مقالات مجلة لا


ونحن نعيد إدراج هذه المقالات التي نُشِرت كما هو مُثبَت عن مكان و تاريخ النشر، نتعشّم أن يُدرِك القارئ بأن الدافع لهذه الإعادة لا يعني التمسّك بما قد إعترى بعضها أو كلها من النقص، و إنما فقط لحفظها في ما تيسّر الإسهام به وفقاً للمتاح في هامش التعبير.

و للمتلقّي أن يُضيف أو يُصحح أو يترك.

______________________

الحوار الوطني سبيلنا لتجاوز كل المصاعب

" نشرت في منتصف التسعينات بمجلة لا"

أمين مازن

كان ذلك قبل أربع وعشرين سنة بتمامها وكمالها، عندما استتب الأمر للثورة الشابة، وأخذت ملامح خطها تتضح رويدا ... رويدا، في لقاء ضم عددا من الأدباء والكتاب في مبنى وكالة الأنباء الليبية "الملاصق للإذاعة الجديدة" أُعلِن أثناءه عن فتح الأبواب أمام كل العناصر القادرة لتبدع وتكتب وتسهم في رسم الخطوط العريضة لملامح الغد .

لم يكن ثمة شيء مرتباً ولا قوائم مُعَدّة، فقط دعوة موجهة للجميع ونداء صادق وملح أيضاً لا يخرج عن أول بيان أذيع من الإذاعة " البيان الأول للثورة" [هاتوا أيديكم ، أنسوا أحقادكم... الخ] .

كنا مجموعة من المثقفين والكتاب ممن تأكد حضورهم في الساحة الثقافية وانغمسوا بطريقة أو أخرى في الحركة الوطنية طوال فترة ما قبل الثورة، وهي فترة امتدت في حساب الزمن ثماني عشرة سنة إلا ثلاثة أشهر تباينت حولها المواقف وتعددت الإسهامات ، وتداخلت النتائج أيضاً، على أنها بالنسبة للذين ولجوا باب الكتابة موثقة وثابتة لا احد يفلت من مسئوليته فيها أو ان يدَّعي أكثر مما له إزاءها كذلك .

كان واضحا ان شعارات الثورة تتصف بالعمومية، وأن العرب الذين جاءوا من كل مكان قد يتمكنون من التأثير في مسيرة الأمور لدى الثوار الشباب ولا سيما فيما يتصل بالموقف الوطني بحيث أصبح من اليسير ان ينعت يومئذ كل من يدعو إلى الاهتمام بالواقع بأنه ذو نزعة إقليمية ، ناهيك عن القول بضرورة استفادة العنصر الوطني بخيرات أرضه أولاً، ذلك ان النبض القومي كان كبيرا للغاية، رغم ان الثورة لم تعطل أي حكم من أحكام القوانين التي تنص على أسبقية وأهلية المواطن الليبي في كل شيء .

لقد تضافرت قوى كثيرة في ذلك الزمان على الترويج لهذا المفهوم، وكان أخطرها ما أُصطُلِح على تسميته بتحديد القوى ذات المصلحة الحقيقية في الثورة والذي طرح في "ندوة الفكر الثوري" تلك التي إتخذ منها البعض وسيلة للأحكام الجائرة، حول العديد من العناصر، سواء من خلال ما أدلت به من الآراء أو من خلال صمتها في أحيان أخرى، لقد حددت يومئذ ثلاثة مصطلحات بشأن الذين لا مصلحة لهم في الثورة، لم يكن في مُكنة أي عنصر بلغ عمره الثلاثين سنة ان يفلت منها، اللهم إلا إذا كان من أولئك الذين لا اهتمام لهم بالشأن العام، ولا علاقة لهم بما يجري في الواقع، وكان هذا التصوُّر كافيا لإقصاء اكبر عدد من المواطنين القادرين على العطاء في تلك الفترة المبكرة من عمر الثورة ومن عمر المجتمع الآخذ في النمو، عندما غادر الآلاف مواقع عملهم عبر قرارات الاستيداع والإحالة على المعاش والتقاعد الاختياري، وما إلى ذلك من المؤثرات .

لقد حدث هذا مع مجموعة من الإجراءات التي تمثلت في تصفية بقايا الطليان الفاشيست والزيادة الكبيرة في أسعار النفط ورفع مخصصات التنمية إلى بلايين الدنانير الأمر الذي أدى إلى نشوء قطاع خاص قوي للغاية تمثل في المقاولات العامة والتوريد والتصدير والنشاط الخدمي مما أغرى الكثيرين بالانصراف شبه المقصود عن أية مساهمة عامة والانشغال بالنشاط الشخصي سعيا إلى الاستفادة من مردود الإنفاق الكبير من ناحية واتقاء لتهمة التهافت من ناحية أخرى .

وقد تم في ذات السياق ونتيجة لنفس التدابير ازدياد مضطرد في الجهاز الوظيفي تمثل في ترقية أعداد كبيرة من المواطنين الذين لم تكن كفاءتهم تبلغ القدر الكافي، الأمر الذي جعل الإدارة تعتمد اعتمادا لا حدود له على العنصر غير الوطني، من طبقة المستشارين الذين اعتادوا تنفيذ الأوامر وتزيين الأخطاء واقتراح الملاكات الواسعة والهيئات والمصالح المستحدثة، مما وسع دائرة التعيين بالعقود وملء الأجهزة المختلفة بالموظفين مرتفعي الرواتب، بحيث زاد الإنفاق العام وانعدمت الإنتاجية، وتكوّن في الحياة ما يمكن وصفه بالاقتصاد الطفيلي، الذي أحدث في المجتمع النامي قطاعا واسعا لا هم له سوى زيادة الاستهلاك ونشر ثقافة اقتصاد السوق، والزيادة المهولة في حجم الاستيراد وتوفير حاجات الجيران من كل السلع المستوردة بالعملة الصعبة . و قد صار مُتاحَاً لهم أن يشتروها بالعملة المحلية تللك التي أُتِيحَ لهم الحصول عليها من أقصر الطرق، إذ لم يتقيد بشروط الإقامة أو العقود

ولم يكن كل ذلك مدعاة لسرور الناس ورضائهم، بقدر ما كان جالبا لتيرمهم ، وقد تم التعبير عن ذلك عبر أشياء كثيرة كانت يومئذ وحدها المتاحة بما في ذلك التجار- أو لنقل البقالين - الذين هالهم امتلاء البلاد بأعداد ضخمة من الجاليات الأجنبية ، ولما كان النشاط الاقتصادي قد صرف الناس عن كل ما هو عام وأدى بهم إلى الإحجام عن كل مساهمة جمعية، وهو موقف سلبي واستفزازي أيضاً فإنه من ناحية أخرى دفع بالثورة إلى النظر بمرآة مكبرة لعديد الأخطاء الصغيرة التي كان من الممكن ان يغض النظر عنها لولا ان ردود الأفعال قد توالت وبلغت أوجها في آخر السبعينات والسنوات الأولى من الثمانينات، وبالتحديد عندما ألغى النشاط الخاص وأسندت كل المناشط إلى القطاع العام الذي عول في البداية على الإمكانيات المالية المتاحة ثم ما لبث ان أخذ يعجز ويعمد إلى تدبير الكثير من احتياجاته من دخول الناس العامة حتى لقد بلغ الأمر حد خفض علاوة السكن وهي جزء من الراتب وتجميد الترقيات إلى آخر ما اشتملت عليه الورقة الاقتصادية الشهيرة .

وبدلاً من ان يناقش الأمر مناقشة صريحة وتتخذ بشأنه خطوات أكثر جرأة سمح للذين أسهموا في عجز هذا القطاع ان يتكئوا على عكاز الثورة بحيث ساد في حياتنا مفهوم مفاده ان نقد ممارسات هذا القطاع وكشف مظاهر قصوره يعني العداء لمبادئ الثورة والنكوص عن خطها التقدمي، وهذه حيلة يعرفها الذين يتمكنون من التسلل بدون وجه حق إلى الثورات فيكون اعتمادهم الدائم على الإخلاص وحده، ولأن الإخلاص وحده لا معايير محددة له فإن التشويش بعدئذ هو الذي يسود.

ان الحديث عن هذه الأمور يطول وهو يحتاج في الحقيقة إلى تفاصيل كثيرة وإحصائيات ومقارنات لا يمكن ان يغطيها مقال سيار هدفه الأول تسليط الضوء وليس اقتراح الحلول والإشارة إلى بعض الأحداث وليس سردها كاملة.

على ان هذه الأمور لابد ان تستدعي إلى ذاكرتنا وتحتل حيزا كبيرا من تفكيرنا الآن ونحن ندخل السنة الخامسة والعشرين للثورة ونسهم في إعادة قراءة الواقع والتخطيط لتطويره، والعالم الذي نعيش فيه يشهد تغيرات كثيرة وتبدلات عارمة، و "الوطن العربي" الذي ننتمي إليه يواجه تحديات كبرى ونقلات خطيرة، تشمل الخيار والموقف وتتصل بالوطنية والاشتراكية وترتبط بالموقف من الرأي والرأي الآخر وما تعززه إشكاليات الاقتصاد والهيكلة وآليات النهضة والمشروع الثقافي من شروط لا مناص منها حين يراد توجيه الأُمور نحو الأجدى والأفضل، وحيث يلاحظ بوعي حجم التحدي الذي يوجه للثورة كنظام سياسي وللوطن كوجود جغرافي ، وسط عالم تحكمه المصالح والتسويات، وإعادة رسم الخرائط القديمة والاتجاه الواضح نحو التفجير وإشعال فتائل الفتن من كل جانب وعلى جميع المستويات، الأمر الذي يوجب على كل القوى الوطنية ان تنظر إلى المستقبل بمسئولية حتى إذا كانت الشروط غير متوفرة، وحتى إذا كانت المعوقات كثيرة لأن قدر العناصر الواعية لابد ان يكون هكذا وبمنأى عن أية حسابات شخصية.

صحيح ان هذه الأوضاع لم تكن قد أتت لأول مرة وإنما عرفت منذ أكثر من خمس سنوات، أعني مشكلات التعبير وقضايا الحوار بالإضافة إلى بعض التشريعات التي تم انجازها "وثيقة حقوق الإنسان" و "قانون تعزيز الحرية" وإيجاد بعض المنابر المهمة للتعبير غير ان الإيقاع كان بطيئا بعد ان طرح موضوع "الدستور" على المؤتمرات الشعبية بهدف تقنين "سلطة الشعب" ورفدها بمزيد الضوابط وتلافي ما عساه يكتنفها من غموض وتعميم .

وفي هذا السياق لا نريد ان نمالي الرأي القائل بأن الخشية من عدم تطبيق "الدستور" كفيلة بأن تسوغ عدم الإلحاح على إصداره لأن الأصل في الحياة ان تكون لكل مجتمع قواعده وتشريعاته بحيث تكون المشكلة بعد ذلك مشكلة التطبيق ولا شك ان وضع القواعد مع عدم التطبيق أفضل من عدم وجود النص على الإطلاق وأن الأمر في هذا السبيل يتصل بقواعد المجتمع الحضري من الأساس ان الذي لابد ان تنصرف إليه الأنظار وتتكاتف حوله كل الجهود، هو ضرورة استشعار الجدية القصوى تجاه هذا التوجه خاصة ان آراء كثيرة كانت تكرس الاتجاه المعاكس، ومن الصعوبة بمكان ان تتغير الأمور ما بين يوم وليلة .

نعم إن الثورة تملك القدرة الكافية لطرح كل ما تريد ، وفي أحيان كثيرة تصل إلى ذلك بسرعة تفوق الوصف ومع ذلك فلا حرج من القول ان هذا الأمر ما زال محوطا ببعض التشويش لدى عدد غير قليل من الناس لا سيما أولئك الذين لم يدركوا ما تتوفر عليه الثورة من المرونة والقدرة الفائقة على الاستيعاب والتجاوز.

إننا هنا لا نريد ان نستعرض ما تم إنجازه، ذلك ان الإنجاز من طبيعة الأشياء أما القصور والتقصير فهو الذي لابد ان ينبه إليه ويعمل على تلافيه كما ان الإنجاز ذاته يفضي في أحيان كثيرة إلى نواقص جديدة بل ان التنفيذ وحده هو الذي يحدد ما ينال الأفكار الجميلة من أثار سوء التنفيذ وتأثيراته غير الحسنة أحياناً.

لقد خشيت الثورة على سبيل المثال من سيطرة آراء النخبة وطرحت بالتالي مقولات كثيرة تدين هذا التوجه بهدف تمكين الجماهير من صنع قرارها وهي خشية جميلة من الناجية النظرية لكن - من الناحية العملية - ما فائدة القرارات المصيرية التي لا تصوغها القدرات ومتى كانت القدرات تشكل الأغلبية؟ .

إن السدود العظيمة والجسور الكبيرة لا تقام إلا بواسطة المهندسين المهرة، كما ان العمليات الجراحية الدقيقة لا تجرى إلا من قبل الأطباء النادرين والأمر نفسه ينطبق على معدلات الأداء وتخطيط الاقتصاد ومشروعات التنمية وإن التشريعات الراقية لا يتم الوصول إليها بدون جهاز إداري عظيم الكفاءة وخبراء واسعي الاطلاع وفوق هذا وذاك مناخ عام يشجع على الإبداع ويقر الاختصاص ويحترم الاجتهاد وحق الاختلاف .

إن أحداً لا يجادل في جدوى الديمقراطية المباشرة وفي فاعلية المؤتمرات الشعبية لكن الذي تختلف حوله الآراء هو أسلوب التطبيق، هو الوصول بهذه الأفكار إلى مداها، وما من سبيل إلى ذلك إلا بتشريع شامل ينظم هذه الأمور مجتمعة ويسد النقص الذي قد نعثر عليه في بعض التشريعات الأخرى وعلى الأخص في الأمور الإجرائية.

إننا نعلم حق العلم ان مقولة (البيت لساكنه) التي طبقناها منذ سنوات قد آتت أكلها بالنسبة للأسر التي كانت تسكن بالأجرة قبل عشرين سنة لكننا لا نستطيع ان نخفي حقيقة أزمة السكن الخانقة التي حذر منها الدكتور "لطفي فرحات" حين كان يتولى مسئولية تخيط الاقتصاد واقترح بناء خمسين ألف وحدة سكنية سنويا لكي يحال دونها ، ومبلغ علمنا ان أية مشاريع لم تنشأ منذ سنوات في حين ان المجتمع ينمو كل سنة، فكيف يمكن تصحيح ما اقتضاه التطبيق ما لم نعمد إلى إصدار تشريع كامل ترجع إليه كل التشريعات وكل التوجهات في إطار المراجعة المسئولة والخروج من تهمة التراجع التي قد يمنعنا كبرياؤنا من الوقوع تحت طائلتها.

إن مزيدا من الشرح والتوضيح لابد ان يتم في هذا الاتجاه كي يصار إلى طرح الأسئلة الحقيقية التي يمكن عبر الإجابة عنها الوصول إلى تَلمُّس الطريق الصحيح نحوها وتفادي عديد النواقص التي أملتها السرعة وطبيعة المرحلة وما كان يمور في الشارع العربي من صراع قبل ما يقرب من ربع قرن وما شهدته الحياة الليبية من تبدلات كثيرة وأحداث جسام يزيد من قوة تأثيرها وردة فعلها ما نواجهه من ضغوط خارجية لم يعد خافيا على أحد ما غدت تنذر به من مخاطر وأهوال، ومن أوكد واجباتنا ان نضعها نصب أعيننا، ونحن نعيد ترتيب الأمور وتحديد الأولويات ومن بينها الأخذ بفكرة "الدستور" .

ونعود إلى حيث بدأنا فنقول : ان الثورة التي دعتنا إلى العمل وإلى الانصهار في بوتقتها عندما تفجرت في مثل هذه الأيام قبل أربع وعشرين سنة مضت حفلت بالكثير من الايجابيات والسلبيات على السواء والتي تدعو اليوم مرة أخرى للمساهمة في التخطيط للمرحلة الجديدة لن يفيدها أبداً اجترار ما تم إنجازه ولن يكون مجديا لها إخفاء المشكلات الحقيقية التي نتجت عن المشروع الإنمائي الطموح والحلم الثوري الكبير .

ويبدو أننا في إطار المواجهة المسئولة، ومن واقع الرغبة في الوصول إلى صيغة مثلى لترسيخ الممارسة وتوسيع الدائرة لا نجد أسلوباً أفضل من ندوة موسعة للحوار الوطني، تكون محاورها وفق منهج ، يرى ان كل الأمور نسبية وليس ثمة من أمر يتعذر بحثه وأن ترتيب "الوطن الأصغر" سبيلنا نحو "الوطن الكبير" .

تلك وجهة نظر، أما التنفيذ فرهن الظروف والإمكانيات ومدى الجدية التي تبديها كل الأطراف ، حيث أن أمراً كهذا ليس من مسئولية طرف واحد بقدر ما هو مسئولية

الأطراف الاجتماعية كافة والقادر منها على وجه التحديد .



____________________________

إيطاليا

صعود الفاشية

أمين مازن

[[ نشرت في منتصف التسعينات بمجلة لا ]]

مرة أخرى أخذت الفاشية الإيطالية تتقدم الصفوف عبر الشكل السياسي المتبع في هذه الدولة المتوسطية، والتي كانت قبل خمسين سنة مضت تحكم بواسطة الحزب الفاشي، ذلك الحزب الذي تزعمه ديكتاتور "ايطاليا" الشهير "بنيتو موسوليني" الذي حكم "ايطاليا" منذ أوائل العشرينات وظل يقودها طوال الثلاثينات والأربعينات محققاً تفوقها الصناعي الكبير وقوتها العسكرية الضخمة، التي زينت له ان يحتل "الحبشة" وأن يمثل العالم بمثابة المنديل الذي كان يحمله بين يديه وهو يخطب في الجماهير الايطالية، دافعا لتيار التعصب والقطرسة، والسخرية من كل ما عدا الجنس الآري، الأمر الذي كان من نتيجته ان تفجرت " الحرب العالمية الثانية" وهزيمة "إيطاليا" المنكرة إلى جانب حليفتها "ألمانيا" التي كان يقودها أيضا الفهرر "هتلر" الذي أدى بسقوطه إلى انقسام "ألمانيا" بين قوات الحلفاء، وذلك الانقسام الذي لم يتم التخلص منه إلا في السنتين الأخيرتين، عند انتهاء الحرب الباردة وانهيار المنظومة الاشتراكية التي أقامها "الاتحاد السوفيتي" الشريك الرابع في قوات "الحلفاء" العسكر الذي استطاع ان يهزم "هتلر" و " بنيتو موسوليني" وأن يعيد رسم خارطة العالم وفقا لاتفاقية "يالطا" الشهيرة، ذلك التقسيم الذي سمح بتقرير مصائر الشعوب وفقا لقواعد جديدة، قواعد لم تخرج في الغالب عن مخطط أعد مسبقا، بيد أنها آذنت بمعول تطورات كبيرة، وتغييرات حاسمة بدأت تتحرك ببطء، إلا أنها حققت ما حققته في النهاية .

لقد انتهت الفاشية الايطالية في بداية الأربعينات وذلك عندما استطاعت قوات الحلفاء ان تدخل "أوروبا" وتحقق تلك النهاية مبعث سرور لكل شعوب الأرض ولا سيما الشعوب الأوروبية التي عرفت بعمق ما يمكن ان يجره الحكم الفاشي من آلام ومآسي على الشعوب، وليس فقط من حيث الممارسة السياسية الداخلية، بل – وذلك هو الأدهى من حيث النعرات المتعصبة التي تزين الفطرية والغرور وشهوة التحكم في الآخر بواسطة إلغائه أولا والعمل على إعادة تشكيله من جهة أخرى ثانيا .

وبدأت الحياة الديمقراطية بمفهومها "الليبرالي" وشرعت "إيطاليا" تعيد بناء نفسها معولة على القوى الديمقراطية التقدمية، فاستبعدت كل رغبة في الاستيلاء على الآخرين، ولن تسمح لأي محاولة استعمارية ان تتحرك بما في ذلك مشروعها الذي قاده وزير خارجيتها "سفروزا" محاولا إعادة "ليبيا" إلى السيطرة الايطالية مرة أخرى .

ولا احد في الحقيقة يستطيع ان يقلل من فاعلية هذا الأسلوب الذي أخذت به "إيطاليا" الجديدة، بالرغم من ان بعض المشاكل ظلت معلقة، أهمها في نظرنا مشكلة المفقودين الليبيين الذين لم تستطع "إيطاليا" ان تقدم بشأنهم ردا مقنعا، ولم تتخذ كذلك أي موقف ايجابي يسمح باعتباره قضيتهم في حكم المنحلة .

وكان يمكن ان تسير الأمور سيرها المعقول لو لا التطورات الخطيرة التي حصلت في الانتخابات الأخيرة التي هيأت للتيار الفاشي ان ينبعث مرة أخرى، وان يحقق الحصول على نسبة مؤثرة في " مجلس النواب" هيأت له بعد ذلك ان يظفر بثلاثة حقائب وزارية في الحكومة التي شكلها منذ أيام "سيلفيو بيرلسكوني" والمتكونة من ثمانية وعشرين مقعدا .

ان هذه النتيجة في الحقيقة ليست بالشيء البسيط ولا الخالي من الدلالة بادئ ذي بدء ، إنها قد جاءت في ذات الفترة التي احتفلت فيها "أوروبا" بدخول قوات الحلفاء التي استطاعت ان تهزم "هتلر" و "موسوليني" مما يدع إلى القول : إن هناك رأيا سياسيا في "إيطاليا" أو تيارا شعبيا يرفض مثل هذا التوجه أو أنه يسعى للرد عليه بطريقة أو بأخرى .

وتكمن الخطورة حسب تقديرنا في المواقف التي اتخذت إزاء هذه النتائج اللافتة للنظر، ففي الوقت الذي حرك انتصار الفاشيين أوساطا سياسية كثيرة، لم تخف قلقها من هذا التحرك حيث نلاحظ على الصعيد الداخلي ان اليمين الايطالي لديه تصميم على اشتراك الفاشيين، رغم انه كان يستطيع ان يكون تحالفه بمنأى عن الفاشيين، ولكن أراد ان يرسم الخريطة من الآن بهذه الكيفية، أي ان ما جرى ليس إلا مقدمة لخطوات أخرى يراد لها ان تتخذ مستقبلا .

كما نلاحظ على الصعيد الخارجي مجموعة من التحفظات اللافتة للنظر والتي وردت عبر الصحف الأوروبية، وتحدث فيها ساسة معروفون كما هو الحال بالنسبة لـ " اليونان" و "ألمانيا" و "فرنسا، أولئك الذين أقلق راحتهم هذا التحرك للعنصرين الايطاليين القدامى الذين يخطط لهم التاريخ ذكريات سيئة وآثار أكثر سواء بالنسبة للممارسة السياسية .

ومع ذلك تظهر بعض المواقف المناقضة والتي توحي أكثر فأكثر بوجود تطورات أخرى قد يأتي بها المستقبل .

وفيما بدأت الأوساط الصهيونية من الآن في استغلال الموقف الجديد حيث بادر وزير خارجية العدو الصهيوني إلى استنكار فوز الفاشيين وذلك بهدف الاستفادة من التيار الأوروبي الرافض وكسب عطفه حتى النهاية، تخرج علينا مؤسسة "الفاتيكان" مرحبة بكل ما تملك بانتهاز التيارات اليسارية الأمر الذي يعني ببساطة الترحيب بفوز الفاشيين.

أما "الولايات المتحدة الأمريكية" فإنها تنسجم مع نفسها أكثر فأكثر وذلك عندما صرح وزير خارجيتها قائلا في معرض التعليق على الانتخابات الايطالية التي سمحت للفاشيين ان يتقدموا :

[ ان ما حدث يعتبر عملية تنظيف شاملة، بصرف النظر عن القوى السياسية التي فازت، وان الحكومة الأمريكية لن تجد أي صعوبة في التعامل مع الحكومة الايطالية التي سيشكلها التحالف الفائز في هذه الانتخابات].

وهذا يعني ان "أمريكا" لا يهمها الأسلوب ولا تستوقفها الفلسفة ولكن يهمها الحفاظ على مصالحها السياسية والعسكرية في هذه المنطقة الهامة من حوض "البحر الأبيض المتوسط" .

من جهتنا كبلد ذاق مرارة الحكم الفاشي الذي كان له أسوأ الأثر على مسيرة شعبنا وتأخر نموه عند خضوع بلادنا للاحتلال الايطالي لا نستطيع ان نقابل تحرك الفاشيين بعدم الاكتراث، وذلك لما ينطوي عليه هذا الملف من صفحات سوداء وجراح لم تندمل أبدا.

نحن إذن نتوقف بمسؤولية أمام النتائج التي حققها الحزب الفاشي ونرقب بمسؤولية أيضا الظروف التي هيأت له ان يصل إلى ما وصل إليه، ولا سيما من حيث التعويل على الدعاية الإعلامية، لما في ذلك من احتمال التأثير على مختلف القضايا السياسية بما في ذلك القضايا المعلقة والملفات التي لم تقفل بعد .

ومن السذاجة ان يعتقد البعض أننا غير معنيين بما يجري في "إيطاليا" فإيطاليا دولة نرتبط معها بأخطر العلاقات، وهناك أكثر من خط للتماس معها، وبالتالي فلابد ان نلتفت إلى الأبجدية وأن نرقب الأحداث باهتمام ، فالبحر الأبيض المتوسط يضمنا جميعا والمصالح المشتركة كثيرة، والأخطار المحدقة واحدة، ورياح الشمال دائما مؤثرة، كما ان رياح الجنوب أيضا بالنسبة لهم مؤثرة على الأخرى، أولاً يمكن لهم عدم الالتفات إليها .

وحيث نقول ذلك فإننا لا نعني إعلان المواقف بقدر ما نعني ضرورة الانتباه والتحرك، وعدم ترك الأمور لتفاجئنا مستقبلا، فلعبة الانتخابات لا تتوقف أبدا ومن حصل على ثلاثة مقاعد، يستطيع ان يتجاوزها بسرعة، خاصة وان كل الظروف قد تساعد على ذلك، فماذا نحن فاعلون؟ .

سؤال ترد عليه الأيام، ولن نسكت عنه مستقبلا..




____________________________



نحو مناقشة صريحة لتجربتنا الصحفية


أمين مازن

[[ نشرت في منتصف التسعينات بمجلة لا ]]

أعود في هذا المقال إلى مناقشة موضوع تجربتنا الصحفية، هذا الموضوع الذي طرحته منذ أكثر من سنة، حين كانت مشكلات الصحافة موضع بحث ونقاش، من قبل لجنة موسعة ضمت في عضويتها عددا من الأدباء والكتاب والمنشغلين بقضايا الثقافة وتوجهات الرأي العام معروفا عنهم سعة الاطلاع واكتساب الخبرة، والممارسة الدؤوبة ، كان المطلوب يومئذ بحث موضوع المجلات الثقافية، والنظر في إمكانية إصدار صحيفة أو أكثر ذات صفة شمولية يمكنها ان تغطي الفراغ الناشئ عن غيابها في فترة سابقة والذي كان من نتيجته ان أصبح المجال متاحا أمام صحف أخرى للقيام بتوجيه الرأي العام الوجهة التي تشاء وتستطيع بواسطة بقائها منفردة في الساحة ان تستوعب كل الأقلام، ومن ثم توظفها التوظيف الذي تريد، وغالبا ما يكون ذلك على حساب مصالحنا وتوجهاتنا وطنيا وقوميا.

كانت هذه المجلة (لا) قد أسندت لتوها إلى رابطة الأدباء والكتاب بعد ان ظلت سنة وبعض السنة فاقدة لأية تبعية تحدد مسارها وتتولى مسئولية توفير أبسط حاجاتها.

وكانت بصورتها تلك أيضا وبالرغم مما نشر فيها من معالجات صحفية جادة مثار أسئلة عن هذه الصورة التي وجدت لها حتى ان بعض المشاركين في عضوية اللجنة قد أشاروا بضرورة الاعتذار عن قبول هذا التكليف خاصة ان الإمكانيات منعدمة بالكامل وان مجلة (الفصول الأربعة) التي تصدرها الرابطة متعثرة وكان ردنا على ذلك إننا سنمض في قبول هذه المسئولية وسنصدر المجلة ولو مرة في السنة والمهم ماذا يكتب في المجلة. وقد تجاوب يومئذ من تجاوب وسكت على مضض من سكت، ففي مثل هذه اللجان لا يتم كل شيء بشكل موضوعي.

وقد كان ماثلا أمامنا ان مبادرة الثورة بتكليف الأدباء والكتاب بإصدار مثل هذه المجلة لابد ان تقابل بمسؤولية، ولابد ان توضع في المنزلة التي ينبغي ان توضع فيها، فبينما تنحصر مشاركات الأدباء والكتاب في الوطن العربي في إصدار المجلات المتخصصة فقط تقوم هنا مبادرة تتيح لهؤلاء الكتاب ان يصدروا مطبوعة رأي إن الأمر ليس بهذه البساطة أبدا.

ولهذا بدأنا بتقديم خطاب أكثر تطورا وأكثر ملامسة لمشكلات الواقع لعل أهمه ان المرحلة تقتضي ان يقبل بعضنا ببعض ويتجاوز بعضنا عن بعض وأن الفضل لمن يبادر وأن الجانب الأقوى أكثر مطالبة بذلك ، حتى لقد ظن البعض ان هذا التناول لا يصدر عن اجتهاد ومبادرة لعدم اعتيادهم مثل هذا القول من قبل .

ولقد كانت لنا بعد ذلك مجموعة من المعالجات المهمة التي يمكن لمن يعنيه الأمر ان يعود إليها ويقرر بشأنها ما يرى لكن الذي نحب ان نشير إليه هنا هو المقال المتصل بتجربتنا الصحفية الذي تحدثنا فيه بإفاضة عن هذه التجربة.

وكان لصديقنا الدكتور "علي فهمي خشيم" موقفه الجاد إزاء هذه القضية حيث وضح وأضاف وحدّد وصحّح تماما مثلما بادر قبل ذلك بمناقشتنا حول القضاء والحرية المتصل بكتاب (البيان بالقرآن) فكان بموقفيه هذين مثال المثقف المسئول الذي يخرج من دائرة الأحادية الخاصة إلى المناقشة الواعية التي تثري التجربة وتوضح المفاهيم . بل انه ذهب إلى أكثر من ذلك عندما لاحظ عدم موضوعية بعض المناقشات في وقت لاحق فكان له موقف لا ينسى في اللجنة الاستشارية "للمؤسسة العامة للصحافة " كما قد نتحدث عن ذلك في مناسبة أخرى عند تحديد مواقف الرجال .

ونعود إلى موضوع اللجنة فنقول : إنها فرغت من مهمتها،  وقدمت خلاصة رأيها بضرورة ان يكون إصدار الصحيفة المطروحة للناقش مرتبطا بإعادة "المؤسسة العامة للصحافة" لأن تحديد الناشر مسألة مهمة لكل عمل  صحفي .

وكان أن بادرت "اللجنة الشعبية العامة" بمقتضى مقترح من "اللجنة الشعبية العامة للإعلام والثقافة" إلى تشكيل اللجنة الإدارية للمؤسسة واتخاذ الإجراءات اللازمة لإصدار (الشمس) ووجهت الدعوة إلى جميع الكتاب للمساهمة دونما استثناء فتجاوب مسرعا من تجاوب ولحق بعد ذلك من لحق. وثمة عدد منهم لم يتم استيعابهم بعد، وتلك مسئولية يشترك فيها أكثر من طرف .

وهكذا صدرت (الشمس) صحيفة شاملة تحت إشراف " المؤسسة العامة للصحافة" ونقلت في ذات الفترة صحيفة (الجماهيرية) للمؤسسة الوليدة كي تصدر هي الأخرى بشكل يومي وتحت إشراف المؤسسة أيضا ووفق الخطاب الصحفي المتعارف عليه . ووضعت الصحيفتان تحت تصرف الكتاب ليختاروا أبوابهم فيهما، وهناك من واصل وهناك من لم يتمكن من المواصلة، البعض له ظروفه الخاصة ، والبعض الآخر لم يجد المناخ الملائم لكن فريقا ثالثا وهو الأكثر كانت موانعه ذاتية صرفة حيث ان المرحلة تقتضي إعطاء الرأي وهو مستهلك في العمل الإعلامي وفي الكتابة التي لا لون لها ولا طعم .

وكيفما كان الحال فإن تطورا مهما قد تم في مجال الصحافة وفي أسلوب الكتابة ولغة الخطاب وليس في مقدور احد ان ينكر ذلك ، بقطع النظر عن بعض الأخطاء وبعض أوجه القصور والتقصير ، ولا سيما من حيث انعدام التقاليد الصحفية سواء من حيث تهافت المناقشات أو من حيث عدم إتباع التقاليد في الزوايا اليومية ، ناهيك عن بعض المواقع القيادية .

وقد كان هذا كله مدعاة لاهتمام المتتبعين للنشاط الصحفي والمنخرطين تحت لوائه وتحديداً من الكتاب الذين لا يكتبون من اجل التسلية بقدر ما يصدرون عن رسالة وطنية وعن موقف ثوري يصعب اكتشافه ، فكان ان طرحت فكرة الدعوة إلى ندوة (إشكاليات الصحافة) التي نظمتها أسرة تحرير المجلة وتم عقدها بقاعة "مؤتمر الشعب العام وتحت رعاية " أمانة شئون النقابات والروابط"،           و" اللجنة الشعبية العامة للإعلام والثقافة" والتي يحوى هذا العدد وقائعها وخلاصة توصياتها .

لقد كان الهدف المبتغى عند طرح مشروع إصدار صحيفة (الشمس) ان تكون لنا صحيفة تقف إلى جانب الصحف المؤثرة في مسيرة الرأي العام العربي والتي ضُرب لها مثل آنذاك (الأهرام ، الشرق الأوسط ، الحياة) وقد أسال هذا الطرح لعاب بعض الحدق فحاولوا ان ينفذ المشروع بعيدا عن الوطن، بل واقترحوا الإنجاز ذلك الملايين.

وكان هذا الطرح مضحكا للغاية، فالصحف المهاجرة لا يمكن ان تكون مثلا ، والحروف التي لا تفوح منها رائحة الأرض لا تجد طريقها إلى الوجدان، ولهذا فقد كان ردنا ان الأمر يحتاج إلى دراسة التجربة الصحفية الليبية والى تلك الصحف التي عرفت ببلادنا ذات يوم وكتبنا فيها جميعها ما كتبنا فيها جميعا     ما كتبنا والأسلوب الذي كان متبعا لتشجيعها، وهي مشروعات فردية والمستوى المعيشي الذي تحدد لأولئك الذين أصدروها، وقد كررنا ذلك في أول عدد صدر من (الشمس) حيث طرحنا مسألة الخطاب الصحفي وضرورة تغييره، وحين طرح غيرنا أيضا ذات الفكرة، لقد كان التناول مركزا وواضحا للغاية، وكان متصلا مباشرة بالموضوع ، مما أثار حفيظة بعض الذين استمرأوا أو لعبة الاستيلاء على إنتاج الآخرين ونشره حرفيا تحت غطاء لعبة المزايدة الأمر الذي لم ينطل على المسئولين في "المؤسسة " ولا " اللجنة الشعبية العامة للإعلام والثقافة" بعد ذلك ، فكانت مواقفهم الشجاعة وعدم إصغائهم لكل كلمات المداهنة التي حاولت ان تخفي حقيقة المعركة، ومحاولة التهرب من شروط المرحلة وظروفها ومتطلباتها، كما ان الهدف من الندوة هو الوقوف على إيجابيات التجربة الوليدة والمحددة في مرور سنة على صحيفة (الشمس) ولنقل "مؤسسة الصحافة" وثلاثة سنوات على       مجلة (لا) .

ان هذه الندوة قد لا تكون موفقة كل التوفيق في تنظيمها، وقد لا تخلو من بعض الأخطاء والهفوات في بعض معالجاتها، ولعلها لم تتوقف كثيرا أمام الايجابيات وربما قصرت تجاه بعض الأطراف المشاركة في الندوة، ونحق مسئولون عن ذلك كل المسئولية فالمجلة تصدرها الرابطة ونحن نتولى هذه المسئولية ، لكن الذي نحب ان يقع الانتباه إليه ان العمل – أي عمل – لن يخلو من نواقص، ولن يسلم من الهفوات ورأينا إذا أردنا ان نخلق الملاكات الصحفية فلابد ان نتحمل، أما إذا أصررنا على الكمال فهذا يعني ان ننفذ بمفردنا كل شيء وهو خيار صعب فيما نحسب .

وأرى إننا الآن وبعد هذه الفترة الزمنية في حاجة إلى التساؤل بكل الوضوح والجدية، عما إذا كنا فد أفلحنا في إصدار صحافة يمكنها ان تقف منافسة للآخرين ؟ ونستطيع القول ان هذا الأمر خطأ من أساسه لأن المنافسة غير واردة، لكن السؤال الأهم هو هل استطعنا ان نقدم عملاً يعبر عن شخصيتنا ويحمل همومنا ويرتبط ارتباطا وثيقا بواقعنا حتى لا يذهب قارئنا إلى البعيد.

وفي هذا الصدد أيضا يمكن القول ان الأمر ما يزال صعبا وليس ذلك لأن الخطأ في العاملين في الحقل الصحفي وحدهم أو أنه لنقص في قدراتهم بقدر      ما هو واقع مرير ساهمنا جميعا في خلقه . وتعاملنا معه، وضخمناه، وصرنا اليوم نضيق به، فتحت حماية المجتمع حجبنا المعلومة، وتحت شعار التوجهات رفضنا أشياء كثيرة، فالحديث عن الأشخاص نجومية، والحديث عن الوطن إقليمية، وانتقاد بعض القيادات العربية خيانة، وهكذا أصبح كل عطائنا مكررا ومعادا وصدق علينا مصطلح (ما نشاهده اليوم نقرأه غدا) .

نحن ندرك بالطبع ان الكلمة غير محايدة، ولكننا ندرك أيضا ان للخبرة دورها وللمقدرة تأثيرها، فالصحف اليمينية والمهاجرة على سبيل المثال لها خطها الذي يمكن الوقوف السهل يفطن إليه القارئ المدرك، أما القارئ العادي فإنه يتقبله دون ان يحلله، أما نحن فإن موقفنا يصدق من البداية، ومن القليل جدا ان يجد المرء مقالة من مقالاتنا تقدم وجهة نظر متقنة في صنعتها ، انه مفهوم سائد     ولا مناص من الإفلات ولعل هذا المفهوم قد أثر فينا نحن الذين نصدر هذه المجلة، فتجد أحدنا يفتعل مناقشة وردا ليقول فقط بعض الآراء المسبقة التي بعدت كثيرا عن الفترة الحالية.

ولكننا نريد ان نقولها فلا نهتم كثيرا بالظروف ، بل قد لا نهتم بما طرأ على الأمور والأشخاص من تبدل ، ونحن في كتابات أخرى نقف أمام سلبيات محددة فلا نتجاوزها ونحن نتقاعس في توسيع دائرة التناول تحت مبررات أقنعنا أنفسنا بها وقد لا نستطيع ان نقنع غيرنا بها، حتى إننا سجنا هذه المطبوعة في المحليات لدرجة أنها لم تعد قادرة على تقديم أي شيء عن موقفنا تجاه مشاكل كثيرة، كان المثقف الليبي لا صلة له بالواقع العربي ولا المحيط الإنساني، أو أنه لا يستطيع التعرض لمثل هذه العوالم .

حق إن المحلي يحدد في أحيان كثيرة الموقف من العرب والإنسان، ومع ذلك فإن المرء أحياناً ان هناك ما يصلح بل وما يدعو إلى توسيع دائرة ولو بعد فترة طويلة .

صحيح ان تأخر طباعة المجلة يؤثر تأثيراً بيناً ويجعلها عاجزة عن مواكبة الأحداث بما في ذلك تلك التي تتعلق بتاريخنا وبنقاط التحول في حياتنا، ومع ذلك كان علينا ان نفكر في التغلب على هذه الأمور. كان علينا ان نبحث عن صيغة تضمن لنا التواصل وتحول دون بقائنا بعيدين بهذه الكيفية .

إننا لا نتحرج من نقد تجربتنا في هذه المجلة، ولا نتهرب من مسئوليتنا كاملة عن كل ما كتب فيها وبالأخص السلبي منه بيد أننا نؤمن أوثق الإيمان ان هذه التجربة الفريدة تحتاج إلى رعايتنا جميعا وإلي وقوفنا الايجابي جميعا، والى تجاوز الذاتي فينا جميعا، مع تسليمنا بالقول ان التجرد من الأمور المستحيلة ، فنحن جميعا بشر ومن الصعب ان نتخلص من ردود أفعالنا بل ومن تأثير البعض علينا من حيث لا ندري .

يبقى بعد ذلك – وبالنسبة للمسألة الصحفية في عمومها أننا لابد ان نؤمن – كل من موقعه – ان المسئولية لا تقع على الذين يصنعون العمل الصحفي وحدهم بقدر ما تقع على مفهوم شامل سيطر على تفكيرنا وليس من اليسير ان نفلت منه توجه صحافتنا الوجهة التي تحقق لها الفاعلية التي نراها في صحف أخرى .

على ان الذي يبعث على الأمل هو انشغال الجميع بهذا الموضوع، وكذلك وجود مجموعة من العاملين في الحقل الإعلامي وعلى مختلف المسئوليات تدرك بعمق هذه الإشكاليات وتتصرف إزاءها بجدية، ونعى إلى معالجتها بتصميم واضح، وحين يكون الفهم ويوحد التصميم فإن احتمال التوفيق لا يكون بعيدا أبداً، بل إنه يبدو يسر المنال .



____________________________

عن حضور الكاتب وغياب الكتابة

أمين مازن

[[ نشرت في منتصف التسعينات بمجلة لا ]]

يروى عن احد المثقفين، من جيل الخمسينات، أولئك الذي جمع أكثرهم بين الطموح السياسي والنشاط الفكري ، والتخصص القانوني والعمل الثقافي، عندما اقترح عليه أقرانه في الدراسة والعمل الفكري أن يحذو حذوهم في الاعتذار عن إحدى الندوات التي رأوا جميعا أنها لم تنل التحضير الجيد، الكفيل بنجاحها، ولم يهيأ لها من شروط التوفيق عملا مجهضا لا مردود له، وان الموقف السليم إنما يتمثل في الاعتذار عن المشاركة وليس العكس .

يروى ان هذا المثقف قد قال لأقرانه يومئذ قولا تميز به، وكان حديث المرحلة وموضع تعليق من الجميع، إنني على العكس منكم جميعا سأذهب إلى هذه الندوة وسأقول كلاما لا يفهمه أحد، وهكذا سأكون حاضراً وغائباً في ذات الوقت!!.

وينسب إلى الأديب المصري الراحل كاتب القصة المعروف الدكتور "يوسف إدريس" كذلك، رأي نصح به احد الذين تتلمذوا عليه واستوعبوا تجربته، مفاده ان الكاتب الناجح هو الذي يكتب أدبا يقرأه اليمينيون فلا يجدون فيه        ما يغضب ويقرأه اليساريون فيقولون إنه لنا بحيث يمكن للنص ان يجمع بين هؤلاء وهؤلاء .

كانت الإجابة التي قال بها ذلك المثقف والتي نصح بها أيضا الدكتور         "يوسف إدريس" كافية لمعرفة أي من الناس ينتمي القائلان بهذا القول وأي أسلوب يتبعان وأي نهج يسلكان، لقد مضت على الرواية سنوات طويلة ذهبت أحوال حدث أشياء وزالت أخرى ، لكن قول الرجلين ظل باقيا لا لأنه قول جميل أو ان القائلين به قد وفقا، وإنما لأن الظاهرة لم تغب عن الحياة العامة، بل إنها قد استشرت أكثر فأكثر بالرغم من ان كل الظروف وكل المستجدات لم تعد تبرر مثل هذا المسلك، مسلك الحضور الشكلي والكتابة المحايدة في المعركة الكبيرة، إذ على النقيض من ذلك على ما يبدو فقد غدا ضروريا ولم يعد ثمة ما يبرر الوقوف على الحياد أو النظر إلى الأمور بمنظار الترقب والحذر إزاء ممارسة المسئولية في قضايا التفكير والتعبير على السواء .

ان هذه الظاهرة تقفز إلى الذاكرة، ويتجسد بقوة منطق مثقف الخمسينات ونصيحة "يوسف إدريس" حين يقرأ المرء عديد الكتابات التي تملأ  أعمد صحفنا اليومية وما درجت عليه من إفساح المجال لعديد الزوايا الثابتة، إذ يلاحظ ان معظم الكتاب غدوا يعيدون إنتاج المفهوم القائل بالحضور والغياب في ذات الوقت، إذ من الناحية الشكلية يقرأ المرء مقالات ممهورة بأسماء أصحابها يوميا وأسبوعيا، أما من الناحية العملية أعني من حيث مضمون الكتابة فلا شيء يستحق الذكر، أخبار قصيرة تمطط لتكون زاوية كاملة وجزيئات محدودة يفتعل إزاءها الخلاف ويشتد الخصام وحكايات عفى عليها الزمن، يعاد نشرها ويحرص البعض على أن يطلوا بها علينا كل يوم دون ان يقدموا أي إضافة جديدة أو معالجة متميزة لا لشيء سوى الظهور المستمر والكتابة الدائمة ولكن دون الاقتراب من أي مسألة جادة من أي قضية تهم الناس، فتنال استحسانهم أو رفضهم .

تطرح قضايا التعليم وإشكاليات المنهج فلا تجد أي مساهمة من هؤلاء الكتاب تثار الدعوى الحوار الوطني فيبدو الأمر وكأنه يتعلق ببلاد الوقواق، تنشر الاستبيانات عن الزواج ومشكلات الشباب، فلا أحد يعطي أهمية لما يقال، ومع ذلك تظهر الكتابة كل يوم وتملأ أسماء الكتاب أعمدة الصحف بل وكذلك محطات البث المرئي والمسموع، لقد خفتت مسئولية الكتابة بكل ما في هذه الكلمة من معنى، في حين نراها كثرت بشكل ملفت للنظر .

ونحن نقول بالمسئولية، لأن الكتابة مسئولية، وهي من هذه الزاوية مواجهة دائمة لمشكلات الواقع، وشجاعة واضحة في طرح أسئلته المتعددة واستخلاص إجاباتها الحقيقية .

ومما لا شك فيه ان الكتابة حين تكون بهذه الخلفية فلن يكون كل شيء على ما يرام، وهي بهذا الفهم تطرح الواقع من كل وجوهه وجميع صوره، صحيح ان الإيجابي هو الطبيعي في حركة الحياة، ومن ثم فإن معالجة السلبي قد تكون هي الأجدى، ولكن من قال ان السلبي يقتصر دائما على فعل الآخر! من قال ان السلبي لا يكمن في أعماقنا وفي ممارساتنا نحن وأن علينا ان نواجه أمورنا بالكامل، ان الكتابة بهذا المعنى ترفض ان تطل على الواقع من رؤية سياحية، ترفض ان تقوم على التبسيط وعلى الرؤية من الخارج .

ونسارع فنقول إننا بهذا الفهم، لا نقصد ان تتحول الحياة إلى جدية مقفلة وأن تكون الكتابة خالية من الدعابة الخفيفة، والتسلية الجميلة، فالعمل الصحفي الناجح لا يحقق الهدف المبتغى من ورائه إلا بواسطة الجمع الذكي بين كل هذه الأساليب ، كما أن السخرية البريئة والفكاهة الدالة من الركائز الأساسية لكل كتابة تهدف إلى تبليغ الخطاب، وكسب القارئ وكسب القارئ الذي يتمثل الكلمة ويحولها إلى فعل مؤثر .

على ان الكتابة بهذا المعنى لا تضيق بالتجربة الذاتية ولكنها لا تقف حبيسة داخلها بقدر ما تسعى بكل الوسائل والقدرات لتحقق لها الاشتباك المستمر مع معركة الحياة بهدف توجيهها إلى الأمام .

طبيعي أنها في ذات الصدد لا تعول على جنس واحد بل تستنفر كل الأجناس وتستدعي كل أشكال التعبير، غير أنها تستطيع ان تكتشف أي الأشكال أقدر على تحقيق التبليغ المبتغى، وهي حين لا تكون كذلك فلن تعدو ان تكون ضربا من ضروب الإنشاء على حد تعبير "يوسف القويري" في معرض تعليقه على إحدى الافتتاحيات التقليدية التي عرضها عليه أحد الكتاب الطيبين طالبا منه إبداء رأي فيها، فما كان من "القويري" إلا ان قال بلهجته المصرية ( دى إنشا).

أي ان الكتابة تلك لا تحمل أي شرط من شروط الكتابة الحقيقية .

ان الكتابة تأسيسا على ما سبق، حضور مقصود يدل على موقف واضح أو غياب متعمد، تجسد احتجاجا ظاهرا وموقفا مسئولا أمام كل تحضير لا يسر ولقاء غير مضمون الفوائد، أو كما يقولون ضرره أكثر من نفعه، أي أنها ليست ثرثرة وكفى .

كما ان الظواهر تتكرر، والسلوك يتكرر أيضا، لأن النماذج البشرية توجد في كل زمان ومكان، سواء من حيث الطموح السياسي والفكري بحيث يتحول المثقف إلى رجل صاحب مواقف تكتيكية أو من حيث الحرص على عدم إغضاب أي طرف من أطراف الصراع بحيث يكون المثقف أو الكاتب ضعيفا أمام الضغط الاجتماعي حريصا على ترضية الجميع لينال أرفع الأوسمة ويحظى بأضخم الجوائز.

ويمكن للكاتب ان يجمع بين (جائزة حوار) المشبوهة وجائزة الدولة التقديرية في "مصر" .

على ان تاريخ الثقافة يحفظ كل موقف بمكانه الصحيح، وينزل كل كاتب منزلته اللائقة به، وليس من يبدى شهادته كمن يكتمها وليس من يقول رأيه كمن    لا يقول شيئا على الإطلاق، وكل محاولة لطرح المسألة خارج هذه المعادلة      لا تعدو ان تكون مجرد إضاعة للوقت، ربما تنطلي بعض الوقت لكنها لا تصمد أبداً أمام أي محاولة حقيقية يصار إلى الأخذ بها بجدية وجسارة .

إن تكرار موقف كل من مثقف الخمسينات ونصيحة " يوسف إدريس" في عالم اليوم، وفي تجربتنا الثقافية بالذات، وفي هذه المرحلة التي تفرض على الجميع ان يقولوا كلمتهم ويكتبوا شيئا يحمل مضمون هذه الكلمة، ولا مبرر لأحدد ان يمارس أمامنا ما يمكن ان نطلق عليه بحق، حضور الكاتب وغياب الكتابة، لأن كل الظروف تدعو إلى الحضور المستمر .



___________________________


أول وحدة عربية معاصرة

أمين مازن

[[ نشرت في منتصف التسعينات بمجلة لا ]]

تظل التجربة الوحدوية الفريدة التي تحققت لأول مرة على أرض الواقع في عصرنا الحديث، عندما اندمجت كل من "سورية" و "مصر" في كيان سياسي واحد أطلق عليه اسم "الجمهورية العربية المتحدة" من أهم الانجازات القومية التي تمت في حياتنا "28-2-58" كما يشكل انفصال هذه الوحدة بعد ثلاث سنوات ونصف من قيامها "28-9-61" نكسة من اخطر النكسات التي منيت بها الحركة القومية أيضا.

لقد كانت هذه الوحدة بحق وحقيقة عملا قوميا بالغ الضخامة، وإنجازا سياسيا اهتزت له الأفئدة العربية في كل مكان، وتحرك له الشارع العربي من المحيط إلى الخليج باعتباره الحدث الذي أعاد إلى الأمة العربية أحلامها في التوحد والانصهار ، تلك الأحلام التي بدأت في عهد "صلاح الدين الأيوبي" الذي سبق له أن وحد هذين القطرين، بعد التفكك الذي حدث بسقوط الخلافة الأولى، إنها الأحلام التي وئدت بعد ذلك باستلام العثمانيين للحكم ثم إعادة تقسيم العالم أجمع – ومن بينه " الوطن العربي" إلى كيانات محددة وحدود تم الاتفاق على رسمها وحظر بالتالي المساس بها ولا سيما بعد نمو الشعور القطري والصراع الذي حصل هنا وهناك.

كما أنها من جهة أخرى بعثت في الوجدان العربي تلك الذكريات المجيدة المتمثلة في خروج صلاح الدين قائد الجيوش العربية التي طردت الصليبيين وأحلت بهم اكبر هزيمة عرفها تاريخ حروب التحرير خاصة ان الجمهورية الوليدة قد أعلنت بعد عشر سنوات من ضياع "فلسطين" وإعلان الكيان الصهيوني مما عمق الآمال بأن موكب التحرير سيتحرك من مصر".

لقد كانت التجربة الوحدوية متشحة بكل هذه الأثواب الجميلة مشدودة بكل هذه الخلفيات حين قامت وأعلن عنها في ذلك الزمن وسط مظاهر من الفرح الجميل والآمال العريضة، كما أن انفكاكها بعدئذ كان أمرا محزنا كما كان نذير شؤم لكل الشرور اللاحقة، وقد حصلت يومئذ وعشية انفكاك الوحدة مباشرة أحداث كثيرة عبرت عن تململ الشارع العربي ورفضه القاطع لجريمة الانفصال .

فهو حدث جدير بكل الألقاب السيئة التي لقب بها ، وهو عمل رجعي تآمري خليق بأن يوصف بكل ما وصف به من الأوصاف القبيحة وقد انسحبت بعد ذلك أثاره السلبية على كل الشارع العربي، بل الواقع العربي بشكل أكثر تحديدا، ولكن هل يكفي ان نركن إلى كل هذه المعالجات التي لجأنا إليها ونحن نعيش حدث الانفصال المؤلم، وتمزق الوحدة المصرية السورية كمنجز قومي ولد ثم وئد، ونكتفي بالقول ان الرجعية والاستعمار قد أتت على هذا العمل الكبير، أو إننا مطالبون بإعادة قراءة الملف الوحدوي ومراجعة الخطوات التنفيذية التي جرت، والثغرات التي بقيت مفتوحة وهبت منها بعد ذلك رياح السموم؟.

اعلم أننا أنشأنا منذ سنوات "مؤتمر الشعب العربي" كصيغة ردت بها القومية التقدمية على زيارة "السادات " للقدس تلك القوى التي دأبت ومنذ ذلك الوقت على الالتقاء هنا في "الجماهيرية" بمعدل مرتين وأكثر من كل سنة ، وأن احد اللقاءين يحدد عادة لذكرى مولد الرئيس "جمال عبد الناصر" منجز دولة الوحدة، وان اللقاء الآخر يكرس عادة لوقوع جريمة الانفصال الذي هو في ذات الوقت ومن الصدف الغريبة ذكرى وفاة "عبد الناصر" .

وفي اللقاءين عادة وبنفس الأسماء التي تشارك في هذا المؤتمر وفي مناشط أخرى تقيمها عادة هذه المؤسسة في الداخل والخارج ووفق تسميات كثيرة تتم الإشادة بالوحدة كمنجز ويندد بالانفصال كجريمة ، حتى ان البيانات لو جمعت لوجد ان التغيير يشمل التواريخ فقط ، حتى ان كل الساحات الثقافية العربية اليوم تعرف هذه الحقيقة بحيث أصبح الحديث عن الوحدة العربية لا يتجاوز القول بأنها ضرورة حتمية ومطلب مقدس وأن النكوص عنها خيانة، وعدم التعجيل بإعلانها إصرار على التخلف، إلى غير ذلك من الأحكام العامة التي لا تتجاوز وفي اغلب الأحيان فكرة الإقليم القاعدي الذي لابد ان تدور حوله بقية الأقاليم الأخرى وهو رأي – مع عميق الاحترام لقائله – يجرد بقية الأقاليم من أية فاعلية، بحيث عليها ان ننتظر الإقليم القاعدي عندما يتحرك ليمكنها بعد ذلك ان تتحرك بالتبعية فإذا   ما انعدم هذا الإقليم أو تأجل دوره لسبب من الأسباب فما على البقية سوى الانتظار لأن الإقليم القاعدي له شروطه وله وزنه وله مواصفاته بحيث لا يكون ممكنا إلا لجهة واحدة، بل ان هذا الفهم لفكرة الوحدة يرفض كل الصيغ التي ترى في جدوى فكرة المجموعات الجغرافية كفكرة "المغرب العربي" و "مجلس التعاون الخليجي" و "سورية الكبرى" أو "لبنان الكبير" التي طالما طرحها بعض الاختصاصيين المدركين ولقيت ما لقيت من الفرض والتشكيك في فترة الخمسينات بالذات، حيث شاعت وترعرعت فكرة الإقليم القاعدي الذي يكرس نمطه السياسي ويطلب إلى الآخرين ان يقبلوا به، وهو ما تم بالطبع في الوحدة المصرية السورية.

والواقع ان موضوع الوحدة العربية من الأمور التي لابد ان تناقش ولابد ان يتم البحث حولها بجدية وصراحة، وفي منهج يخرج بها عن فكرة التمنيات الطيبة وعبارات الإطراء الجميلة للمشروع العملي الذي يقدم للناس شيئا يتصل بواقعهم ومستقبلهم ، خاصة بعد أن أصبحت بعض الأقطار العربية تحكم بعقيدة سياسة واحدة، ومع ذلك يتعذر قيام الوحدة بل يحدث النقيض، حيث تقفل الحدود ويحتكم إلى السلاح .

أجل ان الوحدة كمشروع يهم الناس لن يفيده أبداً ذلك الفيض من الكلمات التأبينية التي دأبنا على إلقائها كلما حلت ذكرى إعلان أول جمهورية عربية متحدة أو ذكرى انفكاك هذه الوحدة، بقدر ما نحن في حاجة إلى بحث الأمر بشكل جدي وصريح ، فلقد عاشت هذه الوحدة ثلاث سنوات وستة أشهر ، وكانت "مصر"      و "سورية" قبل إعلان هذه الوحدة تتوافران على حضور مهم للغاية "مصر" الذي أضافته "ثورة ثلاثة وعشرين يوليو" وبروز "عبد الناصر" كقائد وطني وشريك أساسي في الجبهة المعادية للاستعمار والتي تشكلت في مؤتمر "باندونج" "55م" وهي الفترة التي تحددت فيها ملامح شخصية "عبد الناصر" من ضابط تقليدي إلى ثوري حقيقي غدت بفضله "مصر" بالإضافة إلى مخزونها الحضاري، مركز إشعاع وتأثير في حركة التحرر العربي القائم على معاداة الوجود الأجنبي ومشاريع الأحلاف غير المتكافئة ، ولا سيما حلف بغداد، كما كانت "سورية" حضورا قويا وفعلا مؤثرا تحددت أهميته من اليقظة طوال الأربعينات والخمسينات، عندما توحدت كل الفاعليات السياسية في جبهة واحدة تعارض مشاريع الأحلاف وتدعو إلى إعادة توزيع الثروة وتحقيق أنماط من العدالة الاجتماعية انتهت أخيراً إلى فكرة الاشتراكية العربية الأمر الذي كان من نتيجته ان غدت "سورية" تحكم من قبل التيارات والكتل التقدمية وتحد من هيمنة أحزاب الإقطاع اليمينية التي كانت إلى ما قبل هذه الفترة تؤثر في السياسة السورية؟

من هذا الزخم طرح مشروع الوحدة وبادر به على نحو خاص القادة السوريون وقد تحفظ الرئيس " عبد الناصر" كما تقول معظم المصادر إلا انه أمام الإصرار وأمام القبول بتصوره لشكل الدولة الجديدة لم يملك إلا ان وافق.

وهكذا أعلنت الوحدة، وقامت أول جمهورية عربية متحدة تضم دولتين هامتين برئاسة "جمال عبد الناصر" ومساعدة عدد من القادة السوريين الذين رسخوا الموقف التقدمي الاشتراكي وعملوا على رعاية الفكر الوحدوي وترسيخه جماهيريا، فما الذي أضافته الوحدة للقطرين، كيف كان تأثير القطرين في الأحداث عقب قيام الكيان الجديد؟ إعلاميا نحن نذكر ما قيل عن حجم الدولة الجديدة وقوتها التي كانت تضاهي أو تفوق " تركيا" أما عن دخل الفرد وتقدم الصناعة وما إلى ذلك من المكاسب التي ينبغي ان تتحقق على أثر كل تحول يحصل ونظام يقوم فأمور لم نسمع عنها أبدا، وبالذات بالنسبة للإقليم الشمالي (سوريا) الذي كان قبل الوحدة دولة لها كيانها ولها صناعتها المتميزة في مجال الغزل على نحو خاص.

كما أننا في ذات السياق لم نسمع عن أي مناوشة مع العدو الصهيوني، وإن يكن هذا الوضع قد فسر بعدم قدرة العدو على التحرش، وقد تشكلت التركيبة السياسية يومئذ من وزارتين تنفيذيتين وحكومة مركزية وهيئة تشريعية تم اختيارها من "مجلس النواب" "السوري" و "مجلس الشعب" "المصري" وقد عين لرئيس الجمهورية عدد من النواب، وقد كان الملفت للنظر يومئذ وبمجرد إعلان الوحدة اختفاء بعض الأسماء السورية التي كانت تتحمل المسئولية في الإقليم الشمالي، منهم على سبيل المثال "صبري العسلي" آخر رئيس للوزارة التي مهدت لإعلان الوحدة و "خالد العظم" وزير الخارجية .

ورغم وجود عدد من المواقع الاستشارية والدبلوماسية فقد بقيت هذه الكفاءات بعيدة عن أي مساهمة، وكان هذا في حد ذاته ينذر بكثير الأسئلة ، فإذا ما أضفنا إلى ذلك ان الدولة الجديدة لم تقطع من عمرها أربعة أشهر كاملة حتى تم الإجهاز على العرش الهاشمي بالعراق حيث تم إعلان الجمهورية بواسطة عدد من الضباط على رأسهم كل من "عبد الكريم قاسم" و "عبد السلام عارف" وبالتالي اختلاف هذين الزعيمين مما أوقع الدولة الفتية في خلاف مفجع مع "العراق" حيث بدأت المعركة الإعلامية السمجة التي حولت أنظار الجماهير العربية بالكامل عن مقارعة الاستعمار إلى التنابز بالألقاب.

صحيح ان موقف "المهداوي" كان سيئا للغاية وأن " عبد الكريم قاسم " قد اتخذ بعض المواقف، ومع ذلك فإن الدولة الفتية كان يمكن ان تغض النظر بعض الشيء وتلتفت إلى أمور اكبر حتى لا يهدر الجهد في ذلك السفه الإعلامي الذي قاده كل من "المهداوي" في "العراق" "وأحمد سعيد "  في "القاهرة" الأمر الذي تسبب في وجود سحابة من الفتور والانشغال الذي تلته بعد ذلك حركة الاستقالات الموسعة التي تزعمها كل من " أكرم الحوراني" و" صلاح البيطار" و "ناظم القدسي" و "نور الدين طراف " وغيرها . بحيث لم يبق من الأسماء المعروفة سوى   " عبد الحميد السراج"، وهو شخصية استخباراتية وليس له أي حضور سياسي شعبي . ومن ثم بقى أمر "سوريا" متروكا للمشير " عبد الحكيم عامر" الذي أحيط بمجموعة من الضباط السوريين الذين تحلقوا حول شخصيته الطيبة ومكتبه المنفصل على الانفصال عن الناس .

لقد اعتقد المشير "عامر" وربما شاركه في المعتقد الرئيس "عبد الناصر" نفسه ان من الممكن إدارة شئون "سوريا" بواسطة مجموعة الضباط الذين التفوا على نحو مختلف، حيث استطاعت القوة المعادية للوحدة ان تنظم صفوفها وتستنفر قوتها وتجهز على المشروع الوحدوي بضربة واحدة وبواسطة اقرب المقربين مع المشير "عامر".

لقد تم كل شيء بلمح البصر وفي حالة من الاندهاش وفقدان المقدرة على القيام بتحريك أي ساكن اللهم إلا البيانات "أحمد سعيد" الشهيرة التي اخذ يطلقها ودون ان تفعل شيئا في الشارع السوري الذي كان قبل الجريمة في حيرة من أمره وفي ذهول من انفضاض القوة السياسية عن الدولة الجديدة ، ثم بات يواجه اللحظة الحرجة وسط مشاعر الإحباط واللاجدوى، صحيح ان هناك من استنكر وهناك من انتبه للخطر، لكن الأغلبية كانت عاجزة وكانت مهشمة وبالتالي لم تستطع ان تقوم بأي شيء، لقد فقدت الجماهير الوسيلة وفقدت مقومات الحركة ، هذه هي الحقيقة المرة، بصرف النظر عن دور الشركة الخماسية التي قيل عنها الكثير في ذلك الزمان وقيل عن مستشارها "مأمون الكزبرى" الذي ترأسا أول وزارة انفصالية، لكن ماذا حدث بعد ذهاب الوزارة الانفصالية . ماذا حدث بعد مجيء " نور الدين الأتاسي" و "صلاح جديد"؟ هل أرجعت الوحدة ؟ هل تجاوز الأمر سلسلة الاجتماعات التي كان هدفها الأول والأخير كسب الوقت والعمل على استقرار الأمور على مقولة [ كأننا يا بدر لا رحنا ولا جينا] .

ان الأمر فيما يبدو ليس انقلابا قام به "عبد الكريم زهر الدين" وليس حكومة جاءت بها الشركة الخماسية ، ولكنه أعمق من ذلك وأبعد، ولن يضير أحدا ان تطرح الأمور بهذه الكيفية، نعم ان هذه التجربة التي كانت قبل ثلاثين سنة ونيف لتستحق من القوة السياسية اليوم ان تدرسها دراسة لا تعول على الكلمات الخطابية التي تصف الوحدة بأشرف النعوت وتسم الانفصال بما يستحق من أشكال الإدانة، لأن المنهج وان يكن قد ساعد في تذكية العواطف بعض الوقت إلا انه لم يفعل شيئا في تربية العقول، وأحسب ان ما نحتاج إليه اليوم هو تربية العقول القادرة، العقول التي تضع الحدث في مكان الصحيح من تطورنا السياسي والحضاري على السواء .

ومما لا شك فيه أننا نحتاج إلى الإلمام بمختلف الظروف السائدة وكشف مواطن القصور حتى يمكن استخلاص المستفادة، حتى لا تتكرر الأخطاء في أي تجربة وحدوية قد يكتب لها ان تقوم ، ذلك ان الوحدة مكسب شعبي ولا مجال لحمايتها إلا بواسطة القوى الشعبية التي لابد ان تشارك في التخطيط والإنجاز والتسيير، وما عدا ذلك فإن الأمر لا يعدو ان يكون ضربا من ضروب المغامرة التي لا مرجعية من ورائها ولأن الوحدة – وخلافا لما روجنا في السنين الماضية – ليست وصفة طبية بل هي مشروع نهضوي يحتاج إلى المثابرة والى الصبر والى التحمل ، وبالتالي فلابد له من جنوده ، ولابد من منهجه لابد له من فترته الكافية .

إن اخطر ما عانت منه أمتنا العربية بالنسبة لفشل مشاريع النهضة ذلك الاتكاء المطلق على عكاز الرجعية والاستعمار وإرجاع كل فشل إلى هاتين الشماعتين، لا لأنهما براء من ذلك بل لأن هناك أخطاء نتحملها وحدنا، ولابد لنا من ان نتوقف عندها ونعمل على علاجها، ومن هنا فإن بحث هذه الأمور بصراحة وموضوعية يعتبر من أهم ما نحتاج إليه اليوم .

لكل هذه الاعتبارات نحن نطرح اليوم موضوع الوحدة العربية ومن تجربة الوحدة المصرية السورية تحديدا ... نطرح هذا الموضوع وفق نظرة تعطى     ما لقيصر.. لقيصر وما لله ..لله ، فالوحدة قد تنفذ  كمطلب وحدوى ، وقد يلجأ إليها كغطاء لسياسة أخرى على أنها في جميع الأحوال تنطوي على اكبر قدر من الايجابية وبالتالي فلابد ان تبحث ولابد ان يقع التفكير فيها والعمل من أجلها، مع الإيمان المبدئي بأنها ليست عصا سحرية قادرة على تغيير الواقع بقوة، وليست عصا سحرية تنهي المشكلات دفعة واحدة، إنها مشروع يعمل له أكثر من طرف يعمل له أكثر من طرف ويقف ضده أكثر من طرف آخر، وبين حركة المد والجزر قد ينجز شيء على طريقه الطويل .

لكن كيف يكون إسهام الذين يعيشون في إطاره؟ كيف يكون مردودهم فرادى وجماعات؟ ذلك هو السؤال الذي يعيشه كل منا، حسب تجاوزه لذاته ومدى استشعاره للمسئولية تجاه الآخرين .



___________________________


القضاء ... جوهر الحرية

أمين مازن

[[ نشرت في منتصف التسعينات بمجلة لا ]]

إن حرية الرأي واحترام المعتقد، وإفساح المجال واسعا، أمام كل ذي رأي حر لكي يصدع به أمام الناس، ويعبر عنه بالطرق المشروعة، ليقبله ، من يقبل، ويرفضه من يرفض ، سنن لا معدى من إتباعها والذود عنها في كل مجتمع يزعم أهله – على تنوع أفكارهم ، وتغاير فرصهم- إنه من مجتمعات القرن العشرين، وخيار مبدئي ليس أمام المثقف الحقيقي إلا ان يتبناه ويرفض أي طريق يؤدي قولا أو عملا إلى ما سواه .

وإن كل قيد على هذه الحرية أو تعطيل لها عن التعبير عن ذاتها تحت أي مبرر من المبررات لا يعدو ان يكون دليلا حيا على ما يعانيه هذا المجتمع من صنوف التخلف وما يرسف فيه من أغلال العبودية وما يعانيه من أشكال العجز المخجل عن معايشة العصر ، وما بات يفرضه من مبادئ أصبحت بمثابة العرف الذي لا يناقش ، وإنما يسلم به من الجميع ويدافع عنه من قبل الجميع أيضا.

بيد أن هذه الحرية لا يمكن لها ان تصان ولا سبيل إلى ازدهارها وحفظها من الانهيار إلا بوجود تشريع محدد لا مجال فيه للاجتهاد، ولا سبيل فيه للعموميات التي تفتح الطريق للمزاج الشخصي والتأثير العاطفي، وإنما بالقواعد الواضحة الصحيحة المتفق عليها من الجميع والملزمة بالتالي للجميع.

ومما لا شبهة فيه ان هذا ما يجعل القضاء يتمتع عبر التاريخ بتلك المنزلة الرفيعة والمكانة السامقة في كل المجتمعات والمتمدنة أو التي تسعى إلى ان توصف بهذه الصفة ، حتى ان بعض المؤرخين ما يزالون يفخرون بأحكام القضاة المتصلة بقضايا الرأي وينشرونها في مؤلفاتهم بمثابة الأوسمة والبراءات الخالدة التي تؤكد لحظات الانتصار الفريدة ومناسبات الفوز المؤزر.

ويحفظ تاريخ القضاء العربي في سجله الناصع الكثير من المواقف العظيمة التي أكدت نزاهة بعض القضاة وشجاعتهم وقدرتهم على الصمود في وجه الموجات الرامية إلى تضييق الحرية والحجز على أصحاب الرأي وحملة الفكر منذ أيام طه حسين وعلي عبد الرزاق وحتى أيام صادق جلال العظم .

وهو يسجل بذات المقدار – مع اختلاف الموقف بالطبع – بعض الفترات التي جرى فيها التطاول على أحكام القضاة وعدم الانصياع لجرأتهم النادرة وشجاعتهم الفريدة، على نحو ما حصل في مظاهرات طرابلس في الخمسينات عندما دبرت مظاهرة لاستنكار حكم المحكمة العليا بإلغاء المرسوم القاضي بحل المجلس التشريعي لولاية طرابلس إثر الخلاف الدستوري المتصل بمسئولية الوالي. والتي يتندر حولها المعاصرون بمظاهرة "تسقط العدالة" وكذلك مظاهرات القاهرة عقب هزيمة 67 التي استنكرت أحكام المحاكم التي صدرت بشأن المسئولين عن الهزيمة ورأي الشارع المصري أن الأحكام ليست في مستوى الجريمة، وهي المظاهرة التي رفضها جميع المستنيرين ، باعتبارها من السوابق التي تمس حرية القضاء ، وبالتالي تخالف التقاليد المصرية الراسخة في هذا المجال.

لقد جسمت هذه المواقف المتعددة الطموح والشجاعة أحيانا، والانهيار وعدم الإحساس بالمسئولية أحياناً أخرى ، الشموخ الذي ظهر في شجاعة القاضي أو الحاكم وعدم انصياعه لضغط الشارع والسطحية وعدم تقدير الأمور لدى الكثير ممن يعنيهم القاضي أو لم يرضهم ما وصل إليه ضميره الحي وتقديره المتجرد من العاطفة والنظرة المتسرعة والأخذ بالشبهة بدلا من البينة .

إن الأساس في الأمور إذن ان يكون الفصل في تحديد حرية الرأي، وما عسى أن يرتكب بشأنها من تجاوز، من اختصاص القاضي دون غيره ، ليس فقط من حيث الحكم الذي ينتهي إليه القاضي، بل من حيث التقاضي أمامه واللجوء إليه من البداية، ومن ثم الامتثال لحكمه بصرف النظر عن ماهية الحكم وعدم مطابقته في أحيان كثير لما يملأ النفوس من هوى وما يسيطر عليها من أمنيات ، وكل إخلال بهذه القاعد\ة هو إخلال بنواميس الحياة وقواعد الحضارة الحقيقية .

لقد تشكل عقلية الكثير من أبناء جيلنا بهذه الحقائق، واكتسبت هذه الوقائع مكانتها الكبيرة في تكويننا الفكري ووجداننا الثقافي ، ونحن نعيش أحداثاً كثيرة ونشهد وقائع اكبر ، وذلك على مدى العقود التاريخية التي انقضت على سنوات الشباب، وكونت لدينا رصيداً مهماً في تقويم الأمور وتحديد المعايير التي تقاس بها ، مما أفضى إلى مسلمة ترى ان المؤسسة مهما كان ضعفها فإن وجودها أفضل من العدم .

وأن القانون على سوء مواده وقسوتها أحياناً فإن غيابه أسوأ وأن كل تفريط في هذه التصورات هو بمثابة القفز على الواقع أو الحرق للمراحل على حد تعبير مصطلح هذا الزمان، وهو اتجاه خسائره مؤكدة وما سواها شبه مستحيل .

لقد تمثلت كل هذه المبادئ المعرفية وعادت إلى ذاكرتي كل هذه الوقائع، وأنا أتابع الآراء الجيدة التي ارتفعت في ندوة الثقافة والتغير الاجتماعي مستنكرة محاكمة كتاب "البيان بالقرآن" ومؤلفه " الأستاذ/ مصطفى المهدوى" لما في مثل هذه المحاكمة من مساس بحرية الرأي وحد من ازدهار الفكر، الأمر الذي يخالف مبادئ حقوق الإنسان ويؤدي إلى شيوع الإرهاب الفكري إلى آخر ما أفاض به المتكلمون فيه من آراء وحجج، انتهت جميعا إلى إقرار إصدار بيان في الخصوص اقر من معظم المسهمين في الندوة .

لقد كانت مسئوليتي في إدارة النقاش ومتابعة الآراء والعمل على إيجاد خطوط الاتفاق تحد من قدرتي على إبداء الرأي بل وتحول دون هذه الرغبة في أحايين كثيرة  وبالذات حين يكون الأمر بهذه الكيفية، في حين كانت الوقائع والمحاذير التي أخشاها اكبر من ذلك وأدى إلى المساهمة في المناقشة وإعمال الرأي، ومع ذلك فقد وجدتني مضطرا إلى الإحجام عن إبداء الرأي الذي أرى والاعتقاد الذي اعتقد، ولم تكد الندوة تختم أعمالها حتى سارعت لتنفيذ ما اتفق عليه بشأن الكاتب والكتاب لأن الواجب يفرض على مثل هذا الموقف المبدئي .

على أنني بعد ذلك كله، لا أرى حرجا في القول إنني وإن كنت أؤمن بحرية التفكير والتعبير إيمانا لا يدانيه إيمان ، وارفض كل تقييد أو تحجير يرسى في هذا الصدد، تحت أي شعار من الشعارات وبواسطة أي مبرر من المبررات، فإنني ووفقا لشروط كثيرة وقواعد لا مجال للانفكاك منها أرى ان التفكير المنطقي يفرض علينا ان نرحب بمبدأ إسناد حق البت في تداول الكتب التي تحوم حولها بعض الشكوك متى كان ذلك ضروريا ضمن اختصاص القاضي دون غيره. وأن تكون معاقبة الكاتب والكتاب على سوء مبدأ المعاقبة من اختصاص المحاكم دون أي جهة أخرى ، وأن الجهد كل الجهد ينبغي ان يكرس بقوة كي تسير الأمور في هذا الاتجاه. إذ ان كل التجارب تثبت ألا خوف على الفكر مع وجود التقاضي، والعكس صحيح .

أما الذي أهدف إليه من وراء هذا القول فيتمثل في وضع حد لمبدأ التأويل ومبدأ الأخذ بالشبهة ودرء ممارسات التهميش التي كثيرا ما مورست تجاه الكثير من الأقلام بدعوى ان أفكارها لا تواكب أو أنها مخالفة للعقائد والتقاليد إلى غير ذلك مما تفننا في ابتداعه من النعوت التي لم تكن في حقيقة الأمر سوى تغطية لما يمليه مزاجنا وما تفرضه عواطفنا ومؤثراتنا الشخصية، والتي كانت نوعا من إدخال الخاص بالعام إدخالاً أقل ما يمكن ان يوصف به أنه يقوم على القسرية والمجافاة البينة لكل أصول المنطق، مما أدى إلى حرمان المجتمع من عديد القدرات التي كان يمكنها ان تفيد في عملية البناء الثقافي والإداري في مناخ تسوده الثقة المتبادلة والمصالح المشتركة والإحساس بجدوى شرف الانتماء إلى الأرض والناس والإسهام المسؤول في مختلف شئونهم والتنادي الصادق للذود عن كل    ما يبعد عنهم التهديد والمخاطر والمنغصات .

صحيح ان مشاجرات الفكر غير مشاجرات التجارة والأملاك ، وان مبدأ الدعوة المباشرة في مسائل الفكر قد لا يكون سليما ، وصحيح ان قضايا الفكر تحتاج إلى قدر كبير من المرونة وأن صرامة القانون ربما تكون مؤثرة في مسألة الفكر، ومع ذلك فإن السماح باستنكار مبدأ الوقوف أمام القاضي في أي قضية من القضايا ولو كانت هذه القضية قضية فكر كما هو الحال بالنسبة لكتاب " البيان بالقرآن" سيؤدي بالضرورة إلى احتمال مكابدة العقوبة دون المثول أمام القاضي، بل وربما حتى بعد صدور حكم البراءة، وعندئذ فإن الخسارة لا يمكن لأحد ان يحدد أبعادها أو يصل إلى نتائجها، كما ان الندامة على هذه الخسارة لن يستطيع احد ان يعوض عنها أو يخفف من وقعها، الأمر الذي لابد ان نضعه في اعتبارنا ونحن نقترب من مبدأ المثول أمام القاضي والامتثال لحكم القاضي ، فالقاعدة هكذا وما عداها هو الاستثناء .



__________________________

عن تبعات النمو السكاني

أمين مازن

[[ نشرت في منتصف التسعينات بمجلة لا ]]

قبل خس عشرة سنة ضمني لقاء مع عدد من الأدباء والمثقفين والمهتمين بقضايا الفكر والمجتمع والإعلام ، وكان من بين الحاضرين احد المكلفين بمرفق الإعلام الذي كان قد استلم مسئوليته لتوه، وكان هذا المكلف في ريعان شبابه مغتبطا أيم اغتباط بمسئوليته يتحدث في حماس شديد عن خططه الطموحة ومشاريعه الكثيرة، وفي مقدمتها ضرورة تعدد لغات البث الإذاعي بالنظر إلى وجود أعداد كبيرة من الأجانب الذين بلغ رقمهم في ذلك الزمان مليونا وثلاثمائة وخمسين ألفا، مما يقتضي التفكير في الإرسال الإذاعي بلغات أخرى تتجاوز الانجليزية والفرنسية لآلاف الأجانب- والكلام لذلك المسؤول – من جنوب شرق "آسيا" .

كان الرجل يتكلم بإخلاص لا متناه لمسؤوليته الإعلامية ، وكان منغسما من رأسه حتى أخمص قدميه تجاه تلك المهمة وما من أحد يلومه على ذلك في الحقيقة فللإعلام بريقه الذي لا ينكر ومغرياته التي لا تحصى وتأثيره الذي لا يجاري ، وذلك عندما تتقن صناعته ويحسن التخطيط له .

أما أنا – وأحسب ان غيري من الحاضرين أيضاً – فقد وجدتني منفصلا عن حديث الرجل  وحماسه وعن الإعلام وبريقه، إلى مسألة أهم، وإشكالية اخطر، وكان هذا الانشغال منصرفا إلى الرقم المهول من الأجانب الذين يعيشون على هذه الأرض، وكيف يمكن لجماهيريتنا وهي على ما هي عليه من انعدام التجربة وضعف الخبرة ان تحقق الحد الأدنى من التوازن أمام هذه النسبة الكبيرة، ليس فقط من حيث الاستهلاك وأنماط السلوك بل من حيث موضوع الأمن ذاته .

فهذا الرقم الكبير يحتاج إلى أعداد ضخمة من العناصر الأمنية التي تستطيع ان تحمي المجتمع، وتدافع عنه ، وتحول دون أشكال الانحراف التي تجئ عادة كمحصلة طبيعية لكل اختلال في عدد السكان، حتى عندما يكون الأمر مقصورا على الذكور والإناث ، فما بالك والأمر يتصل بالجنسيات وباختلال الموازين مع السكان الأصليين، إنه الخلل الذي عرفته بلادنا عند التمهيد للغزو الايطالي عندما اضطلع "بنك روما" بهذه الخطة الاستعمارية التي سميت بالتغلغل السلمي كما جاء في مذكرات السياسي الايطالي المعروف "جوليتي" تلك المذكرات التي نقلها إلى العربية الأستاذ "خليفة التليسي" والتي تعتبر بحق من أهم الدراسات التي تناولت هذه الإشكالية التي كانت وما تزال من اخطر ما يواجه الواقع الليبي، ولا سيما فيما يتصل بالمشاورات الدولية التي اجريت في الاروقة والكواليس .

وأذكر أنني بمجرد ان وجدت فرصة مع احد أمناء العدل بعد تلك الفترة مباشرة بادرت بإثارة هذه القضية، والذي وجدت منه هو الآخر فطنة كما لفت نظري، وإن يكن قد قال لي يومئذ ان الرقم مبالغ فيه بعض الشيء حيث إنه في حدود (مليون ومائة ألف) ومع ذلك – والحديث لأمين العدل – ان المرء لا يملك إلا ان يصعق أمام هذه النسبة لأن الإحصائية شملت فقط الذين لديهم تراخيص عمل أي انه لا يشمل المرافقين ولا يتضمن الذين يعيشون بدون إجراءات رسمية!!!  وهكذا كنا أمام مفارقة عجيبة ، بين من تشغله المهمة الإعلامية وبين من تعنيه الإشكالية اكبر حتى وهو بعيد عن وضع القرار .

حاولت في ذلك الزمن ان أثير هذه القضية في الصحيفة التي كنت اكتب فيها، ولكن ما كتبته لم ينشر وعند مراجعة الصحيفة قيل لي ان المكلف بالقسم الداخلي بالصحيفة غير موجود الآن ، كانت المرة الأولى والأخيرة التي تحفظ لي فيها على مقال في زمن الثورة، على إنني لم أتوقف كثيرا أمام ذلك الموقف إدراكا مني أن للمرحلة تأثيراتها ولسوء الفهم تأثيره أيضاً ولعدم الوقوف أمام بعض المشكلات التي تواجه واقعنا وجوده كذلك في حياتنا إذ كثيرا ما ننتبه بعد فوات الأوان .

مضت على هذه الحادثة كل هذه الفترة، وتغيرت جنسيات المقيمين إلى حد كبير، وعولجت مسألة البث الإذاعي بتقوية محطات الإرسال الفضائي بأكثر مما يتصور الإنسان، لكن القضية في جوهرها الذي لفت نظري ونظر غيري أيضاً   ما تزال ماثلة وأعني بذلك انعدام التوازن بين أبناء هذه الأرض الذين ليس لهم غيرها وليس لها – في ساعة الضيق – غيرهم بين الذين تجيء بهم ظروف طارئة وليس من المتيسر ان تخرجهم الظروف حين يراد ذلك .

ترى ماذا تقول الإحصائيات الحديثة عن هذه المسألة؟ ما هو الرقم الصحيح للذين يعيشون فوق هذه الأرض من غير أهلها الحقيقيين؟ أولئك الذين لا يشكلون جزءا منها، لا يحملون جنسيتها ولا يودعون مدخراتهم بها ، بقدر ما يسارعون في مطلع كل شهر لتحويل ما لديهم من نقوم بالعملة القابلة للتحويل، متفنين في اختلاق المزيد من الحجج والمعايير ومزيد الوسائط التي تحقق لهم هذه الرغبة .

بل دون ان تمكنهم شركاتهم التي يعملون بها من استلام مستحقاتهم بالنقد الأجنبي بعيدا عن الرقابة المصرفية، فيبيعون ما لديهم أضعافا مضاعفة مسهمين في رفع معدلات التضخم وإضعاف القدرة الشرائية للدينار الليبي، حتى لقد غدا التجار الليبيون  - وهم أصحاب المصلحة في بيع ما لديهم – يحذرون المواطن من أولئك الذين يأتون من الشرق والغرب فيجهزون على كل شيء ويحولون الحياة إلى جحيم لا يطاق؟ .

ان معظم التقديرات تذهب إلى الحكم بأن إحصائية الثمانينات قد تضاعف مرة ونصف على الأقل، وأن الرقم لا يشمل الأطفال والمرافقين وكل ما يتصل بالذين يعملون ولا يدفعون للخزانة العامة أي شيء .

وأن الضحية الأولى والأخيرة هو المواطن الذي يعاني الأمرين من هذا الكم الهائل من البشر الذين يملكون قوة شرائية هائلة وشراهة استهلاكية مهموله، حيث تحولت بلادنا إلى منطقة من ارخص مناطق العالم لكل من لديه إمكانية لتوريد العملة الصعبة أو التعامل بالدينار الليبي خلافا للطرق الشرعية، يستوي في ذلك الشقيق القريب والصديق العجيب !.

على ان هذه المشكلة لا تعود في حقيقة الأمر إلى الفترة الزمنية التي حددتها في مستهل هذا المقابل بل تعود إلى زمن أقدم ، يمكن تحديدها بأواخر  الستينات حين نشرت وزارة التخطيط إحصائية تقول إن ما تحتاج إليه البلاد     سنة 70 من اليد العاملة يتجاوز (الثلاثمائة ألف) نسمة وأن هذا الرقم ما لم تسبقه استعدادات في قطاع الخدمات فإن البلاد ستقبل على كارثة، كانت الإحصائية قد وضعت وفقا لأسعار النفط المنخفضة، وعندما ارتفعت تلك الأسعار في السبعينات فإن الحاجة إلى اليد العاملة قد تضاعفت هي الأخرى، أما عند تعميم فكرة القطاع العام والإصرار على إنجاح تجربته بالإنفاق المستمر فإن التوسع قد ازداد أكثر وأكثر، ولكن بظهور المؤامرة الاستعمارية المتمثلة في تدني أسعار النفط ووجود مجموعة من الإشكاليات الأخرى فإن الأمور أخذت في التعقيد .

إزاء ذلك كله بدأت مشكلة اختلال التوازن السكاني تواجه المواطن الليبي، فهو من ناحية اعتاد الإنفاق وتشكلت شخصيته بحكم هذا الحجم وبحكم الندرة البشرية على نمط معين، وهو من ناحية أخرى يواجه منافسة أجنبية لا قبل له بها ورغم ان بعض الإجراءات بدأ العمل بها .

إلا ان المشكلة ظلت حيث هي، تستوي في ذلك أجهزة الدولة الرسمية وغير الرسمية، وتتنادى الظروف دائما على الإبقاء على هذه الأعداد المهولة من غير الليبيين، مرة لأن بعضهم يعملون في شركات صديقة تم التعاقد معها لتنفيذ بعض المشروعات التي يحرص القطاع العام على تنفيذها، وأخرى لأن بعض هؤلاء من بلدان شقيقة ونحن دولة ترفع شعار إلغاء الحدود، ومن حق هؤلاء – حسب هذا الطرح – ان يعيشوا وسط اكبر مدننا وأهمها غير ان النتيجة في النهاية واحدة هي هذا الخلل الكبير في النمو السكاني والذي يمس اليوم النواحي الأمنية ومصادر الرزق على السواء .

والسؤال الآن : ما المخرج من هذه الوضعية؟ هل سندعو إلى طرد الناس فرادى وجماعات ؟ ان هذا التصور موغل في السطحية، بيد انه لا يعني ان المشكلة ليست قائمة أو ان الأمر لم يصل إلى صحة المواطن، إذ لم يعد سرا ان بعض الأمراض الفتاكة غدت تتفشى بهذا الوجود الأجنبي غير المقنن، هذا الوجود الذي لا يفلح الأرض ولا يخدم الصناعة، ولكنه نوع من البطالة المقنعة مظاهرها موجودة في كل مكان ويتولى أمرها الرجال والنساء !

هل فكرنا في طرح الإشكالية على المؤتمرات الشعبية؟ هل قامت مذكرات البحث وأجهزة القياس بدراسة هذا الأمر وحضرت بشأنه أوراق عمل يمكن ان تسهم فيها النقابات والروابط؟ هل تساءلنا عن تأثير هذا الحجم على مقدرتنا الدفاعية ورفع مستوى التحدي الذي نتبناه؟ .

أسئلة كثيرة تتداعم، مثلما تداعت قبل خمسة عشرة (27-2-80) ولكنها تجد اليوم طريقها إلى القارئ دون ان يحتفظ عليها صحفي محدود الفهم أو إداري لا مبال .

اجل إنها تتقدم إلى القارئ على أرضية المسئولية المشتركة، ومن قاعدة كلنا شركاء في هذه الأرض لنا ما لها وعلينا ما عليها ، بل ان الذي كان ذات يوم فرحا بمسئوليته الإعلامية هو اليوم بدون شك يعيش مثلنا هذه الأسئلة، ويحمل مثلنا هذه المسئولية ويواجه كل أبعادها .



__________________________

مرة أخرى ... تبعات النمو السكاني

أمين مازن

[[ نشرت في منتصف التسعينات بمجلة لا ]]

للمرة الثانية، أحب ان أطرح موضوع النمو السكاني الذي أثرته في هذا المكان، من هذه المجلة، في الأشهر الماضية، والذي تناولت فيه مخاطر اختلال العنصر البشري بين الذين يسكنون على هذه الأرض من باب المواطنة الحقيقية، وأولئك الذين حلوا بها لهذا السبب أو ذاك، ونتج عن وجودهم كم هائل من الإشكاليات التي طالت مصلحة المواطن، غذاء وسكنا وأمنا، ولم يعد من الممكن تجاهلها .

وما يدعونا لهذا التناول في الحقيقة هو تلك الإجراءات التي قامت بها الهيئة العامة للقوى العاملة والمتمثلة في إصدار تعليماتها بتصفية أي امرئ لا يحمل جنسية هذه الأرض وليس لديه تصريح بالعمل وقرار بالإقامة وترتيبات محددة تشمل السكن والضرائب والبطاقة الصحية إلى آخر تلك الشروط التي يجري بها العمل في كل البلاد التي يتسع مجال العمل فيها لغير المنحدرين منها أصلا والحاملين لجنسيتها قانونا وهي شروط يقتضيها الحرص على مصالح هؤلاء المستخدمين كما يفرضها بذات القدر عدم التفريط في مصلحة المجتمع، أي مجتمع.

وكنا إلى فترة قصيرة نحرص عليها ونتمسك بها ، ولم ينل من المتمسك بها سوى ذلك الإجراء الذي اتخذ بشأن فتح الحدود أمام الإخوة العرب والأفارقة، في الدولة من الثورة لدفع بقية الأقطار العربية والأفريقية للعمل بهذا الأسلوب، في حين ظلت تلك الأقطار متمسكة بنظمها وقيودها وما يترتب على ذلك من محافظة على امتيازات مواطنيها، وتحفظ لا حد له لكل من يفد من هنا أو هناك، يستوي في ذلك المواطن الليبي بينه وبين كل الوافدين في مختلف الامتيازات، والمواطن الآخر الذي لم تقم بلاده بمثل هذه المبادرة، وهو إجراء كان يحمل بوادر الإخفاق من أساسه باعتباره توجها من جانب واحد وبالتالي فهو لا يقوم على الحيطة الضرورية .

وكما قلنا في معالجتنا السابقة لمثل هذه الإشكاليات فإن الزيادة المهولة في عدد غير الليبيين الذين ملأوا تراب الجماهيرية لم يكن في واقع الأمر موضع ارتياح من أطراف كثيرة لا سيما في السنوات التي فرض فيها الحظر الجوي على الجماهيرية، وهو حظر بادر بتطبيقه الأشقاء قبل الأعداء، بحيث أسهم هذا العدد الكبير من القاطنين بدون إقامة في مضاعفة درجات الاستهلاك في السلع المدعومة والأخرى المستوردة بالعملة .

وهكذا فإن ما أقدمت عليه الهيئة العامة للقوى العاملة بإصدار تعليماتها إلى الأجهزة القادرة بضرورة إخراج أي غريب لا يحمل إذن عمل ولا يتمتع بحق أي إقامة تضمن له حقوقه وتفرض عليه أداء واجباته ، يعتبر استجابة صادقة لحاجة المجتمع ومراعاة لما تثيره الصحافة الوطنية ويطرحه المشغولون بمشكلات الواقع أولئك الذين يدركون المصالح الوطنية ويتلمسون المشكلات، ولا يتحسسون من إثارتها والسعي المستمر لحلها، وإلا فما هو سر هذه الحملة الصحفية التي تحركت من أماكن كثيرة وبترتيبات غير خافية بشأن هذا الإجراء السيادي الذي أملته ضرورات تنموية وصحية وأمنية علينا نحن أبناء هذه الأرض .

وكيف يتم هذا التوافق العجيب بين كل الأجهزة الإعلامية العربية وغير العربية لإدانة الموقف الليبي والحرص على استبعاد المسألة الاقتصادية حتى يمكن تجريد هذا الموقف من أي تعاطف شعبي يتطلبه الموقف .بيد ان هذا التوجه لم يكن لينطلي على أوساط عربية كبيرة ظلت تسخر من تلك الحملات الإعلامية المغرضة التي حاولت بشكل مضحك إخفاء دوافعها الحقيقية، وهي دوافع تسعى أولاً إلى التمهيد لتجديد قرار الحظر الجوي بعد ان استحال فيما يبدو الاقتراب من موضوع النفط بسبب المصالح الأوروبية التي ما زالت تقتضي السعي من اجل استمرار تدفقه، وترمى من جهة أخرى إلى شغل الجماهير العربية عن قطار التسوية الذي ما زال يمرر وتسوى أمامه الطرق بالحفاظ على الأزمات أمام المهرولين نحو مزيد من الهرولة، وبين هذه وتلك كانت إجراءات أخرى وصعوبات أخرى يمكن لكل من يلحظ ما يجري بمسئوليته ان يقف عليها ويكتشف أبعادها ودوافعها والمستهدف من ورائها .

من جهتنا نرى ان يدعم هذا التوجه الذي أخذت به الهيئة العامة للقوى العاملة وألا تصرفنا بعض التجاوزات التي حصلت والأخطاء التي ربما رافقت التنفيذ عن جوهر المسألة ونعني به عدم الاختلال بالتوازن البشري .

لقد كان الفراغ البشري وما زال معضلة من المعضلات التي تواجه واقعنا وسيكون من أوكد واجباتنا الوطنية ان نقف أمامه بمسئولية ونتصرف إزاءه بوعي وألا تشغلنا عنه أية ظروف مؤقتة قد تجعل بعض أجهزتنا تغض النظر عن طرف من الأطراف لأن المسألة تتصل بموقف مبدئي لا علاقة له بأي ظرف مؤقت أو علاقة طارئة .

لقد حذرنا من مخاطر الخلل السكاني ونرى أننا نقف كل خطوة تتم في اتجاه تنظيم هذا الأمر وإعادة ترتيبه بما يضمن حقوق المواطن ويصون مصالحه سكنا وغذاء وأمنا وعلما، فهو الذي دفع الثمن بالأمس والذي يستمر في دفعه اليوم، وقد يتضاعف ذلك في الغد .

أن الحديث عن هذا الموضوع ليس بالأمر الهين كما قد يتصور البعض وليس بالذي يهم طرفا دون آخر، ولا يجوز لأحد ان يقلل من خطورته لقاء بعض المصالح الآنية المتصلة ببناء بيت من البيوت أو تشغيل أي شغلانة بسيطة يترتب عليها شيء من الدخل في هذا المجال أو ذاك، كما ان بعض الكتابات غير المسئولة ولغة التعالي التي انطلق منها البعض في تناولهم لهذه المشكلة تحمل في جوهرها مجموعة من الرسائل التي لابد لكل مدرك ان يتوقف أمامها ويتدبر محتواها بعمق ، لا من اجل التصرف عن طريق رد الفعل المضاد، وإنما لمعرفة الطريقة التي يتم بها توجيه الرأي العام، والإصرار الواضح على خلط الأوراق وعلى الربط المتعسف بين الإجراءات الإدارية والتدابير التي طالما لجأ إليها الغير، وتطرح الآن وكأنها تتصل بحقوق الإنسان ومعاداة العروبة والتنكر للانتماء القومي . وجميعها محاولات لا تخفي الرصيد الهائل من سوء النية وسوء الاستغلال لكل مبادرة قمنا بها في فترة من الفترات .

ولم نضع فيها حسابا لذلك الرصيد الكبير من المناورة التي لا يتردد البعض في اللجوء إليها حين تفرض المصلحة ذلك مهما كانت مجافاة الحقيقة ومهما كان الإسراف في

المغالطة



_________________________.

الخليج العربي وأزمة ردود الأفعال

أمين مازن

[[ نشرت في منتصف التسعينات بمجلة لا ]]

أعود في هذا المقال إلى هموم "الخليج العربي" التي تحدثت عنها في غير هذا المكان، وهذه العودة تفرضها عوامل كثيرة ومتشعبة يمكن إجمالها في أهمية الخليج من حيث المواقع والإمكانيات والدور التاريخي السابق واللاحق على السواء، كل ذلك في إطار التحديات التي تواجه أمتنا العربية مجتمعة ومتفرقة عبر هذه المرحلة الحساسة من تاريخنا وتاريخ البشرية قاطبة .

وبعيدا عن المجاملة والمكابرة أيضاً، فإن الخليج يطرح مشروعا له نسقه وترتيباته، وله كذلك دوره في عملية الصراع الذي تدور رحاه في تلك المنطقة وما تواجهه من تحديات خطيرة تتصل بالهوية والحدود والنظم السياسية والبنية الجغرافية والديمغرافية .

وبكلمة موجزة: ان الأمر يتصل بمساحة الأرض وطموحات الناس وآمالهم حاضرا ومستقبلا .

وقد كان " مجلس التعاون الخليجي" من الصيغ السياسية الفاعلة التي اضطلعت أو حاولت ان تضطلع بإشكالات "الخليج العربي" وترتيب دوره، ومواجهة سلبياته بصرف النظر عن أهمها ومهمها، ومواقفنا إزاء النظم الاجتماعية والسياسية القائمة هناك .

وحجتنا في هذا القول تعود إلى انطلاقنا من تحليل يرى ان الواقع – أي واقع – لا يمكن قفزه، وان المراحل التاريخية لا يمكن حرقها مهما خيل للبعض ان الأمر ليس كذلك، كما ان المخاطر التي تواجه "الخليج العربي" تجعل من صيغة "مجلس التعاون الخليجي" شكلا يمكن الاستفادة منه والتعويل عليه لو صحت النية والعزم على تفعيله والخروج من ذلك الواقع البائس والذي ترتب على نحو خاص عقب الاجتياح العرقي للكويت، وما ترتب عليه من عدوان استعماري لم يتوقف عند إخراج القوات العراقية من "الكويت" وإنما عمد إلى تدمير هذه القوة بالكامل والوصول إلى احتلال التراب وتمزيق الوحدة العراقية بدعوى حماية القوميات وحقوق تقرير المصير، مع غض النظر عن ذلك في مناطق أخرى! وذلك في إطار خطة ترمى في  المستقبل إلى تمزيق كيانات عربية أخرى قد     لا يكون القائمون عليها منتبهين بما فيه الكفاية أو أنهم يريدون ان يحجبوا أنظارهم عن الانتباه أو ان لديهم من المبررات ما يدعوهم إلى التظاهر بذلك لضرورات    لا نعرفها .

وقد برز الموقف غير المريح بالنسبة لمجلس التعاون الخليجي منذ ان تطورت "حرب الخليج" إلى المستوى الذي سبق التنويه عنه وتجسد بشكل واضح في عديد من المواقف المعادية للأمة العربية سواء بترحيل آلاف العمال اليمنيين والفلسطينيين وتجميد حقوقهم ومصادرة أملاكهم الثابتة – وبالمقابل فتحت الأبواب على مصاريعها أمام الجنسيات الآسيوية لتستفيد من الفرص وتسد الفراغ الذي أدى إليه ذلك الترحيل الجمعي مما شكل استخفافا بالمشاعر العربية وتجاوزا لحقوق القرابة والمصالح المشتركة ونظرية "الأقربون أولى بالمعروف" وبالتالي التمكين لمخاطر جديدة لا يستطيع احد ان ينكر آثارها المرتقبة، وذلك لأن الموقف من الوجود العربي الذي اتخذ ذريعة بالنسبة لليمنيين والفلسطينيين من الموقف السياسي من الحرب، شمل أيضاً المصريين والسوريين بالرغم من ان الموقف المصري والسوري كان إلى جانب محاربة "العراق" حتى لقد صدق هنا المثال المعروف "جزاء سنمار" مما أكده ان الأمر لا صلة له بالأحداث القريبة بقدر     ما هو مرتبط أوثق الارتباط بمخططات قديمة دأب العاملون عليها ان يقتنصوا كل الفرص لفرضها كأمر واقع .

إن الأمر فيما يبدو يصدر عن ترتيب مسبق وممارسة مبيتة تهدف إلى صرف الذاكرة العربية عن كل ما يجري في "الوطن العربي" حتى لقد أصر المشاركون في اجتماعات "مجلس التعاون الخليجي" الذي تحدد في نهاية السنة الماضية على صرف النظر كلية عن جميع المشكلات التي تواجه الأمة العربية في بيانهم الختامي .

نعم لقد ضن هؤلاء الأشقاء على القضية الفلسطينية وهي التي تمثل قطب الدائرة في الصراع العربي، بتأييد استمرار المقاطعة للكيان الصهيوني، سواء اعتبرنا المقاطعة موقفا مبدئيا أو جزء من التكتيك السياسي، بمعنى ان المقاطعة تعتبر وسيلة من وسائل الضغط الفاعل في اتجاه التحرير أو في اتجاه تقوية جانب المفاوض العربي، وبالتالي فلا مبرر لتجاهلها تحت أي ظرف من الظروف .

كما صرف هؤلاء الأشقاء أيضا أنظارهم كاملة عن الإجراءات القسرية التي تطبق على "الجماهيرية" متجاهلين ذلك الموقف المبدئي الذي بادرت به الثورة الليبية من "جزر أبي موسى وطنب الصغرى والكبرى" منذ أوائل السبعينات وهي جزر اقتطعت من العرب وألحقت بإيران الشاهنشاهية وبقيت كذلك عقب الثورة الخمينية .

كذلك عجز هؤلاء الأشقاء عن الارتقاء إلى مستوى المسئولية بالنسبة لما يجري الآن في "العراق" وما يتعرض له شعبه من تمزيق وتشريد ، إذ لو كان الخليجيون بمنأى عن ردة الفعل السيئة لأدانوا ولو باللغة اللينة ما يتعرض له "العراق" من اعتداء وملاحقة، لأن هذا ليس في صالح الأمة العربية ، بل إنه بالدرجة الأولى ينذر بمخاطر لاحقة للخليج بدون "العراق" القوي الموحد،         ولا فاعلية له أيضاً بدون "اليمن" الموحد الخالي من الاقتتال ومن الضغط عليه بقفل الفرص أمام أبنائه وإرباك مشروعه الوحدوي .

حقا إننا لا نقلل من حجم المعلومات المتوفرة لدى عديد الأطراف الخليجية، وندرك أهميتها في تحديد مجريات الأمور، خاصة حين نتذكر تلك الاتصالات التي جرت عقب الاجتياح العراقي للكويت وما كان مطروحا بعدها من فكرة إعادة ترتيب الخريطة العربية وكيف استطاعت الأطراف الخليجية ان تحول دون بعثها من جديد وتوجيه المسألة نحو الشكل الذي آلت إليه، لكن الذي نخشاه بحق هو الاستمرار في اعتماد هذا الأسلوب، إذ ما كل مرة تسلم الجرة. وليست كل الأوراق التي تربح اليوم تصلح للربح في الغد، إذ لا يستبعد أبداً ان تؤذن بعض الترتيبات القادمة بافتعال حروب جديدة وفتن جديدة والذرائع ولله الحمد كثيرة وسهلة .

ومن هنا فنحن نرى ان أهل  الخليج مطالبون اليوم – وأكثر من أي وقت مضى – بضرورة الالتفات الجدي إلى الواقع العربي والتحرك في إطاره، لأن المخاطر واحدة مهما خيل للبعض ان الأمر ليس كذلك، وأن الحلول الفردية يمكن ان تكون مجدية .

إن عقود التسليح الكبيرة لن تفيد سوى سماسرة السلاح، وإجراء المناورات مع الأطراف الدولية لن يحقق سوى الترفيه والاستفادة من المياه الدافئة للجنود الأجانب ولا سيما "روسيا القيصرية" التي تمارس انهيارا لا نظير له أمام اللوبي الصهيوني العالمي .

وإذا ما اعتقد الخليجيون ان العرب سيهددون أنظمتهم المستقرة، فأولى بهم ان يعلموا قبل ذلك ان القوميات الأخرى ستكون أشرس وأخطر، لأن الفراغ حين يملأ فلابد لمن يملأ هذا الفراغ من ممارسة دوره الحقيقي في المستقبل، والسياسي الماهر هو الذي يفلح عادة في اختيار أخف الضررين .

إن هذه الكلمات التي قد تبدو متصفة بالتعميم وخالية من الوضوح الذي تفرضه المعالجة الصحفية ليست بالتالي تخفى على المعنيين بالأمر من أهل الخليج قبل غيرهم، بل إنها بالنسبة لهم أوضح من الوضوح، ولهذا فنحن نكتفي بطرحها هكذا لأن الأمر لا يعدو ان يكون نوعا من التفكير الهادئ إزاء قضية مصيرية تمس الحياة العربية ماضيا وحاضرا ومستقبلا، وليس أمامنا إلا ان نعيشها بكل الجدية وبكل الإحساس القوى بالمسئولية أيضاً


__________________________

بعيداً عن الانفعال

أمين مازن

[[ نشرت في منتصف التسعينات بمجلة لا ]]

كما يحدث دائما ، وفي كثير من شؤون واقعنا ، خرجت علينا صحيفة الجماهيرية – فجأة – بأكثر من مقال يدين توجه الثورة الماضي الذي سار في اتجاه العرب طوال العقدين المنصرمين .

وتدعو هذه المقالات صراحة وفي شيء كبير من الحدة إلى ضرورة تغيير هذا التوجه غير المفيد بقصد الانصراف نحو الغرب والعمل على تحسين العلاقات معه بل والارتباط به في كل شيء لأن العرب لم يقوموا بما كان يجب عليهم ان يقوموا به نحونا .

وكما يحدث دائما وفي مثل هذه الظروف أثارت هذه المقالات التي ساهمت فيها كذلك صحيفة الزحف الأخضر عدداً لا بأس به من الأسئلة انقسم المتلقون لها ما بين منتظر لخطوات أخرى وشيكة الحدوث بوصفها مقالات عن صحف تصدر عن حركة اللجان الثورية، وبين مستبعد لحدوث أي شيء عملي انطلاقا من موقف يرى ان الأمر لا يعدو كونه محاولة من المحاولات الرامية إلى إثارة الحوار حول مختلف الشؤون، لا سيما ذلك الموقف غير الجاد الذي ألتزمه العرب أنظمة  وجماهير إزاء ما اصطلح على تسميته بأزمة "لوكربي" التي لم تكن في حقيقتها سوى محاولة من محاولات الغرب الكثيرة الرامية إلى زعزعة أمن الجماهيرية وإجبارها على تغيير خياراتها ومواقفها في مجموعة من السياسات التي يراد لها ان تسير اليوم وفق مخطط إمبريالي محدد بدأ بحرب الخليج وصولا إلى ما يجري في شمال أفريقيا بأكثر من أسلوب وأكثر من وسيلة تصب جميعها في اتجاه تعطيل كل محاولة تحديث في هذا الوطن العربي الكبير .

والواقع ان مبدأ الانتقال من الشيء إلى نقيضه الذي طالما ميز بعض ممارساتنا قولا وعملا، سيظل دائما من الأمور المربكة والمثيرة لكثير من الأقوال  بل والكثير من الشكوك أيضاً وسيكون علينا – ما لم نتحسب لهذه المسألة مستقبلا – ان نتحمل أي موقف يتخذ إزاء ما يثار من قضايا وما يطرح من إشكالات .

وإذا كان هذا قد تم في الماضي بالنسبة لبعض المواقف المتعلقة بالأطراف العربية هنا وهناك، وكان مدعاة إلى حذر الكثيرين فإنه سيكون أعنف من ذلك حين يكون الأمر متصلا بالمسألة العربية عموما، أي بالموقف من مسألة الهوية العربية .

ودون حاجة منا إلى المزايدة على ما طرح نستطيع القول بحق ان الموقف العربي لم يكن إطلاقاً بحجم المؤامرة، ولم يكن كذلك بحجم الموقف الليبي إزاء العرب وقضاياهم عموما، ذلك الموقف الذي طالما برز شعبيا قبل الثورة وتأسس بشكل منقطع النظير بعد تفجر الثورة وعلى مدى العقدين اللذين انفرطا على قيامها.

حيث ظل التوجه القومي هو البارز وما سواه ان لم يوصف بالخطأ فبغير الصواب على الأقل! .

غير ان المسألة – في رأينا – لا يمكن ان يتم تناولها بهذا التصور المثالي، ففي عالم السياسية – كما تقول ابسط الأبجديات المتصلة بهذا العلم –  لا توجد إلا المصالح .

وفي زمن القطب الواحد لا يوجد المجال الكافي للمناورة الأمر الذي يفرض التفكير في تجديد الأساليب لمن يعنيهم الأمر مباشرة أو الذين لديهم من الأولويات ما يجعل مشكلتنا نحن الليبيين لا تكتسب الترتيب الأول، لأن المسألة ليست مسألة قربى ودم بقدر ما هي مسألة مصالح وحسابات أخرى .

اجل إن علينا – ان أردنا ان تكون نظرتنا للأمور أكثر وعيا وحساباتنا للمواقف كذلك أكثر دقة – ان ندرك بادئ ذي بدء حقيقة الواقع العربي والمكونات التي يتكون منها، عسانا نصل بواسطة مثل هذه النظرة إلى توقع النتائج ان لم يكن بشكل دقيق فعلى الأقل يمكن ان نسلم من بعض المفاجآت .

ولعل أول ما ينبغي إدراكه في هذا الصدد ان هذا الواقع – وخلافا لما ورد فيه من شعارات قومية ومقولات وحدوية – هو واقع سياسي متكون وهو في كل جزء من أجزائه ينطوي على مصالح وأولويات ، وأن هذه المصالح وتلك الأولويات كثيرا ما تصطدم بغيرها في الوطن العربي .

بل إن بعضها يقوم أصلاً يقوم على التناقض، وبالتالي فليس سهلا ان يفلت طرف من الأطراف أو يتمكن من تحقيق شيء ما خارج إطار اللعبة الكبيرة، وان ما يتم دائما هو التوفيق بين مصالح كل الأطراف .

قطعا هناك رأي يقول بأن كل شيء – وفي معظم الظروف – بيد القوى الدولية، وفي هذا القول قدر غير قليل من الحقيقة، لكنه ليس الحقيقة كلها، فهذه السنوات الطويلة التي مرت على قيام الكيانات العربية خلقت تراكماتها .

وهذه التحالفات كذلك أنتجت مكاسبها، مما يجعل من المستحيل ان نفك كل الارتباطات أو ان نستبعد تأثيرها في مجريات الأمور .

ونحن حين نطرح الأمور بهذه الكيفية نستطيع ان نتعامل معها بحجمها وفي حدود ظروفها، إن الأزمة التي نمر بها هي أزمة خانقة وجد صعبة، لكن علينا ان نحذر من ردود الأفعال، وعلينا ان نحذر من المبالغة في كل شيء، كما ان طموحنا إلى الموقف الأصلب ينبغي ألا يصرف أنظارنا عن إدراك ما تم إنجازه بالفعل ولو من اضعف النسب .

ان ضيقنا من سلبية الموقف العربي لا يمكن ان يبيح التنكر للخيار القومي، ليس فقط لأن المسألة تتصل بالهوية أو الوجدان، بل لأن المصلحة أيضاً لا تتحقق إلا عبر هذا الخيار، وليس هناك من منطق واحد يجيز التقوقع لأن التقوقع يعني انعدام الدور وانعدام الدور يعني الضعف والامحال، غير ان الرأي الذي ارتفع منذ فتح الحدود والذي يقول بأن الانفتاح ينبغي ألا يكون على حساب حاجات المواطن الاستهلاكية ولا على حساب السلع المدعومة، وأن المواطن في زمن الانفتاح يجب ان يحقق مزيدا من السعادة وليس العكس هو الجدير بالتبني.

ونحن لو أردنا ان نكون منصفين فلابد ان ندرك ان كل إجراء يتخذ لابد ان تكون له فوائده التي يفلح في جنيها عادة الأذكياء، وتبعاته التي يتحملها عادة المغفلون، وأن المغفلين عادة هم الأغلبية الساحقة من أبناء الشعب .

على ان المشكلات لا تعالج في الحقيقة بكلمة عابرة أو برأي يدفع إليه الإحساس بالمرارة، وما يكون لنا مطلقا ان نتراجع عن أشياء اعتبرت بمثابة المكاسب القومية ولكن فقط لابد من الضوابط ولابد من الحد من الخسائر بقدر الإمكان .

ومن هنا فإن المواطن الليبي لن يستفيد أبداً من هذه المقالات الغاضبة التي تدين التوجه القومي للثورة أو تشكك في إمكانية تحقيق أي نصر عن طريق العرب، فالعرب مجموعة من الكيانات السياسية وجد أكثرها في ظل مصالح دولية محددة، وما زال بعضها مرتبطا أوثق الارتباط بهذه المصالح، بل إن أمنه من أمنها ،وقد حدث ذلك منذ ثورة الشريف حسين التي ظهرت مع تفسخ الإمبراطورية العثمانية وبدء النشاط القومي في تصفية تركة الرجل المريض، وحدث مرة أخرى حين صفيت تلك الثورة وحيل بينها وبين تحقيق الدولة الواحدة بصرف النظر عن ارتباط تلك الثورة بالمصالح الدولية، حتى إننا رأينا ذلك الصراع المرير الذي قاده النجديون في الحجاز من ناحية وقاده الشاميون في سوريا الكبرى من ناحية أخرى، لقد غيبت حقائق هذه المرحلة تغييبا كاملا حتى لقد نشأت لدينا أجيالٌ لا تدرك خبايا هذا الصراع ولا تدرك أبعاد تلك التحالفات .

ونحن نشعر اليوم ان المواطن الليبي سيستفيد بحق حين توضع أمامه كل هذه الحقائق وحين يسود لدينا الإدراك بأن العمل الوحدوي ليس دائما من صنعنا فقط، وأن حتميته مرتبطة بأوضاع كثيرة لكن المهم فقط كيف يكون إسهامنا في هذا العمل الوحدوي، وكيف ستعيش الأجيال .

ومن هنا فإن مسألة بناء الإنسان تعتبر اليوم أكثر إلحاحا من أي أمر آخر وهذا يعني ان سياستنا التنموية ومناهجنا التعليمية لابد لها ان تراعي ضرورات العصر واحتياجاته، وأن إنسان القرن الحادي والعشرين لن تفيده أبداً هذه الشكليات التي تملأ حياتنا وممارساتنا لاسيما في مجال الدراسة .

ان بلادنا تتمتع ولله الحمد بموقع خاص، وهو موقع يهيئها لأن تكون نقطة من نقاط الاتصال المهمة بين الوطن العربي التي هي جزء منه وبين جنوب أوروبا الذي يسهل علينا الاتصال به أكثر من أي مكان آخر ، ونحن نعتقد ان المواطن الليبي حين لا يواجه اختناقا في المدارس والمستشفيات، وحين لا يواجه نقصا في السلع، وحين لا يرتفع لديه منسوب الجريمة، فلن يكون لديه أي ضيق من كل أشكال الوجود العربي .

بقى ان نؤكد ان الحوار في هذه الأمور ينبغي ان يستمر، وان يتصف بالموضوعية، وما أجدر الكتابات ان تبقى في إطار وجهة النظر الشخصية القابلة للأخذ والرد، الرفض أو القبول، بعيدا عن الافتعال والانفعال



_________________________.

قراءة في واقع الجامعة العربية

أمين مازن

[[ نشرت في منتصف التسعينات بمجلة لا ]]

بانتهاء الربع الأول من هذه السنة، تكون الجامعة العربية قد بلغت نصف قرن في عمر الزمن، وهي فترة تقتضي الوقوف المسئول، أمام رحلة هذا المشروع القومي، الذي حاول مؤسسوه ان يحققوا به شيئا من العمل الجمعي في فترة تاريخية مهمة وظروف دولية بالغة التعقيد والتداخل.

وليس ثمة شك ان هذا الأمر وغيره كان ماثلا لدى أطراف عربية كثيرة حاولت هذه المرة ان تتوقف أمام ذكرى تأسيس الجامعة العربية، في إطار احتفالي، قصد به على ما يبدو تفعيل دور هذه المؤسسة التي وجدت منذ تأسيسها أشكالا من سوء الفهم ولم تقابل في الغالب إلا بكل ما ينال من المسيرة، ويؤثر في تحقيق الدور المنشود .

ونحن نعلم ان هذه المنظمة قد تأسست سنة 1945 عشية انتهاء "الحرب العالمية الثانية" التي أذنت باندحار قوات "المحور" ووقوع المناطق التي كانت خاضعة له في أيدي "الحلفاء" ومن ثم بداية الصراع بين القوى المنتصرة لنيل الحظ الأوفر من غنيمة الحرب التي لم تكن سوى الشعوب المستضعفة وثرواتها الطبيعية المنظورة وغير المنظورة .

فكانت فكرة إعطاء الاستقلال أو تقرير المصير – كما أصطلح على التسمية – لمناطق كثيرة ومن بينها "الوطن العربي" وكانت فكرة تجميع هذه الكيانات وفق صيغ جديدة هدف القائمون عليها إلى خلق مناخ التعاون ، وحاولت القوى المنتصرة ان تنظم بها ما تعتزم ممارسته من الهيمنة والتسلط ولكن تحت أقنعة محكمة وستائر متعددة، اقتضتها ضرورات اللعبة الجديدة .

لقد كانت فترة حرجة بحق، تلك التي ولدت فيها "جامعة الدول العربية" تمثلت في أفول نجم الإمبراطورية البريطانية التي ظلت طوال ما قبل تأسيس الجامعة العربية تبسط نفوذها على مناطق عديدة في "الوطن العربي" ذلك النفوذ الذي دفع ببعض الوطنيين العرب إلى التفكير في التعاون مع النازيين تبعا لفكرة [عدو عدوى صديقي] فيما عمدت أطراف أخرى إلى رفض هذا التوجه، إما لإدراكها لفساد الفلسفة النازية أو لأن بلدانها كانت خاضعة للاستعمار الفاشي مباشرة، الأمر الذي انعكس بسرعة على الواقع الجديد، حين بدأ الصراع الحاد بين حلف الأمس إذ انشغلت "روسيا" ببناء الستار الحديدي وإقامة الأنظمة الموالية لها في "أوروبا" الشرقية ومناصرة المقاومين الوطنيين في كل من "الصين" و"كوريا" وبدأ الغرب في إعادة ترتيب "الشرق الأوسط" و"شمال أفريقيا" ولكن تحت الإرادة الأمريكية .

ومن ثم لم يستطع أي مشروع خطط له خارج هذه الإرادة أن يخطو خطوة واحدة إلى الأمام، فبقى بالتالي كسيحا وفاقدا لدوره من البداية ، بالرغم من أنه – أي المشروع – كان يقطع الخطوات الأولى في التأسيس .

ولأن الجامعة العربية مشروع لم يخرج من الجبة الأمريكية فإن جملة المصاعب بدأت مبكرة، وذلك بالرغم من أن الجامعة قد حاولت ان تقوم ببعض الأدوار في القضايا العربية المطروحة ولا سيما القضية الفلسطينية ، وحركة تحرير المغرب العربي والمشاركة في الدفع بالقضية الليبية في اتجاه الاستقلال .

ان إدراك هذه الحقيقة هو الذي يعيننا على فهم أبعاد تلك الحملات التي شنت على الجامعة العربية ، وتحميلها كل أنواع الإخفاق التي حلت بالوطن العربي، بالرغم من أنها لا تعدو ان تكون محاولة من محاولات التنسيق وفي إطار الحد الأدنى بين مجموعة من الكيانات السياسية التي تكونت ضمن شروط مختلفة وعبر مصالح متعددة ومتضاربة أيضاً.

وهكذا فإن العرب بدلا من ان يحاولوا تطوير هذه المؤسسة غدو يلقون عليها الملامة تلو الملامة ويحملونها الوزر تلو الوزر، بحيث عجزوا عن الاستفادة من قدراتها المتواضعة .

والواقع ان البلد الذي اضطلع بالقسط الأوفر "مصر" في تأسيس الجامعة ومنذ ظهور ثورة (23) يوليو لم يولِ اهتماما حقيقيا للجامعة العربية ، بل إنه غدا ينظر إليها كجزء من الماضي، وبقيت أمانتها العامة التي تشكلت قبل الثورة إلى حين انتهاء المدة القانونية وحلول بديل آخر اثر الميل إلى السكون والى عدم القيام بأي دور تحديثي، وتعليل ذلك في نظرنا ان الصيغة لم تكن متمشية مع الطموح أو ان الإشعاع الناصري لم يكن بحاجة إلى مشروع الجامعة .

من هنا كان ضمور دور الجامعة طوال الخمسينات والستينات وكانت إثارة أمرها في أكثر من لقاء عربي ومن أكثر من طرف عربي ، لعل ابرز طرح تم في هذا الخصوص ذلك الذي تعلق بشخص الأمين العام والذي دعت إليه الثورة الليبية بالذات في أوائل السبعينات عندما طرحت أسماء بارزة لتقلد هذا الموقع .

لقد كانت الدعوة الليبية – ودون أي مجاملة أو تحيز قطري منا – جريئة بحق ومنصفة بحق، حيث دعت إلى ضرورة إسناد الأمانة إلى شخصية عربية نافذة وقادرة على الجهر بكلمة الحق، وقد ظهر صواب هذا الفهم بعمق حين الإقدام على زيارة "القدس" الشهيرة، وما تلاها من نقل للجامعة وإجراءات أخرى كثيرة ما كان لها ان تحصل لو وجد الأمين العام الذي يملك القرار المستقل.

غير ان المؤسف حقا ان الخلف لم يختلف عن السلف بل لقد كان مجاريا له إلى حد كبير وبالذات في اختيار الملاكات الأخرى، ابتداء من الممثل الشخصي للأمين العام الذي لم يراع في اختياره أي اعتبار مقنع .

إن الحديث عن هذه الفترة يطول، كما ان ملابساتها أكثر من ان تحصى غير أنها قد تهم المؤرخ أكثر مما تهم الذي يريد ان يتكلم عن الحدث أو يتناول الوضع الراهن، ونحن هنا لا نريد إلا الحديث عن الوضع الراهن، ولا نريد إلا ان نقول كلمة في مؤسسة ما زلنا نؤمن بجدواها ونثق في إمكانية تفعيل دورها وإزاحة ما عساه قد اعتراها من الوهن ووقف بطريقها من المصاعب .

ومن هنا كان سرورنا بما نظم حول الجامعة من لقاءات هذه السنة وما قيل بشأنها من آراء وما عقد كذلك من ندوات، مما حدا بنا إلى محاولة الإسهام في هذا الحوار الذي أثير حول الجامعة العربية .

والواقع أننا على ضوء مراجعات كثيرة وتجارب أكثر، نرى ان صيغة الجامعة العربية ما زالت من الصيغ العملية بحق والمتمشية إلى حد كبير مع الظروف العربية والأوضاع العربية، وما ينقصها أو ينال من جدواها في الحقيقة هو انعدام الجدية العربية، وربما نذهب إلى أكثر من ذلك فنقول انعدام المصداقية العربية إذ لو وقع تلافي هذا النقص لأمكن تحقيق الكثير والكثير جدا .

وعندما يطرح الآن موضوع الجامعة العربية وعندما تتنادى أقطار كثيرة للاحتفال بعيدها الخمسيني و "الوطن العربي" على ما هو عليه من التشرذم والانقسام والاحتلال المباشر وغير المباشر والحظر الجوي والحصار من كل المنافذ، ومسلسل الفتن الداخلية وحملات الإرهاب ومسلسلات العنف ما الذي يمكن ان يقال، وما الذي يمكن للجامعة ان تفعل . 

لقد استمعنا إلى آراء كثيرة، وكلمات احتفالية أكثر عن هذه الجامعة وبالذات في بلادنا، وهو أمر غير مستغرب، فما أكثر الذين يحركهم المناخ ، ما أكثر الذين يملكون القدرة على الجمع بين الاحتفال وطرح المشروع البديل! فهل حقا ان هذه الجامعة قد استطاعت ان تتخلص من كل سلبياتها وأنها غدت قادرة على فعل كل شيء إزاء هذا الواقع العربي، حتى إن بعضنا يطرح فكرة استحداث (برلمان) عربي لهذه الجامعة ، ناسيا أو متناسيا ان الأنظمة العربية لم تصل إلى أي موقف حاسم في هذه المسألة ، بل إنها لا تختلف إزاء أي شيء كما تختلف بصدد هذا الأمر، ويكفي ان نتذكر ان الواقع العربي لا يتجاوز ثلاثة أوضاع كلها ليست في صالح هذا الطرح ، فمن الذين يرفضون فكرة النيابة من الأساس، إلى الذين يلوون عنقها عند التطبيق، إلى الذين يتولون التعيين من تلقاء أنفسهم، فكيف إذن يسوغ للبعض ان يطرحوا فكرة هذا البرلمان المزعوم؟.

مع ذلك كله، فإن "الجامعة العربية" ينبغي ان تفعل وينبغي ان يتم الحفاظ عليها، ولابد للقائمين عليها من التحلي بقدر أوفر من الجرأة ومن توكيد الشخصية المستقلة التي لا تمل التنقل بين العواصم العربية، ولا تتأثر بأي هوى قطرى، مهما كان لسلطان العاطفة من وقع النداء .

ولعل هذه الجامعة وهي تحتفل بعيدها الخمسيني ان تتبنى فكرة المصالحة العربية وأن تعلن أمام الجماهير العربية من هم الذين يحبذون فكرة المصالحة ومن هم الذين يريدون استمرار القطيعة، وتمرير سياسة الإنفراد قطرا بعد قطر، ونظاما عقب نظام آخر .

وبشيء من الإيجاز يمكن ان يلحظ المرء ما يحل بالأمة العربية من كوارث وما تواجهه كل أقطارنا من مشكلات، جميعها في حكم القنابل الموقوتة الصالحة للتفجير في أي لحظة، وهو تفجير يملكه العدو بالدرجة الأولى، وإن نكن نستطع إبطال مفعوله حين نبادر وحين نرتقي إلى مستوى المرحلة وما تطرحه من تحديات ومصاعب .

فهل تتبنى الجامعة العربية فكرة الدعوة إلى مجموعة من اللقاءات العربية المبرمجة التي تتوقف بمسئولية أمام ظاهرة العنف بهدف مناقشتها وتقصي أسبابها والوصول بصددها إلى علاج محدد؟ علاج يمكن بواسطته تبصير مختلف الأطراف بأن ما يجري في "الجزائر" مثلا لن يكون لصالح أي طرف عربي مهما خيل له ان الأمر ليس كذلك، وان الاحتكاك بين "السعودية" و "اليمن" الذي كاد ان يؤدي إلى تفجير الوضع لن يكون في صالح أحد بالجزيرة العربية، وأن استمرار البرود في العلاقات المصرية السودانية والعمل على الوصول بها إلى نقطة اللاعودة لن يكون في صالح القطرين الشقيقين.

وبالتالي فليس لمصلحة العرب أجمعين وان كل تواطؤ لتطويل أمد الحصار المفروض على "العراق" وعدم التصدي لمحاولات تمزيق وحدته وتدمير قوته ستكون عاقبته على الصامتين العرب قبل غيرهم ، وأن محاولة ابتزاز            " الجماهيرية" من خلال الحظر الجوي من الأمور التي تصل إلى حد الخيانة .

هل يمكن ان نتوقف أمام الموقف المستهتر الذي يواجه به عدونا الأمور، فبعد أن أقيمت الدنيا تهليلا وتمجيدا وشربت الأنخاب بدأ العدو في ممارسة مواقفه المتوقعة، فالأرض على صغرها لم تسلم ولم يتم الجلاء عنها بالنسبة للضفة الغربية، ومعاهدة الأسلحة النووية يراد لها ان تقتصر على الطرف العربي وحده، وبالجملة فإن كل شيء يراد له ان يسير في اتجاه إعطاء كل شيء وعدم الحصول على أي شيء، والسبب بلا جدال هو ضعف الجانب العربي، هو إغراق العرب في مجموعة من المعارك المفتعلة والخصومات المصطنعة ، مع ان الظروف تقتضي تغيير الحال .

إن مرور خمسين سنة على تأسيس منظمة من المنظمات ليس بالأمر الهين بل إنه حري بأن يدعو الجميع إلى إلقاء نظرة مقارنة على ما كان يجري في ذلك الزمان وما يجري الآن، كيف كان العدو يومئذ وأين أصبح الآن، وكيف كانت أقطار أخرى نظيرة وأين هي اليوم .

على ان ما ندعو إليه ليس هو الكلام المبني على العواطف وليس كذلك الذي يلقي كل الملامة على التجزئة تنفس بعد ذلك الصعداء ولكنه الكلام الذي يقوم على توصيف الحال من منطلق متفتح وذهنية واعية تسمو على توزيع المسئوليات وتتجاوز فكرة إلقاء التبعة المستمرة على الآخرين .

ولا شك ان ارتفاع درجة الحوار في البلد المضيف وتحلي الأمين العام بالتفكير الهادي والموقف القومي إزاء قضايا كثيرة يجعلنا أكثر تفاؤلا وأكثر انتظارا لما يحمله الغد .

والغد – دائما – يحفل بالأمل ، ويحفل بالأجمل ، ويأذن بانتصار الأروع.



__________________________


المجتمع الليبي وأسئلة المستقبل

أمين مازن

[[ نشرت في منتصف التسعينات بمجلة لا ]]

لم نكن مغرمين باختيار العناوين المثيرة، حين طرحنا في الفاعليات الثقافية للاحتفال بأعياد الإجلاء، ندوة [مجتمعنا والمستقبل] ولم يكن المجتمع غير دقيق في حسابه حين اعتمد هذه الندوة، دون غيرها في هذه الفاعليات، فالوجود الأمريكي الذي قبل به نفر من أهلنا، وهم يحاولون تأسيس المجتمع الجديد، عقب تقرير المصير الليبي من "هيئة الأمم المتحدة" وفق تقديرات أملتها ظروف تكوينهم، وربما حتى شروط واقعهم، كان عنوانا لنقص السيادة بدون شك، ومعارضته من قبل البعض كانت دليلا على الطموح والتطلع، أما القدرة على تصفيته من قبل جيل الثورة، ولما يمض من عمر الثورة سوى أشهر محدودة، فقد كان مؤشرا قويا على هوية الثورة وعلى ما تتمتع به من قدرة على التحرك والإنجاز والأخذ بأسلوب الاقتحام المستمر، بقطع النظر عن أية ملابسات قد حصلت بعد ذلك، وأي تجاوزات لا يمكن إنكارها، وإن يكن من الممكن ان يقع الخلاف في تبريرها وتحديد ظروفها واقتراح الحلول الكفيلة بعدم تكرارها.

ان التطلع نحو المستقبل إذن هو الخطوة الأولى لتجاوز سلبيات الحاضر   والقبول بما يشيع فيه أحيانا من مصاعب مؤقتة ومتاعب عارضة.

لكن هذا التطلع ليس كلمة مطلقة، ولا خيالا مجنحا يفتقد إلى أي علاقة بالواقع وما يزخر به من إمكانيات فاعلة، وما يمتلئ به كذلك من ظروف قاهرة تحتاج إلى مزيد الجهد ومزيد البذل والعطاء .

ولعلنا بهذا الفهم حاولنا ان تكون منطلقات الحوار جامعة بين النظري والعملي، الأدبي والفكري، الاجتماعي والاقتصادي، فالمجتمع وهو يتطلع نحو الانعتاق من ظروف التخلف يحتاج إلى جهود هذه القوى مجتمعة، والثقافة وهي تسعى إلى أداء دورها لابد لها ان تخوض كل هذه المعارك، لابد لها ان تطرح كل هذه الأسئلة، بل ان السؤال الحقيقي للثقافة كان منذ الأزل يرفض الفصل بين هذه الأمور .

نحن ندرك ان هناك من سيقول إننا بهذا التوجه نمضي في تسييس الثقافة، وهي تهمة لا ننفيها وشرف لا ندعيه كما يقال، إيمانا منا ان كل جهد فكري لم يكن يوما مجردا من الهم السياسي، انطلاقا من بدهية بسيطة مفادها ان وجود المردود لكل جهد يعني بالضرورة وجود المستفيد . ووجود المستفيد يخلق بالضرورة الآخر المتضرر أو المحروم ، قل كما تشاء!.

ونحن ندرك أيضاً ان هناك من سيقول إننا بهذا الطرح نتبنى التفسير المادي، ولهذا القائل نريد القول بأن التفسير المادي قديم قدم التاريخ، قدم الوجود نفسه، ابتداء من الموقف من الحياة ووصولا إلى الموقف من الحكم ومن توزيع الثروة أيضاً، حتى النهضة الإسلامية التي نفتخر بها والحضارة التي خلدت إلى يوم الناس هذا لم يكن منجزوها متخلصين من مثل هذه النظرة الفلسفية، كما ان عدم تخلصهم من حسن صنيعهم ، بقدر ما يدعو إلى إجلال هذا الدور وإنزاله المنزلة التي يستحقها في دنيا الخلود والاعتبار .

ان المحاولة في جوهرها تقوم على مبدأ المقاربة الشمولية والنظرة التي تسعى إلى تحديد الأهداف بذات القدر الذي تتطلع فيه إلى تحديد الوسائل أيضاً، ذلك ان المستقبل وإن يكن يرتبط بالواقع، فإنه بالضرورة يستعين عليه بجمالية الحلم، استنادا على تجربة حياتية أثبتت ان كل المنجزات الكبيرة إنما بدأت في الأساس من تلك الأحلام الكبيرة أيضاً، بل عن كثيرا من هذه المنجزات كانت في البدء لا تعدو ان تكون محاولة ساذجة منذ أول محاولة للطيران إلى اكتشاف الجاذبية في العصور الحديثة .

ان الموقف من المستقبل يحتاج في مقدمة ما يحتاج إلى ذلك القسط الكبير من الحلم الذي يشحذ الهمم ويرفض القبول بما هو موجود . ويتسلح في موقفه هذا بتلك الثقافة التي تتنزه عن التعالي والانغلاق والإحساس المضخم بالذات ، ثقافة تتبنى الحوار المسئول وتؤمن بدوره في معركة التقدم، تدرك أهمية الأصالة كما  لا تغفل ما يمور في العصر من جديد مستمر وتغير لا يعرف التوقف ولا يرضى بما دون النجوم .

من هنا كانت الرغبة في لفت النظر إلى القرن الجديد والى الآخر الذي يحقق كل يوم قفزات لا حد لها من التقدم، ويسعى بذات القدر وفي مطلع كل يوم أيضاً إلى قفل كل الطرق أمامنا – نحن أبناء العالم الثالث – عن تحقيق أي خطوة نحو المستقبل اللهم إلا ما يضمن له استمرارنا كسوق لتصريف إنتاجه ومخزن   لا ينضب من توفير المواد الخام لصناعاته العملاقة ، مثلما كانت الإشارات الواضحة إلى بعض التفصيلات التي جاءت في المحور الثالث بالنسبة لآفاق المستقبل .

والحقيقة ان هذه الوضعية ما كان لها ان تكون لولا أننا قد حددنا مستهدفات محددة لهذه الندوة، أهمها أننا أردنا بها تحقيق شيء من اللحمة بين فاعليات اجتماعية مختلفة تمارس الانشغال بالهم العام وتتخذ بشكل أو اخرم وقفا من حركة الصراع الدائر في مجتمعنا .

وتقف بقدر يزيد أو ينقص إلى جانب محاولات التغيير إلى الأفضل ، وتعبر بواسطة الكلمة المكتوبة والكلمة الملقاة والأخرى المرسومة، وقد تم ذلك بواسطة الدعوات التي وجهت وتم التوسع فيها ، كما تم بواسطة الاتصال الشخصي وفتح باب الحوار أمام كل العناصر القادرة .

ونحن نؤمن ان الأخذ بمثل هذا الأسلوب وان لم يحقق المستهدف كما أردنا له ان يكون إلا انه يؤسس لمحاولة لا نمل القيام بها ونعني بها الحيلولة دون عزلة المثقف عن حركة الحياة وعن قضايا المجتمع ومعركة التقدم ، تلك العزلة التي طالما هيأت لها بعض الممارسات الاستعلائية الناشئة عن غموض الرؤية وضبابية التفكير ، وقد كان جميلا ان تحقق الكثير في هذا الصدد سواء من حيث الحضور أو من حيث المشاركة، ومثلما تعددت الأوراق وتنوعت المساهمات المكتوبة مثلا كانت معظم التدخلات الأخرى قائمة على العمق والجدية والبعد الواضح عن التعميم، وقد زاد من إحساسنا بأهمية هذا اللقاء الفكري الهام ما سبق ان أعلن عنه في ذات الفترة من توسيعه مسئولية التنظيمات النقابية، بحيث لم تعد لقاءاتها الدورية محصورة في قضايا المهنة بقدر ما غدت شاملة لكل قضايا المجتمع ومشكلاته الأمر الذي وسع من دائرة المشاركة وأفضى إلى وجود مناخ من المناخات الملائمة لكل من لديه رغبة حقيقية للعمل الجماعي المسئول والحوار الواضح الصريح .

ومن الواضح ان ملامسة هذه العوامل والوصول إلى تحقيق المستهدف منها يقتضي الإطلال على منجز الإجلاء في الذاكرة الثقافية، بهدف اكتشاف تلك المحاولات الرائدة التي تمت في اتجاه مقاومة الوجود الأجنبي، ذلك الوجود الذي فرض من باب الأمر الواقع، وشكل – كما قلنا – نقيصة غير منكورة في ذلك الكيان الوليد .

وهي إطلالة – حين تتم – ستساعدنا على تلمس مكاننا في القرن الجديد الذي تستعد البشرية قاطبة لدخوله بعد سنوات خمس فقط، وتضع الخطط تلو الخطط لاستقبال أيامه، وتحمل تبعاته .

والملاحظ ان عديد الأوراق التي تليت في الندوة قد اتجهت بجدية إلى هذه المواجع الكبيرة، ولا سيما من حيث إشكاليات الإنتاجية والاستهلاك ومستوى دخل الفرد وطرائق التعليم ومستلزمات التشغيل، وبناء الأطر القادرة، إذ لم تسلم بالرأي المتعلق بانعدام الإنتاجية على أساس النقد المطلق، ولم تهمل النظرة القائلة بانعدام الموارد المائية على أساس القبول بفكرة الهجرة، ولكنها عمدت إلى تقديم البديل الذي يمكن ان يستخلص من تفعيل الدور التجاري الذي يتيحه موقع بلادنا ويؤكده تاريخ أهلنا القدامى، حيث كانت أهم المدن تنشأ من خلال تجارة القوافل ،والتي يمكن ان تتطور اليوم من منطلق الدفع بتجارة المرور حيث تعطي موانئ مدن "مصراته" و "سرت" مثلا فرصة سانحة لتسهيل النقل في اتجاه "إفريقيا" عبر "تشاد" و "النيجر" .

وتوفر المنشآت السياحية الفخمة والمناخ الجغرافي والموقع المتوسط آفاقا واسعة للنشاط السياحي وتوفير مداخيل مهمة من العملة القابلة للتحويل، وأحسب أننا في هذا المجال بالذات مجال التجارة والسياحة سنكون مخطئين في حق واقعنا ومهملين كذلك الظروف المحيطة بنا إذا ما اكتفينا بتلك النظرة التي تقول بعدم وجود أية جدوى من الاعتماد على النشاط التجاري باعتباره نشاطا طفيليا، أو اكتفينا بالنظرة التي تشكك في جدوى السياحة باعتبارها نشاطا خدميا غير منتج، ففي واقع تفعل فيه الندرة السكانية فعلها ويظهر للرقعة الجغرافية اتساعها وتعدد المناخ فيها وتطوره .ناهيك عن تنوع مصادر الطاقة واتساع الإنفاق، يكون الاتجاه إلى تنظيم النشاط الخدمي والعمل على تطوير أدواته وتجديد أساليبه من الأمور المهمة في تنويع مصادر الدخل، خاصة وأن أجيالا غير قليلة تكونت طوال العقود الثلاثة على الاقتصاد الحر واكتسبت خبرة لا يمكن لأحد ان يغض النظر عن قدرتها على تحقيق أقوى المردود، حيث تجد الظروف المناسبة والسياسات المساعدة، التي يكون في مقدمة مشمولاتها تحقق مستوى معين من الحرية الاقتصادية والتفتح الاجتماعي. والحد من قائمة الممنوعات التي نختلف كثيرا في تحقق جدواها وتعميم تطبيقها، والحيلولة دون ازدواجية الموقف واختلاف المعايير بصددها، وهي سياسات حين نفلح في تطبيقها وحسن التخطيط لها سنكسب مزيدا من الأنصار للحد من تيارات التطرف ودعوات العنف والأحادية في الرأي ، ونحن نستطيع ان نقف على مثل هذه الحقائق إذا ما عدنا قليلا إلى الخلف وبالتحديد إلى أواخر الستينات حين بدأ النشاط السياحي عندنا وعند الأشقاء وأين وصلت درجات تطورهم الآن وأين نحن اليوم .

بل إننا يمكن ان نكتشف ما أخذت تقبل عليه أطراف كثيرة من أبناء مجتمعنا من ممارسات مضرة إلى فترة قريبة كانت غير معروفة ببلادنا، ذلك ان مثل هذا النوع من الندوات ليس المقصود به فقط ما يقدم من أوراق بقدر ما يكون المقصود هو الوصول إلى طرح الأسئلة الكبيرة بقصد الوصول إلى الإجابات الأكبر والأوسع والأصرح أيضاً .

لقد عمدنا – في المجال الاقتصادي – طوال السنوات الماضية إلى استحداث بعض الصيغ التي تمكن للنشاط الفردي مثل تشاركيات الإنتاج والتصدير والتوريد بواسطة المقايضة الخ ، وكان لذلك مردوده البيّن وأثره الواضح في تحريك دواليب الاقتصاد، وكان له كذلك من الايجابيات ما لا ينكر ومن السلبيات ما لا يحصى أيضاً، ونحصل ان الأوان قد آن لأن يقول كل ما يرى وما يعتقد فحين تبلغ التجربة مداها يكون من اكبر الواجبات ان يصار إلى تقييمها وكشف أوجه القصور الموجودة فيها .

ان المتغيرات التي حدثت في العالم الذي نتعامل معه ونعيش فيه، ونحاول ان نؤثر في أحداثه، ولا يمكننا بأي حال من الأحوال ان نوقف تأثيره وشدة ضغوطه، تحت ضرورة المراجعة ، خاصة في ذلك المشترك الذي يتصل بتبادل المصلحة مع الآخر، ويضطلع بتوفير الحاجة لقطاعات كبيرة من أبناء شعبنا، وحيث أننا غدونا نميل إلى مبدأ استبعاد فكرة المجانية والأخذ بمبدأ المقابل، بما في ذلك الدواء والتعليم ، فلماذا لا نقترب من المسألة الاقتصادية اقترابا جذريا نعني الاستيراد والتصدير، وبالجملة ما اصطلح على تسميته (بفتح الاعتمادات) .

نحن ندرك ان أصواتا كثيرة سترتفع وتعيد علينا ما أفلحت في استظهاره من آراء كثيرا ما تركزت قولا ووقع تحريفها عملا ، والتي تملك رصيدا        لا ينضب من النعوت الكثيرة، والأحكام الجاهزة لإدانة كل من يقول بمثل هذا القول بيد أننا نرى ان الشجاعة الحقيقية تلك التي لا تعير هذه النعوت وتلك الأحكام أية أهمية مؤثرة .ان المستقبل الذي قصدنا التوجه إليه بتنظيم الندوة، ودعوة مختلف الفئات المثقفة للإسهام في أشغالها لا يعني مطلقا الانصراف عن الحاضر، ولكنه يعني – وبحق – الانطلاق منه مباشرة، وبالتالي فإن الطرح لا يستهدف مبدأ الهروب بقدر ما يرمي وبقوة إلى المعايشة والتحرك بقوة نحو العلاج .فمن اجل مجتمع يهمنا جميعا ويتسع لنا جميعا، ومن اجل مستقبل مشرق ينطلق بقوة وجدية من حاضر يسعى – بصدق – إلى التحسن، ندعو إلى مواصلة الحوار في كل الأمور التي طرحت والأخرى التي قد يأتي بها التداعي، وقد يستدعيها ما عساه ان يكون قد شاب هذه المحاولة من تقصير

___________________________


شهادة رجل

حول مذكرات خالد محي الدين

[[ نشرت في منتصف التسعينات بمجلة لا ]]

و أخيراً تكلم الأستاذ خالد محي الدين أحد أبرز قادة ثورة 1952م بمصر تلك الثورة التي تفجرت في مرحلة دقيقة من تاريخ الأمة العربية و مع بداية أول مؤامرة استعمارية تمثلت في نكبة 48 التي عشناها هنا في ليبيا بكل التفاصيل سواء من حيث الممارسات اللأخلاقية التي مُورِسَت في الحرب العربية الصهيونية و التي شارك فيها متطوعونا من كل أرجاء الوطن الليبي و عادوا يروون العجب العُجاب مما شاهدوا و عاينوا من غياب المصداقية و أشكال الإنهيار مضافاً إلى ذلك تقرير المصير الليبي بالشكل الذي نعرفه جميعاً عندما أُفرِغَ الإستقلال الوليد من أي محتوى، و يوم أن زُيِّفَت الإرادة الشعبية في انتحابات 52 و أُبعِدَ البشير السعداوي كوجه وطني بارز، و من ثم تم تمرير المعاهدة البريطانية بشروطها القاسية و فُرِض النظام الإتحادي المرفوض من كل الجماهير و الفاعليات السياسية، الأمر الذي أدَّى جميعه إلى إعطاء ثورة مصر طعمها الخاص و وقعها العظيم، فقد كانت بحق و بالنسبة للفئات المستنيرة بمثابة النذير لكل من تُسول له نفسه أن يعبث بالإرادة الشعبية و يستهزئ بثقة الجماهير، و يوجه مسيرة الأمور على نحوٍ يخالف مطامحها و تطلّعاتها العامة، على نحو ما جرى في مصر و ما كان يجري في ليبيا، و ما من شبهة في أن هذه الأوضاع هي التي حدَت بالناس،كل الناس، إلى سرعة التجاوب مع الأبطال الجدد و الإنجداب الكامل نحو شخصية محمد نجيب بوصفه الأشهر و الأكبر، بل و إلى الإلمام بخؤولته السودانية و من ثم احتمال قدرته على تحقيق وحدة وادي النيل، ذلك الحلم الذي كان يملأ الوجدان السياسي المتكون على أدبيات النضال المصري و المرتبط أوثق الإرتباط بأشعار شوقي التي كرّست لهذا المطلب النضالي الكبير، إنها الأوضاع التي جعلت الناس تستشعر شيئاً من الإحباط عشية ظهور الخلاف بين القادة الجُدد، بل و إلى مقابلة اختفاء محمد نجيب بالكثير من مشاعر القلق و الإرتياب.

و قد كان معروفاً يومئذ أن خالد محي الدين من أنصار محمد نجيب و إن تكن المذكرات الآن لا تؤكد ذلك تماماً، و أن الإثنين يناصران عودة الحياة الديمقراطية، الأمر الذي له وقعه الخاص في الوجدان النضالي الليبي و حتى عندما استقر الأمر لجمال عبد الناصر و أُسدِلَت الستارة على محمد نجيب و اختفى معه خالد أيضاً أو بالأصح قبله بقليل، و عمّت الحياة السياسية بعض مشاعر الإحباط لا سيما بعد تقرير مصير السودان على أساس الإستقلال و ليس الوحدة المنشودة، و علا في الأفق شيء من الحذر و الترقّب الذي لم تمزّقه إلا معركة حلف بغداد أو كسر احتكار السلاح، و من ثم تأميم قناة السويس و هي الفترة الحقيقية لبداية الثورة المصرية. فقد كان من حظ خالد محي الدين أن ظهر إلى الحياة السياسية عبر صحيفة المساء و جلسات مجلس الشعب و مؤتمرات السلم العالمية، و هي الفترة التي عُرِفَت في تاريخ الفكر بمرحلة باندونج و التي تعددت فيها الكتابات و تحركت الأقلام خلف القيادة الجديدة، بعضها راهن على عبد الناصر الفرد و بعضها الآخر -و هو المهم- راهن على عبد الناصر المبادئ و المثل و الأخلاق العالية، النوعية الأولى صمتت عند غياب عبد الناصر، بل هناك من تنكّر له و تطاول عليه و نوعية أخرى ظلّت على عهدها القديم تُبرِز الإتجاه و تتناول في موضوعية ما بدا و كأنه سلبي في تاريخ التجربة الناصرية. إن المجال لا يتسع الآن للحديث عن تلك الفترة بكل تفاصيلها لأن ذلك شأن المؤرخين من ناحية و لأنها من الإتساع بحيث يتطلّب الحديث عنها تحديد مواضيع معينة و وقائع محددة. بيد أن الذي يهمني الآن هو الإشارة إلى الأستاذ خالد محي الدين بالذات، هذا الرجل الذي وجدت نفسي مشدوداً إلى موقفه السياسي قبل أن يتحقق لي من النضج ما يدعو إلى الإختيار الجاد. أما عندما بدا هذا الوعي يتحدد أكثر فأكثر فقد كان أهم ما لفت نظري و أكد سلامة خياري، إقلاع الرجل عن تلك الجوقة المعروفة، لعل أبرزها كتاب السادات الشهير "ياولدي هذا عمّك جمال" و الذي تطوع فيه السادات للرد على كل رأي صادق حاول أن يُنَبِّه إلى بعض سلبيات الناصرية مبكراً. و منذ رحيل جمال عبد الناصر و كتابات كثيرة تملأ الحياة العربية بدأها السادات بأوراقه و البحث عن ذاته، و سار على منواله من سموا بالصامتين، نجيب و كمال الدين حسين و البغدادي، فضلاً عن فتحي الديب و صلاح نصر و قبلهم محمد حسنين هيكل و غيرهم و غيرهم، و اليوم يأتي دور خالد محي الدين أول المختلفين مع جمال عبد الناصر و الشريك القوي و الأساس في ذلك الزلزال السياسي الذي عمَّ الحياة المصرية طوال الأربعينات و تفجر بشكل نهائي في مطلع الخمسينيات بترك أثره البارز في الوطن العربي عموماً بل و العالم الثالث أجمع، يأتي دور خالد محي الدين لينشر جزءاً من مذكراته على تلك المرحلة، فماذا في هذه المذكرات..؟

إن أول ما يلاحظه من يقرأ ما كتبه خالد محي الدين، أن الرجل كان مقتصداً في كتابته بكل ما تحمل هذه الكلمة من المعاني، فهو لم يسرف بذكر التفاصيل و لم يتخذ من خلافه مع رفاق الأمس مبرراً لإنكار ما قاموا به من أدوار مهمة في ذلك الحدث الكبير، و لم يسبغ على نفسه ما يتجاوز واقعه و ربما يقل عنه أيضاً، لقد أفلح بحق في السيطرة على نفسه و في التمسك بأكبر قدر من الموضوعية بحيث جاءت صفحات هذا القسم المُكرَّس لنشأته أولاً، ثم المساهمة في تأسيس تشكيل الضباط الأحرار وصولاً إلى إعلان الثورة و من ثم الخلاف على مرحلة ما بعد الثورة، فالسفر إلى الخارج و البقاء لفترة من الوقت، و أخيراً العودة و تأسيس صحيفة المساء و تأميم قناة السويس و ما ترتب عليها من معارك ضارية و مناقشات حادة، و بالجملة انتقال الثورة من النظرية إلى التطبيق و ما يفرضه عادةً هذا الإنتقال من تغيّر واضح في الأساليب و الممارسات، أو ما يسمى عادة بانتقال الثورة إلى الدولة، و الثوار إلى مسئولين عمليين كثيراً ما تختلف ممارساتهم العملية مع آرائهم النظرية. و الحق أن خالد محي الدين يغطي هذه المرحلة كأجمل ما تكون التغطية و أوفاها، و يتناولها كأحسن ما يكون التناول و أعمقه، فنحن نستطيع أن نُلِم من خلالها بيسر و سهولة. إننا أمام شخصية تكونت عبر خليط من المناخ الصوفي و الوسط التجاري، بين الوطنية التقليدية و التطلّع نحو المستقبل، شخصية تشرّبت روح التصوف من الطائفة النقشبندية التي ينحدر منها أخوال خالد محي الدين حتى أنهم يعرضون عليه مشيخة الطريقة في مرحلة من المراحل، و تشرّبت العمل الوطني عبر حركات التجديد التي ملأت الحياة السياسية في مصر طوال الثلاثينيات حين أُبرِمت معاهدة 1936 مع بريطانيا التي كرست النفوذ البريطاني و إن تكن قد فتحت فرص الحياة أمام أبناء الطبقة الوسطى، لا سيما بالنسبة للكلية الحربية التي كانت إلى ما قبل ذلك الزمن مقصورة على أبناء الذوات وحدهم.

إنها الفترة التي تحولت فيها الحياة السياسية المصرية إلى خليط من الخلايا و التنظيمات السرّية التي شاعت يومئذ و تجاوزت المفهوم التقليدي متأثرة بالتجربة الأوروبية على الأخص في مجال الربط بين الإستقلال و إعادة توزيع الثروة. " كانت الحرب العالمية الثانية تطل على الجميع لتروعهم و بدأنا في مناقشاتنا الليلية نتحدث عن مشكلة السويد و هولندا أو هتلر و الإنجليز، ثم اشتعلت الحرب و بدأت خريطة العالم تُعلَّق في ساحة الكلية و عليها أسهم بتحرُّك القوات، و لا بد لذلك كله أن يخلق مجالاً لتراكم النقاش و المشاعر و الأفكار. و كنت أسهم في النقاش و كانت المشاعر الوطنية تتدفق في رفق لعلّه كان بعض ما تعلمته من أساتذتي الأوائل دراويش النقشبندية".

و مثلما يفعل كل مثقف خلصت نفسه من الإدعاء و تطهرت سريرته من داء الجحود و التنكر، يسوق خالد محي الدين أهم المؤثرات التي أسهمت في صوغ شخصيته فلا يجد غضاضة في ذكر أولئك الذين حققوا هذا التأثير حتى عندما بدأ تكوينه السياسي يميل إلى الإكتمال و أنشأ يفكر في أمر عظيم و نعني به تغيير نظام الحكم في مصر و ذهب مع رفيقه عبد الناصر إلى بعض الإجتماعات يؤكد -بكل ما لدى العنصر الشريف- ما توفر لتلك الفاعليات التي التقى بها و تحاور معها و عمل معها بعض الوقت ثم اختلف معها و فرّقت بينه و بينها السبل فإذا ما بدأ مشواره الكبير و أنشأ يكون الخلية تلو الخلية و يُجنِّد الرفيق تلو الرفيق، فإنه يفرد الحيز الكبير لشخصية جمال عبد الناصر و بروزه كعنصر قائد لتنظيم الضباط الأحرار بل إنه أكثر من ذلك يؤكد أن التنظيم الذي حقق تلك الثورة الرائدة و هو الذي قاده عبد الناصر و حدد مساره، و هو في ذات السياق يعترف بكل الصدق و الجرأة بما امتلكه هذا القائد الموهوب من الخصائص المميزة و القدرات الفريدة التي فاق بها غيره، و أنه ،أي خالد محي الدين ذاته، قد افتقد بعض هذه الخصائص الإنضباطية عندما اتخذ من المواقف ما اكتشف بعد ذلك خطأ تقديره فيه و عدم ملاءمته للواقع.

"إنتهيت من الإمتحانات و سريعاً اتصلت بجمال عبد الناصر، و في بيته عُقِدَ الإجتماع الأول للخلية الأولى للتنظيم، جمال عبد المنعم عبد الرؤوف، كمال الدين حسين و حسين ابراهيم و بدأ جمال و قال: معي عبد الحكيم عامر انتم عارفينه لكنه لم يستطع الحضور.. إلخ". إن ما يميز كتابات خالد محي الدين، تلك الشفافية الجميلة، ذلك التجاوز العظيم لردود الأفعال، هذا الإرتفاع الشاهق عن نقيصة تصفية الحسابات، ففي الوقت الذي نرى فيه المختلفين مع عبد الناصر قد انحدروا إلى النزعة الثأرية و أن المختلفين مع السادات يجردونه من كل دور فإن خالد محي الدين ليقف أمام الأحداث وقفة الشاهد الصادق، الشاهد الذي يمده زاده الروحي و الموضوعي بمراقبة الضمير و مراقبة الله، إنه يُبرّىء من عَلِم براءته و يتحرّى الأسباب لمن رأى منه رائحة الإدانة. يتحدث محي الدين عن إسهامات رفاق الأمس فلا يضخم بسبب الإتفاق في الرأي و لا ينكر متأثراً بالخلاف، يستوي في ذلك محمد نجيب الذي حسبَ في فترة من الفترات على خالد محي الدين و يوسف صديق رفيقه في "حد تو" و السادات الذي بادر بمعاداته و عبد اللطيف البغدادي و جمال سالم و صلاح سالم الذين اختلف معهم في مسألة الديمقراطية، و جمال عبد الناصر الذي حصل معه أكثر من موقف، إنه يقرر ذلك في اللحظات الأولى لخروجه إلى هناك، إلى أوروبا ،بعيداً عن أهله و ذويه.

جمال عبد الناصر كان يفرض على الجميع وضعه القيادي، و كان رجلاً لا يخطو خطوة إلا بعد حساب دقيق، ليس فقط لتداعياتها، و إنما أيضاً لمستقبل هذه التداعيات، عبد الحكيم عامر.. ظلموه عندما عينوه قائداً للجيش، فهو شخص جماهيري و لو إنه قد عُيِّنَ نائباً لرئيس الجمهورية و تفرّغ لهيئة التحرير لكان قد حقق نجاحات باهرة، و آخر ما كان يصلح له أن يتولى مسئولية الضبط و الربط، صلاح سالم، عاطفي ينتقل من النقيض إلى النقيض، مع أنه ذكي جداً. جمال سالم، شخصية مسيطرة، يفرض نفسه و وجوده. يوسف صديق، رجل شجاع، إكتسب بشجاعته و استقامته احترام الجميع. زكريا محي الدين، مُتَّزِن هادئ مرتّب حياته الخاصة و العامة، و هو كفء و نزيه و لا يجامل أحداً و هو باختصار ممثل الطبقة الوسطى. عبد اللطيف البغدادي، مُعتد بنفسه، عارض منذ البداية عودة الحياة النيابية. كمال الدين حسين، كتلة من الإخلاص للوطن و الإسلام، لكن إسلامه غير متطرف و لا يقبل بمقولات جماعة الإسلام السياسي. حسين الشافعي، نُقِلَت عنه صورة غير صحيحة، فهو رجل شجاع هادئ، إذا قرر شيئاً فعله بنجاح، و لولاه لما استطعنا في ليلة الثورة أن نحرك كل هذا القدر من سلاح الفرسان. حسن ابراهيم، يمتاز بالقدرة على المواجهة و الصراحة الشديدة، و كان ينتقد الخطأ في مواجهة أصحابه. السادات، يمتلك خبرة سياسية واسعة و يعرف كيف يُكوِّن لنفسه وضعاً خاصاً، و كان في كل تعاملاته حريصاً على مخاطبة الناس أو حتى مواجهتهم على أساس إدراكه لحقيقة نوازعهم، و لهذا صمد طويلاً مع عبد الناصر و بقى حتى صار خليفته، مع أنه لم يكن أبداً لا الأقرب و لا الأهم.. تلك هي الكلمات التي سطرها خالد محي الدين و هو يستعد لمغادرة القاهرة سنة 54 لمدة غير معروفة ليقول بالحرف الواحد و هو يستعد لتلك الرحلة إن الشعب بغالبيته العظمى قد ساند عبد الناصر و منجزاته و لم يتوقف كثيراً عند مسألة الديمقراطية.

موقع الكاتب والاديب : أمين مازن

  www.aminmazen.com © 2019 - 2008

طرابلس - ليبيا

Tel 0913245901