ذكريات تزكيها الصور

ذكريات تُزكِيها الصور

أمين مازن

4-10-2016

مثّلت سنة 68 من القرن الماضي نقطة تحول بالغة الأهمية في مسيرة الصحف الخاصة بليبيا المستقلة، إذ أتاح لها حق نشر الإعلانات الحكومية التي تقوم بتسديد ثمنها الخزانة العامة، بواقع مرة واحدة لكل صحيفة إسبوعية و مرتين لكل صحيفة يومية، مورداً محرزاً في التمويل، و قد زاد من جدواه تخفيض نفقات الطبع بالمطبعة الحكومية بنسبة 50% و قد حرصت جريدة الميدان إحدى الصحف الخاصة التي صدرت قبل ذلك التاريخ بسنوات أربع على أن تستثمر ذلك التحوّل في رفع سقف التعبير بممارسة المزيد من النقد للآداء الحكومي في مختلف الصُعُد و تناول الشأن الدولي و العربي بخصوصية مميزة، الأمر الذي ضاقَ به بعض المُتَنفّذِين فعمدوا إلى إستعداء عدد من مسؤولي الإعلام في ذلك الزمان، فأُستُثْنِّت من المشاركة في الوفد الصحفي الذي رافقَ الأمير الحسن الرضا ولي العهد في رحلته لدول المغرب العربي، على الرغم من أن الصحيفة قد أشتهرت بالحماس للمشروع المغاربي، و هو تصرُّف لم يتردد صاحب الميدان فاضل المسعودي رحمه الله من مقابلته بشيئ من التحدي بأن قرر السفر للقيام بالمهمة الصحفية المذكورة دون تعويل على نفقات الإعلام، و إذ كُنت أحد الذين يكتبون أسبوعياً بالصحيفة المذكورة و من المنحازين للخيار المغاربي عرَضَ عليَّ فكرة المُشاركة فقبلتها مُتحمِّساً، فكُنَّا فاضل و أنا ضمن هذه المجموعة التي تظهر في الصورة حول الرئيس الراحل السيد الحبيب بورقيبة و التي تلوح منها مظاهر الإحتفاء من نظرات الزعيم الجليل، و هو إحتفاء بادلناه إياه كما لا يخفى على من يتمعَّن هذه الصورة التاريخية التي تعود إلى تلك الأيام الجميلة التي ما تزال خير ما نرجع إليه في لحظات الألَم و القنوط .

لقد أغاضت تلك التجربة بعض من لم تتسع صدورهم للمنافسة الحرة و الإصرار علىى تحقيق الذات فكانت بعض التدابير السفيهة المُتمثلة في حجب الترقية التي أُعطِيت لجميع الزملاء و ذلك عقب رسالتيّْ لفت نظر بشأن الكتابة و المهمة إلى جانب حضور مؤتمر صحفي عقده وزير الإسكان عبدالقادر البدري.

كانت المواقف جد متواضعة إلا أن تخطيط الدوائر العالمية للتخلص من النظام الملكي جرّاء شيخوخة الملك و محدودية تفكير ولي العهد تُرِكَتْ تلك الإجراءات الإستفزازية دون أن تُوَقّف إدراكاً منها أن السُخط العام هو في مقدمة ما يحتاج إليه كل تغيير مُرتَقب و ما من سبيل لإستفحال السُخط العام سوى سيطرة الخطاب الإعلامي السطحي الذي يرى في تأليه الحاكم خير ما يخدم العهد. و قد كشفت الأيام بعد ذلك التاريخ أن ما كان يُمارَس ليس إلا تهيأة للعوام كي يُرَحِبوا بأي تغيير، و هو ما يذكره كل مُنصف عاش مثل هذا الشهر قبل سبعة و أربعين سنة مضت. كانت فكرة المغرب العربي تُقابَل بفتور ملحوظ في الواقع الليبي الذي كان مُستلباً بالكامل من طرف الدعوات الديماغوغية بشأن الوحدة العربية التي لم تقبل بوحدة المغرب و شككت قبل ذلك في مشروع الهلال الخصيب الرامي إلى توحيد العراق و سوريا و ربما لبنان أو الأردن. و لم تكن بليبيا سوى قلة من المثقفين الواعين الذين أدركوا الجانب العملي في مشروع المغرب الكبير، بإعتباره يتبنى التكامل الإقتصادي، الذي يُمثل بورقيبة أبرز المُدركين لجدواه و الداعين له، أي أن يقع تنسيق بين هذه المجموعة المغاربية في الإقتصاد، فلا تتضارب مشاريع التصنيع و يحدث التنافس الهدام، و إنما يكتفي كل قطر بما لدى شقيقه فينتظم الإستهلاك و يتوحد.

و قد أفاضَ الحبيب بورقيبة في الحديث حول فكرته هذه في تلك اللقاءات مُستبشِراً بالموقف الليبي المُتمثل في المشاركة باللجنة المغاربية التي أُختيرت تونس مقراً لها. و قد أُنيطت مهمة التمثيل بها إلى المثقف الوطني المعروف محمد أيوب أحد أبرز خريجي الإقتصاد في دولة الإستقلال، و كذا المُدرك لجدوى العمل المغاربي، فكان يجمع يومئذ بين مهمة التمثيل الرسمي و النشاط الشعبي. فيما كانت الحكومة التونسية تزخر بعديد الخريجين المُمتلئين بفكرة المغرب الكبير و في مقدمتهم السيد أحمد بن صالح الوزير المكلف بالإقتصاد و التخطيط و إلى جانبه السيد أحمد المستيري وزير الداخلية. و لقد لفَت نظرنا في تلك الزيارة أن معظم الكوادر الرسمية تتشكل من الشباب. و قد رافق الوفد في تلك الزيارة النقابي السيد صادق بسباسي، و الذي كان من بين الذين تعرضوا لمحنة السجن عقب خروج السيد أحمد المستيري من وزارة الداخلية و كذا فرار السيد أحمد بن صالح، أي الفترة التي غيرت فيها تونس توجهاتها الإقتصادية مُعلِّقةً مسؤولية الفشل بالكامل على السيد أحمد بن صالح و في تطور آخر أحمد المستيري، و لكن دون المساس بالنزاهة المالية. و قد إحتفظ لنا عدد من الإخوان التونسيين بالكثير من الوِد و لم يترددوا في مخاطبة الرأي العام العالمي عندما فُتِحَت السجون لمائات المثقفين و النقابيين عقب سبتمبر73 و ما لحقها من أهوال. و قد بادلنا الإخوان هناك دوماً إحتراماً بإحترام و تواصلاً بتواصل على قاعدة أن تونس الفضاء الأقرب و من الحماقة أن نرتكب في حقها ما يُمثل شيئاً من التدخل غير المُبرر بل و غير المحترم. و عسانا نقدم لاحقاً المزيد من الكتابة التي توثق لما تيسر القيام به من التواصل مع تونس سياسةً و أدباً و علاقات إنسانية تحفل بأجمل الذكريات. إنتهى

موقع الكاتب والاديب : أمين مازن

  www.aminmazen.com © 2019 - 2008

طرابلس - ليبيا

Tel 0913245901