شؤون ثقافية

الشعر الليبي و أعلامه

في ملتقى البشير السعداوي


أمين مازن

21-10-2017


كرّس ملتقى الزعيم البشير السعداوي لقاءه الأسبوعي الذي إلتأم يوم السبت 14-10-2017 لموضوع الشعر الليبي، مصادر و أعلامه، من خلال محاضرة ألقاها البيبلوغرافي الإعلامي الدكتور عبد الله مليطان، بحضور نخبة من المهتمين بالشأن الثقافي، الذي أفلح الملتقى المكذور في إستقطابه للقاءاته الأسبوعية التي تجاوزت الخمسين. كما ذكر أول المتكلمين و قد تضمنت المحاضرة كشفاً بأسماء و دواوين الشعراء الليبيين الذين أرّخَت لهم المصادر المطبوعة -منذ قرن مضى- مع عرض مُصوَّر بأغلفة هذه الدواوين أو معظمها بالأصح، و هو الموضوع الذي اشتهر به مليطان و دام على الإشتغال به منذ إنخراطه في الوسط الثقافي و إعداده لملف أصفر اللون حمل ضمن ما حمل عنوان رابطة الأدباء و الكُتَّاب على هيئة إستبيان ملأه كل كاتب على مسئوليه، و فضلت أمانتها عدم تنفيذ قرار أمين الإعلام الرامي إلى تشكيل لجنة لذات المهمة برئاسة الأمين العام تنزّهاً عن أن تُحسَب في عداد المعرقلين للمبادرات الفردية. و قد تمكن مليطان من أداء مهمته تلك حين أصدر مجموعة من المعاجم التي حملت الأدباء عامة، ثم الشعراء فكتَّاب القصة، لتشمل لاحقاً عناوين أخرى، كل ذلك دون التخلّي عن مواصلة الدراسة العليا و تقديم الكثير من البرامج الثقافية مما هيأ له أن يكون ضمن الذين أُسنِدت إليهم جائزة الفاتح للإبداع التي ينص نظامها على مُرتَّب و شاءَ كرم أمين مؤسسة الثقافة أن يدفع بالمستحقين لها إلى شركة الإستثمارات لتمنحهم الأسهم المقررة و تُصرف لهم بعض الأشهر ليأتي بعد ذلك أعلام فبراير فيطلب من الإستثمارات وقف الدفع مع تعيين ما لا يُحصى من الأقارب و القريبات. و الإشتراك في المعارض دون كتب، و الأنشطة الصحفية بلا صحافة، و قل ما تشاء عن التبذير الذي لم يغفله ديوان المحاسبة في تقاريره.


لقد أفلح المحاضر بدون شك في نبش الذاكرة الثقافية، و دلل لنا بواسطة الأغلفة التي عرضها، أن من دخل قائمة المؤلفين الليبيين لا يمكن إقتلاعه منها، كما تذكرت ملاحظة واعية رواها لي مليطان ذات يوم عن المرحوم عبد القادر البغدادي عندما نصح مليطان بضرورة الإشارة لما يفيد أن ما في المعجم هو ليس كل ما كتب الشعراء، لأن المعجم الذي لا يضم أمثال فاطمة محمود و عبد الحميد البكوش و فرج العشة و الرأي للبغدادي يعتبر ناقصاً و لا مناص من الإنتباه لذلك، و قد جاء زمن إستطاع العارضون أن يعرضوا هذه الأسماء، دون أن أنسى للعزيز عبد الله الذي تفضل ذات يوم و زودني بدواوين الصديق الراحل عبد الحميد البكوش و لم أعد أذكر أين أخفيتها بحكم الحذر المسيطر في تلك الأيام. و لئن كنت قد سُررت بحضور هذه المحاضرة و بما خصني به مليطان من مشاعر طيبة و ثناء معهود على ما تيسر لي الإسهام به ثقافياً، فلا شك أن فضل الإحاطة و الحرص على تجَشُّم تيسير وسيلة النقل إنما يعود للعزيز الدكتور عمر حمودة الذي لا يتأخر دوماً عن مثل هذه المكرمات. و تبقى الكلمة دوماً هي الشهادة التي لا تعادلها شهادة لكاتبها إبداعا، و إحتراماً تاريخياً، و الإستئناس بها عند الموقف المسئول تجاه الناس و الحياة. خاصة و نحن نجد في هذه الفضاءات الألِكترونية السلاح الأقوى و المتاح لمقاومة التغييب. و سعداً لمن يعلم و يعمل بما يعلم.أنتهى

________________________________


 

أين موقع المصراتي في الدراسة الأدبية

1

بقلم/ أمين مازن

 

إن مما لا شك فيه أنّ دراسة إنتاج أدباء الطليعة الذين برزت أسماؤهم في حياتنا الأدبية عقب الحرب العالمية الثانية ليعتبر من أهم ما تحتاج إليه حياتنا الأدبية هذه الأيام ، وهي تحاول أن تتجاوز مرحلة الركود وتصل إلى عوالم الخصوبة والإبداع.


ولست في حاجة إلى الحديث عن الدور الذي لعبه قلم الأستاذ على مصطفى المصراتي في حياتنا الأدبية المنوه عنها ، وذلك منذ عودته من المهجر في تلك الفترة بالذات ومشاركته في مسيرة الحركة الوطنية ..


فمنذ انصراف هذا الرجل إلى الممارسة الأدبية في مطلع الخمسينيات ، وخروجه إلى القراء بكتاباته التي اختار لها عنوان (لمحات من الحياه الأدبية في ليبيا) وما تبع ذلك من نشاط صحفي وإذاعي، وحتى أيامنا هذه مايزال المصراتي يمثل وجها بارزا في حياتنا الأدبية، محاضرا وكاتبا وقصاصا، ومؤرخا ..


ورغم الخلاف الكبير الذي ينشأ عادة حول تحديد مستوى إسهام الأستاذ المصراتي بالنسبة لكتبه التي تزيد على العشرين، فإن الاجتماع ينعقد على ضرورة دراسة ما قدمه للمكتبة الليبية ..


وما من شبهة في أن الدراسة الأدبية بالذات من أهم ما قدمه قلم الأستاذ المصراتي، حيث خصص لها عددا من كتبه مثل لمحات أدبية عن ليبيا ، ودراسة عن الأسطى عمر، وأخرى عن المرحوم أحمد الشارف .. إنه إذن كاتب دراسة، ومن ثم فإن محاولة إخضاع دراساته للمناقشة لا يمكن أن تضع صاحبه تحت طائلة القول باختيار أسوأ النماذج وإصدار الأحكام من خلالها ..


وفي هذه الوقفة، سنناقش دراسة الأستاذ المصراتي التي كتبها عن الشاعر الكبير أحمد الشارف، وذلك بمناسبة إعادة طباعتها هذه الأيام من ناحية، ولأنها تعتبر من أخطر الدراسات التي تعرض لها قلم الأستاذ المصراتي من ناحية أخرى بالنظر إلى المكانة السامقة التي يتمتع بها الشاعر أحمد الشارف، وما يدخل في إطارها من تهيئة الفرصة أمام الأستاذ المصراتي للتعرض لفترة حاسمة من تاريخ الوطن ومرحلة زاخرة بالتطورات التي تعرض لها الأدب العربي والشعر على وجه الخصوص . وربما كان من المهم أن نشير هنا إلى التطور الذي طرأ على فن الدراسة الأدبية في العالم العربي، لنرى بعد ذلك مدى الاستفادة التي استطاع الأستاذ المصراتي أن يجنيها كأحد الذين تخرجوا من الأزهر الشريف وعايشوا فترة انبعاث الحركة الأدبية في المشرق .. وفي القاهرة على وجه الخصوص ..


ولقد كان النموذج البارز الذي قدمته النهضة الأدبية الحديثة في المشرق ممثلاً في الدراسة النقدية الجادة التي كتبها الأستاذ العقاد عن الشاعر القديم ابن الرومي، وذلك عندما استخدم لأول مرة في تاريخ النقد العربي مبادئ علم النفس، ثم اتبعه بدراسته عن أبي نواس ، هذا فضلاً عن نقده المرير لمدرسة شوقي وحافظ ..ولقد ارتكزت دراسة العقاد عن ابن الرومي على عناصر محددة تمثّلت في الحديث عن عصر الشاعر، والمؤثرات التي أثرت في تكوينه والملامح البارزة التي تشكل شخصيته الشعرية، وأخيراً المآخذ التي أخذت على أعماله.. ولقد أفلح العقاد بواسطة هذا المنهج أن يجلو الكثير من الغوامض والملابسات، وذلك بغض النظر عن الماخذ التي أخذت عليه، كالقول بأنه قد بالغ في استخدام علم النفس .


ولقد وقف إلى جانب هذا النموذج نمودج آخر تمثل في دراسات الدكتور طه حسين والتي بدأها بكتاباته عن الشعر الجاهلي، ثم حديث الأربعاء والتي اصطلح على تسميتها بالدراسات ذات النزعة الديكارتية، ولقد استطاعت هذه الطريقة أن تثرى الفكر العربي، وتخرج به لأول مرة من عوالم الجمود والمسلمات .. وتلامسه بروح العصر، وتذكره بتلك المعالجات الرائدة التي بدأ بها المعتزلة، وذلك بغض النظر عما قوبلت به من البعض من سوء الفهم وضيق الأفق، بل وسوء النية ..


وتوالت بعذ ذلك الأسماء، محمد مندور ونقده المنهجي، لويس عوض وأبحاثه الرصينه، ميخائيل نعيمة ومتابعته الدؤوبه، أمين الخولي ومدرسته المستقلة ..


وكان من الطبيعي أن يجرف هذا التيار الوافد من الشرق حياتنا الأدبية التي بدأت خيوطُها الأولى تتكون في تلك السنوات التي بدأ فيها المصراتي ينشر إنتاجه، وأن تستقطب الدراسة بالتالي أنظار الذين بدأوا يمارسون الكتابة، بوصفها الشكل الأدبي الأكثر نضجاً انذاك ..


وهكذا برز الأستاذ المصراتي كواحد من الذين ارتادوا هذا اللون من التعبير، وكان بلا جدال أكثر الأسماء إنتاجاً وذيوعاً في عالم النشر ..


فهل أفلح الأستاذ المصراتي في تطبيق طرق البحث، وهو يدرس أشعار أحمد الشارف، ويستفيد من التطور الهائل الذي طرأ على فن الدراسة بعد خروج العقاد وطه حسين، وبالذات هذا الأخير الذي يقول المصراتي إنه كتب مقدمة لواحد من كتبه غير المطبوعة ؟


لنحاول استخلاص الجواب من خلال استعراض الكاتب، وإذا ماصرفنا النظر عن المقدمة المنطلقة أساساً من منطلق الإعجاب، المطلق، الأمر الذي لا يتمشى والنظرة التقييميه، وأعرضنا عما ترسف فيه من انحلال المتناقضات، لعل أبسطها أن الكاتب يجمع بين القول بأن الشاعر امتّد به العمر وظل رهين المحبسين وأن الحياة الأدبية فقدت بموته (إنساناً معطاء سهلا في الكلمة ذات الإحساس المتوهج والنور المتدفق) وهو أمر لا يتمشى وحقيقة موت الشارف الذي قال كلمته ومضى، أقول إذا ما صرفت النظر عن هذا وألقينا نظرة على الجانب الذي خصصه الكاتب للحديث عن عصر الشاعر وحياته، وشعوره وحاولنا تتبع ذلك، ألفينا ما يعانيه المؤلف من انعدام في الرؤية وتعّجل في المعالجة، وتعميم في إصدار الأحكام فهو لايحدد لنا مسؤولية ما عن الذي تسّبب فيما عانت منه البلاد من تخلف ، لا يكلف نفسه عناء البحث عن أسباب ذلك الوضع المزري الذي عاشته ليبيا في تلك الفترة من التاريخ، إنه فقط ينطلق من الحديث عن أدب المجالس، وليته يتقصى هذه الظاهرة التي يصّدر بها بحثه هذا .. وليته ينتهى منها إلى تحديد ملامح للحياة الأدبية كان يتخد منها دليلاً عن انعدام الشخصية الأدبية .. وأكثر من ذلك أنه يتعرض إلى النهضة التي وفدت من المشرق في سرعة عجيبة، ولكن أن نذكر أنه يتحدث عن هذه القضية في عشرة أسطر لا غير، أما ملامح هذه المدرسة وأما التطور الذي طرأ على البناء الشعري فهذا ما أهمله المؤلف كلية ..


(في شعر بعضهم رقّة وسلاسة) (وفي شعر بعضهم بداوة وجزالة)


ما هو المرجع الذي استقى منه أحكامه؟ ما هو المرجع الذي يمكن أن يدلنا إليه معشر قرائه ..؟


علم ذلك عند الكاتب وحده ورغم أن المصراتي يلوم من انعدام المصادر الكافية عن حياة الأدباء، ومع ذلك وعلى مدى إحدى عشرة سنة عاشها صحبة الشاعر كما يقول في كتابه فإنه لا يقدم لنا أية معلومات تتجاوز ما يمكن أن يقدمه أي راوٍ عادٍ، لا كاتب رائد مثل الأستاذ المصراتي..


إن المؤلف يستسلم في هذا الباب الذي حشد داخله مجموعة كبيرة من العناوين الفرعية لموضوعات الشاعر، دون أن يكلف نفسه التفكير في إعطاء أي رأي إزاءها، إنه يذكر للشاعر مواقفه الخاصة بتوحيد القضاء ويشيد في الوقت ذاته بالقانوني الكبير عبد الرزاق السنهوري، ثم يعود بعد ذلك فيتحدث عن أخلاقيات الشاعر وعصمته من المجون، وهكذا يجد قارئ الكتاب نفسه في حيرة من أمره، أين الكاتب من هذا كله؟


هل هو مع توحيد القضاء أم ضده؟


هل يرى في ممارسة الشاعر لبعض وسائل اللهو سبباً في محدودية تجربته ؟


أسئلة كثيرة كان يمكنه أن يجيب عنها بل كان عليه أن يجيب عنها..


ومن الأمور التي يلحظها قارئ هذه الدراسة، وتطرق لها المؤلف إعجاب الشاعر ببعض الشعراء المحدثين، وأخبار الشاعر وعلاقاته الإنسانية، وما أصيب به من علل وأسقام، ذلك التطرق المجرد الذي يكتفي بالأخبار دونما إشارة إلى أثر ذلك في شعر الشاعر، سواء على مستوى البناء أو على مستوى المعنى..


وما من شك في أن الأستاذ كان يمكنه لو تأنّى قليلاً أن يخلص من هذه الظروف الحياتية الموغلة في الصعوبة إلى الخروج بشيء ماعن شاعرية هذا الشاعر..


ولعل مما يلفت النظر أيضاً أن الدارس لهذا الكتاب يحس أحياناً بأن المؤلف يضفى آراءه الشخصية على الشارف وذلك عندما يقول:(كان أحمد الشارف يكره أكثر ما يكره هذا اللون من الشعر الحديث المنفلت الذي يتهرب من الوزن، ويتباعد عن الذوق ولاسيما شعر الرمزيات ذات الخيال المرهف والإغراق في الغموض، وتلطيخ الأصباغ، هذا اللون من الشعر الذي لا تكمل به صورة ولاتظهر فيه فكرة..) ويضيف: ذات مساء سألته عن الشعر الحديث غير المتقيد بوزن، فاهتز الشاعر وحمل حملة عنترية على هذه الأساليب التي بدعها أو سلفها شباب لابضاعة له من لغة ومران ولاثروة له من ثقافة) ولكنه أي الشارف قرأ أو سمع لبضع قصائد للشاعر نزار قباني وأعجب بها وإن كان لايستسيغ أسلوب نظمها إلى أن يقول ويعجبه من الشعراء المعاصرين عزيز أباظه..


والواقع أن هذه الآراء هي آراء المصراتي نفسه، وخاصة إذا علمنا بعد ذلك كيف طالب المصراتي أن يدرس شعر نزار قباني في الجامعات عندما استضيف هذا الشاعر من قبل وزارة الإعلام والثقافة سنة 67 وأن الشاعر عزيز أباظة قدم إلى البلاد أيضاً بعد هذه الفترة بقليل أي عندما رأس الأستاذ المصراتي اللجنة العليا لرعاية الفنون والأداب، على أن المأخذ الذي يأخذه المرء على آراء الأستاذ المصراتي هذه هو ذلك التحريف الذي وقع فيه إزاء الشعر الحديث.. فالشعر الحديث ليس خلوا من الوزن كما جاء في كلامه هنا، كما أن عدم التسليم للشارف بجدواه لايمكن أن ينال منه، وذلك إذا مالاحظنا أن الشارف ينتمي أساساً إلى مدرسة شعرية لاتستطيع أن تستوعب مضامين الشعر الحديث، بل أن المصراتي سبق له أن شارك في تقديم أول ديوان من الشعر الجديد للشاعر على الرقيعي..


غير أن عيب السرعة في هذا الكتاب لاتتحدد ملامحها كما تتحدد في الفصل الذي أفرده الكاتب للحديث عن شعر القضايا العامة، أو العروبيات والوطنيات كما عبر المؤلف.. إن الكاتب لايحدد رأياً عن مفهومه للعروبة ولا للوطن، حتى ينطلق من منطلق سليم لتقييم شعر الشارف، ولكنه يظل ينتقل من هنا إلى هناك مرة بالحديث عن بيت من الأبيات، وأخرى بالإشارة إلى معنى من المعاني.. كل ذلك في شيء من التجزئة والتفريع المخل، ودون أي تفريق بين سلامة مواضيع الشاعر ومقدرته أو عدمها في التناول..


وسنلاحظ بقليل من التأمل أن الأستاذ يتعرض إلى أخطر القضايا التي طرحها النقد الحديث عن الشعر دون أن يقدم دليلاً واحداً لهذه الآراء.. يقول في الصفحة 57(والشاعر قد يتخذ شعره نغمة الخطابة،إنما هو الشعر الخطابي وهذه أيضاً قضية أخرى.. أيهما أوقع ياترى؟ شعر الهمس، مثل أغرودات على محمود طه وأنشودات إيليا أبوماضي أم العواطف المتأججة الثائرة؟ إلى أن يقول:


لانستطيع أن ندلي بجواب فيه كل الدقة في التحديد.. الجماهير في أيام المطالبة بحقوقها تريد حناجر هتّافة، أكثر منها همسات ولمسات شاعرة تتجاوب الجماهير مع الشاعر الخطابي دون الشاعر الهامس، السائر على مهل في ثوب حريري.


(ونحن في موطن الدراسة والنقد لانستطيع أن نبخس شعر الهمس والسرقة والديباجة..


حسناً، إن الكاتب يقرأ هذا وذاك، يقبل بشعر الهمس ويقبل بشعر الخطابة، وإن كان هذا الأخير ينال منه حظا أوفر ولكن، هل يمكن لي كقارئ أحاول أن أستفيد من الأستاذ المصراتي، أن انتهى إلى رأي واضح؟ هل أستطيع كدارس أن أعثر على جواب محدد في هذه المسألة؟ الحق إن الجواب لايمكن بغير النفي ومثل هذا المفهوم غير الواضح وبالأحرى الخاطئ يتكرر مرة أخرى عندما يتعرض الكاتب للعروبة في شعر الشارف، وذلك عندما يقول قد يلوم بعض النقاد المنهجيين أن الشاعر لم يصور العروبة هدفاً ومطلباً، ويرد بسرعة لا موطن للملام طالما أنه في عديد من المناسبات لم يترك الهدف العربي..


وهكذا يتضح لنا أن الكاتب يعتقد أن الشعر الجيد يمكن أن يحمل عليه المرء من خلال الموضوع الجيد، يكفي أن الشاعر قد افتخر بالعروبة ويكفي أنه قد اهتز لبعض الأحداث اليومية، أما ذاتية الشاعر.. أما صدق التجربة فذلك لايهم الكاتب في شيء..


وكلما امتدت بنا النظرة على الكتاب وكلما تعددت العناوين، لا نجد غير أحكام الأستاذ المصراتي المطلقة.. هذه قصيدة من أروع قصائده وبدائع هتافه، وبلاغة أدائه "ص69" وتلك تقارب الثلاثين بيتا فيها وصف لحالة وطنه واعتزازه به "ص74" وأخرى من أطول مانظم"ص76" إلى أن يظل يضع القصائد دون أي تعليق، وينتهي أخيراً الكتاب فلا نجد غير الأسئلة التي تنتظر الإجابة والتي تتضافر جميعاً لتجعل هذا الجهد غير معّرف للغرض الذي كتب من أجله ويصبح أمامنا شيء واحد لابد من التأكيد عليه، وهو أن الأستاذ المصراتي قد أحسن صنعا بجمعه لهذا الديوان وتظل الدراسة ناقصة ومجهضة، وغير مكتملة.


ولكي لايبقى الكلام بلا شواهد، لابد من الإشارة هنا إلى النواقص التي تعاني منها الدراسة بالإضافة إلى ما سلف بيانه... لقد وقفت الدراسة صامتة إزاء الشعراء الذين أثّروا في الشاعر فلم تشر إلى قصائده إلى تشبه قصائد أولئك المؤثرين ولم تتعرض الدراسة أيضا إلتى أسلوب الشاعر وموسيقاه الشعرية.. لم تقارن بينه وبين بعض الأصوات التي ارتفعت في عصره؟ هل كان الشاعر يحفل بأسلوبه أم يلقي الشعر كيفما اتفق؟ هل هناك خصائص مميزة لينفرد بها عن غيره أم أنه مجرد صورة مكرره من غيره؟ هل استفاد الشاعر من حركة التجديد التي طرأت على القصيدة العربية التقليدية؟ ما مدى الابتكار الذي وصل إليه في اختيار المعاني؟ لقد صمتت دراسة الأستاذ المصراتي إزاء ذلك كله، ولأنها صمتت فهي دون أي تجن دراسة ناقصة مبتورة لم تتعرض حتى لوحدة القصيدة من عدمها كما فعلت الدراسات الرائدة.


وبالتالي فهي تجسيد لحقيقة مؤلمة هي أن الكاتب الذي تتلمذ على رواد النهضة في المشرق لم يستطع أن يستفيد من أساليبهم وطرقهم في البحث، وفوّت علينا معشر قرائه فرصة الاستفادة منه على نحو أفضل


 

نشر في صحيفة الاسبوع الثقافي 1972


  ______________________________



أين موقع المصراتي في حياتنا الأدبية

2

أمين مازن

 

لقد سبق لي أن أخذت على المصراتي في دراسته عن الشارف افتقارها إلى أصول البحث ، وإغفالها لأهم ما انتهت إليه المدارس الأدبية التي ازدهرت في المشرق العربي ، وفي القاهرة على وجه الخصوص موطن دراسة الأستاذ المصراتي وتكونه الثقافي والتي كان من أبرز أعلامها الدكتور طه حسين والمرحوم عباس محمود العقاد ، ومن جاء بعدهم من أمثال محمد مندور وأنور المعداوي وغيرهم.


ولقد نشر الأستاذ المصراتي دراسته هذه في أواخر الخمسينيات وهي فترة شهدت فيها الحياة الأدبية ازدهاراً ملحوظاً، حيث تحددت معالم مختلف الأشكال الأدبية من قصة ومقالة وقصيدة شعرية، وكان الانتصار للتجديد واضحاً في تلك الفترة حتى لقد رأينا ثلاثة أسماء هم المصراتي و التليسي والمقهور يشتركون في تقديم أول ديوان شعري جديد هو ديوان الحنين الظامي للشاعر الراحل على الرقيعي.


ومن الواضح أن أول ما يلاحظه قارئ دراسة المصراتي موضوع المقال هو تأثر الكاتب بجدية الحركة الأدبية التي ازدهرت _ كما سبق القول _ في تلك الفترة فترة الخمسينيات، فهو أولاً يقدم ترجمة موسعة عن حياة الأسطى عمر، وهو ثانياً يحاول إبداء العديد من الآراء على عكس مافعل بدراسته عن الشارف، حيث رأيناه يغفل مثل هذه النواحي، نتيجة تأثره بفترة الركود التي سيطرت آنذاك، ومن هنا فإن مناقشة دراسة الأستاذ المصراتي عن الأسطى عمر ينبغي أن تقيَّم في ظل الإطار العام للحركة الأدبية التي عرفتها بلادنا وكذلك التي عرفتها البلاد العربية التي كانت على الدوام مؤثرة في حياتنا الأدبية بالسلب والإيجاب.


ومثل هذه النظرة تساعدنا بلا جدال على عدم الانزلاق في منزلق الأحكام العامة، سواء أدت بنا هذه الأحكام إلى مجاملة الأستاذ المصراتي على حساب الحقيقة، أو الافتئات عليها لحساب الأستاذ المصراتي.


وعندما نعود إلى تلك الفترة التي طبع فيها المصراتي دراسته عن الأسطى عمر سنة 57 تبرز أمامنا عدة دراسات، نسوق منها على سبيل المثال بالنسبة للداخل: دراسة عبد القادر أبو هروس الموسعة عن القصة والتي نشرها في حلقات على جريدة فزان، ودراسته الثانية عن الحكيم والتي نشرها كذلك في نفس الجريدة، وذلك بعد أن ألقاها في محاضرتين ضمن المواسم الثقافية التي نظمت في ذلك الحين، والدراستان تنمان عن جهد ملحوظ بذل من قبل أبو هروس سواء اتفق المرء مع آراء الكاتب أم لم يتفق .. وكانت هناك مقدمة كامل المقهور الموسعة لديوان الرقيعي والتي حوت الكثير من الخطوط المنهجية والآراء النقدية، أياً كان الموقف منها أيضاً، وفضلاً عن ذلك هناك دراسة خليفة التليسي التي نشرها في كتابه المعروف : الشابي وجبران.


أما بالنسبة للأوساط الأدبية العربية فإن الأعداد أكثر من أن تحد، ولكن إن كان لابد من مثل فلنشر إلى دراستي الدكتور إحسان عباس عن الشاعر العراقي عبد الوهاب البياتي وعن الشاعر القديم الشريف الرضي . ودراسة مندور.


وبالرغم من الخلاف الفكري البين الذي يفصل بين هذه الأسماء البارزة هنا وهناك، فإن الرابط الذي يربط بينها جميعاً هو ما تتميز به من استواء في الشخصية الأدبية، وتوفر واضح في الخلفية الثقافية.


وحين يعود المرء إلى دراسة الأستاذ المصراتي عن الأسطى عمر سيلاحظ بجلاء ما تعانيه من قصور أمام هذه النماذج التي ارتفعت في ذلك الحين، ولنأت الآن إلى مناقشة هذه الدراسة كما فصلها الأستاذ فصلاً، فصلاً.


في الفصل الأول من الكتاب، والذي عقده الكاتب لما يمكن تسميته بالسيرة الأدبية، أو كما تقول الدراسات الأكاديمية حياة الشاعر وعصره، نجد أنه بالرغم من التوسع الكلي يقع أحياناً فريسة معلوماته الشخصية، دون أن يقدم مصدراً واحداً يزكي آراءه لدى القارئ، يقول الأستاذ في ص 39 (( يرى إبراهيم الأسطى أن الشاعر الذي لا يشترك في التيارات شاعر أعزل وشاعر أقرع وشاعر أجوف لا يستحق أن يكون مواطناً )).


ولو سألناه من دليل واحد يؤكد به وجود مثل هذه النظرة لدى الأسطى عمر لن نجد سوى أحكامه التي يطلقها بلا حساب، ولو أننا تعمقنا هذه الآراء لما وجدنا غير انعدام الرؤية الواضحة، وإلا كيف غاب عن ذهن الأستاذ أن انعدام الموقف عند الشاعر يعتبر في حد ذاته موقفاً؟ _ ربما كان لأستاذ المصراتي متأثراً في ذلك الحين بالدعوة إلى التجديد، وهو تأثر يدل بدون شك على وطنية الرجل، ولكن بأي مفهوم ثقافي؟ لا شيء غير كلماته العامة: (( لا بد للكاتب أن ينغمس في السياسة وفي التوجيه الوطني وإلا ظل الكاتب طاحونة تدور في الهواء، وإلا ظل الكاتب معلقاً كالذي يمشي على وحل )) . ولو أننا عدنا إلى دراسة المقهور عن الرقيعي والذي شارك المصراتي في تقديمه وجدنا كاتباً يحدد لنا دوافع التجديد وظروفه وأسبابه والمكاسب التي يمكن للحركة الأدبية أن تجنيها من ورائه، ولو قرأنا ما كتبه التليسي في نفس الديوان رأينا مدى النظرة الفاحصة التي تحذر من الانسياق وراء الإعلام.


وحين نمضي مع المصراتي لنفهم خصائص الأسطى عمر ومنها على سبيل المثال ما يمكن تسميته بفكرة المعاودة والتنقيح، عندما خيل إليه أن الأسطى عمر من النوع الذي ينقّح أشعاره وإلا لما كتب شعراً بهذه الجرأة من البداية؟ لانجد لدى الأستاذ أيّة إشارة تعيننا على اكتشاف هذه الحقيقة، وعلى العكس من ذلك مثلاً نجد كاتباً معاصراً للمصراتي ومن جيله في نفس الوقت هو محمد مندور يحدد هذه القضية في دراسته الصغيرة الحجم التي كتبها عن مطران في تلك الفترة بل وألقاها محاضرات سنة 54م عندما استفاد من خلفية محاسبة النفس التي تميز بها مطران ليحولها بالتالي إلى خاصية من خصائصه الفنية، تجعله ومن خلال المقارنة الصارمة أكثر أصالة وأقل عيوباً من شاعر عملاق كأحمد شوقي .. ونفس المأخذ نجده في مسألة الخمر التي اعتقد المصراتي أن لها مكاناً في شعر الأسطى عمر والواقع أن شعر الأسطى عمر لا يدل إطلاقاً على وجود رغبة لدى الشاعر إزاء هذه الشهوة باستثناء ما تشهده الحياة العامة لكل الناس في تلك السنين، ومرة أخرى أجدني مضطراً للعودة إلى دراسة مندور عن مطران لأشير إلى قضية الحب وتأصل فكرة المعاودة لدى مطران بحيث جاء شعر مطران كما يقول الدكتور مندور خالياً من ضمير الأنا في عمومه، وذلك بالرغم من أن الحب مسألة معروفة في حياة مطران، وذلك للمقارنة بين من يحاول قراءة العمل الفني على مهل وكما هو شأن الدكتور وبين من يعول على الاجتهادات كما يفعل الأستاذ المصراتي.


إن هذه الدراسة في الحقيقة تعاني من سيطرة النظرة التعميمية المتعجلة وغير المتعمقة في نصوص الشخصية الأدبية المدروسة والدراسات التي قدمتها الأقلام الرائدة أو المرافقة لها في الريادة، وكلما أمعن المرء في سطورها وضحت أمامه هذه الحقيقة، وأن خير دليل على صحة هذا الحكم الفصل الذي عنونه المصراتي بعنوان الأصالة الفنية، يظهر العجز من البداية حيث يستهله هذا الاستهلال غير الجاد : (( لابد أن نقدم لك هذه الكلمة العابرة قبل أن نقدم لك شعره،ونعرض قصائده لتكون كطبق (السلطة) قبل الطعام الشهي )) . ويضيف: ((شاعر فنان يصور انفعالاته ومدى أحاسيسه في قصائد وأحاسيس من أروع الشعر المعاصر.. شاعر لديه الأصلة الفنية فلم يغلف شعره في براقش المجازات البعيدة أو شطحات الخيال المتكلف)) . وينتهي إلى القول عن الشعراء الذين لا يرضى عنهم: (( هذا النوع – عفاك الله – من شعراء جاء شعرهم لا هو طاووس يمشي ولا بلبل يحلق )).


ولا شك أن المصراتي بهذه النصوص لا يقدم لقارئه أي زاد . على أن هذه المآخذ تعمق أكثر فأكثر حين يقف المصراتي أمام نماذج الأسطى عمر الشعرية ليبين مدى تأثرها بالنماذج الشعرية كقصيدة الشاعر (سر الحياة) .


فعلى الرغم من أن الأستاذ المصراتي قد سجل على الأسطى عمر تأثره بإيليا أبو ماضي من حيث الصياغة، إلا أن منطلق الإعجاب مالبث أن أودى به إلى الاعتقاد بان في القصيدة تأثراً بالمعري، ولو تمهل الأستاذ قليلاً لابد أن يقول أن هذه القصيدة لا تعدو أن تكون تقليداً ساذجاً لقصيدة ( لست أدري ) وأنها أقل منها موسيقى ومعنى و معاناة، بل ولا مكنهُ أن يُقارن بينها وبين قصيدة رفيق الموجهة إلى دانويو وبين مدى ضعف الأسطى عمر أمام رفيق، ولو أنه تمهل أيضاً لكان في مكنته أن يكشف ما في قصيدة أسرار الجمال من بوادر طيبة، وما في قصيدة الأسطى عمر عن الكتاب من تقريرية، ومن العيوب الظاهرة في هذه الدراسة افتقارها إلى التنسيق وخضوعها للتدخل والاستطرادات، وخلوها من التعرض للناحية الفنية على الإطلاق.


وعندما نلقي نظرة سريعة على الدراسات التي سبق أن ألمحت إليها في بداية هذا المقال نجد فوارق كبيرة بينها وبين دراسة الأستاذ المصراتي التي يفترض فيها أن تصل إلى أعلى مستوى . . وحسبنا أن نشير هنا إلى موضوع المؤثرات الأدبية: عن المؤثرات الأدبية يفصل الدكتور إحسان عباس تأثير إليوت في البياتي في كتابه سالف الذكر تفصيلاً لا مكان فيه للغموض، وعن تأثر الشريف الرضي بالمتنبي يقول في نفس الكتاب إن الشريف أقل فحولة من المتنبي بالرغم من إعزازه أي إحسان عباس للرضي .. وفي ذات المدة يخرج خليفة التليسي بوجهة نظره الصارمة التي تنسب الشابي إلى مدرسة جبران وتبين من خلال المقارنة وبرغم إعجاب الكاتب بالشابي إن جبران هو الأب الروحي لهذا الشاعر العظيم.. أما دراسة الأستاذ المصراتي فإنها تكتفي بالقول إن الأسطى عمر تأثر بأبي العلاء المعري وذلك دون أن تعلمنا هل انفصل الأسطى عن المعري أم لم ينفصل بل دون أن تعلمنا مدى هذا التأثر.. كل ما تقدمه هذه الدراسة الرائدة هو الانطلاقات والكلمات السريعة.


ولعل هذا الاستعراض أن يكون كفيلاً بتوضيح أن دراسة الأستاذ المصراتي عن الشارف ليست هي الوحيدة التي تنال من موقعه في الدراسة الأدبية، بل إن دراسته عن الأسطى عمر، تندرج هي الأخرى ضمن هذه المقولة، ولا شك أن عيب الأستاذ هو انطلاقه من منطلق الإعجاب وتأكيد مبدأ الوجود الأدبي للشعراء الليبيين حتى ولو لم تكن النصوص في مستوى الأحكام.


لقد كانت نظرة الأستاذ المصراتي نظرة تجزيئية مجردة، ومن هنا لم يتطرق إلى حركة التجديد التي عرفتها الحياة الأدبية في العالم العربي، ليدرس الأسطى عمر في ضوء هذه الحركة، كان من الأولى أن يركز على أن الأسطى عمر ظهر في أواخر الاستعمار الإيطالي وفي ظروف لم تكن فيها الحياة الأدبية موجودة، ولقد فاته في هذا الخصوص أن يلاحظ أنه بالرغم من العقبات التي توضع أمام المثقفين سواء بين بلدان العالم العربي أو بين العالم العربي والعالم أجمع، فإن الثقافة أقدر من أي شيء آخر على تجاوز هذه الأسلاك والوصول إلى من تشاء الوصول إليه، هذا فضلاً عن أن الأسطى عمر تفتّح على الحياة الأدبية في مصر، وبالتحديد عندما كانت جماعة أبوللو تحتل الصدارة وعندما كانت الأمة العربية كجزء في العالم تعيش فترة قلق صعبة، وكان حرياً بالأستاذ وهو يدرس هذه الشخصية الأدبية أن يتعرض لجميع هذه الحركات التجديدية التي ازدهرت في عصر الأسطى عمر ليبين بعد ذلك ما إذا كان الأسطى عمر يعتبر رائداً من روادها أو لا يعتبر.


إن المرء عندما يفرغ من قراءة الدراسات الرائدة التي عرفتها المكتبة الليبية أو حتى تلك التي لم تصدر في كتب – كما سبق أن أوضحت – يخرج بذخيرة هائلة من المعرفة، ويخرج كذلك برؤية واضحة إزاء الشخصية المدروسة من حيث قوة الأسلوب، ومن حيث الانتماء الفكري، ومن حيث تطور فنون الأدب ومدى استفادة الشخصية المدروسة بالسلب وإعجاب.


ولكنه عندما يفرغ من قراءة دراسة الأستاذ المصراتي يزداد حيرة على حيرته: هل كان الأسطى عمر شاعراً رومانسياً مثلاً ؟ هل كان شاعراً واقعياً ؟ هل هو من جماعة أبوللو ؟ أم نباتاً شيطانياً لا علاقة له بهذه القضايا جميعاً ؟ ثم أين الكاتب من هذه القضايا جميعاً ؟ .


ولست بذلك أريد أن أفرض على الأستاذ المصراتي طريقة معينة أو أقفل أمامه باب الاجتهاد، فما أكثر الكتاب الذين تمردوا على هذه الطرق والخطوط، ولكنهم في تمرّدهم هذا استطاعوا أن يحققوا شيئاً ما، لعلنا نرفض هذا الشيء ولعلنا نقبل بعضه ونرفض بعضه الآخر، إلا أن مبدأ الوجود الفكري تأكد، ولكن الأستاذ المصراتي خرج من هذه الدائرة تماما . إن دراساته الأدبية بل وحتى غير الأدبية تعاني من سيطرة الروح الخطابية، وتعامله مع الأفكار يتم على أساس التداعي المحض بحيث لا يلمس قارئ دراساته وجود خطة محددة المعالم سواء وافقه أم لم يوافقه.


وسنرى في مقال قادم كيف أثرت هذه النظرة بدراسات أخرى للأستاذ المصراتي سواء وهو يدرس التاريخ كما فعل في دراسته عن غومة المحمودي، أو يدرس الأدب الشعبي كما هو الحال في دراسته المجتمع الليبي من خلال أمثاله.


ولعل هذه الدراسات أن تكون مواضيع لمناقشاتنا القادمة لهذا الكاتب الرائد.

 

نشر في صحيفة الاسبوع الثقافي 1972


 ______________________________

أين موقع المصراتي في حياتنا الأدبية

3

أمين مازن

 

رأينا في المقالين السابقين من هذه الدراسة التي أردنا لها أن تضطلع بمسؤلية تتبع مسيرة الأستاذ المصراتي في حركتنا الأدبية، بهدف تحديد دوره في هذه الحركة وتبيان موقفه منه وذلك من خلال الأمثلة التي ارتفعت في عالمنا العربي، أو تلك التي استفادت منها.


ولقد وصلنا في تلك الدراسات إلى التقرير بأن الأستاذ المصراتي لم يستفد من الدراسات الرائدة التي قدمتها أقلام طه حسين وعباس العقاد ومحمد مندور، وغيرهم عند دراسته للشارف، بل لقد انتهينا إلى نقطة أكثر وضوحاً عند حديثنا عن دراسة الأستاذ المصراتي عن إبراهيم الأسطى عمر خلاصتها أن المصراتي لم يؤثر في تطور الدراسة الأدبية في بلادنا، ولم يجار المستوى الناضج الذي برز في كتاب جيل الطليعة.


ومن الواضح أننا نحتاج إلى المزيد من الأدلة والمزيد من المناقشة لدراسات الأستاذ المصراتي، بحيث نعطى لهذا الرأي صحته، ونلتمس له مسبباته.


ومن هنا كان لابد أن نتعرض إلى جانب آخر من جوانب دراسات الأستاذ المصراتي، وكان من الضروري مناقشة دراسة الأستاذ المصراتي في مجال الأدب الشعبي.


ومن هنا كان لابد أن نتعرض إلى جانب آخر من جوانب دراسات الأستاذ المصراتي في مجال الأدب الشعبي.


والحقيقة أن مناقشة الأستاذ المصراتي في مجال الأدب الشعبي، ليست بالقضية اليسيرة أو تلك التي لا تستحق الوقوف كما قد يقول البعض، وذلك لأن الأستاذ المصراتي سبق له أن منح الجائزة الأولى في مجال الأدب الشعبي أثناء المسابقة الأدبية التي نظمتها اللجنة العليا لرعاية الفنون والآداب سنة 65، ولأن الأستاذ يقرر في مقدمة كتابه هذا بأنه يلقى بالمفاتيح أمام الآخرين.


ومن جهة أخرى لأن الأدب الشعبي يعتبر من أهم ألوان التعبير التي اهتم بها الدارسون، وهو بالنسبة لثقافتنا العربية يعتبر من أكثر ألوان الأدب تعبيراً عن هموم الناس، حتى لقد رأينا مؤسس علم الاجتماع العلامة ابن خلدون يخصه بوافر عنايته.


وما من شك في أن الأدب الشعبي في بلادنا كان ولا يزال الوعاء الأمين الذي حفظ تاريخنا الوطني، وعبر عن شخصيتنا المميزة وأن كل نظرة إلى المأثورات الشعبية والأهازيج وأغاني الأفراح وأغاني الحصاد لتعطى الدليل القوى على أهمية هذا الأدب، وخصوبته وجدارته بالدراسة والبحث.


ونحن لا نستطيع أن نناقش دراسة الأستاذ المصراتي عن هذا الفن الرائع إلا بالتعرض للدراسات التي عرفتها المكتبة العربية عن هذا الفن العظيم، لنرى بعد ذلك هل استفاد الأستاذ أم لم يستفيد من محاولات السابقين ؟ .


وفي تصوري أن أبرز مثال ارتفع في ميدان دراسة الفنون الشعبية، هو الأستاذ أحمد رشدي صالح وذلك من خلال دراسته الجادة التي عرفتها المكتبة العربية قبل سبعة عشر سنة خلت أي قبل صدور كتاب المصراتي بسبع سنوات،وأعني به كتاب ( فنون الأدب الشعبي ).


و لست أريد هنا أن أكرر آراء الأستاذ رشدي صالح ولكن الذي أحب أن أقف عنده تلك الطريقة الرائدة التي اتبعها ذلك الأستاذ العميق النظرة، الغزير المعرفة.


لقد مهد لنا أولا ًبتعريف واسع للأسماء التي اهتمت بالفن الشعبي عربية كانت أم أجنبية مبيناً هويتهم الفكرية ومنطلقاتهم الفلسفية، مشيراً إلى الأخطاء التي وقع فيها بعضهم والنجاحات التي تهيأت لبعضهم الآخر، ومن ثم أخذ يدرس فنون الأدب الشعبي في وادي النيل مقسماً بحثه إلى أقسام مختلفة، ثم مستعرضاً النصوص التي تركها الشعراء الشعبيون من مواويل وأغاني وغيرها.


وهكذا يستطيع قارئ دراسة الأستاذ رشدي صالح أن يكون فكرة ممتازة عن فنون الأدب الشعبي في وادي النيل، وصولاً إلى فلسفة هذا الأدب والمناحي التي طرقها الأدباء الشعبيون عبر مسيرة الإنسان في تلك الأرض وما كابده من صنوف العذاب والتخلف منذ عهود قديمة موغلة في القدم، تماماً مثلما تتضح أمامه رؤية الأستاذ رشدي صالح التي تكونت – كما يرويها لنا الفصل الأول – عبر معاناة عميقة ودراسة موسعة للمصادر التي عرفها تاريخ الأدب الشعبي، بحيث تظافرت جميعها على تكوين شخصيته الأدبية التي تفهم عن نظرة مستقلة وثقافة لا تعرف الأحكام المسبقة على الإطلاق.


ولنا بعد هذا العرض السريع أن نسأل:


كيف درس الأستاذ المصراتي أدبنا الشعبي في كتابه هذا ؟


إذا ألقينا نظرة على المقدمة الموجزة ظهرت أمامنا أشياء كثيرة، أولها أن الأستاذ المصراتي بدأ يستشعر المآخذ التي سجلت عليه وفي مقدمتها السرعة التي تطبع كتاباته:


(( وقد يلوم عليّ بعض الناس السرعة في الكتابة، ولكن يا سيدي ماذا أصنع وكيف المخرج، والدراسات متزاحمة كل منها يريد أن يقفز إلى الورق ويخرج للقارئ، وأرى أن إعطاء المفاتيح وطرق الأبواب وتسليط الأضواء خير من التلكؤ والتباطؤ)).


ويضيف: (( هنا أستعرض جانباً من أمثال الشعب، وحياة الشعب، وسيكولوجية الشعب على طريقة العرض وإلقاء النظرة )).


إنه إذن يقرر بأنه يعطى المفاتيح لنا معشر قرائه ويؤمن بأنه يقدم شيئاً عن نفسية الشعب، فهل يعزز كتابه ما سبق أن قال به؟ .


لنمض قليلاً مع الفصل الذي أطلق عليه الأستاذ كلمة تمهيد، وتحت عنوان على مسرح الأحداث، وانطباعنا أن الأستاذ قد عجز عن تحديد هدفه من الدراسة، ففيما نراه يشيد بالأدب الشعبي ، نلتقي به بعد ذلك يخشى أن يكون في عداد الذين يدعون إلى الكتابة بالعامية لأنها – كما يقول – مؤامرة استعمارية، وفي هذا القول ما فيه من التناقض بالنسبة للأستاذ الذي نراه بعد ذلك يقول بالحرف الواحد:


(( للأدب الشعبي مجالاته وميادينه كالأدب الفصيح، الأدب العربي المكتوب.. لغة الكتابة قد لا تصور في صراحة وجرأة ما تصوره كلمة عابرة في مثل سائر، أو ما تحكيه قصة ساذجة أو ما يكن عنه معنى فطرى )).


ذلك أنه إذا كان الأدب الشعبي بهذا المستوى الذي عبر عنه بالجمل الأولى، فلماذا ينعت الذين نادوا بالكتابة العامية بأنهم عملاء للاستعمار ؟ ثم متى كانت السذاجة والمثل السائر في مستوى التفكير العميق لولا أن الأستاذ يلقى بكلماته عرض الحائط وطوع الحماس.


ومن عجب أن الأستاذ المصراتي يقع في نفس الخطأ الذي أخذه على غيره من الباحثين حين يقول: (( لا يفوتنا أن نذكر أن القدامى من الأدباء والكتاب لم يهملوا أمثال العامة في عصرهم . . صنعوا شيئاً من هذا دون دراسة وبحث ومحاولة للتحليل وهو جهد مشكور، وهى لفتة قيمة )) . ويذكر في هذا الصدد الميداني والأصفهاني وغيرهما ، ثم يأخذ عليهم انعدام التدقيق والتحقيق والمعيار .


إن هذا المأخذ الذي يأخذه الأستاذ المصراتي على القدامى هو ذاته الذي نأخذه عليه والذي يطل علينا منذ الفصل الأول من الكتاب ( عبارات ومصطلحات من أدب المجتمع ) حيث نجده يستعرض الكثير من العبارات التي لا علاقة لها بأمثال المجتمع موضوع كتاب المصراتي . لقد ظل على مدى مائتي صفحة من الكتاب يلقى بالأحكام العامة والجمل الحماسية، ومن ثم لم يستطع أن يتتبع مسيرة المثل الشعبي، لقد وقف أمام الأمثال شارحاً تارة غير متقصٍّ لها تارة أخرى.


أين هي فلسفة المثل الشعبي ؟ أين هو ارتباطه بالمجتمع الليبي ؟ ما مدى تأثير سنوات النضال على مسيرة المثل ؟ كيف انعكست فترات التسلط التركي و الاستعمار الإيطالي على الأمثال الشعبية ؟ .


ولو حاول الأستاذ المصراتي أن يستفيد من منهج الأستاذ رشدي صالح الذي سبق أن تعرضت له ، وطبق طريقته في البحث لاستطاع أن يحقق نصيباً وافراً من النجاح، كأن يكتشف الجسور التي تربط المثل الشعبي في بلادنا ببقية الأقطار العربية وأن يسبر أغوار النفوس الصادقة التي ظلت تصارع وتعيش فوق هذه الأرض الكريمة المعطاءة.


لقد انتبه إلى هذه الطريقة محمد إبراهيم أبو سنة في كتابه ( فلسفة المثل الشعبي ) فاستطاع في كتابه الصغير الذي صدر سنوات أن يدرس فلسفة المثل الشعبي والقيم التي يزخر بها، فأرجع النزعة الفردية إلى ظروفها ومسبباتها، والنزعة الجماعية إلى شروطها و أوضاعها، فلم يتورط في الأحكام العامة، ولم يلجأ إلى أساليب الوعظ وعبارات الخطابة، وإنما راح يدرس من خلال التطور العمراني، والواقع الاقتصادي وتغير أساليب الإنتاج، ورغم أن صفحات الكتاب لا تزيد عن مائة وأربعين صفحة من الحجم الصغير، باعتباره صادراً من ( سلسلة الجيب ) إلا أن قارئه يستطيع أن يخرج بزاد واسع من المعرفة الصادرة عن وجهة نظر تكونت من خلال الدراسة الواسعة والثقافة العميقة، لنقرأ له وهو يناقش موضوع الصبر:


(( والحقيقة الواعية لا تبيح لنا أن نقول في صراحة مطلقة أن الصبر والتسامح كانا سلاحين من أسلحة المقاومة على طول التاريخ، ولا يبيح لنا نفس المنطق أن نعتبرها هروباً مطلقاً من الواقع وتعبيراً عن العجز عن مواجهته، فكلا الموقفين سيبدو متكلفاً ومنفعلاً إذا أردنا الانطلاق أن يحيط بهما، فنحن نميل إلى الإيمان بأصالة الروح الثورة المتحفزة دائماً على التمرد والانطلاق . ووجود المقاومة ثابتة كحقيقة جبرية كما ذكرت سلفاً ولكننا لا نغفل أن أثواباً ثقافية معينة كانت تصافح بوعي الذين تؤذيهم المقاومة، وتلحق بهم الضرر، وكانت تفرض بطرق مؤثرة على الوعي الشعبي في فترات كثيرة من مراحل التاريخ، وفي ضوء هذين الاعتبارين اعتبار الأصالة الثورية داخل القواعد الشعبية وعنف السيطرة الرجعية نستطيع أن نقف باعتدال أمام فلسفة الصبر والتسامح كنوع من المقاومة الشعبية )).


ذلك مقطع مما كتبه محمد إبراهيم أبو سنة، وهو مقطع يدل كما نرى على مدى التفكير الذي أعمله هذا الكاتب وهو يدرس المثل الشعبي منطلقاً من فكرة أبعد. ولكي لا يتبادر إلى ذهن أحد أننا نرمي إلى فرض وجهة نظر معينة على الأستاذ المصراتي أو نريد أن نلزمه بمنهج في الدراسة، أحب أن أشير هنا إلى دراسة أخرى صدرت للكاتب التونسي البشير الزديبي بعنوان ( التربية التونسية والأمثال الشعبية ). وهو كاتب يختلف عن مدرسة محمد إبراهيم أبو سنة ومع ذلك استطاع أن يقدم في دراسته هذه الكثير من المثل الشعبي التونسي.


لقد أفلح في تقديم ملامح الشخصية التونسية من خلال المثل الشعبي ذلك بعد أن تسلح لها بالاطلاع الواسع فأمكنه أن يمهد بنظرة عامة حول تطور الدراسات التي عنيت بهذا النوع من التعبير الإنساني، ومن ثم أخذ يدرس مواضيع المثل الشعبي.


إن هذه الدراسة التي كتبها الأستاذ المصراتي عن الأمثال الشعبية هي – بلا تجنٍّ – دراسة ناقصة وغير محددة الخطوط، فلم تكن قاموساً للأمثال ، ولم تكن تحليلاً لفلسفة المثل ولا تضيف إلى رصيد الأستاذ المصراتي في مجال الدراسة الأدبية أي زاد.


 


ولا شك أن الأستاذ المصراتي قد جنيَ على نفسه وعلى قرائه بها، ولقد ضاعف من ذلك عدم متابعته لكتابه الذي سبق أن نال عنه الجائزة سنة 65 ولم يطبع حتى الآن، إذا لو سعى إلى طبعه لأمكنه أن يعطى الفرصة لنا معشر قرائه أن نتعلم منه أكثر فأكثر، ونناقش إنتاجه على نحو أكثر تفصيلاً.


أما وأنه اكتفى بكتابه هذا فليس أمامنا إلا مناقشته بالطريقة التي أتاحها لنا، تاركين أمر دراسته الثانية إلى حين صدورها إن كتب الله لها الصدور.

 

المراجع:


* خليل مطران، تأليف الدكتور محمد مندور.


* الحنين الظامي، مقدمة كامل المقهور.


* الحنين الظامي، مقدمة خليفة التليسي.


* عبد الوهاب البياتي والشعر العراقي الحديث، الدكتور إحسان عباس.


* الشريف الرضي، الدكتور إحسان عباس


* الشابي وجبران، خليفة التليسي.


* مجلد جريدة فزان سنة 58 م .


 

نشر في صحيفة الاسبوع الثقافي 1972


 


_________________________________



موقع الكاتب والاديب : أمين مازن

  www.aminmazen.com © 2019 - 2008

طرابلس - ليبيا

Tel 0913245901