سلامة الوطن

سلامة الوطن فوق صراع السلطة

أمين مازن


لن نكون نحن الليبيين، في هذه المرحلة التاريخية المكتظة بالمشاكل المحتدمة بالصراع، المزدحمة بالطموحات والأطماع، نحتاج لشيء مثل حاجتنا إلى إعادة حساباتنا وتحديد البداية الصحيحة لبلوغ ما نريده من هذه مجتمعة. وليس لسلامة هذه البداية وصحتها  مثل المحافظة على وجودنا أولاً. وما من سبيل إلى ذلك أكثر وأهم من تأمين حدودنا براً وبحراً، وهو تأمين لاتصنعه أو تؤمنه القوة العسكرية المتمثلة في الجيوش أو الأسلحة فعلى أهمية ذلك هناك ما هو أكثر أهمية واشد فاعلية، إلا وهو ضمان جانب السلط التي تمسك بهذه الحدود، والوصول معها إلى تفاهمات قوامها في الحد الأدنى المحافظة على حسن الجوار وفي الحد الأقصى منه الأخذ بسبيل التعاون المشترك. ان من حيث المنافع أو على الأقل درء الأخطار، لافرق أن تكون هذه الأخطار  على هيئة كوارث طبيعية أو أفعال يصنعها البشر، ومثل هذا التوجه لايمكنه أن يكون مفيدا أو فاعلا ما لم يتم القبول به والعمل من أجله بدافع المصلحة وعلى قاعدة القناعة المطلقة، فما تفرضه الجغرافيا يفوق عادة كل ما عداه وحسب المرء أن يتأمل ما بين مناطق الحدود السياسية من تفاهمات كثيرا ما تتجاوز توجهات الدول، ان لم يكن بعدم الأكتراث بها فعلى الأقل بالتخفيف من غلوها ودرجات توترها حتى ان الدول الناضجة تعول كثيرا في مساعيها الخيره على جهود أولئك المنحدرين من المناطق المجاوره عند نشوب أي خلاف، بل ان التعامل بين المناطق الحدودية بين الدول يتبع بشأنه في الغالب من القواعد المرنة التي لا تصل إليها بقية المناطق هنا وهناك على السواء ونحن أن ننسى لا ننسى ما كان يسود حدودنا الغربية والشرقية من تعاون حسن بين نقاط المراقبة في الجهتين حتى أن الخروج والعودة في غضون يوم واحد كثيرا ما اعطيت من نقاط الحدود ومن دون توقيع أي مسؤول من الطرفين وكثيرا ما كان ذلك يشكل متنفسا لاعداد كبيرة من الليبيين الذين لم تفرض الكثير من الممنوعات  إلا لاذلالهم وتحسيسهم بالفارق الكبير بينهم وبين من سواهم من ذوى الحظوة والجاه والسلطان ممن  هان عندهم ما لم يهن عند بقية الليبيين!! صحيح إن العلاقات بين الدول قد تكون أكثر تعقيدا، وربما يسودها بالنسبة لتلك المتجاورة منها، ما يقوم على لعبة. العصا والجزرة وهي في أحيان كثيرة لاتخلو من الابتزاز، وربما تكون الشعوب هي الضحية، كما فعل بعض الأشقاء معنا أثناء انتفاضة السابع عشر من فبراير، عندما رجعوا كفة الاستبداد لأسباب اقنعوا بها أنفسهم ولم يستطيعوا بعد ذلك اقناع غيرهم بها. إلا أن كل دفع نحو المعاقبة  على ذلك الموقف بدا الكل عاقل مضحكا وفي غير مصلحة الليبيين، ذلك ان ليبيا التي حققت انتصارها لابد لها لكي تحافظ على ذلك الانتصار من أن يكون على رأس أولوياتها تامين حدودها، وتوضيح الصورة لكل من خفيت عليه حقيقتها، ولاسيما جيرانها، فكانت البداية  الموفقة بالاسراع لرأب الصدع الذي نتج عن سوء الفهم مع الجزائر وكان التوجه المماثل نحو تشاد ومن ثم النيجر، الأمر الذي ما لبث أن اثبت جدواه نحو عديد الدول التي كادت أن تضللها الدعايات الممنهجة مما جعل التوجه نحو الشروع في بناء الدولة واستكمال شروط السيادة يتم في كنف من الهدوء والقدرة على سحب البساط من عديد الخصوم والقوى المتربعة فبدأت وكأنها قد فقدت كل أسلحتها حين لم تجد من كانت قد راهنت على ضمان تأييده، اخذا في الاعتبار أن الدولة أي دولة لايمكن أن تتخلى عما تملك بالكامل، إذ بقدر ما تسعى لما تريد من خلال التوافق، بقدر ما لابد أن تحافظ على البديل.

من هنا لايمكن لكل ذي بصيرة أن يقر ما ذهب إليه البعض من السياسيين الذين لانشكك في صدق نواياهم ولانقلل من  سمو حماسهم من دعوة ليبيا الدولة إلى مقارنة ما شهدته مصر من متغيرات أدت إلى تغيير نظام الحكم أو قيادته على الأصح، من قاهرة المعز، ورفض كل محاولة ترمى إلى التواصل مع العهد الجديد في مصر. ومصدر عدم الاقرار هذا أو مبعثة لايعود إلى ترجيح لطرف على طرف آخر من الأطراف المتصارعة في مصر، ولايفعل ما سبق أن اطلقنا عليه لنعتبر بما شهدته مصر ونشرناه في هذا المكان من فبراير.

فمع عدم التنصل مما قيل وما يمكن أن يقال لاحقا بشأن ما جرى في مصر، فإن المقصود هنا هو المصلحة الليبية قبل أي شيء آخر والمصلحة الليبية حين تحسن مراعاتها ويتم العمل من أجل  تحقيقها،  تفرض تبادل الرأي والمشورة ومد جسور التعاون، وهي أهداف لاسبيل إليها بدون احترام الإرادة التي تقدم عليها الشعوب، والبعد عن أي شكل من  أشكال التدخل  في الشأن الداخلي لهذا البلد المجاور، الذي يعلم القاصي والداني عمق العلاقات التي تربطنا به وقوة المصالح التي تشدنا إليه فمصر التي سيتنامي سكانها على نحو فاق كل التقديرات وتجاوز لكل النسب لا مفر لجيرانها من أن يتوقفوا بواقعية  ووعي أمام هذه الحقيقية وما قد تحليه من اكراهات، وهذا الوعي يفرض أول ما يفرض وضع الخطط الكفيلة برفع إمكانيات هذا العدد من الملايين الذين ينقص  مجموعهم عن بعض أحياء القاهرة فقط، ما بالك وهم على ما هم عليه من الاعياء الذي فرضته الحروب المتتالية، والتفكك الذي فرضته حالات الاقصاء، وكذا الاحباط المترتب على العزل السياسي الذي لم يُعد إلا لحرمان البلد من جميع كفاءاتها الإدارية والسياسية والعسكرية، وما من سبيل للنجاة من مخاطر المستقبل إلا بالإسراع نحو الغائه، والاكتفاء بقانون العدالة الانتقالية وما يفرضه من معاقبة المجرمين وجبر الاضرار والوصول أخيرا إلى المصالحة الوطنية، فإذا كان وضعنا في الاعتبار ما يتردد في وسائل الإعلام المصرية المتعددة عن تسرب السلاح من الحدود الليبية. وما ترتب على ذلك من اساءة لسمعتنا نحن الليبيين من حيث الفوضى وغياب الانضباط اللازم لأي دولة من الدول وما تروج له أطراف كثيرة من تحضير للتدخل الدولي حفاظا على السلم الاجتماعي وصون لامن الكثير من النازحين والمتضررين فإن كل تحرك نحو الجيران يبدو أكثر ضرورة، لا فرق أن يكون دافع هذا التحرك في اتجاه طمانتهم  بعدم التدخل أو للحصول على مثل ذلك من جانبهم فالاخطار دوما متساوية وكل لديه ما يمكن أن يضغط به.

نعم، نحن في إعادة بناء بنيتنا التحتية نحتاج إلى التنفيذ الأفضل، ونحن في العمالة الوافده لابد ان نحذر من تبعات الاقامة غير الشرعية والأخرى التي قد تعصف بالنية الديمغرانية، وأن نضع من الضوابط ما يقينا من الالتزامات الخدمية التي تزيد من التكلفة غير المنظورة  أو المحسوبه، والا نخلط  بين الأخوة والاعباء المخلة بالأمن أو السلم الاجتماعي وكذا المنافسة غير المتوازنة  بين مختلف شرائح المجتمع من الذكور والإناث وما يمكن أن يخل بالتوازن، مما يتطلب أن يكون انفاقنا بمقدار  وتخطيطنا ينظر من زوايا كثيرة، كما أن تواصلنا مع الأخر يقتضى الكثير من الفطنه والكثير من إعادة الحسابات ومراعاة الحجم الحقيقي للإمكانيات ومجالات التحرك. إذا كانت بعض النخب قد تكونت ذات يوم  من منطلقات ايديولوجية  زينت لها إمكانية التحرك عبر العالم والعمل من أجله،  من منطلق أممي يرى في الإسلام السياسي الخيار الأفضل والعمل في سبيله الهدف الأكبر والاجدى، أو أممي آخر يرى في الخيار الماركسي ما يستحق التضحية ويسبغ على النضال جمالية محبيه، فضلا عن الآخر القومي  الذي يضفي على التضحية من أجل الوطن الأكبر ما يخفي  حقيقة الهدف الذي يسعى إليه أولئك الداعون لخدمة اقطارهم أولا، وأكثرها بالنسبة لنا معشر الليبيين كانت على حساب ضروراتنا الوطنية واحتياجاتنا اليومية المسلحة التي رافقت دولة الاستقلال، وكانت ضمن حسابات النظام المنهار وهو يسعى إلى مداخله، فإننا اليوم بدون شك في حاجة ماسة إلى استدعاء هذه العوامل مجتمعة، ولاسيما حين يعتقد بعضنا أن في إمكانه أن يقلق أمن الآخرين أو يسعى إلى تغيير خياراتهم كما هو الحال بالنسبة لما جرى في مصر فيتبنى فكرة إدارة الوجه لمصر حين حل بها ما حل أو السعي إلى الاخلال بأمنها أو المجاهرة بمعاداتها ، وتجاهل ما قد ينتج عن ذلك من أي ردة فعل غير مفيدة بالنسبة لنا بل وضاره الضرر كله. على نحو ما سمعناه من نقد ان لم نقل تحامل للتواصل الذي حدث أخيرا مع مصر ما بعد مرسي وزوال حكم الاسلام السياسي، وهو نقد قوامه الانحياز لطرف دون آخر في خارطة مصر السياسية، الامر الذي لايدل على تقديم المصالح الليبية على ما عداها من المصالح الفئوية والايديولوجية والتي لايمكن لأي عاقل ان يقدمها على مصلحة الوطن والتي لايمكن أن تسقط من حسابها عامل الجغرافيا الذي سيبقى عبر الزمن فوق كل صراع وأقدر على فرص وجوده وترجيح كفته، لافرق أن تبنى ذلك وعمل من أجله رئيس الوزراء الليبي علي زيدان، أو عارضه رئيس حزب العدالة والبناء محمد صوان. إنتهى


_______________________


موقع الكاتب والاديب : أمين مازن

  www.aminmazen.com © 2019 - 2008

طرابلس - ليبيا

Tel 0913245901