنائه، فلا شك أن دوره سيكون أكثر شراسة في غربه ما لم تستيقض عقول الفرقاء نحو هذه الحقائق أو الفرضيات. أما إذا وضعنا في الإعتبار ما كان قد أُبرم من عقود عسكرية و ورد من أسلحة سُدد بعضها و مازال بعضها الآخر معلقاً و أن المبالغ الليبية المجمدة موضع بحث في الأوساط الدولية و أن إعادة إعمار ليبيا و خطر الهجرة و فكرة التوطين و طول الشاطئ و تعدد الحدود و وضوح الفشل في ممارسة الدولة و العجز الذي طال كل شيئ، و أن الدور الروسي من الأزمة الليبية قد يفوق جميع التوقعات و يتجاوز كل الحسابات.إنتهى



_____________________________


موقع الكاتب والاديب : أمين مازن

  www.aminmazen.com © 2019 - 2008

طرابلس - ليبيا

Tel 0913245901