أسئلة كثيرة تطرح نفسها

أسئلة كثيرة تطرح نفسها

أمين مازن

أريد أن أتناول في مقالي هذا جملة الآراء النقدية التي تفضل بإبدائها منذ سنوات الصديق الأستاذ كامل عراب حول كتابي «مسارب» عشية صدور جزئيه الأول والثاني وانتظام الندوة الاحتفالية الموسعة التي أقيمت يومئذ بقاعة المجاهد في مدينة طرابلس وحضور فعاليات حضرت من بنغازي ومصراتة والزاوية وصرمان وبني وليد إلى جانب طرابلس بالطبع،وقد كانت بترتيب أمين رابطة الأدباء والكتّاب بشعبية طرابلس الأستاذ البوصيري عبد الله . إنها الآراء التي نشرت بصحيفة العرب تحت عنوان «مسارب تؤدي إلى متاهة » وصار على إثرها الأستاذ كامل صاحب باب ثابت بالصحيفة المذكورة وحمل العدد افتتاحية كتبها رئيس التحرير تناولها ترحيباً بالكاتب . ولم أشأ يومئذ أن أعقب على المقال المشار إليه لانشغالي بكتابة الجزء الثالث وعشمي أن ما يحويه قد يكون حافزاً للأستاذ كي يتدارك بعض أو كل أحكامه،ولكن هذا العشم قد ذهب أدراج الرياح إذ ما فتئ أن عاد كامل إلى نشر المقال دون أي تعديل يذكر ضمن مجموعة من المقالات في كتاب أطلق عليه «أوقات للتأمل» وتناول فيه بعض الأعمال المشابهة وكان كريماً إزاءها بشكل لافت، ويومئذ قمت بضم المقال المذكور إلى نظائره من المقالات التي كتبت حول مسارب ونشرتها في موقعي على شبكة المعلومات لتقرأ ضمن ما كتب ويتم الرجوع إليها حين يتيسر تناول تلك الآراء كما أفعل الآن .

لقد دفعني إلى التناول إيماني بأن قضايا الثقافة واختلاف الآراء وحتى المواقف تتجاوز الاعتبارات الشخصية وأن التردد في ابداء الرأي المختلف من شأنه أن يحيل التقاطعات إلى نوع من النميمة وفي الوجوه فيما يكون الجهر بالتصويب سبيلاً إلى تبادل المعلومة وانعاش الذاكرة وتحقيق التكامل المطلوب وربما المراجعة الضرورية لما قد يكون خاطئاً من الأحكام .

وقد يتعين في إطار السيرة المشتركة وكما أشرت في الجزء الثاني تحديداًً أن أوكد أن هذا الصديق أول من عرفت من نشطاء الفكر اليساري.إن صح التعبير في قاعات نادي الشباب الليبي وكان يومئذ قد خلع لتوه ملابس نائب العريف بقوة بوليس طرابلس وأمامه فرصة للعمل بمؤسسة التأمين الاجتماعي التي آلت إلى الدولة الليبية إذ اجتاز الامتحان القاضي بتعيينه على الدرجة السادسة إلا أنه عدل عن ذلك أمام ما لاح في الأفق من إمكانية العمل بالإذاعة التي تأسست في ذات الفترة وكان من بين الذين تقلدوا المسؤولية بها المرحوم محمد بشير الهوني المعروف بعلاقاته الجميلة مع معظم العاملين في ميدان الكتابة والمبرأ من الموقف المسبق إزاء الموسوميين بالنشاط السياسي غير المؤيد للسلطة فكان أن انصرف كامل إلى الإذاعة وإلى مجلتها بالذات التي ترأس تحريرها محمد البشير.

وأشهد ، هنا أنني مدين له بمعرفة الكثير في إطار البدايات،إذ كان يومئذ على صلة بأبرز الأسماء الذين أذكر منهم الكثير من الراحلين أمثال علي الرقيعي وعلي بوزقية ومحمد مفتاح الدعيكي وعبد الحميد البكوش وكامل المقهور ثم عبد الله القويري إلى جانب يوسف وفاضل المسعودي أمد الله في عمريهما وكان شديد الحماس للعمل المنظم كثير التبرم من تردد البعض وقد فهمت أنه تعرض لشيء من المضايقة في قوة بوليس طرابلس مما جعله كبير السرور عشية عودته حاملاً ما يفيد بقبول استقالته .

كنت يومئذ أكتب النص الشعري التقليدي وكان هو يجمع بين المقالة والقصة . وكان نادي الشباب الليبي قد أجرى مسابقة القصة للكتاب الناشئين وقد تبين أنه ضمن الذين اشتركوا في تلك المسابقة، ولأنني صرت عضواً في مجلس الإدارة فكان من مشمولات المجلس اختيار لجنة التقييم ، ويومئذ كان رأيه أن تشكل اللجنة من علي الرقيعي وعبد الحميد ومتردداً بين بوزقية وفاضل وقد رجح كفة هذا الأخير، في حين كان رأيي أن تكون اللجنة من أبو هروس والمصراتي وفريد سيالة،وكنت خاطئاً بالطبع.وقد فاز كامل بالجائزة الأولى وأسندت الثانية للتكبالي وشك المشككون بأن للأمر صلة بالاتجاهات الفكرية لقد استمرت بنا بعد ذلك رحلة الزمن ورحلة المعرفة وجمعتنا وزارة الأنباء والإرشاد عقب إلغاء الولايات إذ استلمت عملي في ديوان الوزارة بتوصية كريمة من الأستاذ عبد اللطيف الشويرف فتهيأ لي الوقوف على الكثير من الإجراءات الإدارية المتصلة بالتعيين والترقية وما إليها وواصل كامل نشاطه الإذاعي الذي ربما يكون قد استغرقه بالكامل غير أن الصلة الثنائية قد توثقت أكثر فأكثر ولاسيما بعد أن اقتنع معظم المجايلين بأن العمل الثقافي هو الأبقى لتستمر لقاءاتنا اليومية إلى حين «أغسطس» هانيبال 69.

لقد احتلت هذه الأحداث وغيرها الكثير من صفحات الجزء الثاني من «مسارب» فاثبت الكثير من المشترك واقتصدت إلى حد كبير في مواطن الخلاف سواء معه أو مع غيره،وكان لايزال أكثر ما ضايقني منه وله ذلك الجنوح إلى العمل الإعلامي أكثر من الثقافي حتى كانت كتابته التي اقتضت هذه المناقشة،إذ أن ما نشره ينم عن موقف مسبق ويمكن التدليل عليه من خلال العنوان قبل أي شيء آخر «مسارب تؤدي إلى متاهة» هكذا جملة واحدة لتتوالى بعد ذلك سلسلة الأحكام العامة تنافر النص مع كل الأجناس الأدبية،سيرة ،رواية،مذكرات سرد متذبذب ، لغة وصفية لغة مذكرات،اهتكام إلى الفعل المبني للمجهول غموض غياب المنهج غياب الموضوعية . فإذا ما بحث المرء عن مرجعية واحدة يمكن بواسطتها تعريف الأجناس التي أخرج منها النص لن يجدِ سوى أحكام الكاتب العارية من أي سند من فقرة مجزاة من الكتاب أو رأي قال به أستاذ من هذا الفن أو ذاك أما إذا كان المتلقي بأن اختلاف النص مع الأجناس المعروفة يشكل حجة للعمل وليست عليه كما قال الأستاذ التليسي مثلاً« فإن الإدانة تطال الناقد وليس النص».

وحتى لايظن ظان أن القول بالموقف المسبق مرده إلى الضيق من آراء الأستاذ كامل النقدية،فعلى ماهي عليه من مجافاة الموضوعية كما أشرنا ،هناك ماهو أكثر دلالة على صحة هذا القول وأعني بذلك ما ذكره بشأن علاقة كاتب هذه السطور بالأحداث المتصلة بمسقط رأسه وكذلك انتسابه لنادي الشباب الليبي ، فقد أرجع الأولى إلى مجرد السكن بالمدينة والحصول على بيت بها يتردد عليه أبناء عمومته ، متجاهلاً أبوة الشيخ المختار الذي كان في ذلك الزمان عضواً بالمجلس التشريعي لولاية طرابلس الغرب والسيد محمد ختم الهوني الذي كان عضواً بمجلس النواب ويشكل محله بطرابلس ملتقى للكثير من شخصيات المدينة والذي أفردت له فصلاً خاصاً بالجزء الأول وقد كانت الكثير من الأمور تدار في تلك اللقاءات ، كما تجرأ على وصف العلاقة بمشكلات الجنوب بأنها كانت جانبية ، ولست أدري من أين وكيف تحصل على هذه المعلومات وقد فاته أن بعض تقارير الأمن موجودة بين أيدينا ومن الممكن اطلاعه عليها تماماً مثلما نجاهل المعلومات الواردة بالكتاب في الخصوص ومن بينها إبداء الأسف على الكثير من المواقف التي لم تكن يومئذ في محلها . أما الإشارة إلى الموقف الوسط فلست أدري ماهي الأمور التي طرحت في ذلك الزمن وكان للعزيز كامل الموقف الأكثر إيجابية . هل وقف إلى جانب الأصدقاء البعثيين عشية محاكمتهم أم كان له تضامن مع القوميين العرب،والأمر ذاته بالنسبة للخلافات التي حصلت مع وزارة الإعلام والتي أرجعها إلى أسباب شخصية في الوقت الذي يعرف القاصي والداني حجم المطاردة التي حصلت والتي شملت الأستاذ يوسف الشريف والأستاذ بشير القنين واللذين لم يتكلم أي منهما على تلك الفترة عقب قيام الثورة تماماً مثلما أحجم كاتب هذه السطور عن الأدلاء بأي شهادة من شأنها المساهمة في تثبيت الادانة بما في ذلك عدم تقديم أي معلومات بشأن الوثائق التي اتلفت في الاسبوع الاول من الثورة حول المصاريف السرية وهي الأمور التي قدرت في حينها ممن يعنيهم الأمر وتطالهم المسؤولية . لقد حزنت حزناً لايضاهيه حزن وأنا أجد هذا الصديق ينكر حديثاً ويغير رواية قصدت من إيرادها الرفع من شأنه فإذا به ينكرها ويبرر موقفه هذا بأن إيرادها من طرفي كان القصد منه التظاهر بموقف يمتاز عن الآخرين ناسياً أنه أول من وصف إعلام ما قبل الفاتح من سبتمبر بأنه إعلام «قوبلز» وذلك في برنامجه كلمات للشعب الذي بدأ به مشواره عقب سبتمبر،وأن نشر نشر المقال بصحيفة العرب في حد ذاته يحمل أكثر من علامة استفهام إذ لم يكن حتى ذلك التاريخ من كتاب الصحيفة المذكورة وكيف يستقيم هذا التشكيك مع قوله إن مؤلف مسارب خير من يستطيع الكتابة عن المرحلة باعتباره أحد شهودها وهل هذا الذي قرأه وسوغ له أن يصدر مثل هذا الحكم لايفرض عليه أن يقول غير هذا الذي قاله . هل النواقص التي وجدها لم تحفزه لإنصاف من لاحظ أنهم لم ينصفوا؟ وكيف لم يجد في الجزء الثالث ما يبين له الموقف من اليوم؟وهل كان الحديث عن الماضي يمكن تناوله دون تأمل ما كتب عن اليوم ؟ وكم كان جميلاً لو اتخذ الصديق العزيز موقفاً أكثر إيجابية فوضح الغامض وهو خير من يعرفه وربما يجيد التفصيل فيه. ومنذ متى كان الحديث عن المهمشين نقيصة منهجية ولاسيما إذا كانت هذه المنهجية تعني الواقعية الاشتراكية ، وبأي مرجعية استطاع أن يشكك في الفعل المبني للمجهول؟ وأين هو القاموس الذي وجد فيه التعبير بكلمة «الميكروب» الذي ينتقل من كاتب لآخر؟،وما الذي ينتظره حتى يدلي بما لديه حول ما يرى أنه أعلم به من غيره،وهو ينفي وجود أي شيء مسكوت عنه في مسارب كما لاحظ أكثر الذين كتبوا عن هذا العمل؟

أسئلة كثيرة تطرح نفسها عند قراءة هذا المقال الذي يستحق أن يوصف بالتاريخي حول تجربة مشتركة طالما اعتبرت واحدة وبالذات من طرف الدوائر المأذونة منذ أن جمعنا قطاع الإعلام في ستينيات القرن الماضي وطالتنا شبهة النشاط السياسي حقيقة أو ظلماً فكان أن طرح على أحد الوزراء خروجنا من ذلك القطاع وحاول تخفيف ذلك التوجيه وسعى إلى ذلك آخر وفشل،ونفذ الإجراء في مطلع السبعينيات وكانت في الأخير تجربة المعتقل التي انتهت بعدم وجود ما يبررها.وها نحن نجد المجال الفسيح لتناول ما نرى تناوله من مختلف الشؤون منا من يحرص على إبداء ما يرى ومنا من يحبذ الجانب الإعلامي وربما التبشيري وتشهد المدونة الأدبية لكل امرئ بما خطت يداه حيث لن يستطيع أحد أن يدعي بما ليس له ولاشك أن مبادرة كاتب هذه السطور بتأبين المرحوم أحمد الصالحين الهوني ثم الاشراف على أربعينيته يؤكد بما لايدع مجالاً للشك أن الخلافات الشخصية لاوجود لها، وأن ماعبته على بعض الممارسات الاعلامية لم تعد تمثل شيئاً إزاء إعلام هذه الأيام ،بل لعل الكتابة التي باشرت بها في فترة مبكرة ومن باب التطوع في صحيفة العرب من بين ما يؤكد خطأ ما روج له الصديق كامل. وإذا لايساورني أدنى شك في أن مشاعر المعزة والاعتزاز والحرص كانت المحفز الأول على ما كتب تحت عنوان «مسارب تؤدي إلى متاهة » فلابد أن أؤكد من جانبي أن هذا اليقين وهذا المشترك هو الذي يحدو بي الآن لمناقشة ما أورده من أحكام وذكره من معلومات خاصة ما وصف بالتصحيح،إذ لو أردت أن أسترسل في ذكر الكثير من أحاديثنا المتصلة بالأحداث وبالآخرين لسودت عشرات الصفحات ولعله يذكر ما يطلقه على ما اذكره بين الحين والآخر على ذاكرتي «بالحصالة».

يبقى استطراد لابد منه وأعني بذلك الذي تعرض له بخصوص التعاون مع الإذاعة وكيف أن هناك الكثيرين من تعاون واحتفظ بموقفه الوطني وهذا صحيح لكن الذي لايستطيع أن ينكره أن البرامج الموجهة كانت تزاد بنسبة 25٪ وأن حسن السلوك والاستعداد المستمر للكتابة كان ولا يزال الفيصل في إيجاد الفرص.

وعسى أن يكون في هذه المناقشة ما يلقي المزيد من الأضواء،حول تلك الفترة بما يفيد المتعطشين إلى الإلمام بالكثير من تفاصيلها ومفارقاتها،خدمة للثقافة وإثراء للمدونة،وتوسيعاً للهوامش الموجودة نحو اسهام أوسع مع فائق التحية المقرونة بأطيب التمنيات. إنتهى


_________________________

موقع الكاتب والاديب : أمين مازن

  www.aminmazen.com © 2020- 2008

طرابلس - ليبيا

Tel 0913245901