ألسنة الخلق أقلام البارئ

ألسِنَة الخلق أقلام البارئ

أمين مازن

22-11-2016

نجح إختصاصييو طب الكِلىَ بمستشفيات القاهرة في زرع إحدى كليتي الدكتور عثمان أحمد بشير أحد أبرز جراحة المسالك. هذا الداء الذي تضاعف عدد المصابين بدائها و المحتاجين لجراحتها بالبلاد، عندما صار الدكتور هذا في مقدمة الذين إختصّوا بها عن جدارة عندما أكمل دراسته العليا في بريطانيا و فضّلَ العودة إلى الوطن بدل البقاء هناك حيث تكوّنَ علمياً و تدرّبَ عملياً، على الرغم مما كان واضحاً أمامه من أن فرص التطور هناك أكثر و أسباب السعادة أوفر. و ما من غرابة في نجاح العملية و قبل ذلك العودة و ما لحقها، فما عداها لمن لا يعرف النشأة و الأروِمة يُدرك أن عدم العودة هو الشذوذ. غير أن مشوار الحياة المشترك و الذي قُدِّرَ لي أن أكون أبرز شهوده كما وثّقتُ في أكثر من مكان، أوجدَ لدي من الذكريات ما قد يكون مسوغاً لتدوينه في هذا الفضاء بشأن تجاربي و خلاصة يومياتي حول مُختلف الشؤون و الشجون. فعثمان اليوم الذي يقاسمني صفة الجد لحفيدَي سيرين و فيصل، كان قبل ذلك أصغر الذكور الثلاثة لتلك الخالة التي كانت على موعد مع اليُتم الذي أُبتُلِيّتْ به منذ مهدها الأول و تجرّعته مرة أخرى في ذلك الشتاء القارس في مطلع خمسينيات القرن الماضي، عندما غيَّبَ ذلك التفجير المُدوي الذي هزَّ البلدة بالكامل و راح ضحيته زوجها أحمد بشير و رفيقه محمد أبوبكر، لتعيش و هي الثلاثينية أرملة تعول ثلاثتهم إلى جانب الشقيقة الأكبر قليلاً، فقد كانوا جميعاً أطفالاً قُصّراً، أصغرهم عثمان الذي لم يصل الأربعين يوماً، فقد كانوا جميعاً يعيشون حزناً أكبر جرّاء التدخل السافر في أول معركة إنتخابية شهدتها الدولة الوليدة " 19-12-1953 " عندما نالَ البلدة ما نالها من مظالم التنفيذ و كان المرحوم أحمد بشير أحد المُتحمسين لها.

لقد ترملت حفصة أو حفيصة كما كانت تُنَادى للتفريق بينها و بين جدتها الكُبرى التي إختارت أن تُخلّد نفسها في حياتها بتسمية حفيدتها بإسمها. و قد صبرت كثيراً على أولئك الأطفال الذين نموا الواحد تلو الآخر، و مع النمو كانت الدراسة التي بدأها أكبر الذكور محمد الذي تحصّل على دبلوم التعليم قبل السن القانونية للتعيين الوظيفي، و عاد إلى مسقط الرأس ليكون أصغر المدرسين سِناً و أكثرهم إنشغالاً بالشأن الوطني العام بشقيه القروي و المديني جامعاً بين التعليم و النشاط الإجتماعي و ما يقترب من السياسي، و أذكر أنه نبهني عن نوعية النشاط الذي كان يضطرم في معهد المعلمين الذي درس به من عديد الأنشطة السياسية التي بادر بها بعض المثقفين العرب أمثال السيد محمد سليمان أيوب المختص في التاريخ و الآثار و أحمد صدقي الدجاني المختص هو الآخر في التاريخ، عندما أنجز الدجاني دراسته الرائدة حول الحركة السنوسية في القرن الثامن عشر، و كتب محمد أيوب عن أسبقية الآثار الجرمنتية على الحضارة الفرعونية، و قد دفعني ذلك الوعي إلى إفراد مربع خاص بصحيفة الميدان التي إشتهر صاحبها فاضل المسعودي بالإحتفاء بكل عنصر واعد، و قد جمع محمد أحمد بشير أو " كَنَدي " كما كان مُجَايلوه يدعونه لوجود شبه كبير بين ملامحه و ملامح الرئيس الأمريكي كَنَدي بين مهمته كمدرس و ناشط سياسي و إجتماعي و الإهتمام بشقيقيه الذين نجحا الواحد تلو الآخر نجاحاً متفوقاً أهلهما للدراسة بالخارج و بالتحديد في بريطانيا، فحقق الدكتور أبوبكر نبوغاً أهلهُ لرئاسة كلية الصيدلة التي فضّلها على رئاسة شركة الأدوية عندما عُرِضت عليه ذات مرة، فيما يترتّب على عثمان - موضوع هذه السطور- إيفاده إلى بريطانيا هو الآخر و ينبغ في جراحة المسالك و يختار العمل في مستشفى الزهراء فيقرُن بين العمل و الإقامة، و يجمع بين العمل و العلاقة الإنسانية المثالية فيبدو و كأنه واحد من أبناء تلك القبائل و يكرّس لهم كل وقته علاجاً و تواصلاً، و يكون لهم " أي الأبناء " في النهاية حضورهم المميز في المجالين العلمي و العملي، و يُفلِحون جميعاً في إسعاد تلك الأُم فتنسى أحزانها و تسعد بزواجهم الواحد تلو الآخر و يطوفون بها في الأراضي المقدسة أكثر من مرة، و تشهد زواحهم و تتزين بقلادة الذهب التي إحتفظت بها رغم جميع المصاعب و أقسى أيام الحاجة، و تودع في النهاية الحياة قبل أن تسوء صحة أبي بكر و يرحل محمد إثر تعطّل كلاه و رفضه أخذ كلية إبنه قبل أن يدخل حجرة العمليات بدقائق قائلاً لمن سأله عن سر الرفض: أن يتبرع الأب لإبنه بكليته فذلك شيئ مقبول أما أن يأخذ الأب من الإبن فذلك ما لا أقبله. و يصر على العودة راضياً بوداع الحياة بدلاً من أخذ إحدى كليتي إبنه خشية أن يحتاج إليها أحد أبنائه ذات يوم فيهزّ الخبر كل من عرف هذا الإنسان الأبي و نبقى نحن اليوم نذكرها مُعتزين و واثقين أيضاً انها إحدى المواقف التي حضرت، عندما تعرّض الشقيق عثمان لذات المرض فيسرَت الأقدار الحصول على البديل و أُجرِيت العملية بنجاح وسط مشاعر من الفرح الذي تنافس جميع عارفي الدكتور عثمان في التعبير عنه و التواصل الدائم بسببه ليس بالهواتف و ما في حكمها و إنما بالتوجه الشخصي إلى مقر الإقامة في ناحية المعادي ببلاد النيل، و تغمرنا مثلهم فرحة غامرة كانت ضمن ما خفّفَ من أحزان الزمن و إستوجب شكر الله على ما أعطى و ما أخذ، و كفى به رازقاً و الحمد له في كل الأحوال. و قديماً قِيل ألسنة الخلق أقلام البارئ


_______________________________

موقع الكاتب والاديب : أمين مازن

  www.aminmazen.com © 2019 - 2008

طرابلس - ليبيا

Tel 0913245901