لحظة ميلاد

لحظة ميلاد " جديدة " الى الاستاذ : امين مازن


محمد السايح يوسف

 

* انتهي المولد ، وانقض السّامر ، فارتحل المفرج عنهم الى اهاليهم ، الي ابنائهم وزوجاتهم ، ولا اظنهم الا فرحين ، يستقبلون ويودعون المهنئين . اما انا فقد بقيت في السجن ضمن الباقين ، تأكلني الحسرة وتعشش بفكري افكار سوداء حزينة انتحيت زاوية في الساحة بعيداً عن الباقين ، افكر في حالي الحزين ، ومستقبلي الذي لا اراه الا مظلما . جاءني اخ لخفت عني ما انابه ، وفاجأني بخبر يقول ان افواجاً اخرى ستخرج من هنا ، وكان قد جاء لتوه من مقابلة مع بعض اهله ، فلت . " لقد صرح الضابط المسؤول ان اخر فوج قد خرج ، ان لا احد من الباقين مشمول بالافراج". اكد بل اقسم ان مازال بقية من المفرح عنهم لم يخرجوا اعرف ان قريبة ضابط كبير " بالامن الداخلي ، ولكن من نصدق ؟! .


استمر الحديث بيننا حتى جاء شرطي ينادي :" بشير " كان بشير هو الجالس معي / ومن فرحته قام مسرعا دون ان يودعني وبه انتهت القائمة – قائمة المفرج عنهم .

جلسنا في زنازين العنبر ، وقد اتسع المكان ، وخفت الحركة واصبحت اجد لي مكانا امام التلفاز، الذي كان حكراً على اولئك الذين لا يتركونه الا لقضاء حاجة ضرورية ، او الذهاب للنوم . تغلبنا على جراحنا وبدأنا نتعود الاستمرار في الحياة حتى بدون الاصدقاء الذين تعرفنا عليهم ، وتحدثنا معهم وجمعتنا بهم جلسات " هدرزة " كذلك انشغلنا بأمر اخر يتصل بالسجن – فقد احيلت قضيتنا الى " المحامي العام " او النائب العام لا اذكر – فبدأ بالتحقيق مع مجموعتنا وتكلفت ادارة السجن بنقلنا الى مكتبه بمجمع المحاكم على مجموعات عندما دخلت عليه في مكتبه وجدته رجلا ضخم الجثة – او هكذا تهيأ لي – يتسم بالوقار والجدية . بعد ان سألني عن اسمي وعمري وعنواني قدم الى التهمة بلغة واضحة لا تحتمل أي تأويل نفيت التهمة بكل اصرار وتحدي ، غير انه اخرج من ملف امامه ورقة مكتوبة بخط اليد وتحت بعض جملها خطوط حمراء ، نظر فيها تم سأل : هل تعرف " عبدالله ؟


اجبته بالإيجاب : قال " هذا الرجل يؤكد انك تنتمي الى "................. "

قلت : سيدي هو يقول ذلك ، ولكن ما دليله ، ثم ان هذا الرجل معروف بعدم تورعه من فعل او قول أي شئ ، انتهت المقابلة التى لم تستغرق اكثر من ربع ساعة .

كما انشغلنا بأمر اخر وهو ترحيل مجموعة من المساجين ببنغازي الى طرابلس ، والحاقهم بنا في " السجن المركزي " الامر الذي جعلنا نحلل الموضوع ، فانقسمنا بين متفائل ومتشائم – المتفائلون يرون ان الموضوع يتعلق بالتحقيق ، وان الفرج مرهون بالانتهاء من التحقيق وهو – أي الفرج – قريب والمتشائمون يرون ان ذلك بادرة سوء نية ، ودليل على طول الاقامة .

الحقيقة ان الوضع داخل السجن تغير بعد ذلك فاصبحت الزيارة مرة في الاسبوع مرة في الاسبوع – وبعض الاحيان كانت مرتين في الاسبوع – كما ان الصحف وحتى الكتب تصل الينا دون رقيب ، كذلك الاكل . كما ان اجازات تعطي لبعضنا لقضاء يومين او ثلاثة ايام مع الاسرة .

اما العلاج فقد اصبح متوفراً في الداخل وحتى خارج السجن .


لقد طالت ايام السجن حتى بلغت حوالي السنتين ، ولكنهما كانت اياما جميلة على قبحها ثرية على فقرها انه لا احد يحب السجن – لااحد يحبه لنفسه او لمن يحب ، غير ان الجميل فيها انني تعرفت من خلالها عن قرب علي كتّاب كنت اقرأ لهم منهم الاساتذة عبدالله القويري ، وامين مازن ، وكامل عراب ، وعلي ابوزمية ، كما انني تعرفت عن قرب على الشاعر الجيلاني طريبشان ذلك الرجل الضعيف في بديته البسيط في حياته ، جمعتني به زنزانة واحدة منذ الايام الاولي ، ولم اكن اعرفه من قبل ولا قرأت له ، فسمعت منه بعض اشعاراه ، كما عرفت شيئاَ من حياته ، كذلك عرفت الدكتور الكاتب محمد المفتي وعرفت بعض المحامين والاساتذة منهم عبدالرحمن الجنزوري ، وعبدالحكيم البشتي والدكتور عمرو النامي ، ومحمد زيان ، وغيرهم من لم تسعفني الذاكرة بتذكرهم ايضا مكنتني من التعرف على بعض رموز العهد السابق منهم الاساتذة حسين مازق ومحمود البشتي الذين كانا متحفظان ، تعاملا معنا بجدية وعبدالحميد البكوش ، وعبدالله بن شعبان الذين كانا منطلقين وبشوشين.

كما ان الجميل فيها انها مكنتني من العمل بجهة شبه رسمية ، تلك الجهة التي نقلت اليها بعد الخروج من السجن ، لقد تمكنت خلال العمل بتلك الجهة من زيارة كثير من البلدان في افريقيا واسيا واوروبا ، تعرفت فيها على مدن ومطارات ، وجمعيات وشخصيات سياسية ومفكرين وشاركت في مؤتمرات وتزودت منها بزاد وفير من المعلومات ، والثقافات ، والاجمل من كل ذلك انني تمكنت عن طريق هذه الجهة الكريمة من زيارة الاراضي المقدسة .

لقد كان السجن تجربة فريدة بقدر ما فيها من مأسي والام نفسية وحتى جسدية لاتخلو من الاشياء الجميلة ، فهي تثري المواهب الادبية والفكرية وتحفزها على كتابة اشياء ذات قيمة اذ لولا تلك الاشهر التى قضاها الاستاذ امين مازن بالسجن ما تسنى لنا ان نقرأ له نصا جميلاً كذلك الذي نشره " بأويا " تحت عنوان " لحظة ميلاد " ونصوصاً اخرى للكتاب وشعراء اخرين قرأناها في " عراجين " والسجن فرصة سانحة كذلك لاعادة النظر في كثير من القناعات والرؤى والقناعات بترسيخها او نبدها والانتقال الى افكار وقناعات اخرى . إنتهى


____________________________

موقع الكاتب والاديب : أمين مازن

  www.aminmazen.com © 2019 - 2008

طرابلس - ليبيا

Tel 0913245901