من إختيارتنا



النقد الليبي .. النظرية و(الموضة ) النقدية


عبد السلام الفقهي


يبدو المشهد النقدي الليبي الحديث حاضرا وغائبا, ربما لوقوعه في منطقة مربكة بين القارئ والكاتب , وهو ما يدفع بالسؤال اتجاه استجلاء كنه هذه الوضعية وكيف يمكن فهم طبيعة وجوده كممارسة .

كما يضعنا في مواجهة اسئلته الخاصة , وأوجه القصور الذي يلحق طبيعة العمل النقدي على المستوى المحلي والعربي .

هذه التساؤلات كانت موضع نقاش خاص ب(الوسط) في حوارمع الناقدين عبد الحكيم المالكي والدكتور حسن الاشلم بمصراتة جرى على النحو التالي .


اطرح السؤال القديم الجديد هل لدينا نقاد ؟


عبد الحكيم المالكي :

اعتقد ان لدينا نقاد , بحكم التراكم المعرفي الموجود على المستوى الاكاديمي في الجامعات الليبية وخارجها , اضافة الى عمل المختبرات النقدية بمصراته , طبرق , البيضاء .وبنغازي ..الخ

وتبقى القضية المفصلية هنا الطباعة والنشر , هناك الكثير من بحوث الدراسات الجامعية (ماجستير ودكتوراه ), تتناول الادب الليبي باتجاهاته المختلفة في القصة والشعر والرواية , جميعها لازالت حبيسة الادراج للسبب الذي ذكرته ,ونحاول في المختبر النقدي بمصراته بمشاركة زملاؤنا من الكتاب والنقاد تذويب أو كسر هذا الحاجز عبر النشر الالكتروني ) .


مالذي جعل النقد الاكاديمي معزولا الا في نطاق ضيق ؟


د. حسن الاشلم :

لأسباب منها عدم السماح بطرح مصطلح الادب الليبي , وفرض على الاكاديميين دراسة الادب العربي بصفة عامة , وبذا خسر النقد الاكاديمي حلقة مهمة في سلسلة مراحل تطوره .

مع منتصف التسعينيات بدأ النقد الجامعي في الاعلان عن وجوده , ومع بروز المختبرات النقدية واقترابها من القارئ عبر الفضاء الالكتروني وغيره , ادرك الناقد الاكاديمي ضرورة التحرر من العزلة وأهمية تواصله مع الجمهور كخطوة مقابلة .


من خلال دراستك للسرد الليبي , هل اصبح للرواية الليبية حضورها وكيانها الخاص ؟


عبد الحكيم المالكي :

الرواية كانت حاضرة منذ التأسيس , ربما كان لها تناص في ستينيات القرن الماضي مع التاريخ , وتناص مع الرواية المصرية كما في كتابات المرحوم القمودي , الا ان الاجيال اللاحقة اتجهت للقضايا الليبية , خصوصا مع مرحلة الثمانينات والتسعينات , متمثلا في النتاج الروائي لخليفة حسين مصطفي , احمد ابراهيم الفقيه , وابراهيم الكوني , ف(حقول الرماد ) لأحمد ابراهيم الفقيه هو عمل ليبي بامتياز , كذلك الروائي خليفة حسين مصطفي الذي عكس تكوين بيئته الطرابلسية في أعماله , وتبلورت في ثنائيته الشهيرة ( ليالي نجمة ) , الكوني أيضا كتب عن جزء من البيئة الليبية وهو الصحراء وعالم الطوارق بنهكة محلية . ولو أمكنني التحديد اقول أن الرواية الليبية حققت شرط خصوصيتها منذ السبعينيات في عمل (من مكة الى هنا ) للصادق النيهوم .


هل الدراسات النقدية في ليبيا موازية لحيوية النص السردي وموضوعاته ؟


د. حسن الاشلم:

على المستوى الممارسة المنهجية لا زالت متأخرة عن مواكبة درجة النضج الذي وصل اليه السرد الليبي , بسبب غياب المرجعية الثقافية في التعامل مع المناهج , واشكالية اللغة الثانية عند بعض النقاد الليبيين , اذ لازالنا في مرحلة المحاكاة للتجارب المجاورة , قطعنا مرحلة مع المدرسة المشرقية , ومع بداية التسعينيات دخلت المدرسة المغربية , وبذا فالنقد الليبي لم يحقق القفزة المطلوبة في تحويل المحاكاة الى لغة معرفية والنفاذ الى عمق المرجعيات النقدية المعاصرة .

هل القصور مكمنه غياب الخلفية الفلسفية او الصراع الفكري الذي يصل بأسئلة النقد الادبي الى نضجها الحقيقي ؟


عبد الحكيم المالكي :

الجدل الفكري ربما يكون لذى المنظرين , ونحن في احسن الاحوال اذا امكننا تطبيق النظريات او تمثلها فهي خطوة جيدة , انا اتكلم هنا على المستوى العربي , فأغلب المنتج العربي في المشرق و المغرب يرتهن الى النظرية النقدية الغربية.

مشكلة المشهد النقدي الليبي تكمن في عدم وجود تقاليد , بمعنى معلمين تستطيع الاجيال من خلالهم تمثل النظرية , ما يجعل لكل مدرسة نقدية رموزها وشخصياتها .


البعض يرى ضرورة ايجاد نظرية نقدية عربية بديلة ؟


عبد الحكيم المالكي :

لا فرق عندي بين نظرية قادمة من وراء البحر, أو من تحت البحر (ضحك ) .. القضية متعلقة بالأدوات المناسبة للنص الادبي , اضافة الى وجود خطأ اخر مرتبط باستيراد هذه النظريات , فالبون شاسع بين محا ولة تحليل نص أدبي من خلال نظرية تنتمي لمرحلة تاريخية معينة , وبين امكانية اثبات نجاح نظرية نقدية معينة عن طريق نص أدبي , وهذا اشكال تعاني منه التجربة النقدية العربية , الذين تمحور اشتغالهم على استعراض للنظريات من خلال نصوص , بحسب الموضة النقدية, الامر تحول الى موضة.


قد يدخل الناقد في اشكالية التحليل المبهم أو الغامض ما تعليقك ؟


د. حسن الاشلم:

هذا يذكرني بما قاله الناقد صلاح فضل معلقا في مقابلة معه , عندما يعود لقراءة مقاله الاول في مجلة فصول بعنوان (محتوى الشكل ) متأملا تلك اللغة ويستغرب كيف كان يكتب بتلك الحدة , الامر مرهون بالتجربة والخبرة حال تملك الادوات .

كتب انيس منصور ذات مرة مقالا , وقيل له ان العقاد قد امتدحه , فأجاب (اذا كان العقاد مدح المقال فلا أعتقد ان أحدا في مصر فهم شيئا منه ) , ويقول انيس منصور ( توقفت عن الكتابة اربعة أشهر وأعدت كتابة المقال ستة وعشرون مرة حتى يفهمه كل شخص في مصر ) .


ما التابو الذي يخشاه الناقد؟


عبدالحكيم المالكي :

الناقد معني اولا واخيرا بتحليل النص , ولا يريد ان يقدم معرفة جاهزة تتسبب في مشكلة للكاتب , اشتغلت على العديد من النصوص وادرك ما تحيل اليه في سياقاتها , لذلك اكتفيت بالدوران حولها, وبما لا يلغي جوهر العملية التحليلية .

هناك ايضا محاذير لها علاقة بالجانب الاخلاقي , ولك ان تتخيل اذا كان كاتب النص انثى وفي بيئتنا الشرقية والعربية تحديدا ماهي العواقب التي ستترتب حال ذكر هذه الجوانب .

يجب الا نضع كل الاشياء في دائرة التابو , نحن في النهاية بشر ولدينا مواقفنا في الحياة , ورؤيتنا الفلسفية والدينية والتحررية .. الخ , شرط الا تحاكم رؤيتي الخاصة النصوص .


د. حسن الاشلم :

المفارقة أنه بعد سنة 2011 ساد الاعتقاد بان جميع التابوهات سقطت , وجاءت بعض الكتابات كرد فعل او تصفية حساب مع الماضي, وهو ما وضعها في قالب التسطيح والذي قد يصل حد الفجاجة , وتراجعت في المقابل المسألة القيمية في الطرح و عمق التناول .ومرد ذلك للأسف غياب التكوين الثقافي والمعرفي الساند لوجهة نظرها .انتهى


________________________________



عراجين: تجربة نضالية *


     في ظل الأنظمة الديكتاتورية.. كل طرق الحرية تؤدي الى التهلكة موتاً أو سجناً أو نفيا، فهي تستهدف اخضاع المجتمع وبالخصوص القوى السياسية والنخب المثقفة لمشيئتها، ويكون بطشها مثلما المنايا خبط عشواء، من تصبه يُقتل أو يغيب، ومن تخطئه سكنته المخاوف وشله الرعب؛ فما بالك بالذي يتجرأ وينشغل بأسئلة الواقع المتعددة الأبعاد، برؤى وأفكار مختلفة عن ايديولوجيتها السائدة، ويشارك في حراك يتماس مع القضايا العامة السياسية لمجتمعه، اجتماعيا ثقافيا، سعيا للمساهمة في تنوير العقول وتحرير الارادة.

     ومنذ وقوع الانقلاب العسكري في العام 1969.. وشيئا فشيئا أخذت القيادة العسكرية للنظام الجديد تفرض سيطرتها على مجمل مناحي الحياة في البلاد، وذلك بتصفية الرموز المنافسة في المؤسسة العسكرية، وإسكات الأصوات المدنية المعارضة، الداعية إلى توسيع المشاركة أمام القوى الوطنية في البناء والتنمية، برؤى عقلانية، بدلا من خطاب عصابي موتور، يتكئ على روابط تتجاوز خصوصية الواقع المحلي.

     وفي العام 1972 وبموجب قانون تجريم الحزبية، والذي يعد استكمالا واستمرارا لحالة الحظر التي فرضها العهد الملكي منذ 1953 على تشكيل الاحزاب والتنظيمات السياسية، شدد على اتخاذ الاجراءات الصارمة، بتعديل قانون العقوبات، تجاه المنضمين لأي تجمع أو تشكيل يخالف سياسات السلطة، وتجريم أشكال وممارسات التعبير الحرة، بالإضافة الى منع حق التظاهر والاعتصام والإضراب.

    وخلال تلك الفترة شهد الاعلام الليبي، وكل ما يخص مسألة حرية التعبير، مزيدا من القيود. وكانت البداية مع العشرين من نوفمبر 1969 بإغلاق صحيفة "الميدان"، لصاحبها ورئيس تحريرها الأستاذ "فاضل المسعودي"، بعد تعرضه للتحقيق الأمني، من قبل "فتحي الذيب" ضابط المخابرات بالنظام الناصري، وتهديده بالسكوت أو القتل، مما دفعه إلى الخروج والعيش قسريا في المنفى.

     والمعروف أن الصحفي فاضل المسعودي كان أحد المحسوبين على قوى اليسار والتقدم في ليبيا، والمفصول من عمله فى ولاية فزان بقرار ولائي، والمدان بالسجن سنة بتهمة رأي،  والمرخص لصحيفته بحكم من المحكمة العليا في 14 ديسمبر 1964، وذلك بعد ثلات سنين طويلة مملة من تقديم الطلب. وقد تركزت كتاباته فى المطالبة بالتخلص من المعاهدات الأجنبية، البريطانية والأمريكية ومجابهة النفوذ الأمريكى فى ليبيا وبقية المنطقة والانتصار لحركة التحرر الوطني والتصدي للدكتاتورية والدفاع عن الديمقراطية وتبنى الحركة العمالية الليبية الجديدة والدعوة للسلم والتقدم. وكان مديرا لتحرير صحيفة "الليبي" التي أوقفت عن الصدور وذلك لنشرها فى السابع من أغسطس 1960 افتتاحية عن التغيير في العراق وإسقاط الملكية، فاعتبرت بأنها كانت تمجيدا صريحا للثورة ودعوة للإطاحة بالنظام الملكي !

     وكان الصحفي المصري "أحمد بهاء الدين" قد كتب مقالا اقترح فيه وحدة اقتصادية ركائزها، الأموال الليبية والعمالة المصرية والأراضى السودانية، فكان رد المسعودي عنيفا، منسجما مع مواقفه السابقة، وهي المعاداة الشديدة للانقلابات العسكرية والأنظمة الدكتاتورية فى بلدان الشرق الأوسط. وكان قد نشر قبلها افتتاحية، في عدد سابق، بعنوان "عقدة العسكر" ينتقد الانقلابات العسكرية في افريقيا، وبالتالي فالرد بمقالة طويلة كانت نقطة الانطلاق للهجوم على الحركة الانقلابية، وتشمل تحالفاتها وتوجهاتها القومية الناصرية، الساعية للاندماج والتوسع مع جيرانها.

      ونشرت المقالة، مفرودة، على أعمدة الصفحة الأولى، بعنوان وهو المانشيت الرئيس " نحن أحوج من الجميع بأموالنا"، ومصحوبة بصور لأطفال من الجنوب الليبي، يرتدون أسمالا بالية، معتبرة أن مثل هذه المشاريع عابرة الحدود غير حقيقية وغير مثمرة، بالنسبة لليبيا، مالم يتم البناء أولا من الداخل. بل واعتبر مقال بهاء الدين تعبيرا عن روح الطمع والجشع التي تتربص بليبيا وثروتها واستغلال هذا الانقلاب، المدعوم من السلطة الناصرية، للسطو على نفطها. وعلى الفور صودر العدد من السوق بعد توزيعه، وأغلقت الصحيفة، وكما جاء ـ يذكر الكاتب "أحمد ابراهيم الفقيه" ـ حرفيا في التأشيرة التي كتبها رئيس الانقلاب بخط يده "توقف صحيفة الميدان وإلى الابد".

     ويذكر الصحفي "المهدي كاجيجي"، في مقال نشر في موقع الوسط، بتاريخ 10 أكتوبر 2017 بأن القذافي، وفي اجتماع مع الطلاب بجامعة طرابلس، قال بالحرف الواحد وهو يشير إلى مسدسه، وذلك عندما سئل عن سبب إغلاق جريدة الميدان: "لو كان كاتب المقال أمامى لقتلته".

     وكانت الرقابة، في تلك الفترة المبكرة للانقلاب، تتم مباشرة على الصحف، بتواجد مندوبين عسكريين عن السلطة، يحضرون إلى المطابع، ويتمنطقون بالمسدسات، للإطلاع على مسودات الصحيفة الجاهزة للطباعة، ولهم كل الحق في اصدار ملاحظاتهم وتعليماتهم، بكل عنجهية وتكبر، باستبدال صور أو إلغاء مقالات أو شطب فقرات أو سطور منها، وفي أحيان قليلة يكتفي المراقب، بحكم الاستنامة إلى سلطته، بالاستفسار والتقصي عما ينشر في الصحيفة عن طريق التليفون، مثلما حدث مع العدد الأخير لصحيفة الميدان.

     واستمرت الرقابة المباشرة إلى أن صدر القانون 75 لسنة 1973 بتأميم جميع الصحف الخاصة المستقلة، وكان قانون المطبوعات 76 الصادر في العام 1972 قد حصر حرية التعبير في اطار مبادئ وقيم وأهداف المجتمع، والتي تعني تطبيقيا التبعية لسياسات النظام وتوجهاته. وبالرغم من أنه لم تخل فترة الملكية في ليبيا من انتهاكات طالت الصحافة والصحافيين كما حدث مع إيقاف أكثر من صحيفة، إلا أن هامش الحرية كان كبيرا مقارنة بالمرحلة التي تبعت مجيء العسكر للحكم.

     ومن المهم الإشارة إلى أن قانون المطبوعات، الصادر بمرسوم ملكي رقم 11 عام 1959 نص في مادته الأولى على أن الصحافة والطباعة حرة، ولكل شخص الحق في حرية التعبير عن رأيه، وفي إذاعة الآراء والأنباء بمختلف الوسائل، وأعطى الحق لكل مواطن أو أجنبي مقيما في ليبيا الحق في إصدار صحيفة أو مجلة أو إذاعة. كما لم ينص القانون على أي شروط تلزم صاحب الصحيفة بأن يتبع سياسات البلد وتوجهات الدولة.

     وفي الخامس عشر من ابريل لعام 1973 تم الاعلان الصريح عن بداية عصر الديكتاتورية الفوضوية في ليبيا، ففي خطاب شهير، للعقيد القذافي، حُددت الخطوات العملية لتفكيك نظام وبنية الدولة الليبية بما عرف بالنقاط الخمس، والتي تضمنت تعطيل القوانين، وتدمير قواعد الادارة في المؤسسات، وإلغاء معايير الكفاءة والجدارة، والقضاء على الحزبيين، وإعلان الثورة الثقافية. وقد عنت النقطتان الأخيرتان المجالين السياسي والثقافي وذلك بالتهديد والتنفيذ المباشر والعملي بقمع المعارضة، وإسكات الصوت الحر، ورفض المشاركة إلا بالتأييد والمبايعة، وذلك لغرض سيادة فكر الزعيم الأوحد.

     وعقب ذلك انطلقت اجهزته القمعية لإلقاء القبض على المئات، بينهم الكثير من الكتاب والأدباء والإعلاميين والنشطاء السياسيين المستقلين ذوي التوجهات الفكرية المختلفة والمعارضة لتوجهات العسكرة، وتم ايداعهم فى السجون والمعتقلات، والذين كان قد تم رصدهم ومتابعتهم مبكرا، وخاصة عندما اصطدم بهم القياديون العسكريون اعتبارا من الندوة التي نظمت تحت مسمى "الفكر الثوري" 1970. وكان للخطاب، وما تبعه من إجراءات، الأثر الأكبر فى بث حالة من الرعب والخوف وخاصة في أوساط المثقفين والسياسيين.

     وهكذا أصبحت الطرق، التي يعبرها الليبيون عبر هموم وأمال تتماس والشأن السياسي الوطني العام، محفوفة بالمخاطر حتى في بعدها الثقافي الفكري، لأن الأنظمة ذات الطبيعة الإيديولوجية الشعبوية ـ وكما يقول محمد الفقيه صالح في كتابه (في الثقافة الليبية المعاصرة ـ ملامح ومتابعات): " تنظر إلى استقلالية الثقافي بعين الريبة والشك، فهي ترى فيه منافسا لها على التملك الثقافي للمجتمع، فضلا عن اعتباره ملاذا للسياسي المصادر ـ بدوره ـ والمختلف، ومحل اختمار لظهوره على مسرح الاجتماع السياسي".

     ونشير هنا إلى الإيديولوجيا بمعناها السلبي, حين تتحول الأطروحات الفكرية السياسية، للقوى الاجتماعية السياسية وللسلطة الحاكمة بالخصوص، إلى منظومة متعصبة ومغلقة، تؤدي إلى الدفع بأجهزتها، إلى التدخل للهيمنة على كل حراك اجتماعي ثقافي فكري, وتفرض على كل مؤسسة، مهما يكن تصنيفها, أن تخضع للخطاب السياسي السائد, على نحو مباشر, باعتباره حكمة الشعب والتاريخ والصواب, متجاهلة أن الوعي الإنساني عملية معقدة ومفعمة بالتناقضات وليس نسقا ثابتا مغلقا مثلما هي الحياة خصبة ومتنوعة".

     واستنادا على تعريف الثقافة بأنها العلوم والمعارف التي يدركها الأفراد من مجموع ما يتوصل إليه المجتمع في حقول متعددة من أدبٍ وفكرٍ وعلم وفن وتقنيات، فإنها تكون المؤثر الرئيس في تشكيل الشخصية الانسانية، وعيا وسلوكيات، وبما يجعلها من أهم عناصر إحداث التغيير والتحول في المجتمع.

     وتتمظهر الصحافة الثقافية عبر الفضاء المتاح في الوسائط الاعلامية المتعددة، الجرائد والمجلات والتلفاز ومواقع التواصل الاجتماعي، والذي يعرض فيه الكتاب والأدباء نتاجهم الذي يشمل الإبداع الأدبي والفني والكتابات النقدية، وعرض الكتب، والمتابعات للمناشط الثقافية، والنقاشات والمعارك الفكرية، والحوارات مع الرموز الثقافية، بالإضافة إلى الكتابات المتنوعة التي تعنى بالتجربة الشخصية والاجتماعية والتاريخية والقضايا الفكرية والسياسية التي ينشغل بها الرأي العام، وتتركز رسالتها في كونها مصدر للفكر والثقافة أدبا وفنا ومنبر للرأي والرأي الآخر، وتستهدف التحديث الاجتماعي والحداثة الحضارية في الديمقراطية والتقدم العلمي وتجاوز التخلف الاجتماعي والتعصب الفكري والتطرف المذهبي عبر زيادة المعارف وتوسيع المدارك والتنوير الفكري.

     وكانت الصحافة الورقية في ليبيا قد بدأت مع جريدة "طرابلس غرب" 1866 أواسط القرن 19، ثم ظهرت بشكل واضح، ومنتظم، بعد الحرب العالمية الثانية، والمعروف أن تاريخها وأثرها المعرفي التنويري،وكما يقول الدكتور "الطيب الشريف"  في كتابه "الصحافة الأدبية في ليبيا"، قد مر بمنعرجات خطيرة ومشاكل كثيرة عبر العهود المختلفة، وعانت من التضييق عليها، وبالرغم من ذلك، فقد كان لها، في مساحاتها الثقافية، وفي الـعشرين سنة الأخيرة في مرحلة الاستعمار الإيطالي، أثر في تثقيف الشعب بثقافة عصره، وتوعيته. ومن أهم علاماتها مجلة "ليبيا المصورة" الصادرة في العام 1935، والتي قد تثير اشكالات متناقضة لدى الدارسين، بكونها تصدر تحت سلطة استعمارية فاشية، وتستهدف التقرب من النخبة الليبية المثقفة، لأجل ما يعرف اليوم بالتطبيع، إلا أنها منحت الفرصة لكثير من المثقفين والمثقفات الليبيين للنشر، واعتنت بالثقافة المحلية والعالمية، ناهيك عن اهتمامها الخاص بالأدب، وخاصة بدايات القصة القصيرة في ليبيا.

     ثم دخلت في فترة الأربعينيات، بعد الحرب العالمية الثانية، وفي عهد الادارة البريطانية، مرحلة جديدة كان لها بسبب اتساع مساحة حرية التعبير والنشر، وتشكيل الجمعيات والاحزاب، تأثير ثقافي عميق في الواقع الليبي الثقافي والسياسي والاجتماعي، حيث لعبت دورا هاما مع القوى الوطنية السياسية في السعي لتحقيق الاستقلال وتأسيس الدولة الليبية، ومن الصحف "الوطن" التي أصدرتها جمعية عمر المختار 1943 ، والتي يرئسها مصطفى بن عامر و"المرآة" و"الفجر" .

      وفي فترة العهد الملكي، ورغم اجراءات الاغلاق لبعض الصحف المستقلة مثل " الليبي " لصاحبها الاستاذ علي الديب و صحيفة نقابة العمال "الطليعة" عام 1961، أو التضييق على بعضها الآخر، بسبب مواقفها الوطنية وانتقاداتها للسياسات العامة السياسية والاقتصادية، إلا أنها لم تلجأ إلى تأميم الصحافة الحرة والتي سبق وجودها تأسيس المملكة الليبية.

     وقد شهدت تلك المرحلة ـ حسب ما جاء في موقع المنارة اللالكتروني ـ  صدور ما يزيد عن 14 صحيفة يومية وأسبوعية، و13 مجلة شهرية أو نصف شهرية و8 صحف ناطقة باللغة الانجليزية و3 صحف ناطقة باللغة الايطالية. وكانت نسبة الصحف المستقلة تبلغ 65 %، من إجمالي الصحف المتداولة. ومنها صحف "الرائد" و"العمل" و"الليبي" و"البلاغ" و"الحرية" و" الزمان" و"الرقيب"، بالإضافة إلى صحف الدولة "طرابلس الغرب" و"برقة الجديدة" و"فزان" .

     وقد كان لها أثرها البالغ في مختلف شؤون الحياة الليبية وبصورة خاصة في المجال الثقافي، والذي حظي بهامش كبير من الاستقلالية، فكانت الحاضنة الشرعية لولادة الكثير من المبدعين والمثقفين الذين أثروا الحياة الثقافية والسياسية، وتجلى ذلك في في نشر الثقافة الوطنية والانفتاح على الثقافة العربية والعالمية، كمجلة "الرواد" 1964 التي تصدر عن وزارة الأنباء والإرشاد و"صوت المربي" التي أصدرتها نقابة المعلمين و"هنا طرابلس الغرب" 1954 التي أصدرها مكتب إذاعة طرابلس ثم "الإذاعة" 1961 و"ليبيا الحديثة "1963 ، وكانت لها فضل المساهمة في التنوير وزيادة المعرفة مثل صحيفة "الميدان"، وبما جعلها تتمكن من توسيع قاعدة جمهورها وخاصة في الأوساط الشبابية من طلبة الثانويات والجامعة حتى أن تلكم المرحلة جعلت من الكتاب نُجوما كما نجوم الفن والكرة، مثل صحيفة " الحقيقة ".

      أما مع السلطة الشعبوية، وبقيادة العسكر، فقد خضعت مبكرا للرقابة المباشرة، ثم تتالت القرارات والقوانين التي حاولت الحد من حرية التعبير، وتضييق الخناق على استقلاليتها، حتى وصل الأمر إلى تأميمها. وعلى ما جاء في تقرير موقع المنارة، صدرت أول صحيفة يومية في 20 / 10 / 1969 تحت اسم صحيفة الثورة. ولكن واكب ذلك تراجع في الصحافة على مستوى التشريعات وعلى مستوى الممارسة، إذ انحصرت الصحافة اليومية في 4 صحف رئيسة، ثلاثة منها (الجماهيرية والشمس والفجر الجديد) تابعة للمؤسسة العامة للصحافة، وواحدة (الزحف الأخضر) تتبع حركة اللجان الثورية. وبالرغم من احتكار هذه الصحف لمجال النشر والإعلان إلا أنها ظلت محدودة الانتشار ولا تتعدى مبيعاتها بضعة الآف، بل إن بعضها تقلص إلى 1500 نسخة، يتم توزيعها على المؤسسات الحكومية بشكل إلزامي.

     ولكن مع ذلك لم تتوقف المحاولات، من خلال كتابات الرواد، ومبادرات الأجيال الشبابية الصاعدة، وعبر الصحف والمجلات الرسمية، التي أنشأتها السلطة، في إرساء ثقافة تقدمية جادة، وذلك عبر الهامش الذي لايني يضيق بالآراء الحرة، مثل صفحة " آفاق ثقافية ـ كتابات شابة" اليسارية التقدمية 1976، والتي أشرف عليها الكاتب الصحفي احمد الفيتوري في صحيفة "الفجر الجديد" والتي تم خسفها حين أكملت عامها الأول أو مجلة "جيل ورسالة"1964ـ 2006 وصحيفة الأسبوع الثقافي 1972.

     ثم، وفيما بعد التسعينيات، وبالرغم من التوسع الكمي الذي شهدته الصحافة، بشكل عام، والثقافية والأدبية، على نحو خاص، فإلى جانب مجلة " الثقافة العربية " التي أصدرتها المؤسسة العامة للصحافة 1973 و "تراث الشعب" الصادرة عن اللجنة الإدارية للإعلام الثوري 1980، صدرت "شؤون ثقافية" 2006 و"الجليس" 2007 عن أمانة اللجنة الشعبية العامة للثقافة والإعلام بطرابلس أو ما صدر عن المركز العالمي لدراسات وأبحاث الكتاب الأخصر كمجلتي "المؤتمر" و "فضاءات" 2002، أو في الصحف الثقافية مثل "الثقافي" 2003 التي صدرت عن المنتدى الثقافي باللجنة الشعبية للإعلام والثقافة بالزاوية، و"الفتح الثقافي" 1998 بمجمع الفتح باللجنة الشعبية للإعلام والثقافة بطرابلس، أوفي ملاحق الصحف أو الصفحات المتخصصة بها، كملاحق "الشمس 1995 والجماهيرية 1999 وملحق الراية الثقافي بالزاوية 2001 والجماهير 2005 بمصراته، إلا أنها وبسبب التعسف الفكري للسلطة والتي تعمل على أن تكون الصحافة، والصحافة الثقافية خاصة، مجرد بوق للنشر والدعاية لأفكار السلطة، وتخضع لتوجهاتها الايديولوجية السياسية، كانت تواجه التعثر والارتباك وعدم الاستمرارية وتفتقد التماس مع القضايا الأساسية الحقيقية للواقع الليبي.

        و كانت التعبئة والإعلام الموجه هي الموضوعة الأساسية، طوال حكم السلطة الشعبوية، و يستحوذ الإعلام العام, بوسائله المتعددة, والتي منها الإذاعة والتلفزيون وصحف الدولة, على الدعم المالي ويحظى بالعناية والاهتمام, وبالتالي بقيت الثقافة في هامش الهامش، ويستثنى من ذلك كل ما يخص فكر الزعيم الحاكم. 

     وهكذا يتضح بأنه لم ينظر إلى الثقافة الجادة في بلادنا، إلا نظرة هامشية جدا, مما أدى، وعبر فترات طويلة، إلى غياب فعالياتها وأثارها الايجابية عن الحضور في الداخل والخارج, فالمؤسسات الثقافية, ولضآلة إمكانياتها, ظلت في حالة من التعثر بل وقد يحدث العكس, فلا يتاح لها إنجاز ما هو من ضمن اختصاصها وتقفز جهات عدة على مواقعها، مثل مراكز السلطة المتخصصة في دراسات وأبحاث ايديولوجيا وأفكار الحاكم، أو الأجهزة الإعلامية الأمنية، أو الثقافية السلطوية، والتي تفرض نفسها على ما تجهله، ومما أثر سلبا على اتساع فضائها والتواصل مع الجمهور العام.

     ولم يبق أمام المثقفين الليبيين في مواجهة ضغوط السلطة الشعبوية، ـ يقول محمد الفقيه صالح ـ " إلا محاولة الاحتفاظ باستقلالية الثقافي، من خلال الاستمرار في تأصيل الكيان، وتنمية المدرسة التاريخية والتراثية، وبلورة أدب وفن ليبي يعكس الخصوصية المحلية وينفتح على الحداثة، مع الحرص على اظهار الحياد حيال مايشهده الواقع من سلبيات وقمع، وكان أقصى ما يمكن أن يفعله الثقافي هو أن يستنكف عن المشاركة في حملات التضليل، مع اغتنام كل سانحة لإبراز خطاب ثقافي مغاير للخطاب الايديولوجي السياسي ومتمايز عنه". 

      وكما جاء في كتاب "وثائق رابطة الأدباء والكتاب، بأنه و" حتى المحاولات البسيطة, مثل إصدار مطبوعات لها علاقة بالشأن الثقافي, وتحاول الاستقلالية والانفكاك عن التبعية للسلطة، واجهت العوائق والمصاعب.

      فلم تستمر صحيفة الأسبوع الثقافي الأسبوعية, الأولى المتخصصة في الشأن الثقافي في الوطن العربي، التي صدرت مطلع السبعينات، وأسسها ورأس تحريرها الدكتور علي فهمي خشيم، ثم ترأس تحريرها الكاتب أحمد إبراهيم الفقيه، وبعده الأستاذ عبد الرحمن شلقم، وقد منحها حضورا متزايدا في الأوساط الشبابية بمشاركة جماعة السبعينات الأدبية في تحريرها وقد وصل انتشارها في ليبيا إلى توزيع 20 ألف نسخة تقريبا في 24 صفحة.

     "وأيضا عانت مطبوعات رابطة الأدباء والكتاب الليبيين، كمجلة الفصول الأربعة 1978ـ 2004 ومجلة لا 1991 ـ 1999  قبل إيقافهما وصحيفة المشهد 2003 ـ 2004 أيضا في فترتها القصيرة, متاعب كثيرة من حيث التمويل والدعم المعنوي وضيق أفق الرقابة والتعثر في المطابع.. فمجلة (لا) تم نحرها بقرار ضرورة عرضها على إدارة الرقابة على المطبوعات, للحصول على موافقتها قبل النشر وليس بعده كما ينص القانون،  وعلى أن تتقيد  بالمواضيع الأدبية باعتبارها صادرة عن رابطة الادباء ، علما بأن المجلة كانت تصدر منذ ما يزيد عن 7 سنوات كمجلة ثقافية تتناول قضايا الشؤون العامة  الاجتماعية والأدبية الفكرية والاقتصادية في أبعادها الثقافية.

     وبالمثل ما جرى على مجلة (لا) جرى على مجلة (الفصول الأربعة) رغم أن الفصول الأربعة مجلة متخصصة في شؤون الثقافة والأدب والفكر إبداعا وبحثا, إلا أن الإدارة العامة للمطبوعات طلبت أن يتم وضع ختمها على كل عدد من مجلة الفصول قبل السماح بطباعتها, وبعد حذف وشطب ما تراه من مقالات بأكملها أو بفقرات منها, وذلك لأنها نشرت مقالا في الهوية الوطنية أثار غضبا غير مبرر, إلى حد الضغط عليها للاقتصار على موضوعات أدبية خالصة, بل ورفعت قضية على الاستاذ محمد المفتي كاتب المقال وتعرض إلى التحقيق، بالإضافة إلى رئيس ومدير تحرير المجلة".

     والمعلوم أن قانون المطبوعات الصادر عام 1969 يعطي الحق للسلطات لحبس الصحفيين حبسا احتياطيا أو التغريم بمبالغ مالية كبيرة فى حالة ترويجهم لأية أفكار معارضة لسياسة النظام تحت مسمي بث الدعاية العدوانية ضد النظام أو إشاعة القلق والتفرقة بين المجتمع أو نشر الشائعات التى تخالف الواقع المعاش فى البلد، وقد استخدم ضد الصحفيين كسيف مسلط، بل وقد طال هذا القانون عددا من الصحفيين فى الأعوام الأخيرة.

     ولم تنشأ وزارة أو أمانة خاصة للثقافة, مستقلة عن الإعلام, في ليبيا إلا في وقت متأخر, ولكن وللأسف الشديد انحازت إلى صف أمانة مؤتمر الشعب العام في تدخله التعسفي تجاه حل رابطة الأدباء والكتاب الليبيين بالقرار رقم (59) بتاريخ 14/6/2004 وعلى نحو مخالف للشرعية المتعارف عليها.. شرعية حق الأدباء والكتاب في التعبير عن آرائهم وفى تأسيس وإنشاء رابطتهم ونقابتهم الحرة كما يتوجب. وذلك بأن دعت إلى اعادة التصعيد ( انتخاب هيئة إدارية جديدة ) واصدرت تعميما خاصا بالرابطة دعت فيه إلى إعادة تسجيل اعضاء جدد لاتنطبق عليهم شروط الانتساب، سعيا للسيطرة على الرابطة، بل وكان صوت الوزيرـ والذي يشغل في الوقت نفسه منصب أمين شعبة التثقيف والتعبئة باللجان الثورية ـ يعلو في ملتقيات ومحافل عدة واصفا أعضاء الرابطة بالطلقاء والملاحدة, والذين اشترط عليهم للانتساب إلى الرابطة ضرورة أن يكون لهم شهادة حسن سيرة وسلوك سياسي وأن يقدموا تعهدا بولائهم, في محاولة ضغط وتهديد بالتلويح بتكرار مشاهد سابقة أي السجن واتخاذ إجراءات عنيفة تجاههم كالضرب والتعذيب وعبر الاستناد إلى منظور أصولي مغلق ومتطرف تجاه التنوع والاختلاف.

     وكان قد تعرضت مجموعة من الكتاب والشعراء في أواخر عام 1978 إلى الاعتقال في قضية رأي سياسي أو ماعرف بقضية الصحافة، والذين لم تتوقف ابداعاتهم الأدبية، وكتاباتهم الفكرية، ومشروعهم في تأسيس صحافة حرة ، رغم حواجز السجن والعزلة، وتم التحاق بعضهم، وبعد خروجهم من السجن عام 1988، برابطة الأدباء والكتاب الليبيين، التي رحبت بحضورهم، وأفسحت لهم المجال للانضمام إلى عضويتها، والمشاركة في مناشطها، والتي كان يرئس إدارتها، في تلك الآونة، الكاتب الوطني أمين مازن، ثم وبسبب الفعالية الايجابية، شاركوا في إدارتها وفي الاشراف على مطبوعاتها ونشاطاتها، بحثا عن فضاء ثقافي عام يتيح الفرصة للإسهام في اثراء الحياة الثقافية، وذلك بالإضافة إلى كتاب وأدباء آخرين عانوا تجربة الاعتقال في قضايا سياسية أخرى، أو الذين احتفظوا بموقف وطني مستقل عن السلطة، سواء من جيل الرواد أو من الأجيال الجديدة، بالإضافة إلى الأكاديميين ذوي الصلة الوثيقة بالواقع وقضاياه.

      وفي المجمل عكست التوجهات الثقافية والكتابات الابداعية لهذه الفئة، وكما يقول عمر الككلي، في مقابلة صحفية، قيمة ثقافية وفكرية ملموسة، وأصبحت جزءا مهما من التكوين الثقافي الليبي، وتطرح رؤى وأفكارا تتناقض مع الايديولوجيا السائدة التي تفرضها السلطة الحاكمة.

     وقد استطاعت هذه النخبة, بعد حوارات عميقة، أن تتمكن من عقد مؤتمر عام للأدباء والكتاب الليبيين في نوفمبر 2000، اكتسب شرعيته أولا من إرادة أعضائها، ثم بحكم قانوني, وذلك لمناقشة أحوال وشؤون الرابطة سعيا لتفعيل دورها في الحركة الثقافية على نحو أفضل, بتوسيع مستوى المشاركة في تحمل المسؤولية, وطرح القضايا والموضوعات من دائرة المسكوت عنه واللامفكر فيه، وإلغاء أية مظاهر للتماهي بنماذج التسلط والانفراد بالرأي في إدارة شؤونها, ومقاومة كل أشكال الرقابة والمصادرة.

     وقد وجهت الانتقادات الحادة إلى مجلة الفصول الأربعة، المطبوعة الثقافية الأدبية اليتيمة، التي تصدرها الرابطة، بكونها تصبغ إيقاع الأداء الثقافي والأدبي في بلادنا، برتابة التكرار والتشابه وإعادة الإنتاج شكلاً ومضموناً، وبأنها لاتعكس نبض الحياة الثقافية التي تشهد الكثير من المساهمات الايجابية في الندوات والحوارات والملتقيات، والإصدارات الجديدة، بل ولم تحظى هذه المناشط والإبداعات حتى من قبل مجلة (لا)، المعنية أكثر بمتابعة أخبار المناشط، بأية تغطية أو اهتمام كاف.

     وأجمعت الآراء إلى أن أهم المسائل التي يتوجب تبنيها في المرحلة القادمة هي مسألة حرية الصحافة، والدعوة إلى إلغاء كل أنواع الرقابة وحتى ولو كانت فنية كما يزعم البعض، بل أنه صار، كما يقول الكاتب والأديب أحمد الفيتوري، في مقالته المعنونة بــ "أين الصحف الخاصة"، من لزوم التحول الذي يتوجب أن يطال الحياة الاجتماعية والاقتصادية أن يشرع في منح حق إصدار الصحف الخاصة، بعد الخطوات الاجرائية التي رخصت لخصخصة  التعليم والصحة، بالإضافة إلى أن الكثير من القراء فى ليبيا يطالعون صحفا خاصة ولكنها ليست إصدارات محلية، وحق الإطلاع على هذه البضاعة الخاصة لم يطاله أي منع، فلماذا لا يحق لهذا القارئ حتى الآن الحصول على صحيفته المحلية الخاصة التي يحب؟!

     وقد كانت السلطة الشعبوية تصدر في الخارج مباشرة أو تقدم الدعم المالي لمجموعة من المطبوعات الصحفية وتسمح بالطبع بتداولها في الداخل الليبي، منها صحيفة "العرب" 1977 و"البيان" ومجلات "الموقف" و"الكفاح العربي" و"شهرزاد".

     وحيث أن الصحف التي تصدرها المؤسسة العامة للصحافة أو غيرها هي نسخ لصحيفة واحدة مكررة وباهتة تتحاشى القضايا الجادة وتمتنع عن نشر الرأي الصريح الذي يستهدف معالجة السلب والتغيير في الحياة الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، الأمر الذي أدى إلى زيادة العزوف من الأجيال الجديدة في متابعتها، ناهيك عما صار يتيحه فضاء شبكات مواقع التواصل الاجتماعي، في الخارج وفي الداخل أيضا، عبر المواقع الالكترونية والمدونات الشخصية من امكانيات للنشر والتعبير.

     وكانت المعارضة السياسية قد أصدرت مطبوعات صحفية في الخارج، سعيا لتأسيس اعلام بديل في غيبة الاعلام الحر بالداخل، وقد شرع الاستاذ الصحفي المناضل فاضل المسعودي في استئناف اصدار "الميدان" في شكل مجلة شهرية 1988، إلا ان ملاحقة السلطة القذافية للمعارضين وتصفيتهم اغتيالا، بالإضافة إلى صعوبات التمويل المالي، جعلا مشروع المجلة يتوقف.

     ثم صدرت مجموعة من الصحف، ومن أشهرها، وهي الأولى، صحيفة " صوت ليبيا" التي صدرت في 7 ابريل 1979، وكانت الناطقة باسم " الحركة الديمقراطية الليبية"، ويصفها الاستاذ نوري الكيخيا، أحد مؤسسيها، بالإضافة إلى فاضل المسعودي وآخرين، بأنها الأداة التي مزقت ستار الصمت بأن رفعت شعار اسقاط النظام العسكري. وحصرت صحف المعارضة اهتمامها بطرح القضايا التي تخص الواقع الليبي، بما يخالف اهتمام السلطة الشعبوية، التي تدعم مطبوعات يتركز اهتمامها على قضايا ذات بعد يتجاوز المحلي إلى القومي، ولكنها لم تعنى كثيرا بالمسألة الثقافية، بقدر تركيزها على توجيه الانتقادات السياسية للسلطة. إلا أن صحف المعارضة، بشكل عام، واجهت صعوبة في تمريرها وانتشارها في الداخل، وكثيرا ما تعثرت في انتظام صدورها، ولم تستمر طويلا،. ثم ظهرت مجموعة من مواقع التواصل الاجتماعي بالخارج ومنها "ليبيا وطننا" و"أخبار ليبيا" أتاح لها الفضاء الالكتروني انتشارا أوسع.

     وأمام الضغوطات والعراقيل والتهديدات المستمرة للسلطة تجاه المثقفين والسياسيين التقدميين، وعدم قبولها بحق تشكيل منابر ثقافية مستقلة، أو منظمات مجتمع مدني، أو إصدار الصحف الخاصة، بل وفشلها المتكرر في تحقيق أية خطوات باتجاه الاصلاح السياسي، والتي كانت تتكشف فقط عن محاولات السلطة البائسة في تأبيد بقائها غير الشرعي، باعتبار أن الاصلاح مجرد أداة لامتصاص الغليان الشعبي والتمهيد لتوريث الحكم.

     لذلك، وكما يقول الدكتور علي عبد اللطيف حميدة، في كتابه " ليبيا التي لانعرفها"،  صار أحد أهم أهداف القيادات الأدبية والثقافية، والمحمولة على التيار التقدمي الديمقراطي، والتي تكابد من أجل تحرير مواقع تتسع للآراء الحرة المسؤولة، هو إعادة بناء صحافة مستقلة خارج نطاق السلطة الرسمية ومؤسساتها.

     وبالتالي فإن المبادرة الريادية الجريئة، للمثقف المناضل إدريس المسماري، في إصدار مجلة "عراجين ـ أوراق في الثقافة الليبية" 2004، وإلى جانبه مجموعة متميزة من الكتاب والأدباء والمثقفين الأكاديميين والمحامين والسياسيين المهتمين بقضايا الشأن العام، الثقافية والاجتماعية والسياسية، في الداخل والخارج، هي ثمرة ناضجة للتفكير الديمقراطي الجماعي خارج دائرة السلطة الشمولية.

     وهكذا فـ" عراجين" هي تتويج لمشروع تيار وطني يرى أن الثقافة التقدمية متراس مقاومة، بل وسلاح فعال ضد العسف والتضييق والهيمنة، وأن مساحة حرية التعبير والرأي في كل المؤسسات، وحتى في الروابط والاتحادات النقابية، ومهما اتسعت تظل محدودة لكونها مقيدة بحكم التبعية لهذه السلطة.  ولذلك سعى، وعبر فترة زمنية طويلة، من السبعينيات، إلى العمل على تأسيس موقع اعلامي حر، سواء في الملاحق الثقافية للصحف، وفي النشرات والملصقات الجامعية، وفي المعتقلات، وفي المجلات الثقافية.

     ولذا فـ" عراجين " هي منبر للمثقف العضوي الملتحم بقضايا الواقع الراهن الحقيقية، والذي لا يجد الانسجام الحقيقي في الانسحاب والإشاحة عن الصراع الفكري والاجتماعي السياسي بل في مواجهة الأسئلة الشائكة والصعبة، واتخاذ المواقف الوطنية مهما كان الثمن، متخطيا تشاؤم العقل وساعيا بتفاؤل الارادة للمساهمة في صياغة مشروع مستقبل الثقافة، بل ومستقبل الوطن.

     وقد أعلنت الـ " عراجين " وفي افتتاحية عددها الأول الصادر في يناير 2004 بأن الثقافة في ليبيا تقف أمام أسئلة كبيرة وشائكة، تخص الماضي والحاضر والمستقبل، وتتعلق بمكانتها وهويتها في عالم اليوم المنشغل بالعديد من القضايا الجوهرية من " العولمة والخصوصية والثقافة، والمعلوماتية ،وبناء مؤسسات المجتمع المدني، وقضايا المرأة والطفل، والديمقراطية والمشاركة السياسية، وبناء السلطة، والهوية والمعرفة". وأنها تطمح للمساهمة في تأسيس فضاء للتنوع والاختلاف والتعدد، وتعمل على نشر وتعميق ثقافة الحوار والتفكير النقدي والنقد الذاتي واشاعة قيم الحداثة والابداع الخلاق من أجل ارساء ثقافة وطنية ديمقراطية وفكر عقلاني مستنير.

     وفي سابقة هي الأولى من نوعها دشن وزير الثقافة عهده بمصادرة مجلة "عراجين ـ أوراق في الثقافة الليبية" وهي المجلة الثقافية المستقلة التي تحاول طرح قراءة أخرى مختلفة في قضايا الواقع الليبي، وتطبع في القاهرة نظرا للحظر الساري على الصحافة الخاصة منذ صدور قانون تأميم الصحافة.

     وقد قدمت المجلة للإدارة العامة للمطبوعات لإجازتها والسماح لها بالتداول داخل ليبيا، ولكن وقبل أن تبث الإدارة العامة للمطبوعات في الطلب تدخل الوزير وقرر عبر لجنة من الموظفين عدم السماح للمجلة بالتوزيع، بل وطلب من الأمانة العامة لرابطة الأدباء والكتاب تفسيرا عن كيفية تمكن المجلة من الحصول على تسجيل في دار الكتب الوطنية، إلا أن الأمانة العامة ممثلة في أمينها العام أكدت عدم مسؤوليتها عن المجلة، وأنها مبادرة تخص مثقفين يصدرونها بشكل مستقل ولا علاقة لها بالرابطة.

     وحتى عندما حاول أعضاء من المجلة مقابلة الوزير لمناقشته في أمر السماح بتداولها رفض مقابلتهم، بل وأضاف اشتراطات أخرى لإجازتها، لم تشترط على غيرها، مثل أن تتاح لأعضاء اللجان الثورية، منظري الفكر الجماهيري السلطوي، مساحة للكتابة، وطلب رئيس مجلس الثقافة العام، والمسؤول بالمؤتمر الشعبي العام، عرضها على الرقابة قبل الطباعة حتى تمنح حق التداول بالداخل.

     وحتى بالرغم من التطور الذي حدث على مستوى التشريع وتمثل في صدور القانون رقم 4 لعام 2006، والذي ينهي احتكار الدولة لوسائل الاعلام ويمنح المؤسسات والأفراد حق إصدار الصحف والمجلات الخاصة، إلا أن هذا القانون اصطدم بصخرة المتنفذين الرافضين للصحافة الحرة، ومنهم وزيرالثقافة آنذاك المهدي امبيرش. وبالتالي فإن الواقع الاعلامي الصحافي الليبي، لم يطاله أي تغيير عميق.

     وكان بعض المتنفذين في السلطة، ومن يناصرون محاولات الاصلاح والتجديد، وعلى رأسهم المرشح لوراثة الحاكم،  قد اعترفوا في العام 2006 بعجز الصحافة الليبية بل بعدم وجود صحافة أصلا، دون التطرق الى كيفية خلق مستوي جديد أو تفعيل آليات جديدة لبناء مؤسسة صحفية تنهي احتكار الدولة للصحافة الموجودة منذ عقود من الزمن وتكسر حالة الانتهاك المستمرة ضد حرية الرأي والتعبير السائدة فى ليبيا.

     وقد وقع في شهر مارس 2006 بيان من قبل عدد من المثقفين والكتاب والصحفيين ونشطاء سياسين وحقوقيين من الداخل والخارج، حول نبأ تشكيل لجنه لدراسة أوضاع الصحافة الليبي، (الهيئة العامة للصحافة ,الصحف, المطابع وبما يؤدي لإعادة هيكلتها و تنظيمها و اقتراح ما يلزم بشأنها) وذلك كما نص قرار اللجنة الشعبية العامة رقم 146 لسنة 2007 في مجال تحديد مهامها.

     وفي البيان طرح عدد من النقاط، ومن أهمها أن واقع الصحافه اللِيبية لا يحتاج إلى دراسة أوضاعه، بقدر ما يحتاج إلى آليات وقوانين جديدة يأتي فى مقدمتها السماح بوجود صحافه خاصة ومستقلة، وهو الأمر الذى سيخلق زخماَ يصحح من الأوضاع القائمه داخل مؤسسات الصحافه التابعه للدولة، خصوصاً وأن صحافتنا على مدى عشرات السنين انفردت بكونها صحافة غير مقروءة ولم تشكل أية تقاليد في حياة المواطن، وبذلك يتاح لكل قطاعات المجتمع المساهمه فى تناول كافة المواضيع والقضايا التى تهم الواقع الليبي ويكفي لذلك تفعيل المادتين الأولى والثانية من القانون رقم 76 لسنة 1972 والتي تنص على هذا الحق، بدلا من الاكتفاء بتفعيل مواد أخرى تتعلق بالرقابة والمنع.

     ولنجاح ذلك  أقترح عقد مؤتمر عام او ندوة لمناقشة المسائل المتعلقة بالصحافة وذلك لتوسيع دائرة الحوار لتشمل المعنيين من أصحاب الرأي والاختصاص، تعميقا لجهد اللجنة وتوسيعا لدائرة الرأي والحوار. بالإضافة إلى أن ما سيقترح من برامج أو خطط لواقعنا الصحفي المقوض سيشكل أرضية لهذه المهنة لأجيال قادمة ومن هذا المنطلق لابد وأن تكون الرؤى مفتوحة للمستقبل عبر رسم خارطة واسعة ينصب هدفها على أن تضمن قدراً من حرية التعبير بما يليق بإمكانات مستقبل هذا الوطن وطموحات الشارع المفتوحة عيونه بفعل ثورة المعلومات على مؤسسات العالم الإعلامية وصحافته. 

     ولكن كان رد الفعل، من السلطة، مخيبا لأمال الصحفيين والمثقفين، ومثل انتكاسة لما عرف بمشروع الإصلاح، وكشف عن وجه السلطة الديكاتورية الحقيقي، التي تحاؤل إخفاؤه بأقنعة الأصلاح والتجديد. وكتب مقال يمثل وجهة نظر المتشددين والرافضين لحرية الفكر والصحافة تحت عنوان ( حرمات ليبيا أولاً ) وموقع باسم مجموعة كتاب وصحافيين وشعراء ونقاد في الداخل، ولكن بدون أسماء، الأمر الذي جعل الكاتب الشاعر إدريس بن الطيب يصفه بـ ( بيان الظلام) لأنه يحمل الكثير من التجني والاستعداء والسب والقذف في حق من صاغوا البيان ومن اقتنعوا به وأعربوا عن تأييدهم لمضمونه بوضع أسماءهم في قائمة الموقعين عليه ومنهم الذين شاركوا في اصدار وتحرير مجلة "عراجين".

      وكتب المحامي عبد الحفيظ غوقة، يتساءل عن أي حرمات للوطن يتحدث صاحب المقال؟ إذا انتهكت حرمة أبناءه على ذلك النحو الذي جناه بمقاله، وهل يكون للوطن حرمة ونحن نرضى بأن نصف مبدعيه ومثقفيه ورجالاته المخلصين الغيورين بتلك الأوصاف ؟ إن حرمة الوطن من حرمة أبنائه الذين لا يرضون بالظلم ويقفون دائما وراء كل دعوة صادقة للإصلاح والتطوير والتنوير، والوقوف في وجه الاستلاب لصالح فئة طفيلية لا تفكر إلا في نفسها ومصالحها ولا تؤمن إلا بتوسيع دائرة القهر وكسر الإرادة الفردية والجماعية لتأكيد سيطرتها ونفوذها.

      وأكد الكاتب والمحامي جمعة عتيقة أنه كان للبيان أن يثير ما أثاره من ردود أفعال مناوئة لولا تجذر تلك الذهنية التي أدمنت العطونة و العيش في السراديب المظلمة  حيث إستوطن فيها الخوف و أستباحتها نظرية المؤامرة و إستهوتها عملية نكش النوايا، معتمدة في ذلك أساليب رخيصة و أسلحة مفلولة صارت تأخذ طريقها الى أروقة المتاحف... لعل أبرزها إستعداء السلطة و التشكيك في المقاصد عبر ماراثون المزايدة.، بالثورية تارة و بالحرص على "حرمات الوطن" تارة أخرى.

     ثم سرعان ما كانت خطابات العقيد القذافي الهجومية ردا صريحا مباشرا على أية مبادرة تصحيحية، وعن أية محاولات للمشاركة الحرة في بناء الوطن، بالإضافة إلى إعادة تكثيف حركة اللجان الثورية لنشاطها، ثم ضم المحطات الإذاعية التي أسستها شركة الغد إلى هيئة الإذاعة الليبية، وأخيرا صدر بيان من اللجنة الشعبية العامة  أشارت فيه إلى عدم التخلي عن الشمولية كخيار للدولة. كل ذلك اعتبر ردة عن الاصلاحات التي شهدتها البلد خلال الأعوام الماضية وترجيحا لكفة الجناح المتشدد على الجناح الإصلاحي. وبحسب المراقبين فإن ذلك يعني تعقد الأوضاع بشكل يتلاشى معه الأمل في تطوير قطاع الصحافة والسماح بالنشاط الصحفي الحر.

     وقد كتب إدريس المسماري، في هذا السياق، مقالة بعنوان لماذا الصحافة؟، مشيرا إلى أن المرحلة التي غابت فيها الصحافة الحرة عن مشهد الحياة اليومية في بلادنا، هي نفس المرحلة التي استشرت فيها الكثير من الظواهر السلبية، والتي أصبح يعاني منها مجتمعنا الليبي بشكل لافت للنظر "الرشوة/الوساطة/المحسوبية/الفساد الاداري والاقتصادي..الخ"، فهي كمهنة تقوم"بجمع وتحليل الاخبار والتحقق من صدقيتها وتقديمها للجمهور،وغالبا ما تكون هذه الاخبار متعلقة بمستجدات الاحداث الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية المحلية والعالمية"، وبالتالي فهي أداة للرقابة والمحاسبة كما هي أداة تنوير ومعرفة، وهو ما يمكن التحقق منه من خلال قراءة تاريخ الصحافة في العالم، وأثرها وقيمتها ودورها.

     وطالب أحمد الفيتوري، في مقالة أخرى، بحق إصدار صحيفته الخاصة والمستقلة، بعد أن صدرت صحف توكد أنها تصدر عن شركة خاصة، كمجلة "السؤال" 2002 و"تانيت" 2006 و"غزالة " 2004 و"المرايا" 1994، وبالخصوص عندما حصلت شركة الغد، والتابعة لنجل حاكم البلاد، علي حق إصدار صحيفتين، وهما "أويا" في طرابلس و "قورينا" في بنغازي، بالإضافة إلى محطة إذاعة ومحطة تلفزيون، فإنه بموجب هذا يكون من حق الصحفيين إصدار وسائل إعلام خاصة ومستقلة.

     ثم حاول الوزير الثاني للثقافة نوري الحميدي، بعد فشل التهديدات تجاه المحرر المسؤول لمجلة "عراجين"، لغرض تغيير مسارها بعدم الخوض في القضايا الحساسة، التلويح بالإغراءات المالية، ولكنه فشل مرة أخرى، أمام الموقف الصلب لمحرريها، ولم تتم الاستجابة أيضا، من قبل السلطة، حتى إلى نصائح وطلبات دعاة الاصلاح بإجازتها والسماح لها بالدخول إلى ليبيا رسميا، وتحاشيا لإثارة كل هذا الجدل في الوسط الثقافي والسياسي.

     ورغم هذا وذاك فقد استمر الإصرار على مواصلة خطها الوطني التقدمي، وبمشاركة الكثير من المثقفين في النشر عبر صفحاتها، وتقديم الدعم المالي لاستمرار دوام اصدارها بالقاهرة ثم إحضارها وتوزيعها داخل ليبيا بشتى الطرق، الممنوعة والممكنة، وكانت تنتشر، وهو فعل مقاومة، اعتمادا على التواصل الشخصي في أوساط المهتمين بشؤون الثقافة والسياسة، وظلت تطرح القضايا والموضوعات من دائرة المسكوت عنه واللامفكر فيه.


رضا بن موسى


ورقة مقدمة إلى ندوة " الصحافة الثقافية في ليبيا"

يوم 24 يناير 2018

مجمع ليبيا للدراسات المتقدمة / تونس


_________________________________


لا بُدَّ لي و أنا آذن بإدراج هذه السطور المُكثفة التي حبَّرَها الكاتب و الإنسان الجميل بشير زعبية حول من رَمَزَ إليه بالعمروصي، المثقف العملي المعروف لدى كل من أدرك دهاليز الثقافة الوطنية، مصطفى بلعيد أحد جنود الحركة الطلابية منذ ستينيات القرن الماضي، أن أُضيف أن هذه الصداقة قد أثمرت لاحقاً فاعلية الأسماء الثلاثة في مدونة أدبنا الذي شهد تطوراً بعد تلك المرحلة، كانت من مفرداته قصص بشير زعبية ذات النكهة، و سيرته المُنَظّمة و المُنظبِطة، و أشعار نصر الدين القاضي الرصينة، التي يزيد من جدواها قدرة نصر الدين على حفظها و حُسن إلقائها، و لا سيما حين كان صالونه يُمثّل أهم فضاءات المدينة، حتى أن يحي جابر و هو يُعِد مَلفّه عن الحركة الأدبية أفرد له مساحة فاقت المؤسسة، فضلاً عن محمود البوسيفي الذي طالما أضاف إلى إمكانياته الصحفية المكتوبة، تواصله و توظيف علاقاته في مقاومة ما تعرّض له زملائه على نحو ما فعل قُبيل انعقاد ملتقى الأدب المقاتل في الثمانينات من القرن الماضي، عندما تحوّلَ ذلك الملتقى من عمل دعائي إلى مناسبة أحرجت العهد في سجنه لمجموعة الأسبوع الثقافي، مما شكّلَ ضغطاً ليس بالبسيط، لا شك أنه قد أثمر و لو بعد حين، ذلك أن مصطفى بلعيد ينتمي إلى ذلك الجيل الذي يؤمن بجدوى ترسيخ الأفكار دون الانشغال بتدوينها، فهو و إن خسر صفة الكاتب إلا أنه ربِح بدون شك صفة المثقف الوطني التي يستحقها بامتياز، و مع التحية للجميع، نتعشّم أن نقرأ ما يُبشّر بترجيح خيار العمل المشترك و تنفية الحياة من كل ما يعوق حركتها الطبيعية

أمين مازن



بشير زعبيه

21-2-2018

هذا العمروصي

مصطفى بالعيد، الشخصية العمروصية بامتياز، بابتسامته المعهودة، وبنكهة العبمبرالطرابلسي الذي يبدو في يده، وكأنه يعلن «لن تروا منا سوى الفرح وما هو حلوٌ يبهج القلب»، كان دكانه الملحق ببيت العائلة في ذلك الشارع العمروصي المكتظ بالحياة أنذاك، بمثابة مكتبة تضج برائحة الكتب وعبق الورق، لم يكن مجرّد دكان يلتقي فيه أصدقاء محدودون، بل كان صالونا ثقافيا مصغرا، وبيت استقبال لنخبة العمروص التي كانت منشغلة بهموم الوطن، عندما زرناه لأول مرّة أنا وصديقيّ وأخويّ نصرالدين القاضي ومحمود البوسيفي، كان لا بدّ أن يأخذنا سحر المكان، بتلك الكتب المصفوفة على الأرفف والمنثورة هنا وهناك، وتلك القصاصات التي ألصقت على الجدران تحمل مختصر أفضل وأنبل المقولات الانسانيّة، من ذلك المكان الضيّق في حيّ العمروص تحلّق بك عناوين الكتب وأسماء مؤلفيها في فضاءات السياسة والأدب والاقتصاد الرحبة، من هناك اكتشفنا مداخل ولوج تلك الفضاءات، وبدأنا ندرك أن عالما أوسع يضجّ من حولنا بالسير والملاحم والمساهمات الفكرية الانسانية لصنع عالم أفضل، كان مصطفى يشدنا ببساطته وعفويته وملامحه الودودة مع ابتسامته وضحكته المميزة، لكنك سترى جدية تلك الملامح حين يتطرق الحديث إلى ما هو جدّي.. وحين تخرج مغادرا الدكان، تجد نفسك تلتفت يمينا وشمالا وتتمعن في ذلك الشارع العمروصي، وكأنك تكتشف هذا الحيّ الضاج بالحياة من جديد، فتحبّه أكثر، وتنطلق عبر أزقته واثق الخطوة تمشي مرحا ..


___________________________________



صالح حصن

ما بعد الحداثة الجزء 1 من 3

ما بعد الحداثة لا تسبق الحداثة مثلما لا يسبق الشباب المُراهقة.

لم يدخل العرب والمسلمون عامة مرحلة الحداثة فلن تكون لهم ما بعد حداثة إنصهارية تمازجية ولكن تشبهاً نَسَخي ممسوخاً وليس حتى هجيناً تختلط فيه السلفية مع ما قبل الحداثة مع الحداثة و ما بعدها. ولكــــــــــــــن ما أسبابً عدم دخولنا للحداثة ؟

يقول المُفكر الألماني "هارالد موللر" في كتابٍ "تعايش الحضارات -مشروع مضاد لـ "هنتينجتون") و نعرف أن "هنتينجتون" هو الأمريكي صاحب كتاب "صراع الحضارات".

يدخل عالم الإسلام أزمة عميقة غيرجديدة مرتبطة بالإنطلاق الشامل العنيـــــــــــف الصادم للحداثة وخاصة في العالم العربي. وقد كانت نقطة البداية سنة 1798 التي شهدت حملة "نابليون" على مصر حين أثبت المماليك أن لا قبل لهم بالفرنسيين ولم يستطع السلطان العثماني مساندة رعيته الوهمــــــية فشكل هذا العجز صدمــــــة لشعب كان تفوق المسلمين عنده أمر مفروغ منه وجزء من عالمه الحياتي. وكانت هذه الحملة فاتحة لقرن ونصف من الإخضاع والإضطهاد والإستغلال للعالم العربي, إذ استولت القوى الإستعمارية الكُبرى - إنجلترا وفرنسا وإيطاليا وأسبانيا - بلا رحمة على الجزء الأكبر من الإقتصاد حيث تم إثقال مصر بالديون وكانت "قـناة السويس" نموذجاً لأضخم إحتيال مالـــــي حين تم خِداع حاكم سليم النية يتمتع بشيء من إرادة الإصلاح من خلال غرامات مالية باهضة بسبب عدم توفيره للعمال الذين إلتهوا في قراهم بأعمال الحصاد خلال اموسمه وبسبب ذلك تم حرمان مصر لعقود متتالية من تقاسم موارد القناة لدرجة أن أعلن بنـــــك مصــــر إفلاســـــــه فوضعت بريطانيا البلاد تحت الإدارة الإلــــــزامية وحين أبدى المصريون مقاومة ذلك تم وضع البلاد تحت الوصـــــــــــــــــــاية العســـــكرية. كذلك جرى في غضون نصف قرن إحتلال وإستعمار بلاد المغرب جميعها وكان إستعمار الجزائر فظيعاً وقاسياً بشكل خاص. 

قام العرب أثناء الحرب العالمية الأولى بمشاغلة القوات التركية في قلب الشرق الأوسط - فلسطين ولبنان و"الهلال الخصيب" من سورياً وحتى بلاد ما بين النهرين قابلين بقيادة الإنجليزي "لورانس العرب" وشكّل ذلك تدخلاً مؤثراً عرقل عمل حُلفاء الدولة العثمانية - المانيا والأمبراطورية "النمساوية-الهنجارية" في ميادين المعارك الأوروبية، وبلا أي وازع من ضميرتحطمت في "فرساي" الوعود التي قطعتها بريطانيا لحلفائها العرب وبدلاً عن دولة عربية مستقلة دخلت قوات الإنتداب البريطانية والفرنسية وقد بارك الرئيس الأمريكي "ويلسون" بطل مبادئ (تقرير المصير) هذا الغدر.

يوضح هذا المهاد التاريخي لماذا تترسخ في تفكير كثير من العرب ضغينة ضد الغرب، ولا يمكن إسناد ذلك للعداوة الموروثة بين الإسلام والمسيحية، بين الأرثوذوكسية-الإسلامية و التنوير-الغربي بل يُرجح أن ذلك تم عبر خمســـــة أجيال من التجارب المؤلمة لعالم إسلامي واعي بنفسـه مع المُجتمعات الغـربية الحديثة. ومثلما أن إســرائيل الحديثة ستكون غير مفهومة بدون "الهولوكوست" فقد تفتحت العقلية السياسية-الثقافية للعالم العربي والإسلامي فقط على التجارب المؤلمة للحقبة الإستعمارية الكولونيالية.

لقد تفكك المجتمع الشرقي لكنه بخلاف التطور الغربي لم يعوض ذلك من خلال إنتصار الدولة القومية أو التفوق الثقافي أو العسكري. ومما يدعو للعجب أنه وفي مواجهة هذه الصدمة المزدوجة لم تبرز كراهية صدامية موحدة لأوروبا بل تشكلت محاولات لمثقفين للتغلب على تلك التجارب الكارثية للقرنين التاسع عشر و العشرين.

____________________________________

ما بعد الحداثة الجزء 2 من 3

إذاً فقد رسمت سياسة الغرب الإستعمارية صفة العلاقة التصادمية بين العرب والحداثة، ولكن ما كان جواب العرب على ذلك التحدي الغربي غير مقاومة السيطرة العسكرية الذي هو أمر طبيعي غير مرتبط بالحداثة؟.

يستمر المفكر الألماني "هارولد موللر" في كتابه متناولاً الجواب الثاني باعتباره تبني (الدولة القومية الإستبدادية):-

كانت الدولة (القومية الإستبدادية) التي سعت لإدخال العناصر التقنية للنجاح الغربي في المجالات المدنية والعسكرية بدون القبول بالإصلاحات الرأسمالية إجتماعياً وسياسياً، أحد الأجوبة.

كانت المحاولة الأولى حركة "محمد علي باشا" في مصر الذي قام بإصلاح الجيش والمالية والإدارة وأراد الإستقلال عن الدولة العثمانية، غير أنه سعى للتوسع والسيطرة على شرق المتوسط مما رأت فيه بريطانيا الإستعمارية تهديداً لخط إتصالها بالهند فحاربته وأنهت تجربته بعنف شديد.

المحاولة الثانية كانت في تركيا بواسطة "كمال أتاتورك" الذي كان راديكالياً في نهجه أقصى الدين عن السياسة والقانون و التربيـــة وأن يقود اد من فوق إلى مستوى الغرب بيد أن شرائح المُجتمع التركي ذات التراتبية الهرمية لم تستجب و تتغير (بصرف النظر عن نشوء طبقة وسطى مدنية رقيقة) وبقيت عناصر النفوذ للدولة العثمانية الإستبدادية على حالها وكان لرفض التوصل لحل لمطالب الأكراد التحررية أثر بالغ على ميزانية الدولة فقد بلغت تكاليف الحرب 20% من الميزانية وضغف ذلك من النقود حتى بدأت ملامح التطويح بالتحديث الإجتماعي إلى الوراء تماماً في الوقت الذي بدى فيه أن تركيا على أعتاب الحداثة.

المثال الثالث كان "شاه إيران" الذي واتاه الحظ بموارد نفطية قاد من خلالها تحديثاً حكومياً مركزياً من الأعلى وكما في مصر وتركيا فقد ارتبطت الومية التحديثية بمطامع الزعامة الإقليمية فكدّس الأسلحة وليس من مثال أوضح من إستيلائه على الجزر العربية في الخليج (طمب الصغرى والكبرى) وبرغم من أنه تمتع بتأييد واضح وغير مُعلن من الغرب بسبب الحرب الباردة التي كانت دائرة بين روسيا وأمريكا إلا أن بـاء بفشل ذريع عندما مزّقت القوى الإجتماعية الغلاف الضبّق لحكمة مستفيدة من بعض الحرية التي أتاحتها لها إصلاحاته (ثورة الخُميني).

؛

ويستطرد "هارولد موللر" متناولاً الجواب الثالث معتبره تبني (دولة الإشتراكية والوحدة العربية):-

بعد كل ذلك الفشل إتخذ العرب نهجاً آخر وهو الإشتراكية الوحدة العربية. وكانت تستمد إندفاعتها الأولى من تخطي ما مُنيت به من خيانة في "فرساي" التي قسمت العرب إلى دويلات وتشير النسبة العالية لمساهمات المسيحيين العرب في حركة الوحدة إلى أنها تمثل أيديولوجية تحمي الأقليات و في الإتجاه المضاد في ثلاثينات القرن تأسست حركة الإخوان المسلمين وهي أيديولوجية سياسية قائمة على أساس ديني يتخطى الحدود و تهدد بنبذ الأقليات. أما إندفاعتها الثانية فقد كانت قيام دولة إســــرائيل وما تبع ذلك من إنعقاد العزم على أنها حصان طروادة جديد لعودة الإستعمار الغربي البغيض وعمّقت سياسات الدول الغربية وخاصة أمريكا المنحازة بشكل فاضح لإسرائيل ذلك الإعتقاد بشكل راسخ في الأجيال العربية الشابة.

إرتبطت الإشتراكية بحركة الوحدة بشكل كبير وساعدت سياسة الروسية التي تبنت مظهرياً الوقوف ضد الحلف الأمركي-الإسرائيلي. وبرغم من أن الماركسية اللينينية لم تجد لها موطئ قدم إلا أن تطبيق مبادئ الإقتصاد الإشتراكي في التجارة واحتكار الحكومة للصناعة والتخطيط الإقتصادي والمزارع الجماعية و مراقبة العملة تم في مصر وسوريا والجزائر وليبيا وتونس والعراق وكانت الناصرية والبعث مدرستين من نوع خاص تتوقان للربط بين الإشتراكية والوحدة.

لقد تحطم حلم الوحدة على حائط الإقليمية العربية التي لم يكن ممكناً تخطيها ولم يكن النبض المعادي لإسرائيل سوى رباط واهٍ لم يكن قادراً على توفير سياسة موحدة وتعاون عسكري فانهارت المحاولة المصرية السورية (الجمهورية العربية المتحدة) بعد ثلاث سنوات فقط من ولادتها وانقسم حزب البعث الوحدوي إلى فرعين سوري وعراقي متعـــــاديين حتى الموت.

____________________________________

ما بعد الحداثة الجزء 3 من 3

بعدما كتبنا عن رأي المفكر الألماني :هارولد موللر" حول مسار الحداثة في بلاد المسلمين والوطن العري و مسببات تأزم دخولهم ‏الحداثة باعتبر أنهم عرفوها كتحدي عدواني من الغرب وكيف كان جوابهم على ذلك التحدي المقرون برغبتهم في التحديث وما ‏ساروا عليه نحو حداثتهم, بدايةً عن طريق تبني نظام دولة القومية الإستبدادية, وبعد فشلها في التحديث تبنوا أيديولوجيا الإشتراكية ‏والوحدة العربية التي لحق بها الفشل كذلك ومن ثم بروز وتقدم التيار الأيديولوجي الإسلامي بتنوع إتجاهاته المتطرفة والإصلاحية ومن ‏ضمنها موقف الإخوان المسلمين "حسن البنا" الذي يرى "موللر" أنه يمكن أن يؤخذ كأساس لسياسة محدودة وغير شاملة تقوم على ‏نشاط وإسهام إجتماعيين ضمن خطاب سياسي عريض (وقد أعجبني أنا "صالح حصن" هذا الرأي)، ومنها أيضاً الوهــــابية التي ‏اتخذتها الدولة السعودية نهجاً رسمياً منذ العشرينات وهي أسبق نشوءاً من الخُمينية الشيعية ويرى أنها أكثر إستبداداً ولا تشمل على ‏ما تشمل عليه الخمينية في إيران من جزئيات للديموقراطية الحديثة التي تقدم فرصة للتطور الإجتماعي والسياسي لإيران. غير أن ‏سياسة إعتدال أسعار النفط التي تمارسها السعودية تناسب الغرب ما يجعله يتغاضى عن إنتهاك حقوق الإنسان وغياب أي نوع من ‏المبادئ الديموقراطية وهذه أحد الحالات الساطعة للمعايير الأخلاقية الغربية المزدوجة التي تجعل من الصعب على أي من المثقفين ‏المسلمين الأخذ بالوعض القيَمي الغربي مأخذ الجد كما يقول "موللر". 

تساعد الأصولية الناس عندما يفتقدون الأمن على إيجاد إتجاههم خلال الأزمات الإجتماعية العامة وتساعدهم على تخطي أزمة الفردانية التي أنتجتها ‏الحداثة. فهي تقدم موقفاً محدداً بشكل ظاهر وتعمل على تأسيس هوية الفرد والجماعة في آن واحد لأنها تتمسك بقوة بما هو مشترك بينهما والقيم التي ‏تنتمي للحياة الإعتيادية وهذا ما يجعلها ملائمة بصورة باهرة لتعبئة الجماهير لغرض الحصول على شرعية حكمهم. فهي بهذا تكون تقنيـــة ‏سيطرة مثالية للحفاظ على مسافة بين السلطة والرعية وخضوع الفرد للقواعد الشكلية الصارمة وهذا ما يخدم هدفها وما يشيع بأن ‏حقوق الإنسان غير إسلامية وصناعة غربية للتضليل وتمرير الخدع وبذلك تعزل البلاد وشعبها عن الغرب فتشبع أهواء ومشاعر الشعوب التي ترسخت لديها ضغينة معادية للغرب لها ‏مبرراتها التاريخية. 

وبخلاف الأيديولوجيات السابقة (القومية الإستبدادية و الإشتراكية والوحدة العربية) لم تتعرض الأصولية للقذف بسبب الهزائم ‏العسكرية المتوالية بل شكل توجهها رد الفعل على فشل الأيديولوجيات السابقة التي وإن تقدمت الحداثة معها بعض الشيء إلا أنها ‏أخفقت في القيام بواجباتها وبقيت غالبية الناس مقيدة بفقدان الأمن وفقدان الإتجاه كما أسهم فساد الفئة الحاكمة واستخدام العنف لتحقيق ‏مطامحها في تحقيق مطالب الجماهير الحياتية. ويتضح ذلك في أن بلدان الشرق الأوسط باستثناء إسرائيل حققت نمواً إقتصاديا فعلياً ‏بالسالب -2% خلال الثمانينات حيث أعلى أسعار مع أعلى طلب على النفط. 

اكتسب الإسلاميون تعاطفاً من خلال إلتزاماتهم الإجتماعية الموسعة فهم يقدمون عوناً طبياًو وخدمات إجتماعية ومعونات, ومنحاً ‏دراسية وجامعية ودروساً مجانية و تعليم القرآن وإرشاداً زراعياً وغوث عند الكوارث بل ومحال تجارية للمواد الغذائية بأسعار ‏مخفضة. بكلمات أخرى كانوا ينجزون الواجبات التي تملصت الدولة من القيام بها. وهذا تماماً ما يجعل كثير من الناس يتوهمون أن ‏الحركة الإسلامية هي التي ستحقيق الوثبة إلى الحداثة. وذلك الوهم هو ما وقع فيه "صموئيل هنتينجتون" صاحب كتاب (صراع ‏الحضارات) بأن تحديث الإقتصاد والمجتمع يمكن إنجازه مع أية قواعد سلوك ثقافية و يشيد بإيران والسعودية كأمثلة لإنجاز ذلك.




__________________________________

الهوية الليبية بين الثبات والتحول


29-12-2017

رضا بن موسى

 


يتجدد الحديث عن ليبيا الوطن وعن الهوية الليبية وعن المشترك الخاص الذي يربط سكانه، بعد محاولات التهميش والإقصاء لصالح روابط أخرى تلغي هويته الوطنية الجامعة لصالح الهويات الفرعية القبلية والجهوية، أو الهويات عابرة الحدود العروبة أو الأفرقة أو الأسلمة، أو تغييبه في أتون فوضى جماهيرية تخفي حتى اسم هويته في طابور من العناوين.


وعلى خطى عبد الله القويري في ( معنى الكيان ) نتساءل: هل إذا ما نشرنا أمام أعيننا خريطة ليبيا، وأردنا أن نحدد ملامح مجتمعنا، يكون بإمكاننا أن نطلق تعبيرا مملوءًا بالحزم والإصرار؟ هذه بلادنا..


ويكون بوسعنا (نحن) أن نؤكد (والآن): نعم هذه ليبيا وهؤلاء هم الليبيون.

 

هل بإمكاننا تحديد هوية وملامح هذا الترابط الاجتماعي التاريخي لقاطني هذا الواقع المكاني، والتي كانت علائقهم قد تشابكت وترابطت منذ أزمان بعيدة، وتجلت بالخصوص حين اجتمعت إرادتهم، تحت راية الدين أو الشرف في مواجهة العدو الاستعماري المشترك، وذلك بالرغم من انتشارهم المتشظي في أرجائه الواسعة، مابين الساحل والجبال والصحراء، ورغم مثالب القبيلة المدمرة وهي الوحدة التكوينية والانتمائية وبؤرة الهوية الأولية. وقد كان ذلك العامل الرئيس في تمكين نخبه، على اختلافاتها السياسية، ورغم الجهوية، ومؤامرات التقسيم الدولية فإنها استطاعت أن تتوافق تحت راية الوطن وتتفق في إعلان الدولة المستقلة " ليبيا " بحدودها وعلمها ونشيدها.


وما الذي يبقي هذا المجتمع في هذه الرقعة الجغرافية الشاسعة كيانا سياسيا موحدا؟

 

هل يكفي الاختلاف عن كيانات محيطه والجوار، بحدود رسمتها على الخارطة قوى دولية متصارعة، ووفقا لمصالحها، ليمنحه شخصية متميزة وخصوصية متفردة نسميها ليبيا؟

 

وهل كان الخوف من عودة الآخر الأجنبي المختلف والعنصري الاستيطاني المستغل، الذي حاول نهب الأرض استعمارا، والذي لا يزال امبرياليا يعيق، بسطوته الاقتصادية السياسية، انطلاق الارادة الحرة في الحضور والمساهمة في صنع هذا العالم، هو ما يخلق تلاحم أطرافه ويمنع تفككه؟

 

وهل للجماعات المسيطرة مناطقيا، قبليا وجهويا، أوالمتطرفة إيديولوجيا، والتي تتقاسم غنائمه ومنابره - مدعومة بالسلاح أو بالمطامع الإقليمية أو الإمبريالية- القدرة على بناء وطن أو المحافظة على استقلاله، وهي تمزق ما تبقى من نسيج؟

 

وهل العودة إلى الوراء.. والدوران في دوامة تكرار التسلط لديكتاتورية العسكر، أو لجماهيرية الاوهام، أو لحكم العائلة المقدسة، أو الاذعان لجبروت سلطة بربرية تتكيء على المطلق، بقادرةٌ على إنجاز مشروع دخول العصر، والحياة لاتقيم ـ يقول جبران ـ في منازل الأمس: فالحضور الفاعل الحقيقي يكمن فيما نكون وعلى ماذا نؤسس اجتماعنا، والجماعات والمجتمعات كما الانسان الفرد هي مشروع الحاضر المفتوح على المستقبل.


هل الشرق في ليبيا هو شرق ليبيا فعلا؟


وهل الغرب غربها، والجنوب جنوبها؟


وما العلاقة بين البدو والحضر.. وهل هما يتمايزان فعلا في مجتمع، رغم انتشار الكثير من مظاهر التحديث المادي فيه، لم يصل بعد إلى مرحلة الحداثة؟


وما الذي يجمع في ربوعها العرب والأمازيغ والطوارق والتبو؟ وبخاصة بعد سنوات الجمر في الحرب ضد المستعمر وفي الحروب الأهلية، والنفي والهجرة والمعتقلات، ثم الاستقلال والشروع في بناء الدولة، ثم التحديث مع النفط والتيه في مسارب لا تلتقي تحت نير الحكم الشمولي، ثم فبراير والأمال والأخطاء الكبرى.. ألا نكون قد عشنا معاً في السراء والضراء، وأكلنا الخبز والملح سوية، وما علينا إلا ترسيخ قواعد العيش المشترك بتأسيس دولة ديمقراطية، تتيح المساواة بين جميع المواطنين، الذين تربطهم هوية سياسية نضالية ناشئة ومرتبطة بمقاومة استمرت مائة عام من الفاشية.

 

أفلا تزال ثمة فجوة قائمة تدفع ساكنيه إلى تناقضات وصراعات لا تنتهي، ولو في أبعادها الثقافية الاجتماعية؛ بسبب ترسبات من الماضي الطويل، وتمتد اقتصاديا سياسيا ضد هيمنة المركزية التي مثلتها مدينة المستعمر أو ديكتاتورية المحلي والتي تجلت علاقتها بالآخر أو المحيط في دورها القهري المستبد؟

وبعد،،،


هل يمكن تحديد سمات متميزة ـ شخصية ثابتة لشعب أو كيان دون الوقوع في مثالب العنصرية والاستعلاء وجمود الرؤى، أو الاستكانة إلى أوهام الذات المتكئة على أن عناصر الوحدة الوطنية التي تحقق الاستقرار ترتبط بالدين الواحد والقومية الواحدة واللغة الواحدة والتاريخ المتصل، وتغفل أن عناصر التغيير والتطور حتمية ومحمولة على الاختلاف والتعدد والتنوع في الهوية الشخصية والثقافية والسياسية بمشاركة حرة في وطن حر، يصنعها التفاعل المستمر مع الواقع والعصر لتشكل الهوية الوطنية الجامعة؟

 

وما الوطن ـ نسكنه (ونحن هنا) أو يسكننا (ونحن هناك) ـ سوى ساحة الفعل والحرية، بحكم الشروط الموضوعية التي تخلقنا فيها، وما تشكل فينا معه جدليا نضاليا من روابط الوجدان والانتماء.

 

وهل تتحقق هوية الوطن إذا لم تتحقق هوية مواطنيه في تجلي جوهر كيانهم الإنساني في حرية الحب والفكر والفعل؟ ألا تصدق مقولة الشاعر محمود درويش في أن " وطني ليس دائما على حق، ولكنني لا أمارس حقا حقيقيا إلا في وطني " حيث نستهدف المشاركة في الوطن أو بالوطن لنكون كيفما نريد، أن نكون: أحرارا فاعلين.

 

وهل سيظل الليبيون ليبيين؟ والعالم يتحول إلى قرية كونية، ويتفتح على أفق متعدد الاحتمالات، يتصارع ويتشابك ويلتحم في اتحادات تتقاطع وتتشابك وتتواصل، وتبقى المساهمة المتميزة هي الهوية المتميزة في الحضارة الكونية التي يرتبط البشر جميعهم عبرها بالتضامن المتكافئ.

 

فبماذا يتقدم الليبيون إلى العالم وهم يتخبطون في تأكيد ماهية من نحن؟ مقابل السؤال الإقصائي من أنتم؟ كل يطلقه من فوهة لسانه وفكره وسلاحه في وجه أخيه، بدلا من مواجهة الإجابة عن السؤال الأساس: كيف نكون؟ بماذا يساهم الليبيون في أن يكون العالم أكثر عدلا وجمالا وحرية؟.


_______________________________



ثمانون أمين مازن

أحمد الفيتوري :

1-

أمين مازن من مواليد 1937، وهذا عامه الثمانون تعددت مساربهُ لكن النهج واحد، تنوع في الاهتمامات غير أن الكتابة الوسيلة والثقافة الشغل، والنهج تقدمي وطني.تتالت العقود ولم يألُ جهدا في الكتابة في الثقافة وعلى الخصوص النقد الأدبي وفي السياسة ومنها المسألة الليبية، من صحيفة إلى صحيفة ومن أسبوع إلى آخر، رصد المشهد الثقافي العربي، خاصة الليبي، متأملا فيه ناقدا مساراته، ولج مساربه بمحبة ودون تردد، ما كتبه مرجعٌ في ليبيا لكل باحث، ومنير لكل مستنير، وإن لم يسلط عليه أيما ضوء فقد كان الضوء لكثيرين.أما الاختلاف فهو من يحرس على المختلفين معه قبل أن يحرص على رأيه فيهم، ولذا تكللت حياته ومساربها المتعددة بالعروة الوثقى في الوسط الثقافي والسياسي، فقد وثق مساره مع منتقديه بقدر ما أنه ناقد. وإن تنوعت وتعددت كتاباته فقد انشغل بكتابات الآخرين ومنهم الكتاب الليبيون، وخاصة المبتدئين منهم، معتبرا الصحافة المكتوبة خير أداة ثم سرعان ما أولج قلمه في الرقمية وجعل له موقعا في الانترنت خاصا، إلى جانب صفحة على الفيس بوك والتويتر منذ عقد من الزمان.التدوين ديدنه هو الأستاذ في المشافهة والمتحدث المحترف، فالتدوين مسألة أساس في المبنى الثقافي والمعنى منذ مبتدئه الخبر في جملته المكتوب، مقالاته تنساب وكتاباته تتنوع في جُلِّ الصحف السيارة خاصة الليبية منها من الخمسينيات حتى الساعة، والكم في تقديره مُكنة أن يكون ثمة الكيف، لأنه في اللحظة الراهنة ثمة مسائل ومعطيات تستدعي الخوض في غمارها، حتى وإن لمس يمسس سطح المسائل فإنه يثيرها ومن ذا يمكن له سبر غورها، فالوقت كما أنه سيف فإنه ينضج الثمر حين يكون ثمة ثمرة ما. لذا لم يتكاسل ولم يؤجل ولا انشغل عما يجب حيث يجب الذي يجب.

2-

لم يهتم كثيرا بالنص ولا بالجملة، يُعنى بذلك لكن مُراده القول/ الموقف، المعنى المثقف العضوي فاللحظة الراهنة جملتها فعلية ونصها للكلمة التي كانت البدء، هو من جيل المُعاناة والاعتناء بالعلم والتعليم والتجويد فيهما: حصد ما زرع. حينها معنى الحياة أن تكون من اليسار ليتيسر أن تفعل لا القول فحسب، جيل لم يلتفت للطريقة لكنه ألزم نفسه بالطريق. كانت الطريق المناسبة عند أمين مازن أن نكتب وتكتب ما يجب الكتابة، الكتابة في ذاتها الطريقة إلى حياة أفضل ما تلتزم التحقق، فأن تخطيء لأنك فاعل خير من أن تصيب وأنت اسم : مبتدأ دون خبر...عاش وتربي وتعلم في مدرسة "المختار" والده المتدين المحافظ وإن أضحى متمردا على الكيان الاجتماعي السكوني حينها فإن وجدانه لم يتمرد عن الوالد "المختار"، وهذا ما سيج خياراته من أي شطط فالتوازن يحافظ على النغمة من النشاز كذا مسار أمين مازن ومساربه.الوحدة لا التوحد ما يعني التعدد لا الشطط، مسارب اتخذها علامات للتوسط في الفكر وفي اليسار وفي الطريقة وعند لزوم ما يلزم. وهذا جعل دأبهُ وحركته الدؤوبة وكتاباته محط نقد ورأي مختلف معه لكن لم يؤدِ ذلك للمغالاة عنده ولا ضده.ما ليس بالإمكان لا يُترك كله فثمة دائما ممكن. نهج وطريقة جعلاه يخطو الخطو تلو الخطوة لا تردد، ولكن بمراجعة حثيثة وملزمه. أمين مازن لا يحُث الخطى ولا يستكين ولا ينتظر القبول ولا يثير الأغبرة كي يُرى، لذا لا يركب المركب الرائج ولا المتسارع فهو يروز ما يقول ويفعل ما يقول حين يَلزم: أن تمشي فإنك لا بد أن تتعثر، مجمل القول وحكمته.

3-

حين عرفتهُ عندئذ أمين مازن الكاتب يعمل في مطعم له اسمهُ "الاصفهاني" بطرابلس الغرب، لتوه خرج من سجون القذافي إثر مذبحة سماها الزعيم! الثورة الثقافية في أبريل 1973م، كان وغيره خرجوا من السجون مُبعدين بشكل ما عن وظائفهم السابقة.قبل التقيته بندوة ثقافية بجامعة طرابلس، بعد غدا الصديق، حينها الكاتب الليبي الذي لا ينشر لكن يكتب ويقرأ ما يُكتب باهتمام كما يجب. خلال نصف قرن تقريبا تابعته ككاتب لا يملُّ ولا يكلُّ وفي هذا هو عملة نادرة.الآن بعد ذلكم الدأب كما لو أنه في مبتدئه في الختام المسك للعقد الثامن.أمين يكتب، يحاضر، ينشر عبر الانترنت، هو في الضوء كاتب يدون الرأي في المسائل وفي المسألة الليبية المجد. لا يلتفت إلى الوراء فقد أخذه غد البلاد فغد الابداع عن الأمس، أمسى يفكر ويتفكر في المستقبل، مُستقبلا الجيل لصاعد، ومفكرته مليئة بمن وما لم يولد بعد.


منشور في بوابة الوسط | الثلاثاء 19 ديسمبر 2017, 11:04 AM


_____________________________________




عَروسُ البَحـرِ ـ سُوف عبيد


إنْ سادَ اللّيل وأسودُه لاَ بُــدَّ اَلشَّــمْسُ تُــبَــــــدِّدُهُ


وتُــنيرُ اَلْـكَـوْنَ أَشِـعُّـتُـها ويَـــجِيءُ اَلْفَــجْـرُ يُجَــدِّدُهُ


فَـتَرَى للأرْضِ وَ قَدْ لَاحَتْ حُـسْـنًـا بِالــنُّـورِتُــنَـضِّـدُهُ


فِي لَوْحاتٍ هِـيَ آيـــاتٌ إِبْــداعُ الـلَّـــهِ تُمــــجِّــــدُهُ


بِــلِسَانِ الطّيْرِ شَــدَا سَحَـرًا سِـرْبًا سِرْبًا يَـتَـهَـجَّـدُهُ


نَــغَمًا وَكَهَمْسِ اَلْبحرِ سَجَا مَا أَرْوَعَ مَـوْجًا هَــدْهَــدَهُ


حُلْمُ الأشواقِ وَقَدْ سَرَحَتْ كَــمْ بَـاتَ اللّيلُ يُــقَيِّـدُهُ


*


وَتُطِلُّ عَرُوسُ البَحْرِ ضُحَى بِـتَمَامِ الحُسْنِ تُجَسِّـدُهُ


سُبْحَانَ اللَّهِ إِذَا أَبْــدَتْ مَــــيَّـاسَ اَلْــقَــدِّ تُـــــؤَوِّدُهُ


فِي ذَاكَ الشَّطِّ وَقَدْ خَطَرَتْ وَالـثَّغْـرُ تـَـبَسَّمَ مَوْرِدُهُ


والشَّـعْرُ تُـعابِــثـُـهُ غَـَنَـجَا طـَــوْرَا يَـْنـحَلُّ فَــتَعْـقِدُهُ


تـَـرْنُـو بِـــجُـفونٍ حَالـمةٍ وَيْــلٌ لِلسَّـهْمِ تُــسَـــدِّدُهُ


نـَحْوَ اَلصَيَّادِ رَمَى شَبَكًا عَـجَبًا لِلصَّيْدِ تَـــــــــصَيَّدَهُ


لمَّا خَصَلاَتٌ قَدْ عَلِقَت مِنْهَا صَاحَتْ تَــتَـنَــــــــجَّدُهُ


لَبَّيْـكِ ! وغاصَ بلا وَجَل وَغِمَـارُ اَلْمَوْجِ يُـجَاهِــــــدُهُ


بِحَنَانٍ أَمْسكَ مِنْ يَدِهَا وَ اَلْجِـيدَ بِـرِفْــقٍ أَسْـــــنَدَهُ


لَكِنْ! تيار البحر عتا بِـهُـبُوبِ رِيـَـاحٍ أَبْــعَــــــــــدَهُ


حـَـتّى بَلَغَـا أَنْـأَى جُـــزُرٍ فـَأَقـــامَ اَلظِـلَّ ومَـــهَّـدَهُ


وَ أَفَاقَتْ مِنْ رَوْعِ فَرَأَتْ لِـفَـتَاهَا وَجْـهَا تَــعْـهَـــــدُهُ


كلُّ الدُّنيا صارتْ جَذْلَى لَـكَأنَّ ربــيـعًا تَشْــهَـــــدُهُ


فَـــهَفَا شَجرٌ و نَمَا ثَــمَرٌ مَـيّـَادُ اَلْغُصْنِ وَ أَمْـلَــــدُهُ


و النّخلُ تَهادَى في سَعَفٍ بِـاَلْعِذْقِ تَدَلَّى عَـــسْجَدُهُ


وَالزّرعُ تَـمَايَـلَ مُمْتَلِـئًا بِاَلْحَبِّ قَــريبٌ مَحْصَــــــدُهُ


وَبِسَاط العُشْبِ جَرَى مَرْحًا بِــزُهُورِ اَلْوَشْيِ تُـزَرِّدُهُ


حَتَّى الْبِيدُ اِخْضَرَّتْ لَهُمَا وَ يَــمَامُ اَلْأَيْــكِ يُــغَـــرِّدُهُ


إِثْـنَانِ وَمِنْ طَــيْرٍ شَــهَدَا وَ العُرْسُ اللّيلةَ مَـوعـدُهُ


وَ بِـوَافِرِ صَــيْدٍ أَمْــهَرَهَا وَكَـبَـــدْرٍ بَاتَـتْ تُـــسْــعِدُهُ


زَمَنا عـاشَا أحلَى حُـلُمٍ إِذْ طابَ اَلْعَيْشُ وَ أَرْغَـــدُه


*


وَ أَتَتْ يَومًا فَبَكَتْ أَسَــفًا لاَبُــــدَّ الدَّهـرُ يـُـنَــكِّـدُهُ


قالت: اليم يناديني فالـمَــرْءُ وَمـَا يَـتَــــــــعَـــوَّدُهُ


سَأَعُودُ قريبًا لا تَحْــــزَنْ لابُـــدَّ العَهْدَ نُــــجَـــدِّدُهُ


وَجَمَ الصَّيَّادُ وَ لَم يَنْبُسْ وهَــوَى صَرْحٌ قد شَــيَّـدَهُ


وَاِحْلَوْلَـكَتِ الدّنيَا حُــزْنًا وَبَـكَى في الـوَرْدِ تَـوَرُّدُهُ


وَمَضَتْ فِي الأَزرقِ سابحةً لحِقَ الصيُّادُ يُعَـــربدُهُ


يَا هذا البَحْرُ أَعِدْ إِلْـــفي فأجابَ بمَوج يُــــــزْبدُهُ


البَحرُ بِـــمَا فيه مُــلْـكِي فَالـلُّـؤْلُـؤُ لِي وَ زَبَرْجَـدُهُ


وَاَلْحُورِيَّـاتُ حَرِيمٌ لِــي مَا مِنْ أَحَدٍ يَـتَـقَــــصَّدُهُ


فإذَا رَعْـدٌ وَ إِذا بـَــرْقٌ وَكلابُ البحرِ تُـــــطَارِدُهُ


إِيَّــاكَ إذنْ يــومًا مِـــنِّي وَتَـعَالَى اَلْمَـوْجُ يُـصعِّـدُهُ


قَـفَـزَ الصّـــيّادُ على لَـوْح وَ سَــوادُ اللّيلِ يُــغَـمِّدُهُ


حتَّى أَلْـقَـاهُ اَلْمَوْجُ عَــلَى جُـلْمُودِ الـصَّخْرِ يُوَسِّـدُهُ


وَإِذَا اَلْجُلْمُودُ جَرَى دَمْـــعًا لـصدى بـــيت قد ردّدهُ


يَا لَــيْلُ الصَّبُّ مَتَى غَدُهُ أَقِـيَـامُ اَلسَّاعَـةِ مَــوْعِـدُهُ ؟



__________________________________

خدعوك فقالوا: إن ما يحدث في ليبيا شأنٌ داخلي

أحمد الفيتوري

31-5-2017


1-

هل نسي العالم على الخصوص أمريكا والناتو، والجامعة العربية، ومجلس التعاون الخليجي، أنهم جميعا ساهموا، بعد قرار 1973 الصادر من مجلس الأمن في مارس 2011م، ساهموا في الحرب لحماية المدنيين الليبيين ثم إسقاط "القذافي"؟.


ذلكم الوقت، أي في مارس 2011م، تم تدويل القضية الليبية، وعلى إثرها أُسقط نظام "القذافي"، الذي هو صاحب فكرة "اللا دولة" وعمل "الجماهيرية العظمي" التي لا مثيل لها في نظره، لأنها بلد "عصر الجماهير" المالكة للسلطة والثروة والسلاح، وبالتالي فإن الجماهيرية أي ما بعد الدولة لا حاجة بها إلى الجيش، ليست بحاجة لكل سِمات الدولة التقليدية من إدارة وشرطة وقضاء وما شابه. هكذا ورث العالم، أي الأمم المتحدة التي تدير شأن ليبيا منذ مساهمتها الكبرى والرئيسة في إسقاط "القذافي"، هذه الهجنة المسماة "الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية العظمى".


بلاد "الشعب المسلح" حسبما نظرية "القذافي" وشيء من فعله غدت بفعل أممي وكرا للإرهاب، بُعيد إسقاط "القذافي" وتدمير سلاحه الرئيس الروسي المنشأ دمرت أسوار معسكراته وغدا ما تبقى من سلاح، العسلَ البري لدببة الإرهاب الدولي، وهذا تم وليبيا تحت هيمنة الأمم المتحدة وحراسة "التحالف الدولي" المنبثق عن قرارات مجلس الأمن بموافقة ودعم عربيين، وبفضل ذلكم تم توصيف ليبيا بإجماع أممي: دولة فاشلة. هذا الجيو سياسي الليبي عقب النجاح الليبي والدولي في إسقاط "القذافي": دولة فاشلة لا حدود لها ومرتع كل من هبْ ودبْ من إرهاب المحيط، في خاتمة كتاب "القذافي الأخضر تنبأ أنه في حال سقوط الجماهيرية تعم الفوضى فحقق له تحالف دولي بقرارات أممية نبوءته. وتجلى كما لم يتجل في مقتل السفير الأمريكي ببنغازي عام 2012م، وما نتج عنه من إدانة القاعدة الليبية أو "أنصار الشريعة" واعتبارها جماعة إرهابية، ثم خطف "الرقيعي" من طرابلس و"بوختالة" من بنغازي.


2-


الأن، وبعد ما يقارب السبع سنوات من إسقاط "القذافي"، ليبيا تنبلج فجاءة دولة فاشلة وحظيرة للإرهاب، من مانشستر حتى براك والمنيا فطرابلس الغرب ودرنة يكتشف ذلكم، العالم الناسي تذكر بغته الحظيرة التي جهزها كحاضنة لشذاذ الآفاق من إرهابيين وداعميهم الإقليميين والدوليين، العالم المتذكر وإن فطن للنتائج فإنه سها عن المسببات، المسببات تفرخ في شوارع العاصمة وضواحي المدن الأخرى، وتجتذب الفارين من نيران التحالف الدولي في المشرق العربي.


ليبيا عقدة الشمال الأفريقي وخاصرة المتوسط مفرخة دافئة ومرتع سائب لكل الذئاب المنفردة والمزدوجة والقطعان حتى، هذا بدأ يظهر فجاءة بعيد اللقاء السعودي العربي الإسلامي الأمريكي، وجريمة مانشستر التي نفذها للمرة الأولى ليبي الأرومة بريطاني الجنسية. أي أن ليبيا التي كأنها معاقبة دوليا بالاستبعاد بعد النجاح في إسقاط "القذافي" الإرهابي الدولي الأول تعاد مواضعتها فتكون مرة ثانية بلدا للإرهاب الدولي الأول فتعم الطائرات من كل حدب وصوب سماءها ويدك على أرضها الإرهاب دكا دكا...


3-


ما حدث في طرابلس الغرب العاصمة بالذات خلال يوم الجمعة 26 مايو 2017 تؤطره هذه المعطيات المستجدة.


ما حدث أن قوات أو مليشيات تابعة لـ "السراج" تهاجم في وضح النهار وعلانية مليشيات كانت تسيطر على جزء لا بأس به من المدينة، هذه المليشيات متمردة عن "اتفاق الصخيرات" بالتالي معادية لـ "السراج"، وما ليس منها من الإسلام المسلح فإنه حليفه فيما عرف بتحالف "فجر ليبيا"، وينجح "السراج" بهذا في تطبيق بند من بنود "اتفاق الصخيرات" أي تفريغ العاصمة من المليشيات المعادية بل ودحرها وتأمين مطارها الدولي وما شابه، ما حدث كان يجب أن يحدث عقب إعلان اتفاق الصخيرات في 17 ديسمبر 2015م، لكن "اتفاق الصخيرات" المعزز دوليا لم يلق الدعم الدولي فكل دولة من الداعمين كانت تغني على ليلاها أو لاهية عنه، الآن تحصحص الاتفاق فتم "تحرير طرابلس" مرة ثانية بعد ثورة فبراير، ولن أدخل في تفاصيل ليست إلا مكمنا للشيطان لكن الحاصل حصل وبات "السراج" وبيده العاصمة.


ما حدث في طرابلس الغرب يحدث تقريبا في الجنوب الليبي ما بعد "براك"، أما ما بعد جريمة "المنيا" المصرية فإن ما يحدث في "درنة" تقريبا مشابه لما حدث في سماء طرابلس: "أفريكوم" تطير طائرات بدون طيار كما الطائرات المصرية تقوم بمهمة دولية رغم بيان السراج الخجول.


4-


ليبيا مرة ثانية مسألة دولية في تاريخها خرجت من معمعة حرب دولية، حينها رجال تمكنوا من إخراجها من فم الذئب كما معجزة، الآن ليبيا في فم "ترامب" ورغم أن المعطيات ليست ذاتها وكذا الرجال، لكن ما في يد "إدريس السنوسي" آنذاك في يد "السراج" المعترف به دوليا فهو من بمكنته المشاركة في أي ملتقي دولي وغير دولي ومع كل من لهم اليد الطولي في الشأن الليبي. أما الجيش الليبي بقيادة "خليفة حفتر" فقد حقق على الأرض الكثير مما يجعل منه الحليف الوحيد والممكن لدولة ليبيا، وإخراجها من حفرة "الجماهيرية العظمي" ما غاصت في أوحالها، لقد نجح في ذلك قبيل الاستقلال 24 ديسمبر 1951م "إدريس السنوسي" وثلة من الرجال والآن بالإمكان أبدع مما كان خاصة في هذه اللحظة الاستثنائية. إنتهى


________________________________

سرطان


منصور بوشناف


يبدو ولع السرطان واهتمامه بالمبدعين والكُتّاب أكبر من اهتمام الليبيين أنفسهم بإنتاجهم الأدبي والثقافي والعلمي، فمن النادر إن لم يكن من المستحيل أن تجد عشرة أشخاص من الليبيين يتفقون على معرفة كاتب أو شاعر أو عالم ليبي ولن تجد ليبيين اثنين اطلعا على عشرة كُتب ليبية !!!

هذاعن المواطنين العاديين فما بالك بذوي الياقات البيض وربطات العنق الفاخرات من المسؤولين الليبيين.

السرطان هذا المرض المرعب يبدي في السنوات الأخيرة هوسا وتولعاً غريبين بالمبدعين الليبيين فلا يمر عام إلا ويعشش في رئة كاتب أو فنان أو مبدع ليبي أو في دمه أو في حنجرته أو معدته أو مسالكه حتى تبدو أجساد المبدعين الليبيين جنة تسعى السرطانات للسكن فيها والتهامها.

كان سليمان كشلاف وخليفة حسين مصطفى والصادق النيهوم والهريوت وعلي الفزاني ومفتاح العماري ورضوان أبوشويشة وأخيرا يحط السرطان عفشه وعياله في صدر السنوسي حبيب وذلك آخر أخبار سرطانات المبدعين الليبيين، كان بعضهم محظوظا ونال بعض الاهتمام والعلاج وضاع أكثرهم دفاعا دونما أدنى محاولة للمساعدة.

الصحة الليبية أو إدارة الصحة الليبية لا تبدي اهتماما بهذا الموضوع ولم نسمع بوقوفها أو اهتمامها بكاتب أو فنان، والتطوع أو التبرع أو التصدق بعلاجه لتظل المؤسسات الثقافية في المأزق والواجهة لعدم قدرتها وعدم اختصاصها.

فهل نسأل الصحة أن تهتم بهذه الشـريحـة المــبتـلاة بحـب السرطان ؟!

أكتب عن السنوسي حبيب الشاعر الليبي المهم والكبير الذي يعاني الآن بدايات السرطان راجيا تدخل الصحة قبل الوصول إلى نهايته فهل سيسمعون ؟!

المبدعون الليبيون وجبة السرطان الشهية هذه الأعوام بحاجة لوقفة وطنية ليس من أجل المبدعين الليبيين بل لأجل كل المصابين بهذا المرض المرعب !!


_________________________________

خارج التغطية


سالم العوكلي

 

مساء السبت 5/ 6 / 2010 كان من المفترض أن يكون موعد أمسيتي في مهرجان برلين للشعر الذي تقيمه ورشة برلين الأدبية في الفترة من 5/ 6 إلى 10 /6 بمشاركة حشد من شعراء العالم حيث من المفترض أن أكون الممثل الوحيد لليبيا .

من دون سابق معرفة تلقيت دعوة لحضور هذا المهرجان يوم 5/ 12 / 2009 مذيلة باسم الكاتب رشيد أبو طيب أحد أعضاء اللجنة المنظمة ، واستمر التواصل حتى قبل أيام من بداية المهرجان . وعبر إجراءات تنظيمية غاية في الدقة ، حيث وصلت تذكرة السفر الإلكترونية ، ومكان الإقامة ورقم الغرقة ، وبرنامج الفعاليات والتنقل طيلة أيام المهرجان قبل أشهر من بدايته . إضافة إلى طباعة قصائد وسيرة مطولة ومترجمة لكل مشارك بعد أن طلب مني توقيع عقد نشر للكتاب الذي سيرى النور دون أن أراه . كنت متحمسا لحضور هذا الاحتفال الشعري وكنت أدرك في قرارة نفسي أني لن أحضر مثلما حدث في مهرجان المتنبي بسويسرا ومهرجان لوديف بفرنسا ، والسبب دائما هو نفسه . البعد عن العاصمة وعدم القدرة على تحمل تكاليف السفر ، ليس إلى هذه البلدان فقط ولكن حتى إلى طرابلس . فتذكرة سفر إلى العاصمة وإقامة لبعض الأيام لإنهاء إجراءات السفر يتطلب ثلاثة شهور من دخلي المتواضع . وفي كل مرة كنت اعتذر عن الحضور دون أن أذكر هذا السبب المحرج ، وفي كل مرة كنت أفقد الفرصة في تجربة مهمة للتواصل ولتمثيل بلدي .

عندما اتصلت بسفارة ألمانيا أخبروني أن التأشيرة تستغرق أكثر من عشرين يوما في الحد الأدنى ، وكان الوقت قبل المهرجان بعشرة أيام ، وكنت بذلك أحاول أن اقتصد السفر إلى طرابلس لمرة واحدة .

لكن طرابلس بعيدة ، وحين أخبرت الصديق رشيد باعتذاري دون أن أذكر السبب ، رد علي برسالة منفعلة يقول فيها : ( لماذا لم تقم بذلك بعد حصولك مباشرة على الدعوة؟ لقد احتجت للحضور للدراسة هنا للوقوف ستة أشهر أمام السفارة الألمانية، وأنت تنتظر من السفارة أن تحضر عندك إلى درنة؟ المهم، أنا سأكلمهم هنا لعلهم يصنعون شيئا رغم أن الوقت تأخر ، وللأسف فلقد أعجبوا فعلا بشعرك وكانوا يريدون لقاءك .. ولكن لله الأمر من قبل وبعد .. وأعذرني إن كنت بالغت ولكن هذا يقلب كل السهرة رأسا على عقب ) .

ولم أرد عليه سوى بتكرار اعتذاري . مكتفيا بتكرار حزني من جور المسافات وقلة الإمكانات التي تجعلك مكبلا ، ومن هنا أفهم : لماذا ينتقل الكتاب والمبدعون في أماكن أخرى إلى العاصمة ويتكدسون فيها ؟ حيث يقتربون من فرص النشر والمشاركة والتفاعل الثقافي والإبداعي ، ومن هنا أفهم أيضا عبارة (أدباء الأقاليم) الدارجة في مصر والتي تعني أنهم خارج المكان ، خارج التغطية الثقافية .

كم فكرت في الانتقال إلى طرابلس وكم أجلت هذه الفكرة إلى ما بعد حصولي على جائزة نوبل والتي قد تكفي لشراء بيت متواضع في طرابلس


___________________________________________


تاسيلي: مسقط رأس الحضارة المصرية القديمة؟


فِلِب كوبِنز


ترجمة: عمر أبوالقاسم الككلي

 

قمت في يناير 2003 باستعلام حول إمكانية زيارة جبال هقار وتاسيلي ناجر التي تعتبر واحدة من أكثر السلاسل الجبلية فتنة على كوكب الأرض. المنطقتان المتجاورتان جغرافيا، ولكن المنفصلتان تماما، تقعان في الصحراء الكبرى جنوب شرق الجزائر. قيل لي بأني إذا تمكنت من حزم أمتعتي فورا( بالمعنى الحرفي) فسيكون بإمكاني الانضمام إلى رحلة تستغرق ثلاثة أسابيع. لسوء الحظ، لم أتمكن. لكنني خططت للذهاب في رحلة أطول في يناير 2004.

بعد ذلك بأسابيع تم اختطاف سائح هولندي وآخر ألماني في تلك المنطقة( الفريق الإنغليزي الذي سأنضم إليه لم يتعرض لمثل هذه المتاعب). كان قد تم احتجاز بعض السواح لبضعة أشهر قبل أن يتم إرسال جنود هولنديين وألمان لتحرير الرهائن من المتمردين الذين يحتجزونهم. منذ ذلك الوقت أوقفت حوادث الاختطاف هذه جل، إن لم يكن كل، السواح من السفر ناحية لوحات الصخور السحرية في تاسيلي، لأن شركات التأمين لم تعد راغبة في تغطية حوادث هذه المنطقة. في الوقت الذي كان فيه العالم ينتبه إلى الواقع السحري الذي تمثله لوحات تاسيلي، جعل التوتر السياسي العالمي لوحات ماقبل التاريخ الصخرية منطقة محظورة.

ورغم أنه من الممكن زيارة اللوحات الصخرية في تاسيلي فإن القلائل الذين كتبوا عن هذه اللوحات الصخرية على نحو أعطاها شهرة اعتمدوا بشكل كبير على العمل الرائد لهنري لوتHenri lhote وفريقه.

لقد أكد لوت على أن تاسيلي تعد أغنى مستودع لفن ماقبل التاريخ في العالم برمته، وكتب سلسلة من الكتب أشهرها" البحث عن جداريات تاسيلي الجصية. لوحات الصحراء الكبرى الصخرية"(2). وقد أثار هذا الكتاب الاهتمام لما يحويه من سرد للمتاعب التي واجهها أثناء محاولته اكتشاف اللوحات الصخرية المرسومة على سطوح الصخور المتناثرة في أركان مختلفة من تاسيلي و استنساخها.

لوت نفسه اعتمد على عمل الليوتانت برينانBrenan الذي كان من أوائل المخاطرين بالتوغل في شعاب تاسيلي خلال عملية أمنية في ثلاثينيات القرن العشرين. وباعتباره أول أوربي يدخل المنطقة فقد انتبه إلى الأشكال الغريبة المرسومة على الأجراف. شاهد" فيلة تسير رافعة خراطيمها وحيوانات أخرى كالكردن، بقرنه القبيح البشع، والزرافات التي تمد رقابها وكأنها تتطلع إلى رؤوس الشجيرات النامية حولها"(3). المنطقة اليوم صحراء مهجورة قاحلة، والمشاهد التي تمثلها هذه اللوحات تعود إلى حقبة غبرت منذ زمن بعيد، حين كانت الصحراء الكبرى منطقة سافانا خصبة تضج بالحياة البرية... والبشر.

بعد الحرب تحدث لوت مع برينان في أمر التعاون مع ناصح لوت آبّى برويAbbé Breuil الذي كان قد أجرى أبحاثا حول عدد من لوحات الكهوف العائدة إلى العصر الحجري القديم بجنوب فرنسا. وبناء على ذلك تم تنظيم بعثة لوضع خريطة للوحات تاسيلي الصخرية ودراستها.

الظروف بتاسيلي غريبة عن هذا العالم. يمكن للمرء التأكيد على أنها طبيعة تنتمي إلى عالم آخر. كان البعض قد وصفها بأنها" منظر قمري".

العالم الآخر هو أيضا وصف مناسب للوحات، وقد وصف لوت نفسه بعضها بأنها" وجوه مريخية"، وكان يقصد بهذا المصطلح أن الوجوه الموجودة في اللوحات تشبه الوجوه الغريبة التي كان يراها في أشرطة الخيال العلمي على شاشة التلفزيون. فيما بعد استخدم هذا المصطلح من قبل آخرين من مثل إيرش فون دانكن Erich von daniken للتخمين ما إذا كانت بعض هذه الأشكال تمثل بالفعل زوارا قدموا من خارج الأرض.

حدد لوت معنى مصطلح" مريخي" بشكل أكثر علمية على أنه"مستديرو الرؤوس" الذين كانوا يبدون فعلا من عالم آخر. وهذا ما دفع تيرين ماكينا Terene Mckenna إلى الاعتقاد بأنهم من عالم آخر، ليس بمعنى أنهم من خارج الأرض، وإنما بمعنى أنهم من طبيعة أخرى. ففي رأيه أن بعض الفن الصخري يظهر دليلا على ديانة منقرضة كانت تقوم على فطر الهلوسة hallucinogenic mushroom. فقد رأى في ماتالين-آمازار وتين-تزاريفت أشكالا بشرية ينمو الفطر على كامل أجسادها، وكان آخرون يمسكون الفطر في أيديهم كما أنه هناك أشكال أخرى تجسد مزجا بين الفطر والبشر، وقد أشار إلى وجود رسم لكاهن shaman(4) يغطي رأسه بغطاء يبرز منه قرنا وعل وله وجه نحلة ويقبض على فطر ولفت الانتباه إلى أن هذه تمثل أقدم اللوحات المعروفة التي تجسد كهنة بالقرب من أعداد كبيرة من قطعان الماشية وهي ترعى. حقيقة أن هذه اللوحات تمثل كهنة دعمها وجود أقنعة، وهي أدوات ترتدى عادة من قبل الكهنة خلال إقامة الشعائر الدينية. وإذا ما كان ثمة من لم يقتنع بعد بأن هذه المشاهد قام برسمها أشخاص وقد" خرجوا من عقولهم"، فإن ماكينا يلفت الانتباه إلى أن الهياكل الهندسية المحيطة بالكهنة تمثل بالنسبة إليه، وبالنسبة إلى اختصاصيين آخرين، دليلا على حالة النشوة التي دفعت الرسامين إلى الرسم.

وعلى الرغم من أن ماكينا جعل فهم هذه اللوحات في متناول الجمهور العام، فإن ما كتبه كان متوافقا إلى حد كبير مع ما خمنه لوت نفسه. فلقد كان لوت مقتنعا بأن هذا الفن كان إلهاما سحريا وأنه انبثق عن معتقدات دينية. وعقد أيضا مقارنات مع الفنانين الذين قاموا بالرسم على الجدران الداخلية بالكهوف الفرنسية، وقد أكدت الدراسات التي أجريت بعد وفاة لوت بعقود، مثل تلك التي قام بها دافد لويس-وليامز David Lewis-Williams، على السياق الكهنوتي لهذه اللوحات.

كما أبرزت بحوث أخرى، خصوصا تلك التي قام بها وِم زتمان Wim Zitman مضامين فلكية في أشكال مختلفة. وقد ركز اهتمامه بشكل أخص على اللوحة المسماة" المرأة السابحة" الموجودة في تن-تزاريفت محاولا إثبات أنها تمثيل لكوكبة نجمية. كما حاول إثبات الصلة بين لوحات تاسيلي الصخرية وأصل الحضارة المصرية، متسائلا عما إذا كان كهنة تاسيلي هم"زهور حورس" التي كانت موضوعا لتخمينات كثيرة جدا طوال العقد الماضي من قبل أشخاص من مثل روبرت بوفال Robert Bauval وغراهام هانكوك Graham Hankok. فبدلا من أطلنطا الأسطورية قد تكون هذه الزهور أتت من منطقة تقع جنوب شرق جبال أطلس، أي تاسيلي.

لقد استبان لوت نفسه بعدا مصريا، وكان متشوقا إلى تحديد كيفية واضحة انحشرت بها مصر في لوحات تاسيلي الصخرية.

ولقد نشر في كتابه لوحتين تحملان خصائص مصرية لا تخطئها العين. لقد مثلت هاتان اللوحتان" فنا غريبا على المنطقة" ولا تنسجمان مع اللوحات الأخرى التي وجدها. اكتشافه هذا أحدث اضطرابا داخل الدوائر البحثية، كونه بدا دليلا قاطعا على الصلة بين تاسيلي ومصر القديمة. وكان السؤال المتبقي: كيف تم ذلك؟. في نهاية المطاف اتضح بأن اللوحتين كانتا من فعل أحد أعضاء فريق لوت، الذي قام بخدعة ناجحة للوت. تمت إعادة نشر اللوحتين حتى بداية سبعينيات القرن الماضي في الطبعات المنقحة ثم حذفت من الطبعات التالية. واليوم تم مسح اللوحتين من جبارين وأورنغيت ويهز الأدلاء الطوارق رؤوسهم حين يسألون إذا ما عرضت عليهم صور اللوحتين نافين رؤيتهم لهما. من الطبيعي أن يعترض أحد بالقول بأن هذا جزء من طمس آثاري تم فيه إجبار أحد أعضاء الفريق على الكذب وقامت المؤسسة فيما بعد بمحو اللوحتين من الأجراف لإزالة هذه"الصلة المصرية".

"إذا كان التأثير المصري( وربما حتى الإيجي)واضحا فيها فإن أقدم الصور التاسيلية تنتمي إلى مدرسة غير معروفة حتى الآن ويلوح أنها من أصل محلي"(5) مثلما يستنتج لوت.

يوجد، بشكل عام، شكلان من اللوحات الصخرية يميزهما الموقع الذي يوجدان فيه. البعض تم العثور عليه في الملاجيء الصخرية كتلك التي في وهران، وكانت هذه المواقع هي التي يؤدي فيها الكاهن طقوس العرافة، في حين أن واجهة الصخرة تبدو عادة على أنها مدخل يفضي إلى ناحية أخرى( وهذه اللوحات نظير آخر للوحات الكهوف الفرنسية). وعلى الرغم من أنه يمكن للمرء تفسير هذه المواقع على أنها من عمل شعب مترحل، فإن فريق لوت عثر أيضا على مستوطنات حضرية.

فلقد عثر وسط تين أبوتيكا، حول تين-زومياتك التي هي تكوين صخري صغير يشرف على الشعب المار تحته، على مواضع نشاطات إنسانية. وتشق هذا التكوين أزقة ضيقة، وقد وصف لوت الفن الذي وجده هناك بالقول:" كانت هناك أشكال بالحجوم الطبيعية وبالألوان لرماة نبال ذوي عضلات وسيقان قوية متوترة، و"قطط" هائلة. ومشاهد كثيرة فيها ماشية وعربات حربية وغيرها، ولم أكن حتى ذلك الوقت قد شاهدت في التاسيلي أشكالا مثل هذه، وكانت اللوحات الكثيرة التي شاهدتها في ذلك اليوم قد طغت في أهميتها على كل ما كنت رأيته قبل ذلك."(6)

هذا رائع حتى الآن، إلا أنه ستكون هناك مواقع أكثر روعة. ففي جبارين عثر على مدينة تشقها أزقة، وبها تقاطعات وميادين وكانت الجدران مغطاة بمئات اللوحات. تعني جبارين في لغة الطوارق" العمالقة" في إشارة إلى اللوحات الموجودة داخل المدينة والتي يجسد بعضها أشكالا عملاقة فعلا في حجمها. فأحدها يبلغ علوه ثمانية عشر قدما. بعض هذه اللوحات يجسد"المريخيين" وكانت هذه هي المرة الأولى، بالنسبة للوت، التي يكتشف فيها لوحات لمئات الثيران، وسرعان ما صنفت جبارين على أنها واحد من أقدم المواقع في تاسيلي.

كانت تين-تزاريفت مدينة أخرى. كانت بامتداد ميل وربع وكان مركزها متميزا باحتوائه على مسارح مدرجة يزيد طول قطرها عن خمسمئة ياردة، كما أنها تحتوي على ميدان عام رحب تتجمع حوله البيوت، وتمتد منه طرق وشوارع وممرات وحتى أزقة مسدودة. ومرة أخرى كانت التجويفات الواقعة أسفل الصخر هي التي تكشف عن تنوع اللوحات ووفرتها بما في ذلك مزيد من لوحات" المريخيين" أو مستديري الرؤوس.

بيد أن الروعة الحقيقية كانت في سفر. ماكتب عن هذه المدينة قليل، ولوت لا يعطي تفاصيل كثيرة، فيماعدا خريطة توضح مساحتها ووجود بضعة شوارع وطرق ورواب وقبور وشيء يسميه" ساحة إله صيد السمك العظيم"(7). أطلق لوت هذا الإسم على الشخص الذي في اللوحة لأنه بدا له كما لو كان يحمل سمكة. إلا أن نظرة أكثر تفحصا للصور التي التقطت من قبل بعثات لاحقة توحي بما كان زتمان يعتقد دائما أنه الحقيقة: فبدلا من أن يكون هذا الرسم مجسدا" لإله صيد السمك"، ألا يمكن اعتباره مجسدا لما كان قدماء المصريين يعرفونه بـ"ضرب العدو"؟. فالوضع هو نفسه الذي كان الفراعنة يستخدمونه لاستعراض تحكمهم في قوى الفوضى. وهكذا فإن" إله صيد السمك العظيم" في سفر قرينة تشير إلى أنه توجد فعلا صلة بين مصر وتاسيلي. بعض اللوحات الصخرية، كتلك التي في سفر ووهران، تظهر أيضا قوارب، شبيهة جدا، إن لم تكن مطابقة، لما تم اكتشافه من قبل باحثين من مثل توبي ولكنسون Toby Wilkinson في مواقع ولوحات صخرية مشابهة في المنطقة الواقعة بين النيل والبحر الأحمر، وقد حدد تاريخها بالألف الخامسة قبل الميلاد، أي أنه يتزامن مع لوحات تاسيلي. فمثل تاسيلي كانت المنطقة الصحراوية التي اكتشف فيها ولكنسون هذه اللوحات حينها أرضا معشبة خضراء، ومثلما هو الشأن في تسيلي تتضمن هذه اللوحات المصرية خليطا من المفردات motifs، فهي تصور تماسيح وأفراس النهر وقوارب، وجميعها مفردات نيلية، إلى جانب النعام والزراف التي هي مفردات السافانا، كما أنها حافلة بصور قطعان الماشية والرموز الدينية التي ستميز فيما بعد الفن المصري. ينبغي أن يبدو هذا عاديا الآن...

وبالنسبة لولكنسون فإن هذه الرسومات تظهر أن المصريين قبل فترة ظهور الفراعنة لم يكونوا مزارعين مستقرين في السهل الفيضي، وإنما رعاة ماشية شبه رحل يسوقون قطعانهم فيما بين ضفاف النهر الممرعة والأراضي المعشبة الأكثر جفافا. كما أنه لاحظ أن عددا من هذه اللوحات موجود حول طرق التجارة القديمة، وفي هذه الحال يكون من الغلو في الخيال بمكان المحاججة بأن" شبه الرحل" هؤلاء قد تجشموا عناء شق السافانا من الشرق إلى الغرب ثم العودة. وهكذا فإنه يكاد يكون مؤكدا أن مصر ماقبل السلالات كانت هي وتاسيلي شيئا"واحدا". ثمة، إذن، صلة مصرية، ولكنها بدلا من أن تكون قد حدثت حوالي 1200 سنة ق.م، اعتمادا على اللوحتين اللتين انخدع بهما لوت، فإنه يمكن العودة بهذه الصلة إلى مصر ماقبل السلالات.

وعلى الرغم من أن لوحات تاسيلي هي الأفضل حتى الآن، فإن تاسيلي ليست المنطقة الوحيدة التي توجد بها مثل هذه اللوحات. فبالقرب من مناطق من مثل أكاكوس ومساك تم العثور على لوحات صخرية مشابهة، وهذا يؤكد أن تاسيلي لم تكن حالة منعزلة و إنما هي جزء من كل.

لذا يلح ولكنسون وزتمان على ضرورة القيام بإعادة تفسير جذرية لأصول حضارة مصر القديمة. بالنسبة لولكنسون فإن اللوحات الصخرية جنوب مصر تقدم الدليل على أنه هناك، تحديدا، ينبغي علينا البحث عن" سفر تكوين الفراعنة Genesis of the Pharaohs"( وهو عنوان كتابه). أما بالنسبة لزتمان فإن أصل الحضارة المصرية القديمة يمكن العثور عليه في المنطقة الممتدة عبر تاسيلي وفي ثقافتها، حيث يوجد وضع مرسوم على واجهة جرف في سفر سوف يزين فيما بعد واجهات عدة معابد مصرية ، وهذا لا يمكن أن يكون بمحض الصدفة. أكثر من ذلك، هذا يتزامن أيضا مع ما قال عنه لوت:" الملامح الغالبة هي الملامح(الإثيوبية) الحبشية ونكاد نكون متأكدين من أن هذه الأقوام جاءت من الشرق بحثا عن العشب ولم تهاجر إلى التسيلي وحدها وإنما إلى أغلب مناطق الصحراء."(8).

وهكذا فإن تاسيلي أضافت فصلا جديدا إلى التاريخ الأفريقي، ولكنه فصل جديد في أول الكتاب. إنه تاريخ ما يعرف بـ" حقبة العصر الحجري الأول المطير" الذي دام من 9000 إلى 2500 سنة ق. م، حين كان قسم كبير من الصحراء الكبرى صالحا لسكنى الإنسان وكانت الكثبان أراضي معشبة وتعيش عليها أفراس النهر والأسود وحمر الوحش والزرافات وسواها. في الألف السابعة قبل الميلاد كان ثمة صيادون وراقصون وخبازون وحتى بحارة. كان ثمة كهنة يخلفون لوحات صخرية على واجهات الأجراف. أقدم نماذج فن الصحراء الكبرى الصخري نقوش متماثلة، أحيانا بمساحات واسعة، تمثل الحياة البرية القديمة شبه المنقرضة. كونهم كانوا في هذه المرحلة صيادين رحلا يستنتج من انعدام وجود لوحات تمثل الحيوانات الأليفة. واحد من أكثر الرسومات شيوعا وبروزا هو ذلك الذي يظهر فيه البابَلَس bubalus الذي هو سلف الأبقار الحديثة المستأنسة والشبيه بثور شرق أفريقيا الحديث ولكن بقرون أكبر بكثير. وقد أتاح انقراضه حوالي الألف الخامسة قبل الميلاد للأثريين إمكانية تحديد تاريخ لوحات تسيلي الصخرية. وبناء على ذلك اعتبر لوت فترة" الرؤوس المستديرة" المرحلة الثانية. اعتبر هذا الأسلوب الغريب، رسميا، مقتصرا على تاسيلي، إلا أنه ثمة ما يشبهه في كهف كبير في وادي صورة في جلف خيبر ولوحات في الندي تظهر قرب هؤلاء الناس من مصر.

الإجماع السائد بين علماء المصريات هو أن المصريين لم يتوغلوا في الصحراء أبعد من المنطقة الواقعة حول جبل مياه جدفر، وهو تل رمال صخرية يقع على بعد حوالي ثمانين كيلومترا جنوب غرب واحات الدخلة المحتوية على نقوش هيروغليفية. اكتشافها سنة 2003 من قبل المكتشف الألماني كارلو بيرغمان Carlo Bergmanأحدث ضجة كونه وسع مدى نشاطات الإدارة الفرعونية ثمانين كيلومترا أخرى في الصحراء الغربية الخالية من المياه والمجهولة.

والآن فإن هذا الاعتقاد قد تحطم بسبب الاكتشافات التي قام بها مارك بوردا Mark Borda ومحمود مرعي، من مالطا ومصر على التوالي، أثناءما كانا يمسحان منطقة جنادل على خواصر أحد تلال الصحراء الليبية على بعد حوالي 700 كيلومتر غرب وادي النيل( على بعد 630 كيلومترا أخرى من الحدود السابقة التي حددها المكتشفون). وقد ذكر بوردا ومرعي أنهما اكتشفا نقوشا تحتوي كتابات هيروغليفية على صخرة كبيرة، وشكل حلية فرعونية Pharaonic cartouche وصورة ملك وأشكالا أيقونية فرعونية أخرى. وقد أبان النص القصير عن كشوفات مذهلة. ترد في حوليات التاريخ المصري إشارات إلى الأراضي النائية التي تاجر معها الفراعنة، إلا أنه ما من مكان من هذه الأمكنة تم تحديد موقعه بشكل واضح. يذكر بوردا بأن قراءة النص تكشف عن أن منطقة اكتشافهما ليست شيئا آخر غير أرض يام الأسطورية، التي هي واحدة من أشهر الأمم وأكثرها غموضا من الأمم التي اتجر معها المصريون أيام المملكة القديمة والتي كانت مصدرا للأخشاب الاستوائية النفيسة والعاج. " لقد ثار الجدال حول موقعها بين علماء المصريات على مدى أكثر من 150 سنة، إلا أن أحدا لم يكن يتخيل أنها تقع على بعد حوالي 700 كيلومتر غرب النيل وسط الصحراء الكبرى.". ومع انقشاع هذا الاعتقاد، بات من الواضح أن المنطقة مشرعة أمام اكتشافات جديدة.

كان السير والاس بدج Sir Wallis Budge من بين أول القائلين بأن قدماء المصريين كانوا ورثة التقاليد الكهنوتية الأفريقية. ويوافقه في هذا ولكنسون وماكينا أيضا. كان يوجد دين في تاسيلي، ومن الواضح أنه كان محتويا على مواد مهلوسة تفتح بوابات أخرى أمام الكهنة، ولابد أن الحصيلة كانت عقيدة دينية ابتديء في كتابتها على واجهات الأجراف، بما في ذلك" إله صيد السمك العظيم" الذي أدمج، مع منتصف الألف الرابعة قبل الميلاد، في مصر في عهد السلالات باعتباره رمزا دالا على السيطرة الفرعونية والذي سيرسم طوال التاريخ المصري على جدران المعابد.

إلا أن تاسيلي، حين تحولت مصر القديمة إلى حكم السلالات، لم تتبع نفس النهج. فاستمر استخدام الواجهات الصخرية لرسم اللوحات على الرغم من التحول الذي طرأ على الأسلوب. وبحلول منتصف الألف الثالثة قبل الميلاد بدأت السافانا في التحول إلى الصحراء التي نعرفها الآن. حين أدخل الحصان إلى الصحراء الكبرى حوالي القرن الثاني عشر قبل الميلاد أتاح إمكانية استخدام العربات التي تجرها الجياد عبر طرق الصحراء الكبرى التجارية حتى الأزمنة القديمة التاريخية، وقد تم تضمين هذا الحيوان أيضا في فن السكان المحليين. إلا أنه مع حلول القرن الثاني عشر قبل الميلاد أصبح المناخ مختلفا بشكل كبير عما كان عليه في السافانا في الألف السابعة قبل الميلاد. الاختلاف بين مناخ اليوم ومناخ الألف السابعة قبل الميلاد يعتبر فعلا اختلافا بين عالمين. يمكن لتسيلي اليوم أن تكون على كوكب آخر. وعلى الرغم من أنه يزداد التقاط صور لأعمالها الفنية، فإن القليلين جدا، إن وجدوا، راغبون في إدراجها ضمن إطار أوسع. ولقد كان فون دانكن Von Daniken على خطأ حين قرر بأن أصحاب اللوحات كانوا كائنات من عالم خارج الأرض، ولكنه كان مصيبا حين أشار إلى أن تاسيلي تمتلك جانبا غير معروف في تاريخ مصر القديمة. خطو خطوة في تاسيلي سيكون أصعب من القيام بخطوة صغيرة على القمر، لن تكون خطوة كبيرة على صعيد الإنسانية، إلا أنها ستكون كذلك بالنسبة لعلم الآثار.



(*) نص الترجمة الملحقة بكتاب هنري لوت"لوحات تاسيلي، قصة لوحات كهوف الصحراء الكبرى قبل التاريخ" الصادر عن دار الفرجاني بطرابلس في طبعة جديدة.


(1) Philip Coppensمؤلف وصحفي إنغليزي متعدد الاهتمامات، من أبرزها الاهتمام بالتاريخ القديم. يكتب في عدة مطبوعات. اقتصرعمله منذ سنة 1995 على إلقاء المحاضرات عبر العالم.

(2) هذه ترجمة العنوان في الإنغليزية كما أورده كاتب المقال.

(3) ص23 من الترجمة العربية. تجدر الإشارة إلى أن المقال كما ورد في المصدر الذي ترجمنا منه يخلو من أية هوامش أو إحالات.

(4) كاهن يستخدم السحر لمعالجة المرضى ولكشف المخبأ وللسيطرة على الأحداث.( قاموس المورد).

(5) ص 10.

(6) ص 53.

(7) الواقع أن لوت يسميه، حسب الترجمة العربية للكتاب" عملاق الرمال العظيم" وأيضا" الإله العظيم". كما لاتوجد إشارة إلى السمكة. وواضح أن سبب هذا الاختلاف راجع إلى اعتماد كاتب المقال على طبعة منقحة.

(8) ص 77. الاقتباس، كما أورده كاتب المقال، يذكر" الموجات الكبيرة من المهاجرين الرعاة" وأنها" غزت، ليس تسيلي وحدها.....".




_______________________________________________

خارج جدران اليقين


عيسى مخلوف

 

بعد وفاة نصر حامد أبو زيد يفارقنا محمد أركون. ماؤنا القليل أصلاً يصبح أقلّ، فيما يتكاثر من حولنا الجفاف.

عمل محمد أركون طوال أكثر من نصف قرن على تقديم قراءة جديدة للإسلام. قراءة تستند إلى مرجعيات ومناهج علمية وتنطلق من الفكر النقدي العقلاني. وستظلّ أفكاره، حتى بعد رحيله، مدار بحث في الأوساط العلمية والجامعية، شرقاً وغرباً.

لا شكّ في أنّ فرنسا كانت محطة مهمّة في تكوين محمد أركون المنهجي هو الذي جاءها من الجزائر لمتابعة تحصيله العلمي. كان من بين أساتذته المستشرق المعروف ريجيس بلاشير ومن بين أصدقائه مفكرون وعلماء اجتماع كان لهم الأثر في توجهات فكره النقدي وأدواته، ومن بينهم المستشرق والمؤرّخ الآخر كلود كاهين الذي ساهم في تجديد المنهج التاريخي للشرق الإسلامي، والفيلسوف بول ريكور وعالم الاجتماع بيار بورديو. ولقد اكتشف مع هذا الأخير معنى القراءة الأنتروبولوجية وطرائقها لمجتمع محدّد وكيفية بناء جهاز مفهومي جديد. ففي كتابه «الحسّ التجريبي» قدّم بورديو تصوّراً علمياً أنتروبولوجياً للثقافة وللحياة اليومية لمنطقة القبائل الجزائرية، أي للبيئة التي ولد ونشأ فيها أركون، وتعمّق في تحليل تلك البيئة الشفهية التي لا تملك ذاكرة مكتوبة.

ضمن هذا المناخ العلمي، بدأ مشروع محمد أركون في تأسيس قراءته الجديدة للإسلام والتي لا ترتكز إلى الاجتهاد والتأويل وإنما إلى المنهج العلمي والفكر النقدي. ولا أظنّ أنّ هذا المشروع خضع إلى الآن إلى قراءة معمّقة في المجتمعات العربية والإسلامية، بل هو لا يزال محصوراً في بعض الأوساط الجامعية التي تبحث عن نوافذ أخرى وسط عالم يزداد انغلاقاً على نفسه. أما من جهة الوسط الثقافي الفرنسي (من المعروف أنّ معظم نتاج أركون كُتب باللغة الفرنسية، ونَقل القسم الأكبر منه إلى العربية هاشم صالح وكأنه جزء من نتاجه هو نفسه)، فلم يلتفت لنتاج أركون الذي تمحور حول نقد العقل الإسلامي، أوّلاً لأنّ هذا العمل، بحسب أركون نفسه، يتوجّه في المقام الأول إلى المسلمين أنفسهم، وثانياً لأنّ القراء الفرنسيين كانوا غارقين في «الإسلاميات الكلاسيكية»، ولاحقاً، بعد السبعينات والثمانينات من القرن العشرين، في خطاب العلوم السياسية.

أراد أركون أن يوسّع ميدان الدراسات الإسلامية ويذهب إلى دراسة الظاهرة الدينية ككلّ، أي أنّه انتقل إلى تقديم دراسة نقدية مقارَنة للأديان الثلاثة: اليهودية والمسيحية والإسلام. وذلك، في رأيه، يفتح آفاقاً جديداً لتدريس الإسلام ولفهم أعمق للثقافة العربية.

ضمن مشروعه لنقد الفكر الإسلامي، تناول محمد أركون أيضاً مسألة فهم الحضارات واحترام الاختلاف، وانتقد الاستشراق الذي ينظر إلى الثقافات الأخرى بصفتها ثقافات غريبة. ودعا، انطلاقاً من نزعته الإنسانية المتأثرة بفلاسفة عصر الأنوار في فرنسا، إلى نبذ العنف والعمل على إرساء حوار عميق بين الحضارات لتفادي الصدامات التي تعيق النموّ والتقدّم وتعود بالأذى على الإنسانية جمعاء.

يقول نيتشه: «اليقين سجن». في قراءته الفكرية وتحليله النقدي للعقائد، وقف أركون ضدّ كلّ أشكال السجون والجهل والعنف، وضدّ ما أسماه «السياجات الدوغماتية»، وذلك للخروج من عمى الأحكام الواحدة المطلقة والتحليق في رحابة الأسئلة الجوهرية بحثاً عن الحقيقة في أوجهها المختلفة.


__________________________________________


معضلة الماء


عبد اللطيف الفراتي

 

أبرزت دراسة جرت في إطار معاهدة برشلونة للبحر الأبيض المتوسط ، وحاضر حولها الدكتور محمد النابلي كاتب الدولة السابق افتقار المنطقة المتوسطية للماء الذي قال الله تعالى بشأنه «وجعلنا من الماء كل شيء حي».

غير أن هذا الإفتقار درجات، وإذ انقسم حوض البحر البيض المتوسط إلى ثلاث مناطق رئيسية، فإن المنطقة الشمالية التي تقع كلها في أوروبا متاحة لها 1900 مترمكعب للفرد في السنة، فيما المنطقة الشرقية وتشمل بلدان الشرق الاوسط متاح فيها 1300 متر مكعب للفرد في السنة، أما المنطقة الجنوبية ا من مصر إلى المغرب فأنها تكتفي بـمتاح لا يتجاوز 900 متر مكعب للفرد فيما الحجم الطبيعي اللازم هو الف متر للفرد سنويا.

وحتى هذا الحجم فهو ليس موزعا بالتساوي،وإذ نجد المتاح للفرد في المغرب في حدود 900 متر مكعب سنويا ، فهو 870 في مصر و470 في تونس و450 في الجزائر وأدنى من ذلك بكثير في ليبيا.

وتعتبر عتبة الفقر المائي في حدود 500 متر مكعب للفرد في السنة ، دونها يعتبر البلد تحت تلك العتبة فقيرا.

وفي المنطقة الشرقية والجنوبية من حوض البحر البيض المتوسط ، قد تصبح مشكلة المياه عبر الحدود قضية إستراتيجية، ففيما بين تونس والجزائر حيدت الطبيعة الأمر فكما توجد وديان تسيل من الجزائر إلى تونس وأكبرها هو وادي مجردة، فإن هناك مياه تسيل من تونس إلى الجزائر، ومن هنا فإن التوازن بين البلدين قائم إلى حد ما.

ولكن تبدو المعضلة الكبيرة في الحال القائم بين تركيا والبلدان التي تحتها والتي تسقيها مياه الفرات أي سوريا والعراق.

وكذلك بين مصر وما يأتي قبلها بالنسبة لمرور وادي النيل ، الذي تطل ضفافه على 8 دول إفريقية، وتنبع 80 في المائة من مياهه من أثيوبيا.

فتركيا استأثرت بمياه الفرات ، على حساب سوريا خاصة و العراق أيضا ، وتجري مفاوضات بدون نتيجة بين كل من تركيا من جهة وسوريا منفردة والعراق منفردا منذ سنة 1987، وفي فترة بين 1987 و2000 كان العداء شديدا بين النظامين البعثيين في سوريا والعراق بحيث كان التنسيق في مواجهة تركيا مستحيلا، وفي الأثناء تحولت تركيا إلى قوة إقليمية كبيرة ، وتقزم العراق الذي دخل ثلاث حروب قضت عليه كقوة إقليمية، فبعد الحرب مع إيران تراجع العراق إلى مرتبة ثانية بقوة عسكرية محدودة وتأثير دولي ضعيف، وبعد اجتياح الكويت وحرب 1991، انهار العراق وبات أقل من دولة متوسطة، واستكمل العراق انحداره بعد أن وقع احتلاله سنة 2003، وفقد وضعه كدولة ذات سيادة، ترتع في أرضها وتسيطر على مقدراتها عدة دول في مقدمتها الولايات المتحدة، أما سوريا فقد استنفد قوتها المستنقع اللبناني ، من جهة والتحالفات مع كل انواع التطرف، ولم تعد تمثل وزنا كبيرا امام تركيا الصاعدة والحالمة باستعادة دورها كقوة عظمى في المنطقة.

ومن هنا فإن تركيا بما يقل عن واحد من 7 من طول نهر الفرات يمر عبر أراضيها تستغل ثلاثة أضعاف مياه الفرات ودجلة مما تحصل عليه سوريا والعراق، والعراق بالذات أصبح مهددا بالجفاف بعد أن كان المتاح له من المياه يجعله أول دولة في العالم.

وعلى العكس تماما فمصر تقع في آخر سلسلة الدول المستفيدة من مياه النيل، وليست هناك قطرة تأتي للنيل عندها من أرضها أو مرتفعاتها، ورغم ذلك وباعتبارها قوة إقليمية كبيرة بالقياس إلى الدول السبع الأخرى التي ينبع منها النيل فإنها تستأثر بجانب كبير من مياهه، ولا يبدو أنها في وارد التنازل على أي جزء منها.

وتسعى الدول الواقعة في سافلة مصر أي قبلها انطلاقا من المنابع لإعادة اقتسام مياه النهر، بصورة تعتبرها أعدل وعلى أساس إعادة النظر في اتفاقية 1959 التي لم توقعها إلا مصر والسودان، غير أن مصر لا تبدو مستعدة للتنازل عن أي شيء ، فمصر هي هبة النيل والمساس من حصتها من مياهه يخل بكل موازناتها الداخلية. ولقد سبق لمسؤول مصري كبير أن أعلن في مناسبة كانت تهدد بحرب بين دولة عربية وإسرائيل أن مصر لن تدخل مستقبلا في أي حرب ومع أي كان ، إلا في حالة المساس بمصالحها الحيوية المتمثلة في النيل وفي حصتها من مياهه.

وكدولة تعتبر قوة إقليمية تتجاوز واقع كل الدول الأخرى في منطقتها الإفريقية فلها الوسائل الكافية للحفاظ على مصالحها متمثلة في ما تعتبره حصتها الشرعية من مياه النيل وعدم التنازل ولو عن قطرة منها.

وإذ يجري الحديث عن استعداد إسرائيل لتمويل وبناء سدود في أثيوبيا تحجز جزء مهما من مياه النيل ، وهو أمر قابل للتصور وحتى للتنفيذ، فإن إسرائيل في النهاية لن تجرؤ على ذلك، ولعل تفسير المواقف الرسمية المصرية في أحداث غزة وغير غزة ، وما يبدو من ممالأتها لتل أبيب يكمن في اتفاق ضمني بأن لا يقوم أي من الطرفين بما يمكن أن يثير الطرف الآخر، ولكل منهما السلاح الرادع تجاه الطرف الآخر.

ولذلك يبدو أن الوضع الحالي ليس مهددا في شأن مصر، إذ إن لها القوة الرادعة تجاه الآخرين ، كما إنها لا تريد أن تستثير إسرائيل تجنبا لارتكاب المحظور. ومن هنا فإن العارفين يدركون بأن مصر ستستمر في نيل حصة من المياه وفقا لإرادتها، وأن الدول المطلة

على النيل لن تستطيع شيئا خارج إرادة مصر التي تعتبر في المنطقة قوة إقليمية لا تجارى


_________________________________________

تلك الليلة


السنوسي حبيب

 


«في الأفق طيور سود في الأفق دم ورعود»

شوقي بزيع


طرابلس الجميلة، عروس الساحل الليبي، في عنفوان أنوثتها الناضجة وألق جمالها العربي، تتوسد ذراع مرفأها العامر، وترخي جدائلها فويق الماء، وعلى أطراف الموج المترقرق أحياناً، مرأة صقلية ترقص صور مناراتها ومآذنها الرشيقة والمصطخب أحياناً أخرى مُعلناً عن ضجة الحياة وبهجتها، وهي مرخية أعنة الخيال الخصب تسبح في فضاء الرب، واثقة من جدارتها بالحياة وقدرتها على الاستمتاع بها، حالمة بالهناء والمواسم الخيرة.

أضواء البواخر الراسية في الميناء تبرقش الأفق وتنعكس على صفحة الماء أقواس قزح أخاذة الألوان معلقة من أطرافها بقية المساء، والزوارق الصغيرة تنسل بخفة وانسياب بين البواخر الكبيرة لتأخذ مكانها الامن جوار الرصيف حيث البحارة المتعبون يعودون من رحلاتهم، يطرحون شباكهم على رصيف المرفأ ويعودون إلى بيوتهم محملين بالرضاء وبرزق اليوم الذي جاد به البحر عليهم.

العشّاق الصغار تنقر أقدامهم الرصيف تحت شرفات حبيباتهم متسقطين أية همسة أو ابتسامة صغيرة أو إشارة تنم عن اهتمام أو وعد بلقاء برىء.

أضواء البيوت تدخل حالة الخفوت بيتاً تلو الآخر والمدينة شارعاً بعد شارع تدخل حالة الاسترخاء استسلاماً لملكوت الليل وسكونه المحبب، فيما تتوقف إشارات المرور الضوئية عند مفترقات الشوارع على حالة واحدة.

الليل عباءة داكنة ترخى سدولها على أطراف المدينة لتغمرها بالدفء والهدوء، كل كائن يخلد إلى الراحة ويستسلم لسلطان النوم، فيما تظل النجوم في عليائها تومض مزينة قبة السماء ببهائها الرباني، ولكن وكما تهب العاصفة دون مقدمات مظلة سوداء كبيرة تحجب الأفق وتطفىء ألق النجوم وكما يفرقع الأعصار ويقعقع البركان الهائج بالحمم والقعقعات انفجرت سماء المدينة بالنيران، المظلة السوداء الكبيرة، بركان الجحيم تقذف اللهب بسرعة ووحشية وأصوات حادة صارخة تنعق لتصم الآذان وتهز البيوت فيما تنهمر القذائف حمماً مختلفة الأشكال والأحجام، انفجارات تتلوها انفجارات، قذائف تلحقها قذائف، الليل يتحول إلى ظهيرة حارقة ملتهبة بالدم والدخان، البيوت الآمنة تتحول إلى كتل من الدم واللحم البشري والخرسانة والدخان.

الأطفال الصغار لم يستطيعوا إكمال خدمات الفزع، كان الموت الأمريكي أقرب إليهم من أصواتهم.

النساء الحوامل لم يستطعن الوصول إلى عتبات البيوت كانت القذائف الأمريكية أسرع منهن في دك البيوت على ساكنيها.

الرجال لم يستطيعوا إكمال تساءلهم عن ماذا يجري كانت الإجابة الأمريكية أسرع منهم فغيمة أعمدة الدخان تتصاعد مغطية سماء المدينة ودماء الضحايا تتدفق حارة ملتهبة كانت إذاعة صوت أمريكا تبث إرسالاً خاصاً موجهاً لتعلن فيه بكل الغطرسة والعنجهية أن الطائرات الأمريكية قد اغارت منذ نصف ساعة على مدينتي طرابلس وبنغازي الليبيتين حين أشرقت شمس الخامس عشر من أبريل كان الوجه الأمريكي البشع قد تزين بلطخة دم أخرى.



___________________________________

كتب الدكتور صالح هويدي مقاله هذا لمجلة الكاتب العربي لسان اتحاد الكتاب العرب التي كان مقرها في فترة التسعينات من القرن الماضي بطرابلس .وكنت رئيس تحريرها محفوفا بتعاون ثلة من ادباء العراق اذكر منهم – مع حفظ الالقاب – عبد الاله الصائغ . عبد الله ابراهيم . فاضل ثامر . ميثم الجنادي . سعيد الغانمي .

مع نشر هذا المقال نحييهم جميعا .

 

شرور اللسان

قراءة دلالية في ملحمة الخيانة والقصاص عند إبراهيم الكوني


د. صالح هويدي

 

كانت لنا وقفة في مناسبة سابقة عند نص سردي للكوني ، توفرنا على قراءته ، والكشف عن بنيته كما بدت لنا .. وهانحن نحاول اليوم العودة مجددا للكشف عن إمتداد تلك [ الثيمة ] في نص ثان وتشظيها في نصوص أخر تكمل معالم الصورة ، معمقة معطيات رؤية القاص ، مما يفرض علينا إيلاء تلك النصوص حقها ومقارنة نتائج تلك القراءة بما تجلي لنا في هذه النصوص الجديدة ولاشك في ان هذه القراءة تبقى رهن قارئها ولا تدعي لنفسها إمتلاكها مفاتيح عالم هذا القاص الذي لابد من المسارعة في القول إنه عالم ثر وعلى جانب من العمق والتشعب والتركيب يسمح بأكثر من قراءة ، ويحتاج إلى قدر من الوعي والحذر والإستقراء من قارئه قبل القطع بنتائج نهائية او الخروج بأحكام قطعية ٠

وعلى الرغم من إلتقاء الشخصيتين الرئيسيتين ( العبد والزعيم في النصين السرديين { اللسان والعهد } .، في وقوع كل منهما تحت طائلة عدم الحفاظ على السر وفي باثن الخروج على الناموس فإن بين موقفيهما بعض ما يميزهما ، في نية الحدث المعبر عن سلوكهما وما يترتب عليهما من بنية دلالية ترشح عنهما .

فإذا كان السيد في ( اللسان) هو الذي يمتحن العبد ويقتص منه بقطع لسانه لفشله في الحفاظ على السر في نهاية النص .،. فإن الزعيم في نص ( العهد ) هو موضع الإمتحان وطرف التفريط بالعهد ، مما يقود إلى إنزال الرسول قصاص الموت به في نهاية النص السردي ٠

تحدث سقطة الزعيم في ( العهد ) بسبب الإهمال غير المقصود والتفريط بالعهد ، وهو امر لايمكن غفرانه بعد تشديد الرسول عليه بضرورة عدم إطلاع مخلوق على سره وإنذاره بعاقبة الغفلة .، لكنها لذاذات الرغبة او لعنة المتعة ، تلك التي تقود اكثر شخصيات الكوني السردية إلى نهايتها المأساوية كما حدث في إطلاع المرأة على سر الزعيم :-

(اخذها من معصمها ، وبعد ان مضى الخلق بدأ الحوار وإكتشف الخصال ، ولكنه لم يكتشف العلامة إلا قبيل الفجر . ليس هو من اكتشف .، ولكن الحسناء هي من إكتشف ، داعبته ، فلامست القرنين على رأسه .... )

لكن العبد في النص السردي الآخر ، لم يطلع إنساناً على سره وإن اطلع عليه الحيوان عن غيرما قصد بأن حكى على مسمعه ما ناء به كاهله عن حمله وضاق به صدره على سبيل التفريج عن النفس .

وإذا كانت إذاعة العبد اسرار سيده على مسامع نوقه وجماله قد تسببت في خسائر فادحة تمثلت في نفق النوق الواحدة بعد الأخرى ، عقب نحول اجسامها وضمورها شيئاً فشيئاً ، وهي اعز ما لدى السيد من أصدقاء ، فإن معاندة لسان المرأة المطلعة على سر الزعيم لها في خروجه من حلقها في الآحراش عنوة قاد في النهاية إلى إنتشار السر في شكل لحن تغنت به أفواه آهالي القرية عقب سقوط المطر وإرتواء الصحراء وتوزعه في الطبيعة اغنية وكلمات .

ومثلما اخفقت جميع توسلات العبد وتضرعه لسيده في العدول عن قطع لسانه وقتله بدلاً من ذلك ،اخفقت تضرعات المرأة في منع الزعيم من قطع لسانها او إقتراح تقديم حياتها بدلاً من هذه العقوبة الرهيبة :-

( إن تقتلني خير من ان تقطع لساني ، فما حاجتي إلى الحياة إذا لم أتباه بمعرفة الناموس ، ولم أتبار مع الشاعرات بالأشعار ، ولم أتغنى بأغني الأشجان ؟!!

لقد حاول العبد جاهداً تفادي لحظة ضعفه القدري والتغلب على سلوك الخيانة وإفشاء سر سيده ، فلجأ إلى رواية قصص السيد واسراره إلى الحيوان ، الممثل في الحيوان ولم تدخر الحسناء جهدا في مقاومة رغبة لسانها في افشاء السر وسط عالم الطبيعة ومدافعتها خروجه القسري . وهو مايضفي على الشخصيتين سمات تستدر عنصر الشفقة وتجعل منهما شخصيتين قدريتين وضحيتين اكثر منهما شخصيتين خائنتين اومقترفتين للذنب.

لقد عاقب السيد العبد بقطع لسانه لعجزه عن الاحتفاظ باسراره ولاذاعتها على مسامع الحيوان , في الوقت الذي كان يبرئ فيه نفسه من خطأ إذاعته اسرار مجلس حكماء القبيلة التي لم يستطع صبرا عليها الى عبده وتحميله الآخر مسؤولية اكبر منه نائيا بنفسه خارج دائرة القصاص تماما مثلما عاقب الزعيم المرأة بقطع لسانها ظنا منه انه يتفادى بذلك اقدامها على البوح بما اطلعت عليه من اسرار , متناسيا تفريطه بالسر ولهوه معها ضاربا عرض الحائط بتحذير الرسول له وتوصيته اياه بحفظ العهد وبعدم الخروج عللى الناموس.

ان كلا من السيد والزعيم انما يكشف في النصين السرديين عن نرجسية فظة وعنجهية متناهية تنزل العقاب فيمن هو ادنى منها لمجرد امتلاك هذا النمط من الشخصيات سلطة العقاب . كاشفة بذلك عن انانية

تنأى بنفسها عن أية إمكانية جادة لتحقيق العدل الذي من شأنه ان يطالها أولاً قبل سواها ويجعلها عرضة للقصاص لتفريطها بالسر وخروجها على مشيئة الناموس وحرمة الحفاظ على العهد ولاسيما الزعيم الذي يبدو جرمه مضاعقاً ، فهو يدين لقوى الناموس بالشفاء بعد ان يئست قبيلته من إحتمالات نجاته وبدأت بأعداد حجارة قبره ، يدين لهذه القوى بالشفاء المشروط حفظ السر وعدم إطلاع مخلوق عليه :

( حذار ان تقع عين الخلق على ختم العهد ، وأعلم إن العين وجدت لترى .، وإذا رأت إنتقل البلاغ إلى اللسان ، واذا بلغ اللسان فإن السر ضاع ، والنبأ عم . فاحترس ، لأن مولاي لا يرحم من خان عهداً .

ولعل مما يعمق من البنية الدلالية لانانية الزعيم المهمين بروزه في صورة قاتل غادر في نص ( إيدكران في ضيافة بني آوى ) .، إذ يلجأ الزعيم فيه إلى الفتك بسيد إحدى القبائل على رؤوس الأشهاد وامام جميع القبائل بالرمح المسموم لمجرد دعوته الزعيم إلى نبذ اسلوب الغدر والبعد عن شريعة الإنتقام وتجنب الشر والخديعة والدعوة إلى السلم :

( ركع شيخ عشرة ( مرو -- مرو ) بجلال ، وتحرك نحو باب الكوخ ، في اللحظة التي إستدار فيها على عقبيه وإنحنى ليخرج تلقى الحربة المسمومة بين كتفيه ، ندت منه شهقة ، ثم رفع صوته بعواء طويل .، فاجع .، يشبه عواء إبن أوى . إستند إلى الكوخ وحاول ان يتطلع إلى الزعيم ، دار البياض في مقلتيه ، ولكن نظرته ظلت غائبة .،. سقط في المدخل وبدأ يرتجف ، علا الزبد شفتيه وفزت قروح قانية في وجهه بفعل السم ، أومأ ازعيم للخدم إن يبعدوه .

إنتهى الأمر بالمرأة اللاهية مع الزعيم إذن إلى عقوبة سادية تمثلت في قطعه لسانها خشية ما يمكن أن تجلبه فعلتها للزعيم من شرور ، أما في نص » اللسان « فنحس بأن العقوبة التي أنزلت بالعبد كانت اشد فظاعة وسادية ، ذلك إن السيد فيها ظل عقب قطعه لسانه يسرد على مسمعه اسرار المجلس ويضيف إليها قصصاً أخرى ويختلق ثالثة في محاولة منه لإلحاق اكبر قدر من الأذى بعبده الذي طالما اظهر عجزاً عن إحتمال سماع مزيد من الاسرار مع فقدان لسانه ، مما إنتهى به في النهاية إلى الموت المأساوي ذاك ، إذ مع فقدانه لسانه تحول إلى شيء أشبه ما يكون باالبالونة التي يحتبس فيها الهواء ولاتجد لها منفذاً او وسيلة لتحاشي ضغطه :

ولكن مولاه الذي فقد قرينه الأبلق ، لم يتوقف عن ملء أذنيه بأفظع الاسرار ، بل تعمد ان يضيف على أسرار المجلس أنباء خفية جاءت من ديار القبائل الاخرى . وأسراراً اخرى إختلقها بنفسه ، فكان يتابع الألق الذي يستبد بعينيه ، ويلحظ الرجفة في بدنه ويديه ويسمع الاصوات الغامضة التي يغمغم بها كلما خرج من الخباء عقب إنتهاء السمر الليلي .

في هذا النص يتسبب إفضاء العبد بأسرار سيده في موت عدد من قطيعه ، وهو الموت الذي إستدل منه السيد على فعلة العبد وتحقق منها بعد طول إرتياب ، فكان هذا الموت سبباً في إنزال تلك العقوبة الوحشية به ووسيلة من وسائل إستدلاله عى فعله العبد٠

من هنا كان قطع السيد لسان العبد وموت الأخير كتمانا ًللسر من الذيوع بين الناس وإنحباسه بين الرجلين والحيوانات النافقة حسب .

أما في ( العهد ) فلم يحل قطع الزعيم لسان المرأ ة المطلعة على سره دون ذيوعه في الناس وإنتشاره بين آهالي القرية جميعاً وبما يمنح النص السردي دلالة لا يمكن إغفالها :-

( نزلت الامطار ، إرتوت الصحراء ،وجرت الوديان بالسيول نال دغل القصب منها نصيبا .. ولم يمض زمن طويل حتى إستمتع الرعاة بالمعزوفة التي تغني بها القصب بمعاونة الريح : أوكلغ ، امغار إيلا إيسكاون !! ٠ ردد الرعاة الأغنية .، إنتقل اللحن إلى المضارب ،. تغنت به الشاعرات ، تلقفه من آفواههن الصبيان ، فرددته القبيلة كلها .

لقد ذاع سر الزعيم وإنتشر لخروجه او لخروج لسان امرأة الحامل له وسط أديم البرية واحراشها .، مما جعل سقوط المطر في ارضها يزيده نمواً وإنتشاراً.

في المقابل لم يتجاوز السر الخارج من فم العبد حدود قطيع الجمال العجماء النافقة بسبب سماعها السر .، تماماً كما مات العبد عقب قطع سيده لسانه وإستمرار سماعه الأسرار من سيده مكرهاً .

إن البنية الدلالية التي ينفتح عليها مثل هذا الحدث تتجه صوب المقابلة بين الإنسان والطبيعة من جهة والحيوان ولاسيما الجمل من جهة اخرى ، لتشي بترجيح كفة الحيوان على سواه ، فها هو العبد يتشبع باسرار سيده الرهيبة وينوء بحملها في ضيق ويجزع من غير ان يصل به الأمر إلى حد الموت من جرائها ، بل على العكس من ذلك ، نجد الإنسان ،ممثلاً في شخصيتي العبد والمرأة في النصين يتحايلان للتخلص مما لا قبل لهما بحملة ، بطريق إذاعته او الهمس به إلى سواهما إن طوعا او كرها ، فقد اذاعت الحسناء السر كرها ، مثملا أذاعه العبد مضطراً ، وأفشته احراش البرية في شكل لحن عم وإنتشر وملأ الأرجاء.

لكن الحيوان وحده من تحمل وطأة الاسرار الرهيبة وطوى حنايايه عليها ، متحبسا إياها ليتلقى الموت صابراً .

ولاغرابة في ذلك إذا ما علمنا ان جزءاً من إبرز وصايا البنية السردية للكوني ينصرف إلى إجلال الحيوان وعدم المساس به ورعايته والإحتفاء به حتى حدود التقديس ٠

ولعل فعل قطع » اللسان « في النصين السرديين موضع القراءة لم يكن ليأت مصادفة بقدر ما اريد به توكيد هذا المعنى وتعميقه في نفس القاريء .، بل ربما أوحى هذا الفعل اللاإنساني ( السادي ) ، في معنى من معانيه بالرغبة في الإرتقاء بالإنسان إلى مصاف هذا الكائن الأعجم ، شديد الإرهاف والأمانة والوفاء ، فها هو العبد يموت بمجرد فقدانه لسانه وتحوله من النطق إلى العجمة ، فكأن موته هنا دريئة لذيوع السر وشكل من أشكاال الفداء الملحمي ، وهي الدلالة التي يسعى القاص إلى التعبير عنها في عدد من نصوصه السردية راسماً لنا صورة متميزة للحيوان عامة والناقة خاصة وللعلاقة التي ينبغي ان تأسس فيما بينها وبين الانسان فيما بعد .

إن إدانة الإنسان وترجيح كفة الحيوان في النصوص السردية للقاص يتجاوز إطار نصيه المذكورين إلى حيث الإنسان في إطلاقه ونمذجته .، وهو إطلاق يجسده طرفاه المتناهيان » العبد و المرأة الحسنا ء« .

فإذا كانت صورة العلاقة الأولى [ العبودية ] تجسد لنا في نص { اللسان } علاقة تراتبية ، فإن صورة العلاقة الأخرى الحسية تنفتح في نص / العهد / على ضرب من ضروب التواشج والتعاشق والإندغام فيما بين الزعيم والحسناء .، وهي علاقة مختلفة .،. لكنها لا ترتقي بالإنسان إلى خارج المستوى المشدود اليه او بعيداً عن زاوية الأفق السردي الذي يراه القاص من خلالها ، فضلاً عن إنها لاتحول دون إنزال العقوبة بالشخصين ٠

هكذا تكشف لنا البنية العميقة للنصين السرديين ، خلافاً للبنية الظاهرية إن الشخصين الرئيسيتين » الزعيم والسيد « هما المسؤولتان قبل غيرهما عن تفشي السر وذيوعه ، في شكل إفشاء صريح ( قصدي ) في حالة السيد مرة ، وممارسة سادرة لاتخلو من مسؤولية ، أدت إلى اطلاع الآخرين عليه في حالة الزعيم مرة ثانية .

في مقابل ذلك تبدو مسئولية الشخصين الاخرين المرتبطتين بالشخصيتين المذكورتين ارتباطاً مباشرا ، أقل مسؤولية واخف جرما منهما ، إذا تظهر لنا البنيتان السرديتان معاً إن إذاعة الشخصيتين السر لم يكن عن قصد ، بقدر ما تم في شكل من اشكال الأضطرار والجبرية ، فكلتاهما تودع السر في حيز الطبيعة الحية » حيوانية أو نباتية « ، فضلاً عن ان خروج السر او آداته الممثلة في / اللسان / في نص ( العهد ) قد ثم عنوة وبعد مغالبة من المرأة لسانها وعضيه للحيلولة دون ذلك .، ومثل امرأة العبد الذي كثيراً ما توسل إلى سيده متضرعاً بأن يعفيه من مهمة إتخاذه مستوى الأسراره وحافظاً لعهدهد ومن ان يلقى منه آذانا صاغية ، فضلاً عن إعتراف سيده بعجزه هو الآخر عن اأحتفاظ باأسرار لنفسه دونما بوح بها ٠ وعلى الرغم من إتجاه البنية صوب تبرئة الشخصيتين الكذورتين من عنصر النوايا امسبقة .، . القصدية .، فإن القصاص يأتي في النصين اسرديين موحشياص قاسياً وحتمياً لايتنسب وطبيعة الجرم ، مما يفضي إلى نهايات مأساوية ، وهو ملمح يكاد طبع ابنية سردية للقاص جميعاً في شكل [ ثيمة ] لاتخلو من دلالة تعبريية يمكن اتوفر عليها فميا كتبه القاص وإستجلاء مظاهرها المتنوعة . ولاشك في ان هذا يعني إن سلوك اضخية الإنسانية محكوم غالباً بالضهعف الإنكسار وان اعقوبة القاسية الوحشية اتي تنزل به تقف قاب قوسين متربصة بها على الدوام دون ان تفرق بين عبد وسيد ٠ وإذا كان الموت يبدو نهاية قابلة للفهم ورمبا اتوسيع هنا ، فإنه في نصوص سردية أخرى للقاص لايبدو ممتكلاً مبرراته امنطقية او المفهومة .،. مما يجعل منه صورة اقرب إلى الترجيديا القدرية في اساطير الأغريق ، وإلى العقاب الذي يحل لامر دون ان يجد حياله مفرا او إمكنية للنجاة ، ففي » البرزغ « ٩ مثلاً تنال القذائف اول ما تنال فرخ الطائر الضعيف ليكون اول التقلى في مشهد دموي يشمل الجميع فميا بعد ، وفي / ايدكران في ضيافة بني أوى / ١٠ تقود صراحة رئيس إحدى القبائل وجرأته حيال الزعيم إلى فتك الزعيم به وإنتقامه منه ، وفي الناموس ١١ or elven يتسبب فقدان إحدى القبائل زعيمها ف يجر الويلات عليما في شكل وباء ومجاعة وغزوات تنتهي بأفراد القببيلة إلى اإبادة الماحقة .، وفي ( الحسناء ) ر ١٢ يقود ضعف فرسان القبيلة تجاه الحسناء الصحراوية وعدم قدرتهم عى مقاومة سحر طقوها إل مواجهة مصيرهم الحتوم ، اموت واحداً رثر آخر . إما في » سر اتبر « ١٣ فيروي لنا القاص تعلق مدرية الأمام بنحر اعرافة وإقتصاص عالم الغيب منها إثر خيانتها حكمتها وبعد أن أعماها بريق اتبر وجمعه عن عاليم الكهنة .، بل إن النهاية القدرية تبدو لامفر منهاز ولا مهرب لأيما مخوق المن ديبها ، سوآء في ذلك الطفل الذي يموت بفعل الحية في نص [ اوطن ] ١٤ مرة او بمخالب الطائر الغريب في » طائر انحس الذهبي « ١٥ أخرى .،. او نهاية نبتة ارفاس التي تظل ترقب حفتها في { مواد الترفاس } ١٦ أو في طبلك الموت القدري في اكثر من مناسبة مونص سردي للحيوان ممثلاً في الجمل واناقة والضب والودان ٠ هكذا يحتل اللسان وما يتفق عنه من اسرار مكان البورة لدلالية اللنصين السرديين المذكورين ، فضلاًعن تغلغل علاقته ولوازمه الممثلة في اسر والعهد والوصايا والحفاظ عليها في تضاعيف عددمن النصوصود اسردية الأخرى للكوني ، مؤكدة ادلالة نفسها ومعمقة لمضمون الذي با جزءاًلا يتجزأ من معطيات طوقس الالم الذي يجهد القاص في تقديمه وإضاءة معتقداته اخاصة . أخيراً ، لم يبدو اإنسان عاجزاً عن الإحتفاظ بالسر والوفاء بعهد الناموس في بنية الكوني السردية ؟ ولك يكن مثقتل المرء في بعض هذه انصوص قائآً بين فكيه ورنا بهذا الجزء اعضلي الضيئل ؟ لم يلق امرء حتفه بمجرد تفريطه وإذاعته اسر إن على يدي اأنساسن او على يدي قوى قدرية تنتمي لعالم لالم آخر ؟ لم يعط الإنساسن امتسلط لنفس الحق في الضعف والإنكسار ومخالفة اعده في وقت ينزل بمن هم اضعف منه وأقل شأناًاشد أنواع القصاصا وحشية دون أن تهتز له شهرة او يطرف له جفن ؟! ومع يلك فإنه يجد في إنتظاره قوى تخضعه للمصير ذاته ، دون أدنى تردد او توان . إن الإجابة على مثل هذه اأسئلة من شأنها ان تقترب بنا من طبيعة العالم اسردي ومعطياته لدى الكوني ، وهي معطيات تتجه إلى الهمس بحقيقة ان بذرة الضعف اإنساني الذي تنطوي عليه جل هذه الشخصصيات رمبا كانت وراء علاكها وإتجاهها وب مصيرنها اتراجيديد هكذا ٠ حتى لتبدو وكأنها تحيي في آذاهانا أسطورة كعب أخيل اليونانية .، و معطى لاي خلو منولا ريب من ظلال تشاؤمية يمكن ان تتفع به ابنية اسردية عند اكوني . الهوامش :-  تنظر الدراسة المنشورة ضمن ملف مجلة الجديد الأردنية ، فصلية تخصصية ، ع ١٠ ، ربيع ١٩٩٦ ٠ ١- ينظر نص اللسات / .،. وضمن المجموعة القصصية ، خريف الدرويس ، إبراهيم الكوني ، ط ٢ ، بيرون .، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، ١٩٩٤ ٠ وينظر نص » العهد « في المجموعة نفسها . العهد : ٣٨ النص نفسه :- ٣٩ نفسه / ٣٧ . ينظر النص ضمنت المجموعة القصصية ، اربة الحجرية ، الوقائْ المفقودة من سيرة المجوس ونصوص اخرى ، دار التنوير ، تاشسيلي للطباعة والنشر ١٩٩١- مصدر سابق ١٠ ١١ينظر خريف الدرويس ، مصدر سابق المصدر نفسه . ينظر الوقاع المفقودة من سيرة المجوس ونصوصو اخر ، مصدر سابق . ١٣ خريف الدرويش ، مصدر سابق . ينظر النص ضمن المجموعة القصصية القفص ، إبراهيم الكوني ، ط ٢ ليبيا .،. الدار الجماهيري للنشر والتوزيع ، دار اافاق الجديدة ، المغرب ، ١٩٩١٠ ١٥ ١٦ المصدر نفسه ٠



_________________________________ 


محاولة جديدة لمخض الماء


ماذا يريد الليبيون أو ما الذي يحتاجون إليه ؟


ما الذي يحتاجه الليبيون بدلا من سؤال ماذا يريد الليبيون ؟

 

قبل ما يقرب من عشرين سنة و في أجواء احتفال الشعب الليبي من الحدود إلى الحدود بهدم السجون وإطلاق سراح المئات من السجناء السياسيين ، عرفت الحياة الليبية سؤالا عنوانه ماذا يريد الليبيون دعيت لبحثه المؤتمرات الشعبية وكذلك الأفراد والجماعات ، ويومئذ ساهمت أطراف كثيرة في مناقشة السؤال ومحاولة الإجابة عليه غير أن خلاصة الرد لم تنشر أو تذاع .

القاص والروائي والكاتب والمسرحي والدبلوماسي الدكتور احمد إبراهيم الفقيه رأى أن ينفرد بالعودة إلى هذا السؤال ويجيب عليه بطريقته الخاصة ، فخص صحيفة قورينا التي تصدر في مدينة بنغازي عن شركة الغد للخدمات الإعلامية و موقع ليبيا اليوم - نشر بتاريخ 13.12.2010 العدد 644 .. تتشرف علامات بإعادة إدراجه للتواصل و الرأي والحوار


د. أحمد إبراهيم الفقيه


تطرح بين فترة وأخرى أسئلة غامضة لا أحد يدري مصدرها ولا الهدف أو الغاية من طرحها تتعلق بما يريده الليبيون ، وهي أسئلة مهما كان الدافع خلف طرحها تصل إلى ميادين ومجالات النقاش العام معزولة عن سياقها، مقطوعة من دوافعها وأسبابها ، فتظهر في شكل غامض هيولي إلى حد العبث والعدمية، لأنها تأتي في عمومها دون تحديد ولا تبرير ولا تخصيص أو إشارة إلى مجال أو ميدان يقصده السؤال بحيث يصعب أن نجد إجابة يمكن أن يتفق عليها اثنان من الناس ، وربما لهذا السبب نجد الردود على مثل هذه الأسئلة تتوافق في عبثيتها وعدميتها مع شكل السؤال المطروح ، بعكس لو أن السؤال جاء يحدد مجالا كأن يقول ماذا يريد الليبيون في مجال الخدمات الصحية للدولة ، أو مجال التعليم ، أو مجال السلع التموينية ، أو ماذا يريد الليبيون في مجال الاقتصاد ، عندئذ سنسمع إجابة لا يختلف حولها الناس ، بل لا أظن أن هناك اثنين يمكن أن يختلفا عما يريده الليبيون من الخدمات الصحية التي تقدمها الدولة للمواطنين ، وسيتفقان بالتأكيد على ضرورة توفير خدمات تمنع هذا الهجيج أو الحجيج إلى مراكز العلاج في تونس وعمان ، وبسبب هذا الغموض وهذه العبثية يظهر النقاش حول هذه القضايا التي تأخذ جهدا ووقتا وتسيل من أجلها انهار حبر المطابع وتحرق آلاف الساعات من أثير الإذاعات والفضاء الافتراضي في لإنترنيت أشبه بمخض الماء ، لا يجني صاحبه إلا العناء فلا زبدة ولا قشطه ما عدا الفراغ والهواء ، هذه نقطة أولى ،



والنقطة الثانية هي أن الناس عندما يتصدون للإجابة عن مثل هذا السؤال غالبا ما يتصورون قوة جبارة موجودة في مكان ما ، مثل كبير آلهة اليونان في جبال الأولمب، هو الذي سيقوم بتحقيق ما يريدون وهم متكئون في بيوتهم على آرائكهم أو نائمون في أحضان نسائهم فوق أسرتهم ، ويمطرون هذا المؤله اليوناني بشتى الأوهام والأحلام ، والخطأ طبعا ليس في إجابات الناس وتصوراتهم وأوهامهم وأحلامهم ، بقدر ما يكمن الخطأ في هذه الطريقة العبثية التي يطرح بها السؤال، وإلى درجة ينسى فيها الناس أنفسهم ، ومسؤولياتهم الشخصية والعامة نحو أوطانهم ، لأن السؤال لم يحمل إشارة ظاهرة أو مضمرة لإرادتهم ودورهم في الموضوع فهو لا يسأل عما يستطيعون فعله وإنما عما يشتهونه ويريدونه ، فيتلقون السؤال كما يتلقى مواطن يجلس في مطعم سؤالا من الجرسون عما يريد ، ولعله في هذه الحالة يدرك أن عليه دفع الحساب ربما بعكس الحالة الأولى التي يرد فيها عما يريد وكأنه في مأدبة من مآدب الرحمن يقدم فيها الطعام مجانا ، فالسؤال لا يذكرهم بهذا الدور المتروك للمواطن ، وهو دور ، لا يمكن في غيابه ، أن يتحقق أي نهوض أو تقدم ، حتى في المطالب العزيزة الثمينة التي تتصل بالحريات العامة والخاصة والتي تشكل هاجسا لشعوب العالم الثالث بسبب حضورها الشحيح ، أو غيابها غيابا مؤلما قاسيا في أحيان أخرى، لا يمكن لهذه المطالب التي ربما تكون حقا أساسيا للبشر ، أن تتحقق بدون مساهمة فاعلة ومسؤولة من هذا المواطن نفسه ، لأن مثل هذه الحريات لا توهب ولكنها تكتسب بالكدح والكفاح والتضحيات، وكان أقل ما يمكن أن نتوقعه من مواطن يخوض في الرد على سؤال عما يريده الليبيون، هو أن يتحدث عن طهارة الوطن ونظافة اليد واختفاء الفساد من أجهزة الدولة ومؤسساتها وسيادة قيم الشرف والأمانة في المعاملات التي تتم بين الناس ،


وهو أمر يمكن أن يحسمه المواطن دون عودة إلى الحكومة أو انتظار إرادة عليا تتدخل لتفرض هذه الطهارة ، ولا يحتاج الأمر إلا أن يتعهد هذا المواطن أمام نفسه بأن يلتزم بالأمانة والنزاهة وهو يؤدي عمله ويخدم وطنه ، بمثل هذا التعهد البسيط يتفق عليه الليبيون ، لا باعتباره واجبا يؤدونه ولا التزاما للدولة يلتزمون به ، وإنما باعتباره جزءا من شرف ابن آدم وكرامته ، من حقه أن يضمن سلامة الضمير لنفسه ، أقول بمثل هذا التعهد البسيط يمكن فعلا أن يتحرر الوطن من أخطر الأمراض التي تهدد البناء والتنمية ، وتمنع أي تطور، وتضيّع على المجتمع فرصة أن يلحق بالمجتمعات الأخرى التي سبقته في مضمار التقدم والحضارة . ولكيلا أكون في هذا المقال مثل ندابات الشؤم ، أكتفي بالنواح ، معددا المثالب والرزايا ، سأترك الحديث عن الصياغات السابقة ، بجوانبها السلبية، وسأقترح البدائل التي يمكن تضعنا على طريق أكثر أمانا واستقامة ، وسأبدأ بأن أضع صيغة أخرى لنفس السؤال ، دون أن تطلب هذه الصيغة من الليبيين الإجابة عما يريدون ، لأن أسئلة النهضة والتقدم المعنية بتحقيق مستقبل أفضل للمواطن وأبناء الوطن ، ليست دائما مجالا مفتوحا لمن لا يملك علما ولا يعني بالقضايا العامة ولا يشغله الهم العام ولا يعرف إلا السعي اليومي لانتزاع لقمة عيشه ، تحت أي ظرف من الظروف ، دون انتقاص من قيمة ما تقوم به هذه الشريحة من المواطنين ، ولا طعن في حيثيتها ولا أقول ما تقوله كتب التراث عن الدهماء والرعاع مما يحمل شيئا من القدح والتعزيز ، ولا يعنيني هنا ما تقوله أطروحات علم النفس عن روح القطيع ، لأن للموضوع جوانب أخرى لست معنيا الآن بنقاشها ، ولكنني أشير إلى حقائق مسلم بها ، مثل القول بأن هذه الأسئلة تطرح حصريا على أهل الفكر والثقافة والمعنيين بدراسة تاريخ الدول والمجتمعات في نهوضها وتقدمها أو في انحسارها وتراجعها الحضاري،


من هنا أضع السؤال في هذه الصيغة التي تقول ما الذي يحتاجه الليبيون ؟ بدلا من سؤال ماذا يريد الليبيون ، وما يحتاجونه هنا يقبل مقاربته بمثل هذه العمومية وعدم التحديد ، والتوجه به لمن يملك الجدارة بالإجابة عنه من المعنيين بالهم الوطني والمشاركين بإسهاماتهم الفكرية في القضايا العامة من ذوي الثقافة وأهل الخبرة التخصصية في الاجتماع أو الاقتصاد أو العلوم السياسية أو الإنسانية أو القانون أو الفلسفة أو الفكر و الأدب أو كتاب أعمدة الرأي أو الباحثين والدارسين الجامعيين في تاريخ الأمم ، وأقول في مستهل إجابتي على هذا السؤال ، باعتباري واحدا من المنشغلين بقضايا النهضة والكتابة عنها خلال عدة عقود، إن الليبيين بالتأكيد يعرفون جزءا من هذه الاحتياجات الملحة التي يتطلعون إلى تحقيقها ، مثل الانتفاع بالثروة التي تدرها معادن هذه الأرض ، وضمان وصول هذه الثروة إلى أهل البلاد دون تفرقة ولا استثناء ولا إلغاء ولا إقصاء ، وهو ما تنادي به أصوات من داخل السلطة الثورية وتدعو إليه، ولكن هذا وحده لا يكفي ، بل لا يكفي أيضا الحديث عن الآليات التي تضمن وصول هذه الثروة بشكل عادل لكل الناس، لأن هناك مشكلة أكثر تعقيدا من هذه الصيغة البسيطة الواضحة للإجابة عن السؤال ، وهذه المشكلة تتعلق بما يمكن أن أسميه ثقافة الفقر ، وهي أخلاق وسلوكيات وأسلوب تعامل مع الحياة ، أعتقد أنها ضاربة الجذور في عقل الحاكم و المحكوم ، في عقل العساكر والأهالي كما يقول التعبير المصري، في عقل الطليعة الموجودة في السلطة ، ممن نالهم النصيب الأوفر من الثروة ، وبين الأغلبية الموجودة على الأرصفة ، وليس غريبا ولا عجيبا أن نجد لثقافة الفقر هذا النفوذ والسلطان على عقول الليبيين وقلوبهم ، لأنها ثقافة قديمة راسخة تجذرت في الطبقات السفلى من نفوسنا ، والطبقات السفلى من مجتمعنا ، والطبقات السفلى من أرضنا ، على مدار عشرات من القرون عاشها أهلنا وسط بيئة شحيحة مقفرة ، وأرض جرداء غبراء قاحلة ، لا يعرف وجهها اللون الأخضر إلا في أوقات نادرة ، تضربها رياح القبلي ، ويسحقها قيظ الشمس ، ويناضل أهلها لا من أجل أن تكون في حياتهم حياة ، وإنما فقط من أجل البقاء على قيد الحياة ، كفاح ونضال وعمل شاق مرهق من أجل ضمان حبات من التمر ، أو حفنة من الشعير ، أو كوب من حليب الماعز أو الإبل ، من أجل ضمان ألا يموت الناس جوعا والبقاء أحياء من قلة الموت كما يقول التعبير الشعبي، وكل ما عدا هذه الحفنة من الشعير أو هذه الحبات من التمر ، إنما هو ترف ، بما في ذلك كوب الشاي الذي كان أهلنا يصنعونه أحيانا من أعشاب الروبية ويحلونه بحبة تمر ، أو الحذاء، الذي ظل أغلب الناس في أريافنا محرومين من انتعاله ، بل الملابس نفسها تكون ترفا إذا زادت عن قميص واحد يرتديه المواطن لعدة أعوام ، وإذا كنا هنا نقصر حديث الحرمان على إنسان البيئة البدوية ، فلا مجال لإنكار حقيقة أن جذور المجتمع الليبي بأكمله إنما هي في هذه البيئة البدوية الصحراوية ، فالمدن كانت على الدوام ، وإلى تاريخ قريب ، شيئا عارضا وطارئا في حياة الليبيين ، ورغم وجود مراكز حضرية قديمة ، على الساحل الليبي ، فقد كانت تترك لأفواج الغزو الأجنبي ، وعساكره يقطنونها ، بينما ظلت الصحراء هي موطن الشعب الليبي ، ولا تكاد هناك قوة من قوى الغزو والاحتلال عرفها العالم قديما وحديثا إلا وجاءت تريد أن تأخذ رطل اللحم من بدن هذا الوطن ، فعملت على إرسال قوتها لاحتلاله ، ليكن اسمهم الفينيقيين ، أو الإغريق باسمهم المعروف أو باسم أقدم لهم و هو البيزنطيون ، أو الرومان ، أو الوندال ، أو الفراعنة أو البطالمة ، دعك من قوى أحدث من تلك الأمم القديمة مثل الإسبان وفرسان القديس يوحنا من أتباع الحملات الصليبية ، ثم الأتراك العثمانيين ، بأثرهم المدمر على ترسيخ التخلف ونشر الرعب في القلوب ، ثم الطليان والإنجليز والفرنسيين والأمريكان ، وغير هؤلاء من قوى الاحتلال التي لم تترك ملجأ بالنسبة لأهل الأرض إلا الانتشار في الصحراء والاحتماء بها منهم، بل وتكررت الحالات التي تبعوهم ولاحقوهم في هذه الصحراء الشحيحة البخيلة ، كما فعل الولاة الأتراك ، لانتزاع نصيب من رزقهم الضئيل الفقير ، ولم تكن ثورات المعدمين الفقراء التي قادها غومة المحمودي ، وسيف النصر عبد الجليل ، والشيخ عبد النبي ، ضد أولئك الولاة الظالمين ، إلا مثالا على المحنة التي عاشها هذا المواطن والمعاناة التي قاساها عبر العصور .


ثقافة الفقر إذن ، ثقافة عميقة ، متأصلة ، ضاربة الجذور في تربة الوطن ونفوس أهله ، وكان أمرا مؤسفا بالتأكيد أن يتحقق للبلاد نوع من الرخاء ، إن لم نقل الثراء ، كما يتحقق لها أن تتحرر نهائيا من كل صنوف المحتلين والمستعمرين والغزاة ، وتبقى لثقافة الفقر هذه القوة والسطوة و السيطرة على سلوكيات الناس، ضاربة عرض الحائط بكل ما تقوله مدارس علم النفس بأن في الإنسان جبلة أو سليقة أو فطرة فطره عليها الله هي حب التقدم إلى الأمام وجبلة التطلع إلى المستوى الأرقى في المعيشة وتحقيق الرفاه ومتعة الحياة، وهذه النزعة إلى التطور هي المسؤولة عما حققه البشر من صعود في مدارج الحضارة و انتقالهم من حياة الكهوف إلى بناء البيوت ثم بناء المدن والمجتمعات وتطوير ما يستعملونه من أدوات وما يستخدمونه من وسائل الإنتاج إلى هذه المستويات العالية التي وفرت لهم حياة أكثر يسرا وهناء ورخاء ، إذن فثقافة الفقر هذه ليست قدرا ، ولا يجب أن تكون قدرا ، ومن حقنا وواجبنا أن نسعى جميعا لتجاوزها وتحقيق هذا التحول الأساسي والضروري الذي تحتاجه بلادنا ويحتاجه مجتمعنا ويحتاجه الإنسان في هذه الأرض ، من ثقافة الفقر إلى ثقافة الرخاء .


وهنا أصل إلى الرد على سؤال ما الذي يحتاجه الليبيون ، كبديل طرحته لسؤال ما الذي يريده الليبيون ، وأجازف بقوله سواء تنامى وعي الليبيين بهذا الاحتياج ، أو ظل غائبا تحت سيطرة العادة والتقليد والروتين ، رهين القوالب الجامدة في السلوك والتفكير ، وما يحتاجون إليه في مضمار الانتقال من ثقافة الفقر إلى ثقافة الرخاء ، هو وضع شيء من قيمة الحياة في حياتهم ، وقيمة الحياة تعبير متداول في ثقافات أهل التقدم ، يسمونه باللغة الإنجليزية Quality of life

وهذه القيمة أو الكواليتي ، لابد من الاعتراف بأنها مفقودة في حياة الليبيين ، ويتجلى هذا الفقد بشكل واضح وجلي ، في عزوفهم هذا العزوف المرضي والشاذ عن الاهتمام بالفنون والآداب ، فهذه الفنون والآداب ، من موسيقى وغناء ورقص ورسم ومسرح وسينما وشعر وقصة ورواية ، تعتبر بمقاييس الحضارة هي المقياس الذي تقاس به درجة التخلف أو التقدم الحضاري للشعوب وهو ليس مقياسا مستوردا من ثقافات أخرى ولكنه مقياس تعترف به الإنسانية كلها ويقول به عالم الفكر والاجتماع العربي ابن خلدون ، بل ويمضي هذا المقياس ليقول إن هذه الفنون والآداب هي التي ترفع الإنسان عن المستوى الحيواني ، لأننا في هذا المستوى نلتقي مع كائنات الغابة في الحاجة للأكل والشرب والسكن والدفء والآمان كما نلتقي في عوامل المرض والصحة ، ونلتقي في الحياة العائلية والاحتياجات الغريزية كالجنس ، ونلتقي ربما في خصال أخرى تتصل بالكدح والعمل والإنتاج ، إلا أننا نصبح بشرا نفترق عن الحيوان عندما نقرأ كتابا أو نشاهد مسرحية أو نقيم حفلة موسيقية أو نرسم لوحة أو نستمتع بمشاهدتها ، وهذه الحياة الفنية الفكرية الثقافية متاحة لكل شعوب الأرض ، ولا سبيل لالتماس العذر في قلة عدد الشعب ، فسكان أثينا وهم لا يزيدون عن سكان طرابلس يملكون اثنين وخمسين مسرحا تعمل طوال أيام السنة ، وعدد المسارح في إسرائيل بسكانها الذين لا يزيد عددهم عن سكان بلادنا يصل إلى ثلاثة أضعاف هذه المسارح ، ولم تكن مصر كلها تملك كثافة سكان مدينة طرابلس منذ قرن ونيف من الزمان عندما كانت لها شوارع متخصصة في المسارح والعروض الفنية هي روض الفرج والأزبكية وشارع عماد الدين ، ودعك من الإحصائيات التي تتحدث عن نشر الكتب وتوزيعها فالأرقام مخجلة مقارنة ربما بأكثر الدول فقرا في العالم ، وإذا كان معدل القراءة الحرة للمواطن العربي لا يزيد عن عشر صفحات مقابل عشرة كتب للمواطن البريطاني في العام ، فإنني لا أعتقد أن معدل القراءة للمواطن الليبي يزيد عن صفحة واحدة للأسف ، وتقول بعض البحوث إن أهل المهن من مثقفي ليبيا مثل المحامين والمهندسين والأطباء ، ممن ينتمون إلى الطلائع المستنيرة، هم أيضا لا يقرؤون خارج مجالات تخصصهم لأن ثقافة الفقر هي التي شاركت في تربيتنا أطفالا ومنعت الكتاب عن يد هذا الطفل صغيرا وصارت غربته عن الكتاب غربة أبدية حتى وهو يصل أعلى مراحل التعليم، ولانتقل من حديث الفن والأدب باعتبارهما لا يقعان في دائرة الاهتمام العام لكل الناس ، وأتكلم عن السكن ، وهو شيء يتصل بحياة البشر جميعا ، وأضرب مثلا بزملاء الدراسة من أهل بريطانيا ، ممن تواصلت علاقتي بهم ، إلى هذه الأيام وهم يصلون سن التقاعد ، وأجد أن بهجة حياتهم في هذه السن ، تتركز في حديقة البيت ، فهي التي يقضون فيها جزءا من يومهم ويعتنون بأزهار يزرعونها فيها ويستمتعون بها عند طلوعها كما يستمتعون بنباتات وأشجار الحديقة وما يطرأ عليها من تحولات شتاء وربيعا وصيفا وخريفا وطبعا هي مكان اللقاء أثناء اعتدال الجو بأقاربهم ومكان احتفالاتهم العائلية واللعب مع أحفادهم ، وكنت صراحة أجلس صامتا عندما نلتقي لا أشارك في هذا الحديث لأن تجربتي مع الحدائق كأي ليبي تكاد أن تكون صفرا ، بسبب خلو بيوتنا من مثل هذا الترف الذي لا تطيقه ولا تحبه ثقافة الفقر ، وكان بإمكاننا أن نعتمد أسلوبا في البناء يضمن مثل هذه الحديقة ، ولكن لأننا نفكر بعقل وأسلوب تلك الثقافة ، لم نستطع إطلاقا تصور أن نكون أصحاب بيوت لها حدائق ، وطبعا فإنني هنا لا أتحدث عن القلة المحظوظة من أصحاب مزارع المتعة ، لأن المزارع التي عرفتها في طفولتي كانت مصدرا للشقاء والكدح باعتبارها مصدر رزق لأهلنا ، وإنما أتكلم عن ثقافة السكن التي تهم كل الليبيين، وطبعا هناك من يملك جوابا جاهزا عن الفرق بيننا وبين أهل تلك البلاد متمثلا في وفرة الماء لديهم وندرته لدينا بما لا يكفي لإقامة حدائق في كل البيوت ، وأقول ردا على ذلك ، إننا لو كنا نفكر وفق ثقافة الرخاء ، لما وجدنا مانعا يمنع مدن الساحل على الأقل من أن تستفيد من مياه البحر المحلاة ، ننشئ بها مثل هذه الحدائق للبيوت ، ويمكن إنتاج مياه للسقي فقط بتقنية بسيطة ، وطالما رأيت بيوتا في بعض الجزر ينتجون ماء الغسل وري الحديقة ، بمحركات منزلية خاصة بهم ، ، وأترك الحدائق ووفرة أو ندرة المياه ، لأسأل هنا، ألا نملك وفرة في مياه البحر نفسها ، وأقصد دون تحلية ، وهي مالحة أجاج كما خلقها الله ، أليس مخجلا مع هذه الوفرة الوافرة للشواطئ ومياه البحر ألا نستطيع أن نستخدمها في بث هذه القيمة داخل حياتنا ، ودعك من المنتجعات والمدن السياحية الساحلية مثل مدن الساحل الشمالي في مصر المخصصة للراحة والاصطياف والترفيه ، التي يقطع الناس المسافات من الحواضر الكبيرة للاستمتاع بها ، وإنما أتحدث عن شيء لا يكلف سفرا لأبناء حواضرنا ولا انتقالا ولا إجازة للأسرة أو لرب الأسرة ، وسأضرب المثل مرة أخرى ببلد عربي هو سلطنة عمان ، فقد زرت منذ أربعة أعوام عاصمة هذه السلطنة ، مسقط ، وكانت مفاجأة جميلة لي أن أجد بجوار الميناء الكبير الذي يضم سفن الشحن وسفن الركاب ، ميناء آخر لا يقل عنه حجما خاصا فقط باليخوت ، وهي تلك السفن الصغيرة التي تضم غرفا بحجم شقة صغيرة بمنافعها ، للاستعمال العائلي الخاص بقاطني مدينة مسقط ، وكان العدد كبيرا جدا بحيث أستطيع أن أقول إن هناك يختا لكل عائلة تسكن هذه المدينة ، مع أنهم شعب لا يملك موارد ليبيا النفطية ، ولكنهم بالتأكيد يملكون ثقافة تجاوزت سلوكيات وأخلاق الفقر ، واستطاع المواطن هناك ، أن يضع شيئا من قيمة الحياة في حياته . Quality of life

نعم ، هذا في اعتقادي ، ما يحتاجه المواطن الليبي ، وهذا ما يجب أن تسعى القوى المستنيرة ممن هي في السلطة أو خارجها لتعميق وعي المواطن به ، وإدخاله في السياسات والبرامج والمخططات التي تضعها الدولة ، وتحفيز الأمانات والمؤسسات الرسمية أن تضعه ضمن أولوياتها ، وضعُ شيء من قيمة الحياة في حياة المواطن الليبي ، لأن نجاحنا في وضع هذه القيمة ، سيعود بالنفع والفائدة على حياتنا وحياة عائلاتنا ويضع النشء الجديد من أبنائنا وبناتنا على طريق الحياة الأجمل والغد الأفضل الذي نريد، وهذا هو رأيي فليتفضل غيري من أهل الرأي والفكر والثقافة مشكورين بإبداء آرائهم



___________________________________




منتدى الحوار الوطني

 

محمد مواعدة

 

وتجدر الإشارة بهذه المناسبة إلى الحديث الذي دار بيني وبين الإعلامي المتميز الأخ فيصل بعطوط المشرف العام على التحرير في عدة لقاءات وفي لقاء لاحق بيني وبين الأخ فيصل والأخ صبري ابراهم رئيس التحرير، حول هذا «المنتدى» والأهداف التي حددتها له الهيئة المشرفة على «الصباح» وفي مقدمتها السيد محمد صخر الماطري وحرص الجميع على أن يكون هذا «الركن» ضمن ثوب «الصباح» الجديد فضاء للحوار الفكري حول جميع القضايا الوطنية والعربية والدولية التي تشغل بال المثقفين والكتاب والمحللين الجادين.. من تونس، ومن كامل الساحة المغاربية والعربية.. ولم لا الساحة الفكرية العالمية وهو ما سنعمل على القيام به في مراحل قادمة.. للمساهمة في إثراء حياتنا الفكرية في جميع المجالات وبالنسبة إلى جميع المستجدات.

تطور مستمر

ولا شك أن المتابع لهذا الركن «المنتدى» منذ صدوره إلى اليوم ليلاحظ التطور الذي يشهده واتساع عدد الكتاب والمحللين المشاركين فيه وطنيا ومغاربيا وعربيا.. وهذا التطور الملحوظ.. وهذا الاتساع المتزايد لهذا الفضاء وخاصة خلال المدة الأخيرة هو الذي أجبرني على أن أحسم في اختيار مقالي الأسبوعي هذه المرة.. أجبرني على أن أتناول هذا «المنتدى» نفسه دون غيره من القضايا.. بالنسبة إلى جانبين أعتبرهما يحملان دلالة متميزة ذات أبعاد مستقبلية..

ولا شك أننا سنعود إلى هذا «المنتدى» لتحليل مجموع المضامين والقضايا التي احتواها من خلال مساهمات المحللين والكتاب المشاركين.. وهؤلاء سيزداد عددهم كميا ونوعيا كما هو ملاحظ انطلاقا مما نشهده حاليا.

أما الجانبان اللذان يدعمان هذا التصور فهما:

1) - عودة الإعلامي الوطني والمتميز الأخ عبد اللطيف الفراتي إلى الكتابة في «الصباح».. هذه الجريدة التي هي جزء جوهري من حياته ومن شخصيته الإعلامية والوطنية. وكم كنت أشعر بالحسرة عندما أتابع مقالات الأخ عبد اللطيف في دوريات عربية.. وهو لا يستطيع في بيته الإعلامي أن يواصل جهوده المتميزة والمشهود لها بالقيمة وبالعمق وبالخصوص بالاستقلالية الفكرية.. هذه الاستقلالية التي نادرا ما نلاحظها عند العديد من إعلاميينا ومحللينا وكتابنا.. فقد كان أغلبهم وما زال يحاول تأكيد استقلاليته عن التيارات المتواجدة في بلادنا.. في حين أننا نعرف جيدا عدم استقلالية هؤلاء البتة.. واندراجهم في باب التقية.. هذا المفهوم السائد لدى المذهب الشيعي.. اندراجهم بل تمثيلهم لهذا التيار الفكري أو ذاك.. يساريا كان هذا التيار.. أو إسلاميا..

أما الأخ عبد اللطيف الفراتي فيشهد كل من عرفه وتابع كتاباته خلال كامل السنوات السابقة لحرمانه من هذا الحق لأسباب غير مفهومة.. يشهد الجميع بصدق استقلاليته إلا ما يفيد تونس ويدعم تطورها وتقدمها في جميع المجالات، وبكامل الجرأة والجدية والوضوح.. بأسلوبه الخاص طبعا.. وهو ما سبب له الكثير من المتاعب والمشاكل.. ولكنه مع ذلك كان يصرّ على مواقفه وتصوراته وقد حدث بينه وبيني خلافات عديدة.. أكدتْ تقديرنا له وزادتْ في متانة الصلات الأخوية القائمة والمستمرة. لكل هذه الاعتبارات نعتقد أن عودة الدرّ إلى معدنه.. عودة الأخ عبد اللطيف إلى صباحه الجديد المشرق هو مبادرة وطنية تستحق من أجلها إدارة «الصباح» والمشرفين على تحريرها كامل التقدير.. هو تقدير جميع الوطنيين المخلصين لتونس ولما تشهده من تطور مطّرد.. وهذا الشعور لاحظناه بوضوح من جميع المتابعين للشأن الوطني والحريصين على أن تساهم جميع الأقلام المخلصة والجادة في تقدمه وتطوره...

«العود أحمد»

2) - ولئن كانت عودة الأخ عبد اللطيف الفراتي لـ»الصباح» من خلال «المنتدى» تندرج ضمن ترتيب البيت الداخلي لهذه الوسيلة الإعلامية الوطنية ذات التاريخ العريق والمشرّف.. فإن «..والعود أحمد» للمناضل الوطني والتقدمي الأخ محمد الكيلاني.. يدعم توجه إدارة «الصباح» في أن يكون فضاء «المنتدى» هو فضاء يجمع كل الكفاءات الوطنية ومن مختلف التيارات والاتجاهات.. هذه الكفاءات التي قد تختلف في بعض التصورات.. ولكنها تتفق جميعها وبكامل الوضوح والمسؤولية حول تونس.. تونس التي تتدعم وحدتها بتعدد وتنوع كفاءاتها.. إنها وحدة وطنية بالتعدد المثري والمعزّز لهذه الوحدة.. تعدد يثري بدوره ويعزز هذه الوحدة...

بين الوحدة والتعدد

وهذه الجدلية القائمة بين الوحدة الوطنية.. والمصلحة الوطنية.. وبين التعدد الفكري.. هذه الجدلية هي التي دعتنا إلى اعتبار مشاركة الأخ المناضل محمد الكيلاني في «منتدى» «الصباح» مبادرة تستحق كامل التقدير.

واعتقادنا أن هذه المشاركة هي بداية وإعلان عن مشاركات أخرى قادمة ومن تيارات فكرية عديدة..

فمشاركة الأخ الكيلاني هي في نظرنا تأكيد واضح على أن هذا «المنتدى» هو منتدى للحوار الوطني.. في مرحلة متميزة تعيشها تونس وتعمل على رفع التحديات التي تواجهها.. حاضرا.. ومستقبلا.. ولا تستطيع أن تحقق ذلك وتنتصر على هذه التحديات إلا بمساهمة جميع أبنائها وبناتها.. المؤمنين بهذا الوطن وبأهمية مخزونه الحضاري.. هذا المخزون الذي يمكّنه من مواصلة الإبداع والمساهمة في إثراء الحضارة الإنسانية.. وأعتقد أن الأخ محمد الكيلاني والذي تربطني به صلات أخوية عميقة وصادقة -رغم اختلافنا في بعض القضايا الإيديولوجية والفكرية- هو نموذج للوطني التقدمي اليساري المعروف بهدوء طبعه وقوة شخصيته وعمق تحليله.. وصلابة مواقفه.. لكن دون انغلاق وتحجر كما هو شائع عند العديد من «يساريينا» التونسيين.

وأعتقد أن الانفتاح الفكري والتعامل الجاد مع المجال الإيديولوجي هو تعامل يعيش تفاعلا جدليا مع الواقع ومتغيراته المتعددة وطنيا وعالميا..

إن تعمق الأخ محمد الكيلاني في الفكر الماركسي تعمق نادر وإدراك دقيق لمكوناته وخصوصياته المنهجية لم يمنعه أبدا من التعامل مع هذا الفكر تعاملا جدليا يربط بين النظرية والممارسة.. فتتفاعل النظرية مع الواقع.. في ذهن صاحبنا دون انغلاق نظري ولا انسياب واستلاب واقعي.. ولذلك فإنني أعتقد أن مفهوم «المثقف العضوي» عند المناضل اليساري الايطالي غرامشي.. هو المفهوم الذي ينطبق على الأخ الكيلاني.. رغم أنه لا يدعيه.. عكس بعض «مثقفينا اليساريين» الذين لم يأخذوا إلا القشور من مفهوم غرامشي ونضاله وتطوره الفكري.. ولا من الفكر الماركسي.. والمنهج الماركسي الجدلي المتميز.

ومن يقرأ بجدية كتابه الضخم: «التجربة السوفياتية - اشتراكية أم رأسمالية؟ نحو تجديد المشروع الاشتراكي».. من يقرأ هذا العمل وما تضمنه من مواقف جريئة.. وتحاليل متميزة.. يدرك دور الأخ الكيلاني في نقد الفكر الاشتراكي.. والحرص على تطويره وتجديده في ظروف ومتغيرات دولية حاسمة.. ظروف تشهد فيها جميع الإيديولوجيات دون استثناء.. يسارها ووسطها ويمينها.. تشهد تغيرات عميقة بل انقلابات.. لا يدرك أهميتها وعمقها إلا من يتعامل مع هذه الإيديولوجيات تعاملا جادا منفتحا.. متحررا من التقوقع والانغلاق والجمود.. مستعدا للتطور والتحول بما يسمح بالمحافظة على الجوهر الإنساني النبيل وفي الوقت نفسه بالتلاؤم مع متطلبات الواقع وضروراته.. كل ذلك مع محاولة استشراف المستقبل والمساهمة قدر الإمكان في تصور البدائل الممكنة.

لكل هذه الاعتبارات -ولغيرها كثير- أعتقد أن دعوة «الصباح» «اللطيفة» للأخ محمد الكيلاني للمشاركة برأيه في «المنتدى» هي دعوة تستحق كامل التقدير، كما أن استجابة الأخ الكيلاني «فلبيت.. والعود أحمد».. هي استجابة تؤكد على أن هذا المناضل هو مناضل وطني يؤمن بالحوار.. وهو ليس من الذين يرفضون الحوار ويواصلون انغلاقهم.. واعتماد لغة الاحتجاج.. لأن الحوار يحتاج إلى لغة عقلانية رصينة هادئة.. ولا أذيع سرّا إذا أشرتُ إلى هذا التعبير الأخوي الذي كتبه الأخ محمد الكيلاني على النسخة التي أهداها لي من كتابه الضخم عن «التجربة السوفياتية...» بالقول: «الأخ الصديق محمد مواعدة أرجو أن يكون عربون صلة وتواصل فكري دائم»...

وسنعمل على أن يكون «المنتدى» فضاء هذا التواصل مع الأخ الكيلاني.. ومع أمثاله من مختلف التيارات.. من أجل تونس..

لكل ذلك فإنني أعتقد أن مبادرة «الصباح» بدعوة الأخ محمد الكيلاني للمساهمة في «المنتدى».. ودعوة أمثاله من المثقفين التونسيين المتميزين.. ومن مختلف التيارات الفكرية..

هذه الدعوة المشكورة تؤكد ما ذهبنا إليه من أن هذا «المنتدى» هو «منتدى الحوار الوطني».. ولنا عودة..


سياسي ومفكر تونسي

mohamedmoada@yahoo.fr

نشرت في جريدة الصباح التونسية




______________________________

مخاض الماء.. والحرث في البحر

 

على اثر ما نشره الكاتب أحمد إبراهيم الفقيه تحت عنوان المخض في الماء .. الذي أدرجته علامات نشرت ردود أهمها مقال الأستاذ عبد الرحمن الشاطر في موقع الوطن الليبية .. نعيد إدراجه هنا حرصا على التواصل


مخاض الماء.. والحرث في البحر سيان

الثروة ليست غنيمة.. والفقر حالة وليس ثقافة


عبد الرحمن الشاطر


تمنيت لو لم يكتب صديقي د. احمد إبراهيم الفقيه مقاله الأخير المعنون ( محاولة جديدة لمخض الماء.. ماذا يريد الليبيون أو ما الذي يحتاجون إليه؟). فقد جاء المقال في أسلوب أدبي رائع ولكنه خلا من مضمون مفيد غير أثارة غبار في السماء .. أو بعثرة ماء ممخوض في عيون هدها الزمن وأثقل كاهلها عبء البحث عن لقمة عيش شريفة.. وفرصة عمل متاحة بدون واسطة.. وسكن لائق في بلد النفط والغاز.

لقد شعرت ياصديقي وأنا أقرأ المقال بأنه ليس مقالا بريئا ، ولو لم تكن أنت الذي كتبته ومهرته باسمك وزينته بصورتك لذهب بي الظن إلى مراتب أخرى.

السؤال الذي طرحته بفرعيه – ماذا يريدون.. وماذا يحتاجون؟- سؤال خاطئ من الأساس، لأنه يقسّم الدولة الليبية الى فريقين: فريق حاكم يعطي.. وفريق محكوم يتلقى. وهنا نقف وقفة طويلة للبحث في هذه المسألة.

أولا: إذا كنت تتكلم عن مسألة توزيع الثروة ، فان التعريف البديهي يستوجب طرح سؤال مهم وهو: من يملك هذه الثروة في الأساس؟ .. فالثروة هي ما تملكه الدولة من إمكانات طبيعية وبشرية وأصول ثابتة ومنقولة وشعب يتوالد ويكثر، وبمفردات الثورة فان الثروة يملكها المجتمع. فكيف يكون لغير المجتمع الحق في التصرف في هذه الثروة؟

والقول كيف يريد المجتمع أن توزع عليهم الثروة ، معناه أن هناك حاكما أو حكومة أو فئة سلبته ثروته وتريد أن تمن عليه بإعطائه جزء منها. ولكي لا يحاسبها.. فأنها تلعب بغرائزه وتقول له كيف تري حصتك من ثروتك. في شكل كذا..أو كذا. وهنا تسري النار في أوصال المجتمع بأسره وينسون أنهم ملاك للثروة.. فينبرون في خلق واقتراح الطرق التي ينبغي أن تتم بموجبها عملية التوزيع.

هذا المشهد كريه على النفس ويمجه العقل لأنه يقلب الحقائق رأسا على عقب ، بل يشوهها تشويها كريها، بحيث تصير ثروة المجتمع مثل غنائم الحرب التي توزع على المحاربين المنتصرين.

تمنيتك لم تكتب ذلك المقال.. لأن مشكلتنا ليست في كيف نوزع الثروة ، وإنما في كيف ندير هذه الثروة؟ والى الآن ياصديقي أحمد فشلنا في إدارة ما حبانا الله من الكنوز المدفونة في الأرض. فشلنا نحن كحكومة و مسؤولين. ولم يفشل كل الليبيين ، لأنهم إما من عامة الناس التي لا تعرف شيئا في الاقتصاد وإدارة الأموال. أو من الذين يعرفون ولكن لم تتح أمامهم الفرصة. ولذلك فقد اهتبل الفرصة من اهتبل.. وعن الفساد ونهب المال العام أنت تعرف أكثر من غيرك وربما لديك الكثير من الشواهد.

إذن السؤال عن كيفية توزيع الثروة كان من المفروض أن يكون سؤالا عن كيفية إدارة الثروة.

ثانيا: قلت في مقالك (.. وكان أقل ما يمكن أن نتوقعه من مواطن يخوض في الرد على سؤال عما يريده الليبيون، هو أن يتحدث عن طهارة الوطن ونظافة اليد واختفاء الفساد من أجهزة الدولة ومؤسساتها، وسيادة قيم الشرف والأمانة في المعاملات).

تمنيتك لم تكتب ذلك المقال.. فأنت أديب رائع وقاص ممتاز وروائي عالمي ولكن يبدو أن الخيال القصصي غلب عليك وأنت تكتب ذلك المقال. فان تتوقع أن يتحدث المواطن عن الطهارة ونظافة اليد وسيادة قيم الشرف والأمانة. فانك غير واقعي على الإطلاق. لأن المواطن عندنا فقد القدوة.. والقدوة هو المسئول.. فعندما يكون نزيها ونظيفا وغير ملوث يصح أن نطلب من المواطن أن يكون كذلك. لكن الذي يحدث هو اختفاء القدوة.. والمواطن لم يعد يحترم المسئول.. نعم ربما يخاف منه ولكنه لا يكن له ذرة من الاحترام. المواطن الذي تنهب ثروته في شكل رشاوى وعمولات واختلاسات كل يوم.. هل تطلب منه ( هو فقط) أن يتحدث أو يلتزم بالطهارة وقيم الشرف والأمانة. لقد سرقنا (زهم وريش) ولا زلنا نسرق يا صديقي.. فأين أنت من الواقع المر الذي نعيشه؟

ثالثا: تحدثت يا صديقي في مقالك عن ما أطلقت عليه ( ثقافة الفقر)..ولم أفهم هذا التعبير. هل للفقر ثقافة؟.. أعرف أن الفقرة حالة تزول بزوال تحسن الظروف التي تسببت في صيرورته ووجوده. فان كان فقرا ماديا ينتهي بتحسن الأحوال المادية. وان كان فقرا ثقافيا ينتهي بالتعلم والاحتكاك بالثقافات الأخرى .. ونفس الشيء بالنسبة للفقر في التحضر أو ما أطلقت عليه ( كواليتي أوف لايف- Quality of Life - ).

ففي الثلاثينيات من القرن الماضي حسبما أذكر، فان الفقر كان بنسبة أكثر من 95% بين الليبيين. وقد عانينا جميعا من شظف الحياة. ثم منحنا المولى ثروة النفط وبدأت الأمور تتحسن في الستينيات .. وليس منا في ذلك الوقت من لم يتحسن دخله وبالتالي حدوث تحسن في نوعية حياته من مسكن ومأكل وملبوس. فبدل الغرفة التي وُلدت فيها في المدينة القديمة وتضم والديّ رحمهما الله وأخوتي الخمسة. أصبح لدينا بيتا مستقلا.. واشترينا ملابس (آخر مودة) وترددنا على السينمات والمسارح وحفلات الطرب..وبدأنا نعرف السياحة الى الخارج.. بل وحتى المطاعم كان لنا نصيب في ارتيادها. كانت هناك فرص .. وكانت هناك رغبة في تكسير سلاسل الفقر. وبالتالي فالفقر كان بالنسبة لنا حالة مرت بمرور الظروف التي أنشأتها. واستمر هذا التطور حتى سكنا الفيلات بالإيجار أو بالتملك.. واقتنينا المزارع والسيارات الفخمة أو الممتازة. وإذن فإننا فعلنا كل ذلك دون أن نمد يدنا إلى ثروة المجتمع بالحلال أو الحرام، بمعني لم يقل لنا أحد أعطوني ثروتكم و قولو لي كيف تريدونني أن أوزعها عليكم!!. هذا يا صديقي (هقص) على رأي أخواننا المصريين.

نقطة أخرى وردت في مقالك الذي تمنيت لو لم تكتبه وتتعلق بمسألة التخلف. ربما قصدت التخلف الذي لم يؤد إلى تطور في نوعية الحياة ( Quality of Life ) وتلك أيضا حالة ولم تكن ثقافة إلا عند القليلين. وأنا من مواليد طرابلس وأبنائها.. وشاهدت جموعا كثيرة من الشباب الليبيين الذين أتوا إلى مدينة طرابلس وهم مغرقون في البداوة.. وما هي إلا سنوات عدة إلا وأصبحوا يبتزون أهل المدينة في نوعية الحياة.. وإذن، حتى البداوة أو ما يمكن أن يطلق عليه تخلف هي حالة وليست ثقافة. تزول بالاحتكاك تماما مثلما تذهب إلى عاصمة أوربية لتدرس فيها فإذا بك تتقمص سلوكها المعيشي وتتأثر به إلى حد بعيد.

لا زلت يا صديقي أحمد أتذكر أيامنا الجميلة في صحيفة الرائد.. ونحن شابين يملؤنا الطموح في كل شيء .. حتى في تقليد الأوربيين في ارتداء الزى المتأنق.

رابعا: نحن الليبيين في اعتقادي لا نريد شيئا ولا نحتاج إلى شيء. وإنما يشغلنا التفكير في أن كل المقالات والندوات والمحاضرات والمسرحيات والتمثيليات والكتب والبحوث التي انتقدت أداء الحكومات عبر العقود السالفة من الزمن لم تفل في عضد حكومات بائسة توالت على إدارة أمور الدولة.. ولا لينت قلب أي منها علينا وتركتنا او أفسحت المجال أمامنا لكي نؤسس دولة القانون.. دولة المؤسسات.

هل عرفت يا صديقي أحمد ماذا نريد؟

نحن لا نريد منة ولا صدقة. نحن نريد أن نعيش في إطار سياسي تحترم فيه الحكومة القانون .. ويسود القانون على الجميع. فلا قرارات تلغي قوانين .. ولا رسائل تلغي قرارات. ولا كل يوم برأي وتجربة..

ربما يا صديقي أحمد قد لاحظت من خلال علاقاتك الواسعة بالمسئولين الليبيين أنهم أيضا لا يعرفون ما يريدون عمله.. أو ما هو المطلوب منهم بالضبط. ولذلك تلاحظ الارتباك في أداء الحكومات الليبية المتوالية. فهي مرة تحرم المواطنين من حق العمل باسم الاشتراكية.. ومرة تستعين بالقطاع الخاص لفك أزمات البطالة واختناقات الاقتصاد الوطني . ومرة تنفتح على الشركات الأجنبية وتستدعيها بكثافة وتعدها بحصة الأسد في المشاريع الليبية. ثم ، تُفلس بالعديد منها بعدم دفع ما تتعاقد معهم عليه من أعمال حتى صارت سمعة بلدنا في الحضيض أدت في مرحلة ماضية إلى الحجز على سفننا في موانئ دول أخرى. أو أنها تؤسس شركات تابعة لها وتصبح هي الحكومة وهي المقاول والتاجر والموزع الفرد .. لتحرم المواطنين من العمل. أو تجدها تجري بسرعة البرق لهدم دكاكين الناس وبيوتهم لغرض تسليمها أرضا فضاء إلى شركات أجنبية بأسعار بخسة. أو تنشئ صندوقا للإنماء الاقتصادي والاجتماعي وكأنها تقول لنا .. للشعب.. ابقوا في منازلكم وسوف نوزع عليكم محافظ استثمارية ورواتب شهرية كنوع من أنواع توزيع الثروة.. نعامل يا صديقي أحمد كقصر أو كمتسولين.. ولا نمنح فرصة إدارة أموال الدولة واقتصاد الدولة . الذي حدث وربما لا زال يحدث هو أننا ننكل بالمواطن ونشرده ونهدم استثماراته ولا نذيقه طعم الاستقرار.. من أجل أن ننشئ حديقة (... يا سلام ..يا سلام..) ثم تقول لي يا صديقي ماذا تريد أيها الليبي.

نريد أن تكف الحكومة عن العبث بحياة المواطنين وترفع أيديها.. نريد أن نرى دماء جديدة مؤهلة لادارة ثروة المجتمع.. نريد مثقفين نظاف الذمة لهم تجارب ينتشلون هذا البلد الطيب من بركة الفساد الذي هو فيه.

سيادة القانون بين الحكومة والشعب هو أساس من أسس انشاء دولة سليمة.. قوانين تنصف الحكومة وتنصف الشعب. وتحدد لكل فرد حقوقه وواجباته.

وعندما تتحقق سيادة القانون بقوانين عادلة.. عندها لن تحتاج الى أن توجه لنا سؤال: ماذا يريد الليبيون؟

سؤال سمج لم أستسغه


________________________________.


غياب المضاد الحيوي للكآبة

محمود البوسيفي


لم يعد بمقدورك رؤيته مرة أخرى

لن ترى ابتسامته

ولم يعد بوسعك مصافحته واستنشاق عطره

رحل صاحب عذوبة الكلمات

رحل صديق الرقة

رحل الكائن المسكون بالوطن

يهجس به في كتاباته وكلماته التي تتدفق عشقاً تخشى معه أن يذوب أمامك

رحل العاشق للحياة ومباهجها

رحل الحكاء المدهش

كان يضفر الحكايات نسجاً من قصص وقصائد وطرائف وهمهمات تقترب من ضفاف الاصفهاني..يرسمها بالكلمة وبالايحاء وباسناد مثير من ملامح وجهه وحركات يديه

كنت وأنت تسمعه يتحدث عن أصدقائه توشك أن تراهم يتهاطلون من عينيه ..شفتيه ..وتكاد تراه وهو يعانقهم بفيض من بهجة وحنين

متى يكبر هذا الرجل ..!؟ قال صديق

وهو يتابعه ذات لقاء في حالة بوح

كان ينتقل من حكاية إلى أخرى بخفة

كنا نجهد لالتقاطها ...كان يدرك ان شفرة أي لقاء يحضره هي بحوزته

يفتحها ويوصدها بطريقته ..كانت

اختياراته لألوان قمصانه مثلا تشي

على الحقول والمرافئ .. هذا قميص

مزدحم بالبحر المنورس ..وهذا

بلاد من حدائق .. وهذا تداخل

من ألوان مرحة .. وآخر يكتظ بالأخضرار ..كان يختار عطره بعناية

جواهرجي ماهر ..ضحكته مشروع يفتح

نوافذه على فرح ممتد .. ومصافحته حزمة من الدفء والمودة

لن ترى هذا الكائن مرة أخرى

لن يحدث ثانية ان يدفع بابك في عاصفة من حضور طاغ ..لن

يباغتك مرة أخرى باسئلته وقلقه عن حالة صديق مشترك يحتاج إلى دعم

رحل بصخبه وحنانه ومودته

رحل هكذا

دون ضجيج ..أو ألم

نام عميقاً

ليستيقظ فينا حديقة لا تعرف

أبجدية الانطفاء

أمحمد أحمد نور الدين الزوي

محمد الزوي ..الكاتب الليبي الجميل

سلام عليك يوم ولدت ويوم رحلت ويوم تشرف أحلامك بلابل تصدح في وطن تحبه ويحبك ..إنتهى


 


________________________________


وما بينهما .. قراءة في رسائل النيهوم إلى خليفة الفاخري


خالد درويش


سيكون من نافلة القول أن نشير إلى المكانة العالية التي احتلها النيهوم كاتبا وأديبا في سماء الثقافة المحلية والعربية فهو الكاتب الأكثر جدلا في حياته بمقالاته التي حركت ورائها المطابع واقلام الصحف والعديد من الكتاب الذين تصدوا للوقوف ضده ومعه ، فهو لا يرى أحدا سواه ولا يعترف إلا بقوة ساعده .. في هذه الورقة القصيرة حاولت مع من وقف ضده أن أمسك بالنيهوم متلبسا بالكبرياء وحب الذات والأفكار العظيمة فأحالتني هذه الورقة إلى أوراق أخر كان قد سطرها في بداية مشواره مع الحياة الأدب ، مع الغربة والكتابة ، في تلك التي بعث بها إلى صديقه الكاتب الكبير خليفة الفاخري .. قلت في نفسي إن رسائلهما بحث خاص ومادة أدبية ثرة ، فنظرت فيهما لأجد شابين صغيرين يحلمان ، كان ذلك في بداية الستينيات .. في هذه الرسائل تجلت مقدرة الاثنين على المبارزة فكلاهما كان يملك ناصية الحروف فلم يذخر جهدا في أن يسكبها على الورق .. إن هذه الرسائل تاريخ أدبي لعل الدارسين والباحثين من المتخصصين يفردون لها مكانا خاصا ويستخلصون منها السيرة التي لم يكتبانها في حياتهما مثلما فعل الأستاذ الكبتي مشكورا وكما فعل أيضا الأستاذ القاص محمد عقيلة العمامي في كتابه ( منابت الريح ) سيرة الراحل خليفة الفاخري وهذا الكتاب هو الذي اعتمدت عليه في ورقتي هذه لأن الفاخري قد حفظ لنا رسائل النيهوم الأجمل في تقديري لأنه صديقه اولا ولأنه كاتب ومثقف مثله ، فكانت هذه الرسائل مختلفة الطعم حارة في كثير منها ، حافلة بالجمال والأدب .


غادر سوق الحشيش .. وكف عن الموت


سوق الحشيش المكان الذي شهد الأحلام والأصدقاء والتسكع كان في ذلك الوقت يعج بنخبة من المثقفين ربما لقربه من المطبعة الحكومية حيث تطبع الصحف اليومية والأسبوعية أو بسبب كونه يتوسط المدينة ويُعد من أقدم أحيائها ،، إن علاقة صادق بهذا المكان هي علاقة متوترة توتر عاشقين لا يفصح كل منهما للآخر ، كبرياءٌ تتبادلهما ، فلا نجد إلا الصدود المفرط على الأقل من جهة هذا الشاب الذي أحس أن دكةََ في مكان كهذا يجلس عليها لم تكن تعنيه إلا بمقدار ما يحلم وهو جالس يتأمل وينطلق ، كانت زورقا من خلاله يبحر خلف طموحه الكاسر ، ذلك الطموح الذي انتبه إليه مبكرا وأحسه في داخله كان يعرفه جيدا فلم يتركه يقوده بل كانت دفة القيادة بيده هو ، إنه يصرخ في صديقه "الفاخري" : غادر سوق الحشيش وكف عن الموت ، إنه يسميه الموت بل أكثر من ذلك ، غنه يقتله فهما يعرفان بعضهما صادق يعرف سوق الحشيش والسوق أيضا يعرف صادق ، يعرف كل زاوية فيه كل حجر ،،

ففي رسالته المؤرخة بتاريخ 9/2/1963 يقول: ما الذي تريده من حارة صغيرة مليئة بالأطفال والملل ،، إن سوق الحشيش لا يثيرني أبدا ، لقد كان لي مجرد مكان للراحة مجرد مقعد أجلس فيه وأشرع في الحلم وكان يصيبني بالصدأ ،، يجعلني أغمض عيني وأرغب في الموت وكنت أهرب من ذلك للبحر ، إلى قارب (سليم) وكلبه الصغير وسرطانات البحر الهائلة هناك، أضل أجري وراءها وأقتلها وأنزع أرجلها وأظل أحدثها وأبصق فوقها وأغسل نفسي في عمق الماء البارد حتى ينتهي الصدأ . 74 "منابت الريح"

لقد اكتشف صادق مبكرا أنه لن ينجز هنا شيئا وأن هذا المكان لن يكون إلا بالوعة حقيقية كما عبّر في رسالة أخرى ،، فالجري واللهاث خلف سرطانات البحر هو الضيق الكامل والصدأ الذي يملؤه بالموت فيهرب للبحر ويتسلى بالبصق فوق الكائنات الزاحفة ونزع أرجلها في تعبير منه عن مقته لمن يتبطن الأرض ولا يحلق في السماء ،، في هذه الرسالة يفصح النيهوم عن نظرة متطورة وفهم مبكر للمكان فالسفر والحلم والتجربة تلك أدوات الفنان فيخاطب الفاخري حاثا إياه هو الآخر على ترك هذا المكان وأن يتزود بالرحيل كي لا تموت موهبته الكبيرة يقول:

ماذا تريد أنت من حارة الصدأ .. ما الذي سوف تصفه وأنت جالس هناك ، في بالوعة حقيقية وبلهاء تماما

أخي .. أنا لا أحتقر حارتنا ، ولا أقول عنها أشياء قذرة ، ولكن أضع لها اسما ، إنها مجرد بالوعة فحسب ، وهي مفيدة لكل صرصار ، ولكنها تقتل الناس الرائعين ، فدعها . لا تعد تمكث فيها هكذا اعتبرها مقعدا للتفكير ولقليل من الدراسة ، ولكن كن دائما في الخارج . 74 "منابت الريح"

بعد هذه الأسطر الحارقة يتذكر صادق أن من يخاطبه بهذه الكلمات هو خليفة الفاخري الذي أحب هذا المكان ولم يتخلى عنه أو يهجره إلى بلد غيره حتى وبعد عودته من " كوبنهاجن " لم يستقر في سواه رغم الفرصة التي أتيحت للفاخري أن يقيم بها فيعتذر في أدب مذكراً صديقه بأيامه هناك لكن موهبته وحلمه أكبر من كل ذلك .

( أخي .. أنا أصدع رأسك دائما بكلماتي المزعجة ، أقول لك دائما أردأ الأشياء عن بضعة أشياء تحبها ، فدعني أعتذر إليك بإخلاص ، لقد عشت أنا في سوق الحشيش قضيت فيه كل حياتي وجلست على كل ذراع منه ورأيت الناس هناك ، كثير من الأصدقاء اللطيفين جدا ، وكثيرا من الذكريات والمتعة وشربت من زجاجتي وسكرت ، وضحكت وصنعت معظم أحلامي الجيدة ولكنني لم أعتمد عليه أبدا في بناء رأس ، ولا أستطيع أن أثق في ذلك ، لإن غرفتي المظلمة ، بقليل من الضوء وإبريق شاي ونار وبضعة سجائر وأنا .. تفيدني اكثر من سوق الحشيش وهذه حقيقة (راهنة) فاذكر أنني قلتها لك. 75"منابت الريح

فهو لا يقصد أن يسبب لصديقه الحزن ولكنه يعرض عليه بضعة تجارب وبضعة أخطاء فهو يؤمن بصديقه ويريد له أن يعيش بكل ما لديه مما وهبه الله له ويستدرك حين يقول له :

( لا أريدك أن تفقد شيئا من ممارسة الأخطاء والحزن ، إن ملايين الأقزام معرضون دائما لأحداث التجارب ولكن ليس أنت أيها العزيز ومرة أخرى دعني أعتذر ودعني أقول لك : يا صديقي الحبيب الرائع الجيد ليكن الله معك .)

لقد آثر العديد الابتعاد عن سام بنغازي ومللها لشبابها تلك الحقبة كما يقول القاص محمد العمامي ، فالفاخري إلى كوبنهاجن و النيهوم إلى ألمانيا 1963 وظلت هواجس الرحيل تسطع على العديد من الكتاب الآخرين في تلك الآونة التي ضاقت فيها سبل العيش وتناقصت فرص الحياة وأصبحت البلاد حيزّا ضيقا لأبنائه .


اليأس والشوق والوحدة

في هذه الرسائل القصيرة التي يبعث بها إليه نكتشف حب صادق لفيروز ودندنته لأبيات من أغانيها فيسطرها على الورق كما أنها تكشف لنا كيف كان يمازحه وكيف يتذكر صادق تلك اللحظات التي عاشها في بيت الفاخري ويتذكر بالتحديد الحاجة "يامنة" والدة الفاخري التي يتذكرها بكل جميل ويطلب من صديقه عن كان مؤمنا أن يدعوا الله أن يطيل بقاءها

( لقد حاولت أن أبعث لك بطبق محفور في ياقوتة ولكني لم أجد فبّلغ لأمنا السلام وقل لها إني عشت في بيتها أجمل اللحظات .. وقد كان ذلك نادرا جدا في حياتي العجيبة . (

144 "منابت الريح

أيضا تبين لنا هذه الرسائل المتبادلة بين الأديبين حزن الصادق ويأسه في نوبة حادة من اللم واليأس عصفت به فعبّر عنها : أعتقد أني أمر الآن بمرحلة اليأس ، اليأس من كل شيء حتى الذهاب إلى الجحيم

145 منابت الريح

في داخل هذا الشاب آنذاك رجل مقرور لا يعترف بالهزيمة لكنه يُسر إلى أصدقاءه ببعض الفشل وبرغبة كاذبة في اليأس ولكنني أعتقد أنها مراوغة ذاتية ، وأنها انهزام قوي أو تربص في محاولة للانحناء للعاصفة دون انكسار ، فهو يحمل بين جنبيه قلباً مشاكساً لا يُظهر الحب ولا الضعف إلا فيما ندر ،، أما عقله ، الرأس التي امتلأت بالحكمة والعسل حتى انه يشعر بأن الله يتخلى تعذيبه بالحكمة ويرى صورته التي أصبحت عجوزاً مجعداً ضعيف القلب ويحس بأنه ذبابة في الجحيم وفي رسالتة أخرى 32/11/1966 يمازج وحدته ويلغيه

( وحدتي فضيعة ، بدائية، حادة ، شريرة مثل وحدة فأر في منقار بومة مجنونة ، أنا أسمع خفق الأجنحة )

كذلك في 19/8/1966:.... أخي خليفة مالذي أتمناه أنا ؟ لا شيء سأقول لك ... ماذا اعتراني ولماذا لا أجد طريقا خاليا من الحفر ، لماذا لا أستطيع الآن ان أتسلق النافذة وأقول لك : "خليفة ياخليفة" وعندما تفتح الباب أطالبك بالكعك وأحدثك عن الفقر لكي اسد نيتك وتتخلى لي عن قطعة اللحم قطعة اللحم ! أف ياصديقي كم أنا جائع هنا كم انا وحيد وجائع ومتعب مثل ذبابة تجر عربة الجحيم .

أو حين يقول له في رسالة أخرى :( ثم ماذا إن المرء يشعر بالحزن واليأس وبالعار قبل أن يتعلّم كيف يبدو وجه الحياة الحقيقي) 145 منابت الريح. أو (أنا أسمع خفق الأجنحة ليل نهار وأسمع بكائي عبر مائة ألف عام من الحفر المحزن وراء جثتي ) 147منابت الريح

وفي هذه الرسالة يتشوق النيهوم إلى أصدقاءه عبدالقادر وعلي ارحيمة وبقية القراصنة الرائعين ، فهو أيضا وحيد وجائع ومتعب مثل ذبابة على حد تعبيره في أبعد نقطة مضيئة في العالم . يخاطبه من هلسنكي بصديقي جنقيه متشوقا دائما يعذبه ذلك الشوق ، ذلك البعد الذي سيجعله مجازا يخلع ملابسه ويسبح إليهم وهم بعيدون جدا مع نه يعرف أنه لن يصلهم قط بتاريخ 20 /5/1966 ،،

لم يكف عن الحزن في هذه الفترة وسنجده مابين عامي 1963 وبين 1966 يملؤه حزن حقيقي ممتلئ الوجه بالعار فيها كان جائعا لا يجد المؤنس والرفيق أصدقاء الجامعة تافهون بل ولا يجد ثمن الكتب والاسطوانات التي وعد بها صديقا هناك كان قد طلبها منه فيطلب من الفاخري أن يستلف من عبدالحميد ثلاثة جنيهات ويشتريها ويرسلها له وأن يرسل له كتبا أي كتب لكن كبرياء النيهوم يغلبه فيطلب من الفاخري في هذه الرسالة ألا يظهرها لأحد ربما لأنها تكشف ضعفه وانكساره وفقره (58 منابت الريح) لقد كان يحس بغربة كالحة حد القلق والشقاق ففي هذه الرسالة مرثية كبيرة وغنائية عالية بالحزن في رقة ورهافة يقول :

( حزن حقيقي لا شك فيه ،، حزن لا نهاية له يمتد في طريقي كله بين ميونخ وبين بيتنا في أفريقيا ، حزن ابن عاهرة تنقله العربات ذات الأجراس النحاسية في كل براميل الخشب ، حزن .. حزن أيها الحبيب .. مد لي يدك ، إنه حزن ، أخذ كل ما أملكه ، أكل ذلك حقا ابن العاهرة النهم وامتد في طريقي يلقي نكاته الشنيعة ويمسكني من قميصي : هل لديك شيء جديد ؟ قل .. أبدا ، لا شيء أيها الحزن .. أنت أكلته كله وفي بطنك هذه ، ويطلقني يقول لي :انصراف ولكن أمش على الرصيف وانظر يمينا وشمالا قبل أن تعبر الطريق ..)

وهذا ما لا يحتمله النيهوم ولا يطيقه المشي على الرصيف والحذر والخنوع وتلقي الأوامر

85 "منابت الريح"

لشد ما أعجبتني هذه البكائية المتفردة ومغازلة الحزن التي أحالتني إلى كاتبين عظيمين أعتقد جازما أن النيهوم قرأهما أو استحضرهما أثناء تدبيجه لهذه المحزنة الأنيقة وأعني الانجليزي وليم بيلك والفرنسي بودلير ، هذه البكائية التي لم تفارقه إلا في سنوات متأخرة من حياته حين أصبح للحياة مذاق مختلف وتحسس طعم النجاح بين شفته هذا النجاح الذي لم يأتي صدفة وإنما عبر مجالدة وتعب ومشقة .


كيف انتهت أعجب منحة دراسية


هذه قصة أخرى تحكيها لنا رسائل النيهوم إلى خليفة الفاخري وهي قطعة من الأدب الجميل حُفظت في مكاتبتهما صفحة من تاريخنا الثقافي والأدبي الليبي تسجل جزءا من مقدرة وعنفوان هذا الأديب الكبير حقا والذي نفتخر بأنه ولد هنا وكتب عن هنا وكان الشوق يهزه إلى هنا ،، إلى سوق الحشيش رغم ما بينهما وإلى بنغازي رغم ما بينهما وإلى ليبيا رغم ما بينهما ولعل رأيه في ليبيا آنذاك يستحق أن نثبته هنا للذكرى فقط ثم ننطلق إلى قصة رفضه المنحة الدراسية ومشاكسته للوزير وللطلبة في الجامعة .. يقول عن ليبيا : ( إن ليبيا بلد مبني بالقش ويطفو فوق بحيرات البترول ،، فما أسهل أن تندلع النار فيه ، أن تحرقه من أساسه فلا يبقى منه شيء سوى عظام الخنزير والنساء ، ولكن ذلك لن يحدث الآن لأننا لم نكتشف النار بعد ، نحن المساكين الموغلين في البدائية والعناد ) .

إنه نفس العناد الذي سيجعله يغادر دراسته في تلك البلاد بعد أن اصطدم بطلبتها الأغبياء ومديرها الأحمق المتعالي ،، كان يشعر في قرارة نفسه بأنه عظيم وأن أحدا لا يفضله بشيء بل هو المتفوق دائما وحين يخدش أحد الطلبة ذلك الاحساس تكون ردة فعله متوترة وقاسية : ( أنا لست أخاك ، ولا أحب أن تدعوني بذلك ولا أريد أن أناقش معك موضوع الشعور بالسمو لأن ذلك عقدتكم جميعا ،، ولكن دعني أقل لك أيها الحشاش المليء بالعقد ... وووو ) 425 منابت الريح

في اليوم التالي تسلم صادق إنذارا بالفصل لكنه لم يشأ أن يتركهم يقترفون خطأُ آخر فقدم لهم ورقة صغيرة كتب فيها : ( أنتم أحسن الشعوب ، وأنا لا أريد أن أقيم عندكم ، فأرجوا أن تقوموا بتسليم أوراقي للسفارة ولكم أطيب الآماني وليكن الله معكم . وهكذا انتهت أعجب منحة دراسية في العالم ) 425 منابت الريح

بعد ذلك يستدعيه السفير نصحا إياه بقوله يابني واسمع يا ولدي وأن مصلحه فوق هذا الشعور وتلك النقاشات العقيمة لكن عناد صادق وكبرياءه جعلانه لا يحتمل تلك اللهجة التي تجعل منه طفلا يخاطبه بقوله يا بني فكتب له قائلا : أنا لست ابنك ولا يمكنني أن أكون كذلك ومن ناحية مستقبلي لتثق سيادتك أنه لم يتأثر قط بقرار التخلي عن الدراسة هنا ، وأنا أعرف ذلك أما بالنسبة لحادثة الشجار فأقسم لك أنني لم أتشاجر من أجل ليبيا ولا يهمني قط مالا يقال عنها وليس في نيتي أن أبدي أي اهتمام تجاهها ولكنني تشاجرت لآن ذلك الحشاش النتن المليء بالعقد لا يفضل في الواقع أيا من أصدقائي الذين أعرفهم ولأن الدراسة هنا لا تطيب لي بأي حال من الأحوال فأنا ياسيدي وبمنتهى التواضع أكبر كثيرا مما تنمي عليه ملابسي البسيطة .. وأساتذتي أصغر كثيرا من ملابسهم ومظاهرهم ) . 426 منابت الريح

أن رسائلهما قطع أدبية متميزة ، فيها الحنين الممزوج بالغربة المتقدة مع سبك ورقة في اللفظ ، اللغة الجميلة المطواعة يتراشقون بها كأطواق الياسمين ، لقد حملت إلينا هذه الرسائل تاريخا أدبيا وحمت من التلوث والضياع تراث أديبين كبيرين جمعهما الحرف وعناء الأدب ،، ثم السفر وحب المكان .. أن رسائل النيهوم تشي بين طياتها بما كانه هذا الأديب الكبير وما صار إليه لقد كان يحلق بعيدا ويرى أنه (رجل يملك الكثير ، يملك العالم بأجمعه ).يحرك جناحيه ليطير فوق تلك السحب المليئة بالكلمات والأفكار .إنتهى


______________________________

من هنا إلى مكة .. يوتوبيا النيهوم

سالم العوكلي

 

مثلت الستينيات في الذاكرة الليبية عقد الترميم الكامل لمقومات الكيان الليبي الناشئ ، فهي المرحلة التي أعقبت صراعات عالمية على هذه الأرض، نمت في حضنها صراعات اجتماعية، شكلت الأقاليم والقبائل الكثير من حيويتها. وعلى هامش هذه الصراعات ومن داخل النخب الثقافية برزت العديد من التيارات، محدثة طفرة سياسية، تستجيب لحراك المحيط العربي ، بينما على المستوى الاقتصادي شكلت بداية إنتاج النفط طفرة اجتماعية، تمثلت في ارتفاع نسبي لمستوى الحياة، وفي تبرعم برجوازية وطنية مرتبكة، وحدود غير مرئية لبنية طبقية، بدأت ملامح طبقة وسطى من الأعيان والتكنوقراط تتشكل بخجل صمنها ، وكان افتتاح أول جامعة ليبية العامل الأساسي في تغذية هذه الطفرات بالمحتوى التقني والمعرفي ، إضافة إلى استثمارها كفضاء لحراك ثقافي، ساهم فيه العديد من الطلاب من جميع أنحاء ليبيا، عبر تفاعلهم مع أساتذة مميزين، جاءوا من ثقافات عربية مختلفة، ومع نخب سياسية سابقة، كانت تطرح مشاريعها الهامسة في نسيج الحركة الليبية بكل أقانيمها ، وفي هكذا معطيات خرج العديد من الكتاب المستجيبين لهذه الطفرات في مجتمع مازال يتلمس مكونات هويته وملهمات مستقبله ، وكان النيهوم أبرز المتفاعلين مع هذه المتغيرات ، كنابش أساسي في خصوصية أسلوب نثري تتعلق بهذا الكيان ، وأسئلة تحفر في بنى التخلف وطبيعة العلاقات الأبوية المهيمنة ، وقد تفرد ضمن جيله في تأجيج حس نقدي عالٍ تجاه الكثير من التابوهات المسكوت عنها ، وفي المجمل لم تخلُ كل هذه التداعيات من روح المغامرة والاستعجال، التي شكلت السمة التاريخية لهذا النسيج الاجتماعي ، في الرحيل والحروب والاقتصاد والسياسة ، وفي الإبداع والثقافة والفكر .. وعموماً كانت المغامرة المحسوبة نادراً، أو غير المحسوبة غالباً تمظهراً لهوية مراوغة لا تتحدد ملامحها ، أو تعلقاً بيوتوبيا منسوجة في الفضاء كعرجون بلح يلمع فوق عيني كسيح ، أو درباً إلى الاندثار تحت رمال الصحراء التي تسوقها ريح التاريخ التي لا تهدأ .

من هكذا امتداد حائر في الزمان والمكان، ملتبس الهوية ، متضارب الأهواء ، يظهر كاتب سجالي حتى النخاع كالصادق النيهوم، بأسلوبه المناكف وخطابه المركب الذي يجمع نقائض المرحلة وتداخلاتها .

الكاتب الليبي النكهة العالمي المواطنة .. الخادم بنثره الرشيق سجع الأفكار ، الهيبي الرافض لاصطلاحات الثقافة الغربية ، الذي يقول: إن الحاج الزروق في داخلي ، والذي يقول أيضاً : أنا لا اتفق مع الليبيين في شيء .. السائح في تراث ليبيا بنظارته السوداء ، المثير للأسئلة المقلقة والأجوبة المربكة ، النازح من مدينة الملح إلى مدينة الثلج ، و من سباخ المدينة الكوزموبولية التي كرسته نجماً إلى بحيرات الاتحاد السويسري الذي يعتبره نموذجاً للديمقراطية المباشرة ، المتنصل من خرافات الماضي اللائذ بخرافات المستقبل ، المستبدلُ أساطير الثيولوجيا بأساطير العقل، الدوغمائي المتهكم على كل الأطروحات السائدة ، الشعبوي ضد مفهوم الشعب ، الاسلاموي ضد الإسلام ، والديمقراطي ضد الديمقراطية ، العلماني الأصولي ، اللائذ بديمقراطية الجامع من ديمقراطية البرلمان ، الطليعي الرافض مصطلحات المجتمع المدني لأنها لم ترد في القرآن ، الصابٌ جام غضبه على نص السلطة المرتهن لسلطة النص ، المصلحُ المتفائل المفكرُ المتشائم ، الليبرالي عضو اللجنة التأسيسية للاتحاد الاشتراكي العربي ، صاحبُ الأسلوب المبتكر ذي التقنيات الرفيعة والسلاسة و البساطة في الوقت نفسه ، الأسلوب الرشيق التي لا تروض خفته ما يضج في داخله من تقريرية واستفزاز.. رافضاً من حيث الشكل ميّال إلى البساطة واختزال المسائل الشائكة في صفحات قليلة، يعتمد على إطلاقه عنان الجدل بين الكثير من الثنائيات التي تتقاذفه، والتي تعكس حالة فصام منهجي في أفكاره، السارحة في حريات و نثر المدن الحديثة ، والمرتبطة في الوقت نفسه بنرجسية القرية و إغراء الذاكرة، و قوالب المكان الذي تشكل فيه مبكراً ،ما أنتج في مجمله جدلاً مهماً داخل كتابة النيهوم، بين الزمان و المكان، وبين الأسلوب و الفكر ،وبين العقل والمشاعر. مع ولع بإنتاج أقانيمه الخاصة التي تُلخص قضاياه المعقدة في ثلاثيات عديدة تمثل الأثافي التي تنهض عليها طريقته في المحاجة، والإدلاء بالأسباب المقنعة التي تقوم مقام التحليل العلمي، الذي كثيراً ما يتجنب الخوض فيه.

فالقرآن أعاد توزيع المال بين ثلاث خانات _ و الصلاة الإسلامية تؤدى وفق شروط ثلاث _ والمرابون اليهود غابت عنهم ثلاث حقائق _ والاقتصاد تتغير أنماطه خلال ثلاث مراحل _ ونظرية الحزب الواحد تقوم على ثلاث قواعد إدارية ، و غير ذلك من الثلاثيات التي تسم في الوقت نفسه سيكولوجية الأداء السياسي العربي بالشكل الذي يحيلها إلى شعارات ثورية صادحة، وهو المنهجُ نصفُ العلمي الذي يحيل الكثير من الإشكاليات المعقدة إلى نوع من المماحكة الفكرية، التي تتعامل بانتقائية واضحة مع واقع تاريخي وراهن متشابك ، الأمر الذي من شأنه أن يخدم منظومة فكرية مشوشة، تتعامل مع الظواهر، وخارجة في الغالب من دائرة السببية .. حيث لا يُعرف النيهوم إلا بالسخرية من الأطروحات الأخرى، مشيراً إلى مواطن خراب البداهات عبر وضعها في بؤرة الشك أ السخرية ، فالمسجد فكرة قديمة، أما الجامع ففكرة لم يعرفها أحدٌ قبل الإسلام ـ و كلمة شعب مصطلحٌ عبراني _ والأمة نظام جماعي موجه أساساً لهدم نظام الشعب _ وإسرائيل لم تهزم العرب بل هزمت نظمهم السياسية _ والأحزاب العربية هي مجردُ وكيلٍ تجاري للأحزاب الرأسمالية الغربية _ والفقه الإسلامي الذي يسمي نفسه علماً لم يشهد طوال تاريخه تجربة علمية واحدة _ والشعر المسخرُ لتغطية عورات الواقع شعر أعور في حد ذاته يحتاج إلى مساندة مستمرة من الله و البوليس _ و طريقنا الأوحد أن نجمع ثقافتنا المترجمة ونعطيها لبرميل القمامة لكي يصبح برميلاً مثقفاً .

و فوق هذه النبرة التهكمية _ التي من شأنها أن تُعرض هذه الزوايا المعتمة لضوء مشاكس وتصدع الكثير من المقدسات العقلية ، مفضية بها إلى دائرة التساؤل _ يطرح النيهوم آراءه الجريئة ، التي ولدت الكثير من الردود المنفعلة والغاضبة ، غالباً ما تبرأ من الرد عليها أو مجادلتها ، كونها تعيده إلى حقل معرفي ناضل بكد من أجل الخروج منه .

فهو عبر كليشيهات صادمة يطرح مداخل مستفزة للتشكيك في مفاهيم تاريخية ودينية اكتسبت حقيقتها من كثرة تداولها ، مفضياً إلى أسئلة مازالت في ثقافتنا في طور المسكوت عنها ، دون أن يترك عبر إحكام مغاليقها أي فضاء للتشاور معها ، ( فلا نص قرآني بالحجاب ـ ونظرية أرض الميعاد ليست دينية بل مصرفية ـ وقواعد الإسلام ليست خمساً ـ والنبي محمد ليس أمياً ـ وارتباط القومية بالعامل الاقتصادي وليس بوحدة الدين والأرض واللغة ) وهو إذ يستخدم ذخيرته اللغوية والتأويلية في الكشف عن مواطن الخلل في هذه الترسيمات فإنه يستبدلها بترسيماته الخاصة، التي تحاول بصياغتها الواثقة التمنع عن فكرة الخطأ أو الحوار معها ، منتجاً بهذه المعالجة الحاذقة حقلاً من صراع المثنويات ـ أغزر تشويشا وأكثر اختزالاً ـ يتأرجح بين طرحه للدين كأيديولوجيا للأزمنة السالفة ، والأيديولوجيا كدين للأزمنة الراهنة ، أو التردد بين عصرنة الإسلام وأسلمة العصر ، وهو سجال لا يخلو من عناصر الحيوية فيه وإن كان يقدمه بلغة غاية في التجريد والتعميم ، يبرز مأزقها عند التعامل مع جذور هذا الجدل التاريخية، ومن ثم تجليها في علاقات الواقع الراهن ، وهي رغبة التقويض نفسها التي أعاد بها كتابة تاريخ ليبيا ، وهاجس التأسيس الملتبس الذي أسهم به في صياغة نظرية لتاريخنا اللاحق ، كمصدر متوارٍ لأفكار سابحة في فضاء فكري لا يخلو من الحدس والتكهن ، طارحاً في أكثر من مكان أيديولوجيته الخاصة، في مزيج من العقل والدوغما والنستالجيا والحلم الشاعري. حيث شكل بامتياز تجسيداً لما يمكن تسميته تجاوزاً بالفكر التجريبي ، إذ لا يتخلى عن غبطة المخيلة وصدفة الإلهام وعن شعرية اللغة ومجازاتها الواسعة، في طرحه لأكثر المسائل الفلسفية والفكرية تعقيداً ، وبالتالي عكست هذه الخلطة ـ في سياق الجدل بين الواقع وتهويماته السحرية ـ حالة قصوى من اللعب اللغوي ، ومن فضاءات الاستعارة وتقنيات المفارقة، وهو يتصدى لأطروحاته المتعلقة بمسائل إجرائية تفسر التاريخ والتراث لتشيد نظرياتها في السياسة والاقتصاد والاجتماع ، أو بمعنى آخر ، انزياح الفكر الرؤيوي -الذي يتوسل يوتوبياه في الماضي المعدل - إلى فكر إجرائي يعمق المسافة أكثر بين الحلم والواقع ، بين الرؤيا والرؤية ، بين التاريخ وتأويله ، بين النظرية والنظر ، وهي المسافة الحائرة نفسها التي يتقصى أبعادها في روايته (الحيوانات) التي يبني من خلالها وجهة نظره التأويلية لمأساة المسيح (الذي أتى - في منظوره - بفلسفة لا علاقة لها بالواقع) . فهل كان النيهوم المسيح الليبي الذي صُلب على ألواح الحلم المتعالي عن أنين الأرض ووحلها ؟

وهو الذي رغم تصريحه في لقاء أجرته معه صحيفة الأسبوع الثقافي عام 1978 قائلاً : أنا دائماً خارج الجماهير ولا يمكن أن أكون معهم ، ولا أتفق مع الأخوة الليبيين في شيء " ستكون فيما بعد شطحاته الفكرية التي استلهمها من ثقافة المكان وتراثه في صميم الحياة اليومية لليبيين .

لم يخف النيهوم أصالة التمرد في خطابه وإن كان هذا التمرد مربوطاً برسن - يطول أحياناً ويقصر - إلى فكرة مسبقة تتمحور حولها أسئلته الساخنة، التي يراود بها فضاء اليوتوبيا المصفحة - على الأقل بالنسبة له - ضد النقاش ، حيث يصف كل من جادلوه (بأن الحوار معهم هو نوع من الحوار المستحيل بين طرشان) أو (الذين أرادوا أن يناقشوه نقاشاً أكاديمياً بارداً في الوقت الذي أراد فيه أن يخاطب العقول والمشاعر معاً) وهي اللعبة نفسها التي استهوت تلاميذه وقراءه منذ بداياته المبكرة ، وجعلته نجماً في الساحة الثقافية الليبية ، حيث كانت كتاباته الأنيقة واللاذعة في الوقت نفسه، بقدر ما تشبع عقلاً ملجماً بالمشاعر ، تدغدغ مشاعرَ محفوفة بالعقل ، فكان النيهوم النموذج الأكثر وضوحاً لما يسميه "داريوش شايغان" حقل الهجانة الفكرية، أو التصفيح في بنية الفكر ، الذي يبرز واضحاً في ـ ما بعد ـ عبر عمله الدؤوب على تسويغ المقولات الدينية في بنية العقل العلمي أو العكس ، عبر اجتراحه للمبررات الوظيفية للضوابط الدينية ؛ كأن يجعل من الوضوء جدولاً للنظافة ، والصلاة مسلكاً رياضياً ، والصيام ريجيماً صحياً ، والشورى مشروعاً ديمقراطياً ، والجامع المسروق مؤسسة برلمانية.

وبالتالي كانت المرجعية الدينية هي حقل المشاعر الذي روض به النيهوم شطحاته الفكرية ، وهي معادلة صعبة تورطت فيها على مدى التاريخ أطروحات الفكر الملفق وأنظمة الإصلاح السياسية التي داهنت بمشاريعها النهضوية وجدان العامة ، ثم سرعان ما تحولت إلى شموليات تطارد ذلك الوجدان المخدوع بهراوتها في الشوارع . أو كما يقول أنسي الحاج في خواتمه: "بإمكان كاتب واحد ، بما له من ثقل معنوي أن يقمع مجتمعه أكثر مما يفعل طاغية " لأنه ثمة شعرة بين الفكر والطغيان تنقطع بمجرد أن يبنى الفكر على يقين صارم لا يراوده شك ، فكر ينهض بقلاعه العصية عن النقد أو الحوار أو التجاوز ، وهي طبيعة الفكر التي تستهوي السياسي الحائر ، والتي غالباً ما يتم الهبوط بها اضطرارياً على أرض مفخخة ، حيث يجد المفكر نفسه وقد تحول إلى مشروع نظري لدوافع السلطة، مشروع مدجج بالحكمة تشكل في تلك المسافة الشاسعة بين اليوتوبيا والواقع التاريخي ، بين المثالية المطلقة والإنسانية المخلوقة من ضلع أعوج .

إن النيهوم الذي لا تخونه البراعة في رصد مفاصل الأزمات ، والذي لا يفتأ يشير بإصبع الاتهام إلى مواطن الخلل في بنية العقل الشعبي ( كنقده الموضوعي للتعليم الإلزامي وهيمنة الفقهاء على ذهن الطفل المسحور ـ ونقده التاريخي للأحاديث التي جاءت بعد القرآن ـ وللدعوة إلى تطبيق الشريعة في مجتمع غير شرعي ـ أو لإشهار النص المقدس في مواجهة مسيرة العلم التجريبي ـ وللتحريف الرسمي في معنى كلمة "علم" لتشمل رجل الدين الذي يطلق عليه عالماً ـ أو لاعتبار الرأي الفقهي نظرية علمية ) سيطرح بعد ذلك حلوله الإجرائية التي لا ترقى إلى مستوى الأسئلة ، والتي تبدو دون مستوى التحليل النظري ، ومتناقضة مع آليات نقده للأزمة ، فيحلل هذه الإشكاليات المعقدة والمركبة التي تعاني منها المجتمعات الإسلامية ، ليصل إلى حل أقرب إلى السحر ؛ وهو إن الخلاص من كل تلك الأزمات التاريخية مرهون بتسييس يوم الجمعة ، محيلاً أزمة عطالة هذه الأمة إلى يوم عطلتها ، وهي وصفة أقرب إلى الشعوذة التي طالما ازدراها، وإلى ربط الدولة بالدين الذي طالما اعتبره سبب تأخرنا ، وإلى النوسالجيا الفكرية التي انتقدها كمرض جماعي تعاني منه الأمة .

النيهوم الذي يرى (عمر بن الخطاب يضحك في قبره ممن يعتقدون أن الحل في العودة إلى عصر بن الخطاب) لا يتردد في أن يعتبر بيقين لا يراوده الشك : ان الحل النهائي في العودة إلى الجامع يوم الجمعة كخيار يمقراطي وحيد يرضي المشاعر والعقول، قائلاً : (ليستعيد هذا اليوم المبارك هويته السياسية الضائعة).

هو المنحاز إلى طاقة العقل وسحر العصر يلوذ ببركة يوم الجمعة لكي يحل كل مشاكل الأمة العالقة ، وهو القادح بحماس في مفهوم القومية ، والمعتنق لمفردة "الأمة" القرآنية كبديل لمفردة "الشعب" التوراتية، يربط تسييس الجمعة بنهضة العرب "شعبه المختار" قائلاً بيقين جازم ( إذ ذاك فقط .. سيسمع أعداء العرب هدير الزلزال القادم من قلب الأرض .. إذ ذاك فقط ) قافلاً باب أي اجتهاد آخر لتشخيص أسباب الأزمة ،دارجاً في أسلوبه المتهكم سياقاته التوكيدية الجازمة، وهو إذ يقول في مقابلة صحيفة الأسبوع الثقافي عن تعامله مع اللغة العربية ، بأنه نزع عنها كل تأكيد ، سيطرح مشروعاً كاملاً للديمقراطية بلغة غير ديمقراطية ، ويحاول إنجاز أطروحة للشك في عديد المسلمات بلغة تمتلئ بحروف وأدوات التوكيد .

يحذر النيهوم من خطورة الاتجاه إلى التجربة الديمقراطية الغربية ، ناقداً بتحليله الحاذق ـ مرفوقاً بإحصائيات لا يشير كعادته إلى مصدرها ـ تجربة الديمقراطية في دول أمريكا اللاتينية ، كنموذج فاشل لاستعارة نظام ديمقراطي لا يصح إلا لأوروبا ، لكنه لا يقترح أي حل لهذه البلدان التي لا تملك في تاريخها يوم جمعة مبارك .

فهل كان النيهوم مشروع أسئلة فقط ؟ أم انه طفرة فكرية في مجتمع عانى إبان تلك المرحلة من عديد الطفرات الاقتصادية والسياسية ؟ أم هو نموذج مدون للتشويش الذي يسم أداءنا الثقافي والفني بوجه عام ؟ أم انه كان ضحية سوء فهم محيط مازال يرتع في حقل معرفي تجاوزه ؟

وهل تحولت الظاهرة النيهومية في ثقافتنا إلى مجرد ملعب لغوي ومحاكاة أسلوبية بعيداً عن تجذير أسئلته التي مازالت طازجة ؟

أم أنه بمعزل عن هذه الأسئلة يشكل امتداداً طبيعياً لهيمنة اللغة بكل تراثها اللعبي على عقل أمة تعتبر حضارتها حضارة نص قبل كل شيء .. أمة بقدر ما يتعزز فيها الوعي الفردي يتراجع عقلها الجماعي ، في غياب الديمقراطية ،عن إنجاز تراكمه المعرفي وقابليته للحوار العلمي المنتج للمعرفة والتقدم ، وهو يقول في هذا الصدد : (إن الأمة التي تفقد عقلها الجماعي لا تملك فكراً بل لغة فقط) .

لقد قدم النيهوم تجربته في التفكر والتأمل ، متكئا على بروزه في مجتمع ما قبل حداثي ، يتأسس بعيداً مشاريع المنطقة التنويرية ، ولم تتكرس فيه بعد مؤسسات السلطات المختلفة ، وبصدد ترتيب هويته المشوشة مع حصيلة تراثية خام وواقع اجتماعي بكر .. وفي الثقافة والإبداع سيل من النثر الركيك المهادن للتقاليد المجامل للبنى الاجتماعية .. فاستدرك بحذاقة هذه المعطيات ليغزوها بنقده الحارق المشحون بحس تهكمي عال، وبرطانة فكر يهدم كل ما يطاله، ليشيد قلاعه المتطاولة فوق خرائب التاريخ . مدرجاًً خطابه الورع في بؤر التقاطع بين لحظته الشعرية ومبنى القيم الإنسانية. مستغرقاً بعاطفة جياشة في سرديات التراث الروحي قارئا ومؤولا وناقداً جريئاً .. يتشنج لفكرته المسبقة وينتقي من ذرائع الماضي ما يرفدها .. يغوص بأسئلته الذكية في أزمات الراهن ويقدم أجوبته الشافية من الماضي ، مخلصاً إلى حد كبير لتجربته الخاصة في التعلم والتفكير بصوت عال ، منتظراً ـ كما يقول في إحدى مقالاته المنشورة بجريدة الحقيقة (أن أجد لديكم استعداداً للمضي للخطوة التالية .. ولعل بينكم الآن من يستطيع أن يكون أكثر إيجابية مني ، وعلى أية حال : أرجو أن لا ينسى أحد أن ما أقوله يعني بكل إخلاص ثلاث كلمات فقط "هذه تجربتي أنا").إنتهى


______________________________

الفنان كمال أبوزيد فى حديث الصراحة لـ »أويـا‮«‬

 

لست عامل طلاء‮.. ‬والفوتوغراف‮‬ ‮ ‬أقرب طريق للتعبير

‮> ‬اشتغلت فى التمثيل والسينوغرافيا والنحت‮.. ‬والتصوير أتاح لي‮ ‬حركة أكبر

‮> ‬فى بلادنا هناك امكانية خلق فن حقيقي‮ ‬يعنى بكل معايير الصورة والتعبير‮ »‬الفوتوغرافي‮«‬

‮> ‬لدينا رغبة قوية وملحة لإقامة مهرجان دولي‮ »‬للفوتوغراف‮« ‬فى ليبيا


حاوره‮ / ‬محمد فياض


كتب في‮ ‬سيرته الذاتية‮ " ‬أنا هو الذي‮ ‬إن كنت لا تعرفه فحفرت باظافري‮ ‬كي‮ ‬أكون أنا هو‮ .." ‬بجنونه الجميل في‮ ‬حديقة فنه‮ ‬يفترش القلوب‮ ‬،‮ ‬يأبى دائما ان‮ ‬يقدم في‮ ‬سيرته الفنية مشاركاته المحلية والدولية اعترافا منه بأن الفن رسالة لا تقاس بعدد المشاركات إنما بالبصمة الحقيقية للفنان‮.‬

مكتبته التي‮ ‬تعج بالكتب و بجهاز حاسوبه الملون بالألوف من صوره التي‮ ‬التقطتها عدسة كاميرته من خلال تجواله اللامنقطع في‮ ‬رحاب ليبيا و العالم‮ .. ‬عالمه المؤثث بالحب و الضوء و بابتسامة ناعمة لاتفارق عينيه‮ .. ‬هذه بعض من عوالمه التي‮ ‬يستفزنا فضول ما لاقتحامها بصمت‮ ..‬

وكما‮ ‬يقولون‮ " ‬إن الصورة ذاكرة‮ .." ‬فللفنان كمال ابوزيد عالم‮ ‬يخصه من ذاكرة الضوء المندسّة في‮ ‬قلبه المتسرب من عينيه الى لوحات فوتوغرافية تنقش ذاكرة وطن اسمه ليبيا‮ .‬

التقته أويا عقب رجوعه لأرض الوطن من مشاركته في‮ ‬مهرجان وجدة بالمغرب صحبة رفيقيه الفنانين مرعي‮ ‬التليسي‮ ‬و جميلة الفيتوري‮ .. ‬وكان لنا معه هذا الحوار اللطيف والدافئ‮ .‬



كيف أستطعت أن تكون فنانا فوتوغرافيا ؟

انا لا استطيع أن أقول إني‮ ‬فنان ولكن أستطيع أن اقول بأني‮ ‬من متعاطي‮ ‬التعبير بالادوات ذاتها التي‮ ‬تستعمل في‮ ‬قصيدة الفن‮ ‬،‮ ‬فهذا الإحساس عادة‮ ‬يأتي‮ ‬بعد مخاض من التجارب في‮ ‬أي‮ ‬مجال من مجالات‮ ‬الابداع‮ ‬،‮ ‬حينها تتبلور الفكرة و تتضح‮ ‬ليستطيع من خلالها الفنان أن‮ ‬يعبّرعن ذاته‮ . ‬فبالنسبة لي‮ ‬الفونوغراف والفن عموما هو الطريق الأقرب وجدانيا الآن للتعبير،‮ ‬فمن الممكن‮ ‬غدا أن نلجا للتعبير بادوات اخرى تكون معبرة اكثر عن الموضوع الذي‮ ‬نشتغل في‮ ‬إطاره‮.

بين الصورة السياحية والصحفية وغيرها من التصنيفات الفوتوغرافية نجد بصمة لكمال أبوزيد مع أننا‮ ....‬؟‮ ‬

‮" ‬وقبل أن أكمل اندفع مقاطعا سؤالي‮ ‬بقوله‮ " ... !‬

لا اعرف من الذي‮ ‬وضع هذه التصنيفات‮ ‬في‮ ‬أن‮ ‬يكون المصور سياحيا أو صحفيا أو فنيا‮ .. " ‬فهي‮ ‬في‮ ‬عمومها أدوات وانا لست عامل طلاء إنما لدي‮ ‬إحساس مرتبط بأداة ارسم بها كلمتي‮ ‬والصورة هي‮ ‬المفردة التي‮ ‬تمكنت من أن أعبر بها سواء بلغة الفن والتجريد أو بلغة التوثيق فطبيعة الموضوع هي‮ ‬التي‮ ‬تفرض سمة العمل وتحدد نوعية الأداة‮.‬


‮ ‬اضافة الى جودة الصورة التي‮ ‬تخضع لمعايير تقنية ولكن‮ ‬يظل الموضوع هو الأهم لدى المصور‮ .‬

طيب‮ .. ‬متى أعلن كمال عن نفسه فنانا مصورا للفوتوغراف وهل أنت ضد الكاميرا التقليدية كما قلت ذات مرة ؟

أنا لم أعلن إني‮ ‬فنان مصور قط‮ ‬،‮ ‬ولكني‮ ‬فنان‮ ‬،‮ ‬فقد اشتغلت في‮ ‬التمثيل والسينوغرافيا و النحت وأسست دارا للفنون والابتكارات فعلاقتي‮ ‬بالفن توأمة أو شئ‮ ‬يسكنني‮ ‬،‮ ‬أما علاقتي‮ ‬بالتصوير فقد بدأت من ثمانينات القرن الماضي‮ ‬والتعاطي‮ ‬مع الكاميرا كأداة تعبيرية‮ ‬كان مؤخرا بعد توقفي‮ ‬عن المناشط الأخرى كالرسم والنحت وغيرها ورجعت للتصوير لأنه أتاح لي‮ ‬حركة أكبر ونحن لا نعشق التأطير،‮ ‬فأنت ملِك للصورة بما تملك من فلسفة وأسلوب قد‮ ‬يجعلك متميزا وقد استفدنا بصراحة من التقنية الحديثة في‮ ‬توضيب الصورة وطباعتها،‮ ‬فأنا لست ضد أو مع‮ ‬،‮ ‬فهذه التكنولوجيا تيار قادم عليك أن تتبعه أو‮ ‬يجرفك و تنتهي‮ ‬في‮ ‬مكانك‮ ‬،‮ ‬فكل من‮ ‬يقف في‮ ‬مكانه‮ ‬يبحث عن نهايته في‮ ‬هذا المجال الغني‮ ‬بالتنوع و التجديد‮ ‬،‮ ‬فهذه التقنية توفر لك الوقت في‮ ‬إيصال فكرتك دون عناء فعبّر كما تشاء ولكن الأفضل‮ ‬يبقى هو الأفضل‮..!‬

فلديك رؤية لما حولك تريد ان توصلها للمتلقي‮ ‬وفي‮ ‬النهاية هو الذي‮ ‬يحكم‮ ‬،‮ ‬ولجهل الكثيرين‮ ‬يعتقدون بأن الديجيتل أو الكاميرا الرقمية بأنها مجرد ضغطة زر و‮ ‬ينتهي‮ ‬كل شئ‮ ..‬

‮ ‬لا‮ !‬،‮ ‬هذا رأي‮ ‬غير صحيح بل هو مغلوط‮ .‬


امتدادا لتجربتك قدمت نفسك وكونت مجموعة فنية مع الفنانين مرعي‮ ‬التليسي‮ ‬و جميلة الفيتوري‮ ‬أطلقتم عليها‮ " ‬فتون‮ ".. ‬فهل ثمة فرق ؟

انا اصلا لم اطرح نفسي‮ ‬فالصورة هي‮ ‬التي‮ ‬قدمتني‮ ‬أو فرضتني‮ ‬في‮ ‬الساحة الفنية‮ ‬،‮ ‬فانا إنسان أريد أن أعبر عما أريد‮ . ‬ومرعي‮ ‬التليسي‮ ‬و جميلة الفيتوري‮ ‬انسانان وفنانان حقيقيان جمعنا حب ليبيا الصادق النقي‮ ‬جمعتنا الصورة الحقيقية والصدق في‮ ‬التعبير و جمعتنا الروح الانسانية و العلاقة‮ (‬اللامصلحية‮) ‬،‮ ‬هذا ماجمعني‮ ‬بهما فلم‮ ‬يربطني‮ ‬بهما اي‮ ‬رابط هش فنحن الثلاثة شكلنا مثلثا إبداعيا في‮ " ‬مجموعة فتون‮ " ‬وهذا الفتون هو الجزيئ البسيط الذي‮ ‬ينقل الضوء بين الجزيئات وهو الذي‮ ‬سنبرز من خلاله ليبيا للاخر،‮ ‬ليبيا الجميلة الصادقة والجميلة التي‮ ‬لا تحتاج الى مغاير بل تحتاج إلى صدق في‮ ‬الطرح و للمحبة دون اللجوء للمواربة والاختلاس ونحن على فكرة وفي‮ ‬سنة واحدة‮ ‬تجولنا في‮ ‬ليبيا بالكامل وعلى نفقتنا الخاصة و استطعنا ان نجمع كمّاً‮ ‬هائلا من الصور لزوايا و قواعد تصويرية رائعة جدا وهذا بشهادة الاخرين حتى إن احدى الشركات الاجنبية ارادت ان تكون راعية لنا لطباعة كتاب عن ليبيا ونحن رفضنا ضمنيا والسبب اننا لم نستطع ان نترك الاخر‮ ‬يتبرع هذا الجميل على وطننا‮ !!‬


ماذا‮ ‬يعني‮ ‬الوطن للفنان‮ .. ‬و تحديدا لكمال ابوزيد ؟

الوطن معتدى عليه الآن‮ ‬يا عزيزي‮ .. ‬فبالتجهيل الان والذي‮ ‬يحدث لليبيا بابعادها عن الساحة المعرفية والثقافية والفنية لدى الآخر‮ ‬،‮ ‬فعندما‮ ‬يقول احدهم لنا‮ " ‬أنا لم اسمع بليبيا‮ .. " ! ‬فكيف بدولة مثل ليبيا بدأت حضارتها من‮ ‬12 الف سنة قبل الميلاد وأمتدت من عظمة اثار جرمة واكاكوس الى عظمة النهر العظيم فهذا العلم لم‮ ‬يأت عبطا،‮ ‬انما بجهد أناس صادقين‮ ‬،‮ ‬وهذا الذي‮ ‬اوصل فنان مثل مرعي‮ ‬التليسي‮ ‬وما قدمه فمثلا عندما‮ ‬يبيع مرعي‮ ‬في‮ ‬لوحاته فهي‮ ‬ليست اقل ثمنا من اي‮ ‬لوحة لأي‮ ‬لفنان عالمي‮ ‬آخر وهذه حقيقة‮ .. ‬وإن كانت مربحة بالنسبة للفنان مرعي‮ ‬ظاهريا وإنا رأيت و تاملت مرعي‮ ‬في‮ ‬لحظة بيعه لاحدى لوحاته وهي‮ " ‬طرابلس‮ " ‬وهي‮ ‬تلك اللوحة الساحرة‮ .. ‬يتألم لانها سترحل إلى فرنسا‮ ‬،‮ ‬فمعنى هذا انها لن تكون في‮ ‬ليبيا ولو ان ليبيا فكرت في‮ ‬أن تشتغل على إنشاء معرض او تجمع لوحات لفنانين تشكيليين في‮ ‬متحف ثقافي‮ ‬فإنها ستدفع اضعافا مضاعفة ثمنا لهذه اللوحة‮ .. ‬

فـ‮ " ‬مرعي‮ ‬التليسي‮ " ‬مثلا استطاع ان‮ ‬يشكل ذاكرة فنية حقيقية لليبيا الا اننا لم نلاق احتراما أو تقديراً‮ ‬هنا في‮ ‬ليبيا‮ ‬،‮ ‬فنحن وبكل أسف لا نتذكر الفنان الا حين مماته أو رحيله تماما كما حصل مع الكثيرين الآن أو كما حصل مثلا في‮ ‬تدمير اكاكوس وهذا كله‮ ‬يعكس ضعف اهتمامنا بالثقافة و ابتعادنا عنها وعدم احساسنا الحقيقي‮ ‬والصريح بها،‮ ‬وهو عدم وعي‮ ‬بقيمة العمل الفني‮ ‬و الثقافي‮ ‬كسلاح لحماية الوطن أو تقديم الوطن وتقدمه للافضل وهذا أحد أسباب وصول‮ (‬ناس)معينين لمناصب وهم‮ ‬غير معنيين بها كالثقافة مثلا أو أي‮ ‬ملمح آخر في‮ ‬ليبيا له علاقة وارتباط بالفن والثقافة‮ .‬


أخيرا كانت لك مشاركة قبل ايام في‮ ‬مهرجان وجدة للفوتوغراف وسبقها مشاركة في‮ ‬تونس بداية هذا العام ؟

أجل‮ ‬،‮ ‬في‮ ‬مهرجاني‮ (‬غار الملح‮) ‬بتونس ووجدة بالمغرب‮ .. ‬فالأول هو الذي‮ ‬فتح لنا الابواب للدخول إلى الثاني‮ ‬و عرّفنا بشكل أولي‮ ‬وعرف أن هناك فنانين في‮ ‬ليبيا ممكن أن‮ ‬يقدموا فناً‮ ‬وطبعا لا أهمّش مشاركات الفنانين الاخرين من ليبيا ولكن لم‮ ‬يسمع بهم احد في‮ ‬الخارج ولم تحتسب انها مشاركة ليبية انما مجرد مشاركة فردية في‮ ‬دولة عربية او اوروبية و فقط‮ .‬

ففي‮ ‬ليبيا هناك امكانية خلق فن حقيقي‮ ‬فن‮ ‬يعنى بكل معايير الصورة و التعبير الفني‮ ‬الفوتوغرافي‮ ‬والموضوع الذي‮ ‬تتناوله الصورة‮ ‬يجب ان‮ ‬يكون مدروسا ليتم طرحه بشكل عال وراق‮.‬

ومن حيث التنظيم في‮ ‬معارضنا فهي‮ ‬افضل بكثير من الآخرين الإ أن الزخم الموجود في‮ ‬المعارض الدولية وقدرتهم على الاتصال بالاخر ومرونة الدخول والحركة هي‮ ‬التي‮ ‬جعلت مهرجاناتهم اكثر وضوحا و معرفة عند الاخر‮ ‬،‮ ‬وطبعا هذه تحكمها عدة ظروف منها تهميش او تغييب ليبيا فنيا وثقافيا اضف الى ذلك الحصار الجائر هذا كله كان سببا في‮ ‬التأثير السلبي‮ ‬على طرحنا كفنانين او كمثقفين‮ .‬


هل ثمة مقاييس للصورة المشارك بها في‮ ‬اي‮ ‬مهرجان ؟

اللوحة‮ ‬يجب أن تكون ذات تقنية عالية وذات موضوع له الصلة الوثيقة بليبيا أو‮ ‬يهدف لتقديم ليبيا للخارج و القدرة على الاستفادة من كل ما وفرته القدرات و التقنيات للتصوير و تسجيل المادة الفنية الحقيقية والتي‮ ‬نستطيع من خلالها ويمكننا المشاركة بها وبثقة بمعنى ان تكون صورة ليبية وهذا ما حاولنا أو ما قدمناه بالضبط سواء في‮ ‬معرض‮ ‬غار الملح أو وجدة والذي‮ ‬ترك أثرا لدى الناس المشاركة والحاضرة هناك،‮ ‬وكان الاحتفاء كبيرا ولكن ثمة مفارقة فاول ما وصلنا كان هناك شبه تهميش لنا لولا الضيافة العربية فهي‮ ‬التي‮ ‬جعلتهم‮ ‬يتعاملون معنا وهذا مبرّر لأنهم لا‮ ‬يعرفوننا‮ ‬،‮ ‬ولكن في‮ ‬لحظة تواصلنا وجدنا المشارك قبل المنظم‮ ‬يرحب بنا ويحتفي‮ ‬بنا وبشكل لائق وجيد‮ ‬،‮ ‬وشارك في‮ ‬المهرجان مائة وخمسون مشاركا دوليا حضر منهم سبعون عضوا فقط ووزعت جوائز للهواة وكشهائد مشاركة كانت لكل الناس والليبيون وحدهم هناك من خلقوا التوأمة بين الشعر والصورة وكانوا سفراء الإبداع لليبيا لشواهد وشخوص رائعة في‮ ‬ليبيا‮ .‬

فالصورة هي‮ ‬التي‮ ‬خلقت هذه الروح بيننا سواء من خلال مواقع الانترنت كاصدقاء الضوء أو مواقع أخرى و شاهدوا صورنا و كانت الدعوة منهم الا اننا لا نعرفهم و قد شهدنا في‮ ‬المغرب بالذات احتفاء بوجود ليبيا في‮ ‬هذا التجمع الدولي‮ ‬و رغبتهم القوية في‮ ‬أن‮ ‬يكون هناك عمل مغاربي‮ ‬يخلق التكامل الذي‮ ‬كنا منذ سنوات نطمح اليه‮ .. ‬يقولون في‮ ‬الاروقة انه ان لم‮ ‬يفعّل اتفاق وجدة فقد عملنا على ذلك من خلال هذا التكافل الفني‮ ‬الثقافي‮ ‬الابداعي‮ ‬،‮ ‬وقد طرحنا على الإخوة المغاربة والعرب هناك فكرة لخلق او صناعة‮ " ‬الشبكة العربية للفوتوغراف‮ " ‬وهي‮ ‬شبكة للتواصل الفوتوغرافي‮ ‬وخلق تكامل معرفي‮ ‬بين كل الاخوة العرب‮ .‬


إذا طلبت منك المقارنة بين المهرجانات المحلية للصورة الضوئية والمهرجانات الدولية‮ ..‬فماذا تقول ؟

نعم‮ .. ‬إذا طلبت مني‮ ‬التقييم و تحديدا مهرجان وجدة الذي‮ ‬كان تحت شعار‮ " ‬الصورة بين المعلومة و الإثارة‮ " ‬في‮ ‬دورته الأولى بالمعيار الذي‮ ‬نعرفه عن مهرجاناتنا أي‮ ‬بمعنى الاخطاء او الهفوات التي‮ ‬وقع منظموا مهرجان وجدة و بعضهم من‮ ‬يقول إنها الدورة‮ " ‬الصفر‮ " ‬فانا لا املك الا أن امنحه الرقم الخامس أو الدورة الخامسة للمهرجان و اشعر بان ما وقع فيه من اخطاء تقع حتى في‮ ‬المهرجانات المحلية أو أي‮ ‬مهرجان عربي‮ .‬

الآن أنت رئيس اللجنة الدائمة لمهرجان الخريف السياحي‮ ‬الدولي‮ ‬بهون‮ .. ‬وأعرف أنك ستحدث تغييرا في‮ ‬مساراته‮ ‬وخاصة الفنية على الأقل بداية من الدورة القادمة‮ .. ‬هل هذا صحيح ؟

مهرجان الخريف الذي‮ ‬اشغل الآن فيه رئيسا للجنة الأهلية‮ ‬بامكاننا استهداف استضافة عدد من الفنانين العرب من خلال ذاك التجمع الفني‮ ‬في‮ ‬مهرجاني‮ ‬غار الملح ووجدة للفوتوغراف ونحن لدينا رغبة قوية وملحة لإقامة مهرجان دولي‮ ‬للفوتوغراف في‮ ‬ليبيا ولا بأس ان‮ ‬يكون مكانه في‮ ‬مدينة هون كتفريعة عن مهرجان الخريف السياحي‮ ‬الدولي‮ .‬

ولكن كما نعرف أن مشروع المرافق المتكاملة لم‮ ‬يكتمل بعد وهذا شكل حاجزا‮ " ‬سياحيا‮ " ‬بالدرجة الأولى للاستضافة وهو الذي‮ ‬حال دون اقامتنا لهذا المهرجان و في‮ ‬سؤال طريف عند عودتي‮ ‬لليبيا لأحد الأصدقاء كان‮ " ‬قطرنوا الطريق‮ ‬؟‮ " ‬بالفعل كل شئ تقريبا جاهز للمهرجان ولكن كما اسلفت لا‮ ‬يمكننا اقامته في‮ ‬ظل هذه الظروف‮ " ‬البيئية المؤسفة‮ " ‬وغير لائق أن‮ ‬يكونوا هنا و المدينة في‮ ‬وضعها المرتبك حاليا من طريق مدمرة‮ ‬نظرا لعدم استكمال برنامج المرافق المتكاملة الميت أصلا‮ .‬

ونحن أقمنا دعوة لكل الشركات والتشاركيات والمكاتب السياحية بليبيا وكل من لديه الرغبة في‮ ‬رعاية المهرجان باوجهه وليكون الراعي‮ ‬المطلق له و الراعي‮ ‬الذهبي‮ ‬و الراعي‮ ‬الفضي‮ ‬والذين ستكون لهم ميزات خاصة في‮ ‬المهرجان وسيتم الاعلان عنها من خلال موقع المهرجان الذي‮ ‬انطلق في‮ ‬شهر الطير‮ " ‬ابريل‮ " ‬الماضي‮ ‬والذي‮ ‬سينطلق في‮ ‬اول شهر اكتوبر القادم باذن الله محاولة لوضع الحجر الرابع عشر للمهرجان الذي‮ ‬حقق نجاحا كبيرا في‮ ‬المحافظة على الموروث و التراث و المدينة القديمة وعلى اللُحمة والعادات و الان نطمح في‮ ‬طرح المهرجان لاآخرالا ان الإمكانيات الآن‮ ‬غير متوفرة ونحن في‮ ‬محاولات جادة لتوفير الرعاية والدعم المادي‮ ‬للمهرجان في‮ ‬خلق مساحة لنشر الابداعات الموجودة في‮ ‬ليبيا الرائعة‮ .‬


علمت أنك بصدد إصدار كتاب‮ ‬يضم عددا من أعمالك الضوئية‮ .. ‬؟

كانت هناك خطوة مثابرة ولكننا دائما نفتقد إلى الشخصية في‮ ‬الوسط الفني‮ ‬الليبي‮ ‬المتمثلة في‮ ‬من سيستفيد من الأعمال الفنية للفنان الليبي‮ ‬وهذا ما نفتقده‮ ‬،‮ ‬ففي‮ ‬كل الدول الأخرى هناك مدير أعمال‮ ‬يسوق منتجات الفنان وأنا كفنان أحبذ أن اهتم بفني‮ ‬فقط فلا أستطيع أن اشتغل بالفن و أكون في‮ ‬الجهة المقابلة مهتما بالبيت و بالتجارة و بشؤوني‮ ‬الحياتية الأخرى‮ .. ‬إنما أنا على استعداد وفي‮ ‬منتهى المرونة أن أتعامل مع الآخر لتسويق أعمالي‮ ‬وفي‮ ‬من اثق به بما‮ ‬يحقق العدالة والاستفادة لكل الأطراف‮ .‬


إلى ماذا‮ ‬يطمح الفنان كمال ابوزيد ؟

يطمح أن‮ ‬يرى وطنه ليبيا ثمرة رائعة‮ ‬يقدمها لابنائه فأنا أتمنى عندما‮ ‬يصل اطفالي‮ ‬في‮ ‬المستقبل الى درجة الفخر الكبير بأبيهم كمال ابوزيد‮ ‬،‮ ‬يعني‮ ‬هي‮ ‬حالة رائعة و جميلة و فخمة عندما‮ ‬يقدم ابني‮ ‬نديم مثلا جواز سفره في‮ ‬المطار ليقف الآخرون بكل تقدير واحترام له لأنه ابن كمال ابوزيد‮ .. ‬وبصراحة تجرحني‮ ‬دائما أقول‮ .. ‬أنه عندما نصل المطارات كليبيين نلاحظ الاستخفاف بنا لأننا ليبيون‮ .. ‬ودائما اطرح هذا السؤال‮ .. ‬لماذا ؟ وربما عندما‮ ‬يعرف أحدهم بإني‮ ‬فنان نشعر بخفة تلك الحدة في‮ ‬المعاملة‮ .. ‬ولكننا نحتاج أن نتعلم أكثر وأن نجيد اللغات أكثر وإلى دور أكبر من مكاتبنا الشعبية وإلى دور أكبر من الناس المعنية بالثقافة في‮ ‬الداخل أو الخارج ونحن نعوّل على الإخوة في‮ ‬المؤسسة العامة للثقافة خاصة في‮ ‬مساعدتهم لنا في‮ ‬مشاركتنا في‮ ‬المهرجانات وإلى حد ما نشعر بأن الثقافة في‮ ‬أيد امينة و تسعى إلى أن تضع الخطوط الواضحة لمسار الثقافة الليبية التي‮ ‬تعرف قيمة الوطن دون مواربة‮ .. ‬

أخيراً‮ ‬اقول بأن المسؤولين في‮ ‬ليبيا دائما ما‮ ‬يشككون في‮ ‬قدرات الليبيين وفي‮ ‬ولائهم وهذا لا‮ ‬يجوز فنحن أبناء هذا الوطن بكل المقاييس و المحبين له‮ .‬

ولكن وبكل صراحة أقول إني‮ ‬أشكر القدر الذي‮ ‬اتاح لي‮ ‬بأن‮ ‬يقدم السيد أمين المؤسسة العامة للثقافة‮ " ‬السيد نوري‮ ‬الحميدي‮ " ‬اسمي‮ ‬ضمن المشاركين باسم ليبيا في‮ ‬مهرجان وجدة الدولي‮ ‬للفوتوغراف فمن خلالكم في‮ ‬صحيفة أويا أحييه وأقدم له شكري‮ ‬الجزيل‮ .. ‬

أخيراً‮ ‬وليس آخرا‮ .... ‬

يسعدني‮ ‬أني‮ ‬كنت هنا في‮ ‬أويا‮ .. ‬هذه الصحيفة أو المسار الصحفي‮ ‬الملتزم الذي‮ ‬يحتفي‮ ‬بالفنان الليبي‮ ‬ويقدر قيمته الحقيقية‮ .. ‬شكراً‮ ‬لكم جميعاً‮ .‬

______________________________


 

هل لنا أن نحلم بغير هذا ؟!

بشير زعبية


جاءت الأحداث الدامية التي شهدنها كنيسة (النجاة) في بغداد لتعيد الأسئلة التي طرحتها أكثر من مرّة :أيّ بطولة ؟؟ أية مشاعر، أية مبررات ؟! تلك التي تدفع انسانا لأن يحوّل نفسه الى قنبلة ثم ينسل بين صفوف جماعة من البشر، 

فينسف نفسه وينسف الجميع، وفي لحظة واحدة تتطاير الرؤوس والأطراف ويتفجر الدم و تتناثر الجثث ليكتمل مشهدا دمويا يتكرر هذه الأيام من العراق الى الصومال الى باكستان و أفغانستان، لا حرمة للمكان فقد رأينا المسجد والكنيسة مسرحا لهذا النوع من القتل، ولا حرمة للزمان فقد رأينا مرارا نحن القتل نفسه يحدث في شهر رمضان الكريم، هزتني كما هزت غيري الجريمة البشعة التي استهدفت قبل مدة مركز تطوع للجيش العراقي في العاصمة العراقية بغداد وأودت بحياة ستين شخصا واصابة ضعفهم من المواطنين الأبرياء العزل ثم هذا القتل الجماعي الذي حول باة كنيسة النجاة في بغداد الى ساحة للدم .. تهزني هذه الجرائم التي لا يمكن تصنيفها خارج كونها عملا ارهابيا يتسم بالجبن والغدر والنذالة وترفضه كل الأديان والاعراف الانسانية والقيم الحضارية مهما كانت، تهزتني هذه الجرائم كما هزتني قبلها جرائم التفجير والقتل الجماعي التي شهدتها الجزائر وقبلها المغرب ومن يدري القادم أين وضد من ؟!، (و قبل أن يزايد علّي أحد أقول أيضا تهزّني وربما تدمرني كل يوم الجرائم اللاانسانية التي يرتكبها الاحتلال الاسرائيلي في حق أبناء شعبنا الفلسطيني ولا حول لي هنا كما لا حول للكثيرين منكم سوى العجز وتراكم الحقد على العدو)، أي استخفاف بالروح وأي استخفاف بالقيم وأي استخفاف بالانسان عموما، كيف يفكر هؤلاء القتلة ومن يقف وراءهم ويدفعهم الى المزيد من القتل، اية قضية يمكن أن يدافع عنها أصحابها بمثل هذا الأسلوب الهمجي وكيف يمكن اقناع أي انسان متحظر بشرعيتها ؟؟ بئس القضية هذه التي يطلق أصحابها الرصاص والقنابل على الزحام، وينتهجون القتل من أجل القتل مبدأ !

كيف يمكن تبرير مثل هذه المجازر؟! وأي عاقل سويّ يمكن أن يتعاطف مع فاعليها؟! وكيف يمكن أن نلوم الآخر على اتهامنا وربط سلوكنا ومعتقداتنا بالارهاب ونحن نقدم اليه كل يوم ما يكفي من الحجج والقرائن ما يعزز اتهامه هذا ؟!

لا حاجة لي ولا وقت لديّ أيضا ليجادلني أحد حول شرعية المقاومة ضد المحتل وحق الناس في الكفاح من أجل الحرية، نعم لمقاومة الاحتلال، لا للقتل من أجل القتل، هذا مبدأ مجمع عليه من قبل جميع الأسوياء، ولا أعتقد كما أسلفت أن ثمة عاقلا قد يجرؤ على المقاربة بين مقاومة المحتل وما نراه يحدث في أسواق وكنائس العراق ومساجد باكستان و شوارع الصومال على سبيل المثال ..

تراودتني دائما حفنة من الأمنيات الجميلة بعالم أفضل تنتفي فيه الأحقاد والعقد والتمييز ويتراجع فيه الصدام ليفسح الطريق نحو التلاقي والحوار ولتتهيأ أمام الجميع فرص العيش بسلام على هذه الأرض، وكأني بالشرّ في كل مرّة يطل مخرجا لي لسانه مستهزئا بأمنياتي شامتا كأنه يؤكد : (ليس في الامكان أفضل مما كان) .

ومع ذلك هل لنا غير أن نظل نحلم بمستقبل أفضل ولو أقل شرا وحقدا ودموية !


__________________________________________

رضوان الكوني كما عرفته


بقلم: أبوزيان السعدي

 


كنّا جماعة وقد انتظم بنا المجلس في إحدى مقاهي العاصمة، نخوض في أحاديث كثيرة حول موضوعات ذات صلة بالأدب والثقافة، في بلادنا وفي غيرها من أرض الله الواسعة، وذات صلة على نحو خاص، بالمكتبات الخاصة وأهمية العناية بها لحفظها من الضياع بعد أن يغيب أصحابها الغياب الذي لابد منه لكل إنسان، وقد تعددت الآراء يشوبها حذر واضح لايكاد ينتهي إلى موقف دقيق، عندما توجّه إليّ أحد الأصدقاء من الجالسين، بسؤال محدد عن مكتبتي، وهل فكرت فيما تنتهي إليه من مصير ـ بعد عمر طويل ـ ؟ قال ذلك بصوت خفيض كأنه على استحياء ثم ليلوذ بالصمت فيما يشبه الاعتذار، فأجبته مبتسما بأني مازلت أتدبر الأمر، وأقلّبه على وجوهه المختلفة، لأن المسألة من وجهة نظري أن تجد المكتبة من يحفظها من الضياع، وأن يحسن الانتفاع بها، كما يحسن التدبير لمآلها فيما بعد، وبعد برهة من الصمت قلت بكل وضوح كأني أحسم القضية: إذا كان لابد من كلمة فاصلة في الموضوع، فإني أعلن أمامكم أيها الأصدقاء أني أتعهد بأن يكون مصير مكتبتي بعد غيابي بيدي صديقي رضوان الكوني، لأنه يتوفر على الشروط الواجبة، التي أطمئن معها إلى مصير مكتبتي. كان رضوان الكوني جالسا في اطمئنان وعلى ثغره ابتسامة، وهو يستمع إلى كلامي، ولكنه فجأة يغيّر من جلسته، وتغرورق عيناه بالدموع، ثم تمتدّ يده اليمنى لتلامس يدي برفق، وليقول لي بصوت متهدّج: لتحفظك العناية الربانية أيها الصديق، ولكن لتكن على ثقة بأن الطريق مازال أمامنا طويلا، وأن ما أودعته في نفسي من ثقة، سيظل في الأعماق على مدى الأيام.


كان ذلك منذ سنوات ثلاث على ما أتذكر، ولم يكن الشك يخالجني مطلقا في صحة الرجل، اذ لم يكن يشكو من أي شيء، قد يدخل على الخط فيغير المعادلة إلى أفق آخر غير منتظر، ومن ثم كان اطمئناني إلى الأنباء تصلني عن وضعه الصحي بأحد مصحات العاصمة، فأكتفي بالهاتف أسأل وأطلب اللطف، إلى أن أخبرني شقيقه محمد الأمين، أنه سأل عنّي أكثر من مرة، فكان أن أسرعت إليه وهو يرقد بمصحة «سكرة» بصحبة الأستاذ صالح الحاجي، لأفاجأ ويفاجأ رفيقي بأن صديقنا العزيز قد أخذ منه المرض مأخذه، وأنه لايستطيع رد الجواب حين نتوجه إليه بالحديث، ولكنه كان يتفحصنا ببصره ويحرك يده اليمنى ليشعرنا بشيء من يقظته، كان يتقلب في سريره من آن لآخر، ويصدر عنه صوت خافت فيما يشبه الأنين المتقطع، ولكن ملامح وجهه ظلت كما عهدناها منه دائما، هادئة وعميقة وإن شابهها اصفرار.


وهكذا ودعنا صديقنا العزيز على صوت ابنه عصام الكوني ينقل الينا تفاؤل الأطباء بالشفاء المرجوّ، ولكن إرادة الله فوق كل شيء، إذ بلغني النبأ المؤلم صباح يوم الاثنين في السادس والعشرين من هذا الشهر، فإنا لله وإنا إليه راجعون.


لقد عرفت العزيز رضوان الكوني في سنة 1970 بمكتب الأستاذ محمد العروسي المطوي الكائن بنهج رومة، حينما كان مكلفا بمصلحة التوجيه الحزبي، فعرفت فيه المحبّ للعلم المغرم بالأدب، الساعي بكل جد لأن يسهم في حياتنا الادبية، اسهاما حقيقيا وفعالا، بعيدا عن أي صخب أو ادعاء رغم امتلاء الساحة الثقافية في تلك الفترة من القرن الماضي، بالآراء المرتجلة والدعوات التي لايسندها علم حقيقي أو منهج صائب، وسر ذلك أن الأستاذ رضوان الكوني، تكوّن تكوينا علميا صحيحا قبل أن يمارس العمل الأدبي، إذ أكمل دراسته الابتدائية، فالثانوية فالجامعية بنجاح، ظل يذكر لي مراحله المختلفة بكل شغف، فكان يقول لي إنه لايمكن أن ينسى دروس أستاذه بمعهد خزندار الأديب البشير المجدوب، صاحب كتاب «بذور» وغيره من الكتب، والذي يعدّه الموجه الأول لفهم الأدب والكتابة الصحيحة، والذي ظل على صلة به في كل الأوقات.


كما كان يقول لي إنه ارتبط في تلك الفترة من الدراسة، بزملاء يهوُون الأدب والمسرح، ويبذلون في سبيل ذلك كل ما أتيح لهم من نشاط، أمثال الأستاذ عبد الرؤوف الباسطي وسمير العيادي وغيرهما وإن اختلفت بينهم السبل فيما بعد، هما نحو المسرح وفنون الدراما التلفزية والسينمائية، أما هو فقد ارتبط بالتدريس وبالكتابة القصصية والروائية والمقال الأدبي.


كما ينبغي أن نذكر دور «نادي القصة» برئاسة العروسي المطوي في تشجيع صديقنا الراحل على الابداع والنشر، سواء عبر مجلته «قصص» أو منشوراته، أو عبر جلساته الدورية وندواته التي تقام بهذه المناسبة أو تلك.


لقد رحل عنّا الأديب الكبير رضوان الكوني، مخلفا أسى في القلوب، وحزنا عميقا، ولكنه ترك لنا مجموعة أعمال أدبية متميزة، ستظل تذكرنا به وبنبوغه، وبأخلاقه العالية في فهم رسالة الأديب الحق، تجاه نفسه ومجتمعه وشعبه وإنسانيته بصفة عامة.


... ولا حول ولا قوة إلا باللّه.


_______________________________________________

موقع الكاتب والاديب : أمين مازن

  www.aminmazen.com © 2019 - 2008

طرابلس - ليبيا

Tel 0913245901