أوراق.الرواية

رواية آه يا بيروت لرشاد أبو شاور

أمين مازن

قُلت ذات مرة و أنا أتجرّع مرارة لحظة من لحظات الإمتعاض الناشئة عن بعض الكلمات غير المسئولة التي كثيراً ما تنزلق إليها بعض مناقشاتنا غير المسئولة أيضاً، إن ما لدي من إهداءات بعض رفاق الكلمة التي دونوها على ما خَصّوني به من كتبهم التي نشرت في فترات النشاط، ما يكفي للرد على الكثير من مجانية الإستفزاز الذي يتبرّع به بعضهم نيابة عن أطراف أكبر ساءها ما وُفِّقنا للدفع به ضمن المتاح و شَكّل نوعاً من خصوصية الخطاب غير المرغوب في زمن الصوت الواحد و اللون الواحد، فكان مثل ذلك القول نوعاً من الرد الذي يتوصل به المعني دون أن يتجرّأ بالرد حين يتذكر من كان مقصوداً بالتذكير بذلك الذي دوّنه ذات يوم، و أصبح بموجبه حين لم يحترم ما سبق أن أسبغ من النعوت في موقع ذلك الذي كذب مرتين، إما و هو يثني متبرعاً أو يخرق ثناءه متطوعاً و أشعر الآن أنني في حاجة إلى الإشارة للإهداء الذي سطّره قبل ما يقرب من ربع قرن الروائي الكاتب و المناضل رشاد أبو شاور على ظهر كتابه "آه يا بيروت" أي النسخة التي حملت تاريخ 1989 لطبعة الكتاب الصادرة بالقاهرة في نشرٍ مشترك جمع بين الدائرة الثقافية بمنظمة التحرير الفلسطينية و دار الثقافة الجديدة المعروفة بانحيازها للثقافة المقاومة للتطبيع و مشروع الصلح المصري المنفرد، فقد لخّصَ إهداءه في ثلاث كلمات الإبداع و الإنسانية و الصداقة، عسى الله أن يمن بانطباق واحدة منها، غير أنه غفل عن تدوين تاريخ الإهداء ليتداخل عندي الأمر حول ما إذا كان اللقاء قد تم في ليبيا أو في إحدى العواصم العربية التي طالما التقيت فيها الصديق رشاد المعروف بوفائه لكل من يعرف من أصدقائه اليبيين و حرصه على التواصل معهم، و هم على كل حال يُجمِعون بلا استثناء على تثمين ما يتمتع به من التفرّد، و الترفّع عن أي مطلب شخصي على الرغم من حجم الضغوط و الإكراهات التي طالما واجهت أمثال سالكي هذا الدرب، درب المقاومة الفلسطينية و امتداداتها العربية، حيث تُفلح هذه الإمتدادات في شد ركائز تلك الخيمة التي يحرص كل فلسطيني جاد أن ينصبها حيثما حل فيتجاوز بها الكثير من تدابير الإقامة المرتبطة في أحيانٍ كثيرة بالترتيبات السياسية التي لا يسلم منها أي لقاء من اللقاءات العربية، سياسية كانت أم ثقافية، فيكون الهامش الثنائي خير حافز للحضور و المشاركة و محاولة الإستفادة من المتاح في تبادل الرأي و كذا تبادل الإصدارات التي ينجزها أولئك الجادون و يُقَصِّر النشر في توزيعها بالمستوى المطلوب.

و كان رشاد أبو شاور قد وثّقَ في نصّه هذا "آه يا بيروت" معارك الدفاع البطولي الذي خاضه المناضلون الفلسطينيون و معهم القوى الوطنية اللبنانية عندما تعرضوا جميعاً لتلك الحرب المخزية التي أقدمت على شَنِّها قوى التحالف اللبناني الرجعي مع جيش الإستيطان الصهيوني و التي تجاوزت في حساب الزمن مجموع أيام الحروب العربية الرسمية مجتمعة، كما شهدت من البطولات و لقيت كذلك من أنواع التآمر ما تجاوز ما سبقها بالنظر إلى ما للساحة اللبنانية من عوامل المضي في المعركة تخطيطاً و تنفيذاً أو تواصلاً مع كل ما من شأنه أن يوفر فرص التحرك، فقد بات واضحاً أن دور بيروت يتجاوز كل ما عداها، فكان لا مناص -بحسب الصهيونية- من أن تكون تلك الحرب، و يكون ذلك الدفاع البطولي، و لا عجب، فالتداخل بين لبنان الكبير و سوريا الكبرى،"لا تهُم التسمية"، مع فلسطين و الأردن إن جاز الفصل، يفوق الكثير مما عداه من الأمثلة، بمعنى أن لاجئي هذه المناطق لديهم من الإرتباط بالموضوع الفلسطيني و تجلياته المختلفة و ذلك منذ النكبة الأولى أي ميلاد الكيان الصهيوني.

فقد كان المواطن الفلسطيني المقيم في هذه الأقطار تحديداً أكثر ممن سواه قدرة على استدعاء الهم الفلسطيني و تجسيد التحرك الملموس لمعايشة القضية الفلسطينية و تجلياتها المتعددة تاريخياً و تطلّعاً للمستقبل، و لا سيما عقب ظهور النفط بكميات تجارية في الخليج و ما نتج عنه من توفير المزيد من فرص العمل لأصحاب المهن المختلفة التي أمست الحاجة إليها مُلحِّة، فأمكن لهؤلاء أن يتخذوا من تلك الأمصار مجالات للتحرك الأكثر إنطلاقاً و تدبُّراً لما ينبغي أن تسير عليه الأمور، و من الممكن لكل من ينظر إلى القرارات المتخذة حول الفلسطنيين على أكثر من وجه أن يقبل بأن حضر التملّك على الفلسطينيين في البلاد العربية مردُّه إلى الخشية من أن يؤدي ذلك إلى تخلّيهم عن قضيتهم أو ربما الخوف من أن يُفلح الفلسطينيون في جعل الفضاءات العربية المشار إليها أكثر تفاعلاً بهذه القضية، ذلك أن القدر العالي من التجانس و كذا الترابط الإجتماعي و ظهيره الجغرافي جعل الحضور الفلسطيني أكثر وضوحاً، و ما تفاعل الأردنيين و اللبنانيون مع العمل الفدائي و ما إصرار السلطات السورية منذ وحدة 58 و ما بعدها في أكثر من عهد على حضر النشاط الفدائي  من الشام إلا الدليل على هذه الحقيقة، فهذه العوامل بدون شك كانت وراء الصمود الخيالي الذي أظهره اللاجئون الفلسطينيون للبقاء في بيروت، ليكون ما كان من هذه المعارك البطولية و التضحيات الجسيمة التي كانت مجتمعة موضوع هذا النص التوثيقي الذي أفلح الروائي رشاد أبو شاور أن يقدمه في هذا الثوب القشيب من الإبداع الجامع بين حرارة التضحية و وضوح المعلومة و جمالية التعبير، الأمر الذي ما كان له أن يجيئ على هذا النحو من الإجادة لولا التماهي الجيد مع الحدث و الإندماج في تفاصيله بكل ما يحقق التناغم بين القصص و الحدث و التفاعل، إذ ليس في الأحداث ما يفقد حرارته من خلال الحكي، و ليس في القص ما يعجز عن التبليغ جرّاء التدخل السافر من طرف المؤلف الذي طالما أفقد الشخوص أي ملمح من ملامح الإنسان، فهنا البساطة غير المُخِّلة و الطيابة غير الساذجة و الإتقان الذي يجعل الناس،كل الناس،شركاء في مقابلة المحنة، اللهم إلا القلّة القليلة التي كانت الأخبار ترصد إنحرافاتها في حينها، و يأتي رشاد فيصوغها بطريقته المعبِّرة و و عينه البصيرة و روحه الشفافة التي تتضوع شموخاً و رُقِيَّاً و إصراراً على الموقف المبدئي الذي لا يتزحزح قيد أُنملة عن ثوابت الرجل القومي بامتياز، ذلك الذي لا يفصل بين الموقف من قضية العرب المركزية ،فلسطين، و الإستحقاقات الوطنية لكل قطر، و لا يتردد في الجهر المستمر بكل ما يعتقد أنه إلى جانب هذه الثوابت، محتفياً بما يستحق الإحتفاء، رافضاً ما يستوجب الرفض، و لعلّي مُطالَب هنا بأن أذكر شهادة إزاء الكثير من اللقاءات التي جمعتنا هنا في ليبيا، و هناك في مدن أخرى حيث يزدحم الكثير من المدعوين عند تسليم مفاتيح غرفهم و استلام أغراضهم فيُفاجَئون بما خالفوا فيه أصول الإقامة و شروطها فيهدرون وقتهم و وقت غيرهم لتسوية ما كان ينبغي ألا يحدث، فترى رشاد أبو شاور ضمن القِلّة التي لا تحتاج لأي تسوية و لا تنتظر أي إستثناء، ذلك أن صوت هذا الكاتب لا يرتفع إلا عند مناقشة التوصيات و مرتكزات البيان الختامي و ما إذا كانت قد إتسقت مع ثوابته القومية.

و من هنا جاء هذا النص مُعبِّراً عن هذه المعاني مجتمعة، هذه المعاني الرفيعة و المواقف المُشرِّفة المفعمة بالإحتفاء الظاهر بكل موقف بطولي، وقف عليه لدى من يعرف أو فوجئ به دون انتظار، و كان مُلتبساً فأزال التباسه لينتمي هذا النص إلى ذلك النوع الذي يمكنك أن تقرأه من أي مقطع من المقاطع التي لا يزيد أغلبها على الصفحتين أو الثلاثة، لا فرق أن تكون هذه القراءة متتالية أو كيفما تتيسّر الظروف، إذ في كل مقطع من المقاطع قصة، و في كل قصة إحالة، و الرابط الوحيد هو المعركة، و المعركة كما هو معروف متنقلة من مكان لآخر، و المقاتل الذي يخوضها جامعاً بين البندقية و الكلمة، و لهذا فهو يعيش الفعل الحاضر و الفعل الماضي؛ الماضي الذي عاشه طفلاً و الحاضر الذي يخوضه الآن كاتباً و أحد مُسيري الإعلام الفلسطيني المقاتل، المذاع و المطبوع، و قد أسرع بالحضور إليه من الشام تاركاً ضيافة نزيه أبو عفش الشاعر الفنان، فمع المعركة يتوقف كل شيء، و تبدأ أفراح من نوع آخر، فرح بدأه فهد الإبن الأول لرشاد اليافع الذي سارع بالتوجه إلى مكان التبرع بالدم دون أن يستأذن الوالدين، ففلسطين أكبر من الوالدين و أقدس، و عندما علم رشاد من رفيقة عمره أن فهد بما أقدم عليه، ذهب إلى المعركة رافلاً في ثوب من فخار، فأسرة أبو شاور التي كانت زمن النكبة تتكون من أب و ولد، رشاد و والده و الأم؛ هي الآن تزيد على الثلاثة عشر كلها جاهزة للمعركة، فهذه آخر مناطق الجغرافيا المتواصلة مع فلسطين.. أما الخروج إذا نفذ فلا أحد يعلم أين سيكون و إن كانت تونس بدت، حسب الزعيم بورقيبة المكان الوحيد الذي يبدو في المتناول، و هذه الإشارة من الراوي بالغة الدلالة فقبل النكبة، بسنتين أي سنة 1965 دعا بورقيبة العرب إلى تحديد موقفهم من قرار التقسيم بإعلان الموافقة عليه، إحراجاً لإسرائيل، فوافقوه سِرّاً ثم خذلوه علناً و أُعتُبِرَ من طرف العوام في حكم الخائن، و ها هم الآن و قد لاح في الأفق إخراج الفدائيين و قيادتهم من لبنان، و ظهر التنصّل على أكثر من صعيد فلم تبق إلا تونس؛ و تونس بورقيبة، فما كان من الراوي إلا أن أوردها في صلب النص و دون أي مواربة.

تُعيد المعركة الراوي إلى سيرته الأولى زمن النكبة حين كان رفقة والده باعتباره وحيده، فقد ماتت الأم و لحقتها الأخت، فتراه يكلم نفسه، منذ وُلِدنا و هم يلاحقوننا بالطائرات، سرقوا طفولتنا و مراهقتنا و ألقوا بنا إلى الخيام، فإذا ما أُضِيئت السماء بالقذائف الصفراء تظللت عبر البوابة الحديدية بجامعة بيروت العربية فرأيت تمثال جمال عبد الناصر منتصباً، إنه لم يسقط إذاً، فيضيف لنفسه و للتمثال صامدون أيها السيد الرئيس، فناصر بالنسبة لرشاد رمز الصمود.. ثم ما يلبث أن يُورِد بعد أقل من صفحة عمّا سبق أي الصفحة 54 بعد المائة، يُورِد مفارقة عجيبة تتعلق بإمرأة عجوز جاءت لتسقي زهور بيت أحد مرافقي أحد القادة، ليسأل نفسه إذا كان المرافق هكذا فكيف بذاك المعني شخصياً، غير أن هذا القائد يقابله أبو أياد الذي يرفض الخروج الآن عن طريق الشيخ أمين الجميّل، و الأعظم من ذاك إن إبنه البطل هذا تخاطبه قائلة أنها تفضّل أن تراه يخرج محمولاً كشهيد بدلاً من أن يرفع الراية البيضاء، و كان قبل هذه المقاطع تحدّث عن الكثير من الأسماء التي عرفناها في هذه المرحلة الطويلة متعددة الجوانب و المواقف: عز الدين المناصرة، زياد عبد الفتاح، نبيل عمرو إلى آخر الذين شاركوا الراوي تسيير المرافق الإعلامية في ساعة المحنة بالطبع و تحت فوهة البنادق، ليظهر تأثير المعركة في إذابة الفوارق على مختلف الصعد بما فيها الطائفية الدينية، كما أن الفتاة المسيحية المارونية و المعركة على أشدها لا تتردد في إقتحام الصفوف لتضع في إصبع صبيها المسلم خاتم الخطوبة و تطلب منه بالمقابل أن يفعل نفس الشيء لإتمام الزواج عند إنتهاء المعركة، فالمعركة لابد أن تنتهي و الحياة ستستمر، و لن يكون الفارق الديني حسب هذا العهد عائقاً في زواج الإثنين، و لا مجال للتفكير حول من سيُنجِز هذه المسألة الإنسانية، و المهم أنها ستكون لمجرد  حلول الأجل. لم تزد أوراق النص على مائتين و ثمانية و أربعين صفحة من الحجم الأقرب إلى الصغير لكنه كان ملحمة بكل ما لكلمة ملحمة من المعاني، و قد كان أكثر مقاطعه احتفاءً و تعبيراً عن رشاد المناضل و الإنسان و الصادق، إن جاز لأحد أن يُفضّل مقطعاً على مقطع أو حالة عن حالة، تلك التي صور فيها مشاعره تجاه ياسر عرفات و هو يقود المعركة بإقدام و حرص على الموت أكثر من الآخرين، فقد كان الموقف قوي التأثير على رشاد لما جسّد من أشياء سارّة كان يتطلّع إليها و وقف عليها، فكان تعبيره عنها غاية في الجمال، و على نفس الوتيرة كان تثمينه لموقف الحكيم جورج حبش و هو يصافح ياسر عرفات و يطلب منه أن يقود المعركة؛ المعركة التي استغرقت مائة يوم كاملة، و كان مُنتظراً لها أن تنتهي في أيام، و انتهت بركوب البحر في السفن التي جِيء بها خصيصاً، فلا يكون أمام رشاد إلا أن يودِّع بيروت و كلها ذكريات، و يستدعي في ذات الوقت عدداً من مرات الخروج التي أُكرِه فيها على ترك مكتبه الخاص في هذه المدينة أو تلك، و يقرر هذه المرة ألا يحمل سوى ثلاثة لا غير و في مقدمتها النصوص الكنعانية، و إذا بنا نهتف معه هتاف التأوّه آه يا بيروت آه. انتهى

________________________________________

فرسان الأحلام القتيلة

للراوي الكبير إبراهيم الكوني

أمين مازن

إكتفى الروائي الليبي الكبير الأستاذ إبراهيم  الكوني في روايته فرسان الأحلام القتيلة، تلك التي تسنّى لي أن أقرأ نسختها الصادرة ضمن منشورات دار الآداب البيروتية و الموسومة بالطبعة الأولى للعام 2012 و عبر صفحاتها ذات الثامن و الثلاثين بعد المائتين التي وثّقت للمدن التي شهدت كتابة النص، و مُصدِّراً إياها بالإهداء، فلم يدرج ما دأب عليه من تدوين الثبت الشامل لإنتاجه الغزير من روايات و خواطر و أبحاث و قصص يعود تاريخ بدايتها إلى آخر  ستينيات القرن الماضي، عندما طرق الكوني باب البحث في كتابه ثورات الصحراء، ثم نقد ندوة الفكر الثوري ليواصل منذ ذلك التاريخ عطاءه ضارباً الرقم القياسي كمّاً و نوعاً في المدونة الأدبية الليبية، و هي كتابات لم تسلم من القراءة التأويلية غير المُنصِفة و التي دفعت به إلى مواجهة بعض المتاعب، حيث رافقت تجربته المثيرة و التي أغنته بذلك الفيض من الإنتاج الروائي اللافت مُخلّداً به إسمه و البلد الذي حمل هويته و المحيط الذي نهل من تجربته المتفردة، ليعود عليه بسامق الشهرة بالداخل و الخارج ويؤهله للكثير من الإحتفاء بمنحه عديد الجوائز المادية غير الزهيدة، ربما يكون الكوني قد آثر الإكتفاء بما حققه من شهرة لم يعد معها في حاجة  للتذكير بمؤلفاته و لا مراحل تكوينه، و ربما أراد أن يترك لنصه الروائي هذا بما عليه من الخصوصية موضوعاً و مكاناً و صياغةً، إن نكن قد درجنا على إدماجها مجتمعة في ما نُطلق عليه مصطلح المضمون، فلا شك أن الأكادميين قد يستخرجون منها خصوصية أخرى، ذلك أن رواية فرسان الأحلام القتيلة هذه إتخذت مكانياً تجربة ذات الرمال كما يدعو بعض الشيوخ مدينة مصراتة، و ما شهدته من معارك أثناء إنتفاضة فبراير 2011، و كما فضّل الراوي أن يبدأ سرده ليُصرِّح لاحقاً بإسم المدينة و دور أبرز قادتها، العقيد سالم جحا، الذي إختار الإنظمام للإنتفاضة و ينشَقّ بقوة عن النظام و دونما إعتبار لمنصبه و لا خطورة المرحلة و ما يمكن أن تجلبه من المهالك. و لقد آثر الراوي لنصه السردي ضمير المتكلم إدراكاً منه دون شك لما يحققه مثل هذا الضمير من قدرة التبليغ لنوعية الحدث الذي يحتاج إلى دمج السمع بالمشاركة، خاصة و أنه تعمّد أن يدفع بالكشف عن دور العقيد سالم المُشار إليه و الذي كان لدوره على ما يبدو أثره غير العادي في شحذ و بالأحرى مِلء ذاكرة الراوي بما جرى، خاصة و أن الكوني و قبل أن ينحياز إلى النص الروائي كان قد بدأ صحفياً و خَبَرَ قيمة الأخبار. الذي بدأ به حياته ككاتب ليطوره بعد ذلك في عديد المحطات و التي لم يكن خارجها التعاطي مع الواقع و ما يعج به من أعقد المشكلات و ما يدفع إليه كذلك من أنواع الإصطفاف و حجم إقتراب الكاتب من ذلك الليبي و الذي سجل إنتباهاً ملحوظاً لمشروع الكوني و على أعلى المستويات، يحضرني على الصعيد الشخصي و قد يتذكر غيري ربما ما تضمنه خطاب أعلى هرم السلطة في آخر سبعينيات أو أوائل ثمانينيات القرن الماضي من ضيق بما كان يكتبه الكوني عندما وصفه على رؤوس الأشهاد بإثارةٍ للتعصّب العرقي أو الطارقي، و من منطلق الإدانة بالطبع، و كان ذلك في اللقاء الذي أُطلِق عليه أسبوع الأدب الثوري، و بعد أن شملت حملات الإعتقال مجموعة الأسبوع الثقافي بالعام 79 و التي لم تشمل يومها عدداً من الأسماء الي كان لها حضورها عسى أن ترتدع بما طال مجموعة الأسبوع الثقافي من ناحية، و الإكتفاء بالتلميح لها بالحديث المُبطَّن و قد نقول التهديد، كذلك الحديث الذي وقع الجهر به في ذلك الإجتماع و الذي تباينت فيه الأحاديث بين مديح مبالغ فيه و آخر يتطلّع لترك الحَلَبَة و ثالث يطرح بما يعني البقاء في الميدان و لكن ليس بالشروط المطلوبة، و يومئذ مضى الكوني نحو مشواره الروائي الذي إستفاد فيه من تراث أهله الطوارق و أطلق عليه عديد النقاد أدب الصحراء لما إكتشفوا فيه من الخصوصية و ما أفلح الكوني في توكيد تميزه من خلاله، بحيث لم يخرج من ذلك العالم إلا في ثلاثيته التي تناول فيها الحقبة القره مانلية و التي عبّرَ من خلالها عن موقف أكثر وضوحاً "دون الإخلال بشرط الفن" عن أسئلة الوطن ككل، مما دفع عديد الأوساط الخارجية إلى الإحتفاء بالكوني ككاتب حضي بكل أنواع التقدير كما يمثل حضوره نوعاً من الفخر للنظام الذي يحمل هويته و ربما يدل على حجم ما أنجز و لن يخفى على أي متابعٍ له قدر من الملاحظة، أن الكوني آثر في أحيانٍ كثيرة أن يحافظ على الجنس الأدبي الذي عُرِف به هو فن الرواية فلم يعط للمقالة "رغم أنه بدأ بها و لم يكن عاجزاً عن المضي فيها" أي نصيب من معالجاته بل انه حتى في المناسبات و الأعياد الوطنية و القومية التي قد تفرض المشاركة، نراه يكتفي بالحضور دون الكلام في الغالب، فكان صمته في أحيان كثيرة  يدل على التعبير الأبلغ، كما قال أحد الحكماء ذات يوم لذلك الإمبراطور، و من هنا فإن ما انتهجه في روايته فرسان الأحلام القتيلة من حيث صوغها بضمير المتكلم و تركها خلو من أي معلومة تتصل بالسيرة الذاتية بما في ذلك ثبت و المؤلفات ليس مجرد صدفة عادية بقدر ما هي رسالة، و أي رسالة، رام بها فيما فهمت الإبقاء عليها كسيرة روائية تتسع لتعدد الأصوات من حيث الحكي و تجلياتها في تعدد الموضوعات لتُنتِج في النهاية ما أطلق علي فرسان الأحلام القتيلة، بمعنى إعمال ضمير المتكلم يتجاوز الذات إلى المجموع، و ستفرض مثل هذه الرؤية عدم التوقف أمام ما حمل النص مما قد تستفزنا من التعبيرات التي سنضيق بها ذرعاً حين نخرج بها عن سياقها و الظروف التي أملت التفوّه بها، فضلاً عن مقتضيات النص الروائي و ما يميزه من أنواع التعبير المنسوب إلى قائليه و تحديد ملامحهم و مواقفهم كشخصيات لها مقوماتها و فنون تعبيرها.

لقد إختار المؤلف من حيث الموضوع أحداث السابع عشر من فبراير للعام 2011 و في شقها العسكري على وجه التحديد و في بؤرة المعارك التي إنطلقت من عمارة الضمان في مدينة مصراتة، العمارة التي مثلت حضوراً ذا دلالة غير عادية في الذاكرة و بما كان يُطلق عليه شارع طرابلس و ما أطلق عليه الراوي شارع الحاضرة، عندما إبتكر المناضلون أو لنقل طبقوا تكتيك الأنفاق بطريقتها المتمثلة بالحفر داخل الأرض إنطلاقاً من البيوت ليتم التواصل تحت الأرض و قد كان في تلك الأيام بما هو عليه من المفاجأة بعيداً عن تصور المنخرطين في معسكر النظام ليكون السارد على هيئة مقاتل حتّمت عليه ظروف الحرب أن يكون بين اللاجئين إلى واحدة من المباني المجاورة لعمارة الضمان و التي كان الوصول إليها من خلال الأنفاق التي برع المقاتلون في حفرها للتواصل مع السكان و ما يترتب على التواصل من الحصول على الحد الأدنى من إمكانية البقاء على قيد الحياة، إذ شاءت إكراهات الحرب أن يكون الوجود هنا مرتهناً بظروف كل على حدى و لا سيما الراوي الذي ظهر على هيئة مقاتل جُرِح و ربما لجأ إلى العمارة و كان بين المشاركين في الحفر بما يدخل ضمن ذلك الإحتفاء داخل جدران الأسمنت بل و تحت أثقالها في أحيان كثيرة أملاً في التَخَفّي حيناً و إسهاماً في الحفر الرامي إلى بلوغ الجانب الآخر الذي هو جانب الحياة و المحدد في عمارة الضمان حيناً آخر، لينشأ عبر ذلك الواقع الصغير و ما تُتِيحه صعوباته الجمّة من مفارقات تكون فيها الدقائق و ليس الساعات لها ما لها من الأثر غير العادي في إستمرارية الحياة لمجرد الإحساس بالأمل و الأمل في مثل هذه الظروف أول الأسلحة و أمضاها لإمتلاكه إرادة الحياة، الإرادة التي تجعل الشوق إلى لقمة تسد الرمق و نظرة تبعث الشوق و تصنع من إختلاط الحابل بالنابل خارج المكان، ما يتكفل بنقل الحالة داخل المكان فينبثق ذلك النوع من التآلف و بالأحرى التفاعل، مما يُكسب الحكي أقصى درجات القدرة الكفيلة بتبليغ المُتَلقِّي بما هو في حاجة إليه من شروط التمثل لما جرى من أحداث و ما إعترى السارد على وجه التحديد من مختلف المشاعر و هو يوازن بين الحكي عمّا جرى مباشرة و ما يأت به قطار الذكريات بحكم ما تحمله مشاعر الأمل الخلاق القادر على إستدعاء الحياة و لو كان قاب قوسين أو أدنى من النهاية، حين ليس لديه سوى الإطلاقة الأخيرة و التي درج المقاتلون على توجيهها للرأس حين لا يكون ثمة أمل في الحياة، و هي عادة ربطتها الروايات الشفوية للحرب الكونية الثانية بالمقاتل الياباني، و كان شاهدها هتلر الذي أقدم على إنهاء حياته برصاصة في رأسه و أخرى لرفيقة عمره، فظل بطل الكوني يتحسس مسدسه طيلة أيام التجربة.

لقد بدأ الراوي نصه بعد أن حدد المكان بالعمارة أو العمارات القريبة من عمارة الضمان و التي إقتضى الوصول إليها أعمالاً للحفر داخل دهاليز المكان عندما إقتضى تكتيك المعركة أن يكون حفر النفق هو المخرج الذي لا مفرّ منه و من خوضه بأكثر الوسائل ضعفاً، فكان أن إستدعى الراوي المُتخبئ و ربما الجريح و المجرد من وسيلة الدفاع المتمثلة في الذخيرة، فبدا و كأنه في مهمته البدائية هذه لا يزيد على الفأر الذي عُرف عنه "لأنه صحراوي بالطبع" شق طريقه تحت أكوام الرمال أو الحجر أو ما بينهما، فهو على أي حال لا ينتسب إلى الفصيلة التي تعيش في المجاري، تلك التي وُصفت بالجرذان، و قد نغامر فنفرق بين الإثنين، لتكون المقارنة لصالح الأول بإعتباره صالح للأكل حسب الشائع صحراوياً خلافاً للمدينة أو المدن حين لا يكون الأمر كذلك و قد شاءت الأقدار أن يواكب أو بالأحرى يعاقر الحاكي و الفضل للصدفة وحدها مائات الكُتب التي توفرت له ذات مرة في معرض  الحملات التي شُنّت عليها و أخرجتها من مراكز الثقافة خشية أن يكون بها ما يُخِل بغير المطلوب من المعرفة و التي لم تكن في حقيقتها أو هدفها تخرج عن الإمتثال لأوامر السلطان و محاكاته في كل ما يعتقد بل و بذل جميع الجهود لتطبيق ما يعتقد فكان لا بد أن تتوالى الذكريات و تبرز المقارنة بين الأمس و اليوم، أمس حيث القراءة و اليوم حيث حفر النفق، على أن المهم هو دلالة الحكي و هو تحديد معالم الشخصية الرئيسية التي فضّل المُبدع أن يسند إليها مهمة الحكي و يحدد على سردها "مع تعدد الأصوات" ما يتوخى إبرازه و التمكين له في صدور الرجال أولاً و الأرض التي يمشون عليها ثانياً، ذلك أن الفرسان "أي فرسان" ليس لهم من هدف أكثر من أحلامهم، فإذا ما قُدِّرَ لهذه الأحلام أن تقتل فإن الخلل لابد أن يكون مفيداً للحكي و إن لم يكن غير جدير بالمحاكاة و في جميع الأحوال فإن محاكاة الفأر في حب الورق و تشتعل من ثم جذوة المعرفة هي ذاتها التي ولّدَت هذا الإحتفاء بالإنكباب على الحفر ثقةً في بلوغ شاطئ النجاة و إنبثاق نور المعرفة فكل ما جمعه الطغيان للقضاء على هؤلاء الفرسان الذين إتخذوا من الليل صديقاً يعينهم على التواصل مع الجانب المؤدي إلى الحياة لم يكن له أن يتأتّى لو لم تكن شجرة المعرفة قد أتت أُكلها فولدت هذه الحقبة التي فاقت كل الحسابات و فرضت في بعض المواقف الإحتكام إلى الأعراق و حتى التمييز العنصري على ما في هذه المقاييس من تقاطع مع حقائق التاريخ التي تُجمِع على أن الإنسان هو إبن شروطه المعيشية و ليس العرقية، و لكن الروائي هنا لا يكتب بحثاً و إنما يرصد مواقف و يرسلها على ألسنة شخوصه و شخوصه يقبلون التنوع دون شك، و إذا كانت المسألة العرقية هذه سبق أن إحتلت موضوعاً خاصاً أو لنقل مضموناً واضحاً بدأ به رواية كاملة كان قد أنجزها في العقد الأول من هذه الألفية إختار لها عنوان لون اللعنة  و إن كانت لم تخرج عن عالمه الروائي كثيراً بعكس هؤلاء الفرسان الذين إنتدبهم لهذا العالم المختلف الذي أودعه الكثير من هموم السيرة على الرغم من أن المنطلق الأساسي قد إرتكز على المعركة و تداعياتها، و من طبيعة التداعيات بالطبع أن تشير بين الفينة و الفينة إلى من يُعتبَر المتسبب الأول بل المسئول الأول عمَّا يجري، و لكن ما يجري لم يأت على الذات مجتمعة حتى لقد رأينا أن ما جرى على هيئة قهر و إستباحة ما لبث أن أنتج لدى المرأة ما دفعها إلى التشبث بما حصل لها على هيئة القهر، هذا ما أنساها ما قد جرى، حين كانت النتيجة متعلقة بوظيفتها الطبيعية التي هي الأمومة، و ذلك هو الفرق بين الراوي الذي صب جام غضبه و كبير إستغرابه من حرص المرأة على جنينها و المقاتل الذي لم يلتفت لهذه المقارنة أو بالأحرى نظر إليها بمنظاره الخاص، فمن طبيعة الرجل أن يكون هكذا أما المرأة فليس من المستغرب أن تكون كذلك بل أنها لمجرد أن تجد الظروف المناسبة لإبداء موقفها فكثيراً ما تكون على هذه الكيفية اللهم إذا خشيت أن يكون الثمن هو إفراغ مخزن الكلاشن كوف في أحشائها و هو ما لم يكن مهدداً لها على ما يبدو، كما أن الحياة في الغالب أقدر على فرض شروطها و تمرير أحوالها و سيء ممارساتها، فللواقع دوماً إكراهاته التي كثيراً ما تُشرعِن الشاذ و تُبِيح المُحرَّم و قد تُزَيِّن المكروه، و لا شك أن ذلك قبل غيره هو ما حدا بالراوي لأن يستدعي أكثر من شخصية من شخصيات الأدب العالمي ليتأسس بهمومها أو معهناها و حتى لحظاتها و هو يحدّث نفسه بما يُقوِّي إيمانه و يضاعف من قدراته على التحمُّل مرة و السرور مرات ، و لا شك أنه بهذا العامل قبل غير أفلح في تدثير شخصياته بهذه اللغة المُفعمة بروح الإيمان و التصوّف و تضمين النصوص المقدسة على هيئة بناء مُندغم في المتن و ليس شاهداً يحتاج إلى علامات الترقيم و نرى أن منهجه هذا  أفلح في التبليغ بما يريد التبليغ به في حرفية بالغة الإتقان، إذ لم تستطع أشهر الروايات العالمية أسر كل من أفلحت في أسره لما سعت إليه من المضامين  إلا عندما أحسنت إتقان هذا النهج الإحترافي، و الشواهد في هذا الصدد أكثر من أن تُحصى، و إن بدت شخصيات ديستوفيسكي أكثر ظهوراً ذلك أن الراوي حرص على إبراز الشروط الصعبة التي أوجدتها بسواء عندما أُمِنَت بواسطة كراتين الكتب التي مثّلَت يوماً جداراً بين الحجرات، فكان وجودها مُحصّن صدفة أو تأمينها من دول الجوار عندما صارت ثروة نادرة المنال، و لا سيما من حدود الوطن الغربية.

لقد كان الراوي شديد المهارة و هو يقوم بمهمته السردية ليمرر ما عايشه في تلك المعركة غير المتكافئة من حيث العدد و العدة، لولا أن العزيمة الصادقة و الإرادة القوية و الإيمان بالعدالة قد هيأت  مجتمعة ما كان يلوح بين الحين و الحين من شروط الوصول إلى النصر المرتقب، و الذي لا يُظهِر في الأفق  ما قد يشي بملامح القلق حتى يجود الآتي بما يبعث على الأمل، في الوقت الذي تبلغ المعارك أقصى درجات شراستها و أشد ما تحمل من أهوالها، و يكفي  أن الإرتطام بالجثث كثيراً ما يحدث في مساربها المخفية، بحيث لم يحن موعد الخروج إلى الشاطئ الآخر أو لنقل الطريق الآخر حيث النجاة من عمارة الضمان و أهوالها، إلا و النفوس قد أخذت كل ما كانت في حاجة إليه من التفاؤل و الإصرار و التصميم و تعاطف الأطراف مجتمعة و على الرغم من أن أدب المناسبات شعراً كان أم رواية أي ذلك الذي عكست مادته الأحداث الجارية، و يقابله المُتلقي بشيء من الإهتمام عقب نشره بالصحف أو المجلات، فإن هذا الإهتمام كثيراً ما يفتُر لأن الإهتمام كان بتأثير الحدث و ليس من خلال النص ذاته كما أسس دُعاة النقد التقليدي الحديث في معرض نقدهم للمدرسة الشعرية التقليدية الحديثة إلا أن رواية الكوني هذه التي أنجزها عقب الأحداث أو في عنفوانها، إلا أنها على الرغم من عديد المفارقات و عديد ردات الفعل، ما تزال قادرة على الإمساك بالمُتلقي إذا ما قرر العودة إليها و لو كانت المفارقات قد هزته، مما يعني أنها أي الرواية تعتبر في عداد النصوص التي أفلحت في التوثيق بإقتدار فني غير قليل لما شهدته مصراتة عشية السابع عشر من فبراير و ما خص به الأهل من جميل التجاوب و سخي الدعم، و لا سيما ذلك الذي طالما جاءت به الجرافات التي أطلق عليها الراوي جرافات الرحمة، و قد كان منصفاً في وصفه، دقيقاً في توصيفه، إذ جسّدَت في وقتٍ بالغ الصعوبة قدرة شعبنا على التآزر و إصراره على أن يُجسّد القول الخالد "مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى"،  فكان التداعي هذه المرة متمثلاً في تلك الجرافات الجديرة بدون شك أن تُوصف بجرافات الرحمة، عندما كانت تتسابق لنجدة هؤلاء الفرسان الذين إتخذَ منهم الراوي موضوعاً لنصه، بل عنواناً لأحلامه.  انتهى

____________________________________________


الخبز الحافي

رواية للكاتب المغربي محمد شكري

أمين مازن


بتأثير ما درجت عليه من عدم الحماس لما يرتفع من الضجيج الإعلامي غير المُبرأ من المبالغة حول كل نص روائي جديد يتوفر على الخصوصية التي تجعله أكثر قرباً مما يمكن أن يسم مبدعه بسمة اللاهث خلف إعجاب الآخر و هو التطلّع لما تجود به دوائره من سخي الدعم بشقيه الأدبي و المادي على كل أثر إبداعي يصادف هوى المتنفذين فيه، لم أتحمّس بالقدر الكافي من المسارعة للتعاطي مع رواية الخبز الحافي الشهيرة، تلك التي أنجزها قبل سنين مضت الروائي المغربي الراحل محمد شكري، واسماً إياها بالسيرة الذاتية الروائية، ذلك التعبير الذي اصطلح عليه عدد من المثقفين الأوروبيين إزاء كل إبداع روائي ينطلق من التجربة الذاتية، ما بالك أن يتبنى ضمير المتكلم و ما يزخر به من قوة الإشارة و سلطة الإعتراف. لقد إستوحى شكري أحداث روايته من مسقط رأسه مدينة طنجة، المدينة التي خضعت -أثناء مولد شكري و نشأته- للإدارة الدولية، و قد كان لأسبانيا النصيب الأوفر في السيطرة على الكثير من شئونها و أحوال المتساكنين فيها، و كان لهؤلاء السكان الكثير من التجاوب مع أولئك المشاركين في تلك الإدارة التي يحفظها التاريخ.

لقد نُشرت رواية شكري هذه بأكثر من لغة أجنبية، الفرنسية و الأسبانية و ربما الألمانية أيضاً قبل أن تُنشر باللغة العربية، إذ رأت دور النشر الأجنبية في رواية شكري هذه ما أهلها لذلك القدر الكبير من الإحتفاء الذي لم يبخل به عليها أكثر من وسط أدبي، و هو إحتفاء كان له بدون شك أثره القوي في نشر النص باللغة العربية في ثقة من عدم قدرة الرقيب على وأد هذا النص، فيما إذا تم الإحتكام إلى سلطة التابوات، مما سيتسبب في ما لا يمكن تقديره من الخسائر. و قد كُتب الكثير عن رواية شكري هذه من الآراء التي لم تبخل بالإشادة حول الكثير من إيجابياتها و التي يلاحظ جمعها بين العملي و الفني، بدءً من أن شكري كما يعلم الجميع تعلم القراءة في سن العشرين، إذ أنه شرع في محو أميته بذلك التاريخ و الذي ودع فيه مرحلة المراهقة أيضاً و مسرعاً إلى دنيا الكتابة، و أنجز في سرعة غير عادية ما إستطاع أن ينجزه ليصل إلى هذا النص اللافت، جامعاً بين المقدرة الأدبية و الجرأة الحكائية، و من المؤكد أن ذلك هو ما دفع الأوساط الغربية و مثلها العربية إلى الإحتفاء غير العادي، و مع ذلك فإن سوء حظي بدون شك هو ما صرفني عن تناول عمل شكري هذا على النحو الذي قُمت به تجاه أعمال روائية أخرى.

و لعلي على ضوء هذه الوضعية كنت بعيداً عن التعرّف إلى شكري الإنسان على الرغم من أنني طالما حللت بالمغرب الجميل و تعرفت على الكثير من رموزه الأدبية و تياراته السياسية و طلائعه النضالية، منذ أن وطأت قدمي أرضه في ستينيات القرن الماضي، و لقيت حظي من الإهتمام، و كنت قد إقتربت قبل ذلك من بعض رموزه و هم يحلّون بطرابلس في أول مؤتمر للأدباء المغاربيين في آخر سنة 68 عندما كانت الفترة مليئة بالكثير ن الأحداث، مثيرةً ما لا حصر له من الصراع و مثل ذلك المواقف، و قد كان آخر لقاء سبق رحيل شكري بفترة ليست بالطويلة، عندما حظر أحد مؤتمرات إتحاد كُتاب المغرب الذي كنت أحد ضيوفه، فلم نتجاوز تحيات المجاملة التي يفرضها المقام، إذ كان عدم إقترابي من عمله هذا أو غيره، و أنا الذي أدّعي الحرص على التواصل مع أدباء المغرب العربي و المشاركة في كل ما يُعمّق الصلة و يُقيم جسر التعاون، باعثاً على إستشعار شيئ من الإحساس بالتقصير، فكان في ذلك كله ما أوجب ضرورة القيام بهذه المقاربة المقصورة على "الخبز الحافي" لهذا المبدع المميز. إذ كيف لي أن أمضي في كتابة و إدراج هذه الأوراق التي وسمتها بأوراق الرواية قصد توثيقها في هذا الفضاء الألكتروني الخاص بي و الآخر المشترك في التواصل دون أن أحمّلها ما لدي عن هذه الرواية، خاصةً و أن ما يُنجز هنا لا يخرج عن المساهمة الفردية التي لا تدّعي أكثر مما لها، و هي في النهاية ليست أكثر من محاولة للتغلّب على ما تعانيه حركة النشر عندنا - في ليبيا - من جم الصعوبات و شديد المعوقات، و بالجملة كل ما يمس الثقافة من حيث هي رسالة و الكلمة من حيث هي سلاح و الجبهة هي مقاومة التصحّر الفكري و الخواء الجمالي.

و سواء علينا إن إعتمدنا العنوان التفسيري الذي وضعه شكري أسفل عنوان النص الرئيس (الخبز الحافي) و الذي أراد من خلاله أن يحدد المحتوى بما أطلق عليه السيرة الذاتية الروائية، و بالتحديد الفترة 1935: 1951 تلك التي شهدت مولد الكاتب و نموه الجسدي و بداية وعيه للأحداث، أي الحراك الذي عمّ المغرب و طال بالضرورة مرابع نشأة شكري الأولى، طنجة و تطوان و الدار البيضاء في المغرب، و وهران بالجزائر، عندما كانت أسرة شكري لا تواجه صعوبة في التنقل هنا أو هناك اللهم إلا ما إستوجبه إستحقاقات السفر من حيث مصاريف النقل و ما في حكمه، و التي كانت في تلك الأيام تتم بأهون التكاليف و تُدبّر من أقصر الطرق، بفضل ما يسود الحياة و بالأحرى الجماعات من روح التعاون و خصيصة التراحم بين مختلف المكونات الإجتماعية، و لا سيما تلك التي تحمل الإمتياز الأمازيغي و ما يترتب عليه من قوة التعاضد بين عموم الفئات، و الأكثر حاجة من بينها على وجه التحديد، أي أن ما ذكره يروي أحداثاً وقعت لشكري بالفعل، و أن ضمير المُتكلم الذي إختاره لكتابته بما أتاحه من حرية التعبير و مرونته بالأحرى لتُمثّل حياة أولئك المهمشين مما هيأ له من حرارة المعناة و دقة التفاصيل ما جعلها على هذا المستوى من التفاعل، ذلك أن شكري كما يُجمع كل عارفيه قد كان في حياته الأولى واحداً من هؤلاء، تسكنه معاناتهم و تحركه همومهم و يستشعر كل ما يعتري الجميع من المسرّة و الفرح، ليس من هذه الأحوال و هي تحل قريباً من ديار هؤلاء بل و ما يمكن أن يُعتبر بمثابة النذير أو المُبشّر سواء بسواء، و هكذا وجدناه بواسطة هذا الأسلوب القائم على البوح لا يستشعر أي حرج و هو يستدعي كل هذه التفاصيل التي رافته و هو يخطو خطواته الأولى عبر ذلك الوسط العائلي الذي دنسته تلك الأبوة القاسية حين لم تعرف من القول إلا ما هو مُدمِّر لإنسانية الإنسان و من الفعل إلا ما هو أشد و أنكى، نعم لم يعرف منذ طفولته الأولى أكثر من العنف الخالي من أي درجة من درجات الرحمة الناتجة عن الضمير أو الفطرة، بداية من تركه - من طرف الوالد - يكابد الضنك و الجوع ليس بسبب البطالة و حسب، فالثابت أن ذلك الوالد لمجرد أن يتوفر له أي قدر من المال الناتج عن عمل الزوج و حتى الأطفال بمن فيهم شكري الصغير لن يكون أمامه سوى المسارعة بالتوجه إلى أقرب الأمكنة التي توفر له ما هو في حاجة إليه من الشهوات لا فرق أن تكون مباحة ضمن ما يُباح أو مُحرَّم ضمن ما يُحرَّم، أبٌ لا يُفرق بين الإبن الذي هو الراوي أو الأم التي لا يقنع منها ذلك الأب المجرم بالعدوان عليها و إنما يعمد إلى إثقالها دوماً بالمزيد من الحمل المُدمِّر الذي لا يخرج بها عن حالتين، جنين يوضع في ظروف لا مثيل لمصاعبها، أو إجهاض لا نظير لآلامه.

وهكذا لم يكن أمام الفتى الذي هو أكبر الأبناء و الراوي في ذات الوقت إلا أن ينشغل بنفسه فيجمع ما توفر أمامه من فرص العمل البسيط فإن لم يجد فله من إقتراف الجريمة ما يتكفّل بتوفير ما كان في حاجة إليه حتى نراه يُدمن كل أنواع الإنحراف من ردئ الشهوات المُحرّمة، مما تضيق به كل إشتراطات السلوك السوِي و الأخلاق المتعارف عليها، خاصة و أنه وجد عن طريق إقترافها ما حقق له من الداخل ما لا يحققه أسبوع من العمل، هذا إذا ما وجد ذلك العمل، ذلك أن الظروف المعيشية في ذلك المحيط كانت غاية في الصعوبة نتيجة الصراع الذي عرفته المغرب عقب إنتهاء الحرب و ما ترتب عليها من الكساد الذي فرضته مصاريف التسليح و ظهور بوادر الصراع من جديد بين حلفاء الأمس، و قد بدأ يومئذ بطنجة ضد الإدراة الدولية و أدرك الفتى أن لأسبانيا دورها في إشعال نار المقاومة مما لم يرُق للأكثرية من المتساكنين التي كانت تتطلّع إلى الحياة الهانئة و توفير الضروري لحياة الناس. أما إستحقاقات الحرية و ما في حكمها فأمر يهم الفئات الواعية إن بحكم إستعدادها للتضحية أو لقدرتها على تحقيق الكثير مما تحتاج إليه و من أيسر الطرق في العادة، و من الواضح أن أهم ما يلفت إنتباه قارئ شكري و قد مضت على صدوره هذه السنين الطويلة و صدرت بعده في مدونات السرد ما لا حصر له من الأعداد و التجارب هو ما حمله النص من عمق الإرتباط و قوة التأثير بين الراوي و هو يحكي ما جرى و ما يُفلح في إبلاغه بنوعية الحدث من حيث المزاوجة بين ربط الفعل و وقعه إن صح التعبير، و الذي يجسده على نحوٍ خاص مستوى التعاطف بين مجموع الشخصيات و تظافر جهودهم لتحقيق أعلى مستوى من التعاضد و القدرة على تجاوز المحنة على الرغم مما يقاسونه جميعاً من شظف العيش و سطوة الحاجة، و هو ما أبدع الراوي في سرده بإحكام، لا فرق أن يكون ذلك من طرف أحد سكان الحي الذي لفت نظره بقاء الفتى المتسكع داخل الحي و تلوح على مُحياه أثار المعاناة و إذا به يبادر بعرض ما لديه حرصاً على صون الفتى و تجنيبه ما يمكن أن يطاله، و قل مثل ذلك على النسوة اللاتي عضّهن الزمن و أكرههن على سلوك ما لا يجب أن يُسلَك، و مع ذلك يظل حبل الود أقوى مما سواه، و رباطه أوثق من أي قاطع، إنها الروح التي تدفع هؤلاء مجتمعين إلى التأثر بكل ما يشهده الواقع القريب من أحداث ملموسة و الأبعد الذي تتوارد حوله الأنباء، و ذلك عندما فعلت وسائل الإتصال فعلتها بدليل أن الراوي و إن كان يرسف تحت أغلال الأمية و لم يتوفر له عند بدء وعيه بالأحداث فإنه يُظهر ما يدل على مواكبته لما كان يجري و لو كان عن طريق ما كان يُذيعه الراديو من الأغاني و الأخبار المثيرة، فقد بدأ الشعور القومي يتحرك و كان لعبد الوهاب الفنان الكبير دوره عندما صدح بأحب عيشة الحرية، و ما على شاكلتها من الأغاني التي نبّهت إلى الإحساس القومي، و لو كانت الحياة إلى أوروبا أقرب مما عداها في ملاهي طنجة، كما أن الحياة اليومية على ما فيها من خصاصة و جوع، إلا أن السعادة تظل دوماً فوق التشاؤم و فوق اليأس و لو كان الطعام ليس أكثر من فضلات الآخرين، فهم رغم كل شيئ يستدعون مشاعر الأمل و يقاومون روح اليأس. و إذا كانت هناك بعض التعليقات التي تشي ببعض القسوة و هي تُرَدّد على لسان الراوي إلا أنها لا تُثير أي روح عدائية مُتحفزة للهدم أو نزاعة للشر المتعمَّد، إنها روح المغرب و أجواء تلك المجتمعات منذ قرون بعيدة و أضفت على الجماهير ملامحها الخاصة و شخصيتها المميزة و طرائق تعبيرها بما تتصف به من الهدوء و الإصرار على بلوغ الهدف من أيسر الطرق و أكثرها تطلّعاً للسلامة أو كما يقولون في أحاديثهم الخاصة (باللاتي) حين يلحظون شيئاً من التسرع أو (ربي يخلف) عندما تُسدد لهم حساب ما إشتريت أو حتى و أنت تقدم ما تيسر من الإحسان. مما يجعل القارئ المتبصّر حين يقرأ هذا النص أو يعود إليه بالأحرى يلمس بما لا يدع مجالاً للشك ما لدى هؤلاء الناس الذين تمثل شخصيات الخبز الحافي عينة منهم، قد تكون عشوائية كما يقول أنصار هذا المنهج الفكري بصدد قياس موقف العامة، مثلاً جيداً على تكامل المجتمع و تعاضد طبقاته في السراء و الضراء و لا سيما المهمشين منهم الذين أحسن شكري تقديمهم و أكد حضوره بواسطتهم حين لم يضع على ألسنتهم الكلمات كما يفعل الكثير من المبدعين الذين لا يحققون التوازن المطلوب بين موضوع العمل الأدبي و مرتكزات بنائه و أخيراً علاقته بتجربة الكاتب من حيث هو إنسان قبل أي شيئ آخر، و على حقيقة أن التجربة الشخصية كانت منذ القدم جزءً من الفن الروائي، مع مراعاة أن شكري إستطاع أن يضيف إلى هذا المفهوم بعداً آخر لن يعجز الدارس عن الوقوف على شواهده من خلال النص بداية من هذا النص و بعد ذلك في نصوص أخرى قبل أن يغادر عالمنا قبل أن يبلغ من العمر أرذله، و أن يكون المرض قد جعله كذلك.إنتهى




______________________________

شرَف

رواية، تأليف صنع الله إبراهيم

أمين مازن

15-12-2016

لم أستطع و أنا أتوصّل برواية المثقف المصري التقدّمي المعروف، الروائي صنع الله إبراهيم الموسومة بإسم شرَف و قد جاءت في طبعتها الخامسة الصادرة ضمن منشورات دار المدى للعام 2013 إلا أن أعود بالذاكرة إلى تاريخ صدورها الأول في آخر تسعينيات القرن الماضي، حين تعذّرَ عليّ القيام بقراءتها باكراً و ربما تقديم ما لدي من مقاربة حولها، طبقاً لِما كنت قد ألزمت به نفسي من واجب الإسهام المكتوب نحو ما كان يصدر من سرديات أدبية و قضايا فكرية و ثقافية بتلك الفترة التاريخية المُهمة من آخر تسعينيات القرن الماضي، عندما أصبحتُ أكثر تخلُّصَاً من تبعات الصِفة الإعتبارية في عالم الثقافة و قد دامت يومها لأكثر من حقبة و نصف الحقبة من الزمن، كثيراً ما حاولت توظيفها في الحضور الدائم على المسؤولية أو محاولتها على الأقل و لاسيما فيما يتعلق بالإنحياز إلى السرد العربي الملتزم، لما كان يحفل به من مقومات التأويل الذي يحفظ فعل المقاربة من رصد العاملين في دوائر الحكم الشمولي على النحو الذي كثيراً ما أُسيئ إستغلاله في المتابعة السياسية، حين لم يتفطّن عديد المُتعاطين للمقاربة النقدية عن خطورة ما يأتونه عن نية حسنة. و المهم أن سردية صنع الله إبراهيم هذه "شرَف" ظلّت بعيدة عن دائرة إهتمامي و بالأحرى إستفادتي إلى أن سُعِدت بها ضمن ما أسعد به من الإعارة و تبادل الإهداء مع ما منَّ الله به من التعاطي مع الأجيال الجديدة التي بدأت مشوارها في تلك الأيام و لم تستجب للكثير من محاولات التشكيك و التحسس لتربح الكثير مما صلّبَ عودها و جعلها أكثر إستعداداً لإستيعاب الكثير من المستجدات التي أطلّت في مطلع هذه الحقبة التاريخية التي لا تعرف التوقف و السلبيات التي تتناسل بإستمرار، فمن هذه الخليقة المحببة تجد الذات حافزها القوي للقراءة و ربما الكتابة، إذ كلما وُجِدَ من يتوفر أو تتوفر على متابعة ما يكتب أمثال صنع الله إبراهيم يستشعر المرء جمال الكثير من أسباب الإنحياز لهذا النوع من السرد الممتع، وهذا القلم المتمرد بإستمرار على الكثير من محاولات التطويع و الإغراء نحو المجد الزايف و التكريم المُصنع، خاصة عندما أفلح كاتبنا في الولوج إلى الشاشة الصغيرة منذ سنوات و إستطاع أن يهزم مِن ثم كل عوامل الإنكماش ليكون في عداد الروائيين الذين تطوق شهرتهم الأفاق و مع ذلك فإن كل تبادل لهذا النوع من النصوص مع الغير يكون له طعمه لما يثيره من كل ما تحمل الذاكرة مما يتعذر الآن الخوض في تفاصيله، و بالذات عندما يتعذر التواصل الشخصي مع من لا يزال على قيد الحياة من مناضلي مصر الذين شكلوا مادة سرديات صنع الله و مجايليه، أولئك الذين هالهم الإرتداد الذي حل بمصر في سبعينيات القرن الماضي جرّاء غول الإنفتاح الإقتصادي المزعوم و ما إقتضاه من سياسات تُوِجت يومئذ بمعاهدة الصلح المنفرد مع إسرائيل ذلك الذي تلى حرب 73 و الذي وصفها الرئيس المصري بآخر الحروب و مهّدَ لها بطرد الحلفاء الروس و تصفية الجبهة الكاملة للرئيس عبدالناصر الذي طالما كان السادات على رأس المجاهرين بالإنحياز إليه في جميع ما شهدته مصر من صراع إلى أن جاء الوقت المناسب الذي حمل كل المتغيرات لتُفتح في النهاية السجون و يتسلل الإسلامبولي لإلقاء رصاصاته و يغيب السادات شخصه و يخلفه من يُكمل مشواره القائم على الصلح المنفرد مع إسرائيل و فتح الأبواب أمام إقتصاد السوق و شروطه الكاملة. و قد جرى ذلك كله في خضم سلسلة من الأحداث المثيرة التي جسدتها المواقف المؤثرة، داخلية و خارجية، لعل من أبرزها ذلك الخروج اللافت من قاعدتي الملّاحة بطرابلس و العدم بطبرق، عندما غادرتها بريطانيا و أمريكا في مطلع العام 70، بالطريقة بالطريقة التي خُلصت على نظام الفاتح من سبتمبر الصورة التي أظهرته في هيئة الوريث الشرعي للخط الثوري العربي، على الرغم من أنه كان المؤازر القوي لرئيس مصر الجديد أنور السادات و هو يبادر بتصفية رجال عبدالناصر جملة واحدة و يطلب من الخبراء الروس مغادرة مصر، قبل الإقدام على خوض حرب العبور، فلم يبقى لروسيا من علاقة مع نظام سبتمبر سوى تزويده بالمزيد من السلاح الذي كان يزيد عن حاجة البلاد بكثير بل و لا يجد النظام الجديد أي حرج من الإقدام على إنزال الطائرات البريطانية الحاملة لزعماء السودان الذين أفلحوا في إقصاء النميري من حكم السودان و الإبقاء عليه رهن السجن، فإذا بتلك الخطوة تتكفل بإعادته إلى السلطة و تمكينه من القيام بتلك المذابح الشهيرة التي أنهت حياة جميع القيادات اليسارية من حزبية و نقابية على السواء و كذا تأييد ما جرى في تشيلي و قبل ذلك محاولة أوفقير الفاشلة بالمغرب، و المفارقة الوحيدة كانت يومئذ مبادرة الرئيس كارتر بوقف حرب الحدود التي بدأ بها السادات مُعتقداً أنها يمكن ان تكون عربون ما كان ينتوي القيام به بصدد الصلح النفرد فإذا به يُمنع من ذلك التوجه، تماماً مثلما إستحال عليه القيام باي معارضة للخطوة التي أنهت الوجود العسكري المصري بليبيا في أيامٍ ثلاثة، فتأكد بما لا يدع مجالاً للشك أن ما حدث بليبيا في مُفتتح سبتمبر سنة 69 إنما كان من أجل دور يشمل المنطقة المحيطة كَكُل و إن القرارات المتعلقة بالحدود التي رُسمت عند البث في تَرِكَة الرجل المريض كما كان يُطلق على السلطنة العثمانية قبل إقصائها من الإستانة و إعتماد ورَثتها في ما أُصطُلِحَ على تسميته الشرق الأوسط بما فيه العالم العربي هو ذلك الذي وُضِعت خطوطه و كذا تعديل هذه الخطوط هو من مشمولات دول الفيتو ليس غير، و ما عدا ذلك فليس أكثر من مهمات مؤقتة يتم التكليف بها و العُدُول عنها حسب الأحوال، و كثيراً ما يكون العُدُول مفاجأة تُصيب تقديرات الصغار في الصميم، و غدا واضحاً أن ليس أمام هذه المنطقة سوى المُضي نحو السياحة و لا شيئ غير السياحة، ففيها كل ما يتكفل ببعث الحياة في هذه العواصم المهزومة كي تكون قِبلة القادمين من كل بقاع الأرض لتوفير شراهة جيل أشرف أو شرف كما تدعوه أمه كي يستطعم البحبوحة الجديدة التي تأتي له بكل ما يتطلّع إليه من المطالب و كذا من يعرض عليه مجانية الدخول إلى السينما و الدعوة إلى قضاء الأمسيات الجميلة و إلباسه السلسلة الذهبية الفاخرة و من ثم دعوته إلى تسديد الثمن الذي دفعه إلى مواجهة أحد الإحتمالين: الموت في الحياة أو الحياة في الموت، و إذا قبِل الأخيرة كان السجن في إنتظاره و إدانته بتهمة القتل و قبل ذلك السرقة، و رفض الإستماع لأي توضيح يتعلق بالأسباب، فقد إستقام الأمر في بلد إمرأة العزيز على إثبات تهمة السرقة و لو كان القميص قُدَّ من دُبر، لتكون المرأة كاذبة و يكون هو في عداد الصادقين، بل و تلحقه لعنة الوسامة هذه الناتجة عن اللون الأشقر و الفم الساحر و يبقى رهين المحنة التي أتقن الراوي إرسالها على لسانه فلم يعدم في بلاد الوحوش من يحدب عليه و يُعِينه على صون عفافه عبر تلقائية منقطعة النظير.

لقد بدا السجن بما حواه من النماذج البشرية، متعددة الأعمار و الأرومة و المستويات الإجتماعية و التعليمية فضاءً مكتملاً بكل ما تحويه كلمة الفضاء من المعاني ليأتي الحكي معبراً عن مختلف مواقفهم و ردود أفعالهم إزاء واقعهم اليومي الناتج عن قلق الإنتظار بالنسبة لمن لا يزال في إنتظار النطق بالحكم في حالة المثول أمام القضاء، و كيفية التعاطي مع التهمة و أساليب التحقيق الماكر لمن لا يزال رهن التحقيق، و هو قبل هذا أو بعد هذا يصور الواقع المعاشي الفاسد و الذي إزداد فساداً جرّاء ما أنتجته سياسة الإنفتاح من شيوع الرشوة و ضعف الرقابة المتعلقة بالإنحراف السلوكي، مما جعل الضيق من الرأي السياسي الرافض لما يجري يمتد إلى ما يُقال داخل العنابر على نحوٍ ما حصل مع نوعية المساجين الذين إتخذ الدكتور رمزي دليلاً على نوعية ما يمكن أن يُبيّتوه في جلساتهم و نقاشهم في إطار إستعداهم لمرحلة ما بعد السجن، فترى إدارة السجن تَبُث عيونها للملاحقة و معرفة ما يمكن أن يُقدِم عليه هذا النوع من نزلاء السجن في وقتٍ لاحق، بل إن هذا السجن الذي طال بالنسبة للبعض يبدو واضحاً تأثيره على الكثير من السجناء الذين لا يترددون في المجاهرة بملاحظاتهم إزاء حقوق السجين من حيث الأكل و العطلة و غير ذلك مما لا يمثل الحديث حوله تهمة من التهم السياسية التي كثيراً ما يُعاقَب المتهم بها قبل التحقيق أما المعاملة التي قوبل بها أشرف من البداية فليس أكثر من الإنحياز الكامل للسياحة و السياح حتى أن تهمة السرقة وقع إثباتها دون أي تحرٍّ للحقيقة.

لقد إمتازت هذه الرواية و التي يمكن أن نطلق عليها صفة الملحمة بكل الإطمئنان بحرص الكاتب الملحوظ على توفير القدر الكافي من متعة الفن، إذ بالرغم من قوة إلتزام صنع الله إبراهيم على إدانة كل ما هو سلبي في الحياة المصرية التي إنبعثت في ظل سياسة الإنفتاح أو مرحلة ما بعد الصلح المنفرد من التعاطف غير العادي مع القوى اليمينية و الذي يشهد به على نحو خاص ذلك التساهل الظاهر مع كل من هو في عِداد اليمين على أي مستوى من المستويات، فنراه ينعم بكل ما يُشعر المراقب على أن المكان لا يحمل من السجن إلا الإسم، و ما عدا ذلك فنحن أمام إقامة مُحدّدة ليس غير، إبتداءً من الذي يقضي عقوبة جريمة التزوير و بيع السلع منهية الصلاحية، أو في جريمة قتل متعمد لا صلة له بالشرف على الإطلاق و قل مثل ذلك بشأن من وجد لإقدامه على جريمة أُقترفت بدعوى الفهم المنحرف للدين، بعكس من يمكن أن يكون منشغلاً بدراسة من دراسات الإختصاص، كما هو حال الدكتور رمزي الذي يثير إنكبابه على كتابة بعض الأوراق ذلك الإهتمام الذي يصل إلى درجة الفضول و حتى المضايقة لمعرفة ما يدأب على كتابته بين الحين و الآخر، فلا تتردد إدارة السجن و من يتعاون معها لبذل الجهد تلو الجهد لمعرفة ما كان يكتب بإستمرار، و الذي طالما إتخذ من لحظات الفوضى السجينة مناسبة للجهر بآرائه الناقدة لما يجري في مصر كافة و ليس ضاحية السجن على وجه التحديد، و عندما حدثت سطحية السجان نفسه لدعوة النزلاء للإحتفاء بذكرى "6" أكتوبر و نصره الذي أُسيئ إستغلاله و حدث فيه ما حدث من ذلك الإغتيال الفردي الذي لم يكن له من هدف أكثر من تمرير ما تم الإقدام عليه من التضحية بالرأس ليس أكثر كان النص المسرحي الذي جعل من السجن حبهة للرفض.

لقد أفلح الراوي - عبر الحكي المُتقَن - أن يضعنا معشر مُتلَقِي هذا النص أمام صورة أمينة عن واقع الحياة العامة التي لم يكن السجن بمعزل عنها، بما يسود المكان من مظاهر الفساد المتعلقة بالرشوة و المتاجرة بالمخذرات بل و حتى الإجازات المتعلقة بالمكان و مثل ذلك الفوارق بين الخصوم الحقيقيين للعهد و المتحالفين معه حتى و هم داخل السجون، كما نجح في صون شخوصه من أن يسخروا لافكاره كما لو كانوا مسوخاً فاقدي الحركة، بل إن منهم من كان مثالاً لنقل سلبيات التجربة كما هو الفتى أشرف الذي بقى حيث هو طوال هذا النص الضخم على الرغم من أنه من حيث الزمن كان أبعد من أن يُعرَف له مدى، غير أن ظهور كعب الداير في الصفحات الأخيرة و هو يُشير بإنتهاء جولته عبر المحافظات بقصد عدم وجود من لديه بلاغ بشأن ما قد يكون إقترفه من الجرايم إنما يضعنا أمام حقيقة إنقلاب المعادلة القائلة بأن المتهم بريئ حتى تثبت إدانته، إلى تحريف آخر مفاده أن كل متهم مُدان ربما لو ثبتت برائته، و يظل ما أثبته صنع الله إبراهيم من شكر لمن ذكر بشأن مساعدته و نصحه و كذلك مراجعه، أن هذا النص يدخل في عداد الأعمال التوثيقية بإمتياز تلك التي تتخذ من الوقائع مادتها دون التخلّي عن مقوماتها الفنية و شروط تجديدها التي تجعلها في مصاف الروايات الإنسانية، المُستقاة من أحداث التاريخ المُوثّق و التحرير الإبداعي المدقق.إنتهى




________________________________


صنع الله إبراهيم مُتلصصاً

أمين مازن


تعتبر رواية التلصص واحدة من أحدث النصوص الروائية ذات المستوى الفني‮ ‬الرفيع التي‮ ‬دأب على إبداعها المثقف التقدمي‮ ‬المعروف والمناضل المصري‮ ‬البارز صنع الله إبراهيم،‮ ‬أحد أبرز الروائيين العرب المنغمسين بفنهم الروائي‮ ‬وإسهامهم الأدبي‮ ‬في‮ ‬مشكلات الواقع العربي‮ ‬عامة والمصرى على وجه التحديد‮. ‬

ذلك الانغماس الذي‮ ‬لم تزده الإجراءات الجزائية من طرف السلط إلا إصراراً‮ ‬على المضي‮ ‬في‮ ‬الموقف المبدئي‮ ‬الرافض لكل المغريات،‮ ‬ولو كان ذلك على هيئة جوائز مالية شبه مجزية،‮ ‬كثيراً‮ ‬ما أسالت لعاب البعض من كتاب هذا الجنس الأدبي‮ ‬عندما رأوا فيها هدفاً‮ ‬من الأهداف التي‮ ‬يبذل في‮ ‬سبيل الظفر بها الجهد‮.. ‬بل وتتعدد المواقف أو تتغير بالكامل،‮ ‬لايهم إن كان ذلك بصدد الموقف الوطني‮ ‬أو القومي‮ ‬أو الإنساني‮ ‬إن جاز لأحد أن‮ ‬يفرق بين هذا وذاك‮. ‬وقد صدرت هذه الرواية عن دار المستقبل العربي‮ ‬بوصفها المؤسسة التي‮ ‬طالما عنيت بنشر هذا النوع من الأدب الموسوم بالموقف التقدمي،‮ ‬وهؤلاء الكتّاب الذين لايرحب بهم في‮ ‬اوساط كثيرة،‮ ‬حيث تنعدم بين الطرفين‮- ‬على مايبدو‮ - ‬الروح التجارية القادرة في‮ ‬أحيان كثيرة على استيعاب كل ذي‮ ‬موقف طري‮ ‬فيصار إلى تطويعه بكل اليسر،‮ ‬ولو عن طريق التسويق الذي‮ ‬لاينتج عن إيصال المنتج الأدبي‮ ‬إلى أكبر عدد من الناس،‮ ‬بقدر ماتتضاعف كميات الطبع دون أن تزيد أعداد القراء،‮ ‬ولو شئنا أن نضرب الأمثلة لما اتسع لنا المكان ولتعددت أنواع المصادرة لكل رأي‮ ‬لايتفق مع تيار التسويات المشبوهة والخيارات اللا وطنية بل والمخجلة في‮ ‬أحيان كثيرة‮.‬

حدد موضوع هذه الرواية في‮ ‬المرحلة الأولى من السيرة الذاتية لصنع الله إبراهيم ذاته والتي‮ ‬هي‮ ‬بالضرورة سيرة المرحلة التاريخية بالكامل،‮ ‬وهي‮ ‬بالتحديد أربعينيات القرن الماضي‮ ‬وفي‮ ‬الأحياء المهمة من مدينة القاهرة التي‮ ‬شهدت معظم الأحداث المتصلة بالشأن العربي‮ ‬العام،‮ ‬حيث تتحرك معظم الفاعليات وتدلي‮ ‬بما لديها في‮ ‬مختلف الشؤون ومن بينها بالطبع صنع الله إبراهيم نجل خليل بك الذي‮ ‬يتمتع بهذا اللقب والذي‮ ‬لم‮ ‬يكن من الدرجة الأولى لينعم بامتيازاته كاملة ولكنه بالمقابل ليس شخصاً‮ ‬عادياً‮ ‬من عامة الناس ولكن على درجة ما‮ "‬تفضل‮ ‬ياخليل بيه‮" ‬

يجيب في‮ ‬وقار،‮ ‬حَنْمُرّ‮ ‬واحنا راجعين الشارع من جديد‮" ‬بائع‮ ‬يانصيب علق أوراقاً‮ ‬على الحائط،‮ ‬يخرج أبي‮ ‬ورقتين من جيبه ونظارة القراءة،‮ ‬يقارن أرقامها بدفاتر البائع،‮ ‬يكمش الورقتين ويلقي‮ ‬بهما في‮ ‬الطريق،‮ ‬يشتري‮ ‬ورقيتين جديدتين‮. ‬

كوم من النظارات القديمة فوق جريدة على الأرض‮. ‬البائع‮ ‬يرتدي‮ ‬نظارة طبية مكسورة من المنتصف وملحومة بقطعة بارزة من الصفيح‮ ‬ينحني‮ ‬أبي‮ ‬ويقلب بين النظارات،‮ ‬يختار واحدة ويطلب مني‮ ‬أن ارتديها أضع النظارة فوق عيني‮ ‬وأتطلع حولي‮ ‬أجرب نظارة أخرى ثالثة بيضاوية في‮ ‬إطار رفيع من معدن مذهب،‮ ‬أشعر بتحسن في‮ ‬الرؤية‮ ‬يفاصل أبي‮ ‬في‮ ‬ثمنها ويشتريها‮ "‬ص7"

بداية بالغة الدلالة حول ظروف الطفل الصحية‮ ‬غير المطمئنة كما تظهر من ضعف البصر،‮ ‬وكذلك الوالد محدود الدخل الذي‮ ‬يسد نقص احتياجات ابنه من الأشياء المستعملة ولكنه على أي‮ ‬حال مستوى من مستويات التدبير وإدراك النقص في‮ ‬وقت مبكر‮. ‬

يمكن القول أن أسلوب الكتابة هو الآخر من حيث اعتماد ضمير المتكلم في‮ ‬الحكي‮ ‬بدأ شديد الملاءمة للمرحلة موضوع الرواية وما أحدثته من أثر في‮ ‬تشكيل شخصية الراوي‮ ‬وتكوين الأسس الأولى لاختياراته المستقبلية وقد بدأت كما أراد لها أن تكون مع بداية الوعي‮ ‬بالحياة والأحداث جنباً‮ ‬إلى جنب مع النشأة الشخصية والاحتياجات اليومية حين لايكون أمام كل من كان في‮ ‬تلك المرحلة من العمر سوى أن‮ ‬يتلصص على من حوله بل ويجد المتعة في‮ ‬تصرفات كثيرة تقبل عليها أطراف المجتمع في‮ ‬تلقائية ويتيسر للأطفال عادة أن‮ ‬يقتربوا منها،‮ ‬كل منهم حسب ظروفه،‮ ‬وموقف الآخرين منه،‮ ‬وما توفره عادة جملة من الاعتبارات مما أجاد صنع الله إبراهيم في‮ ‬حسن توظيفه لما ابتغى أن‮ ‬يبلغ‮ ‬عنه لنا معاشر متلقيه عن حياة الناس والجماعات وما توفر لها من قوة الالتصاق بحياة الراوي‮ ‬معاشة هذه الحياة بحق،‮ ‬كما جاء في‮ ‬الرد أو متخيلة كما تقتضي‮ ‬في‮ ‬أحيان كثيرة شروط المستهدف من الكتابة عبر السرد المعتمد على التفاصيل الكثيرة الملتقطة من حياة الفتي‮ ‬الشخصية والمحيط الذي‮ ‬يدور فيه،‮ ‬المدرسة الأولية،‮ ‬جلسات خليل بيه المنهك من الزمن وضغوط الحاجة،‮ ‬المجتمع الذي‮ ‬يتحدث فيه الناس عما‮ ‬يجري‮ ‬وعما تكتب الصحافة حول الشأن العام ويتحدث القراء وترصد العين المتلصصة لمجمل الأشياء الكبيرة من خلال السمع والأكثر قرباً‮ ‬من الملامسة‮.‬

فالمرحلة الزمنية هكذا‮ ‬،‮ ‬طفولة‮ ‬يغشى بموجبها الفتى صنع الله الصفوف الأولى‮ ‬،‮ ‬وحياة لا وجود فيها للأم ولا وضوح لسبب الغياب‮ ‬،‮ ‬فقط الوالد المهتم بطفله هذا والمتكفل بتوفير جميع‮ ‬احتياجاته بدءاً‮ ‬من احتياجات الحمام والإفطار وما في‮ ‬حكمه إلى الدراسة والواجبات التي‮ ‬تحتاج إلى مساعدة ذلك الوالد ومزاوجة لافتة بين سن الطفل واهتماماته وأسئلته وحتى ملاحظاته وواقع ممتلئ بأكثر من تناقض تتولاه سلطة شديدة التقصير في‮ ‬أداء الواجب والإصرار على طلب الطاعة ترغيباً‮ ‬وترهيبا‮.‬


في‮ ‬جمال الربيع عيدك أقبل‮ ‬

أنت أبهى من الربيع وأجمل‮ ‬


نكرر النشيد خلف مدرس الموسيقى‮ ‬يتدلى من جيب سترته منديل كبير ملون‮ ‬،‮ ‬سيصحبنا إلى قصر عابدين في‮ ‬عيد الميلاد الملكي‮ ‬يعطوننا سندويتشات من الجبن الشيستر الأصفر والحلاوة الطحينية‮ ‬،‮ ‬فيوم الاثنين نصف‮ ‬يوم‮ ‬يكتب مدرس اللغة الإنجليزية التاريخ فوق الصبورة‮ ‬،‮ ‬أرى المكتوب بوضوح بفضل النظارة‮ ‬يبدأ الهرج في‮ ‬المقاعد الخلفية‮ ‬يستدير المدرس ويتجه إلى كرسيه‮ ‬،‮ ‬ملابسه‮ ‬غالية وأنيقة‮ ‬،‮ ‬ثنية رجلي‮ ‬بنطلونه عريضة حسب الموضة‮ ‬،‮ ‬منتصبتان فوق قدمي‮ ‬حذائه دون ترهل‮ ‬،‮ ‬تغطيان نعل الحذاء من الخلف حتى نقطة‮ ‬تماسه مع الأرض‮ ‬يقول دون أن‮ ‬يتطلع إلى أحد اللي‮ ‬مش عايز الدرس‮ ‬يتفضل بالخروج‮ .‬

ينهض تلاميذ الصفوف الخلفية الكبار‮ ‬يغادرون الفصل أخذ مسدسي‮ ‬من الدرج وأتبعهم،‮ ‬الحق بالتلاميذ إلى السلم متسللاً‮ ‬إلى الفناء الخلفي‮ ‬أخلع النظارة التي‮ ‬ألصقت بي‮ ‬اسم‮ ‬غاندي‮".‬

النظارة التي‮ ‬وضعها طفل ذلك الزمان على عينيه هي‮ ‬التي‮ ‬أشرت إلى شخصية كان في‮ ‬ذلك الزمن أو قبله بقليل‮ ‬يسمى‮ ‬غاندي‮ ‬قاد كفاح الشعب الهندي‮ ‬إلى الاستقلال وجايله في‮ ‬ذات الفترة محمد علي‮ ‬جناح الذي‮ ‬اتجهت رؤيته إلى تأسيس باكستان الإسلامية‮ ‬،‮ ‬ولم‮ ‬يكن منتظراً‮ ‬من طفل ذلك الزمان ولا الواقع الذي‮ ‬يعيش فيه أن‮ ‬يعرف شيئاً‮ ‬عن‮ ‬غاندي‮ ‬وربما كان تشبيه الأطفال لصنع الله بشخصية‮ ‬غاندي‮ ‬ليس من قبيل ما‮ ‬يرى ولم تسعف المخيلة هذا الراوي‮ ‬أية إضافة‮ ‬،‮ ‬لعله الصدق الموضوعي‮ ‬وقد‮ ‬يقول البعض الصدق الفني‮ ‬كذلك أيضا‮ ‬،‮ ‬لكن التلصص‮ ‬يطال أموراً‮ ‬أخرى كثيرة مثل الحديث عن علاقات الملك فاروق مع فنانات ذلك الزمان وظهوره على أعمدة الصحف مع عشيقاته ومقالات فكري‮ ‬أباظة حول تحديد ملكية الأرض ونقد عباس العقاد وشعر أحمد شوقي‮ ‬وهو الذي‮ ‬لا‮ ‬يجد‮ ‬غضاضة في‮ ‬التغزل بإحدى عشيقات الملك فاروق كما قلنا آنفاً‮ ‬بعكس مواقف المحامي‮ ‬والمثقف البارز الدكتور محمد مندور وهو‮ ‬يستعد لخوض معركة الانتخابات عند ما شكل اجراؤها مطلباً‮ ‬وطنياً‮ ‬ناضل من أجله معظم السياسيين وخشي‮ ‬من نتائجه زعماء الأقليات السياسية عندما كان الوفد بعبعاً‮ ‬يخشاه الجميع ويتحالف ضده الجميع ولكنه القادر على اكتساحهم كلما وجد الحد الأدنى من حياد السلطة ولهذا فإن رهانهم الدائم على استمرار حالة الطوارئ ويبدو مندور منحازاً‮ ‬لذلك التكتل الشعبي‮ ‬الكبير دون أن‮ ‬يتجاهل ما كان‮ ‬يسوده من تأثير بعض القيادات وما ذلك إلا لإيمانه بأن الوفد ليس سراج الدين ومن على شاكلته وإنما هو‮ ‬غير هؤلاء جميعاً‮ ‬،‮ ‬والراوي‮ ‬هنا‮ ‬يشير إلى الطليعة الوفدية التي‮ ‬تدين بالفضل لمحمد مندور وعزيز فهمي‮ ‬وآخرين والتي‮ ‬كونت النواة الأولى للقوى التقدمية في‮ ‬مصر‮ ‬والتي‮ ‬كان من الممكن أن‮ ‬يكون دورها أكثر تأثيراًِ‮ ‬لو لم تقدم بعض القوى إلى ما‮ ‬يمكن وصفه بحرق المراهل‮ ‬،‮ ‬حين لم تقبل الاستمرار في‮ ‬صفوف ذلك التجمع الشعبي‮ ‬الكبير القادر علي‮ ‬توفير أوسع الفضاءات للكفاح الجماهيري‮ ‬،‮ ‬فاتجهت إلى تجمعات أكثر خصوصية وأيسر طريقاً‮ ‬للقوى المتربصة كي‮ ‬توجه ضرباتها الموجعة عندما وجدت من أدبيات التطرف ما ساعدها على المبادرة بالبطش مستفيدة من بعض القوى الحليفة من اليمين الذي‮ ‬لم‮ ‬يتفطن إلى قواعد اللعبة فسكت على ما لحق بالبعض‮ ‬غير مدرك أن ذلك هو البداية الطبيعية كما سينوبه حين‮ ‬يتوفر الوقت المناسب والذي‮ ‬لم‮ ‬يطل انتظاره بل سرعان ما أزف وقته بدخول الاغتيالات السياسية التي‮ ‬تبودلت بين عديد القوى سواء ما لحق بالأستاذ حسن البنا وقبله أحمد ماهر ومحمود فهمي‮ ‬النقراشي‮ ‬حيث كان للأقلية السعدية دورها منذ انفصال مكرم عبيد في‮ ‬وقت سابق عن الوفد وهو الذي‮ ‬يوصف على لسان سعد باشا بالابن‮ ‬،‮ ‬فإذا به‮ ‬يفضل الانسحاب ويصدر خطابه الشهير ويبقى ضمن أحزاب الأقلية التي‮ ‬طالما وجدت في‮ ‬الملك فاروق الحليف الأول ووجد فيها من جهته خير معين على كل تحرك‮ ‬يتطلع إلى الحد من سلطاته وجبروت كبار الملاك المنضوين تحت عرشه والذين لم توجه إليهم ضربة ذات أهمية اللهم إلا تلك التي‮ ‬بدأت عشية معاهدة‮ ‬1936حين فتح بموجبها باب الكلية العسكرية وتسللت منه الأسماء التي‮ ‬حملت نجمة الملازم ثاني‮ ‬ولعبت أدوارها المختلفة في‮ ‬تاريخ مصر الحديث مستفيدة من أفكار أحمد حسين وبعض انتصارات هتلر والإنجليز فيتعرض البعض للسجن ويحاصر بعضها الآخر في‮ ‬الفالوجة اثناء حرب فلسطين تكون هذه الاحداث مجتمعة حديث الرأي‮ ‬العام في‮ ‬مختلف الاوساط الشعبية ومن بينها بالطبع خليل بيه والد صنع الله ابراهيم ومن معه من شرائح المجتمع في‮ ‬تلك الاحياء حيث المهني‮ ‬المتفوق والافندى المتابع والعامل البسيط المرتبط اوثق الارتباط بالصحف التي‮ ‬تنقل اخبار الدنيا أولاً‮ ‬بأول كل حسب اختصاصه ودوره والفتى المتلصص‮ ‬يتابعها جميعاً‮ ‬هذه تكتب عن محاكمة السادات كاحد المتهمين بالتعاون مع المحور وتلك تتحدث عن اخبار الفنانين وذكرى رحيل اسمهان ومن اتهم باغتيالها فضلاً‮ ‬عن تغزل العقاد بالفنانة التي‮ ‬اعتبرها فاروق احدى عشيقاته تماماً‮ ‬مثلما‮ ‬يتلصص على أم محمد التي‮ ‬تزوج منها والده وام بسمة ونساء اخريات كثيرات ارتبط بهن الفتى صنع الله وهو‮ ‬يعيش تلك الطفول التي‮ ‬يسرت له أن‮ ‬يقترب من ذلك العالم في‮ ‬وقت مبكر ومن خلال نافذة الطفولة التي‮ ‬وفرت العطف واتاحت مايمكن العودة اليه عن استعادة الذاكرة والحديث عن تلك العوالم المليئة بالعلاقات الإنسانية البسيطة والتي‮ ‬يمكن بواسطتها التعويض عن الاحساس باي‮ ‬نقص في‮ ‬المشاعر او حرمان من الاتصال بل وحتى التحالفات التي‮ ‬تحدث بين بعض الساسة والقوى المؤثرة في‮ ‬المجتمع حين‮ ‬يجيب القسيس سائله حول الانتخابات المنتظرة بأن قد اعطى الكلمة للمرشح السعدي‮ ‬ربما في‮ ‬اشارة الى تخلي‮ ‬بعض الاقباط الحلفاء الطبيعيون للوفد بتأثير السياسي‮ ‬مكرم عبيد ابرز الذين انشقوا عن الوفد عندما آلت زعامته إلى مصطفى النحاس واسسوا احزاب السعديين الذين طالما تحالفوا مع الاحرار الدستورين وغيرهم في‮ ‬مواجهة الوفد لتتضافر هذه مجتمعة على تجذير العمق الشعبي‮ ‬للوفد وطليعته الوفدية التي‮ ‬شكلت المضلة للقوى التقدمية بحيث افلحت في‮ ‬انجاز الكثير من اهدافها تحت شرعية الوفد ودون أن توفر الفرصة للمتربصين بهذا النوع من التوجهات كي‮ ‬تكتشف حقيقتها وتعمل على تصنيفها في‮ ‬وقت مبكر وبالجملة فان تلصص صنع الله ابراهيم قدمت البانوراما العامة عن مصر الاربعينيات بما سادها من قلق سياسي‮ ‬وصراع اجتماعي‮ ‬ومعاناة معاشية شهدها المجتمع المصري‮ ‬وكان ضحيتها الى جانب الشغيلة طبقة صغار الموظفين الذين واجهوا حالات البؤس في‮ ‬صبر لافت وتحمل منقطع النظير وكان ذلك بواسطة سرد ميسر ولغة خالية من التعقيد مترفعة عن الاسفاف متوسلة بمضمون ناجح قادر على دحر الكثير من محاولات الاقصاء التي‮ ‬سادت التاريخ المصري‮ ‬الحديث وبالذات عقب سنة‮ ‬52 وما بعدها عندما اعتبر الماضي‮ ‬غير جدير بالذكر بل ووضع الساسة التقليديين في‮ ‬سلة واحدة سواء من ضرب اروع الامثال في‮ ‬نظافة اليد وكفاية الأداء مثل نجيب الهلالي‮ ‬ومن سلك نهجه القويم او من اتخذ من معادة الجماهير خياره الابدي‮ ‬مثل اسماعيل صدقي‮ ‬محمد محمود فالتلصص والحالة هذه ليس عنوانا من العناوين التي‮ ‬وضعت كيف اتفق وانما هي‮ ‬تصوير أمين لمرحلة مهمة من تاريخ مصر تطابق فيها العنوان مع طريقة التناول او اسلوب الرد بحيث امكن التخلص من الروح القسرية التي‮ ‬كثيراً‮ ‬ما تفرض فكرة المؤلف على شخصياته او تتناول الماضي‮ ‬بعقلية اليوم فاعتمدت مصطلح التلصص لتمرر صورة الماضي‮ ‬وهي‮ ‬تفيد اليوم وتفصح عن تلاحم اصل معه وهكذا فمثلما قرأنا صنع الله ابراهيم وهو‮ ‬يرصد المراحل القريبة من تاريخ مصر سيرته الذاتية ها نحن نقرأه في‮ ‬تجربة بعيدة ماكان له أن‮ ‬يقدمها بهذه الكيفية ويمكن أن‮ ‬يكون عنوان هذه القراءة صنع الله ابراهيم متلصصا ولكن من أجل ماذا؟

من أجل استعادة مرحلة زمنية من تاريخ مصر في‮ ‬اربعينيات القرن الماضي‮ ‬حيث الحرب الكونية التي‮ ‬روعت حياة الناس وطالت معيشتهم وامنهم وهناءهم واحتياجاتهم اليومية دون أن تفقدهم الأمل او تقتل فيهم الاصرار على التفكير في‮ ‬الاسلم من الخيارات فكان فيهم من‮ ‬يدين قبول الهدنة في‮ ‬الحرب الأولى ومن‮ ‬يتابع ماجرى في‮ ‬دير‮ ‬ياسين وكان فيهم كذلك من‮ ‬يحض الناس على مقاومة مرض الكوليرا فيتهم بالنشاط الهدام ويداهم بيته في‮ ‬الفجر ليكون كذلك البذور التي‮ ‬جعلت من صبي‮ ‬ذلك الزمان صنع الله ابراهيم روائياً‮ ‬بامتياز‮ ‬يزاوج بين ظروف الحياة الصعبة‮ ‬وبدايات الوعي‮ ‬ليقدمها مرة أخرى مؤكدا أن إرادة الحياة أقوى من إرادة الموت وان الانتصار الحقيقي‮ ‬يبدأ من الانسان حين‮ ‬يرفض الهزيمة ويرفض الاستسلام لعوامل الاحباط ويستطيع بواسطة الفن الرفيع ان‮ ‬يتخذ من جميع لحظات الحياة واحزانها المريرة وفقرها المدفع فضاء الانتاج ادب‮ ‬يضج بإرادة الحياة،‮ ‬إرادة الحق إرادة الانتصار ولكن من خلال الحكي‮ ‬المقنع المتخلص من كل أنواع العنتريات والافتعال واعتماد البساطة وليس التبسيط ولهذا لم‮ ‬يجد صنع الله إبراهيم‮ ‬غضاضة في‮ ‬التصريح‮ ‬بأن الوالد خليل بيه من بين اليائسين من قدرة الاحزاب على فعل أي‮ ‬شيء وبالذات حزب الوفد الذي‮ ‬سيطرت عليه في‮ ‬فترة من الفترات طبقة كبار الملاك التي‮ ‬اتسمت سياساتها بالرشوة وفساد الذمم مما جعله‮ ‬ينحاز إلى أولئك الذين‮ ‬يرون امكانية الحل عن طريق الاحزاب الاقلية ولاسيما السعديون الذي‮ ‬اكتسبوا مكانتهم من خلال ثقة فاروق في‮ ‬المقام الأول،‮ ‬فالتلصص والحالة هذه نص اعتمد احداث وفق سياقها العام،‮ ‬بيد أن هذا الاعتماد بقدر ماتخلص من اللغة المحايدة بقدر ماتنزه عن فجاجة الموقف المسبق الذي‮ ‬طالما جعل من النماذج القصصية مجرد دمى بيد الكاتب‮ ‬يحركها كما‮ ‬يشاء ويضع الكلمات على افواهها بلا حياة فجمعت بين الدلالة والمتعة وحب النص الأدبي‮ ‬أن‮ ‬يعبر عن الدلالة الإنسانية من خلال‮ ‬الصياغة الممتعة والحكى الاسر‮.



_____________________________‬

 

عودة الى ثلاثية محمد ديب


أمــين مازن


إذا  افترضنا ان كل ثلاثة عقود من السنين التي يبلغ مجموعها ثلاثين سنة ، ينطبق عليها وصف الجيل أو العصر ، فان الروائي الجزائري الشهير محمد ديب ، يعتبر من ابناء الجيل الرابع من كتاب الجزائر الذين ولدوا و نشأوا في زمن الاستعمار الفرنسي للجزائر ، فاستحقوا الجنسية الفرنسية بمقتضى القوانين وتلقوا من ثم تعليمهم باللغة الفرنسية ، وصار لزاما ان يؤذوا واجب الخدمة العسكرية ، بل ومنهم من حارب في الجيش الفرنسي في أكثر من ساحة ، بحكم ذلك الاستحقاق ، مما جعل من تعبيرهم الأدبي وإسهامهم الثقافي الذي رزقوا موهبته بحكم الضرورة مكتوبا باللغة الفرنسية أي اللغة الغازية او المسيطرة ، وان كانت أقلامهم قد وظفت هذه اللغة للتعبير عن بعض همومهم الوطنية وانشغالاتهم المحلية ، فاعتبر أدبهم والحالة هذه في عداد الأدب المقاوم ، على الرغم من انه قد كتب بلغة المستعمر . وعندما نشرت دار الطليعة البيروتية قبل أربع وأربعين سنة مضت ثلاثية هذا الكاتب الروائية (( الدار الكبيرة . . الحريق . . النول )) التي ترجمها عن الفرنسية قبل ذلك التاريخ بسنوات ثمان الدكتور سامي الدروبي ضمن ما أغنى به المكتبة العربية من نفيس المؤلفات ، مرفقا ترجمته تلك بمقدمة بالغة الأهمية جمع فيها بين ألا يجاوز التركيز ، علمنا من خلاله ان محمد ديب من مواليد ولاية تلمسان في حدود سنة 1920 وأن سيرته العملية جمعت بين المتاح من التحصيل العلمي ثم الانخراط في مجال صناعة السجاد والمحاسبة مع بعض الخواص وينتهي في الأخير صحفيا وكاتبا تنقل أعماله الى غير اللغة التي كتب بها أعماله وتسند إليه بعض الجوائز المشهورة سنة 1953 أي السنة التي نشر فيها روايته هذه باللغة الفرنسية ، وقد سبقت كما تؤكد المراجعة الثورة الجزائرية بما لا يقل عن السنة ، فيكون واضحا أمامنا ان محمد ديب الذي كتب بلغة المستعمر الفرنسي ، فانه في الوقت ذاته افلح في أن يوظف هذه اللغة للتعبير عن الموقف المقاوم لأهله أبناء الجزائر ، والذين هم أيضا لم يستلموا لهذه اللغة ويتخلوا عن المقاومة ، بل لقد كانوا يفكرون ومنهم من يعبر عن رفض ذلك الواقع والعمل على مقارعته بالمتاح من الوسائل والسبل ، أملا في امتلاك الفعل ، بدون شك .

صحيح ان الرواية مكتوبة باللغة الفرنسية ، وان الاكتفاء بقراءتها مترجمة الى العربية ودونما إلمام بنصها المكتوب بلغتها الأصلية سيجعلها ضحية من ضحايا الخيانة الأدبية كما يقول الكثيرون حول الترجمة ، بمعنى ان تذوق النص ومن ثم الحديث عنه لن يكون دقيقا وكافيا للتناول المنصف من حيث دقة الذائقة وتوفر سلامتها من تأثير المترجم ، لما يخلعه المترجم من روحه على كل عمل ينهض بترجمته حتى ان هناك من يصف الأعمال المترجمة بأنها أعمال المترجم ولا سيما حتى يكون محتوى القراءة إطراء ، الا ان ذلك لا يعني إطلاقا تجريد العمل من خصيصة الجمال المبثوث داخل النص ، فاللغة قد تنال من الإبداع سلبا وقد ترفع منه إيجابا لكنها اعجز من ان تفعل ذلك من حيث الموضوع ، بل ان الموضوع كثيرا ما يفلح في التعريف بحقيقته ولو لم يتوفر الجهد اللغوي المطلوب . على ان محمد ديب قد عرف ثلاثينه هذه وهو يرد على سؤال وجه إليه في الخصوص (( قولوا ان أدبا قوميا يظهر الآن في المغرب عامة وفي الجزائر خاصة غير ان هذا الأمر الذي له دلالة بليغة هو ان هذا الأدب يكتب باللغة الفرنسية في بلاد ذات تراث ثقافي إسلامي ، ما تزال تحاول ولو في كثير من العناء ان تقدم إنتاجا باللغة العربية . وكذلك ما وصفه احد النقاد الفرنسيين في معــــرض تقديمه لروايــــات كاتب يــــــاسين "" المجايل لمحمد ديب "" رواية عربية مترجمة الى اللغة الفرنسية لا لان أبطالها عرب ولا لان أحداثها تجري في ارض عربية ، ولا لان مدارها على الآلام التي يتحملها العرب في الجزائر ، ولا الآمال التي تجيش في صدورهم ، بل أولا وقبل كل شيء لأن العقل الذي أنجبها عقل عربي ، له أسلوبه الخاص في كل شيء ، في النظر الى الأمور ، في الإحساس بالمشكلات ، في معاناة الحياة ، بل حتى في تصور الزمان والمكان ، والحق ان النص ما يلبث ان يسعف قارئه وبالأحرى يدفعه لمعايشة هذا السؤال ومدى تعاطيه مع هذه الوضعية ، وضعية هؤلاء الذين يعيشون داخل صفحات الثلاثية ومن خلال لوحات أصر مبدعها على ان تكون حية وان تتخذ من ارض تلمسان تحديدا وما حولها من مدن الجزائر مسرحا لحركتها اليومية وحاجاتها الضاغطة الناتجة عن عذابات الفاقة وتأثيرات الحاجة ، تحت تأثير ذلك المستعمر الذي سلب الناس كل شيء منذ ان بدأ بالاستيلاء على الأرض ، فلم يبق لها سوى ذلك الإصرار الجنوني على البقاء على الرغم من انعدام التكافؤ في المعركة ، بحيث لم يكن ثمة من عاصم أكثر من قوة الأمل والتصميم ولو في معركة العيش اليومية كما هو عالم هذه الملحمة الإنسانية المكرسة وبالأحرى المقتصرة على كل ما هو يومي بالنسبة لمن ضمهم ذلك العالم الصغير عندما اتخذ منه الراوي سبيلا للتعبير عن شيء من مواقفه وراؤه إزاء الأحداث والأشخاص ، بل والتعبير عن البدايات الأولى من حياته ان سمحنا بأعمال التأويل انطلاقا من سيرة المؤلف الشخصية وهو يرمز ، ربما ، لنفسه بعمر ، فيما كان مثله المنتظر هو حميد سراج ، اما من يثير استياءه بما لا يوصف هو دره على الذي لا يكتفي بالموقف النفعي المتخاذل ، وإنما يتجاوزه الى حد مجافاة اللياقة مع شقيقة زوجه المقيمة في بيته حين فقدت الأهل جميعا . فمن خلال السرد عن أحوال العمال في ذلك المصنع الصغير الذي عمل فيه محمد ديب نفسه ذات يوم يوظف الراوي الأحداث والشخصيات والمواقف ليبث عبر ذلك الأفكار عبر تلك المرحلة الزمنية المتمثلة في أخلا ثلاثينيات القرن الماضي ، عندما كان النازي يهدد العالم اجمع ، بل وقد غزت قواته الشمال الأفريقي كافة وقبل ذلك الكثير من دول أوروبا  وفي مقدمتها فرنسا التي انهارت في أيام معدودة اللهم إلا المقاومة الشعبية التي مثلها اليسار الفرنسي الذي يدين محمد ديب لتياراته القوية وتأثيراته المتتالية التي شملت في ذلك الزمن معظم القوى الحية الفرنسية تحديدا وانعكست من ثم على الكثير من أبناء الجزائر من خلال النافذة المعرفية الفرنسية وما نتج عنها من انتشار التفكير العلمي المتمثل في حركة الأرض وثبات الشمس وما الى ذلك من المتغيرات التي طالت الثوابت وقوبلت بالرفض من عموم الناس بل والنظر إليها كعلامة من علامات المروق التي يسوقها الناس بمجانية عجيبة حتى وهم يذكرون أولئك الراحلين من متعلميهم الذين خلفهم أمثال الفتى عمر ذلك اليتيم الذي اضطرته مصاعب الحياة ان يقطع رحلته التعليمية ويسعى الى العمل بأحد معامل النول الصغيرة ، فتلاحقه عند التعرف عليه من طرف الآخرين بعض الانطباعات المتصلة بوالده وربما جده أيضا . لمجرد ان أحمد الدزيري كان يقول بكروية الأرض على ان ذلك كله ، لا يمنع من وجود مجموعــة من الأسئلة التي ما تلبث ان تحاصر المرء وهو يفرغ من قراءة ثلاثية محمد ديب هذه ، اذا ما أخذ في الاعتبار طبيعة الواقع العربي عشية أقدام محمد ديب على كتابة عمله من ناحية وواقع الرواية العربية وقتذاك من ناحية أخرى ، أسئلة يمكن إجمالها في مدى دقة وصف هذه الرواية بأنها حقا رواية عربية في الكامل ، لمجرد انها قد عالجت حقبة من تاريخ الجزائر ومكان وجد بالجزائر ومجموعة إنسانية عاشت في الجزائر ونقلت بعد ذلك للعربية في زمن كانت فيه الجزائر تخوض حربها التحريرية وأخيرا وصلت القارئ العربي والجزائر ذات وجود معدود في التاريخ النضالي وكذلك قول الروائي الكبير مالك حداد بشأن كتابته بالفرنسية ، بل وقول محمد ديب نفسه في ذات السياق ، فالحق ان القراءة المتأنية وان شئنا الموضوعية تشير الى ان هذه الثلاثية ذات خصوصية متفردة ، فموضوعها منصرف لأولئك الشغالين الذين وان كان مكانهم في مدينة تلمسان وما حولها من بلاد الجزائر ، الا ان حياتهم الحقيقية هي تلك المنحصرة في مصنع النول المملوك من طرف احد الرأسماليين الأجانب ، بمعنى ان المحيط هو محيط هؤلاء الذين يعيشون على قوت عملهم المستغل من ذلك الاحتكاري الذي استطاع ان يجيد هذه اللعبة المقيتة ، مما يعني ان وعيهم النقابي وقد نقول السياسي ـــــ ان وجد ـــــ هو نتاج التعاطي مع التجربة الفرنسية وما كانت تشهده في ذلك الزمن من أنواع الصراع بدليل ان فيش رئيس وزراء فرنسا في ذلك الزمن يأتي في السياق وكان الأقرب الى الناس وربما الأهم ممن سواه من الناس ، كما ان انحياز بعض القوى للنازي المرفوض من طرف اليسار العالمي يلوح هو الأخر في تلافيف النص باعتباره الأصوب وربما الاشرف فيكون انحياز البعض الأخر له أي الناري موضوع سخرية ملحوظة من طرف الكاتب محمد ديب . وما كان له الا ان يفعل ذلك ما دام يعيش مع القوى التقدمية الرافضة له من حيث كونه مستعمر او من حيث كونه كذلك يتبنى فلسفة عنصرية متسلطة شعارها ألمانيا فوق الجميع وهو ما رفضته الديمقراطيات الأوروبية والأحزاب الشيوعية في ذات الآن وحده التحسس من التفكير العلمي ان صح التعبير الذي يلحظه من يقرأ هذه الرواية فيجده متوفرا في بعض النصوص العربية التي عرفتها المرحلة في المشرق العربي تحديدا وبالذات سورية ولبنان ، اما حرص المؤلف على ترسيخ مبدأ التكامل لدى عمال المصنع والناي بهم عن كل أشكال التكلف إزاء الحياة والقيم والعقائد فقد شكل علامة من علامات الإتقان والحرص على توظيف النص لتبني حياة الناس كافة ان الزعيم مصالى الحاج نفسه الذي كان له شرف السبق في إشاعة التفكير السياسي المتطلع الى المستقبل جاء من طرف محمد ديب متسللا وفي احتراز كامل من كل ما يمت الى المباشرة بصلة . وهذه الوضعية ينبغي عدم التحسن منها او التقليل من جدواها اذ لابد ان نضع في اعتبارنا ان الجزائر قد احتلت من فرانسا في نهاية العقد الثالث من القرن الثامن عشر ، بحيث لم يولد محمد ديب مؤلف هذه الثلاثية الا بعد انقضاء تسعين سنة كاملة على ذلك الاحتلال ، وقد جاء يومئذ عقب فوضى عارمة نتجت عن إفلاس الإدارة التركية وفشلها الذريع ، فالنزعة الى التحرر التي طرأت على محمد ديب ومن في سنه هي نتاج اليقظة القومية الأوروبية الى حد كبير ، وان كان بعض المدرسين المستنيرين قد مهدوا لها عندما افهموا تلاميذهم ان فرانسا ليست وطن الجزائريين وان الجزائر وطن الإنسان الجزائري ليس غير . فالفكر القومي بدون شك هو الذي أسس الموقف من الحكم التركي وبعد ذلك الوجود الاستعماري وان كان هذا الأخير قد نشر ثقافته وعمم لغته فأي وعي والحالة هذه هو نتاج هذه اللغة وحصادها ما زرعت من بذور . وهكذا فان محمد ديب ومن على شاكلته من مثقفي الجزائر الذين اوتو ملكة الإبداع انما كانوا نتاج هذه الثقافة وما ازدهر فيها من فنون التعبير ، وفي مقدمة هذه الفنون الفن الروائي الذي دخله محمد ديب من الباب الواسع وتقدم به من خلال هذه الثلاثية وان لم تكن هي وحدها التي كتبت فمن مراجعة المعمار الفني الذي أقام عليه محمد ديب ملحمته الروائية هذه نستطيع ان نلمس بيسر مرجعيتها الأوروبية ، اذ لا وجود في هذا النص وربما غيره أيضا لأي مرجعية تراثية عربية إذا أدركنا ان ارثنا العربي هو ذلك الذي حفظه سفر ألف ليلة وليلة ، ثم محاولة محمد المويلحى في حديث عيش بن هشام . وما عدا ذلك فان الفن الروائي الحديث هو فن أوروبا بامتياز . اللهم الا ما أخذ في العودة عن طريق أمريكا اللاتينية وهو ما لم يكن مرجعيته الخاصة . او ما جاء أخيرا عن طريق الروائي الكوني

ان هذه الرواية والحالة هذه واحدة من الأعمال الرائدة التي أنجزها هذا المبدع الكبير وأكد بواستطها قدرة المثقف العربي على المساهمة الجادة في المدونة الإبداعية المكتوبة بغير اللغة العربية إسهاما لا ينشد الشهرة بواسطة الغرائبي . ولا يعتمد ما يمكن ان يلفت نظر قوافل السياح ولا حتى مؤسساتهم لتنمح أعطية الأعطيات وإنما من خلال التناول الجاد لهموم الإنسان وتلمسه لطريق الخلاص عبر المعركة الإنسانية الكبيرة . ولا شك ان محمد ديب حين جعل سيرة بطله عمر تتوقف مع توقف الحرب العالمية الثانية ودخول القوات الأمريكية الى شمال أفريقيا من خلال الجزائر . انما قصد توجيه رسالة الى المستعمر الفرنسي الجاثم على بلاده وان كان نصه هذا قد كتب باللغة الفرنسية وتقنيات الرواية الأوروبية ولعله حين  يجد الدارس المتأني سيكون أنصافه أوفر حظا في رحلة الإبداع العربي الذي ظلت الريادة فيه منسوبة لغيره على الرغم من ان نصوص قد دخلت العربية لما يقرب من خمسين سنة كاملة ، كانت الصدارة فيها لمن هم اقل من نصه بمراجل



______________________________ 




عشاق بية

رواية تونسية للحبيب السالمي

أمين مازن


يبقى الحكي دائما أكثر أنواع التعبير قدرة على طرح الأسئلة المثقلة بمأساة الزمن المثيرة لقلق الإنسان، وهمومه سواء جاءت هذه المأساة منصرفة الى فقد هذا الإنسان لحاجاته المادية وهو يخوض معركته الحياتية المريرة و احتياجاته اليومية بما إنها ذات صلة بالآخر ولها اتجاهاتها المتعلقة بالحب وما في حكمه من أسباب النجاح ومرارات الفشل ، او جنح هذا الطرح نحو الأسئلة الأكبر عمقا والأشد معاناة، كتلك المتعلقة بالوجود وأسراره ومصير الإنسان و قلقه ومخاطر العدم وما بعد العدم وكيف ومتى يحين الأجل.

لقد اضطلع فن الحكي بهذه المهمة منذ نشاط الإنسان الأول وما اكتتبه من أساطير الأولين، تلك التي حملتها في أزمنة متتالية ذاكرة اللاحقين عن السابقين عندما دأبوا على إسنادها الأكثر من مصدر فتمَّ في إطار هذا النهج ما شهده فن الحكي من تطور المرة بعد المرة، مما مكن لفن الحكي هذا ان يحقق أكثر من تقدم في أسلوبه وسمو مكانته طوال مسيرة التعبير الشاقة، وما شهدته من استحقاقات التقويم ومذاهب التقعيد، فكان من نتيجتها ان احتل هذا الفن ما لا يحصى من صنوف الاهتمام وما حظي به كذلك الكثير من المنخرطين في مسلكه من سامق المكانة وعلو المنزلة، ولاسيما في العصور التي رافقت النهضة الصناعية ومراحل الاستقرار المعيشي للجماعات البشرية حين وجدت في هذا الفن ما يتكفل بصون كل ما تجيش به مشاعرها من أمل و الم، وتفاؤل وتشاؤم وانتصار وهزيمة.

وقد وجدتني محاطا ببعض هذه الخواطر المنبثقة عن (( معاقرة النص الروائي العربي و المترجم ، ان صح التعبير ، وأنا أتهيأ لحديثي هذا عن رواية الأديب التونسي المعروف الحبيب السالمى " عشاق بيه " التي صدرت منذ سنوات عن دار الآداب البيروتية حاملة الترتيب الخامس في مؤلفات السالمى الروائية و التي كان قد نشر قبلها مجموعتين قصصيتين ، بحسب هامش مختتم الكتاب، مع الإشارة الى ان عددا من أعماله قد ترجم الى عديد اللغات الأجنبية كالانجليزية والفرنسية والاسبانية ، كدليل على ما تحقق للكاتب من القبول عند الآخر الأوروبي، والأمر في هذا الصدد طبيعي للغاية فهو القيرواني المتخرج من السيربون وهو المقيم في باريس والمنخرط في مجال التدريس والصحافة وهو المرتبط بأوثق العلاقات مع الكثير من أدباء العربية وغير العربية وصاحب الحضور الملحوظ والمقدرة الملموسة وبالذات من مجال السرد او الحكي كما أحب ان اعبر ، وحسب المرء ان يشير هنا الى الفقرة المثبتة على غلاف الكتاب الممهورة بتوقيع الناقدة يمنى العيد، وهي فيما نقدر جزء من قراءة استشارية من المرجح ان السيدة يمنى قد أنجزتها للدار المذكورة إذا ان الراحل سهيل إدريس أعتاد إلا يقبل أي عمل ويدفع به الى النشر حتى يقرأ من شخصين مختصين على الأقل – كما فهمت منه ذات يوم ، وهو تقليد تأخذ به جميع دور النشر التي تحترم القارئي وتحرص بدون شك، على تفادي الكثير من المطبات التي كثيرا ما تنشأ عن ضعف المراجعة المسئولة.

لقد ظهر لي بادئ ذي بدء ان رواية " عشاق بيه " هذه ومنذ الأسطر الأولى من الفصل الأول واضحة التركيز على موضوع الزمن وما يمثله بالنسبة للإنسان و ما قد ينذر به من استشعار المأساة ، ونحن نلمس ذلك من خلال ما ورد على لسان الصوت الرئيس الأول في هذه الرواية (( البرنى )) و ما يبديه من شدة الاعتزاز و كبير الثقة في الساعة التي دأب على وضعها في الجيب الخاص بها وهو يضبط بواسطتها مواقيت الصلاة وفقا لتوقيت الذي يعلنه فيه المسجد عقب عشاء كل ليلة، حيث يحرص الجميع على أداء هذه الفريضة بالمسجد قبيل العودة الى البيت، جريا على ما تعوده البرنى ورفاقه أولئك الذين يشكل لقاؤهم اليومي وحوارهم الدائم عالم هذه الرواية، في فضاء اختار له الحبيب السالمى ظل تلك الزيتونة العتيدة حيث يمارسون هوايتهم المحببة تلك المتمثلة في بعته " الخربقة" التي تأخذ الكثير من وقتهم وتشحذ الكثير من تفكيرهم، باعتبارها اللعبة التي تكفلت بتحقيق القدر الكافي من التسلية منذ ان دخلت الشمال الإفريقي على أشهر الروايات – مع التغريبة الهلالية، وان تكن قد بقيت على الرغم من أهميتها الذهنية حبيسة الشكل البدائي فلم تزد على تأمين ثمانية وأربعين من قطع الحجر و بعر الإبل تقسم مناصفة تحتل جميعا مربعا يتكون من أماكن متساوية يتوسطها واحد يملأ بالتراب فيكون من حق كل مبارز ان يضع القطع التي يبتغي اللعب بها في الأماكن التي يختارها وكذلك يفعل خصمه من ثم تبدأ المبارزة غير ان النتيجة في الغالب كثيرا ما تترتب على حسن اختيار الأمكنة او الديار كما تسمى في اللعبة، هي لعبة تقبل التدخل ولا مجال فيها للاحتكار بل مشاعة بكل ما في الكلمة من المعاني ولعلها اكتسبت سمتها هذه و حافظت عليها جراء هذه البدائية في إعداد مستلزماتها إذ لم تكن تحتاج لأكثر من كمية من التراب وحبات من بعر الإبل او الحص الذي يتوفر على لونين ومكان يسمح بالجلوس وحتى الاتكاء في بعض الأحيان فبقت بالتالي حيث هي ولم يعر الى تطوير أدواتها كي تكون أكثر معاصرة وادعى الى مواصلة أعمالها في التربية العقلية ، شأن " الضاما " او الشطرنج وغيرها ، بيد ان أشهر ما شاع في تقليد هذه اللعبة إنها تبدأ باثنين وتسمح بتدخل كل من يمر بمجلس ممارسيها فلا يتحرج أي طرف من النصح او الإشارة او النقد ما دام ذلك علنا وعلى رؤوس الملأ، أما الزمن الذي يستغرق في ممارسته اللعبة فحدث ولا حرج ، وقد فعل ذلك عشاق بيه وهم يدامون على مجلسهم في ظل الزيتونة التي اصطلح على تسميتها بزيتونة الكلب ، زمن يحدده البرنى بساعته ذات السلسلة الذهبية خشية التفريط في أداء صلاة الظهر حسب ميقاتها، ويختار له او يهتدي بالأصح الأخذ بحركة الظل المنزاح على الأرض والمغري بدون شك بالجلوس الطويل وقد يحدث أن يأخذ احدهم سنة من النوم وربما تمنى احدهم ان يكون ذلك على حساب الصلاة أيضا لو وجد من يبوح بما لديه في مثل هذه اللحظات على نحو ما نرى لدى محمود الصباحي المعول على حركة الظل، ولكلاهما على كل حال موقفه من الزمن ، غير أن اعتزاز البرنى بساعته يعود الى ماض بعيدا أساسه ذلك الوالد الذي كان يوم مكلفا بشيء من الحراسة تحصل بواسطته على بندقية واعتمد في مراقبة زراعة التكروري ذلك النبات الفطري المخدر الذي طالما ظل مشاعا للجميع ثم امتدت إليه قرارات السلط فزادت بدون شك من الرغبة في تناوله واستدعى ذلك أن يكون له ثمن يتعاف عليه أولئك المتعاطون له و المتكفلون بتوفيره ومن باب أولى غص الطرف عن مراقبته وأحكام قبضة المنع الخاص به ، فالتقيد بتنفيذ أوامر السلط بشأن الممنوعات كثيرا ما يكون مخجلا لكل من يشتهر به فيما يكون التثاقل وغظ الطرف من الأفعال التي تشرف صاحبها وترفع من قدره ولا سيما حين يبلغ من العمر ما بلغه هؤلاء الذي لم يعد لهم في الحياة سوى هذا الفضاء الذي ينتبذونه كل يوم وقد صاروا جميعا على أبواب الثمانين من العمر باستثناء واحد كان اقل من ذلك بعض الشيء فلم يترددوا في تسميته بالفرخ طبقا لسنة الحياة في تبادل التهم بين المتقدم و المتأخر ، المتقدم يرى في اللاحق انه ما يزال غرا في حين لا يتردد الثاني في رمي سابقة بالفرق او العاجز عن المواكبة.

(( ينهمكون في الخربقة اللعبة الوحيدة التي يتقنونها ويحبونها خلافا للألعاب الرائجة في الدوار خصوصا لعبة الورق التي يسمعون عنها قصصا غريبة تحدث في الحانوت ويعتبرونها )) " حرام في حرام ".

يرتفع اللغط ، ويثور حولهم غبار خفيف، يجرون أجسادهم المتباعدة، ويتجمعون منبطحين او مقرفصين او مقعدين حول حفر صغيرة منتظرة في صفوف متوازية يعمرونها بالبعر او الحص كش ... كلبك مات .. بالحرام لا يموت كلبك مات.. كش .

تلتمع أعينهم بالحماس وهم يراقبون الحفر الصغيرة و انتقال بالبعر و الحص من موقع الى أخر، تمتد أيديهم في كل الاتجاهات ، تتلامس تتصادم تتقاطع وعندما ينتهي الطرح يضحكون، يقهقهون ساخرين من الخاسر حتى تدمع أعينهم، يقسون و يؤولون لكنهم لا يبالون حين يستعيدون هدوءهم يستلمون بلذة لأشياء الحياة الصغيرة ينزعون كل ما على رؤوسهم، يتمسون ضلوعهم البارزة وبطونهم الضامرة كما لو أنهم يريدون ان يتأكدوا من ان أجسادهم لا تزال قادرة على الصمود أمام أمراضهم الحقيقية و الوهمية.

يحكون صدورهم وظهورهم باستمتاع واضح ، ينظفون أسنانهم و أذانهم بما يعثرون عليه من أعواد ، يقلمون أظافرهم و يعالجون تآليلهم وبثورهم و دملهم ، يذرون الرمل الساخن على جروحهم المفتوحة غير أن هذه اللوحة التي يصور بها الراوي جانبا من جلسة هؤلاء المسنين لا يعني بالضرورة ان الزمن الذي يكاد ان يقعدهم جميعا عن الحركة قد استطاع ان يهزم روح الحياة عندهم جميعا أذانهم على الرغم من كل مظاهر الشيخوخة فاذهب هذه الحياة والتشبث بها يبدو ظاهرا على ممارسات الكثير منهم كل بطريقته الخاصة ودافعه الخاص، حتى لنراهم وقد استشعروا جميعا ضعف الحافز الشهواني وربما موته بالمرة فان التعبير عن ذلك يسود الكثير من حواراتهم بل وبعض التمرد على سلطة الزمن و اكراهاته حتى إنهم وهو محمود الذي هذه داء السل ويرى جسده واظهر له لم يتردد في مزاودة بيه عن نفسها عندما التقاها و بالأحرى استنجدت به وهى عائدة من مورد الماء واهتزت منها الجرار فإذا به يتخذ من ذلك الاستنجاد فرصة لمحاولة الظفر ببيه ولم يكن أمامها إلا ان تصده بما امتلكت من القوة ولم يعرف على وجه اليقين ان كان هذا الصد قد تم بعد ان قضي الوطر او كان قبل ذلك وهل كان صدا متعمدا او جاء عند اكتشاف الأمر من احد المارة وحديث كثير أسهب فيه البرنى عند شيوع الخبز في الدوار وتناوله من أكثر من طرف حتى وصل زيتونة الكلب وقد جاء به إليهم شقيقها العيد الذي استطاع ان ينضم الى مجلسهم لمجرد ان أحاطهم علما بما جرى وترتب على ذلك سيل من الأسئلة المتتابعة التي ووجه بها محمود ومن البرنى بالذات الرجل الذي انفرد عن رفاق بحفظ أجزاء من القرآن فصار جدير بأن يسأل عن عذاب القبر ويوم القيامة وطبيعة النار التي ستكون نهاية كل من يرتكب المعصية وذلك بعد أن يذوق الموت ويبرز لدى البعض سؤال عن دلالة الذوق هذه وما إذا كان للموت طعمه حتى يقال ان كل نفس لابد ان تذوقه، ربما لان صاحبنا أراد من وراء سؤاله ان التذوق يكون للأشياء المحببة وليس الموت الذي لا أحد يحبه على الرغم من انه حقيقة لا مهرب منها ولا مفر.

نعم ان هذا السؤال و ما في حكمه بصدد الوجود و العدم و الموت و ما بعد الموت ليس جديدا على الإنسان ، بل لقد الفت حوله الكتب الكثيرة والنظريات الوفيرة ، لكن الراوي يفلح في تمريره بهذه البساطة المحببة وليس التبسيط الفج، وذلك فيما أرى موضع الجمال وموطن الإمتاع في رواية السالمى هذه وعندما لا تتقدم القراءة نحو هذه الأفاق الواسعة لاكتشاف مواطن الجمال عند الحبيب السالمى فان ذلك هو الإخلال بعينه و الظلم الذي منه ، فعبر التسعة و العشرين فصلا التي تتكون منها رواية عشاق بيه يبدو الزمن هو الأمر المهيمن والهم الممعن ، الزمن الذي مضى ولم يبق منه سوى القليل المؤذن دوما بقرب الرحيل لكن الإنذار الذي لا يستطيع ان يهزم إرادة الحياة ولو بمحاولة استرجاع لحظاتها الجميلة و أحداثها الكبيرة وعلى رأسها صحة البدل ومعطيات الشباب ، و ما درج على إيراده السالمى من أوصاف دقيقة لمظاهر العجز و بقايا لاشتهاء وهو عن طريق الحلم ومفارقه العشق بين الوالد و الابن بيه الهجالة ما كان له ان يكون لو لم تتوفر هذه الإمكانية الفنية وهذه الرجة الملحوظ لصاحب النص التي جعلتنا نقف على عمل غاية في المتعة و الدلالة ، فانه يمكن القول ان بيه هذه ليست امرأة من دم ولحم وان عشاقها الأربعة و الزوج الذي كتبت له لم يكونوا فقط مجموعة من الناس الذين أقتنصهم الكاتب او تخيلهم او كانوا مزيجا بين الحالتين و إنما هم رموز لعشق اكبر وصراع اكبر وخسارة في الزمن تتجاوز الشيخوخة الإنسانية و ما في حكمها و إنما قد تشمل الخسارة الأكبر المتمثلة في الصراع الذي رمى إليه الرواى فلا شك ان النص باعتباره قد أثار كل هذه الأسئلة وطرح كل هذه الاحتمالات فحق على كل من يتعامل معه إلا حقه، فهذه التفاصيل التي حياة عشاق بيه وهم لا يسأمون من التنادي لجلستهم مساء كل يوم في ظل تلك الزيتونة الضخمة و ما يحتلهم من جهتها الى عهود سحيقة من التاريخ منذ ان غرسها أولئك الذين عمروا تراب تونس أكثر من مرة و أقاموا عليها كذلك أكثر من حضارة جسدتها ماديا جملة من الآثار القائمة و الأخرى التي طالما أفصحت عنها الحفريات فتكون الجلسات و الحالة هذه نوعا من الصمود أمام الزمن و الحرص على استدعاء الايجابي ومنه و الإصرار على التمتع بكل لحظة ممن لحظاته بدلا من الانهزام أمام الشيخوخة و انتظار لحظة الفناء ، فلحظة الفناء هذه متى قدر لها ان تحل فليس أمام من تعبه إلا الرضوخ وما على من تخطئه إلا ان يمضي في رحلته و ينعم بما بقى و لو كان ذلك في ماشية الحلم بالنظر الى تحقق الاستحالة و تقطع سبل الرجاء ، فيبقى الوهم و الوهم وحده وقد تقول قشة الفريق.

ما شاهده في ذلك اليوم بالصدفة أجج النار شهوته التي كان يعتقد أنها انطفأت الى الأبد ، وولدت في نفسه أحاسيس كاد ينساها لكثرة ما افتقدها.

" أحيانا حالما يميل برأسه وجذعه الى الخلف ليستند الى الوسادة العالية قبل ان يغرق في الساعات القليلة من النوم التي لا يزال يتيحها له جسده وهو في تلك السن تتولى على عقله تلك الصورة، فيخيل إليه في بعض المرات إنها من نسج خياله لشدة شفافيتها وروعتها.

يستلقي على بطنه تماما مثلما كان يفعل عندما تستيقظ نفسه قبل ان يهرم جسده ، ينسى كل من حوله لينصب كل اهتمامه على ما شاهده من جسد بيه في ذلك اليوم القائظ، وببطء ، شديد يشرع في تحريك جسده و الاندفاع به قدر الإمكان متوقفا بين وقت و أخر لا ينقطع نفسه او تعاوده أوجاع الظهر التي يخشاها خصوصا في الليل لأنها تحرمه مما بقى من لذة النوم ".

" يفعل ذلك دون حرج او أي إحساس بالخجل او احتقار لنفسه لا يتسرع و إنما يأخذ كل وقته ، لا يخشى شيئا ولا يزعج احد فهو ينام وحده منذ أعوام في غرفة يفصلها عن غرفة جنات جدار عريض لا يقوى على لله من سوى زلزال .

و باستثناء شيء من الحرارة فانه لا يشعر بأي شيء، و بالرغم من ذلك لا يندم على ما فعل، فهو يعرف ان نفسه ماتت منذ زمن بعيد ، لكن قلبه يكاد يحترق من الشهوة ".

على ان هذه الفقرات التي دفعنا بها هنا على سبيل الاستشهاد او المثل الذي قد يشيء بالحصر لن تفهم حق فهمها إلا إذا وضعت في سياقها العام المتصل بالزمن وما يحمله في طياته من صنوف الخسارة التي قلما يقع التنبه لها قبل حلولها إذا الشائع ان كل إدراك لا يتأنى إلا بعد فوات الأوان وعند استحالة فعل المراجعة ، غير ان هذه الخسارة هي ذاتها التي تجعل من الإبداع المعبر عنها والمشتبك بها جديرا بأن يتصف بصفة الخصوصية، وفي هذا الصدد من المهم ان يكون معلوما لدينا ان الحبيب السالمى و ان يكن قد اقترب من الموجة التي غزت الأدب العربي منذ سنوات بشأن العمل على كشف المستور و معالجة المسكوت عنه في التجربة الحياتية إلا انه لم يرتكب خطيئة التقليد الأعمى و المحاكاة الفجة ، و إنما عمل بكل جهده ان ينتج نصا غنيا بالتجربة الصادقة و البيئة الدالة المستفيدة قبل كل شيء من ذلك التراث الشفوي الذي ملأ الوجدان التونسي عبر مراحل طويلة من التاريخ و التي كان أكثرها خلودا ذلك المتصل بالتاريخ العربي الذي تكفلت به على نحو خاص التغريبة الهلالية التي حلت بتلك الربوع و ما يزال حلولها موضوع اخذ ورد و تناول لا يتوقف بين مثقفي تونس و مبدعيها ولا سيما أولئك الذين تيسر لهم التواصل مع الأخر و منهم من طاب له المقام وربما الاندماج ، و منهم من افلح في التمسك بموروثه و الاستفادة منه كما فعل الحبيب السالمى ، كما تؤكد روايته الممتعة هذه " عشاق بيه ".إنتهى


______________________________


تأملات وذكريات وقراءة في احداث اعمال الاديب الليبي كامل المقهور عندما بلغ الستين

 

وقفة ( بمحطات ) المقهور

بقلم امين مازن

قد افلح الاديب المعروف الاستاذ كامل المقهور ،على ما يبدو في التغلب على مجموعة الاهتمامات التى اختطفته من دنيا الادب ،سنوات طويلة يمكن تحديدها بأواخر الستينات وطوال السبعينات والثمانينات ،عندما ارتبط بالسلم الوظيفي منطلقا من مستشار بمحكمة الاستئناف فالمحكمة العليا ،فمجموعة من المسئوليات القيادية :  النفط ،الخارجية ،هيئة الامم ،حيث كان المقهور قد جمع قبل هذه الفترة بين المحاماة كمهنة وكتابة القصة كـأداة للتعبير عن الصورة المثلى للمجتمع الذي يتمنى، والمضمون الاجتماعي الذى يعمل من اجله ،شان القلة من نظرائه المثقفين التقدميين الذين اسسوا ما ندعوه بالثقافة الوطنية تلك التى رفضت مفهوم الادب الخالص كما يقول دعاته او ادب الابراج العاجية كما يقول خصومه ،و أثرت ان تتخذ موقفا اكثر ايجابية في المعركة الكبيرة التى ظلت الجماهير تخوضها تجاه كل ما هو سيء وغير تقدمي ،ابتداء من الوجود الاجنبي المخجل وسياسات الاقتصاد غير المتكافئ ،وصولا الى اسلوب الحكم المتخلف الذي عجز عن مواكبة العصر طوال الخمسينيات والستينات،وكان نفر من المثقفين الذين تنوعت اهتماماتهم وتعددت اسهاماتهم يتقدمون صفوف هذه المعركة ،عبر الجمعيات والنوادى والصحف والمجلات ،وحتى المقاهي وجلسات السمر ،ويؤثرون فيها تأثيرا بينا وتحرص مختلف القوى المؤثرة ،على تقوية هذا الشعور فيهم ،من هؤلاء من اكتفى بالجهد والعمل الابداعى ومنهم من عمد الى النشاط العملى شبه التنظيمي ،فيما فضل فريق اخر القبول بالواقع والتعامل معه عبر المؤسسات القائمة سياسة واقتصاد ،او ما اصطلح على تسميته محاولة الاصلاح من الداخل ،على انهم جميعا يمثلون مرحلة من اخصب المراحل في فكرنا الوطنى وتاريخنا النضالي ،مرحلة يصعب على أي دارس منصف ان يتجاوزها بواسطة القفز او نكران المحصلة التى ترتبت عليها فيما بعد مهما كانت المبررات ،ويأتى الان كامل المقهور ،فيدشن عودته الى الكتابة بالتوثيق لجزء مهم منها في كتابه ( محطات ) او ما اطلق عليه سيرة شبه ذاتية ،في اطار حديثه عن سنوات تكوينه الثقافي وتفتحه المعرفي ،انطلاقا من ازقة حي الظهرة وشوارع المدينة القديمة بطرابلس ،ثم الرحيل الى مصر في اواخر الاربعينيات ومعظم الخمسينيات ،حيث وجد المقهور صراعا هنا وصراعا هناك ورموزا مختلفة تعامل معها او تابع حركتها فعمقت في وجدانه اساسا اصبح من المستحيل معه ان يقبل بفكرة الفصل بين الادب والواقع ،ليصل بعد ذلك الى ضرورة العمل المستمر من اجل ان يوظف الادب والفن لتطوير الواقع ومحاولة تغييره للأفضل ويسعى الكاتب الان الى تقديمها في عملية سردية على قدر من الاتقان الظاهر ،والعناية الفائقة.

اديب  منعزل

ونحن نقول بهذا الرأي لان المقهور لم يجلس في بيت او مكتب معزولا عن الناس ليسجل ما حواه النص ( محطات ) ولكنه اكد حضورا تميز به عن معظم نظرائه في مناشط الادباء والكتاب ابتداء من مهرجان الفاتح الادبي سنة 1994 الذي طرح فيه موضوع الثقافة والتحولات وصدر عنه اهم بيان تناول الواقع الثقافي و اشكالياته والطرق الكفيلة بتفعيله وتنقيته من الشوائب والمعوقات ،الامر الذي استمر بعد ذلك في ندوات الثقافة والمتغيرات وأدب الطفل ومجتمعنا والمستقبل والأدب في مواجهة التبعية ،حيث لم يسجل على المقهور أي غياب ، على الرغم من ظروفه الصحية لدرجة ان رأيناه مرات عديدة يحضر متكئا على احد مرافقيه ، وجهه يتصبب عرقا وجسده في حالة ارتعاش ظاهر ، وما ذلك الا لأنه  كان يواكب الواقع المتحرك ،كمثقف لا يصدر عن نظرة محايدة بقدر ما ينطلق من رؤية واعية تدرك ان الحرف ابقى من أي عرض زائل وبريق مؤقت وان الخلود لا يصنع إلا بواسطة الفعل الثقافي والموقف الحضاري ، وان بعض ما يلقى ويكتب لا يبيح للمثقف الواعي ان يقف على الهامش .

سرد متقن مرحية

ولسنا بهذا الاستطراد نهدف الى مصادرة أي خلاف يمكن ان يفضى اليه النقاش تجاه مضمون هذه المحطات او دلالتها او صحة وقائعها،ولا تغير احوال رموزها ،فما اكثر ما يمكن ان يقال حول هذا العمل مبنى ومعنى ،وان كنا نرى ان الكاتب في تفريقه من البداية بين التاريخ والكتابة الفنية قد استطاع ان يحصن عمله بعض الشيء ،اذ ان مثل هذا النوع من الكتابة يرمى الى توظيف وقائع التاريخ او بعضها تحديدا ،لتوصيل رسالة ما لعل من بينها محاولة تغذية الوجدان الوطنى والعمل على نفض الغبار عن المرأة الكبيرة،وفي هذا الصدد نرى ان المقهور قد استطاع ان ينجز عبر السرد المتقن القائم على التشويق الذكي و الاثارة الموحية ،القائمة على تنويع الضمائر ،وبما يمكن وصفه بالتداعى الفنى ،حضورا نحن في امس الحاجة اليه ،لرجال كان لهم في حياتنا العامة اسهامهم الذي لا ينكر ،وفي مسيرة بعض الاحداث تأثيرهم الذي لا يجاري وقد كاد النسيان ان يبعدهم عن الذاكرة ، فجاء هذا الفنان ليحشدهم امامنا جميعا في ابداع متميز يقوم على السرد ذي النكهة والخصوصية والدلالة ،انها حياة متشابهة بحق تلك التى اثر المقهور ان ينطلق منها وهو يبوح لقرائه بالتيارات التى نسجت الخيوط الاولى لشخصيته الادبية وكونت الارضية الثقافية لوعيه الثقافي والسياسي ايضا حياة مهد لها عدد من الرموز الذين تألقوا في هذا الواقع منذ الاربعينيات ،عند طرح القضية الليبية في المحافل الدولية ،حين طرح موضوع الاستقلال لأول مرة وعرف الناس شعارات الوحدة والانضمام الى الجامعة العربية وهي مطالب رغم عموميتها إلا انها وجدت تجاوبا من الشارع اضفى على القائلين بها قدسية كبيرة وحقق لهم مكانة سامية ،خاصة وان بعضهم كان يحمل الى جانب هذا النشاط نشاطا اخر اقرب الى عقول الناشئة تمثل في التعليم والجهد الاجتماعي ،مما هيا للكاتب وهو يتحدث عن تلك الفترة ان يجسد صورها ويقرب ملامحها محققا ضمن استدعائها قدرة فائقة على التلاحم مع الحياة بحيث لم يستسلم للذاتية الضيقة التى كثيرا ما تضع امام من يصاب بدائها مرآة تحجب عنه النظر الى ما سوى هذه الذات ،وقد جاء ذلك بواسطة ادوات فنية غير جاهزة قامت على الجمع بين الجملة المكثفة واللمحة الخاطفة و الايقاع الشعرى ،بعض هذه الرموز نلتقى بها من خلال الاسم الصريح وبعضها عبر وصف الملابس وشكل الوجه ،في طرابلس وبنغازى يحركون الواقع بالخطب والاجتماعات وفي الجامعة المصرية او الثانوية العامة يشكلون الخلايا السرية ،والسرد الذكى يحشد كل الوقائع امام الملتقى حتى لتبدو الحياة وكأنها اعيدت عن تلك الفترة من الخمسينيات،طرابلس وأثار الحركة الوطنية للطلبة والعمال ،فيظهر حشد كبير من الاسماء ،صفر والهاشمي يعتقلان بعد حادث القنبلة اليدوية بطرابلس،شفيق وحنفى وغيرهم يقتادون الى سجون الواحات والخوف يداهم الجميع ومظاهر التردد تبدو على حياة الطلبة المهددين بالطرد وواد كل الاحلام الوردية التى تحرك قلب الانسان في هذه المرحلة التى يمكن القول ان الكاتب قد امسك بخيوطها بشكل جلي وعير عن ملامحها بمستوى جيد،وان يكن في مقدوره وفي اتساع المرحلة ما يسمح للمرء ان يكتفى منه بما قدم ،نظرا لاتساع التجربة وغناها وتعدد الاصوات المؤثرة فيها وفي تطور احداثها و ابعادها.

قبل خمسة عاما

لقد التقيت كامل المقهور قبل خمس وثلاثين سنة كاملة ( خريف سنة 60) كان يومئذ ملء السمع و الابصار يكتب القصة القصيرة المتميزة ويتحدث عن فنها شبه الوافد بجدية واقتدار ،مما جعله يحتل حيزا واضحا في ثقافتنا وفي حياتنا الفكرية ،كان قد عاد لتوه من دراسته الجامعية ،وكنت امارس نشاطي الاجتماعي بنادي الشباب الليبي ،والذي لم يكن في حقيقته سوى جبهة وطنية تضم كل الفعاليات والقوى التقدمية ،كان الصراع على اشده في الوطن العربي ،وكان المثقفون الليبيون يحاولون الربط بين الواقع المحلي وحركة التحرر الوطني ،مذكرة ترفع احتجاجا على تجربة فرنسا الذرية وأخرى استنكارا لاعتقال لومومبا وكتابات اخرى عن معيتقية ونقابات العمال في حين يلتفت فريق اخر الى مشكلات طريق فزان ومحاولات التمكين للنظام الاتحادى بواسطة ترسيم الحدود بين الولايات الخ. والجميع يعانون من تأثير الوقع العربي ومن الانقسام الحاد بين العراق ومصر والوحدة السورية المصرية التى بدأت مظاهر فشلها تلوح في الافق ،حين اطلقت يد المشير بسوريا ،كامل المقهور بدا مشواره الوظيفي انطلاقا من ادارة قضايا الحكومة ،ويومها كان حديثا مهما ومعمقا ذلك الذي دار بيننا ازاء ما كان يجرى ،لم يكن ثمة موعد مسبق ولا معرفة شخصية سوى ما يحمل السمع ،ولكنه كان يتجاوز كل هذه الشكليات لينفذ رأسا الى العمق ،وما ذلك إلا لأن الامر كان فوق العلاقات الشخصية كان الامر يتصل بالواقع المعاش ومحاولة فهم شروطه وأسس تحريكه ،بعيدا عن الحلول الجاهزة والنصوص المعلبة ،كنا نهم بتوديع مرحلة العزوبية والدخول الى تجربة بناء بيت وتكوين الاسرة وكان ذلك سبيلا الى مزيد من التدبر والتفكير الهادئ ،مما قوى فكرة الاخذ بأسلوب التفكير بصوت عال عبر وسائل التعبير المتاحة وبالأشكال الادبية المعروفة المتمثلة في القصة والشعر والمقالة والعمل الاجتماعي ،كان الواقع يطرح اكثر من توجه ويتيح اكثر من خيار ،وكان التفسير الذي انتهى اليه البعض ووثقوا في جدواه ان العمل الثقافي حين يتقن ويحسن اداؤه يمكن ان يكون اكثر جدوى في بلد خال من الكثافة السكانية ومفتقد لكثير من شروط الاستقرار التى لامناص منها لطرح الخطاب الادبي الاجتماعي الذي رأى البعض يومئذ انه يمكن ان يقدم الحل الامثل ،ولعله من هذا السبب او من هذا الفهم اثر ان يصرف النظر عن طلبه الذي تقدم به الى المطبوعات في ذلك الزمان لإصدار صحيفة افريقيا الجديدة ،فلم يعمد الى رفع قضية امام القضاء بالرغم من انه قد تحول عقب هذه الفترة مباشرة الى سلك المحاماة،ومنذ ذلك الوقت توالت اللقاءات وتوالى الاسهام الثقافي بواسطة الحرف المكتوب ولكن سلطان الحياة كان اقوى والواقع الاجتماعي المتحرك اشد تأثيرا كان للتطورات الاقتصادية الناتجة عن تصدير النفط بعد منتصف الستينيات تأثيرها القوى ولمجموعة الشركات الوطنية التى تأسست عقب سنة 1967 تأثيرها الأشد ،فكانت غيبة المقهور التى بدأت كما قلت في البداية بالعودة الى محكمة الاستئناف ومن ثم رحلة الوظيفة طوال السبعينات والثمانينات حين وجد مجموعة من الاهتمامات التى اختطفته من دنيا الادب ،حتى ان اطفالنا حين التقوا بالمدارس لم يكونوا يعلمون عمق صداقتنا.

قصة ( محطات )

ومع بداية ازمة لوكربى ،التقيت المقهور بالقاهرة على هامش اجتماعات الحقوقيين العرب واللجنة العربية للتضامن ،فكانت حوارات مطولة ومراجعة دقيقة لرحلتنا الثقافية وتجربة جيلنا بالكامل ،تجربتى مع المدينة وتجربته مع مصر ،كيف تأثرت بموقف الناس من القاضي الذي حاول ان يحول بينهم وبين بيع منتوجه من التمر في القرية وكيف وجد هو عالما اوسع بالمدينة ،كنت قد فرغت من تدوين تجربتى التى جمعت بين احداث شاهدتها وأخرى شاركت فيها وكان هو بصدد التحضير لعمله موضوع هذه المعالجة وكان أهم ما اسعدني ما وجدته لديه من المتابعة لما نكتب في صحفنا ومجلاتنا فقد كان ملما بما طرحناه في باب قضايا لمجلة الفصول وفي صفحات مجلة ( لا ) كما الفيته متابعا لصحيفة الشمس ،مدركا كذلك لما تقدمه معظم الاجيال الجديدة ، ومن ثم كانت مداومته وكان حضوره ،حتى كانت ( محطاته ) لبتي قرأ لها وهي معدة للطبع في صيغتها النهائية فجمهوره بتوقيه وإهدائه المشرف.

استوقفنى تحديده في المقدمة : " سوف اذكر اسماء احمل لها ودا خاصا ، كانت رفيقا لي في انتظار القطار في المحطة ،او كانت جليسا في السفر ، او كانت انيسا في الوحشة ، وسوف ابعد من خاطرى كل من ناوشنى وأنا انتظر القطار ،او احاول ان يسرق مقعدى فيه او هاجمنى في مجلس او تطوع لرميي من عرباته ".

" ولم يعد في امكاني ألا ان اتغاضى وان اصفح ، ألا اننى اطلب العفو ممن ضايقهم جلوسي امامهم او الى جوارهم او حتى خلفهم .. اما من ركبت بدلا عنه او وصلت قبلا منه ،فله الصبر ولي المعذرة ".

فتلك هي خلاصة التجربة الحياتية ، سباق مستمر وصراع لا يعرف التوقف ،ولا تخفى حقيقته المبررات التى يفلح بعضنا في اختلاقها ويعجز بعضنا الاخر في ذلك عجزا بينا.

عطاء

ندرك ان هناك من سيتساءل هل هذا العمل وحده الجيد ،  هل هذه هي السيرة الذاتية الاولى التى كتبت او العمل الملحمي الوحيد الذي قدم ، وهي اسئلة مهمة وجديرة بان تثأر وان يقال بصددها ان ( محطات )  عطاء ضمن مجموعة من العطاءات المثمرة والجميلة ،بيد ان ما يميزها وهذه وجهة نظر خاصة انها لم تعمد الى الغرائبي ولم تهرب الى الثنائي وإنما عادت الى الواقع الى التجربة الحقيقية لتقديم رموز ،يحملون قضايا ويبنون حياة تزخر بكل شيء ،حياة فيها عريف الفصل الذي يمكنه ان يتطور يوما في رواية كاملة وفيها الشيخ الذي يمارس الرياضة بجلبابه الذي يصور مرحلة  من العمر ،وفيها استاذ التاريخ المتميز الذي تفتقت عبقريته بمصر مخلدا اسم الوطن ،ولعل سر الجمال في هذا العمل ومبعث الاهتمام به او الاحتفاء بالأصح انه قام على حقيقة مفادها ان المتغيرات لا تسوغ النكوص عن رسالة الفن الحقيقية وان للواقع نكهة لا تهزمها أي نكهة مستعارة ، وان الانا القوية بحق هي تلك التى تفلح ،بواسطة الفن وحده ،في توكيد ارتباطها الوثيق بالآخر في تلك المعركة الكبيرة معركة العدل والخير والتقدم التى لا مناص من خوضها لكل فن عظيم يتطلع مبدعه نحو الخلود.

بقى لنا ان نسأل :-  " هل كتب المقهور سيرته هذه وأقدم على نشرها فقط لأنه بلغ الستين في هذه السنة 1995 او ان هناك شيئا اهم حدا به الى تقديم عمله هذا الى المطبعة .. شيئا يتعلق بفكرة الكتاب وإبراز دور الافراد في حركة الحياة وبإمكانية الحوار حول هذا الكتاب ،أي وجود ظروف موضوعية ،والكتاب اول من تقدرها ،تجعل صدور مثل هذا الكتاب مألوفا ولا يتجاوز العادي".

من الواضح ان الحديث عن السن من قبل الكاتب لا يعدو ان يكون تبريرا لتوفير التشويق لتجربة القص ،اما الباعث الحقيقي فهو بتقديرنا يعود الى المناخ العام فهو دون غيره الذي حفز المقهور على العودة الى الحياة الثقافية بالحضور اولا والكتابة ثانيا و إلا لاكتفى بتدوين ما عن له تدوينه وقدمه للنشر تاركا الحكم عليه للتاريخ ،ولا غرو فالذين تحدث عنهم جميعا وخصهم بالشكر هم الان في قلب الحياة الثقافية.

من هنا وكما قلنا في غير هذا الموضع ،نحن ننتظر من الكاتب وقفة متأنية في محطة اخرى ،محطة ما بعد التخرج والدخول المباشر مع معركة الحياة حيث الطموح والأمل ،الانتصار والفشل ،الوصول والانتظار ،محطة الصدمة العنيفة بين النظرى والعملي ،بين الافكار العظيمة التى يحملها المرء في سنوات الصبا حالما بالجموع المتراصة التى ستقف منصته لما يقول مستجيبة لما يشير وبين الواقع المعاشي المرعب الذي يغتال بمغرياته لكل هذه الامال فيشيح المثقف بوجهه عن تلك الجموع الى قطاعات اخرى اكثر اغراء او تشيح هي بعيونها عنه حين تكتشف حقيقته او تفلل بواسطة قوى اخرى.

ولعلنا في حاجة الى القول بان الحياة الادبية لن تستفيد كثيرا حين يبعد المقهور من خاطره اولئك الذين ناوشوه او تضايقوا من جلوسه في القطار او حاولوا منعه من الوقوف بالمحطة او حتى ركوب العربة ،وربما ذهبت الى حد الشك في انه لن بغفل اولئك الذين استطاعوا الوصول قبلا منه ،اذ ليس المطلوب فنيا ان يجلس الجميع امام واعظ على الموعظة الحسنة ،ولكن المطلوب حقا هو ان يمسك الكاتب بهذه النماذج مجتمعه ليصوغ ملحمة مكتملة يلتقط خيوطها الاولى من سلوك هؤلاء جميعا ليمضي بعد ذلك قي تطويرها على مهل تعميقا لصوت انسان ما يزال الرهان على جواده قائما ، خاصة ونحن نعيش سنوات الانكسار ونتجرع مرارة كؤوس الاحباط و اللاجدوى ،ونحتاج بالتالي للاستفادة من السلبي والايجابي .

  لقد تحدث المقهور الى يوسف القويري الذي طرح عليه بعض الاسئلة المتعلقة بمشكلات الابداع ،فقال له ،ان لم تخنا الذاكرة ،ما معناه انه فقد النموذج الذي انطلق منه في تجربته القصصية التى عبر عنها في مجموعته الاولى ( 14 قصة من مدينتي ) وها هو الان يقدم نماذج جديدة في عمله السردي هذا ، نماذج ربما لا تصلح ان تكون ابطالا لعمل قصصي قصير ، الا انها بالتأكيد تصلح بما لا يوصف ان تشكل مادة خام لعمل سردي للجمع بين الواقع والخيال ، غير انها لا تحتاج الى تسامحه لأنه بلغ الستين ، بقدر ما تحتاج الى مزيد من الاقدام ومزيد من الجرأة بعد ان بلغ الستين ، كما نحب ان نطرح المسألة:

نعم نحن لهذا الموقف احوج ،وانه بذلك اجدر واحق.إنتهى


نشرت في صحيفة العرب اللندنية العدد الصادر بتاريخ 9/11/1995



_______________________________



باهية

رواية الكاتب البرازيل جورج أمادو

أمين مازن


جاءت رواية الكاتب البرازيلي الشهير جورج أمادو إلى القارئ العربي، ضمن المشروع التنويري الضخم الذي نهض به في خمسينيات القرن الماضي المثقف اللبناني المناضل محمد عيتاني، والمتمثل في نقل أمهات الفكر الإنساني، إبداعاً وتنظيراً والذي ظهرت أثاره الإيجابية في حينه، هو مشروع شاركه في انجاز مفردته هذه المرة ( رواية باهيا ) الدكتور عفيف دمشقية وهو أحد الذين سلكوا نفس النهج، فيما نهضت بمسئولية النشر دار الآداب البيروتية، تلك التي كان لها ولمؤسسها الأديب الراحل سهيل إدريس الدور المشهود في حقل الترجمة منذ تأسيسها في تلك الفترة المزدهرة في مسيرة العمل الثقافي الملتزم وتجلياته التقدمية والقومية عندما اضطلعت على نحو خاص بترجمة أعمال الكاتب والفيلسوف الفرنسي الوجودي جان بول ساوتر ورفيقته سيموندي بوقار ، فكان ذلك الموقف بمثابة التعويض عن الهجمة التي وجهت للفكر الاشتراكي، على خلفية الخلاف الذي تفجر بين مصر الناصرية والعراق الجمهورية في آخر الخمسينيات مما سمح لليمين المصري أن يوظف المد الناصري في العودة بمصر القهقرى لبعض الوقت .

وكانت الثقافة العربية قد عرفت جورج أمادو من خلال روايتين خالدتين : أرض ثمارها من ذهب التي ترجمها الأستاذ عوض شعبان عن اللغة البرتغالية مباشرة، وكان عنوانها الأصلي " كاكاو " و " فارس الأمل " التي نهض بترجمتها الأستاذ أحمد غربية وكان عنوانها الأصلي " قباطنة الرحال " .. فيما كانت " باهيا " موضوع هذه السطور بمثابة المختتم للثلاثية الروائية التي خص بها الأولاد المتشردين إذ انصرفت الاثنتان السابقتان لحياة الزنوج وحياة شغيلة البحر الصياديين.

ولا شك أن التاريخ المنصف لمسيرة الفكر السياسي العالمي وتأثيره في العملية الإبداعية العربية، حين يكتب له أن يروي بأمانة سيقول الكثير حول إسهام جورج أمادو في الخريطة الإبداعية تحديداً، خاصة وأننا قرأنا في السنين الماضية الكثير عن أهمية الرواية الأمريكية الجنوبية وبنيتها الفنية المختلفة عن الأخرى الأوروبية ولكن لم نجد كلا ما يذكر عن هذا الروائي الرائد والمناضل المقدام والذي انجاز وقد نقول وجب أن يختلف مع توجهاته من يختلف، ويقول عن هذا الاختلاف كل ما يروق له، إلا أن ذلك ينبغي ألا يصل إلى حد تغييبه من المشهد التاريخي في المطلق . أما إذا لم نجهل حقيقة أنه من الذين عرفوا ظلام السجون وأهوال المنافي، وكذا مصادرة الكتب وإحراقها ومنع تداولها في البلدان ذات اللغة البرتغالية، وأن هذه الرحلة قد توجت باختياره نائباً في البرلمان عن الجبهة الشعبية البرازيلية التي صار عضواً في حزبها الشيوعي، وفي الزمن الذي كانت فيه النظيرة المذكورة ومنظومتها بالكامل تتقدم المعسكر المعادي للاستعمار التقليدي وسياساته المعادية للشعوب، وكان أمثال جورج أمادو من القوى المعادية للسياسات الاستعمارية الاحتكارية ويقولون كثيراً على دعم المعسكر الاشتراكية ويواجهون بالمقابل الكثير من العسف والكثير من التآمر متعدد الوجوه والمجالات، تلك التي طالما تفنن فيها السناتور ماكارثي وحلفاؤه من أساطين إمبراطورية المال أولئك الذين لم يترددوا في أكبر أنواع البطش بكل من يقترب من المصالح الاستعمارية وسياساتها الرامية إلى أي شكل من المساس بها ولو كان على هيئة إبداع، كذلك الذي أجاد فيه جورج أمادو وأدرك جدواه الذين عملوا على نقله إلى اللسان العربي للدوافع التي أومأنا إليها .

اختار الكاتب لإحداث روايته هذه مكانناً شمال شرق البرازيل ، أما الشخصية الرئيسة التي شكلت محور الأحداث، وهيأت لفن الحكى لاحقاً أن يجسد ما أفلح الروائي في إتقانه من فنون التطوير، فقد انطلقت من المتشرد الطفل انطونيو بالدوينو الذي لم يكن في البداية يتجاوز هذه الصفة، حيث بدأ حراكه وهو في الثامنة من عمره وقد ابتلى وقتئذ أن يفقد أبوبه الاثنين لتحمله الرعاية إلى نوع من الرعاية المتواضعة التي لم تزد على تأمين مكان المبيت وربما القليل من القوت، فلم يكن أمامه بالتالي إلا أن يمضي نحو تلك المعيشة التي لم يكن فيها أكثر من صبي متسكع أو كما تقول صفحة الكتاب الخلفية سوقيا وملاكما محترفا، ودائم التردد على الحانات و المباغي، وقبل ذلك متسولا صغيرا إلا أنه مع النمو الجسماني ما يلبث أن يشتغل في مزارع التبغ وأحواض السفن واحتراف الملاكمة والعمل أيضاً بالسرك مما جعله دائما يبحث عن درب البيت ليقيم غراميات لا واقعية في أمكنة ونساء متعددة الأعمار والألوان ولاسيما البيضاء ليند ينالقا والفاتنة روزيد روزيندا إلى جانب مجموعة من الرفاق الذين كان بعضهم في سنه وبعضهم الآخر جاءت بهم طبيعة النشاط وما ينتج من التعاون انطلاقا من الاحتياجات البسيطة التي قد لا تزيد على لقمة العيش والسعي لضمانها في عالم الطفولة بالتسول ، وما في حكه من قليل الخدمات في هذه المرحلة العمرية التي بدأت كما سبق ولاحظنا بالطفولة لتتطور بعد ذلك في سنوات المراهقة إلى وضع مختلف ، عندما ينظاف إلى حاجة الجسد الصغير للقمة العيش حاجات أخرى ، فكلما نمت الأجساد وتوفر الغذاء برزت حاجات أخرى وتنوعت أساليب الحصول عليها، وعلى رأس هذه الحاجات وفي تلك المجتمعات المفتوحة مسألة الأنثى التي تكون شبه عالية في النص حيث يبدو و بالدوينو هذا الذي هو محور النص حازما وهو يهب في وجه ذاك الذي فكر أن يجره إلى النشاط المثلي ليصرخ في وجهه على مري ومسمع من الحاضرين جميعا ، وفي تلك الفترة المبكرة من حياته التي كان فيها يواجه ضغط الحاجة، وربما يظن ظن أنه قد لا يجاهر بموقفه هذا فإذا به يرجح كفة النشاط الطبيعي وفقاً لسنن الحياة والناس، وهي تفاصيل فضل الراوي أن يدفع بها في مشروعه السردي إذ عمد بادئ ذي بدء أن يدشن نصه من جولات الملاكمة التي شهدها بالدوينو ثم تقدم إليها أملا في الفوز فإن لم يفلح في الفوز تراه لا يتردد في تهديد ذلك الخصم وتوعده بالانتقام، ذلك أنه في هذه المرحلة لم يزد على كونه فتي يعاقر الجعة أمام مشاهديه كافة ، فهو عملياً يعيش حياة قوامها الحرية بل إن الأب والقديس الذي حماه بعض الوقت واختصر اسمه إلى بالدو فقط لم يجد غضاضة في الدفع به نحو هذا المنحى مما جعل من فكره العودة إلى الخلف والفلاش بالا حسب المصطلح الأجنبي التي طالما سادت بعد ذلك النصر أكثر قدرة على جلب المتعة الضرورية لكل من يمارس فعل القراءة، والقراءة التي تتخذ من النص سبيلاً لإلقاء البذور التي يسعى القائمون بها إلى تحقيق حلم التغيير الجذري في علاقات الإنتاج وما يرتب عليها، وهو ما لن يتحقق بدون تلك الثقافة المتمردة التي يحررها المبدع عبر الحوار الدائر بين الشخصيات التي تعايش الواقع وتسوق داخله ما يترتب من توصيف الممارسة وعلى رأسها مسألة العبودية أو الرق، التي كانت قد ألغيت رسمياً، ولكنها بحسب بالدوينو قائمة عملياً، والأمر عينه بالنسبة لجريمة الخص التي سمي باسها جبل أطلق عليه "الخص الزنجي" فجميع الفقراء مازالوا أرقاء وعهد الرق لم ينته بعد كما عبر بالدوين. فالحرية لا تتحقق ما لم ينته الفقر ويظفر الناس بما يحتاجون إليه كما تقول النظرية المادية التي يتبناها جورج أمادو نقلاً عن مارس بالطبع، ومثله بعض المسلمين الذين يجدون ضالتهم الثورية في آراء الإمام علي بن أبي طالب حول الفقر بالذات، على أن ما ينبغي الانتباه إليه هو مقدرة هذا النص الروائي على التبليغ بالمضمون المبتغي حين يمتلك الراوي خصيصة الإتقان بما يمتلكه من التشويق وعدم التكلف وترك الشخصيات الروائية تتحرك على سجيتها معبرة عن احتياجاتها الجسدية وطلباتها المادية فيكون النص في مجمله وصفا لمرحلة من مراحل حراك بعض القوى وموقفها تجاه الأحداث والحياة، وكذا تطور مفاهيمها ونضوج تجربتها بحيث يتحقق الوصول إلى المستهدف من خلال اكتمال وعي الشخوص وقدرتهم على أغناء تجربتهم وتطوير آرائهم، حتى وهم يمارسون ألعابهم ويسعون إلى امتلاك ملذاتهم، وعلى ذات القدر الذي قد يفقدون ما رغبوا فيه، وأحبطوا جراء خسرانه والإخفاق دونه، فمن التنوع في الآراء والممارسة تحقق الحياة دوما بكل ما تحتاجه من الخصب والحيوية وما يجعلها دائما جديرة بأن تحكى وتكتب بعد أن تحي وتقرأ بالطبع .

 

لقد كان أمادو مستوعبا لما يجب أن يعبر عنه ويوظف نصه الفني له، ألا وهو تقديم عينات من البشر تعبر عن مأساة الزنوج الذين نذر نفسه لقضيتهم ولفضائح التمييز العنصري الذي ظل سائداً عملياً في العالم الجديد، على الرغم من الأخبار القائلة بإلغائه نظرياً، ومن هنا كان تفطن إلى البحث في أحوال أكثر الطبقات فراً وأبعدها عن إمكانية العمل المطلوب، أولئك المتشردين من الذين ليس لهم مستوى العمل الجيد ولا المهن المؤذنة بتحقيق التطور إذ متى كان يمكن أن يوجد ذلك في حياة الحانات و المباغي وأحواض السفن الراسية ليس لغرض الصيانة وإنما لتصريف الفضلات بواسطة أولئك المستخدمين في الغالب، غير أن الأحزاب الذي وجد نفسه في حطنه ذات يوم واستطاع أن يكتشف من خلاله جدوى التحرك الجمعي ما لبث أن دفعه لأن يكتشف نوعية هذه الحياة، ومردود هذا الحراك العام، ولهذا أصبح يتطور المرة تلو المرة مستفيداً من التجربة ومن العمر، فأعطى ذلك هو الآخر للنص المزيد من الإمتاع والمزيد من التبليغ، والمزيد من تصليب عود المشاركين في تلك المسيرة الطويلة، وكان ذلك يتجسد في عديد المقاطع التي استخلصت من مسيرة انطونيو بالدوينو تحديداً ذلك المتشرد الذي صار من خلال النضال الصلب من أكثر الناس تعبيراً عن هموم المواطنين الزنوج وما يحسونه من المواجع ويستشعرونه من النواقص، إلا أن هذه الأمور مجتمعة لا تقبل بالفوضى ولا ترضى أن يرتبط الأحزاب بالعنف أو الأضرار بمصالح الناس ومطالبهم...

فالخلاف مع الاحتكاريين والرأسماليين لا يعني الإساءة إليهم، ولا يبرر الاعتداء على أجسادهم، إذ المرفوض ثورياً هو سلوكهم هو موقفهم المبرر للاحتكار، ثقافتهم الداعية لذلك، ذلك أن سلامة الخصم شرط من شروط الحضارة والتزام بما تفرضه من استحقاقات، إن جورج أمادو معتنق الفكر المادي الذي يرفض في جوهره وجود الآلهة ويخشى من القبول بما أن تخمد جذوة النضال، وانتظار الحلول بمنأى عن النشاط الإنساني ، وكثيراً ما طرح على ألسنة بعض الأسئلة الملحة بصدد غياب الإلهة عند اشتداد أي مظلمة بعكس ما يؤدي إليه الموقف البشري الحازم نراه يدفع بطله الرئيس بالدوينو كثير التواصل مع بابا الكنيسة، بل لقد كان لهذا الأب الكثير من الفضل في رعاية بالدوينو، وفي السنوات الأولى من عمره وكذا فترة تنشئته، وذلك لأنه على ما يبدو يريد أن يعمق الرأي القائل بأن الثورة على مظالم الاحتكاريين وسلوكياتهم مشروع يهم الجميع ويحتاج إلى مجهود الجميع، لأنه ربما ليس ذلك الذي ألفه الناس في بلاد أخرى حيث الحقد الطبقي الذي لا رحمة فيه ولا شفقة ولا مشاعر إنسانية تبيح الحب حتى أن ستالين لم يتردد في أن يقول لذلك الأديب الذي طلب رأيه في نص أدبي غزلي، يكفي أن يطبع من هذا النص نسختان واحدة للشاعر والأخرى لحبيبته، إنه التطرف الذي جعل هذه النظرية في بلد ذلك المستبد تسقط بعد سبعين سنة من الحكم والعكس في عالم آخر.إنتهى



______________________________



حافة النهر

للراوي الفلسطيني علي حسين خلف

أمين مازن

 

تحمل رواية الأستاذ علي حسين خلف ( حافة النهر ) موضوع هذه الورقة الترتيب الثالث في عدد رواياته المدونة على صفحة التعريف المتعلقة بشخصه ومجموع مؤلفاته التي بلغت عند صدور هذه الرواية ستة عشرة كتاباً جمعت بين الإبداع والتنظير والتوثيق، وهو باختصار شديد أحد أبناء فلسطين الذين نزحوا إثر نكبة 48 إلى الأردن، حيث أكمل تعليمه الأولى والثانوي، ليكون الجامعي من شمولات القاهرة، لتشمل رحلة العمل بعد ذلك أكثر من قطر عربي ومركز قيادي، بدءً من إدارة صحيفة 14 أكتوبر اليمنية إلى جانب العمل بالجامعة هناك، ومن الانتقال إلى مجلة الحرية البيروتية وإدارة القسم الثقافي بها، فضلاً عن المساهمة في تسيير اتحاد الأدباء والكتاب الفلسطينيين والمشاركة في أشهر ملتقياتهم التي استضافتها عديد العواصم العربية مثل صنعاء، وتونس والجزائر ـ كما أسس في مجال النشاط الخاص دار بن رشد للنشر والتوزيع. وقد كانت رواية حافة النهر هذه من منشورات هذه الدار وربما تكون روايته الجسور المعلن عنها داخل صفحات الرواية من منشورات هذه الدار أيضا، وقد يكون من المفيد أن أشير هنا إلى أن هذه الرواية قد دخلت مكتبتي عبر أحد اللقاءات التي جمعتني بمؤلفها فجاءت ممهورة بتوقيع المؤلف، ولكن دون تثبيت لتاريخ الإهداء، وهي على أي حال من منشورات سنة 1989 . وقد تولى / تقديمها الناقد الكبير الدكتور حسام الخطيب بما يجمع بين المنهج والذوق والموقف، ويتحاشى أي نوع من الأطناب أو التعميم المجاني. تقديم لا يملك من يقرؤه بوعي إلا أن يعيد قراءة النص مرات ومرات كي يصل إلى الآفاق الرحبة التي أجا الناقد التبصر في تحديد محطاتها، وجميل دلالاتها وحسن خاتمتها.

وقد جاءت الرواية تعبيراً واعياً عن الحالة التي سادت الحياة السورية عقب انفكاك الوحدة المصرية السورية " الجمهورية العربية المتحدة " التي دامت سنوات ثلاث وعقب استفتاء شعبي نال أغلبية الشعب السوري، فيما كان الانفكاك بواسطة عمل عسكري أقدمت عليه مجموعة من الضباط التي كان أغلبها من المحيطين بالمسير عبد الحكيم عامر الذي اسند إليه الرئيس عبد الناصر شؤون سوريا وبمساعدة المكتب الثاني المرؤوس من طرف عبد الحميد السراج، هو تمرد شرعته مجموعة من السياسيين والرأسماليين الذين اتخذوا من أخطاء عبد الحكيم عامر ذريعة للانقضاض على المشروع الوحدوي وإقامة حكم بديل رفع شعار الوحدة قولاً وباشر بضرب كل ما يمت لها بصلة عملاً، فجاء هذا النص مشبعاً بما ساد أجواء تلك المرحلة من تصادم بين القوى المتنافرة وما حرصت عليه من إتقان الأقنعة وإخفاء حقيقة كل ما كانت تسعى إليه وتعمل في سبيله كي يبقى المشروع الوحدوي شعاراً ليس غير، في حين تنصرف السياسات المطبقة فوق الأرض نحو كل ما من شأنه أن يكبت كل أنواع الرأي ولو كان ذلك من خلال العثور على جريمة من الجرائم يستجيب من وقف عليها ظاهرة على الأرض فيكون مصيره الإيداع في السجن واعتباره المسئول الأول، ليس على أساس التحفظ الذي قد تفرضه بعض الإجراءات الاحتياطية وإنما بإجباره كي يعترف بما لم يقترف بل ومطالبته بالإفادة عن محيطه الدراسي من جهة والدولة التي يدرس فيها وحتى المحيط المنحدر منه من جهة أخرى، ولا يخفى على القارئ المتبصر ما عمد إليه الراوي من المزاوجة بين المعالجة المسرحية والسرد الروائي سواء من خلال تقسيم النص إلى لوحات ذات عناوين محددة وفصول واضحة أو التعويل الواضح على الأسلوب الحواري الأكثر وشيجة بالمسرح، وقبل ذلك كله بانتهاج اللحظة الدرامية التي تأتي إلى المشهدية أقرب منها إلى القراءة، وذلك بالحشد المؤثر بين شروع خضر بالتبول أو قبله بقليل وتفاجئوا بالجثة الملقاة في ذلك المكان الواقع في طريق المطار للالتحاق بدراسته في موسكو الموفد إليها رسمياً وهي على ما هي عليه من التشويه الظاهر، الأمر الذي فرض عليه أن يصر على تبليغ الشرطة غير مكترث بتحذير سائق السيارة الذي توجس خيفة من البداية ليبدأ مسلسل التداعيات التي لم تفرض التأخر عن السفر وحسب وإنما الدخول فوراً إلى السجن ومواجهة ذلك المسلسل الخاص برحلة العذاب التي أخذ يقطعها خطوة خطوة، ويكابد همومها وعذاباتها لحظة بلحظة ويكون الحوار بالتالي هو المسير لحركة الشخصيات، مما يجعل القارئ لا يتردد في الالتفات يمنه ويسره باحثاً عن الأمكنة التي ضح بها النص والتي اختيرت جمعيها لتوفير المزيد من الحيوية والمزيد من الإمساك بيد القارئ والتحليق به في تلك الأجواء التي سادت بلاد الشام عشية انفكاك الوحدة الوليدة التي لم تصمد كثيراً أمام سوء الأداء الرسمي والتي يقتضي الإنصاف أن نقول أنها بدأت مبكراً وأخذت في التنامي إلى أن أسفرت عن وجهها الكريه، فأثارت ذلك الكم الهائل من الأحزان بالنسبة لملايين العرب الذين هالهم ما جرى في لحظات قصيرة جراء ذلك الانهيار الذي طال الأنفس والنفائس وصدم الملايين المعبأة بالعواطف وغير مستعدة لأي انتكاسة من النكسات، ومحاولة بحث الأسباب بدل المضي في إدانة النتائج ، وهكذا يتكفل النص الروائي هذا بإعادته مجتمعاً إلى الذاكرة عبر هذه الأجواء الكابوسية التي سادت الحياة العامة واستدعت تصرفات الإدارة التي لم تستثن أحداً من الارتياب وبالأحرى الإدانة المسبقة، لمجرد أن تطرأ في منطقة من المناطق حادثة ذات صلة بالإجرام، يتحول من يدفعه ضميره إلى التبليغ عن الجريمة المتهم لا يعتد بأي إجابة من الإجابات النافية ولا يحصل أي تثبت في الاستدلالات لقد رأينا الطالب خضر يتحول في لحظات إلى متهم بما جاء يبلغ به، وفسر الموقف كمحاولة للتهرب من الجريمة من خلال التبليغ عنها، وهكذا يكون جزاء من يحكم ضميره أن يتهم قبل غيره ويعذب ليعترف بما نسب إليه ويتخلل التحقيق المتميز إلى أمرين أحلاهما مر، فأما أن يعترف الجاني المزعوم على نفسه، أو يقبل التعاون مع الأجهزة ويقدم ما لديه من معلومات عن زملائه في الدراسة بل وكل ما يجرى في ذلك البلد، وإلا فلن يستطيع الإفلات من تهمة التعاون مع المخابرات السوفيتية المعروفة اختصاراً بــ ( الكيجي بي ) ذلك أن الطالب من حيث هو دارس بروسيا فلابد أن يكون حاملاً للفكر الشيوعي، وهو حسب هذه الرؤية من الضروري أن يكون عاملاً لذلك الجهاز، فلا وجود للاختيار الشخصي ولا وجود لمن يمكن أن يوظف ثقافته لخدمة واقعه، لقد كان ذلك هو شعار المرحلة ولا وجود حسب هذا الحكم المسبق لما كان يحتدم من صراع بين يوغسلافيا الشيوعية والاتحاد السوفيتي ومثل ذلك ما كان يلوح أيضا بين السوفيت والصين . فقد أقدم اليمين ومن يدور في فلكه على تنفيذ ما خططوا له من مدة ولم يبق أمامهم سوى البحث عن الضحايا ولما كان هذا الحادث من بين ما اوجد المبرر لممارسة التلفيق فلا حرج من ذلك حسب هذا التوجه والذي تم اللجوء إليه بدون شك قصد إخفاء معالم الجريمة الحقيقية المتمثلة في إسقاط المشروع الوحدوي والذي كان بالنسبة للأغلبية موضع إجماع لا يجوز العبث به .

نعم لقد كان انفكاك الوحدة المصرية السورية نتيجة طبيعية لسوء الأداء الذي رافق التجربة الوليدة أي الجمهورية العربية المتحدة، حين لم تكتف بإلغاء التعددية السياسية وحسب، وإنما سعت إلى تصدير ذات السباق إلى ثورة العراق التي تفجرت بعد أشهر معدودة من الوحدة الأم، بحيث لم تمر سنة على الدولة الجديدة حتى كان ذلك التحول الغريب والذي تمثل في العداء المجاني للمعسكر الاشتراكي في المحيط الدولي، وتضييق الخناق في المحيط الداخلي على جميع التيارات السياسية ذات المنحى اليساري، والتي يفترض أن تكون على رأس من يساند الخيار السياسي للنظام الجديد بوصفه معاد للرأسمالية وسياستها الاحتكارية، ولم يكن ذلك الموقف المجاني لأن هذه القوى قد عادت الوحدة العربية كخيار مبدئي وإنما لأنها تحفظت على نهجها المتبني لفكرة إلغاء التعددية السياسية، وسد جميع الأبواب الكفيلة بإيجاد أي متنفس يتم من خلاله التعبير عن أي موقف تشم منه رائحة المعارضة، فقد كان الطرح الرسمي يصر على القول بأن كل شيء على ما يرام، والويل كل الويل لمن يخطر بباله أن يقول غير ذلك ولو بأيسر الأساليب ، فإذا أما استطاعت القوى المتربصة أن تجهز على المشروع الوحدوي وأن تقدم على بعث كيانها وبالأحرى تعيده، كانت المسارعة بضرب جميع الفئات التي لوحظ عليها عدم التأييد للخطوة الانفصالية ولو بالموقف المحايد، ومن هنا لم يكد المواطن خضر والطالب خضر الذي فضل الاستجابة نصيره ويبلغ عن الجريمة البشعة التي طالت أحد الفتيات حين قتلت وألقيت على حافة النهر حتى تحولت الجريمة - كما سبق القول – إلى اتهام هذا الطالب ومن ثم الدخول معه في تلك المساومات ومثلها الضغوط المتعددة باعتباره سليل طبقة معروفة بموقفها الودي للوحدة كمشروع قومي ورمزها عبد الناصر الذي أصبح في نظر الذين فكوا عرى الوحدة هو العدو الحقيقي بالنظر إلى الاحترام الذي لا يضاهي مما خصه به الشعب العربي في الوطن الكبير عامة فبادرت هذه القوى التي اتخذت من جريمة حافة النهر هذه مبرراً لما طبق من سياسات انتقامية واستغلال لأي توترا أسري وما شابهه للمضي نحو ما كان مبيتاً من سياسات هدفها الاستفراد بالسلطة في سوريا واتخاذها قاعدة جديدة للقطرية المستترة تحت غطاء الحديث الذي لا يتوقف عن الوحدة والقومية في ذات الوقت الذي تضاعف السعي نحو المحاور السياسية ومضامينها الطائفية ، مما زاد في التشرذم وثقافات التجزئة تحت غطاء ما اصطلح على تسميته بالقفز إلى الأمام، فكانت هذه الرواية والحق يقال توثيقاً أميناً وفي مستوى ملموس من تحقق شروط الفن لما ساد المرحلة من نزوع نحو الدولة الأمنية المنغرسة في أعماق الأعماق، وبواسطة شبكة شديدة الانتشار والحركية يجند لها الطبيب والمثقف والضابط ومن خلال الشرائح المجتمعين كافة، ويكشف الحوار عن تفطن المنتدبين لهذه المهام عن الأحياء السكنية التي تثبت انحيازها للمشروع الوحدوي، فاستحقت ما كان يطرح حولها من أسئلة تتعلق بالأمكنة، وكذا المواطنين على نحو ما رأينا من تركيز على باب توما حيث الثقل المسيحي المجبول على التوجه الوحدوي، والمتصدي باستمرار لثقافات التجزئة وحتى المحاور، لقد تكفل السرد بكشف العينات التي طفت على السطح الإداري في تلك الأيام، عينات لم يكن لها من هدم سوى التقدم الوظيفي وعلى حساب الشرف بالضرورةـ، ولهذا كان ذلك الرد القاصم الذي ورد على لسان أحد الأبطال بصدد الفرق بين نظافة الملابس التي شملت الذين غيروا مواقفهم والتي ضاعفت وساخة أعراضهم وسمعتهم بدون شك، ولأن الرواية مكرسة لقضية الوحدة وما في حكمها وتصوير مواقف المثقفين والنقابيين منها، كان لا مناص من أن تختتم بمقطع يوجز الموقف النهائي منها والقيادة التي عملت على تحقيقها وتعميق شعبيتها والأصدقاء الدوليين القادرين على المساهمة في بعثها من جديد باعتبارها – أي الوحدة – السبيل الذي لا بديل للخروج من دائرة التخلف، بشرط ألا تكون هذه الوحدة مشوبة بأي مضمون شوفيني أو تعصب ديني، لقد وثقت الرواية للأجواء التي تلت انفكاك الوحدة وما ترتب عليها من سجن عديد القوى انطلاقا من تلك الحادثة والتي وإن كانت قد شهدت إلى جانب إلى جانب السجون والتعذيب وأخيراً الاستشهاد وإلا أنها أحدثت في النهاية تلك الجبهة الجسورة التي شارك فيها كل من طبيب الأسنان الذي خرج من السجن بدون أسنان لما لقيه من صنوف التعذيب، الحامي ذي اللسان الدرب وغيرهما من حواهم صالون السيد اسكندر والد الفتاة ياسمين ضحية حافة النهر والذين انتهوا إلى ضرورة تشكيل الجبهة الوطنية ليكون من مهامها إسقاط حكومة الانفصال على خلفية الحفاظ على القيادة القومية الوحدوية " ناصر تحديداً " ولكن دون إقراره على سياسة حرق المراحل، فالوحدة الفورية شعار باطل وضار، والوحدة بدون أساس تتحول إلى فزاعة تهش العصافير ولا تضع أنموذجاً، مع رفض الرأي القائل بإلقاء إسرائيل في البحر إذا هناك قوى ديمقراطية داخل القفص الاستعماري وأجمل ذلك كله في بيان مركز ، وعندها أشعل اسكندر سيارة رابعة وراح يتأمل حلقات الدخان وهي ترتفع وتنحني أسف صور ياسمين ... تنهد بارتياح وإطفاء مفتاح النور وتوجه إلى السرير فالساعة تقترب من منتصف الليل . ونطوي كقراء الصفحة التاسعة عشرة بعد المائة بعد قراءة ، نص جمع بين المتعة والاستنفار وتوجب أن تكبر في مبدعه على حسين خلف هذا التماسك المشرف والثبات المطمئن.إنتهى



______________________________


برج السعود

للكاتب المغربي مبارك ربيع

أمين مازن

 

يعود تاريخ هذه الرواية إلى تسعينيات القرن الماضي، إذ كانت النسخة موضوع هذه المقاربة موسومة بترتيب الطبعة الأولى، وكنت قد توصلت بها ضمن مجموعة من كتب مؤلفها الصديق مبارك أثناء المشاركة في أشغال المؤتمر العام للأدباء والكتاب العرب الذي ألتام في مدينة تونس 1990 تلبية لدعوة تقدم بها نيابة عن الحكومة التونسية رئيس اتحاد كتاب تونس المرحوم الأستاذ " محمد العروسي المطوي" قبل ذلك التاريخ بسنتين، أي عقب ما أطلق عليه يومئذ تحول السابع من نوفمبر الذي تم فيه حسم الصراع حول خلافة الرئيس الحبيب بورقيبة لصالح زين العابدين بن علي، الذي كان يشغل منصب الوزير الأول (رئيس الوزراء)، و ينص دستور تونس على حقه في استلام المنصب المشار إليه حالة عجز الرئيس أو موته، وقد تم اعتماد العجز بقرار طبي أمضاه عدد من الأطباء، واعتمدته القوى الدولية المعنية باستقرار تونس، حين بادرت بالاعتراف بالعهد الجديد . وقد تزامن المؤتمر المشار إليه مع انتهاء ولاية الأستاذ " حميد سعيد " الذي فرض قانون الاتحاد ضرورة تغييره، فتعين اختيار العروسي المطوي للأمانة دون أي مناقشة، باعتباره مرشح البلد المضيف للاتحاد . كما أن تونس هي مقر الجامعة العربية ومنظمة التحرير الفلسطينية، أما أهم الاعتبارات فلما يتوفر عليه المطوي من حسن التصرف وعدم الانخراط في الصراعات العربية، وتسرب ما أكد أن العروسي لن يكون ضمن كوادر بن علي، فتوجب أدبياً أن يكرم عربياً ويفسح المجال لمن قد يكون أوفر حظاً وأقدر على التعامل مع المستجدات، وقد تعلمت شخصياً من خلفيات هذا المؤتمر ما لدى العروسي المطوي من الخبرة حين لم يقدم فكرة عقد المؤتمر بتونس إلا عندما لاحظ عدم أحقية الأمين العام بالتقدم لشغل هذا المنصب من جديد، وهو ما لم أتفطن إليه شخصياً عندما تبنيت فكرة تنظيم المؤتمر في دورة سابقة بطرابلس، وكان للعراق الحق في المطالبة بالتجديد، ففي ذلك المؤتمر أرادت بعض الأسماء المتخذة من التناحر الليبي العراقي سبيلاً لتحقيق مطامحها في تصدر المشهد الثقافي العربي من خلال نافذة اتحاد الكتاب العرب وما في حكمه أن تتبنى فكرة إزاحة "حميد سعيد" وهو توجه رفضته بكل ما توفر لدي من القوة ، ولم أقف على أي توجه رسمي في الخصوص، اللهم إلا من يمكن وصفهم بالمصطادين في الماء العكر، أما الذي رجح كفة الأخذ بهذا الخيار فمرده على ما أثبته الأستاذ حميد سعيد من حرص على تمكين الأدباء الليبيين من إدارة شؤون مؤسستهم بأنفسهم وعدم اتخاذ أمانة الاتحاد العربي وسيلة للوجود الرامي إلى تقزيم العنصر الوطني، ولاسيما عند العودة إلى شغل المقعد الثاني بالاتحاد المذكور التي كانت قد تمت في المؤتمر الحادي عشر الذي شهد إقصاء الأستاذ " يوسف السباعي" الذي ظل محتكراً للموقع بل واتخذ منه سنداً للبقاء الدائم على رأس اتحاد كتاب مصر، بل وآسيا وإفريقيا، حتى لقد أطلق عليه معارضوه من المصريين " سكرتير عموم مصر" والمهم أن اتحاد الكتاب العرب ومنذ أن ألت رئاسته إلى العراق وفي شخص " حميد سعيد" بالذات أصبح خير عون لتصليب عود الكتاب الليبيين، على الصعيدين الوطني والقومي، ذلك أن الخطاب الثقافي عقب ذلك المتغيرات يشق طريقه في ثقة ملحوظة، وكان الخط الوطني كثيراً ما يفصح عن تميزه بين مختلف الأصوات ولاسيما تلك التي استمرأت لغة الهتاف وامتهنت لعبة السباق نحو تأييد المطروح إلى الحد الذي ليس فيه إلا ما يجرح النفس ويمس الكبرياء ، وقد كان ذلك كله موضع تقدير الكثير من مثقفي العرب وكتابهم الذين لم تخف عليهم طبيعة الظروف وحقيقة الصراع المستمر لتوكيد الخصوصيَّة ولو بالحفاظ على الحد الأدنى من الأخطاء وبالأحرى الخسائر .

وكان الكاتب قد أنجز قبل روايته هذه، أربع روايات أخرى حملت عناوين : الطيبون .. الريح الشتوية .. رفقة السلاح والقمر .. بدر زمانه " فهذه الرواية إذن تعتبر الخامسة في مدونة ربيع الرواية إلى جانبها بالطبع مبارك ربيع يعمل في الأساس بالحقل الجامعي، وقد تقلد أكثر من موقع إداري، وقد قوبلت روايتاه الريح الشتوية ورفقة السلاح بقسط وافر من اهتمام الدارسين والنقاد مما وثقت " مجلة أفاق لسان اتحاد الكتاب المغربيين" ولاسيما عند بروز المناهج الحديثة في النقد وعلى رأسها البنيوية التي طبعت معظم الدراسات الأدبية في القرن الماضي وبالأحرى الحقبة الأخيرة. وقد جاءت هذه الرواية مستفيدة من مرحلة تاريخية معينة وواقعة جمعت بين ما يشبه الأسطورة والحقيقة، مما حدا بالراوي أن يشير على هذه الجزئية عندما استهل كتاب بما أطلق عليه ما قبل الكلام، ودام من خلال ذلك على ما يبدوا أن سلط ما لديه من الأضواء على الحادثة المذكورة التي استفاد منها، وهو ينجز نص ويبذل الجهد الملحوظ لتجويده ، منطلقا من الحقيقة القائلة ما من الراوي خلاف المؤرخ غير محمل يعني التجديد والتتبع التاريخي الوثائقي وبالذات إزاء الأحداث المندثرة كتلك المتعلقة بالبطنية التي اجمع أهلها على أكل الزعتر أثناء مقاومتهم للأوبئة التي تعرضوا لها في العقدين الأولين من القرن الماضي تحديداً، والمهم أنها صارت أخيرا منطقة جذب بالنسبة للكثير من الدارسين والباحثين والزائرين والمغامرين وراء الثروة، وهي على أي حال بحسب الراوي غدت في حكم العادي من الأمور، ولم يعد هناك ما يدفع للنظر إليها كحالة منفردة، ولا شك أنه بهذا الواقع قد اتخذ من المتداول عنها شعبياً ما غذى مخيلته ووفر له أسباب إثرائه.

وربما تفضي القراءة غير المعقدة، وغير المتعالية على النص أو المستعينة عليه بواسطة الأحكام المسبقة أو تلك المستخلصة من مرجعيات أخرى كثيراً ما تختلف كل الاختلاف عن معطيات النص الميسرة وليس الأخرى المتعسفة، إن الرواية وعبر الأربعين لوحة التي هي كل محطاتها، وكذا الشخصيات المتنوعة التي كونت جمهورها، والواقع الذي قد يكون تحديده منطبقاً على المنسية وحده أو أنه قد رمز إلى الفضاء الجغرافي الأكبر قد عني بأول شروط القص المطول ألا وهو تحقيق الحد الضروري من المتعة أو أن حظه في هذا الصدد قد كان جيداً للغاية، فعبر هذه الخلطة من الشخصيات المتفاعلة بما هي عليه من التجانس والتناحر في الآن، والجامعة بين الأنثى والذكر، الجليل والحقير ، الفقير والميسور ليتمكن الراوي من الإمساك بقارئة فيبدو دائب المتابعة له، وربما محاولة القراءة لمسيرة أحداثه وبالذات تلك التي طبعت الحياة العربية في أوائل القرن الماضي حيث كانت الأمة سادرة في غفلتها عن الكثير مما كان يجري حولها ويحاك لها، وغير منتبهة أيضا إلى عديد الأسئلة المطروحة بصددها ونالت المزيد من اهتمام الآخر وشغلت عقليته بل ووسعت مخيلته وإذا بها تتحول مع المزمن إلى سياسيات تمارس ومخططات توضع ومشاريع ترحل ، فيما كانت بالنسبة لنا وللمنسية نموذجا لأكثر أي اهتمام، بل أنها تبقى رهينة السخرية والاستهزاء ، وأخيراً الإهانة حتى أن – الريطي – الشخصية الأولى في الراوية ، الأسطورة التي استهل بها ربيع روايته وختم بنهايته نهايتها وهو الذي بأن أول من حاول أن يثأر لذلك المجتمع، بالطريقة التي رآها ظل يلاقي ما يلاقي حتى كانت المراحل الأخيرة من حياته، عندما استطاع أن يخرج لهم ملابس ذلك الذي أودى به الثأر ذات يوم ، غير أن المتعة التي أومأنا إليها لا تعني أنها كل ما ابتغاه الراوي ، فالنص في مجمله ينحي ذلك المنحى المعادي لكل ما يمت إلى الظلم الاجتماعي بصلة ، وثمة من الشخصيات الروائية من لا يخفي تبر من استسلام سكان البطنية إلى ذلك الجحود القاتل الذي يجعل القوم عاجزين عن القيام بأي عملية من شأنها الخروج بهم من دينا الخرافة وأسباب التخلف وبالذات من كتب له أن يتغير على الآخر وما حققه من التطور في مجال التفكير العلمي الذي يبدأ في أحيان كثيرة بالحلم والخيال وعمق التمسك بالتراب على نحو مظر في شخصية الريطي الذي دفع من حياته أكثر من ثمن وحفظ في شخصيته الغامضة أكثر من سر ، ومع ذلك فقد كان موضع سخرية من معظم أبناء تلك المنطقة ولاسيما بعض نسائهم على وجه التحديد حين عن له أن يبدي نحوهن شيئاً من الرغبة التي لا يخلو منها قلب رجل من الرجال ، والواقع أن الراوي وبصدد هذه المسألة البشرية بالذات أفلح في أغناء نصه بالكثير من الأقوال والأغاني الشعبية التي يستطيع كل من يقرأ كل أو بعض هذا النص يخرج بذخيرة كافية عن طبيعة الحياة وأنماط التفكير وطرائف التعبير .

امتازت الرواية بحرص ملحوظ على تجويد الأسلوب بما حافظة عليه من جمال اللغة من حيث البعد عن العبارة المستهلكة ، وكذلك التخلص من الأخرى المتكلفة ، كما اغتنت في مواقع كثيرة بالقدرة الملموسة في دقة الوصف عند التعبير عن أحوال الشخوص ومواقعهم وما تعرضوا له من ظروف الدهر ومن بينها ما يتعلق بتجربة السجن التي طالت بعض النماذج ، فوجب تتبع أحوالهم داخل تلك التجربة المريرة ومثل ذلك مواقف الناس منهم وحديث الجمهور عنهم ومن ثم وصف المشاريع التي أبديت حولهم، الأمر الذي يجسد حجم الجهد المبذول في التجربة التعبيرية ويفتح الأبواب للمزيد من التأويلات القائمة على الشواهد . ولأن ذلك قد يتعذر التفصيل فيه فمن الممكن الإشارة هنا إلى ما سبق في النص بشأن المرض الذي أصيب به عمار وما لاحقه بشأن احتمال وجود شيء من العدوى المقيتة والشيء نفسه بالنسبة لما ترتب على استدعاء حميد للتحقيق وما أدى إليه من شيوع مشاعر الحقد وأثاره الغيظ، فقد كان أخر ما خامر تفكيره أن تحوم حوله شبهة القتل ! فإذا ما توقفنا أمام أحوال النساء ومشكلات الزوجات المتعددة مع الرجل الواحد ، أوضح النص كذلك عن جهد ظاهر للذهاب بالملتقي إلى تلك العوالم وما يحور داخلها من صراع بين بنات آدم وما هن عليه من الكيد والكبد العظيم، ويبقى نشاط عمار مع المركز الأوروبي والأحداث وملابساتها ، وأخيراً كيفية تعامل الناس مع ما جرى ويجرى كل ذلك دون إهمال الحقيقة القائلة بأن أي حديث يتوقف عند نص واحد حين تتعد النصوص لذات الثابت سيبقى في حادة إلى المزيد من المراجعة والتأني سلبيات في ذلك أو إيجابياً.إنتهى



______________________________



المعلم علي

رواية مغربية للأستاذ عبد الكريم غلاب

أمين مازن

 

تدخل رواية المعلم علي للأديب المغربي الكبير الأستاذ عبد الكريم غلاب ضمن سلسلة الروايات المبكرة التي أسهم بها هذا الأستاذ الجليل في المدونة الأدبية المغربية التي دأب علي إثرائها بعديد الكتابات الرائدة التي طالما جمعت بين الإبداع الأدبي والتنظير الفكري منذ عودته من دراسته الجامعية بالمشرق العربي " القاهرة تحديداً " في أربعينيات القرن الماضي وانخراطه في النضال المغربي متعدد الوجوه سياسة وأدباً ونشاطا حزبيا وصحفيا من خلال حزب الاستقلال المغربي على وجه التحديد، حيث كان المؤسس لصحيفة العلم الشهيرة لسان حزب الاستقلال إلى جانب اتحاد كتاب المغرب الذي كان من مؤسسيه ، ومن ثم رئاسته . وقد بدأت روايات الأستاذ غلاب برواية دفنا الماضي وسبعة أبواب . وقد كانتا محور اهتمام الكثير من الدارسين المغاربة والعرب من بينهم الأديب الليبي عبد الله القويري الذي خص رواية دفنا الماضي بدراسة ضافية تلاه الأستاذ يوسف الشريف الذي تناول من جهته "سبعة أبواب" . ومعلوم أن الأستاذ غلاب قد عاصر أثناء دراسته في مصر أكثر الفترات التاريخية ازدهاراً بالنسبة لفن الرواية، سواء من خلال ما نشر رواد هذا الفن من نصوص متعددة المشارب والصيغ إلى جانب الدراسات النقدية التي طالما نظرت لفن الرواية بعديد المفاهيم، فضلاً عما نقل إلى اللغة العربية من أمهات الفن الروائي العالمي . فقد أدرك أدباء ذلك الزمان وفي وقت مبكر أهمية الفن الروائي في التبليغ، ولاسيما أثناء اشتداد الصراع بين مختلف القوى السياسية التي أخذت تتنافس على بذل الكثير من الجهد لكسب الأنصار والمؤثرين في الشارع العربي ، أولئك الذين كان الرد العربي يمثل أقوى الحوافز لإثارة اهتمامهم وبالأحرى انحيازهم، فلقد تغيرت يومئذ مهمة الأدب والأدب الروائي الموقف الهامشي حول الحياة والناس، وأصر على أن تكون للأدب رسالته التوعوية الفاعلة . وقد تولت نشر هذه الرواية الدار العربية للكتاب المشروع الثقافي الليبي التونسي المشترك في حقل النشر، والذي دفع نحوه بعض المنحازين للمشروع الوحدوي المغاربي، ممن كانوا يحبذون لليبيا أن تكون ذات الموقف المتوازن بين مشرق الوطن العربي ومغربه، مع ترجيح كفة المغرب الكبير بحكم التوازن السكاني وانعدام الازدواج الديني المحتدم في الشرق . وهذا التوجه أصيب في مطلع سبتمبر 1996 لهجمة عدائية غير عادية وبالذات أثناء شهر العسل مع النظام المصري عقب غياب عبد الناصر وبروز الموقف المعادي للاتحاد السوفيتي، ذلك الذي تزامن مع معركة ما يسمى بمراكز القوى، وهو ما ساهمت ليبيا سبتمبر فيه بالكثير من الدعم والمساندة، عندما لوحت بفكرة الدخول في مشروع الوحدة الاندماجية مع مصر، وكذا الاتحاد معها والسودان وفي وقت لاحق مع سوريا أيضاً . وقد أنتجت يومئذ التدخل السافر في السودان ومثل ذلك أوغندا ومساندة مشروع الانقلاب على الحسن الثاني، وهي خطوات كانت ترمي إلى شغل المواطن العربي عن سينا، ويبقى النص الروائي دون غيره المنشور ضمن المشروع المغاربي هو موضوع هذه المقاربة التي لم نجد بدأ من أن تكون بين هذه الأوراق المكرسة لأكثر من نص روائي ومن أكثر من كان .

وقد اختيرت أحداث هذه الرواية من تلك الأيام القديمة في تاريخ المغرب وعلى رأسها مدينة فاس أحد أهم المراكز الصناعية التقليدية والقيادات السياسية وقبلها الروحية واهما مقام مولاي إدريس لتبدأ من هناك رحلة الشخصية الرئيسة المعلم علي منذ أيام الطفولة الأولى عندما شرع وهو الصبي في ارتياد مواطن التشغيل التي اتسعت لمن في سنه ممن يجمعون بين العمل في المصنع وكذا بعض الخدمات البيتية البسيطة باعتبارهم صبيانا يملكون من الحيوية ومن حداثة العمر ما يعفي الكثير من سيدات البيوت ومثلهم سادتها، فهذه السن لا تسمح بذلك بل تبيح التساهل، وهي ذاتها التي تجعل من تشغيلهم ما يحقق التدريب على عديد المهن الصغيرة عب المشاريع الخدمية البسيطة كالطواحين والمدابغ وما إليهما، وهما نقطتا ارتكاز وتحرك ذلك اليافع " علي " الذي بدأ عمله في الطاحونة لينتقل في وقت لاحق على دور الجلد حيث الدبغ الذي يعتمد الطرائق التقليدية والمواد البدائية . ففي الأولى كان الاعتماد على الحمار والبغل الذي يعول عليه في تحريك عجلات الطاحونة، وهي توالي الدوران تماماً مثلما يكون وسيلتهم لجلب الحبوب المطلوبة من أماكن بعينها، فيكون علي في هذه المرحلة دائب الارتباط بالحمار ليس فقط لكونه ساعده في العمل وركوبته التي تحمله إلى الأماكن التي تجلب منها الحبوب، ولا لأنه يتكفل بنقل علي ذهاباً وإياباً، وإنما لأنه يشارك علي همومه القاسية المترتبة على العملية الاحتكارية وما تتسم به من نحمل أعباء المجهود الفعلي الذي لا مهرب من بذله طوعاً أو كرهاً، الأمر الذي نتج عنه نوع النظرة التي يولي بها علي حماره هذا، فهو لا يكفي لتحميله ما كان في حاجة إلى حمله ولكنه يقوم بالترتيب على ظهره وجزء من وجهه وهو يضع أمامه ما يتطلبه الوقت من العلف، ويرفق إدارة هذا بالكثير من الكلمات الطيبة التي تنضح إنسانيته وحناناً حول هذا الحمار الذي يؤدي كل ما يطلب منه صامتاً لأنه شريك هذا النوع من العمال الذين يؤدون كل ما يؤمرون به دون أن يظفروا بأي شكل من أشكال التحسن لأن من يصبر بهذه الكيفية لن يتحسن له حال .

من هنا نجد الراوي يتخذ من توجيه الخطاب إلى الحمار ما يمكن أن يدخل في عداد المونولوج الداخلي الذي ينطلق نحو الإنسان ذاته، بدءً من " علي " الذي يكابد سوء المعاملة من الصبر مبرراً لسلبيتهم إزاء أحوالهم السيئة ، وكذلك المعاملة الظالمة فيكونون بتحملهم هذا لا يقلون عن العجماوات التي تعجز عن الانتفاض على الاحتكاريين وظلمهم بما يستحق من الجسارة المشرفة والرفض الرادع، فالحوار والحالة هذه لا يندرج في ذلك النوع الذي جسده ذات يوم أنطون اتشيكوف عبر نصه المعروف وفاة بائع جوال ووقفنا على تأثيره في بعض الروايات العربية، منها على سبيل المثال قصة " الحياة تجرها عربة" للأديب الليبي البشير الهاشمي، وإنما هو الذي يرمي إلى إيقاظ الوسنانين من سباتهم في المغرب وعملته بالذات الذين لم ينتفضوا يومئذ على سراق جهدهم، فكان "علي" وأمثاله يبدون مسيرة وعيهم بداية من العمل في الطاحونة ثم الانتقال إلى مجال الدباغة تلك التي مع ما تدره من أجزل المردود على أرباب العمل فإنها بالمقابل لا تحقق شيئاً يذكر لأولئك الذين يقضون جل وقتهم في هذه الصنعة الشاقة التي تنجز بهذه الوسائل الأولية من نقع للجلود في الماء الآسن إلى إزاحة القشور بالأيدي إلى التجفيف بواسطة بثور الخشب الذي لا تتحمله الأيدي إلى السير على الأقدام من دون أحذية عند نشر هذه الجلود وتحمل أدى الأحجار المحرقة، على الرغم من أن العمل الذي يقومون به هو في ذات الصناعة، بالعامل علي وغيره يعيشون العذاب مرتين، حين تفرضه الأقدار أن يشهد ومن خلال العمل ما هم في أمس الحاجة إليه فمع طحن القمح دون حمل الدقيق إلى البيت ولا حتى الخبز، ومع دباغة الجلد مع المشي بدون نعال، بيد أن هذا الواقع المزري لا يذهب سدى، فعبر هذه المعاناة المهنة وهذه المكابدة الشاقة يبدأ الوعي فيتشكل داخل عقلية الشاب ومن كان في رفقته ما أنتج تلك المفارز التي شرعت في تنظيم صفوف العمال في بعض النقابات التي ما لبثت أن صارت جزءً من الحراك السياسي الذي مثلت "فاس" أحد مراكزه المؤثرة بما توفر لها من مقومات القيادة القديمة والجديدة، وهو وعي لم يتكون بين يوم وليلة ولا بمعزل عن غلظة أرباب العمل الصغار، فمن لم يكن لهم من الكابح ما يحد من ظلمهم الذي لا يتوقف عن الإساءة تلو الإساءة لهؤلاء الذين تضعهم الأقدار بين أيديهم فيوظفون لديهم قوة عملهم فلا يكون لهم من شاغل سوى المزيد من الاستغلال والمزيد من الإغلاظ  في القول بل والضرب باليد، لا فرق بين دار الدباغ التي وفد إليها " علي " أخيراً أو الأخرى التي كانت بداية حياته " طاحونة المعلم عبد القادر " فكان أن أثار الواقع هنا والواقع هناك ما بدأ يساور العملة من الأسئلة المنبثقة عن واقعهم السيئ أن في عدم قدرة الأجرة على توفير الاحتياجات الضرورية , وعدم وجود أي وقت للراحة التي تسهم بالعلاج عند المرض الذي قد يطالهم ومن حولهم من الأمهات، فيكون هذا الواقع في عمومه محفزاً لعلي ومن حوله من العملة إلى الحديث عن ضرورة الاستفادة من تقاليد أصحاب العمل أنفسهم وما يلاحظ عليهم من دوام التلاقي والتشاور الذي تشي به أنواع التعاون الملحوظ وكذا شيوع التضامن الظاهر، فتتحول لقاءات دار الجلد بالنسبة للعمال إلى حديث لا يتوقف حول وجوب التعاون وكذا التآزر بين هؤلاء العاملين لما ينتج عن ذلك من تصليب عودهم ورفع سقف مطالبهم أمام هؤلاء الذين يقتاتون من فائض قيمة ما ينتجونه كعمال، فيتخلق ذلك الحوار المتعلق بحجم المعاناة التي يعيشونها وما تؤدي إليه من زيادة في مستوى الوعي المرة تلو المرة حتى أن احتفالات مولاي إدريس التقليدية في مدينة فاس وما يرتبط بها من الموائد الغنية بأشهى المأكولات وفوائضها الكثيرة التي عادت ذات يوم إلى بعض البيوت ومن بينها بيت علي وبالأحرى لوالدته، فإذا بعلي هذا لا يتردد في الإعراب عن مشاعره نحو فداحة الظلم المتعلق بالتوزيع، إذ أن أولى الجاه أكثر من غيرهم حظاً من هذه وغيرها، ممن لم يكن لهم من مبرر لما توصلوا به سوى ما جبلوا عليه من الفهلوة، مما يجدد الكثير من صفحات الرواية تحمل التفاصيل الضافية والرامية بدون شك إلى تعميق الوعي بصدد هذه المفارقات لتكون المواقف من الصراع أكثر إيجابية .

لقد تطورت شخصية علي وهو يواصل مشواره في العمل عندما وجد فرصته في مصنع الجلد بدل الاكتفاء بدبغ، كما استشعر ذات المشاعر وهو يعمل في مجال النسيج ويحمل أكياس القطن والخيط بعد أن كان يقضي الساعات الطوال في تلك المواد البدائية النتنة وهو يقتات على الدبغ، فقد أصبح عاملا مهنياً بعد أن كان دون ذلك، ومع أنه قد أفلح في أن يدفع العمال إلى البدء بالصلاة على النبي وهم يفتتحون يوم عملهم طبقاً لتقاليد المسلمين، إلا أنه لم يتردد في المسارعة بتعلم اللغة الفرنسية كي يخاطب بعض المسئولين الفرنسيين بلغتهم وهم الذين كانوا يشرفون على هذا النوع من المهن، وقد تزامن من ذلك كله مع الانغماس في النشاط النقابي والمشاركة مع الآخرين في حركات الأحزاب الذي ما لبث أن طرق الحياة الاجتماعية الجديد، وانصرفت إليه بعض المجموعات العاملة، على الرغم من شدة المفارقة التي بادرت بها القوى القابضة والمقتاتة على ظلم العمال وحرمانهم من أي شرط من شروط الحياة السليم . لقد اكتسب علي ثقته بنفسه كعامل صاحب اختصاص غير أنه ظل يكابد النظر إليه كعامل من الدرجة الثانية لأنه مغربي و المسؤولة عنه إدارياً وقد كانت تعطف عليه بعض الشيء فرنسية ، لأن الناس في هذه المرافق يعاملون على جنسياتهم وكان ذلك يثير لديه شيئاً من التحرج وهو تحرج تضاعف عندما كان يفكر في وجوده تحت إدارة امرأة (مدام باوليني)، لقد أتاح له هذا المنعطف الانفتاح على آفاق جديدة بها الكثير من الفاعلين والكثير من التطور في عديد المستويات مما رفع من درجات وعيه وفاعلية موقفه، ولكن في الحد الأقل من الناحية الفنية بحسب قراءة الزمن الذي شهد طباعة هذه الرواية، وما ذلك إلا أن الأستاذ غلاب الذي عانق الحياة في العشرية الثانية من القرن الماضي وانخرط مبكراً في العمل الوطني المغربي ما كان له أن ينشغل بأكثر من مخاطبة مواطنيه في المغرب بما توصل إليه من الاستيعاب للنصوص الإبداعية العربية والعالمية، فهو أولا وأخيراً معني بمخاطبة أهله ، وأهله سيقرؤون له على أي صيغة كتب ، ما بالك أنه لم يخفق في إنجاز نصه التسجيلي والمنحاز إلى الوطن الذي كان في مقدمة من لم يتخلفوا يوماً عن تقدم صفوفه.إنتهى



______________________________


"مقاربة لرواية شيكاغو"

لعلاء الأسواني

أمين مازن

 

تفصح رواية " شيكاغو " للروائي المصري علاء الدين الأسواني عن مقدرة غير قليلة على تحقيق أعلى مستوى من التوازن بين حسن اختيار موضوع النص الى جانب الإجادة في تناوله، وهو ما يوصف بحسب أشهر مذاهب النقد الحديث قوة المضمون، وان ذلك ليتجلى من خلال حركة الشخصيات الروائية التي افلح الروائي في انتدابها، لكي يبلغ عن طريقها ما رام تبليغه الى أولئك الذين استهدفهم بخطابه وراهن بالضرورة على كسبهم لحمل ما اعتبره أولوية من أولوياته ، بحيث لا يلوح في ثنايا هذا النص ما يمكن ان يشكل صدمة لذائقة الملتقى جراء فجاجة الإقحام المتعمد او التدخل القسري، من حيث مسيرة الشخصيات المختارة وانسجام الأحداث المرتبطة بها ومن ثم تحقيق المبتغى من وراء الكتابة، إنها العيوب التي كثيرا ما يفاجأ بها قارئي النص الروائي او بالأحرى الردى منذ أن صار هذا الفن أكثر الأجناس الأدبية إغراء لمستهلكي الأدب ومنتجي الأدب ، وهم ينوءون بأزمات الحياة وأسئلة العصر ويتحسسون طريقهم نحو الخروج منها وفي شيء من الشعور بالانتصار عليها من خلال حركة النماذج الروائية ، المؤمل منها ان تنوب عن فتح الأدب وما يرمى الى تسويده من قيم وممارسات ونظم وسياسات ، وأفكار واتجاهات عبر الصراع الأبدي بين من يملك ومن لا يملك ومن يستطيع ومن لا يستطيع ، وهي المهمة الوطنية التي تمثل الرسالة الحقيقة للأدب ، ومن ثم دوره في معركة الحياة التي لا تعرف التوقف وكان الأدب وما يزال في مقدمة أسلحتها وأقوى دفاعاتها.

لقد اختار علاء الأسواني ولاية شيكاغو الأمريكية فضاءً لنصه الروائي هذا مكرسا لذلك تجربة عدد من المهاجرين المصريين الذين تهيأ له التقاؤهم في تلك المدينة التاريخية الضخمة التي كونت ولاية كاملة من الولايات الخمسين تلك التي لا يقل حجم أي منها عن حجم الكثير من شهيرات دول العالم ، و كان جميع هؤلاء قد حل لغرض الدراسة وفي تخصصات علمية ، لم تكن لندرتها معروفة لدى عامة المصريين وربما خاصتهم أيضا ، ألا وهو علم الأنسجة ، ذلك الاختصاص الذي أصبح في دنيا التطور العلمي يمثل المحور الرئيسي لكل أنواع العلاج ، ولأنه كذلك بات من الضروري أن تبدأ العملية السردية لنشأة هذا العلم ، وإنعاش ذاكرة الملتقى بشيء من تاريخه على بد أحد العلماء الايطاليين من رأت الأمانة العلمية أن يقوم تلك الولاية ان يضعو أشعارا يعترف له بالبداية وتضمين هذا الاعتراف بعهد ينص على مواصلة المشوار ، والدلالة في هذا الصدد ودون أدنى شك شديدة الوضوح من حيث توفر المناخ العلمي المحفز للجميع ، بدليل ان ناجي عبد الصمد احد أبطال هذه الرواية وبعد ان ضاقت به السبل في مسقط رأسه وما تخلل رغبته في مواصلة الدراسة العليا وتعرضه لبعض المصاعب جراء ميوله اليسارية ، لم يجد سوى ولاية شيكاغو و فضاءاتها العلمية لمواصلة دراسته المنشودة ، فيما تكون المفارقة متمثلة في ان تأتي الصعوبة عن طريق الذين وصلوا في وقت مبكر من أبناء وطنه ، أولئك الذين جرفتهم المتغيرات التي طالت الحياة المصرية بركنيها السياسي والاقتصادي كنتاج للتجربة الناصرية ورؤيتها المناقضة لبعض الطبقات ، من صار أبناؤها لاحقا يمثلون ما يمكن وصفه بالطابور الخامس الذي جعل مهمته قائمة على الحيلولة دون أي شيء جميل ، وحسبك ان يكون أول المعترضين على قبول ناجي عبد الصمد هذا وهو ينزح الى أمريكا ، هو صلاح المصري المهاجر الذي حط رحاله في تلك الربوع قبل أربعين سنة من مجئ ناجي ورفاقه وحصل على الجنسية الأمريكية شأن الكثيرين من أمثاله الذين كان جواز مرورهم نحو هذه الجنسية متمثلا في الزواج من إحداهن ، اللاتي كثيرا ما يلتقيهن أمثاله كيفما اتفق ويرتبط بها كيفما تشاء ، في نفس الوقت الذي يكون على رأس المتحمسين لقبول ناجي هذا عن طريق الذين حاربوا في الفيتنام ، فادى بهم موقفهم ذاك ولمجرد ان أدركوا فداحة ما خسروه ان يكون تعويضهم متمثلا في إقامة تجمع هدفه التصدي لكل حرب يمكن ان تكون مثل تلك الحرب ، وكانت من ثمة في إقامة تجمع هدفه التصدي لكل حرب يمكن ان تكون مثل تلك الحرب، وكانت من ثمة مواقفهم المشرفة كرعاية الطلبة والحدب عليهم والحرص على رفع مستواهم دون أي شكل من أشكال التفريط في الأمانة العلمية على نحو ما حصل لطارق حسيب الدارس المتفوق عندما منى بحالة من الإحباط في المراحل الأخيرة في مصر من عجزه عن تحقيق التلاؤم اللازم بين المتاح والمطلوب وبالذات حول علاقته بشيماء مجدي زميلة الدراسة وضوح الكفاءة العلمية ، مع الفارق الاجتماعي ، في حين نرى عميل المباحث احمد دنانه ، يصل به الانحطاط الى الحد الذي يجعله يسعى لزوجه كي تختلى مع صفوت شاكر، عندما اختلق هذا الأخير وظيفة دبلوماسية أملا في ان تكون عربون الوصول الى المطلوب ! فلا يظهر على احمد دنانه أي حرج وهو يلتقي المعلومة من المرآة في حيث يكون لهذه الموقف المختلف والمعبر بصدق عن الروح الشرقية وما يتميز به من اندغام في الذات الإنسانية وتعبير عن سموها.

وعلى الرغم من مستوى الإمتاع في هذا النص الروائي يبدو شديد الوضوح إلا أن القراءة الأكثر تأنيا قد تغض الى القول بوجود الموقف المسبق لدى هذا الكاتب ، او بتعبير أدق حدة هذا الموقف ، على اعتبار ان كل كتابة أدبية يستحيل ان تتخلص من مبدأ القصدية ، وبالتالي فإن السؤال الأساسي هو ذلك الذي يتعلق بحجم المقدرة الفنية الكفيلة بالتخفيف من هذه القصرية ، وبالتالي فان السؤال الأساسي هو ذلك الذي يتعلق بحجم المقدرة الفنية الكفيلة بالتخفيف من هذه القصدية.

وذلك من خلال التخفي – ان صح التعبير – بين السطور ، وفي هذا الصدد يبدو نص الأسواني من النوع القائم على الخطوط المتوازية والنهايات المرسومة في أكثر من موضوع ، إذ كل شيء اعد بعناية ، وفي ما يحيل الى شيء من الحيادية والأمان وبالتالي للمفاجأة ، بل لعل المفارقة كثيرا ما تبدوا وكأنها قد أعدت سلفا كل حسب انتمائه الفكري ، وربما عمقه الروحي أيضا ، فلقد آل زواج صلاح الى أزمة بلغت أوجها في الانفصال ولجوء الزوجة الى ممارسة الجنس عن طريق الشذوذ الذي صار شائعا في ذلك الزمن وذلك الواقع.

كما انتهت علاقة ناجي باليهودية ويندي بوقوعه في فخ المخابرات العامة الى الحد الذي أتاح لصفوت بك ان يجيز لنفسه دخول بيت دنانه أثناء غيابه ، كما تحولت كريمة رأفت ثابت الى دنيا الإدمان وتكون النهاية في الانتحار ، الأمر الذي يمكن معه القول بأن هذه النهايات التي طبعت مسيرة الشخصيات هي نتاج الأحكام الجاهزة فقد حشدت لإيصال من سبقت من أجله بأكثر ما تفضي به ضرورات النمو الفني والأكثر قربا من طبيعة الحياة العادية ، وهو ما يمكن استشفافه من بين السطور المختارة لجلال أمين على غلاف الرواية حول ما اسماه نبل المعنى الذي افلح علاء الأسواني في الوصول إليه عبر جودة الفقرة وحسن التشويق فضلا عن المهارة او الشطارة – بحسب جلال أمين – فصار الأسواني جديرا بتزكية اسم مثل اسم جلال أمين ، وهو الذي كان قد فقدها في أعمال كثيرة يمكن للمرء ان يدركها ضمنا ، مع الملاحظة ان لنبل المعنى أكثر من تعريف لو شئنا التدقيق ، و الأمر ذاته بالنسبة لحسن القصيدة بسبب بسيط هو ان الحياة فيها جميع هذه الممارسات التي افلح الأسواني في استدعائها ، ولكن ليس من خلال الواقع المعيشي الذي لا يقبل التحرك بواسطة المسطرة بقدر ما هو نتاج العفوية وتداعي الأفكار وربما تناحرها أيضا.

غير ان ما نستشعره من الاختلاف والتقاطع في مجال القراءة وأفعال التأويل هو قبل غيره الذي يوفر لرواية الأسواني هذه " شيكاغو " أحقية ان تكون في مقدمة الروايات العربية التي أسهمت في أغناء المدونة الروائية العربية الحديثة عن جدارة واضحة واستحقاق ملموس ، ليس من اجل ان تبقى النصوص كتبا تقرأ ويكتب حولها ما يكتب ، وإنما ذلك هو المهم لكي تتحول الى أعمال درامية تتولى بثها القنوات الفضائية التي طالما مثلث طموح منتجي الأدب كما هو الحال في رواية شيكاغو هذه وهي تضم بنقل عوالم ذلك الفضاء الكبير وقدرته الفائقة على التأثير في مسيرة الشخصيات التي اختيرت عن ذكاء وصورت عن قدرة ، وتوفر لها كل ما يمكن ان يثير القارئ وكذلك المشاهد ، فمن ناجي حل هناك في حقبة ستينيات القرن الماضي فرارا من التطبيقات الاقتصادية التي تبنتها التجربة الناصرية متمثلة في تأمينات المختلفة وطرائق إدارة الملكيات التي طالما تلك الإجراءات ولاسيما تلك التي بلغت ذروتها عقب انفكاك الوحدة المصرية السورية حيث ألقيت مسئوليتها بالكامل على الرأسمالية السورية وما أطلق عليه الشركة الخماسية والتي كانت الى ما قبل الانفصال موضع ثقة اكبر الأطراف وأكثرها أمان بالقرار بين الإداري و المالي وغض النظر بالكامل عن السياسة العامة التي طبقت في سوريا دون ان تعبر أي اهتمام لاختلاف الظروف وطبيعة التكوين ، واتى بلغت ذروتها في صم الأذن عن أي ملاحظة من ملاحظات الناس و ما كان يسودهم من تململ جراء استشعارهم لتهميش وسوء المعاملة واعتبار التجربة الوحدوية وكأنها المنفذ الذي لا بديل له والمكلف بالنيابة عن الناس جميعا.

فيكون ذلك كله محور نقاش بين ذلك المهاجر من مصر من الذين حلوا بأمرين من بعده ، فيصار الى معارض لا يبدي من الجهد ما يزيد على حديث الصالونات ، وبالكثير برجوازي صغير تخذله إرادته عن الإسهام في أي موقف جاد لتأتي بعد ذلك النهايات المعبرة عن أزمة هؤلاء فاقدي إرادة التحرك ، ويكون الانتحار في أحيان كثيرة هو الحل الذي لا بديل عنه والذي يجمع الكثيرون على وصفة بالجبن اللهم إلا في لحظات الحرب وخياراتها الخاصة ، ولا تلوح سوى السلطة الأمنية ذات النظام الصارم المصر على الإمساك بكل الخيوط دونما إدراك لاستحالة ذلك في نهاية المطاف.

تتوفر الرواية على قدر غير قليل من التشويق المتقن ويتحقق لها قدر كبير من حسن اللغة ، وبالجملة فيها كل ما في الأعمال الروائية المصادفة من ربط بين صاحب الموقف غير السليم ودمامة الخلقة وسوء الشكل ، كما لو كان كل من تختلف معه في الهدف او الموقف السياسي لابد ان يشذ في الحياة عن المألوف ، ولان هذه الملاحظة لا تنحصر في رواية الأسواني دون غيرها فمن اعتبارها كان لم تكن ، وتبقى " شيكاغو " إضافة من إضافات علاء الأسواني الجديرة بالإشادة الوافرة والاهتمام الجاد والتقدير الكبير.إنتهى


_____________________________


شريد المنازل

للروائي اللبناني جبور الدويهي

أمين مازن

 

تزخر رواية جبور الدويهي هذه بكل ما يجسد عمق تمثلها للواقع اللبناني في العشرية الاخيرة من خمسينيات القرن الماضي ، عشية امتحان لبنان المستقل باندلاع الحرب الاهلية التي طالت خصوصية ذلك البلد والذي اقتضى شرط مولده ان يقوم على مبدأ التوافق السياسي، باعتباره الكيان الذي اريد له أن يمثل البديل عن كل ما كان يفتقده الوطن العربي من الحرية الاقتصادية المطلقة ومنتجاتها السياسية من انواع التفكير والتعبير، انه الوطن المتكون من بقية الاقطار التي ما لبثت ان تحولت الى دول مستقلة عقب الحربين الكونيتين وما ترتب عليهما من تسويات بشأن مناطق النفوذ واعادة التخريط، حتمت السماح بقيام هذه الكيانات التي اريد لها ان تكون شريكة لمستعمري الامس والذين وجدوا في مجموعة الاحلاف والمعاهدات التي ابرمت هنا أوهناك ما قدم البديل او لنقل المحافظة على نفوذ الامس مما دفعهم الى ابرام اتفاق لم يترددوا في الاعلان عنه والاصرار على التمسك به وهو عدم الموافقة على أي مساس بالحدود التي اعترف بها دوليا و التي هي بطبيعة الحال لم تأت من فراغ، وكان ان حكمت هذه الكيانات كل حسب النظام الذي رؤى اعتماده بواسطة العوائل السياسية او القبلية او الاثنين معا ليكون المنحدرون منها على راس هذه الكيانات، ففي تلك الحقبة من التاريخ حقبة الخمسينيات من القرن الماضي على وجه التحديد اندلعت الحرب الاهلية اللبنانية التي اتخذت من الصراع السياسي بين القوى المكونة لذلك المجتمع غطاء المتطاحن المربع بين الطوائف المكونة لذلك الكيان (( كيان لبنان )) والمعروفة بوثيق ارتباطاتها بهذا الطرف الدولي ( أذاك، ارتباط املاه الصراع المرير مع الامبراطورية العثمانية بدو من سبقها ايضا في حكم تلك المنطقة المشعة )، وذلك عندما تمزقت تلك الامبراطورية واجبرت على الخروج من الوطن العربي ولم تتردد في نهب ما استطاعت ان تنهب منه.

يعيد الحكي احداث ذلك الزمان الصعب الذي شهدته معظم بلاد لبنان الكبير، او سوريا الكبرى، أي التسميتين اخترنا الاخير، حين كان التسامح الديني هو الطابع العام لحياة الناس، ولاتكاد توجد حساسية تذكر بين الناس بين الطوائف التي يتكون منها ذلك المجتمع، ولا سيما بين مسيحي لبنان ومسلميه، الامر الذي جعل الشخصية الرئيسة لهذه الرواية تتأثر بعاملين رئيسيين، وبيتين متجاورين هما بيت العلمي الذي انحدر من صلبه الفتى والبيت الاخر الذي شهد النشأة، واضطلع بتوفير جميع الالتزامات التي طالما احتاج اليها في مختلف محطات عمره ومراحل تطوره الجسدي والتعليمي عندما اتخذت منه تلك العائلة الطفل المدلل وهو يقطع مراحل تعليمه بالدراسة وحدها وانما اضاف الى ذلك الانخراط في النشاط السياسي على اكثر من مستوى، عندما كان ذلك النشاط يسخر من كل تمييز ديني ينال من مصلحة لبنان ولا يرى في وحدته ومشروع تطوره الخيار الاول، فقد كان هم القوى السياسية الجادة منصرفا الى هذه التوجه حتى ان الفتى " نظام " هذا يترك المكان الخاص بتسمية الدين في بطاقة هويته خاليا من أي تصنيف وكذلك كان مسلكه، فقد كان بالفعل المسلم بالنسب، المسيحي بالعمادة، او كما تؤكد سيرته التي تقول انه دخل بيروت على سجيته، فصارت شقته التي استأجرها تجمعا لرفاق التنظيم اليساري الذي انخرط في حلقاته واسهم في مناشطه، ليدخل في علاقة مع الفنانة جنان التي لم يكن دافعها شخصيا بقدر ما كان كذلك بما كانت تنتجه من لوحات معبرة قوامه الفن الملتزم كثيرا ما عبر من تذوقه بشأنه من خلال تذوق الالوان والخطوط وما درج على الوصول منها الى عديد الدلالات، فإذا ما تفجرت بيروت تحولت شقة نظام هذا الى مركز من مراكز الثوار المسلحين، ولم يعد بالتالي يرى سوى القتلى المكدسين امام عينيه فيكون ابرز ابطال هذه الحرب وهذه الرواية. 

وقد كان محمود العلمي والد نظام قد عاقر الكتاب مبكرا عندما ترآى له ان يؤسس مكتبة يكون من بين ما تهدف اليه ترويج الكتاب كمصدر او باب من ابواب الرزق التي طالما استهوت البعض في ذلك الزمان، فتوفرت لديه تبعا لذلك انواع من الكتب الرائجة في عديد التيارات التي جمعت بين الثروة اللغوية والنزعة القومية، الى جانب الروايات العالمية التي ترجمت في تلك الفترة المبكرة من تاريخ الثقافة العربية الحديثة، وكان لها دورها في اشاعة هذا النوع من التفكير وتعميقه لدى الناشئة، وقد ظهر من خلال السرد اللاحق كيف كان لهذه الكتب دورها الحاسم في صقل موهبة وبالأحرى شخصية نظام هذا، عندما شاءت التطورات ان يتعرض لتلك المحنة التي طالت القوى التقدمية شيوخا وشبابا، وفرضت ضمن ما فرضت اقتياد نظام الى سجون القوى الانعزالية التي لم يرق لها الانخراط لبنان في مشروع القومي المعادي للاستعمار وثقافته المنحازة لكل ما هو في صف المقاومين للاحتكارات، عندما اخذت هذه تروج للتوجهات القائلة بأن من اهداف المعارضين للأحلاف الاجنبية والمتحمسين بالضرورة للوحدة الناشئة بين مصر وسورية، انه التيار الذي شهد طفرة غير عادية بسقوط العرش الهاشمي في العراق، واقصاء كل من كانوا من خلاله يدعمون سياسة الاحلاف وعلى راسها حلف بغداد، ويومئذ لم يتردد الغرب وهو يواجه تلك التطورات في النزول الى شواطئ لبنان وغيره من البلاد العربية، فشاعت يومئذ وجهات نظر تحذر من خطر توطين الفلسطينيين في لبنان وغيره من البلاد العربية مما جعل الانعزاليين يتخذون من مثل هذه الشائعات منازعة لإرهاب العوام ، لولا ان " نظام " و امثاله كانوا يسخرون من ذلك القول ويقابلونه بمزيد الاستخفاف وقبل ذلك الرفض، لقد افلحت حذاقة السرد وعمق استيعاب المرحلة في بعث شخصية نظام مثالا للقدرة الفائقة على تمثل الثقافات البراعة الى الاصطفاف الوطني، والرافض بكل الحدة، لجميع ما كان سائدا من افكار منهزمة، ولهذا يقف كل من يقرأ النص بتدبر على جدوى المسلك التحرري المتسامح في بناء الشخصيات التي بنى عليها النص، مما يجعل من نظام الذي يشيد السارد- وعبر تفاصيل مثيرة – بما توفر له من الوسامة التي جعلته موضع اعجاب كل من رآه من الجنسين، فيكون المنتظر منه دون شك أن بتقدم قائمة المرشحين للانهيار امام حملات الفاشيين الانعزاليين، فاذا به ينحى المنحى المختلف ويفاجئ كل من يقرأ النص بذلك الصمود اللافت، امام كل الحملات التي تعمدت النيل منه ومن يناصره من الجيلين، ولاسيما العنصر النسائي، منجده في هذا الصدد يكشف عن قوة تحمل شبه خيالية، وحتى في لحظات ميل الكفة لصالح الاعداد، يكون لألوان الفن، التي حفلت بها لوحات جنان ما يوجد ذلك الزاد، لذي يتناس في كل لحظة، مبشرا بالتحدي والاصرار  على مقابلة المصير بكل ما تنطوي عليه النفس البشرية من القدرة على الاحتمال ورفض الهزيمة ولو بالنظرة التي تقابل اخر الرصاصات فيكون وقعا على القاتل اقوى من رصاص الجبن، فلم يكن نظام المداوم على لقاء جنان بمرسمها والنظر الى لوحاتها مجرد عشيرا ولنقل عاشق يتواصل مع محبوبته، ولكنه ذلك الذي يزاوج بين رفقة الرأي ورفقة الجسد، حتى ليستحيل الترتيب حول ايهما يسبق الاخر، فاللغة في هذا الموقف لها دورها الخلاق الذي يعطي كل جملة ما لأحد له من الطاقات الروحية التي تتجاوز الملموس وان تكن قد عبرت عنه، ومن هنا رأينا نظام الذى كابدا الاعتقال والتعذيب واخيرا الموت لم يفقد طيلة القص حتى القليل من التماسك، بل لقد دفع الاخرين الى ان يوفروا له كل ما احتاج له النص من التوهج، ولاشك ان هذا المستوى اللغوي الجيد الذي امتاز به النص قد ساعد على استدعاء الصورة الكاملة لتلك الذكريات الجميلة الخالدة في الاحداث التاريخية والمتعلقة بتلك الحرب، الامر الذي نزه النص من نفيصة الاجترار المفتقد للحيوية جراء الانحدار نحو الحماس والتهريج وحتى السباب، فقد تكفل الاتقان الحرفي لدى الكاتب بأن جاء النص متدفقا عامرا بكل ما يثير عند الملتقى جذوة الحماس الصادق، ويحول دون استشعار الهزيمة الداخلية والتباكي المحزن، مما يجعل من وصف الناشر للرواية بأنها تستدعى القراءة التي لا تقبل التجزئة ولا ترضى بما سوى رفع الصوت، هو بحق قول في محله، ذلك انها تندرج في مدونة الملاحم التي تحرك الوجدان وتستدعي التفاعل الخلاق، والانحياز الصادق نحو هذه الشخصيات الحية التي ملأت بيروت ذات يوم، وكونت مع بلاد الشام جبهة عريضة امام مؤامرات المكتب الثاني ومن كان متضامنا معه من الانعزاليين والظلاميين الذين تنادوا لو أد الديمقراطية والتحضير لتلك الحقبة المظلمة التي ما لبثت ان سادت عقب تلك الحرب غير الاخلاقية التي ادت الى سلسلة الهزائم التي لم تعرف التوقف مرة الا وتنبعث من جديد، واذا كان الحوار حول جدوى الاحداث التاريخية في تحقيق القدر المتوضئ لحيوية العمل الروائي والتدليل على ذلك بواسطة النماذج المجتازة من النصوص او الاكتفاء بذكر العناويين، فلا شك ان رواية شريد المنازل هذه تصلح ان تكون على راس الشواهد التي تستحق الدراسة المنهجية القائمة على التفصيل والتأني ومن خلال الرؤى الاكثر حداثة والاشد معاصرة.إنتهى



______________________________


منينة بلانشيه

رواية موريتانية للكاتب و الروائي محمد ولد أمين

أمين مازن

   17-9-2016

في توازن ملحوظ بين إختيار الموضوع و الكتابة عنه، و على قاعدة أن موضوع الأدب و طريقة صياغته يمكن للمبدع أن يتوصل إلى المضمون الأجود، يفلح المثقف الموريتاني المعروف الأستاذ محمد ولد أمين، في إنجاز روايته - منينة بلانشيه - الصادرة ضمن منشورات دار الساقي، هي رواية تمكنت من قراءتها في الآونة الأخيرة و بالنسخة التي حملت طبعتها الأولى المؤرخة بالعام 2014. و قد جاءت خالية من أي إشارة حول ما إذا كانت الأولى في مؤلفات محمد ولد أمين أم أن له غيرها في دنيا المؤلفات، فقد وقفت صفحة التعريف عند القول بأن المؤلف كاتب و روائي و حائز على الماجستير في العلوم السياسية و الحقوق من جامعة لوفان ببلجيكا، و قد شغل من المناصب الإدارية وزارة الإتصال و العلاقة مع البرلمان، و وزيراً مستشاراً في رئاسة الدولة. و مع أنه في عداد الخبراء الدوليين في قضايا الأمن الإقليمي، إلا أنه إكتفى على ما يبدو أخيراً بمزاولة مهنة المحاماة في بلاده موريتانيا.

و أشهد أنني سُعِدت أيما سعادة بقراءة هذه الرواية الممتعة عندما وجدتها في الركن المخصص لجنس الرواية في مكتبة الفرجاني الجديدة التى إفتتحها منذ مدة في شارع ميزران الشهير بالعاصمة، تلك المكتبة التي أعادت إلى الذاكرة الثقافية إسم المرحوم محمد الفرجاني ذلك الرجل الذي بدأ مشواره من الكتاب "بيع و نشر" و الصحف و المجلات في مطلع النصف الثاني من القرن ىالماضي، إذ كانت المجلات المصرية حتى ذلك التاريخ من مشمولات آل المشيرقي.

ففي تلك الأيام كان محمد بشير الفرجاني  أحد مُدرسي الضهرة الذين إستهواهم النشاط النقابي شبه السياسي و الذي كان من بين العاملين فيه أمثال المرحومين سالم شيتة و محمد دخيل و محمد بوزيد الشريف و محمد بشير الشريف، فتطور الأول إلى أن قاد الحركة العمالية على مستوى البلد و إنصرف الآخرون إلى أنشطة أكبر، و ذلك بعد أن ضم أربعتهم المجلس التشريعي لولاية طرابلس الغرب في هيئته الثالثة، حيث شهدت قاعة ذلك المجلس أحد المناقشات التاريخية، كشئون الصحافة من خلال المجلس التنفيذي الطرابلسي لصحيفة الليبي الشهيرة و العمل النقابي من خلال طلب للمناقشة أفاض فيه المرحومان على الديب و سالم شيتة، و لم يتحرّج هذا الأخير من صب جام غضبه على المحامي الإيطالي جيبيلِّي أحد الياساريين الإيطاليين الذين بادر بتصفيتهم الإنجليز تحسُّباً لأي جهد من شأنه تخفيف الحساسية بين الليبيين و الإيطاليين في دولة الإستقلال و من موقع دعوة الإيطاليين إلى الإندماج في الواقع الليبي الجديد و الذي من أول شروطه إستنكار جرائم الفاشيست و هو ما حاول الإنجليز الحيلولة دون إيجابياته. و هذه على أي حال إستطرادة أملاها هاجس التاريخ الوطني و ما يبعثه عادة في النفس من القدرة على تجاوز لحظات اليأس و مشاعر الإحباط لرداءة الحاضر، و الذي كان من أول عوامل تغوله لاحقاً هو ذلك الإنصراف المبكر لتلك الأسماء و غيرها عن الشأن العام و ركونها إلى النشاط الخاص القزم و الذي لا يقضي عليه شيئ أكثر من عدم الإهتمام بما يحتدم في الحياة من صراع بين مختلف القوى السياسية و إتخاذ موقف أكثر إيجابية بشأن المستقبل إذ لو حدث ذلك لما قُدِّرَ للتسيُّب أن يطال دولة الإستقلال.

و من الواضح أن المؤلف، حين لم يدون في كتابه هذا تعريفاً عن سابق مؤلفاته، سرداً كانَ أو دراسة، شِعراً ربما أو قصة، إنما أرادَ أن يترُك نصه الروائي هذا يتقدم إلى قارئه مباشرة، ثقةً منه بدون شك أن مثل هذا المنحى، سيتكفل بتقديم مؤلِّفه و ما عساه أن يكون له بعد ذلك من مؤلِفات فالمثل دائماً يُضرَب بالمفرد. و الحق إن القراءة هنا تؤكد من البداية لمن يُحسن القيام بها وجود كاتب واضح التمرُّس و في مجال الرواية على وجه التحديد، على قاعدة أن الرواية عندما يطرق المبدع بابها عن وعي لن يعجز عن تبليغ متلقيه بكل ما يطمح إليه من إكمال شروطها، إن لم يكن في حدودها القصوى ففي الدنيا منها على الأقل. و إذا ما إعتبرنا  أن من معايير إكتمال الفن القصصي تَحَقُقْ المتعة كَمُحَفِّزْ على القراءة، بما يتوفر من سلامة اللغة و قوة التشويق و إغتِناء المُخيلة، و ما ينتج عن ذلك من إمساك بيد القارئ و دفعه إلى متابعة الأحداث و مسيرة الشخوص و قوة تعاملهم مع بعضهم بعضا، تناقضاً و إنسجاماً، صوتاً مفرداً أو أصواتاً متعددة، حضوراً أو غياباً فمن الممكن القول إن الرواية جاءت بكل ما هو قادر على الإثارة المُحَبّْبَة، فقد كانت " منينة " التي هي مركز الحدث قوية الحضور، بدايةً من جانبها الأسطوري كشاهدة من الشواهد العظيمة على الشخصية النسائية الموريتانية و قد نقول المغاربية و ربما الإفريقية عامةً حين أجادَت التعامل مع مِحنة الوجود القائم على التعامل مع الآخر الغازي و ما رافق وجوده من الإبتلاء الذي طالما حاصر الذات و فرض عليها أن تتعاطى مع الكثير مما نكره. و لكنها لم تعجز عن التملُّص من الوقوع في كل ما هو مكروه، فتخرج بأقل الخسائر و ربما دونها بالكامل على الأصح ليسوغ القول، و ربما بواسطة بعض الإقتباسات التي قد ندونها لاحقاً.

إن كاتبنا قد أفلح في توظيف مخزونه التاريخي، التحريري منه و الشفوي، و ليس من المستبعد أن يكون قد أضاف إلى عمله من مخيلته أيضاً، و لا حرج عليه في ذلك، فهو بصدد إنتاج نص يهدف بواسطته إلى ترويج ما يطمح لترويجه من الرؤى و الأمر في هذا الصدد لا يتعلق بما يجب و ما لا يجب، فالتبليغ لدى الكاتب المُتمكِّن لا يدخل في التمنيات و لا حتى الهتاف و قبل ذلك المشاعر، إذ النص هو سيد الموقف و مما لا شك فيه إن الكاتب بإختياره لضمير المُتكلِّم في البناء العام لنصِّه وُفِّقَ أيما توفيق من حيث السيطرة على الحدث، إذ تماهى السرد مع السيرة و كادت منينة أن تتحول إلى والدة حقيقية و ما ذلك إلا لِمَا تَحَقّقَ لِلُعبة السرد من إستشعار الجدوى و لا عجب فمحمد ولد أمين الذي هو على هذه الصفة الإعتبارية في مجال الممارسة الحياتية و المقدرة الأدبية لا يملك إلا أن يوظف قلمه على هذا المستوى من الصدق و الجراءة و الإصرار على إدانة سلبيات ذلك المجتمع الذي لا يتحَرَّج من التفرقة العنصرية و من المجاهرة برفض كل أشكال الموروث الشعبي فضلاً عن النزاع الذي ذكره التاريخ الموريتاني حول ملابسات منينة بلانشيه و كيف عُرِفَت بهذا اللقب و ما ترتّب على ذلك من الخصام الحاد حول الراوي الذي هو إبن منينة و ما تجرّعه من كؤوس المرارة بين نسب العرق و نسب الرعاية و كيف رضىَّ كل طرف بما كان في حاجة إليه من ذلك الإنسان و الذي كان شغله الشاغل هو الوقوف على حقيقة وجوده إنطلاقاً من غياب أُمه، حتى لنراه لا يتحرّج من اللجوء إلى الطب النفسي و ما يتحقق له من تطور و قدرة على إقناع المُتلقي و هو ما لم يَرُق لمدرسة فكرية أخرى أفلح السارد في إستدعائها مُجتمِعة لتوصيل ما رام إيصاله من المعاني و ما يتبنَّاه من المواقف، و لا سيما بصدد الفوارق الطبقية التي تُثبِت الممارسة المعيشة زيف كل ما تلفظه الألسنة إزاء ما تقترفه الجوارح من أفعال سُوء مُتعمَّدة، نحو الطبقات الشعبية المسحوقة تحديداً، و على قاعدة ألا حكي لأجل الحكي و لا إمتاع لأجل الإمتاع، و لكنها الدلالة التي يحققها الحكي المُجَوَّدْ و يوُحي بها الإمتاع الناضج فإن المثقف الموريتاني يتمكن من التعبير عن طيف من أبناء موريتانيا ما يزالون يكابدون مِحنة التفرِقة و يدفعون ثمن غياب العدالة، ليس من أجل فعل أقدموا عليه و إنما من حقيقة كونهمم ضحايا أولئك الآباء غير المنصفين لذويهم، بل و المستفيدين من مأساتهم وجوداً و بقاءً كهذا الذي نقرأه عن مواطن يحمل إسم جوزيف في ذات الوقت الذي هو بَيولوجياً كما يقول الراوي أحمد، و ما ذلك إلا لأنه كان ذات يوم مصدر رزق لأولئك الأهل الذين أدركوا مِحنة منينة التي حملت لقب بلانشيه، و أفلحت في إمتهان التجارة و إستطاعت أن توفر ما جعلها تملك الأرض التي بُنيَّ عليها مقر رئاسة الدولة، و لكن هذه الحقيقة ما كان لها أن تكون و بالأحرى تُعرَف و يتم البوح بها لولا خضوع الضحية لتلك التجربة الطبية المريرة التي جمعت بين تجربة الصوم و قوة التركيز، و إهتدت في النهاية إلى ما إهتدت إليه من تفاصيل مُثيرة لم يتردد الكاتب من التصريح بها دون أي مواربة "أحسست بالحزن الشديد و لقد كُنت و ما زلت محلّاً لخلاف قانوني بشع حمل إليّْ الكثير من إزدراء الناس و إحتقارهم، و كيف لا و أنا إبن الغرابة الأول و نسل الفضيحة بإمتياز" ، "المصالحة ألا أخلاقية و ألا شرعية جعلتني شخصياً غريباً و مُمَزقاً نفسياً، و قد تلقيت إثرها تربية مؤسفة و قاسية حيث عهد لي المُدعي الموريتاني إلى والدته أي جدتي البيولوجية، و لا أظن أن التنازلات الفرنسية التي تشبه حالة تفريط بحقي كمواطن فرنسي كان من الممكن أن تقع لو كان في فرنسا و الفرنسيين ‘حساس عائلي بالمعنى الأفريقي للكلمة" "24..26".

صحيح أن المقاربة النقدية الأكثر سطوة في ثقافتنا العربية اليوم سترى في ما حمَله النص من محاضر قانونية و أحكام قضائية جنوحاً إلى دنيا الوقائع التي قد تقلل من القيمة الإبداعية، بإعتبار العمل الروائي في مسعاه للتألّق يعتمد المخيلة، و إن مثل هذا النوع من التضمين و إن لم يكن قائماً على النقل الحرفي إلا أنه سيذهب بالقارئ مثل هذا المذهب. بيد أن هذه المقاربة لن تصمد كثيراً أمام ما دأبَ على الجهر به في العقود الأخيرة من أن الإبقاء على الشكل الروائي الذي سادَ أدبُنا العربي منذ النصف الثاني من القرن الماضي قد تسبب في شيئ من السكونية إذ كان من المفروض أن يبقي السرد العربي الذي بدأ به القدماء و حفظه لنا موروث ألف ليلة و ليلة في دائرة التجريب أو التطوير و ليس الخلود إلى النص الذي ساد مدونتنا لأن ذلك يعني أن مدونتنا تكتب رواية أوروبية باللسان العربي و هو ما تَفطَّنَ إليه كُتَّاب أمريكا اللاتنية، بمعنى أن محمد ولد أمين ربما يكون قد وضع في إعتباره مثل هذا الجدل الدائر حول الرواية كَفَنّْ إستطاع بواسطة هذا النص أن يدخل مدونته المغاربية بجدارة.إنتهى



_____________________________


إمرأة أعمال..رواية مغربية

بنسالم حميش

 

أمين مازن

ربما يكون مصطلح (( امرأة أعمال )) الذي اختاره المثقف المغربي المرموق  بنسالم حميش ليكون عنوانا لأحدث رواياته التي صدرت في مطلع هذه السنة ، ونشرت ضمن منشورات (( دار الشروق المصرية )) اسما غير مسبوق في أسماء الكتب العربية ، على الأقل بالنسبة لي شخصيا ، اذ انه بالنسبة لمعلوماتي المتواضعة عن عناوين الكتب يمكن ان يكون كذلك . على ان هذه جزئية ليست ذات بال بالنسبة للتعاطي مع النص ذاته لان هذا الأخير هو سيد الموقف ومعيار الفصل إزاء ما يكن ان يقال عن الكتاب ومن الكتاب أي الموضوع والمحتوى .

أمــــا التعريف المكثف الذي أثبته الناشر على صفحة الغلاف ، حول حيثية حميش الذي يكتب بالعربية والفرنسية في البحث والإبداع والتدليل على هذه الحقيقة بكشف حوى مؤلفاته في اللغتين ، وكذا ما خظيت به بعض مؤلفاته من الاحتفاء . فرواية مجنون الحكم اختيرت من طرف اتحاد كتاب مصر ضمن أحسن الروايات المائة التي ظهرت في القرن العشرين ، ، اما الجوائز التي نالها عربيا وفرنسيا فهي حسب الصفحة المذكورة : الناقد لرواية الأطلس الكبير . نجيب محفوظ من الجامعة الأمريكية بمصر ، الشارقة لليونيسكو ، نجيب محفوظ لاتحاد كتاب مصر . ميدالية تنويه من جمعية الأكاديمية الفرنسية للفنون والادل . الجائزة الكبرى لأكاديمية تولوز الفرنسية .

والحقيقة ان بنسالم حميش من الوجوه الثقافية الحاضرة بقوة في المشهد الثقافي المغربي خاصة ، ومثل ذلك العربي وحتى الدولي مما هيأ له على الصعيد السياسي ان يتقلد منصب وزير الثقافة المغربية . وهو منصب له مواصفاته في دولة المغرب المشهورة بنظامها البروتوكولي الصارم في الكثير مما تقرر حول المواقع وشاغليها اذ لابد لهؤلاء من هوية سياسية ذات أثر او حياد له وزنه عند اللجوء الى معسكر المحايدين .

لقد حرص المؤلف ، اذ صدق الظن على توكيد انحيازه او لنقل موضوعيته إزاء النقلة التي شهدتها المغرب من متغير نتج عن حركة العشرين من فبراير عبر عنه سلوك الأجيال الجديدة في المغرب ، تلك التي لا تخفي ما لديها من مشاعر الخيبة الكبرى من سوء أداء الكثير من القيادات السياسة ووسائلها المتمثلة في الصحافة والتنظيمات المتعددة ، فاتخذت من شبكات التواصل الاجتماعي بديلا جديدا بثته ما لديها من صنوف الخيبة والحزن والغضب في النهاية ولا سيما تغول البطالة الناتجة عن التقنية التي لم تعد تسمح للفقراء من الناس اية فرصة للعمل ولو كان على هيئة حراسة بسيطة لمركبات الميسورين اذ لم تعد من حاجة إليهم في زمن الأجهزة الاليكترونية التي توقت زمن الوقوف وتضمن كذلك السلامة ، فعمدت الى توحيد صفوفها وتصليب مواقفها الكفيلة بصون مصالحها ولو كان على هيئة إتلاف للآلات الجديدة التي أقيمت في موقفات السيارات باعتبار هذه الآلات تمثل نوعا من الاحتكار المؤثر في قوة العمل كما هو حال التزايد الذي جعل منه الكاتب مستهــلا لنصه الروائي هذا ، حيث بدا على هيئة معتوه او درويش بالكاد يثير الشفقة ليس غير ، في الوقت الذي كان هو احد العناصر الفعالة في حركة العشرين من فبراير الذين طالما أنجزوا مفردات خطابها التوعوي وشعاراته الحازمة ، والمصرة على سلمية التحرك وصراحة المطالب والحذر كل الحذر من أي عنصر تفوح من ممارسته رائحة الطموح الزعامي الذي طالما ابتلى به التاريخ المغربي الحديث ، حيث لم تتفق معظم الرموز على شيء مثل اتفاقها على سرقة القوى الحقيقية المناضلة من يمين ويسار على السواء . هي سرقة طالت الماديات مثلما امتدت الى المعنويات ، مما حدا بالقوة النامية الى عدم السماح لأي فرد كي يتضخم على أي مستوى ، فكانت هذه الاستمرارية اللافتة والتي أفلحت في المزاوجة بين القول والفعل ، بل لعل هذا الأخير ان كان اكثر وضوحا في الممارسة اليومية ، كما ظهر من سلوكيات الزايد وتضافر أقرانه معه أولئك الذين شتوا تضامنهم بتصحيح اسمه لينطق (( زيد )) وليس (( الزايد )) وافرحون بدلا من محزون ويوائم هو من جمعته بين ميله الداخلي نحو صاحبته الوكالة والتعبير عن ميله هذا بتلميع سيارتها بل وتقبيلها ، غير منتظر من المالكة أية أعطيه تزيد على حقه ، ويذهب الى أكثر من ذلك فيحرص على البقاء في عمله هذا على الرغم مما لقي من المغريات ، لقاء أداء واجبه النضالي في جماعة عشرين فبراير تلك التي جعلت منه الشاب الصلب الذي يتحمل كل أنواع الأذى دون ان يبوح بسر ذلك الذي دأب على تحميله باقة الزهور لصاحبته الوكالة والتي لم تملك الا ان تتأثر بأغاني زيد وكلماته التي كثيرا ما حفلت بها الإذاعات واللقاءات ، ان على السنة ناس الغيوان او وجد في أغاني أم كلثوم خير معوض عما يريد ، الى جانب المارة في شوارع المغرب ، لندخل في النهاية الى الفضاء الذي تملؤه امرأة الأعمال التي تدير وكالتها بمساعدة عدد من النسوة المتآلفة معها كما تحيا حياة زاخرة بالكثير من المفارقات . فالمدام التي تطغى شمعتها الأربعين ، لا تبدو بفضل اهتمامها بنفسها والحرص على صونها الا اقل من ذلك بكثير ، فحياتها الشخصية بالغة التعقيد جراء الزوج القعيد من المرض العضال الذي جعل منه رهين البيت الى جانبه الابن الوحيد المنحاز الى القوى السلفية فلا يتردد في رمي أمه بأبشع النعوت بل ويتوعدها باستعمال القوة وان يكن يكلفها بعض المصروفات الى جانب لوازم البيت وعلاج ذلك المصاب فالتحريم الذي يقول به الوالد والابن لا يحول دون الاستفادة من الدخل هي مفارقات لم تزد المرأة الا تماسكا وقدرة على تحمل المصائب المتتالية ، كما ان العلاقة الخاصة التي كانت موضع سخط الزوج القعيد والابن الذي لم يراع الوازع الديني الذي يفرض الإحسان للوالدة ناهيك عن المصلحة الذي لا يحترم مثل هذه الازدواجية هذه العلاقة الخاصة أفضت في نهاية المطاف الى موقف كريم من ذلك الرجل الذي لم يخرج من الدنيا الا وهو الموفي بكل ما تقتضيه المعاشرة ـــ كيفما كان وضعها ـــ لمديرة الوكالة أسماء عندما اتخذ الإجراءات القانونية التي ضمنت لها مستقبلها الى جانب السكن المريح ، لتقوم هي من جهتها بكل ما يتلج الصدر نحو النسوة التي ساعدنها بل وزيد الذي ارتبط بها . لان واقعها جديدا ساد المغرب قوامه العمل قبل القول أي نهج أصحاب العشرين من فبراير والذي فرض على المنضوين تحت لوائه ان يرفعوا من مستوياتهم ويطوروا خبراتهم التي جعلتهم أهلا لكل ما اسند إليهم وانفق عليهم ولا سيما حين سعى البعض الى استغلالهم في مالا يشرف السمعة كما ظهر من محاولة ذلك العربي الذي جاء بأمواله للمغرب ولديه مشروع استثماري اختار له شراء وتأثيث بعض الشقق الصالحة للإقامة السياحية المؤقتة التي تتظاهر بمزاحمة الفنادق من حيث النفقات فرحين يكون من مشمولاتها تقديم الخدمات الأخرى وهو ما نأت عن أسماء حين رفضت العرض بكل الوضوح ، وكذلك فعلت امرأة اخرى فرض عليها احد الخليجيين الزواج او حتى المعاشرة ، وريثما يتوفر الظرف الذي يسمح بزواج المتعة الذي يدعو له بقوة أتباع المذهب الشيعي ، ويتخذون منه مغريا لاقناع الاجيال الناشئة في المغرب الكبير وبالأحرى في شمال أفريقيا عموما باعتناق المذهب الشيعي . فالنص والحالة هذه يصدر عن دربه غير عادية وإصرار شديد الوضوح على إعطاء فكرة قوية الحجة والتعبير على ان الذين انضموا تحت لواء حركة العشرين من فبراير وبالأحرى خططوا لها وقادوا معاركها مستفيدين من واقع المغرب وما يزخر به من شدة المتناقضات وكثرة التصادم بين الفعل ورد الفعل ، وعلى رأس هؤلاء جميعا زين الذي استهل به حميش نصه هذا المنبثق من حياة الناس وما تفرضه من الفرفشة والمتعة وحتى الخطيئة في ذات الوقت الذي يبقى الخيار المركزي هو ذلك المكرس للواجب الأكبر .

يمتاز هذا النص بتوكيد قدرة منشئه على التخلص من غياب التعادلية بين تداخل الأجناس الأدبية ، ولا سيما فيما يتعلق بالكتابة الفكرية والإبداعية ، حيث تكون الأخيرة أي الإبداعية لعبة بيد الأولى ، فتفقد الشخصية الفنية ما هي في حاجة اليه من الحيوية المنعشة ، أي صح التعبير والتطور المتكفل بالإقناع . الأمر الذي لا سبيل الى بلوغه دون اعتماد لغة التحاكي اليومي وما تقوم به من توفير شروط الإقناع واكتساب خصيصة التأثير في المتلقي . وقد ظهر ذلك واضحا في الحوار الذي دار بين زيد وتلك التي استكثرت عليه البقاء في المدينة والتي لم يكن من حواليها بالطبع اذ عــــبرت ردود زيد عن فهم عميق ، عبر عنه حذف السارد لفن التجويد القادر على كسب المتلقي ــــ (( اسمعي يا بنت الناس الحاضر هو الله واقف هاو ما يله . . عمرك سمعتي بشجرة طارت او هربت ، هذه الخدمة ما توافقه طبعي . . انا عزيزة على الحركة ومخالطة الناس ، هذا جاي . . . هذا رايح او قاعد . . هذا عاقل داخل سوق راسو وآخر أحمق أو بهلول يحدث نفسو بصوت مسموع . هذه البنت الحجاب او بنت الميني جيب هذه امرأة زينة وأخرى تتمايع وما بقى لها غير ترقص على وحدة ونص . . المدينة هب كل شيء السيارات والمقاهي والشوارع والساحات والجوامع والأذان والمظاهرات . . الإنسان مع ياجوج وماجوج ينسى همومو ويفرج على نفسو ـــــــاما عندما ضاقت مديرة الوكالة بما درج عليه زيد من إلقاء النكت التي أضحكت العاملات كان الرد بأن الضحك حسب الدراسات الحديثة يطيل العمر ويجلب السعادة مما دفع المديرة أسماء الى التفكير في المسألة ومن قم التخفيف من ضيقها ، ولا سيما حيت تخلو الى نفسها وتشم داخل غرفتها رائحة الورد المنعشة وتتذكر الأغاني التي سمعتها على حين غرة ، من ذلك الشغيل الذي بدا لها دائما مثار السخرية ولكن أفلح ان يكون باعث ـــــ سرا ــــ للاهتمام فيكون النص في مجمله يدخل ضمن ذلك النوع الجامع بين التبليغ بما لا حد له من القيم والمضامين ولكن دون التقليل من ظهور القدر الكبير من الحرص على تحقيق أعلى درجات المتعة التي تعتبر لدى الكثير من المشتغلين على الإبداع على رأس أولويات الكتابة الأدبية حين تخضع للتعميم الموضوعي

 

_______________________________________


طيور العنبر

 

رواية  لإبراهيم عبد المجيد

أمــين مازن



تتحدد بؤرة الحكي في رواية (( طيور العنبر )) للروائي المصري الماهر إبراهيم عبد المجيد في اختيار فضاء الإسكندرية لإعطاء الدلالة حول مصر عامة بدون شك في النصف الثاني من القرن الماضي ، بدءً من سنته الثانية عندما شهدت مصر ذلك المتغير الكبير الذي طال الحياة والناس ، فصارت مصر بتأثيره دولة جمهورية يتقدم صفوفها رجال الطبقة الوسطى ، بدلا من العرش العلوي الذي بدأ تشيده محمد علي باشا الكبير ، ذلك المشروع الذي وان يكن قد تبنى وحقق الكثير في هذا المضمار الا انه شان الكثير من الأعمال الكبيرة لم يسلم من عديد الإخفاقات ، ولاسيما في دولة الاستقلال وعقب الحرب العالمية الثانية وإثناءها حيث شاعة سيطرة الإقطاع وتجلياته في حكم الأقلية البرلمانية وممارساتها اللاديمقراطية بل والمعادية للكثير من مظاهر السيادة الوطنية . مما كان موضع رفض القوى السياسية كافة ، وسهل الطريق بالتالي أمام الطلائع العسكرية كي تقدم على إسقاط النظام الملكي وتذهب الى إعلان الجمهورية وتبني المطالب الوطنية من إصرار على تحقيق مطلب جلاء القوات البريطانية من قاعدة السويس ومن ثم الإقدام على تأميم شركة القناة . هي اذن المطالب التي ناضل في سبيلها الآلاف من أبناء مصر وعلى رأسهم القوى السياسية الواعية التي تفتحت على مختلف التيارات الفكرية ، واكتسبت بهذا العامل تلك الخاصية المتمثلة في ذلك النسيج الاجتماعي الذي عبر عنه التضافر اللافت بين جمهور المتساكنين ممن كانوا خليطا من عديد الملل والنحل عندما استوعبتهم الإسكندرية ، فامتازت بهم وامتازوا بها وجاء قلم هذا الراوي الذي افلح في توظيفها وهو ينجز عمله الإبداعي هذا القائم على اللوحات الفنية المعبرة وعبر مواءمة جيدة بين الزمان والمكان والإنسان ومن ذلك المتغير الذي جسده إقدام جمال عبد الناصر على تأميم شركة قناة السويس الذي اختار مدينة الإسكندرية مكانا لإعلانه ، تلك المدينة التي شهدت قبل هذا التاريخ إجبار الملك فاروق على إعلان تنازله عن عرش مصر ومن ثم الرحيل من ذلك الشاطئ الى ايطاليا أي من ذات الشاطئ الذي كان قد شهد احتلال البريطانيين لمصر لقد ترتب على ذلك الحدث المشهود الكثير من الأخذ والرد والتأثر والتأثير في المجتمع المصري ، كان العدوان الثلاثي على مصر أشدها وقعا على المتساكنين هناك ، أي الإسكندرية صاحبة الخصوصية الاجتماعية وتجلياتها في العلاقات الإنسانية الجامعة بين العمل والحب والنزق والتصالح والتفكير في كل شيء عدا الحرب التي فاجأتهم وأعادت الى الكبار منهم أهوال الحرب العالمية الثانية التي كانت الإسكندرية احد مسارحها في التراب المصري عندما عرفوا أهوالها قبل تلك الأيام بما لا يزيد على العقد من الزمن على الأكثر وجاءت يومئذ يتفجر من أنواع التناقض ما لم يتوقع احد حدوثه ، ولا سيما ذلك التآلف القوي الذي هاله وبالأحرى فوضه الحدث وافلح الراوي المقتدر في رصده وحسف التعبير عنه .

بدافع من وعيه لقوة العلاقة بين النص والكاتب وسيرورة الأحداث لم يغفل ، وهو المولود في منتصف أربعينيات القرن الماضي ( 46 ) أي ان هذه الأحداث قد جرت وعمره بين العاشرة والثانية عشر من العمر ، ان يثبت مجموعة الكتب والصحف والمجلات التي اعتمد عليها وهو ينجز نصه هذا ، وهو إثبات من شأنه إحاطة القارئ بالمكونات التي ساهمت في صنع موقفه السياسي ، ربما ، اذ قبل ان يدرس إبراهيم عبد المجيد الفلسفة بالمرحلة الجامعية تلك التي لم يحدد تاريخها فيستعيض عنها بتاريخ نشر أول نص روائي له وقد كان في الثالثة والثلاثين من العمر ، فان ما اتى على ذكره بين الكتب والصحف كاف بدون شك ليوفر المادة الخام ، ان صح التعبير وان يكن الجو الأسري كما يلوح أكثر من غيره أثرا . غير ان النص في حد ذاته يفصح عن تمثل عميق لطبيعة المرحلة ، اما الانطلاق من الإسكندرية فلما لها من الخصوصية وكذا حضورها في وجدانه . اذ ان طبيعة العلاقات الإنسانية التي رصدها واحسب التعبير عنها مراحل النضج ومكابد الأسئلة القوية ولكن من خلال بثها في عديد الصفحات ، ابتداء من شخصية العربي الذي جسدا استهلالا بالغ الدلالة عبر علاقته الجميلة بكاتينا اليونانية تلك التي جمعت بين تشغيل هذا الإنسان شبه الأمي ليتواصل معها بعد ذلك دون ان يحقد أي منهما على الآخر وان كانت اليهودية راشيل هي الأخرى ذات حضور ولكن في درجة اقل ومن جانب العربي بالذات . الجميل ان كاتينا لم تردد في الحديث إليه عن رؤيتها السياسية وتكوينها الفكري وزوجها الذي كان ذات يوم احد حملة الفكر المادي الجامع بين توجهه ومقاومته للفاشية وكذا الملكية في كل مكان هو حوار وبالأحرى حكي يلقى بأقوى الأضواء على ذلك الواقع . فكان خير دليل على المرحلة وظروفها . عندما فاجأها العدوان الثلاثي ليعيد ذكريات الحرب ويكون من المستحيل بقاء ذلك النسيج الاجتماعي السكندراني .

يكشف النص عن الإحاطة الكاملة بما نتج عن متغيرات تلك المرحلة والقائمة على وصف أحوال الإسكندرية ، حين واجهت الجاليات الأجنبية الموجودة بها منذ قرون والممسكة بأكثر المنشآت الاقتصادية والصناعية صغيرة كانت ام كبيرة فضلا عن قطاع الخدمات فصارت عندئذ تفقد جاذبيتها وتدفع من ثمة للإسراع بتصفيتها ، قبل ان يمتد إليها قطار التمصير ، فبدت تباع بأقل من أسعارها الحقيقية بكثير اذ كان هم أولئك الذين يملكونها هو تهريب ما يمكن تهريبه ، فصار لزاما وهذه الوضعية أن يستبدل استغلا باستقلال وكان اخر من يمكنه الاستفادة هو المواطن البسيط والذين ألت إليهم الامورهم أولئك المتواطئون مع السابقين فلا تتألق صورة المواطن الحقيقي سوى في ذلك الذين يتبنى الموقف الرافض ولو كان على هيئة الأحجام عن قبول اسخى العروض المالية شأن العربي الذي اختار حياة المتعة والنأي بنفسه عن قائمة المستغلين أولئك المستقلين لما جاء به العهد المتمثل في ثورة يوليو وما ألتزمته من موقف معاد للاستعمار وتجلياته الاحتكارية وتحالفاته التاريخية ولكن دون المساس برصيد العلاقات الإنسانية التي ربطت أجانب الإسكندرية او لنقل من غير مسلميها الى جانب مصر المتكونة من المسلمين والأقباط ان صورة الإسكندرية في تلك المرحلة تجيء واضحة المتغيرات وعلى مختلف الصعد وقد كانت عين الراصد الروائي قوية الملاحظة بالغة التعبير شديدة الدقة في التصوير حين جاء ذلك عبر عديد الأصوات التي جمع حديثها بين الوصف والتحليل فقد كان ضمير الغائب الذي اعتمده الروائي مفيدا الى ابعد الحدود في إعطاء الصورة الجلية حول المرحلة والأشخاص وقبل ذلك توفير تلك الأرضية الفسيحة من وصف الأمكنة وتفاصيل الأحداث خاصة وان فن العودة الى الخلف وما تفضى إليه من استعادة الماضي لخدمة المستقبل او لنقل الحاضر من دون التباكي عليه اللهم الا بما يوفره من قوة التعاطف الضروري لكل نص روائي هدفه التعبير عن مراحل الصراع بين الأجيال والشخصيات وأخيرا الطبقات وايه ذلك ان وراء العمل رؤية وعلم وإمكانية وتصميم بالغ القوة علة حسن التبليغ إزاء ما جرى وما يمكن ان يجري وعلى هدي من التسلح بكل ما هو خالد ومتسلح بالتفرد وبأقصى درجات الايجابية المستوحاة من المكان .

يحقـــق إبراهيـــــم عبد المجيد وهو يضع من روائية هذه شـــــكلا من أشكــــال الملحمة التي توائم بين الذاتي والموضوعي او لنقل الفني مقدرة ملحوظــــة في تمرير كل ما يروم تمريره بشأن تجربته الحياتية من ألوان يحبها وتجارب نسائية ربما يكون قد خاضها ولحظات من الجمال ذاق طعمها وذلك بأن بثها عبر الحكى المتقن المتــــسلح بالسرد وحتى التفاصيل الممتعة عبر الحديث عن حركة أبــــطاله في مختلف لقاءاتهم وما امتلأت به من حلو ومر ، مستعينا على ذلك باستدعاء المرحلة التاريخية وما زخرت به من أغان عاطفية وأفلام سينمائية وعلاقات بين فناني وفنانات المرحلة كانت حديث الناس جميعا وموضع اهتمام وسائل الأعلام دونما استثناء كل ذلك دون ان يغفل الجانب الثقافي المتمثل في التاريخ للمرحلة وما لمع في التاريخ الثقافي من رجال حققوا خلودهم عن جدارة ولم تستطع مؤامرات الصمت أن تزيلهم من الــــذاكرة الثقافية بـــقدر مـــــا جعلــــتهم يحققون صمود اعجز الكثير من نظرائهم عن بلوغه ، غير ان ذلك كله يأتي مـــــبرأ من سيطرة الراوي او تدخله غير المشروع او تعويله على الحــــــدث كي يكون هو المحرك ، فتكون النتيــــجة ان من يقـــــــرأ العمل المرتبط بالمـــــناسبة ، ويعيش لحظة من لحظــــات من الانفــــــعال يكون دافعـــــه العمـــل ذاتـــــه وليس الإبداع بل على العكس من ذلك ان طــــيور العنبر وهي تتخــــــذ من أحداث زمانها مادة لها تعتبر من الأمثلة النادرة على ما يمكن ان يحقق كـــــل إبداع جـــــاد وفن أصيل من الاستعـــــادة القوية للتاريخ وهزيمة كل محاولة من محاولات التغييب الذي لا مردود له في حــــــياة الناس كافــــــة والفن خاصة اد بقدر مـــــا تؤرخ طور العنـــــبر لأحداث أزمـــــة السويس وما رافقها من تطــــــورات وثــــورة يوليو وما ترتب عليـــــها من متغيرات بقدر مـــــا زخر النـــــص بعديد المحطات العلمية والمنجزات العلمية التي تأتي مناسبة على الســـــنة شخصيــــات الكاتب مبرأة من أي تدخل او قرأ او فرص . (( المدينة تعود لأصحابها ، لا باس ، مع انها لم تكن يوما للمصريين ، امر بها الاسكندر وبناءها البطالة ، وحسدها الرومان وأهملها العرب فأحياها محمد علي باشا فتساقط عليها الأجانب من كل سماء جاءوا مع كل سحابة يرسلها البحر المتوسط ، ربما كانوا الصوصا مع كونهم تجارا وأصحاب حرف وفنون ، لكنهم جميعا أحبوا المدينة الإسكندرية قلب كبير . هذه الأيام يعلوها الكدر )) .

(( في اللحظة التي تهدج فيها صوته ، قائلا سنقاتل الى آخر قطرة من دمائنا سنقاتل ولن نستلم أبدا ، انفجروا بالهتاف ، الله اكبر يسقط أيدن يلفط موليه ، يسقط بن جوريون ، نموت وتحيا مصر ، وأخذوا طريقهم ناحية كوبري كرموز ))

فقرتان اجتزأناهما من النص على سبيل المثل وليس الاستشهاد المدقق ، فالنص في مجمله يمكن ان يجتزأ منه أي مقطع ، وعسى ان لا تكون هذه المقاربة من دون إظافات أخرى ولا طيور العنبر وحدها موضع التناول ، خاصة وأن البلدة الأخرى قد صورت منذ سنوات تجربة من أصعب التجارب لأولئك الذين تسوقهم الأقدار للعمل في جزيرة العرب ، فتكون حياتهم مأساة من مآس الإنسانية بكل ما في الكلمة من المعاني .إنتهى

 

 

______________________________



حول رواية "اللجنة" لصنع الله ابراهيم

أمين مازن


جاءت رواية اللجنة التي أنجزها المناضل المصري الكبير صنع الله إبراهيم. في مطلع ثمانينيات القرن الماضي، ونشرتها لأول مرة دار الكلمة البيروتية سنة 981، تعبيراً صادقاً عن موقف الرافض للنهج السياسي الساداتي الذي جمع فيه بين التخلي عن النظام الاقتصادي القائم على الأخذ بيد محدودي الدخل واعتماد التصنيع الوطني- على ما يعتريه من القصور لتلبية احتياجات الناس، أي ذلك الذي أصر عليه حتى آخر نبض في قلبه الرئيس جمال عبد الناصر، ونقيضه الذي ذهب إليه السادات والمتمثل في فتح الأسواق المحلية على اتساع أبوابها للصناعات الأجنبية ليستورد منها جيوش السماسرة والوسطاء وتنشئ أجيالاً لا صلة لها بالواقع الوطني وما يحتدم فيه من صراع وما يزخر به من الآمال.. إنه النهج الذي بدأ مشواره بقوة عقب حرب أكتوبر التي لم يكن لها من مردود سوى الانحياز الكامل لسياسات التبعية والتخلي المطلق عن الأهداف الوطنية والقومية، على الرغم من أنها قد أدت إلى غياب السادات نهائياً ليس غير، علماً بأن الكثير من الصحف الغربية كانت قد تحدثت عن وجوب اختفاء السادات كما أن أبرز عرابي التسوية السلمية الملك المغربي الحسن الثاني، صرّح في ذات الفترة بأنه لو كان في مكان السادات لن يزيد على ما أعطى.

لقد رفضت ألمع العقول المصرية توجه السادات هذا في وقت سابق وهو رفض قابله السادات بمنهجية غير مسبوقة عندما التقى بهم جميعاً في سجون مصر، مما أعطى اختفاءه الوقع الطيب ، وجعلهم يكتفون بالخروج من السجن على ما سواه على الأقل في الفترة الأولى بمعنى أن نهاية السادات كشخص صرفت أنظار الكثيرين عن بقائه كنهج ، مما جعل خليفته الذي كان حاضراً تلك النهاية ولم يشمله أي أذى يدرك عن يقين أن سلامته اللافتة تقتضي المحافظة على الخط، فكان أن زاد على صون ما تحقق المسارعة بتوزيع المغانم المترتبة على ذلك التغيير الذي طال الحياة المصرية سياسة واقتصاداً بأن شملت المغانم المذكورة الحاكم وآل الحاكم أولئك الذين كان من بينهم تلك الجيوش الإعلامية التي أخذت تسبح وتهلل للزمن المبارك صباح مساء، ولاسيما عندما تضاعف انهماكه على ذلك النهج الذي رأيناه يأخذ من الزمن عقودا ثلاثة ،فيما كان صنع الله إبراهيم في مقدمة المعارضين حتى أنه لم يتردد في رفض جائزة النظام الأدبية التي طالما كانت نسبة الكثير ممن كانوا أكثر قدرة اقتصادية ومع ذلك لم يبخلوا بتقديم الكثير من القرابين المذلة.. ومما لاشك فيه أن هذا العمل اللافت ومثله الموقف اللافت أيضاً لم يكن مجهولاً لدى الكثير من مثقفي ومناضلي العرب الذين تفطنوا لما زخرت به رواية اللجنة هذه من تمثل واع ومعالجة جميلة فرأينا منهم من يخصها بأجمل المقاربات أذكر منهم على سبيل المثل الناقد والأستاذ الأكاديمي المغربي أحمد اليابوري ، عندما اتخذها إلى جانب نجمة أغسطس موضوعاً لورقته التي شارك بها في ملتقى الابداع العربي الذي انتظم بمدينة طرابلس وحضور عربي موسع، فتأكد يومئذ أن اليابوري من الذين لاتصرفهم الدعوات التي توجهها الأنظمة عن الأدب الملتزم والابداع الملتزم ولو كانت هذه الأنظمة وهي تخطط لمناشطها هذه تتطلع إلى توظيف الأدب والأدباء لتوجهاتها المشوشة وحتى المنحرفة.

اعتمد الكاتب في تحرير نصه الروائي هذا الأسلوب المكثف، بحيث لم تزد صفحات كتابه على مائة وعشرين صفحة من الحجم المتوسط ، قسمت إلى ستة فصول، أما الفضاء الذي هيأه لتحرك شخصياته أو لنقل شخصيته المحورية فكان قوامه الأساس متمثلاً في دورات الزمان وما أتاحه من المتغيرات ، مما جعل المكان المتصل بالراوي محدوداً ، لتأتي اللجنة دون غيرها المحرك الأساسي للحكي، والذي اختار له ضمير المتكلم أي ذلك الراوي الذي طمحت نفسه إلى المثول أمام اللجنة، أملاً في أن ينتج هذا المثول تحقيق ما كان يخالج نفسه من آمال ومطامع في واقع كانت الصعوبات فيه تتناسل على النحو الذي وجدنا فيه الراوي لايتخلص من صعوبة حتى يصتدم بأخرى، كان الزمن ليس فيه إلا المزيد من هذه الصعوبات ، وقد أفلح الراوي في التعبير عنها من البداية ، أي منذ أن طرق باب اللجنة أي بحث عن مكانها أولاً ووصل إليها ثانياً ، ففي صفحات لاتزيد على الثماني قرأنا له ذلك الوصف لنوعية تلك اللجنة التي تطلع إلى المثول بين يديها ونوعية الممارسة التي تقابل بها أولئك الذين يطمحون إلى بلوغ تلك الغاية فهي أولاً لاتحترم الموعد الذي تحدده وإنما تحضر بعده بساعتين وهي في مكان له أكثر من مدخل فيكون من السهل على أعضائها أن يدخلوا ويخرجوا دون أن يراهم أي مراجع وهي أمام ردهة طويلة خالية من أي كرس يمكن للمراجع أن يجلس عليه ، إذ لابد أن يظل واقفاً أمام الحاجب وهي لاتطلب من يراجعها إلا بعد أن تفرغ من الحصول على كل الخدمات بما في ذلك تلميع أحذية الأعضاء ،أو حذاء اللجنة كما عبر النص في دلالة بالغة العمق.

لقد ساعد هذا المنحى الراوي على أن يدخل بنا ذلك الواقع الجامع بين استشعار التوتر ومحاولة التغلب عليه والاحساس بقوة المأزق والحرص على الخروج منه، فبدأنا أمام امرىء واضح الإدراك لما يريد، امرىء يتخذ من فهمه لما يجري سبيلاً لتجاوز مكايده أو ما يمكن التعبير عنه بالحرص على الخروج بأقل الخسائر، فهذا الذي كان ذات يوم غائباً عن حضور حدث ما داخل السجن كما يجيب صراحة على أسئلة اللجنة والذي يستمع إلى أعضائها الذين لم يفلح في معرفة عددهم فيكتفي باقتناص نوعيتهم من خلال أسئلتهم وتوضيحاتهم التي شملت التوكيد بأنهم يعرفون عنه كل شيء والذي لا يتردد في الاعتراف بالميل إلى بعض ما ينتقده على غيره من الذين تعج بهم الحياة في زمن الفضيلة المفروضة ومظاهر الاستقامة المصطنعة والمناقضة بكل الفجور كما تابع لحظات التحرش الوقح في القطار والذي كانت ضحيته تلك المرأة التي لم تجد في الأعداد الكثيرة من الناس من يتحرك لنجدتها من ذلك الذي تجرأ على مضايقتها بكل ما يتوفر عليه الأنذال من الصفاقة ، فإذا ما عن له أن يبادر بموقف أكثر تعبيراً عن واجبه كإنسان ، لم يجد ذلك الوغد أي حرج في الاعتداء عليه واعمال عضلاته القوية في إلحاق الأذى بأحد ذراعيه واضطراره للذهاب إلى الطبيب القابع في إحدى العيادات الخاصة التي لم تخجل من استغلال حالته الصحية المتردية في ابتزازه أبشع الابتزاز ويرفض بلا رحمة ذلك الطبيب المتعالي تقديم أي خدمة من ذلك النوع الذي تفرضه إنسانيته أو طبيعة المهنة التي يحترفها ، لأن زمن الإنسانية كما يشير السياق ليس له - على ما يبدو - أي مكان.

إن هذه الوضعية جزء من الواقع واللجنة هي الأخرى صورة من صور هذا الواقع ، الواقع الذي يقول من خلاله عضو اللجنة نحن نعرف كل شيء عنك ويقول آخر أنك قطعت شوطاً طويلاً وهأنت تحاول البداية من جديد فإذا كانت الإجابة منطلقة من المنطق التبريري أو ما في حكمه مما يمكن أن يعتبر حجة كافية أو شبه كافية للدفاع نرى أن عضو اللجنة هذا لايتردد في التعبير عن موقف الحاقد بالنظرة غير المريحة على الأقل والنظر غير المريحة هذه تؤثر على مواقف الراوي وإجاباته وحتى مشاعره من يجعله يرتبك أكثر من مرة ويرى نفسه دون المستوى ويحبطه بشيء من التردد على الرغم من أنه وبواسطة إجابته المسهبة يقدم الصورة الكافية عن شخصه ومراحل تطوره منذ النشأة الأولى ولكن المقابلة لا تتوقف عند شأن معين ولهذا يكون من بين أعضاء اللجنة من يسأل عن أمور غاية في الشخصية ولاصلة لها بالأنشطة الفكرية وما في حكمها وذلك عندما يفاجأ بالسؤال عن فشل مني به ذات مرة مع إحداهن على الرغم من ان ذلك الفشل لم يحدث لمرة واحدة ولكن لأن تلك الواحدة لم تكن تمارس ماتمارس بدافع الفطرة أو العادة أو حتى المعصية وإنما تمارسه لتقدم نتائج نشاطها لحظات أخرى من حلقات التبليغ فكان من الضروري أن يطرح مثل هذا السؤال عليه بل وأكثر من ذلك أن تشمل المقابلة مطالبته بشلح ملابسه والكشف عليه في مكمن العفة لأن مع هؤلاء لاتوجد أمكنه للعفة فالمطلوب تقديم صورة كاملة ، صورة يمكن الرجوع إليها أو بالأحرى استغلالها .

ومن الواضح أن مثل هذا الفهم هو عينه الذي جعل الراوي لايخفي ما ظل حريصا عليه شديد الحرص كي لايصطاد من إجاباته فيقع ضحية ماتنطوي عليه الأسئلة من الفخاخ اللامتناهية المنصوبة له عسى ان يقع داخلها فيدفع ثمنها في وقت لاحق لولا أنه ولمجرد استشعاره لما أحس به صار يلقي إجاباته بذلك الحذر وأن يكن الحذر المشوب بالسخرية ولكنها السخرية التي يدركها المتلقي دون أن يجد المستمسك الذي يستطيع بواسطته أن يرد فقد استعرض جميع فئات المجتمع حين طلبت إليه اللجنة أن يكتب على إحدى الشخصيات اللامعة في المجتمع فأبلغ متلقيه ماخامره من الشك والحيرة حول نوعية الدراسة المطلوبة وما إذا كانت أكاديمية أو عادية تهدف إلى تقديم المعلومة لتبقى بعد ذلك مسألة اللغة التي ستكتب بها مثل هذه الإجابة فاللجنة التي تشكل من هذا النوع لابد أن تشترط في الإجابة انسجامها مع التوجهات التي يتبناها المقربون وأصحاب الدراية بالمطلوب ومن هنا لم يترك البطل فرصة سؤال اللجنة له عم إذا أتيح له أن يجلس على قمة الهرم فما الذي سيطلبه ولهذا لم يفضل الدفع بقوة العلاقة بين خوفو والدين اليهودي فالزمن هو زمن الإخوة زمن البحث عن المشترك زمن «الكوكا كولا» تلك الزهرة العجيبة التي طالما كانت وراء الكثير من الثروات والأثرياء وأكثر من ذلك كانت وراء اختيار الرؤساء الأمريكيين أولئك الذين طالما وحدتهم الكوكاكولا منذ الصغر وهي بلاجدال تولت رعايتهم وتهيأتهم لرئاسة هذه الامبراطورية العظيمة التي حكمها هذه الأيام «أيام اللجنة » كارتر الذي حقق ذلك التلازم اللافت بين التخلي عن الخيار القومي والمشروع الصناعي فاستحق سخرية الناس كافة ولما كان خصوم الالتزام في الأدب أو لنقل أعداءه الذين طالما استغلوا عبر جبهتهم العريضة مجندين على نحو خاص المتطوعين من نقادهم الذين يعيبون على مثل هذه النصوص خلوها من الجهد الفني اللافت محتجين بما دأبوا على ترديده من ان الأدب الهادف يحتفي بالموضوع وبالأحرى يعول عليه أكثر من التجويد الفني فإن صنع الله إبراهيم يفلح في تمرير كل ما يرمي إليه من موقف نضالي رافض للتبعية الأجنبية على كل المستويات بهذا السرد الراقي الذي سخر ضمير المتكلم لتعدد الأصوات أكثر من المضي نحو ارسالها بلاحيوية وعندما تذيل دار المستقبل العربي التي تولت نشر الطبعة التاسعة «2004» بما نصه .

«كان من واجبي لا أن اقف أمامكم وإنما أن أقف ضدكم»

من حقنا أن نصدق من يقال عن هذه الزجاجة البريئة المظهر .

وكيف أنها تلعب دوراً حاسماً في اختيار طريقة حياتنا ورؤساء بلادنا وملوكها بل والحروب التي نشترك فيها والمعاهدات التي نوقعها .. كما تحدث بطل اللجنة عندما وقف أمامها متمسحا بها قابلا ل...... كلفته بها .. « رواية جريئة مشوقة ترصد بفنية عالية نمو العلاقات الاجتماعية والاقتصادية خلال مرحلة المد القومي وانحساره وما أفرزته من طبقات وأوضاع وتخرج الواقع الحي بالكاريكاتير الساخر» حتى أن السيارات التي جاءت مع كارتر صارت تنعت «بطرطر» بكل ماتعنيه من التعبير الساخر والمخجل أيضاً أن دار المستقبل كانت صادقة كل الصدق حين نفتت اللجنة بمثل هذه الكلمات فهي أقل مايمكن أن يقال بصددها من حيث المعالجة والدلالة والتبليغ .إنتهى



______________________________


واحة الغروب

.للروائي المصري الكبير الاستاذ بهاء الطاهر

.نشر دار الآداب 2007 / 2008

.بقلم أمين مازن


تحمل هذه الرواية الترتيب السادس بالنسبة لمؤلفات الاستاذ بهاء الطاهر الروائية، اذ سبق له ان انجز في المدونة الروائية المصرية، حسب احصائية دار الآداب المثبتة على صفحات هذا الكتاب من الروايات، خالتي صفية والمدير، شرق النخيل، قالت ضحى، الحب في المنفى، نقطة النور، ويشهد تاريخ الثقافة الحديثة ان بهاء طاهر كان بين الذين اسندت اليهم جائزة الدولة التقديرية للعام 1998، كما منحت روايته الشهيرة خالتي صفية والدير جائزة اتشيري الايطالية كأفضل رواية ترجمت في تلك الربوع للعام 2000، وهو في النهاية في مقدمة المثقفين المصريين المعروفين بالتزامهم الوطني التقدمي وموقفهم النضالي، وقد لقى في سبيل ذلك الكثير من التضييق والذي اضطره الى خوض تجربة الغربة لفترة لا باس بها عندما أقام بأوروبا.

وقد اعتمد بهاء طاهر في روايته هذه، حسب دار الآداب أيضا، مبدأ المزج الساحر بين الواقع والخيال، منطلقا من بقعة نائبة في القطر المصري هي واحة سيوه والتي جعل منها حسب التعريف الموجز والمعبر أيضا، مسرحا لطرح تجربة العلاقة بين الشرق والغرب، انسانيا وحضاريا بما تجريه من صراع ورغبة في التوافق وتأثير بالضرورة بالتقاطع، وهي والحالة هذه تستعير المسرح السردي الذي يجند فيه السارد – مخلوقاته – كما يعبر الاستاذ يوسف القويري – التي ينتدبها للتبليغ عما يؤرقه حول الحياة واكراهاتها للناس ، ان من خلال حاضرهم وما يعج به تاريخهم ومجموع الاحداث التي تحرك او النقل تفرض مواقفهم وجملة اختياراتهم ، وبالضرورة ما سيعود عليهم فيما بعد ذلك من افراح واتراح، تنظاف – بفضل الابداع الجيد – لمصلحة التراكم الحضاري ومعركة التقدم.

سلك الراوي، في معرض البناء الروائي، الاسلوب القائم على تعدد الشخصيات، او ما يمكن وصفه بتعدد الاصوات، ان بواسطة ضمير الغائب الاكثر مرونة لتفادي الاحراج او المتكلم الاقدار على البوح بما تستشعره الذات من انواع المكابدة ، مقترحا لمنطلقه شخصية رئيسة دعاها باسم محمود ، وقد ابتغى من وراء ذلك الاستفادة من وقائع التاريخ التي تؤكد وجود محمود ذات وصفة هو محمود عزمي الذي شغل وظيفة مأمور سيوه في آخر سنوات القرن التاسع عشر فجعل منه البداية على هيئة موظف اريد له أن يعاقب بالنقل الى واحة سيوه التي لم تكن يومئذ فقط بعيدة عن القاهرة مسقط رأس محمود ومحل نشأته والكثير من طموحاته، ولكنها أي سيوه كانت تشهد صراعا مريرا بين سكانها المنقسمين الى جهتين متناحرتين، احداهما تعرف بالشرق والاخرى تنعت بالغرب، هو انقسام ادى في احيان كثيرة الى استعمال السلاح وظل مؤثرا في مواقف الناس وممارساتهم والكثير من مشاعرهم كما انه لم يكن خافيا على الدوائر الرسمية ولاسيما الخبراء الاجانب، ونحن نلمس هذه الحقيقة من الصفحات الاولى في الرواية عندما تم ابلاغ محمود بمهمته من طرف المستشار الإنجليزي بالذات ، والذي كان ممسكا بكل ما يجري في نظارة الداخلية حول ادارة الامكنة والأفراد والجماعات، والنظارة كما هو معروف يومئذ تعنى الوزارة، عشية خضوع مصر لاحتلال البريطاني المباشر وعقب القضاء على ثورة عرابي باشا وتعقب القوى السياسية التي تعاونت معه وانتصرت لموقفه بدء بالزعيم عرابي وكبار مسئوليه وانتهاء باتباعه وهم كثر، ومن بينهم محود هذا الذي تم نقله في صورة ترقية وظيفية، فيما كانت في واقع الامر عملية ابعاد جرى تنفيذه بأحكام، ولهذا كانت اجراءات تعيينه وبالأحرى ابلاغه متمثلة في ذلك التوجيه الذي افاض فيه المستشار الداهية وفي جلسة حملت الكثير من علامات الصراع بين هذا المأمور الذي لم تنطل عليه اللعبة وهو يستلم قرار التعيين والمستشار الذي حرص على استعمال كل ما لديه من المهارة والخبث، كي يمرر ما لديه من معلومات عن محمود وما ينتظر منه، وما يمكن أن يتعرض له حالة اصراره على تكرار ما لوحظ عليه من انشطة أثارت حوله ما أثارت من الريبة والشك، الامر الذي اقتضى ابعاده عن مسقط رأسه وتكليفه بهذه المهمة الصعبة مع الباسها لبوس الترقية، ويكفى انها حددت في اجبار السكان على تسديد المطلوب منهم من استحقاقات ضرائبية، كثيرا ما ضاقوا ذرعا بها وبذلوا الجهد تلوا الجهد للتملص من تسديدها ولو بالسعي لتأجيلها، فإذا بهم يفاجئون بهذا المأمور العسكري فيأتي مكلفا بتحصيلها مع تحذيره من ضحية المساءلة القانونية والاجراءات التأديبية و التي لن تكون بأي حال من الاحوال لتسمح له بالعودة الى القاهرة كما صرح بذلك المستشار الإنجليزي وهو يبلغ محمود هذا بمهمته ويحدد له طبيعتها، والمنتظر من ورائها بما في ذلك العقوبات التي لا مهرب منها في حالة الفشل لأي سبب من الاسباب، وقد كان محمود على علم بكل الخلفيات وقد ادرك من خلال الحديث مع المستشار ما يمكن ان يؤول اليه امره، في حالة ما اذا بقي مشدودا نحو افكاره القديمة، بحسب المستشارة والافكار المعنية هنا لن تكون بدون شك، سوى تلك المتمثلة في مقاومة الغازي الانجليزي، اذ ان محمود كان من المتزوجين من احدى الاجنبيات، الا ان هذه الاجنبية وان كانت تتحدث باللغة الانجليزية وتقرأ بها، الا انها ذات هوية ايرلندية وايرلاندا تعتبر مستعمرة بريطانية، وليست في عداد المناطق البريطانية، ولهذا لم تتردد في مصارحة محمود بهذه الحقيقة او لنقل المفارقة، وقد كان لذلك اثره القوى في تطور العلاقة بين الاثنين، فبعد الارتباط الذي – ربما – دفعت اليه الرغبة المتبادلة جاء الانسجام المشترك في الموقف من الاخر الغازي فتوجب ان تقابل كل آرائه بالتشكك والارتياب، طيلة اللقاءات التي سبقت سفر محمود في هذه الرحلة المثيرة و التي ظهرت بعض مؤشراتها من الحوار الذي اثير معه حول سفر الزوجة كاترين واصرارها هي بالذات على القيام بها، غير مكترثة بما اسدى اليها من النصح المشوب بالتخدير وكذلك فعل الزوج محمود الذي يلاحظ انه اتخذ من الرحلة مناسبة لإشباع كل ما لديه من التطلع والشوق نحو امرأة جمعت بين الشكل والعقل، واتاحت له أن يتأكد من أي نوع من النساء عرف، ومع أي مستوى من المستويات قد اقترن، فقد كانت كاترين هذه في حالة من التلهف النادر لمعرفة احوال المكان ومحاولة اكتشاف كل ما يزخر به من الاسرار المتصلة بالمعرفة العلمية، وليس البحث عن الكنز المزعوم كما يظن السذج من القوم، فكان اقدامها على خوض التجربة وحرصها اللامتناهي على استثمار الوقت بالكامل لتحقيق هذه المهمة المعرفية، فيما ظل محمود هوا الاخر لا يكل من بذل كل امتلكه من التحدي الذي طبع كل تصرفاته وحدد جميع توجهاته، في منطقة لها من الخصوصية ما يفصلها عن كل ما لديها، ليس فقط من حيث اللغة الخاصة بالحديث وطرق التفكير وربما العادات، بل واكثر من ذلك نوعية الولاء الروحي وربما السياسي أيضا، اذا يكفى الا تعاض بنصائح السيد المهدى السنوسي والتعويل على اهمية النصيحة ومثل ذلك البركة مثلت يومئذ المرجح الاكبر في قبول جميع الخيارات.

ولا عجب فقد كانت سيوه واحدة من الواحات التي امتدت اليها دعوة السنوسي الاصلاحية، وكانت روابطها مع بقية الواحات التي لا تبعد عنها كثيرا ولا تبدو كذلك جراء التمازج المتعلق بالمصالح والاعراق واخيرا المخزون الروحي ما جعل سيوه تبدو شبه منفصلة عن تراب مصر خاصة والسيد المهدى يجمع بين الاصلاح ومقاومة المستعمرين الفرنسين .

فقد كانت بما توفر لها من لذيذ التمر وخصوصية العرق على صلة غير عادية بالكفرة والجغبوب وربما امتدت الى اؤجله وجالو، فهذه الربوع مجتمعة لها مالها من التفرد والامتداد القوى الذي يبلغ دارفور وقرو مناطق اخرى كثيره اشتركت في الأرضية وربما الاصول العرفية واخيرا التيار الروحي الذي اذ كان السيد المهدى السنوسي بسيفه وقبل ذلك عقله، ولاشك ان سيوه بحكم هذه الخاصية استطاعت ان تروج تمرها وتوفر له لدى المستهلكين شهرته الخاصة حتى ان الكثير من المواطنين الليبيين في معرض تنهداتهم المعبرة عن بعض احوالهم يردد مثلهم المعروف ( يا تمر في سيوه يا لبن في قرقارش) .

وقد ترتب على ذلك كله ان احتاجت تبعية سيوه الى حكومة مصر اجراء خاصا، مما جعل اختيار محمود عزمي كي يكون مأمور السيوه ومن ثم تفرده ببعض الاجراءات الحازمة يمثل محطة توقف عندها اكثر من مؤرخ، وقد تكون في مقدمة ما دعا الروائي بهاء طاهر لان يتخذها مادة لروايته، الا أنه لم يغفل عن الايماء الى ان سيوه قد صارت الاف واحدة من واحات مصر و ان كل حديث عن الماضي حملته هذه الرواية ليس الا من قبيل استثمار التاريخ وعلى النحو الذي نتج عنه خروج النص على هذه الهيئة من التجويد وحسن الاستفادة من وقائع التاريخ ولكن من دون الوقوع داخل دوامة الحنين الى الماضي، لقد اعطى الراوي اهمية ملحوظة للغة ولم يستنكف من سوق بعض التفاصيل المتعلقة بالحياة الشخصية لإبطال نصه وما ذلك الا لقوة انشغاله بإشكاليات العلاقة بالغرب وحجم التأثر الذي طال بعض الشخصيات، الامر الذي جعل النص يتوفر على الكثير من شروط الفن الاصيل، وحتم على هذه القراءة ان تعرب عن كل مشاعر الارتياح، مع كامل الثقة بأن موعدنا مع نص اخر للأستاذ بهاء الطاهر – امد له في عمره – لن يكون بعيدا بحول الله.إنتهى



__________________________________


نساء .. رواية مصرية

للكاتب ناصر عراق

امين مازن


في مزاوجة ذكية ظاهرة الدلالة بين رحيل أبرز رجال التنوير في الثقافة العربية وأقواهم تأثيراً في مدونتها المكتوبة خلال القرن الماضي هو الدكتور طه حسين سنة 1973وحرب أكتوبر التي قدر لها أن تندلع بين العرب والعدو الصهيوني في ذات السنة يفلح الجيش المصري فيها بتحقيق ذلك التفوق الذي أزاح بواسطته مظهر الهزيمة التي حلت قبل ذلك التاريخ بستة سنوات الأمر الذي وفر للرئيس المصري أنور السادات الذي آل إليه قرار الحرب والسلم، أن يعلن على رؤوس الاشهاد استعداده للدخول في المفاوضات مع الاسرائليين انطلاقاً منا ترتب على ذلك التفوق المتمثل في الوصول إلى الضفة الأخرى من قناة السويس من الشعور العارم باستعادة الكرامة المفقودة وإمكانية التحرك من موقع القوة، جاءت أحداث رواية وبالأحرى ملحمة «نساء» التي أنجزها الإعلامي والكاتب المصري ناصر عراق، والذي برز اسمه في تسعينيات القرن الماضي في أكثر من صحيفة أو مجلة خليجية ولا سيما مجلة الصدى التي أشرف فيها على الملف الثقافي وكتب له الكثير من مثقفي الوطن العربي الذين أفلح في التواصل معهم بواسطة مهنيته وسعةعلاقاته، ففي ذلك الزمن الذي شهد حرب أكتوبر ووفاة الدكتور طه حسين جرت أحداث هذه الرواية وعلى رأسها هجرة المصريين إلى دول الخليج بعد أن ظهرت المؤشرات الدالة على فشل سياسة الانفتاح الاقتصادي الذي دشن به ذلك الريس عهده حين لوح بالتعددية السياسية التي بدأها بالمنابر وطورها لاحقاً بالأحزاب ، فاستبشر الكثيرون بإمكانية العودة إلى مصر الخمسينيات التي أجبر فيها شعب مصر الزعيم مصطفى النحاس على إلغاء معاهدة 1936 جراء المظاهرات التي عمت مدن وقرى مصر من الحدود إلى الحدود إلى جانب الحركة الفدائية التي أخذت تهاجم رجال ومنشآت الإنجليز وتشعرهم باستحالة بقائهم بقناة السويس فكان ما كان من تسهيل مهمة القوى الوطنية المنزرعة في الجيش كي تسقط عرش فاروق وتصفى الوجود البريطاني وتدخل الكثير من التغييرات الاقتصادية والصناعية ولكن في تغييب متعمد لأي مشاركة شعبية مسؤولة ولا سيما حين سمح للسياسة الرامية إلى تصفية الرجعية تحت مصطلح أعداء الثورة فتشمل كل ذى رأي، الأمر الذي قوى الأمل في إمكانية العودة إلى الحياة الحزبية الصحيحة، لولا أن السادات استطاع أن يحصر الأمر في الناحية الشكلية ليكون ذلك كله حديث الشخصيات الروائية التي استطاع الراوي أن يحشدها كي تبلغ بما كان منشغلاً بتبليغه من حوار لا يعرف التوقف بين الشخصيات المتحلقة حول رجل التعليم المعروف الأستاذ جرجس المحال على المعاش والذي يتخذ من المقهى مكانه المفضل لقضاء أوقات فراغه مع عدد من رفاق العمر وزملاء العمل والتفكير ممن وجدوا ضالتهم في ذلك الفضاء يتبادلون الرأي حول ما يجرى ويخمنون عما يمكن أن يأتي ويفكرون في من غاب، ولا سيما العميد صبحي ميخائيل ابن أخت الأستاذ جرجس وزوج كريمته أنصاف جرجس أبرز مُدرسات التاريخ والخبيرة به فيما بعد، والتي ورثت من والدها محبة الدكتور طه حسين والاعتزاز بدوره الثقافي والمداومة على قراءة كتبه، لما لها من الأهمية من ناحية ولتتلمذ الو،الد جرجس على عميد الأدب العربي من ناحية أخرى، مما دفع السيدة أنصاف إلى المسارعة بقراءة أهم كتب طه يوم الإعلان عن رحيله، فكان الحديث عن شخصية الدكتور طه حسين أدبياً وسياسياً وصاحب نظرية جعلت التعليم بمثابة الهواء للناس كافة موضوع حديث الناس في ذلك اليوم، لولا أن ضاعف الإحساس بالمأساة بالنسبة للسيدة أنصاف ورود الأنباء المتعلقة بتأكيد وفاة زوجها العميد صبحي ميخائيل الذي استشهد في حرب أكتوبر وتعطل التثبت من مصيره هذا بعض الوقت وكان جرجس هذا قد اختار لحفيدته ابنة أنصاف من ابن أخته الشهيد صبحي «سوزان» تقديراً للدور الذي قامت به المرأة الفرنسية سوزان التي اقترن بها طه حسين، ورافقته في مشواره الحياتي والعلمي جامعة بين رعايته كزوجة وإلى قراءة له كمبصرة بل ومدونة لما كان يملى من مقالات صحفية ودراسات أدبية، وقد كان من مفاخر الأستاذ جرجس وهو ما ظفر به من اهداء مدون سطرته يد الدكتور يد طه حسين على بعض كتابته وكدلك ما سجله من ملاحظات تشجيعية وهو يقرأ لجرجس ما كتبه في بداية دراسته، ولا سيما فيما طلب منه كتابة اسم الجلالة على كتابته لأن ذلك من تقاليد المسلمين وليس المسيحيين الأقباط لأن هذا النوع من الكتابة يعني التزييف والدراسة تفرض الاجتهاد ونيل الدراجات وليس النفاق.

بلغت صفحات هذه الرواية ستمائة وسبعين صفحة من الحجم الشايع في أكثر كتب هذه الأيام، قسمت إلى فصول أو لوحات قاربت المائة وعنونت في الغالب بأسماء الشخصيات مع تحديد تاريخ يوم وسنة، والهدف من ذلك ربما أو الذي يستطيع القارىء أن يخرج به، حين يقرن قراءته بفعل التأويل، هو تباين مستوى النحو المتحقق لكل شخصية من خلال واقع الحال، وأن الشخوص يحيون داخل مصر ويتعاطون مع أحداثها مباشرة وهم يهجرون إلى حيث توفر شروط الحياة الجديدة والتي كانت يومئذ متاحة في الخليج ولا سيما دبى تحديداً، وقد قسم الراوي نصه هذا إلى جزأين فأتاح لمن يقرأ عمله من موقع المتابعة المسؤولة إمكانية الوقوف على المتغيرات وكذا لعبة الزمن، فتيسر تبعاً لذلك الوقوف على الصراع الذي احتدم بين عديد القوى السياسية وبالذات تلك التي لم تستطع التماهي مع مشروع السادات السياسي الذي اكتسب شيئاً من بريقه من خلال حرب أكتوبر التي حقق فيها نصره أو بالأحرى استطاع أن يقطف ثمرتها بعد أن أعدلها من سبقه، بيد أننا رأيناه يعجز عن تحقيق ما كان ينتظر منها لحياة الناس إذ كانتر الأسعار تزداد في كل يوم مستهدفة على نحو خاص ما يمس حياة الناس، من الخبز إلى الطاقة إلى مستلزمات الدراسة، في حين كانت الأسواق تمتلىء بالكماليات المستوردة من كل أنحاء الأرض فيكون ذلك كله موضع اهتمام ونقاش مثقفي مصر ورموزها الذين تعج بهم مقاهي مصر على مختلف مستوياتها وما كانت تتيحه من مقومات الحرية الشخصية فينشط الحوار بين عديد الفصائل ولا سيما تلك التي وإن كانت قد لقيت ما لقيت من التعسف والظلم في مرحلة من مراحل العهد الناصري إلا أنها لا تنكر على ذلك العهد ما أنجزه في مجال الضروريات المتصلة بقوت الناس وتعليمهم، وهو ما بدأ يتأثر ويرجع إلى الخلف مما يجعل من ذلك كله موضع مناقشات أولئك الذين يتحلقون حول الأستاذ جرجس من أمثال مرسي الشوبكي أبرز الرموز الوطنية وغيرهم من الذين عمرت بهم التنظيمات السياسية الجديدة ابتداءً من حزب التجمع والوفد الجديد ونقابتى الصحفيين والمحاميين وغيرهما من الفضاءات النقابية تلك التي وقع عليها العبء الأكبر في مناهضة مخططات مبارك وهو يرث السادات ويأخذ في إعادة تنظيم مجموعة هياكلها في اتجاه المضيء حول الخصخصة وبيع القطاع العام بأبخس الأثمان كانت الحياة الجديدة قد امتلأت بعديد الرموز التي اتخذت من سياسة الانفتاح المشبوهة سبيلاً للاثراء السريع ولا سيما تلك التي وجدت شيئاً من الفرص للعمل في دول الخليج التي فتحت الأبواب على مصراعيها لكل من يتبين استعداده لتبني التوجهات الجديدة القائمة على توظيف الأموال المنهوبة في الكسب السريع وتجليات هذه السياسة في الترويج للباس الحريم وما يلحق به من مظاهر التدين المصطنع والذي كثيراً ما يصطدم بالواقع الحقيقي للناس على نحو ما ثبت من زيف ذلك الزوج الذي طالما فاخرت به ودادعبدالحميد على زميلاتها من أمثال أنصاف ومن في حكمها من رافضات هذه السيرة فإذا بوداد هذه تفجع من زوجها حين تمسك به متلبساً في بيته مع شغالته الفليبينية فإذا ما جهرت وداد هذه باحتجاجها كان رده أنها زوجة على سنة الله !

كانت هذه النسوة من ذلك الجيل الرافض لما كان يلوح في الأفق من متغيرات بدت تطال على نحو خاص ما ساد المجتمع المصري من أنواع الحرية الشخصية من ناحية وتذكي التناحر الطائفي والخلاف غير الحضاري في مختلف الشؤون، على قاعدة امتلاك الحقيقة المطلقة لطرف وانعدامها عند الطرف الآخر، أنها التقاليد التي دشنها السيد أنور السادات ببرقماتيته المعروفة، ولم يتردد ـ ولو على نحو أكثر دهاء ـ في الابقاء عليها خلفه حسني مبارك الذي لم يغير من توجهات السادات قيد أنملة، مما تفطن إليه اليقظون من ساسة مصر ومثقفيها وحملة الفكر التحرري فيها، أن التصفية كانت شخصية وكانت ترمي إلى تغيير الوجوه وأفساح الطريق لمن عساه يكون أكثر قدرة للمضى في الطريق المرسوم بأعتبار حسني المذكور لا يتوفر على أي هوية سياسية فقد كان عسكرياً محترفاً بامتياز الأمر الذي هيئا له الاستمرار في تنفيذ المطلوب منه دون أي صعوبات تذكر بل ويتطلع مع الزمن والبقاء في السلطة لعقود طويلة إلى توريث العرش لابنه من بعده على الرغم من التحذيرات التي طالما بادر باسدائها الببعض ممن لا تعتبر أراؤهم شخصية بندر ما تمثل الايحاء بما تحب اشاعته الدوائر المسئولة، على نحو ما رأينا في مقالات وأحاديث الصحفي والاعلامي الكبير محمد حسنين هيكل الذي لم يتخلَ يوما عن سخريته من مشروع التوريث هذا، ولم يتردد في المطالبة بإخراج مبارك من شرم الشيخ عندما حاول أن يتخذ من إحدى منتجعاتها مقرا له بدعوي الاستشفاء وكان بعض العالمين معه قبل الاطاحة به لا يترددون في الذهاب إليه صباح مساء كما لو كان المطلوب هو تركه يسير الأمور من وراء الستار، مما دفع الشارع إلى التحري عليها إلى اعتقال مبارك وبقية شركائه ومن ثم محاكمتهم جميعاً.

وعلى الرغم من أن الرواية لم تتعرض في سردها سوى للفترة القصيرة من أشهر الانتفاضة لتى انتهت بإسقاط مبارك، إلا أن معظم الأحداث والوقائع ومراحل السرد المتقن والصراع الحاد بين مختلف القوى كان مكرساً بالكامل لتلك المعركة الكبيرة التي بدأت من اليوم الذي أُذيع فيه رحيل الدكتور طه حسين وجاء فيه نبأ استشهاد العقيد صبحي جبريل زوج السيدة انصاف ووالد سوزان التي اكملت في مصر جمع مراحل تعليمها جامعة بين الدراسة والنضال ومن ثم المساهمة في تنظيم حركة كفاية التي كان من بين رجالها الدكتور عزت الطبيب الذي ارتبطت به وجدانيا عندما جمع بين الطب والانحياز الكبير إلى الفن وقبل ذلك الوطن وسواء كان عمل ناصر عراق هذا وهو ينتقل بشخصية بين القاهرة ودبي يقترب من السيرة الذاتية فيتخذ منها مادة لهذه الرواية أو أنه عول عليها في اخصاب المخيلة فأن العمل يستحق الكثير من التزكية والكثير من الاشادة وان وصفه بالملحمة لم يكن إلا من خلال ما توفر له من شروط الموضوع والتناول وصولاً إلى تقدمية المضمون وأجمل فأقول أن ناصر عراق الذي عرفته الثقافة العربية اعلاميا وكاتباً صحيفاً دائب الحضور، والذي كما تقول الفقرة الموجزة من سيرته على غلاف هذه الرواية التي اضافها إلى رواياته : أزمنة من غبار .. من فرط الغرام .. تاج الهدهد، وبعد أن وصلت روايته «العاطل» إلى القائمة القصيرة في الجائزة العالمية للرواية العربية «البوكر العربية» بما حقق هنا من سلاسة اللغة ورشاقة والحوار والمزج بين الدعابة الجميلة والسخرية الموحية قد أكد بقوة حس استثماره لثقافة الواسعة ومزجه بين فن السيناريو والقص بل لعله بهذا العمل الضخم قد وضع تحت تصرف الفضائيات العربية ما يمكن أن يغنيها لفترات طويلة بعديد المسلسلات الفنية بكل ما يعمق الوجدان العربي وينتصر للضمير الانساني والمنحاز أبدا لما يخدم التقدم ويقاوم الجمود ويشد العربة إلى الخلف.إنتهى



_______________________________


موقع الكاتب والاديب : أمين مازن

  www.aminmazen.com © 2019 - 2008

طرابلس - ليبيا

Tel 0913245901