لكي نعزز سلطة الثقافة

كان عنوان هذا المقال عند تحريره " ثقافة السلطة و سلطة الثقافة " غير أن سيطرة الرقابة الذاتية إقتضت أن يكون بهذه الصيغة، و لن أغفل هنا المطبوعة التي نشرته بها في الداخل، و هي مجلة فضاءات التي إضطلع بمسؤولية رئاسة تحريرها المثقف و الشاعر الحداثي و العزيز -في النهاية- بالنسبة لي شخصياً عبد المنعم محجوب الذي أخصه بالكثير من الشوق و المحبة

لكي ُنعزّز سلطة الثقافة

امين مازن


لن اذهب في حديثي هذا مذهب ما دأب عليه البعض ، ازاء ما يدعى بالمصطلح ، فأعيد انتاج ما تحمله المصادر حول مصطلح من المصطلحات الكثيرة التى أقرها السابقون بشأن مفهوم السلطة ، قبل ان ادخل في صلب موضوعي مباشرة تحت مبرر احترام اصول البحث ، والتقيد بثوابت المنهج ، واية ذلك ان ما اسعى الي تقديمه هنا لا يعدو ان يكون مقاربة من المقاربات التى اعتاد كتابتها كل او معظم العاملين في هذا الحقل المعرفي الميسر ، ومن خلال هذه المنابر القائمة على السهل الممتنع ، وهم يضطلعون بحمل رسائلهم المقدسة الرامية الى تحريك السواكن واثارة الحوار ، حول مختلف القضايا ، على درب التنوير والاضاءة وحشد الامكانيات المتوفرة في معركة التقدم ، ومن ثم قطع الطريق على كل محاولة يائسة هدفها إرجاع العربة الى الخلف ، مفضلا – وفقا لهذا الفهم – ترك الحديث عن المصطلح لأولئك الحريصين على شكلياته واضاعة الوقت في معركته الطويلة ولو كانت سيوف هذه المعركة خشبية وجيادها ايضا من ذلك النوع الذي طالما ركبه الأطفال ذات يوم وهم لم يبلغوا الحلم بعد .

سأعتمد والحالة هذه ، على ما رسخ في الذاكرة ، في اتجاه بلورة مفهوم مبدئي لهذا المفهوم ، مفهوم السلطة بالطبع وهذا التعريف يعتبر بدون شك نتاج معايشة دؤوبة لجهود من ارتادوا هذا الطريق ، وعبدوه بالعرق والدموع ومن موقع الحرص على الاستفادة من جميع الجهود الرائدة بالانفتاح عليها ، والتعامل معها وممارسة خليفة التأثر والتأثير .

ان خلاصة هذا التعريف تعني اجمالا ، ان السلطة هي كل قوة مسيطرة على جماعة من الجماعات في أي بقعة من ارض الله الواسعة ضمن حدود معينة ، وتمارس بفعل قوتها هذه انتاج ورعاية مجموعة القيم التى تقرر فرز الحق من الباطل ، الخطأ من الصواب ، الحرام من الحلال ، الاستقامة من الاعوجاج ، الاخلاص من الخيانة ، الفضيلة من الرذيلة ، الى اخر هذه الثنائيات التى تحملها كل ثقافة من الثقافات ويساعد على نموها نشاط من الأنشطة الاقتصادية ، ويصار الى حمايتها بعد ذلك بواسطة الحوافز والروادع إزاء كل من يخل بهذه النواميس الثابتة والقواعد الاساسية ، ابتداء من الحكمة والموعظة الحسنة ، وانتهاء بالكوابح على مختلف السبل والوسائل .

ذلك ان السلطة ،وعبر تاريخها الطويل ، لا تجد صعوبة في تمرير مساعيها الرامية الى تسويد ما تبتغي تسويده من كل او بعض هذه الأشياء استنادا الى قدرتها على القول اولا والفعل ثانياً ، بوصفها القوة التى تمتلك حق اصدار القرار كما تمسك بيدها الاداة الكفيلة بالتنفيذ ، وقبل ذلك كله كانت قد حددت ما يعتبر صالحا ومفيدا وما هو دون ذلك بالطبع .

اذا كانت السلطة في مستواها التقليدي ومراحلها السكونية ، لا تخلو من وجود قوة من داخلها ، تختلف معها في الكثير من الاشياء وتشق عليها – بشكل ما – عصا الطاعة ، وترى في مثل هذا الصنيع خياراً مشرفاً ، وموقفاً يستحق الاكبار ، مما يوفر للسائرين في مثل هذا الدرب والاخذين بمثل هذه المسلك الكثير من التعاطف ، فتضطر هذه السلطة في مراحل كثيرة الى الحد من جبروتها وسوء ممارستها غير المقبولة ، وتكون الثقافة في عداد القوى الضاغطة في اتجاه التخفيف من الجبروت السلطاني باعتبار ان السلطة التقليدية أضعف من ان تصمد أمام الضغط الاجتماعي ، فان مما يؤسف له وفي مرحلة تاريخية اخرى حين لا توصف السلطة بالتقليدية فان الوقف السلطوي كثيرا ما يكون اكثر سوءا واشد شراسة ، كما ان محنة الثقافة مع هذه السلطة تكون اشد وانكي ، ذلك ان هذه السلطة ستشعر عن خطأ في التقدير وقصور في النظرة ان الخروج عن خياراتها يعني المروق ، وان نقد ممارستها ومستويات اداء اجهزتها من الامور التى لا بد ان تجرم وان يكون اقل نعت يمكن ان ينعت به من يختلف مع هذه السلطة يبدأ من التشكيك في الولاء اما اخر هذه النعوت فهو التقاعس والخيانة ، ذلك ان السلطة في المجتمعات غير التقليدية وقد نقول الموصوفة بالتقدمية تحديداً تعتقد في يقين مطلق ان الصواب كل الصواب هو ذلك الذي نقدم عليه ، وان الخطأ والشر وكل شئ سيئ هو ذلك الذي يتكفل به كل قول مختلف ،وحين يسود مثل هذا الفهم فان مما لاشك فيه ان مستوى الاخفاق هو الذي ينتظر ان تؤول اليه الامور .

في هذا الجانب ايضا لن يكون تناولنا نظرياً خالصاً ، فنذهب الى المراجع الكبيرة والتعريفات الموسعة ، ولن يكون كذلك ذا طابع فكري ومحتوى جدلي لنسوق الحجج والاسانيد ، فعلي اهمية ذلك وقدرته على التأثير وكسب التأييد الذي هو مبتغي كل مقاربة من المقاربات المكتوبة ، فان من الممكن الخوض في هذا الموضوع على نحو اكثر يسرا وادنى الى ملامسة الاشياء او الاقتراب منها بالاصح ولكن دون الانزلاق الى مستنقع التبسيط الذي كثيرا ما يدفع باتجاه السخرية بدلا من التعامل الجاد او المحترم على الاقل .

وقد اجمل هنا فأقول ان السلطة من حيث هي قوة قاهرة لابد ان تمكن لكل ما تريد التمكين له من تصاريف وتأتي به من ممارسات عبر تشريعات قانونية واجهزة رقابية واخرى تنفيذية ، وممارسة كهذه ووفق شروطها المبدئية يستحيل ان تكون مبعث رضى الناس جميعا ، ناهيك عن ان تكون مبعث سرورهم ، اذ بقدر ما تكون باعثة على القبول من البعض ، بقدر ما ستكون مدعاة لرفض البعض الاخر ومن ثم مجابهتهم ولو بأضعف الايمان كما يقولون : الدعاء والتمنيات! وهو ما يمكن ان يقف عليه المرء من خلال وسائل التعبير المتاحة ، ابتداء من الكلام الشفوي ، حيث المثل السائر والنكتة الماكرة واخيرا الاشاعة المدسوسة وذلك حين لا تجد الكلمة المكتوبة طريقها السالك بوصفها التعبير الشرعي عن الثقافة المتزامنة مع هذه السلطة المرتبطة بها عبر علاقة من المستحيل فض عراها او السعي لاقتلاع جذورها .

ومن الواضح ان هذه السلطة – وفقا لظروفها المتشابكة من حيث السياسة المتبعة والاقتصاد السائد ، وكذلك فاعلية الشرائح الشعبية المتنفذة فيها تعول في تمرير خياراتها وتبرير ممارساتها على ثقافة فاعلة لها اطرها القادرة وفنونها الدالة وبالجملة خطاب يجسد مستوى النضج ومقدار الشراكة وفضاء الممارسة ، ثقافة قوامها النص الابداعي القادر على الترميز والتحليل ، حسب الاحوال ، ومن وسائلها التعبيرية اللوحة الفنية الموحية واللحن الموسيقي المشبع باحاسيس الروح واستشعار الاصالة ، ثقافة تظهر في معمار البناء واسلوب العيش وطرائق الاكل والملبس ، وفنون اخرى كثيرة يجد فيها الدارس المتأمل والملاحظ الذكي كل ما من شأنه ان يعبر عن مستوى الوعي واتساع المعرفة ومدى الاستفادة من منجزات العصر ، وبالجملة كل ما تزخر به دوائر المعارف من التعريفات المتعلقة بالثقافة والتثقيف منذ ان قال الاولون ان هذا الاشتقاق يعود الى تثقيف السيف ليكون اكثر قدرة على البتر ، فوجد لدينا من يرى ان المثقف الحقيقي هذا الذي يكون في ممارسته القائمة على مقارعة التخلف ومسبباته بمثابة السيف البتار ، وان الثقافة في اسمى معانيها وابلغ صورها واقدس رسالتها المقاومة للجهل والتخلف وعوامل التعبية بمثابة السيوف البتارة التى تجتت كل هذه الاشياء الضارة من جسد المجتمع الكبير بلا ادنى هوادة .

على ان هذا ليس من مشمولات هذه المعالجة ، فالثقافة كما تبلور مفهومنا لها من خلال مراجعة هذه الفنون مجتمعة وان تكن معرفة مثل هذه الانشطة المعرفية تندرج ضمن شروطها ، كما ان الانحياز اليها او بعضها على الاقل يجعل كل من يفعل ذلك جديرا بمثل هذه الصفة ، الا ان شرطها الابقي والاهم والأكثر اولوية انما هو ذلك الانشغال الحقيقي بالشأن العام والحرص علي التعبير عن مثل هذا الانشغال على مختلف الصعد، اذ بدون الانشغال الحقيقي بالواقع ، تكون المعرفة تعليماً ليست غير ، بل وتكون المشاركة ضرباً من ضروب الاحتراف وقد نذهب الى القول بالتعيش ولا سيما حين يكون للابداع مردود قل او كثر .

والثقافة بهذا المعنى نشاط ذو علاقة جدلية بالسلطة ، وكلما قبلت هذه الثقافة بما هو كائن وتتبناه ولا يكون للعاملين في حقلها تطلع نحو ما يجب ان يكون فهي بدون شك ثقافة السلطة لايهم ان تكون هذه السلطة شديدة الامعان في التقليد من شعاراتها الاصالة ومن اهدافها التصدي لكل ما هو جديد ومعاصر ، بحجة محاربة البدع والمروق ولو كان ذلك ابداعا وفنا من ابسط شروطه التفتح ، او كانت الوثوقية التى تصر على تفسير معنى الحياة ومسيرة الكون ولا تجد غضاضة من اعتبار كل ما تراه هو الصواب وكل ما عداه باطل ، ولا تستكف ان تفرض موقفها هذا بكل الوسائل على خلفية ان الناس كثيراً ما يساقون الى الجنة بالسلاسل ودونما انتباه للحقيقة المرعبة التى تؤكد ان السلاسل لا تقود الا الى الجحيم وان هذا الجحيم حين تستعر نيرانه لابد ان يطال الاطراف كافة ذلك ان مثل هذه الثقافة لا سلطة لها على الوجدان وان تهيأت لها السطوة والحضور القوى في مختلف ادوات التبليغ ، ثقافة ربما حظى العاملون في حقلها بالعطاء السخي والاهتمام المفرح والرعاية السارة غير ان بؤسها الحقيقي يكمن في عجزها وبالاحرى عجز المنتجين لها عن الظفر بالحد الادنى باحترام المتلقى ، ثقافة تابعة لاتأثير لها في نفوس القطاعات العريضة التى تمثل المصدر الاول ، حين تكون هذه الثقافة حقيقية ونابعة من معدنها الحقيقي .

ولما كان الهدف الاول من كل عملية ابداعية وبالاحرى ثقافية ، هو ان يكون لها سلطانها ومن ثم فعلها في عملية التغيير المستهدف باتجاه الافضل بالطبع ، الامر الذي لا يتأتي مع مثل هذه الممارسة غير الجيدة فستكون المحصلة النهائية لمثل هذا النشاط الثقافي انما هو ذلك المندرج في قائمة ثقافة السلطة في حين يكون الخيار الصحيح والموقف المبدئي وعبر مسيرة ، التاريخ الطويلة هو ان تكتسب الثقافة سلطتها وان تصنع هيبتها التى لا تمنح ابدا بقدر ما تنتزع باستمرار .

قبل ان يبادر احد من المتسرعين برفع اصبعه مشيرا الى ان مثل هذا القول يصدر عن نظرة تجريدية واسلوب قوامه الاثارة من حيث الرهان على معاداة السلطة لمجرد العداء وان الثقافة التى تكتسب سلطتها وتحقق حضورها بهذا الاسلوب قد استفادت من المعارك وليس من الادراك الحقيقي لطبيعة هذه المعركة ودوافعها ، وان موقفها هذا وبالذات حين تكون السلطة وطنية انما يصب في مصلحة الاتجاهات الرجعية وتلك التى تبنت معاداة التقدم ،ولصاحب او اصحاب هذا التفسير نقول ان الامر ليس كذلك ابدا ، فالسلطة الوطنية وبالاحرى الدولة غير الاجهزة التنفيذية ، والدولة او الدول التقدمية التى تتصدى للقضايا الكبرى وتنهض بالمهام التاريخيةة التى تحظى بتجاوب الجماهير العريضة لا تنفذ سياستها هذه بأجهزة معصومة من الاخطاء , منزهة عن التجاوز ، كما ان المبادئ الجميلة والاهداف الكبيرة في مقدمة ما يوفر المناخ الملائم للتجاوز وسوء التنفيذ ، وربما نقول تصفية الحسابات ، وذلك عندما تستغل الافكار في غير مواقعها ان لم نقل بعيداً عن المستهدف من ورائها ، ومادامت الثقافة الحقيقية تمثل ضمير الامة والمثقف هو العين البصيرة لمثل هذا الضمير ، فان الخلاف مع هذه السلطة في جوانبها التنفيذية كثيراً ما يغدو شرطا من شروط هذه الثقافة واكتسابها المعنى الحقيقي رهان على المستقبل ورفض لكل اشكال السكونية وانواع الجمود ، وبالتالي فان خطابها لابد ان ينأى عن التنزيه المجاني ، ذلك ان اهمية الكلمة المكتوبة من الفعل الثقافي تكمن في هذه الخاصية ، حيث السمو بالكلمة عن ان تكون سلعة تباع في سوق النخاسة .

اذا كانت وسائل الاعلام العربية ، وما اكثرها ، تفتح الابواب على ما هي عليه من الاتساع لكل انتاج يروج لثقافة السلطة كما ان السائرين في هذا الدرب غير المستحب يشكلون قوة لا يستهان بها وكثيرا ما تكون اكثر تنظيما من غيرها ومستوى التنسيق في ما بينها ادق من ان يلمس بسهولة ، فان ذلك لا يمنع من وجود البديل في الكثير من الاقطار العربية ان لم نقل في كل هذه الاقطار، البديل الذي يصر على قول وبالاحرى ممارسة الفعل الثقافي الذي لا يسير في هذا الاتجاه وذلك بالرغم من المصاعب الجمة والعراقيل اللامتناهية ، من اجل ان تنتصر سلطة الثقافة بدلا من ثقافة السلطة .. سلطة تعرف متى وكيف تحجم عن كل ما يضعف سلطة الثقافة ولو بالصمت ، والصمت لغة لا يدرك بلاغتها سوى القلة من عباد الله .

_____________________________

موقع الكاتب والاديب : أمين مازن

  www.aminmazen.com © 2019 - 2008

طرابلس - ليبيا

Tel 0913245901