حول رواية المولد

هوامش على ندوة المولد

أمين مازن


 


حملتني الندوة التي أقامتها الجمعية الليبية للآداب و الفنون على أجنحة قوية من المسرّة و الحُبور، مساء الثالث من أبريل لهذا العام بفضاء دار الفقيه حسن بالعاصمة طرابلس و مشاركة قوية من المختبر النقدي بجامعة مصراتة حول كتابي الذي وسمته بالمولد و جنسته "رواية" و صدر ضمن منشورات مجلس الثقافة العام قبل إثنى عشر سنة مضت 2006 و بعد أن أنجزته قبل ذلك التاريخ بما لا يتجاوز السنتين، أي بعد الفراغ من نشر الجزء الثالث من "مسارب" ذلك الذي تناولت فيه السنوات الثلاثة الأولى من عهد الفاتح من سبتمبر أي الربع الأول من العام 73 و هي المرحلة التي بدأت شهر أبريل من ذلك العام و قد تزامنت مع المولد النبوي و بلغت ذروتها بما أُطلِق عليه الثورة الشعبية، و التي لم تكن في حقيقتها سوى إعلان للأحكام العُرفية بما نُفِّذَ فيها من تعطيل القوانين و جرّ ذلك العدد الكبير من المثقفين و النقابيين و الناشطين السياسيين من الذين لمعت أسماؤهم في مسيرة التاريخ الليبي الحديث و ما ساده من حراك ملؤه المعارضة لما سيطر على العهد الملكي من الجمود و عدم القدرة على مواكبة العصر و ما شهده من مستجدات، إنه الحراك الذي كان له أكبر الأثر في تجريد ذلك العهد من أي سند شعبي دلل عليه سقوط النظام الملكي في لمح البصر مهّدَت لها كما يؤكد أكثر من مراقب مساندة بعض الأطراف الدولية الغربية، بدأت بخروج الملك المُسِن من البلاد و إصراره على البقاء بين اليونان و تركيا، و وسط دوامة من الإشاعات التي لم يكن خارجها ما تردد عن انقلاب مُنتَظَر من العقيد عبد العزيز الشلحي و استقالة تقدَّمَ بها الملك، و منشورات كانت تُوزَّع بشكل غزير و لافت و في أسلوب غاية في الركاكة و مجافاة اللياقة حمَلَ اسم الضباط الوحدوين الأحرار، و إيهام بعض الأطراف الأمنية أو تسخيرها ربما كي تتهم بها بعض العاملين في وكالة الأنباء الليبية، إلى الدرجة التي وضعت بعضهم  تحت الرقابة، حتى أن سيارات الفولكس فاقن  المعروفة بتبعيتها لإدارة أمن الدولة كانت تراقب صباح مساء إلى اليوم الحادي و الثلاثين من أغسطس 69 و هو اليوم الأخير في عمر النظام الملكي و هو اليوم الذي دخلت فيه ليبيا عهد آخر، حدد ساعة الصفر فيه الملازم معمر محمد عبد السلام بومنيار الذي حضر مرفوقاً بالنقيب مصطفى الخروبي إلى منزل المقدم موسى أحمد و تركا له وصية أن تنفيذ المُتفق عليه سيبدأ في الساعة الواحدة ليلاً، مع أن معمر كان قد اتفق في وقتٍ سابق مع موسى أن يكون يوم الأربعاء الثالث من سبتمبر موعداً للإجتماع مع خليل جعفر و من معه لتوحيد التنظيمين. و يبدأ موسى أحمد مهمته باحتلال قرنادة التي كانت من مشمولات غيره من المشاركين في تلك العملية و قد رأى ألا يترك خلفه جيباً و يتجه شرقاً؛  و إنما يبدأ بتأمين ما حوله و الكثير يقولون أنه حسناً فعل. هي خلفيات حَدَت بالكثيرين إلى القطع بأن ما جرى في الفاتح من سبتمبر لم يكن مفاجأة للغرب و لكنه كذلك ليس بتدبيره و تعليماته و أن الإسراع بتصفية القواعد التابعة لأمريكا و بريطانيا ما كان له أن يحدث لولا الإطمئنان القوي من أن الذين آل إليهم أمر ليبيا مُبرَّئَيِن من أي توجه سياسي يمت إلى ما سوى اليمين بصلة، و أذكر على الصعيد الشخصي أن تقريراً أعدَّهُ أحد الصحفيين الفرنسيين الذين زاروا طرابلس في تلك الأيام ما نصه أن الذين يحكمون ليبيا هم أطفال صوت العرب و عبد الناصر 56 و ليس الهَرِم الذي يعيش شتاء العمر و ليس بينهم سوى عنصر واحد يمكن أن يُوصَف باليساري قال الكاتب يومها "احتفظ بإسمه لنفسي" و هو يقصد بالطبع -حسب علمي- الضابط عمر المحيشي و قد حسب الكثيرون يومها أن الوحدة العربية أقوى شعارات العهد الجديد قد غدَت أقرب إلى الناس من حبل الوريد، مما جعل تصريحات الدكتور المُغربي الذي ترأس الوزارة عقب الفاتح من سبتمبر و كان القذافي قد تواصل معه و القوميين العرب  و النقابيين و فاتحهم في عزمه على تغيير النظام و استبعد فيها أي المغربي أن تأتي الوحدة العربية بعد أسابيع أو شهور بمثابة المُعرقلة للوحدة، ليكون رحيل عبد الناصر عقب احتفال العهد الجديد بجلاء القوات الأمريكية و مشاريع الإتحادات العربية مع مصر و السودان و مصر و سوريا من الأدلّة القوية على توالي الأزمات و قوة الدوامة و إن كان البعض يراهن على أن القذافي وحده الذي يعرف ما يريد ألا و هو الحكم و بدون قيد أو شرط و على قاعدة أن يكون لكل مكلف بأمر، المساعد الذي يمثّل العين التي ترى و الأذن التي تسمع، و اليد التي تقمع عند اللزوم، هي سياسة انتهجها هذا الرجل من البداية و التزم بها طوال الأربعة عقود التي حكم فيها البلاد و من الممكن القول أنها كانت وراء حالة الإرتباك التي طبعت مواجهة آخر الأزمات و تسببت في هذا الحجم الكبير من الخسائر التي لم يسلم منها الرجل و أسرته، و قد كان من الممكن أن تكون أقل بكثير، و التي بدأها مكابراً و انتهى منها دون ذلك؛ في نهاية المطاف، إلا أن الذي لا شك فيه أن العهد في مجمله يمثّل مرحلة مهمة من التاريخ الليبي و ليس أمام كل من يستشعر المسؤولية إلا أن يبذل الجهد تلو الجهد لاكتشاف أسرارها و ما اتصفت به من القدرة على التعاطي  مع الظروف السائدة و أفلحت في إبعاد ما لاحَ من تصور دولي كان يحبذ أن تذهب ليبيا ثمناً لما كان مطروحاً من التسويات الإقليمية القائمة  على بعض المشاريع الوحدوية لتغطية التسوية المتعلقة بالقضية المركزية، فإذا بالنظام الجديد يفلح في أن يكون ضمن اللاعبين و يتجاوز ذلك الترتيب، و من هنا كانت سلسلة التدابير التي جمعت بين العصا و الجزرة شرطاً من شروط المرحلة و كانت حملة الإعتقالات جزءاً من اللعبة، و كانت محاولة توثيقها و لو على الصورة غير المكتملة التي أمكن الدفع بها و العهد ما يزال قائماً تمثّل الهدف الأكبر، و قد جاءت الأوراق الثلاثة التي شارك بها الأخوة المشاركون أفضل قراءة و أثمن مكافأة عن تلك المحاولة، صحيح أنها ليست الأولى إذ سبقتها قراءة انتظمت في السنوات الأخيرة من العشرية الأولى من قرنِنَا هذا شهدها معرض القاهرة الدولي للكتاب و ترتيب مجلس الثقافة العام تحدّث فيها الناقد المصري المعروف و الأستاذ الجامعي الدكتور صلاح السروي أحد أعضاء الهيئة المديرة لإتحاد كتَّاب مصر و أدار الحوار الروائي البارز إبراهيم عبد المجيد كما انتظمت في ذات الفترة ندوة دعت إليها أكادمية الفكر الجماهيري عندما أُسنِدَت رئاستها للدكتور المهدي امبيرش و نهض بمسؤولية موسمها الثقافي الدكتور عمر حمُودة الذي كانت له ورقته و الذي طالما كان في مقدمة المنحازين لما يكتب كاتب هذه السطور و قد دعا يومئذ عدداً من الكتَّاب المتعاونين مع تلك المؤسسة التي كان لها دورها في تنشيط الحياة الثقافية دونما تعصّب للون محدد أو طيف ضيق، إلا أن الأوراق التي قُرِئت هذه المرة جاءت أكثر شمولاً، و تلك هي طبيعة الثقافة الجادة، كلٌ يستفيد من سابقيه، ليتحقق التراكم المطلوب و الجدل المُثري، إن من خلال استبطان النص كما فعل رضا أو الإقدام على التفكيك أملاً في اكتشاف الدلالة، كما حرص المالكي أو ربط النص بما سبقه كما ذهب الأشلم صاحب الموقف الجاد من مسارب في رسالته الضافية حول السيرة الذاتية التي حصل بها على درجة الدكتوراه في الفترة الأخيرة. جمعت الأوراق الثلاثة التي كونت مادة الندوة، بين الإستعانة بالتجربة الشخصية التي عاشها الكاتب رضا بن موسى، إذ من المؤكد أنه وقف عبر النص على تلك التجربة المريرة التي عاشها مع ثُلّة من رفاقه الذين بدأوا رحلتهم السجنية من الكويفية ببنغازي ليختتموها بطرابلس قبل أن تنتهي بالنسبة لهم سنة 88 تقريباً، فتجاوزت الإثنى عشر سنة أي تجاوزت الفترة التي رصدها نص المولد بإثنى عشرة مرة، إلا أن توقيتها المبكر ربما يكون قد أسبغ عليها بعض ما سطّره قلم هذا الكاتب و هو يعيد نصوصها و يشير إلى بعض مقاطعها لتُشكِّل ورقته ما أطلق عليه رئيس الجلسة الناقد رمضان سليم صفة النص على النص، ذلك أن رضا كان ضمن الذين اقتيدوا إلى سجنهم من الحرم الجامعي و هم يحلمون بمستقبل غير ذلك الذي اغتاله السجن و ما رافقه من العنف الذي لا يملك المُمتَحَن به في الغالب إلا أن يعيش ما سعى النص إلى تصوره حقيقةً أو تخّيلاً، خاصة و أن التجربة قد شملت ضمن ما شملت عرض بعض الإعترافات المُغتَصَبة على شاشات التليفزيون، فحرصت "كما عبَّرَ من استغل أول مناسبة للخروج من البلاد و إعلان انشقاقه" أولئك الشباب من إدّعاء الصمود أمام المحققين فلم يبق للضحايا أي فرصة للتعويض، و هي ذات المقاطع التي وجد فيها الناقد و الأستاذ الجامعي الدكتور عبد الحكيم المالكي عضو المختبر النقدي في جامعة مصراتة،  و هو يستعين بأحدث أساليب النقد السردي و السيروي و السيميائي أن النص في صميم الأعمال الروائية ليس فقط لأن تجنيسه من قِبل كاتبه منحه هذه الأحقية، إذ على أهمية ذلك فإن ما وقف عليه الناقد و هو يفكك النص و بعض تلغيزاته، كما ذكر في مصطلحه أَهّلَ المولد للدخول في الجنس الروائي. إنها ذات القواعد التي اعتمدها الدكتور حسن الأشلم في ورقته، و إن بدا مُنحازاً بعض الشيء لرأيه القائل بأن المولد تمثّل الجزء الرابع من مسارب و التي كانت واحدة من خمس نصوص شكّلَت مادة دراسته للدكتوراه في كتابه الرائد حول السيرة الذاتية الذي تناول فيه سِيَّر عبد الله القويري و كامل المقهور و أمين مازن و علي خشيم و أحمد نصر، و لم يسمح له الأستاذ المشرف أن يضم المولد إلى السيرة باعتبارها مُصَنَّفَة كرواية، و هو على كل حال لم يُجردها من مقومات الرواية و هو يراها تُتخذ موضوعاً لهذه الندوة، و التي لم يبخل بالمساهمة فيها لمجرد أن أُحيط بها علماً و هو يحضر أحد الأنشطة السابقة، و إنما سارع بالتلبية و من ثم الحضور جنباً إلى جنب مع الدكتور المالكي و عدد من المشاركين في المختبر النقدي المذكور ليحضروا جميعاً إلى جانب الدكتور الطاهر بن طاهر حرصاً على إغناء المنشط، لا سيما و قد انعقد إجماعهم على وصف النص بأنه عمل كُتِبَ في الزمن الصعب، و هو ما لم أتردد في إبداء اعتزازي به، لتوافقه مع الرهان الذي عوُّلتُ عليه لمجرد الفراغ من الكتابة و الحصول على موافقة المطبوعات على نشر الكتاب ضمن منشورات مجلس الثقافة العام و عدم قيامي بواجب الإهداء لعديد العاملين في حقل الكلمة حتى أن الكثير من الذين حضروا الندوة تبين أنهم لم يقرأوا النص على نحو ما ذكر الدكتور الطاهر بن طاهر و الدكتور علي برهانة، على الرغم من أن الأخير كان ضمن المتواصلين مع مجلس الثقافة العام و لجانه الكثيررة. و إن كنت أعلم أن هناك من قرأ النص فور صدوره، و في جميع الأحوال فقد حَمَلَت الأوراق كل ما من شأنه أن يُعرِّف بالنص و يُوجِز الملاحظات المتكونة عنه على أحسن الوجوه و أوضحها سواء من يجد نفسه على اتفاق مع النص أو من يختلف معه، و تلك هي طبيعة الأشياء، على أن المشترك الإيجابي بين هذه الأوراق جاء في المجمل أقوى مما عداه و إذا كانت ظروف النشر بدَت عند الإستماع لأوراق الندوة  التي استطاعت أن تنفذ إلى ما عشناه من صعوبات بصدد مسألة التوثيق إلا أن طيف تلك المجموعات التي امتلاء بها ذات يوم ذلك المبنى التاريخي الذي يُطلَق عليه إسم السجن المركزي و الذي أبَت المزايدة السياسية و التنكر لتاريخ الأجيال أن تزيله بالمرة حتى لا يبقى للكثيرين ما يمثله ذلك التاريخ و الذي شهد أكثر من عهد، فإن وجوه أولئك الراحلين بدَت تطل و يوشك المرء أن يناديها واحداً واحدا، و لا سيما أولئك الذين حكمت ظروف النشر عدم التعرّض إليهم لأن القاعدة التي أمكن اعتمادها هي تلك التي تتبنى القول المعروف ما لا يُدرَك كله لا يُترَك جُلّه، بمعنى أن توثيق تجربة السجن على هذا النحو و لو كانت بهذا القدر من غياب المنشود و النظام الذي اقترف هذه الجريمة و داخل سلطته أجدى من انجازها في عهدٍ لا حق يمكن لأيٍ كان أن يطعن في صدقيتها و كذا إنجازها خارج الحدود لتُحسَب في الأعمال الدعائية، و إن كانت هذه أفضل مما عداها.

_______________________________________

مولد أمين مازن

بين مرجعية السيرة، ومتخيل الرواية


دار الفقيه حسن- طرابلس-الثلاثاء- 3-4- 2018


د.حسن الأشلم


(1)

مولد المسارب..!

في منتصف العام 2010 حسمت أمري بأن تكون أطروحة الدكتوراه عن السيرة الذاتية في ليبيا، وذلك في سياق اهتمام خاص بأسئلة الأدب الليبي في مراحله المتأخرة؛ والمتعلقة بالماضوية، والتاريخ المسكوت عنه، وعلاقة المثقف بالسلطة، وقد تأسس اختيار السيرة الذاتية على بعد مفاهيمي للسيرة الذاتية العربية جعل المرجعية تتشاكل مع الذات، هذا إن لم تطغ عليها في كثير من الأحيان، ولعل ذلك ما دفع بمحمد الباردي إلى تعديل تعريف فيليب لوجون الشهير ليتواءم مع طبيعة السيرة الذاتية العربية الموضوعية؛ فهي من وجهة نظره:(حكي استعادي نثري بأشكال سردية متنوعة، يقوم به شخص واقعي عن وجوده الخاص والعام، وذلك عندما يركز على حياته الفردية والجماعية وعلى تاريخ شخصيته الكلي والجزئي) عندما تتكلم الذات ص179، ومن ثم كانت الغاية هي الاستفادة من قدرتها على كشف جانب من ذلك التاريخ المسكوت عنه في ثنايا الذاتية المتفاعلة معه والمنفعلة به، وتحديدا من منظور النخبة المثقفة التي عددتها الشريحة المهزومة مرتين؛ عقب الاستقلال بانهيار مشروع الكيان والتعددية السياسية في مواجهة المشروع القبلي المتحالف مع رأس المال الصاعد، وعقب تغيير سبتمبر 69 بحدوث الصدام غير المتكافئ بين جناحي المشروع العسكري والمدني، وهزيمة الأخير المتحققة عقب خطاب زوارة.

وللدخول في هذه المقامرة اخترت خمسة مداخل إلى وعي النخبة المثقفة مثلت وجهات نظر مختلفة متفاعلة ومحايثة لهاتين المحطتين؛ عبدالله القويري، وكامل المقهور، وأمين مازن، وعلي فهمي خشيم، وأحمد نصر...

في هذا السياق الأكاديمي انشغلت –فعلا- بمسارب أمين مازن الطويلة والمعقدة والمحيرة، شغلتني بموضوعيتها، التي وصلت حد الصرامة خاصة وأنها قد وضعت في مقارنة مع سير ذاتية نهلت من احتراف معظم روادها شعرية السرد. ومن جهة أخرى فإن كانت الانتقائية من خصائص السيرة الذاتية، تحتمها ضرورات اجتماعية وسياسية وثقافية فإن أمين مازن قد مارس التقصي والإمعان فيه، خاطا لنفسه طريقا خاصا في موضوعيته جعلته يخرج عن سياق النمطية الشعرية الحميمية؛ إنها موضوعية أمين مازن الخاصة التي تقلب الأمر على وجوهه المختلفة، موضوعية متجذرة في مرجعيته الاجتماعية، وقد عبر عنها في مساربه عند الحديث عن الواحة التي تميل إلى موضوعيتها وعقلانيتها الخاصة: (فالناس في الصحراء يشبهون إلى حد كبير سكان السجون، ليس لهم من شيء محبب مثل الإغراق في التحليل والتخريج، الذي قد لا يقف عند المعطيات القائمة بقدر ما يسرف في تحليلها) مسارب ج1 ص287 في مساربه تجاور الذاتي والموضوعي ولم يسلم من موضوعيته شارد ولا وارد، لكنها موضوعية خاصة تطرح الأضداد لتخرج بالرأي الثالث غالبا تختفي الأسماء والأحداث المحددة، لكنها تصرح بالموقف منها دونما وجل؛ لقد عددتها السيرة الأكثر واقعية وشجاعة في مواجهة كل التابوهات، فقد كرست موقفا أحسبه تصحيحيا لكثير من المواقف التاريخية... لقد كانت موضوعية مقصودة لذاتها اختارها مازن لعقلنة الأمور فجاءت كل من الإدانة والإشادة في سياق الموضوعية على حد سواء، وقد تجسد ذلك بشكل واضح في موقفه من انقلاب 69 وفي زمن أحداث صعب وزمن كتابة أصعب؛ (الاحتمال الأرجح أن البرنامج ليس من الأمور المعدة، إذ كثيرا ما يكون ذلك مبررا أيضا، لأن التخطيط يحتاج إلى الوقت وأسلوب الخطأ والصواب من الأساليب التي شاعت ولا مجال لتجاوزها) مسارب ج3 ص51

في المحصلة لقد عددت مسارب سيرة ملحمية بامتياز امتدت من العهد الإيطالي وحتى بداية السبعينات، سيرة حافظت على تماسكها وخصوصيتها، سيرة قدرت وضع راويها داخل الحقل الشائك الذي يكتب فيه، وأبعدته عن المحاكمة الجائرة، ضمن قناعة نقدية بأن السرد في مجمله ميدان للتجريب.

(2)

مسارب..المولد..؟!

كان ثمة أمر يستحق الوقوف عنده، فمسارب بأجزائها الثلاث، وبعد أن اخترقت بنجاح تابو الزمن بعد 69، توقف جوادها وقد كنت أمني النفس باكتمال ملحمة الراوي عن المسكوت عنه الأكثر راديكالية من -وجهة نظري- الذي يبدأ اعتبارا من منتصف أبريل 1973، لكنه اختار أن تتوقف المسارب في جنان النوار قبل ساعات من ذلك التاريخ المفصلي، رغم قناعتي التامة بأن موضوعيته قد كانت كفيلة بأن تعبر حقل الألغام وأن تصل إلى ما يريد المتلقي معرفته، حتى لو كان هذا المتلقي نخبويا.. وقد فعل؛ فكانت رواية المولد، رواية تزهر في حقل موضوعية أمين مازن الصارمة، متماهية مع واقعية السيرة الذاتية، ولم يكن ثمة مناص من أن أنجر إلى استكمال حلقات المتابعة الخاصة بالمسارب أسلوبا وتاريخا وأحداثا وبنية فعددت المولد جزءا رابعا لها.

حكم لم يخل من تبريرات ومحاولات لإيجاد إجابة لماذا كانت رواية وليست مسربا رابعا؟، هل واقعية أحداثها ووقائعيتها وحساسيتها من حتم أن تكون رواية؟، بوصفها تصنيفا أجناسيا مخاتلا سيبعدها عن محاكمة السيرة الذاتية. لكن ثمة قناعة مبدئية جعلتني لا أميل إلى ذلك؛ فالحدث محدد في زمانه ومكانه وشخوصه يمارس امتداده في العالم السيرالذاتي للمسارب، على مستوى السرد والسارد والمسرود له والتقنيات. من جانب أخر لا يمكن أن يتنافى التصنيف الأجناسي لهذا النص بوصفه رواية مع طبيعته الوقائعية السيرذاتية. إذ يمكن تصنيفه من ضمن روايات السيرة الذاتية التي جاءت في سياق صعود حركة التذويت في الرواية العربية، حيث يتماهى المتخيل مع الواقعي السيرذاتي، إلى حد دفع إدوار الخراط إلى أن يضع ميثاقا روائيا لروايته ترابها زعفران ينأ بها عن أن تكون سيرة ذاتية وإن لم ينف أن جزءا منها قد يكون موجودا في هذه الرواية. لكن في مولد أمين مازن تضمر مساحة المتخيل في مواجهة الواقعي التوثيقي المرجعي، في حين ظلت ملامح الرواية متماسكة على مستويات: التأطير المكاني ممثلا في فضاء السجن، إضافة إلى حركة الزمن في بعديها الواقعي والسردي داخل النص، وصولا إلى الراوي الذي نزع عنه أناه وتخفف من حملها؛ ليحولها إلى ضمير الغائب.

(3)

مولد.. الموالد..!

في المولد أستذكر ما كتبه أمين مازن في ميثاقه السيرذاتي في الجزء الثالث من المسارب عندما قال بأن (مسارب عمل يستعير من الأجناس الأدبية مجتمعة) مسارب ج3 ص13..... ميثاق سردي لا ينبغي تجاهله عندما نقارب نص المولد أجناسيا: سيرة ذاتية، أدب سجون، رواية، رواية سيرة ذاتية أم هو كل ذلك؛ فالحميمية الذاتية لم تغب، فكان عالم الداخل وعالم الخارج حاضرين في فضاء السجن، الداخل حيث الأنا تتأمل الحدث وتخمن فرضيات ما حدث وما سيحدث، وتتأمل الشخصيات على مرآة الذات فحضر السجان والسجناء فكان النص في جوانيته لوحات يتم من خلالها تقديم سيرة غيرية تأملية تتجاوز أسوار السجن لتعبر إلى التكوين الثقافي والاجتماعي لهذه الشخصيات، ومن خلالهما أيضا يتم تجاوز حدود الزمن المحصور إلى استحضار أحداث ووقائع تمس الواقع خارج السجن في أبعاده الفكرية والاجتماعية والتاريخية داخليا وإقليميا ودوليا، إنه المكان المغلق الذي يوفر فرصة للتأمل وتوسيع رقعة السرد فيتحول إلى فضاء يكسر خيط السيرة الذاتية المنحسر في الزمان والمكان والذات، ويجعل من النص لوحات لشخوص يقدم الراوي من خلالها رؤيته للعالم، وإن لم يدخلها في لعبة الصراع إلا في داخل وعيه؛ ليمارس لعبة التأمل التي تتماهى وطبيعة السجن وتسمح له بتوسيع رقعة السرد من خلال حركة تيار الوعي، وليحافظ السرد على تماسكه من خلال مؤشرات زمنية قياسية تؤطر هذه الحركة وتضبطها.

وبالمقابل يحضر الخارجي الذاتي بقوة حينما يتم استدعاؤه إلى فضاء السجن فيقيد الخارجي الحر الطليق بقيود القلق الوجودي لحظات شعرية تتجاوز السيرة الذاتية في وعي الراوي المغيب في قيد المكان عن الخارجي القلق على الأسرة والأولاد، تؤسس لحركة الذات في شعريتها التي تعطي زخمه الروائي وتكسر من حدة الموضوعية فيه:(بيد أن العودة إلى الذات وعوالمها، وما تصر عليه من استشعار الأمل والركون إلى التفاؤل حتى في أشد اللحظات ضيقا ما يلبث أن يجر عليه حين يأوي كل إلى فراشه أثقالا مضاعفة من الحزن واستشعار المرارة وأشواقا متتالية، مبعثها ما تحمله الذاكرة إزاء كل زائر) المولد ص237

المولد نص مخاتل في عتبته وأفق توقعه، إنه المولد في مرجعيته الثقافية الدينية، وهو المولد في راهنيته الموضوعية السياسية، وكذلك هو المولد في خيط الحميمية المتماهي مع الموضوعي انتظارا للحظة الميلاد والانبعاث، حيث يتماهى الألم مع الأمل في ذاتيته وموضوعيته، فيتحد مولد الموالد:(اقترح الفضل اسم رشا، ووضع أبوحسام اسم كوثر، فيما كنت شديد الميل إلى اسم ليبيا...) المولد ص269. المولد نص متفرد يعالج على خط الزمن فترة حساسة في جرأة تحسب له على مقياس محك أزمنة الأحداث والكتابة والنشر، نص زاخر بتأريخية ناقدة ستعرف قيمتها في قادم العقود، كونه النص الأكثر عمقا في معالجة قضية غاية في الأهمية ألا وهي علاقة المثقف بالسلطة في لحظة القمع، ناهيك عن أن يصل القمع إلى السجن ومصادرة الرأي بصورة جماعية عجيبة، لا يمكن محوها بسهولة من الذاكرة؛ (كانت لهجة الخطاب الإعلامي تشير إلى أن سيل الاتهامات سيطال الجميع، ومن يستطيع الإفلات من إحداها فلا نجاة له مطلقا من الأخرى التي تتلوها، فقد كانت من الاتساع والجاهزية حتى ليمكن تطبيقها على أي كان) المولد ص18. مقولة تلخص ملامح الهزيمة الثقافية الثانية وتذكر بملامح الهزيمة الأولى؛ التي عبر عنها عبدالله القويري قبل خمسة عشر عاما من هذه الهزيمة بقوله:(قد تزول التهم الأولى لكن لا يلبث أن تحل محلها تهم جديدة ففي هذه البلاد يجب أن يظل الإنسان على الدوام متهما)، ومنها أتلمس أيضا معالم هزيمة ثقافية ثالثة نعيش في أتونها حينما يصبح التصنيف تهمة وعقوبة، ولذا فإن (عليك أن تصنف نفسك قبل أن تصنف، وإن لم تفعل فإنك ستصنف رغما عن أرنبة أنفك)، لكن يظل وسيظل المولد محفوفا بألم وأمل لا يكل ولا يمل من انتظار مولد قادم أفضل بإذن الله.انتهى

_____________________________________




ننشر فيما يلي النص الكامل لورقة الناقد الأستاذ عبدالحكيم المالكي التي شارك بها في ندوة (قراءات في رواية المولد للكاتب أمين مازن )التي نظمتها الجمعية الليبية للآداب والفنون مساء الثلاثاء الماضي بدار حسن الفقيه حسن للفنون

-----------------------------------------


جماليات بناء الحكاية والنص في رواية المولد لأمين مازن

عبدالحكيم المالكي


ورقة أعدت لندوة الجمعية الليبية للآداب والفنون بدار الفقيه حسن

بتاريخ 2018.4.3

1.1 مدخل حول السرديات وتحولاتها

تأسست السرديات في ستينيات القرن الماضي وهي تركز على النص السردي في بعده الداخلي أي بعده الحصري، وتحولت ضمن التحولات الحاصلة ضمن ما يعرفه البعض بما بعد الحداثة نحو التفاعلات النصية المختلفة، فصارت أكثر اهتماما بالبعد النصي، حيث برزت مفاهيم التفاعل النصي المختلفة ومنها: التناص والمناصة التي تختص بالعنونة والعتبات بشكل عام. وظل البحث في عناصر الحكاية أساسيا لفهم أي نص وهذه العناصر هي: الأحداث، والشخصيات، والزمان، والمكان.

أولا. مستوى الحكاية بين البناء والبنية:

الحكاية الأولى هي أصل القصة في صور زمنية خطية مكونة من عناصرهاالأربعة: حدث، شخصية، زمان، مكان، ونبحث

1) المقصود بتحليل بنية الحكاية ما يلي:

البحث عما يدل على وجود نوع من أنواع العلاقات بين عناصر الحكاية (الحدث، الشخصية، الزمان، المكان) داخل النص السردي. هذه العلاقة قد تشكل علامة دالة على نسق وطبيعة الترابطات والعلائق المتحققة داخل النص السردي مع كل مكون من تلك المكونات الأربعة سابقة الذكر. هذا الترابط قد يشمل مجموعة أحداث محددة، أو رؤى حول قضايا خلافية، أو نوع من أنواع الحدث يتكرر بإيقاع محدد، أو بطريقة منتظمة، أو غير ذلك من العلامات الدالة على النسق التركيبي لعناصر. ومخرجات حليل بنية الحكاية ما يلي:

أ) بناء الأحداث وطبيعة تكوينها ونمط انتظامها.

ب) طبيعة العلاقة بين الشخصيات، وطبيعة تكوينها، وانتمائها، ومدى حدود انفصالها واتصالها في تضادها وتعاضدها .

ج) علاقة الفضاء المكاني والزماني بالحدث والشخصيات، ودورهما في تأسيس بنية للحدث والشخصيات، بل والبنية العميقة لتتالي ظهورهما في مستوى الخطاب السردي .

2) تحليل جماليات بناء الحكاية

يقصد به متابعة كيف قام الراوي بتشكيل الأحداث وتصوير الشخصيات وبناءها أمام المروي له كذلك كيف قام بتصوير أو إنجاز حضور البعدين المكاني والزماني وجماليات ذلك الفعل. ومخرجات هذا التحليل ينجم عنها فهم كيف قام الراوي ببناء العناصر الأربعة سابقة الذكر في خطابه السردي. أي تحليل جماليات بناء العناصر الأربعة وحضورها في مستوى الخطاب.

ثانيا. المستوى النصي وبناءه:

يمثل النص المادة النصية المعروضة في نمط من أنماط التداول المكتوب وغير المكتوب، ذلك أن النص حديثا (خاصة مع السيميائيات) صار تعريفا لكل أنواع المادة المتداولة في شكل رسالة نصية، سواء في مادة مكتوبة أو مرئية أو غيره، ويعني النص المادة النصية الموجودة ضمن كتاب مطبوع أو إلكتروني في إطار العلاقة الخارجية بين الكاتب والقارئ.

وينظر لبناء النص من خلال الطبقات النصية المكونة له (كما يرى ذلك سعيد يقطين) أو المتون النصية المكونة له، كما يمكن النظر إلى المكونات الإجناسية والنوعية الداخلة في تركيب النص باعتبارها مكونا بنائيا له، هذا ويشتغل العنوان وباقي الإهداءات وغيرها مدخلا لفهم بنية هذا النص والعلاقات القائمة بين بعض عناصره.

2.1 حكاية رواية المولد.

يحكي الراوي في رواية المولد للأستاذ أمين مازن ما يشبه السيرة الذاتية التي تخص مرحلة محددة، وبشكل أكثر دقة يحكي عن أحداث سجن مجموعة من النخب الليبية المختلفة بعد بيان زوارة سنة 1973.م المعروف آنذاك بالنقاط الخمس. يتناول هذا الراوي الحدث، باعتباره أحد الشخصيات أو من عين أحد الذين عاشوا ذلك الحدث ضمن تلك المرحلة. وينقل لنا في صدق وحسن تعبير تلك الظروف التي صاحبت القبض عليهم كما يعرف (بدون الإخلال بالشرط الفني) بعدد كبير من الشخصيات التي عاشت أحداث السجن تلك.

تناول الراوي في سرده قصة سجن تلك الشخصيات، كما وضح (في مرات كثيرة) خلفياتها العائلية والقبلية أو بعدها المكاني القادمة منه، والحقيقة أننا نجد في الرواية التي نحن بصددها تعبيرا مميزا وصادقا عن البنية الثقافية وعن الجدل السياسي والفكري السائد زمن الكتابة، كما كانت مدونة لرصد البعد الاجتماعي بل والإناسي للشخصيات الحاضرة زمن الحكاية.

الرواية نشرت سنة 2006.م، وبغض النظر عن زمن كتابتها (الذي هو بدون شك بين الزمنين (1973، 2006)، فإنها من وجهة نظر معينة تمثل شكلا من الخروج الكبير عن رغبات السلطة الحاكمة زمن الكتابة التي طالما لمعت ذلك الزمن واعتبرته من أزمنتها المجيدة، كما لا يخفى علينا قدر المخاطر والحساسية التي تتعرض لها هذه الكتابات في أزمنة السلطة الأحادية، وهو ما حتم فيما يبدو على الكاتب (وسأسميه باستمرار هنا الراوي) أن يتخذ (في بداية الرواية) إستراتيجية إخفاء للحدث المركزي وهو بيان (زوارة)، والتركيز على حدث المولد النبوي الشريف حدثا بديلا ينطلق منه في سرد أحداث السجن تلك.استمرت فترة سجن المجموعة تسعة أشهر منذ شهر مارس 1973إلى ديسمبر في نفس العام عند خروج أغلبهم من السجن.

3.1 مدخل حول تقنيات السرد في الرواية

اشتملت الرواية على عديد التقنيات السردية التي ساهمت في جعلها غنية منفتحة بالإضافة لسرد الراوي حيث تابعنا قصة عشرات الشخصيات المختلفة التي كانت حاضرة بقوة أو بخفوت هنا وهناك ضمن نسيج الحكاية. تابع حكايتها ذلك الراوي المهووس بالماضي وبمناقشة الموقف والوضع القائم لحظة سرده.

أولا. مدخل حول بعض التقنيات السردية الموجودة في الرواية

لعله يمكن الحديث عن بعض التقنيات السردية التالية التي وظفها الراوي وكانت أداته لبناء حكايته وإنجاز نص متداخل نوعيا وخطابيا.هذا جعل خطاب الرواية يخرج من الحكائية التقليدية لأبعاد تأملية وشعرية مميزة.

1) تناوب حالتي الراوي العليم وغير العليم على الراوي.

2) سرد تحديد الموقف أو السعي لتصور الوضع القائم، وهو سرد يعبر باستمرار طيلة الرواية عن الترقب الذي تعيشه الشخصيات.

3) حسن التصوير للمشاهد وكذلك السرد التلخيصي المميز.

4) حضور فواعل مهمة مع الشخصيات كانت أداة للعبير عن الخلل وتحريك السرد بل صارت لدى الراوي خصوصا ورفاقه من السجناء عموما معيارا لموقف السلطة والسجانين منها ومن هذه الفواعل: السجائر، والأطعمة المقدمة في إفطار رمضان.

5) القدرة المميزة على التصوير ورسم الشخصيات بما يعكس رؤية الراوي لها.

ثانيا. السرد المداور بخطاب غير مباشر:

هناك ملاحظة مهمة بخصوص طبيعة الخطاب السردي الذي كان الراوي ينجزه، متمثلة في إستراتيجية التلغيز أو السرد المداور (غير واضح المعنى مباشرة)، وهي في تصوري ليست إستراتيجية إخفاء فقط، وإنما إستراتيجية ذات بعد فني، بحيث تقدم كل الأشياء بشكل غير مباشر. يُحدِث ذلك النوع من السرد حالة تأزيم للوضع يتناسب مع تلك المشاعر التي تعيشها الذوات داخل السجن. هذه التقنية السردية لم تكن وحدها وإنما كانت مندمجة مع عديد التقنيات السردية الأخرى التي كانت تنحو نحو إبراز مشاعر الألم والتوجس من المستقبل التي تعيشها الشخصيات.لنتابع المقطع التالي الذي يرصد فيه الراوي وضع البلد الجديد وسيطرة القبضة الأمنية بشكل مداور وأسلوب غير مباشر في خطابه،والراوي هنا يتحدث بشكل يبدو غير منحاز لجهة ظاهريا، لكنه في واقع الأمر يفضح تلك التحولات نحو التحشيد في الأجهزة الأمنية وإعادة العاملين القدامى فيها وفق قواعد جديدة:

"يبدو ذلك طبيعياً ومبرراً لكل من يتناول الأمور بواقعية، وينظر إليها بمنظار العقل، فقوام السلطة العصبية القوية، وهذه لا تتحقق إلا بوجود عدد كاف من العسس وتركهم يجوسون خلال الديار ليتسنى لأولي الأمر الوقوف على الخفايا، وإدراك ما عساه يبيت، ومن ثم ضرب كل من يحاول التحرك من الصباح إما بمباغتته ليلاً أو عند طلوع الفجر، إنها حالات الارتياب التي تحاصر المرء في مثل هذه الظروف عبر حركة المعارف والمقربين، قبل غيرهم من الناس، حالات يولدها الوضع العام ويرسخها الاحتكاك اليومي، فتبدو بمثابة الواقع الملموس، ويغدو الإجراء المنتظر من الأمور التي لا فكاك منها ولا مجال لتأجيلها أبداً."

ثالثا. البعد الحجاجي للسرد

قام الراوي عبر استخدام عديد التقنيات السردية التي تجعل حجته قوية غالبا بطرح رؤى ومواقف من موضوعات مختلفة، ومكنه هذا البعد الحجاجي من الخروج من المباشرة التي تصاحب عادة هذا النوع من السرد وقد تسقطه فنيا،ومن هذه التقنيات التي ساهم في ذلك:

أ‌. استخدام المصطلحات والأسلوب الحجاجي في إنجاز الخطاب من خلال سرد النفي، والحديث باسم الجماعة أحيانا بدل الحديث الفردي وذلك لتزكية فكرة ما.

ب‌. عدم تبني الراوي لكل الأفكار التي يعرضها أو ينقلها والاكتفاء في بعض الأحيان بوضع جملة توضح عدم تبني الفكرة أو الموقف المعروض.

ت‌. حسن بناء الشخصيات وذلك بالانتقال عند وصفها بين عديد المستويات حيث يتم البدء بالحديث حولها (غالبا) عند مستوى التاريخ و/أو الخلفية الاجتماعية والأصل ثم المظهر الخارجي والشكل العام، ثم مستوى الطباع ، ثم سرد بعض المواقف التي تعكس كل ما سبق.

ث‌. مناقشة عديد القضايا فكريا بشكل منطقي والحرص (في بعض الحالات) على عدم تقديم رأي نهائي بشأنها.

لنتابع هنا نموذجا من النماذج التي تعبر عن البعد الحجاجي من خلال السرد باسم الجماعة أو الحديث باسم الجماعة وذلك عند مناقشة دخول رفيقين جدد للسجن:

"فقد انعقد الإجماع على أن هذا الحضور من الأمور الاستثنائية ولا يتصل أبداً بالمسار العام. وذلك بعد أن شرح كلاهما خلفية الإجراء المتصل به، فقد جاء العابد نتيجة تمكن أحد منافسيه من الإيقاع به لدى الدوائر المسئولة، في حين أوقع " بأبي قرين " صراع القبائل. إذ لم يحن الوقت كي يتمكن العربان من أخذ حقوقهم وإن ارتفع الحديث عن الجانب العربي الذي كثيراً ما واجه بعض الإجحاف."


1.2 بناء حكاية الرواية:

يقصد بالحكاية تلك الأحداث المتتالية التي تبدأ منذ أقدم حدث من أحداث للرواية حتى أخر حدث، وينظر لها من خلال عناصرها الأربعة: الأحداث، الشخصيات،الأزمنة، الأمكنة.

تنوعت أحداث الرواية كما كانت الموضوعات التي رصدتها عين الراوي وفكره الموضوعات مختلفة متباينة وذلكعلى الرغم من كون الرواية تتحدث عن أحداث سياسية وترصد مواقف ربما تكون معروفة للجيل الذي عاش تلك المرحلة، إلا أن اهتمام الراوي بالتفاصيل والخلفيات والأبعاد الفكرية والثقافية للشخصيات كذلك رصده المميز لذلك الجدل القائم زمن الحكاية جعل من هذه الرواية وثيقة تعبر عن تلك الأحداث بشكل دقيق. لنتابع بعض الموضوعات التي رصدتها الرواية مع ملاحظة أن بعضها كانت مركزية وبعضها كان تناولها سريعا:

2.2. الأحداث من حيث هي حالة سجن :

أولا. الأحداث قبل المولد

قبل حدث الخطاب/ المولد كانت القصة تركز عل أمور ليست لها علاقة مركزية بالسياسة،

ففي البداية يتم التعريف بالفضاء المكاني وتاريخه كما في المقطع التالي:

"لقد ظل ذلك المبنى مهجور أو غير مستغل حتى لقد بادر شباب الفرقة القومية عند تأسيس هذه الفرقة عقب الحرب العالمية بالإطلاق من ذلك المكان أثناء خوضهم لتجربتهم الرائدة في مجال التمثيل بعد أن توقف المبنى عن أداء مهمته التي أنشئ من أجلها في سنوات الاحتلال ومجيء الإدارة البريطانية التي لم تر ضرورة للإبقاء على الكثير من الأنشطة وفي مقدمة هذه الأنشطة معرض طرابلس أو الفيبرا كما كان يعرف بالإيطالية، وكذلك فعل الحكم الوطني الذي لم يجعل من أولوياته تحريك مثل هذا المرفق."

ثم نجد المزيد من الحديث المستقر بشكل يشبه خطاب التقرير الرسمي حيث الراوي يتحدث عن معرض طرابلس الدولي، وعن طبيعة عمله وعدد زواره والمشاركين في دورة المعرض تلك السنة.

ثانيا. الحدث المركزي المولد أو خطاب (زوارة) وما صاحبه من أحداث.

كان هذا الحدث هو الحاضر الغائب فهو مادة عنوان الرواية ومتخللا للحكاية في كل أبعادها. يتخللها بحيث يصبح أحيانا بارزا من خلال تفكير الشخصية.سنركز أكثر على هذا الحدث عند الحديث عن العنونة ضمن مستوى النص.

ثالثا. أحداث ما بعد المولد وقبل السجن:

تميزت أحداث ما قبل دخول الشخصية المركزية للسجن بالتوتر وباتهام البعض للأخر عن سبب عدم سجنه، وكانت بذلك مادة لإبرازتلك الخصائص الاجتماعية للبعض منا في زمن الأزمات الشديدة، ومن مثل هذه الممارساتالتطير من الزوجة الجديدة عند حدوث مكروه لزوجها.

لنتابع هذا المقطع حيث الراوي يرصد هواجسه وما يدور في نفسه من أفكار وقد تم سجن أصحابه، ونلحظ استخدام الكاتب لأسلوب عدم المباشرة وذلك لتمرير هذا الخطاب:

"(أ) تكررت الالتفاتة يمنة وشمالاً، (ب) ودون الجهر بأي صوت كان السؤال الذي يلح: هل هناك الآن شيء جديد؟ هل هناك ما يمكن أن يبرر للقوم أي أجراء غير طيب. وماذا يمكن أن يضاف إلى ما علمنا منذ فترة بصدد من أطلق عليهم مجتمع الطاولات المفتوحة وما قدم بصدهم من معلومات تكررت حتى لم يعد أحد من الذين اعتادوا قراءة أمثالها يهتمون بها، فصارت بالتالي موضوع سخرية"

المقطع السابق يتم فيه رسم صورتين مهمتين في هذه الرواية: الأولى في المقطع (أ) السابق وهي تؤشر للخوف من خلال شخصية الملتفت يمنة ويسرة انتظارا للسجن والسجانين، بينما الصورة الثانية في (ب) ترسم الحوار الداخلي الذي يتم دون الجهر ويسخر من كل ما يطرح من أفكار عن الشفافية أو الطاولات المفتوحة.

رابعا. حدث دخول الشخصية السجن وما بعده

استمرت الشخصيات في السجن لمدة تسعة أشهر تقريبا، وكانت هذه الفترة التي تعيش فيها الشخصيات ضيق المكان والخاطر أداة لانطلاق فكر الراوي، محللا للموقف، ومتأملا في عديد القضايا، الأمر الذي جعل من هذه الرواية مكونة من البعدين السيري والسجني بالإضافة إلى البعد التأملي.

هذا التأمل كان أحيانا في اللحظة الراهنة بحيث يبدو أشبه ما يكون تحليلا استراتيجيا للموقف، وفي أحيان أخرى يتحول التأمل ليصير مادة لمناقشة السياسة الداخلية أو الخارجية أو الأبعاد الدينية أو الثقافية وقد يكون مادة لتصورات في طبائع البشر واختلافات المناطق في طبائعها وعاداتها، ولعله من الملاحظ أن الراوي وهو يرسم الشخصيات ويصيغ الأحداث كان يرسم باستمرار تفكير الشخصية ي العلاقات المختلفة مع الرفاق و السجانين.

لكن عندما ننتقل إلى السجن مع الشخصية عن الماضي يصير كلها أداة لرفد الحاضر سواء في بناء الشخصيات فكريا أو قبليا أو رصد حركة المجتمع الليبي كله.

3.2 الأحداث من خلال فعل التأمل

فعل التأمل كان يقوم به الراوي جنبا إلى جنب مع إنجازه للخطاب السردي النمطي، وكان هذا التأمل أداة الراوي للتعبير عن عميق هواجس الشخصية وفي الآن ذات أداة لرسم خلفيات الشخصيات والتكوينات القبلية والطبائع المجتمعية والأحداث التاريخية والسياسية الهامة، وغيرها من خلفيات مكونات الرواية. يمكن كما أسلفنا أن نقسم الأمور المتأمل فيها لما يلي:

أولا. تأمل في أمور لها علاقة بالعميق في ثقافتنا ومنها

1) الأيمان الجاهلي بالأولياء.

2) اختلاف التعامل مع حدث المولد النبوي بين المدن والقرى أو الضواحي.

3) طبيعة القرية والتعويل عن النسب (أصل الشخصية) عند الزواج.

4) طبيعة تعامل أحدنا مع أسرته عموما وزوجته خصوصا عند حدوث لقاء قد لا يتكرر عقب غياب طويل.

5) التصنيف ضمن المدن ومنها طرابلس (لأبن البلد وأبن الضواحي) وتعريفها بشكل واضح.

6) جدل القرية والمدينة وتصورات أهل القرى والضواحي لطبيعة أهل المدن.

7) الصراع الثقافي والفكري بين الأجيال في مصر وآثره على الطلبة الليبيين الدارسين هناك.

8) ندرة السكان في ليبيا وأثرها على سلبيا على التفكير في العمل السياسي المعتمد على الجماهير.

ثانيا. التأمل في أحداث سياسية ليبية وعربية وعالمية

1) عبد الناصر وقتل سيد قطب.

2) خطف فرج الله في لبنان.

3) حرب أكتوبر ورؤية فيها باعتبارها مناورة تكتيكية.

4) الشطحات الوحدوية للضباط حكام ليبيا آنذاك.

5) ثقافة الحكام ذلك الزمن (دوس على الرجعي والخائن).

ثالثا. التأمل في تحولات الوعي بالأشياء داخل السجن:

1) كتاب الله وجمال القرآن داخل السجن، وتحولات الوعي بكتاب الله داخل السجن.

2) برامج التلفزيون : أغاني احمد سامي و برامج البسباسي. وأغاني التحريض.

رابعا. التأمل في مواقف بنى سياسية عربية

1) التجربة الناصرية وموقف اليسار العربي منها.

2) استعراض كم كبير من المثقفين الليبيين وما حدث لهم آنذاك.

3) مناقشة مواقف سياسية تاريخية قريبة مثل المؤتمر الوطني والسعداوي وأحمد زارم وغيرهم.

4) مفاهيم سائدة لدى القوميين آنذاك ومنها تشجيع كرة القدم للفرق القُطرية وآثر ذلك على البعد القومي، كذلك موقفهم من الدين والصلاة.

4.2بناء الشخصيات في الرواية:

كانت هذه الرواية سجلا حافلا بأسماء شخصيات ليبية وغيرها التقت في السجن أو كانت خارجه، وكان الراوي وهو يسرد الأحداث أو يتأمل في الشخصيات يصورها بطريقة منتظمة منتقلا في رصدها من جزء لأخر بحيث تركب الصورة من مجموع الأجزاء.

حفلت الرواية بعديد الشخصيات التي تمثل جزءا من النخب الليبية في ذلك الزمن، وكان حضورها غالبا بالاسم الأول، كما كان هناك حضور لشخصيات السجانين والشرطة والأهل، وكانت عدسة السرد تنتقل من جذور الراوي/ الكاتب في الجفرة إلى عديد المدن الليبية التي كانت محطات له أو لحد الشخصيات القادمة منها.

أستخدم الراوي أساليب خاصة في التعريف بشخصياته فهو يروي جزءا من تاريخها أو موقف ينير شيئا يخصها وأحيانا يقدم تصرفاتها.

سنقوم هنا بتحليل أسلوب بناء الراوي للشخصيات من خلال شخصيتين ثم سنظهر كيف بالإضافة لرسم صورته الشخصية من عين افراد اسرته آن اللقاء في السجن بعد حرمان طويل من الرؤية. الراوي أستخدم في لحظات درامية خاصة تقنية تصوير الشخصية من عين شخصيات أخرى.

أولا. شخصية الأشهب:

لبناء شخصية الأشهب امام المروي له نجد الراوي في المقطع (أ) التالي يرسم طبيعة العلاقة بينه وبين الحاج فضل (والد) الصديق السجين، كما يستخدم الحجاج أحيانا للإقناع بحقيقة ما قيل حول تلك الشخصية كما يمكن أن نلاحظ ذلك في (ب) و (ج) من المقطع التالي، كما يستخدم أحيانا صيغة الخطاب المنقول ليخلي مسئوليته من الخطاب كما نرى في المقطع التالي (ب) وغالبا تكون كما يلي :

"(أ) جاء لاعتبارات القرابة، رغم أن هذه القرابة لم تؤهله ذات يوم لمصاهرة الحاج فضل عندما قدم عليه غيره من أبناء القبيلة ...(ب) والأشهب على كل حال على ثقة بنفسه ولهذا جاء الآن ليواسي ويعرض عليه خدماته...(ج) فلولا أنه كان من الكفاءات النادرة في الجهاز لما استطاع أن يحقق ... كان من الذين دخلوا سلك الشرطة في بداية الاحتلال البريطاني أو الإدارة المؤقتة كما يقول الأشهب ومجايلوه..."

ثانيا. شخصية العريف سالم لبز:

لنتابع هنا كيف قدم الراوي العريف سالم لبز وهو شخصية إيجابية، حيث قدم في البداية جانبا إيجابيا من تصرفاته، ثم أنتقل في (ب) لبعده الداخلي متصورا أفكاره ومستنطقا لها (وهي في الحقيقة هواجس السجين أكثر منها أفكار الشخصية التي يتم تصويرها) ثم قام في (ج) يرسم صورته الخارجية، ثم في (د) أستخدم حديث الشخصيات الأخرى ليرسم بعده الداخلي لنتابع هنا البداية:

"(أ) على العكس من ذلك كان مرافقه العريف سالم لبز، الذي كان ينتهج سبيلا آخر، قوامه التعاطف غير المتكلف مع الموجودين جميعاً، من عرف ومن لم يعرف،(ب) وقد علمته التجربة أن كل حضور فراق، وإن الشدة يتتبعها بالضرورة الفرج وتنتج عنها متغيرات أكثر مسرة وهناء لكل من ابتلوا بالمجيء إلى المكان.

(ج) لم تكن ملامحه لافتة، فقد ملأت وجهه التجاعيد، وبدت تعيونه غائرة، وإن كانت تشير إلى بقايا نفوذ قديم. بيد أن الحيوية كانت ظاهرة وباعثة على الطمأنينة(...)

(د) لم يترك رجب حالة الانشداه التي كادت أن تسيطر، فبادر بالحديث عن نائب العريف ..."

ثالثا. رسم صورة الشخصية المركزية من خلال حدث الزيارة العائلية في السجن:

نتابع هنا مقطعين مهمين يعبران عن صورة الشخصي المركزية/ الراوي. المقطع الأولي رسم صورته الخارجية من ين أفراد أسرته، المقطع الثاني (ضمن اللقاء ذاته) يوضح فيه تكوينه الشخصي الداخلي والطبيعة الخاصة بمجتمعنا وكينونتنا من خلال رصد الهواجس والقلق:

1) رسم الصورة الخارجية من أعين أفراد الأسرة:

أستخدم الراوي أسلوب النفي كما سنلحظ في (أ) ليؤكد أن أعينهم ترصد صورة جديدة له مختلفة عن صورته الأولى، ثم في (ب) يضيف المزيد حول شكله الشخصي، لنتابع المقطع المقصود

"(أ) لم يكن نحول الجسد هو اللافت لهم فحسب، وهم يقلبون النظر في كل الأطراف، ويمسحون الجسد من كل الجوانب، فالأجواء كلها توحي بشيء ما كما أن حركة الحرس وسلاحهم المدجج يثير شيئا من الذعر، (ب) كما أن الرأس المحلوق جعل من الهيئة شكل لم يألفوه أبدأ، خاصة و أن الذقن ما زال طويل"

2) مقطع يوضح من خلال الهواجس الداخلية تكوينه الشخصي وبنية المجتمع:

هنا يرسم الراوي ذاته أمامنا من خلال حديثه عن موقفه من أمور مختلفة، لنتابع هنا في (أ) يلوم العادات التي جعلت من عدم إبراز المشاعر أمرا ضروريا في لحظات زيارة الأسرة له في السجن، ثم في (ب) يرسم المشاعر الخاصة والألم بشكل شديد التميز وبنفس اسلوب التأمل المذكور سابقا

"(أ) ألعن من الأعماق ذلك الأسلوب التربوي الذي زرع الوقار أسس الحشمة، وجعل التحية الليبية في الغالب تتم بالأيدي اللهم إلا الذين غزتهم ثقافة الأفلام، كما يؤلمني الآن الا أجد سبيلا لذلك، وما أسوأ أن تحسب الأشياء متساوية، وما أسوأ أن توضع مشاعر الصدق إلى جانب مشاعر التصنع.

(ب) كان وابل الأسئلة لا يتوقف، والنظرات تكاد تلتهم الأجساد، كل بطريقته، ومن الزاوية التي ينظر لها بها، للأطفال عالمهم الخاص، وللام عالمها ولي عالم يسع الكل"

ليس هذا كل ما يمكن أن يقال عن الشخصيات في الرواية، ولكن هذا في إطار محاولتنا رصد طريقة بنائها أكثر من مسألة حصرها وتقسيم أنواعها المختلفة، حيث حضرت في هذه الرواية عديد الشخصيات المتباينة كالشيخ والطفل والسيدة وغيرها والسجين والسجان والسياسي والمفكر والأديب وغيرهم من الشخصيات التي كانت ترسم بأناة ودقة من خلال حوارها أو تأمل الشخصية فيها أو رسمها بشكل ظاهر مباشر كما رأينا مع الأشهب والعريف لبز.

5.2 بناء المكان والزمان في الرواية:

يعد الحدث الأساسي الذي عنونت به الرواية حدثا مرتبطا بزمن معين، فالمولد هو تلك الطقوس الاجتماعية التي تتم في زمن مولد المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم في يوم محدد من السنة الهجرية.

أولا. المكان والزمان في بداية الرواية

لقد بدأ الراوي منذ سطر الرواية الأولى وهو يرسم علاقة الزمان بالمكان بالشخصيات لنتابع هذه الصورة الأولى:

"(أ) ما أن ينفرط عقد شهر الربيع ويطل الربع الثاني من السنة – وهو شهر يعتريه في الغالب شيء من الارتفاع في درجة الحرارة – حتى يكون شبح الكساد وخمول الحركة، وندرة القادمين والذاهبين، أهم ملامح الواقع المنتظر للموجودين (ب) داخل ذلك المبنى الفريد في بنائه وطلائه وطول واجهته أيضا...(ج) المبنى الذي ظل لسنين طويلة محتفظا بالتسمية التي أطلقت عليه عند تأسيسه من قبل سلطات الاستعمار الإيطالي،(د) بما في ذلك دار العرض التي تعرف باسم (سينما كاتانيا)."


ثانيا. المكان في زمن الخوف قبل دخول السجن

بعد أن بدأت أحداث السجن تطال بعض الرفاق وبعد تلك المعلومات عما يحدث داخل ذلك الحجز صار المكان الذي يفكر فيه هو السجن. السجن هو الهاجس قبل دخوله وعند دخوله أيضا، لنتابع المقطع التالي وحركة الشخصية ضمن المكان المفتوح متوجها للمقهى وأين تأخذه هواجسه حيث في (أ) نحن مع تحديد مكاني للحدث والمقصود هو مقهى الجنان، ثم في (ب) علاقة الشخصية بالمكان في ظل شعوره بقرب المغادرة، ثم في (ج) يعبر الراوي عن المزيد من الهواجس عبر ما نسميه (بسرد عدم العلم) ثم تستكمل الصورة في (د) من خلال رسم هاجس الأسلاك الشائكة ومكان وجودها، ثم في (ه) يضعنا الراوي أمام شعوره بديمومة وجود ذلك المكان الكئيب وديمومة كونه وحشا قد يفترسه في أي مكان أينحن نتابع امتزاج الزمان بالمكان في وطأة فعلهما على الذات:

" (أ) هناك فضل عدم الجلوس والاكتفاء بالتحية من بعيد، (ب) فالحرص على رؤية المكان هو المسيطر الآن على النفس، (ج) لم يدرك بالضبط ما إذا كان الدافع إلى المجيء الآن يعود إلى هذه الرغبة أو الخروج من حالة الضيق الناتجة عما سرب من أخبار عن نوعية المعاملة لمن طالهم الحجز، أو أن الأمر أعمق من هذه الأمور مجتمعة، فقد تعذر القطع بأي شيء في الخصوص، بل لقد أصبح مستحيلاً. كل مافي الأمر أن بحار القلق تحاصر التفكير وعيون الجميع صارت مغذية لذات الأحاسيس،(د) وشبح الأسلاك الشائكة التي تعلو المبنى الكئيب القابع جنوب المدينة (ه) منذ الأزل تبدو وحشاً يهم بافتراسه أينما حل."

الراوي بدل الحديث السابق عن البلد وتبدلات أحوالها وتوتر أوضاعها نجده يركز صورته على عمق ذاته ويصور حالته ثم ينتقل من صورة تعبر عن انفعاله الشخصي إلى رسم حالة التوجس العامة في للبلد أو رفاقه عل الأقل.

ثالثا. رصد طبيعة الفضاء المكاني عبر التأمل

أحيانا يتم رصد المكان والبنية السكانية داخلها عبر فعل التأمل لنابع هذا المقطع حيث الراوي ينظر لطبيعة المساحات الشاسعة في ليبيا مع ندرة السكان من وجهة نظر خاصة:

"كم هي قاتلة ومدمرة وباعثة بكل القوة على اليأس الشديد هذه الندرة السكانية التي كانت من البداية ومنذ السنوات الأولى للوعي الطلائعي في مقدمة ما ثبط العزائم بصدد كل تفكير يقوم على مبدأ استثمار القاعدة الجماهيرية التي تستطيع بحركتها أن تزعزع الأركان فهذه الندرة السكانية وهذه المساحات الشاسعة يستحيل معها أي تحرك مدني، أما عندما تفجر النفط ووقع تسويقه ودخل مردوده الجيوب فلا شك أن الأمور قد ازدادت سوءاً إذ صفى البعض من تلقاء أنفسهم."


خامسا. صورة السجن في الداخل

يرسم الراوي صورة الزنزانة بطريقتين: الأولى عن طريق الوصف كما في (أ) بينما في الطريقة الثانية عن طريق صورة مجازية تحيل لفكرة حول الارتفاع كما يحدد من خلال المقطع (ب)

"(أ) أربعة جدران شديدة الارتفاع ، كوة في أعلى الحائط تعطي قسطا محدودا من التهويةومثله من الإضاءة.ومع ذلك فإنها تبدو من ذلك الارتفاع مسيجة بشباك حديدي، يستحيل لو قدر للأيدي أن تلامسه إيلاج عود ثقاب منه، (ب) ما بالك والأيدي لا تطاله ولو قدر لهذه الأجساد أن ترتقي على أكتاف بعضها البعض بما يصل إلى الثلاثة."

ثم بعد مسافة نصية نجد الحديث عما أعتيد فعله من أشياء داخل تتلك المساحة الضيقة.

يتميز الفعل المتواتر بإحالته عل الزمن الطويل، نتابع المقطع التالي جزء (أ) حيث الراوي يرسم الفعل المتواتر الذي فُهِم نتيجة لتواتره:

"(أ) لقد اتضح من اليوم الثاني أن الأكل سيكون بواقع ثلاث وجبات في اليوم الواحد يبتدئ البرنامج بالصباح حيث المربى والشاي أو القهوة إلى جانب الخبز، يتكون الغذاء المتكون من بعض المعجنات أو الأرز إلى جانب اللحم، ليصل الأمر إلى العشاء الذي لا يختلف عن ذلك كثيراً، (ب) فبدا أن أخطر ما يهدد من يوجد في المكان هو السمنة كمحصلة طبيعية للأكل الدسم مع عدم الحركة، مما جعل التفكير في هذه الوضعية والحذر منه يستحوذ على الاهتمام، وفي هذا الإطار كان الحد من الأكل الخطوة الأولى فتعين الحد من العجائن إلى حد كبير وتجنب الشحم، (ج) والحرص على المشي داخل الساحة المحدودة لساعات متوالية،(د) بمعنى استثمار المكان في الرجيم المنظم، بدل الاستسلام للخمول وعدم الحركة، (ه) ومع المشي كان السفر بعيداً عن المكان وترك العنان للخيال المجنح يذهب بالنفس إلى ماشاء الله إنها اليوغا في أتم معانيها إن صح التعبير."

المقطع السابق المهم يرسم فيه الراوي عبر تضافر الزمان والمكان حركة تلك الشخصيات، فأمام المعرفة بالأمور المتواترة من طعام وغيره، صار التفكير في الحركة داخل المكان حلا لمشكلة السمنة، لكن هذه الحركة ضمن المكان الضيق أو المكان الحاضر باستمرار كما في (ب، ج، د) تصبح أداة للخروج عبر الفكر لآفاق بعيدة كما في (ه). فالمكان كما رأينا يصبح لصيقا بالشخصية حاضرا مستمرا في تعبيره ورؤيته وأداة لرسم هواجسه فهو داخله وفيه وهو أي المكان/السجن مؤطرا لجسده وروحه، وتصبح الحركة داخله -كما في (ه) – فرصة للخروج منه.

1.3 البناء النصي للرواية

بنيت الرواية من خلال ثلاثة مكونات نصية نوعية متداخلة هي كما يلي:

1) السرد النمطي العادي الذي طالما كان حاضرا مع كل أنواع السرد.

2) السرد السيري الذي يحكي بشكل مباشر عن السيرة الذاتية للكاتب وقد تحولت أحيانا إلى سيرة غيرية وهي تتناول مرحلة تاريخية محددة بأكملها.

3) سرد أدب السجن. حيث تابعنا من خلال الحكاية أن جزءًا كبيرا من الرواية كان ضمن السجن وأن مكونات السجن النمطية وهي حجز الحرية والسجان ورفاق الحجرة والزيارات و سوء المعاملة كانت حاضرة.

لقد وضع الراوي لبنات روايته الأولى ليحقق للنص منطقيته، ثم أنتقل وهو يتابع وضع الشخصيات في السجن مستخدما كل الطاقات النصية الممكنة، حيث وظف الخطاب التأملي، وأستخدم تقنيات الحجاج المختلفة، كما وظف الخطاب المداور الذي تهرب بواسطته من التورط في المباشرة التي قد تضره في زمن كتابته ذلك.ضمن هذا التداخل النوعي لخطاب الرواية حضر البعدين: التأملي والحجاجي من الخطاب، كما حضر في بعض المواضع خطاب التقرير الذي يحكي بشكل علمي عن موضوع محدد.

سنبدأ في متابعة البناء النصي من خلال العنوان ثم ننتقل لنطلع على بعض الخطابات النوعية التي اندرجت ضمن خطاب هذه الرواية وساهمت في بناءه نصا متداخل الأنواع متعدد الخطابات.


2.3 عنوان الرواية:

عنون الروائي روايته بالمولد وهذا العنوان كان مناورة من مناورته الكثيرة للتمكين لروايته من أن تكون منجزا موجودا في زمن صعب. الحدث الرئيسي هو بيان زوارة سنة 1973 لكن الروائي تحدث عن زمن ذلك الحدث وهو بالتاريخ الهجري حيث كان ذلك الخطاب في حفلة المولد النبوي الشريف:

"وفجأة أعلن عن الاحتفال بالمولد النبوي، بطريقة غير مسبوقة، وعلى نحو أشار من البداية عن ملامح مرحلة جديدة أو نقلة من النقلات غير العادية. وبات واضحا عقب ذلك المساء الذي جرى فيه ذلك الاحتفال الذي نودي له في جميع الأوساط أن ما سيحدث يتصل بالبنى مجتمعة، سياسة اقتصاد إدارة وعلى نحو حاسم وجرئ ومخالف للمألوف بالكامل"

نلاحظ من المقطع السابق كيف كان الكاتب يتحدث عن كل ما تضمنه ذلك الخطاب من تغييرات بشكل غير مباشر، هذه التقنية في الإخفاء كانت احد التقنيات إلي أستعملها الكاتب ليكتب نصا خاصا كهذا في الزمن الصعب، كما يرتبط هذا المقطع بعنوان النص وهو المولد.كما نجده بعد مسافة نصية يعود ليستخدم حدث المولد أداة لتعيين الزمن ضمن جانب بعيد بعض الشيء عن المولد لنلاحظ كيف قام الراوي بربط الموضوعات:

"كيفما كان الحال فقد كان الشعر طويلا على شكل لافت، وقد جرى تركه عبر الفودين إلى ما تحت الشحمة الأذنية. وقد يكون هذا المظهر دون غيره الذي يتفق مع السيرة النبوية كما يروي الشيخ البرزنجي في مولده الجميل الذي طالما حرص الأهل على تلاوته و الإنصات إليه كلما حان موعد المولد"

المولد نجده من جديد مرتبطا بالبيان في شكل أكثر وضوحا في المقطع التالي قرب منتصف الرواية:

"... بعكس هؤلاء الذين جاءوا في خضم المولد، وإعلان شديد الصراحة والوضوح بشأن تعطيل القوانين، مما يعني أن إقامة الذين هنا غير محددة وها قد صاروا الآن يناقشون هذا الوجود ويتساءلون عما يمكن أن تأتي به الأيام، ومتى وكيف سيسألون عمما فعلوا ومتى وكيف سيعرفون نوع وحجم ماعليه يمكن أن يجازوا، متى وجد ما يستدعي الجزاء." .

المقطع السابق وعديد المقاطع الأخرى تضعنا في صلب عنوان هذه الرواية وهذه المرة بشكل أكثر وضوحا ومباشرة من خلال حديث الراوي عن هواجس الشخصيات بخصوص المدة والتهم والعقوبة وغيره مما لا بد من التفكير فيه.

3.3 البناء النصي والمكونات النوعية:

كانت السيرة الذاتية نوعا أساسيا محيطا بالبعد النوعي للعمل كله خاصة وهي تأتي كما نعرف كلنا بعد ثلاثة أجزاء من سيرة الكاتب (مسارب)، نجد أن الفضاء المكاني (السجن) والأحداث والشخصيات قد جعلت من الرواية نوعا من أنواع أدب السجن. كما حضرت ضمنها سرود أخرى: منها السرد ذي البعد التأملي، وأيضا سرد التقرير الرسمي، خاصة عند الحديث عن معرض طرابلس الدولي، أيضا كان هناك سرد متضمن لرؤية الناقد الأدبي ، خاصة عند الحديث عن التشطير، وهو ما جعل من الرواية مادة مكونة من خليط نصي تعددي ورؤى متباينة ولحظات درامية مميزة

اولا. الخطاب التأملي

لنتابع هنا كيف يوظف الراوي التأمل في حالة الخوف التي يعيشها في لحظات ما قبل القبض عليه، حيث يتأمل في الخوف وعدم القدرة على اللقاء والجلوس في المقهى وهو مقطع سبق إيراده عند حديثنا عن المكان. هذا المقطع كما يمكن أن نلحظ استخدم فيه الراوي سرد عدم اليقين ليضعنا في إطار هواجسه الشخصية وحالته المأزومة

" لم يدرك بالضبط ما إذا كان الدافع إلى المجيء الآن يعود إلى هذه الرغبة أو الخروج من حالة الضيق الناتجة عما سرب من أخبار عن نوعية المعاملة لمن طالهم الحجز، أو أن الأمر أعمق من هذه الأمور مجتمعة، فقد تعذر القطع بأي شيء في الخصوص، بل لقد أصبح مستحيلاً. كل مافي الأمر أن بحار القلق تحاصر التفكير وعيون الجميع صارت مغذية لذات الأحاسيس"


ثانيا. التأمل في التاريخ النضالي وسجله الليبي:

كما نجده هنا يناقش قضية مهمة وهي ندرة الحركة النضالية بعد نقاشه لندرة السكان أوالبعد الديموغرافي لسكان ليبيا وأثره على توظيف الجماهير للفعل السياسي حيث في (أ) يتابع بحسرة عدم وجود تقاليد نضالية، ثم في (ب) يستخدم نمط الأسئلة ليحقق فعل تأمله، ثم في (ج) ينتقل من الحالة العامة إل الشأن الشخصي:

"(أ) كم هو سيء وباعث على الحسرة هذا الخلو المخجل من أي تجربة نضالية يمكن استثمارها للإبقاء على جذوة الحماس وبقية الأمل في هذه النفوس شبه الميتة والمستعدة للقبول بكل خيار غير جيد وقول غير صادق.(ب) ترى هل يسوغ القول بأن هذا الصراع المفتعل الآن من الأمور التي تبعث على السخرية أكثر من أي شيء آخر؟ (ج) لكن الخيارات الآن ليست متاحة فالانتظار إذن هو الاصوب وهو الذي لا بديل له."

ثالثا. التأمل في تباين أوضاع السجناء وتوقعاتهم

يشخص هنا الراوي من خلال سؤال المدة الذي طالما كان هاجس أي سجين في سجنه حالة رفاقه في السجن وتوقعاتهم بخصوص مدة السجن، هذه التوقعات تتباين باختلاف طبيعة منطلقاتهم؛ فالحركي المنتمي لنشاط ما من الأنشطة السياسية يتوقع أن الزمن أطول:

"إن السؤال الأساسي بطبيعة الحال هو ذلك المتصل بالمدة التي يمكن أن تستغرقها القضية، وكم من الوقت ستأخذ، طولاً أو قصراً؟ وقد اختلفت التقديرات وتضاربت كل له رأيه وتصوره إزاء المدة، لكن ذلك في الحقيقة إن كان انعكاساً لواقع الحال، فمن تحرك ذات يوم في اتجاه العمل التنظيمي وقامت علاقاته مع الآخرين على نحو تراتبي، بنى على الأسرة أو الخلية أو ما إلى ذلك من التسميات فإن تخوفه أكثر من غيره، وتقديره للمدة ينصرف نحو المدى الزمني غير القصير، ومن كان بعيداً عن مثل هذه الممارسات ولم يعرف طيلة حياته سوى النشاط الفكري والهواية الأدبية وعلى الأكثر العمل النقابي أو النشاط الاجتماعي فقد كان توقعه يميل إلى المدة القصيرة، فالأشخاص حسب هذه القراءة يمثلون الرمز وليس الهدف أو الغاية."

السرد بأسلوب الأسئلة هو أحد الطرق الأثيرة لممارسة الفعل التأملي. سنجد المزيد من السرد التأملي في الواقع وفيما ينبغي عمله، ويبدو أن هذا حصيلة تصور منطقي للواقع زمن السجن. التأمل هنا أيضا في الفارق الممكن بين السجين العادي والسجين السياسي الذي جاءت به أحداث ما بعد البيان المذكور، كما يتناول التأمل بشكل كامل الوضع السياسي للجماعات، ومناقشة المواقف المختلفة من التحولات الاقليمية والدولية، كذلك التأمل في الموقف العربي الكلي والتاريخ وغيره حول الوحدة بين ليبيا وتونس والتأمل من داخل السجن في أحداث كبرى مثل حدث عبور الجيش المصري لخط بارليف

ثانيا. سرد الحكمة أو خلاصة التأمل:

تتضمن السيرة الذاتية بطبعها سرد خلاصة تجربة شخصية ما، وهنا نجد من خلال السرد بعض المقاطع التي يمارس عبرها الراوي هذا الفعل، لنتابعه هنا وهو يرسم سوء الواقع السياسي من خلال رصد حقيقي لطبيعة الواقع السياسي وتشخيص عيوبه وهذا يمثل نهاية تأمل أو نتيجة تجربة ما:

" إن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة هذا صحيح. ولكنها كذلك لا تمطر المواقف التي نحب، ولا تقدم التجارب الجاهزة، حتى ليمكن أخذها بيسر، فالممارسة اليومية والمحاولات الجسورة وحدها التي تضع البداية الأولى التي يمكن أن تتطور مع الزمن. وما دام السابقون لم يفعلوا شيئاً فالأولى باللاحقين الآن أن يفعلوا ذلك الشيء، فإن لم يفعلوا فلا أمل في الثبات ورباطة الجأش."

ثالثا. خطاب التقرير الرسمي

استخدم الراوي في بعض المواضع خطاب التقرير الرسمي وحضوره كان محدودا ويمثل تنويعا للخطابات المشكلة لبنية النص لنتابع هنا صورة هذا المعرض:

" تأكد أن السيد بلانشو الأمين العام لاتحاد المعارض الدولية (السيد بلانشو) سيقدم تقريرا ايجابيا عن هذه الدورة التي أوشكت على الانتهاء ولم يعد لها من ذيول باقية يمكن أن تكدر صفوها، فقد خلصت منذ أسابيع في أجواء احتفالية مرضية. "

رابعا. سرد متضمن للنقد الأدبي

مارس الراوي في بعض المواضع اشتغال الناقد الأدبي وهو يتحدث عن بعض قضايا تحليل الشعر لنتابع المقطع التالي حيث يتحدث عن التشطير باعتباره إضافة شاعر لأشطر أبيات جديدة على قصيدة قديمة، فنحن هنا مع شاعر يكتب على غراره قصيدة سابقة. الراوي في (أ) تحدث عن التجربة نقديا وعن جمال النص الجديد، وحدد في (ب) أسبابا موضوعية لما يمكن أن يكون سببا للإعجاب بالتجربة باعتبار أن نصوص الحمداني التي تم الاشتغال عليها تدور في مدار تجربة السجن، لكنه في (ج) قدم رأيا حازما بخصوص الاعتقاد بأن النص الجديد أفضل من النص الأصلي:

"(أ) على أن التشطير الذي حواه العدد كان على قدر كبير من الاتقان، وكان كذلك شديد المطابقة للحالة الموجودة، فقد كانت تجربة الحمداني تتفق في عمومها مع تجربة المجموعة، كل حسب ظروفه، (ب) ذلك أن الخطوط العامة للتجربة إنما تنحصر في استشعار المرارة إزاء غائلات الزمن، ومحاولة الوقوف إزاءها في شيء من العبر والاحتمال، ولا شك أن المكابرة والترفع عن الشكوى وإظهار الجلادة من الأمور التي تطرب لها النفس، حتى وإن لم تكن قادرة على التمسك بها بالفعل، إذ يكفي المرء أن ينحاز دوماً إلى الموقف الجميل حتى وإن لم يستطيع اتخاذ هذا الموقف في دنيا الواقع.

(ج) لكن التشطير من ناحية أخرى يطرح الأمر من حيث المبدأ، فينفي ما تبادر إلى البعض من حيث الفارق بين الأصل والتشطير، ومبالغة الموجودين القائلة بأن التشطير يفوق الأصل، إذ إن باعث الذين قالوا بذلك هو أن التشطير كتب بقلم أحد الليبيين ولا بد للنزعة الوطنية من أن تفعل فعلتها، والتشطير مهما أتقن وتحقق له من الإجادة فإنه لا يعدو أن يكون ضرباً من ضروب التأثر بالنص الأصلي" .

وهذا النوع من الاشتغال يدخل فيما تعرفه سرديات النص بالميتانصية أو النصية الواصفة.

خلاصة:

تميزت الرواية كما رأينا ببعض التقنيات السردية، كما لاحظنا- من خلال دراسة أبعاد بناء حكايتها وكذلك بناء بعدها النصي أساليب بناءها - وجود عديد الجماليات التي جعلت منها نصا متماسكا ينحت من السيرة الذاتية نوعا مركزيا، ومن أدب السجن أداة لبناء الحكاية، كما كان البعد التأملي وسرد تحديد الموقف حاضرا بقوة في عديد المواضع. الرواية كانت سجلا حافلا بالأحداث يصور بدقة وعدم مغالاة أحداثا مهمة في تاريخ ليبيا الحديث، وكانت أيضا سجلا لعديد الشخصيات التي كانت حاضرة داخل السجن أو خارجه، وتنوعت بين الشخصيات العامة إلى الخاصة إلى أهل وأسرة الكاتب. الراوي هنا هو الكاتب نفسه ونلحظ قدرته المميزة على العودة لتلك اللحظة سنة (1973)،وتصور أحداثها، بل والتقاط ما يضع أمامنا من الهواجس المصاحبة لحالة السجن تلك. ولعل ما دعم هذا الفعل تقنيات السرد والتلاعب بالقول التي مكنته من وضعنا في تلك اللحظات شديدة الخصوصية . المكان كان لصيقا بالشخصية حاضرا في ذهنه والفواعل التي تؤشر على موقف النظام من السجناء كانت متميزة، والتقاطها ذاته كان دقيقا كمنع التدخين ومنع الصحف وإفطار رمضان، والسماح بهما فيما بعد، بحيث صارت بعض الفواعل وبعض الممارسات أيضا من السجانين، أداة الراوي ليناقش الموقف الراهن للسلطة من النخب المسجونة.

التداخل بين الأنواع في الرواية كان مميزا، كما كان للبعد الدرامي للسجناء وآلامهم وتوقعات الانفراج وأمل الخروج دور بارز في دمج مثل هذه الأنواع المختلفة. الخطاب التأملي كان مصدرا لقوة الرواية وساهم في جعله متميزا البعد الحجاجي للسرد وقدرة الراوي/ الكاتب على الخروج بالمختلف من الآراء. العنوان كان مركزيا في فعله وأحكم به الراوي حكايته، وحقق له إنجاز نص مميز في زمن صعب.انتهى

_____________________________________



عرض وقراءة في رواية المولد

رضا بن موسى

بين المكان المحاصر والزمان الطليق



مثلما تتزامن، في اجتماعنا الإنساني، وتتداخل الوقائع، مثلما تختلط في الروح المشاعر تختلط الأحوال وتتعدد.. هكذا تتنوع أساليب الكتابة الأدبية عن تجربة الحياة، التي نعيشها، ونخوض غمارها، بغرض رصدها وتوثيقها وللكشف عن جوهرها العميق من أجل استخلاص المعنى والدلالة.

ويصطفي الكاتب أسلوبه، الذي يعتمد الصيغ الجمالية والفنية، وفقا لطبيعة الموضوع الذي يشغله ويدفعه إلى قول ما يريد من أفكار وما يعبر عنه من عواطف، محمولا على الصدق والتوازن ليتحقق التفاعل مع جمال النص بالمتعة والفائدة.

وكتابنا اليوم رواية تتعرض لواقعة مفصلية في تاريخ الوطن وحياة البطل الفرد، عبر سرد نثري تتقاطع حكاياته الواقعية متسلسلة، تقصر أو تطول، يعتمد الرصد والوصف والتعليق، لعدد من شخصيات تتواجد في مكان محاصر، تحبطها المخاوف وتحييها الأمال، تعاني ضعفها وتعتز بقوتها، التي راكمتها أثناء تخلقها، وبما تصنعه وبما تنشده من أهداف تحققها في زمن طليق. تتداخل علاقاتها، مستندة على ما تشكل فيها من التكوين الذاتي والثقافي، فتختلف أو تتفق من أجل أن تواجه التأزم سعيا لتتمكن من تجاوز المحن.

وما أشد المحن التي يتعرض لها السجين السياسي، حيث تقيد حريته وراء القضبان، فيعزل جسدا في المكان وروحا في الأحلام والأوهام ويحرم من الفعل في الحياة التي يتخلق فيها ليكون أفضل وليعيد خلقها لتكون أجمل.. وهي ( كثيرة وأكبر من أن تحصى تلك الأسماء التي حفظها سجل التاريخ الذي لا يرحم ظالما طغى واستكبر)، و(لا يحتقر ضعيفا مهما صغر من الذين امتحنوا في لقمة العيش ونسمة الحرية ورددت مواقفهم قصائد الشعراء، وجسدتها تماثيل الفنانين ولوحات الرسامين وألحان المطربين ص 199).

لكن(السؤال الذي يثب الآن بقوة، وما من سبيل للانفكاك من هيمنته) على السجين، (هو مدى تخلي هؤلاء عن أشواقهم وساعات ضيقهم إزاء لحظات الألم الناتج من محنة السجن وهو يئد بأسواره العالية كل من وقع داخل أصفاده، فالحديث عن الصمود وقوة الاحتمال هو ما يصل عادة لكل من تنقل إليه التجربة، أما حقيقة الواقع، فهو ما نعيشه الآن، وربما لا نبوح به بعد ذلك أبدا. فكان الشاعر الشعبي صادقا في تعبيره بليغا في لغته عندما قال ذات يوم: " ياقلب شن يبريك من لوجاعي عيطة طويلة في الخلاء فزاعي " ص200).

وصاحبنا ـ الكاتب ـ بطل الرواية قد ترسخ اسمه في مجال الكتابة ( التي يرى طريقها حقا أوفر للبقاء في تجربة الحياة العملية والإبداعية ص 86)، منحازا إلى قيم العدالة والتقدم التي تمثلها قوى اليسار، محمولا على تيار وعي واقعي تقدمي بالحالة التي يعيشها الوطن، الخارج من ولادته المتعسرة من الفقر والجهل والمرض، والمتمزقة ولاء بين القبيلة والجهوية، إلى مرحلة بناء الدولة الوطنية، على أسس وحدة تتعلم فيها قواه درس القبول بالاختلاف، حاسما خياراته السياسية بتوكيد انتمائه بأنه ( لا يمكن أن يكون المنطلق الحقيقي للمثقف مفيدا وذا جدوى ما لم يكن البدء الأول هو الوطن ص 67).

ولذا فالشخصية المحورية، والتي تتجلى عبر راوي مفرد غالبا، قد تصبح جمعا: رفاق السجن أو الكلمة أو الرؤى والخيارات الفكرية السياسية، تواجه تحديا يعترض فرص مساهماتها، فتجاهد في ألا تستسلم للقيد، ولكنها تعاني في محاولات انعتاقها، من فترات عسر تفكك عصبتها، وتدفعها قسرا الى وحدة المفرد، فتحاصرها لحظات القلق ومشاعر الحيرة والألم في الوطن الذي يتسع في الزمن، بدءا من مراحل التكوين للذات والكيان حتى أفق المستقبل، والذي لايني يضيق في المكان ليصبح حالة سجنية مغلقة من أول الاعتقال حتى مفتتح الافراج.

وإذا كانت (مسارب) طريق البطل الفردي قد تعددت مع خطى مسيرته، مثلما يتعدد ويتنوع الحراك العام لنخبه وطلائعه، فإن الهدف هو الوصول بالكيان إلى (مولد) يحقق، بعد تراكم الخبرة ونضوج الوعي، نقلة نوعية في تاريخه تقود إلى حالة أكثر اكتمالا، ولكن سلطة العسكر التي استولت على الدولة صارت متغيرا جديدا مستقلا يئد الرحلة بمأزق يسد الطريق، أمام كل مجامع القوى الوطنية السياسية، بهدف إقصائها وإبعادها، بل ويدمغها بأوصاف مشينة لقطع روابطها مع المحيط ـ الأهل والمجتمع، من أجل أن تؤمم كل الرؤى وتهيمن على كل مفاصل الدولة والمجتمع وبدون شركاء.

فأي مولد هذا؟!! (والذي فجأة أعلن عن الاحتفال به ـ، بطريقة غير مسبوقة)، (وبات واضحا عقب ذلك المساء الذي جرى فيه الاحتفال الذي نودي له في جميع الأوساط أن ما سيحدث يتصل بالبنى مجتمعة، سياسة اقتصاد إدارة، وعلى نحو حاسم وجرئ ومخالف للمألوف بالكامل ص 15)..

هل هو المولد النبوى الذي يحتفى به في البلد، باعتباره يمثل طقسا من عنصر رئيسي في الثقافة السائدة، عبر شعائر متعددة تبجيلا وتقديسا دينيا وفرحا اجتماعيا، يشد لحمة أبنائه ويعزز المشترك، و(حيث من المعتاد أن يكون مناسبة ليعيش المرء لحظات من التذكر غير العادي، ولإيقاظ مشاعر تكون إلى حين خافتة نسبيا ص 15)، ولكن خطاب السلطة أثبت أنه (لم يتجاوز استثمار المناسبة لإثارة قضايا تشير إلى أن البلد في مجمله قد غدا على أعتاب مرحلة جديدة يوشك المجتمع ان يعيشها بضراوة ص 16).

فهل هو مولد لتحول اجتماعي سياسي تقوده سلطة عسكرية ديكتاتورية الفعل والحراك؟، تتكئ على الموروث، لبسط ظلها على البلاد والعباد، وعبر حالة من طقس فوضي يفجر في الحشود النزعات الدفينة للصخب والعنف، ويثير بوهم التغيير ما يحجب الرؤية، حتى تظل العقول عن حقيقة المستهدف من أهدافها الحقيقية؟.

أم هو مولد للقوى الوطنية في لحظة الصراع، للمراجعة والنقد لتجربتها، وحتى لا تغيب وتحرم من حقها في المشاركة عبر تطوير رؤاها وأساليبها وتنظيم بنيانها؟ والتدبر للبحث عن مسارب للخلاص، أمام مأزق الطريق المسدود، الذي لا يفتح بابا إلا إلى المنفى المكاني والزماني، وخاصة أن ما أعلن (ينذر بإجراءات محددة استهدفت من لهم علاقة بالشأن السياسي العام، وصفوا بالمرضى والمعوقين والرجعيين والمندسين والحزبيين أيضا، وبدون حاجة لمراعاة أي نص من النصوص القانونية التي تم تعطيلها؟ ص 16).

أم أن المولد الحقيقي، وهو المستقبل الواعد، سيكون هو ميلاد الطفل الذي تنتظره العائلة، وكل طفل ينتظره الوطن، حاملا الأمل، بما يعني استمرار الحياة الطبيعية وبما يوحي بأن الزمن لن يتوقف عند هذه اللحظة الموحشة؟.

كل هذا يوثقه التسجيل التاريخي للتجربة، وتضيف الكتابة الأدبية رواية أبعاد أعمق حين يدفع الحدث الشخصية إلى الكشف والبوح بما تعانيه من القلق والمخاوف حيث (أن الأوصاف لمن اتهموا بعرقلة برامج السلطة وطموحاتها الكبيرة لم تحدد لها المعايير المحددة ومما يعني أن التصرف سيقوم على أساس الاجتهاد الذي يفتح طريقا للتجاوز ص 16و17)، وبالتالي فإن (الأمر لا يحتاج إلى كبير جهد، ومن تمكن من الإفلات من إحداها مرة فلا يستطيع النجاة من التي تتلوها مرة أخرى ص 16و17).

فمن أين تأتي المخاوف؟ و الكاتب ـ بطلنا له رؤياه واختياره لكنه لم يكن منتميا يوما لحزب، وبالتالي فأن (الحزبية تهمة رغم قسوة عقوبتها فإنها ليست مخيفة وفقا لضرورات إثباتها بالدلائل الملموسة من القرائن والمستمسكات، ولكن الاشكالية تكمن فيما عداها فقد كان الاتهام من التعميم والاطلاقية التي تؤكدها لهجة الخطاب الإعلامي ما قد ينطبق على الجميع مادام من يحدد الصفة بشر يتأثر بما يسمع وبما يشعر وبما يستخرج وكل ما يقبل التأويل وسوء الاستعمال ص17و18).

هكذا (كان كل شئ يؤكد أن موعد التصفية قد حان مما جعل الوجوم والترقب وانتظار المجهول هو طابع الحياة العامة، بل شكل لونها وإيقاعها، الأمر الذي دفع بأحاسيس الذين يعيشون ويتنفسون معا ذلك المناخ المريب، إلى ممارسة سلسلة من الاجراءات غير العادية، ولم يعد من الاحاديث بينهم سوى ما بات منتظرا ص 18).

ولطبيعة الموضوع ـ القضية يتذبذب النص ويتداخل تصنيفا فيما يمكن توصيفه بـ "الرواية التسجيلية"، التي قد تبدو اصطلاحا يوحي بالتناقض، رغم محاولة الكاتب الموائمة بين التأريخي والروائي، اللذان قد يتداخلان أحيانا ويتصارعان أحيانا أخرى إلى درجة الضدية والتنافر، حيث أن عنصر التسجيل والتوثيق بالسرد التقريري للحدث الرئيس العام وروافده من الاتهام ثم الحصار ثم الاعتقال إلى السجن هو القاعدة الذي يبنى عليها النص، ويتم ذلك واقعيا موضوعيا وبتحديد الأمكنة وأزمنتها، لكنه لا يزلزل البعد الخاص لرؤية وتعايش الفرد مع الحدث، متقلبا بمشاعره الوجدانية الجوانية، مكتويا بنار التجربة، عبر مساءلة معاناته والغور في جروحها العميقة، وبما لا يمكن للنص أن ينهض كمبنى ويتكامل فنيا ويحمل المعنى إلا به. وبذلك، وكما يشير "عبد الحميد التدلاوي"، في محاولة تعريفه للرواية التسجيلية، بأن النص قد يكون بنية معرفية عقلية، إلا أنه يؤطر جماليا ضمن بنية روائية أشمل.

إن الرواية في مجملها تجربة تعايش وتجربة تعبير للكاتب البطل فيها يبني عقدتها وحبكتها وشخصياتها الثانوية المتعددة من السجناء والسجانين وبحضور طاغ لظل خصمها الرئيس وهو السلطة الغاشمة، وللمجتمع وعاداته وتقاليده وتابواته في الذاكرة وفي تفاصيل العلاقات بين السجناء في عنابر السجن وفي حجرات الزيارة مع العائلة، وحيث يتعامل مع المتغير التاريخي السياسي بمستواه العام كفضاء زمني، بموضوع رئيس وهو محنة السجن، المكان المحاصر بالأحداث والوقائع المتصاعدة والتعليق عليها وتبيان وجهات النظر المختلفة حولها، وذلك مما يضفي على الرواية الحيوية ومن أجل استيعاب كل الحراك وعيا بالتحليل والنقد في اطار حركة التاريخ والمجتمع، وأيضا بالمقابل يصوغ باللغة الواثقة الواضحة الحالة الشعورية الوجدانية للسجين، بما تتضمنه من معاناة ذاتية، كمادة أساسية للتعايش والتفاعل مع الحدث وبما يعتمل في النفس من مشاعر تتقلب بين اليأس والرجاء، وبما تمكن القارئ من الوصول إلى الرؤية والدلالة.

(وبين المضي في تصريف شؤون الواجب الوظيفي وبين الاعتقال، الذي بدأت حملته منذ أيام، وشمل معظم الأسماء المعروفة من الموسومين بهذه السمة السياسية أو تلك، وبعض هؤلاء من أخلص الأصدقاء وأكثرهم التصاقا، مما صار يؤكد أن لا مجال للإفلات ولا مهرب من اللحاق بمن سبق ص18و19)، لذا تصبح الذات أوتارا مشدودا من المشاعر بين (جحيم الانتظار القاتل والمرجح وبين الطمع في النجاة التي قد يفرضها الحظ أو اعتبارات أخرى، وبين شبح الخضوع لنظرات كالسياط من الناس والأقارب تحمل علامات الاستفهام التي ستنتج عن أي استثناء ص 19)، وبين حفظ النفس فلاشيء أعز من النفس وياروحي ما دونك روح ص 19)، هكذا تعاني الذات تقلبها (حتى أن شمس الضحى تغيب من العين رغم أنها كانت ساطعة ص19).

وفي النظر قارئا للتاريخ باحثا عن خيارات للفعل المقاوم يجد أنه (ليس ثمة من خيار متاح سوى ما تقدمه خبرة التجربة الإنسانية، في هكذا حالات، وهو الاختفاء والذي لا يعني الجبن ص34) بل هو أمر مشروع وطبيعي، ولكن كيف يمكن له هذا؟ هل يتيح الواقع الموضوعي وشروطه وظروفه هذه الفرصة، (والندرة السكانية والمساحات الشاسعة في البلد تبعث بكل القوة على اليأس الشديد ويستحيل معها أي تحرك مدني، وهي ما ثبط العزائم منذ السنوات الأولى للوعي الطلائعي الذي يقوم على استثمار القاعدة الجماهيرية، ومع النفط ازدادت الأمور سوءا بالنسبة للقوى السياسية التي صفى البعض من تلقاء أنفسهم. كم هو سيء وباعث على الحسرة هذا الخلو المخجل من أي تجربة نضالية يمكن استثمارها للإبقاء على جذوة الحماس وبقية الأمل في هذه النفوس شبه الميتة والمستعدة للقبول بكل خيار غير جيد وقول غير صادق ص 35).

ويخلص السياسي بعد النظر الى ماراكمته التجربة السياسية الليبية إلى ( إن السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة هذا صحيح. ولكنها لا تمطر المواقف التي نحب، ولاتقدم التجارب الجاهزة، حتى ليمكن أخذها بيسر، فالممارسة اليومية والمحاولات الجسورة وحدها التي تضع البداية الأولى التي يمكن أن تتطور مع الزمن ص 35). وبالتالي تكون الموعظة إلى الأجيال القادمة ( مادام السابقون لم يفعلوا شيئا فالأولى باللاحقين الآن أن يفعلوا ذلك الشئ، فإن لم يفعلوا فلا أمل في الثبات ورباطة الجأش ص 35).

ولكن (ما أبعد المسافة بين الواقع والكلام! ما أكبر التناقض بين الذات الراغبة في الافلات من أي تجربة شخصية صعبة، وذلك الكلام الذي كثيرا ما لهجت به الألسن وكتبت في أحيان كثيرة الأقلام، ولاسيما حين يكون القول جميلا يجسد البطولة... كاد يبصق على كل شئ يلعن البشرية منذ آدم الأول لولا أن هتف به من الأعماق هاتف: من قال إن أعظم الناس لم تمر بهم مثل هذه المشاعر، من قال إنهم لم يكونوا راغبين في السلامة، أليست الرغبة في السلام جبلة في النفس البشرية منذ الأزل وإن الرغبة لا تتناقض مع القدرة على مواجهة الحدث الجلل والخطب العظيم؟ ص 36)

وعليه عندما يحاصر البطل ـ المتهم بالمكان وعلاقاته، المقهى برواده، والمصلحة بموظفيها، والبيت بالعائلة، وشبح السجن بأسلاكه الشائكة، والأصدقاء الذين اعتقلوا بالخجل من الخيار الفردي، يقرر أن يبقي كل شيء إلى الزمن المناسب، بما يعني الإقرار، في اللحظة، بالضعف التاريخي للنخب المثقفة السياسية أمام النخب العسكرية المسلحة، فالمناسب الآن زمن يبدأ بالاعتقال ثم بالسجن (الذي يتسع له وللجميع أو يضيق بهم سيان)، ولكن ومنذ البداية تسعى الذات إلى التماسك بموروثها الاجتماعي، وبتصميم الوعي العقلاني المكتسب من ثقافة التكوين، على أن لا منقذ إلا التوازن بـ (الحذر من المحاصرة الداخلية مع المتساكنين في المكان، وعدم السماح لأي خلاف في اليومي أو بقية القضايا، والأهم تفادي الاقتراب من الثوابت وفي مقدمتها المقدسات. وقد أدت هذه الوضعية إلى وجود مناخ إنساني غاية في الجمال والطمأنينة منذ اللحظات الأولى التي أقفلت فيها الأبواب ص 52).

وهكذا تقدم الرواية درسا في التعايش حيث تلائم المعتقلون (كما لو كان حين من الدهر قد أتى على وجودهم في المكان أو كانوا كذلك طول عمرهم. سابقوا في تلاؤمهم تعاقب الليل والنهار، هذا التعاقب الذي يبدو ثقيلا على النفس ثقل الجبال الرواس. قذر كالمرحاض الذي يحتل زاوية من زوايا العنبر، محرجا بحجم ما يستشعره أي منهم وهو يقضي الحاجة فيسمع الجميع صوت ما يفعل. لقد استمرءوا ذلك كله.. بدا وكأنه جزء من حياتهم اليومية. التفوا حول بعضهم. جميعهم يبدون على هيئة جسد واحد، داخل الجدران الأربعة. لم يعد هناك ما يفصلهم. لم يعد هناك ما يشغلهم عن واقعهم، فالقدرة التي تمتلكها المحنة على توحيد الأفراد الى درجة الصهر تتجاوز كل الأواصر الأخرى. المحنة فوق الفوارق، فوق المسافات، فوق العقائد. المحنة فعل يتجاوز تأثيره كل الأفعال. انتماء يستوعب كل الانتماءات. المحنة مكان بحجم الكون ص 70)

ويتسع المجال في الرواية لرصد رؤى ومشاعر (الذين ترمى بهم الأقدار نحو هذه العوالم، ويقاسون محنتها فمن عادتهم أن يحللوا جميع الحركات والسكنات، وان يتوسعوا بشكل يفوق الواقع حتى ليخرج عن حدود المعقول، كل حركة وكل كلمة تعتبر ذات علاقة بقضيتهم كل خبر كل تصريح فمشكلتهم تفوق كل المشاكل وقضيتهم تتقدم كل القضايا حتى ابتسامة الحرس وهي حالة فردية يحرص ضحايا الأقدار على ربطها بالموقف العام، فكل المعاملات هنا ليست شخصية ولكنها تعبير عن سياسة عامة ص 75)، للسلطة التي صنعت حالة (المولد) بمعناه الشعبي وهو طقس احتفالي فوضوي يختلط فيه الحابل بالنابل، (وبالحجم السياسي المضخم كما قدمه الاعلام لابد أن يكون المستهدف من ورائه متصلا بحركة المجتمع في عمومه، وبالتالي يحتاج إلى وقت يفيض شيئا من الطول ص 80).

وبالفعل سيفيض زمن (المولد) مادامت السلطة قائمة. (غير أن القلق يظل منصرفا إلى السؤال الأكبر حول ما إذا كان النظر سيكون شاملا أم مجزئا ص 80). كل المحكومين في القضايا الجنائية جزاؤهم معروفة ومدد بقائهم محددة، (بعكس هؤلاء الذين جاءوا في خضم هذا "المولد"، مع تعطيل القوانين، بما يعني أن إقامتهم غير محددة مما جعلهم يناقشون الأمر ويتساءلون عما يمكن أن تأتي به الأيام، ومتى سيسألون عما فعلوا ومتى وكيف سيعرفون نوع وحجم ما عليه يمكن أن يجازوا، متى وجد ما يستدعي الجزاء ص 113).

ومما يضاعف الإحساس بالمرارة، ويطفئ بريق الأمل لدى الكثيرين، غياب الأطراف التي يمكن أن تؤثر في قرار السلطة وإجراءاتها تجاههم، حيث (إن مبدأ الادانة المسبق أرادت به التمهيد لأن يكون الإجراء نافذا ومقبولا من الجميع، ولكن من هم الجميع الذين يمكنهم أن يؤثروا في قرار وإجراء كهذا، والسلطة لاتزال في عنفوانها وهي تنفق بسخاء والكل يحقق الأرباح، فما الذي يمكن أن يكون مثار خلاف فكري، أو صراع سياسي معها؟ ص 132) وبالتالي فإنه لا جديد من وسطاء يمكن فعله خارج إطار مناوراتها (ما الذي يمكن أن يأتي به "الصادق"، ومن هم الذين يمكن أن يحاورهم، ومن سيستريح لنقاش "الفيتوري" وبأي هوية يمكن للرجل أن يتحدث؟! ص 132).

(كانت هذه الأسئلة مطروحة، ومثيرة للقلق، ثم تبين أن الحوار مع "الصادق" لم يؤكد حدوثه أصلا من الأساس، ذلك أن حديثه مع الجماعات الاسلامية كان قديما للغاية، ولم يكن بسبب قضايا خلافية بل من المرجح بسبب اعتقاد بعضها في بداية العهد أن من الممكن أن تفلح في الاقناع بتبني برنامجها، خاصة في فترة يكثر فيها الحديث عن المحتوى الديني كهدف من اهداف العهد، غير ان المؤكد أن الحوار توقف منذ البداية، بعد أن آلت مقاليد الأمور إلى طرف يرفض موقف المشاركة لأي طرف آخر يطرح برنامجا ص 139ـ140).

ويتأكد أن "الفيتوري" (قد قابل فعلا بعض الموجودين وأراد ان يمهد لوجهة نظر ارتآها، ولكنه لم يقنع بالرغم من اعتماده على رصيده الشعري الذي كرسه لقضايا التمييز العنصري.. بل وقد قوبل بحالة رفض وصلت الى التشكيك في نسبه الليبي. والأمر لا يعود الى رفض الوساطة كما قيل اعلاميا، وإنما يعود إلى الموقف من الرجل نفسه.. فقد كان من الذين سطع نجمهم في السنوات الأخيرة من العهد الملكي، حيث يمم وضمن أسماء عربية كثيرة شطر ليبيا، ووجدوا شيئا من التشجيع بواسطة الانفاق السخي الذي عرفته الساحة الاعلامية، وخاصة ان كل الذين تعاونوا في هذا السياق أوقفت محاكمتهم في ما عرف بقضية تضليل الرأي العام، فتكون ما يمكن وصفه بالعقدة لكل من وجد في تلك الجوقة، فكيف يجوز له أن يجئ الآن مكلفا من العهد الجديد.. حيث أنه لم يعد مستساغا أن يظهر أمثال هؤلاء في حوار أو مهمة لتطييب الخواطر على نحو ما حصل مع الاستاذين عبد الله ويوسف، بالرغم ان المقابلة قد أدت الى خروج عبدالله في وقت مبكر، فاعتبرت رسالة من النظام لمن كان في وضع عبدالله ، ولم يكن الامر سارا بقدر المطلوب ص 132 ــــ 137).

ومهما قيل عن الوسطات أو خطأ بعض المسؤولين عن التوسع في تنفيذ المهمة، وعن التغير في لغة الاعلام ونبرته، سواء في برنامج إذاعي أو مقال في جريدة، فقد تأكد أن (الأمر مجرد مناورة، أما الأذن بالتصرف فلابد ان يتم على أعلى المستويات، ووفقا لتصورات وتقديرات لا تملكها الأجهزة وربما حتى الجهات القضائية ص 218). فالسلطة قد وضعت تصنيفها لكل الفرقاء، الذين قدر عددهم بأقل من مائتي شخصا، باعتبارهم جميعا يمثلون اتجاهات فكرية او شبه سياسية، جمعوا بين الموظف والطالب والتاجر وشيخ العلم والمدرس والصحفي والأديب والمحامي ورجل القضاء، (بعضهم وصل الى القناعة التامة بما لديه، وربما وصل الى حد التحرك، وبعضهم الآخر مازال في البداية، في ذات الوقت الذي وجد من حام حول الحمى ثم عاد إلى شرنقته، بيد أنه ظل موضع شبهة ص 218). (والشبهة اليسارية بالخصوص، تبدو في أحيان كثيرة شديدة التعقيد، حتى داخل مثل هذه المحنة، وتكون الصعوبات التي يواجهها المتهمون بها جمة، مادام حتى الفرقاء الموجودين إلى جانبهم، ينظرون إليهم بنظرة مليئة بالريبة، ولا يجدون غضاضة في المجاهرة بالعداء ص 220).

وهكذا تمر الأيام (دون أن يحدث شيء من ذلك اللهم إلا النوم والأكل والشرب، وباستثناء ما أضافه الهواء ورؤية الناس لبعضهم البعض فقد بدا كل شيء ثابتا ومشاعر القلق أكثر ارتفاعا ص 113). وحيث أن (كل حركة تعني الجديد، وكل تغيير يعني الدلالة، وبين متفائل ببقاء نصف الكوب الملآن بالماء، ومتشائم يئن من انفاق النصف الذي استهلك يكون أفضل الردود التي يمكن الاستنجاد بها: ـ هات ما يفرح ص 107)

(بيد أن العودة، إلى الذات وعوالمها، وما تصر عليه من استشعار الأمل والركون إلى التفاؤل، ما يلبث أن يجر عليها حين يأوي كل إلى فراشه أثقالا مضاعفة من الحزن واستشعار المرارة وأشواقا متتالية مبعثها ما تحمله الذاكرة إزاء كل زائر ص 237).

وأيضا ما يؤكد النص كرواية تسجيلية هو الاختيار والانتقاء للمادة التاريخية، مما يفسح المجال للخاص الوجداني مساحة أكبر، عبر عرض الراوي لوجهة النظر الذاتية بطريقة مباشرة وغير مباشرة، ومهما اتسع النص بالأحداث الواقعية التي يختارها الكاتب، وبسيل التفاصيل لتأكيد المصداقية، وبرؤى وحضور الآخرين، الفاعلين، جميعهم، في تصاعد الأحداث نحو الذروة، التي تكشف عن جوهر حقيقة واقعة السجن، وأيضا وبالتالي حقيقة جوهر الكينونة الفاعلة، ويكون ذلك بما لا يقيد النص بتسلسل منطقي أو بشكل فني أدبي محدد أو بناء صارم محدد وبما يجعل القارئ لا يعايره من خلال المرجع التاريخي فقط وقد لا يقبله أيضا بسهولة كنص تخييلي فقط إلا بما تعززه مصداقية الوقائع التاريخية.

والحقيقة أن الكاتب لا يعير اهتماما كبيرا في نصه الروائي، إلى أسلوب إضمار أفكاره وتصوراته، بلغة رمزية ملغزة، وإن لم تغب الرسائل المشفرة أحيانا، أو بطريقة عرض الوقائع ، بوضعها في عالم مواز متخيل، داخل أو خارج زمنها الواقعي، بل يكون التجويد بأن يترك لها العنان لتبرز واضحة وبقوة عبر مفاصل السرد الواقعي التسجيلي، والطويل المسهب لتاريخ الوطن الكيان، وشخصياته الفاعلة وقواه السياسية، وأحداثه المثيرة المؤثرة، وذلك ضمن بؤرة الحياة اليومية المثقلة بتفاصيل صغيرة لا تنتهي داخل دائرة الحصار السجني، ولبطل يتقلب متوترا داخلها باحثا عن التوازن والتماسك، مستندا على ذخيرة من حكايات وأمثال وأشعار وحكم من جواهر فكرية وعملية أخلاقية عن عالم يسقط في أتون الفوضى والقسوة.

إن الكتابة تتركز في تحقيق وظيفتها الرئيسة في النقد والتنوير عبر تقديم الحكمة والأمثولة والعظة بحكمها على الأفكار والممارسات لشخصيات أو لتيارات سياسية وللعلاقات المتشابكة بينها اتفاقا أو تشردما، ولا تتوقف عن إعلان رسالتها، حتى عندما تتحرر من أسر سجنها، متخطية مأزق مساربها، لتواصل استكمال مشروع توثيقها بغرض حفظها في الذاكرة الجماعية، حتى لا يجرفها النسيان، ولتسجل موقفها لغرض الاستفادة والعبرة، لتبدأ آخر...

ويكون بإهداء الكاتب الحكاية (إلى كل من لم يخف امتعاضه من أداء واجب ثقيل) مانحا التحية الموضوعية، منصفا من خلال التجربة المعاشة، نماذج من السجانين المسؤولين عن السجناء وأوضاعهم، (استطاعت أن تكون اكثر امتلاكا لخصائص النفس الخيرة التي تفلح في التمييز، حتى عندما يكون الأمر متصلا بالواجب، فلو كان كل شئ في السجن مرتبطا بالواجب، لما وجد المنزك الذي يؤدي واجبه غير منقوص لكن نظراته على الأقل تطفح انسانية ص 104)، (ذلك ان كل الاجراءات التأديبية المعروفة والمستساغة لدى هذه الجهات أيضا، من الصعب أن تكون مقبولة أو سهلة على كل من يكلف لتنفيذها، ولا سيما حين يكون المعرضون لها من هم في حكم الآباء الكبار والرموز مما جعل الأغلبية من السجناء تستشعر المرارة حتى الحلقوم وتتذوق طعم الألم حتى العظم حين لم تجد ما يبرر بعض الممارسات المتسرعة التي لم يكن ثمة داع لها ولا مردود يمكن ان يعود منها على أي كان ص 75).

ولذلك (كانت الفرحة بنقل الاشراف من العسكر إلى الشرطة تقارب في وقعها على النفس مغادرة الأسوار، صحيح إن الأبواب هي الأبواب والزرد هي هي الزرد ولكن الذين يقومون بإغلاقها وقفلها، لا يفعلون ذلك بأوامر يبدو منها رائحة السلطة القمعية، ولا يؤدون واجبهم الثقيل في غياب التنويه عن مثل هذا الثقل ص 216).

وبالتالي فإن الإهداء، وبمبدأ أن الشيء يأخذ تعريفه من خلال نقيضه، يوجه متحديا سهام الإدانة، مضمرا وظاهرا، لمن تبجح بفعلته المخزية من المسؤولين، بمستوياتهم المختلفة، بالتعسف في اتخاذ القرار والإجراء باعتقال العديد من رموز القوى الوطنية المثقفة والسياسية، ولمن (بادر بالإساءة في المعاملة تجاههم، أو من انصاع لنداءات الشهادة بما سوى الحق وشارك في إكراه الآخرين على التفوه بما ليس فيهم ص 105)، منذرا هؤلاء وأولئك، بأن على الباغي تدور الدوائر، فأن المكان المحاصر لحظة ولكن الزمان طليق.

ويتفتح فضاء الرواية التسجيلية، ويكتمل بناؤها الأساسي، ببانوراما أكثر اكتمالا عن المكان ـ السجن، أبوابه وأقفاله وعنابره وأقسامه التي تغص بالشباب الأحداث إلى الكهول ومن دخلوا مرحلة الشيخوخة، أغلبهم من قرى صغيرة بسبب التأثير القبلي في انتماءاتهم السياسية، من القوميين و البعثيين و الإخوان المسلمين و الشيوعيين و حزب التحرير الإسلامي والمستقلين غير المنتمين و أناس عاديين بل وحتى بعض الموالين حتى لنظام العسكر، وبشخصياتهم، الحقيقية لمجايليهم، والمتخيلة لدى القارئ، مختلفة التكوين الثقافي السياسي، وبسمات هيئات بعضهم الجسمانية، وما يعتري نفوسهم، وهم المخطوفون الى المجهول، من قلق ومخاوف حول المدة المتوقعة للبقاء داخل جدران السجن، وعن أحوال الأهل والأصدقاء، وعن أوهامهم في الحاضر وأمالهم في الغد القادم، وما يعانيه بعضهم من الضعف وسط ظلمة اليأس وبما يتجلى لدى البعض الآخر من القوة والقدرة على التحمل والصمود بما تحمله النفوس من أهداف نبيلة.

وحيث تتحول العنابر إلى فضاءات رحبة، تتسع رغم ضيق المكان وقسوة التجربة والقلق على المصير، برواية السير الذاتية، وسرد الذكريات، وخاصة مع "الأبشات ـ العبادلة"، حيث يتم أثناء الفسحة المتاحة استظهار الشعر ومناقشة المتوفر من الكتب والمجلات وترنيم الأغاني، كذلك استحضار الوقائع والتجارب في الزمن الطليق، عبر الحوار والنقاش المتبادل، الذي ينصرف معه الوقت، عن المجتمع والثقافة والتاريخ وسير المناضلين، وخاصة ممن تعرضوا للاعتقال، ولكنهم لم ييأسوا ولم ينهزموا، بسبب الادراك الواعي لواقع الحال، بل تفهموا الايجاب في قضايا التحرر ومقاومة النفوذ الأجنبي، فالمهم هو مصلحة الوطن، وليس المهم طبيعة القوى الحاكمة المتقلبة بين يمين ويسار، تتخبط في الفوضى، وتتعثر في المواقف.

(فما رأيكم في أن يروي كل منا قصة حياته؟ص 80) هذا ما اقترحه احد السجناء، لقهر وحشة المكان، وهذا ما يقترحه الكاتب الأديب أمين مازن راويا قصة المحنة التي عاناها في السجن، مستهدفا أن يقدم العبرة والموعظة في أنه (من أساسيات الحياة، حين تبدو ظاهرة في جماعة تبدو الحياة، وفي هذه الظروف، غنية بالإيجابي، الصدق في القول، الكف عن الحديث بما لا يرضي الآخرين، الحذر من الاستسلام للضغوط والانهيار أمام اللحظة، الترفع من نقيصة أن يتمنى المرء ما يتمناه قصيرو النظر ان يكون جميع من عرف عنهم نشاطا ما داخل السور! ص 61)

وبالتالي فـرواية (المولد) تكتسب أهميتها في كونها شهادة موثقة لحدث سيتنامى ليصبح أسلوب حركة لكل سلطة تستهدف، من أجل أن يدوم بقائها، إثارة غبار الفوضى لتعمي العقول وتفسد المشاعر بالهيجان المدمر، وبحصار النخب والطلائع الوطنية الحرة داخل الوطن. وبالتالي فهي بحث عن الولادة المتعسرة للوطن وقواه في زمن تتهدد فيها أحلامه بالعسف والاغتيال.

ومن أهم سمات الرواية أن كاتبها قد حاول توظيف أجناس مختلفة، تجمع الرواية التاريخية والسيرة الذاتية، كما قد يصنفها مجايليه وقراء التاريخ، أو تقيمها الأجيال الجديدة كرواية للمكان، ولكنه صهرها، بالمغامرة الأدبية الحرة، في نص يتوهج بالصدق، لأن الكاتب مرتبط بالتجربة، بكل مشاعره الدافئة وبذهنه اليقظ وبذاكرته الحاضرة، إلى درجة الإيحاء، وكما يقول "بول إلوار"، بأن الكاتب هو الذي خلقها، وبالرغم من محاولة انضباط بطلها غالبا بانتهاج العقلانية والمحافظة على التوازن، إلا أننا، ومع التفاصيل المتحررة للرواية وبالضرورة، بحثا عن المعنى والدلالة للتجربة أو الرواية، وللتحديات التي يواجهها بطلها، في الكتابة أو العيش، نتوصل إلى أن جوهر المعنى يتجلى في أنه قد يحاصر الانسان في المكان، ولكن الفعل المقاوم الذي يؤكد جوهر الكينونة، في كونه المفكر المبدع المحب، سيظل حاضرا دائما في الزمن الطليق.


_____________________________________

بقلم الدكتور عمر حمودة.


المولد.... مع اعتزازي


قراءة متثاقلة



لن امدح نفسي من خلال إطراء الاخرين لاكنني لا استطيع إلا ان اتكلم و لو بعيداً عن ذلك فأنا اكره الصمت و احقد عليه ، بل لا احترمه لأنني هكذا و كما يصفني البعض (المندفع) ليعبّروا بمحبة عن تهوري و استخفافي بالخطوب و الأخطار ، و مع اني لا احب التصنيف إلا ان وصفي بأي صفة و لو ذماً تملأ قلبي سعادة لان في ذلك دلالة اني اكره الصمت لأكون بذلك محترماً امام نفسي على الاقل.


انا إن جاز لي ان اقول، اعشق الفضائح و احترم رموزها لأنهم ثوريون مائة بالمائة حسب رأيي طبعا و رأي الذين يختلفون معي حول قضايا بعيدة عن الثورة. و عموماً بعد كامل الود اكتب لك طلبي هذا آملاً منخه العناية بالقراءة و الأختلاف.


منذ ان خرج مُتَرجِّلاً من كلمات و اسطر مساربه و انا انتظر أن يُكمِل الشيخ أمين مازن ما بدأه،و على الرغم من ان الانتار يُفسِد الاخلاق حسب رأي مؤلِّف مينلوجيا الاخلاق فريدريك ليتشه،إلا انه كان دافعاً لقراءة مسارب من جديد في إنتظار المولود الجديد الذي إختار له من الاسماء (المَولِدْ) جعله الله فاتحة موالد جديدة تستفزنا اكثر للكتابة و الاختلاف حسب رأي جاك دريداً و رفاقه اصحاب معمل التفكيك الذي اذُنَ لنا الشيخ امين بإستخدام آلاته بمولده هذا.


للمولد شرعيتان للتداول. أولى و هي كونه بقلم برز كُتّاب و مثقفي ليبيا الحبيبة،الذين ينفردون بتجربة طويلة مع الوسط الثقافي ليس الليبي فقط بل العربي ايضا،ناهيك عن مجايلتهِ لأكثر الفراد و التيارات الفكرية و السياسية مما يرفع من قيمة ما يكتُب خاصة إذا اخذنا في عين الأعتبار ذاكرته التي تصفها أعماله الابداعية افضل وصف.


أما الشرعية الثانية فهي إن هذا العمل صادر عن المجلس الاعلى للثقافة ما يعنب مباشرة فاتحة عهد جديد أكثر موضوعية تجاه اختلاف التجارب الانسانيةو هو ما يُفرِح القلب و يبعث على التفاؤل اكثر في انتظار مبادرات أقوى تؤكد أهلية ليبيا لإحتضان مشروع حضاري كالفكر الجماهيري الذي لا بُدَّ و ان يتسامى اكثر بتبنّي هكذا سياسات.


إذاً فالقراءة لهذا العمل المهم لابُدّ ان تكون في مستوى الشرعية و هو لعمري ما لا اعتقد انني قادر عليه لاسباب تتعلّق بقدراتي المحدودة على المجايلة لفارق التكوين و اخختلاف معطياته،لكنني بدأت علّي اجو بجلدي من الصمت الذي اكرهه كما اسلفت خاصة و ان الحدث جلل.


بدأت قراءة العمل من صفحة غلافه متأمّلا اللوحة التي وُضِعت عليه محاولا استدلالالها في مُخيلتي لتصاحبني طيلة قرائتي التي لن تكون سريعة، وجدت نفسيفي شارع عمر المختار اتجول مُستلهما ما حدث من المعمار الذي يصطف على جانبي الشارع بإنظام مُوَحّد في الشكل و اللون و ربما في تفاصيل اخرى ليست اقل اهمية، تذكّرت تلك الطوابير التي زحفت على تهذه المدينة قبل قرن من الزمان تقريبا و تسألت هل يُعْقل ان تستمر اثار هؤلاء و لو كانت جميلة جداً؟ لم استطع ان أُخفي مشاعري السرشة تجاه هؤلاء ، بل رغبتي في تدمير كمانيرون وروما و لكن مع اختلاف الغايات ، و المُوحّد هو روما بين الدافعتين، روما التي لا زالت حاضرة في حاضرتنا و في آدابها و فنونها و ربما مخيلة من عرفها قديما و لم يتغير عليها شيئ كي يتغير.


وصلت الى ارض معرض طرايبس و انا لم اغادر الصفحات الاولى من المولد لأجد نفسي مُضطر لأقتناء بعض النفحات الاشتراكية من الوصف و التحليل و المقارنة و تدقيق الاحتمالات و الحسابات كي يستمر عارضي اليوم في ممارسة نفس الدور و لكن بإستراتيجيات مختلفة،ربما أغنى أكثر خطراً لأنني اكره البيع و الشراء لأنهانقيض الاخلاق على مستوى المطلق في اعتقادي مع اعتذاري الشديد لمن يمارس هذه المهنة المُهمة التي انتصرت على تجربتنا الاشتراكية الموؤدة.


لكن المولد النبوي قادم و سنحتفل به هذه المرة احتفالا يليق بالمناسبة و يُعبِّر عن مولد جديد يهتم بقضايا الامة، مولد لا يقل اهمية عن ما تبادر الى ذِهن الراوي اول مرة الذي استعد للعودة الى هناك بروح الصوفي الصغير الذي ما لبُث ان غادر الى تفاصيل الاشياء بإعتقاده في الاشتراكية شاباً يافعاً لم يفته ان الامور بأت تأخذ منحى يُوجِب الترقّب و الحذر.


ربما كان حديث المولد صريحاً يتحدد في تجاوز كل ما يُعيق العمل الثوري بأي شكل بل و ربما البحث عن هؤلاء الذين يختلفون في رؤاهم الفكرية و الايديولوجية عن زعماء التغيير و المُؤيدين لهم _ توقف الراوي عند الحزبين اكثر من غيرهم و ربما تحسّس جيوبه بحثا عن بطاقة او تعريف او اي شيئ آخر تركه في مكان ما، رغم وصفه لتهمة الحزبية الغير المخيفة استناداً الى المعطيات القانونية الدالة على الاتهام و التى يبدو عدم توفر أي منها في التجربة تلك _ ربما هناك مُخيف آخر استعصت ولادته على الاسطر حتى الآن و البركة في الصفحات التالية.


لم يطل الوقت حتى بدأ الاصطفاء و الاعتبار امن جادت به الذاكرة او نَسِيَهُ السابقون، و آثَارَ ذلك بطبيعة الحال حفيظة الذين لم يشملهم الاعتبار لسببين أولهما التهميش الذي حَضُوا به بعدم القبض عليهم خاصة و انهم يعتقدون لا يقِلّونَ اهمية عمن وقع عليهم الاختيار، و ثانيهما إن الوقت إما أن يكون مبكراً على مثل هذا الاجراء او تأخر قليلا لنفس الاعتبار الذي ظل مجهولاً على مستوى الاحداث بالتغيير.


عدد من الاصدقاء الرفاق الجيران و ربما موصوفون اخرون شملهم الاجراء و الراوي لا يتصور ان يكون غير لاحقاً بهم و نتسأل معه لماذا لم يكن معهم او قبلهم بل كان بعدهم؟ هل السبب يا ترى يكمن في بركة ذلك الشيخ المتسامي في حاضرة الواحات اللليبية ام لإعتبارات لها علاقة بقياسات امنيةو اجتماعية في فلسفة القائمين على العمل. احتمالات لا بفصل احدها عن الاخر الا ذلك الرجل الطويل القامة من وسط الزحام نحو المعني مُعلِناً عن نهاية انتظار و الدخول في حالو الممنوع من الصرف.


رصْفُ الطريق لذلك المكان يُحَسِس القارئ بأن الراوي يملك دراية ملموسة بتقسيمات المدينة تتجاوز الاحساس بالانتماء نحو علاقة المخارج بالمداخل أمنياً و إمكانية إحكام القبضة على مساربها الثلاث المؤدية للمولد بكل دقة.


عفوا إني الان اسجل احتجاجيالكبير على الورق الذي يستقبل كل الاقلام دون تمييز.


الوصول الى ذات المكان صاحبته إجراءات عديدة تمَكّنَ الراوي من ضيط تسلسلها بدقة واصفا كل تفاصيلها إبتداءً بالشكل العام و إنتهاءً بأدق التفاصيل الخاصة بعبارات ما بعد الحلاقة و مكونات وجبات الطعام و بعمق الزنزانة التي تعددت ابوابها و اقفالها لتحوي عدد بمواصفات قد تكون مُحددة ايضا لكنها دقيقة.


عفواً الجماعة في تفحّص بعضها البعض بعد ان صادر المبروك بعض الاشياء كالسجائر و ادوات الحلاقة بدستوره الذي يقضي بذلك إمعاناً في الاضطهاد ، و ربما عمق المكان اعاد الجميع الىعمق الذاكرة التي جادَت بتفاصيل إستغرق سردها بعض الزمن الكثير، استمع الجميع لبعضهم تقريبا الى ان جادت قريحة الشاعر بإمكانية خروجهم للساحة رفقة رفيقه الفيلسوف،و العجيب ان اسميهما شَكّلاَ اسماً مقدّسا اذا جمعا في اسم مُرَكّب و لكم ان تتأكدوا من ذلك.


كان الخروج الى الساحة فرصة ليتأكد الجميع من القواسم المشتركة التي جمعت بينهم هنا،و ايضاً لإمكانية توجيه بعض الاسئلة الحادة من خلال التدقيق البصري (التَفْنِيصْ) كلاً في الاخر الذي يُمَثّل سؤالا له و لو كان سؤالا قد فات اوانه،لكن هذا ما حدث بِلُغة راوي اخر اقصر نفساً.


و لكن.. لقد نسيت ان اخبركم ان معنى الكيان لم تتجاوز إقامته الثلاث اسابيع بعد زيارة الشاعر و رفيقه الفيلسوف و السؤال لماذا ؟


رغم عدم اهمية الاجابة على هذا السؤال بإعتبار خروج المعنى من المكان شيئ جميلا الا ان هناك تخمين يفضي الى خصوصية وضع المعنى و هي انه عبّرَ أمميته من خلال الكيان الوطني الاقليمي دون الاشارة الى براح اكبر و هو في اعتقاد البعض و انا منهم انه أمرّ مشروع ايديولوجيا الى حد كبير فالاشتراكية الوطنية كما عرفها التاريخ الحديث حركة تُوصَف بالوطنية و الوطن في الاغلب مُتفق عليه و ربما الخلاف حوله في بعض الاحيان.


ايضا و قبل ان امارس المزيد من النسيان فالفيلسوف الذي كانت مهمته تنحصر في الحوار مع جماعة التحرير الاسلامي او الاسلاميين، يبدو انه لم يُدرك تماما هذا الدور الذي كان من الممكن استغلاله بما يُعمق وجهة نظره في الشورى و الديمقراطية من خلال حوار اكثر انفتاحاً مع الجميع بغض النظر عن المرجعيات الايديولوجية .


أما الشاعر الذي خصص له الراوي مساحات تنحصر في رصد تجربته منذ ايام الهجرة الى مصر مُعرِّفاً بوالده و نسبه و ارتباطه بالطرق الصوفية و حرصه على ان ينال ابنه قدرا من التعليم بأي شكل مما دعاه الى تسجيله في قوائم الجالية السودانية بُغْية الاستفادة المُثلى من قرار الملك فاروق القاضي بأن يدرس ابناء السودان في مصر مجاناً في تعبير مادّي حي على وحدة بلاد النيل و ترابط اهلها شعباً و حكومة.


فقد حظيي بقدر من التعليم أهّلَهُ لان يكون داخل الحراك الثقافي منذ تلك الفترة و حتى الآن بل ان الراوي منحه شهادة في غاية الاهمية و هي حظوره الدائم على صفحات الجرائد بشكل يومي احياناً اضافة الى بعض مُجايليه و قد ساعدهم في ذلك تبنيهم لقضايا افريقيا و التمييز العنصري التي كانت على قائمة الاولويات السياسية و الانسانية مما مكّنَهُم من الحضور القوي في مُخيلة المناضلين و الثوار و القادة و هو ما استفاد منه الفيتوري عندما قامت ثورة الفاتح رغم انه لم يأتي الى ليبيا إلا في عام 1968م حيث كان معروفا لدى قيادة الثورة بمواقفه التحررية و تمجيده للنضال ضد التمييز العنصري فكان ان حظي بمكانة مرموقة منذ ذلك الوقت و حتى الآن و كُلِّفَ بالعديد من المهام التي رفعت من قدره و مكانته و وفرت له طيب العيش و المقام فحقق اسما لامعا لا يكاد ينافسه عليه احد من مجايليه في مجال الشعر و ها هو يحضر بإستمرار في مخيلة المؤرخين و الادباء و السِيِّر و التراجم و الرسائل العلمية داخل ليبيا و خارجها.


نعود للراوي محاولين طرح تساؤل منهجي في غاية الاهمية: اعني اللغة التي كتب بها العمل و التساؤلات المطروحة و الإستنتاجات و تقييم الاحداث و الشخصيات و القدرة الفائقة ضيط الامور،كل هذا،هل كان بإمكانيات الراوي في فترة التجربة أي منذ حوالي خمسة و ثلاثين عاما تقريبا أم هي القدرة الآنِية بعمق التجربة السابقة،بمعنى آخر هل هي قدرات الراوي في تلك السن و تلك الفترة أم قدرات اليوم و بالتالي انطباعات و تحليلاتو إستشراقات اليوم أيضا ؟


ارجو ان يكون السؤال واضحاً لكي يستحق الاجابة بعمل ابداعي آخر أتوقع ان يتفرّغ له الشيخ أمين،اللهم اميـن.


لازال في الجُعبة الكثير عن المولد و لازالت القراءة للعمل اكثر مُتعة و أدْعَىَ لتفتيق المزيد من الاسئلة الجادة الباحثة عن اجابات.


عبد اللطيف المتهم بالماركسية رغم انه يقتات على ضعرق العمّال الذين يعملون في مطبعته و الرجل الذي يكتُب باليد اليُسرى و قصة وكالة الأنباء و تأسيسها و السيد شكري!! و الطاهر الذي حلَّ على المجموعة دون ان يُفصِح عن اسباب تواجده حتى الصفحة (175) من العمل و ما قصة أولاد سيدي ابعيو ؟ و لماذا كانوا مَحَطْ اهتمام من الشاعر اكثر من غيرهم ؟؟ و هل هي القُرْبىَ أم الغُرْبَةَ ؟ و هل كانت هناك تجربة حزبية حقيقية في تلك الفترة و الى اي مدى كانت تهمة النتماء الى اليسار مُخيفة ؟ لماذا لم يأتِ ذِكر تفاصيل تُحِيل الى تخمينات أبعد ؟ و هل كانت التجربة مُفيدة للسلطة اكثر من ندوة الفكر الثوري مثلا ؟ أي هل كان الاعتقال أجدىَ تأصِيلياً من الحوار ؟ و لماذا لم يستطع الجميع و على كافة المستوايات الوصول الى وفاق وطني يَحترِم الفكر بغض النظر عن تمظهراته التي كان من الممكن معالجتها ديمقراطياً ؟


و قبل ان اخرج عن الموضوع كعادتي اعود الى عبارة مفصلية في غاية الاهمية تُعَبِّر عن تجربة الراوي (ذلك يعني ان الانسان سيد نفسه و مسؤول عن تصرّفه و يستطيع حيث يُحسِن اختياره ان يؤدي واجبه دون ان يؤذي دون ان يجرح العواطف و لو بالكلمة الحَسَنة فلا مجال للجَبْر ان الانسان قادر على تجاوز الخطاء المقصود و تفادي الامعان في السوء و ما من عُذر له في هذه المسألة).


و ختاماً لابد من القول بأن تجربة الشيخ أميـن مـازن تستحق بإمتياز أن توصًف بالتجربة الصامدة..إنتهى

_____________________________________


موقع الكاتب والاديب : أمين مازن

  www.aminmazen.com © 2019 - 2008

طرابلس - ليبيا

Tel 0913245901