محاضرة

محاضرة هوامش على الوحدة الوطنية

التقديم للأستاذ عزّام علي الديب

أُسعدتم مساءً..

لا شك في أنه من دواعي الإعتزاز أن أتولى تقديم قامة عالية من قامات هذا الوطن - الأستاذ أمين مازن.

عرفت أمين مازن منذ سنوات عديدة، و في بداية الألفية قرأت الأجزاء الثلاثة من كتابه  "مسارب".. الجزء الأول و الثاني كانا هدية كريمة منه، و الجزء الثالث -الذي طُبع في وقتٍ لاحق- إشتريته من إحدى المكتبات.

كنت متابعاً لما كان يكتبه الأستاذ أمين باستمرار في الصحف الليبية بمعزل عن أجندتها و الجهات التي تقف وراءها، و كانت كتاباته تعبيراً عن هموم الوطن و سعياً لحل مشاكله، و كان طابعها المتميز يتمثل في الصدق و الصراحة.

و عندما ضاقت به السبل، و عمَّ الجدب الصحفي بلادنا، لم يجد أمين مازن مكاناً لنشر مقالاته سوى موقعه الإلكتروني "علامات" الذي إحتفلنا هذا العام بمرور عشر سنوات على تأسيسه، فواضب على نشر مقالاته في هذا الموقع، تغطي العديد من المجالات العربية و المحلية و تحضى بالإهتمام و المتابعة من الكثيرين.

و في آخر إطلالة قمت بها على هذا الموقع المتميز وجدتُ الكلمة التي ألقاها الأستاذ أمين  في الندوة التي أُقيمت قبل أيام حول كتاب للشاعر الراحل محمد الفقيه صالح، و كنت من بين الحاضرين فيها، كما وجدتُ مقاله الأخير الذي تناول فيه إستقالة رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري بالتحليل و الربط بينها و بين أحداث مرت بها الأمة العربية في تاريخها المعاصر.

الموقع بشكل عام زاخر بالكثير من المواد و المقالات الجديرة بالقراءة.

يحتاج سرد السيرة الذاتية للأستاذ أمين مازن و تتبع مساره الأدبي و الوظيفي للكثير من الوقت، و لكي لا أتأخر في تسليم الميكروفون إليه سأستعرض بعض ملامحها بإختصار:

ولد الأستاذ أمين المختار مازن سنة 1937 بمدينة هون التي أنجبت العديد من فرسان الكلمة : المهدي كاجيجي و رشاد الهوني و محمد عبد المطلب و السنوسي حبيب و غيرهم، و قد حمل إسم عمه الشهيد الأمين أحمد مازن الذي إستشهد برصاص الغزاة الإيطاليين في معركة قارة عافية سنة 1928، و تلقى تعليمه الأولي بالمدارس القرآنية بهون.

شغل وظائف متعددة من بينها:

*رئيس رابطة الأدباء و الكتاب الليبيين

*نائب رئيس إتحاد الكتاب العرب.

*رئيس تحرير مجلة الكاتب العربي

*رئيس مجلس إدارة الدار العربية للكتاب.

و كما تلاحظون فإن وظائفه لا تخرج عن نطاق الأدب و الكتابة.

من بين مؤلفاته:

*مسارب "ثلاثة أجزاء"

*المولد.

*الزوايا المتداخلة

*دفء الكلمات

*حبال السفن المقلعة

*الشعر شهادة

*كلام في القصة.

أعتذرعن الإطالة، و أترك الميكروفون للأستاذ أمين مازن لتقديم محاضرته التي تحمل عنوان "هوامش على الوحدة الوطنية".عزام الديب

_______________________________


هوامش على الوحدة الوطنية

محاضرة

أمين مازن

أُلقيت يوم 12-11-2017


بسم الله أبدأ، و عليه أتوكل، و منه أستمد العون و التوفيق، أحمده جلّت قدرته أن سخّر لي تلبية هذه الدعوة الكريمة، و المثول أمام هذا الجمع الكريم، و أُحييكم جميعاً و أشكر لكم تفضلكم بالحضور راجياً أن يكون لقاؤنا هذا على الخير، و حوارنا لوجهه الكريم، و اسمحوا لي أن أخص بالشكر المهندس عبد الرحيم على تفضله بإحتضان هذا النوع من اللقاءات، و الذي يُحي من خلاله تقليداً من التقاليد التاريخية التي طالما حرص على إقامتها عدد من مشاهير السلف، عندما إتخذوا من بيوتهم فضاءات للقاء ذوي الرأي و الخبرة من رجال الأدب و السياسة، ممن تزينت بهم المجالس و كوَّنوا نوعاً من القوة الناعمة التي تُسرَّب من خلالها الآراء و تُوجَّه النصائح حول ما يشغل الناس و يطال الحياة، على حقيقة أن الإنشغال بالشأن العام و التحرك نحو إغناء ثقافة الحوار، و جمع شمل المنتسبين لحقول المعرفة، يفوق عند التقييم المنصف ما عداه من شئون الحياة الدنيا بمن في ذلك أصحاب الإختصاص أنفسهم، و لا أكتمكم سراً أنني كنت شديد القلق بشأن المشاركة في هذا اللقاء كمُتكلم أول، إن صح التعبير منذ أن تيسر لي حضور حلقاته الأولى عندما وقّته بموعد محدد كل شهر، و كنت قد توصلت بالدعوة إليه قبل الشروع في تنفيذه عندما نقل لي عزم الدكتور عبد الرحيم على إحتضان مثل هذه اللقاءات أحد إخوتي "محمد" الذي إلتقاه عبد الرحيم بمقر عمله سفارتنا بالجزائر أثناء مرور عبد الرحيم من هناك، فقد كنت شديد الخوف من أن ألتزم بالمشاركة ثم يحدث ما يضطرني لمغادرة طرابلس وفاءً لضغط بعض الواجبات الأسرية، فأقترف جريرة الإخلال بالإلتزام من ناحية، و أُحرَم من شرف الوقوف أمام هذا الجمع من ناحية أخرى، أما و قد منَّ الله بتوفيقي فجنبني ما كرهت أن أقع فيه من سوء الخلف بالعهد فأتعشّم كرم الحضور في عدم الضيق بما عساي قد أقع فيه من خطل القول، و حسبي أنني إخترت عنوان ما سأقوله في عبارة هوامش على الوحدة الوطنية، لما في كلمة هوامش من المرونة التي قد تُحقق أكثر من غرض، فهي ستعصم من إلتزامات المحاضرة بمفهومها القائم على فكرة البحث الجامع بين عرض الموضوع المقترح تعريفاً و إستشهاداً و أخيراً حلولاً مقترحة، و التي كثيراً ما نُشرت في كتب  مستقلة، على نحو ما قرأنا لأمثال أمين الخولي في اللغة، و ساطع الحصري في القومية العربية و التي حاكاها في واقعنا المرحوم خليفة التليسي في العام خمسين من القرن الماضي عندما حاضر عن الشاعر التونسي الشهير أبي القاسم الشابي في موسم رابطة المعلمين، تلك المحاضرة التي كونت في مجموعها كتاباً كاملاً ما لبث أن إرتاد به ميدان النشر في العام 57 كما جاء في مقدمته الأولى. هو فهم سيطر على جميع كتاباتي التي دأبت على نشرها في حقبة الستينيات بما أقدمت عليه من محاورة عديد المجايلين الذين عملوا على إغناء حياتنا الثقافية عبر فضاء جمعية الفكر الليبية، التي طالما طرح ما شغل الأطياف الثقافية الآخذة في الصعود، و كنت أحد الذين يخصون جهودهم بما أقدمه من مقاربات، بعضها في مجلة الإذاعة و في بابي المُعنون بشئون ثقافية و وقعته بإسمي المستعار "إبن القيم" أحياناً و بإسمي الصريح أحياناً أخرى، لتأتي بعد ذلك مرحلة جريدة الميدان لصاحبها الأستاذ فاضل المسعودي و صفحتها ليوم الأربعاء التي لا يغيب عنها مقالي الجدلي، هي مقالات كثيراً ما جنحت إلى النقد جراء الفهم المتشدد لمعنى المحاضرة. و الذي أذكر أن الصديق و الأستاذ علي عمِّيش بنزعته الرامية إلى البناء، صارحني بقوله: "لو توسّع ما تكتبه بعض الشيء يصلح أن يكون محاضرة تُسهِم بها في توسيع الدائرة أجدى من المعارضة"، هي نصيحة أعترف أنني لم أُقدر قيمتها في وقتها، حتى إذا ما جمعنا تنظيم الأدباء و الكتاب إتحاداً ثم رابطة، و بالذات في تسعينيات القرن الماضي حين طرحت فكرة الحوار غير المؤدلج بواسطة مواسم المحاضرات، فتبنيت من موقعي فكرة أن تكون المحاضرات مكتوبة و جاهزة للنشر في مطبوعات المؤسسة، لولا أن أبرز المساهمين معنا و أكثرهم عطاءً الدكتور علي فهمي خشيم رحمه الله إنبرى لتصحيح مفهوم المحاضرة، فحددها في مجموعة من النقاط يدونها المحاضر و يتوسع فيها نقطة بعد أخرى ليوحد بينها مجتمعة و يلقى ما لديه من الأضواء، فيتحقق التفتح الذي يستدعي تفاعل الحضور ليضيفوا ما يرون وجوب إضافته، و بالمقابل تصحيح ما ينبغي تصحيحه، ليتحقق من ذلك كله الجو الذي تصنعه وسائل الإعلام المكتوبة و الأخرى المصورة و مراكز البحث المختصة بما تقترحه على المختصين الذين يعبُرون بالواقع الثقافي و مثله الحياتي نحو ما يطمحون إليه من التقدم المنشود، فما كان مني إلا أن أقبلت على إعتناق هذا المفهوم و العمل به حين صرت شديد الحماس للندوات بدل المحاضرات، و التحمس في الحالتين للإيجاز بدل الإطناب. و تحبيذ فكرة المتابعة على أعمدة الصحف حين كانت الصحف منتظمة و الإسهام بها مجدياً و متاحاً. و هو نفس المسلك الذي إنتهجته و أنا أعول على التواصل بشبكة التواصل الدولية، إن من خلال الموقع الذي أسسته منذ سنواتٍ عشر أو صفحة الفيس بوك التي أتبعتُها بعد ذلك و مثلها التويتر و ما تكفل به بعد ذلك من ضمان مائات القرّاء و ربما ألافهم ممن داوموا بالمتابعة و لم يبخلوا في أحيان كثيرة بتدوين ما لديهم من الملاحظات البناءة و الإضافات المفيدة مما لم نبخل بإثباته من مقاربات كثيراً ما إنبعثت مما يُطرَح في واقعنا من قضايا ليس خارجها ما يلقيه عديد المحاضرين بهذا الفضاء مرة و المعقبون مرات، فضلاً عما يحرص على تذكيرنا به الدكتور عبد الرحيم في تقديمه الذي يحرص فيه على التوكيد بأن لقاءاته بعيدة عن التجاذبات المختلفة و الأغراض الخاصة لأنها لقاءات الوحدة الوطنية و التي يرى أنها تعرضت لأكثر من تهديد و تحتاج لأكثر من جهد لصد هذا التهديد، فلا نملك إلا أن نُكبر له حسن صنيعه و صادق إخلاصه و جيد إصراره. بيد أننا لا نتردد في مصارحته عن إستحالة تحقق ما يقول و بالأحرى جدوى ما يقول، ذلك أن الأصل في الحياة أن يختلف الناس حول مختلف شئونهم أو شئون دنياهم، لأن من حمل الرسالة الإلهية قبل ألف و أربعمائة سنة قال لهم ضمن ما قال إنهم أعلم بشئون دنياهم هذه، و حضَّهم على مراعاة المصلحة و دفع الضرر عند النظر في الحكم أما المرجعية فقد تكفّل بها النص الخالد "وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ"  و يتحدد أسلوب الإختلاف "ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ" و من ثم فإن الإبتعاد عن الموقف هو موقف بحد ذاته، و حين تلتئم لقاءاتنا للوحدة الوطنية، فنحن نحتاج لتحديد مفهوم هذه الوحدة و ماذا نقصد بها، و هل هي الوحدة السياسية التي يراها البعض في سلطة واحدة و عاصمة واحدة، و تحميها أذرع قوية تحيلها إلى موضوع مقدس، يجوز و قد نقول يجب أن يُضرب بقوة كل من يلمسها بسوء، و أن يكون تقدير هذا السوء بواسطة قوانين مُسيّسة كثيراً ما توقع العقوبة قبل التحقيق بشأنها، أم الوحدة الأخرى التي يرى فيها المواطن مصلحته و يعيشها في وجدانه و يمكنه من خلالها أن يُخاطَب كإنسان و يُبصَّر بالصواب كبشر و ليس بمنطق الإنقياد للجنة بسلاسل، و هي قبل هذا لا بد أن تتبنى من رموز تكتسب مكانتها من الصدق في المعاملة و التواضع في العشرة و الأمانة في المسئولية، و مثل هذا الحوار لا بد أن يثير الخلاف و لا بد أن يتطلب التمكين له عند الناس، و ما من سبيل لتنظيم الناس و تأييدهم في غيبة العصبية القبلية و التوافقية السياسية و ربما العوامل الجهوية المترتبة على النشأة و الجيرة و العلاقات الإنسانية و ما يدخل بينها من المصالح المتبادلة أي أن الكلام المجرد من المؤثر الحياتي، فالإنحياز و الحالة هذه من صميم الفطرة، و ما النظم التي جاءت بها الحضارة إلا التهذيب المتحدث لهذه الفطرة و الخروج بها من تعصب أعمى و إنحياز غشيم إلى تشاور و تناصح و محاولة لتوظيف هذه الفطرة في ما يفيد الناس و يخفف من غلوهم و ينآى بها عن أن تتجه لما يهدم كل ما أنجزه الإنسان و في مقدمة هذا المنجز النشاط الحزبي الذي عرفه الواقع السياسي الليبي منذ أواخر العهد التركي و كان له دوره في تحديث المجتمع الليبي و زرع بذور الحضارة فيه، كما أن كل ضيقٍ به أو تضييقٍ عليه من قبل أصحاب السلطة إنما كان مردّه إلى الضيق من الرأي الآخر، ليس غير، و بالأحرى تحصين القرارات المتعلقة بتدبير شئون الناس من ملاحظات النابهين منهم على وجه التحديد ممن يمثل عدم الإنصات لهم بداية التعثر بامتياز، و لقد كانت مسألة الوحدة الوطنية أو إستحقاقها كما هو المصطلح الشائع، قد مُنيت بالكثير من دواعي الإخفاق منذ الإقتران بها جنباً إلى جنب مع مطلب الإستقلال، إذ لم يتفطن عديد المتحمسين لها و في طرابلس تحديداً لما في الإصرار عليها من تهديد لمصالح بقية أجزاء الوطن، إبتداءً من بنغازي التي شهدت و بالأحرى تعرضت للكثير من أهوال الحرب، جراء الإصطدام بين قوات الحلفاء الغازية أو المحررة حسب تعبير تلك الأيام و التي جاءت من الأراضي المصرية، لتتصدى لها من الأراضي الليبية قوات المحور الألماني الإيطالي، عندما توغل رومل الألماني في الأراضي المصرية و راهنت عليه حينها بعض الزعامات المصرية لتقابلها من هناك قوات الإنجليز بقيادة مونتوقمري من تراب مصر الذي جعل الخسائر تتجاوز البشر إلى الحجر فتمثل ذلك في هدم الكثير من المباني مما جعل العناصر الواعية و المؤثرة تستبعد حصول برقة على أي قسط من العمران فيما إذا فقدت الكيان الذي ضفرت به على يد جراتسياني، ذلك الجنرال الذي  بقدر ما إرتكب من المظالم إلا أنه أفلح في إنجاز مجموعة من المنشآت التي أعطت بنغازي الكثير من شروط المدينة التي تتكفل بإستمرارنموها ما لم تفقد صفة المركز، فوجب على كل فطن أن يحذر من إنعدام كل ما من شأنه التفريط في إستمرار العمران و الذي لا سبيل له سوى بقاء برقة كإقليم و ليس مجرد مقاطعة تابعة لطرابلس و التي وجد بها يومئذ من يفاخر بعدد السكان و موارد المواني في الكيان الوليد و هو على ما هو عليه من الفقر المدقع في كل شيء، و يفاخر أبرز قياداته بالعدد و الأهلية التي هي من ميزات طرابلس، في الوقت الذي يعرف الجميع أن بريطانيا التي تمكنت من هزيمة إيطاليا في ليبيا أواخر العام 42 و عندما دخلتها قوات مونتوقمري لتهزم رومل و حليفه الجزار جراتسياني و كانت مرفوقة بالفيلق الذي شكله في مصر الأمير إدريس ليساهم في الحرب و يسجل شراكة في التحرير، حتى أن تاريخ إنطلاق الفيلق في التاسع عشر من أغسطس أُعتبر عيد الجيش، بل لقد أذاع إيدن تصريحه الشهير في مجلس العموم البريطاني بأن برقة أو السنوسية لن يعودوا لحكم إيطاليا مرة أخرى و هو ما حدا بسلطات بنغازي إلى ممارسة الكثير من الأنشطة الدالة على إستشعار الحكم الذاتي كالدراسة الليلية و إنبعاث جمعية عمر المختار بعكس طرابلس التي بقت أكثر تهيباً إزاء أي مبادرة من المبادرات، و بالجملة فإن نداء الوحدة كان أقل جماهيرية بإعتباره نداء المدن و لا سيما تلك التي أدركت بعض طلائعها سلامة الحكم الجمهوري دون أن تدرك حجم الصعوبات، كما أدركها يومئذ الوطني الكبير الأستاذ مصطفى بن عامر الذي لم يكتف من الموقف التاريخي للسيد البشير السعداوي بتبنيه لمبايعة الأمير إدريس ملكاً حتى لا تمض برقة نحو مشروعها المتطلع للإنفراد بالمصير، و إنما دعاه لمزيد من المرونة عندما خاطبه على الصحافة بقوله الشهير "يا سيادة الزعيم إدفع بالتي هي أحسن"، بمعنى إقبل بالنظام الإتحادي عسى أن تستلم الحكم فتمتلك القرار و سيكون أداؤك أفضل من سواك، و لكن الزعيم السعداوي عوَّل على قوة شعبيته فلم يعبأ بالنصيحة و ذهب إلى أكثر م ذلك فطلب من رفاقه في المؤتمر عدم الدخول إلى الإنتخابات عندما قُسمت الدوائر إلى ريفية و مدنية و بات واضحاً أن النزاهة لن تتجاوز المدن، و يومها أعرضت مدينة طرابلس عن الأخذ برأي الزعيم فخاض رجالها الإنتخابات، فيتقدم مرشحو المؤتمر قائمة الناجحين و يستلم في وقتٍ لاحق السيدان عبد الرحمن القلهود و مصطفى السراج حقيبتين وزاريتين كما فصّل السراج في كتاب عمره، و على كل حال  فلم تكد حقبة الخمسينيات تأذن بالأفول حتى كان الشروع في التنقيب عن البترول قد أحدث جملة من المتغيرات التي حركت الحياة الإقتصادية، و أحدثت من ثم جملة من الأنشطة الخدمية التي صارت تستقطب أعداداً غير قليلة من المواطنين الباحثين عن العمل بل و تتيح فرص أوسع إقتضت الإستعانة بأعداد كبيرة من غير الليبيين، ليس فقط من ذوي الخبرات الكبرى و إنما المساعدة أيضاً، فإنعكس ذلك كله على الحياة الإقتصاية التي غدت أكثر إغراء للعمل و أدعى إلى تغيير حياة الناس و أنماط سلوكهم، غير أن الحس القومي تضاعف أكثر من ذي قبل، و التجاوب مع ما إحتدم في الوطن العربي من صراع مع الوجود الإستعماري فاق ما عداه من الإهتمام و المواقف أيضاً، و قد كوَّن النشاط النقابي الذي إتسع أكثر من غيره فضاءً خصباً للأفكار السياسية التي خلطت بين الشروع في العمل إلى جانب التظاهر، مما جعل الضخ في إتجاه النقد السلبي و التأيُّس من أي جهد رسمي أكثر إستيلاء على الأجيال الجديدة التي أخذت تتنامى في شيء من الإنفصال عن كل جهد بنَّاء ساهمت به الأجيال الرائدة بشأن الوطن و مؤسساته و ملامح شخصيته، إنها البيئة التي طالت ضمن ما طالت المؤسستين الأمنية و العسكرية، الأولى بعدائها لكل حراك مدني و لا سيما الطلابي و أكبر منه النقابي، و الثانية بتبني السخط العام و عدم الثقة في أي مشروع تنظيمي يسعى إلى رفع وعي هذه المجموعات التي صار عددها يزداد و لكن في ولاء مخجل لكل ما هو غير ليبي جراء تأثير التناول السطحي الذي يرى أن الموقف الأصوب هو ذلك الذي يرفض كل ما يجري داخل البلاد جملةً و تفصيلاً، هو توجه بدأ بإعتبار تأسيس الجامعة الليبية مجرد حرص على عزل طلبة ليبيا من التفاعل مع ما يجري بمصر لأن الجامعة الليبية المنتظرة ستكون تحت التأثير الأمريكي، كأن القومية العربية التي رأينا فيها طوق النجاة لم تزدهر إلا في الجامعة الأمريكية ببيروت، على أن أكثر المؤشرات على قوة هذا التوجه، هو ما شهدته طرابلس على وجه التحديد من أحداث جسيمة و حرائق مدمرة في حرب 67، حين ثبت بما لا يدع مجالاً للشك حجم الإنفصال المريع الذي تعانيه السلطة أمام غضب الناس و قوة إنجذابهم للخارج و إستعدادهم المجاني  لتبني أي تحرّك و التجاوب مع أي صوت مع أن أكثر من سبعين في المائة  منهم يعيشون على إنفاق الدولة مرتبات و خدمات و أخيراً "حجّاً أيضاً". لقد ثبت في تلك الأيام حجم الإنفصال المريع الذي تعانيه السلطة أمام غضب الناس و إنجذابهم للخارج و إستعدادهم من ثم للتعاطي مع أي تحرّك هدَّام. و كان أن إختلفت المواقف تجاه حركة العراء هذه و التي كان أضعف الأطراف فيها هو الطرف الوطني الذي يفترض أن تكون الوحدة الوطنية على رأس أولوياته، فإذا به يوليها الأدبار، و إذا بالأخرين الذين لهم مصالحهم و حرصهم على ضمانها يبحثون عن أساليب أخرى لفهم ما يجري في الأعماق، و ما يمكن أن يطفح لاحقاً و ربما يعصف بالبناء من الأساس و هو ما تأكد في سبتمبر 69 عندما تهاوى النظام على نحوٍ فاق كل الحسابات اللهم إلا من خبر أسرار العهد من الداخل و أدرك ما هو عليه من الهشاشة و التهيؤ للسقوط أمام أي ضربة من الضربات التي قد يُقدِم عليها مغامر من المغامرين الذين لا تقف أمامهم أو في طريقهم القوى الأكبر..!، عندما إستيقظ الناس على ذلك الصوت الذي لا يخلو من التشنج معلناً لهم نهاية عهد سادهم لما يقرب عقدين "ثمانية عشر سنة عقب إعلان الإستقلال و سنتين عقب قرار الأمم المتحدة بأحقية الإستقلال و الدخول في الخطوات التحضيرية له، ليأتي عهد إتخذ ما لا حصر له من الإجراءات اللهم إلا ما يتعلق بترسيخ الوحدة الوطنية، بوصفها الإستحقاق الأهم و الأجدر بالخطوات التي تجعلها قيد التنفيذ، و هو ما لم يحدث، فكانت نتيجة ذلك الخروج غير المسؤول تأييداً لما حدث، بحيث لم يعزف عن المسارعة بالتأييد و حتى الإحتفاء سوى فصيل  وطني واحد، هو الفصيل البعثي و الذي تأكد لاحقاً أن الرجل الذي قاد العهد أربعة عقود كاملة طرق باب ذلك التنظيم و لم يضموه لصفوفهم كما رويت شخصياً عن المرحوم الأستاذ عامر الدغيّس في آخر لقاء لي معه قبل إعتقاله بأقل من أسبوع قبل تسليم جثته لأهله مرفوقة بتقرير الطبيب الشرعي الذي حدد سبب الموت في الشنق،  لقد كانت هذه المعطيات غير خافية على عهد سبتمبر ، فقد أدركها و أدرك غيرها الكثير، و كان من المفروض أن يذهب إلى السياسات التي تتكفل بسد النقص و الإستفادة من الفراغ بالذهاب إلى مشروع يكسب ثقة الجميع و يستفيد من تجارب التاريخ و ضرورات الواقع التي تفرض التسامح و توحيد الصفوف و الإنصراف إلى المستقبل، خاصة و أن ما منَّ به الله من خيرات قد صار يؤتي أُكله و يجود بآثاره، لولا أن الخيار الوطني كان آخر ما يشغل أولي الأمر الجدد حين فاخروا بأن كلمة السر ليلة تحركهم إنطلقت من الشعار القومي، و أن الوحدة الوطنية  تمثل آخر خياراتهم، بل ان الخبرة العربية التي قرروا الإستعانة بها و بادرت بالإعتراف و رفع شعار حمايتهم ما لبثت أن أعدت ضمن ما أعدت بعض المقالات التي تحدثت عن الوحدة الوطنية، و تبين من خلالها أن الهدف هو معرفة الذين سيتجاوبون معها في الجيش، و يومئذ طرح أحد خصوم هذا التوجه انه لن يتردد في التضحية بمليون ليبي إن كان ذلك سيوحد العرب، و هكذا وُلد جنون العظمة و إختفى كل صوت يدعو للوحدة الوطنية لسنين طويلة، و لو كان صاحب هذا التوجه في الصفوف الأولى، نعم لقد أنتجت سياسة القفز إلى الأمام هذه بما أعلته من شأن التوجه القومي على حساب الأساس الوطني ضمور القوى الوطنية القادرة و التي كانت من شروط إنبعاث العهد الجديد على أساس سليم لو أدرك هو أن يستوعبها و يحشدها في مشروع يحقق له أو يضمن بالأصح فاعلية ما طمح إليه من دور قومي لم يكن في حقيقته سوى الحرص على ضمان الإستقرار السلطوي، و كان أن أفلح المكون الديماغوجي في دفعه إلى سياسة التقلّب ذات اليمين و ذات اليسار من قاعدة أن لا سلامة من الناس أكثر من شغلهم و حرمانهم من أي إستقرار، و قد تم للعهد ما أراد بدون شك و لكن دون أي تجذّر حقيقي داخل الأرض، خاصة و أن مبدأ تمزيق النسيج الإجتماعي و التنظيم الإداري لم يختفيا يوماً، و مع الطعن المستمر في فكرة التمثيل و تكرار الإدانة للحزبية، فقد ظلّت حركة اللجان حزباً مسلحاً و ظل مؤتمر الشعب العام يمثل النظير لكل مجالس العالم النيابية و ما في حكمها، و عندما أُتيحت الفرصة للدعوة إلى تلك الصيغة كي تقدم تمثيلاً لا تدجيل فيه كما تمت المجاهرة في حينها، عولج التوجه باعتبار النقابات ليس لها حين تدعى لعقد مؤتمراتها سوى أن تناقش قضايا المهنة لأن القضايا العامة من إختصاص المؤتمرات، لكن الأمناء يُدعون لجلسة مؤتمر الشعب العام للمشاركة في الهتاف، و ما ذلك إلا لأن الحذر من رأي النخبة دائماً هو سيد الموقف، و قد إنعكس ذلك كله على تجنب كل حديث يتعلق بالوحدة الوطنية، اللهم إلا ما أمكن تسريبه في التسعينات عبر بعض الندوات، من مفردات حق الإختلاف و توسيع دائرة المشاركة و التغيير الإجتماعي، و هي أيضاً لم تسلم من المتربصين، أولئك الذين حرصوا على إعتبار النص القائل أنصر أخاك ظالماً أو مظلوماً بالتأييد المطلق و ليس النصح في مرحلة من المراحل، و لا شك أن ذلك هو ما برر في وقتٍ لاحق قبولنا بالتدخل الأجنبي و الجهر بذلك في منتديات كلفتنا على الصعيد الشخصي خسارة الكثير من أصدقائنا في أقطار عربية كثيرة، و لسنا نادمين على كل حال، إذ لم يكن لنا من هدف سوى أن يطل عهد يسمح بالحد الأدنى من الحوار و مثل ذلك العيش، و يكفي أننا عندما بادروا بأخذ تعويضاتهم على فترات السجن و ثمة من كرر إستحقاقه، فضلنا التريّث إلى أن أتوا على كل المرصود و وصلوا إلى العبث بالمدخرات و نظل مصرين على المشاركة و على الإدلاء بما يتيسر، و حسبنا متابعة أمثال الأخ عبد الرحيم الذي لولا عشمه و إستقامة سلوكه لما تكلفنا ما يتجاوز شبكة المعلومات، فما أكثر الذين يرفعون شعار الوحدة الوطنية و الإدارية لضمان سطوتهم و إخفاء مناطيقتهم و نزعاتهم الثأرية و بواعثهم الآيديولوجية، إلا أننا و كما أشرنا قبل قليل  نستبعد أن يكون للكلام المجرد أي دور يذكر، فالوحدة الوطنية تحتاج إلى تجمع يعمل لها و يسعى إلى إمتلاك القرار للتمكين لها و صونها من المغالطة و تحويلها إلى قميص عثمان، كما أن سوء تطبيق العمل الجمعي نقابياً كان أم جزبياً يعني الإستغناء عن الأسلوب، فالتطبيق الخاطئ لا ينال من الأفكار السليمة، و حسبنا أن ننظر للصين أين هي و روسيا أين هي، و من هنا فإن الدعوة إلى الوحدة الوطنية لا سبيل لتفعيلها من دون بشر يعملون لها و يذودون عنها في وسائل الإعلام المستلبة و الصحافة المعطّلة و المجتمع المدني الذي سُرق منذ الأسابيع الأولى التي تلت سقوط النظام عندما إمتلأت البلاد بعشرات الوكلاء المتطلعين لتمويل أي مشروع إعلامي أو جمعوي فتم تكوين الأجسام في لمح البصر كما لو كانت جمعيات إستهلاكية بحيث لم يبق شأن إلا و له جمعيته و من ثم ندواته و ملتقياته و ما ذلك إلا لما فرضته مسوغات الصرف بحيث لا توجد منطقة من المناطق إلا و أُقيم فيها ملتقى أو إنتظمت ندوة و لم تتأخر فضائية من الفضائيات عن متابعة هذه الأنشظة التي وُصِفَت بالمهمة و اللقاءات الأكثر أهمية..! و إختلاف السُلط رحمة لو شئنا تحريف الأقوال المأثورة, و يكفي أن نتوقف أمام ما تناقلته الأخبار عن تواصل عدد من الأدباء مع المندوب غسان سلامة تحت مسمى الحراك الأدبي الداعم لجهود التسوية أو أي مصطلح من هذه المصطلحات، مستغلين غياب التنظيم النقابي للأدباء و الكتاب و عبارة المجتمع المدني التي أُلحقت بقطاع الثقافة، و الذي نستبعد أن يكون له من الوقت ما يسمح  برعاية مثل هذا التواصل أو التحضير له على الوجه المطلوب و المعبر عن مجموع الأطياف الفاعلة بجدية، مما يدعو أمثال الدكتور عبد الرحيم من المشهود لهم بالبعد عن الشللية و مراكز القوة و حتى العصبيات أن يتخلوا عن زهدهم و قد نقول حيادهم فيدلوا بدلوهم بكل ما من شأنه أن يوقف التهميش و يحول دون ترك المجال للراقصين في كل عرس، لما في ذلك من الإضرار بإستحقاق الوحدة الوطنية، إذ ما من طرف إستشعر التهميش و ما في حكمه إلا و سعى لتحقيق وجوده بأي أسلوب من الأساليب التي لا تؤسس للوحدة الوطنية، و تفرض على كل ذي رأي مسئول أن يجهر بما يرى و يدعو إلى وجوب المشاركة المسئولة، لأن الحياد في مثل هذه الأمور يمثل موقف لكل ما هو سلبي، على أن ذلك كله ما كان لي أن أجهر به لولا دعوتي للحديث في موضوع الوحدة الوطنية و التي لا تقبل من أمثال عبد الرحيم عقد الندوات حولها وحسب و إنما دعم الندوات و اللقاءات بحراك يتصل بمصادر القرار، ما دام هذا الحراك لا يصدر عن طموح شخصي من رجل قُدِّر له أن يتسنّم أكثر المواقع جاذبية في ظروف أكثر ملاءمة و لم يتشبّث بالمكان.

أختم فأشكر للأستاذ عزام الديب تفضّله بتقديمي و الجلوس بجانبي و أشكر لكم معشر الأفاضل حضوركم و حسن إصغائكم، و أعتذر عن أي قصور أو تقصير، مُرحباً بأي إضافة أو تصويب، "و آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين".    إنتهى

______________________________

موقع الكاتب والاديب : أمين مازن

  www.aminmazen.com © 2019 - 2008

طرابلس - ليبيا

Tel 0913245901