نحو محتوى أعمق للشخصية الليبية


عنونت هذه المقالات بعبارة نحو محتوى أعمق للشخصية الليبية، قصد الخروج بها على التأييد المطلق، بمحاورة الفكرة و أسلوب العمل، و نُشِرَت حسب تواريخها، بصحيفة الميدان التي تفرّغتُ لها و اتسعَت لي، دون أن تُملي أي إملاء، و كان لها في حينها الكثير من الصدى. و قد تعذّر عليّ الرجوع إليها عندما قمت بإدراج بعض نظيراتها، لضياع مُجلّد الجريدة لسنة 68م إلى أن تفضّلَ مشكوراً العزيز بدر الورفلّي بإمدادي بها، لإدراجها ضمن ما أُدرِج، حرصاً على حمل مسئولية الرأي و الإستفادة ممن قد يجد الوقت لقرائتها، و ربما التفاعل معها، باعتبارها جزءًا من شواهد المرحلة، الجديرة بالمراجعة، و التطوير و الإثراء.


نحو محتوى أعمق للشخصية الليبية

بقلم : أمين مازن .   

٢٠ مارس ١٩٦٨

ليست الدعوة إلى تأكيد الشخصية الليبية ، وإبراز خصائصها المميزة، وقسماتها المستقلة في مختلف المجالات، على ضوء الحقائق التاريخية والشروط الموضوعية المعاشة والظروف الحضارية التطورية وفي اتجاه تحقيق المزيد من الانتصارات للإنسانية جمعاء وبالتالي لكل ما هو جميل ورائع في الإنسان. . إن هذه الدعوة ليست جديدة في بلادنا كما يعتقد البعض، وليست أيضا شعارا مرحليا اقتضته ظروف معينة، وجاءت به أوضاع خاصة، كما قد يتوهم البعض الآخر . ولكنها دعوة لها قسط وافر من الرصيد الزمني، بالقياس لسنوات الاستقلال، ولها كذلك مرتكزاتها الموضوعية، وحقائقها التاريخية ، وقواعدها العلمية. لقد أثيرت هذه الدعوة أول ما أثيرت من لدن العناصر المثقفة، ومن هنا اكتسبت على الدوام أهمية خاصة، وراحت تتمتع برغم الكثير من الصعاب بقيمة كبيرة . فمنذ أن تفتح المثقف الليبي على آفاق الثقافات الإنسانية في بداية الخمسينات، ومنذ أن بدأت الشعوب العربية تواجه مصيرا جديدا، وتكافح في ظروف أكثر صعوبة نتيجة قيام دولة إسرائيل على أساس توسعي متعصب، وبالتالي ظهور بعض الدعوات الوحدوية غير المرتكزة على أسس علمية واقعية. منذ ذلك الحين، كانت الدعوة إلى ضرورة إبراز الشخصية الليبية، وتأكيدها كقوة يمكنها أن تحقق الكثير في الأسرة الدولية وتؤكد قبل ذلك السيادة الوطنية وتزيد في تحقيق الإنجازات، وتخرج بالمؤسسات الدستورية إلى آفاق أكثر إشراقا. . كانت هذه الدعوة في مقدمة الأساليب التي نادت بها نخبة من الشباب المثقف عبر رحلة الإنسان الليبي.  على أنه بعيدا عن الإغراق في النظريات المجردة والانجرار وراء المماحكات الكلامية المتشعبة، يمكن القول أن ثمة أسبابا أخرى أكثر وضوحا جعلت من الانصراف إلى الشخصية الليبية مسألة أكثر ضرورة لعل في مقدمتها ذلك الرصيد الوجداني الهائل من الأدب الشعبي الذي كثيرا ما ركز على أهمية العمل الوطني وإبراز الخصائص المميزة لشعبنا الفتي.  ومن هنا كانت الدعوات العاطفية دائما تعجز عن أن تأخذ إليها أحدا بصدق. وحتى تلك التي استندت إلى رصيد من الفكر كانت في الواقع أعجز من أن تشد أحدا إليها بالمعنى الصحيح. لقد كانت الأرض، التعلق بترابها، والارتباط بظروفها، أقوى من أي شيء آخر لدى العناصر التي مارست النشاط الفكري طوال السنوات العشر الأولى من عمر الاستقلال المجيد. حقا إن هذه الفئات عجزت عن تحقيق أي ارتباط، وبالأحرى داخل إطار يوحد جهودها. . وحقا إن البعض منها عمد إلى افتعال المعارك الوهمية، والإغراق في كيل التهم بلا حساب.  وصحيح أن هناك من عمل منها على اصطناع الخلافات، والتفتيش عن نقاط التباعد ومع ذلك فقد ظلت الأرضية الليبية أشد تأثيرا من أي عامل آخر.  إن ذلك يبدو جليا من خلال ردود الأفعال التي واجهت بها الفئات المثقفة المواقف المختلفة التي تعرضت لها بشكل أو آخر.  فلو لم تكن النزعة الوطنية لدى العناصر المثقفة أقوى من أية نزعة أخرى لما كانت مواقفها بهذا الشكل ولما كانت قدرتها على التلاؤم مع الواقع بمثل هذه السرعة.  فكيف طرحت الدعوة إلى الشخصية الليبية ومن هم الذين طرحوا هذه الدعوة وما هي الصعوبات التي حالت دون تحقيقها على الرغم من بروز منذ ما يقارب عن عشر سنوات..؟  وينبغي التنبيه بادئ ذي بدء أنه من المتعذر الرد على كل هذه التساؤلات بما تستحق من الإضافة.  فنحن لم نبلغ بعد المرحلة التي يمكننا أن نؤرخ فيها لحياتنا الفكرية بكل هذه التفاصيل. ولا تزال أذواقنا تتحكم في آرائنا ولا يزال الاعتقاد السائد لدينا أو الكثيرين منا بتعبير العلاقة الشخصية ونقدنا دافعه الاختلاف في الرأي.  ومع ذلك ولأن طبيعة هذا البحث تتسم الميسم الصراحة ودونما اهتمام بأي اعتبار من اعتبارات الحساسية فإننا سنحاول التحديد قدر المستطاع. إذاً فإن الدعوة إلى (الشخصية الليبية) يمكن أن نلتمسها من خلال تلك الندوات التي عرفها نادي الاتحاد مثلا، بالنسبة لمدينة طرابلس في سنتي ٥٦ / ٥٧ والمسابقات الأدبية التي حاولت بعض المؤسسات الثقافية إجراؤها في تلك الفترة.  نحن لا نستطيع ذكر جميع الأسماء، ولكن إذا ما أجبرنا على ضرب الأمثلة ينبغي أن نشير إلى تلك المناقشة التي شارك فيها خليفة التليسي وعبد الله القويري على صفحات جريدة العمل حول موضوع الشخصية الليبية على الرغم مما حاوله آخرون للخروج عن طبيعتها الحقيقية. إننا لم ننس بعد ذلك الموقف الذي بدا للكثيرين غريبا من عبد اللطيف الشويرف وهو يصر على ضرورة الزواج من المرأة الليبية قبل غيرها في ندوة (الشباب بين السلبية والإيجابية) التي أدارها خليفة التليسي عندما ظل الكثيرون يصفقون طويلا للآراء المناقضة.  وهناك طائفة أخرى من المثقفين الذين حملوا شعار الدعوة إلى الشخصية الليبية وضرورة إبرازها كوجود يعتز بنفسه، ويتعمق تاريخه ويبني غده ويهم في بناء حضارة المنطقة العربية الخاصة والشعوب العربية عامة. 

أسماء رفعت هذه الدعوة في حماس منقطع النظير وصمود ملفت للنظر إزاء الكثير من تبعات هذه الدعوة أيام كانت لهذه الدعوة تبعات، ،ومنها من هجر الكتابة، ، ومنها من توارى عن الأنظار ومنها من هو في عالم الخلود، ، ومنها من انصرف إلى العمل السياسي ، على أنها جميعا تشكل شيئا واحدا لا ثاني له ، وتنضوي تحت اسم واحد لا ثاني له أيضا هو المثقف الليبي. هذا الاسم الذي كان وسيبقى الوريث الشرعي لكل ما هو جميل ومقدس في الإنسان والذي سنظل عاجزين عن إعطاء الدعوة إلى الشخصية الليبية ما يجب أن يكون عليه من محتوى ما لم تنسق جهوده، ونظهره في بوتقة العمل ونعطيه الفرصة السانحة و ليس لإبداع الأدب وحده بل

بالمشاركة الفعلية في بناء الحياة . (يتبع


________________________________





نحومحتوى أعمق للشخصية الليبية

27-مارس-1968

بقلم أمين مازن

حددنا في إيجاز، وطبقا لطبيعة هذا البحث، ووفق ما خطط له الطريقة التي طرحت بها الدعوة إلى  الشخصية الليبية، وألمحنا على ذكر بعض الأسماء التي رفعت صراحة أو ضمنا هذه الدعوة. وبقي علينا الآن أن نجيب على تساؤل آخر حول الذين وقفوا في طريق هذه الدعوة، وبالأحرى الظروف التي حالت دون تحقيقها. ومرة أخرى يتعذر علينا أن نجيب بطريقة محددة خاصة وأننا في الواقع أجبنا عن الكثير من التساؤلات ضمنا في السطور السابقة. ورغما عن ذلك فلا مندوحة من القول بأن شعار الوحدة العربية الذي طرح بطريقة غير واعية، كان في مقدمة الأسباب الرئيسية التي عاقت الدعوة التي تؤكد الشخصية الليبية بحيث جعلت من كل دعوة تهدف التركيز على الشخصية الوطنية في أي بلاد من البلاد العربية ضحية الرمي بتهمة التعصب الأعمى، والإقليمية الضيقة ولو كان ذلك على حساب الحقائق العلمية، ومنطق البحث الموضوعي. إنها الدعوة التي عانى منها عدد غير قليل من الكتاب العرب، نذكر منهم على سبيل المثال الدكاترة : طه حسين ، أحمد لطفي السيد، أحمد زكي، والأستاذ إحسان عبد القدوس (١) .  أضف إلى ذلك موقف الريبة ، الذي واجهت به بعض الجهات الرسمية العناصر المثقفة التي كانت بشكل أو بآخر ترفع هذه الدعوة . . دعوة تأكيد الشخصية الليبية سواء بقفل المجال على أن تشارك في بناء الوطن،  أو إقصائها عن الدخول في أي كادر عام. ولعل نظرة واحدة لأصحاب امتياز الصحف، بل وحتى رؤساء التحرير في الصحف الخاصة المصرح بها قبل عشر سنوات تعطينا الدليل على صدق هذا الرأي. إننا لا نجد إسماً واحداً من أدباء الخمسينيات يملك جريدة في تلك الفترة، وذلك باستثناء عبد القادر أبو هروس الذي آلت إليه ملكية جريدة الرائد عن طريق الشراء. كما أننا لا نجد مثقفاً واحداً يرتقي إلى درجة مدير عام في تلك الأيام، إذا ما استثنينا الأستاذ خليفة التليسي الذي تولّى سكرتيرية مجلس النواب سنة ١٩٦١ على ما أذكر بحكم الأقدمية. ولقد ترتّب على هذا الوقف الجائر أن اضطرت العناصر المثقفة إلى عدم الحماس لهذه الدعوة، مرة بالانصراف عن مجال الفكر ومرة أخرى باتخاذ المواقف السلبية في مختلف القضايا. نعم لقد تردّت الدعوة إلى الشخصية الليبية، وكان من الطبيعي أن تتردّى، فما من أحد في مقدوره الصمود أمام هذه الظروف الصعبة، والسعيدون فقط هم الذين وقفوا يرقبون الأمور على بعد. إن صوتا قد يرتفع الآن:  هل الدعوة إلى الشخصية الليبية على هذا القدر من البساطة والمحدودية، حتى إذا لم تتحمّس لها النخبة تختفي عن الأنظار؟ وهل النخبة أيضا على هذا القدر من السطحية حتى لتفقد الحماس لمجرد مواجهة هذه الصعوبات - إن صحت - ؟  قد يقول قائل ذلك، ونحن الآن لا نريد مناقشة مثل هذا التساؤل، وما يهمنا فقط، هو تحديد بعض النتائج الخطيرة التي ترتبت على ذلك، أعني على المستوى العام والذي يمكن تحديده بهذا الانصراف المريع إلى الخارج، والشعور بالنقص إزاء كل ما هو محلي. فكيف واجهت الحكومات المتعاقبة هذه الدعوة، هل حاولت تبنِّيها..؟ هل ساعدت على جعلها حقيقة مهمة..؟ الحقيقة إنه من الصعب بل من أصعب الأشياء الإجابة عن هذا التساؤل بالذات. فمن المعروف أن بلادنا كانت إلى سنة 63 تأخذ بالنظام الاتحادي بمعنى أن السلطة التنفيذية فيها كانت موزعة بين الحكومة الاتحادية والمجالس التنفيذية، الأمر الذي لم يكن من المُتيسّر معه على أحد أن يحدد مسئولية العديد من المواقف.  لقد كانت الاختصاصات المشتركة والاختلافات الشديدة في وجهات النظر، غالبا ما تُجبر سلطة من السلطات على اتخاذ موقف غير التي تريد أن تتخذها.  مع ذلك فقد ظلت أسماء كثيرة تحتفظ لنفسها في وجدانات الناس، بصورة مشرقة، باعتبارها لم تسيء الظن بأحد.  على أنه إذا ما أردنا الإجابة على التساؤل السابق، على مستوى الحكومات وحددنا لذلك الفترة ما بين ٥٥ - ٦٨ أي إلى الفترة التي آلت فيها رئاسة الحكومة إلى مثقف من مثقفي الخمسينيات ( الأستاذ البكوش) أمكننا القول بأن الرغبة في تأكيد الشخصية الليبية لم تكن منعدمة وإن كانت في الحقيقة لم تتعمق أو تتفجر على المستوى الرسمي إلا في الأيام الأخيرة. قلنا إن الدعوة إلى تأكيد الشخصية الليبية لم تكن جديدة كما يعتقد البعض. وقلنا كذلك إن المثقفين الذين عرفتهم بلادنا في فترة ما بعد الاستقلال، كانوا في مقدمة المنادين بها. وقلنا أيضا إن جل الحكومات التي توالت على تقلد مسئولية الحكم، تَبنّت بشكل أو آخر هذه الدعوة، وعملت بقدر ما ما هيأت لها ظروفها وقدراتها العقلية في هذا الاتجاه. فلماذا إذاً نحن نركز عليها الآن..؟  هل هناك جديد فيها ؟ نعم ، هناك أكثر من جديد :  أولا : إن الحديث عن تأكيد الشخصية الوطنية، وضرورة الاهتمام بالبناء الداخلي لم يعد في منطق العالم العربي كما كان منذ سنوات يشكل نوعا من دعوات الانغلاق أو الانعزالية، بل على العكس من ذلك، لقد غدا شعاراً واقعياً للغاية..، وأساساً من الأسس الصحيحة لتصفية آثار العدوان الإسرائيلي الغاشم. إن نظرة واحدة إلى المناقشات الفكرية التي شهدتها صحف القاهرة وبيروت تعطينا أصدق الأدلة من أن الدعوة إلى تأكيد الشخصية الوطنية لم تعد كفراً أو زندقة كما كانت في في الماضي بل بداية طبيعية كما تقول طبائع الأشياء.

وثانيا : لأن هذه الدعوة تأتي الآن من أعلى الهرم حيث يفجرها عبد الحميد البكوش ليس من ندوات نادي الاتحاد ولكن من على كرسي رئاسة مجلس الوزراء أي أنه يضيف إلى قدرته كمثقف تجربته الحياتية العريقة. وإذاً فنحن نناقش قضية فكرية مع إنسان مثقف يدرك حقيقة نقاشنا، ويملك الفرصة لتحويل الممكن منه إلى عمل ملموس. ومن هنا فنحن لا نزعم بأن نقاشنا سيكون مجديا وكافيا، ما لم يُدلِ فيه كل عنصر مثقف بدلوه، ومن هنا أيضا نحن ندعو في كثير من الحرارة والصدق كافة الإخوان للإدلاء بدلوهم في هذا النقاش. ولكن بأي عقلية نحن نناقش هذه الدعوة ياترى ؟  الحق إننا نناقشها بالإضافة إلى ما لدينا من إلمام متواضع وتصور لظروف بلادنا ومشاكلها المتعددة، نقول نناقشها ونحن نفترض لو كنا نتحمل كل المسئولية. وبكلمة، إننا لا ننطلق من منطلقات نظرية جامدة، تجهل الظروف الموضوعية، والشروط الحياتية المعاشة.  فإلى أي حد عبّرَ عبد الحميد البكوش عن الدعوة إلى تأكيد الشخصية الليبية التي برزت على المستوى الرسمي لأول مرة أثناء تولّيه رئاسة الحكومة الليبية ؟  هذا ما سأحاول أن أتناوله في مقال آخر.

___________________________

"1"الأستاذ ساطع الحصري، العروبة أولاً، العروبة بين دُعاتها و مُعارضيها

موقع الكاتب والاديب : أمين مازن

  www.aminmazen.com © 2019 - 2008

طرابلس - ليبيا

Tel 0913245901