شئون عربية و دولية 2019

لا أُلْهِيَنَّكَ إنِّي عَنْكَ مَشْغولُ

أمين مازن

30-3-2019

إثر اعتذار من البحرين و استحقاق أملاه الترتيب الأبجدي للدول العربية المشتركة في جامعتهم، تقرر في وقتٍ سابق دعوة الأقطاب العرب كما هي التسمية المتعارف عليها إلى عقد مؤتمرهم السنوي الثلاثين بتونس، حيث بدأت الإجراءات التمهيدية بانعقاد اجتماع وزراء الخارجية العرب في العاصمة التونسية، لصوغ البيان الختامي، حرصاً على تجنيب الأقطاب أي خوض في تفاصيلٍ قد تُسبب الإحراج أو تُضيِع الوقت. تتم الدعوة كما هو معروف من الجامعة العربية و هي التي لم يبقى لها سوى أقل القليل بشأن القمة المذكورة، و ذلك منذ استحداث الترتيب الأبجدي و الإلتزام السنوي و توزيع رئاسة الجامعة العربية على الدول كافة بحيث يكون وزير خارجية الدولة الرئيسة المخوَّل أكثر من غيره بالإشراف، هو أسلوب سادَ منذ سنوات على إثر سلسلة من الصراعات و الإصطفافات التي عرفها العرب زمن الحرب الباردة التي عادت و تفجرت عقب احتلال العراق للكويت ثم احتلال العراق ذاته من الغرب، و كذا الملاسنة الشهيرة بين ولي العهد السعودي و العقيد القذافي و ما ترتب عليها من مساس بالإثنين و غير ذلك كثير، أما المؤتمر الحالي فإنه كما يؤكد أكثر من متابع يجيء في ظرفٍ لا نظير له في السوء، إذ لا يوجد أحد من الحاضرين إلا و له أو لنقل بلده مشكلة من المشاكل الضاغطة التي تمثل في تأثيرها حين اللجوء إليها أن تقوده لما يُراد له أن يُقاد، مما يجعل الجميع في حالة من الضعف إن لم نقل العجز الكامل، و ما الحديث عن أقطارٍ بعينها ليس أكثر من مثلٍ يُضرَب أو على الأكثر من قبيل السيئ و الأسوأ، و يكفي أن أكثر من عشرين ملف ،كما تحدثت بعض الأنباء، قد أُحيلت إلى وزراء الخارجية العرب للنظر فيها قبل التئام الإجتماع في التاريخ المُحدد له، فالإجتماع و الحالة هذه لن يمثل قوة ضاغطة في شأن من الشئون، و إنما هو لتفادي ما هو أشد و أنكى على أحسن الفروض. صحيح أن هذا قد يمثل مستوى من مستويات الإيجابية، فما دام هناك من يتدبر إمكانية الحد مما هو أسوأ فمن الممكن أن يصل ذات يوم إلى الأحسن، إلا أن ظروف المرحلة ما زالت قادرة على إنتاج كل ما من شأنه أن يجعل كل طرف مشغول عن غيره بما هو والغ فيه من المشاكل و يهدده من الأخطار، فلا يكون في مؤتمرات كبارنا هذه الأيام أكثر من أنها وقاية لهم مما عساه يحلّ بهم، أما ما نحن فيه من آلاف المآسي، فليس لنا من أمل سوى الصبر، و لا شيء غير الصبر، تماماً كما كتب أحد الفنانين ذات مرة حول هذه المؤتمرات قائلاً على هيئة دُعابة و هم يرفعون شعار الصمود العربي، إنه الصبر العربي. أما إذا وضعنا في الإعتبار ما للأرض من تأثير على تفكير البشر، و اتخذنا من أسلوب تونس المتمثل في واقعية و جرأة و صراحة الحبيب بورقيبة مؤسس تونس الحديثة، فلا شك أننا سنُعلّق الأمل على الأقدار عساها ترشد هؤلاء المؤتمرين كي يتخذوا من الحبيب القدوة المرشدة حين لم تُغرِه رئاسة تونس مدى الحياة إلى التفكير في توريثها لإبنه الحبيب الإبن احتراماً لمقولته الخالدة بأن الملوك لا مكان لهم مستقبلاً إلا في "الكارطة" أي لعبة الورق، ما بالك أن هذا المؤتمر يأتي عقب ذكرى استقلال تونس مباشرة و تعويضاً عن اعتذار البحرين، و في غمرة انشغال أقطار المغرب العربي بأكثر من مشكلة، ليس خارجها تونس و إن بدَت أكثر تماسكا. و قديماً قال جدنا كعب:

وقــالَ كُـلُّ خَـليلٍ كُـنْتُ آمُـلُهُ *** لا أُلْـهِيَنَّكَ إنِّـي عَـنْكَ مَـشْغولُ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الجزائر و السلطة.. السيئ و الأسوأ

أمين مازن

19-3-2019

تواصل الجماهير الجزائرية، في معظم إن لم نقل كل المدن الجزائرية، رفضها للحل الذي اتجهت إليه السلطة، بتشكيل حكومة جديدة، يحمل فيها السياسي و الديبلوماسي رمضان العمامرة حقيبة نائب رئيس الوزراء و يؤكد البدوي انها ستتسع لمختلف الأجيال و الكفاءات، إلى جانب التحضير للمؤتمر أو الندوة الوطنية لإختيار صورة الجمهورية القادمة، دون أن تغفل التحذير من القوى المُندسة الرامية إلى إعادة العشرية السوداء للجزائر. فيما تؤكد قيادة الجيش أنها إلى جانب الشعب، و تمضي الأصوات في ارتفاعها إصراراً على وجوب رحيل العهد بالكامل، و تحرص وسال الإعلام المصورة على نقل هذه الصورة الحازمة في رفضها  و قوة احتقانها الذي ينذر بأكثر من خطر، ما لم يُحسَن التعاطي معه بالإيجاب، و الواقع أن عدم التحديد الصريح للأجل المطلوب لنقل السلطة قد حمل معه مبررات الشك في جدية التوجه و اعتباره داخل ما يمكن وصفه بالمناورة، إذ كان من الممكن أن يبدأ بتحديد الأجل قبل كل شيء، كما أن ما تزخر به الجزائر من رموز وطنية و قدرات أثبتت عدم تشبثها بالسلطة، كان من الممكن أن تشملها الدائرة مثلما شملت الأخضر الإبراهيمي، و لا سيما تلك التي لوحظ خروجها بين المتظاهرين كالمناضلة جميلة بوحيرَد، و كذا بقية الأسماء مثل زوجات أعلام الجزائر، و لا سيما أولئك الذين لم تخف عليهم تطلعات بعض الأجنحة لحكم الجزائر لمجرد موافقة فرنسا على الإنسحاب، و تنادي القوى الدولية و وكلائها العرب المنحازين للحكم الشمولي و الذين كان أبرزهم من زعماء الجزائر الخمسة، السيد أحمد بن بلّة، و الذي ما كان له أن ينتصر على المختلفين معه و الرافضين لتوجهه لولا انحياز بوتفليقة و الزبيري و هواري بومدين ذلك الإنحياز الذي ثبت لاحقاً أنه كان تكتيكياً، أثبته الإنقلاب على بن بلّة و عودة بو تفليقة بعد غياب ليس بالقصير أو المنزّه من علامات الإستفهام، إذ كانت العودة من الخليج و ما كان يشهده من تنافس عديد القوى و أبرز مظاهرها الحرب العراقية الفارسية التي انفجرت عقب سقوط النظام الشاهنشاهي و اتفاق العراق و إيران حول شط العرب و الذي عاد الفريقان إليه بعد سنوات ثمان من الحرب، كان للجزائر موقفها الخاص حولها و لم يكن بوتفليقة -دون شك- بمعزل عنها أو الإستفادة من تأثيراتها و لا مجال لتجاهلها عند التدبّر في ما قد تشهده المنطقة من أحداث لن تكون الجزائر بمعزل عنها و ردود أفعالها، لا فرق أن يتعلق الأمر بها مباشرة أو من حولها. فهذه الكتلة البشرية و هذه المساحة الشاسعة و الإمكانات المهولة و المشكلات المُعلَّقة الكثيرة قد توفر أكثر من شرارة لإشعال نيران الفتنة، ما لم يقدم العهد أوجع التضحيات و التي في حدودها الدنيا الإلتزام بالدستور حالة شغور منصب الرئيس بانتهاء المدة أوقبل ذلك، ففكرة نقل الإضطرابات إلى الشمال الأفريقي مقررة منذ سنين و ما تزال الجزائر أكثر إغراءً بالمحاولة، باعتبارها الأجدر على تحقيق الإنتشار المرغوب نحو غيرها بحكم الحجم و الإمكانات و الموقع و ما تتصف به الأغلبية الساحقة من السكان بصدد قابلية العنف المتبادل، و إذا كان ما حافظت عليه القوى المسيّرة للحوار من إصرار على تجنّب العنف و رفع شعار السلمية و الأمر ذاته بالنسبة للموقف المقابل من طرف الأجهزة، إلا أن شبهة المناورة و ما اتصفت به القوى المهيمنة من إحكام للقبضة أمناً و اقتصاداً  إلا أن ردود الأفعال ما تزال مخيفة و استشعار اليأس من المخرج قد ينذر بما لا يُحمد عُقباه، و عسى أن يكون في تصريحات أحمد قايد صالح بشأن إسهام الجيش في حل الأزمة ما يؤكد أن سيناريو العشرية السوداء لن يتكرر لصالح السلطة القائمة. و أن الأسلم و الأيسر هو ذهاب بو تفليقة و تسمية من يخلفه، أما التعويل على الدول الكبرى و التواصل معها عن طريق العمامرة و من على شاكلته فليس أكثر من فتح ثغرات جديدة لا يعرف أحد بماذا تأتي، و لا سيما السلطة القائمة المرفوضة بهذا الإجماع الذي لم تشبه أي شائبة من تدخل الخارج، صديقاً كان أم عدوا، مؤمناً أو ملحدا، فإن سأل سائل ماذا نرى..؟ سنجيب بلا تردد إن كل الإحتمالات متوقعة، إلا أنها بالنسبة للسلطة بين السيئ و الأسوأ. انتهى

_____________________________



نعمت القدوة الجزائر

أمين مازن

14-3-2019

يستطيع المراقب، و لا سيما حين يكون من الحريصين على سلامة الجزائر، أن يستشعر الكثير من الإطمئنان؛ و هو يتابع ما بثته الفضائيات مباشرة من القرارات المُتعقِّلة التي قابلت بها السلطات الجزائرية الأزمة التي نتجت عن الشروع في انتخابات الرئاسة الأولى و ما صاحبها من نية الرئيس بوتفليقة على خوض معركتها أو ما أُطلِقَ عليه العُهدة الخامسة، و ما أحدثته من موجات الرفض العام غير المسبوق من حيث الكم و النوعية و الأسلوب، فعددياً قيل بلغت الملايين و نوعياً شملت كل الشرائح و الأقاليم، فيما جاء الطابع السلمي من حيث الحذر من التخريب و التقيِّد في التظاهر بساعات النهار ليس غير، حرصاً على تجنّب أهوال الظلام. لقد جمعت هذه القرارات المُتعقِّلة كل الشروط الكفيلة بإنزالها المنزلة الباعثة على كل ما هو مريح؛ إذ بعد الصمت المحيِّر و الإجماع على أن التقدم للمعركة الإنتخابية أصبح في حكم المنتهى، و أن الرئيس يوشك أن يودع عالم الأحياء، إذا هو يعود من مشفاه و يتوسط مستقبليه و الكثير من كوادر سياسيي بلاده ليعلن انسحابه من الترشح و تأجيل الإنتخابات و يضع على رأس الحكومة شخصية ذات وزن و كفاءة و تاريخ و مساعدة أبرز مستشاريه و أحد الذين كانت بعض الأوساط ترشحه لخلافة بوتفليقة، و يعلن ذلك كله في جلسات يحضرها أمثال قائد الجيش و الأخضر الإبراهيمي و آخرين، فيتبين أن الإرادة الجزائرية ليست مرتهنة بالكامل للقوى الخفية، و إنما في الإمكان الذهاب إلى نوع آخر أقدر على إشاعة الأمل و بعث الثقة،و الإيعاز بما يؤكد وجود القدر الكافي من التصميم، بدليل أن الوزارة الأولى قد أُنيطَت بأحد الذين حملوا حقيبة الداخلية و أدركوا بدون شك خفايا الفساد الذي نخر الأجهزة الإدارية، أي أن المرحلة القادمة ليست مرحلة الصراع السياسي، و إنما الفساد المالي، خاصةً و أن الأحداث تُعلِّمنا أنه كلما جاءت الإنتخابات في بلد من البلدان، كلما جاءت الأموال الفاسدة التي طالما اتخذت من المجتمع المدني أوسع الثغرات الكافية بإدخال كل أشكال التخريب، و لكي لا يشكك مشكك بأن هذا الإدراج يفصح عن شيء من التسرع، على اعتبار أن ما تم قد يكون غير كافي لما نادى به الحراك من مطالبة بذهاب النظام، نقول بكل الثقة إن ذلك هو الخراب بعينه، فليس هناك عهد سيئ بالمجمل و ليس هناك معارضة مُبرأة من الأهواء، و التسوية دوماً خير مخرج من الأزمات، فقط بعد أن يبدأ رأس النظام بنفسه، و لا شك أن اقتران عدول السيد بوتفليقة عن السعي للعهدة الرئاسية الخامسة، بالتوجه إلى عقد مؤتمر موسع لبحث مستقبل الجزائر يُدعى إليه ذوو الرأي و الإستقامة و التاريخ و من بينهم السيد الأخضر الإبراهيمي و تكليفه بالرئاسة، إنما يدل على التوجه لمعالجة أسباب ما تعانيه الجزائر من معوقات، و ليس الوقوف عند المظاهر، كما أن إشارة الإبراهيمي إلى أن ما طرحته الأجيال الجديدة المُحتجّة ربما تُبشّر بمرحلة تختلف عن المألوف، و تُقدِّم ما يجدر بالإقتداء، و يومئذ سيقول كل مُنصف نعمت القدوة الجزائر. انتهى

______________________________

البابا يزور الخليج..الضيف المناسب للمكان المناسب

أمين مازن

6-2-2019

حلَّ الحَبر الأعظم بابا الفاتيكان فجر الثالث من فبراير الجاري بالعاصمة الإماراتية أبو ظبي، في زيارة رسمية بدعوة من أميرها، شملت ضمن من شملت الشيخ الأكبر أحمد الطيب شيخ الجامع الأزهر، للمشاركة في حوار يتم تحت شعار التسامح الديني، و في اتجاه التصدي الرسمي للأنشطة المتشددة التي لا تختفي بعض الوقت حتى تُفاجئ أخبارها المُرعبة في وقتٍ آخر. و قد تخلل ذلك خطاب رسمي  صدع به الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس دولة الإمارات في محفل رسمي قوامه ان دولة الإمارات التي يرأسها و التي غدت ذات تأثير غير عادي في الواقع العربي المعاصر بما تحقق لها من دور في سياساته الإقتصادية و الثقافية، و تواصل فاعل مع العالم، و في أكثر من قرار على وجه التحديد، و هي زيارة يخطئ كثيراً من لا يعطيها ما هي بحاجة إليه من الإهتمام، و لا سيما من يعتبر نفسه في عداد المنشغلين بالواقع الوطني الملاصق و الآخر الأكثر اتساعاً و أكبر تأثيرا، في عالمٍ لا يُفرّق في تقديره لدرجة التأثير بين النوعية و العددية، و الإمكانات الفعلية و المالية، على نحو ما نرى في مدينة مثل أبو ظبي التي تعجُّ بالكثير مما هو غير عربي، و لكنها لا تغفل عن كل المظاهر التي تعطيها أهلية الريادة، و التي كثيراً ما تتحقق من خلال حسن الإستثمار للمتاح، و يكفي ترؤسها للإتحاد العام للكُتّاب و الأدباء العرب، عندما أسندت قيادة اتحادها القطري لصوت مميز في الإبداع العربي، و جعلت من معرضها للكتاب واحداً من أجمل المعارض و أكثرها قدرة على الإستقطاب لإنجاز ما ترسمه مُقَدَّماً من خطط، للتتوج استراتيجيتها اليوم باستضافة الحبر الأعظم متزامناً مع الشيخ الأكبر، لدرس أكبر مشكلة تهدد العالم و أمنه و المتعايشين في ربوعه، و عندما تحرص الفضائيات الكبرى المتابعة لأخبار هذه الزيارة و تخصّها بالتغطية، بمجرد الإعلان عنها، لتحولها لاحقاً إلى بث الآراء المتعلّقة بما يواجهه كل داعٍ إلى المسيحية أو غير المسيحية في البلاد التي تحضر كل نشاط يتقاطع مع الإسلام، فإن ذلك يعني  أن مثل هذه الأسئلة التي تؤرق عديد المهتمين، يستحيل ألّا تكون في جعبة الحبر الأعظم، بصرف النظر عن الطريقة التي تُثار بها، و لو من باب ما يُطلَق عليه عادةً بمدأ المعاملة بالمثل، و التي يمكن الرجوع إليها و لو من باب استعراض مسيرة التاريخ التي تؤكد أن مبدأ عقوبة النفس بالنفس و العين بالعين و الأنف بالأنف.. إلخ قد عُرِفَ أو ما عُرِفَ بشريعة حمورابي، مما يعني أننا سنكون أمام مرحلة جديدة بصدد تحقيق التسامح، و ما تقتضيه كل جدية نحوها من تعديل مناهج التدريس و بالذات النصوص التي تُبنى عليها الشخصية، و الإرتفاع بها عن كل ما يدفع للعنف و التشجيع عليه لأي مبرر من المبررات، أي أن هذه الزيارات و إن كانت بياناتها في الغالب شكلية، إلا أنها في جلسات المكاشفة و التوافق المعتمد على الإلتزام الخلفي لن تغفل هذا الجانب، و ليس من المستبعد أن يشمل الإهتمام كل معوّق للتسامح مما لن يكون الكثير منّا معشر الليبيين في منجاة منه و سوء عاقبته، و في جميع الأحوال فلهذه الزيارة ما بعدها، و توقيتها أكثر من مناسب. انتهى

____________________________

قبل فوات الأوان

أمين مازن

17-1-2019

ثمان سنوات بتمامها و كمالها مضت على إقصاء الرئيس زين العابدين بن علي  عن سدة الرئاسة التونسية، تلك التي تسنّمها  خلفاً للزعيم الكبير الحبيب بورقيبة أول رئيس لجمهورية تونس و أبرز صنّاع استقلالها، هي خلافة ما كان له أن يبلغها لولا إجادته لحسن التخطيط و اختيار الظروف، و توفر الإجماع لدى أغلب المتصارعين على الخلافة إن لم نقل جميعهم، من حيث عجز الزعيم الأب الذي أصبح بتأثير الشيخوخة قاب قوسين أو أدنى من أرذل العمر، مما جعل الإزاحة التي حققها الزين على ذلك الشكل الهادئ، عندما شكل التقرير الطبي الجمعي الذي قرر عجز الرئيس دون المساس بشخصه و المسارعة بتنزيه ذمته المالية ما أضفى على بن علي الكثير من شروط الخلافة، تلك التي حصّنها بإحكام القبضة الأمنية و التي ربما تكون في مقدمة ما دفع الزعيم الفلسطيني عرفات يخص القادم الجديد بزين العرب، في محافظة على ما يبدو و لخصوصية تونس التي عُرِفَ رئيسها بالمجاهد الأكبر، و تدعو فلسطين خليفته بزين العرب، و كما يجاهر ذلك المجاهد بجدوى المناداة بتطبيق قرار التقسيم الذي رفضه العرب دون تمحيص و أولى بهم أن يسحبو ذلك الرفض قبل أن يجيء اليوم الذي لن يُعرض عليهم مرة أخرى، و يحافظ خليفة الزعيم الذي قرر استظافة منظمة التحرير على ذات المستوى من الكرم و الإحترام إلى أن انتهت فترة بقائهم و انتهت لاحقاً فترة حكمه ليسرع فوراً إلى حيث لا تطاله يد سوء،  فتواصل تونس مسيرتها في كثير من الخصوصية و في كثير من القدرة على التخلص مما أُريدَ لها، على الرغم من أن بعض الضربات كانت في العظم، إلا أن روح المقاومة ما تزال أقوى و أقدر على النهوض و الوقوف بوجه الهزّات و قطع الطريق أمام مسلسل التآمر، و لا سيما ذلك المتمثل في المال الفاسد الذي تدفق بسرعة البرق إلى ثورات الربيع العربي تحت شعارات البِرّ و الإحسان و دعم المجتمع المدني و جمعياته التي تأسست مجتمعة في جُنح ليل و أنجزت ما لم تبلغه أعتى أجهزة التآمر الدولي، حيث بقى المجتمع التونسي طوال هذه السنوات يسعى لسنّ تشريع يأتي على جميع الذرائع مما لم يكن إلى بلوغه من سبيل، لو لم تتضارب مصالح الرجعية و تأذن الأقدار بإمكانية فحص الخبيث من  الطيّب فيتأكد أكثر من أي وقت مضى أن حبل الكذب قصير، و حبل النهب أشد قصرا، و ما اقتران الرابع عشر من يناير في ذكراه الثامنة بإصدار القانون الخاص بتجريم تمويل الإرهاب من طرف مجلس النواب، و بما يشي بالفرز بين عديد الأطراف الشريكة، و رصدها لتغرات المجتمع المدني، الذي تناسلت مؤسساته عقب ثورات الربيع العربي عندما شكلت إدارتها في جنح الظلام، و شملت عقوباتها هذه السلسلة من التُبّع الذين يمكن استغلالهم، إلا الدليل القوي على أن الإفلات من الردع إذا ما قُدِّرَ له أن يدوم بعض الوقت، فإنه لا يمكن أبداً أن يستمر طول الوقت، فكلما بدا للجُناة بعيدا، فإنه بالنسبة للمجني عليه أقرب من القريب، فإن حدث و مسّهُ طائف من ندم تجده قد اكتشف أن ذلك جاء بعد فوات الأوان.انتهى

________________________________ 




إلى آخر قطرة من دمائكم !!

أمين مازن

12-1-2018

وسط متابعة إعلامية خجولة و شبه محايدة، و أخرى وقحة و مناوئة، خرجت الجماهير السودانية في مناطق كثيرة من ذلك القطر الغني بكل أساسيات الحياة، من ثروات طبيعية متنوعة، و طاقات بشرية خلّابة، أصرّت المؤامرة الدولية الكبرى التي بلغت ثروتها في سبعينيات القرن الماضي، عندما استيقظ العالم على الأنباء التي تتحدث عن الإطاحة بالعقيد جعفر النميري الذي أفلح قبل ذلك التاريخ بسنواتٍ خمس، في الإنفراد بالسلطة من رفاقه الذين استطاعوا الإطاحة بالجنرال عبّود و الإبقاء عليه و عموم رفاقه ليُدان من يُدان و يكتفي بالإزاحة من يُزاح، فَسِيقَ يومئذ النُميري هو الآخر إلى أحد السجون مع رفع حالة الطواري و حلّ جهاز الرقابة اعتماداً على الترحيب العارم الذي قوبِلَ به ما جرى، و تغطية إعلامية تؤكد أن كل شيء على ما يرام و أن صفحة جديدة يمكن أن تُفتح، اللهم إلا ما انتبه إليه عدد من الذين على علم بالجغرافيا السياسية دون إمساكهم بأي وسيلة إعلامية فَظلّوا يهمسون أن التدخل الدولي أقرب مما يتصور كل متفائل بما جرى، بحيث لم تمض ساعات حتى أُجبِرَت الطائرة البريطانية على النزول في المطارات الليبية و يُلقى القبض على راكبيها لتوضع في أيديهم الأغلال، فيما تتوجه القوات المسلحة من أكثر من مكان لتُخرج النميري من سجنه فيتوجه فوراً إلى مقر الحكومة و تشهدا السودان أكبر حملة إعدام لم تفرّق بين من أقصى النميري دون أن يقتله و من أيَّدَ ذلك و ربما صَمَتَ فقط، و تصريح واضح و مكشوف عن تدخل النظامين المصري و الليبي شريكي الإتحاد الثلاثي حيث طرح السادات بأن لهذا الإتحاد أنياب و أضافر، إخفاءً للحقيقة التي تؤكد قوة الدور الأثيوبي و التقليد العالمي الذي يؤكد منذ الأزل ألّا بقاء لإنقلاب عسكري خالٍ من الأصابع الغربية، و كل خروج عن هذه القاعدة يعني أن التدخل آتٍ لا ريب فيه، و يكفي أن السودان منذ تلك الحقبة تحولت إلى رقم في المعادلة السياسية العربية، لا يخلو أي حراك قومي من أصابعها، مكتسية دوم لباس دعم التوافق و رأب الصدع و رتق المُمزّق، بحجة أنها خارج الإصطفافات مع أنها في صميمها، حتى لنراها في أي منحدر تقع فيه غفلة ما تلبث أن تخرج منه مكتملة السلامة، شديدة المقدرة على القيام بأفضل الأدوار، على الرغم من أن أبسط المعلومات تؤكد أنها دوماً ليست بعيدة عن أسوأ ما جرى في أكثر من قطر من أقطارنا العربية، فضلاً عن أن واقع السودان ذاته كثيراً ما شهد أكثر من مستجد عصف بمصالحه الأساسية، إن تكن وحدة التراب السوداني في المقدمة، عندما انفصل الجنوب، فلا شك أن ما تشهده دار فور و ما حولها على رأس ما يُرجِّح أن قطار التشظّي لن يتوقف، مما يؤكد أن المتابعة الإعلامية الخجولة بلهَ المحايدة لما شهده السودان من أحداث تجاوز قتلاها المعلنين حتى الآن ما يربو على الثلاثين "ساعة كتابة هذه المقاربة" إنما يؤكد أن ما يشهده هذا البلد جزءً مما هو أكبر و أوسع بالنسبة للمنطقة ككل و التي لن يكون البشير فيها مختلفاً عن نظرائه من حيث التشبّث بالحكم و لو كان الثمن خراب الوطن كله مصداقاً لقول ذلك الممثل الساخر سنقاتل إلى آخر قطرة من دمائكم.انتهى 

موقع الكاتب والاديب : أمين مازن

  www.aminmazen.com © 2019 - 2008

طرابلس - ليبيا

Tel 0913245901