شئون ليبية 2019

شيوخٌ و نوابٌ على الشعبِ عالةٌ

أمين مازن

22-3-2019

أحييت الجمعية الليبية للآداب و الفنون اليوم العالمي للشعر، المقرر من الأمم المتحدة منذ سنوات، و في اليوم الحادي و العشرين من شهر مارس، و قد حرصت على تقديم مشاركتها في اليوم العشرين، خشية أن يكون إسهامها بعيداً عن التقاطع أو ضمن ما يُعرَف بتبرير أوجه الصرف، لما يترتب على مثل هذه المناسبات من صرف الأموال التي تفيد كل جانب سوى الأساسي، الذي هو في هذا المقام متمثلاً في الشعر و الشعراء المُبعَدَين عن أي رعاية، اللهم إلا من يُفلِح في طرق الأبواب و ضمان الوجاهة للمتنفّذين، كانت الجمعية قد أحيت هذه المناسبة منذ سنة مضت، فأصدرت بياناً في الخصوص تُليَّ في فعاليةٍ أُقيمت بدار الفنون، أما في سنة الناس هذه فقد انتظم المشهد بفضاء دار الفقيه حسن بالمدينة القديمة في العاصمة. حُدِّدَت المُفردات في قراءة بعض النصوص من ديوان الشعر الليبي الذي اُعتُبِرَ عنواناً للمنشط روعيَّ فيها تمثيل أكثر الأجيال بدءًا من الآباء المؤسسين و من تلاهم بعد ذلك حتى أيامنا هذه، إلى جانب إضاءة حول الشعر و معنى الإحتفال و خصوصية الموقف، و مضمون القراءة الشعرية و تجلياتها الوطنية و التقدمية، و الإصرار على أن يكون الشعر صدقاً و تجاوزاً و تجويدا، كما تشهد النصوص الخالدة التي بدأها مصطفى بن زكري بتخليد الدور الريادي الذي نهض به السيد المهدي السنوسي و أكدها الباروني الذي ربط الإحجام عن حلق ذقنه بيوم الإنتصار على المحتل و العودة عبر قناة السويس، لتتوالى الأسماء من الشارف و رفيق و الأسطى عمر و الماجري و الرقيعي و البكوش و حسن صالح و الشلطامي و السنوسي حبيب و صدقي عبد القادر، دون إغفال الطفلة معتيقة التي اتُخِذَ من وفاتها ذات يوم فرصة لمقارعة الوجود الأجنبي سنة 59عندما كان البعض يتعرضون للمحاكمة "خالد زغبية" و آخرين يُهجّرونَ مُكرَهين أو يَرحلون بعد سنين من المرض "المحروق و المطماطي"، و القائمة أكثر من أن تُحصيها مقاربة تهدف إلى التذكير و ليس التفصيل، خاصةً و أن الكثير من النصوص اتسعت لها الدراسات الأكاديمية، كما أن الشعر و بالأحرى الشاعرية، اتسعت لها و له نصوص إبداعية أخرى "القصة". لقد كان من حسن الحظ أن الذين قرأوا النصوص و ربما أكثرهم من الشعراء و المنخرطين في أنشطة الجمعية و منهم من ذكرنا بعديد الغائبين من أمثال عبد الحميد باطاو و عبد العزيز الزُنِّي و محمد المزوغي، و غيرهم فالأسماء هنا للتذكير و ليس للإنصاف أو الأحكام القيمية و لا حتى الإحصائية، إذ لو نشدنا الكمال لتأطّرَت هذه المتابعة، كما أن تمكُّن الأخوة من بث المنشط على مواقع التواصل الإجتماعي أكد من يقيننا و ثقتنا أن زمن التغييب قد ولّى إلى الأبد و أن مقاومة المحاباة و العبث على أي مستوى من المستويات قد أصبح مُتاحاً لكل ذي عزيمة، فلا مجال و الحالة هذه لما يتوهمه محترفوا الحضور الإعلامي المؤدلج أو النشر الصحفي الممول من إمكانية الإفلات من رقابة الوطن و إرادة المتابعين لما يجري بوعي و المصرين على كشف خباياه بشجاعة و مثابرة، و إذا كنا قد اخترنا لرفيق داليته المشهورة، إلا أنه لو كان بيننا لفضّلَ أبياته الشهيرة التي منها : أناخت على حُكمِ البلادِ عصابةٌ ** تسيرُ على أهوائِها و تصول.. شيوخٌ و نوابٌ على الشعبِ عالةٌ ** و عبئٌ من الصخرِ الأصمِّ ثقيلُ.انتهى

_________________________________

لهذا اللقاء ما بعده

أمين مازن

5-3-2019


برعاية إماراتية و ترتيب قام به الوسيط الدولي غسان سلامة، أعلنت بعثة الأمم المتحدة عن اجتماع ضم رئيس المجلس الرئاسي فايز السراج و قائد الجيش المشير خليفة حفتر، تم فيه اتفاق الطرفين على وضع حد للمعاناة الليبية، بالذهاب إلى صناديق الإقتراع لإنجاز الإستحقاق الإنتخابي المتعلق برئاسة الدولة و مجلس النواب، طبقاً لما رؤيَّ للخروج من الأزمة التي ظلت تتفاقم المرة تلو المرة، و تطال بآثارها السيئة المحيط بأكمله، و ذلك في ما أُطلِق عليه اتفاق الصخيرات، و الذي حاولت بعض الأطراف أن تدس فيه من الفخاخ ما تكفّلَ بإفراغه من محتواه، حتى كانت هذه الخطوة التي يمكن أن تترتب عليها نقلة جعلت عديد الأطراف لم تخف ارتياحها لهذا النبأ، كما و لم تتردد أطراف أخرى في إظهار إنزعاجها، و تلك هي طبيعة الأشياء، فما من حل سيرضي الجميع، ما بالك أن معسكر المستفيدين من الأزمة هو اليوم أكثر و أقوى مما سواه، و من هنا فإن الإعلان عن هذا الإتفاق ليقام على مثلث متساوي الأضلاع قوامه -مع حفظ الألقاب و الصفات- السراج و حفتر و سلامة، قد يأذن بإيجاد دائرة يمكن لها أن تتسع للأطراف كافة، إذ ما دام حفتر قد أكد في غير ما مرة استعداده غير المشروط للإذعان لمن ينتخبه الشعب، و مثله السراج و سلامة، و لا سيما هذا الأخير الذي ضمّن خطته المؤتمر الوطني الجامع الذي يمكنه عن طريق المجتمع الدولي أن يشرعن كل ما يحتاج للشرعنة كالإعلان الدستوري و قانون الإنتخاب، كما أن التوجه إلى توحيد مؤسسات الدولة المعطلة بالإنقسام من شأنه أن يجعل طريق الإنتخاب أكثر سلامة من المطبات، أما تزامن هذا التوجه عقب مؤتمر شرم الشيخ، و دخول الجيش إلى جميع مدن و قرى الجنوب وسط هذا الترحيب اللافت، فلا شك أنه يزيد من فرص نجاح هذا التوجه، ليس لحلحلة المشكل و حسب، و إنما امكانية الخروج من المأزق، فالتاريخ يعلمنا أن كل امتلاك للإرادة لا بد أن يؤدي بمن احتازه نحو بلوغ ما أراد، صحيح أن العقبات لا تنتهي و العثرات قد تتكرر إلا أنها دائماً أعجز من أن تبقى فتقطع ما أمر الله له أن يُوصَل، كما و قد حتّمت المصالح الأكبر ضرورة تقديمها على ما عداها، خاصة و أن الإرتياح العام لهذا التوجه قد جاء أكبر من أن يُقدَّر، بدليل أن السكرتير العام للأمم المتحدة، لم يبخل بالتعبير عن سروره لهذا اللقاء لثقته دون شك في جدواه، و تحقق تأثيره على بقية الأطراف و لا سيما التوكيد بأن العاصمة التي تأوي ثلث سكان الوطن بامتياز لن تشهد أي احتكام إلى السلاح، بمعنى أن المغالبة لن يكون لها وجود بعد هذا التطور في أي ترتيب مستقبلي في كل ما يتعلق بالسياسات النظرية و العملية التي ستُطبَّق في الوطن الليبي، و أن هذا الوطن لن يكون إلا للمتعايشين فيه على هديٍ من المواطنة و ما لها من الحقوق و الواجبات، و اعتبار ما أُنجزَ في حكم التراث الجدير بالإحترام و الكافي للإفادة، و كم يكون مفيداً لو يبدأ قطبا الإتفاق بالحض على التمكين لخطاب ثقافي و إعلامي يتسامى عن بث الكراهية و التأجيج و رذيلة التعصب و وهم امتلاك الحقيقة و الوعي الصادق بأننا لسنا في العالم وحدنا، و ليس لنا إذا أردنا البقاء سوى أن نعرف حجمنا سواء تطلعنا لنيل ما أردنا أو المساهمة بما لدينا، و من يدري.. فربما يكون ربيع هذا العام أكثر خصباً و رياحه أجود عطاء، فإن سادت عندنا هذه الشروط يمكننا أن نؤمل بأن لهذا اللقاء ما بعده. انتهى


______________________________



كالهرِّ يحكى انتفاخاً صولة الأسد

أمين مازن

16-1-2019

رفضت السلطات اللبنانية السماح للطرف الليبي المتطلّع لتمثيل ليبيا في المؤتمر الإقتصادي المقرر عقده في العاصمة بيروت، تحت مُسمى القمّة، على خلفية اختفاء السيد موسى الصدر إثر دعوة رسمية وُجِهَت له بآخر سبعينيات القرن الماضي للمشاركة في تجمع انتظم في تلك الأيام تُوِّجَ بلقاءٍ مع العقيد القذافي انفجر فيه بين الإثنين الخلاف حول ما كان يُطرَح انتهى باختفاء الصدر و مرافقيه وسط ملابسات قيل حولها الكثير و كُتِبَ عنها الأكثر، مما يمكن لمن يروم التفاصيل أن يراجعه في أكثر من أرشيف، أما أقرب القراءات لسر ذلك الإختفاء فهي القائلة بانتهاء دور الإمام و حليفه الشاه رضا بهلوي الذي طالما يسّرَ مهمام سيد المحرومين لأن اللعبة الدولية اقتضت تمكين قُمْ من تبوء سُدّة الصولجان الفارسي الذي لم يُعِدْ للعرب الجزر العربية التي كان الإمبراطور قد استولى عليها و جاءت ضمن الوعود التي لوَّحَ بإنجازها نظام الفاتح من سبتمبر و هو يتقدم نحو أمانة القومية العربية عشية إقدام الولايات المتحدة الأمريكية و مثلها بريطانيا على تصفية قواعدهما  بليبيا لقُرب انتهاء مدتهما من ناحية، و من ناحية أخرى لتغيّر الإستراتيجية العالمية، التي لحقت آخر من لحقت شاه إيران لتتفجر لاحقاً الحرب الفارسية العربية، بعد أن ظل الصراع بين القوميتين مُستتراً و في حدود المطبوعات التي أخذت تنشط في مدن الخليج عشية تنامي النشر هناك قبل خمسين سنة و نيف، على الرغم من انخراط اليمن العربي في حلف بغداد بالكامل فتبين أن ما أنجزه الشاه في مجال التوسع لقومه لن يُفرّط فيه نظام الملالي  الذي تمكن من إزاحته، بل أن الملالي كانوا أكثر جشعاً و تعنُّتا،إزاء الحق العربي بل الوجود العربي، و مثلما كان تغييب الصدر إذاناً بظهور ولاية الفقيه على يد الخميني بإيران و من رآى فيها القدوة كان في لبنان السانحة التي هيأت لنبيه برّي تبوَّأ رئاسة مجلس النواب اللبناني بحكم العُرف الذي منحها للمكون الشيعي في لبنان ما بعد الحرب العالمية الثانية، بحيث لم يبق من تلك المأساة و طوال العقود الثلاثة التي مضت و القذافي سيد القرار السياسي في ليبيا، سوى بينات حركة أمل "برِّي" إلى أن شاءت الأقدار فيغيب القذافي و نظامه و ينتظر العالم فتح ملف الصدر و لكن المفاجأة أن لبنان الرسمي و كما أعلن المستشار مصطف عبد الجليل الذي احتل المقعد الأمامي الأول في نظام السابع عشر من فبراير، فضّل صرف النظر عن ملف الإمام الصدر ليسعى في نفس الوقت لدى السوريين لإستلام هنيبال القذافي الذي وُجِدَ عقب سقوط النظام و موت والده لاجئاً أو موقوفاً بتهمة مختلفة، ليفاجأ العالم أن لبنان قررت حبسه رهينة إلى أن يُعرَف مصير الصدر، فإذا وضعنا في الإعتبار أن هنيبال هذا لم يبرح سن الطفولة عند ظهور أخبار غيبة الصدر و أن والده قد صار في ذمة الله و بقية أسرته بين الحبس و اللجوء، أدركنا حجم المغالطة التي يُصِرّ نبيه برّي على ممارستها، و هي مغالطة لا تساويها إن لم تكن أشد منها سوءً إصرار بعض الأطراف على تمثيل الدولة الليبية، و التي إن لم يكن لبنان قد بدأ بها لحسابات خاصة فليس من المستبعد أن تتلوها مواقف أخرى قد لا تقل عن هذه إحراجا، إما لإنعدام الشرعية كما يعبر غسان سلامة ممثل الأمم المتحدة في غير ما مرة عن جميع شاغلي الصفات الإعتبارية و المتشبثين بها على مرآى و مسمع من جميع المراقبين الذين يشهدون واقع ليبيا المزري و تجلياته في انعدام الخدمات على كل المستويات و العجز عن تسديد الرواتب، بل و المدخرات و انقطاع الكهرباء الأيام و الليالي و الأعداد الكبيرة من المرضى و فاقدي الأطراف من ضحايا الحرب و المهجرين الذين تحولوا إلى مأساة من مآسي العالم، كل ذلك و الأموال تُهدَر في رابعة النهار و على رأسها هذه الأعداد الكبيرة من أصحاب الصفات الإعتبارية الذين لا تخلو منهم مدينة من المدن، ليس فقط طرابلس أو بنغازي، و إنما الأخرى التي تجاوزتهما، عمراناً و انتفاعاً و نفوذا، على الأقل بأعداد المستشارين الذين ضجت من استحقاقاتهم و مزاياهم و عجزهم عن دعم جميع القوى الواعية و المغلوبة على أمرها لغياب الصحافة و القنوات الفضائية الرسمية الخالية من كل ما تتوفر عليه من جيد الإسهامات التي طالما احتفى لها الخارج و أنزلها المنزلة التي تستحقها، مما يجعل من موقف لبنان هذا ضربة من ضربات القدر التي تجيء مصداقاً للقول الخالد عن الأعداد الكبيرة من الليبيين التي إن لم تخرج مؤيدة لمثل هذا الرفض أو محرضة عليه فليس أقل من أن تقف متفرجة، إذ في مثل هذه الوقفة ما يكفي رداً على المرارة التي استطعمها الشعب المغلوب على أمره من قيادات احتلت أرفع المناصب، و عبثت بأضخم الإمكانات، و تُصرّ على تمثيله أمام جميع النظائر دون أن يرتفع إلى مستوى أقلها عطاء، و أكثرها إفلاسا، إذ لم يكن لديها من هدف سوى الحرص على حضور لقاءاتها أينما اجتمعت، و تحت أي صفات تنادت، متوهمة أن يكون الظهور بالمُلتقَط من الصور في عواصم العرب أو الأوروبيين سيدخلها في عداد أصحاب هذه الصفات، أولئك الذين عمّدوها بالحضور و بوّأتهم شعوبهم ما رأت أنهم في مستواه و أكثر، و ليس أصحابنا الذين لا ينطبق عليهم غير قول الشاعر الأندلسي في عجز بيته الشعري الشهير "كالهرِّ يحكي انتفاخاً صولة الأسد".انتهى 


__________________________________

ترك العلامة "لهم" علامة

أمين مازن

8-1-2019

كنت في الرابع و العشرين من ديسمبر و في الساعة الحادية عشرة منه على وجه التحديد، وسط كوكبة نوعية من الأسماء المعروفة من أبناء الوطن البائس جرّاء ظلم الكثيرين له، اكتظّت بهم قاعة أفريقيا بفندق باب البحر بالعاصمة طرابلس، تلبية لدعوة أو ترتيب اختار الداعون له ملفاً عنونوه بتيار ليبيا الدولة، أُحطت علماً به عبر لقاء الأسبوع الذي اخترنا له ضمن كل سبت معشر المنضويين تحت جمعية الآداب والفنون الليبية بطرابلس، عندما قرروا في وقتٍ سابق أن يكون حضور هذا النوع من اللقاءات لا يعني الإلتزام المؤسساتي، أي أن من يحضر لا يمثّل غيره، على الرغم من أنني على الصعيد الشخصي أستبعد إمكانية التنصّل من التبعة المعنوية، عندما يقوم صاحب أو أصحاب أي فعالية بحصر من يعمر لقاءاتهم في الصفة الشخصية لكل من يحضرها، خاصةً عندما تكون صفة المؤسسة تزيد في أهمية الحضور، و لا سيما أمام الدوائر المأذونة، لقد استشعرت الكثير من الدفئ و أنا ألتقي عديد الوجوه الكريمة التي طالما تعاطيت معها في هذا المشوار الطويل على أكثر من صعيد، و لم أجد منها سوى ما يؤنس و يفرح و يعمّق التعاطف، خاصةً و أن الكثير منهم قد اتخذ من الشبكة العنكبوتية التي اتخذت منها وسيلتي الوحيدة لنشر ما يترأى لي التعبير حول مختلف الشئون و الشجون، فإذا بالكثير منهم لا يضنون بتثبيت اطلاعهم غير مكترثين بتقصيري نحوهم، فيواصلون ما لديهم من الإضافة  أو التعليق و المهم توكيد الإتصال و بالأحرى التفاعل كما هو المصطلح، الأمر الذي يسهم في التصدي لمحاولات التغييب التي تضاعفت في زماننا هذا على أيدي الذين أفلحوا في نهب وسائل الإعلام العامة، مصورة كانت أم مكتوبة، فإذا بهم يحصرون المصورة في أخبار سادتهم المسئولين ممن خلفوا من سبقهم و استمرأوا نشر صورهم متوهمين أن هناك من ينظر إليهم، و كذلك فعلوا بصدد المكتوبة عند العجز عن تحريرها يوقفونها بحجة امتناع المطابع، متوهمين أن كل متابع يعرف أين تذهب المخصصات المالية الكثيرة مما لم تفعله عيون المراجعين و لم تتوقف عن إدانتهم أقلامهم، لولا أن الحادبين أقوى من المتابعين، و إذا كانت قاعة أفريقيا هذه قد شهدت طوال العقود التي توالت على إنشائها منذ سبعينيات القرن الماضي ما يتعذّر حصره من اللقاءات القومية و الدولية، و من بينها ما يخص الثقافة مما تسنّى لي شخصياً و من وقف إلى جانبي مساعداً أو راعياً، حين كانت هذه القاعة مكاناً للكثير من الحوار المسئول و الخلاف البنّاء مما لم يبخسه عديد المنصفين حقه من كريم شهاداتهم، و أخرى تتعلّق بمناسبات شخصية أمكن بواسطتها تقدير ما يُعتبر تقديره موقفاً على الرغم من أن باعثه الأساسي واجباً كعقد قران بعض الكريمات التي بقدر ما حفلت بالرموز المحلية و العربية لم نغفل فيها بحمد الله تقدير من كان أحق بالتقدير مثل جارنا الفقيد المرحوم موسى أحمد الحاسي و قد كان يومئذ حديث الخروج من سجنه، و قد يوجَد من الضعفاء من يتحسس من تقديمه في هذا النوع من المناسبات الخاصة و العامة في ذات الآن، أجدها تقفز للذاكرة الممتلئة بأحداث الزمن و دروسه و جمائل الفضلاء ممن عاصرت فيه، ممن ليس خارجهم من شيد هذه السلسلة من الفنادق التي استثمر فيها أموال الضمان الإجتماعي، هو المرحوم إبراهيم الفقيه حسن، الذي أنفق عمره و أدّى كل واجباته في ظروف غاية في الصعوبة انتهت ببقائه في بيته طريح الفراش مكتفياً بالعلاج داخل البلاد في الوقت الذي كان الإيفاد مُتسعاً و كما هو أيامنا هذه مُتسعاً لمن يستحق و من لا يستحق، مما حدا بشقيقته المحترمة لا تتردد في طرد من طرق باب الأسرة لتقديم العزاء و شيء من المال، بقولها لقد أهملتموه مريضاً فلا حاجة له بمالكم ميتاً، و هو ما لا نشُك أن يكون في ذاكرة مُنظمي هذا اللقاء الذين تحدث باسمهم الإعلامي القدير محمد بعيو في مُفتتح الجلسة مؤكداً أن تيار الدولة المطروح للتأسيس يرفض أي شكل من أشكال الإقصاء و إنما هو يتسع و يدعو و يُلِح في دعوته كل قادر، و هي اللغة التي تحتاج إليها المرحلة و تقتضيها طبيعة المشروع، و تضمنتها في البداية كلمة الأجيال الجديدة التي أُسنِدَت لتماضر الصادق، و لم تخرج عنها مجموعة المداخلات المحدودة و التي يمكن التكهّن بأنها مُعَدة سلفا، لقد اكتفيت بتدوين إسمي ضمن الحاضرين و ترك العنوان الذي يمكن بواسطته التواصل معي حالة ما إذا رؤيَّ حضور أي منشط من المناشط التي تتجاوز الإلتزام العملي المنظم، ليقيني أن الأصل في العمل السياسي أن يكون مؤطراً وفق برنامج محدد يشمل الرؤية و الدور و الموقف من الإستحقاقات مجتمعة، دون أن أُجادل أصحاب الدعوة في ما ذهبوا إليه من إمكانية التخلّص من تبعة الحزبية، فوجدتني مع تمنيات التوفيق لهم إزاء ما يطمحون إليه و يعملون من أجله و شكرهم على كريم دعوتهم و تلبية أي دعوة أتوصل بها منهم، مستبعداً أن يكون في حراكهم هذا ما يمكن أن يكون بمنأى عن العمل الحزبي، و الذي اعتبره على الصعيد الشخصي ،متى سُئلت عنه، جديراً بقول إمام النُحاة إبن مالك الأندلسي في أرجوزته التي تضمنت ضمن ما تضمنت التعريف بالحرف فقال ما أبَحْتُ لنفسي تحريفه من المفرد إلى الجمع حين قال (الحرف ما ليس له علامة) فأستعير، ترك العلامة لهم علامة. انتهى

_________________________________



عام السنىِ انعدوه كيف اسنينا


امين مازن

1-1-2019

فرضَ عليّ المتاح بالشبكة العنكبوتية، صفحة أتواصل من خلالها مع غيري، أو موقعاً أستثمره، و أُنشئ مادته وفقاً لتقديري، أن أُملي هذه المقاربة في هذا الثلاثاء الأول من عام الناس هذا 2019، لأحمد ولي الحمد على نعمته بأن بلغتها قادراً على التعبير، لأحافظ على التقليد الذي تسنّى لي ترسيخه في مثل هذا الشهر منذ العشرية الأولى من هذا القرن و مداومتي على هذا الإلتزام لسنواتٍ عشر على صفحات صحيفة الجماهيرية التي استقرت بعد تأسيسها و تسييرها وفق صيغة خاصة، لتكون ضمن إصدارات المؤسسة العامة للصحافة التي أُنيط بها في مطلع التسعينيات الإشراف على الصحف التي كثيراً ما كانت مُذبذبة و فاقدة للتصنيف، رؤيَّ يومئذ تفعيل مؤسسة الصحافة لتتولّى الإشراف على أكثرها بدءً من الشمس التي بدأت بها المؤسسة فالجماهيرية التي أُحيلَت لها، فكان أن اطلعتُ بزاوية أسبوعية أُختيرَ لها يوم الثلاثاء، حرصتُ في حدود المُتاح أن أُحقق لها ما استطعت من الخصوصية و التواصل و التعاطي مع الشأن العام كونت بواسطة المثابرة و الحرص على المشاركة و الوفاء بالإلتزام تراكماً "دون أي ادعاء" يستطيع بواسطة مراجعتها كل مراقب أو دارس أن سيتخرج الكثير حول ما كان يجري و كيف كان رد فعل بعض الذين ينهضون بمسئولية التعبير و يتعين عليّ من جانبي أن أُشيد اليوم بمواقف الكثير من الذين اضطلعوا بمسئولية التسيير على نحوٍ ما، فلم يصدر منهم إلا ما يدفع إلى حُسن الأداء و تبنّي الخطاب الأكثر اعتدالاً و إصراراً على كل ما يُفضي إلى الحداثة بصلة، يحضرني اليوم على نحوٍ خاص ما دأبت على الجهر به حول الإحتفال بالسنة الشمسية التي كثيراً ما ضاق ذرعاً بها عديد المتهكمين في مناقشة قضايا الثقافة و السياسة و بالجملة الشأن العام، أولئك الذين روجوا للمغالطة القائلة بأن الإحتفال بالسنة الشمسية يمثل نوعاً من الإستلاب الثقافي أو التقليد للغرب، بل و عدم الإلتزام الديني، ناسين أو متناسين أن الإحتفال بالسنة الشمسية لم يكن في حقيقته يتجاوز كونه تقليد ابتدعه بعض شباب ألمانيا في أول سنة تلت إنهاء الحرب العالمية الثانية حين عنَّ لنفرٍ من شباب تلك الأيام أن يحتفلوا بأول عام عقب انتهاء الحرب  ليتوالى ذلك التقليد و ينتشر بفعل التواصل الذي ازدادت وتيرته، فهو ليس أكثر من مناسبة من مناسبات الترويج و ليس له أي ارتباط بالجانب الديني، و قد كان الإحتفال بعيد الميلاد قبل ذلك التاريخ على ما يبدو محدوداً في الأُسر، لأن الأزمة الإقتصادية التي طالت العالم لم يخف وقعها إلا عقب الخمسينيات و ما بعدها في القرن الماضي، حين لم يكن شباب تلك الأيام بمنأى عن التعاطي مع آثاره على أكثر من صعيد، و ما دمنا أمام عاما جديد إعتاد الكثيرون أن يقفلوا فيه حساباتهم، و يسددوا إلتزاماتهم، و يتطلعوا إلى الكثير من جميل آمالهم، فقد تعيَّنَ أن يكون ذلك خلفية هذه السطور، و في جو من الأمل بأن يكون الآتي أحسن فلا أقل من أن نستعين بما قال الأولون و على لسان شاعرهم الشعبي عندما مزج بين الصبر و الأمل و الإيمان، ما اتخذناه عنواناً من بيته الشعري كشطر واحد لنثبته كاملاً و أكثر دلالة

عام السنىِ انعدوه كيف اسنينا

و العام لاتي قسمنا ياتينا

________________________________


موقع الكاتب والاديب : أمين مازن

  www.aminmazen.com © 2019 - 2008

طرابلس - ليبيا

Tel 0913245901