شؤون ليبية 2014

لندع القاطرة تتحرك بدون رصاص


امين مازن

8-8-2014

لم يعبأ المجلس النيابي المنتخب لجملة المعوقات التي اريد لها ان تحول دونه و دون المهمة التي انتخب من اجلها واعلنت نتائجها المفوضية المستقلة التي اشرفت عليها ، فتنادت الاغلبية الساحقة من الاعضاء للمشاركة في الجلسة الافتتاحية التي حضرها النائب الاول للمؤتمر الوطني العام .. " منتهي المدة " ورئيس ديوان المؤتمر المذكور باعتباره المفوض من رئيس المؤتمر الوطني لدعوة المجلس وتآمين المكان الذي يؤمن الاجتماع ، وترأس الجلسة اكبر الاعضاء سنا وقررها اصغرهم و من ثم انتخب الرئيس ونائبا ، في اقتراع شفاف ومنافسة شريفة ونتيجة رضى بها الذين شاركوا في العملية الانتخابية جميعا وفي جو من المباركة الدولية التي عبرت عنها اهم الدول الكبرى المنشغلة بليبيا و المشاركة لها في معاركها المريرة منذ السابع عشر من فبراير 2011 ، الى جانب المنظمة الدولية و الجامعة العربية و الاتحاد الافريقي و المؤتمر الاسلامي ، كما مثلت الحكومة في شخص السيد وزير العدل لتزامن الاجتماع مع القمة الافريقية الامريكية التي مثل فيها البلاد السيد عبدالله الثني رئيس الوزراء المكلف وكان لزاما ان يتوجه الى الولايات المتحدة الامريكية

ولما كان المجلس الموقر قد برهن في تحركه عن الاستفتا المطمئن في تحديد الاولويات ، عندما انصرف اول ما انصرف الى موضوع الصلاحيات بحيث عدل في الاعلان الدستوري ما يمكنه من ممارسة مسئولياته السيادية وتفويض ما قد توجب المصلحة العامة تفويضه الى الحكومة و رئيسها تحديدا ، دون ان يربط المسألة برئيس موجود او اخر قد يآتي ، ومن ثم قرار الزام الاطراف المتقاتلة بوقف اطلاق النار في غضون ثمانية واربعين ساعة وان يكون ذلك تحت اشراف الامم المتحدة وهو قرار غاية في الاهمية والذكاء، فقد ظلت المنظمة الدولية مصرة على حصر مهمتها في البلاد بالمشورة ليس غير ، والحجة المعلنة ان الحق في عدم التدخل في شئون ليبيا الداخلية ، اما المحصلة من الموقف المذكور فقد كان لاطالة فترة التوتر وتمكين الوى الرامية الى تعطيل قيام الدولة ، ولهذا فان دعوة المنظمة المذكورة كي تشارك في تنفيذ القرار المذكور يمثل بدون شك خطوة في منتهى الوعي واستشعار المسؤولية و تقدير الموقف الحقيقي لواقع البلاد ، اذ بدون مراقبين دوليين و بدون امكانيات متعددة الاغراض لا يمكن مطلقا ان يتوقف اطلاق النار و لا يمكن كذلك معرفة اي الاطراف ايضا لا في الاضرار بالمدنيين وبالمنشآت العامة ، والخامات التي من شانها الاضرار بعموم الناس ..

ان اهمية هذا القرار تكمن في صدوره بعد اعلان الاطراف الدولية كافة على عدم الاعتراف بان جسم غير هذا المجلس النيابي المنتخب ، و في تزامنه مع الاجتماع الذي عقد في امريكا و فيه الكثير عن الحالة الليبية ، ومشاركة رئيس الوزراء المكلف في جلساته ومقابلة اكثر من مسئول رفيع المستوى على هامشه ممن حضروا الاجتماع . مما يعني ان المجلس سيباشر مهمته ويكون امامه الكثير مما ينصح به المجتمع الدولي و ما قد يطلبه او ينصح به للخروج من الازمة الخانقة .

وعسى ان تكون هذه التطورت محفزة لبقية اعضاء المجلس الموقر وغيرهم من الشركاء كي يرتفعوا الى مستوى المسئولية وان يغلبوا حاجة البلاد الملحة الى الامن و الاستقرار ، وكذلك المحيط الجغرافي فيتركوا للعجلة كي تدور الى الخروج من النفق المظلم .

لقد تاجر بالبلاد وتآمر من تآمر وتدخل من تدخل ، ومضت ثلاث سنوات كاملة عقب سقوط النظام ، ومازالت الامور حيث هي ، فلا المهجرون رجعوا الى اوطانهم لا فارق بين الداخل والخارج ، و لا الذين ادخلوا السجون جرت محاكمتهم ، وغدت هذه المشاكل مجتمعة تمثل مادة خام لكل من لديه حسابات معلقة او ثارات قديمة او حديثة .

وغدا الحديث عن الماضي و اهواله لا يحظى باي اهتمام و لم تعد هناك من مشكلة مثل مشكلة هذه الالاف من الكبار والصغار الذين يمتشقون السلاح ويستهلكون هذه الميزانية الضخمة من المليارات كرواتب كبيرة وركوبات فارهة واراض سكنية خصصت في كل مكان ، ولم يكن هناك من مطلب لليبيين جميعا مثل تصفيتهم والاستعانة عليهم باي حليف .

لقد قبل اهلنا قبل ستين سنة مضت اول برلمان شاب انتخابه الكثير من الشك ، حرصا على الاستقلال الوليد ، وصبروا ثمان سنوات حتى تمكنوا من انتخاب المجلس الذي يريدون ، فهل لنا ان نغض النظر فقط عن بعض الشكليات ان ثبت الطعن فيها وامكن للقضاء ان يقول ما يراه حولها .. وندع القاطرة تتحرك بدون رصاث ؟ املنا كبير وما هو بالمستحيل .إنتهى


_______________________________

اليكم معشر النواب


امين مازن

4-8-2014

سواء اعتبرنا اقدام السيد ابوبكر بعيرة على دعوة المجلس النيابي المنتخب يمكن ان تدخل في اختصاصه كرئيس للسن ، ام ان هذه المهمه لا يجوز لمن تثبت المراجعه انها من اختصاصه فعلا الا عند افتتاح الجلسة ، بمعنى ان المكان و الزمان من مشمولات غيره ، فان الذي لا شك فيه ان توجه اكثر من مائة وستين نائبا الى مدينة طبرق لحضور الجلسة التاريخية للمجلس الجديد ، يعني انه ليس امام رئيس المؤتمر الوطني المنتهي الصلاحية الا ان يحزم امره ويتوجه الى حيث توفر النصاب ، وينحى منحى رئيس الوزراء المكلف وكذا الاطراف الدولية التي شرعت في التوجه الى هناك ، فمثل هذا الصنيع يمكن لرئيس المؤتمر ان يخفف مما نسب القوى المسيطرة على المؤتمر غير المأسوف عليه من تعويق المسيرة او ان يعتذر ويترك المهمة للنائب الاول السيد عزالدين العوامي الذي سبق ان ترأس الجلسة التي طرحت فيها حكومة السيد احمد معيتيق .. واضطر العوامي لرفع الجلسة المشار اليها جراء ما سادها من الهرج والمرج ، ولم تفلح محاولات اللفلفة التي حاول البعض القيام بها اعتمادا على وجود النائب الثاني صالح المخزوم ، الامر الذي ترتب عليه ان اعتدت المحكمة العليا بصحته وقضت ببطلان الاجراءات الرامية الى تحرير حكومة معيتيق ..

ان وجود هذه الاغلبية الساحقة في مدينه طبرق بعد كل هذه التجاذبات التي رافقت العملية الانتخابية من تخطيطات لا تخلو من مكر وترتيبات لم يخف الهدف المؤمل منها بضمان اغلبيه معينه في المجلس الجديد ومسارعتهم جميعا بالتوجه الى طبرق الخالده و وسط هذه الظروف الصعبة لا يعني سوى استشعار المسئولية الجسيمة و الظروف الخطيره ، بحيث لا يوجد الان شيء اكثر الحاحا من استكمال الاجراءات المتعلقة بقسم اليمين الدستورية من الاعضاء كافة ثم انتخاب رئيس المجلسومن معه من هيئة المكتب ليتم الانصراف مباشرة الى بحث الاوضاع التي تمر بها البلاد . وهي اوضاع لا يمكن الانطلاق اليها من الدخول في موضوع تشكيل الحكومه الجديدة او النظر في بعض المواقع السيادية كما يلوح الكثير من ذوي المطامح و الانظار المنصرفة الى الحنطور وانما ينبغي الانصراف اليها من الموجود و على ضوء المعلومات المتوفره لدى رئيس الوزراء المكلف من الاطراف الدولية و المؤثرة و التي تعول كثيرا على وجود مجلس منتخب يحق له ان يعدل التشريعات التي ينبغي ان تعدل و تبرم الاتفاقات التي يجب ان تبرم .

فليبيا اليوم وكما سبق وقلنا تعود الى حيث بدأت قبل ستين سنة ونيف ، الا ان هذه العودة لا تأتي اليوم و البلاد لا تملك مرتبات موظفيها ، ويساومها اكثر من طرف على احتياجاتها و لاسيما الاطراف الشقيقة ، ولكنها العودة التي يثقل كاهلها الاحتكام للسلاح ، و يندرها بالخطر الماحق اختلال الامن ويهدد وجودها شبح التسويات الكبرى و التخريط الدولي المخيف .

ليبيا التي نزح اكثر من ثلث سكانها خارج الحدود وصاروا يشكلون مشكلة دولية و تتحمل خزينتها من الرواتب و الدعم ما يتجاوز نسبة الثلاثة ارباع من الداخل و غير المؤمن ازاء ما يجري من صراع .

ليبيا هذه اذن وهي ترحب بنوابها المنتخبين ، ليست في حاجة لشيء اكثر من ان تصمت المدافع وتطفأ النيران و تختفي مظاهر التسلح من الافراد و الجماعات ، و لا تبقى سوى الشرطة التي يقودها من يقود وكذا الجيش الواحد و التقليدي تحديدا .. فلقد جربنا اربعة عقود مع الحكم الشمولي وثلاثة سنوات مع سلطة السلاح التي فرضت من القوانين ما شاءت وحققت من المكاسب ما حققت وحلمت بان تؤجل قيام الدولة الى الابد لتضفر بما لاعين رأت و لا اذن سمعت ولا خطر ببال الانسان !

فاحذروا معشر النواب من الانزلاق نحو اي شأن من الشئون اكثر من استعادة الامن وانهاء المظاهر المسلحة على كل الصعد و الاستعانة بالطرف الدولي القادر والدخول معه في مفاوضات جادة نحدد فيها مطالبنا ويحدد هو الاخر مطالبه .

فانتم تمثلون السلطه الشرعيه في البلاد وهذا الطرف يقيم وزنا كبيرا لهذه المسأله ، فخدوا من حكومتكم ما توفر من الخبرة ، واحتكموا الى المبدأ القائل بان مهمة المجلس الموقر هي التشريع وان التنفيذ من مشمولات الحكومة ، وان الخبرة المتوفرة و المعلومات المدققه تقتضي التريث وعدم الاستعجال بالقفز الى التغيير و التغيير الغير المدروس بل و المنذر بالتشردم و الصراع و ما يسعى الكثيرون الى تصديره اليكم .

لقد نصحنا عشية قيام المؤتمر الوطني من استنساخ المجلس الانتقالي ، وننصح اليوم بالحذر من استنساخ المؤتمر الوطني .

و ليهدنا الله جميعا ويمنن علينا بتوفيق منه .إنتهى


_____________________________

وحدنا نفتح باب التدخل الاجنبي او نحكم اغلاقه


امين مازن

26-7-2014

يواصل جنود فضائياتنا الليبية ، من الرسمية و وطنية حرة و ما اليها من التسميات المتناسلة ضمن غنائم السابع عشر من فبراير وما اتاحه من وافر فرص الكسب المادي و المعنوي ، نشاطهم التلفزي الممنهج ، حول خطر التدخل الاجنبي في الشآن الداخلي الليبي ، و المترتب حسب زعمهم عل فشل الحكومات التي ادارت شئون البلاد و بالذات عقب العملية الانتخابية الخاصة بالمؤتمر الوطني المكلف حسب الاعلان الدستوري وخريطة الطريق المقدمة للمجتمع الدولي و الظفر باعتراف لانجاز دستور البلاد و المضي نحو السلطة الشرعية الدائمة ، لو لا ان شطارة بعض اعضاءه فقد جعلت منه اداة تنفيذية ، لم تدخر جهدا في تغيير البنى الاقتصادية و الاجتماعية الليبية بالكامل ، وممارسة الانحياز السياسي الواضح في مختلف انحاء المحيط الاقليمي و الدولي بما في ذلك الانفاق المالي الذي لم يسلم الى الخزانات العامة للدول المعنية وانما يذهب الى اشقاء الايديلوجيا مباشرة فيوسعون به دوائر نفوذهم و لا يدون شيء في الوثائق الرسمية التي ينبغي ان تحفظ من اجل التاريخ .. فليبيا حسب هذا الفهم لا تساوي شيئا امام الالتزام الاكبر ، و الاصرار على حكمها وتوظيف كل امكانياتها لدول المحيط تعني الهدف الاستراتيجي الذي ترخص امامه كل الاثمان . ولو كانت هذه الحرب التي تدور رحاها وليس لبعض المصرين عليها من مردود سوى المزيد من التخريب و المزيد من الترهيب مما جعل البلاد بكل الاسف لا تحتاج لشيء اكثر من حاجتها الى ائتلاف هذه الترسانه العسكرية و الغاء ستين عاما من تاريخها لاعادة بناء دولتها تحت اشراف المجتمع المدني ومشورة مندوب مثل ادريان بلت .. لا طارق متري الذي يشكك الكثيرون في سلامة موقفه وانعدام حياده ، ومنهم من يذهب الى الجزم بانحيازه و وجود شيء من حساباته .

نعم لقد بات واضحا ان مشكلتنا معشر الليبيين وبالاحرى معضلتنا تتجسد في هذه الترسانة العسكرية التي تحولت بسببها البلاد الى شيع وجماعات ، ان تكن بعضها اقرب الى الصالح الوطني ، فلا شك ان بعضها الاخر و الاكثر سوءً بدون شك هو ذلك الذي يعمل لحسابه الخاص ، مع التفنن في احكام القناع اذ لم يكن لهذا النوع من حملة السلاح اكثر من الاصرار على عدم قيام الدولة ، انطلاقا من حقيقة ان هذه الوضعية تمثل الخيار الافضل لاستمرار المتاجرة في كل شيئ .. لا فرق ان تكون على هيئة تهريب للممنوع من السلع والبشر ، وان تكون الوجهة شطر الوطن او غيره من بلاد الله الواسعة . فليبيا بهذه الحالة شر مطلق على الداخل و الخارج و السلاح هو العدو القاتل .

ان من خلال تهديده للامن وتسخيره لتحقيق اي صعب او بترويج هذه الثقافة الجنائية التي لن يكون لها من مردود سوى غرس الجريمة في عقول الناشئة لتتعود على ممارسة القتل من اقصر الطرق و اوهى الاسباب . اما اذا وضعنا في الاعتبار ما يتبرع به من يفترض ان يكونوا اكثر تعقلا واخلص نصحا ، من فتاوي تعتبر الموت للبعض شهادة جزاء صاحبها الجنة ، وهي للبعض الاخر جزاء وفاقا باعتباره من الفئة الباغية فان كل جهد لاختفاء هذه الكميات المحصوله من السلاح ليس فقط من الواقع الحي ، بل و المتخيل ايضا ، يمثل اليوم اول استحقاق للمواطن الليبي اين هو ، وكيف هو ، اذ لم يعد يحتاج لشيء اكثر الحاحا من شرطة متواضعةالتسليح تتجول في شوارع المدن و القرى المجردة من مثلها اي الاسلحة و المقتنعة بفاعليتها ، ومرافق صحية توفر هي الاخرى الحد الادنى من العلاج على الاقل و اخرى تعليمية وثالثة ادارية تنسق بينها مجتمعه و تصالح شامل بين ابناء الوطن على حقيقة ان الوطن للجميع و يتسع للجميع و لا مكان فيه للغالب و المطلوب .. وان المجتمع الدولي حين ناصر الليبيين انما اراد انقادهم جميعا .

و بكلمة ان يكون للناس كل الناس فضاء يحيون فيه بامن ويدفنون موتاهم عند حلول الاجل بأمن ايضا ، وهوية يحملونها اذا تجاوزوا الحدود فلا تجعلهم موضع استفهام او حذر في هذا القطر او ذاك .. وهذه وضعية قد يتحقق بلوغها عن طريق المجتمع الدولي ان بواسطة اقناع الفرقاء المتصارعين بضرورة التخلي عن الاحتكام للسلاح . بل و المبادرة بتسليمه لطرف يمتلك القدرة على عدم تسربه الى من يعبث به او يتخذ من استلامه سبيلا لاذلال اي طرف من الاطراف ، بمعنى ان تعود ليبيا الى ذلك الواقع الذي بدأت به قبل ستين سنة ونيف كما سبق وقلنا في مطلع هذه السطور .. فما يجري بكل الاسف لايمكن وقفه او الخروج منه الا بمثل هذا الخيار ، و لاشك ان المجتمع الدولي اذي قبل ذات يوم طلبنا للحماية المدنية و وسع مفهومها للمساهمة في الاطاحة بالسلطة المستبدة بعد يأس من امكانية زوالها ، بل وتراجع الكثير من معارضيها ، لن يستمر طويلا في في ترك الامور على هذا النحو الضار به ، وينافي ذات الان ، ولعله بما هو عليه من الاخذ و الرد انما يبحث عن الطريقة الاسير و الاقل كلفة ، كما انه بحكم ما توفر له من سبل التواصل مع الاغلبية الساحقة من الليبيين وماوقف عليه من سوء الادى و العبث بالمسئولية و السباق المحموم نحو النهب و التعاطي مع الامور بواسطة الوكلاء و السماسرة ، هو الان اكثر دراية بهذه الحقيقة ، حقيقة حاجة الليبيين الى الامن و لاشيء غير الامن والذي لا سبيل الى بلوغه دون اختفاء السلاح كل السلاح عن الانظار وهكذا ان التدخل الاجنبي الذي يتخذ البعض من خطره المزعوم سبيلا لاحتكار الفضائيات الليبية ، الوطنية و الرسمية والحرة ، لم يغب يوما عن المنطق بالكامل وماكان لنا ان نكون بمعزل عن تاثيره القوي في جميع ما جرى ويجري .

ولكن كيف تم ذلك و الى اي حد امكن الخروج منه باقل الخسائر ، فذلك هو موضوع الخلاف .

لقد تمكنت كل اقطار المنطقة من الظفر باستلاقلها خلال القرن الماضي وادارت شئونها قيادات كثيرا ما شكك المشككون في اخلاصها وحسن تدبيرها ، ونقها بالخضوع لتدخل الاجنبي ، وكان ان جرى اسقاطها الواحدة تلو الاخرى تحت شعارات الثورية والتحرر والكثير من التعابير التي ليس لها سوى الاسماد فالت الامور الى خفاء كانوا في الغالب اشد شراسة واكثر وقاحة ، بل واوثق ارتباط بالاجنبي ، وكان لا مناص في النهاية من الاستعانة عليهم بهذا الاجنبي ذاته ، ولان هذا الاجنبي اكثر وعيا بما يريد ، كان ان وجد ضالته في هذا التناحر المحموم على الحكم و الاصرار بكل القوة على اقصاء الاخر ليتحقق الحد الادنى من الحياة الكريمة الا وهو الامن ، ويكون الطريق الى استعادة هذا الامن في حكم المستحيل دون الاستعانة بهذا الاجنبي فيتتدخل بطريقة او اخرى وهو تدخل لا يمكن ان يكون كما نحب ونشتهي ، فالرياح تاتي دوما بما لا تشتهي السفن .

لقد فقد الدولة الوطنية دورها كما يجمع خبراء السياسة .. وصار باب التدخل الاجنبي مواربا ، وهو كذلك بالنسبة لنا ، و وحدنا من يحكم غلقه او يفتحه على مصرعيه .إنتهى


في الصورة * المفوض العام للأمم المتحدة للشؤون الليبية الدبلوماسي الهولندي أدريان بلت على اليسار مع مجموعة من موظفي الأمم المتحدة


____________________________

وقل رب أدخلني مدخل صدق

أمين مازن

10-7-2014

انتهت معركة إنتخاب مجلس النواب بالقدر الذي تيسر لها من التوفيق ، وهو قدر لا يستهان به ، مقارنة بظروف المرحلة التاريخية وما تتوافر عليه من أسباب الفشل ومسوغات الإفشال ، كما ارتفع رصيد الأمل في امكانية الانتقال إلى مرحلة أكثر ايجابية بصدد استلام السلطة من المؤتمر الوطني العام فاقد الشرعية باجماع أكفأ القانونيين الليبيين .

فقد ظل بكل الأسف ممسكا بما يملك وما لا يملك بهذه السلطة ، ودونما اكتراث بمواقف الرفض غير المسبوقة وعبارات الاحتجاج التي بلغت أقصى حدود السخط ، والتي كان آخر مظاهرها ذلك الالتفاف المفضوح على قرارات لجنة فبراير وكذا محاولة الهيمنة على سير أعمال هيئة كتابة الدستور من خلال اقحام النائب الثاني للمؤتمر المذكور كي يكون ناطقا باسمها ، الأمر الذي تصدى له بشجاعة مشرفة الدكتور علي الترهوني رئيس الهيئة المذكورة ، عندما أكد أن الهيئة كيان مستقل بحكم انتخابه من الشعب وبالتالي فإن تسييرها والحديث باسمها غير مسموح به لأي كان ما لم يكن من طرفها مباشرة . نعم ،لقد جاء الالتفاف متمثلاً في العبث بالتوصية المتعلقة بانتخاب رئيس الدولة المؤقت مباشرة من الناس ، وهو التوجه الذي نادت به الأغلبية بالداخل ويجرى به العمل في معظم دول العالم ، مما حدا بمعظم المترشحين لانتخابات مجلس النواب ، أن يضمنوا برامجهم النص على انتخاب الرئيس المنتظر من الشعب مباشرة، اللهم إلا بعض الذين لهم علاقة بالمؤتمر الموقر، وبعض القوى المتنفذة فيه ، والمتمكنة من توجيه قراراته، وتحديد أولوياته ممن خذلت النتائج المعلنة معظمهم وذهبت لصالح من عداهم.

ومن المؤكد أن يقظة المواطنين لهذه اللعبة الماكرة هي التي وجهت نتائج الاختيار نحو الوجهة الملحوظة ، أي ترجيح كفة المرشحين الذين فضلوا أن يكون انتخاب الرئيس المنتظر من طرف الجميع، وليس للخاصة التي لها دوما حساباتها ومطامحها ومطامعها، وأخيراً ايديلوجياتها، فقد تبوأ هؤلاء مقاعد الصدارة في أي دائرة كان التنافس فيها شرساً ، وهذا الموضوع المفصلي ظاهراً، غير أن ذلك لايعني أن الأمور قد انتهت بقدر ما يؤمن إلى أن الانتهاء ما يزال بعيداً. ونحن نصف الأمر على هذا النحو استناداً إلى الحملة الإعلامية التي قادتها وتقودها على نحو خاص الفضائيات المنهوبة بشأن الاجتماع المنتظر للمجلس المنتخب والذي جدد مكانه- حسب لجنة فبراير، ومصادقة المؤتمر الوطني- بمدينة بنغازي ، مثلما حددت هيئة الدستور بالبيضاء، ذلك التوجه الذي املته الرغبة الصادقة في إزالة مشاعر الاحباط وكذا الاحساس بالتهميش التي كثر الحديث عنها عقب فبراير ، باعتبارها مخلفات العهد الزايل، في الوقت الذي يدرك الكثير من المتابعين للأمور بأمانة أن أكثر الناس تشبثاً ببقاء عديد المؤسسات المركزية من المكلفين بإداراتهم أولئك المنحدرون من المدن الشرقية، لما في ذلك من تخفيف عليهم من عوامل الاحراج وما أكثرها فضلاً، عن أن الكثير من المراجعات ولو كانت شخصية تقتضي إعفاء هؤلاء من نفقات الاقامة، ومع ذلك فإن الحديث عن التهميش وما في حكمه هو سيد الموقف ، ويبقى القرار المتعلق بمقر المجلس المذكور وقبله هيئة كتابة الدستور خطوة في الاتجاه الصحيح، ولم تعد من ينظر إليها بانصاف على مستوى الوطن كله،ومن لم يسترح لما شاعت من الارتياح لم يتردد في الشروع بالذهاب إلى الموقف النقيص، ولو كان هذا الذهاب ، مفتقراً للحجة المقنعة ، أو كاشفاً عن مناقضة مفضوحة للإرادة الشعبية والمصلحة الوطنية ، فإذا بنا وقبل الفراغ من إعلان مجموع النتائج من المفوضية العامة، نستمع ونشاهد هذه الاصوات المشككة في امكانية التئام المجلس المنتخب في مدينة بنغازي بحجة أن المدينة المذكورة غير آمنة ، كان سلامة أعضاء المجلس الجديد أهم من سلامة المواطنين الليبيين كافة، أو أنها أولى من هؤلاء كافة، أو أن التصدي لحمل مثل هذه الأمانة الكبيرة من حقه أن يغير في التنظيمات السابقة كيفما يشاء وحسبما يريد . أو أن من يعتزم العبث بأمن هذا المجلس وسلامة أعضاء أعضائه لو قدر له أن يوفق لاسامح الله سيتأثر بالمكان، فمثل هذه الخطط حين توضع وحين يسعى واضعوها إلى تنفيذها سيعملون على تحقيق ما يريدون دونما تأثر بالمكان ، وأن عاصمهم الأول سيأتي من خلال استعدادهم الرسمي ورعاية الله التي هي فوق كل ماكر ، كما أن كل الأخطار تهون أمام ذلك الخطر الذي شهده المؤتمر منتهي المدة حين وجد مقره محاصراً أكثرمن مرة وعقد اجتماعاته في أكثر من مكان ، واضطر إلى اقرار قانون العزل السياسي المطعون فيه محلياً ودولياً تحت مشارب البنادق فالعمل والحالة هذه في مكان قد يعوزه الأمن العادي أكثر جدوى وأوفر شرفاً من العمل في المكان الذي يمكن أن يفقد فيه المشرع حريته المتعلقة باصدار القرار في أي لحظة ، فالمخاطر والحالة هذه موجودة هنا وهناك إلا أنها من حيث الحفاظ على حرية القرار والتخلص من عديد الضغوط تبدو بالنسبة لبنغازي أكثر توفراً ، والأمر في النهاية استحقاق من الاستحقاقات التي لا معدى من الوفاء بها لكل من يحترم التزامه..

وبالجملة فإن المساعي الرامية إلى عدم تمكين المجلس النيابي المنتخب من استلام مسؤولياته وممارسة سلطاته ، هي من الكثرة والتنوع والقوة إلى الدرجة التي يصعب معها على كل متتبع لمجريات الأمور بوعي أن يقلل من إمكانية تأثيرها، خاصة وأن أول اجتماع للمؤتمر الوطني العام كان قد تم بترتيبات من المجلس الانتقالي ورئيسه المستشار مصطفى عبد الجليل. والذي كان مثله مثل رفيقه في المسؤولية الدكتور محمود جبريل ويليهما الدكتور عبد الرحيم الكيب ، أقول كانوا جميعاً مثالآً للحرص على تسليم ما في عهدتهم لمن اقتضت المسيرة أن يخلفونهم، بمعنى أن مثل هذه والسابقة قد توفر المسوغ لانتهاج سبيل التأجيل المتعلق بالإجراءات ، وفي مقدمتها أن المجلس قد لا يجتمع بدون دعوة من طرف من الاطراف، وحسب هذه الاسبقة فالمنتظر أن تكون الدعوة من المؤتمر السابق، أما وإن المتربصين والذين قد يعز عليهم الايمان بأن الأيام دول قد أثاروا موضوع الأمن بالنسبة لبنغازي فضلاً عما تردد بشأن معايير النزاهة بالنسبة لمن جرى انتخابهم أو بعض على الأقل ، وكذا الغاء بعض نقاط الانتخاب ، على الرغم من أن المتحدث باسم المفوضية قد أكد أنها في المجمل قليلة وقد لاتزيد على أصابع اليد الواحدة من حيث مجموع الدوائر ،فإنها في المجمل ستكون في عداد ما يبرر أو يمكن بالاصح عدم السرعة المنتظرة. وبصدد هذه الإشكالية التقليدية لابد من التنبيه أن التقاليد المعمول بها في كل المجالس أن تكون الرئاسة في أول اجتماع لأكبر الأعضاء سناً ويشاركه أصغرهم في أعمال المراقبة والتحرير ، ولما كانت مثل هذه المعلومات متوفرة على صفحة المؤتمر بشأن كل عضو ، قد تم انتخابه فإن التواصل مع من تتوفر فيه هذه الأحقية من طرف مؤسسات المجتمع المدني أو غيرها من الحريصين على سرعة تمكين المجلس المنتخب من أداء مهمته ومباشرة سلطاته ، يمكن التوجه نحوها لدعوة المجلس المنتخب للاجتماع في المدينة المقررة لهذه الجلسة التاريخية والتي سيكون جدول أعمالها منحصرا في قسم اليمين الدستورية وانتخاب رئيس المجلس والهيئة المشاركة له، بمعنى أن التسليم وما في حكمه من الخطوات التي يمكن أن تتم لاحقا وهي على كل حال من من مشمولات معاوني الرئيسين كي نكون البداية باقرار النظام الداخلي المتعلق بتسيير الجلسات وطريقة مقترحات جدول الأعمال ومساءلة الحكومة واستجوا بها عند اللزوم فجميع هذه الأمور لها اجال محددة وطرائق معروفة، وهي لابد أن تشمل بمحضر مكتوب يطلق عليه .مضبطة الجلسة تكتب فيه الوقائع كاملة وينشر العلني منها في الصحف تنويراً للرأي العام وتثبيتاً للمسؤولية ، وتجمع في النهاية في كتب كاملة ، وما تزال محاضرالاجتماعات التاريخية التي عرفتها مجالس ليبيا من نواب وشيوخ ومجالس تشريعية موجودة في الكثير من مراكز البحث وصحف تلك المرحلة وأكثر الذين كتبوا عن المرحلة استشهدوا بها، فهي خير ما يدل على ما جرى وما يوفر المادة الخاصة لكل من يريد أن يفهم أحداث ذلك الزمن أو يقول بصدده ما يجب أن يقال فالمجلس والحالة هذه يملك المضي نحو مهمته باقصى سرعة ممكنة، وتستطيع الحكومة أن تسرع بتمكينه المنشود ، أي عدم ربط المهمة بالاستلام الذي قد تختلق له هذه الذريعة أو تلك كما أن المجلس من جهته في حاجة إلى الترتيث وإلى عدم الاسراع نحو ما قد يسرع ببروز مواطن الخلاف ، بما في ذلك الحكومة المنتظرة، فالبلد ليست في حاجة إلى حكومة ولكنها في حاجة إلى شرطة تحفظ الأمن وجيش يراقب الحدود، وتواصل مع العالم مبعثه الشأن الليبي ، وليس ذلك المرتهن بالأممي الإسلامي أونظيره الماركسي، شأن يؤمن أن الحدود علاقة الوجود وأن العبث بها أو التساهل حولها هو عبث بالذات وتحريض للآخر كي يفعل بصددها كل ما يتكفل بصون أمنه، بما في ذلك تعديلها أو تجزئتها، أو تكليف من قد يكون أكثر قدرة لقد انتخب الليبيون مجلسهم هذا ليمثلهم جميعاً في مسؤولية التشريع ومراقبة السلطة التنفيذية ، واحترام السلطة الفضائية وتسهيل مهمة اختيار حاكم شرعي يوازن بين الجميع ويقدر دور الجميع ويحترم الجميع ويوفر المجال للجميع ، فالحذر كل الحذر من الاستدراج نحو ما قد يستنسخ الماضي ، ولا التسرع بالوقوف أمامه والانشغال به، فما جرى سابقاً هو الآن من مشمولات الدوائر الرقابية ولابد أن تقدم حوله كل ما يجب أن يقدم وما يجب أن يفعل أيضاً، وبالذات في المسألة المالية التي يتشدق الكثيرون حول ما صرف من ملياراتها ناسين أومتناسين أن التدقيق حين يتم، لن يهمل السيارات الفخمة والجرايات المجزية، والميزات المقننة وغير المقننة والعطاءات التي شملت من يستحق ومن لا يستحق، وغدت تستفز كل ذي قدرة قاهرة فيفرضها لمن يجب، وربما يحضرها على من لا يحب، فالسلاح سيد الموقف وليس المطلوب الآن تسليمه وإنما الاحتفاظ به في البيوت وترك الأمن لرجال الشرطة وحدهم، إن المهمة جسيمة والمسؤولية كبيرة والمصاعب جمة ، غير أن البداية السليمة كفيلة ببعث الأمل في إمكانية الوصول، وعسى أن يكون شعار الجميع «وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجن مخرج صدق وأجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا».إنتهى


_____________________________

الذين يخربون بيوتهم بأيديهم

امين مازن

1-7-2014

اجلت الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا للمرة الثانية وربما الثالثة النطق بالحكم الذي ستقضي به في الطعن المرفوع اليها من عدد من الحقوقيين والناشطين السياسيين في بعض مواد قانون العزل السياسي، الذي اقدم المؤتمر الوطني العام على اقراره قبل اكثر من سنة ، واثار ما اثار من السخط العام داخليا وخارجيا ، وقيل في حينه ان الدافع لإصدار القانون المذكور مرده الى جملة من الضغوط التي مارستها بعض الاطراف السياسية واذرعها المسلحة التي هالها ما اسفرت عليه الانتخابات المتعلقة بذات المؤتمر من قوة في الفارق بينها وبين منافسيها ، مما اضطرها للجوء الى اكثر من مناورة بشأن تشكيل الحكومة المؤقتة، تلك التي لم تكن - بحسب التقاليد البرلمانية – تحتاج الى المنافسة واخذ اصوات المؤتمرين ، فكان ما كان من ذلك الصراع المبكر ومن ثم اقرار هذا القانون الإقصائي ، والذي لم يجد امامه رئيس المؤتمر ونائبه الاول سوى تقديم استقالتها ومن ثم اسراع المؤتمر بالقبول ، هو اقصاء ظهرت ملامحه منذ الايام الاولى لاندلاع الانتفاضة وحذرت من نتائجه عديد الاطراف الدولية التي قرنت تأييدها اللامتناهي من التنبيه اليه عندما اوصت بقصر المحاسبة على الماضي في من تلطخت ايديهم بالدماء او المال العام ليذهب الليبيون الى المصالحة الوطنية والانصراف الى بناء المستقبل وكذا الترفع عن اعادة انتاج الماضي بالانتقام او اخذ الحقوق دون محاكمة او اخذ الاموال باعتبارها للأزلام ، ممن يسوغ – حسب هذا الفهم – استباحة كل مالهم !!

وسواء كان الطعن الذى رفع حول دستورية القانون المشار اليه قد جاء بدافع المصلحة الشخصية او بعامل الانتصار للحق العام ، فان مردود هذا الطعن حين يبت فيه بما يفيد الالغاء او التعديل سيكون في مصلحة السلم الاجتماعي والحد من انجرار الشعب الليبي الى كل ما يطال الوحدة الوطنية ويعوق قطار التطور وذلك بما يترتب على الحكم المنتظر من صون الليبيين ، وما اقل عددهم واوسع ارضهم ، لا يفكرون الا في الثأر لأنفسهم واهلهم وذويهم من كل من يعتقدون انه قد ظلمهم او على الاقل بالغ في القصاص منهم، وكان المؤمل والحالة هذه ان ترتفع جميع الاطراف الى مستوى المسئولية ، وتترك للقضاء حقه في اصدار الحكم الذى تنص عليه القوانين المحلية والدولية والحد من حالة التشظي التي عصفت بالوطن على اكثر من صعيد ، وماتزال تنذر بوخيم العواقب ، غير ان المتعصبين للقانون ظلوا حيث هم ، فما ان يتسرب اليهم نبأ النطق بالحكم حتى يسارعوا بالاحتشاد هناك رافعين يفطهم التي يبدو انها مؤمنة في مكان قريب متبنيه الاصرار على العزل السياسي بدلا من شعار الترحيب بالعدالة وتهيئة الاجواء المناسبة لإصدار الحكم العادل والمطمئن والجالب للمصلحة كما يجمع اعظم فقهاء الارض وعلماء الشرائع ، وما ذلك الا لأن هؤلاء المعترضين ما يزالون متعطشين الى فرص ارادتهم وبسط نفوذهم واشعار الناس كل الناس انهم وحدهم الاقوياء واصحاب المقدرة ، ولكنها المقدرة التي لا تعرف العفو ولا تدرك ان العفو اول شروط الاهلية وان الاحتكام لسلطان القانون اضمن لدوام السلطة من الاذرع المسلحة وكذا السيطرة على القواعد الجوية في اكثر من مكان في غرب الوطن او شرقه ، شماله وجنوبه؟

صحيح ان مثل هذا النوع من الممارسة ربما اشفى غليل من تتوق نفوسهم الى حرمان المختلفين معهم والعاجزين عن منافستهم في ذات الوقت من الترشح لانتخابات المجلس النيابي وغير ذلك من المواقع القيادية ، وضمن لمن كان ينبغي ان يشمله الاقصاء من امامه الناس فظل يمارسها بكل الحرية، بل ويفرض ما يعن له من الآراء بعوامل الدنيا والدين ، كما اتاح لبعض الفرقاء ان يوجهوا توزيع الدوائر الانتخابية بما قد يسهل الحصول على شيء من الاغلبية المعقولة او على الاقل التخفيف من اثر الرفض الشعبي الواضح، كما ان ترك البت في رئاسة الدولة للمجلس المنتظر ، على الرغم من ان الكثير من المرشحين يتبنون مبدأ الانتخاب المباشر، قد يسهل الدفع بمن لا يكون موضع اجماع الناس ، او اعاقته بعد ان تأكد اقبال الاغلبية عليه وان هذا التوجه الشاذ خالف دول الجوار مجتمعة التي تركت حق اختيار الحاكم للناس كافة ، وان التحجج برفض الانتخاب المباشر مرده الى الخوف من الديكتاتورية لن يصرف الناس عن حقيقة الديكتاتورية المتجسدة في منع القضاء من ان يقول كلمته، وان ترك البلاد من دون جيش يذود عن الحمى ويحرس الحدود المفتوحة والطوفان البشري الذي يحل من كل مكان وتتولى تهريبه عصابات منظمة في اكثر من مدينة وحاضنة ادارية مقابل عوائد مالية يعرف قيمتها كل مراقب وينعم بمردودها كل شريك ففكرة ان تبقى ليبيا سوقا لبيع وشراء السلاح واستيراده واعادة تصديره لم تعد سرا على كل متابع ، ووضع السياسات الكفيلة بدرء خطرها غدت شأنا دوليا يستطيع كل منشغل بالسياسة ان يسهم فيها بما يستطيع ويخرج منها بما يمكنه ان يظفر به ، ويكفي المرء ان يلحظ هذا العدد الذى لا يتوقف عن المؤتمرات التي لاهم لها سوى الوضع الليبي مرة باسم الاصدقاء واخرى حول الارهاب الصادر منها ، وثالثة على هيئة لقاءات ثنائية بين دول الجوار.


وقد يتصور قصيروا النظر من الناس ان نجاحهم في فرض تأجيل النطق بالحكم المنتظر، يمثل انتصار الدعاة للعزل السياسي والتمكين له لمدة طويلة ، وذلك لما يعانون من سوء التقدير للأثار التي ستترتب على ذلك ، ليس فقط بالنسبة للداخل وانما للمجتمع الدولي الذى يراقب المشهد الليبي، ويتطلع الى المساهمة في قطار النمو ومشاريع التحديث ، ذلك ان اصحاب هذه النظرة يجهلون اول الحقائق التاريخية التي رافقت نشأة الدولة الليبية الحديثة ، عقب اعلان الاستقلال في خمسينيات القرن الماضي، ونشوء السلطات الثلاثة المعروفة بالتشريعية والتنفيذية والقضائية ، واعطاء هذه الاخيرة مسئولية الفصل في أي خلاف ينشأ بين الاثنين وذلك عندما نشب اول خلاف بين والى طرابلس والمجلس التشريعي لتلك الولاية حين اصر المجلس المذكور على وجوب خضوع الوالي للمساءلة من طرف المجلس التشريعي او تجريده من أي سلطة تنفيذية ، وتمكن والى طرابلس من استصدار المرسوم الملكي القاضي بحل المجلس ، فكان الطعن امام المحكمة العليا التي سارعت بإصدار حكمها بعدم دستورية مرسوم الحل ، فما كان من الملك الا ان اقدم على حل المحكمة ذاتها ، ومن ثم خروج الكثير من نقابات العمال المدجنة من السلطة في مظاهرات تؤيد حل المحكمة ، بل وذهب البعض الى اكثر من ذلك فارتفع الهتاف بسقوط العدالة فكان لذلك التحرك اسوأ الاثر لدى الكثير من طبقات الشعب وكذا المراقبين الدوليين الذين ساءتهم تلك البداية المنحرفة في مشروع بناء الدولة الوطنية التي كانت قبل كل شيء في حاجة الى التشبث بسيادة القانون، وكان يومئذ ذلك الموقف التاريخي الذي التزم به السيد محمد الساقزلي ثاني رئيس للوزراء ليلقي هو الاخر جزاءه بالعزل من رئاسة الوزارة ويبقى في منطقة الظل لأكثر من عقد من الزمان ليتوالى منذ ذلك التاريخ العبث بالدستور ومن ثم تنامى مشاعر السخط العام وضعف احترام السلطة منذ ذلك التاريخ العبث بالدستور ومن ثم تنامي مشاعر السخط العام وضعف احترام السلطة الوطنية خاصة ما ظهر بعد ذلك من الاصرار على عدم استقرار الوزارات اذ لم يتجاوز عمر أي وزارة عشرة اشهر ولاسيما بعد سنة 1967 ، وقد كان لهذا المسلك اثره القوى في اقناع الغرب ولاسيما الولايات المتحدة الامريكية بضرورة تسهيل البديل العسكري ومن ثم الحيلولة دون أي تشويش عليه بل وانقاذه في اللحظات الاخيرة والمهم ان الاسفين دق منذ الاستخفاف بسلطة القضاء بالنسبة لليبيا الحديثة وهو نفس ما حدث لمصر الناصرية حين بدأت بالاعتداء على القانوني عبد الرزاق السنهوري والحقتها بعد ذلك بالمظاهرات التي استنكرت احكام القضاء سنة 1967 وسيكون هذا هو المصير المحتوم لكل من يستخف بسلطة القضاء ودوره الاساسي في استقرار الشعوب وتوفير الاحترام الضروري لكل من يتطلع للقيام بأي دور في بناء مستقبلها، ولن نكون معشر الليبيين في حل من مثل هذه القاعدة .

ليس تأجيل الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا للنطق بحكمها حول الطعن المتعلق بقانون العزل السياسي سيكون بالضرورة محققا للبواعث التي لانشك في سلامتها ، ولن يكون الاحتشاد الذى انتظم امام المحكمة تحت شعار ان التنازل او التراجع عن قانون العزل السياسي هو خيانة لدماء الشهداء لان المردود الحقيقي لدماء الشهداء هو ذلك الذي يطال الناس جميعا ، لانهم لم يخرجوا الامن اجمل كل الناس ، والاصل في القضاء ان يفلت تسعة وتسعون مجرما على ان يظلم برئي واحد ، وان كل ترك لآلاف الليبيين يقاسون الام النزوح خارجيا او داخليا هو الخسارة التي لا تعوض ، فهو الثغرة التي سيتسلل منها كل عدو بل انها العدو بعينه وان كل تقاعس في السعي نحو هذا المطلب الملح كفيل بان يدخل صاحبه في عداد الذين يخربون بيوتهم بأيديهم ، عفانا الله واياكم.


____________________________

لا فارق بين غرب ليبيا وشرقها لوصول اليد الامريكي

امين مازن

23-6-2014

تمكنت الولايات المتحدة الامريكية ممثلة في مخابراتها المركزية وشقيقتها الاتحادية من القاء القبض على السيد احمد ابوختالة احد المشتبه فيهم بشأن مقتل السفير الامريكي بليبيا .. ومن كان معه من اعضاء السفارة الامريكية عشية اقتحام القنصلية الامريكية في بنغاي في السنتين الماضيتين ، وكانت الانباء التي طالما تداولتها وسائل الاعلام المختلفه لم تتوقف عن تريدد هذا الاسم واخرين غيره في معرض متابعة تداعيات الحادث المذكور ، منذ وقوع الحادث المذكور و ما ترتب عليه من الاخذ و الرد بين عديد الاطراف من متيقن ان الجانب الامريكي بما لديه من الامكانيات لن يعجز عن الوصول الى هذا الرجل او غيره من المشتبه فيهم ، و متشكلة في ان ليبيا الواسعة و ما عمرت بع عقب فبراير ممن يفترض انهم يمثلون السند القوي سيجنب اي مشتبه فيه من الوقوع في يد الغزاة الامريكيين ..

وحتى عندا افلح الامريكان منذ فترة من خطف المواطن ابوانس الليبي ثم من همس ان للامر علاقة للفارق بين غرب ليبيا وشرقها ...

غير ان العالمين ببواطن الامور - مع تفضيلهم للصمت -كانوا يدركون اكثر من سواهم ان الامر لابد ان يتم وبالصورة التي ستفوق كل ما سبقها من الاجراءات الثأرية ..

وها نحن اولا نشهد وصول اليد الامريكية للامساك باحمد بوختالة و الذهاب به بعيدا عن التراب الليبي الى حيث اصحاب الحق العام و الخاص ف الولايات المتحدة الامريكية وسط تاكيد بان هذا الوصول ايضا يمثل الارادة الامريكية على اعلــى مستوى بدءً من الخارجية و وصولا الى الرئاسة .. وتبقى بعد ذلك كله النقطة الاكثر اثارة وهي ان ما تم كان بمنأى عن اعمال السلاح ..

فهل ان ذلك يعني ان اليد الامريكية اقرب الى المشتبه فيهم من كل ما عاداها من الايادي و انها لا تحتاج فقط الا للاشارة المطلوبة التي لها مواقيتها و اولوياتها و تتابع الاسماء فيها ، و هل ان القائمة المطلوبة وفيها كما يرجح الكثيرون ممن يرون ان تاخر قيام الدولة الليبية من شأنه اطالة امد سلامتهم وتحقيق المزيد من اجندتهم ، قد اخطأوا الحساب ، اذ ما كل حساب للبيدر يتفق بالضرورة مع حسابات الحقل .. وان ليبيا الواسعة الشاسعة ذات الملايين الستة من البشر و البلايين من الدولارات ليست شيئا يذكر في المحيط الذي ينعت بالشرق الاوسط الذي يرأسه كلام قسم في الخارجية الامريكية ، لا يحتاج التصرف فيه الا لزر من الازرار ليتم الضغط عليه عند الزوم .إنتهى


____________________________

الرجل والجمل والتاريخ

أمين مازن

15-6-2014

قد لا يجد المتأمل في سوء اداء البقية الباقية من رئيس وبعض أعضاء مؤتمرنا، أولئك المصرين على البقاء جلوسا فوق عرشهم الذي لم تخف الأغلبية الساحقة من شعبنا ما بلغه من انتهاء الولاية وضرورة اكراهه على ترك السلطة لأي بديل من البدائل.. لا يجد هذا المتأمل وصفا لهذه الوضعية مثل وضعية ذلك الجمل الذي تسللت إلى قدمه وهو يرتع باحدى الغابات شوكة من نخل أو غيره، فما كان من ذلك الجمل إلا أن اخذ في ضرب تلك الرجل على سطح الأرض المرة تلو المرة أملا في خروجها وانتهاء الآلم فإذا بتلك الشوكة تغوص أكثر فأكثر، لتتحول مع الأيام إلى عاهة تطال الجسد كله، مع الأيام إلى كتلة من الأورام المخيفة التي يستحيل معها الشفاء ويتعذر فيها كذلك نحر الجمل، إذ لايمكن لأحد أن يغامر بأكل ذلك اللحم المتورم الذي تعفن قبل الاجهاز على دابته، وحتى إذا رجحت كفة نحر الجمل رحمة به دون أكله بالضرورة فإن ذلك يتطلب جر الجمل نحو مسافات بعيدة لتتوفر السلامة من أثار ذلك الجسد المتقرح، حتى ان أصحاب مثل هذا الجمل حين تحل به مثل هذه النازلة كثيرا ما يضطرون إلى ترك المكان ويذهبون بعيدا نافذين بجلودهم كي لاتنتقل الأوبئة من ذلك الجمل الذي أعياه المرض وفتك به غباؤه فغدا مصيبة على أهله وحق عليه ما تردد عادة أغانيهم المكروره (جمل برك في حطية مانوضنا محاور) نعم، فعوضا من أن يرعوى هؤلاء السادرون في غيهم لحكم الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا والقاضي بالغاء اجراءات الجلسة التي شابها ما شابها من الخلل بشأن تشكيل الحكومة، ويتعظوا بالاستيعاب الذكي الذي بادر به السيد أحمد معيتيق حين أعلن ترحيبه بالحكم المشار ليه فانتزع تعاطف كل متطلع إلى رأب الصدع ولملمة الجراح والمضى نحو أجواء من التسامح وتوحيد الكلمة وكذا الطاقات لكل ما يدفع للخروج من النفق المظلم، والذي ما كان له ان يكون لولا هذا التسيير السيء لاشغال المؤتمر، إذا بهذا الرئيس ومن في ركبه، لايجدون غضاضة في الأقدام على اجراءات أكثر حماقة وأشد تعبيرا عن الأصرار على مز يد الأخطاء وذلك باجتماعتهم في عدد أقل (59 عضو) واتخاذ قرار بإقالة النائب العام وكذلك تعيين رئيس المؤتمر باسمه الشخصي قائدا أعلى للقوات المسلحة، مع غض النظر عن الميزانية العامة والمقدمة منذ أشهر حتى لقد صارت بحكم القانون نافذة، ليقرر محافظ مصرف ليبيا مقدما عزمه على تسييلها ورفض ما كان ينتظره البعض من توظيف صلاحياته للعرقلة أملا في إذ كاء نيران السخط العام للمزيد من التشويش وتسهيل مخططات الهدم .

وقد برهن هذا التصرف الأرعن على ما سطر على الأخذين به من الجهل المطبق والعجز الكامل عن الاستفادة من التجربة واستيعاب الدروس المستفادة من أي تصرف يثبت خطأه وتتبين مجافاته للحد الأدنى من الاشتراطات إذ مادام القضاء قد حكم بعدم دستورية اجراءات التصويت المتعلقة بتشكيل الحكومة إلى جانب ما قامت به القنوات المتحررة من سيطرة السلطة الحاكمة من تفصيل حول ما ساد الجلسة المشار إليها من المهازل من حيث سلامة التسيير، وكذا علامات الجهوية المقيتة والتهافت المخجل على السلطة، مما يؤكد أن مثل هذا الحكم سيصدر مرة أخرى لمجرد أن يقدم أحد على الطعن فيه كقرار مريب ويتعلق بمصلحة الناس جميعاً ومن حق أي منهم ان يطعن فيه، أما إذا اظفنا إلى ان موضوع النظر في موضوع النائب العام، يتطلب ضمن ما يتطلب - على الأقل - اشراك رئيس مجلس القضاء الأعلى، وان درجة من يراد اختياره خلفا لابد أن تكون درجته لاتقل عن درجة السلف، فيما يكون الأمر الصادر من قبل النائب المذكور بضرورة رفع الحصانة عن رئيس المؤتمر ذته، ليتسنى التحقيق معه في المنسوب إليه من التهم، والتي وان كانت باطلة إلا أنها لا تعنى من المسألة كي يتحقق هذا البطلان، مما يعنى ان مثل هذه الوضعية ستدخل قرار المؤتمر بشأن النائب العام في دائرة تصفية الحسابات، الأمر الذي يقتضى ارجاء النظر في مسألة النائب العام ، ولو كان موعد تقاعدة المزعوم قد حان موعده ما بال انه ما يزال بعيدا وقد تدخل عليه فترة الانتخابات ، ومن اللياقة والوفاء وقد نقول واجب التوازن بين مكونات الوطن أن يصار إلى تمديد الخدمة شأن الكثير من ذوى المناصب الذين يشغلون مواقع رفيعة ومنهم من لم ينظر في موضوع التمديد له أو عدم التمديد بالمرة، أما مسألة قيادة الجيش وما أدراك ما الجيش فأين هو هذا الجيش الذي سيقوده السيد بوسهمين واين كانت هذه الصفة والفضائيات تعرض تلك المقابلة المذلة مع من يفترض أنه سيأتمر بأمره لا أن يضعه في ذلك الموقف المزري فما جرى في الحقيقة هو الفجور بعينه والفجور عندما يستحفل فإن ضرره سيعود على مقترفه أكثر من اولئك الذين يراد الاضرار بهم لقد اراد السيد بوسهمين باختيار بديل للمستشار رضوان بعد اقصائه بالطبع وبصدد هذه المسألة ان من بين خلفيات هذا التوجه موقف الاستاذ رضوان الحازم بشأن الاموال الليبية المهربة كما فصل النائب الاول لرئيس المؤتمر عزالدين العوامي وهو يضع الكثير من النقاط على الكثير من الحروف عبر فضائية ليبيا لكل الاحرار أما الذي يظهر لمن يراقب المشهد أن بوسهمين ابتغى مغازلة مصراتة بأن اختار منهم الصديق الصور لولا أن هذا القانوني الكفء بدا اكثر وعياً بظروف المرحلة وان ماينتظره من مستقبل اكبر بكثير من تعيين يشوبه مايشوبه من خطا الاجراءات أو سوء النوايا فبادر بالاعتدار عن قبول هذا التعيين المريب واعلان ذلك عبر الفضائيات التي صارت في ايامنا هذه أقوى الوسائل لتوكيد كل مايحتاج لتوكيد فوجب على كل منصف أن يكبر لهذا الرجل موقفه المشرف الذي ترفع بواسطته عن الوقوع في فخاخ الوقيعة وبريق المناصب الزائلة وهو بذلك انما بجدد مواقف مصراتة التاريخ التي لم تتردد ذات يوم بالتضحية باثنين من وزر ائها في انتخابات مجلس النواب تلك التي اجريت 1960 وكذا اتفطن الاغلبية الساحقة والمهمة من ابنائها الذين لم يستدرجو ا للمحاولات البائسة لاحياء القبيلة والانطلاق من الخلافات الماضية لتقوية شوكة النظام المنهار عشية تعرضه لبعض المحاولات التي ادت إلى استهداف ورفلة ذات يوم وجرت بعض المحاولات لاستدراج مصراتة واستغلال الماضي البعيد للحاضر فافلح العقلاء في الحيلولة دون اتخاذ المدينة المذكورة عصا غليظة تضرب الناس هنا وهناك.

ولا عجب فمن يمتهن التجارة يدرك أن « الهنا ضامن الغنى» وان من يسلك طريق السير في بلاد الله الواسعة يحتاج أول مايحتاج إلى انتشار الامن والتصالح مع الاخرين وفي لحظات ضعفهم تحديدا.

لقد افلح الشارع الليبي بفضل ما دأب عليه من الخروج المنظم والاصرار المستميت على ضرورة انهاء المرحلة الانتقالية التي وضعت من البداية لتأسيس الدولة المنتظرة على الرغم مما وضع في طريقها من لعراقيل بدءً من القوانين الرامية إلى الافصاء والممارسات المنطلقة من تصفية الحسابات واتخاذ معارك التحرير سبيلا للغنيمة واستباحة الاموال الخاصة والعامة وتكديس الاسلحة ومبدأ التمكين الوظيفي ومبدأ فرض الامر الواقع على الارض والاصرار على الامساك بمفاصل الدولة فكان لذلك كله ماله من الاثر على وأد فرحة النصر واشاعة روح الاحباط واخيراً التحول نحو واقع جديد بما في ذلك المسالة القبلية التي كانت الى ماقبل سقوط النظام المنهار بأيام تعقد اجتماعاتها في صرمان وغيرها فيحضرها الجميع ويدعي اليها اليوم البعض ويقصى البعض الآخر لمجرد القدرة على التسلق وتغيير القناع فتكون المحصلة مزيد التأخر في بناء المؤسسات المودية إلى قيام الدولة وإطالة زمن الاعتماد على الاشقاء في القومية والدين ممن لهم اهدافهم التي ليس خارجها استثمار الصوت الليبي دوليا والمال اقتصادياً والموقع استراتيجياً فلا يكون هذا الليبي مهما علا شأنه شريكا في اللعبة وانما اداة من أدواتها وترسا في التها والسبب دوما امثال اولئك الذين يشبهون في ممارستهم ذلك الجمل الذي تسللت اليه تلك الشوكة ومضى ي يدقها حتى فسدت رجله فالزمن ليس زمن الجمال المهملة ولا الرجال الذي يستنسخون مايستنسخ بوسهمين من اخوان مصر ولكنه زمن الجمال التي تقتضي من معذبها في الوقت المناسب والرجال الذين يتمتلون ببعد نظر ابراهيم بن شعبان الذين انتبه إلى اهدافهم قبل ستين سنه واكثر.إنتهى


____________________________

ليكن حكم القضاء مخرجا ومنطلقا

أمين مازن

10-6-2014

فصلت الدائرة الدستورية بالمحكمه العليا في الطعن المرفوع إليها بشأن ما شاب جلسة المؤتمر الوطني العام التي سمى فيها السيد احمد معتيق رئيسا للحكومة الليبية الثالثة وما تبع ذلك من قسم اليمين وتسمية الوزراء الذين حملوا الحقائب الفرعية ومن ثم قسمهم وكذالك اجتماعهم برئاسة الوزراء وظهور السيد رئيس المؤتمر وهو يهبط من السماء يفصل ويلغي ما اتخذه النائب الأول من الإجراءات غير مكترث بما تفرضه أبجديات النظم الأدارية والقواعد الإجرائية والتوازنات الوطنية فضلا عما داره بالجلسة التي تضمنت تسمية رئيس الحكومة من هرج ومرج وأعمال للعضلات ليس من اجل الصراع في الرأي . كما يحدث في عديد المجالس وإنما من اجل فرض هذا الاختيار الذي نهج فيه البعض نهج المغالبة واعتماد الإجماع غير الدقيق الذي سبقه في الجلسة التي اقيل فيها رئيس الحكومة على زيدان مع الإبقاء على حكومته كاملة وتكليف احد وزرائه الحامل لحقيبة الدفاع والتي طالما كانت موضع نقد من أعضاء المؤتمر وغيرهم كلما تم الحديث عن الجيش وضعف الجيش جراء المهارة الفائقة التي طالما برع فيها المؤتمر المذكور من القاء تبعه الفشل أي فشل على السلطة التنفيذية في الوقت الذي يدرك القاصي والداني أن هذا المؤتمر وقبله المجلس الانتقالي لم يتركا شأنا تنفيذيا الا وحشرا فيه انفهما بل وكان دائما حجر عثرة أمام كل تحرك مدروس وكل تنظيم محدود وكل سياسة ثابتة بدء من جدول المرتبات الخاص بموظفي الدولة والعلاوات والمزايا. وقبل ذلك تسمية السفراء ومن في حكمهم إلى جانب الموظفين التنفيذيين الذين تقض سياسة الفصل بين السلطات أن تأتي تسميتهم من هذه السلطة التي يرأسها بالطبع رئيس الحكومة .

والذي يجب أن يكون في ظل أي حكومة تقام على أسس دستورية أن تناط به قياداتها مجتمعة ليراقب سيرها ويسأل عن مظاهر التقصير فيها بمعني أن يكون أي تكليف بقرار هذا الرئيس أو باقتراحه على الأقل لا أن يعين رئيس أركان جيشها ومدير مخابراتها من طرف المؤتمر الوطني اللهم إلا إذا كان هذا المؤتمر هو مؤتمر الشعب العام !!

لقد حدث ذلك كما هو معروف منذ الأيام الأولى للانتفاضة وتسمية المكتب التنفيذي على هيئة حقائب مختصة بقطاعات محددة قصد معالجة الاحتياجات اليومية للمناطق التي أمكن طرد النظام المنهار منها من البداية. وكذلك التواصل مع النظائر في الخارج حين بادر ذلك الخارج بمد العون وتنظيم شؤون التواصل أملا في أن يخصص المجلس الانتقالي وقته لشؤون التخطيط والمراقبة فإذا بالتدخلات المشبوهة تجئ عبر ذلك الجسم عندما أتخذ الكثيرون من عضوياتهم سبيلا للتواصل هنا وهناك ومن ثم بدأ الشحن اللامتناهي في تضخيم ما عساه قد حدث من أخطاء واختلاق ما لم يحدث أيضا بحيث لم تنجز مهمة إسقاط النظام إلا وتمسك المقاتلين بسلاحهم هو التوجه المفضل بل إن اختفاء من تبنى سياسة تسليم السلاح من المشهد هو الأمر المستعجل لتشكل الحكومة الانتقالية في اوج تسلط المجلس الانتقالي.

فإذا ما استطاعت الحكومة أن تنجز استحقاق الانتخابات وتشكيل المؤتمر الوطني العام صاحب المهمة المحددة في تسريع التوجه نحو الدستور وتعيين اللجنة اللازمة لكتابته إذا بنا نجنح بعيدا حول جميع السياسات التنفيذية ونشهد التسرب إليها بواسطة اللجان المختصة لكل قطاع بدعوى أن ذلك سيسر المهمة ويجنب المؤتمر العام إضاعة الوقت في ما لا يفيذ فإذا جلسات هذه اللجان تتحول في أحيان كثيرة للخوض في كل ما لا يتعلق بالاختصاص اللهم إلا في جانبه الشخص وعبر الترغيب والترهيب والاستظافة بالداخل والخارج والتواصل مع عديد القوي وشبح التمكين للحلفاء في غرب الوطن العربي وشرقه من الأنفاق في عديد الشؤون اللهم إلا ما يخص الوطن الموجوع فالثوار وصل عددهم إلى الآلاف التي تعد بالمئات والذين خرجوا بسوابقهم أمكن للمحترفين أن يكلفونهم بالكثير مما يشتهون .

أما أصحاب الاستحقاق الأكبر في دعم فبراير وانجاز مهام فبراير ظلوا يشهدون الموقف ويضعون خططهم الكفيلة لمواجهتة متى لزم والمهم أن ليبيا اليوم بلد الفوض ومن الممكن التصرف بشأنها فمنها يخرج السلاح وإليها يأوى الفارون من دول الجوار ومن الشاطئ الطويل والمطارات التي يرصد دخولها وخروجها لقد ارجع هذا الفصل للأغلبية الساحقة من الليبيين ما كانوا قد افتقدوه من جميل الأمل في إمكانية بناء دولة الغد على ما يطمحون إليه شأن الكثير من بلاد العالم في قيام دولة يسودها القانون ويفصل في خلافتها الدستور. وتسن قوانينها بوحي من المصلحة في الدنيا والوسطية في الدين والالتزام وتجرم التدخل في الشأن الخاص وتضمن للناس حقهم الكامل في التفكير والتعبير أذا بات واضحا جراء ما شهدوا من اغتيالات وقوانين جاء بها هذه القواعد وتشكيلات عسكرية كثيرا ما فرضت رؤيتها وحققت مطالبها وسخرت لذلك الدين والدنيا وغدت تهدد حصن العدالة في الصميم عند ما تمكنت من تأجيل الحكم المتعلق بقانون العزل السياسي بعد أن حدد للنطق بالحكم فيه بتاريخ محدد فإذا بالذين دعوا إليه وتمكنوا من إملائه وتشكيل تنسيقيته يتوجهون إلى فناء المحكمة العليا مجاهرين بأستنكارهم للطعن وحرصهم على عدم النطق بالحكم . حين توجسوا أنه لابد أن يكون على غير ما يبتغون ولهذا ظل الكثيرون يضعون أيديهم على قلوبهم وهم يتابعون هذا الطعن التاريخي الذي لم يكتف معارضوه بتقديمه وحسب وإنما أردفوا ذلك بث الأشرطة المصورة عن الجلسة التاريخية التي تم فيها الانتخاب وما ظهر فيها من إحصاء للأصوات واصرار علىعلنية الاقتراع التي تتنافى مع معظم القواعد البرلمانية إذ الأصل دوما للسرية باعتبارها الضمان الحقيقي للاهتمام إلى الضمير وليس لعوامل الترغيب والترهيب وكلها والحمد لله كثيرا . في الواقع الليبي ولم يجد أعضاء المؤتمر «المتوافقون» بدا من تغليبها كي لا يلفت من توافقهم أحد ولا يثنيه عما تعهد به وازع من دين أو دنيا فكان الحكم والحالة هذه مؤشرا الكثير والكثير .

لقد اوجد هدا الحكم حين يقرأ القراءة الصحفية مخرجا مشرفا لجميع الفرقاء حين أبعدهم عن لعبة المغالبة وما تدفع به للغالب من أمكانية الظفر بكل شيء على نحو ماد أبنا على ملاحظته من سياسات التمكين وفرص الواقع على الأرض إلى أن وصلت الأمور إلى الحد الذي بات ينذر بالاحتكام بالسلاح حيث الرابح أكثر خسارة واثبت أن العدالة في ليبيا وعلى الرغم مما يعلم الجميع عن انتشار السلاح واستعماله فإن القضاء يمكن أن يقول كلمته وفي غير صالح الطرف الذي يعتقد في نفسه القوة . فا مكن بالتالي حصد الكثير من الحجج التي شككت في أمكانية وجود المحاكمة العادلة لمن تأتي به الأقدار إلى القضاء الليبي.

كما أن أصرار بعض الأطراف الدولية على استلام بعض المطلوبين دوليا ومحاكمتهم ليس بدي جدوى مادام هناك من يحكم ضد أرادة المؤتمر الوطني العام بل وهناك من يطلب رفع الحصانة عن رئيس المؤتمر نفسه فالحكم والحالة هذه مخرج من أزمة ملموسة داخلية وأخرى لا تقل عنها خارجيا فالترحيب به من الذين لم يكن في صالحهم مباشرة إنما يعنى أدراكهم لمصلحتهم في المدى البعيد فهو والحالة هذه موقف واع ومتعقل وكم يكون مفيدا ومجديا وبعيدا عن عن إضاعة الوقت في لا طائل من ورائه لو يتم الكف عن محاولة الاجتماعات التي لن يتوفر لها النصاب وعن الخوض في أي شأن مصيري لتبقى الحكومة مكلفة بتسيير الأعمال كما نصحنا منذ مدة وفي هذا المكان من فبراير ولمجرد أن لاح في الأفق ما أخذ يجهز من أزمات المؤتمر الوطني العام حين أقصى على زيدان وكلف عبد الله الثني أملا في التقاط الانفاس وتجهيز للحكومة التي ما لبثت أن ظهرت وبلغت ما بلغت لولا أن الثني قابل الموضوع من البداية بتوجه أبعد عند اجتماعه في غات وتحدث من هناك عن الأرهاب ورفض التراجع عن موقفه حين طلب منه المؤتمر .

لقد أدرك الكثير من المراقبين الواعين أن مستجدات ما لابد أن تحدث وعلى الأخص فيما يتعلق بموضوع الأرهاب, وهكذا لم يمضي كثير وقت حتى اندلعت الأعمال العسكرية التي رفعت شعار الكرامة للجيش الليبي والشرطة لتتنادى اطراف لابأس بها مؤيدة. الأمر الذي أكد أن هذا المستجد له من الأمتدادات ما له وان قيادته ليست محصورة في ضابط او ضباط بحيث يمكن الحد منها بواسطة عملية او عمليات انتحارية فوجب بالتالي أن يعاد إلى التفكير في الأمر بجدية, وإن هذه الجدية تبدأ من مراجعة الممارسات التي سادت في السنتين الماضيتين متبنية نزعة التغول والاستحواذ ,وقبل ذلك الأقصاء مما يعني أن ما أقدمت عليه المحكمة العليا من فصل الطعن المرفوع بشأن تشكيل الحكومة يقتضي الآن بالضرورة الطعن في كل القرارات والقوانين التي صدرت في جنح الليل .وفي غياب المراجعة الناضجة والاحتكام إلى الوسطية دينيا والمصلحة واقعا على أن يكون واضحا أن ليبيا لها من مشكلاتها المتداخلة واحتياجاتها المعقدة ومساحاتها الواسعة ما يفرض عليها أن تصفي ترابها من كل دخيل وتتخلى طائعة مختارة عن التدخل في أي شأن من شؤون غيرها وأن واجب الجوار يفرض عليها أن تتصرف في حدود حجمها والتقدير الصحيح لمصالحها والتي لن تكون أكثر من المحافظة على وحدة التراب وضمان الأمن والأمان والتنمية المستدامة وحسن الجوار مع دول المحيط وقبل ذلك وبعده الاحتكام الحقيقي إلى إرادة الشعب في كل ما يخصه بعيدا عن الوصاية بأي مبرر من المبررات.إنتهى



_____________________________

النعمي وعتيقة وذاكرة الوطن

أمين مازن

4-6-2014

قبل أن أسعى إلى متابعة أشغال الندوة التي انتظمت في الثاني من هذا الشهر بقاعة المركز الوطني للمحفوظات والدراسات التاريخية « الجهاد» والمكرسة للذكرى الأولى لرحيل الدكتور عبد الله النعمي الذي غادر عالمنا منذ سنة مضت وجدتني أرحل بالذاكرة إلى الأردن وعاصمته عمان ، والتي نعت من جهتها وجها وطنيا شديد الإشراق هو الدكتور علي عتيقة الذي غادرنا في لمح البصر ، في الوقت الذي كان عديد الوطنيين يطرحون اسمه ضمن الرموز الوطنية التي يمكن أن يستعان بها للخروج بالوطن من محنته التي استفحلت إلى الحد الذي لا يعرف أحد إلى أين ستبلغ وأي حجم للمخاطر التي يمكن أن تنتج عنها ضروريا أن يكون جزء من هذه الإطلالة الاسبوعية خاصّا بالدكتور علي عتيقة ليس من حيث العلاقة الشخصية الوثيقة مع شخصه الكريم أو أشقائه المسكونيين جميعا بالهم العام والمشهورين بتواصلهم وجدية مواقفهم. فعلى أهمية ذلك ووجوبه ثمة ما هو أكثر ضرورة في هذا المقام وكذلك المكان .

فقد رحل الدكتور عتيقة بعد أربعين سنة ونيف بديار الغربة أي منذ سقوط النظام الملكي الذي حمل فيه عتيقة حقيبة وزارة التخطيط ويدخل بعد ذلك المحيط الدولي فيشغل أكثر من موقع اعتمادا على كغاءته الشخصية وعلاقاته الخاصة وليس مرشحا من بلاده التي كانت في أمس الحاجة إليه لولا أنها قد سلكت منذ الأول من سبتمبر 69 مسلكا قوامه الأقصاء والمكابرة واعتبار كل ما كان قبل ذلك التاريخ يمثل الخطأ وأن ما تلى ذلك هو الصواب بعينه غير أن الكتور عتيقة كان في مستوى المسؤولية ومستوى المكانة التي بلغها عن جدارة فبقي دائما إلى جانب الوطن ودونما انتظار شكر الشاكرين أو تاثر بجحود الجاحدين .

لقد ظل الدكتور عتيقة ومنذ عودته من دراسته الجامعية بالولايات المتحدة الأمريكية ، والتي التحق بها من خلال عمله الأداري بنظام الزراعة بطرابلس وفي موقع مسقط رأسه مصراته عندما أكتشف فيه أحد رؤسائه من غير الليبيين ما أهله للإيفاد فعرض عليه السفر في دورة ما لبثت أن تطورت المستويات متقدمة لتقضي في النهاية إلى دخوله الفضاء الجامعي انطلاقا من الأسلوب العملي المعمول به في أمريكا حيث الأهمية للأوراق التي يحملها أي موفد حول مستواه الدراسي بقدر ما تكون الأهمية للمستوى الذي يثبته الامتحان الرامي إلى تحديد المستوى الحقيقي. فكان أن قطع عتيقة رحلته العلمية التي جعلته يعود مع آخر الخمسينات وأوائل الستينات حاملا مؤهله العالي في الاقتصاد وتستمر سيرته العملية بين قسم البحوث في بنك ليبيا ووزارة التخطيط التي عمل فيها هي الأخرى وينخرط في الوقت ذاته بالنشاط الاجتماعي وما كان يشهده من حوار على أكثر من صعيد ولاسيما جمعية الفكر الليبية التي كثيرا ما خصها بمحاضراته من ناحية وحضوره محاضرات الآخرين وأحاديثهم من ناحية أخرى. كان الرجل جاداً بكل ما تحمل الكلمة من المعاني وكان متطلعاً إلى التعاون مع الأطياف كافة ولكن السيطرة يومئذ للرأى القائل بالاقتصاد الموجه والرافض للآخر الحرّ والذي كانت ظروف البلد تستدعي ضرورة التوجه إليه والأخذ به إذ مادام النفط قد صار المكون الأساس للاقتصاد الصاعد فإن تبني الاقتصاد الحر ورفع القيود عن العملة وما إلى ذلك من التعامل المرن يبدو أكثر وجوبا ، وهو ما لم يتوصل إليه أصحاب الأصوات المرتفعة من الذين كانوا يرون في الواقع كل ما يدعو إلى الرفض وإلى التطلع خارج الحدود لافرق أن يكون ذلك بدعوى التقدم اليساري أو بدافع الخيار القومي. لقد فتح الطريق في النهاية أمام علي عتيقة عشية استلامه حقيقة وزارة التخطيط مع الأستاذ عبدالحميد فيتخد هذا الأخير ، وقد كان مدركا لكفاءة علي عتيقة في عديد الأمور الاقتصادية بما فيها النفط فكان يومئذ الاستئناس برأ يه بل والعمل به ولاسيما في مجال الاسعار فكانت ليبيا الحريصة على عدم رفع الاسعار من جانب واحد بمعنى أن توائم الدول المصدرة للنفط بين تحديد سعره وسعر المواد المصنعة منه أذ بدون هذا التنسيق ستتمكن الدولة المصنعة من رفع أسعار سلعها على حساب المستهلك الذي لايمكن أن يقابل المضاربة ومن الممكن القول أن هذه النظرة الواعية كانت في مقدمة ما دفع الدوائر الاقتصادية العالمية إلى ترجيح التوجه الرامي إلى إسقاط الأنظمة التقليدية ليأتي الحكام الذين لايجيدون تدقيق الحسابات فيستعدون لردة فعل الآخر، وكان ما كان بعد ذلك من معركة أسعار النفط ورفع أسعاره وكذا المواد المصنعة منه، وتكون النتيجة اضطرار الدول المنتجة إلى مزيد العرض ومن ثم التنازل فيما تبقى المواد المصنعة حيث هي من حيث ارتفاع الأسعار لقد أدرك الكثير من المتحمسين للاقتصاد الموجه وغيره من شعارات الحرب الباردة في ثمانينات القرن الماضي تحديداً من الذين كانوا دون مستوى النظرة الثاقبة التي امتاز بها اعتيقة وكان من حسن حظي على الصعيد الشخصي أن حضرت حديثاً لأحد خبرائنا الاقتصاديين وكان يومئذ يشغل منصب إدارة بنك ليبيا فامتدح السياسة التي اتبعت في رفع الأسعار فتيسر لي- وأنا غير المختص- أن اصدح بما لدي من آراء عتيقة وأن أدعو مجايلينا أن يراجعوا ما الحقوا بهذا العالم من الأذى في سنوات النزق اليساري ، حين شاعت في واقعنا مجانية التخوين وجريمة الرفض المطلق للواقع المعاش وما كان يمتلئ به من مؤسسات ونظم كانت في حاجة إلى الاصلاح من الداخل والسعي إلى تطويرها بدلاً من السعي إلى تقويضها حيث لابديل سوى الخراب والسطحية والتمكين لكل موقف سلبي هدام على نحو ما كان يشيع لدينا آخر ستينات القرن الماضي عندما عجز جيل الآباء عن تطوير أساليبه وحسن التعاطي مع المتغيرات فكان أن مهّدت المصالح الكبرى لحدوث ما حدث فيقضي أمثال على عتيقة حياتهم خارج الحدود ويطوي بعضهم الآخر النسيان أو الحياة حيث لا جدوى للاسهام الممكن والإمكانية القادرة هي حالة كان عبد الله النعمي أحد ضحاياها الذي كان في اليوم ذاته موضع احتفاء جمهور الكثير من عارفيه والمقدرين لدوره ومسلكه، وحرصوا على الرغم من عديد المستجدات على إحياء سنويته الأولى التي تزامنت مع اليوم المذكور فاقتضت وجود باقة من الأوراق المكتوبة التي تنادى لإعدادها نفر من عارفي علمه ومقدري عطائه ، وجمال مجلسه . وفيما ذهب بعضها إلى استعراض تجربته المعرفية التي حملها على نحو خاص ما أعده من أبحاث شكلت أطروحته التي نال بموجبها شهادة الماجستير والأخرى التي استحق بها الدكتوراه ، وكلتاهما في مجال الاختصاص الذي اختاره ونذر حياته له ألا وهو التعليم ومناهج التعليم واللغة العربية ودور اللغة العربية في صون الهوية القومية، تلك التي انحاز إليها منذ شبابه الأول عندما كان بين الذين يمموا وجوههم شطر مصر وهي تشهد ذلك المتغير الكبير الذي طرأ مع التجربة الناصرية وما أحدثته في ذلك الواقع من نهوض قومي جمع بين اللغة العربية كوعاء والقومية العربية كمحرك والمطلب الوحدوي كمخرج من الأزمة ، خيار بلوره أمثال عبد الله النعمي في الانضواء تحت خلايا التنظيم السري لحزب البعث العربي الاشتراكي الذي حرص قادته السوريون على المشاركة في تأسيس أول وحدة عربية جمعت سورية ومصر وحدة دامت كما هو معروف سنوات ثلاث لتنفك بعد ذلك عقب جملة من الممارسات الخاطئة التي جعلت المراقبين يتنبأون بمصيرها المحزن قبل أن تقع ، ويتزامن ذلك الانفكاك باقدام السلطات الليبية على اعتقال الفصيل الوطني الليبي الذي كان قد تبناها أثناء المد القومي ، فيطال ذلك الاعتقال ضمن من طال الدكتور عبد الله النعمي، ليكون ضد الذين مثلوا أمام القضاء بتكييف قانوني جمع بين المؤسس والمنضم والنصير ، فكانت هذه الأخيرة أخفها، وهي ما طبقت عليه، بفضل وكيل النيابة الاستاذ عمران عرفة- كما رويت عن الدكتور النعمي شخصياً . لقد كانت هذه التجربة واحدة مما شكل سيرة النعمي ومواقفه وتكوينه، بحسب الذين ادلوا بشهاداتهم عنه، شهادات أشادت بتماسك شخصيته وقوة خياره وصدق تواضعه، وموضع إشادة عارفيه ، صاغ بعضها شعراً صادقاً ومؤثراً الشاعر عبد المولى البغدادي، وصورها بعمق ووعي ونضج المثقف الرائع سعدون السويح، فيما حرص الاستاذ ابراهيم الهنقاري أن يستدعي لها اختصاصه التاريخي ليستعين بما حفل به التراث عن شخصية الصحابي الجليل أبي ذر الغفاري، فكان موفقاً أيما توفيق، لولا أنه وقع من حيث لا يقصد دون شك في محضور كبير للغاية، عندما أرجع ذلك الاعتقال إلى سوء أداء السلطات الليبية بدءاًً من حكومة السيد محمد بن عثمان وصولاً إلى ولاية طرابلس وواليها فاضل بن زكري ورئيس مجلسها التنفيذي الاستاذ علي الديب وهو اختزال مخل للغاية وضار بحقيقة التاريخ فقد كانت تجربة الاصدقاء البعثيين مشرفة للغاية وكان اعتقالهم لما أظهروه من موقف نضالي مثلوا بموجبه أمام القضاء وطالتهم عقوبات محددة ، وظل بعضهم متمسكاً بانتمائه وموقفه إلى الحد الذي جعل النظام المنهار لا يتردد في اعتقالهم بل وأعدام بعضهم في ثمانينات القرن الماضي عندما اهتزت الارض من تحته على نحو ما حدث للأستاذ عامر الدغيس ومحمد فرج حمي ، ومحمد اهلال - الذي لم يعثر على جثمانه - وليرحم الله عبد الله النعمي في ذكراه الأولى وليشمل برحمته علي عتيقة الذي لحق به - أخيراً- يوم ذكراه.إنتهى


____________________________

!..إنهم يخرقون ما يقولون

أمين مازن

29-5-2014

مازالت ثقافة النظام المنهار تبرهن ، في كل يوم علي تجدرها في مجتمعنا الذي يفترض أن يكون قد تجدد عقب فبراير ، فنراها تفصح عن حجم الاستفادة غير العادية التي داب الكثيرمن اللاعبين الجددفي مسرحناالسياسي الفتي على تجسيدها في الكثير مما يقولون وما يفعلون ، وبالاحرى يفعلون مالايقولون ، على الرغم من انهم لايسأمون كيل الشتائم لذلك النظام الذي تكاد الذاكرة ان تنساه ، فيما نجدهم يدّعون وجود ازلامه بالقليل من الأدلة أحيانا ومن دون هذه الادلة أحيانا أخرى وفضلا عن حركة الالتفاف السريعة التي بادر بها المؤتمر الوطني العام الموقر ـ منتهي الولاية على اصح الاراء ـ على متقرح لجنة فبراير المشكّلة أساسا من المؤتمر المذكور والمكلفة من طرفه بدراسة المشاكل المتفاقمة ، وماأدت اليه من حالة الاحتقان التي عمت البلاد على مختلف الصعد والمناطق وذلك بتقديمها المقترح المذكور للتصويت كحزمة واحدة تم تفتيتها له بعد ذلك في التنفيذ، فكان بيت القصيد متمثلا في اقالة السيد علي زيدان ، بطريقة شكك فيها المختلفون مع زيدان قبل المتعاطفين معه ، ومن ثم تجزئة الانتخابات المتعلقة بمجلس النواب ورئاسة الدولة ، بحيث اعتبرت هذه الاخيرة من مشمولات المجلس المقرر انتخابه ، وهي مغالطة لا يمكن ان تنطلي حتى على الاطفال ، اذ كيف يُتصور أن تتخلى جماعة تُرك لها حق البث في مثل هذه المهمة للمجموعة والتي لايستطيع أحد أن يضمن الطريقة التي تفكر بها بل والتي سبق أن اختبرت وكان اجماعها ومايزال مصدر ازعاج ومبعث خوف وشرعنة تشريع جاء باقصى انواع الاقصاء وأشد صنوف الجحود ، وبحجة من اوهى الحجج وهي ان انتخاب رئيس الدولة مباشرة سيعيد الديكتاتورية للبلاد في الوقت الذي يعرف القاص والداني أن المؤتمر الموقر قد ضرب دون غيره المثل الاكبر في ممارسة الديكتاتورية بداية من انتخاب رئيسه ووصولا الى اختيار رئيس الحكومة ، مرة بتجاهل الاغلبية التى حظي بها السيد محمود جبريل وكان من المفروض أن يُكَلف برئاسة الحكومة انطلاقا من أن اكثرية الاصوات اعطيت للتحالف الوطني ، ومرة اخرى بسحب قرار التكليف من السيد مصطفى بوشاقور لمجرد ان صرح بعزمه على تشكيل الحكومة من الكفاءات ، وليس المحاصصة السياسية فاذا بالمؤتمر يعتمد مذكرة موقعه من اعضائه تدعو الى سحب التكليف الذي فاز به على منافسه جبريل ويفسح الطريق للسيد علي زيدان اي أن مهمة بوشاقور اقتصرت فقط على إبعاد السيد محمود جبريل ، فاذا ماقدر للحكومة أن تشكل ، وجدنا العصا توضع في العجلة من البداية فقد سلك المؤتمر الموقر طريقا طويلا ملؤه الحرص على تقزيم منصب رئيس الوزراء على الرغم من انه جاء بالانتخاب ، بل لقد شُكلت لجان لكل القطاعات ، كان هدفها وبالاحرى اداؤها منصرفا الى المشاركة في الامور التنفيذية ومزاحمة الوزارات في اختصاصاتها ، فاذا ما ظهر اخفاق من الاخفاقات كان التنادي لإلقاء المسئولية على الحكومة ، وحسب المرء ان يلاحظ أن الكثير من اعضاء المؤتمر الموقر لم يكتفوا بمحاسبة الحكومة في جلسات المؤتمر وانما عمدوا إلى اكثر من ذلك فكانوا يتسابقون على الخروج في شاشات التلفزيون متحاملين على السلطة التنفيذية محملينها وزر ما فعلت ومالم تفعل . وعندما تعالت صيحات الجماهير وشرعت تدعو الى رحيل المؤتمر من منطلق إنتهاء مدتّهواخترع مخرج لجنة فبراير ومقترحاتهاوجدنا المؤتمر لايكتفي بلعبة الالتفاف التي اشرنا اليها في صدر هذه المعالجة ولكنه يذهب الى اكثر من ذلك فيوالى اصدار هذا السيل من القوانين وتعديل القوانين وجميعها غير ذات استعجال ويفترض أن تظل مؤجلة إلى مرحلة مابعد إصدار الدستور الذي يفترض أن يكون أبا القوانين ومصدرها وعنوان شرعيتها .

والمؤسف بدون شك ماذهب إليه في هذا الصدد السيد وزير العدل الذي رأيناه وهو القانوني المتظلع يعمد الى تشكيل لجنة يطلب منها مراجعة التشريعات والوقوف على تطابقها مع الشريعة الاسلامية ، بحجة ان الشريعة من الثوابت التي لاخلاف عليها وهو تبرير تنقصه الدقة ان لم نقل يحمل قدرا من المغالطة ، ان من حيث الظروف الزمانية المتمثلة في المرحلة الانتقالية وما تستوجبه من الاقتصار على الضروري من التشريعات ريثما تستكمل الإجراءات المتعلقة بوضع الدستور الدائم وما يسجله من قواعد عامة لا مندوحة من مراعاتها عند وضع أي قانون من القوانين ، أو انتخاب السلطة التشريعة الدائمة التي سيختارها الشعب بمقتضى برامج معلنه يتم حولها التنافس المشروع وتفضي الى الاغلبية المريحة القائمة على توافقات الشعب وحوارات قواه الحية ، أو من حيث الاتفاق على نوعية الشريعة التي ستحتكم اليها القوانين ، وهل هي المحتكمة الى مبدا مراعاة المصلحة ودفع الضرر ومبدا أختيار الايسر انطلاقا من المفهوم القائل بأن الدين يسر وما الى ذلك من الاقوال التي انتهجها الخالدون من اهلنا الذين انتهجوا الوسطية ونبذو الغلو ، وادركو خطورة التطرف وما يرتبط به من ردود الافعال التي لا تنتج الا القنوط والامعان في المضي نحو المفاسد ، أو الاخرى الآخذة بالشطط والتعقيد وفي احيان كثيرة التظاهر بقول والعمل بنقيضه ،حتى ان بعض الحكام الذين طالما رفعوا شعار الاسلام وانفقوا بسخاء على منظماته المنتشرة في عرض البلاد وطولها وكثيرا ما اقامت محاكمهم الحد ، بلغت خسارتهم في صالات القمار البيروتية ما يساوي ميزانية بعض الدول الافريقية ، حين بلغت فقط عشرين مليون من الدولارات الامريكية ، مما يجعل من الشريعة على رأس ما يحتمل الخلاف ويحتاج الى التدقيق والتدقيق القوي الذي لا بلوغ اليه دون الحوار الصريح الشفاف .

اما اذا وضعنا في الاعتبار ما يطرحه البعض بصدد الشريعة الاسلامية والقوانين من المطالبة باعادة القضاء الشرعي بشقيه الجزائي والاستئنافي ليحكم هذا القضاء المختص في شئون الارث والطلاق وما في حكمهما وهي كما يعلم الجميع جزء من الاختصاص القانوني الذي يدرس في الجامعات ومن يجمع بين العلمين يكون اقدر على تبين الحق ومراعاة المصلحة ولا سيما في الاحوال الشخصية ، اقول اذا وضعنا في الاعتبار هذه المسألة فلاشك ان السيد وزير العدل لن يستكثر مطالبته بالتريث في مثل هذه التوجيهات والتوجهات صحيح ان هذا الموقف اللافت قد سبق موقف اكثر لفتا بدأ به رئيس الوزراء المكلف الذي دشن مهمته بعقد اول اجتماع لبقايا الحكومة في مدينة غات بأقصى الجنوب مدفوعا رما بذلك التجاوب المعروف بين هذه ،المدينة وشقيقتها غدامس مواطن آباء الرئيس المكلف تجاوب رواه ذات يوم المرحوم العربي عبدالقادر احد رجال غات على مستوى الوطن ليطلب في اول اجتماع من المجتمع الدولي مساعدة ليبيا على التخلص من الارهاب الذي تعاني منه عدد من المدن حددها في بنغازي ودرنة وسرت وهو الذي حددت مهمته في الرئاسة المؤقتة باسبوعين واذا به يضيف الى مشروع الميزانية المقترح ملياري دولار وهو الذي لن يتمكن بحسب المدة المقترحة من انفاق القليل من المقترح ما بالك بالزيادة ، اللهم الا اذا كان قد ادرك سلفا ان الكتل لن تتفق على بديل له ، أوانه من البداية يمثل البديل المفضل طبقا للظروف السائدة ، كما أن الموقف الذي تبناه السيد وزير الخارجية في غمرة حضوره اجتماعات الكويت حيث طرح الامير السعودي كما تحدثت بعض الانباء إمكانيةعودة الملكية الى ليبيا ، حيث وافق او ابداو دعا السيد وزير الخارجية الليبي ما يسوغ هذا التوجه ، مبررا موقفه هذا بكونه موقفا شخصيا واجدى لمصلحة ليبيا ، ومؤكدا انه مستعد للتخلي عن الموقع والاختلاف موع المؤتمر في سبيل مصلحة الوطن ، ناسيا أو متناسيا أنه بدون الصفة الاعتبارية ما كان له أن يحضر المؤتمر ولا أن تجري معه المقابلات ، وأنه لو كان كما يقول لما حضر هذا المؤتمر من الاساس ، اذ فقد ذكرت الأنباء أنه قدم استقالته قبل خروج السيد علي زيدان ، واذا به الآن يبقى ويحضر المؤتمر ويسافر بإمكانيات الدولة الليبية دون أن يلتزم بتوجيهاتها أو لنقل قراراتها وابسطها أن نظام الحكم لم يتقرر لحد الآن ، وأن العودة إلى الملكية ذاتها فيما اذا تقررت فليس بالضرورة أن تكون للسيد محمدالحسن الرضا فقد احجم الملك ادريس على المطالبة بالعرش عندما كان خارج الحدود وكذلك فعل ابن اخيه الذي وقع التنازل مكرها ولم يتبرأمن تنازله عندما امتلك حريته ولم يقترب السيد محمد الحسن الرضا من المعارضة الليبية في الخارج مما يعني أن الملكية فيما اذا رأى الليبيون ضرورة عودتها واقنعتهم بها ،ربما التجاذبات المناطقية التي تورق السيد وزير الخارجية في غرب البلاد ، فمن الاجدى ان تكون في فرع ال الشريف ، حيث سابقة السيد احمد الشريف والسيد صفي الدين وربما السيد محمد عابد ايضا ، ذلك يعني ان على السيد الوزير لكي يكون متفقا مع مايقول أن ينتظر الفراغ من الدستور وطرح شكل الحكم على الشعب ليقرر بشأنه ما يرى ليتاح للسيد الوزير بعد ان يترك منصبه ان يتبنى النظام الملكي ويدفع بمحمد الحسن الرضا وستعيد العرش المفقود وربما يبرم ما تقتضيه المرحلة من الاتفاقات المتعلقة بالارهاب وما ادراك ما الارهاب فليبيا على كل حال عادت إلى بداية الاسقلال وما قبل الاستقلال، ومثلما اذنت الحرب العالمية الثانية بإحتلال شرق البلاد من طرف البريطانيين ومشاركة الفيلق الليبي الذي اسبغت عليه صفة الشراكة، وجنوب البلاد بواسطة الفرنسيين ومعهم كتيبة أحمد سيف النصر الذي كان أكثر تواضعا فقد كانت طرابلس المدركة لحقيقة الاوضاع بقدر أوعى، حيث بادرت نخبها برفع شعار الاستقلال التام والمناداة بالسيد محمد إدريس السنوسي ملكا دستوريا واشترطت أن تكون هذه البيعة في شخصه واولاده من صلبه ، فاذا ما قدر للامور ان تسير على هذا النحو فسيكون للسيد وزير الخارجية ولمن يهمه من ذو بامكانتهم المحفوظة في الملكية المنتظرة لولا أن هذه الملكية شبه مستحيلة من الناحية العملية اذ لا يوجد في العالم اجمع من يحبذ فكرة السمع والطاعة سوى لله وحده وليس من كل الناس ناهيك عن الحاكم ولا وجود للملك الذي يقبل ان يكون رمزا لا يأمر الا بما يعرضه عليه رئيس وزرائه ولا يتحرج من اي طعن في دستورية او امره أما لماذا يلتف المؤتمر الوطني الموقر على مقترح لجنة فبراير وتتبنى الحكومة مثل هذه السياسات فلانها الثقافة المتجذرة التي تمارس اعتى انواع الديكتاتورية لحجة مقاومة الديكتاتورية، وتشكلت في الحزبية التي هي جوهر الديمقراطية وتدفع بالقبلية اوهن الاشكال البدائية، وتضرب الرقم القياسي في تمكين الاقارب والمحاسيب والشركاء وموالات الرجعيين العرب الذي لن يكون ريعهم بعيدا ولا منجي من خسارة جوادهم ، في معركة المستقبل.إنتهى


____________________________

نحو محتوى أعمق للشخصية الليبية

أمين مازن

18-5-2014

وجدتني مدعوا هذه المرة أيضا إلى الخصوص في حديث الشخصية الليبية التي كان آخر صدع رسميا وتحمل في سبيلها ما تحمل رئيس الوزراء الليبي ما قبل الأخير في النظام الملكي المرحوم عبد الحميد البكوش الحامي،تبك الدعوة التي ناصرة على النهوض بها البعض

وناصبة العداد غير الموضوعي في القالب البعض الآخر مما جعل هذه الدعوة تعتبر ضمن التهم التي يمكن أن يعاقب عليها أثناء محاكمة رموز النظام الملكي عندما اتهموا بالفساد السياسي والمالي وغير ذلك من التهم التي طالما تفوه بها الكثيرون قبل سقوط النظام الملكي لتعتبر بعد ذالك من مبررات محاكمة رموزه ومن بين هؤلاء عبد الحميد البكوش الذي كان أكثر المتهمين عرضة لقوة الادعاء العام بل والمحكمة أيضا عندما سمعنا رئيس المحكمة على رؤوس الأشخاص يصف إدخال اللغة الانجليزية في المراحل الابتدائية بتغريب الفكر الذي يبرر العقوبة أن لم تقل مضاعفنا بدون شك وكان رد البكوش بأن اللغة تعمق الفكر ولا تفر به وما ذلك إلا أن البكوش يفرق بين اللغة الانجليزية المطلوبة للأجيال الجديدة وتلك التي يرى الادعاء أنهم يعرفونها فالأولى تساعد على التفكير ،أما الثانية فتكفي لإنجاز الاحتياجات اليومية

أنه المفهوم الذي أوجزه لي شخصيا في حديث سبق كما سبق وقلت وكان غاضبا من بعض الأصوات التي أبدت النهوض عن

فكرة البكوش في مجال التعليم عقب خروجه من الوزارة مباشرة إذ قال بالحرف الواحد وهو يعلق على أحد اللذين ايدوا والنكوص

عن خطوة البكوش الجريئة فقال ذلك ليتعلم أبناؤنا كما تعلمنا لو أردت الرد على لقلت أن اللغة التي نريدها للأجيال الجديدة هي التي تساعد على التفكير لا تلك التي تؤخذ بواسطتها الفواني من المراقص.

لقد عيت شخصيا إلى الادعاء مرتين الأولى على هيئة حوار وري من كاس شاي بمكتب وكيل النيابة اليد عبد الله المالكي الذي

وجدت أمامه مجلد صحيفة الميدان وخطوط تحت مقاطع مما كتبت وكان السؤال هل اقصد البكوش بصفة الانحراف

بالشخصية الليبية فكان ردي على غير ما ضمن وعندها دعيت لاحقا من جديد بشكل رسمي وعلى هيئة سؤال وجواب لا وقع

على إجاباتي وعلامات الانقباض ظاهرة على محيا المحقق غير أن هذه الإشكالية استبعدت في نهاية المطاف إذ رؤى أن طرحها للحوار سيكسبها الأنصار أكثر من كون كونه سمينها القوة والوقع أن كل الحوار الذي دار في تلك المحكمة لصالح المتهمين أكثر من مبرر

إلا أنهم ولعل قيامه السيد مازن والسيد فتحي الخوجة وكذلك عبد العزيز الشلحي مازالت في الذاكرة كل من شهد تلك الواقع بل على الواقع المذكورة تعتبر من أهم المراجع التي يحتاج إليها التاريخ الحديث الذي بذلت جهود كبيرة لتشوبه ويخش عليه ألآن من طرق معاملة

وردة الفعل التي كنزته ما قبل سبتمبر جملا وتفصيلا في الوقت الذي نجد المراجع الحديثة والتي نقلها بأن معارض مثل الدكتور المقريف

على نحو فيه الكثير مما يخدش الموقف الوطني المعارض النظام الملكي بالذات واليوم وبعد خمس وأربعين سنه من تلك الأيام التي

وقفت فيها مثل هذه الوقائع المتعلقة بالشخصية الليبية كفكرة للبحث ومشروع للتطبيق ،وتناول منصف من طرف البعض وموغل

في التحايل من البعض الآخر، ودونما إقرار لما يذهب إليه البعض من التحرير الموضوعي على ذلك الماضي والاتفاق من الإشادة

على النحو الذي لا يحقق اضافة تذكر لابد أن يكبر المرء لكل عودة منصفة ذلك الموضوع ولاسيما إذا كان من الذي وجدوا موقفهم

غير مدرك للمرحلة بالمستوى المطلوب على نحو ما تحدث الأستاذ محمد العمامي الذي لم يجد غضاضة في تصويب موقفه إزاء

التاريخ وهو موقف ذكرني بالأستاذ محمد زغبية الذي جاء في تلك الفترة إلى مقهى الاورورة مشيدا بالتعديل المهم الذي ادخل

على قانون البترول عندما استحدث عقد المشاركة وما حمله من ميزات اشار بها الاستاذ بكل الوضوح والمصدقية ولم تكن

لم يزدد في الانفاق واعترف انني ادركت الكثير عن مشكلات البترول ومزايا العقود الحديثة في ذلك الزمان عن التقليدية وعبر

هذا الاخذ والرد حول الشخصية الليبية وخلفياتها ودوافعها وما يمكن أن نجني اليوم من وراء الخوض فيها أشعر بأنني مطالب

بتوضيح ما قلته بأن هذه الشخصية "برنامج عمل" فأضيف أنها يومئذ وخلافا لمرافقها من خطوات تعلقت بالتشريعات وسياسات التعليم والاقتصاد أنها بدون شك استهدفت خطابا ثقافيا واعيا وآخر إعلاميا أكثر عقلانية ، ولهذا كان يومئذ كثير التبرم بالخطاب الإعلامي

الرسمي القائم على المدح لكل ما يجري في ليبيا وتبني فكرة كل شيء على ما يرام ، كما كان تواقا إلى كل محاولة جادة تشجع الاعتزاز بالذات الوطنية ومقوماتها المتمثلة في الرموز واللهجة والملبس والعادات ، حتى أن الزى الوطني كان الخيار الأول في جميع المناسبات الرسمية ، ومن هنا لم يجد حرجا في توجيه الكثير من الرسائل الشكر لكل من تبنى موقفا ثقافيا جادا ينم عن الاعتزاز بالتاريخ على

نحو ما فعل الدكتور على خشيم الذي نقل يومئذ عن اللغة الانجليزية نصوصا من التراث الفلسفي المنجز بليبيا قبل الإسلام ، واعتبرها نصوص ليبية باعتبارها قد أنجزت داخل ليبيا وصارت بالتالي من تراثها شأنها شأن ما أنجز بالإسكندرية ونسب إلى الإسكندرية ، أنه المصطلح الذي يعتبر جميع الأجناس التي عاشت في ليبيا وأنجزت حضارة في ليبيا منسوبة إلى الوطن الليبي ، ومن هنا شهد ا

لاهتمام بالآثار واثأر الجرافيت بالذات قسطا كبير من الاهتمام الرسمي والبحث العلمي ، وكذلك كان الاهتمام بوجوب الحديث

باللهجة الليبية ليس من باب التعصب ولا معاداة اللهجات العربية الأخرى وإنما لان التقليد يتم عادة للأفضل والأفضل دائما للسادة ،

وكل من لم يجد عيبا في التقليد فهو بالضرورة سيشعر شيئا من النقص وهو –أي البكوش –لا يحبذ وصف الليبيين الذين يشعرون بالنقص ، ولا شك أنه لذات السبب ولنفس العامل حرص على أن يستقبل في مكتبه برئاسة الوزراء الكاتب صادق النيهوم ويعرض عليه أن يكون بين العاملين في الدولة ، وعندما اعتذر النيهوم بحجة أمه لا يطيق الالتزام الوظيفي كما روه –وكما رويت عنه أيضاً- "فيه مليون ليبي يأخذوا الرواتب بدون عمل "، أنت كون واحد بعد المليون !!

لقد وجه يومئذ باستحداث برنامج أطلق عليه عنوان " مرآة الصحافة " لتذاع فيه المقالات المميزة وللسماء المميزة أملا في أن يحتل

مثقفو ليبيا وكتَابها مكانتهم المرموقة كما هو الحال في كل الدنيا ، وليكون أعلام ليبيا يمثلون القدوة بدل أن يذهب المواطن الليبي بعيدا

، ولكن الأجهزة كانت أعجز من أن تواكب مثل هذا التصور ، وما تزال البيانات التي وجهها في الأشهر المحدودة التي لم تزد على ثلاثة ، احدها بمناسبة الحادي والعشرين من نوفمبر وأخرى بمناسبة عيد الجيش وثالثة في العاملين بالإعلام تحمل أدق تحليل للمرحلة وابلغ

رد على ما كان يتردد في الأوساط الشعبية ومن الإطراف العربية بأن حركة العمران التي أطلق عليها خطة التنمية ليست أكثر من

ميزانية استثنائية لان التنمية تعني المشاريع المنتجة ، وهذه مغالطة واضحة لان البلاد محتاجة إلى المدارس ومحتاجة إلى كهرباء

ومحتاجة إلى إسكان محدودي الدخل ، فهل يسوغ أن يحرم هؤلا من احتياجاتهم ويتم الانصراف إلى المشاريع المنتجة ، ومن ا

لإنصاف أن نقول أن هناك من تجاوب مع هذه الأفكار ، وعندما تهيأ له الخروج من البلاد والظفر باللجوء السياسي ليتحدث من

القاهرة كان بيانه الضافي الذي وصل وكالة الإنباء الليبية واطلعنا عليه الصديق بشير القنبي من موقعه في الوكالة أو بحكم علاقاته

مع زملائه بها وجدناه يتحدث عن المرحلة بوعي مقدار الذين اقروا خياره وغير حاقد على الذين اختاروا الموقف المختلف ،

والحق أننا أحوج ما نكن اليوم إلى استعادة هذه الروح البناءة التي لا مكان للحقد اوالانفلاته أو إخفاء الحقائق عن الناس ،

وكذا التضحية بمصالح المواطنين في سبيل المجموعات الأكبر أيا كانت هذه المجموعات أممية ماركسية أو أممية إسلامية فضلا

عن الوحدة القومية ، فليبيا التي يحتاجها أبناؤنا اليوم إذا ما قدر لها أن تسترد عافيتها وتبدأ خطواتها نحو بناء مستقبلها ، وهي تلك

التي تحتكم في مواقفنا السياسية إلى صون مصالحها وضمان تطور مواطنيها اقتصاديا وعلميا وتربويا ، مثل هذا التوجه لا يحتاج

إلى مراكز تنشأ ولكن يحتاج إلى قوى مدنية تلتقي تحت فضاءات المجتمع المدني وشقيقه السياسي بحيث تشحذ همم القادرين على

تفعيل العمل الوطني في تجلياته الثقافية تحديداً ، ليعاد إلى أنتاج النص الأدبي القادر على تربية الأجيال الجديدة ، والفهم الذي تستثار

عن طريقة الهمم كي لا تكون أسيرة النموذج الخارجي الذي طالما عبث بعقول الناس مخدرتهم تارة م...... سطحية تارة أخرى ،

وقد يحسن بعد هذا أن نؤكد أننا لا نرمي إلى الانغلاق ولا نتصور إمكانية الخلاص من التأثر والتأثير الذي هو ناموس الحياة الأول ،

ولكننا نصر فقط أن تكون الأولوية للاحتياج الليبي ، أو كما قلنا قبل أربعة عقود ونصف نكتب هنا مرة أخرى عنوان ذلك الزمان "

نحو محتوي ألأعمق للشخصية الليبية


_____________________________

في تكريم المناضل صالح القصبي

أمين مازن

6-5-2014

خطت جمعية سجناء الرأي الفتية في السابع والعشرين من شهر إبريل الماضي خطوة متطورة في أدائها العام، فاضافت إلى الاهتمام بحقوق أعضائها من حيث تقديم الخدمات وإرجاع الحقوق، لوناً جديداً من هذا الاهتمام، فنظمت الاحتفالية الخاصه بكتاب المناضل الكبير الاستاذ صالح القصبي، الذي وثق تجربته في السجن التي بلغت في حساب الزمن ثلاثين سنة لاينقصها سوى أشهر معدودة، فحشدت للاحتفاليه عدداً غير قليل من أعضائها الذين جعلت منهم التجربة أصدقاء لبعضهم فوق أي اعتبار آخر. عندما غصّت بهم قاعة المركز الوطني للمحفوظات « الجهاد كما هي التسمية الراسخة في الذاكرة» حيث استمع الحضور إلى بعض القراءات التي تناولت الكتاب المذكور، والتي أنجزها نفر من عارفي الاستاذ القصبي وأصدقائه، تقدمهم السيد علي العكرمي، الذي يجمع بين رئاسة الجمعية زمالة القصبي في النشاط وقبل ذلك موطن الولادة والنشأة «تمزدة» إلى جانبه الدكتور الصديق نصر أحد العاملين في صمت والمشجع الأساسي على إصدار الكتاب. وقد ركز العكرمي على جملة من الثوابت المتعلقة برسالة الجمعية والتي -حب العكرمي- لن تحصر مهمتها في خدمة اعضائها من حيث الحقوق وتذليل الصعوبات، وإنما ستدفعهم إلى الاصطفاف مع بقية أبناء الشعب لبناء الدولة الديمقراطية القائمة على التعددية والتبادل السلمي وبالأحرى التداول على السلطة. مشدداً على حاجة البلاد اإلى جهود الجميع وإسهام الجميع خاصة وأنها - أي البلاد- تزخر بالامكانيات التي تتكفل باتاحة الفرصة للجميع، الأمر الذي يؤكد وكما قلنا في غير هذا المكان مؤهل لأن يقود هذه المؤسسة باقتدار كامل من شأنه أن يدفع اعضاءها الممثلين لعديد الاطياف كي يقوموا بما ننتظر للوطن والوطنيين، فلا شيء يحتاج إليه الوطن من هذه الأعداد الكبيرة من مناضلي الوطن الذين عجمتهم تجربة السجن المريرة وجمعتهم محنة الحكم الديكتاتوري أكثر من إشاعة ثقافة التسامح وتنزيه القوى الشعبية الحية عن الانجرار خلف النزاعات الثأرية التي كثيراً ماتزين لأولئك الذين ظلموا بالأمس أن يكونوا ظلمة اليوم. الأمر الذي ستكون نتيجته انشغال النخب عن كل مايفيد المجتمع الجديد ويساعده على الخروج من مستنقع سياسات الطغاة، إلى الوقوع في مستنقع ذات الممارسة الأمر الذي يطال قطار التنمية ويعوق مركب الإبداع، ويحول دون استمرار الاشعاع المطلوب. والحق إن طرح مثل هذه النظرة البناءة تعني بالنسبة للوطن والوطنيين الكثير مما يبعث على الاطمئنان من حشد مثل هذه القوى البشرية المؤثرة في حياة الوطن والوطنيين بما تبشر به من امكانية القيام بالدور الايجابي المنتظر من كل ذي إمكانية معرفية للتنادي الى كلمة سواء بشأن الوطن واستحقاقاته بدلاً من التضحية به في وهم الخيارات الكبيرة التي طالما تسربت عبر أولوية الكل على الجزء وهي مغالطة كثيراً ماسهلت على سدنتها تحرير مصالحهم القطرية وتوكيد دورهم في المحيط الأكبر، عندما استطاعت أن تستدرج الكثير من القوى المحلية تحت ستار أهمية الشأن الأممي، لافرق أن يكون هذا الأممي يرى القدوة حيث فارس وحتى اسطنبول، او موسكو ومن ورثها. فالتطرف هو التطرف. والضحية دوماً هي الأوطان، فإذا ما كانت هذه الأوطان كما هو الحال بالنسبة لنا معشر الليبيين ، حيث تناثر السكان وقبل ذلك قلتهم ، ضف إلى ذلك إتساع رقعتهم وتعدد ثروات أرضهم ومثلما الضغوط المتنوعة والظروف المحيطة، ولاسيما موضوع الحدود الطويلة والمرتبطة أشد الارتباط بكل ما من شأنه أن ينتج المزيد من الضغوط، ويسود الرأي المسفه لفكرة الدولة ومن ثم الحيلولة دون قيام أي شرط من شروطها مثل الشرطة والجيش وحتى المجالس البلدية والنيابية وأخيراً التدخل في راية الوطن، إن باستبدالها كاملة أو إضافة اسم الجلالة بما يؤكد هوية التعصب ودون انتظار موافقة الناس، فإن خطر لأحد أن يسأل مجرد سؤال كان الرد الجاهز والمعبر عن التهمة سلفاً أي التبرم من اسم الجلالة. مما يعني أن حشد هذه الاعداد من المساجين السياسيين السابقيين تحت سمة سجناء الرأي وبهذا الخطاب الذي يصدح به علي العكرمي من شأنه التبشير بمشروع وطني يمكن أن يدخل مشاريع الانقاذ الوطني بجدارة.. فضل الأستاذ القصبي أن تكون ذكرياته على هيئة رسائل إلى أصغر كريماته، التي تركها دون الأربعين يوم من عمرها. والأربعين عادة تمثل اول مناسبة للاحتفاء بأي مولود بعد الأسبوع الأول ، ولمناطق ليبيا عديد العادات المتصلة بهذه المناسبة. ولهذا اختار القصبي الحديث عن أحواله إلى تلك الصغيرة التي شاءت الأقدار أن يتركها رضيعة هي الأخرى. كانت الثالثة في ترتيب كريمات الأستاذ القصبي، كما حملت الصفحة الأولى من الكتاب التي قدمت سيرة مختصرة للمؤلف حددت مكان وسنة الولادة ومراحل التعليم والشهادات التي نيلت بشأنه وتاريخ السجن وكذا الخروج منه.

ومن ثم توثيق الأحداث التي عاشها الرجل ومن رافقه المحنة لافرق بين من شايع القصبي أو كان على الطرف النقيض، المهم أنهم جميعاً شركاء المحنة وماعرف فيها من الحلو والمرّ ومثلما تحدث عن فترة انضوائه تحت راية حزب التحرير الإسلامي، التي تزامنت مع سنة 67 أي السنة التي مني فيها العرب بفقد البقية الباقية من فلسطين تحدث من جهته عن الذين التقاهم في تلك الفترة ابتداء من ابريل 1973 عندما ابتدع النظام المنهار ما أطلق عليه مصطلح الثورة الشعبية، التي لم تكن في حقيقتها سوى الأحكام العرفية بعينها ولكن دون إعلان رسمي شجاع. فقد بدأت من مدينة زوارة لتشمل مجموعات من الأمازيغ الفضلاء الذين تم انتقاؤهم بعناية بحيث طال الاعتقال أكثر أعيان نالوت حيث مرجعية الفقه الأباظي المتمثلة في الشيخ الجليل علي يحيي معمر وحيث الصراع مع المناطق المجاورة والمتنافسة في أكثر من معركة انتخابية بدءاً من البلديات ووصولاً إلى المجلس التشريعي ثم النواب. وقد استطاعت المجموعات الصاعدة من المناطق المجاورة وهي تتسلل إلى العهد الجديد أن تستدرجه إلى إعلان ذلك الموقف العدواني الذي اختيرت له زوارة ومناسبة المولد النبوي لتكون مفردات الخطاب قائمة على تعطيل جميع القوانين ومصادرة الكتب من البيوت إلى جانب المكتبات الخاصة، وأخيراً اقتياد الشيوخ والشباب إلى مراكز الأمن في اليوم الثاني لاعياد المولد النبوي، ودفع المجموعات المحشدة سلفا كي تزحف على المواقع الإدارية وقبل ذلك وسائل الإعلام، متبنية شعارات حضر الحزبية وتجريمها وتطهير البلاد من المرض والمندسين إلى آخر التسميات الوقحة التي لم تكن أكثر من غطاء للاجهاز على البقية الباقية من الخبرات التي وجدت فرصتها في الشركات الخاصة والمشتركة فإذا بالتحرك الماكر يأتي عليها مجتمعه بعد أن تم رصدها بواسطة المخابرات الشقيقة ومهندسها المعروف فتحي الديب المتدثر بالحركة العربية الواحدة.

لقد كنت يومئذ بين الذين شملهم سجن باب بن غشير المركزي، حيث الحشد المتكون من عديد الأطياف والأعمار من شباب وكهول ومن في طريقهم إلى الشيخوخة، لتعود الأعمار إلى المعاهد المتوسطة والثانوية العامة . وكان القادمون من المعاهد المتوسطة والمرحلة الثانوية يحملون الهوية التحريرية، فكان لذلك أثره في الرفع من درجة الحقد على هذا الفصيل، إذ تأكد من خلالهم حجم الاستمرارية، ولاسيما بالنسبة للعاملين في مجال التعليم على نحوما امتحن به السيد عبدالعزيز الباجقني المدرس في زاوية الدهماني، حيث أكثرية الموقوفين من الطلبة ممن ضربوا أروع الأمثال في الحفاظ على المواقف الصلبة . وقد قيل يمئذ في معرض الرد على الذين دعوا إلى التسامح مع الطلبة، بأن هذه هي السن التي فكر فيها الذين تحركوا في سبتمبر 69 عندما بدأوا مشوارهم من المرحلة الثانوية . والحق إنني على الصعيد الشخصي قد لاحظت مثل هذا التوجه في أحد زياراتي لمسقط الرأس «هون» والذي ادى في النهاية إلى شيء من التنافر بين الدارسين في الجامعة كما اشرت في غير هذا المكان وكنت اتصور الحموية الإسلامية في الأخوان المسلمين، وليس حزب التحرير الاسلامي الذي توصلت ذات يوم ببعضٍ منشوراته المرسلة بالبريد 959 أكثر من مرة، ولم أسمع بعد ذلك شيئاً يذكر اللهم إلاما قرأته عن تاريخ الأحزاب في الأردن ودور الشيخ تقي الدين النبهاني في تأسيس هذا الحزب، لولا أن ماقرأته لم يكن من منظور ودي.

حتى إذا ضمني ذلك السجن، وكان من بين الذين عشت معهم الزنزانة المرحوم المهندس محمد عبدالله عبدالقادر الغالي الذي اشتبه به في الهوية التحريرية فأكد لي قبل التحقيق أنه ليس من معتنقي الفكرة وإنما اكتفى بالاطلاع على ماعرض عليه من أدبيات انطلاقا من علاقة القرى التي جمعته بالكثير من قيادي الحزب المذكور.

كان الغالي مدركاً لدواعي الاشتباه الذي لحقه وقد أرجعه إلى بعض الردود الكيدية التي عمد اليها بعض الذين اختلف معهم فكانوا يلومون باسم الشيخ تقي الدين النبهاني رهانا على أن ذلك سيضع الغالي « العنيف في ملاحظاته» داخل هذا الفصيل غير أن ماكان يريح الغالي أن التحريريين لن يلبسوه ثوباً ليس له . ويبدو أن رجال الأمن قد أدركوا هذه الحقيقة فخرج الغالي مع من خرج في الإفراجات الأولى. ليكون إلى جانب يوسف حماد «المهندس هو الاخر» خير مكسب خرجت به من تلك التجربة التي حاولت أن اكتب عنها في حدود المتاح والمتاح حينذاك لايسمح بالحديث عن تجربه هذا الفصيل الجدير بكل معاني الإكبار والمعزة تلك التي بلغت قمتها عند القصبي والشهيدين حسن الكردي ومحمد حفاف فضلا عن الترهوني والكثير من الشباب الذين سطروا في الذاكرة حضوراً لاينسى مهما طالت الأيام وأذكر أن أول حديث دار بيني وبين المحامي محمود نافع حيث وجدته بلندن في منتصف السبعينات كان حول هؤلاء وكان نافع يومئذ يتوقع أن اهتمامي سيكون منصرفاً لمن سواهم. ولاشك أن مادونه الاستاذ القصبي في كتابه هذا الذي شغلت صفحاته الأربعمائة وخمسين صفحة من الحجم الكبير قد مثل تسجيلاً صادقاً لهذه التجربة المثيرة التي دامت طوال هذه العقود وشملت هذه التنوع العجيب من الأعمار والأطياف التي أفلح الأستاذ القصبي في نقل صورة بالغة الدقة عن حياتها وتعاملها مع الأحداث والشخصيات بمن في ذلك بعض السجانين الذين كانوا متعاطفين مع مسجونيهم حتى ان منهم من كان يتظاهر بالضرب وهو لايضرب ومنهم كما روى لنا عن أكثر من مصدر من كان يدعو إلى اظهار الالم والصراخ لكي يتسنى له أن يخفف أو على الأقل لا يلتفت إلى امتناعه عن التعذيب فمثل هذه الرواية الأمينة ستؤسس في المجتمع فضيلة الخوف من التاريخ والاعتزاز بالمواقف الطيبة وحسب أن اذكر في هذا الصدد تلك الدموع التي درفها المرحوم البراني ناجي عندما نفذ الأمر الموجه اليه بالقبض عليه شخصيا فلم يتردد في إظهار أسفه والتعبير عن تأثيره حتى إنني عندما إستمعت إلى الخطاب الذي أذان رجال الأمن على اعتذارهم خشيت أن يكون البراني قد ضبط أمره . لقد تعهدت الجمعية لمحاولة تنظيم ملتقيات أخرى حول تاريخ المرحلة وما يكتب عنها ومستجدات الواقع وما تفرضه وهو توجه لايملك المرء إلا أن يرحب به ويدعو الجميع إلى الإسهام فيه . فهذا الحشد المتجانس أجدر بأن ينظم صفوفه وفاعليته في ليبيا الجديدة المحتاجة للجميع. ولاسيما الذين أعجبتهم تجارب السجون وتآخي السجناء.إنتهى


____________________________

العواصم الثقافية مشاريع وطنية بامتياز

* امين مازن

29-4-2014

لم أجد الدافع الكافي للمشاركة في الاجتماع الموسع الذي بادر به منذ أيام عدد من المهنيين بالشأن الثقافي الوطني ، واختاروا لعقده دار الفقيه حسن التابعة لمشروع المدينة القديمة بالعاصمة طرابلس ، مدفوعين اليه بما لاحظوه من عدم حماس الجهات الرسمية لانجاز القرار العربي المتعلق باعتبار طرابلس عاصمة للثقافة العربية ، والذي تصادف أن يكون آخر ما سينفذ في هذا التقليد العربي الذي استحدث قبل ما يقرب من خمس عشرة سنة مضت ، بحيث شمل الوطن العربي كله اللهم الا ليبيا ، حيث حال دون تنفيذ الفكرة اندلاع ثورة فبراير فقدمت في السنة الماضية العراق والتي كانت قد اعتذرت هي الأخرى قبل هذا التاريخ حتى كانت هذه السنة التي تم فيها الإعلان نهائيا عن طرابلس ولكن لم يتخذ أي إجراء عملي في الخصوص فكان التحرك الذي حفزني على الخوض في الموضوع . لقد دفعني إلى عدم المشاركة في هذا اللقاء التحسس من أن يظن كائن من يكون ـ فيما اذا حضرت وقلت ما لدي من الكثير عما أعرف ـ أن للأمر علاقة بعضوية اللجنة الدائمة للثقافة العربية التي كنت مكلفا بها من اللجنة الوطنية التي طلبت من قطاع الثقافة ترشيح احد العناصر الوطنية ، وفقا لمعايير محددة علمت من السيد عبد المجيد الدرس أنها انطبقت على شخصي الضعيف فكان القرار وكان اضطلاعي به في شيء من الاستقلالية ، أوجدت الكثير من التقدير لدى ممثلي الدول العربية الذين رأوا في الحضور والذي سبقني إليه الدكتور محمد أوريث كيف يمكن لمن يحضر هذه المحافل أن يكتفي بمهمته فلا يتزيد بشعار خارج السياق ولا روح وحدوية متهافتة نظرة على هيئة تابعة لطرف من الأطراف العربية كان آخرها ما حدث في الاجتماع الذي طرح فيه ترشيح السيد فاروق حسني لمنصب المدير العام لليونيسكو ، فكان التهافت الليبي شديد الوضوح ، وكان استهجاني له أيضا أكثر وضوحا ، الأمر الذي دفع القطاع إلى مخاطبة المنظمة العربية قبل انتصار الثورة بأيام قليلة مقترحين بديلا آخر ، والذي دفع المنظمة إلى أن ترد بعنف وتتلقى اعتذارا في الخصوص ، وهو اعتذار الضعيف بدون شك . لقد جمدت عضوية ليبيا في المنظمات العربية مجتمعة ومن بينها المنظمة العربية ، وتمت المخاطبة حين رفع التجميد وكان من المفروض ان يتم البحث عن السوابق ، مادام المكلف بالمهمة قد كرم من القطاع ذاته أو على الأقل يبلغ برسالة شكر ، وربما يطلب إليه ان يقدم ما لديه حول عديد القضايا ولكن السياق هو السياق والسلة دائما واحدة فكان هذا أحد الدوافع التي رجحت فكرة العزوف عن حضور اللقاء المذكور .اما السبب الأكثر دفعا للغياب ، فمرده إلى الفهم غير الواقعي الذي يسيطر على الكثير منا بصدد طرابلس العاصمة وطرابلس المدينة وطرابلس الإقليم إذا ما قدر لفكرة الأقاليم أن تعود ، أو استأنس مستأنس بالجغرافيا المناخية والجغرافيا السياسية اذ يوجد من يخلط بين هذه الأمور ، ويتصور أن طرابلس هي المدينة القديمة والأحياء القريبة منها ، تلك التي عرفنا أزقتها وحاراتها وأعيانها في خمسينيات القرن الماضي ، وبدايات تلك الحقبة تحديدا ، عندما كان عدد سكان طرابلس هذه سبعين ألف نسمة ليس الا وقد منحت يومها خمسة نواب تحت مبرر كسر العشرين ألف النصاب المنصوص عليه في الدستور لكل دائرة ، ولعله ذات الرقم حتى آخر برلمان عندما تضاعف عدد سكان طرابلس حتى بلغ في مطلع الستينيات رقم الأسر المسجلة في دائرة النفوس ما يزيد على هذا الرقم وبقي عدد نواب المدينة حيث هم ، ومع ذلك فان هذا الرقم لم يكن بيد سراة المدينة باستمرار ، ففي ثاني انتخابات لمجلس النواب سنة 1956 كادت كفة أحد شيوخ الصوفية أن ترجح على كفة المعارض الوطني الكبير السيد عبد العزيز الزقلعي ، ولم يحفظ له مقعده سوى امازيغ زوارة والجبل الذين تولى تكتيلهم السد إبراهيم بن شعبان الذي عز عليه ان يرى الزقلعي خاسرا لمقعده فقرر الوقوف إلى جانبه ، مصرا على ما يبدو في مناصرة كل من يمكن ان يقول لا ، وهو الموقف الذي انفرد به عندما بحث مجلس الوزراء توجيه الملك بإبعاد السعدأوي ، فكانت كلمة بن شعبان الشهيرة التي أعادها وزراء ذلك الزمان عندما قال لهم ((خلو واحد يقول لادريس لا)) لقد تضاعفت طرابلس بعد ذلك التاريخ مائة مرة وصارت تكون ثلث سكان ليبيا كلهم يقولون لا للكثير بين طارئين واصلاء وهي تسخر بدون شك من كل احتكام لما سوى المواطنة والموقف والاستقامة وتعرف انها في ظل أي انتخابات نزيهة لمن تنحاز لا فرق ان يكون من الأربع عرصات أو من شارع الغربي ولا أي منطلق قبلي هو ، نعم إن طرابلس الجديدة تتوفر على قوة بشرية تجعل لكل حي من إحيائها ما يسأوي رقم المدينة التي يفتخر بالانتساب إليها بعضنا ولنضرب مثلا بقرجي أو قرقارش أو فشلوم أو بوسليم ولنلق نظرة على المجموعات البشرية المكونة لهذه اللحمة والتي ضربت أروع الأمثلة في التجأوب مع الثوار في كل مكان دون أن يلبس أي منهم موقفه بنعرة من النعرات المصيبة وتجلياتها الضيقة في المناطقية والقبلية والجهوية، فلا مجال والحالة هذه أن تحصر طرابلس في إحيائها القديمة ولا مبرر أيضا أن يكون دافع الحراك الثقافي المتعلق بطرابلس العاصمة الثقافية مرتبطا بطرابلس المدينة ، فطرابلس في هذا المجال هي ليبيا بالكامل ، وهو تصور لا يصدر عن اجتهاد شخص أو موقف سياسي ولكن السياق الذي اخذ به كل من سبقنا إلى هذا التقاليد فقد استغرقت تظاهرات العواصم الثقافية في الوطن العربي سنة كاملة لكل مدينة ولكن سبقها قبل ذلك أكثر من سنة لكل مدينة ، ذلك إن الدول العربية موزعة في الجامعة العربية على الحروف الأبجدية بحيث تعرف كل دولة من سبقها ومن يأتي بعدها ، فلم تكن ثمة حاجة لمعرفة الترتيب لكل عاصمة ، اذ كان معروفا إن ليبيا حسب الحروف الهجائية تأتي في الأخير فكانت العاصمة والحالة هذه متأخرة التوقيت ، فإذا ما أضفنا إلى ذلك ما ترتب على ثورة فبراير من عوامل التأجيل أدركنا حجم الصعوبات التي تقف الآن أمام إمكانية تنفيذ برنامج العاصمة بالمستوى الذي تحقق لغيرنا أو على الأقل الحد من الفارق الكبير . وهذا يعني ان فكرة الحراك الشعبي وما في حكمه وان يكن قد افلح في تحريك الأمر الا أنه لن يؤدي إلى التنفيذ المتوخي ، فالعواصم الثقافية مرتبطة باللجنة الدائمة للثقافة العربية المنبثقة عن المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم التي تمثل فيها الدولة بالوزير المختص وتجدول المناشط من طرف الوزارة المختصة وبالتنسيق مع المنظمة العربية وأحيانا المساعدة في الإنفاق ، والعاصمة لا تعني أن يحتكر النشاط في المدينة واحدة ولكن يعم الوطن كله، لا فرق أن تتدبر الوزارات المختصة المشاريع مجتمعة وتسعى إلى تحويلها أو تحشد القطاعات المحلية لتبني أنشطة تحمل عنوان العاصمة الثقافية ويتزامن الانجاز مع السنة المذكورة فلا مناص والحالة هذه من وضع ميزانية كافية للمناشط التي ستقام في السنة المذكورة وهذه المناشط لا تنحصر في الندوات أو المهرجانات أو المعارض والمسارح وحسب ، فعلى أهمية هذه وضرورتها ووجوب أن تعم الكثير من المدن ولا سيما التي توجد فيها الإمكانات الأساسية إن على هيئة منشآت أو أفراد أو حكم محلي متفهم ، هناك ما يجب أن يبقى على الأرض وهو الكتاب الذي تحرص الدول المنخرطة في برامج العواصم الثقافية على تشجيع تدأوله بين الناس ليس فقط من قبل الحكومة بل وإقحام الخواص أيضا ولا سيما الشركات الكبرى التي كثيرا ما أعلنت عن جوائز للإبداع وأخرى للترجمة وثالثة للوحة . وهناك من يحرص على ان ترتبط سنة العاصمة الثقافية بنشر كنوز التراث ودوائر المعارف التي تحتاج إلى الدعم العام والشراء المشجع كي تكون ميسرة بعد ذلك في طبعات شعبية ، وهو استحقاق لا بد ان يطال مثقفي البلد عموما كل حسب دوره وكذا احتياجه . أما الاستضافة من خارج مركز النشاط فهو أيضا لا يمكن حصره في الحدود الضيقة . ولا سيما حين توجد الأحداث التاريخية أو يكون هناك ما يستدعي التجمع ، فالأنشطة الصاحبة تتسع لعيد الأغراض وكذلك المطالب . وقد يكون من المناسب في هذا الصدد ان نذكر بحاجة الكتاب الليبيين إلى اجتماع عام يبعثون بواسطته اتحادهم الذي لم يتيسر تفعيله اذ بقى مقعد الأدباء الليبيين في اتحاد الكتاب العرب شاغرا منذ فبراير 2011 ومن المناسب ان تشمل فعاليات المعرض المنتظر دعوة الاتحادات العربية وكذا اتحاد الكتاب العرب للوقوف على حقيقة الأمر وتنفيذ ما أشيع عن كتاب ليبيا واتحادهم . بقى أن يكون واضحا إن هذا المشروع الذي قرر منذ سنوات ونفذ في أكثر البلاد العربية ، لا يعني أن تضيق ليبيا على نفسها لتفي بهذا الالتزام في هذه السنة فمن حقها مثل الكثير من الدول أن تقترح التأجيل كما من حقها أن تطلب المساعد على كل المستويات ، فالمهم أن يتوفر الاستعداد أو تضمن الضروريات ، وليس هناك من يلزمنا بالتنفيذ السريع ، وليس من حق أحد أن يستولى على حقنا ، لن يحدث التجديد أليا اذ لابد من مفردات جديدة . والأصل في العمل العربي المشترك ان يظفر كل قطر من الأقطار العربية بنصيبه ، تماما مثلما لابد ان يقوم الجميع بالتزاماتهم . وأيا ما كان الأمر فإن موضوع العاصمة يخص الوطن في عمومه من حيث الاستعداد والمساهمة والمردود والتخطيط والتنفيذ ، وقبل وبعد ذلك التنفيذ ولا يمكن اعتباره ذا جدوى ما لم يتحقق من خلاله شيء على الأرض وتحت مسمى العاصمة الثقافية تحديدا ، ولنا فيمن سبق نحو هذا السبيل خير من نسأل ، وحسبنا أن نذكر الأمر الخالد . (( فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ))إنتهى


_____________________________

الشخصية الليبية أسلوب عمل لا شعارا يرفع

آمين مازن

28-4-2014

يحمد للدكتور جمعة عتيقة إنصافه للمثقف الوطني والسياسي الماهر والمعارض المترس عبد الحميد البكوش الذي تحل ذكراه السابعة هذه الأيام . وأنا أصف عتيقة بالمنصف وأزيد عليها الشجاع لأنه بادر برثاء البكوش عقب رحيله وتعرض بسبب رثائه للسجن الذي ما كان له ان يسلم من أهواله ، لو لم تكن الظروف قد تغيرت ، ولم يعد النظام المنهار قادرا على المضي في غيه حتى النهاية ، ولا سيما لمن صارت لهم العلاقات التي تجعل من سجنهم ورقة يستفيد منها الخصوم شأن الدكتور جمعة عتيقة المعارض الذي عاد الى البلاد عشية رحيل البكوش ، وليس ذلك الطالب الجامعي الذي كان في سنته الدراسية الأخيرة ــــ ان لم تخن الذاكرة ـــ عندما تشرفت بمعرفته بذات المكان الذي اكتب فيه هذه السطور ( مقهى جنان النوار ) وكان واسطة اللقاء الكاتب فوزي البشتي الذي كان يؤمئذ في نفس المستوى الدراسي مع اختلاف الاختصاص والتفاوت في فرص النشر بدون شك ، ودون إهمال الظروف الموضوعية بالطبع . غير ان هذا الموقف المشرف لجمعة اعتيقة وما أكثر مواقفه المشرفة ، لا يبرر له بالطبع ان يطرح هذا الموضوع الذي استطيع وصفه بالشائك على هذا النحو من التعميم وقد أقول عدم الدقة إزاء أحداث تلك الفترة من أواخر ستينات القرن الماضي التي قدر فيها للأستاذ عبد الحميد البكوش ان يرأس حكومة ليبيا التي دخل حياتها العامة كمؤهل حقوقي عائدا من الدراسة بالقاهرة وموصوفا بالاتجاه اليساري الذي لم يكن له من حيث الكم العائد من تلك الربوع وحتى المتكونة بالداخل سوى النزر اليسير ومع ذلك يفلح البكوش في استلام حقيبة وزارة العدل بعد تخرجه بستة سنوات سنة 964 وحقيبة رئاسة الوزراء 24 / 10 / 67 فترة بدأت بحكومة السيد محمود المنتصر الثانية وامتدت الى حكومة السيد حسين مازق الذي اتاح البكوش ان يصدر الكثير من القوانين وان يصلح القضاء ويوفر لخريجي كلية الحقوق أحسن الفرص ، ويتمكن من إخراج كل من رأى عدم جدارتهم بالمكان وعلى رأسهم والده ، ويرفض النظام المنهار إعادتهم رغم الكثير من المبررات ليستلم في النهاية رئاسة الحكومة الليبية في ظروف بالغة الصعوبة حملت فيها ليبيا مسئولية الهزيمة العربية ، على خلفية كلمة الرئيس عبد الناصر (( انتظرناهم من الشرق جونا من الغرب )) استغلالا للموقف التكتيكي الذي اتبع في التوجه الى الغرب بحراثم العودة الى الشرق وضرب الأهداف العسكرية فان انطلاق هذا التعبير المبهم كي تحمل القواعد الموجودة بليبيا وغرب مصر تحديدا مسئولية الهجوم الكاسح الذي أنهى القوات الجوية المصرية في دقائق ، بحيث لم تمض سوى خمسة أشهر ويستلم البكوش رئاسة الوزارة مدلل على شجاعة لافته ، اذا شيع ان السيدين فاضل بن زكري وخالد القرقني ضمن من اعتذر عن قبول رئاسة الوزارة وهو ما أكده السيد مصطفى بن حليم في مذكراته منذ سنوات .

لقد اختلفت الآراء وتباينت حول الأسباب التي جاءت بالبكوش الى رئاسة الوزارة ، فمن حيث السن كان في نصف عمر الملك ،ومن حيث الموقع الاجتماعي لم يكن أكثر من ابن احد القضاة الشرعيين ،ومن حيث الهوية السياسية التي عاد بها من دراسته الجامعية حددت في اليسار المشكوك في التزامه الديني على الأقل مما فتح باب الاجتهاد على اوسع مصارعه ، فقيل ان البدري قدم تعديلا للوزارة ففاجأة الملك بالإقالة ، وقيل ان عمل البكوش مستشار للشركة البريطانية ب ب التي كان مستشارها دي كاندول اتاح الفرصة للبكوش وهو على أي حال استطاع ان يتعامل معها بمسئولية اذ اكتفى ببيان عادي اكد فيه ان حكومة استمرار لمن سبقه وليست مرحلة جديدة فاستطاع ان يتجنب الاصطدام حتى اذا ما حلت ذكرى قرار الامم المتحدة القاضي بحق ليبيا في الاستقلال (( 21 فبراير )) أي بع تعينه رئيس للوزارة بأقل من شهر وأمكنه ان يتدبر الأمر من كل جوانبه كان بيانه الذي تحدث فيه عن الذكرى وعن خطوط المرحلة التي سيدير فيها شئون البلاد وأن يثير موضوع الشخصية الليبية التي عرفها تاريخ الثقافة منذ أواخر الخمسينات وكان احد الذين شاركوا فيها لتأتي وكأنها من عندياته ولا سيما لمن كانوا في عمر عتيقة ، ويثار حولها من الآراء ما يثار من مؤيد ساذج الى معارض غيور الى ذي رأى موضوعي لم يسمح له الضجيج الإعلامي من ان يصل الى المتلقي كما يجب الوصول واذكر إننا في جريدة الميدان التي كنت من بين كتابها وبتوجيه من صاحبها الأستاذ فاضل المسعودي قد تعاملنا بمسئولية مع الأستاذ البكوش ابتداء من اول مقال افتتاحي قلنا فيه بالحرف الواحد نريد ان نرى بصمات المثقف على الواقع الليبي ، دون ان نتجاهل الصعوبات ، كما كتبت شخصيا أربع مقالات في الخصوص ثلاثة بعنوان نحو محتوى أعمق للشخصية الليبية وكان البكوش رئيسا للوزارة ، وواحدة بعنوان عودة الى موضوع الشخصية الليبية غمزت فيها للأقلام التي أرادت احتكار الفكرة وحاولت ان تسد الطريق على أي تناول موضوعي والتي حاولت الوقيعة بيننا وبين الرحل . لولا انه كان في منتهى الوعي ومنتهى الإحساس بالمسئولية والحرص الشديد على العمل المثمر والانجاز الذي يحفظه التاريخ بحيث لم تنته العشرة أشهر التي هي كل فترته في الحكم حتى كانت خطواته غير المسبوقة التي تمثلت في إدخال عقد المشاركة في مجال البترول بدلا من العقد التقليدي والذي أكبره له مثقفون لا يشك في وطنيتهم ، وتعديل قانون الضرائب بتطبيق النظام التصاعدي بما يصل الى العشرين في المائة ليكون للميسورين إسهامهم في الإيراد العام جراء ما وفره لهم الانتعاش من فرص الدخل ، وتعميم علاوة السكن للموظفين كافة بدلا من الإيجار الحكومي الذي كان يعطي للمتنفذين وحدهم ، ومثل ذلك قانون السلك الديبلوماسي بما فتح المجال أمام عديد الكفاءات التي كان عددها يزداد ويحول القانون القديم دون الاستفادة منها ، كما حفظ للأسرة حقها بتعديل قانون الأحوال الشخصية باشتراط موافقة القضاة على الطلاق ، لما يوفره مثل هذا القيد من إمكانية المصالحة والتحقق من إحصاء العدة ، هذا فضلا عن إصلاح نظام التعليم بإعادة اللغة الانجليزية الى المرحلة الابتدائية ، وإسناد المساعدات الاجتماعية الى هيئة مختصة لم يتردد في ان يطلب من رئيسها ان يحيلها الى تكتل شعبي يضم الناس كافة ليكون له دوره في شئون البلاد ، حتى ان هذه الفترة بدت للمتابعين وكأنها في حساب الزمن قد وصلت السنوات وليس الأشهر المعدودة والتي سبق ان كانت ذات الفترة التي قضاها السيد محمود المنتصر في حكومته الثانية وقبله الدكتور محي الدين فكيني الذي خلف السيد محمد عثمان الصيد ، وخرج من الحكم مغضوبا عليه من الملك الى ان استلم البكوش الحكم واستطاع ان يقنع الملك باستقباله ودعوته الى مائدة غذاء معه على الرغم من ان الملك ليس سهل الاستجابة باستمرار ولا يتردد في رفض من يعرض اسمه لهذه المهمة او تلك وفي النهاية خرج من رئاسة الوزراء محفوفا بتقدير الكثير من الوطنيين المتابعين لما يجري بوعي والذين لم يخفو استياءهم كما تحدثت الكثير من التقارير الدولية التي كتبت عن المرحلة وكانت لديه قناعة ان مصير البلد غير مطمئن ، وكان ينتوي العودة الى البلاد وترك عمله في فرانسا بنهاية العام 69 وكان يحضر لزيارة الأمير الى فرانسا في شهر أكتوبر من ذات السنة لولا ان سبتمبر قد جاء بتطور آخر تهاوى فيه الكيان الذي شبهه بحائط الكرتون عندما زرته في الشهر الخامس من تلك السنة ، حين لم يستبعد مجي ظرف دولي يفرض الوحدة العربية ، وكان يهمه مصير الليبيين فيها . اذ كان يرى (( ان المومس الليبية لن تعيش فيها )) .

وعندما جمعتنا اللقاءات الطويلة في السنتين اللتين سبقتا خروجه النهائي في مطلع سنة 77 وذكرته بهذا الرأي وغيره من الآراء لم يتمالك الا ان يقول لي احمد الله ان تكون وحدك الذي سمع مني هذا الرأي ، لان كل ما قلت ولو مزحا جاءني في التحقيق أنها اللقاءات التي طالما كان العزيز جمعة عتيقة بين المداومين عليها باستمرار رغم الشعور السائد انها لم تخل من المراقبة وربما من بين المترددين بالذات فقد كانوا جميعا يدركون القيمة الوطنية التي يمثلها الرجل ويقدرون المنجزات التي افلح في تحقيقها على ارض الواقع . وكان من جمعته سعيدا بهذا الموقف ، غير انه لا يخفي آلمه من ان يعيش في البلد على هيئة سائح غير مسموح له ان يخوض في ما يجري وكثيرا ما أسرب انتظاره لليوم الذي يغادر فيه البلد ، مؤكدا انه حين يتحقق له ذلك سيضع يده بيد الذين بادروا بالانشقاق ، دون أي توقف أمام ما بدر منهم نحوه . وعندما أفلح في الحصول على الأذن بواسطة الشريف بن عامر ، لم يبق سوى ساعات معدودة غادر بعدها البلاد ليعود بعد ذلك مسرعا ليخرج مرة أخرى ويعود ليخرج بعد ذلك ولا يعود ، فإذا ما حزم أمره بإعلان موقفه كمعارض جاءت الأخبار مؤكدة لالتزامه بما كان يقول فيتواصل مع الجميع ويرفض الدخول في أي تشردم . فادا ما ائتمروا على قتله وجاءوا على قميصه بدم كذب ، كان الحزن عارما لدى الناس كافة ولا سيما من عرفت من حملة الكلمة أمثال الأستاذ المصراتي أمد الله في عمره والأستاذ يوسف الشريف حفظه الله والاخوين كامل اعراب ومحمد الزوي رحمهما الله . وان أنسى لن أنسى ذلك الموقف المؤازر الذي خصتني به السيدة فاطمة محمود التي تفضلت بمرافقتي الى المطار اذ كنت بصدد السفر الى خارج البلاد ، وعز عليها ان تتركني أمام أحوالي المضطربة ، وكنت خائفا من إعلان مشاعري وتشاء الأقدار ان تكون اليوم احد المسيرين لهذه الصحيفة وانا انشر هذه الذكريات عن عبد الحميد البكوش ليس لانه نادي بالشخصية الليبية ، وانما لانه التزام بهذه الرؤية العميقة تجاه الوطن الذي لقي حتفه خارج ترابه ، ولكنه بدون شك حمله حتى آخر خفقة من قلبه .إنتهى


____________________________

لكـــي لا تحرثـــوا في البحــــر

مع الاعتذار للأستاذ خالد محمد خالد

27-4-2014

أمين مازن

ربمـــا يتعذر على ضعفاء الذاكرة أو فاقديها بالأصح أن كل من يخوض في استحقاق الحوار الوطني ، لا يعد وأن يكون إعلاميا يريد ان يتخذ من هذا الموضوع مادة يسد بواسطتها ما يفرضه عليه التزام من الالتزامات ، كي لا يغيب عن المشهد العام أو يتخلف عن أداء من الاداءات فنحن في أحيان كثيرة لا نقرأ ، وفي أحيان أخرى نبخل بالحديث عما نقرأ ، ما بالك ان يكون هذا الذي نقرأ وليس موضع ترحيب ممن نتعشم فيهم القوة ، أو القدرة على المكافأة ، ولا ريب أننا بتأثير هذه " الخصيصة " نغفل – ونحن لا نسأم اختراع الأجسام المكلفة بهذه المهام الجليلة وما تقتضيه من المسيرين ، الكثير ممن كان لهم شرف السبق بإثارتها ، فلا نراهم حاضرين في الكثير من اجتماعاتها، فأن تسأل أحدا عن مثل هذا الموقف اللافت ، كان الرد بأن هذه المهام تطوعية ، ولن يترتب عليها أي مغنم ، كما لو كان التطوع ليس مغنما مشرفا يسعى إليه الآخرون من غير هولاء الذين انتدبوا للتطوع ، أو ان المطالبة بالمردود كانت من شيمهم وحدهم ، ومن هنا يلحظ المرء هذا التنسيق العجيب بين هذه الأسماء التي لا تمل التكرار ولا تمل الحديث الصحفي والحديث المتلفز ، ولن أقول الآخر الذي ينتظم خارج الحدود ، فللمجتمع المدني منظماته ، وللمؤتمر الوطني رجاله وللمعارضة العائدة من الخارج حساباتها ، وحتى الذين كانوا في ليبيا اليوم وأخبار ليبيا ، وعرفوا من عرفوا في الداخل وأعادوا نشر ما وجدوه منسجما مع توجههم ومفيدا لمواقفهم ، شغلتهم عند عودتهم علاقات أخرى واهتمامات أخرى ، وعلى رأسها الحيلولة دون وجود أي إعلامي محترف يترتب على وجوده انبعاث ثقافة يسودها خطاب قادر على إقناع المتلقي المحايد ، الذي تستدرجه روح الانتقام ، ولم تسيطر عليه نقيصة الادعاء الكاذب ، انه المتلقي السوي الذي تطربه الأغنية الجميلة ويستوقفه التعليق المتعقل ، والتحليل المتقن ، وكذا الصورة المعبرة ، فيتبنى الفجاجة ويستمر لعبة الشماعات المتصلة بالماضي لتعلق عليها جميع السلبيات ، فيما تؤكد الشواهد مجتمعه ان الأخطاء – على مختلف الصعد – قد تضاعفت وكذا التجاوزات وان اختلفت الأسماء وها نحن أولاء وبعد سنوات ثلاث تفاقم فيها من المشاكل ما تفاخم ، وارتكب من الأخطاء ما ارتكب ، وحصل فيها من الاستفادة ما حصل ، نشهد هذا الصراع المقيت ، وهذا الانتقام المتبادل ، ، ونستشعر هذا القدر من الخوف المرعب ، وتحتل أخبارنا وسائل الإعلام من مسموع ومرئي ، تلك التي لم تعد تذيع وتنشر سوى تصريحات مسئوليها عما لديهم من قلق على أحوال ليبيا وما تنشره من إخطار عن أمنهم وامن رعاياهم ودبلوماسييهم أبدا ، فلا يلوح في الأفق سوى ما يثير قلق كل مخلص ، وخوف كل وطني ، فيما تتحول بلادنا الى قبلة دائمة للوفود الرسمية والشخصيات الاعتبارية التي لا يتوقف توافدها عارضة نصحها ، ومبدية كامل استعداداها لمساعدتنا على الخروج من النفق ، كما تتوالى الأخبار عن لقاءات تنظم في مشرق الوطن العربي ومغربه سعيا الى انجاز مصالحة وطنية يشترك فيها الأطراف التي يتوقع ان تكون وراء بعض الخلافات ، أو ان تصالحها من شأنه ان يخفف من حدة الاحتقان وفداحة الخسائر ، وقد كان آخر ما تردد في هذا الصدد ما قيل عن اجتماع وشيك الحدوث اختيرت له العاصمة التونسية وبمساعي السيد راشد الفنوشي بالذات ، والذي قام في الآونة الأخيرة بزيارة لطرابلس ، كما استقبل في وقت سابق بعض الشخصيات الفاعلة عند ما وجدت بتونس ، وقد أكد من جهته وعبر لقاء متلفز – أي – الغنوشي – صحة هذه المعلومات وكذا حرصه على المضي فيها ، فعلا ان دافعه الاقتناع بان امن ليبيا وتونس لا يتجزأ ، وان ليبيا في مرحلتها الحالية وعلى ضوء إمكانياتها وكثرة استحقاقاتها تتسع للجميع وتحتاج للجميع ، وهو تصور لا ينفرد به السيد الغنوشي وحده ، إذ سبقه إليه الكثير من عقلاء ليبيا وأعيانها ، وعلى رأسهم المستشار مصطفى عبد الجليل الذي اعتبر تجرد الانشقاق عن النظام المنهار و توفى اللحظات الأخيرة سوغا للالتحاق بركب الثورة باذلا الكثير من الوعود الطيبة للدفع نحو هذا الاتجاه ، وكان من الممكن ان يكون لذلك التوجه التأثير الجيد في المسارعة بتوحيد الكلمة بين الفرقاء باتجاه المستقبل ، لولا ان الهدامين في الغالب أكثر قدرة على التأثير من البنائين، ومن ناحية أخرى فان زمار الحي لا يطرب كما يقول المثل العربي فالناس من عادتهم التوجه نحو البعيد ، ولهذا رأينا الأنظار تتجه الى الغنوشي وأمثال الغنوشي ، ممن يدعون قومنا للمصالحة باعتبارهم يمثلون القدرة ، فلا يكون ثمة من حديث هنا الآمن اللقاءات المخصصة للمصالحة ، ولكن دون ان تكون هناك أي خطوة ملموسة في الاتجاه الذي يرسخ هذا التوجه، ليس من منطلق الوعظ والإرشاد وإنما من منطلق الضرورة ودواعي المصلحة .

فالمصالحة المنشودة ليست منة من المنن التي يمكن لأحد ان يهبها وإنما هي ضرورة من الضرورات الوطنية التي تفرضها الحاجة قبل كل شيء ، حاجة الوطن الذي شاءت الأقدار ان تكون مساحته تتسع لإقامة أضعاف الرقم الرسمي لسكانه ان من حيث المشاريع التنموية المطلوبة ، أو من حيث القوى الدفاعية والأمنية فضلا عن المرافق الخدمية ، فليس من المصلحة أبدا ان تسود أي سياسة من شأنها العبث بالإمكانات البشرية ، تلك التي في مقدمتها الدخول بالمتساكنين في المتاهات الإقصاء الهدام، وأخلاقيات الانتقام القاتل ، ولاسيما تلك التي بلغت أوجها في القرن الماضي ، وفي حقبها الأولى تحديدا عندما خلط بعض القادة بين الطموح الشخصي والموقف السياسي ، بحيث اعتبر الخلاف السياسي في أحيان كثيرة غطاء للطموح الشخصي ، واستدراج البسطاء نحو الصراع الجهوي ، الذي لا أضر منه للحاضر والمستقبل .

وعندما يحمل البعض حقائبهم من هنا نحو تونس غربا او عمان شرقا او بعض عواصم أوروبا شمالا ممن يصطلح على وصفهم بمسئولي الداخل ، ويصل الى هناك آخرون ممن ينعتون اليوم بليبي الخارج ، ويكون موضوع لقائهم ما تشهده البلاد من صراع بات ينذر بوخيم العواقب ، وينسب فضل هذا اللقاء الى السيد راشد الغنوشي او غيره من الأشقاء العرب ، وعندما يستقبل الكثير من المتنفذين السياسيين المنبثقين عن المؤسسة الدينية الرسمية وكذا قادة الأحزاب ذات المضمون الديني سفراء وسفيرات الدول العظمى صاحبة النصيب الأكبر في تقرير مصير العالم ، ومن بينه ليبيا في الوقت الذي نراهم يعمدون الى تعويق كل ما من شأنه ان يؤدي الى استكمال أركان الدولة بدءً من انتخاب مجلس النواب ووصولا الى انتخاب رئيس الدولة من الناس مباشرة ، كما هو الحال في كل الدنيا ، ويستنفرون لموقفهم الشاذ هذا المؤسسات الإعلامية التي امتلكوها بقوة السلاح ، والمساجد التي ابعدوا الكثير من أئمتها با وهي الحجج ليسخروها لذويهم ، فيظفروا بالردود المالي الذي تضاعف في السنوات الأخيرة ، ويسخروها في الوقت ذات للتبشير بمذهبية متشددة لا وجود لها في موروث البلاد ، وتوجه حزبي يقسم الشعب الى شيع ويكفر الناس بالمجان ، فان ذلك كله لن يؤدي الا لهدر الوقت في مالا طائل من ورائه فأصحاب النصيب الأكبر في تقرير مصير المنطقة يستطيعون أكثر من غيرهم الظفر بمصالحهم وهم تبعا لذلك يعلمون الحجم الحقيقي لكل تجمع من التجمعات السياسية ، بمن في ذلك المعولين على المظهر الديني والذين يتبنون الموقف النقيض . اذا السواد الأعظم من الليبيين كما قلنا ولا نسأم التكرار ، ليس له من مطلب سوى استعادة الكرامة التي افتقدها طوال العقود الماضية ، ولم يتأكد بعد من إمكانية بلوغها جراء التوجه السائد وما اتسم به من سياسات الإقصاء وادعاء الفضيلة المفروضة ، وفرض منظومة تشريعية قبل كتابة الدستور وتحديد شكل الحكم ونظامه ، واخذ رأي الشعب عليه .

ذلك يعني ان يتنادى الموجودون بالداخل كافة الى جملة من الأساسيات إذا كنا جادين فعلا في محاولة الخروج من مأزقنا المخيف ، لنسرع بانتخاب البرلمان المؤقت لاستلام السلطة التشريعية وننتخب في ذات الوقت رئيس الدولة المؤقت هو الآخر بواسطة الناس أجمعين ، فيمارس سلطاته المحددة وتتشكل في الوقت ذاته الحكومة لتدبير الاحتياجات الأساسية من تعليم وصحة وخدمات ، ووضع حد لسقف الرواتب لا يتجاوز الكادر ، ولا يتم أي تعديل دون موافقة الحكومة . ويكف المؤتمر الوطني عن الحديث عن فكرة الحكومة الجديدة ، اذا كان جاد بحق في الانتخابات وتسليم السلطة ، في الموعد الذي اقترح على ان يفتح في ذات الوقت وعبر تراب الوطن كله ، مركز تتفرع منه مراكز تضبط فيه شكاوي الناس مما لحقهم من المظالم وأحاط بهم من التجاوزات التي طالت أشخاصهم وأرزاقهم ، لا فرق ان يكون ذلك قد حصل من كتائب النظام المنهار او بعض الثوار وأشباههم ، فالليبي هو الليبي وحقوقه هي حقوقه ، والقصاص منه وله أول واجبات الدولة ، وكونه قد تجرأ وامتلك ما لا يجب ان يمتلك ، لا يبرر ان يأتي آخرون فيأخذون ما بيده لأنفسهم او ذويهم باسم الثورة . كما لا بد أن تكلف مراكز البحث للوقوف على أراء الناس في شكل الحكم ونظامه ويتاح لكل ذي رأي ان يطرح ما لديه في جو تسوده الثقة المتبادلة والكف عن جميع أنواع التخوين ولا سيما تلك التي تتصل بالموضوع الاتحادي . ذلك الشكل الذي لم تلغه مطالب الناس وإنما ألغته المصالح الكبرى المتعلقة بالبترول تحديدا بدليل ان دستور 51 المعدل 63 نص على عاصمتين لليبيا طرابلس وبنغازي في الوقت الذي فرض الأمر الواقع مدينة البيضاء وهو ما جرى بعد سبتمبر بالنسبة لسرت فلا داعي اليوم ان يعتبر كل من يدعو الى إعادة النظام الاتحادي في عداد الانفصالي او المطالب بتقسيم البلاد ، فالحكمة ضالة المؤمن والمصلحة العامة ليست حكرا على طرف دون آخر ، وحقائق الجغرافيا لا تلغيها الشعارات او العواطف . كما ان الدور الايجابي في الثورة لا يبرر الاستفادة غير المشروعة للأشخاص او المناطق . كما ان الموقف النقيض لا يبيح الظلم وكذا العقوبة الجماعية . فليبيا بلد كل الليبيين والدفاع عليها واجبهم واقتراح مستقبلها من حقهم جميعا . ومن الحماقة ان يظن كائن من يكون ان في أمكان محاسبة بلد كامل او عشيرة كاملة بجريمة فرد او أفراد . وقد تتفق الأغلبية على الشكل الاتحادي . وقد تعاد الولايات او المحافظات على أساس جديد ، فتطل الأقاليم على البحر مجتمعة فتكون سرت مع المنطقة الوسطى فيزول مصطلح الجنوب ، فموقع سرت المتوسط وسكانها المحدودون وما أقيم فيها من منشآت يؤهلها للربط بين الشرق والغرب كما ان التركيبة السكانية تحفل بهذه الحقيقة ، وحبذا لو يجعل المسيرون للحوار الوطني من بين مفرداتهم موضوع الثروة النفطية الذي اتخذ منه بعض دعاة الطرح الاتحادي مبررهم في الحنين إليه ، فيذكرون وغيرهم أيضا ان الاكتشافات النفطية لم تتوقف وان الأخبار بصددها وغيرها من المعادن تجعل الكفة متوازنة ، فالمياه ثروة واليورانيوم ثروة والحديد ثروة والشمس ثروة . وان هذه مجتمعة تحتاج الى الرجال والرجال جردهم حبيب ذات يوم وبقى أبناؤهم وقد يجردهم أحفاد حبيب . وما لم يسد عندنا الخطاب الذي يحمل كل هذه المرتكزات ويعمد المؤتمر فاقدا لصلاحية بإعادة النظر في قانون العزل السياسي المعيب فيقبل ما لوحظ بشأنه من عديد الأطراف او على الأقل يوقف التشويش المتعمد كي يقول القضاء بصدده ما يرى ، فان كل حديث عن الحوار او المصالحة هو من قبيل الحرث في البحر .إنتهى


_____________________________

رُب ضـارةٍ نافعـة

*أمين مازن

23-4-2014

تدافعوا وقتئذاك جملة واحدة ، لمجرد أن وطأت قدماي مدخل البيت ، ومنهم من كان خارجه ، فيما انطلق إبراهيم مسرعا تجاه بيته وهو يقود سيارته كما لو كان هذا البيت لا يبعد إلا أمتاراٌ عشرة على الأكثر، صار كل منهم يكاد يقطع لحمة من الجسد ، يتداخل الفرح بالبكاء ، الضحك بالانشداه ، النظر مع الاغماص ، لم يعد أي منهم في غفلة من أمره ، فالكل يريد ان يبوح بما لديه ، يريد ان يتحدث عن كل شيء وفي كل شيء ، ما يخصه ومالا يخصه ، فلا احد يريد ان يعطى المجال لغيره ، وان كانت الفتاتان أكثر وعياٌ بهذا الواقع وما يحمله من دلالات ، هذا الحضور الذي جاء بعد غياب أصبحتا الآن على إلمام ببعض خفاياه ، فتسع سنوات لأى طفل أو طفلة على قدر من الانتباه تتيح إمكانية فهم الكثير وقد كانت الكبرى فاطمة في هذه السن ، في حين كانت شقيقتها عائشة أقل منها بسنة وبعض السنة ، لكن السنة الدراسية الواحدة جراء الاحتيال الذي أمكن تنفيذه عند الاكتتاب بالنسبة للصغرى ، الى جانبهم وقفت الأم في ارتباك ظاهر فالحياء لا يسمح بالتعبير عن مشاعر الشوق ، خلفها وقفت الجدة التي حضرت منذ أيام كي تحضر مولد الفتاة الثالثة التي تأكد حملها قبل المحنة بأسابيع محدودة ، وهاهي الآن محمولة بين يدي الجدة لتكون بين المستقبلين من قبيل التبرك. توالى بعد ذلك قدوم الأقربين والأصدقاء أو الأصدقاء والأقربين من كل مكان ، إذ كانوا جميعا متهيئين للحدث ، بحكم المعلومات التي ما فتئت تتسرب ، كما ان المسئولين الأمنيين من جهتهم لم يحذروا مما كان يُنتظر من الاستقبال المتشح بالاحتفاء ، فقد كان القول بالبراءة وعبر وسائل الإعلام يعني حرية التحرك الكامل وكان ذلك كله كفيلا بإزالة كل اثر من آثار الماضي واعتباره كأن لم يكن . لم يتأخر عن الحضور للبيت والتهنئة بالسلامة وإظهار كل مشاعر الفرح وعظيم وثمة من قرن حضوره بما لذ من الطيبات ، لا فرق بين الأصدقاء الذين ربحتهم في رحلة العمر ومغامرة التجارب ، والأقارب الذين تحركت حميتهم واستفزتهم المحنة وكذلك فعل أصدقاء الشيخ ((الوالد)) ومريدوه ، ناهيك عن رفاق الكلمة وزملاء المهنة الذين أثلجت صدورهم فرحة العودة وإعلان الخروج بالبراءة وقد استوجب تكاثر عدد الزوار الانتقال الى البيت الملاصق (( بيت السجين موسى احمد)) اذ كان شقيقه مصطفى هو القائم بشئون الأسرة وقد عجل في تلك الأيام بالزواج حتى لا يكون وجوده وهو العازب شيئا من الإحراج . وكان على ان أكون مستعدا لتحمل أي قول غير مستساغ من أي قادم لأجل السلام ، ولا سيل النصائح غير المدروسة وغير الدالة على الوعي ، كالحث على ضرورة لاحتياط والتزام الحذر ، كما لو كان هناك ما يوجب الحذر او أن هناك من الأخطاء ما يستدعى الإقلاع ، وليس الا مجرد اشتباه قديم وفي أحسن الفروض لعبة من اللعب السياسية ، ولكن لا مناص من الاستماع والحرص على عدم الرد بأي تعبير قد لا يسر من حضر الى هنا للتهنئة بالسلامة والتعبير عما لديه من المشاعر الطيبة بصرف النظر عن أسلوب التعبير عن هذه المشاعر ، فالذين حضروا ويحضرون وفروا ، والحق يقال ما كنا في أمس الحاجة اليه من تعاطف الناس وعدم اكتراثهم بتلك الحملة الإعلامية الشرسة التي ظلت تشتد طيلة تلك الأشهر العصيبة والتي كادت ان تقنع الكثيرين بوجود خطر من الأخطار . ومادام القوم قد حضروا دون ان ينتظروا الإذن او يطلبونه فهم والحالة هذه أصحاب الجميل وأصحاب المبادرة الطيبة الجديرة بكل التقدير ، ولا شيء أدل على هذا التقدير مثل حسن الإصغاء لحديث هؤلاء القوم ونصائحهم المتكررة ولو كان هذا الحديث اقل من مستوى الأحداث الموجودة والمعاني البعيدة ، كما كان ضروريا أن يحذر المرء عن السؤال عن كل من يلاحظ غيابه ، لان السؤال في مثل هذه الظروف قد ينم عن العتب والملامة ، وما يخرج به في الحقيقة كل من تطأ قدمه تلك الأماكن هو ذلك الفيض من الشفافية ، وخاصة وان ما أظهره الكثير من الأصدقاء والأقارب والأهل من وافر الاهتمام بالأسرة كان كافيا لسد أي نقص او تقصير . أسوا خبر تلقيته يومئذ من العزيز الصديق كشلاف وهو ينتحي بي جانباً كعادته في الجلسة كان متمثلا في بسوء صحة الحاج احمد الزوى التي اقتضت إدخاله الى مستشفى طرابلس ، وتعذر إخراجه منه ، اذ تبين اذ الداء الذي برى جسده يعود الى الأورام السرطانية التي طالت الكبد والرئتين ، فغدا الموت قاب قوسين او أدنى كما يقولون ، بل ان الحياة لا تعني سوى المزيد من العذاب الذي يطال أثره وبالأحرى وقعه المريض وكل من يقترب من هذا المريض بالقياس الى ما جرى في حالات كثيرة مشابهة ، كان الصديق يروي ما لديه من تفاصيل وحالة من القلق تسيطر عليه سيطرة كاملة . حتى انه لم يستطع الاسترسال في سرد الاخبار المتعلقة بما كان يذاع من إذاعة المغرب . حول السجن الذي دخلناه ، فقد كان يرسل الرسائل الى إذاعة المغرب ويدون أسماء الموجودين في تلك المحنة ، فظهر خطأ ما ضمته البعض بأن وراء تلك الحملة جهودا إعلامية منظمة . فليس أكثر من رسائل الصديق ـ غير المهني ـ من مصدر يذكر ولكن التناقض بين الدولتين ولد هذا النوع من الضغط الذي كان له أثره في إطالة المدة الذي عرفته البلاد فيما بعد . كان الصديق في حالة من القلق الشديد خشية ان يرحل الحاج من الدنيا وابنه (( الزوي )) خارج البلاد . اذ كان لتوه قد استلم عمله في أمريكا الجنوبية مكلفا بإدارة المركز الثقافي هناك . وبالفعل فبينما كنا نعيش فرحة الإفراج واحتفاء الأهل والأصدقاء بالحدث وصل نبأ الوفاة المنتظرة فازداد القلق والتأثر ليس فقط من حيث العلاقة مع الفقيد وإنما من حيث التعاطف المسئول الذي لمسته طيلة أشهر السجن والذي جمع بين الاهتمام بالعائلة والحرص على الزيارة اذا استطعت في تلك الأيام ان أحمل ((هداية)) رسالة الى الزوي وبقية الأصدقاء طمأنتهم عبرها بعدم وجود أي سؤال عنهم ، كان الرجل قد خلد اسمه بأن سمي اصغر أبنائه باسم احمد شهاب الدين ربما لأنه لا يريد ان يحرج أبناءه كي يسموا عليه اسما لا مكان له في المسلسلات المرئية التي بدأت تسيطر على عموم الناس في تلك الأيام وتفصح عنها أسماء الأطفال الذين يملؤنا الأزقة والشوارع كنتم أعيش هذه المشاعر مجتمعه ومثلها الخواطر والأهل يتوافدون فوجا اثر فوج ولكن الأحداث الماضية وأخبارها تبدو أكثر قدرة على الضغط وعلى شغل البال ، ولا سيما حينما مرر لي الصديق المعلومة المتعلقة بما أذاعت إذاعة المغرب عنا ونحن داخل الزرد فقد أثبتت التجربة الى حد كبير صحة الرأي القائل بأن الصديق في أحيان كثيرة أكثر جدوى من الرفيق اعني رفيق الفكر ، لان هذا الأخير حين تطاله الشبهة يعجز في أحيان كثيرة عن أداء المنتظر منه بحكم الظروف الصعبة وليس التقصير المتعمد . ولا شك ان هذا الفهم كان في مقدمة ما جعلني أقول الرفيق المحنة الشيخ كريدان وهو يسألني عمن أتوقع من الأصدقاء سيزورني ان الذي أثق فيه تماما أن أسرتي ستحاط ـ من أصدقائي ـ بالكثير من العناية والاهتمام . وهو أقصى ما كنت في حاجة إليه ، وذلك عندما كان رفيقنا سعود المنصوري ـ من منطلق شحن العزيمة ـ يقول أنا أفكر في أحوال السجن أما الذين خارجه فهم مثل كل الناس . بصراحة لم استغربها وواقعية حملتني الى عوالم بعيدة ، وفي لغة اقرب إلى الهمس منها الى الكلام ، يسألني أقدم أصدقاء الطفولة الذين احتضنتهم طرابلس مبكرا دون ان تفقدهم مرابعهم الأولى وعلاقاتهم القديمة ، وأوفدوا الى جامعات أوروبا فعادوا حاملين العلم دون ان يفقدوا تأسيسهم القديم (( محمد عبد الرحمن الهوني)) احد العائدين من ألمانيا مختصا في الفيزياء ، عما إذا كنت في حاجة الى شيء من المال عارضا ما قيمته على ما اذكر ألف او ألفين من الدنانير وهو مبلغ ذو قيمة في أيامنا ـ 12.5 ـ 73 ـ اذ ليس للصديق العزيز ما يتجاوز مدَّخراته وربما بعض النشاط الخاص ، فقد تعلم من أهله ان التجارة هي الأصل اما الوظيفة فهي الفقر بعينه . محمد عبد الرحمن يغلب على اسمه لقب ((الوكيل)) بتشديد الياء أي تصغير الكلمة وكيل التي أطلقت على والده عندما كان جنديا بخطين في زمن ايطاليا حين لا مهرب من الدخول في ذلك السلك ولا سيما بالنسبة للذين أعيدوا من الفيافي بالنسبة لذلك الواقع الصغير اسم الوكيل بتشديد الياء ليقع التمييز بينه وبين الوالد . اما في طرابلس فقد أضيف الى اسم الأب لقب الهوني ، وهي عادة يأخذ بها الكثير من القادمين الى المدينة من الدواخل لقد فرقت بيننا الاهتمامات اذ بقي هو مخلصا لاختصاصه الدراسي الذي أكمله بجامعات ألمانيا وغدا من الذين يشار اليهم بالبنان في الفيزياء التي ألف فيها الكتب المدرسية ، فيما انصرفت انا الى الشأن الثقافي العام وتجلياته الاجتماعية والسياسية غير ان الود بقي حيث هو واللقاء حين يتم يعوض كل فترات القطيعة . أتلج صدري هذا العرض بدون شك وأكد لي ان الخلاف المحتمل في التوجهات السياسة ان وجد فانه لم يؤثر في الأسس الأقدم والأكبر والأعرف . على أنني شكرت لصديقي عرضه لان المرتبات لم توقف من ناحية واهتمام الأصدقاء والأقارب وفر الكثير والكثير من ناحية أخرى ، واذكر أنني في آخر زيارة وجدت ام الاولاد شديدة الضيق من إصرار الأصدقاء على توفير الكثير مما لا يطلب منهم وما يمكن توفيره من المرتب . وبين قدوم البعض وذهاب البعض الآخر كانت الأحاديث تتداخل وان كان الموضوع الأساس هو الاطمئنان عن الأحوال والتعبير عن السرور للمناسبة السعيدة ، وكان الوالد يتفحص الجميع ويستوضح عن الجميع ، دون أن يترك حرصه على معرفة الكثير من التفاصيل المتعلقة بالتجربة ، وما اذا كان هناك سر لم ابلغه به ، وكنت من جانبي أطمئنه وأتحدث له عن تلك الكوكبة من رجال البلد الذين ضمهم ذلك السجن ، وما من مرة ذكرت له أسما من الأسماء الا وجدته على دراية بارومته البعيدة ، غير ان الوجدان لا يفتأ أن يعود الى هناك اذ ان الستين الذين تم الإفراج عنهم لا يمثلون سوى ثلث الموجودين في باب بن غشير راو بنيتو بحسب التسمية الايطالية . ولم نعرف بعد الموجودين في الكويفية فكل ما توصلنا به يومئذ ان الاعتقال قد شمل طالب الرويعي والشلطامي وحسن صالح ، ولكنهم عادوا الى بيوتهم بسرعة ، فكان السؤال الملح منصرفا الى الذين ما يزالون هناك ، وعندما حرصت على إحاطة الوالد بأسماء الكتب التي أمكن قراءتها هناك والحوار الذي جرى مع بعض الذين حواهم المقام وجدته لا يتردد في القول ـ ومن عمق إيمان القائم على الرضا بما جرى ـ رب ضـارة نافعـة .إنتهى


_____________________________

عن الأمازيغ بحب جم

أمين مازن

31-3-2014

أفخر بصلتى الوثيقة، إن لم أقل أكثر من ذلك بالأهل الأمازيغيين، والتي تعود تاريخيا إلى سنوات الطفولة، عندما كان أبرز شخصيات ذلك الظهير العم الراحل (سالم الصادق)، يعمل موظفا بالسلك المدني التابع للإدارة العسكرية الإيطالية التي حكمت الجفرة وكذلك فزان، وسميت بلدة « مسقط الرأس هون» عاصمة الصحراء لمجرد أن تمكنت إيطاليا من بسط سطرتها الكاملة على التراب الليبي في مطلع الثلاثينيات من القرن الماضي. ففي ذلك الزمن والذي يكننى أن أحدّد تاريخه في سنة 1938 بدأت صلتى بتلك الأرومة عن طريق ذلك الرجل الذي كان جارا لجدتي وحاضنتى ، إذ كان مولدى متزامنا مع أحد أبنائه «الصادق» فترتب على تلك الجيرة أن تيسر توفير الكثير من احتياجاتي التي يتعذر الحصول عليها ـ كما روى الأهل ـ لكل من لايعمل بالدوائر الحكومية.

هو تاريخ قديم بلا جدال، ومن الموكد أنه تلاشى في مرحلة من المراحل جرّاء الكثير من المقولات غير المسؤولة والأحكام غير الدقيقة، وفنون التعبير المثقل بالتطرف العرقي، وضعف الإحساس الوطني، وفي مقدمة هذا النوع من التعبير ذلك الشعر الشعبي الذي طالما تبادله الزجالون الليبيون خلال حِقَبٍ طويلة وكانوا في كثير منه دعاة للفرقة ورسلا للتخريب والتحريض على الفتنة. ولاسيما في سنوات المقاومة للغزو الإيطالي، عندما اختلفت المواقف وتعددت الرؤى، وتضاربت المصالح، فكان لذلك كله أثره الكبير في التمكين لكل ما هو فاسد ومفسد، ويمكن القول بكل اطمئنان هنا أن ما حدث ما كان له أن يحدث لولا أن الذين تقدموا الصفوف واضطلعوا بالقيادة، كانوا في أحيان كثيرة دون المستوى المطلوب لما أوكل إليهم من مسؤوليات التسيير، وإلا لما أوقعوا المتساكنين في تلك الحرب الضروس التي طالما تسببت في تبادل التهجير بين عديد الأطراف، وفرضت الاستعانة بمن لايجب الاستعانة به، لولا أن المرارة لابد أن تسوغ المرارة الأشد لقد كان إدراكي لهذه الحقائق في مطلع تعاملي مع التاريخ إلى جانب تأثير النشأة الأولى ما ساعدني على تقويم رؤيتي في غير ما مرة، كما زودتني بالحرص القوى على تعديل أحكامي الفظة ومن ثم التراجع عنها، أو لأقل تصحيحها نحو آفاق فكرية أوسع ونظريات سياسية أشمل وصولاً إلى تعامل مع الواقع الليبي وأحداثه التاريخية بفهم أنضج، فإن التي صدرت بهاهذه السطور ما لبثت أن تجذرت أكثر وتعمقت وترسخت أكثر أيضا، فصرت مع الكثير ممن أتبادل معهم حول أي شأن من الشؤون أكثر تعبيرا عن هذه الصلة وأقول تجسيدا لهذه الصلة، حتى لقد تبادر الكثير ممن اتناول معهم الآراء حول هذه الشؤون أن للموقف علاقة بالعرق وليس فقط لسلطان الالتزام الموضوعي الذي يفرض الاسترشاد على كل من يدعي الانشغال بالوطن وما يمكن ان يحل بوحدته من المخاطر حيث لايتوفر الحذر من مجانية التخوين، وحين تحسب بعض المواقف التي ربما تكون غير سليمة على الناس بالجملة وليس - فقط - على من انفرد بها، ومن هنا كنت في مقدمة الذين تنادوْا إلى حضور أول تجمع وقع تنظمه في (ريكسوس) عقب سقوط النظام المنهار مباشرة، والاستماع إل ما ألقي من آراء في الخصوص، والحق أنني لم أستسغ رفع العلم الدال على ذلك التوجه لأن العلم الذي قاتل تحته جميع الليبيين هو علم الاستقلال فلا داعي والحالة هذه أن ترفع أعلام جديدة سواء دّلت على تاريخ الأمازيغ أو الإمارة السنوسية أو حتى تلك التي تتوسطها الشهادة، فما تحتاج إليه ليبيا الجديدة المنتصرة على أعتى الدكتاتوريات والخارجة من عالم الفوضى هو التوجه نحو بناء دولة كل الليبيين، تلك التي توحد الجميع وتخدم الجميع وتصون الجميع وتحصر أولوياتها في تجاذبات المنطقة وصراعاتها الحادة، وكذا تلك التي تثير مشاعر الخصوصية لأي مكون من مكوناتها عرقا كان أو منطقة. لقد أزاح النظام المنار ذلك العلم المقدس واستبدله بعلم أثبت فشله ولم يكن أكثر من مظهر من المظاهر التي ترفع شعار الوحدة العربية، مع بذل أقوى الجهود لتحقيق المصلحة القطرية بحيث لا تكون الوحدة المزعومة سوى وسيلة من وسائل التوسع والتمويه على العالم بالتأثير المزعوم في الشارع السياسي بل وتحرير الكثير من التنازلات السياسية والتخلي عن أشرف القضايا العربية وأكثرها استدعاء لاهتمام الجماهير لتكون النتيجة تلك الخرقة الخضراء الخالية من أي توصيف لطولها أو عرضها أو أي شعار يدل على هوية الهويات، فكان التوجه إلى أي علم غير علم الوطن علم الاستقلال الذي اختاره الأهل بالأمس، وعمَّده الشهداء بدمائهم اليوم، ولعلنا انتظرنا أن يكون من بين الأناشيد ذلك النشيد الذي طالما ردده ناشئة ما بعد الحرب والذي كان مطلعه :»هيا ارفعوا علم البلاد» ليبيا لنا ذات العماد ليبيا لنا عهد عاد، والذي ما كان له أن يختفي ويبعد من الذاكرة لولا أن أهلنا في ذلك الزمان جرفهم اجتهادهم إلى استبعاد أي نشيد خال من الهتاف ، إذ كانوا جُزْءًا من المنطقة التي جرفتها الأساليب الإعلامية السطحية التي تعتمد المظاهر المتصبلة بالتأييد وليس تلك المتجذرة في العقول والكامنة في شفاف القلوب نعم، كان يمكن لنشيد العلم أن يبقى وأن تتعتى به الناشئة إلى جانب النشيد الوطني لأن الوطن يعني الوجود الأكبر ولكن العلم يعني الخصوصية، نعم، لأن نعلم أن هناك من سيقول إن الأمر يتعلق بالتراث والاعتزاز بالتاريخ الذي يحتفظ في صفحاته بكل ما هو ناصع ومشرف ودال على الحضور الحقيقي لهذه الراية في مرحلة من المراحل ، كان للأمازيغ دورهم القوى دون شك، غير أن الحرص على عدم اثقال الذاكرة الفظة في أيامنا هذه قد يسوغ تأجيل مثل هذه الطروحات خاصة حين نضع في الاعتبار ذلك الدور البطولي الذي بذله الأمازيغ في معارك التحرير، وذلك المثل الرائع في نكران الذات وصدق التضحية والتسامي عن جميع الرواسب القديمة، ولعلي انطلاقاً من ذلك كله وجدت أن من الممكن تأجيل دستره اللغة هي الأخرى إلى وقت لاحق، بدلا من مقاطعة الانتخابات على الرغم من أنني على الصعيد الشخصي لم أقبل بلجنة الستين من الأساس وهي التي تحيلنا على الذكريات غير السارة في التاريخ الليبي ومولد الدولة الوطنية.

والأمر في هذا الصدد لايتعلق باللغة الأمازيغية ومشروعها ولكنه يتعلق بجدوى الجهود التي ستبذل وإلى أي حد يمكن أن تسهم في معركة التأسيس في بلد يضرب المثل القياسي في ضالة التحصيل اللغوى عند طبقاته المتعلمة بل والمؤهلة بالذات ، على نحو يختلف عن جميع الدول أو الأقطار المجاورة إذ ما من بلد يرفع فيه الجار والمجرور ويكسر فيه الفاعل مثل بلادنا ليبيا ومن حملة المؤهلات العالية على وجه التحديد، حيث لايخرج الكثيرون من المشاركة بعديد الأبحاث وإلقائها في مستوى مخجل منه كل من لديه أي فكرة عن اللغة العربية ، ولاسيما حين يكون بين الحاضرين بعض المثقفين الأجانب الذين تجعلهم دراساتهم المسؤولة للغة العربية ينطقونها في تنزه مشرف عن أي خطأ نحوى كثيراً ما يجسد أحرج مستويات الوقاحة. بقي بعد هذا ما ذكره بعض الذين استضافتهم إحدى الفضائيات حول مسألة اللغة هذه والدفع الذي قيل بشأن اللغة وعلاقتها بالهوية، ومن باب الحرص على هذه الهوية وعدم الضيق من الدفع بها والتفكير في مقوماتها وتنقيتها من الرواسب أرى أن أهم ما يمكن أن يقع الاهتمام به والدعوة إليه في المكون الثقافي الأمازيغي هو الفقه الإباطي الذي لابد أن يكون حاضراً في مؤسسة الإفتاء الليبية، إذا كان لابد من وجودها أصلا، فهذا الفقه قبل غيره يستحق من ليبيا الجديدة أن تعمل على إنصافه وإنزاله المنزلة اللائقة، ليس فقط لأن الأمازيغ الليبيين يقتدون به، وإنما لأنه صان هويتهم ولأن الإسهام الليبي فيه مشرف للغاية، كما أنه لقي الكثير من الاهتمام في مغرب الوطن العربي ومشرقه، فلابد والحالة هذه أن تكون سير الشماخي وما في حكمها من الراجع ولابد أن تكون إسهامات الباروني وبطولات خليفة بن عسكر حاضرة في المناهج. كما لابد أن يدرس التاريخ بشيء من الإنصاف وقدر من التجرد وحتى التنزه عن تضخيم الأخطاء، وحتى الكيل بمكيالين، كان تقفز اتصالات طرف من الأمازيغ بذات القدر الذي بررت به اتصالات الآخر، وبالجملة فقد أدخل فبراير بلادنا في ربيع بلغ أوجه في الجبل الأشم ومن الخطأ أن نتركه لرياح الصيف وشمسه الحارقة.إنتهى


_____________________________

للبترول رب يحميه

أمــين مازن

23-3-2014

خلافا لما ذهب إليه المتفائلون عندما رأوا في المقترح الذي انتهت إليه اللجنة التي أنشأها المؤتمر الوطني (( منتهي الولاية )) وأطلق عليها اسم لجنة فبراير ، وجاءت مشتركة من بين أعضاء المؤتمر المذكور وعدد من الشخصيات المستقلة ، الموثوق في قدراتها القانونية خاصة والمعرفية عامة ، وروعي في تشكيلها التحوط من هيمنة المؤتمر بأن جاءت نسبة الأعضاء من غير المؤتمر المذكور تمثل اثنين الى واحد ، وإسناد الرئاسة لغير أعضاء المؤتمر ليتسنى لها الوصول الى إعداد المقترح العملي القادر على إخراج البلاد من محنتها الناتجة عن إصرار الحراك الشعبي الذي عم جميع المدن والقرى الليبية ، عندما احتشدت الجموع الغفيرة في الساحات والميادين وليس لها من مطلب سوى ضرورة رحيل المؤتمر باعتبار الثاني من فبراير 2014 يمثل الموعد النهائي لولاية هذا المؤتمر لان عمر المؤتمر يحسب بالزمن وليس الفراغ من إكمال الاستحقاقات ، إذ ان الفهم الأخير من شأنه ان يتيح الفرصة أمام هذا المؤتمر ليمدد في عمره الى مالا نهاية . خاصة وان المؤتمر الموقر قد انزلق من البداية الى اعتبار مسئوليته لا تنحصر في رقابة الحكومة واختيار الهيئة التأسيسية المكلفة بإعداد الدستور ، وإنما انصرف من البداية الى الكثير من المهام التنفيذية . كما لم يتردد في إصدار الكثير من التشريعات المتعلقة بالاقتصاد وعديد الشئون السياسية والعسكرية والتي كانت لها انعكاساتها القوية على إشاعة روح الإحباط واستشعار الخوف وعدم الاطمئنان الى جانب الركود الاقتصادي ، حين أوقف حضر التسهيلات المصرفية عجلة النشاط الاقتصادي كما تسبب قانون العزل السياسي في استبعاد الكثير من المقدرات عن دائرة المشاركة . إما البطيء في معالجة حقوق الإنسان فقد حرم ثورة السابع من فبراير من أهم ما كان يمكنها ان تفاخر به بين نظيراتها العربية .

ومما لا شك فيه ان مثل هذه الممارسات تذكرنا أولا بذلك النهج الذي بدأ به النظام المنهار مشواره المنحرف في إدارة شئون البلاد ، حين لم يترك ما عرف يومئذ بمجلس قيادة الثورة أي فرصة للحكومة المدنية كي تسير شئون الوزارات طبقا للنظم المتبعة والسياسات المفترضة ، فاشترط المجلس المذكور على الحكومة ان تعود إليه في كل شيء ، ولان المجلس المشار إليه كان مفتقد لأي خبرة من الخبرات كان التعويل على المستشارين الذين وضعوا في أهم الوزارات واخذوا في تسيير مختلف شئونها ولا سيما عند استقالة الحكومة المشكلة من عديد المناضلين والخبراء ممن عز عليهم بقاء تلك المركزية المذلة وذلك الفهم القومي الساذج الذي جعل الحكام الجدد ينظرون للنموذج الناصري على أساس المثل الأعلى الذي لا شبيه له ولا معدي من طاعته ، وتلك بالعموم مرحلة مليئة بالكثير من الأحداث والكثير من المفارقات مما يتعذر التفصيل فيه ، إلا أننا عشناه مرة أخرى في زمن السابع عشر من فبراير عندما اتخذ المجلس الانتقالي من سلطته السيادية أداة تعويق مدمرة للمكتب التنفيذي المختص بالسلطة التنفيذية والمتكونة من عناصر ذات كفاءة عالية ووطنية سامقة لولا ان المجلس الانتقالي المستلب هو الآخر من بعض الأشقاء العرب قد حال دون أحسن السياسات . كما فصل الذين تحدثوا عن مفارقات المرحلة وما سادها من صراع وحدث فيها من تدخل ولا سيما بعض الأشقاء العرب الذين أرادوا ان يتخذوا من مساندتهم للسابع عشر من فبراير مبررا للتدخل السافر في جميع السياسات المتعلقة بالشأن الليبي بدءً من الشروع في جمع السلاح والذي وقع تعطيله جراء ذلك التدخل ، ووصولا الى تسمية الوزراء وقادة الجيش بل والاجتماعات الدولية ومن يمكن ان يدعى إليها ومن يستبعد ، لتنتقل العدوى بعد ذلك الى المؤتمر الوطني وهو يتعاطى مع الشئون الدولية ، فلا يكتفي بدعوة الولايات المتحدة وغيرها لرئيس الحكومة الانتقالية فيزاحمها في القمة العربية ويتجدد الموقف بعد ذلك مع الحكومة المؤقتة .

لقد اعتقد المتفائلون ــــ كما قلنا في صدر هذه المعالجة ـــ ان ستنتهي إليه لجنة فبراير من قرارات سيمثل المخرج المشرف ، وقبل ذلك المفيد لجميع الأطراف خاصة وان اللجنة قد صدرت بداية عملها باعتبارها مستقلة كامل الاستقلال وان أي تعديل يراد إدخاله على ما تتوصل إليه من مقترحات لا يمكن البث فيه قبل الرجوع إليها . وكان هذا القرار مرتكزا على الطريقة التي شكلت بها من حيث عدد الأعضاء الى جانب الرئاسة . غير ان الذين تسلحوا بالنظر الأبعد استبعدوا إمكانية التنفيذ الأمين ، بل ان منهم من لم يتردد في القول صراحة بأن ما اتبع في تشكيل اللجنة من سخاء في نسبة التمثيل العددي والطريق التسييري لن يصمد عند التنفيذ ، وسيتضح ان ما اتخذ ليس سوى وقفة لالتقاط الأنفاس والاتجاه بعد ذلك الى الهدف الأساسي المتمثل في إقالة علي زيدان ومن ثم المضي نحو إطالة المرحلة الانتقالية والالتفاف على بقية المقترحات الواحد تلو الأخر ، وقد أدى طرح المقترحات جملة واحدة للتصويت في الجلسة التي عقدت بفندق المهاري الى وجود ظروف سمحت بخلط الأوراق بعض الشيء ان من حيث ترتيب طرح المقترحات للتصويت أو من حيث العدد المطلوب لكل أمر من الأمور بحيث أمكن في هذه الجلسة الدراماتيكية إقالة علي زيدان شخصيا واعتبار بقية الوزراء موضع ثقة وربما عودة للعمل ، ليتحقق من وراء هذه العملية واضحة القصدية الوصول الى جملة أهداف ليس خارجها تصفية بعض الخلافات القديمة مع معارضي الخارج الذين رافقهم زيدان في العمل السياسي وأسمعهم بعض التجمعات وتبادل معهم بدون شك الود والود المفقود ، وكذا التخلص من تبعة سوء الأداء الذي طبع أعمال المؤتمر بقدر ما شمل الحكومة بل ان ما اعترى هذه الأخيرة ما هو الإنتاج التدخلات غير الخافية على الجميع من طرف المؤتمر الموقر وفي هذا الصدد لم يتردد الكثيرون في اعتبار إقالة الثقة من زيدان ان يدخل في عداد المخالفة الصريحة للإعلان الدستوري وما نص عليه حجب الثقة عن الحكومة فضلا عن التراث البرلماني الذي لم ينحل منه التاريخ الليبي بشأن إجراءات سحب الثقة من الحكومة كاملة أو أحد أعضائها و الذي يشترط الاستجواب ومنح الفرصة للدفاع وأخيرا الوقت للتصويت ، ولكن تجربتنا على ما يبدو ولها خصوصيتها في المرور نحو ما تريد مباشرة ، لمجرد ان يتوفر المناخ المناسب ، وما سحب الثقة من السيد مصطفى بوشاقور الذي نجح في سباق الرئاسة المشار إليها ، و صرح بنيته على تشكيل حكومة من التيكنقراط وليس السياسيين وبالأحرى الحزبيين ببعيدة عنا إما الصراع الحاد حول المناصب السيادية التي استطاعت بعض الأطراف ان تستأثر بها وتعذر البقاء فيها عندما آل الأمر لعلى زيدان ، فلا شك انه في مقدمة ما اوجد القنبلة الموقوتة التي وضعت تحت قطار الحكومة و أمكن تعطيلها في غير ما مرة ، وأيا ما كان الأمر فسواء كان تشكيل لجنة فبراير لم يكن سوى استراحة المحارب للقوى التي تخطط لإطالة الفترة الانتقالية الرامية الى أعمال ذراع المؤتمر الوطني العام لتنفيذ الصورة المبتغاة لليبيا وقبل الذهاب الى الانتخابات العامة ووضع الدستور الدائم ، بحيث لا تأتي هذه مجتمعة ألا ويكون الواقع القائم على الأرض قد تم الفراغ فيه ومن ثم فإن الدافع – وفق هذه النظرة ، هو نتاج الخوف من عودة الديكتاتورية ، أو ان الحقيقة هي الخوف من الوصول الى صناديق الاقتراع ، حيث لاحظ ان لدعاة الدولة المدنية التي تحثهم في تسيير أمورها الى دين الله الذي يقوم على اليسر وليس العسر ، والمصلحة قبل النص ، فقط لابد ان يكون واضحا ان كتائب الفضائيات لن تستطيع ان تخفى الكثير من التخطيطات غير البريئة وما تبذله من جهود جبارة على درب السعي للاستئثار بالسلطة ، وضمن شروط محلية وأخرى دولية لا مجال للتحرك فيها بدون التعاون والتسامح والترفع عن النزعات الثأرية المدمرة والمعارك التي لن تفضي إلا الى نتيجة واحدة ، هي ان الغالب قبل غيره هو المقلوب..

أما و أن الأنباء قد تواترت عن إحالة ما انتهت إليه لجنة فبراير الى إحدى لجان المؤتمر الوطني ، بعد ترحيل انتخاب رئيس الدولة الى المجلس المزمع انتخابه ، ليقرر بصدده ما يرى هو الآخر ، وتستنفر هذه الإعداد الكبيرة من المتنفذين في كتل المؤتمر لتسفيه فكرة الانتخابات المبكرة ، وكذا الخبرات المكلفة بإدارة الحوار وتوجيهه نحو هذه الوجهة ، تعويلا على فتور حماس الأغلبية المصرة على رحيل المؤتمر ، واعتبار إقالة زيدان شبه بديل عما يطلب الناس ، وكذا أزمة الباخرة الكورية وما ترتب عليها من اتخاذ أسفه القرارات المتعلقة باستعمال القوة ودفع الليبيين كي يقتلوا بعضهم بعضا ، كي تكون المحصلة النهائية متمثلة في الانفراد بالسلطة وترتيب المرحلة المنتظرة وفق نهج محدد وتحالفات محددة ورؤية اقل ما يمكن ان توصف به أنها اقصائية ، ووسط ظروف اقتصادية أخذت في السوء يوما بعد يوم ، أخطرها و أشدها وقعا على الأغلبية ان المصارف توقفت نهائيا عن دفع أي سلفه اجتماعية كثيرا ما وفرت بعض الاحتياجات الضرورية ، فإن الدعوة الى عودة الناس الى الشارع اقل ما يمكن ان يسهم به كل من يرقب المشهد الليبي ، خاصة وان الباخرة الكورية قد أعيدت بواسطة التدخل الأمريكي ، التي أكدت بما لا يدع مجالا للشك " ان للبترول رب يحميه " وفي مقدمة حماية البترول بدون شك صونه من أي وهم في بقاء وبالأحرى بناء سلطة لا تواكب العصر..إنتهى


_____________________________

رائحــــة البحر المنعشـــــة

أمــين مــــــازن

18-3-2014

أخيرا جاء دوري في الخروج . فقد بدأت العملية على أساس الدفعات المتتالية ، أي بذات الأسلوب الذي اتبع في إجراءات الاعتقال . لوحظ ان التنفيذ كان دقيقاً ومتوازنا . فقد أمكن وفقا للخطة المتبعة أن شمل قرار الإفراج وبالأحرى تنفيذه ومن اليوم الأول كل تراب الوطن ان على مستوى الإقامة او على مستوى الجذور الأسرية للموجودين جميعا والأرومة التي ينحدرون منها ، ففي مثل هذه الأحوال تصل الأخبار الى ذوي الأصل الواحد جميعا وكذا من يمت لهم بعلاقات الجيرة ، كما كانت الدفعات متشكلة من جميع التصنيفات ، صار واضحا بالنسبة لى ان الأهل البعيدين والقريبين قد وصلتهم المعلومة ، اذ كان الفضل ومثلما هو في مقدمة من شملهم الاعتقال ، شملهم كذلك الخروج فقد علم ان التنفيذ سيتم على دفعات ومن جميع الاتجاهات . وها قد جاء الوقت وجاء المنادى آمرا بأخذ ما كان موجود او ان يكن في شيء من الاستحياء ، جراء ما اخذ يسود القسم من مشاعر الحيرة وانشداد الأعصاب . والمطلوب إلان حسب السياق الذي اتبع هو التوجه الى الإدارة المختصة لبحري استكمال أي نقص من النواقص كان التاريخ موافقا لليوم الرابع من ديسمبر ، أما الإجراءات فلم تستغرق سوى بضعة دقائق كنا على أثرها في مكتب جمعه بوصفه المكلف بإجراءات التحقيق والقادر على نقل الملاحظات الضرورية لما امتاز به من حسن الخلق في أداء الواجب قادرا على كسب الثقة وحسن الأداء أما حديثة فلم يتجاوز التوكيد على صدور قرار الإفراج . وكانت خلاصة أقواله ان الإفراج قد تم على أساس البراءة بالنسبة لعدد الذين تشكلت منهم المجموعة الحالية ، ومن ثم حق العودة الى العمل السابق لكل من ثم إيقاف ، وما من احد يحق له ان يحول دون استئناف العمل او اعتبار مدة التوقيف مبررا لأي مضايقة . وان إعفاء الإدارة الموجودين في كل مكان على استعداد لرفع أي ضيق او مضايقة من المضايقات وان هذا الكلام سيؤكده او يضف إليه في وقت لاحق الحاج محمد لان كل من وصل الإدارة الآن يعتبر طليقا ولا سلطان عليه وبين تناول المشروبات التي وضعت على المناضد وتبادل ما اقتضاه المقام من أحاديث ملؤها التحايا وحتى القبل جرى استقبالنا من الحاج الذي هو المدير العام للجهاز وقد اعتاد العاملون ان يدعوه هكذا ، جراء الجو الأسرى الذي افلح في أحاطتهم به ، وقد أكد من جهته ان ما تم الآن معكم ليس من قبيل العفو او المساعدة وإنما هي البراءة الحقيقية وقد حفظنا الحق بنشر خبر في وسائل الإعلام مؤكدين ان الذين يكونون الستين فردا من المفرج عنهم أبرياء ، ومن حق كل من يرى انه قد ظلم ان يشتكي فنحن والكلام للغزالى لم نأمر باهانة أي موقوف ومن أقدم على تجاوز يتحمل مسئولية ما فعل . لم يكن الرجل مجهولا بالنسبة لي فطوال الخمسينيات كانت صلتنا قائمة بحكم المنطقة التي جمعتنا جميعا وحتى المواقف المشتركة بصدد بعض المشكلات التي تخص المنطقة ولكن ضمرت بحكم الزمن وتداخل الاهتمامات . لم تكن لديه من العلاقات المتنفذة ما تجعله محط انظار العهد . ولكن شهادة ادلى بها في معرض الحديث عن بعض الممارسات المتعلقة بالانتخابات النيابية التي أجريت سنة 964 وكان احد الذين تعرضوا للمحاربة فيها المحامي المعروف الأستاذ علي الديب الذي استطاع ان يتخذ من سرده لما لقيه من محاربة أمنية فرصة لإنصاف الرجل عندما ذكره بالاسم واضعا الطريقة التي بلغه بها قرار المحاربة الموجه له وعيناه دامعتان . وعلى نفس الطريقة كانت شهادة الأستاذ عبد الحميد البكوش الذي كان وزير العدل سنة 1965 وكان احد المرشحين في تلك الانتخابات الممثل المسرحي المعروف الأستاذ إدريس الشغيوي . وكان الغزالي مسئولا امنيا طلب إليه ان يحجب شهادة الخلو من السوابق عن الشغيوي فما كان منه الا ان قابل البكوش في مكتبه وأبلغه بتعذر حجب الشهادة المطلوبة عن الشغيوي لعدم وجود المانع القانوني . فكان ذلك دافعا لاختياره للمهمة واستطاع من خلال هذه الخلفية ومن واقع حال المرحلة باعتبارها ما تزال في البداية ان يشكل جهازه كما يذكر عارفوه ــــ على نحو متوزان بالنسبة للمناطق بحيث لم تتكون به مراكز قوى بل وتعذر اختراقه لفترة لا بأس بها . حتى ان أول تكليف لذلك الجهاز بمتابعة ما كان يجري ، بحسب رواية الرجل جاء قائما على مبدأ المتابعة الحية لكل الأطياف المشتبه فيها سياسيا ، مما جعل كتاباتهم عن الكثير من الأسماء تتسم بالروتينية ولم تعد تثير سوى الذين بلغت بهم الأوهام أقصى حدودها ، وكانت المعلومات تبلغ الكثير من المعنيين بهذه الأمور .

والواقع ان الأمن الليبي الذي تكون قبل تلك الأيام والذي يعود تاريخه الى بناء الدولة الحديثة التي بدأت بواكيرها عقب هزيمة إيطاليا الفاشية وقيام الإدارتين البريطانيين في بنغازي وطرابلس ، اشترط على الكثير من الأعيان والمشايخ الذي جرى التواصل معهم ضرورة اختيار الشباب المعروفين باستقامتهم ومقدرتهم على حسن التصرف . اذ بذلك سيضمن المجتمع حسن سير الأمور وابتعادها عن ظلم الناس والا فستكون الأمور منصرفة الى ما لايسر ، ويومئذ كما تؤكد المعلومات المنقولة عن عديد المتابعين للشأن العام وكذا سيرة الذين تم تكليفهم بالعمل في ذلك الجهاز على وجود شيء من الجدية في التكوين ، اذ اشترط المستوى الدراسي المعترف به الى جانب العمر الذي اقتصر على الخامسة والعشرين ، وقد ساعد هذا الأسلوب على إمكانية التدقيق بواسطة ما أطلق عليه دورات التأسيس التي أمكن بواسطتها التأكد من القدرات الحقيقية لتتوالى بعد ذلك الدورات المتقدمة والتي توالت عدة فترات بحيث لم تقترب البلاد من نيل الاستقلال حتى وجدت إعداد كبيرة من المتكونين لهذه المهمة ، فكان الغزالي من الذين استهواهم العمل في مجال المتابعة السرية والتي كانت في زمن الانجليز منصرفة الى مكافحة الجريمة ، وهي بحسب المدرسة البريطانية تتبنى العمل على وقفها وليس تركها الى ان تقع وينال مقترفها العقاب ، فكان دائما بعيداً عن الأضواء وعلى ارتداء لباس الشرطة ، فكان متهيئاً لمهمته ومعولا على تصميمه على تحري الحقيقة ولا شك انه يعتبر على الأقل أفضل الموجودين رغم المصاعب وتوالي دوافع الفساد وأخيرا حتى الا فساد .

حرص الجار الطيب إبراهيم الموشم احد أفراد الجهاز والمقيم على بعد أمتار من البيت ، اذ كنا معا احد الذين تحصلوا على البيوت التي شغرت عقب خروج الطليان ، وخصصت بيوتهم الشاغرة مقابل صافي علاوة السكن كإيجار الى ان يبت فيها على أساس التمليك والذي بدأت إجراءات قبل الاعتقال بفترة قصيرة . وكان هذا التاريخ مكن الأسرة من الزيارات التي كانت تمنح لمن هم في مثل وضعي . فأرسل الى الأولاد من ناحية وأوصى لي كذلك أكثر من زميل في المكان . وكذا عندما حضر هو شخصيا . وكان في حرصه ذاك محقا بدون شك فلحظه مثل تلك اللحظة المبهمة لا يمكن لأي عامل ان يتأخر عن الاستفادة منها . ولا سيما حين يكون صاحبها قد حافظ على حسن الجيرة من البداية . ولم تستغرق المسافة المتكونة من امتداد شارع بن غشير باتجاهه قرقارش وقد فضل ان تكون وجهة عن طريق قرجي ، ربما خشية ازدحام قرقارش فكان الوصول في الساعات الأولى من المساء . مع اتجاه السيارة نحو الشمال وانسيابها وسط الشارع الذي حمل اسم الأمير هشام ابرز أمراء الأندلس في بداية الحكم الإسلامي ، لاحظت ان موظف البلدية البائس قد أزال من لوحة الشارع كلمة الأمير ليكون الاسم (( هشام الأموي )) حتى يستقيم الأمر مع ذلك المفهوم السطحي الذي يخلط بين ألقاب العهد الملكي الذي يوصف يومئذ بالمباد ، وحقائق التاريخ الإسلامي القديم الذي يشهد لتاريخ الأندلس بكل ما يثير الاعتزاز وما ذلك الا لان نقيضته الاقصاء المدمر قد تمكنت من الجميع وصارت تستهوى الجميع ولا سيما السطحيين من موظفي الأجهزة الخدمية الذين يكشطون كل ما تتحدث به الإذاعة والكثير من برامجها الساذجة .

هنا بدأت رائحة البحر تعبق الجو المحيط ، اذ تبدو في هذه الأوقات شديدة الارتفاع فكاد الشوق الى البحر ورويته يتغلب على الشوق للأطفال او يستوي معه على الأقل ، ويبدو ان الثقة من ان كل اثر قد انتهى مع الخروج أثار مثل هذا الشوق ، فالإحساس بالحرية كثيرا ما يثير الرغبة الجامحة في كل شي ، شأنه شأن البقاء داخل الزرد ، اذ كلما امتلك المرء شهواته داخل نفسه كان أكثر قدرة على التماسك أمام جلاده ومع أول منحني ظهر باب المنزل البسيط في نصف فتحه ، فيما كانوا جميعا خلف السور القصير ، ينتظرون وقوف السيارة والخروج منها ، اذ بلغتهم المعلومة او كما يقول الأهل البشارة حين عودة الغائب . ففي مثل هذه الظروف تتداخل المشاعر وحتى الأحاسيس انطلاقا من تعدد المسئوليات وتضاربها وألف خاطر وخاطر عند تبادل النظرات بين القادم والقادم ، يبدو مهيمنا على المرء في لحظة ميلاد جديد ولكن بعقلية تحتضن الكون كله وتنشغل به كله ، في ثقة بأن الآتي أفضل .إنتهى


____________________________

قبل أن تحرقنا النيران الصديقة

أمين مازن

4-3-2014

تشهد العاصمة الإيطالية «روما» مؤتمر أصدقاء ليبيا في دورته الثالثة، ذلك التجمع الدولي العربي الأوروبي المتشكل من الدول التي استجابت لمطلب الليبيين المقدم عبر الجامعة العربية إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة لحماية المدنيين الليبيين وغيرهم من سكان ليبيا، عندما وجدوا أنفسهم مهددين من آلة القذافي العسكرية التي قرر في غير ما شفقة أو رحمة أن يواجه بها انتفاضتهم السلمية في مثل هذه الأيام من مطلع هذه العشرية (17-2-2011) والتي مثلث الذروة لمسلسل معارضتهم، التي بدأت منذ الأشهر الأولى التي تلت الفاتح من سبتمبر 69 واستمرت بعد ذلك التاريخ طوال الحقب الأربع وكان ثمنها على الدوام فمثلا في المزيد من الأرواح والمزيد من الدماء حتى كان هذا التاريخ الذي شهد اندلاع الانتفاضة، ورأى المجتمع الدولي لحسابات قدرها ومصالح لامجال لتحقيقها بغير الوقوف إلى جانب القوى المناوئة للقذافي، إن لم يكن لغرض الإصلاح فلا حرج من استعمال السلاح. ففي تلك الأيام وفي معرض الأخذ والرد ومعارك الكر والفر، ومسلسل التواصل مع المجلس الوطني الانتقالي الموقت، والمكتب التنفيذي والمتعاونين معه، وتوالي الاعتراف وبالأحرى التطلع لمرحلة ما بعد القذافي. برزت فكرة مؤتمر أصدقاء ليبيا وعقدت دورته الأولى، وقد كان لها بدون شك تأثيرها القوي في مسيرة الأحداث والتي انتهت كما هو معروف بالقاء القبض على القذافي بسرت والإعلان عن مقتله وكذا ابنه المعتصم في مصراته التي شهدت قبل هذا التاريخ أخطر مراحل تكوينه على مختلف الصعد، ذلك التكوين الذي لم يمنعه من أن يصب جام غضبه على أهلها وبذل الغالي والرخيص للانتقام منها، بحيث لم يكن لها من مثيل سوى الزاوية، ولم يخطط لحملة اسوأ سوى تلك التي وجهها لبنغازي، أملاً في إزالتها من الوجود لولا العناية الالهية التي حركت الضمير الإنساني ليقضي على ارتال الفناء في مداخل مدينة بنغازي فيما كانت الآليات تملأ ذلك الطريق الطويل لعشرات الكيلومترات إن لم تكن مائاتها وتبقى محروقاتها وخردتها خير شاهد على تلك الجريمة وأقوى حجة على مشروعية ذلك الموقف. غير أن المؤسف هو أن ذلك الموقف الحازم لم يحدث إلا بعد التمكن من اتخاذ جملة من الإجراءات التخريبية التي جمعت بين قتل المواطنين على الهوية وإطلاق سراح آلاف المحكومين في سوابق جنائية مع تزويدهم بما كانوا يحتاجونه من الأسلحة وحتى الملابس العسكرية والأموال الكافية للتحرك، مستفيداً من النهاية التي عصفت بسابقية في شرق الوطن وغربه، حين مارسا نفس اللعبة من موقع خلط الأوراق أملاً في أن يفلح في الاضرار بالبلاد والعباد. ومن الواضح أنه قد ضمن بهذا التوجه غير السوى وهذا المخطط الماكر ما أدخل ليبيا في هذا الخضم المتلاطم من المشاكل المتلاحقة على مدى السنتين الماضيتين حتى لقد غدا من المستحيل أن يؤمل أكثر الناس تفاؤلا إمكانية الخروج من مأزق ما بعد الحرب، بل ولم يعد أحد يثق في إمكانية ما يمكن أن يأتي به زمن السلم. وما ذلك إلا لأن السلاح المنتشر في كل مكان من هذا الوطن الواسع وهذه المجموعات البشرية التي ترتبط -على الرغم من قلتها واتساع الرقعة التي تسكنها - باوثق العلاقات وأيسر سبل التواصل، الأمر الذي جعل من السلاح المنتشر كفيلا بافساد كل شيء، وتعطيل أي توجه بناء، فصار سوء الأداء هو المهيمن على كل جميع الممارسات والمحصلة النهائية لإنتاج جميع المؤسسات. وقد نتج عن ذلك أن تعذر على السلطة التنفيذية أن تتحكم في أي اتفاق من الاتفاقات أو قاعدة من القواعد، وأصبح الموت بالمجان هو سيد الموقف. لقد تسببت هذه الوضعية الماكرة في ايجاد جملة من المصاعب التي طالت أمن ليبيا واستقرارها وشملت آثارها المحيط الإقليمي والقاري، فمن تسرب لايعرف الانقطاع للسلاح الذي طالما ضبط في الشرق والغرب والشمال والجنوب. ومن عبث لايعرف التوقف بعديد الوثائق الرسمية والأوراق الثبوتية التي طالما ضبطت بايدي عناصر كثيراً أما اقلقت أمن العالم وعبثت بسلامته أينما حلت، إلى تغليب للمصالح المذهبية والتحالفات الدولية على المصلحة الوطنية، إلى الحد الذي أصبح فيه من المؤكد أن ما تشهده من تأخر لقيام الدولة وأركانها المتمثلة في الجيش الوطني، على الرغم من وجود آلاف المدربين على عديد الأسلحة وكذا المعدات الضرورية، ليس له من سبب سوى التدخل السافر من بعض الأشقاء العرب الذين ساعدوا اثناء معارك الكفاح، بيد أنهم اتخذوا من موقفهم المشرف ذاك إلى آخر صار مخجلاً وباعثاً على السخط لكونه أفقد ذلك المعروف قيمته، ولاسيما حين وجد بين أكابر العلماء من لم يتردد في وصف كل من أمر على استقلال القرار الليبي بصفة ناكر الجميل، لكان الجميل حين يرى فلابد أن يحيل الناس إلى عبيد، ليس أمامهم إلا أن يؤمروا فيطيعوا ولو كان ما بدأ للبعض وكان من قبل صانعيه، في حين تؤكد الأسرار الحقيقية أن الدافع الحقيقي كان أكبر من ذلك بكثير. وقد بدأت هذه المفارقات قبل سقوط النظام بالكامل حين لم يغب عن بال بعض المناضلين ما بدأ يلوح من علامات التدخل، والذي أشر مبكراً أن هناك من يطمع لكي يكون وصياً على الدولة الجديدة، إن بقسيمة مناصبها القيادية أو رسم سياستها الدفاعية بل ورفض فكرة تجميع السلاح ثقة في أن ذلك سيتكفل باستمرار الفوضى ، وقد أعادت هذه المواقف إلى الذاكرة الليبية تلك المشكلات التي واجهت جيل الآباء عشية اضطلاعهم ببناء الدولة الوطنية واحتياجهم إلى الدعم المالي لتسيير الاحتياجات الملحة، حين لم يتردد بعض الأشقاء في أن يشترطوا لتقديم مساعدتهم اعطاءهم حق الرقابة على المصروفات، وهو ما رفضه الأهل بحزم لما استشعروه من الاهانة وفتح أبواب التدخل. على أن ما يضاعف قلق كل من يتعاطى مع الواقع الليبي بمسؤولية، وينظر إلى ما يتوفر عليه مثل هذا التجمع وما يمثله من الثقل السياسي والعسكرى والاقتصادي إذ يجمع إلى جانب أهم دول حلف الناتو، دول الجوار الليبي مجتمعة، بل لقد امتد إلى تلك التي ليس لنا معها حدود مثل موريتانيا التي ذكر أنها آخر من طلب الإذن بحضور الاجتماع، لا أن يدعو بكل الالحاح إلى ضرورة التحلى بمزيد اليقظة ومزيد الحذر، بل والكثير من الخوف أيضاً، ففيما تجيء كل هذه الأطراف حاملة مجتمعة أجندتها الخاصة إزاء ما يمكن أن يطلق عليه المسألة الليبية، ليس فقط بما تتوفر عليه ليبيا من الثروات الموجودة فوق الأرض وتحت الأرض وإنما بسهولة الاستفادة من واقعنا المليء بكل ما يقلق ويتيح المردود السهل، اللهم إلا بالنسبة لنا معشر الليبيين، باعتبارنا نسج في هذا الخضم من الفوضى ونعاني هذا السباق المحموم للقضاء على أي جسر من جسور التواصل أو شكل من أشكال الشرعية، فما هي دول الجوار وغير الجوار تتحدث كل يوم عن كميات الأسلحة الفتاكة التي هربت وربما ارسلت إلى معارضات هددت أمن تلك الدول، فشكلت مستمسكا لادانة السلطات الليبية لتنعت بوصفين أحلاهما مر كما يقولون، فأما أن يكون من بيدهم الأمر قد وافقوا على تسرب هذه الأسلحة، فوجب التحرك للاطاحة بهم أو أن التسريب قد حصل في غفلة منهم وتقتضي المصلحة ضرورة التوجه لمجيء غيرهم ، والأمر نفسه بالنسبة للهجرة غير الشرعية التي يصر كل من يتاجر بها على الصاق تهمتها بليبيا على الرغم من أن المافيات العاملة في هذا النشاط موجودة في كل مكان، كما أن ليبيا ليست وحدها الموجودة على شاطئ المتوسط أما ما تتناقله الصحف ومراكز المراقبة الدولية عن العبث بالأوراق الثبوتية كالجوازات وما في حكمها واستعمالها من غير الليبيين جراء التواطؤ السياسي أو الفساد المالي، وما يتردد عن سهولة الدخول والخروج للكثير من ذوى الايديلوجيات المصنفة لدى الآخرين بصفة الإرهاب فقد كان له أثره الملحوظ في لجوء كل الأطراف المجاورة إلى تحقيق حدودها بأحدث كامرات التصوير كي تضمن لأمنها ما هو في حاجة إليه من الحذر والاستعداد القوى للتحرك في الوقت المناسب. فإذا ما أضفنا إلى ذلك ما أسفرت عنه انتخابات الهيئة التأسيسية من عزوف عن التصويت إن من حيث القيد أو من حيث الاقتراع وما يتردد عن الانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان في سجوننا ومواطن تسييرنا، ومن تشكيك لايعرف التوقف لشرعية المؤتمر الوطني، واصراره وهو العاجز عن توفير النصاب القانوني لعقد الجلسة التي تسمح بسحب الثقة من رئيس الوزراء، على الحديث حول هذا التوجه فسيتعذر علينا أن نتفاءل باحتمال الوصول إلى أية قرارات يمكن أن تفيدنا نحن الذين ينعقد مؤتمر روما لأجلنا وتحت شعار يقول بأنهم الصداقة أو العداوة، وإنما تعرف المصلحة، وأدركنا ما نحن عليه من سوء الحال ضمن مصلحة الشمال وذلك دون غيره ما يبعث القليل من التفاؤل.إنتهى


_____________________________

نعم الفيصل الصندوق

أمين مازن

22-2-2014

كنت في الرابع عشر من فبراير بين الجموع الغفيرة التي غص بها ميدان الشهداء بمدينة طرابلس حيث إقامتي الدائمة منذ أيام الشباب المفقود لحضور جمعة الرحيل كما أطلق عليها منظموها، وهي جموع قدمت من كل حدب وصوب، من أقصى الشرق وأقصى الجنوب إلى جانب الغرب بالطبع.

ولم يكن لها من مطلب واحد أكثر من رفض التمديد للمؤتمر الوطني العام والذي ترى الأغلبية من مختلف الأطياف السياسية والفكرية انه قد أنهى مدته الزمنية المحدودة بالإعلان الدستوري وخريطة الطريق التي حواها ذلك الإعلان، وليس أمامه، أي المؤتمرسوى ان يسارع إلى الرحيل ويفسح الطريق لمن يمكنه أن يكمل المشوار، هو موقف ناقص القراءة الأخرى التي رأت أن المؤتمر الموقر قد انتخب لأداء استحقاقات محددة وليس لمدة زمنية، لأن هذه الأخيرة مسألة اجرائية ليس أكثر.

هي قراءة تنادت للتسويق لها جملة من المروجين المحصرة الذي افلحوا في تسخير الكثير من الفضائيات المحلية التي يعرف أصحابها والمداومون على تنشيط توجهاتها النوم ولا يسأمون التكرار في مقدمتهم بعض أعضاء المؤتمر الذين لم يستشعروا الاحراج وهم يدافعون عن هذا التوجه الباطل بالحجة الباطلة، والذي لو لم يكن له سوء كونه متعلقا بولا بيتهم واستمرار سلطتهم، ولو كانت معنوية فقط لوجب ان يكون التوجه إلى الانتخابات المبكرة هو الخيار الأول هذا الترتيب المضحك الذي ينشد أعداد دستور للبلد في فترة عجز المؤتمر عن تعديل الإعلان الدستوري في ضعف المدة المقترحة بالخريطة.

كان دافعي لحضور هذا الحراك، والذي لم يكلفني سوى ترك المكان الذي اعتدت ارتياده يوميا لأكثر من ثلاثين سنة مضت في منتهى شارع الوادي لمن يترك الميدان عبر الشارعر المذكور، أو العكس في حالة ما إذا كان المنطلق من نهاية بومشماشة - كان دافعى هذا يعود إلى تاثرى بأحد الأعمام الكبار في بلد النشأة الأولى، حين سمعته يسخر من موقف أحد اترابه الذي وصف نفسه بالمحايد، فلم يستنكف ذلك العم أن يصف المحايد "بالزغرات" الذي ينتظر من تكون له الغلبة فيصفق له ان كان المحايد ذكر أو يزغرد عليه حالة ما إذا كان انثى، وكان ذلك كله حين كانت المرأة محدودة الدور، فمنذ ذلك الزمن كرهت الموقف المحايد وصرت ميالا إلى اتخاذ الموقف ولو باضعف الإيمان، فوجب والحالة هذه أن اتوجه إلى ميدان الشهداء واسجل موقفي ضمن المنادين بضرورة رحيل المؤتمر، وقد يجوز لي في هذا الصدد أن أذكر ببعض ما لتبث في هذه الصحيفة أن مادرج عليه مؤتمرنا الموقر من التعاطى مع الكثير من الأحداث والاصرار على الذهاب نحو الكثير مما سوى الاساسيات، لن يكون له من نتيجة سوى التمديد في عمر المؤتمر، لافرق ان يكون ذلك محددا سلفا أو ستفرضه طبيعة الممارسة والتي حددتها يومئذ في جملة المسائل التي حرص المؤتمر الوطني على البث فيها دون أن يكون مكلفاتها مثل تعديل الرواتب والاقتراب من السياسة المصرفية لحجة الانتصار للشريعة الغراء، فيما لم يكن لمثل هذه الممارسات المتسرعة من مردود سوى المزيد من الارتباك على كل المستويات، بيد أن العامل الأكثر حسما هو مالاح في الافق من إمكانية التوافق نحو موقف أكثر جدوى.

على أن ماضاعف من دوافع موقفي هذا أقدام مؤتمرنا على اصدار القانون رقم "5" القاضي بادانة كل من يمس المؤتمر وثورة فبراير دون تحديد نوعية المساس المذكور، بل وأكثر من ذلك ما صدر من توضيح على لسان المتحدث باسم المؤتمر أن القانون المشار إليه كان قد صدر في الماضي بشأن ثورة الماضي وأن الزيادة الوحيدة التي استحدثت هي استبدال مجلس الثورة بالمؤتمر، كان الثورة التي اصدرت ذلك التشريع البائس قد أصبحت في زمننا هذا تمثل القدوة الجديرة بالاقتداء وليست ذلك الانحراف الذي ظل الليبيون طيلة العقود الأربعة يتنادون لمعارضته على أكثر من صعيد وفي أكثر من مكان، والتي كان آخرها انتفاضة فبراير التي عرفتها البلاد منذ سنوات ثلاث وبحرى الاستعداد للاحنتفال بعيدها الثالث، ومع ذلك يوجد من يتجرأ ويصدر مثل هذا التشريع الذي ليس له من هدف سوى تكميم الافواه ومصادرة الحريات والقضاء على أهم منجز حققته فبراير وهو منجز الحرية، الذي استطاع بواسطته الناس جميعا ان يخففوا من عديد الاخفاقات التي استشعروها والمظالم التي تعرضوا لها، حين صار في مكنتهم أن يعبروا عما لحق بهم من هذه المظالبم وتلك الاخفاقات فإذا بالقانون الجديد يعتبر ذلك كله في عداد ما يمس ثورة فبراير والمؤتمر الوطني الذي تأسس بفضلها وانتخب من الجماهير في شفافية ملحوظة، وكان من أبسط واجباته أن ينصت لما يصدر عما من من أصوات وما يظهر من علامات الرفض وعدم الرضا ازاء المكثير من الممارسات أو النقل الاداءات، ان صح التعبير.

لقد كان من أهم ما لوحظ على المؤتمر الموقر ذلك الاجماع غير المسبوق على خارطة الطريق التي ضمنت أول ما ضمنت مبدأ التمديد في عمر المؤتمر، واقترح المتابعة شبه المستحيلة للهيئة التأسيسية بشأن الفراغ من اداء مهمتها، فإن لم يكن فبالانتقال إلى فقرة أخرى أطلق عليها الفقرة "ب" التي اقترحت في استحياء الذهاب إلى الانتخابات المبكرة ولكن بما يضمن إطالة المدة، الأمر الذي أدى إلى مزيد من الاحتقان وإلى اقتراح بيان يحمل الكثير من القوة، كما لم يتردد رذيس اللجنة التسييرية لاتحاد القوى الوطنية في القول بأن الجانب الخفى من خارطة الطريق هذه المضي نحو دستور لايستبعدأن يكون معدا من الآن، فيما جاء رد رئيس الحكومة منصرفا إلى الترحيب بمبدأ الذهاب إلى الفقرة "ب" مباشرة أي الانتخابات المبكرة، لتأتي بعد ذلك خاتمة المبادرات الجيدة متمثلة في تصريح حزب العدالة والبناء بالموافقة على مبدأ الانتخابات المبكرة، الأمر الذي يبشر بوجود شيء من التفهم وبالاحرى الانتباه إلى ما يمكن أن يترتب على المتغيرات التي طالت المنطقة من شرقنا وغربنا، حيث فرغ من الاستحقاق الدستوري ومن الذهاب إلى حكومة متعددة الاطياف ودستور يتلاءم مع اشتراطات المعاصرة، مما سيستحيل معه التفكير في أي دور يتجاوز الاحتياجات الليبية والإمكانات الليبية وبالتالي فإن اسلم ما يمكن أن نسعى إليه هو التوجه نحو خيار الانتخابات المبكرة بحسب وعود أعضاء المؤتمر الوطني ودودائره شريطة أن تحدد اختصاصاته في المسألة التشريعية ليس غير، فيما تكون مسؤولية الحكومة تنفيذية، إلى جانب رئاسة للدولة محددة الصلاحيات يصار إليها بواسطة اختيار المجلس أولا والاستفتاء الشعبي ثانيا. وعندها يمكن التخلص من التدخل المربك والصراع المفتعل. كما سيترتب على هذ الصيغة توسيع دائرة المسؤولية وبالآحرى المشاركة ووضع حد لما صار يزعج بعض المناطق من التهميش وربما المركزية المترتبة على تداخل السلطات وتحالف المذهبيات، خاصة إذا ما جرت الانتخابات المنتظرة وفقا لبرامج واضحة وصريحة يطلب التصريح بها من قبل المترشحين، وما ينتوون تبنيه من سياسات تتعلق بالتعليم والاقتصاد والمشكلات التنموية المتعلقة فضلا عن الأحول الشخصية والتعليم وحدود سلطة القضاء والموقف من الوصاية التي يتطلع إليها البعض تحت شعار الدين أو أي شعار من شأنه تبرير التعدى على خصوصيات الناس وما يتطلعون إليه في زمن الثورة التي حلموا بها وضحوا في سبيلها، ولم يستنكفوا الاستعانة الضرورية لبلوغ بقية أهدافها، مما يجعل من الانتخابات إذا ما حصلت ايذانا بالتحرك وقطع الطريق نهائيا على كل من يحاول العرقلة أو التدخل في حياة الناس بدعوى الانتصار لأي عقيدة أو مبدأ، وأخيرا تحريك العسكر، ليس من أجل الدفاع عن البلد ومقاومة التدخل الخارجي والاحتكام الصادق للشعب ومؤسساته وإنما بالقضاء عليها مجتمعة لنكون العسكراتيا سيدة الموقف، وكإننا يابدر "لارحنا والاجينا".إنتهى


____________________________

ضربني وبكي .. سبقني واشتكي

أمين مازن

28-1-2014

فشلت القوى المناوئة للسيد علي زيدان في رئاسته للحكومة المؤقتة في كسب الأغلبية الضرورية لسحب الثقة منه ، تلك القوى التي لم تخف امتعاضها من فوز هذا السياسي الموصوف بإجماع الكثير من المتعاملين معه بالعناد، وإن كان الكثير من هؤلاء أيضا يعزو إصرار زيدان على مسلكه هذا إلى ما يتوفر عليه من القدرة على المناورة وسرعة التنبه إلى الثغرات التي طالما أفلح في الخروج منها . كلما توهم مصارعه إنه قد استطاع أن يسد جميع الطرق . مرة أخرى لم يجد المناوئون لزيدان أكثر حشد لمزيد من جنود الفضائيات الذين وكما قلنا أكثر من مرة – يكونون دائما في المتناول لإلقاء التبعة على زيدان بشكل شخصي إزاء كل ما تعانيه البلاد من المشكلات وما ترزح تحته من الأرزاء ، فيتوالى ما لا يسأمون من تكراره عن فشل علي زيدان في ملف الأمن والصحة والمواصلات واحتلال أبار النفط ، وعدم قيام الجيش الوطني وجهاز الأمن الداخلي والخارجي ، الذي تكرر حتى ملته الأسماع وأعيد حتى محبته الأذواق ، كأنما علي زيدان يملك عصا موسى التي يمكن بواسطتها إبطال كل فعال السحرة الذين لم يتجددوا في أي زمن مثلما يتجددون في الحالة الليبية التي لا يصدق عليها سوى المثل المعروف « ضربني وبكى وسبقني واشتكى .. نعم أن هناك من الإعلاميين وبالأحرى الناشطين العمالقة من لم تنطل عليه لعبة القوى المشار إليها وهي تخوض ما دأبت عليه من الموقف القصدي نحو زيدان والذين يحضرنا منهم الآن المناضل محمود شمام الذي وضع في مقابلتيه الأخيرتين الكثير من النقاط على الحروف حول ما يجري في المشهد الليبي من صراع توجه فيه أكثر النبال نحو صدر على زيدان فوجدناه يتحدى المنتقدين بصريح العبارة باستعداده لنشر كل التصرفات السياسية أو الإدارية المالية التي تمثل إدانة لزيدان وعلى نفس الوتيرة كان حديث المناضل فرج العشة وغيرهما ممن لم يعد يقبل بهذه العموميات التي لا يسأم من ترديدها أولئك المناوئون ، والذين ما كان لهم أن يتمادوا في ما تمادوا فيه لو بادر زيدان باتخاذ الموقف الذي اتخذه في الآونة الأخيرة ، حين احتكم إلى التصريح بدل اعتماد أسلوب التلميح ، وتسمية الأشياء بأسمائها بدل الاكتفاء حولها بالإشارة ، فعرف المواطن الليبي لأول مرة وبواسطة رئيس الوزراء مباشرة نوعية المشكلات التي يعانيها الليبيون ودور القوى السياسية المؤثرة في الدفع بها أو عدم الوقوف ضدها ، فبات واضحا أن الموقف من زيدان المتجه نحو العداء لم يكن من أجل ضعف عقيدة زيدان الدينية ، وإنما هو بدافع يقظته القوية للنفاذ إلى فهم أسر العلاقة الوثيقة بين المعلن من الآراء الدينية والعميق من المصالح الدنيوية التي لا ينتبه إليها ولا يفلح في كشف أسرارها واجتثاتهما من الجذور سوى أمثال على زيدان ، كما توفر له من خبرة التعاطي بالخارج والداخل . وبعيدا عن الانجرار نحو ما يؤخذ على زيدان وادائه في رئاسة الحكومة ، وما إذا كانت قراراته قد سلمت من القصور والتقصير والإضرار في النهاية بمصالح الوطن ، فإن ثمة أمور أبدت واضحة لمجرد أن كسب علي زيدان معركة الفوز برئاسة الوزراء وتمكن في النهاية من إسناد حقائبها بعد أخذ ورد غير قليل مع مختلف الكتل الشريك في توليفة المؤتمر الوطني العام ، وتبنيه لخطاب لم يعبر به سابقوه بالنسبة للنظام المنهار وحرصه على أن يقترن أسم كل منهم ذكورا وإناثا بالسادة والسيدات رأينا الكثير من المتحدثين في وسائل الإعلام المصورة تحديدا لا يجدون غضاضة في اعتبار مثل هذه اللغة مستمسكا ضدعلي زيدان ، لان الثورية حسب هذا المفهوم السطحي وغير المسؤول تقتضي أن ينعث كل من أتت عليه ثورة السابع عشر من فبراير بكل ما حملته قواميس اللغة من النعوت المشينة في الوقت الذي يعلم كل ذي لب أن أي وصف مشين يطلق على لسان مسؤول من المسؤولين وفي أجهزة الإعلام المصورة والمسموعة ولا سيما الرسمية منها يشكل دليلا على غياب العدالة وعلى إصدار الأحكام مسبقا ، وإن كلمة السيد والسيدة ينبغي أن تطلق على كل مواطن سواء وهو سيئ في وظيفة من الوظائف أو يعاقب بجزاء من الجزاءات ، فالسيادة صفة للمواطن والمواطنة لا تطردها الخيانة ولو ثبتت ولا يجلبها الإخلاص شأنها شأن الجنسية المكتسبة بحكم الدستور . على أن الذين وهبوا نعمة النفاذ إلى حقيقة الصراع في الواقع الليبي وتجلياته المتمثلة في توزيع الحقائب الوزارية وما يصدر عنها من قرارات بصدد توزيع المراكز القيادية وطبيعة التحاصص المناطقي وأغلفته الحزبية والتي لم يكن علي زيدان بمنأى عن التعاطي معها، تفطنوا من البداية إلى ما تمكن من تحقيقه بصدد توزيع الحقائب السيادية وأبعادها عن المناطق المعروفة بشراهتها للظفر بنصيب الأسد في الغنائم المسلحة وغير المسلحة وكذا المناصب السيادية، ممن لم يروا حرجا في أن يحولوا بعض السفارات إلى ما يمكن وصفه بالقبيلة الواحدة ولعلهم لذا السبب يستغربون ما قوبل به بعض الذين أنيطت بهم بعض الحقائب من العداء الظاهر، وآخرين منهم فهموا السر الكامل وراء اصرار المؤتمر الوطني الموقر على تسمية بعض المواقع التي يفترض أن تكون من صميم اختصاص السلطة التنفيذية على نحو ما حدث في منصب رئاسة الأركان التي يفترض أن تكون من مشمولات وزير الدفاع المرؤوس بداهة من رئيس الوزراء فإذا بها تخص بالتبعية للمؤتمر العام فيتعذر بالتالى على الحكومة أن تنفذ أي سياسات في المجال العسكري في الوقت الذي نراها تلام صباح مساء على ما اعترى أداءها من فشل في الخصوص، مما دفع زيدان وعلى الرغم مما اتسم به من المرونه والتكتم والبعد عن تسريب المعلومات كما يفعل غيره لايجد غضاضة من أن يصرح بذلك في معرض رده على منتقديه حين لم يجد مندوحة من الجهر عما ضاق به صدره وتعذر عليه علاجه لقد تبين من خلال الاتهامات المتبادلة بين الحكومة والمؤتمر الوطني العام إزاء مجمل الإخفاقات المتمثلة في تأخر تفعيل الجيش الوطني وجهازى الأمن الداخلي والخارجي، مرده إلى إصرار المؤتمر العام على اعتبار رئيس المؤتمر بمثابة القائد الأعلى للقوات المسلحة، فصار مستحيلا على الحكومة إصدار أى قرار واجب التنفيذ، كما أن الالتزام بتنفيذ النصيحة التي بادر بإسدائها رئيس الأركان القطرى بضرورة تمسك الثوار بسلاحهم - كما روى محمود جبريل - حال دون تسليم السلاح مما أدى في النهاية إلى استمرار وجود المليشيات وتناميها وتحولها في النهاية إلى مراكز للضغط وإملاء الشروط وتحقيق المزيد من المكاسب بل وشرعن ما بادرت به المدن التي كان دورها أكثر مما سواها في معارك التحرير بالمسارعة للاستيلاء على السلاح المخزن في الأخرى التي بقيت تحت قبظة النظام المنهار إلى أخر لحظة، فكان من نتيجة ذلك كله أن جردت الحكومة من معظم صلاحياتها اللهم الا تلك المتمثلة في صرف الأموال وتسمية بعض الوظائف وهذه أيضا كثير ما تمت بأكثر من إكراه، ومع ذلك يحتدم الصراع بين الساعين إلى إسقاط الحكومة وبالأحرى رئيسها والآخرين الذين يدركون ان المشكلة تفوق ذهاب رئيس الحكومة أو بقائه. فإذا ما أضفنا إلى ذلك ما تشهده البلاد من احتكام للسلاح في أكثر من مدينة وسقوط المزيد من الأرواح تحت أكثر من مبرر فإن ما يبذل من مساع لاسقاط الحكومة وكذا المؤتمر ينطوي على الكثير من المخاطرة بالشكل الدستوري القائم على ما فيه من الوهن وما تتصف به أداءتهما من الاخفاق، على أكثر من صعيد، الأمر يؤكد بما لايدع مجالا للشك ان المخاطر تتهدد الوطن كوجود ويكفي أن يتوقف المرء أمام ماتتناقله جميع وسائل الأنباء العالمية بشأن ما صار يضبط في بلدان الجوار من أسلحة مهربة من ليبيا وباتت تشكل خطرا على أمن تلك الدول ومن حقها لدرء مثل هذه الأخطار أن تتخذ من السياسات التي من شأنها أن تدفع هذه المخاطر، وقل مثل ذلك على ما يضبط من المهاجرين غير الشرعيين الذين طالما كان منطلقهم من اليابسة الليبية، وهذه مجتمعة بلا جدال تنذر بكل ما من شأنه أن يهدد الوطن في الصميم، وبالتالى فإن المسألة ليست مسألة حكومة تبقى أو يؤتى بغيرها، وإنما المسألة مسألة السلطة التنفيذية التي ينبغي أن يكون اختصاصها شديد الوضوح ومحاسبتها لاتقبل التهاون وفي توقيت لامجال فيه للمصطلح الانتقالي أو الوقت وما يفرضه من تسيير الأمور في حدود المقرر وبما يصون مصالح الناس ويحفظ أمنهم ويوفر احتياجاتهم وضمان درء الأخطار عنهم ولاشك أننا لو عهدنا إلى أي مركز بحث أو هيئة من هيئات سبر الرأى حول ما يتطلع إليه شعبنا من أقصاه إلى أقصاه لن يتجاوز حقيقة واحدة هي إعادة ما كان يسود الحياة الليبية حتى الحادي والثلاثين من أغسطس 1969 من نظام اجتماعي يقوم على ركيزتي العبادة وما تفرضه من ورع والحرية الشخصية وما تتيجه من الطيبات، والاحكام إلى قانون قاعدته الأولى والأخيرة إن الحرية تنتهي حين تهدد حرية الآخرين، وإلا فلن نكون سوى أولئك الذين يخدعون الناس وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون.إنتهى


_____________________________

قبل أن يتسع الخرق ويستحيل الرتق

أمين مازن

8-1-2014

لايمكن لأكثر الناس تفاؤلاً، وهو يشهد ما يسود الواقع الليبي من تناقص في الآراء وتضارب في المواقف بين القوى الفاعلة، إلا أن يضع يده على قلبه لما يمكن أن تؤول إليه الأمور وينتهي إليه المصير. فمن مؤتمر وطني عام حدوت مهمته قبل تحديد موعد انتخابه، وإذا به يتقصد ممارسة أهم القرارات المصيرية من حيث التنفيذ، ثم يعمد بالرغم من فترة ولايته الموقته إلى المزيد من إصدار التشريعات المصيرية التي تحتاج إلى الكثير من التخصص والكثير من الوقت والكثير من الوقوف على توجهات الناس ومعرفة رغباتهم الحقيقية، ومصالحهم التي ينبغي أن يركن إليها كل مشرع قبل أن يقترح أو يصدر رأي تشريع، فإذا به أي المؤتمر يبث فيها دون مراعاة للأغلبية الساحقة من المواطنين وما يمارسونه في حياتهم من أفعال يستحيل أن تصنف ـ على أقصى درجات التفاؤل بأكثر من الوسطية من حيث المرجعية الإسلامية. وليس المفهوم الذي لاهم له سوى تضييق كل ما هو واسع. وأكثر من ذلك يصر هذا المؤتمر على التمديد لولايته بحجج أقنع بها الموافقين من أعضائه ولم يستطيع أن يقنع بها من سواه إلى حكومة يوصف رئيسها بالتكتم على جميع ما يجريه من اتصالات مع الخارج تحديدا، وما عساه قد يتعرض له من الإملاءات، أو ما يمكن أن يتوفر له من التطمينات، وما يقتضي ذلك من ضرورة البحث عن المشورة الراشدة والاسرار بالمعلومة المفيدة ولاسيما بالنسبة لمن يفترض فيهم الشراكة أو المقدرة أو السابقة في قيادة سفينته الثورة، والذين كثير شكواهم أو نقدهم الكثير من القلق، بل والخوف على تصدع ما يفترض أن يبقى قويا، إلى كيانات سياسية وبالأحرى أحزاب تشارك في هذه الحكومة بالوزاراء المتنفذين ولها في المؤتمر الوطني وجودها الملموس، ومع ذلك فلا يكاد يمر يوم إلا وهم يلقون بكل ما لديهم من مرير الملامة وفادح التشكيك ازاء ما يجري ويبرم من سياسات إلى ديبلوماسية دولية قارة وأخرى قادمة دائية التواصل الذي لايتوقف والاجتماعات التي لاتنقطع، إن مع المسؤولين مباشرة أو أخرى يدرك كل مراقب مقدار حجمها، من دون أن يتسرب أي خبر حول ما تطرحه من المقترحات أو ما تقدمه من المعلومات، إلى إعلان مصور يملأ فضاء البلاد، تحرص إداراته على قصر الظهور على شاشاته في مجموعات محددة من المحليين والناشطين والخبراء، بحيث لايختفي منهم إلا من تغيرت ساحته، أما المداومون فإن التنسيق بينهم يبدو من الوضوح حتى لكان المستهدف قدحدد من البلدية والذي لم ينتج سوى المزيد من الارتباك والمزيد من عدم الثقة في كل ما يجرى بما في ذلك النظام التعددي الذي لم يأت السابع عشر من فبراير إلا من أجله، فيبدو ولمن لايدرك أسرار اللعبة الإعلامية وما طرأ عليها عقب ذلك التاريخ وتحت شعار حرية الإعلام من استباحة لجميع المقدرات الفنية والجغرافية، فلم يعد هناك من يدقق في مردود الكثير مما يكتب ويقال ولصالح من هذا الذي يكتب ويقال، لأن التدقيق من شمولات الدولة والسلط المحترفة. وهذه حيل دونها في الساعات الأولى التي تلت وبالآحرى رافقت اسقاط النظام. الذي رافقه بدواعي الهدم والتمكين للاجنده الجاهزة الاستيلاء على أجهزة الأمن بالكامل والجيش بالكامل، تحت شعار الثورة لايحميها سوى الثوار ولهم في سبيل ذلك ان يصنعوا ما يشاؤون، ومن يقل غير ذلك فالتصنيف جاهز والجبراء قبل المناقشة، ولأن ذلك قد تزامن مع فتح أبواب التعريض لكل من طالهم ظلم النظام المنهار من دون وضع قواعد للتثبت أو معايير للقياس، لتتدافع الأبواب أمام كل داخل ويتقدم للتعويض كل متضرر لافرق بين من عوض بواسطة المحاكم أو حقق مصلحته بالتصارح، الأمر الذي لم يترتب عليه سوى فتح الأبواب على اتساعها لما لاحصر له من التجاوز والاستغلال واعادة إنتاج الثغرات القديمة التي وفرت المناخ الملائم لكل مستغل، فحملت على ملف الجرحى. على سبيل المثال ـ أمراض الشيخوخة وعمليات التجميل واتسعت عناية الثورة لمشكلات الانجاب وأمراض العقم، ورفض الموفدون للعلاج فكرة العودة للبلاد حتى رأيناهم يعتصمون أمام السفارات الليبية حتى عندما قررت لجان المراجعة ضرورة قفل الكثير من الملفات، فإن خطر لأي مسؤول أن يقرر ما يخالف الرغبات كان جزاؤه مالا يخطر على بال أي إنسان. نعم يحدث هذا كله في الوقت الذي تتحول فيه الاعتصامات إلى ممارسة دائمة يمكن أن تحدث حتى بالنسبة للمكلفين بعلاج المرضى أو حراسة المساجين، بل وتتحول قدرات الناس ومرتباتهم والمصالح المسخرة لهم وتدبير أمورهم إلى ملكية خاصة يمكن لأي فريق يستشعر شيئا من الظلم وبالأحرى يتوهمه أن يقوم بإغلاقها ويحضر دخولها على المواطنين كافة، الأمر الذي غدا ينذر بوخيم العواقب بالنسبة للوطن كوجود وسيادة فضلا عن الوحدة الوطنية، وقد ضاعف من هذه المخاطر ذلك العدد الكبير من المهجرين الليبيين في الداخل والخارج، فمن حيث الداخل نال من سمعة الثورة والثوار، أما بالنسبة للخارج فقد أوجد هذا الوضع المناخ الملائم لكل من لديه ثأر من الثارات أو موجودة من المواجد لقد أدى ذلك كله إلى إيجاد حالة من السخط إزاء الواقع وأوجد بئة ملائمة لتصديق كل أكذوبة من الأكاذيب أو إشاعة من الإشاعات الأمر الذي حول صورة البلد إلى كل ما ينافي الحقيقة ويجلب السخط ويؤلب الرأي العام العالمي نحو كل ما من شأنه التمهيد لكل ما قد يخطط له المتربصون ممن أفسد فبراير كل أطماعهم والتي لن يكون خارجها ما يحفظه سجل تاريخنا الوطني من مطامع كادت أن تعصف بمشروع الدولة الليبية، أن وهي تتصدى للاحتلال الإيطالي، فتذكر المصادر التاريخية الكثير من الاتصالات التي قام بها بعض الأشقاء مستهدفين مشروع الدولة الأساسي مرة ومطالبين بتعديل الحدود وانتزاع بعض المدن والواحات مرات أخرى، وكذلك فعلت المعاهدات غير المتكافية بين دولة الليبيين آلاف الكيلومترات حين لم يكن من المواقف الصلبة والترفع عن المطامع الصغيرة ما يعصمهم من التنازل عن حقوق الأجيال، فكانت موافقتهم المجانية التي رتبت حقوقا تعذر لاحقا أن يتم تداركها، هي أطماع يمكن أن تنبعث من جديد في ضوء الاحتفاظ السكاني الذي لايستبعد أن تجد فيه بعض الأطراف الدولية ما يمكن أن يجعل من بعض أرضنا وربما سلامة وحدتنا ما يسوغ أي تدبير لايعطي الأولوية لمصلحة الليبيين. بل لعل في ما يظهره البعض من نزعة جهوية وأوهام تاريخية ما يدعو للتمهيد لمثل هذه التوجهات ولاسيما حين نضع في الاعتبار ما يتردد عن تقسيم المقسم وتشتيت المشتت، وما طرح أكثر من مرة حول إمكانية تعديل الخارطة بما يجعل من وجودنا ثمنا لبعض التنازلات وبالأحرى التوافقات، إذ كل ما توفر المناخ الحيوى لدولة من الدول وشعب من الشعوب كان التوجه نحو تغيير المواقف من الأمور السائغة، ويكفي التوقف أمام ما وثق له فتحي الديب بشأن ليبيا قبل أربعين سنة ونيف وهو يشغل أخطر المسؤوليات عقب سبتمبر 1969 وما أسهب فيه من تفاصيل حول حجم المساومات التي حصلت في سبيل الاستحواذ على هذا البلد الذي غدا يمثل المجال الأرحب لكل من يجيد الساق لتقديم المطلوب في اللعبة الكبيرة، البلد الذي صار مصيره بيد عدد من القصر الذين وصفهم بدقة فائقة بالعاجزين عن تقديم اليمين المقبول أو اليسار المعقول ، وربما كان العكس هو الأصح. والمهم هنا هو قدح زناد الذاكرة، قبل أن يتسع الخرق وقد يستحيل الرتق.إنتهى


_____________________________

الخريف يدفع الشتاء في مقابل الربيع

أمين مازن

30-12-2013

-1 بغروب شمس هذا اليوم تنسلخ سنة أخرى من حساب الزمن لتشمل الأحياء جميعا . وتتوقف بنهاية الساعة الرابعة والعشرين تماما عقارب الساعة مشيرة الى حلول سنة جديدة . لا يهم ان يكون استقبال هذه السنة ممثلا في طرق الكووس وإطلاق الأبواق تعبيرا عن الاحتفال او بالاستنكار لهذه البدعة ـ كما يرى البعض ـ التي استحدثها الكفر ة وعمدتها التقاليد المعادية للأديان ـ او توفر الإدراك بان الاحتفال بالعام الجديد ليس الإنتاج الحرب الكونية الثانية وما جرته على البشرية وفي مقدمتها أوروبا من الأهوال عندما انتهت في منتصف أربعينيات القرن الماضي بخسارة ألمانيا واحتلال برلين واليابان بإلقاء القنبلة على هيروشيما الأمر الذي دفع أعداداً من الشباب الأوروبيين إلى ان يحتفلوا بحلول أول سنة انتهت دون حرب ، على أمل أن تكون الحرب الأخيرة ، لينتشر بعد ذلك هذا التقليد ويتنامى مع الزمن ، خاصة أن جيوش الحلفاء والمنتصرين في الحرب أخذت تعيش في أماكن كثيرة من مدن العالم ، اذ نشبت الحرب الباردة بسرعة جراء مسارعة الروس بإقامة النظم المؤيدة لهم في المنظومة الشرقية الواسعة . وهكذا أخذت الاحتفالات بمقدم السنة تبدأ بأعياد الميلاد لتبلغ ذروتها في نهاية السنة ، والتي هي عادة موعد إقفال الحسابات التجارية والرسمية وموسم توزيع الهدايا والأرباح من طرف أصحاب المال ومن كان في خدمة مصالحهم في العالم الجديد الذي صار بفضل التواصل قرية صغيرة ، مما جعل الاحتفال بالسنة الجديدة يتحول الى تقليد عالمي وقع الانحياز له من منطلق التأثر و التأثير وليس الإيمان من عدمه ، وللمصالح سلطانها الذي يفوق ما عداه .

-2 لحسن الحظ او لسوئه ، بالنسبة لجيلنا ، ان اقتضى تنفيذ قرار هيئة الأمم المتحدة بإعلان استقلال البلاد قبل مطلع سنة 952 ، ان جاء الموعد يوم 24/12/951 أي قبل أسبوع من مختتم السنة ، فتزامن عيد الاستقلال وبالأحرى تداخل مع مولد السيد المسيح ، فلم يخرج الناس من عطلتهم المخصصة للاستقلال حتى تدخل أعياد الميلاد ، فيفرض وجود الأعداد الكبيرة من الأجانب والمرتبطين معهم على هذا النحو او ذاك ان تتوالى الاحتفالات وتتداخل الأعياد ويتنوع التعبير عن ذلك . لقد كان الجيل يومئذ مكتفيا بما لديه وليس ذلك المتهافت على السفر كما يحدث هذه الأيام ، بل لعل السفر حين يكون فان المستفاد منه يعنى ان البلد أفضل مما عداه ، اللهم الا الذين سرقهم الاستلاب وضللتهم الدعايات التي طالما جعلت الأمة العربية تكتفي في حربها بالأناشيد معتقدة ان الخطب يمكن ان ترد العدوان وقد ترسخ يومئذ الاحتفال بهذا القرى والواحات ، اذ سادة البلد سياسة من أراد ان يطاع فليحكم بالمستطاع كما ان رجال الدين ان صحت التسمية من أمثال الأفاضل محمد ابو الاسعاد العالم وعبد الحميد الديباني وعلي يحي معمر وعبد الرحمن القلهود وحميدة بن عامر وغيرهم كثر لم يتجاوزوا فضيلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . اما عندما حل بالوطن ما حل في سبتمبر 69 وارتفعت الأصوات المعادية لكل ما هو حضاري الى جانب التشدق بالتدين الزائف كان الإصرار على إحياء أعياد الميلاد ورأس السنة وغيرهما ليس الا تعبيرا عن التحدي الكامن في النفوس الرافضة للزيف والمصرة على الحرية فيما كان النظام يتخذ هذه المحاذير مجتمعة مبررا للتضييق على الشرفاء من عباد الله ، فلم يحترم لهم إقامة في نزل سددوا ثمن إقامتهم فيه من حر أموالهم ، ولم يجد غضاضة في تكدير صفو فرحتهم بعد ان وضعت البرامج الفنية المنظمة من طرف الإدارات الرسمية مرة يمنع الدخول عليهم وهم حاضرون بأسرهم وضيوفهم من الوطنيين والأجانب ومرة أخرى يحال بينهم وبين ما جرى التعهد لهم به ، والحجة دائما هي ان ما استعدوا للاحتفال به متعارض مع الدين او مخالف للأصالة ، فيما يكون المحظوظون ومن في حكمهم من الأبناء والأصهار محروسون من كل كدر ، وكم من مرة تناولنا هذه التناقضات في حدود المتاح وقلنا حولها ما تيسر فأمكن النشر أحيانا وتعذر بعض الوقت أحيانا أخرى وتلك تفصيلة لها مكان وتوقيت آخر

-3 لم أستغربُ التحية الكريمة التي خصني بها الصحفي الكبير على شعيب في عموده الأسبوعي بصحيفة فبراير وهو يتحدث عن عيد الاستقلال وتزامن إعلانه في يوم 24 ديسمبر الذي شهد ذات يوم تاريخ مولدي ، بحسب رواية السيد فتحي الصادق الذي شهده في مسقط الرأس ((هون)) عندما كان العم الكبير سالم صادق يعمل بالإدارة الايطالية هناك وهو أحد جيران جدتي ، ذلك ان علي شعيب وطوال الأربعين سنة الماضية التي كان فيها دائب الحضور . لم اعرف منه الا مثل هذه المشاعر والتي لم تكن دوما موضع ترحيب الكثير من المتنطعين بل لقد كان المطلوب غير ذلك ولا سيما حين وجد الموقف المتناقض مع بعض دعاة الانغلاق وتضييق الواسع على الناس ، والحد من أي بارقة تسعى الى الأخذ بأي يد تحاول ان تكتب حرفا أكثر تميزا او اشد تعبيرا عن المهنية . ولا أريد ان اصطنع التواضع فأقول أن ما ذكره في غير محلة ، كما هو ديدن الكثيرين ولكني اقول فقط أتمنى أن أوفق للمحافظة على ما دفعه للكتابة وما أهلني لا بقى على هذا الحضور وان يكن بالنسبة لما اطمح إليه يحتاج الى المزيد وفي جميع الأحوال فأنني شديد الاحتياج لمثل هذه التحية الطيبة لما تحمله من حسن المتابعة وجدية التقويم ، فمثلها بدون شك هو ما يدفع المرء الى مواصلة المسيرة ، وعدم ادخار الجهد ومقاومة عوامل الإحباط الناتجة عن غياب القارئ الذي لا يتابع او يبخل بالتعبير عن متابعته وانما يعرف الفضل ذووه .

-4 وصل المؤتمر الوطني العام الى النقطة التي كانت منتظرة له من البداية ، واصدر قراره الرامي الى تمديد ولايته . بحجة ان في المؤتمر عددا غير قليل من الأعضاء الموصوفين بذوي الاختصاص القانوني وربما الدستوري ايضا ، دون ان يستشعروا أي حرج في إعطاء رأي من شأنه ان يفيد قائله ، فيستعينوا على سبيل المثال برأي إدارة الفتوى والتشريع او نقابة المحاميين او وزارة العدل . او أي حجة تحول دون نقيصة التشريع للذات . وكان الكثير من المتابعين لمجريات الأمور قد أدركوا من البداية ان المؤتمر بما انتهجه من انجرار نحو المسائل التنفيذية وما أقدم عليه من قرارات مست الأمور الاقتصادية والمرتبات والكثير من القوانين دون التنسيق مع الحكومة سيهمل او يعجز عن أداء المهمة التي وجد من اجلها وهي الاستحقاق الدستوري . ولا سيما عندما سلم بالإجراء الخاطئ الذي فرضه منفردا رئيس المجلس الوطني الانتقالي المؤقت بتحديد عدد أعضاء الهيئة التأسيسية في ستين عضوا ليتم انتخابهم مما أطلق عليه المناطق الثلاثة متحججا بإرضاء الذين رفعوا شعار الفيدرالية وهددوا بمنع العملية الانتخابية فقد تبين منذ ذلك الوقت حجم الصعوبات التي ستنتج عن الانتخاب وكذلك الشك في إمكانية تحقق وجود القادرين على تأدية المهمة بواسطة الانتخاب واد أضيف الى ذلك ما شاع من التباطؤ في العمل لهذا التوجه أصبح في حكم المؤكد ان النتيجة الحتمية ستتجسد في ضرورة التمديد للمؤتمر ، وهو ما قد كان قبل أن تأذن السنة الحالية بالانقضاء ، حتى صدر القرار الذي وصف بالمبدئي كي يكون على جرعتين ليبلع ! والحق ان المؤتمر وضع البلد والمعنيين بشئونه أمام أمرين احلاهما مر كما يقولون فالتمديد ليس الا نتيجة لممارسة متعمدة وفي أحسن الفروض غير سلمية ، والدعوة الى إسقاط المؤتمر لن تؤدي الا لما هو أسوأ . اما التوجه نحو الأجسام الجديدة والتغييرات التي تصل الى حد الذهاب الى اختيار رئيس الدولة وما في حكمه . وكذا اعتبار زعماء القبائل جزءً من التفكير في الحلول المنتظرة فهو أيضا اقرب الى الخيال من اشتراطات الواقع . نعم الواقع الذي يمكن ان يقف عليه كل مراقب ان البلاد المكتظة بملايين قطع السلاح الثقيل والخفيف والموجود أكثره بأيدي غير مسئولة من الناحية الرسمية بل لعله من خلال المشكلات المناطقية والحسابات المعلقة ينذر بالكثير من المخاطر بالنسبة للداخل ، كما انه من خلال التوافقات الإقليمية والقطرية وقد نقول المذهبية يمتد خطره الى المحيط ، وبصدد هذه الإشكالية ليس من المستبعد ان يكون العبث بالوحدة الوطنية من بين الخيارات أما إذا وضعنا في الاعتبار وجود أكثر من مليون مواطن خارج الحدود وفي وضعية لفتت الكثير من ذوي الضمير في العالم ، ولا بد لنا إذا كنا جادين ومدركين لخطورة المرحلة أن نراعي ذلك كله ، الاخذ في الاعتبار بما حمله بيان مجلس الأمن من تحذير ناعم وما تحدث به «طارق مترى» حول الاجتماع المقرر عقده في مفتتح السنة حول ليبيا ، بحسب وزير خارجية روسيا . وذلك يعني أن دعوة الشارع للتحرك قد لا تكون الخيار الأفضل ، بل لعل الحالة تدعو إلى التدبر والتشاور وقبل كل شيء تبادل المعلومة .... والخريف يدفع الشتاء في مقابل الربيع ..إنتهى


_____________________________

موقع الكاتب والاديب : أمين مازن

  www.aminmazen.com © 2019 - 2008

طرابلس - ليبيا

Tel 0913245901