منوعات

Double-click here to add your own text.

شيئٌ عنهم و منهم و إليهم

أمين مازن

29-12-2019


أتاحت لي العطلة الدراسية الرسمية في مختتم هذه الصائفة، بما توفر عليها من وجود عدد من الأبناء و الحفدة في حِلٍّ من أي التزام يحول دون الوجود في مسقط الرأس، و موطن النشأة الأولى، و بداية تشكُّل الوعي، أن أحلَّ بتلك الربوع و أفتح أبواب ذلك الكِنّ على حد تعبير السيد خالد القرقني في وصفه لبيته و المسجد المجاور له، بناحية عين زارة حيث تدور الحرب في أيامنا هذه من دون رحمة، عندما عاد في خمسينيات القرن الماضي أو ستينياته بشكل نهائي، و أعني بالكِنّ هنا بيتي الذي تمكنت من تشييده في مطلع ثمانينيات القرن الماضي و استطعت أن أُوظّف الوقت الذي استغرقه البناء في تبرير بضعة الشهور التي قضيتها هناك دون أن أُصرِّح بأن الباعث الحقيقي كان ليس أكثر من عجزٍ عن احتمال أجواء المدينة و ما شهدته يومئذ من حملات التصفية الجسدية لمن اشتبه العهد في مواقفهم السياسية، فرجح بصددها كفة التآمر فعمد إلى قتل من بقى بالداخل، و لاحق من استطاع ملاحقته بالخارج، و اعتبر مجرد التعزية و ربما إبداء مشاعر الحزن على أولئك الضحايا و التواصل مع ذويهم، مستمسكاً للتنكيل الصريح أو وضع علامات الإستفهام و ما تثيره من قلق نفسي مؤلم لا يقل عن ألم الجسد، تلك المرحلة التي فقدنا فيها الكثير ممن نعرف عن قرب و نُعزُّ عن ممارسة، و نحترم و نُقَدِّر من عرفنا عن بُعد، حيث المواقف التي لا تعرف المسافات و لا الجهويات، اللهم إلا ما اتخذ منه البعض وِجاء عن التلوث بآلاعيب العهد الماكرة، و لقد هيأت الفترة ضمن ما هيأت فرصة متابعة الحملات الإذاعية التي كانت تُصدِّع النظام و رؤوسه و التابعين له، فيما أوجدت ما لا قدر له من التنفيس على كل من لم تطب نفسه بما كان يجري من مظالم، و يُطرَح من تبجُّح، مما لم يكن يُذاع عبر المحطات المُسيَّرة من المعارضين و التي لم تُخفِ هويتها أو هوية المالكين لها و الناطقة بإسمهم، إلى أخرى دولية لم تكن "لندن" خارجها، حيث لا تصل هنا وسائل التشويش التي عُرِفت بطرابلس على نحوٍ مكشوف، فبدت المنطقة أكثر جاذبية لتفادي الظهور بالمدينة، و الإستفادة من صفاء الجو و مساعدته على الإنصات لكل ما كان يُطرَح عما كنا نلمسه، كما لو كان المذيع بيننا و كنا من جهتنا نخشى أن يطالنا ما يطالنا ربما فقط لإحتمال أن ما يُذاع كان مُطرباً لأسماعنا. فبمجرد الإحساس بأن ما يُذاع من هذه الإذاعات المعادية يثير غضب المتسلّط، يُشيع الكثير من مشاعر الإرتياح لعديد المواطنين المستائين من أداء العهد و تعويله المكشوف على الدعاية المُنَفِّرَة، على الرغم من أن العهد قد بدأ محاسبته لرموز العهد الملكي و ما اعتبر على رأس أخطائهم، من خلال الأسلوب الإعلامي القائم على الدعاية المبالغ فيها، و المديح المُنَفِّر للملك الذي أُجهِزَ عليه و هو خارج الحدود حيث الإذاعة التي لا تسأم المدح الشخصي مما شكل استفزازاً لعامة الناس، و جعلها مهيأة للترحيب بأي تغيير يحدث و دون أي تدبُّر إزاء من قد يُقدِم عليه، ذلك أن النظام الثوري فقد مصداقيته بشكل مبكر لمجرد أن بدأ مسلسل الإنشقاقات و توالت أخبار المؤامرات، و بدأ السباق نحو مسيرات التأييد فكان في مثل تلك العودة التي أومأت إليها ما وفر مجال التسلية و إخفاء الباعث الحقيقي للإنسحاب، خاصةً و أن ذلك الإنسحاب قد التمس غطاءاته من الإسهام بالكتابة الأدبية التي لم تتوقف عند الإنتاج الليبي و إنما تجاوزته إلى الوطن العربي أولاً و الإنسانية ثانياً، خاصةً عندما حال بعض المتنفذين في العهد دون محاولة إقصاء الأدباء بدمجهم مع الفنانين و إناطة الأمانة العامة بأحد أعضاء اللجنة التنفيذية لإتحاد الكُتَّاب الحركيين، هو المرحوم محمد أحمد الزوي الذي لم يتردد في إثارة ما لوحظ من توجه البعض للمضي نحو الإقصاء بأن جرى تلافي الأمر بدعوة من شُرِعَ في تغييبهم في أول ملتقى موسع و تكليفهم "حسب رسالة الدعوة" بتوجيه المواهب، ففُهِمَت الإشارة في حينها و سارعنا معشر المقصودين بالتغييب إلى المشاركة بالمتيسّر، عندما سهّلت على الصعيد الشخصي إقامتي هنا إعداد الكثير من الأبحاث التي اتخذت من مجلة الفصول منطلقها، أما عندما طُلِبَ التعاون مع الزحف الأخضر فكان في القضايا العربية و الأفريقية ما أوجد أكثر من سبيل لتفادي الدعاية المباشرة أو الكتابة الإعلامية المسطحة، إلى الأخرى التي تتسع للإجتهاد و التخلّص و توسيع دائرة الإهتمام إلى ما يُجنّب الإبتذال و الحذر من سيطرة التحسس المتمثل في العلاقة الوثيقة التي ربطتني بمجموعة الكتاب الوطنيين الذين بدأوا يشقّون طريقهم عبر ذلك الحراك الوطني الجامع، و المضمون التقدمي المُخيف لكل مُفتقد للأرضية الفكرية الناضجة و الإمكانية المُصِرَّة على التأسيس للخصوصية، تلك التي دفع بعضنا القليل منها في أبريل 1973 و بدأت الأثمان الجديدة بأواخر السبعينيات و ما زالت مستمرة حتى الثمانينيات، و لا يبدو في الأفق أنها قريبة النهاية اللهم إلا بذرة الأمل التي كثيراً ما تعهدناها بالسقي صباح مساء، مما جعل البذرة تنمو لتنبت شجرة طيبة الثمرة، و ما ذاك إلا لأن الكلمة الملتزمة توأم الطيِّبة، و إذ أفلحت بعض الحساسيات أن تتخذ من اهتمام الكلمة الملتزمة بالقصيدة الملتزمة مستمسكاً لإثبات شبهة الإتجاهات غير المريحة للعهد، كان في الإنصراف إلى النص العربي ما أفسد كل الحسابات، خاصةً و أن البلاد في تلك الفترة المبكرة فتحت الأبواب على اتساعها لعديد الأسماء الرائدة بدعوى وحدة الثقافة و وحدة النضال على الرغم مما طال المثقف الوطني من التهميش أو التحسس، فكان من الإنصراف نحو الخارج ما أفسد كل التوقعات و لا سيما الإذاعة التي أتاحت أوسع الفضاءات المختصة بتناول الأدب الجديد بشقيه النثري و الشعري، الأمر الذي قلل من إمكانية المحاصرة أولاً و ساعد على تحقيق تراكم ما لبث أن وجد طريقه للنشر في كُتب استطاعت رغم صغر حجمها أن تقدم ألواناً من القراءة الجادة و المعالجة النقدية الدالة على نحو ما حملت المقالات التي اختصت بشعراء من تونس و آخرين من فلسطين و مثلهم من الجزائر و روائيين من المغرب و مسرحيين من هذه مجتمعة، و إذا كان البعض قد رأى في مثل هذا التوجه إعراضاً عن النص الليبي، فإن آخرين قد انتبهوا لذلك أيما انتباه، إذ لم يخف عنهم ما تردد حول ما يتوفر عليه العهد من ضيقٍ بصدد الإشادة ببعض الرموز منذ أن اتخذ من المنشط الذي أُقيم حول الشاعر علي الرقيعي مستمسكاً لتلك الحملة الشرسة التي استهدفت عديد الأسماء الشابة التي مثّلَ بروزها تهديداً لمن كانوا أقصر قامة و أخفت صوتاً لو بقيت المنافسة الحرة و الصراع المتكافئ، لتأتي مسألة الإخلاص التي لا يمكن تعييرها إلا بالهُتاف المخجل و التأييد المُصطنع، مما جعل السلطة و على أعلى مستوى لا تخفي ضيقها بمن وصفتهم بأوصاف سياسية تدخل في قائمة الإتهام و لا مجال لإثباتها وفقاً لما كان سائداً من تشريعاتٍ تُفرِّق بين اقتناء الكتاب لغرض الإطلاع، و اقتناءه لغرض التوزيع، أي ما فاق خمسة نسخ من الكتاب الواحد، و ليس مجرد مقالات متناثرة يكتبها الكاتب أو غيره، لولا أن التهمة قد حُددت سلفاً و المستهدفين أيضاً قد حُدِّدَ عددهم و القرار فردي بكل ما في الكلمة من المعاني، فتبين يومئذ بما لا يدع مجالاً للشك أن النظام يهمه أن تبقى السجون دوماً مَلأى ببعض المشتبه فيهم و المُنتظر نشاطهم حتى و لو كانت تقارير الأمن تدفع نحو التصفية و مُقللة من حجم المخاطر إن لم تكن مُنكِرة لها، حين كان بعض من عرفنا من العاملين في الأمن يؤكد المرة تلو المرة أنهم قدموا كل ما لديهم عمن تم حجزه لولا أن قرار الحجز و التسريح بيد واحدة و مزاج واحد، و كان ما يهم الأمن عدم اتباع أمر الحجز حتى الوصول إلى ما يثبت الإشتباه، فيتحول إلى حقيقة بواسطة التصنيف، و من هنا كان قولهم أو بعضهم بالأصح "حاسبونا على حسن المعاملة، أما الأقفال فالأمر بفتحها ليس لنا". لقد استدعيت ذلك كله و أنا أُحِلُّ هنا دون أن أستثني الأرض التي بُنيَّ عليها البيت و حجم الذكريات المرتبطة به حول دور الأهل في الكثير مما جرى من حادثات، و اتُخِذَ من المواقف و ما تحقق من التوفيق، و قابله من الإخفاق، عقب الحرب الكونية الثانية و حلول الإدارة البريطانية المؤقتة التي حكمت طرابلس و من بينها المنطقة التي كانت تحمل لقب رئاسة الصحراء منذ أن وطأتها أقدام الإيطاليين الغزاة و إقامة إدارتهم للجنوب، فقد أثبتت المراجعات أن المناخ هنا مناسب أكثر من أي مكان آخر لتخزين الطائرات و قطع غيارها و بالضرورة بقية الأسلحة. لقد كنت في إقامتي المؤقتة هذه استعرض ذلك كله و أتأمل هذه الحقب المتوالية و ما زخرت به من المتغيرات المتصلة بالبلد عامة و المنطقة خاصة، و مسقط الرأس هذا على نحوٍ أخص، إذ كانت متغيراته كبيرة، و كان انحيازي إلى القلم فيه يزداد المرة تلو المرة، و لا سيما في فضائي هذا و ما يزيده في تحفيزي على مزيد التدوين عبر مساحات تطول و تقصر حسب المقامات و حسب الإستعداد للسرد و حسن استدعاء المخزون و ما قد ينتج عنه عند توفر القارئ الفطن، من توجيه أبلغ الرسائل بصدد هذه الحقب الغنية و التي بلغت عقب استشعار قدر أكبر من الإستقرار كما حَمّلت الجزء الثالث من مساربي التي لم اتجاوز فيها السنوات الثلاثة الأولى من عمر نظام الفاتح و ما أُتيحَ لي من فرص التعبير وسط جملة من المحاذير سواء من موقع الحرص على السلامة من التأذّي أو تفادي الإيقاع بالغير مما جمعتنا بهم رحلة الكلمة فلم نتردد -و الكمال لله وحده- في بذل كل ما أمكن بذله ليسهموا بما لديهم في كنف ما أمكن من الطمأنينة و التشجيع، الأمر الذي لم يعدم من أنزله المنزلة التي ارتآها فكانت مبعث استشعار الرضا عن النفس عبر الكثير من المتغيرات بل و زاد من التماسك إزاء الكثير من محاولات الترغيب و الترهيب فلم تخشى فترات القوة و لم تستأسد عند الضعف، فكانت جميع المواقف طبق الشروط الموضوعية كما يقولون في مناهج البحث القائمة النواميس الثابتة.
و لقد اقتضى وجود الصغيرين فيصل و أمين أن يعيد أبوهما ترتيب سكنه بأن يستغني عن إحدى حجرات الإستقبال لمبيتهما، فتعيّن أن ننقل ما كان بأحد البيتين إلى هنا فوجدتني لمجرد الجلوس أحمل معي و بالأحرى مع الآرائك الكثير من وجوه الأعزاء الذين طالما أَنسوا بجلوسهم و جميل أحاديثهم و صافي ودهم، قبل أن يغتالهم الزمن الغادر دون أن يزيحهم من الذاكرة، فزاد ذلك من أحاسي بأنني ما زلت بين الحشود الكبيرة ممن عرفت و صادقت و استقبلت عبر هذه الحياة التي طالما كانوا نجومها إلى جانب خير الجلساء الذي هو الكتاب بالطبع، و كان على رأس هذه مجتمعة المصحف الذي خطه برواية قالون عن نافع المدني و طبعته الشركة العامة للنشر و التوزيع في العام الثاني و الثمانين من القرن الماضي فتحققت به أمنية طالما راودت الحَفَظَة الذين طالما اشتاقوا لرؤية مصحف مطبوع ببلدهم و روايتهم، فكان من بين، و بالدقة أول ما تزودت به، تلك النسخة التي بقيت ضمن المحتويات لظهور طبعات أخرى فبرزت أمامي المرحلة بتفاصيلها و في مقدمتها إسناد مهمة الكتاب و النشر للأدباء و الكتاب و ما رافقها من صنوف الصراع بين الفرقاء مما جعل الرجل أعني الأستاذ صالح دخيل الجلاصي، الذي كتب المصحف و إجازتُهُ له دون أي ضجيج إعلامي، فاستشعرت الكثير من الإرتياح نحو تلك المرحلة و ما شهدته من ازدهار النشر في مختلف التخصصات و بميزانية قد ينفقها اليوم مسئول واحد في مهامه و وسائل نقله و لن أقول سكنه إذ لم يعد مسئولو هذه الأيام يكتفون بعلاوة السكن المقررة للموظفين كافة، فلا بد من أحد الحلّين إما الشراء أو التأجير، الأمر الذي يخرج عن قاعدة وُضِعت قبل خمسين سنة مضت، تمثلت في صرف علاوة السكن لجميع موظفي الدولة و اعتُبِرَت في حينها أجرأ تصحيح عدلي قامت به الحكومة في مجال الإسكان، ساوت فيه بين كل المستخدمين بدلاً من ترك الأمور للمزاج و إراقة ماء الوجه. لقد تم هذا العمل في هدوء صادق و تخلّص من أي ضجيج إعلامي على الرغم من أنه قد سد نقصاً طالما استشعره جميع الذين قرأوا بالرواية المُشار إليها معتمدين فقط على المشافهة حتى كانت تلك الخطوة، لتتلوها بعد ذلك طبعة وزارة التعليم و الدعوة الإسلامية فضلاً عن الشيخ رمضان شادي الذي أنجز هو الآخر مصحفاً بذات الرواية، و تولّى مسئولية نشره بحكم ترجيحه ما ارتاح إليه بشأن الرسم.
و إذ تزامن وجودي هذا بين ظهراني هذا الحشد النوعي من ذوي القُربى و الوعي و الموقف مع عدد من المآتم التي انتصبت لرحيل أكثر من ربطتنا بهم و بأهلهم قبلهم أوثق الصلات التي توجب عادة الجلوس غير القصير في التجمعات الخاصة بهذا الغرض و تعين الأخذ و الرد مع الكثير من الموجودين إن لم يكن حول ما يجري في الحاضر، ففي الذهاب عادة إلى الماضي وفقاً لما تُمليه الحيوية الشخصية و طبيعة الوفاة و حجم المفاجأة كما حدث مع رحيل المرحوم عبد الله ثاني أبناء المرحوم عبد الحفيظ السنوسي أحد الأصدقاء الذين رُزئنا بفقدهم في مطلع سبعينيات القرن الماضي أي عقب سقوط النظام الملكي مباشرة، مخلفاً ذلك العدد الكبير من الأبناء و الحضور القوي في كثير الأحداث، مما جعله على رأس المطلعين عما كان يجري منذ الأربعينيات حين جمع بين قوة الفهم و صدق الرواية و عدم التأثر بالعلاقة الشخصية ممن يشملهم حديثه، حيث يحرص على إنصاف من غاب عن المقام و لو كان على غير تفاهم معه، فتراه يُفرِّق بين تدقيق المعلومة و طقس العلاقة إذ كان لصلته المبكرة بين جار الجنب الشيخ سالم و عمله المبكر في قوة بوليس طرابلس التي أسستها الإدارة البريطانية و أقامت لها أول أساس في بلدة ترهونة لما يقرب من العام اشترك فيه المائات ممن كونوا النواة الأولى و في مقدمتهم الذين لمع نجمهم في الولايات، أولئك الذين تدربوا أولاً ثم بدأوا مشوارهم العملي من مدن مصراتة و الخمس و زليتن و ترهونة، إذ كان الكثير منهم ينحدرون منها و اقتضت أهمية المنطقة وجودهم فكانت حصيلته عنهم جيدة و حسن روايته مؤثرة بما في ذلك بعض تقارير الإداريين منهم أمثال ابراهيم شرف الدين و أحمد الجهيم و أحمد قرجي و سالم بن لامين و غيرهم كثير ممن شقوا طريقهم قبل صدور القانون المتعلق بتنظيم البوليس حين أدرك الرجل أن القيود التي استُحدِثت لن تترك له فرصة الإستمرار في السلك فقفل عائداً في منتصف الخمسينيات ليمتهن التجارة و تكون جلساته إحدى الذخائر المعرفية التي أثرت في ما تيسر الإلمام به من الثقافة الشفوية و دورها في مستوى السرد الذي تسنّى الإسهام به على أكثر من صعيد لأروي و أصوغ ما أمكن تدوينه و ما لا يزال في انتظار الفرص المناسبة للدفع به تجاه المتلقي باعتباره أقل من أن يُفرَد له المجال الخاص لمحدوديته، و ارتباطه مع بعض الحساسيات، التي ليس من المصلحة إثارتها بشكل مكتوب، ما لم تكن أكثر مراجعة و تدقيق، و أحرى بصون اللُحمة الشعبية من تأثير الجهويات مما أختلفُ بشأنه مع الكثير ممن أتحاور معهم، و الشيء نفسه بصدد ما يتعلق بما لديهم عن مراحل أخرى كتلك التي شارك فيها من دخلوا الحياة بعدنا و في واقع مختلف مثل حراك اتحاد الطلبة في طرابلس و بنغازي و بالتحديد كلية التربية بطرابلس و الطب في بنغازي و قبل ذلك مدرسة سبها الثانوية عندما كان عالم الآثار المعروف محمد سليمان أيوب يدرس هناك منتقلاً من طرابلس و بصدد تأسيس مصلحة الآثار و الكتابة عنها و مداومة التردد على المعهد الثقافي الأمريكي، و مطبوعته المعروفة بالمعرفة، التي طالما وثقت لعديد الأحداث و كان البعض يرفض التعامل معها بل و يراها طعن في الحس الوطني، فقد كان ذلك الرجل دائم الحض للطلبة على القراءة و على التواصل مع مكتبة المركز و ما يوجد بها من الكتب، فقد كان الكثير مما شهدته البلاد من متغيرات ليس بعيداً عمّا يخالج بعض النفوس هناك، بما في ذلك فكرة الإطاحة بنظام الحكم التي أذكر أن المرحوم محمد علي الدبري الذي بدأ حياته من هناك و حصل على دبلوم التعليم بطرابلس و عاد مرة أخرى مدرساً و موجهاً و متواصلاً مع أكثر من طرف شعبي و رسمي و ثبت لديه أن مسئولي الولاية يُحضّرون للإطاحة بنظام الحكم، فأسرَّ لي بما لاحظ و استشعر من الإحباط حين لم أعرّ ما أسرَّ لي به ما يستحق من الأهمية، فاحتفظ بما لديه لنفسه و ربما تواصل مع غيري بيد أنه لم يتردد في تذكيري بالحادثة في العقود الأخيرة من لقاءاتنا في بعض المناسبات الإجتماعية باعتبار أن مثل تلك المعلومة المبكرة فوتت علينا إمكانية تدارك المفاجأة التي عشناها حينما حدث ما حدث في العام 69، إذ لو اهتميت بما سمعت لكان لي التعاطي الأكثر جدوى مع ما كان يشغلني و تحتاجه تجربتي و تمحيص خياراتي و قومي. هي أحاديث تخرج عن الإجترار فترقى إلى المراجعة، إلا أنها ما تزال في حاجة إلى التهيؤ لإختيار الكيفية المناسبة للحديث عن صراع المصالح بين تجار تلك الأيام على مخلفات العدو و محاولات الإحتكار و الإدارة المحلية و نظرية الإقصاء القاصرة التي تبناها متصدروا المشهد من أباء تلك الأيام، مختلفين في ما بينهم من ناحية و متأثرين بمن حولهم من ناحية أخرى، مما لم يجد قبولاً من السلطة البريطانية التي كانت قد انطلقت من طرابلس مدركة من البداية أن مرحلة جديدة قد دخلتها البلاد، لا مكان فيها لما سوى الإقتدار أو لنقل الكفاءة و أن بريطانيا لن تنفق على الليبيين قرشاً واحداً بل و سيكون من بين ما تعول عليه في التمويل هو مخلفات العدو التي بيعت مبكراً للشركات المختلفة من الإيطاليين و اليهود، فلم تتسع من ثم محاولاتهم الرامية إلى الإقصاء بل ربما كان بعض المتعلمين منهم دون مستوى المرحلة و هم يتواصلون مع وسائل النشر الوليدة، التي انبعثت عقب سكوت مدافع الحرب مباشرة ليتدفق أمام القلم الآن في محاولة لتدوين الممكن مما ليس في البوح به أكثر من إنعاش للذاكرة بالحكي الذي قد يزيد من التجربة و يضاعف الحاجة للتكاتف و الإستفادة من أحداث الأمس لتطوير الغد في زمن صار فيه ما نتحدث عنه و نُدوِّن اليوم من أعمال الأمس زاخراً بنفيس الدروس لا فرق أن يكون متمثلاً في الصراع على تجارة التمر و مخلفات العدو و مواد التموين حيث كان يوسف الشبَّاح و عبد السلام الزرقاني و حميده عبد الله و سالم عكاشة و محمد علي حاج حامد يتقدمون الحراك بتقديم العرائض و العرائض المضادة إلى الدولة حتى أن المسئول الإنجليزي قد جاء من مصراتة للتحقيق و مساءلة شيوخ المحلة عن معنى كلمة "الراضخ" التي وردت في في بعض التظلمات، فأشار أحد الخبثاء بمساءلة بعض الموقعين عن الكلمة لإكتشاف المحرر الحقيقي و تحميله من ثم مسئولية التحريض و هو ما تم بالفعل، فلم أعلم منم أو ما لدى أو بعض أبنائهم الذين حوتهم مدارج كلية التربية و غيرها كما سبق و قلنا قبل قليل مما استدعته الذاكرة و نحن نستدعي مرحلة السبعينيات حين لم أتواصل مع نقابي متسلل كما يقول تيسير قبعة عن كل من يُحب من اليسار كما حدث لي مع أبو بكر الذي لم أقف على الكثير من أسراره إلا عقب الثمانينيات و ما لديه عن أسرار اتحاد الطلبة و ما بذل فيه أمثال رجب هنيد و مختار الغول و فتح الله انديشه، ليس فقط داخل البلد و إنما بفرنسا أيضا، فخسرتُ حينها ما كنت في حاجة إليه من دقيق الأسرار و ما يريح النفس على إيجابية من نحب، فلم تأت إلا بعد فوات الآوان و إن كان الأولون قد قالوا أن تأتي متأخراً خير من ألّا تأتي مطلقا، فمثل هذه الأحاديث إلى جانب وسائل التواصل و التدوين عبرها تدفع إلى الإيمان بأن المدنية ممارسة و ليست جغرافيا معاشة، و ليست إدعاء كثيراً ما أعوزه الدليل. فقد فرضت الإلتزامات الأسرية على جامعيي تلك الأيام أن يتقدموا لشغل بعض المواقع طبقاً لما تسمح به المحاصصة و التوازنات التي طالما قللت من محاولات الإقصاء، و إن لم تحل دون التورط في إكراهات الصراع و القبول بشيء من سلبياته، بما في ذلك الإنجرار إلى بعض المشاجرات الي قصد بها إثارة بعض النعرات و تمزيق النسيج الإجتماعي تأسيساً على النظرة الماكرة التي سفّهت الإنتخابات من حيث شرعيتها و صدقها في تمثيل الناس لتدفع مقابلها بالثورية و الإخلاص و قل ما شئت من النعوت التي لم تكن تهدف إلا لإخفاء الغرض الحقيقي الرامي إلى الإعلاء من شأن السلطة و إعطائها اليد الطولى في كل إسناد من الإسنادات، إذ من خلال تلك الصيغة أمكن دخول البلاد في دوامة من المشاجرات المتتالية التي كثيراً ما انتهت بوفاة أحد المتشاجرين، ليأتي بعد ذلك النظام و مجموعاته القبلية المُنتقاة من أكثر من جهة بدعوى المصالحة و دعوة الجميع للتسامح في مهرجانات الموائد و الأهازيج و الدعوات الصالحة و من ثم الأفراج عن كل من اقتضت ظروف الأمن إيقافه فيخرج تحت مصطلح لا ضرر و لا ضرار، مما لا يقبله في الغالب أولياء الدم، أو من كان تضررهم أكثر و لو بدون وفيات، فلا يكون أمامهم سوى القصاص بأيديهم و هكذا لا يفرغ الأقارب و الجيران و من في حكمهم من مشكلة حتى تأتي أخرى، أما و أن درجة الإخلاص و مستوى الولاء قد أجاز للعهد أن يزود من رآى أهليته لحمل السلاح، فلم يكن أمام عديد المواطنين سوى أن يسلحوا أنفسهم على الرغم من أن العهد قد حرّم حمل السلاح بعقوبة الإعدام، إلا أن الثابت في كل أرجاء البلد أن هذه العقوبة لم تُنفّذ يوماً إلا على من جاهر بمعارضة السلطة، أما حقوق الناس فليس من المستبعد أن يكون الحض عليها هو المطلوب، و هي أجواء كثيراً ما صرفتنا عن الحديث حول عديد القضايا الوطنية لأن ضغوط القرية أقوى بكثير من الهموم الأكبر، خاصةً حين يرتفع مستوى الشك على ما عداه من مختلف الشئون، إلا أن الذي يمكن للمرء أن يذكره هنا بكل الثقة، أن مبدأ التحفظ و الحذر من المبالغة كان الخيار المفضل للجميع، على أن هذه الذكريات التي طالما أفلحتْ عند روايتها في إمتاع الكثير من سامعيها سواء كانوا مجرد حريصين على الإطلاع بشأن ما حدث بالأمس ليس أكثر، أو لإرتباطهم بمن يمتون لهم بصلة من الصلات مع بعض المشاهير الذين عاصروهم و ما يتردد في هذا الصدد من استشعار الخسارة عن عدم تدوينها بما ينتج عن ذلك من خطر النسيان و خسران الإتعاظ جرّاء ذهابها مع راويها الذي لا مفر من اختفائه ذات يوم و يختفي معه ما ينبغي أن يُصان من كل ما يمت إلى الذاكرة الجمعية بصلة باعتبارها الأثمن في رحلة التاريخ و دور الرموز، و هو شعور لا يملك المرء إلا أن يعتز به و يقدر المحرضين عليه و العاتبين على التأخر فيه لولا أن الكثير مما ذُكِر لم تخلُ منه عديد التدوينات التي صدرت مطبوعة في أكثر من كتاب، أو ضمن ما أمكن الدفع به إلى هذه الشبكة التي صارت في أيامنا هذه مكتبةً أو إرشيفاً تعجز أمامه كل محاولات التغييب المقصود و غير المقصود، أما إذا أضفنا إلى ذلك ما حفظته الإذاعات المسموعة و المرئية حول عديد الأعلام من وطنيين و غيرهم منذ أن انتهت سنوات التغييب المتعمد و بالذات الذي اتخذ من محاربة النجومية غطاءً له فيما كان الأمر لا يخلو من نظرة قاصرة و أنانية ضيقة، و أياً ما كان الأمر فإن الإحساس بالتقصير و الإحساس بظرورة المثابرة و محاولة الإضافة تلو الإضافة ستكون دائماً رأس المنتظر من المساهمة التي نتعشم أن تتلو هذه المقاربة و التي ربما تكون جديرة بأن ندرجها تحت عنوان "شيءٌ عنهم و منهم و إليهم" فما زال في التحاور معهم و البقاء بينهم و الإصغاء إليهم ما يعطي الكثير من العزم و الكثير من شحذ الذاكرة بِسِيَّر الذين طالما ملاؤوا الواقع الصغير الذي أظفى على الواحة أخلاقيات المدينة و أوجب على كل ذي قلم أن يستدعي ما عايش أو سمع ليستنبط العِبَر النافعة و الحِكَم المفيدة و الروح الغنية الخلّاقة لموفى استعادة الأحداث و مراجعتها و إعادة قراءتها بما يصحح المفاهيم و يزيح الخطأ و يقوِّم المسيرة و ينصف الكثير ممن ظلمهم التاريخ فغيبهم أو أتاح لهم الإستيلاء على ما ليس لهم، و عسى أن يكون في الحراك الذي ينطلق من النادي الأهلي ما يصحح و يحفز و يقطع دابر الإحباط و المحبطين. انتهى


__________________________




فأيام المؤمل سوف تأتي

أمين مازن

12-8-2019


أتاح لي متسع حلولي بين أحضان اﻷهل و الوفاء بواجب صلة الرحم أن أغشى المجالس المرتبطة بأكثر من شأن، مباشرة أو من خلال ما يثار، انطلاقاً من الموسم الثقافي للنادي و المُحدد له يوم اﻷربعاء، فكان من الواجب أن يكون ما أمليه من تدوينات بفضائي هذا على صلة مما دار مباشرة كموضوع الصيرفة اﻹسلامية، التي طُرحت بيوم اﻷربعاء 2019/07/03م أو ما استعادت الذاكرة حول مؤسسة النادي، الذي عرفناه من بعيد في بداية العمر، حين كان آباء تلك اﻷيام رواده، و ارتدناه بعدهم، عندما آن اﻷوان، بل لعلّه كان صاحب الفضل اﻷساس في وضع اللبنة اﻷولى لما تيسر اﻹدﻻء به في المدينة الكبيرة، التي منّت اﻷقدار بشيء من الحضور في عديد ملتقياتها، و اﻻشتراك في تسيير الكثير منها، فقد أثلج صدري أن أشهدهم يتحلّقون من جديد داخل هذا الفضاء التاريخي، و تحت عنوانه الخالد و الذي لم يكن، و كما لن أسأم من التكرار، إلا محاولة ذكية من رجال ذلك الزمان للحفاظ على مشروعهم الوطني، ليس لإرتباطه بمقر الجبهة الوطنية المتحدة التي كان مقرها في ذات المبنى، و إنما ﻷن أكثر الذين كانوا من قيادي الجبهة قد جاءوا على رأس النادي أو باركوا انبثاقه، و حَسبُك أن على رأس من حضر تأسيس النادي يومئذ هو نائب رئيس الجبهة الشيخ علي العربي الذي خص الحضور بقصيدة مطلعها:
أﻻ يا صاح نادي القوم نادي
فإن القوم يفتتحون نادي
و هو نفس البحر الذي سبق أن سلكه في أشهر قصيدة ألقاها عقب الحرب و في معرض اﻻحتفاء بخسارة هتلر، التي جاء فيها قوله
فما أشقاك يا هتلر فلولا
قضية دانزكا* لبقيت هاني
مُسجّلاً بذلك انتماءه للجيل الذي أدرك خطورة النازية و كان من ضمن المحتفيين بخسارتها الحرب أي نفس الموقف الذي قرأناه و نحن نطرق أبواب الوعي و نترسم طريق طلائع اﻷفكار التي أسست للأدب الهادف و الفكر الملتزم، إلى غير ذلك من المفاهيم التي كُنا و مانزال من حملتها و المؤمنين بجدواها و الداعين لها، فالنادي و الحالة هذه يمثل أول أرحام التخلّق الفكري الوطني بالنسبة لي و تجلياته في القراءة، و المداومة على اﻹنصات للبرامج اﻹذاعية عندما كان جهازه المسموع من أقوى أصوات اﻷجهزة لما كان يذيعه من أخبار و تعليقات و برامج و ألحان لمشاهير الفنانين و الفنانات مما ملأ الذاكرة بذلك المخزون الذي لم تزده الحقب الزمنية المتتالية إﻻ تألقا و خلودا و طرد أي طائف من كآبة أو قلق أو عجز عن التماسك. و من هنا رأيتني أُعلِّق الكثير من اﻷمل على مطبوعة النادي (اﻹخاء) حين حملت هذا اﻻسم المفعم باﻷمل و التصميم على ما قد أثبتت اﻷيام دوما أنه قد جاء في محله، مما يجعل من أوكد واجبات اليوم تبنِّي واجب اﻻلتفاف حول حراك النادي و الحرص على الدفع به نحو ذلك المشترك و اﻷحق بترتيب اﻷولويات لما يستحق المراعاة و التدبّر، و أخيراً اﻻنتباه إلى حقيقة أن النادي مشروع مدني بامتياز، فلا بد من توجيه مناشطه و الحالة هذه نحو المشترك و الحذر من كل ما قد يدفع و لو قليلاً نحو اﻻختلاف حفاظا على صون اللُحمة و إنجاز الممكن و اﻷدوم اقتداءً بما أراده له المؤسسون، أولئك الذين سعوا من خلاله للمحافظة على ما يجمعهم و يشرعن لقاءهم، عندما وُلِدَت الدولة التي حظرت الجبهة المتحدة و ما في حكمها كما تشهد الصورة المُكَبَّرة بإدارة النادي الجامعة ﻷبرز أعضاء الجبهة المذكورة عندما ضمهم أحد اللقاءات الرسمية التي دعا إليها والي طرابلس في العام الثالث من خمسينيات القرن الماضي عندما حرص رئيس النادي المرحوم محمد البشير الحاج سالم أن يضعها بين محفوظات النادي لكونه يتجاوز الرياضة إلى اﻻجتماع أو باﻷحرى السياسة فقد حملت الصورة معظم قيادي الجبهة التي اضطلعت بالعمل الوطني و التي كان من قياديها من خاض المعركة اﻻنتخابية ضد مرشح الحكومة في النواب و أبرز الذين عارضوا الوالي و لم يركنوا لضغوطه، أما غياب رئيس الجبهة الشيخ المختار عن الصورة فلدعوة شخصية من رئيس الوزراء لم ينس الحديث عنها في سنوات عمره اﻷخيرة عندما زاره السيدان عبدالمولى لنقي و سالم الكبتي كما تحدث هذا اﻷخير في تدويناته اﻷخيرة و هو يتحدث عن أعلام الوطن و لقد زاد من قدح زناد ذاكرتي ما قُرئ لي من تدوين العزيز الدكتور سالم عجيلي حول ما استعدت و استعاد عن مسقط الرأس فحق علي؟؟ أن يكون داخل هذه المصافحات كواحد من العناصر الكفأة و المعطاءة التي ضربت أحسن اﻷمثلة في اﻷداء و هي تجد فرصتها للعطاء ضمن اختيارات الإداري الكفؤ اﻻستاذ جاد الله عزوز الطلحي، عشية اضطلاعه بملف الخارجية الليبية حيث اﻻختيار القائم على المعايير الجامعة بين الكفاءة و التوازن اﻻجتماعي و ليس الشُللية و العائلية و المصاهرة و اﻷزقة البائسة، تلك التي ﻻ تدرك أي مستجدات و ﻻ تتسلح بأي سند من معرفة أو أهلية شخصية اللهم إﻻ المحاصصة التي طالما نهى القوم عنها و نأوا عنها و سخروها لمحترفي العلاقات العامة ممن يجيدون التسرب من النوافذ العربية و الدولية فيوهمون مغتصبي القرار بالخبرة و علم الله بعدهم عنها و براءتها منهم و مقدار انعدامها لديهم.
لقد استشعرت بالرغم من ضغوط اﻹحباط أن ثمة ما يدعو للأمل و يبعث على المسرة، مادام هناك من يتفكر في أسئلة الواقع و استحقاقاته في مثل هذه المؤسسة المحرومة شأن الكثير من مثيلاتها من أي رعاية أو دعم من مخصصات تُرصَد بإسم المجتمع المدني و ﻻ تذهب إﻻ لما يناقض ذلك و يتقاطع معه ﻷن سلطة اﻷمر الواقع و قوة محتكري القرار ﻻ تنظر إﻻ لمن يجيد مسح الجوخ و يهتف بلا حساب، فترى هذا النوع يصر على المحاولة تلو المحاولة و البذل تلو البذل، انطلاقا من أن زمن اﻹنصاف آت ﻻ ريب و رياح التغيير ﻻبد أن تهب، فكان علي و أنا استعد للتدوين و باﻷحرى إملاء التدوين أن أشد على يد كل من تمكنت من الشد على يديه و بالمثل قبول من احطت به واثقاً أن القادم أحسن و حبل الفتن مهما طال قصر، و ﻻ عجب، فقبل سبعين سنة و نيف قال الشاعر المنحدر من هذه الربوع في معرض شوقه لمدينته التي شهدت مولده و نشأته و تألقه و استطعم من ظلمتها شيئا من المرارة دون أن يفقد اﻷمل كما وثقت أشعاره الكثيرة و التي حمل بعضها هذا البيت المعبر:
و إن طالت و عاكسها لئام
فأيام المؤمل سوف تأتي
*"دانسكا أوغدانسك أو جدانسك هي مدينة بولندية، تُعتبر هي شرارة الحرب العالمية الثانية حيث ضربها هتلر في الأول من سبتمبر عام 1939 لتبدأ الحرب العالمية الثانية". انتهى


_____________________________





الشيء بالشيء يُذكَر

أمين مازن

23-5-2019


ستة عقود كاملة تتبعها سنتان، تَمُرُّ هذه الأيام على تعديل الحدود بين ما كان يُعرف بولاية طرابلس و فزان، بدولة ليبيا أو المملكة الليبية المتحدة التي أُعلنت قبل ذلك التاريخ بسنواتٍ خمس دولةً مَلَكِيَّة، على رأسها ملك دستوري هو السيد محمد إدريس المهدي السنوسي، عندما بُويِّعَ من الجمعية الوطنية المُمَثلة لأقاليم ليبيا الثلاثة، بيعة شخصية حُصِرَت ولاية العهد بها في أبنائه من صُلبِه، رَأَى في وقتٍ لاحق ،و لمجرد رجوح فكرة اليأس من الخَلَف، أن يوسِّع مفهوم البُنُوَّة ليشمل أخاه السيد الرضا و من ثم إبنه الحسن، مُنهياً على الأرجح ما كان يُخامر أبناء السيد محمد الشريف؛ أحمد، ممثلاً في ذريته، و صفي الدين، ممثلاً في شخصه، و ذلك قبل أن يفرض البترول استحقاقاته، فيُلغى النظام الإتحادي بالكامل لمجرد انتهاء الحقبة الأولى من عمر دولة الإستقلال "أبريل 63"، ففي الثالث و العشرين من مايو 57 أُعلِنَ رسمياً عن نقل تبعية منطقة الجفرة إلى ولاية فزان و غدامس إلى طرابلس بموجب اتفاق رعته الحكومة الإتحادية بانتداب السيد عبد القادر العلَّام الوزير الإتحادي و عدد من المسئولين الذين مثلوا الولايتين إلى جانب عدد من ذوي الخبرة و الوجاهة، تحدث حولها يومئذ المهندس مصطفى بن حليم رئيس الوزراء، ضمن جدل كان أقوى أصحاب الحُجَّة فيه الشيخ عبد الرحمن القلهود عضو مجلس النواب و الوزير الذي لم يمضِ على خروجه يومئذ من الوزارة سوى فترة قصيرة إثر خلاف تحدث فيه الرجل بِمِّبَر جامع الباشا بطرابلس و شهد له بن حليم في مذكراته التي كانت أفضل وسائل الإنصاف للشيخ القلهود و أقوى الأدلة على السياسات الرامية إلى تجريد السلطة التشريعية من كل عنصر كفئ و لو كان ذلك على هيئة تشجيع الأسماء الأكثر قبولاً في الشارع و الأقل خطورة على السلطة كما حصل في انتخابات الهيئة النيابية الثالثة "فبراير سنة 60"، التي خسر فيها القلهود المعركة لصالح منافسه الأستاذ علي المصراتي و الذي يحظى بقبول أكبر في الشارع الوطني، لكنه أقل خطورة على السلطة من حيث المعارضة المفصلية كموقفه من التعليم الخاص الذي استُحدِثَ في مشروع كلية طرابلس و الذي قُوبِلَ بمعارضة لا نظير لها، حين نُظِرَ إليه كمشروع استعماري عارضه القلهود و خرج بموجبه أو أُخْرِجَ من الوزارة كما تحدث في خطبة الجمعة، و فصّلَ بن حليم مُبرراً اتجاهه ذاك في مذكراته و من منطلق الإشادة بالقلهود و تخطئة فكرة تعديل الحدود بين الولايتين، لما رأى فيها من إضرار بطرابلس، و أذكر أنه قال في الجلسة المذكورة ما معناه أن رئيس الحكومة يقصد نفسه، مُتهم في الحالتين، و أن الحالة الثالثة هي ترك موقعه كرئيس للوزارة و الجلوس بين زملائه في المجلس، إذ كان كان يومئذ عضواً لمجلس النواب، و على كل حال لقد غادر بن حليم رئاسة الوزارة كما غادر البلاد في ذات الفترة للعمل سفيراً بالخارج، تَحَرُّزا على ما يبدو و من مولد تجمع حوله كمسئول سابق له من الخبرة ما يؤهله لمضايقة السلطة عن معرفة، لولا أن بن حليم و لمجرد توفر الفرصة السانحة له بالعودة للبلد و الإقامة بطرابلس ما لبث أن تفرّغ لأشغاله الخاصة، و لم يُعرَف عنه أي تحرّك جمعي و إن لم يقطع التواصل مع مصادر القرار و ذوي التأثير من الليبيين و الأجانب، مما لا يدخل مع ما نحن بصدده، أو بالأصح ما نستشعر وجوب تدوينه حول هذه الحادثة التاريخية بالذات لعلاقتها بأهلنا في منطقة الجفرة و الذين لا مناص من أن يكونوا ضمن الوحدات الإدارية الأكبر عدداً و عُدة، إن على مستوى المحافظات أو الولايات، و على هديٍ من الحدود التي بدأت الناس و السُلَط التي تداولت عليهم منذ الأتراك، و أولاد امحمد و دولتهم، و أخيراً السيطرة الإيطالية، و ما أنتجت من وثائق أمكن الرجوع إليها أثناء التداول بشأن ذلك الإجراء و الذي لم تغب فيه رغبة السكان و ما خضعت له من عديد المؤثرات، و لم تخلُ كذلك من التناقضات، عسى أن يكون في ذلك ما يفيد القوى الفاعلة في المنطقة و التي لا بد لها من ملاحظة ما يتصف به بعض مُتصدري المشهد في الجنوب إذ لا يعودون للتواصل مع هذه المنطقة إلا عند التفكير في الإستفتاء على مسودة الدستور و النسبة التي فُرِضَت له و أشّرَت لأهمية المنطقة و دورها في ترجيح الكفة المطلوبة، فإذا بهم يضعون الجفرة في المقدمة، بعكس ما رَشَحَ عن الكثيرين من نزعة إقصائية إن و هم يشكلون وفودهم المُطالِبة بحقوقهم أو لمقابلة البعثة الدولية، إلى جانب التحضير للتجمعات، بمن في ذلك من سيفيدهم و يضاعف من فاعليتهم و لن يخسر شيئاً حين لا يشاركهم و ربما لن يقبل المشاركة معهم بالأساس.
و كانت فكرة ضم الجفرة إلى ولاية فزان قد جاءت على هيئة رغبة أعرب عنها المجاهد أحمد سيف النصر أثناء الإتصالات التي جرت لإعلان الدولة الليبية المستقلة، ليتبوأ عرشها السيد إدريس السنوسي، الذي لم يكن آل سيف النصر بمعزل عن جميع الخطوات التي مهّدَت له منذ أول بيعة حملها وفد مؤتمر غريان الذي شارك فيه الشيخ الطاهر الزاوي و البشير السعداوي و مصطفى الترجمان، عندما كان إدريس يُقيم في إجدابيا، و كان آل سيف النصر مقيمين بمنطقة الخُشّة بسرت، أو عقب الحرب العالمية الثانية و هم يحلّون بفزان مع القوات الفرنسية، فيما كان البقية في منطقة الفيوم بمصر، حيث التواصل مع الجالية الليبية و أولاد علي، عندما سُميَّ أحمد سيف النصر والياً لفزان و سيف النصر عبد الجليل نائباً للوالي، قبل استحداث منصب رئيس المجلس التنفيذي الذي شغله بمرسوم ملكي إلى إلغاء النظام الإتحادي، و كانت حُجَّة آل سيف النصر التواصل مع المنطقة الوسطى كي تكون أكثر فاعلية لخدمة العرش عندما مَهّدوا لها بإعطاء الأسبقية لأبناء تلك المنطقة في عديد الوظائف القيادية في الولاية الناشئة، الأمر الذي لم يكن موضع ارتياح لدى الكثير من أعيان فزان الذين رأوا فيه ما يدعم هؤلاء الحكام، غير مدركين أن النقص البشري لا بد أن يُسَد، إذا لم يكن من أبناء المنطقة الوسطى فسيكون من مناطق أخرى و ربما من غير الليبيين، و ما زلت أذكر مسودة طلب كلفني والدي بنقله، موجه إلى ناظر الخاصّة الملكية إبراهيم الشلحي بإسم مجموعة من أعيان الجفرة مُضمنينه رغبتهم في الإنضمام إلى ولاية فزان، و كان ذلك عقب أول انتخابات نيابية أُجريت في فبراير سنة 52 و استطاع فيها كبير المُتصرّفين الصدّيق المنتصر تحقيق الفوز لإبن عمه مصطفى عن دائرة الجفرة و تاورغا، و قد قيل يومئذ أن الفوز، لو تحققت النزاهة، سيكون للحاج سالم العكشي أو حميدة عبد الله و الإثنان مرشحان بإسم المؤتمر الوطني، الأمر الذي حدا بالسيد حميدة عبد الله حين وجد فرصة في خوض معركة المجلس التشريعي و يفوز فيها، أن ينحاز إلى الكتلة التي أصرّت على أن يكون الوالي مسئولاً أمام المجلس التشريعي، و هو ما قاومه الصدّيق و ضمن من أجله إقناع الملك بإصدار الأمر القاضي بحلّ المجلس، و ذهب إلى أكثر من ذلك فقرر حرمان المنطقة من ممارسة حقها الإنتخابي، فأوعز إلى بعض العناصر الطموحة لعضوية المجلس أن تتقدم بطلب جماعي تُفَوِّضُ بموجبه والي طرابلس باختيار ممثله من العشرة الذين يعطي القانون حق تسميتهم للوالي بأمر أو مرسوم ملكي، فَقَبِلَ البعض الفكرة و رفض البعض الآخر، و كانت المفارقة أن جاء التعيين مخالفاً لوعود المُتصرّف، و يومئذ تنفس الناس الصعداء و تولَّد لديهم شعور أن أي مراجعة للدوائر الأعلى قد تدفع لإعادة النظر و التراجع. لقد جرى ذلك وسط جملة من ردود الأفعال و تقاطع وجهات النظر بين الذين تبنوا هذا التوجه و الذين استفزتهم بعض القرارات التي طالت بعض العناصر التي تمت الإستعانة بها للعمل، ثم انحازت لما عرفته سبها من تحرّك معادٍ للوالي و المجلس التنفيذي مما لا يتسع المجال للتفصيل فيه، إلا أن المهم أن ذلك الإجراء قد دخل وثائق الدولة، و خريطتها العامة، و تقسيماتها الإدارية المترتبة على الجغرافيا و الكثير من أحداث التاريخ، و التي تؤكد وجاهتها لكل مراجعة مسئولة و واقعية تعطي الأولوية لهذه الثوابت و ما تُرجّحه من وجوب المراجعة و التخلِّي عن العناد و بعض الخلافات المؤقتة و جدوى القُرب من البحر، و من المدن الأكثر توسطاً في الوطن و الأوسع مجالاً لمشاركة الناس، و الإستفادة من فرص العيش و إمكانية المساهمة على مستوى المجموع و الرموز و حقيقة أن الجفرة لا بد أن تكون ضمن وحدة إدارية أكبر، سواء تلك التي جرى اعتمادها منذ ذلك التاريخ و بموجب المراجعة التاريخية و الجغرافية أو الأخرى القائمة على الموقع الوسطي و التكوين العددي القابل للإندماج الفعَّال و ما يزخر به من التناسب العددي و حتى التقارب النفسي الذي يوفر شروط النمو و عوامل التطور و التخلص من جميع السلبيات الصغيرة التي طالما أوقعت كل من لم يستطع التخلّص منها في مستنقع العجز عن المشاركة و تحقيق كل ما يفيد الذات و المجموع، ما يدفع السلطة الأكبر إلى حسن استثمار المكان و ما يزخر به من مقومات البقاء و أسباب النمو و ضروريات الخدمة و حتى الإستفادة من الآخر الذي طالما يَمّمَ وجهه نحو هذا البلد الشاسع، قادماً من الشرق المُكتظ أو الغرب المتأثر بأكثر من صراع، ليجد في الوسط ما يساعده على التقاط الأنفاس و الوقوف القصير و المتوسط ليكون حسن التعامل أوفر إغراءً للإقامة الدائمة و المشاركة في معارك التنمية القائمة على التعاون و تبادل الخبرة و المنفعة التي طالما سكنت الذاكرة الجمعية و الأداءات المتعددة و التي كانت ذات يوم متجسدة في ما يمكن أن يوصَف برحلات الشتاء و الصيف، تبعاً لحركة الكلأ و جود الطبيعة و بخلها، و ما جعل منها كاملة من المناطق الإستراتيجية الموخية و المؤثرة بقوة في كل ما جرى و يجري، و خُطِّطَ و يُخَطَّط من طرف الآخر، صاحب الدور الحاسم و الفهم الأشمل و القدرة على حسن الإستشراف، كما روت حكايات تلك الأيام و نصوص الشعر الشعبي التي وثّقَت لمشهور الملاحم، إن و هي تحمل مواقف النضال الوطني و الإصطفاف الإجتماعي الذي أسس له السُليميون الأوائل منذ أول خروج على السُلَط الغاشمة التي كان من الممكن أن تدوم و تتطور لو لم تنحرف نحو المصلحة و بالأحرى الغنيمة، مما حدا بكل من امتلك مستوى من مستويات التعبير أن يُعَبِّر بالمستطاع، مما لا يقف أمامه أي تجاوز من التجاوزات التي لا تخلو منها أي تجربة حياتية، و لا يمكن الإحتكام إليها عند التخطيط المسئول للمستقبل، و سيكون من أوكد واجباتنا معشر شهود المرحلة و نحن نحاول التوثيق لما جرى في تلك الربوع مما حفظت ذاكرتنا عما عاصرنا و عما سمعنا من سابقينا، مستفيدين من هذا الفضاء الإنساني العالمي الذي لن يستطيع أي توَّاق لمصادرة المعرفة أو قفل أسباب الوجاهة بين القوم أن يتخيل إمكانية إخفاء الحقيقة بقدر ما سيُبقي الأبواب مُشرَعة على اتساعها للتواصل مع مختلف الأجيال و الأطياف و تذكيرها بمثل هذا الحدث المفصلي في التاريخ الحديث لما وافق من إيجابيات كثيرة، ليس لكل ذي عقل راجح إلا أن يقلل من شأن أي سلبية من سلبياتها كي لا يُتَخَذ منها أي مشكلة أو ذو أغراض صغيرة للتمكين للقطيعة أو تبديد الجهود أو الإنشغال بالماضي عن الفرص السانحة لبناء المستقبل، خاصةً حين يكون ذلك مرتبطاً بمصلحة الوطن ككل، حيث تمثل منطقة الجفرة حيث مسقط رأسنا و إحدى محطات انتمائنا و مشروع إسهام جيلنا في معركة الحياة، عبر مشوار لم يعد قصيراً أو خالياً مما يمكن أن يراجع و يقدم ما يفيد في زمن لا مكان فيه إلا للمجموعات و مثلها المساحات و تقدير الأولويات و الخبرات و تعويض الكم بالنوعية، و كبر المساحة بالتقنية، و قبل ذلك كله سلوك النهج الذي يُزيد عدد قنوات التعاون، و يسد كل فجوة تنذر بتسرب عوامل القطيعة، و قد حرصت على الصعيد الشخصي ألا أترك هذه المناسبة تمرّ، دون الإدلاء بما لدي من معلومات ليطلع عليها كل من يهمه الإطلاع، مؤكداً أن هدف الجميع كان مبعثه المصلحة العامة، معترفاً أن المنطقة قد استفادت من ذلك التغيير بما ارتبط به من زيادة فرص العمل و توسيع دائرة المشاركة، و إن لم تخلُ من بعض الأخطاء بل و التجاوزات، إلا أنها لا تُقارن بما رافقها، و أفخر بأن أكون قد جاهرت بذلك كتابةً عندما تسنّى لي تدوين شهادتي و كان مبرري المثل المعروف بأن "المِحوالة مذبالة و لو عروقها بالماء" مما يجعلني اليوم واثقاً من النأي عما يُعاب على الكثير ممن يتنكّرون اليوم لكل ما استحسنوه بالأمس، و ما حرصي على التكراراليوم إلا لعلمي أن الأمور مازالت مطروحة للأخذ و الرد و التشاور و التناصح، و أن ما تعرضت له المنطقة من توالي قدوم المجموعات المسلحة التي استولت على كل ما استطاعت الإستيلاء عليه، مستفيدة من ثغرة بقاء المنطقة تحت سيطرة المتنفذين حتى اللحظة الأخيرة، فبدا كل شيء في عداد الغنيمة و وسط سباق لم يُقصّر فيه أي قادم من هذه الجبهة أو تلك مما لا مناص من تذكره عند المراجعة و الإستعداد لقادم المراحل و ما تحتاجه من حسن التقدير و سلامة الإختيار، على أمل ألا تكون الستة عقود التي انقضت قد ضاعت سُدىً و لم تُضف شيئاً من الخبرة و المراجعة و التصحيح، و لعل تزامن هذه الذكرى مع هذا الشهر المبارك خير مناسبة للترحم على كل من عاصر تلك الأيام و شارك في أحداثها من باب توخِّي المصلحة العامة و الإعتزاز بما أسس الأوائل و من كان له أيضاً توجه عمد إلى المغايرة من باب التجديد و ليس القطيعة، إذ الحياة تتسع لكل اجتهاد أو تجديد كما أنه لا تزدهر و تنمو بدون التفاعل و تبادل الخبرة و القدرة على المراجعة و العودة إلى الصواب كلما ثَبُتَت علامات الخطأ و توفرت شروط التصحيح، إذ الشجاعة الحقيقية هي تلك التي ينتصر فيها المرء على نفسه امتثالاً للنص الخالد "إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ" فإن استكثر من يجد الوقت للقراءة تناول مثل هذه التفاصيل، دفعنا بالمثل التليد "الشيء بالشيء يُذكَر". انتهى

____________________________




يَغْشى الوَغَى.. ويَعِفُّ عِنْد المَغْنَـمِ

أمين مازن

18-5-2019


.لا أدري إذا كان ما قد حلَّ بغيري بعد هذا اليوم الذي دخل تجربتي العمرية قبل ستة و أربيعين سنة مضت 23-4-1973 سَيُبيح لي حق العودة لما تذوقته يومئذ من طعم المرارة و مشاعر الأسى، أم أن ما سبقني إليه من شرفاء المثقفين الذين رفعوا عقيرتهم استنكاراً لما لاحَ من سياسات فشملهم من الإشتباه ما دفع الطغيان إلى المسارعة بإيداعهم غياهب السجون و سَومهم سوء العذاب مما لا تزال آثاره على أجساد من كان على قيد الحياة ربما قبل ثبوت التهمة، و كذا الذين لحقوني على ذات الطريق ممن مرَّت على سجنهم العقود و ليس الشهور تفرض عليّ الخوض في حديث غير هذا الحديث، إن الإجابة ستختلف بين نظرة ترى الأحداث تُكمّل بعضها بعضاً و الدروس المستفادة توجد في قليل الزمن مثلما توجد في طويله، و كيفما كان تقدير غيري فلن أسأم العودة إلى ما حدث في ذلك الضحى الذي اِنْفَرَدَ بي إنسان لا يخلو من الوسامة و عرّفني بإسمه الذي لم أستطع الإحتفاظ به في حينه و صِفته الوظيفية التي حددها في المباحث العامة، و قد كانت حتى ذلك التاريخ تعني حسب معرفتي للواقع في ما قبل العام 69 تعني متابعة المجرمين، لأن السياسة كانت من مشمولات أمن الدولة، و ليس كما نصح الخبراء المصريون الذين استعان بهم العهد في البداية، لأفهم منه أي مُحدّثي رغبته في التوجه إلى البيت مع نصيحة بأن أذهب بسيارتي إن وُجِدَت، لأفعل ذلك و باتفاقٍ معه أمُرّ بروضة الأندلس لأحمل إبني طارق و هناء و رجاء، كريمتي السيد موسى أحمد رحمه الله الذي دخل السجن في الأشهر الأولى من عهد الفاتح و حتّمت الصُدَف أن أكون جاراً لأسرته التي خصص لها المرحوم امحمد المقريف أحد البيوت المُسترَدَّة من الطليان. ليكتفي يومئذ بكتابٍ ليس أكثر، إذ أتاح لي تأخّر الإعتقال لمدة أسبوع بعد بدئ الحملة أن أُبعِد كل ما لدي من كُتب يمكن أن تشكل المستمسك، تفاصيل تحدثت عنها في الكثير مما تمكنت من تدوينه، و لا سيما ما أودعته كتابي "المولد" الذي وسمته بالرواية و نشرته ضمن منشورات مجلس الثقافة العام، و اختير ضمن النصوص التي خُصَّت بقراءة بعض النقاد العرب في إحدى دورات معرض القاهرة للكتاب، كما خَصّته الجمعية الليبية للآداب و الفنون بندوة شارك فيها الدكاترة حسن الأشلم و محمد المالكي و الطاهر بن طاهر "جامعة مصراتة" و كانت مشاركتهم غاية في الإثراء و الإضافة كما أجمع أكثر من متابع، و كما لم نتردد في تثمينه عالياً و في أكثر من مقام، و قد يتعين أن أوضح من جديد أن تجنيس النص بالرواية لم يأت من باب الرغبة في الإنتساب لقائمة المُتعاطين مع هذا النوع من الأدب و ما أتاحه لمن سلكوا دربه من المزايا، و لا من باب الإستخفاف بشروطه، إذ كان الدافع الأول بالنسبة لي نابعاً من الحرص على تدوين التجربة و من أيسر الطرق التي تُسَهِّل على الرقابة تمريرها من ناحية، و عدم الإلتزام بنقل كل ما جرى من الأحداث و وُجِدَ من الأسماء من ناحيةٍ أخرى، و هو ما أشارت إليه الكاتبة أنيسة التايب، حين أُوكِلَت إليها مهمة القراءة. و قد كان التاريخ الفعلي للتجربة بالنسبة لي قد بدأ في ذلك اليوم، أي بعد ما يقرب من أسبوع إذ بدأت حملة الإعتقالات يوم السابع عشر من أبريل أي بعد خطاب المولد الذي اختيرت له زوارة، و كانت أيام الإنتظار لا تقل في أثرها على النفس أكثر من الذين طالهم التطبيق من البداية، ممن كانت متاعبهم أشد، لإنعدام الإستعدادات المتعلقة بالإيواء، فاستُعِين بالسجن العسكري فعومل المعتقلون من طرف الإنضباط العسكري معاملة المُذَنَّبين الذين يباشر معهم "بالفلَقَة" و دامت ثلاثة أيام، كان آخرها يوم الأحد، فطُبِقَت على الأستاذ على بو زقيَّة الذي كنيته في كل ما كتبت عنه بِإسم "أبو حسام" فقال السجَّان للحرس "عطيه غداه و حسّنه قرعة و خلّصه ثلاثة أيام فلَقَة"، فما كان من العسكري إلا أن فعل ذلك كله، و إذ كان من بين الذين شملهم الإعتقال السيد عبد الرزاق ابو حجر الذي تربط بينه و بين آل الغزالي صلة الخؤولة و قد تزامنت الإعتقالات مع موت أبيه فتمكن شقيقه محمود بأخذ الإذن له كي يحضر الجنازة، فكان أن وصلت المعلومة في وقتها و علِمَ بها المرحوم منصور الكيخيا فأبلغ به جُلّاسه لتأتي لنا لاحقاً مع المرحوم عامر الدغيّس في سجنه الكيدي و قد دعوته في المولد بالطاهر أي اسم والده من قبيل الرمز و كذلك كان دأبي مع الأعزاء الأكارم علي المعلول، محمد الهادي كريدان، سعود المنصوري، محمد عبد الله الغالي و يوسف عبد الله حمَّاد الذين ضمني معهم عنبر واحد في القسم الأول بالسجن المركزي عندما جاء بنا المرحوم عبد الله بوديب من الإدارة العامة للمباحث، ليستلمنا آمر السجن المركزي الذي هو السيد فرج الوحيشي أو بوسليانة و مساعده المبروك القويري، فنُقيم معاً بعد سبعة أبواب أُقفِلَت عقب مرور على المكتب الذي عَلَتهُ لافتة كُتِبَ عليها الآمر بداخله أكثر من منضدة، فوق إحداها كُتِبَ في لافتة صغيرة اسم الملازم المبروك القويري، خَمّنتُ أنه شقيق او قريب الحاج مسعود الذي طالما مرَّ مُتَفقّداً عبد الله أو داعياً إياه على وجبة من وجبات السمك التي اشتهر بها عند أقاربه، مما دفعني إلى التوتر، حين لم يكتف بحجز المصحف و معجون الأسنان، و سألني بلهجة غير مريحة و هو يقول "أنت مستعد..!"، لنستوي في العنبر بعد فترة وجيزة من خروجنا مجتمعين من المباحث العامة الشيخ علي المعلول، الأستاذ سعود المنصوري، الأستاذ محمود بريون، الشيخ محمد الهادي كريدان و المهندس يوسف عبد الله حمّاد و كان الوقت غداء فقُدمت الوجبة و لم نكد نبدأ حتى دخل علينا ذلك الشاب النحيف مُقدم اسمه محمد عبد الله الغالي، و لم يتردد في القول "اُظهروا لهم الجَلادة"..! و كان يوماً طويلاً قُطِعَ في الساعة العاشرة ليلاً عندما أُخرِجنا إلى الساحة لملء البيانات الشخصية لمن لم يملأ في المباحث، و كان أهم الأسئلة متعلقاً بالسكن و مكان العمل، فسّرناها سريعاً للإطمئنان على الأُسَر، لنبقى أياماً لم يقطعها سوى دخول الرائد الخويلدي الحميدي مرفوقاً بالضابط عبد الله بوديب و آخرين، حفظت له مخاطبتي بإسمي و سؤالي بين الجِد و الهزل، فأجبته بما دَوَّنته في تجربتي المكتوبة باعتباره وزير للداخلية، حرصاً على سوء الفهم، خاصةً و أنه لم يبخل بمخاطبة كُتَّاب تونس عندما رافقتهم لمقابلته بشهادة طيبة لخّصَها في أننا كُتَّاب لنا مواقف، سُجِنُوا في العهد المُباد "كما هي التسمية" و سجناهم إحنا.. كانوا يقولوا علينا عسكريين و احنا نقولوا حزبيين، و ضرب عليّ بوِد و بلهجتنا الشعبية "توَّة خلاص تسامحنا". توالت بعد ذلك الساعات الطويلة، الأيام، و الشهور في تلك التجربة و السنين بالنسبة لغيرها و غيرنا حفلت بالكثير، و ما من مرة حلَّ فيها شهرنا هذا أو يومنا هذا إلا و أطلَّت وجوه الذين طالما امتلأت بهم ساحات ذلك السجن قبل أن يسقط النظام في بِرَك الحقد و مهاوي الإنتقام بدل ما بدرَ به من اللين أو لنقل الحياء و عدم المفاخرة بالإنتقام عندما كانوا يُنَفّذون ما يُكَلَّفُونَ به خجلين، فترانا تذكر أخلاقيات عبد الله بوديب و ابراهيم الموشم و البرَّاني ناجي، "بِنِسَب بالطبع" كما نستدعي وجوه من سبق ذكرهم إلى جانب الشيخ فاتح و الشيخ يوسف نصير و محمد حفاف و عمر التركمان ،و محمد وعبد الحكيم العارف البشتي، و عبد العزيز الغرابلي و عامر الدغيّس و كامل عراب و جمعة نصر و عبد الحكيم الدنَّاع و الهادي الغَنّودي و أكرم بن خيَّال و عبد الرحمن الجنزوري و محمد هويسة، ممن إن غابوا الآن فسيكون لهم حيّزهم الآخر لِذِكر الكثير مما حملت الذاكرة عنهم، نتوقف أمامها ليس حقداً أو مفاخرة، إذ كلما حلَّ الثالث و العشرين من أبريل، كان له بالنسبة لذاكرتي المتواضعة ما له مما يستحق من سرد، عسى أن يجد فيه المشتغلون بالسرد ما يحفزهم لمزيد العطاء حفاظاًعلى تاريخنا الذي سطروا فيه أنصع الصفحات. كان العهد في بداياته الأولى و تأثره بما يتناوله الناس في جلساتهم ملموساً و التواصل معه بخصوص من هم في وضعنا ليس صعبا، و من هنا فعلى الرغم من الضجة الإعلامية التي رافقت التجربة و لم يمض على إغلاق الأبواب سوى أشهر ثلاثة، حتى فُتِحَت للزيارة، و أُخطِرنا أن ثمة من سيزورنا من الهيئات الدولية، و المرغوب عدم الحديث بأي شيء يستفز السلطة، و قد كان السرور كبيراً بما قام به الأصدقاء تجاه الأسرة من حيث التفقّد و الزيارات الأسرية، و مثل ذلك موقف الأقارب، و كم كان سروري شخصياً بما أحاطني المرحوم الزوي مبكراً أن ما كان تذيعه إذاعة المغرب عن أسمائنا لم يكن إلا نتاج ما يقوم به صديقنا الصغير في تلك الأيام الصدّيق كشلاف، الذي اتخذ من رحلاته شبه الأسبوعية إلى جربه فرصة لمراسلة إذاعة المغرب، و إحاطتهم بأسمائنا كسجناء سياسيين، الأمر الذي أزعج السلطة و فرض نوعاً من القلق و ربما الخشية، فبضل تلك المحاولة المبكرة تَبَيَّنَ أننا لسنا وحدنا و أن كل تجذير للعلاقة مع غير الأقارب و مع غير أصدقاء الرأي كثيراً ما تكون أجدى مما عداها و أقدر على ردع الظلمة، فرأيتنا في عداد الذين لم يكونوا قد سارعوا نحو مكاتب التعويض، و لم يحملوا بطاقة سجناء الرأي، فقد ثبت سريعاً أن الخروقات متأصلة في النفوس، و أن الكثير من طالتهم تلك المحن لا يقلُّون عمن أساء إليهم من الإجحاف بمن عرفوا و لو بتجاهله و حرمانه من أن يحمد ما لم يفعلوا، فلا يكون من عوض سوى قول ذلك الشاعر العظيم في ميميته الشهيرة... أَغْشى الوَغَى وأَعِفُّ عِنْد المَغْنَـمِ. و يغشى و يعِفُّ لمن قرأها بضمير الغائب، و في كلٍ خير، و شرفٍ و بركة. انتهى


_____________________________



ثمانون حولاً على معركة عافية

أمين مازن

4-11-2018

تستوقفني دوماً ذكرى معركة قارة عافية، تلك التي حلّت ذكراها يوم 31-10-2018 و أجد نفسي مُستَفَزّاً للحديث عنها و المساهمة في أي حراك يتعلّق بها، ليس فقط لأني حملت اسم أحد شهدائها، أو لِما ترتّب عليها من اعدامات طالت الأعمام و الأخوال و الأقارب، فمثل هذه الدوافع على قوة تأثيرها، لا تعني شيئاً يُذكر، حين يُنظر إليها من منظور أوسع و فهم أدق و أعمق، و بالتحديد حين يُعطى للظروف الموضوعية ما تمليه من الإكراهات، بما في ذلك ما يتعلق بالتخوين المجَّاني الذي شاع كثيراً في تاريخ الجهاد، جرّاء ما رافقه من تجاوزات طالت عديد الناس عندما ظنَّ الذين تسنَّى لهم تقدُّم المشهد تأسيساً على وجودهم كموظفين بالإدارة التركية و تباينت من ثم مواقفهم مع الغزو الإيطالي وفقاً لما تَحققَ لتلك العلاقة من حجم التفاهم مع السلطة أولاً و بقية المواطنين ثانياً، فاكتسبوا عن جدارة أو بدونها صفة القادة، و صار الخروج عليهم خيانة، أخذاً في الإعتبار أن السلطة الإيطالية و لا سيما في المدن، نظرت إلى هؤلاء نظرة لم تخلُ من التقدير بدليل اعتمادها لبعض الجرايات شبه الثابتة، كما أن المعنيين فيما يُرجَّح لم يكابروا في التواصل، إما لأن الإتفاق بين تركيا و إيطاليا كان ضمن ما برر ذلك، إو لإستحالة الهجرة بالنسبة للجميع أو احتدام الصراع الأهلي الذي بدأ مبكراً أو حتّمَ مبدأ الإستقواء بالغير، و بالجملة فإن كل مراجعة واعية لأحداث تلك الأيام لا يمكنها التقليل من تأثير الدافع الذاتي الناتج عن استشعار عدم اهتمام الآخر أو استخفافه، مما جعل امتشاق السلاح و المضي نحو المقاومة على الرغم من إكراهات التيئيس. و قد وَلّدَت هذه الوضعية لما كان يُعرَف بالمنطقة الوسطى و الجنوبية أن بقى المجاهدون وحدهم سادة الموقف، و المضطرين إلى إدارة شئونهم، إلى أن صممت إيطاليا على أن تضع حدّاً لما خلّفته هذه الحالة من نزوع للإستقلال و أقدمت على خطتها المتمثلة في ما أُطلِقَ عليه معارك الإسترداد تحت قيادة الجنرال مياني و بقية جنرالات الفاشيست، فكانت هذه المعركة التي أصرَّ المشاركون في القيادة على خوضها فيما كان الرأي المقابل انها غيرمُجدية، فكان الهجوم و كان تسلّق الجبل من الخلف إلى أن تدخّلَ الطيران، فخُلِّدَت في الذاكرة بواسطة الشعر الشعبي، و بما ترتّب عليها من نتائج أخطرها المحكمة التي انعقدت فور انتهاء المعركة ليُعدَم كل مُشتبه به و يكون التهجير، و يُفتح لاحقاً سجل الحسابات المُستحقة و غير المُستحقة، ابتداءً من الإدارة البريطانية التي أفصح كبار ضباطها من الذين كانوا يقضون الخدمة العسكرية من كبار المؤهلين عن صلتهم الوثيقة بالسنوسية ذات السلطة التي لا تُضاهى في تلك الربوع، و يبدأ الرجوع للتاريخ و معارك الجهاد، و على رأسها معركة قارة عافية، فيبدأ الإهتمام بذكرها مع قيام دولة الإستقلال و يبلغ الإهتمام ذروته عشية الإحتفال بالذكرى العاشرة للإستقلال، و الذي تزامن مع افتتاح طريق فزان و إعلان التعديلات الدستورية بموجب مرسوم ملكي بقانون أُحِيلت بموجبه الإختصاصات المشتركة إلى الحكومة الإتحادية، حتى إذا ما قُدِّرَ لذلك العهد أن يتهاوى بعد أربعين سنة و نيِّف من تاريخ تلك المعركة، فيُصار إلى إحيائها لغايات لم تكن مُبَرّأة من الغايات غير البريئة، بدايةً من الإيعاز للبعض بهدم النصب التذكاري الذي أُزِيحَ عنه الستار في العيد العاشر المُشار إليه، سعياً إلى استغلال التاريخ في تفريق الشمل كفلسفة منحرفة اعتمدتها السلطة لترسيخ نفوذها، و هو ما تنبّه إليه عديد العقلاء عندما نأوا بأنفسهم عن ذلك التوجه الهدَّام. و عندما تحل اليوم الذكرى التسعون لهذه المعركة، فما ن شيء يمكن الإسهام به لإحيائها كمحطة من محطات التاريخ، أكثر من ضرورة استخلاص الدروس منها على قاعدة الإحاطة بكافة الظروف و جملة الإكراهات، و في حذر شديد من المساس باللُحْمة الإجتماعية، حتى لا يكون الحديث عن الأمس هادماً لما ينبغي أن يُشَيَّد بقوةٍ اليوم، فالتاريخ لا يكون مفيداً إلا بتوظيفه لمصلحة الوطن في عمومه، و الإقليم في خصوصيته، بعيداً عن الإقصاء المُدمر، و التهميش الذي لا يضر سوى العاملين عليه، و المجد دائماً للوطن و من حفروا أسماءهم بالأمس في سجلّه الخالد، و يبذل أحفادهم اليوم الجهد تلو الجهد من أجل وحدته الغالية، التي كانت هذه المعركة واحدة من أغناها دروساً و أقواها تألقاً، و أكثرها مقاومة لرياح النسيان.  انتهى

______________________________

فَلَأياً عَرَفتُ الدارَ بَعدَ تَوَهُّمِ

أمين مازن

6-10-2018

إن الذي لا يخالجني فيه أدنى شك أن أكبر حفدتي الذكور، عبد القادر، و هو يختار العاشر من سبتمبر موعداً لعقد قرانه، و الذي تفرض التزاماتنا المشتركة أن أقوم فيه بدور الوكيل، لم يخطر بباله أن التاريخ المذكور يوافق الذكرى الرابعة لرحيل خاله فيصل الذي أودت بحياته إحدى تلك الشظايا التي عمَّت الطريق الساحلي الرابط بين جنزور و المدينة، و لم يكن أمامي على أي حال غير أن ألتزم بأداء المهمة، و حمداً لله على عدم وجود ما يكدّر صفو المناسبة، و قد كان من حسن الحظ أن رُجِّحَت قاعة العمل التطوعي عندما ترك أصدقاؤه البت في الإختيار لي، فلم تجثم لحظة الذكرى عليّ و أنا أتقبل تهاني الحاضرين باستعادة ذكريات ذلك اليوم الذي لم أحمل سوى ما نابني أمام تضامن الأهل و الأصدقاء، و لا سيما سلامة حُسني صديق الشهيد و رفيقه في ذلك المساء ليحضر سليماً بين متقبّلي العزاء مرفوقاً بعدد من أهله، و هكذا أخرجتني القاعة و لو قليلاً من سيطرة اللحظة، و هي على أي حال ليست مجرد قاعة تُبرَم بها العقود أو تُقام بعض الولائم، و لكنها من بين المباني التي شيدها الإيطاليون الفاشست في ثلاثينيات القرن الماضي، بعد تهجيرهم للأهل و قبل ذلك إعدام خيارهم عقب معركة قارة عافية و محاكمتها التي إضطلع بترجمتها أحد أحفاد ذلك الجيل د. محمد صالح الصغير فوضع بصنيعه الجيد حداً للكثير من اللغط الذي كثيراً ما اُستُدرِجَ إليه بعض السُذّج عندما انجرّوا للشخصنة المُدمرة غير منتبهين لآثارها السيئة على التاريخ و ما يزخر به من ناصع الصفحات الغنية بجميل المواقف و أشرفها و التي لا يضر بها شيء أكثر من الفخر المُعيب و ما يدفع إليه عادةً من الإستفزاز و تنمية ردود الأفعال و العجز عن تقدير سيئ العواقب جرّاء عدم الإنصياع لصوت العقل و استشعار المسئولية نتيجة كل تصرّف غير محسوب، و لأن لكل مبنى من هذه المباني التي صار الكثير منها اليوم في أمَسّ الحاجة للصيانة بالنسبة لذاكرتنا التاريخية الكثير من القصص المرتبطة بها، إن يكن مبنى العمل التطوعي هذا يعيد إلينا طيف محمود عبد الهادي الذي نهض فيه بأكبر الأعباء عندما كان يجمع بين النشاط الكشفي و التعليمي، قبل وفاته في تلك المشاجرة المُدبَّرة و التي لم يكن ليحصد شرّها لولا حرصه على تلاميذه في تلك الظهيرة، و تصرّ الإجراءات الماكرة على طي صفحة الفتنة تحت بند المشاجرة و ما تتيحه عادةً من العبث بالمسئولية و ترك أبواب الفتن مُشرّعة  كي ينشغل الناس ببعضهم تاركين للسلطة أن تفعل كل ما يحلو لها بالناس في حاضرهم و مستقبلهم، فإنهم يذكرون قبل ذلك تعاون المحافظ الذي حلَّ بين ظُهرانيهم في مطلع السبعينيات "السيد أبو زيد دورده" عندما راجعه أبرز شيوخهم في إمكانية تخصيص المبنى للمدرسة القرآنية المحتاجة إليه، فلم يكتف بالموافقة و حسب، و إنما ذهب إلى أكثر من ذلك فأكبر في محدثه الإهتمام و قد كان -أي الشيخ- ضمن المتقاعدين فعبّرَ عن وافر احترامه و اتخذ من الحادثة علاقة إنسانية لم يتأخر عنها يوماً إلى أن رحل الشيخ من الدنيا لتكون الحادثة واحدة من الأدلة على خصوصية دوره و إصراره على أن يكون ذا دور خاص و ليس مجرد عازف من العازفين، ليجبرنا لاحقاً على احترامه نحن الذين لم نُقدِّر له ذلك في السنوات الأولى ن السبعينات و التي بدأت بتجمع ندوة الفكر الثوري، تلك التي لم نغفلها في ما تيسّر تدوينه عن المرحلة بالقدر الذي سمحت به ظروف النشر و تجنّب الإحراج قدر الإمكان، و ما ينزلق إليه البعض بحجة الموضوعية، فيُسوِّدونَ تاريخ الأبرياء بقدر ما يسكبون من أسود الحبر على الصفحات، لقد أحالني البيت المجاور إلى أعداد المسئولين الإداريين الذين تداولوا السكن به، مرفوقين بأُسرهم أحياناً و بدونهم أحيانا، و ذلك منذ أن خُصِّص البيتان الأنيقان ليكونا إستراحتين للمسئولين الإنجليز قبل الإستقلال و طول فترة الحكومة المؤقتة، إذ قررت الإدارة البريطانية المؤقتة عقب الحرب مباشرة و سلخها للجفرة من فزان التي كانت "هون عاصمتها بالكامل" و لمجرد تثبتها من عدم وجود أي موارد تؤهلها للإدارة المحلية، أن تقسمها لمديرياتٍ أربع، أكبر موظفيها قاضٍ أو أقل أُسنِدت إليه مسئولية الإدارة و انتُدِبَ مدير الناحية بوصفه الأقدم و الأقدر للقيام بالأعمال الكتابية لترسو إقامته في النهاية بالبيت المجاور، ليسجل التاريخ جملة من الأحداث أبرزها رفض الإعتذار للمتصرّف الذي أعلن عن إنحيازه لمرشح السلطة خلافاً لموقف الأغلبية في إنتخابات 1952 و قد كان في احتفال عام، و قد نهض بذلك الحاج محمد عمر الدبري متحملاً المسئولية في شجاعة نادرة، و لم يستهجن أي من الأعيان موقفه هذا، و ما ذلك إلا لأنهم قد منحوا ذات يوم أصواتهم كاملة لمرشحهم، و حتى الموظف الذي أُجبِرَ على قبول وكالة مرشح السلطة خشية الإنتقام الشرس، فقد أصر على حجب صوته حتى لا يتناقض مع مواطنيه، كانت المباني مراجعة للتاريخ و لمواقف المسئولين الذين أصروا على اتخاذ المنشآت مقراً لأكثر من إدارة أشهرها ورشة الطرق التي نذكرها نحن شهود المرحلة بكثير التقدير لكل من كان في المسئولية، هو المرحوم عبد المجيد كعباز وزير المواصلات و نائب رئيس الوزراء عندما احترم الإلتماس الذي قُدِّمَ إليه، رافضاً كثير الضغوط.

لقد بقيت بيوت الضيافة و ما حولها حيث هي، و إن خُصصت لسكن البعض إلا أن الأوراق الرسمية تثبت أنها قد صودرت بدون تعويض، دون المساس بالمالك الأصلي و الشريك بالشراء، لتقفز إلى الذاكرة أحداث كثيرة و ذكريات أخرى تتعلق بالأمكنة و المسئولين، أكثرها إثارة لتدبّر الرواة ما نُسِبَ إلى المرحوم محمد شلقم عندما حلَّ بالمنطقة مُتصرفا، و قدم إليه أحد المراجعين حاملاً رسالة من مكتب والي فزان توصي و من قائل أنها تأمر بتخصيص بيت لحاملها، فما كان من شلقم إلا أن قال لمن جاءه خصص له بيتي فلم تعد لي حاجة ببيت هنا، و كان بذلك الرد يجمع بين الرفض و الإحتجاج، أما الموقف الآخر و لذات الرجل "أي شلقم" فقد تمثل في رده على مجموعة من الناس جاءت تطلب عدم السماح للسيد سيف النصر عبد الجليل الذي كان قبل ذلك التاريخ رئيساً للمجلس التنفيذي و يقصده الكثيرون و منهم الذين جاؤا محتجين فيقول قولته المشهورة (غباوين يا شلقم،إللي تعيشه في عمرك فايدة، عِشت و شكولك في سيف النصر) في تلميح الذكي، أن الدنيا لا تدوم و أن ود الناس أيضاً لا يدوم حين تزول السلطة، إذ لو لم تذهب السلطة لما حصل ما حصل في ذلك المساء، و قد قيل منذ الأزل "إذا أقبلت أقبلوا و إذا أدبرت أدبروا"، و نحن على أي حال في أجواء الفرح و في الأمكنة، و إصرار الناس على إنجاز ما ينتظرهم "فالحي يطلب سترته و الميت له حفرته" و لن يفلح إنقطاع الكهرباء في اغتيال فرحة من هو بصدد الفرح، و إن كان يوم العاشر هذا قد جاء بعد انقطاع الكهرباء لما لا يقل عن أسبوع، و ليس لي على الصعيد الشخصي سوى أن أعود للبيت فأستعيد أياماً مضت قضيتها قبل ما يقرب من أربعة عقود في تشييده عندما صح العزم أن يكون قران جميع الكريمات في ذات الربوع، و كذا عدم الدخول في مغامرة الغربة عن الوطن مهما كانت حدة الخلافات و مشاعر الأسى، بل لقد اتخذت من البناء تلك الأيام مبرراً لترك الإقامة بالمدينة بعض الوقت في مطلع الثمانينات تحديداً و ما شهدته من شراسة التنكيل بالمعارضين داخلياً و خارجياً، و ما قام به كثير الخيرين من تجنيب كل من يدركون براءته مما يُنسَب إليه  و يُدبَّر له سوءا، أولئك الذين طالما أثبتوا أنهم بدخولهم في الدائرة لم يكونوا معاول هدم بقدر ما كانوا ساعين في الخير حادِّين من السوء و لو بالقليل، لأن السلبية غالباً في الإبتعاد، اللهم إلا ذلك الإبتعاد الذي جنبنا حضور ما لا نُحب و لا يحبه لنا من نُحب، أثلج صدي بكل الصدق ما حرص على إظهاره جميع الأحبة و الأقارب طيلة أيام الفرح و إحياء فقراته النتكونة من التقليدي و الحديث، و قد مثلوا أكثر من جيل و من المدن الثلاثة فأعادوا للذاكرة ما شهدناه ذات يوم من أفراح المشاهير الذين وثقوا علاقتهم بهواة الفن من أشراف ودان و سوكنة إلى جانب مسقط الرأس فتحركت في الوجدان ذكريات الشباب القديمة عندما كنا لا نتخلّف عن أي مناسبة من المناسبات كلما حوانا المكان، و أشهد أني كدت أن أقدم على المشاهدة و لو من بعيد، و أعترف أنه لو لم يكن الفنان  الأستاذ علي عبد الجليل مشغولاً بتقبّل تحيات مستقبليه و قد منَّ الله عليه بأداء فريضة الحج و توجّب على الشقيق الكبير حميده أن يكون إلى جانبه فربما كنت بين من حضروا بطريقة أو بأخرى و قد ضاعفت من مشاعري هواتف الصديق زيان من القاهرة مهنئاً و متابعاً و مشتاقاً و مذكرني بالثالث عشر من سبتمبر 1962 عندما عقدت قراني على جدّة الحفيد و تكون أمه مُفتتح الذرية التي ورثت محبة خيرة من عرفت، و لم يقصّر الأحبة من جانبهم أيضاً، كما و لم تهز مضجعي أخخبار القتال بالعاصمة، فقد استمرأنا الهموم و لم يعد يهزنا دوي الرصاص، لولا أن توقف الإتصالات جراء أزمة الكهرباء يجعل فرص القلق أقوى مما عداها في تأثيرها على مجموع مشاعرنا و أنواع تعاطينا مع الحياة و الناس، فنحن شئنا أم أبينا نتاج هذه الأحوال مجتمعة، و كل من يخامره شك أدنى شك فهو واهم و أكثر من واهم، اللهم إلا بعض الذين مايزالون يصرون على العطاء غير عابئين بكل ما في الواقع من شروط التثبيط و دواعي الإحباط، و يكفي أن المجالس الإجتماعية قد أُعِيد تشكيلها من طرف العائلات بحيث لا يكون التمثيل للقبيلة و إنما للمجموعات المتآلفة و الشخصيات المشهود لها بالحد الأدنى من الإستقامة، خاصة و أن عملها تطوعي، و ان بعض الأنشطة المسيرة ذاتياً كمهرجان الخريف الذي ستنطلق دورته قريباً أنيط نشاطه الثقافي بلجنة مختارة من إدارة المهرجان ستكون أبرز مفرداتها حسبما رشح أصبوحة أو أمسية للأدباء و الشاعر الغنائي و الإنسان الذي لم يُعرف عنه سوى العطاء الجاد، المرحوم القاص صالح عباس، بما هو عليه من تعدد الإهتمامات و أوسع الأثر و الذي لا شك أن أمثال الفنانين كمال أبو زيد و مصطفى عبد اللطيف و سعد حموده و غيرهم ما سيتكفل بإعطاء صورة معبّرة عنه و تناول قوامه الإنصاف و التجرد و البعد عن الأهواء و النظظرات الصغيرة الضيقة،  و كان المهرجان قد حقق في دورته الماضية و لجنته التي أدارها باقتدار الدكتور درفون و إدارته الفنية التي نهض بها الفنان سعد حموده قفزة يمكن وصفها بالنوعية كما جاء في تعليقات عديد الحضور الذين لم يخفو ارتياحهم، مما يقوّي الأمل في أن تكون هذه الدورة أيضاً ليس أقل من سابقتها، إنطلاقاً من أن اللجنة هي ذات اللجنة فيما ستكون الإدارة من مشمولات أحمد ثامر المعروف بحماسه و تفانيه في العمل و حرصه على لم الشمل و تفادي النظرات الضيقة، و حسبه أن اعتمد برنامج اللجنة الثقافية التي اختارت هذا المثقف المعطاء و المعروف طوال حياته بالإنتاج و لا شيء غير الإنتاج، و لا سيما في الحركة الثقافية الليبية التي كان فيها دائب العطاء و تفادي أي نوع من أنواع الصراع الذي يخلط بين الفكري و المصلحي، مما يقوّي الأمل في أن تكون الدائرة أكثر اتساعاً و لا سيما فيما يتعلق بالمنطقة، صحيح أن التمويل ذاتي و لا توجد -حسبما علمنا- أي جهة رسمية راعية على خلفية أن الدولة لم تعط بعد للثقافة أي اهتمامٍ يذكر، إلا أن حشد الإمكانات المحلية و استنفار الكفاءات المقيمة حيث مركز المهرجان يمكنها حين يُحسَن استثمارها و تشعر بإعطائها المجال المناسب، فلا بد أن يكون عطاؤها أكثر جدية و اسهامها أقوى مردوداً، خاصةً إذا اتسم هذا المنشط بمشاركة الأصوات الجديدة أو تلك التي لوحظ عليها الإنسحاب بعض الشيء، إذ لا أضرّ بالعمل الثقافي كالسكونية و الإقتصار على وجوه بعينها، ففي مثل هذه الحالات ينعدم التجديد في الأسماء، بذات القدر الذي ينعدم فيه التطور بالنسبة للمعروفين. و عود على بدء، فبقدر ما أسعدني استثمار المناسبة لإستعادة عبق التاريخ و مواقف الآباء و كبار الإخوة و الأصدقاء الذين طالما انتصروا للتقدم، فلا شك أن سعادتي قد تضاعفت عندما رأيتهم في هذه الظروف الصعبة يستعدون لدورة مهرجانهم و تكون فقرتهم الثقافية مُكرَّسة للكاتب و الفنان صالح مصباح عباس، كشخصية معطاءة و غير مثيرة للجدل، اللهم إلا ذلك الذي يفرضه إختلاف الذوق و المناهج و معايير الإجادة و هو ما يتكفل ،حين يتوفر، بتحقيق مزيد الإثراء و إغناء المدونة المكتوبة، و الذاكرة التي لا تتغذى بدون التراكم و تلاقح الأفكار و تفاعل الرؤى كما هو معروف لدى الناس كافة. لقد خلصت في النهاية لتدوين ما تيسر لي من فيض الذكريات التي شكلت مادة هذه المقاربة، بما هي عليه من التداخل بين الخاص و العام، و في هذا المستوى من التوازن الذي لن أعطيه أكثر مما له، و لن أبخسه كذلك حقه، مُمعناً على نحوٍ خاص ما وسعني الإمعان في تأثير الزمن على الأمكنة و الأشخاص، إذ بدَت أكثر المباني على هيئة آثار قديمة، هي إلى إثارةالحسرة أقرب منها إلى ما عدا ذلك، فلم أجد ما أُعنون به ما دونت سوى معلّقة جدّنا زهير بن أبي سلمى، تلك الميمية الشهيرة تلك التي افتتحها بذكر دِمنة أُم أوفى، لأُصحِّف الزمن الذي حدده بعشرين حجة "أي سنة" لأزيدها خمسين ليكون البيت على هذا النحو

وَقَفْتُ بِهَا مِنْ بَعْدِ سَبْعِينَ حِجَّةً... فَـلأيَاً عَرَفْتُ الدَّارَ بَعْدَ تَوَهُّـمِ

و أكفّ أخيراً عن الكلام المباح، مدفوعاً بما ألمسه من كريم عناية المتلقين لما أدرج هنا و هم لا يسأمون تدوين ما يؤكد ذلك في الغدو و الرواح.انتهى

__________________________________


وَكَنزٌ لا تخَافُ عَليه لصاً *** خَفِيفُ الحَملِ يوجَدُ حيثُ كُنتَ

أمين مازن

3-6-2018

ذلك هو بيت الشعر الذي قفز إلى ذاكرتي، مما دأب على تلقيني إياه ذلك الأب الذي لم يكن يومئذ قد دخل مرحلة الكهولة، في تلك الفترة من أربعينيات القرن الماضي حين لم يبق في ذلك الواقع الصغير سوى ما لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة من الكتاتيب التي حُدِّدَت في جامع غميض الذي فتح محضرته الحافظ الفقيه مادي الغول، إثر وفاة الفقيه محمد الأمين فكرانة الذي طالما اتخذ من بيته مكاناً لمهمته الجليلة هذه و قبل أن يلوح ما ينذر بزوال الإستعمار الإيطالي، إلى جانب الجامع الكبير الذي تولّى في هذه المهمة الفقيه محمد الخير، فيما عمَدَ الفقيه على العربي إلى فتح محضرة الجامع الصغير لمجرد قضائه عقوبة الإقامة  الجبرية التي كانت السلطات الإيطالية قد فرضتها عليه لمدة سنتين كاملتين و إقصائه من خطابة الجمعة، فتُتيح الجيرة و الأُخوَّة بين الشيخين دخول الكِتَّاب قبل الخامسة من العمر، لأتعلّم الكتابة في سرعة لافتة و تظهر من ثم علامات الذاكرة، فلا يتردد الوالد المجبول على ترديد الكثير مما يستظهر بالجهر في تلقين الإبن الوحيد مما كان يشغل باله، و لا سيما النصوص المُحَرِّضة على حفظ القرآن و إتقان القرآن و أحكام القرآن، فتكون تائية الألبيري الشهيرة الحاوية لنفيس نصائحه لإبنه أبي بكر التي جاء فيها قوله "أَبا بَكرٍ دَعَوتُكَ لَو أَجَبتَ, إِلى ما فيهِ حَظُّكَ إِن عَقَلتَ" و التي من بينها هذا البيت الزاخر بالحكمة و التحفيز على الحفظ و العمل "وَكَنزٌ لا تخَافُ عَليه..إلخ" فتحاصرني في هذه الأيام الرمضانية، و أتخذ منها عنواناً أُدَوِّن تحته بعض ما يستدعيه المقام لإستعادة زمن ساءت فيه أحوال الأهل فوجد الكثير منهم في القرآن ما جنّبهم التعيّش على كل ما هو صعب و شاق، حكايات كثيرة كانت تُروَى عن حياتهم الهنيئة في كنف القرآن و بفضل تعليم القرآن، و بالذات الذين ساقتهم الأقدار إلى معاشرة كبار القوم فتطورت رفقتهم إلى شراكات قوية و ارتباطات واثقة و مواقف إنسانية متبادلة، لقد حالت في البداية بينهم و بين الفاقة و ضيق ذات اليد و أنقذتهم من عذاب الفِلاحة البدائية و ملوحة الماء التي لا ينتج معها أي زرع، فيشكل الإنشغال بالكِتَاب المَخرَج الأسلم من تلك الأحوال الكئيبة التي سيطرت على ذلك الواقع الصغير، الذي شهد قبل ذلك حالة تشبه الغزو تمثلت في إخلاء جميع المنشآت التي تركها الإيطاليون مكتظة بالأسلحة من جميع الأصناف و المحركات متعددة الأنواع و مثل ذلك إطارات السيارات و ما لا حصر له من الصناديق التي أُخرِجت جميعها و حملتها الشاحنات الكبيرة التي قيل أنها تابعة لشركة ناحوم الذي تبيّن للعارفين أنه أحد اليهود، ليأتي بعده أجنبي آخر تظهر عليه علامات الهيبة، قيل أنه إيطالي و قد اشترى هو أيضاً البقية الباقية من كل ما يمت إلى العمران بصلة، حتى لقد تبادر إلى بعض الأذهان أن المباني هي الأخرى توشك أن تُهدَم، بل إن بعضها طاله الهدم بالفعل لحاجة الساكنة إلى الإنتفاع بها في عمليات الترميم عندما اتخذوا من الحديد و الخشب بديلاً لجذوع النخل، ليس في الأبواب فحسب و إنما السقف أيضا، ففقدت البيوت طابعها القديم، و قد استوت في هذا التوجه القرى الثلاثة التي تكوِّن المنطقة عندما جاء الأسطى عبد الوهاب الاشهب و كُتِبت لافتة كبيرة الحجم حَمَلت اسم قائمقامية الجفرة، لنُدرك لاحقاً أنها كانت خالية من اسم السلطة، و يذكر الكبار أن هناك من لاحظ لهم أن من كتب اللافتة المذكورة لا يُراعي قواعد الخط و عرفت الأجيال التي خلفت أجيال تلك الأيام الكثير عن الخط و غير الخط، و تغيرت مهمة المبنى من مركز للسلطة بالكامل إلى مركز للأمن و شُيِّدَ غربه آخر شهد الكثير من الصلاحيات و الصفقات و مستخرجات الصراع، كل ذلك بعد أعوام من الكساد بِيعَ أثناءها كل شيء، فقد كانت الفترة الإنتقالية شديدة الوطأة قاسية الأثر على المتساكنين عندما هاجروا زرافات و وحدانا، و لم يعودوا إلا مع الدولة الوطنية التي وُلِدت مهيضة الجناح غارقة في بحارٍ من اليأس، إذ كانت التعبئة السياسية الدافقة نحو ذلك الإتجاه أكبر من أن تُوصَف و كان للشعر  الشعبي دوره غير العادي في التمكين لروح الإحباط و عدم الثقة في أي تحرُّك مُنتظر، لولا أن جذوة الأمل كانت لدى القِلّة أكثر اشتعالا، و كان أن أخذت الِقلَّة بالتنامي، و تكفلت الأيام بطي الكثير مما طرأ، و إن لم تستطع بالطبع أن تَعدِم من الذاكرة ما لم تذهب به عواصف العَدَم، جراء توالي العهود و الأعوام، و ما تزال الأبواب الثلاثة الواقعة غرب المتاجر المُلحَقة بالجامع و حملت عنوان معرض المقتنيات تمثل علامة عند العودة إليها.

لقد مضت تلك الأيام حقبة إثر حقبة، حاملة معها المفرح و ما دون ذلك، و تحقق لذلك الأب الكثير مما أمّل، و أقنع نفسه بما لم يتحقق، و كان طول العمر و حسن العمل و نعمة القبول في مقدمة ما منَّ بها الله عليه، و لم يبخل يوماً بإشهار رضائه و كبير اعتزازه، و قد كان في ذلك وفياً لما عاهد عليه شيخه سيدي علي الغرياني عندما قدمني له لأول مرة عشية دخولي المدينة، و كان لحسن دعائه ما جعلني دوماً على صلة بذلك الكنز الثمين، صلة تتجاوز التكرار اليومي للمقرر، إلى التأمل و الإفادة من مخزون ما أنجزه كبار المُفسرين قديماً و حديثاً ممن شاءت الأقدار أن أتواصل معها منذ أن وُفِّقت لاقتنائها ذات فرصة، ربما لم أدرك عظيم الإدراك ما هي عليه من الأهمية قبل هذه الأعوام الصعبة، عندما أصبح ثمن الكتاب مستحيل التحمّل  على كل ذي دخل محدود، فصارت الأمهات بمثابة رؤوس الأموال، و التي لم يتردد عديد الحذَّاق من تهريبها مبكراً و في غفلة من كل حارس مؤتمَن، فكان في اقتنائي لتفسير التحرير و التنوير للشيخ بن عاشور ما زاد من يقيني لأهمية ما استظهرته في ذلك الزمن كلما فتحت هذا السِفر العظيم الذي جمع بين قراءة الإمام قالون التي فتحنا عليها عيوننا ذات يوم نستظهر و نضبط، و نعود الآن مُغترفين من فيض علم هذا الإمام الكبير الذي أودع في عمله الخالد هذا حصيلة قراءاته لسابقيه و ترجيحاته لما يرى، و أعطى للجانب الأدبي و اللغوي و التاريخي ما وفر نكهة غير مسبوقة و تميُّزاً هيأ لكل من يقدم على قراءته أن يجد فيه كل ما يمكن أن يغنيه عمّا سواه من التفاسير، و قد تولدت لدي على الصعيد الشخصي، و بفضل مداومة القراءة على هذا التفسير وجهة نظر لن أتردد في الجهر بها و الإلحاح في مطالبة أولي الأمر بتبنيها و نحن نقرأ أخبار هذه المسابقات الكثيرة التي طالما انتظمت هنا و هناك و حقق فيها عديد الليبيين من شبابنا تحديداً أعلى المستويات فأَمْتَن لذلك أيما امتنان شأن الكثير من أبناء الوطن، لولا أن ما حفل به تفسير هذا العالم حول بلاغة القرآن و فصاحة القرآن و أسباب نزول القرآن و الأحداث التاريخية التي تزامنت مع نزوله و كتابته مما أجاد في تقديمه الشيخ بن عاشور، فوجدتني أدعو بكل القوة إلى وجوب اقتران الحفظ بقراءة التفاسير لما في ذلك من تحفيز على تذوق النص و فهمه والإستفادة من دوره التأسيسي في تربية الذوق و ترسيخ السليقة و تقوية الفصاحة لما يحفل به هذا التفسير من المزاوجة بين الأصالة و المعاصرة، و لا يغيب على كل من يبذل القليل من التأمل مدى استفادة هذا التفسير الرافع لشأن اللغة و فنونها، ما أعطاه بعض القُرَّاء لأحكام الوقوف و الإبتداء، أولئك الذين جعلوا من كل استظهار و حفظ كما هو مصطلح القُرَّاء الأوائل، لا يُراعي صاحبه مُتلقياً كان أم مُلَقِّناً أهمية هذا الركن التأسيسي و الذي لا مناص لكل من لم يعطه من ثاقب النظرة و قوة الملاحظة، من الإعوجاج الذي يتعذّر تقدير حجمه و يستحيل الخلاص من عاهاته، و ما من مراجعة بسيطة لعديد الآيات إلا و تؤكد هذه الحقيقة، بل و يجعل الدعوة إلى الإكتفاء بحفظ القليل من الآيات مع فهم أسرار الوقوف و الإلتزام بذلك، أدعى إلى تحقيق الفائدة القصوى من الإقتراب المتساهل مع هذا الشرط، نعم إن القراءة المرفَقة بالتأمل الواعي لمجموع المعاني و ما تزخر به من فنون البلاغة و التي يستحيل الوصول في غيبة الفهم الجيد و ما يتكفّل به من الوصول إلى أدق المعاني و أقوى الدلالات، و أقرب الأمثلة على ذلك التفريق بين العطف و الإستثناء و تأثيرهما على المعنى، حين يحصل السهو نقلاً أو قراءة، فينزلق اللسان إلى اللحن، حين يتضح الفارق الكبير بين القراءة المنطلقة من التلقين، و الأخرى المستفيدة من إعراب فقهاء اللغة، و في ذلك كله ما يدفع القارئ المتأمل إلى اكتشاف ما يزخر به هذا الكنز الثمين، عندما يمتلك من يُرزَق بنعمة تلاوته مهتدياً إلى جمال معانيه و نفايس أسراره، و لا سيما تلك المتذوقة لقوة الفاصلة و أهميتها في تأسيس مَلَكَة الإيقاع ذات الأثر في كتابة أي نص يُفلح صاحبه في تحصينه بعلامات الترقيم، و ما تظيفه للأثر من دفع المُتلقي إلى اكتشاف اسرار المعنى على نحو قد يتجاوز المُنشئ، صحيح أن الذين دعونا إلى الإستظهار ذات يوم كانوا متأكدين أن التأمّل يأتي في المرحلة الثانية، و أن اسلوبهم ذاك جعلنا عند ممارسة التأمّل نُدرك جدوى التلقين السليم، إلا أن تطور الحياة و توفُّر سُبل الدُربَة، يؤكد في زمننا هذا امكانية الجمع بين الحفظ و التأمّل، لو تحكّمنا في الأجزاء المستهدفة، إذ أن اتباع مثل هذا الأسلوب من شأنه أن يضاعف مردود هذا الكنز و جدوى امتلاكه إن صح التعبير، الذي تلقينا في سن الطفولة المبكرة تائية ابن الألبيري هذه في عديد الأبيات التي كان من بينها ما صدّرنا به هذه السطور،  و إن لم نعمل بالآخر الذي يقول "فلا تنسى سؤال الله عنه بتوبيخ عَلِمتَ فهل عَمِلتَ". و ليرحم الله كل من لقننا قولاً أو علّمنا حرفاً، أو قال في حقنا كلمة طيبة جَلبَت خيراً أو دفعت ضررا، مُستلهمة روح التائية الخالدة.  انتهى


______________________________

المرحوم سالم بلّامة إبن لخيرِ أب

أمين مازن

2-1-2018

هكذا يوالي الموت هجماته المدمرة، فيأتي على من نُحب و من لا نحب، إمتثالاً لإكراهات القدر، فلا يبقى سوى الترحّم و استشعار أعباء الزمن و ضغوط الحياة، فلا يبقى لنا و نحن نتوصل بأخبار رحيل من نحب سوى هذه الوسيلة التي صارت في زمننا سيدة المُتاح، و صرنا نحرص على إستثمارها خشية أن يحل أي مانع من الموانع. آخر الذين طالهم الموت عزيزنا سالم إمحمد بلّامة آخر أبناء المرحوم إمحمد بلّامة الستة الذين تركهم ذات يوم، فيهم من كان في عمرنا و فيهم من دون ذلك، و يومئذ تمكّن المرحوم محمد بشير الحاج سالم من موقعه في المتصرفية من إستخلاف الإبن عبد الهادي لوالده الراحل، غير مكترث بصغر السن، فقد كان المستهدف تدبير المعيشة للستةة و بما لا يضطر من يمكنه الدراسة أن لا يدرس، كان سالم هذا يمثل ما قبل الأخير، و لهذا تيسر له أن يستمر في الدراسة، و قد حواهم في وقتٍ لاحق قطاع التعليم و في الجنوب تحديداً، و من هذه المهنة عرفوا أعداد كبيرة من الناس، أما في زمن الإدارة الشعبية كما هو المصطلح فقد كان لسالم هذا دور آخر إذ دفعت به البلدة ليكون في موقع الشخص الثاني في الإدارة بمنطقة الجفرة و كان ذلك لكفائته من ناحية و لما إتصف به المرحوم إمحمد بلّامة من الطيابة و الحرص على عدم الإيذاء حتى و هو يُكلَّف بمهمة الجلد في زمن الإستعمار الإيطالي، فلا يتردد عن تقديم كل ما يستطيع حتى لقد كان يشارك الناس آلامهم على مرآى و مسمع من الناس، و قد أدَّى سالم مهمته على الوجه الأفضل، فإذا ما إنتهت المهمة إكتفى بتربية العدد المحدود من الأغنام، و الحرص على حثّ أبنائه لتلاوة كتاب الله ليبلوا البلاء الحسن و يستفيدوا من شيخهم الدكتور شُعيب الذي أفلح في تكوينهم و تكوين أمثالهم ممن حفظوا كتاب الله بأحكام التلاوة و أضافوا ما يتكفّل بفهمه على الوجه الأكمل، و عندما يمثّل رحيل عزيزنا سالم ما يضاعف من مشاعر الحزن و الإحساس بإمحال المكان من الأحياء فليس لنا إلا أن نُعزِّي الأبناء و الأصدقاء و نجدد الترحّم على بقية الأشقاء محمد و المهدي و عبد الهادي و علي و أحمد و عميد الأسرة محمد عبد الله بلّامة الذي يذكر كل متابع لما شهدته المنطقة من الأحداث تمسكه الدائم على الدفاع عن مسقط رأسه سواء و السلطة لولاية فزان في الحمسينيات أو بعد ذلك في السبعينيات، و قديماً قيل "وين خلّاك بوك يلقاك ولدك".إنتهى

_____________________________

كَمْ مَنزِلٍ في الأرضِ يألفُهُ الفَتى

أمين مازن

26-12-2017

غير عابئ بما لا حصر له من الضغوط المرجحة لخيار الغياب عن التوجه إلى مرابع الصبا، و مكان النشأة الأولى و لبنة التجربة، حملت حقيبة سفري و قصدت و كالات الأسفار لأمتطي مقعدي بسيارة الأجرة التي تقتضي ترتيبات الوكالة أن تكون الرحلة من نصيبها، أو واجبها، لا يهم؛ إذ إعتدت أن أُدون إسمي قبل الموعد بيوم واحد و بالأحرى مساء اليوم ليس غير، لأنطلق بعد ذلك ضمن الرُكاب، واثقاً أنني لن أعدم ما سيجعل الرحلة ممتعة أو على الأقل غير سيئة، إذ منذ أن وقفت بشارع المعرِّي و قرأت على أحد المكاتب المطلة على الواجهة إسم شركة "هون للنقل" و إستقبلني قبل ذلك أكثر من مُسيِّر قبل سنوات ست هويتهم لأشراف "ودان" وقفت على صدق ما سبق أن قرأت بأن المصالح  و لا شيء غيرها يفوق القرابة، ففي تلك الأيام و عقب تداعيات فبراير إضطرني نفس الإلتزام "المولد النبوي الشريف" أن أشد الرحال و تكون وسيلة النقل من سكان الحمَّام "سوكنة" الذي تركت له يومها إختيار الطريق الذي يحبذ السفر منه، الشويرف أو الساحلي، إذ لا حساسية لي مع أي طرف من أطراف الصراع. لم أغير مسلكي هذا كلما جد ما يدعوني إلى السفر، و في غيبة الإبن أو إبن الأخ و كنت دوماً أجد ما يشجعني على المضي في خياري هذا، حتى كانت هذه السنة، عندما تلقيت خبراً مفاده أن رسالة محلية المصدر، أي لم تتجاوز إختصاصات القسم المختص بالأوقاف "لو وُجِدَت السلطة الحقيقية"  منعت الإحتفال بالمولد النبوي الشريف و حددت ساعات فتح المساجد بأوقات الصلاة، فنصحت من إستشارني بعدم الإصطدام و حرصت على الذهاب أكثر من أي وقتٍ مضى، ليس من أجل المساهمة في إذكاء نار التحدي الذي أُدرك أكثر من غيري سوء عواقبه، و إنما لثقتي أن روح الحكمة ستسود و قد تم و الحمد لله ما راهنت عليه، إذ لم تكد قدمي تطأ أرض تلك الربوع حتى تبين لي أن الأمر لا يخرج عن الإجتهاد ليس أكثر، و ما هي إلا ساعات محدودة حتى إنتظم الحفل المهيب، داخل الصحن الذي ي يضمهم دائماً عبق التاريخ و تحفظ جدرانه و أسقفه و أعمدته و منبره و محرابه، و التي تؤرخ في مجموعها لأعداد كبيرة من البشر بدءً من التخطيط و التنفيذ و بالأحرى التحديث وثّقَت له اللوحة المُشيدة بجدار المدخل بالسنة السابعة و الثلاثين بعد التسعمائة و ألف من القرن الماضي، أشرف على عملية البناء هذه المهندس الإيطالي نيكلوزي، و كان الحاكم الإيطالي بيبالي، فوفر المشروع إنشاء مبنيين أولهما للحاكم الإيطالي و ثانيهما للمهندس الإيطالي لتتوالى بعد ذلك صياناته في أكثر من حقبة و أكثر من عهد، أحدثها  و أضخمها ما تم في تسعينيات القرن الماضي، وحده المحراب الذي أُبقي  عليه شاهداً على آخر تجديد قام به الأسطى أحمد بشير عندما رجع في شيخوخته عقب غربة دامت خمسين سنة فيجدد المحراب و أدخل عليه الديكور الذي ميزه، ليقفز إلى الذاكرة دائماً الفقيه الشيخ محمد الخير الذي إضطلع بالإمامة منذ أواخر الثلاثينيات و إلى أن أقعده المرض، غير أنه إشتهر بتقديم الكثير من ضيوف البلاد الذين تأتي بهم مسئولياتهم الوظيفية في سلك القضاء تحديداً ممن تحدثت عنهم في غير ما مرة، أشهرهم بلا جدال شيخنا الكبير الأستاذ على الديب صاحب الصوت الجهوري و الأسلوب البلاغي و القدرة الفائقة على الإرتجال، عندما باشر عمله في سلك القضاء و هو يطرق أبواب الشهرة رويداً رويدا، مبتدئاً بمعالجة الكثير من قضايا التاريخ و السياسة، مُتصفاً بعد خروجه من هناك بقدر غير قليل من التحدي لأكثر الشخصيات الوطنية شهرة في الشارع السياسي فيرأس المجلس التشريعي لولاية طرابلس و يكون في مقدمة مناصريه ممثل المنطقة المنحدر من ذات البلدة و أكثر الناس رعاية للمسجد هو الحاج إحميدة عبد الله، و تكون مثل هذه المناسبة حافزاً لي لنبش الذاكرة لعديد الأحداث التي طالما كانت اللقاءات الموسعة بشأنها تتخذ من الجامع متطلباً و يتولّى ممثل السلطة إشهارها عندما لم تكن مكبرات الصوت و ما في حكمها قد عمّت البلاد، بل و قد غابت الكهرباء سنوات و سنوات عقب هزيمة إيطاليا و سلطة الإحتلال البريطاني، و كذا ولاية طرابلس التي ترى في الواحات مجرد رقم صغير في المعارك الساسية، فترى من عاصر تلك الأحداث أو إستوعب ما سبقها من الرواة أو إنحدر ممن شاركوا فيها ممن لست خارجهم و يحلّون هناك حتى يسترجعوا كل ما عاصروا أو سمعوا من أشهر الأحداث فضلاً عن العادات أو التقاليد و من بينها الإحتفال بالمولد النبوي الذي يبدأ عادةً مع مطلع الشهر بقراءة مُخَمّسات همزية البوصيري و حميميته المشهورة بالبُردة و تبلغ الذروة مساء الحادي عشر من ربيع الأول حيث التوافد إلى الجامع الكبير حتى إذا أقبل الصباح أي اليوم الثاني عشر  من ربيع الأول كان اللقاء بالعروسية، هو تقليد لم ينقطع عنه الناس سنة واحدة، و لم تمنعهم عنه أعتى السُلط، و ما من سبيل لثنيهم ما لم تكن هناك قوة غير عادية، و مُقررَة من أعلى المستويات، و لأن ذلك غير موجود فقد خشينا أن يتطور الخلاف إلى اصطدام و أن يشتط من بيدهم شيء من السلطة فيتصورون أن إمتلاك شيء من القرار يمكنهم أن يصلوا به إلى هذه الإشكالية، لو لا أن  حسن الحظ قد ألزم كُلاً بالوقوف حيث هو، خاصةً و أن البلد و إن إختلفت على أكثر من صعيد إلا أنها لم تمس عطلة المولد النبوي، فحافظت المناسبة على شيء من هيبتها، و هكذا كنت  على الصعيد الشخصي في التاسع و العشرين و الثلاثين من نوفمبر بين الذين أحيوا ليلة المولد و صباحه في تلك الربوع فأسترجع هذا الفيض من الذكريات حول إحتفالات المولد و المحتفلين بالمولد طوال هذه الحقب من السنين، و التي طالما كنت فيها من المتحمسين لهذا التقليد، و على خلفية الإيمان بأن الأمر لا  يتعدى الإعتزاز بالتراث، و لا يخرج عن الإستمتاع بقراءة هذه النصوص العربية الجميلة، و لا سيما بُردة البصيري التي إتخذ منها الشاعر و الإمام فضاء أفرغ بواسطته جميل عواطفه و رقيق مشاعره، و ما كابده من أنواع الشوق الذي كان في حبه للرسول أكبر المعوض، ليأتي بعد ذلك كبار المنشدين الذين أسسوا بواسطته لذيوع فن الطبوع و كذا المقامات، أولئك الذين لم نُحرم من بروز العديد منهم في بدايات تكويننا الأول عندما تتلمذوا على على أبرز مدرسي الثلاثينيات "الشيخ محمود إدريس" و الذي ذكره الأستاذ السراج في كتاب عمره بإسمه الصريح محمود إدريزة، أبرزهم الفقيه مسعود قنَّه و محمد أبو بكر حصن و محمد السنوسي فقيه و عبدالحفيظ سنوسي كريّم، لقد كان هذا أو غيره لا يتجاوز التأمل في السيرة النبوية كما ذكرها كثير الرواة و تعميق النزعات الروحية، إذ لم يدر بخلد أحد أن الإحتفال بالمولد يمت بصلة إلى الفرائض أو السنن أو حتى المندوبات و يكفي أن المرحوم المهدي الخير المعروف بتضلّعه في الفقه المالكي و اللغة العربية قد كتب بخط يده أكثر من نسخة، كما أن الشيخ علي العربي يستظهر أكثر من متن، و لعلنا لم نزدد تمسكاً بإحياء ليالي المولد هذه فضلاً عما سبق ذكره، حين أدركنا سر محاربة النظم الخليجية للإحتفال بالمولد و الذي لم يكن أكثر من الإمتداد للصراع حول الخلافة في الإسلام سواء و الثورة العربية الكبرى يقودها شريف مكة من الحجاز و يتصدى له رجال نجد الناهلون من المذهب الوهابي الذي لا يعطي الأولوية لأهل البيت، أو من خلال ما أقدمت عليه الأسرة العلوية عقب سيادتها على مصر و إنطلاقها شرقاً بجيش إبراهيم باشا، فلا يخفى على كل ذي وعي سياسي أن الحديث عن الدين و التظاهر بالتوحيد و الضيق من البدع و غير ذلك كثير لم يبرأ من السياسة يوماً، تماماً مثلما إتخذ أهلنا من الإحتفال بالمولد و ليالي المولد طوال السيطرة الإيطالية و سنوات الإدارة البريطانية و لأكثر من مرة حافزاً لتجميع الناس و لا سيما المتقاربين في الميول المتصلة باليومي المتشح بالشأن العام، و ما نزال نذكر عديد المناسبات التي تلت خروج إيطاليا من تلك الربوع حيث كانت النبذة التاريخية المهمة التي أنجزها الشيخ علي العربي في أوائل الأربعينيات بشأن علاقة المنطقة بمعارك الجهاد و لا سيما التي قادها السيد أحمد سيف النصر و الذي حلَّ زائراً عقب خروج إيطاليا مباشرة، فأوجدت جلسات المولد البيتية و ما في حكمها من المساجد أشهرها جامع عبد الجليل الذي خصه عبد الله عبد القادر و صديق عمره أبو بكر حامد بتبنّي هذا النوع من الأنشطة كما رويت عن الوالد، ليكون آخر ورثة هذا النشاط الجامع لأكثر من هدف مولد بيت الحاج سالم بشير و لا سيما عقب الحرب الكونية الثانية حين سادت الإدارة البريطانية و ما إتصفت به من سياسة التقشف و الحرص على الإستفادة من ليبيا بدلاً من إفادتها، حين تبنّت الحد من المستخدمين و حصرهم في أقل عدد ممكن، حتى أن منطقة مثل الجفرة لم يزدد عدد العاملين بها على عشرين موظف، و تلك تفصيلات لها مكانها غير أنها تطل على الذاكرة لكل من تجمعه هذه المناسبة و مع هذه الوجوه التي تحيل إلى الأهل إن لم تقدم من عندها ما تقدم، على أنهم يمثلون عينة من مستجدات الحياة الليبية بما يشيع في الواقع الصغير من سوء التصرف الإداري و السلطوي، و هم على أي حال يمثلون عينة من عينات المجتمع الليبي و ما طرأ عليه من المستجدات التي طالما غلّبت الدنيا على الدين، و إن إدّعت أنها منحازة إلى الدين، إذ حين يرتبط السلطان الديني بالربح المادي، يكون القول بالدين ستار مهلهل أعجز من أن يستر عورة من العورات و عندما "وقف جواد المقال عن الإضطراد في الحلبة البيانية، و بلغ ضاعن الإملاء في فدافد الإيضاح منتهاه"، كان في وجود الحاج محمد الخير ما يذكرنا بذلك الراحل الكبير الذي لم يكن له مكان أحب من صحن الجامع الكبير، غير أن الحاج محمد العكشي لم يتمالك نفسه من أن يسهم بما لديه من صادق الدعاء، فتضاعف الإحساس بالألفة و الثقة بحسن القبول، إذ على مدى ستة عقود كاملة و العكشي يمثّل خير خلف لخير سلف و هو يقود الختم الشهري بلا إنقطاع، الأمر الذي أوجب التعاطي السريع مع مندوب الفضائية 218 في حواره حول المولد و إحتفالات المولد و يتم إختتام المهمة بالمشاركة في برنامج البلاد و الحديث في ذات الموضوع و حان في النهاية إستئناف الرحلة في إتجاه العودة للمدينة و لا شيء غير قول الشاعر من القدم

كَم مَنزِلٍ في الأَرضِ يَألَفُهُ الفَتى وَحَنينُهُ أَبَداً لِأَوَّلِ مَنزِلِ.إنتهى

_____________________________

في وداع المرحوم مصباح إبراهيم

أمين مازن

19-12-2017

حطت مطايا المنية بحي الشهداء في مسقط الرأس هون، مؤذنة برحيل أشهر الأصدقاء الذين سبقونا إلى الحياة هناك، و تعاطينا معهم على أكثر من صعيد، هو الحاج مصباح إبراهيم، الذي طالما وُصف عبر مشواره العمري و العملي بإسم مصباح المفرد العلم، كانت نُذر النهاية قد أطلّت منذ سنوات ثلاث عندما ثقل سمعه بشكل ملحوظ، و تتضاءل مناعته أمام البرد و هو الذي كان قبل تلك الأيام كان مثالاً للإحتمال، و يسخر في ذات الوقت من كل من يدعوه للذهاب للطبيب، لثقته أن للجسد عمراً لا يستطيع بعده أن يستجيب للعلاج. فقد أطلّت عليه التسعون بالحساب الشمسي و تجاوزها بالحساب القمري، و قد تزامن المرض مع الأحوال الإقتصادية السيئة و لا سيما نقص السيولة، التي كانت ضمن ما إضطر البعض إلى عدم الوفاء بإلتزاماتهم نحوه، و ظل هو مثالاً لكتمان سر أي مقصر، و في آخر المطاف إمتد المرض إلى الذاكرة، فكان ذلك بالنسبة لنا معشر عارفيه و مُقدريّْ رجاحة عقله و غزارة ذكرياته مدعاة لعدم التواصل معه، بحيث لم تحن ساعة الرحيل هذه إلا و قد أصبحت مسألة وقت، و قد غدت في تشبيهها تزيد على قطرة الزيت الصغيرة التي تبقى الأخيرة في الفانوس، فلا تهب عليها أصغر النسمات حتى تطفئها إلى الأبد. لم يكن فارق العمر بيننا كبيراً عندما إقتربنا منه في خمسينيات القرن الماضي، و لكنه كان يبدو أكبر بكثير، فقد كان من الذين وُلدوا كباراً إذ وجد نفسه مسئولاً عن مصيره من البداية جرّاء اليُتم الذي أُبتلي به عندما أُستشهِد والده في المعارك الأخيرة التي شهدها الجنوب حين كان المجاهدون يطلقون آخر رصاصاتهم قبل الإضطرار إلى الهجرة، و يومئذ كان إلى جانب والدته ضمن الأُسر التي أُرجِعَت من منطقة "واو حَريرة" فهو وحيد أهله، فكان أن نشأ مسئولاً عن نفسه و يتحمل بمفرده تجميع غلال نخيل جده و ينشغل بتسويقه، بل و المشاركة في التجمّع الأهلي الذي قاوم أول محاولة إستهدفت إحتكار تسويق التمر قصد التحكم في سعره، فيدخل في وقت مبكر الإصطفافات التي عرفتها البلدة الصغيرة و شملت من ثم المنطقة ككل، فاكتسب من ثم نظرة مستقلة و عزوفاً عن أي إقتراب من السلطة، فلم يقترب من الحكومة إلا عندما أُلغي النشاط الفردي و انظم جميع أصحاب الرخص إلى الدولة، تلك الخطوة التي إستطاع بواسطتها الأساذ بوزيد دوردة من موقعه كوزير للإقتصاد صون أصحاب الرخص من غول الحاجة، و التي قد تكون ضمن أهداف من روجوا لفكرة إلغاء النشاط الفردي من الحياة الليبية بذلك التطرف الذي تمت به، فعرض على كل ذي رخصة أن يكون ضمن أسرة الأسواق، بمرتب وصل الثلاثمائة دينار، أي مرتب مدير عام بالملاك الحكومي. و هذه خطوة لا بد أن تُحسب عند تقييم تصرفات الرجال الذين حملوا المسئولية في العهد، فأفلحوا في إختيار أخفّْ الضررين، أي نفذوا التوجه العام دون المساس بحياة الناس، و يومئذ وجد فقيدنا مصباح المكان الذي أهلته له خبرته، فقبل العمل بالقطاع العام إلى أن بلغ سن التقاعد، دون أن يتخلى عن دوره في العمل الإجتماعي، و الذي طالما كان فيه صاحب الرأي الصائب و الجهد المجدي، و المداوم الذي لا يكل. و لئن كانت الظروف العامة و الشخصية لم تسمح لي اليوم شخصياً بأن أشد الرحال إلى حيث الأهل و الأصدقاء و الأقارب و هم يتحلقون اليوم مودعين العزيز مصباح، فأكتفي بتدوين هذه السطور، فأجمع بين الخاص و العام، فلا يفوتني أن أسجل في معرض الشأن العام أن هذا الفقيد كان بالنسبة لي أحد الرواة المهمين الذين إستفدت منهم كثيراً و أنا أُكون فكرتي الواسعة عن الفترة التي سبقت وعيي بالأحداث بحكم السن، فقد كان لموضوعيته و تجرده الأثر الكبير في ما استطعت أن أكتب صراحةً أو إشارة، إذ لم يقلل من واثق رؤيته أي طائف من هوى قَبَلي أو عامل شخصي. عسى الله أن يرحم مصباح و يكرم نزله و يشكر سعيه و سعي كل من عرف قدره. و يعوض الجميع فيه العوض الحسن  .إنتهى

______________________________

زنقة التيتيوي و سيرة المكان

أمين مازن

14-9-2017

تُحيلنا شبكات التواصل الإجتماعي، بما يتبادله المنخرطون في حلقاتها عن أخبار أهلهم و حادثات واقعهم، و لو كان ذلك على هيئة نبأ موت سريري دام عدة سنوات، و لم ينتج عنه سوى إتمام إجراءات دفن الجسد المُسجَّى تراب المكان شأن الحاجة زينب التي وُورِيِّت تراب هون مع .. عيد الفطر لنستدعي بعد ذلك ما إختزن في ذاكرتنا من أحداث إرتبطت بمن طاله إنتهاء الرمق الأخير، شأن ما نُشِر عن شهيرات الزمن الجميل، الذي لم نكن من بين فرسانه بحكم فارق العمر، إذ كان الكثير ممن يكبروننا عمراً هم اللاعبين فيه بقوة و نحن نرقبهم من بعيد و حتى من داخل البيوت في زنقة التيتيوي الشهيرة برجالها الحاضرين في عديد الأحداث و من مختلف الأعمار، فضلاً عن الأمكنة و على رأسها الزاوية الأسمرية التي أُعيد بناؤها بعد أن هُدِمت لتوسيع الطريق و أُختير لها فناء "سماح الشيشمة الغربية" كما هو المصطلح السائد ليُعاد بناؤها إعتماداً على تحشيد المتطوعين إذ كان للصغير بن ثامر و عبد الله بن عقيل و منصور خليفة و غيرهم من العاملين في المخازن حيث لتوزيع الحليب دوره في شحذ همم الناس و دفعهم لطلبات العمل، فقد كان الصغير هذا صاحب حظوة لدى المسئولين و قد سخّرها دوماً لفعل الخير و ما يفيد المجموع كبناء الزاوية الذي تم بسرعة كما يتحدث شهود المرحلة مما جعل الأسمرية هذه مركز جذب كبير لعديد الوافدين الذين قدموا من أنحاء كثيرة للعمل في أكثر من مجال جاءت به السلطة الحاكمة، إلى جانب النشاط الخدمي الذي إنتعش بقوة لما أحدثه الإنفاق العام من الرواج في مختلف السلع، ممن كانوا يجمعون بين أداء الصلاة و حضور حلقات الذكر، أولئك الذين ضاعف من ترددهم وجود الفقيه علي بن جابر الذي يتوافد عليه طوال اليوم عديد الزوار، بعضهم ليتفقد الرجل المُسن و المهيب أيضاً و بعضهم الآخر يستعين بقدراته غير العادية في طرد ما يتلبس الكثير من الأشباح و سيطرة لحظات الضعف.

إذ دخل في تلك الأزمان نظام المغاسل العامة و صارت الأناقة تمثل المظهر العام لعموم المتساكنين و لا سيما الأعياد و المواسم، إذ لابد من زيارة سيدي علي كما يدعوه الجميع اللهم إلا من له خؤولة معهم كأجدادنا من الأم عائلة الحاج صالح تحديداً فعلي بن جابر خالهم جميعاً رجالاً و نساء أبناء و حفدة فلا عذر لأحد من واجب الزيارة، و هو على أي حال واحد من الذين طالما شاركوا في عديد المفاوضات و أشهرها حادثة القتل التي تعرض لها خلف الله و سعى الناس كثيراً لدرء الفتنة فذهبوا إلى سرت حيث مقر المتصرفية أملاً في قبول الدية و لكن دون جدوى، حادثة تحدثت عنها كلثوم أكبر بنات الفقيه علي و أكثرهن رفضاً لإعتزامه الوصية لحفيده الصغير عبد الهادي عندما شاءت الأقدار أن يموت جابر و يتركه ألى جانب شقيقتيه الطراوية و زينب قبل أن يلحق الفقيه علي نفسه بالرفيق الأعلى و والدة البنات أيضاً، عندما أخذت زينب في الشهرة شأنها شأن اللاتي إمتلأت بهن زنقة التيتيوي و تنافس عليهن الكثير من شباب تلك الأيام ممن كانوا يكبروننا كما ذكرت سلفاً ممن ما لبث قطار الزواج أن أبعدهن جميعاً فلم يبق سوى العم صغير و العمة عزيزة التي هزها و أحزنها رحيل علي لمناطق فزان حيث فرصة العمل الوحيدة هناك في مجال التعليم عندما كان على رأس الإدارة المناضل المعروف الأستاذ محمد فياض "الغدامسي" قبل أن يلحق بهم في وقتٍ لاحق الشيخ البشير الصاري و الهاشمي رشيد و الحاج نجومة الذي إستلم المعارف في تطور لاحق ترتب على تشكيل السيد محمد عثمان الصيد للوزارة في ستينيات القرن الماضي، أحداث رصدها الفنان الجميل مسعود محمد مسعود في أشعار فَكَهَة صوَّرَ فيها حالة عزيزة الأهدل عقب سفر علي بتوجيه من الشيخ سالم عكاشة، فجاءت كلمات مسعود: "عزيزة تبكي يا جيران على عليوة عدَّى لْفزان" لتبدأ في سرد ما تنتوي القيام به من أعمالها الخاصة أبتداءً من حياكة الصوف لتتمكن من تجميع ما يسمح له بالبقاء إلى جانبها، أو فلاحة مزرعة القصير و الرضا بما تدرُّه من دخل، كل ذلك و هي تبث أحزانها المريرة و تبدأ خطابها لصديق الأسرة كي يرد الإبن و لو للقراءة من جديد قالت: خَلّنِّي بعد عليوة عدّى عنّي يا سالم كان تسمع مني رده يقرى كيف زمان.

لقد رجع علي بعد تلك الرحلة التي طالت بعض الوقت و هجر الجميع تلك الزنقة التي كانت ذات يوم ملء السمع و البصر، لكن أخبار الذين تبادلوا سكنها حفظتها الذاكرة التي أفلحت في رواية مختلف الأخبار و في وقتٍ لاحق أرجعت الكثير منها إلى أسبابها الحقيقية، لقد ترددنا و الكثير من مجايلينا في تلك الربوع و إختزنا صراعات الكبار على فتيات الحي و تنافسهم المشروع و غير المشروع، و كذلك حادثة دخول الإيطاليين ذات يوم عندما جاءوا مدججين بأسلحتهم عندما نما إلى علمهم أن بعض الناس قد إحتفظوا بأسلحتهم في الأقبية كما فعل الفقيه أحمد التيتيوي و محمد علي الأسطى، فكانت مداهمة البيت و إزاحة الأتربة التي أُخفِيَ بها القبو الذي خُزِّنت به بنادق الرجال فكان أن أُقتيد إلى الميدان حين تم الإعدام رمياً بالرصاص إلى جانب الشريف حفَّاظ الذي لقي هو الأخر نفس المصير، مما حدا بالفقيه المهدي تيتيوي إلى المبادرة بهجر الحي و لم يعد إليه إلا و هو في هيئة جديدة فبدا و كأنه أحد العاملين مع الإيطاليين و ليس ذلك الذي كان إلى جانب الفقيه علي العربي و صالحين كاجيجي في كُتَّاب الفقيه السنوسي كريِّم و حلقات الدرس عند الشيخ مصطفى حاج أحمد كما روينا عن الذين تعرّفوا عليه في ذلك الزمن و لم نكن على علم به في الوقت المناسب، و الحق أن سيدي المهدي على قدر غير عادي من العقل و الواقعية و القدرة على التكيّف مع الزمن و الإكتفاء بالمتيسر من العيش كي لا يطلب عون هذا أو ذاك فلم يقصد ربوع البادية ليقرئ أبناءهم و هم الذين طالما إتخذوا من مقرئ أولادهم مُسخَّراً للكثير من خدماتهم مع أنهم لن يُظيفوا له شيئاً على المتفق عليه سنوياً عندما يكلفونه بمزيد الخدمات و إنما فضّل أن يعيش بعيداً عن تلك الأجواء فبدأ حياته في العمل العضلي و شبه الفني، فإذا ما قُدِّرَ للدولة الوطنية أن تقوم و كانت المنطقة في آخر الركب لم يتردد في العمل في مصلحة الطرق الإتحادية ضمن مجموعة الكبار الذين أفلح العربي علي و هو يستلم مسئولية المصلحة في إستيعابهم جميعاً ليجنّبهم الحاجة و يضمن لهم في ذات الوقت القدر الكافي من الإحترام و الراحة و تجنّب أوامر من لا يحترم السن و لا يُقدِّر سابقة الجهاد عندما أُحتُكِرَت رواتب المحاربين القدماء في قبائل محددة و أسماء أجادَت التردد على البلاط، فمع تدفق البترول و بيع البترول و سياسات الإنفاق كان لابد من تحسّن أحوال الناس كافة و لم يعد سوق العمل محصوراً لدى هذا الحاكم أو ذاك، و ما لم يكن المرء ضعيفاً أمام الشهوات فقد كان متاحاً لأي إمرءٍ أن يعيش بمنآى عن طلب العون من أي مُتنفّذ، و ما كان يطلق عليه البطالة المقنّعة هو ذاته الذي وفّر لعديد محدودي الدخل فرصة تربية أبنائهم و تعليمهم في عديد الجامعات، ليستوعبهم لاحقاً ذلك القطاع، و من بين هؤلاء من بذلوا الكثير في مجال الفن و تعميقه و تذكية روحه لدى الأجيال عندما بذلوا ما بذلوا من باب التطوع، شأن محمد الدوكالي الذي إقترن بتلك اليتيمة و أنجب منها ما منَّ الله من الأولاد الذين أحسن تربيتهم، شأنه شأن رفيق عمره في رحلة الصبا الفنان جمعة عبد الجليل ممن وجدنا في جلساتهم أمتع اللحظات و لا سيما في ثمانينيات القرن عندما كان الموت بالمجان و الإعتقال أيضاً، و كان النزوح إلى مرابع الصبا خير عاصم من إحراجات التكليف الإعلامي عشية وصف المعارضين بالكلاب الضالة و كان الصمت على الأقل خير ما يلوذ به المرء و لو باجتناب التجمعات الكبيرة و حتى مآتم الأعزّاء الذين إمتدت إليهم أيادي الغدر التي تجرّدت من الرحمة و ظنّت أن الزمن لا يتغير، و ظاهرها عليهم مرتزقو الكلمة و الفن، فكان في أحاديث ذلك الإنسان الجميل و قرينه جمعة عن سنوات الشباب و أغاني الفرح و ما قال هذا و ذاك من كان نصيبهم في من تغنوا بهِن و من لم يكن لهم نصيب أو جاءت بهم الأقدار شأن محمد الدوكالي أو محمد الزروق كما يدعوه والده إعتزازا بشقيقه الكبير، و الذي شاءت الأقدار أن يكون زواجه بإرادة الوالد و ليس هوى الشباب، فلم يتعقد من كلمات "غيَّات المرهون دعاوي يِلْوِن عالخاطر عسراوي" التي جاءت بها قريحة إبن الجيران أو تحصل عليها من غيره فلا عيب في الفن و لا حرج من الغناء، و ما أن يتم النصيب حتى تسود الأُخوَّة، اللهم إلا المزاح في الجلسات الخاصة و بين الخُلَّصْ من الرفاق الذين ربطت بينهم الذكريات و جمعت بينهم أيام الشباب، شبابهم مباشرة أو شباب الذين سبقوهم، فقد كانت زنقة التيتيوي خير تجسيد لفضاءات تلك الأيام و نحن نستعيد صورة السنوسي درفون و المرابط العربي و ميلاد عبد السلام لا يسأمون التردد الخالة شُقَّه و العم حتى كانت المصاهرة و كان الأولاد و الأحفاد، و كان محمد الزروق و بن قِيوَة و فكرانة، وعزيزة شاهدة هذه المرحلة التي تُدعى في مصطلحات التاريخ الحديث، مرحلة ما قبل التنقيب عن النفط، أي آخر عهد الإدارة البريطانية المؤقتة و السنوات الأولى من دولة الإستقلال الناشئة و التي كانت في حاجة إلى أي مساعدة تأتي إليها، و لو كانت على هيئة أجولة من القماش المُحملة قمحاً و المكتوب عليها بخط أزرق لافت هدية الشعب الأمريكي إلى الشعب الليبي، إنه القماش الذي إتخذ منه المحتاجين سراويل تقيهم بأس العراء و تحقق الضروري من الستر.

و مع ذلك تجدها أي عزيزة كما يناديها الصغار و الكبار تقدم لعديد زوارها فنجان القهوة، و لو كانت في حاجة إليه أكثر من الجميع، كذلك يغفل العم الصغير بن ثامر الذي يحتفظ بحذائه الرياضي الأبيض "السبيدرو" فينتعله يوم العيد مع الجرد الأبيض كلما حلَّ أحد العيدين، تروي عزيزة ما كان يردده فنان تلك الأيام من الأغاني و أسرار كتابتها إن صح التعبير من ألسنة مُنشدِيها، فقيمة الغناء في السر الذي يعرفه الناس عن صاحبه، و يعرفون معانيه البعيدة، فليس كل الناس يعرفون ما كان يردده أشهر فناني تلك الأيام و على الأخص المتطوعين شأن محمد الدوكالي الذي لا تفارقه الإبتسامة و هو يفتر عن أسنان ناصعة البياض عندما إرتبط بالزاوية الأسمرية عقب بنائها الثالث في الأحياء الجديدة، عندما فرض قطار العمران هدم البلاد العتيقة و أتى على ما يزيد على ثلثها الذي ضُمَّ إلى مركز البوليس و يحوِّل متاجر الكثيرين إلى سور طويل دون أن يوفر لأي منهم البديل، إذ رُحِّلًت التخطيطات الجديدة لأصحاب النفوذ، لقد ذهب محمد هذا و ذهب صديقه جمعة، و لحقهما الصهر جِللِي الذي إصطلحنا معشر الذين نصغره سِناً بأخينا و حملت الذاكرة عنه الكثير و هو يرحل مع الذين دخلوا سلك البوليس في أربعينيات القرن الماضي عندما نُقِلوا إلى مصراتة، و ترك رحيلهم فراغاً سكانياً لافتاً، و يومها عاد لأيام قليلة صاهرَ فيها الخال الكبير علي بن جابر.

ذكريات فجّرَها عيد الفطر، عندما نشرت حلقات التواصل الإجتماعي و المنخرطين فيها حول ما يستجد من أحداث بمسقط الرأس "وما يحدث فيها" مما يخص الناس و الأمكنة، و ربما القرارات التي تمس الناس، و قد كان آخر ما نُشِر نبأ وفاة زينب التي ظلت طريحة الفراش و في غيبوبة قاربت السنوات الأربع لا تفقه شيئاً مما حولها حتى أدركتها المنية في العشر الأواخر من رمضان و ربما آخر يوم منه، عندما دعاها أحد الذين نشروا خبر وفاتها بالجابرية و الحقيقة إن إسمها يقف عند جابر علي بن جابر، فأن أُريد اللقب بالكامل فهو العكعك، فقد إنقرضت الأسرة من الأربعينات بوفاة المذكور و كان عاصمهم الشيخ محمد فرحات الذي أطلق على ثاني أبنائه من الذكور علي بن جابر، و هو رسمياً الدكتور علي محمد فرحات، فيما سمى المرحوم أحمد فرحات أحد أبنائه علي والد زينب هذه جابر، فشكّلَ ذلك كله جزءً من سيرة المكان الذي كانت زنقة التيتيوي واحدة من محطاته التي يعمر بها الوجدان، فتعيَّن أن نُدوِّن هنا ما تيسر حولها بهذا الفضاء، و الذي لا عذر لأحد في التأخر عن الإسهام فيه بما لديه من الذكريات، عن الزمن و أحداثه، و الناس و حظوطهم فيه، ما دام الناس لا يبخلون بالقراءة و في أحيان كثيرة يوثقون ما لديهم مكتوباً حول ما يقرأوه، فلا شيء يغني الذاكرة الوطنية مثل توثيقها بما هي عليه من التفاصيل التي كثيراً ما نبخسها قيمتها، بينما يجد فيها المُتَلقِّي الكثير مما يُنمي ملكة القص و يجسد رحلتنا مع الزمن، و ما إذا كانت الرحلة شهادة علينا أم لنا كأفراد، فالذي لا شك فيه أبداً هو أنها واحدة من مكونات سيرة المكان.إنتهى

______________________________





رُبَّ صدفة خير من ميعاد

أمين مازن

25-8-2016.

منذ أن أرسل ذلك الإعرابي القديم قولته الشهيرة : رُبَّ صدفة خير من ميعاد، في موقف من المواقف المثيرة التي عاشها فألهمَته قولته هذه و دَوّْنها في عصر التدوين كتاب المعاجم لتكون من بين الأمثال التي طالما إستشهد الناس على مرّْ العصور، درجنا معشر اللاحقين لا نجد أكثر تعبيراً عن لحظة المفاجأة أكثر من هذا القول الخالد، كلما حلَّ بنا حادث من حادثات الأيام التي تستدعي أحداث التاريخ جملة واحدة، تلك التي خلّْدَتها الرواية أو المشاهدة.

و أشهد على الصعيد الشخصي أنني من خلال ما تابعت من صور تناقلتها وسائل التواصل حول مراسم الإفتتاح العملي للمسجد الجديد الذي فرغ من تشييده في الآونة الأخيرة بمسقط الرأس و مرابع الطفولة "هـون" و بضاحية القصير تحديداً كان من بين ما أعادني بقوة إلى إستدعاء هذا المثل أو اللجوء إليه بالأصح.. إذ لم يكُن في ذِهن الحاج عثمان عبد الله محمد البشير بن حامد و هو يقرر بناء مسجده هذا قبل عقدين من الزمن و يواجه أكثر من صعوبة بشأن الأرض اللازمة له، فيضطر إلى نقل مواد بنائه إلى أكثر من مكان، ليستقر الرأي في النهاية على أن يكون المكان بضاحية القصير، ذات الحضور التاريخي في أحداث المكان و ما شهده من صراع بين عديد الأطراف، إذ بإستثناء ما بادر منذ ما يقرب من ثمانين سنة مضت الحاج البشير إنجومة ببناء ذلك المسجد البسيط و الذي نهض بإمامته للأوقات و الجمعة الفقيه عجيلي الكانَمِي بن سعيد عندما قرر الإقامة في سانية جده هناك و هجر بيته الموجود بين الجيران على بضع أمتار من الجامع الكبير و الزاوية السنوسية و هي المُهمة التي خَلَفه فيها عندما وافته المنية الشيخ السنوسي سالم عبد الرحمن، إلى أن خلفه السيد أحمد بركوس الذي لم يكتف و هو يعود من دراسته بمهمة الإمامة و إنما أسس بيت بركوس للتراث الذي حقق به إضافة هامة في مجال التوثيق لرحلة التطور و العمران.

لقد رُمِّمَ هذا المسجد ضمن المشاريع الصغيرة التي نُفِّذَت بواسطة المساعدة الأمريكية التي أُطلِقَ عليها الإغاثة، و قد أشرف على توزيع العمل و المشاريع فيها بمنطقة الجفرة السكرتير العام محمد بشير الحاج سالم، مُجسّداً عدالة بالغة الدقة، و أناط بالمرحوم غرياني أبو قصيصة صيانة المساجد، و في تطور آخر أعَاد بناءه رجل الأعمال المعروف و بالمواد الحديثة الحاج عبد القادر عبد الله في ذات الفترة أنفق فيها على جامع عبد الجليل.

غير أن رحلة التاريخ ظلّت على هذا النحو حتى كانت جملة الملابسات التي فرضت بناء المسجد في ذات الضاحية من طرف الحاج عثمان عبد الله بشير على الرغم من أن الحاجَة قد لا تكون ماسَّة من حيث السكَّان، ليبقى لنا من موقع الرصد التاريخي و إستدعاء الصُدَف التي رافقت الأحداث فنتذكر الخال عثمان في صورته الأولى و قد كان يسبقنا سِنّاً بعض الشيئ و نُدرِك مكانته المرموقة لدى جدته "الحاجَّة قنى" الحادبة عليه بقوة لسفر والده إلى ديار الهجرة و إنشغال أخواله بصعوباتهم الخاصة ليكون حضوره في نهاية الأسبوع بمثابة الموسم لتلك المرأة الجامعة بين الحنان و المسئولية لتُفلِح في النهاية لإيفاده إلى المهجر، فلم يَعُد إلا عقب الإستقلال سالكاً طريق التجارة بين بنغازي و طرابلس حريصاً على رصد ما توفّرَ لديه من حر المال كي يُنفق في هذا الصرح اللافت ما حرص على إدخاره قبل أن يلقىَ وجه ربه منذ سنوات عندما وافته المنية و هو يسير مترجِّلاً نحو أحد المساجد للصلاة في موعدها، فيُكمل أبناؤه ما كان قد شرع فيه من أعمال الإحسان لنذكره و نذكر المشترك بيننا ذلك الذي إنبعث زمن الطفولة الأولى في بيت الأجداد بالقصير، عشية هزيمة إيطاليا الفاشية في آخر الحروب.

لست أدري بالنسبة لي شخصياً على وجه اليقين ما إذا كنت مُستحضراً في اللاوعي و أنا أُشير على الأستاذ خالد بضرورة قبول الدعوة التي وُجِّهت إليه بشأن خطبة الجمعة و هو الذي سبق أن تولاها في أكثر من مسجد كزاوية بن عيسى و المسجد العتيق و مسجد حي المجاهد، إذ تحفظ ذاكرتي أن الحاج حويل ميلود أحد رجال الضاحية المعروفين و أكثرهم مشاركة في عديد الأحداث على مستوى الخلافات الجهوية عندما طرق أبواب الكبار عقب وفاة الفقيه حمد العجيلي مُصرّاً على أن يقوم أحدهم بالأمامة أو قد تُلغى الجمعة - كما رويت عن الوالد - فكان لموقف الشيخ السنوسي سالم حين قام بالمهمة على الرغم من كثرة أشغاله و تقدم سنه أثره المحمود لدى جميع رجال المرحلة، ذلك أن القصير الحاضر في التاريخ، بما أُشتُهِر به فلاحوه من حُسن معاشرة القادمين في السرّاء و الضرّاء و ما تحفظ منه ذاكرة الناس الكثير من الحكايات و الأشعار، كما و ليس ضرورياً أن تُصِر الجهات المسؤولة على إلغاء الجمعة بالمسجد القديم، و إنما يمكن تعديل التوقيت بما يحُول دون التقاطع فيُخالَف الوقت بما يوفر الفرصة لمن يتأخر و قد يُستحسَن العودة إلى النظام القديم حين كانت الجمعة تُقَام بعد حُلُول الظهر بفترة طويلة تمشِّياً مع ضرورات عمل الفلاحين.

و مع الترحُّم على الحاج عثمان و غيره من المُسهمين في إعمار مسقط الرأس و تمنيات التوفيق للأحياء منهم، أقول مع القائلين " رُبَّ صدفة خير من ميعاد ".إنتهى



_____________________________


ليرحم الله الحاج عبد الهادي

أمين مازن

11-3-2016

كثيرا ما تُعجز الشيخوخة حين تطول و يزيد من ثقلها المرض العضال الذي وصفه النص الخالد بأرذل العمر، عن إخفاء الصورة الحقيقية لمن يطاله الفناء بعد طول الألم، كما هو الحال بالنسبة للحاج عبدالهادي بشير العربي الذي وُوُري جسده التراب عن عمر تجاوز التسعين سنة، ان يكن معظم المقيمين في مسقط رأسه و موطن إقامته في الثلث الاخير من عمره، فلا شك ان الذاكرة الجمعية التي شاءت الاقدار ان أكون مَن يمكن ان يرويها، تشهد ان الرجل الذي عرفه معظم الموجودين هذه الايام و من الذين ترعرعوا في مسقط الرأس "هون" و يتَخِذُون من مبنى الجمعية التعاونية الاستهلاكية فضاء لمن فارقوا كهولتهم منذ سنين و منهم من بلغ اقصى شيخوخته لا يعرفون عن الرجل سوى انه احد العاملين بالمكان، ذلك انهم لا يذكرون الرحلة الطويلة التي بدأت ذات يوم و هو بين مجايليه من شباب تلك الايام عندما كانت لعبة الصراع في العيدين تُمثّل الكثير بين ابناء البلدة: الشرقية و الغربية، عندما كان عبدالهادي من الغربية و آخرون من عمره من الشرقية و قد امكن للغربية الذين منهم عبدالهادي ان يحتكروا البطولة سنين طويلة إن لم يفُز بها عبدالهادي فسيكون منصور خليفة الكفيل بِحسم الأمر، فقد بقى لما يقرُب حقبتين من الزمن البطل الذي لا يُهزَم، و في تلك الايام و بينما كان عبدالهادي يُصارع خصمه و يتمكن من طرحه ارضا، و قال بفوزهِ المحكمون الذين تابعوا الجولة الاخيرة اذ أُعِيدَت اللعبة اكثر من مرة شوهد عبدالهادي يقع مُغشيا عليه، و قيل يومها ان رُكبة الخصم الشرقي طالت حضن عبدالهادي و حدث ان أُوقفت اللعبة و عاد الجميع الى البيوت تأثُراً بما طال عبدالهادي من الألم بيد ان اللافت في الامر هو بقاء الحادث حيثُ هو فقد أُعتُبِر في حكم القضاء و القدر على الرغم من تردُد بعض الشائعات بأن مبدأ القصد السيئ موجود، و ما ذلك ألا لأن الناس لم يعرفوا الحساسيات الاسرية و لا الخلط بين المنافسة الشريفة و الانانية الكريهة.

لقد رحل عبدالهادي ضمن من رحل بتأثير الكَسَاد الذي عمَّ البلدة الصغيرة عَقِب الحرب، و اقام في بنغازي نحو ثلاثة عقود، ليعود بعد ذلك شيخاً و يتزوج عقب وفاة زوجته الاولى و يُنجِب من رفع اسمه عالياً في النشاط الاعلامي، و يبقى هو في الجمعية مثالا لخدمة الناس و الاخذ بيد الغُرباء و من نكبهم الدهر من الارامل و المطلقات و العجزة، و كان من حسن حظه ان تعطّل النشاط التعاوني مع مهاجمته من داء الشيخوخة الذى لا علاج له.

الغريب ان الحاج عبدالهادي الذي تزوج للمرة الثالثة و انجب و قد عانق الشيخوخة، كان زواجه هذا من ارملة رُزِئت في اثنين من ابنائها في حادث مروع، فبدا و كأن الاقدار أرادت من الرجل ان يكون سبباً في إسعاد إمرأة نكبها الدهر و كان يمكن ان تجتر احزانها الى الابد. و ما ذلك إلا لأن عبدالهادي الذي بدأ حياته في مصلحة المياه ببنغازي و ظل بها الى ان خرج من الوظيفة قد كرّس حياته لمساعدة الاخرين فكان ان ختمها في مسقط رأسه على هذا النحو، عسى الله أن يتولّى عبدالهادي برحمته الواسعة و يجازيه عن نزعته الخيِّرة هناك في بنغازي و هنا في مسقط رأسه، فقد كان مثالا للخدمة العامة دون أي تمييز بين الناس.إنتهى




______________________________

إمرأة من فرح

أمين مازن

19-3-2017

لم أكن في حاجة لبذل كبير الجهد حتى أعرف هوية المتوفاة التي وصل خبرها في المكالمة الهاتفية في ذروة تلك الأمسية التي أمتعني فيها العزيز السنوسي حبيب، بزيارته الدورية التي طالما وجد فيها كلانا ما يُخفف أعباء الزمن و مرارة الإحباط اللامتناهي. فالحاجة سالمة زُنقر التي أنهت المائة عام على أوثق القرائن كانت الأقرب إلى هذه النهاية و صوت المتكلم لن يكون إلا أحد الأقارب الذين لا تخفى عليّ أصوات الكثير منهم و لا سيما حين تُذكَر أسماؤهم كما حدث في ذلك المساء فوجدتني أترحَّم قبل أن يؤكد السنوسي ما خَمّنت مُرفقاً مشاعري بما لا طاقة لي من التأثّر و التذكّر أيضاً، فمساحتها كبيرة في سيرتنا الأولى منذ أن كنا نقطع خطواتنا الأولى تجاه الحياة منطلقين من بيوت الأقارب عندما كان بيت آل بوقصيصة أشهر البيوت التي طالما دخلناها في عديد المناسبات، و نحن نعجب كيف لذلك العدد الكبير من الأطفال الذين لهم أباء أربع و أمهات أربع فضلاً عن العمّات و الجدات و لا تسمع لهم أي صوت مزعج أو فعل يضايق المارَّة من الصغار و الكبار، بفضل صرامة كبيرهم محمد بن صالح الذي ما أن يُذكَر إسمه حتى يقف كلٌ بمكانه، كان ذلك الرجل يجمع بين تاريخ الجهاد الذي أبلى فيه البلاء الحسن و الصبر على مصاعب الزمن و أعباء الحياة فلا تراه إلا مهلهلاً و هو الرجل الذي كان ممن عَرفوا الحزن مبكراً حتى أنه أحد الذين نزحوا الإسبوع الذي شهد إعدام آبائهم كما حصل لمحمد بن صالح و زوجته و قد كان كلا الأبوين من ضحايا تلك المذبحة، و التي أعقبها ترحيل البلدة بالكامل للحياة كُرهاً في معتقلات بمصراتة و الخمس و كان ذلك التصرُّف لغرض صون الأعراض و هو الفرح الذي لا يماثله فرح، حتى إذا ما إنتهت الإقامة المفروضة و تمت العودة الجمعية، فكان إمتهان الزراعة في سانية الوالد، فيما هيأت التطورات للزروق كي يعمل في أحدث مزرعة طَبَّق الإيطاليون فيها تجربة الكهرباء المولدة بالرياح و سُميت المزرعة النموذجية (لاريا ماتوري) الواقعة في نهاية الشارع الغربي الملاصق للحي بإعتبار المزرعة إستُحدِثت لمقاومة الرمال و هي التي سبق أن أجبرت السكان على هجر بيوتهم و البقاء على مقربة من البلدة القديمة، و قد بذل الزروق كل ما إمتلك من الجهد و الخبرة في تأسيس المزرعة المستحدثة مستفيداً من دعم السيد أبو بكر حامد العائد من طرابلس بعد إقامة طويلة كان فيها ملء السمع و البصر في فعل الخير لولا إكراهات الشيخوخة مما جعل الذين عرفوا فضله يلقبونه بأب الجميع، و قد كانوا ينطقونها بالإيطالية ( بادرى توتِّي ) التي صاروا يتنادون لمعرفتها نزولاً عند القول الشريف "من عرف لغة قوم آمن شرهم". كان الزروق يومها قد تزوج من سالمة و أنجب منها ما مَنّ الله به من الأولاد و البنات و كانت ماهرة في حياكة الحرير مما خفف على الرجل أعباء الحياة، فبدت في أحيان كثيرة أكثر تميزاً في ملبسها و بعض مظاهر حياتها أيضاً. ذلك أن ثياب الحرير ضرورية لكل من يعتزم الزواج، و إجادة المرأة المذكورة لما كان يُطلق عليه نقشة البوشية دفعت الأكثرية للإقبال على شراء ما تنسج من ثياب و هي التي لا تُرى طوال عملها هذا إلا مُخضبة الأصابع بالحنَاء و هي تمازح كبار أبنائها المرحوم محمد و هو أحد رفاق الطفولة و الشباب و الكهولة أيضاً قبل أن يلحق بربه، فنتذكر دائماً أسلوبها في التعامل مع أبنائها مما حُرِمنا منه نحن الذين فقدنا الأم، حين عجزت الوكيلة عن توفير ما لدى الأصيلة أي ما كنا نلحظه في علاقة محمد الزروق بسالمة كما كان يناديها بإسمها المُجرد و كأنه أحد إخوتها و ليس إبنها عندما كنا نغشى ذلك البيت الكبير و نستمع إلى ما كان يُروى فيه من أشعار سيدي علي العكشي الغنائية التي طالما أطلقها عفو الخاطر ممازحاً صديقه محمد عن التمر الذي كسد سوقه أو هكذا أراد الصديق أن يُعبِّر و يشمل من ثم الصادق و العربي شقيقي الزروق و المهدي عبد الحفيظ الجار قبل أن يرحل إلى بيته القريب نسبياً تاركاً البيت لمالكه " خَتَمّْ " أو الإبن الصالح كما كان يسميه المهدي و يكون إلى جانبهم أحمد قدَّار الذي يُرسل شعراً أكثر إستفزازاً لما كان يجري من أحداث فيهجوه جعدان و يكون ما يجري مادة لحديث الكثيرين و هم يضحكون في براءة جميلة كثيراً ما خففت من ضغوط الأيام، و كانت الحياة يومئذ قد أخذت في التغيّر النسبي بفضل المشاريع البسيطة التي إستُحدِثت لسد الرمق عندما كان الراتب مُتمثلاً في كمية من القمح، كانت سالمة قبل هذا التاريخ تؤمنه من دخلها في الحياكة الرفيعة فتجلس إلى " الرحى " لطحن الطعام مستعينة بأغانيها الغنية بالمعاني التي لم نستوعب معانيها إلا في وقتٍ لاحق من الزمن، بعد أن إستظهرناها و كثيراً ما رددناها دون أن نعرف مراميها فإذا ما تم ذلك أدركنا أي نوع من النساء كنا نرى و أي نوع من التجارب عانتها المرأة التي لا تسأم العمل و الحديث أيضاً، فهي سليلة الفن بلا منازع و ما من شك في أن الوالدة "ضاوية" التي كانت تعيش معها في المأوى المخصص للزروق و أبنائه، جعلها تمُد سالمة بما كانت تحتاج إليه من أخبار الأولين و أغانيهم و شواهدها عبر رحلة التاريخ، إذ لا شيئ يُعين على نكبات الدهر و يُنمي فضيلة الصبر و خليقة التحمّل و الرهان على المستقبل مثل كلام الأولين و حكاياتهم و تقلبات الزمن معهم. و لقد غيّب الزمن بعد تلك الأيام عديد الأعمام و أبناءهم و مثل ذلك أمهاتهم اللاتي ندعوهن أمهاتنا في ذلك البيت المنفرد كما سبق و قلنا في الشارع الغربي و الذي طالما خلّدته أشعار وحَّاد محمد و وحَّاد حامد و غزليات أحمد المهدي و هو يتطاول على من كانوا أكبرسناً و أكثر قدرة على بناء البيت، فقد كان الشارع الغربي و شارع الوسط محط أنظار من كانوا أكبر سناً و أصلب عوداً و لا سيما حين يتداخل التنافس في الصراع مع العلاقات الوجدانية بين الشرقية و الغربية فلا يكون من الشرقية سوى عبد السلام عتيق الذي تُكتشف هويته الشرقية مع إقامته و أمه إلى جانب ذلك الخال و تُخلّد الذكريات مع الأيام فتحفر أخاديد في الذاكرة و ربما تشكل اللبنات الأولى لما عشناه في مراحل متقدمة من العمر فلا تلين لنا قناة بحكم ما كنا نسمع من الأعمام و العمات، خاصة و أن الأقدار ما لبثت أن جادت بلقاءات أخرى كانت ساعاتها أطول و إمكانية الإستفادة بها أقوى عندما صاهرها أعز أبناء العم و أكرمهم "بشير"..فيتكرر حضور سالمة بفضل مشاوير محمد زروق الفنان الذي لا تفارقه الكمنجة أينما حل فيعزف بمناسبة و بلا مناسبة و تجود الأم ببعض الكلمات وثيقة الإرتباط بالماضي و ربما أقدر على دمجه بالحاضر وصولاً بدون شك للمستقبل ذلك أن طريق هذه المرأة الفنانة في السرد و إستحضار الكثير من أغاني الأولين و من قالها منهم و عمَّن قيلت من نساء الماضي يعطي الكثير من الأهمية و يدعو إلى مزيد التذكر و الرواية و على الأخص في جلسات الفرح. نعم فبقدر ما كانت هذه المرأة فائقة المهارة في حياكة الحرير، بقدر ما كانت دائبة الحضور في أفراح من تُحب من الأقارب و الجيران و من تخصّهم بِوِد يفوق من عداهم، فلا يتقدم عليها أحد حين تحضر أيٍ من مجايلاتها و هي تنفرد بالأغاني التي تختص بحفظها و قد كانت لأسماء غير مبتذلة مثل الفقيه العجيلي الكانمي و الحاج خليفة و الفقيه محمد إبراهيم العربي ممن عبّروا عن تجاربهم الحياتية بأجمل الأشعار، تلك التي لم تُعرف كثيراً لندرة الرواة. و لا عجب فالوالد زُنقر الذي يدعوه الكبار و الصغار بالجد لم يغب حتى نهاية عمره عن مناسبات الفرح إذ كان شيخ الشباب في مطلع عمره و حتى مراحل متأخرة من حياته مما جعلها لا تعتز إلا بالقديم لما فيه من الأصالة، بما في ذلك نخيل البلد و تمر البلد، حتى أنها عندما غَزَت نخلة الدقلة الأسواق و ملأت المزارع بما فيها مزرعة إبنها محمد زروق الشهيرة بقيت هذه المرأة لا تحفل بأي جنس أكثر من تمر التاغيات و الأَبِلّْ و على الأكثر البِرنِي و التافسِرت أما الدقلة فهي آخر ما يُحرك شهيتها على الرغم من أن الإبن محمد زروق و الصهر بشير غرسا أجود أنواعها. و قد كان من حسن حظها أن بقيت سليمة من أي مرض يحول دونها و دون تناول التمر مرات عديدة في اليوم الواحد، فقد عاشت عمرها الطويل متمتعة بنعمة الصحة التي تفوق كل النعم فلم يقعدها المرض سوى فترة محدودة. لقد هزمت جميع الأحزان، فلم تفقد السعادة يوماً و لم يسمع أحد منها ما إعتادت نظيراتها في العمر من الشكوى، حتى أزُف موعد رحيلها في ظروف بالغة الصعوبة، أشدها وقعاً على مُحبيها و عارفي مكانتها تعذّر التوجه إلى تلك الربوع، خلافاً لما تعودنا طول العقود الماضية، عندما كان من أيسر الأشياء عند رحيل مثل هذه الأم أن يُسارع المرء بشد الرحال عند مشرق كل شمس و يقفل راجعاً عند غروبها، و لا سيما حين يطال الرحيل مثل هذه الفقيدة التي تؤكد أوثق القرائن بلوغها المائة سنة، كانت خلالها بكل الصدق إمرأة من فرح.إنتهى



______________________________

في وداع عبدالقادر الخير..


أمين مازن

14-1-2017

عن سبعين سنة و نيف رحل الدكتور عبدالقادر عمر الخير، إثر مرض إضطره للعلاج بالديار المصرية حيث أدركته المنية هناك، و أُعيد جثمانه إلى مسقط رأسه "هون" ليوارى في تراب الوطن الطاهر يوم الثاني عشر من هذا الشهر.

و كان المرحوم قد وُلِد بمنتصف الأربعينيات و تلقى تعليمه الإبتدائي و الإعدادي و الثانوي بين هون و سبها، و من ثَم الجامعة الليبية ليتخرج من كلية الإقتصاد و يُكمل من ثم تعليمه العالي و ينال شهادة الدكتوراه. و قد بدأ مشواره العملي من إدارة المعهد العالي للكهرباء حيث كان يُدار بين هون و فاليتا بمالطا، ليعود في وقتٍ لاحق و يُسهِم في تأسيس الجامعة المفتوحة، و من ثَم شغل جملة من المواقع القيادية بادياً من الأمانة العامة لمجلس التخطيط الأعلى عندما رأسه المرحوم عبدالقادر البغدادي ليشغل من ثم منصب وكيل وزارة الإقتصاد بمعِيّة السيد عبدالسلام جوير ليحمل في النهاية حقيبة الإقتصاد مع المرحوم شكري غانم، و يُكلَّف في وقتٍ لاحق بمؤسسة السلع التموينية و أخيراً سفيراً بالأرجنتين إلى السابع عشر من فبراير، فكان من المتعاونين في صمت ليعود في النهاية إلى حيث بدأ ليُحاضر في الجامعة في مسقط رأسه "هون" إلى أن أعجزه المرض الذي كابده في صمت و صبر و إحجام عن الشكوى لأيٍ كان.

و قد إمتاز في حياته بالحياء و التواضع و دوام التواصل مع كل من عرف، وارِثاً من والده الفققيه عمورَه الخير الذي إمتاز بالبقاء في مقصورته قريباً من متجر إبنه أحمد و الزاوية العروسية القديمة حتى ثمانينيات القرن الماضي. و يُعتبر عبدالقادر الخير من القلايل الذين بلغوا ما بلغوا من سامق المكانة في عهد ما قبل فبراير دون أي نوع من أنواع التهافت و التسلّق عن طريق الكثير من القوى السياسية أو العلاقات العشائرية التي طالما عوّل عليها عديد العمليين من الذين كان لأهلم شيئ من الحضور الإجتماعي شأن الفقيه عموره المعروف بعلاقاته مع الكثير من البادية ممن لم ينواصل معهم و يسعى للإستفادة منهم.

رحم الله عبدالقادر، و التعزية القلبية لأهله و الخُلَّص من أصدقائه و من تطوع كثيراً بمساعدتهم في الدراسة.إنتهى



_____________________________


قد يهونُ العمرُ إلا ساعةً ... وتهونُ الأرضُ إلا موضعا

أمين مازن

15-6-2016


و هكذا جاء دور الفقيه يونس مع موعد الرحيل الأبدي إثر جلطة مفاجئة اصابت الدماغ فلم تمهله اكثر من يوم و بعض اليوم، كأنما كانت خاتمة لشكواه الدائمة من داء الصداع الذي لازمه سنين طويلة، فإضطرته في احيان كثيرة لترك الإمامة و الغياب عن مُحِبِّي صوته المُميز في تلاوة القرآن الكريم الذي زانته لثغة حرف الرَّاء منذ أن كان في مقدمة الذين إستظهروه في مُفتتح العمر، و بالقلم الأول على يد الفقيه مادي الغول، حتى كانت هذه النهاية في العشر الأوائل من شهر الصوم المبارك.

لقد كانت رحلة الفقيه يونس مع الذكر الحكيم مبكرة و كانت قرائته بالغة الدِقة عندما إلتقينا في الجامع الكبير، عندما دُمِجَ طلبة جامع غميض مع الجامع الكبير ليستظهر عدد من الطلبة القرآن برواية قالون، الى جانب يونس و احمد فرحات من الذين جاؤوا مع الفقيه مادي ليجدوا امامهم محمد العكشي و احمد الغليظ، حين كانت المصاحف المتداولة خالية من رواية قالون، و كان على الطلبة أن يكتفوا بالنقل من الفقهاء الكبار، و قد إشترط الفقيه مادي إلى جانب ما عُرِضَ عليه من التمر، أن يُحجِم أي من الفقهاء عن الإطلاع على الواح الطلبة، أي يكتفي الدارسون بما لديه، و قد كان له في الحقيقة ما يفتخر به، فلم يُضبَظ له أي خطأ من الاخطاء اللغوية و التي كان يُنعَت من أُبتلِيَّ بها بالقراءة الفاسدة.

و قد توجه يونس يومئذ ضمن من توجه إلى البيضاء، قصد إكمال الدراسة بالمعهد الديني و قضى مرحلة أهّْلَتهُ بعد ذلك للإنضواء في السلك الاداري مُتنقلاً بين المحاكم و المدرسة القرآنية و من ثَم تكوين اسرة كان من بينها من نهجَ نهجُه في حب القرآن لفترة تجاوزت الخمسين سنة، كان خلالها مثالاً للإكتفاء بما لديه من الدنيا و الإقتداء بالسابقين من شيوخه، فلم يختر من الأقوال الفقهية سوى ما وجد عليه أسلافه و هكذا لم يُشعِر غيره بأنه في عداد الذين سيفتحون الواقع من جديد.

و لئِن كانت الايام قد باعدت بيننا فلم نتواصل سوى في المناسبات التي كثيراً ما حرِص عليها، فلا شك أن رحيله على هذه الصورة إنما يُذَكِّرنا بذلك الشريط الطويل من الذكريات التي تبدأ بصلاة التراويح في الزاوية الأسمرية و بعد ذلك الجامع الصغير و جامع غميض و اخيراً العيساوية، و من العروسية القديمة نستعيد ذكرى العم بشير غميض و هو يطرد يونس من "الصْراعْ" إذا ما جلس في جانب الغربية لأن عائلة غميض من سكان هون الشرقية و كذا إصطفافه الى جانب محمد محمد نصر في وجه العم عبد السلام حاج ميلاد، كما و نذكر شباب تلك الايام من كانوا يكبروننا في العمر و التجربة و هم يُحيُون مواسم "القدر" و حفلات "الناقايا" في شارع الوسط و أزِقّة التيتيوي و الفقيه و محمد حسن و عمَّات و خالات كثيرات ليحطننا بحكاياهن و حنانهن و كذلك من سبقنا الى دنيا الشباب و سنوات الزهور و التطلّع الى المستقبل، هو زمن كان له خلوده في اغاني محمد وحَّاد و مسعود الفطيمي و قبلهم عبد الحفيظ كريِّم و ابراهيم العربي و غرياني وحمّود و محمد أفندي، كما و لم يخلُ الزمن من بعض المشاجرات التي طالما سارع بإنهائها الكبار حين لم تعرِف العصبية طريقها الى الواقع الجميل الذي لا مكان فيه للعُقَد، فتستدعيه الذاكرة فتُطرَب و يتأملهُ الوجدان فيزهو بل و يُصرَف عن عوالم القنوط و دنيا الاحزان و صراع المصالح و الاحقاد و حتى المتاجرة بالقرآن و تسخيره لمصالح العائلة.

لقد ذهبت العروسية القديمة ضمن ما ذهب في توسعة مركز الشرطة، مثلما ذهب شارع الوسط، و قضى ضمن ما قضى على الزاوية السنوسية حين كانت النية مُتجهة الى توسيع القديم و تشييد الحديث بدلاً منه، غير ان الذاكرة تحتفظ بصورته و تستعيده حين يرحل امثال الفقيه يونس عليه رحمات الله فتضطرم نيران الشوق لذلك الزمن الذي لن يعود لتبقى الحسرة و الاشواق و قول الشاعر:

قد يهون العمر إلا ساعة.....و تهون الارض إلا موقعا




______________________________

في وداع مصطفى جعدان

أمين مازن

30-1-2016

غَيَّبَ الموت الغادر مصطفى حميده جعدان آخر ابناء ذلك الشاعر الشعبي و الفارس ايضا حميده جعدان الذي ذاع صيته في القرن الماضي، و كان جعدان الاب قد خلَّدَ بمصطفى الابن اسم ابن اخيه مصطفى عبدالقادرالذي فقد عمره بنيران صديقة، لم يتردد من توَرّط فيها عن الاقتصاص من نفسه في مطلع خمسينيات القرن الماضي. و كذلك فعل نحو ابن عمه مبارك الذي خَلّدَ اسمه هو الاخر حين رحل ذلك الرجل المثير حينما كانت نيران الحرب الكونية تشتعل. لا اعرف على وجه التحديد عن اي عمر رحل مصطفى و لكنني اعرف الاحداث مجتمعة التي تَلَت تلك الايام، حين كان هذا الانسان النشط الى جانب والده في ذلك الشارع الرئيسى حين كان الوالد يمتهن "الجزارة" و لا يطيق من ينافسه فيها فلا يتردد في رميه بأبشع النعوت، غير ان مصطفى هذا لم يكتف بهذه المهنة و انما ولج باب المصارف عندما تأسس اول فرع لمصرف الامة (روما سابقا) الذي اسسه المرحوم مسعود التاجوري و طوره عبدالرازق النيهوم، بالتوسع في القروض العمرانية في السبعينيات فكانت تلك الحركة غير المسبوقة التي احسن الاداء المصرفي فيها الى جانب جعدان، محمد عبدالقادر عُكّه، و صالح الديف، و احمد عبيد، و علي عبدالحفيظ، و اخيرا ونيس دبري. غير ان جعدان كان اكثر اتصالا بالناس و في اكثر الامور حساسية هو بيع العملة، فكان لا يرُد احد و لا يتردد في حمل الامانات الى اصحابها و لم يُعرَف عنه اي نشاط سوى بيع اللحم الذي اتقنه و عشقه و لم يتجاوز فيه التَعْيِّش العادي، و لا سيما بعد ان تفرغ له اثر تقاعده الذي لا اعرف هل كان بحكم العمر او الاختيار و عندما يُجمِع الكل على استشعار المرارة و الاسى لهذا الموت الذي ضاعف من ألمِهِ شبح الجُرم المتعمد.عسى الله ان يرحم مصطفى و يجازيه احسن الجزاء على قدر ما اعطى من حسن الاداء، و يعوض اسرته فيه خيراً و يجعل رصيده في فعل الخير و طيب النفس ما يُثقل حسناتهم جميعا.إنتهى



____________________________

سر أغنية سكب سال

أمين مازن

 

اعتادت البلدة أن تستقبل بين الفينة والفينة، أولئك القادمين عبر القوافل المسافرة من الجنوب مرة ومن الغرب مرة أخرى، ممن اصطلح على تسميتهم بالصعاليك، وهم عبارة عن مسافرين لا يحملون أي زاد معهم أو أمتعة، بقدر ما يعولون على ضيافة الناس وتسهيلاتهم، يكون هدفهم المعلن موسوما بالتوجه إلى بيت الله الحرام، لكن قدومهم يسبق هذا الموسم بأشهر كثيرة، أما إذا كان القدوم متزامنا مع الفترات القريبة فإن مبدأ الإقامة يكون هو المرجح في الغالب ريثما تحين المواعيد المناسبة، إن إقامة هؤلاء تستغرق عادة الأشهر الطويلة ريثما يكون في مكنة هؤلاء المسافرين أن يتزودوا بما يتطلبه السفر من المؤن واللباس، على الرغم من أنهم كما أسلفنا يأتون دون زاد، إن أحداً لا يستطيع تحديد هوية هؤلاء، لكنهم يوصفون شعبيا بصفة الصعلكة وكفى، مع أن مدلول الكلمة في الأدب العربي يختلف عن هذا المعنى كل الاختلاف، لكن محمد محمود الشنقيطي لم يقدم، آنذاك بهذه الكيفية، وإنما جاء كما يذكر معاصروه متسنما جملاً غاية في الجمال، وقد زاد من جماله ذلك الخرج المميز، يشده لجام من الجلد الموشى بالسواد والبياض، كما أن ملابسه هي الأخرى كانت لافتة كان الفصل صيفا وكان الشهر الهجري هو شهر ربيع الأول وفي الأيام الأولى منه، أما القافلة التي أقلت الرجل فقد كانت لقبيلة أولاد وافي أشهر القبائل المعروفة في الجنوب الليبي، والتي تقيم على بعد أكثر من أسبوعين وهو القياس المعتمد للمسافة في ذلك الزمن، لقد تسببت هذه الوضعية في تسهيل مهنة اتصال الرجل بالناس، ذلك أن أولاد وافي يحظون بمكانة خاصة لدى السكان الأصليين للمدينة الصغيرة، لما عرف عنهم من الطيبة والبعد عن كل ما يسيء، ولمجرد أن شاع نباء القافلة وأصحابها كان الاتصال السريع، وقد استدل عليهم بادئ ذي بدء من خلال السمة المثبتة على وجوه الإبل، والتي لم يضعها الشنقيطي على جمله، وهي طريقة معروفة يأخذ بها العرب في الاهتداء على كل قادم، حين لا مناص من معرفة الأصول الأسرية تحسبا من حدوث أي مكروه.

صحيح إن بعض الأشرار كثيرا ما يعمدون إلى تغيير سمة إبلهم بقصد التمويه، بيد أن التمويه لو وجد فلا يمكن أن يكون بهذا الحجم، لقد سهل على السكان أن يتأكدوا من هوية القادمين، فكان أن أودى واجب الضيافة بمنأى عن التحسب وفي شيء من الفرح الصادق.

كان من عادة القوم أن يتلوا في هذه الأيام وفي بداية شهر المولد تحديداً شيئا من المدائح وفصولا من السيرة النبوية، التي يطلق عليها "المولد" ذلك النص الذي كتب بلغة جميلة قوامها الايقاع والمحسنات اللفظية مما جعل الكثير من القراء يستظهرونه ويحسنون إلقاءه في مثل هذه المناسبات، فترى الكثير منهم يتنافسون في إظهار المقدرة والاستيلاء، على ألباب المستمعين، من خلال ما يجتهدون فيه من التنغيم وإتقان المدود وتؤكيد عمق الشوق لزيارة قبر الحبيب وتكرار الصلاة عليه وعلى وآله صحبه أملا في الظفر بشفاعته والورود على حوضه "يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم".

كان على الحاج أحمد... وهو يلحظ دخول عدد من الضيوف إلى مقام التلاوة- أن يدعو الشنقيطي للمشاركة بتلاوة فصل أو أكثر من النص المتداول وأن يستجيب الضيف بالمشاركة، فأظهر بمشاركته تفرداً ملحوظا في التلاوة، ليس فقط من حيث سلامة الإلقاء وصحة الإعراب، وإنما لما تمتع به من جمال الصوت وإدراك مواضع الوقوف، مما حدا بالحاج أحمد أن يضاعف من تكريم الضيف- كي يقف على قدراته- أن يطلب إليه أن يدعو للجميع في مختتم المحفل، حيث كانت دعواته مقتصرة على عدد من الآيات القرآنية التي أكدت للنابهين هوية الشنقطي الذهبية والقائمة على التوحيد ليس غير، والهدف أن يتم الحفاظ على المذهب السني دون غيره.

لقد تبين للقوم أن لدى الشنقيطي ما يمكن أن يعطيه، وأن الذي يعطيه يمكن أن يحقق إضافة من الإضافات، وهكذا عرضوا عليه مجتمعين أن يقيم بين ظهرانيهم وتنتظم حوله بعض الحلقات التعليمية إلى أن يحين موعد الذهاب إلى الحج، فقبل آنذاك الدعوة شاكرا، وشرع تبعا لذلك في تنظيم دروسه اليومية بواقع فترتين كل يوم، إحداها للغة العربية والثانية للشؤون الدينية، وهي طريقة جرى بها العمل في حلقات التدريس التقليدية حيث يبدأ باستظهار المتون ويصار بالتالي إلى الشرح.

إن المناهج في مثل هذه الأحوال تتداخل وكثيرا ما يختلط النص الديني باللغة العربية، كما يمكن أن يفضي الشاهد النحوى إلى أسئلة المنطق وعلم الكلام، وقد يحدث التعارض بين الأشاعرة وخصومهم والأمر ذاته حول مدرسة الكوفة ومدرسة البصرة وجميعها خلافات يمكن أن تؤدي إلى ما أكبر منها وأصعب.

وقد تجنب الشنقيطى الخوض في ما سوى الأمور الميسرة، مشددا بين الحين والآخر على أنه من الاتباعيين، وإن يكن لم يجد غضاضة في الإشادة بعبقرية المعتزلة في قضايا اللغة العربية، ولاسيما تفسير الكشاف للأمام الزمخشرى، لقد توالى حضور الطلبة لحلقات هذا الشيخ، كما لم يتخلف أيضاً عدد من كبار السن الذين اكتفوا بالاستماع فقط، وكان الحاج أحمد على رأس الذين بذلوا جهداً استمر الترسيخ هذا الاتجاه رغم أنه كان دائم الانزواء والدعاء الصالح للجميع، لقد وثق الشنقيطي صلاته بالناس جميعا، وقد شجعه على مسلكه هذا ما لمسه في الطلبة من مقدرة فائقة على الاستيعاب ومن الآباء الكبار من الحذب على حلقته والإعلاء من شأنه وإبداء كل ما يفيد بتقدير جهوده وجميل عطائه، وهكذا لم يمض كبير وقت حتى تكونت حوله كوكبة كبيرة من العناصر النابهة التي أخذت تلفت النظر بمقدرتها وزيادة نمو معرفتها، هذا يظهر نبوغا من الفقة وذاك يتميز في اللغة العربية وثالث يجمع المجالين، على أن شيئا واحدا ظل يحير الرجل ويفرض عليه رغم طبعه الحذر أن يبوح بحيرته، هو تعدد غزوات عبد الجليل وما يظهره القوم من التعاطف معه، إذ بدت بالنسبة لفهمه تنذر بأمر كبير قادم، فكان كلما فرغ من إلقاء درسه حرص على الاختلاء مع الحاج مع أن هذا يكتفي عادة بالاستغفار والحوقلة.

كان الطلبة، من جهتهم، يرقبون هذه المواقف، يلفت نظرهم هذا التوجسس الذي يظهر على الشيخ والحديث العميق الذي يتبادله مع الحاج أحمد، كان أخطر يوم مر به الرجلان ما وصل من أخبار حول النهاية التي حلت بغومه المحمودي، فيومئذ لم يخف الشنقيطي ارتياحه لما جرى في حين كان الناس كل الناس يعيشون لحظات مختلفة، لحظات كلها الحزن والاستياء، الأمر الذي دفع بعض الرؤوس إلى التطير من هذا الموقف وربما الارتياب أيضاً، غير أن الرجل كان يصمد أمام ما يستشعره من عدم الارتياح، كان يدرك، ربما أنه أكبر من ذلك كله، وأن الناس كما يقول بين الفترة والفترة أعداء ما جهلوا، وكثيرا ما ألمح إنه يخشى على نفسه من المصير الذي لقيه في مسقط رأسه الجزائر، حين أجبر على الخروج من بين أهله وذويه والعيشة في شنقيط بين أهل غير أهله، ممن دفعتهم الغيرة إلى احتضانه وإشعاره بأنه واحد منهم حتى لقد صار ينسب إليهم، ويخرج اليوم من إفشاء هذا السر المتعلق بجذوره وحقيقة أصله، كان يجد ضالته في الاهتمام بالعادات الشعبية وما يقوم به القوم من نشاط في بعض المواسم، كان يطرق مليا إزاء احتفالهم بيوم عاشوراء أو أيام عاشوراء حيث لا تكون مثل الأيام العادية حتى ليبدون أقرب إلى فرقة الشيعة الحسينية، رغم أن آراءهم الدينية ليست كذلك.

فهم لا يشقون الجيوب ولا يلطمون الخدود إحياء للذكرى، كما يفعل الشيعة في ذكرى الحسين، لكنهم يميزون اليوم عما سواه، من ذلك عدم طهي الطعام في ذلك اليوم، إلا أنه عاد فأرجع الأمر إلى الظروف الاقتصادية، لأن ميسوري الحال لا يكتفون بأكل الثريد أو "الفتات" كما يسمى شعبيا، بل إن منهم من يضيف إلى هذه الأكلة المعدة بلحم القديد طعاما آخر من اللحم الطازج خصيصا، لقد تصادف أن حضر في رحلته هذه موسم جني "التمور" فلاحظ أن البلدة في يوم من الأيام كانت خالية من الرجال ولا توجد سوى النساء، لأن اليوم مخصص لقطع حطبة الوادي التي يأكلها الناس جميعا ومن حق أي مقتدر أن يغرس ما يستطيع، فحرم النخلة لا يتجاوز ظل زربها كما يقولون، ولهذا فإن يوم قطع تلك الحطبة تكون البلدة خالية من الرجال فيتيح ذلك للنساء جميعا أن تجرجن إلى الشوارع، إذ يأمن غياب الرجال جميعا، ولأنه لم يعلم ولم يتصور أن مثل هذا الواقع يمكن أن يواجهه وهو يخرج في غفلة، لم يكن أمامه إلا أن يقفل عائداً إلى حيث يقيم وبشكل مسرع ووسط إحساس بالإحراج العارم، كان العس من جهتهم يرقبون الحالة فالبلدة كافة بالأسوار ولا سبيل للدخول إليها إلا من أماكن محددة، ولأنهم أدركوا الملابسات لم يشأ أي منهم أن يقترب من الرجل كما أن الرجل من جهته عاد إلى حيث مقره، لكنه لمح وجها ظاهر الجمال، لفت نظره على ما يبدو وبشكل يندر وصفه، عيون تميل إلى الخضرة، وجه شبه مدور عرين تكلله ابتسامة، أسنان ناصعة البياض، كانت اللحظة أقوى من الخيال، الهيمنة أطول من العمر، حين رفع رأسه غانما تلك النظرة، هتف من أعماقه مكبرا، ذات الوجه هي الأخرى توقفت أمام المفاجأة، أمام الاصطياد المتبادل بين النظرتين، قبل أن يقفل هو إلى حيث يقيم وتستنجد بالخمار الذي لم يكن في الحسبان، كان الوقت صباحا، وكان ثمة ندى يملأ الجو، لم يعرف هل جاء هذا الندى من الجو الطبيعي أم من الوجه الصبوح، أو عزى الأمر على ما يبدو إلى العناية الإلهية التي هيأت له هذه النظرة غير المقصودة فقال بصوت مسموع "سبحان الذي سخر لنا هذا وماكنا له مقرنين" وأن يسرع خلف تأمله، لولا أن حامره الجزء المتبقى ليزيد " وإنا إلى ربنا لمنقلبون" لكن هيهات، فما رأى أكبر من قدرة الإنسان، أكبر من النسل والاستقامة ولم يكد يرجع حتى ظل يتكلم فيما يشبه الهذيان، وعيناه تنهمران بالدموع.

وقال قائل منهم هي سر أغنية (سكب سال).إنتهى



_____________________________

وين ما خلَّاك بوك .. يلقاك ولدك

أمين مازن

3-8-2014

هذا هو التعبير الذي خطر لي وانا اتلقى من ابن اخي (الطاهر) نبأ عزم الاسرة على اختيار يوم الخميس السادس والعشرين من يونيو موعداً للاحتفال الذي تقرر اقامته على عجل ، بمناسبة تخرج الدفعة الاولى من المنارة الاسمرية الجديدة ، باعتبار اليوم المشار اليه سيسبق رمضان الكريم بيومين ليس غير ويراد من الطلبة الذين من الله عليهم باستظهار النص الخالد ان ينظموا الى غيرهم من الذين كانوا و مايزالون يقومون بصلاة القيام في تلك الربوع الغالية وقد كان من بين الذين وفقوا لحمل هذه المهمة ، ( مختار الطاهر عيدالسلام مختار - وابن عمه ، محمد احمد )الاول حمل اسم الشيخ قبل رحيله والثاني حمل اسم سيد المرسلين ، فالاثنان من حفدة احد الذين عرفوا بانحيازهم للقرآن ومقرئ القرآن والذي غاب جسدا قبل اربعة عشرة سنة بعد عمر بلغ المائة ، وحضورا جعله دائم الذكر في كل مجلس قل ان يكون فيه من لا يعرفه او يذكر شيئا عنه ..

لقد حملتني هذه المناسبة لتلك الحقبة من ثمانينات القرن الماضي ، عندما امتدت الجرافات الى تلك الاججزاء الكبيرة من " هـون " القديمة .. فذهبت ضمن ما ذهب الزاوية الاسمرية التي كان شيخها وجزء كبير من الزاوية السنوسية التي اجيز فيها من كبار السنوسيين بدءً من السيد احمد الشريف الذي اسمعه شيئا من قراءته و السيد ادريس الذي ارتبط به من المهجر المصري ، ومنح ثقته في عضوية مجلس طرابلس وفزان التشريعيين ، وظل على عهده - اي شيخ - حتى وهو يغشى المجالس التي يصعب على غيره ان يقول ما قال ، وقد رافقته ملابس السنوسية حتى وهو يواري في التراب ، عندما خصته بها من بعيد السيدة ( فاطمة احمد الشريف ) زوجة الملك ادريس وشقيقة السيد محي الدين الازهر المحافظ على زيه من السنوسيين ..

لقد اختار الشيخ المختار موقع الزاوية الجديدة على مقربة من سكنه ، غير متوقف امام بعض الاراء التي حبذت ان تكون في مكان اخر ، بحجة قرب الموقع من العيساوية لتكون في وقت لاحق المقر المؤقت التي ظل يوفي بعده منها نحو الطريقة السنوسية ويأذن لكل من يلتمس منه الاذن للانخراط في دربها المبارك ، اذ كانت مجموعة الاوراد في عهدته و اختار من ابنائه الزروق لحمل العهد من بعده ، و الذي كان قد وثق صلته بمعظم المنضويين في ذلك الدرب ، عندما درس معظم المراحل الدراسية في البيضاء شأن شقيقه مصطفى ، ليتقاسما الاختصاص في القراءات و الفقه ، بحيث لم تنجز العروسية كمبنى حتى تحولت الى حلقة دراسية طالما جمعت بين الاختصاصين ، هذا يملي متن الشاطبية لمن يرغب وذاك يملي متن الرحبية ومع هذه وتلك تتم مراجعة بعض الرسائل الجامعية ، لمن ينشد الاعانة من الاذكياء الاقارب ، واذكر انني قلت لمن ابلغني في ذلك الزمن احتجاج البعض على مقر الزاوية ، مزاجا بين الجد والمزح ، ان على من يحبذ البناء في مكان اخر ان يبادر بالاختيار الذي يريد ، اما هذه فان المتقدم لها سيجنب الاهالي اي عنت ، وبالفعل فقد ضربت الرقم القياسي في سرعة الانجاز وعدم ارهاق المواطنين بالتبرعات ، ولم اكن اصدر في قولي هذا عن عامل القرابة ، وانما لمعرفتي لموقف الرجل المبدئي من المساجد وتوحيد امكانياتها وترتيب اولوياتها ، بدءً من تجاوبه مع فكرة توحيد صلاة الجمعة بالبلدة عقب الحرب ، عندما ترتب على نهاية الحرب رجوع الاف القادمين الى موطنهم الاصلية فلم تمنع الرجل امامته للناس من تبني التوجه ، فاذا ما سمحت له مكانته من ان يكون صاحب مشورة لدى السيد عبدالله بشأن انفاق يعتزمه على بعض المساجد كان اختياره للجامع العتيق ، وكذلك فعل مع الشيخ منصور المحجوب للزاوية السنوسية . بحيث كانت العروسية اخر ما شملته المساعدة لان الاولويات هكذا بالنسبة له كواحد من الذين اكتسبوا مكانتهم قبل كل شيء بالحرص على عدم بخس الناس اشياءهم

حمدت الله ان من على عبده هذا بطول العمر مع الثبات على المبدأ ، فلم يتزحزح عن يقينه الثابت بسلامتة انتمائه السنوسي وتنشئته لخلفه على ذات النهج ، كان ايمانه طيلة العقود الثلاثة التي عاشها بعد السنة التاسعة والستين والتي كانت مجمل عمره حين شاءت الاقدار ان تأفل شمس عرش الملك ادريس ، فكان رده على من ساله عن امكانية نجاح التغيير من عدمه " تنجح لكن صاحبها ما يربح " اذ يبدو ان النبوة قد صدقت ، اما هو فقد ظل على عهده ، فلم تستخفه اي مكرمة للتنكر للماضي او التردد في قول الحق واسداء النصح ، ولو حين يطلب منه الدعاء في جميع اللقاءات التي حضرها ، وحمد الله كذلك ان منه على الخلف بانتهاج طريق السلف ، و صرت اقول لكل من اتصل هاتفيا في الخصوص ( وين خلاك بوك يلقاك ولدك ) عسى الله ان يرحم الاباء و يحفظ الابناء .إنتهى



____________________________

( الايام هن والليالي )

أمين مازن


كان يمكن ان يمر هذا اليوم مثل ما سبقه من الايام ، وما سوف يلحق به ، ان قدر ان نعيشه، فالحزن اكبر من ان نتحمله النفس الضعيفة والرزية لست من اولى العزم الذين يدعون شرف التماسك امامها، وما يشهده الواقع من مجانية الموت جعل الكثيرين لا يعلمون، واخرين يكتفون بما علموا وما واسوا ، دون ان يعيدوا لغيرهم، فالأحداث اكبر من الافراد ، واكبر من العلاقات ، غير ان بعض الذين لهم بصمتهم يخرجوننا عن ذواتنا ويفرضون علينا ان نتجاوزها ولو لبعض الوقت، ولهذا لم يمر اليوم هكذا فأتوقف امام اربعينية من فقدت، فقد فرض ذلك رحيل احد الذين تركوا بصمتهم وحفروا اسمهم وسكنوا الذاكرة والوجدان ، فقد تزامن حزني الخاص مع بعض احزان الوطن برحيل الفنان سلام قدري ويكون اول خروج لي متمثلا في حضور مأتمه ، ليس من اجل العائلة الصغيرة، وانما العائلة الأكبر عائلة الوطن، وهكذا وجدتني وانا التقي الكثير من الوجوه المألوفة والمعروفة في تلك الناصية التي لم يكتمل بناؤها بعد ، استعيد شيئا من التماسك في الحوار الذي لا ينقطع مع امثال المستشار عزام الديب والمهندس محمود كاره نستعرض ذلك الدور الخالد الذي قام به صوت الفنان الراحل وهو ينشد الوطن كلمات الحريري (( لو تؤمريني )) وقبله فنانة الزيداني وتجديد الحريري ايضا (( فتنا النخل والديس وتعدينا )) وعلى الرقيعي (( ولقيت الدنيا)) وعبد الحميد البكوش (( واساليني عن بلادي )) ، ((والغالي رحل شال الدليل وعده )) لخديجة الجهمي وهذه بالذات حين يقول (( كبير فاهقه يا ناس باش نسده)) فلا تملك الدموع الا ان تفيض مدرارة ، وما يكون لها الا ان تكون كذلك ، فنحن بشر وليس لنا الا ان نذكر من نحب ومن نفتقد غير ان الفقد حين يكون على هذا النحو من المجانية والشيوع والانتشار فليس امامنا الا ان نتجلد او ندعي هذا التجلد على الاقل.

ولأن الكلمة وحدها التي تمثل الملجأ والعوض و الكن ، فليس امامنا وقد كتب علينا ان نكون في زمرة حملتها الا ان نعود اليها ، ان لم يكن بالشكل المباشر ، فلا أقل من الترميز والبقاء حول الحمي ، واذا كان مسرح عبد الله القويري قد وفر الفضاء المناسب في مطلع ال 2011 فلا شك ان الرواية العربية والأخرى المترجمة يمكن أن تكون خير ما نتخذ منه الحفاظ على الحرف.

وسلام على الفنان الكبير في يوم رحيله، وفيصل عاشق الفن وفلذة الكبد في اربعينيته.

وقديما قال اهلنا :-

(( الايام هن والليالي غرما اضرار و طلايب ))

((اللي ما غدن له بغالي عليه راميات الرقايب ))

طرابلس 2014.10.20



________________________________

زروق حسين التيتيوي

أمين مازن

29-11-2014


انشبت المنية اظفارها في جسد الاستاذ الزروق حسين التيتيوي بعد صراع طويل مع المرض ، فلقى حتفه بالاردن و اعيد جثمانه ليواري تراب مسقط راسه ( هون ) البلدة التي افلح جده الاكبر الحاج حسين في الحيلولة دون نقلها الى وادي الزعفران ( سرت ) قبل مائتي سنة تقريبا ..

فاقنع الادارة التركية بابقائهم هناك حفاظا على تجارته في الرقيق شآنه شآن نظرائه من عائلات الدبري و الكانمي ممن كان لهم دورهم في انتشار اللون الاسمر الناتج عن مصاهره الافارقة في تلك السنين التي تلت استقرار اولئك العلاونة الذين استقروا عقب التغريبة الهلالية و في وقت لاحق عقب انتشار الحركة السنوسية وخروج عبدالجليل سيف النصر على السلطة التركية مما ليس مجاله هنا .

لقد تخطى المرحوم الزروق السبعين من العمر و الذي انفقه كاملا بذات المكان اللهم الا سنوات الدراسه و اخرى في التدريس كانت بودان الشريفة ، عندما سأله طلبه عن اسمه في اول يوم دخل فيه الفصل واجابهم قائلا : ( زروق حسين التيتيوي ) فحرك ايقاع الاسم و الاذان الموسيقية ما جعلهم يعيدون الاسم اكثر من مره : زروق حسين .. زروق حسين .. الخ

ويومها استطاع المدرس الصاعد ان يستوعب طلبته وان يتطور معهم من مدرس الى صديق مما حدا بمن امتلك لاحقا نصيبا من القرار ان يدفع بالزروق الى اكثر من موقع وظيفي متقدم ، كالاسكان و الحكم المحلي و الاداره و المتصرفيه

كان الفقيد في جميعها مثالا للاستقامة و العفة و التواضع وحسن الاداء.

ويكفي ان نذكر معشر مجايل الزروق محافظته على ذلك النمط الاصيل في حياته ، حين لم يدخل في علاقات تتجاوز ضرورات العمل مع اصحاب النفوذ و لم ينزلق نحو اي ممارسة تفوح منها رائحة الفساد الذي يدل عليه السكن المنفرد عن الجيران او وسائل النقل التي تشير الى التميز ، او نفقات الافراح و الختان و اعياد الميلاد وتعدد سفريات الحج و العمرة ، و ما كان يشغله في بعض لحظات ضعفه سوى ان يعيش حريته الخاصة في وضوح لافت .

شآنه شآن الشقيق علي ( بيش ) الذي لم يتردد في جعل الخط الهاتفي المباشر التابع للمؤتمر الشعبي متاحا لخدمة الناس جميعا وليس حكرا على الخاص كما يفعل غيره .

و سواء استطاع عارفو الزروق المنتشرون على اكثر من صعيد ان يقوموا حوله بواجب العزاء او حالة ظروفهم دون ذلك ، كما هو الامر بالنسبة لي ، فلا شك ان الفقيد كان امتداد لذلك الجد الذي قيل عنه بصدد خصام يتعلق باهله " الحاج حسين .. ما يرقد الليل " و كان جديرا بان ينطق اسمه لتلاميذ على هيئة اغنية رددوها يوم .. فهو نسمة جميلة تذكرنا بزنقة التيتيوي وزاوية سيدي عبدالسلام الاسمر وامهات وخالات منهن : عزيزة الاهدل وعائشة زوتو وفاطمة حسين وحليمة وباهية والام الكبيرة خالتي شفة حيث ولد الزروق وتربى واخيرا وسد تراب بلد احبه .

ويرحم الله الفقيد " زروق حسين التيتيوي " .إنتهى



____________________________

الحمد لولى الحمد

امين مازن

5-8-2015


انتشلنى قطار التاريخ الذي أجد فيه دوما جذوة الضوء التى تساعد على تلمس خيط الأمل في امكانية الخروج من قسوة النفق المظلم ،عندما استدعت ظروف رفيقى في الرحلة التى قمت بها في موفى الأسبوع الماضى إلى مسقط الرأس «هون» مشاركة لأخي الشيخ الزرق فرصته بزواج ابنه الوحيد هي مشاركة لم يفرضها واجب القرابة وحده بقدر ماهى نتاج الخصوصية التى قد لا يتسع لها المجال الآن،الأمر الذى دفع الرجل أن يطلب منى أن اقرن الوكالة المراسمية بحديث اخصى به الحشد الذى لى دعوته فمثلا في مناطق الجفرة بالكامل ومن خيرة وجوهها.

لقد اقتضت ظروف المواصلات وصعوبات التواصل أن يختار السائق ورفيق الرحلة التونسى أن تكون الوجهة عن طريق الشويرف فوجدتنى استحضر ذلك الجدل الطويل الذى نشرته في حينه الصحيفة الوحيدة «طرابلس الغرب» ضمن وقائع جلسة مجلس النواب في دورته الأولى وهيئة الأولى في بداية الاستقلال عندما قرر أن تكون الطريق المذكوره من لفقات موازنة الاتحاد فوظفت الأغلبية البرلمانية لغير صالح الأكثرية السكانية ومثلها العمرانية والجغرافية أو كما كتبنا ذات يوم ربط طرابلس بفزان في تغيب للوسط والشرق الأمر الذي تم وقفه بواسطة الحق الدستورى الذى يعطي للملك الحق في طلب إعادة النظر يشوبه شى من المساس بما يكون غير مراعى من طرف الأكثرية وقد كان يومئذ من بين الداعين وقد نقول الوحيد فيهم له قدورة على التأثير هو السيد احمد سيف النصر وإلى فزان وصاحب السابقة في الجهاد من ناحية والمساهمة مع الفرنسيس القادمين من الجنوب بقيادة حلفاء الجنرال ديغول الأمر الذى جعل طريق الشويرف هذه تتأجل بعض الوقف إلى أن توفرت امكانيات البلد اثر ارتفاع سعر البترول في سبعنيات القرن الماضى اى وفقاً لطبيعة الواقع ومصالح الناس وأن يكون الإرتباط من هنا ومن هناك مع تقدير الأهمية إذا أما شحت الواردات إنها القاعدة التى تعرض في كل شئ من التدبير في تقديم الأهم على المهم.

عندما لاحت مزده المجاهدة استمدت صورة الحاج أحمد بشير المزداوى أحد الذين ارتبطوا بالملك ادريس في مهجره فان عليه بالتعين في مجلس الشيوخ ،عندما اصبح هذا الحق للملك وحده وليس بمشاركة الولايات ومجلس الوزراء قبل التعديل الدستورى المتسرع الذى أقدمت عليه حكومة الدكتور فكينى عشية اتمامها لالقاء الولايات فاكتفت بإضافة كلمة السيادة قبل كلمة السيادة للشعب مع ترك صلاحيات الملك في الأوامر دون اى قيود،بين أن الحاج احمد هذا كان مثالا للشجاعة حين لم يقبل من رئيس محكمة الشعب عقب سبتمبر مباشرة فنعت إعادة المزداوي لرأس ماله إلى ليبيا بالخيانة فما كان من الحاج احمد إلا أن قال الخيانة ترك اموالى قبل الحاج احمد هذا يحفر بقوة وجة المرحوم بلقاسم المزداوى الصحفى والتابث الذى لم يعرف النية والكثير من الشجاعة والاستعداد الدائم لتلبية طلبات اصدقائه،حتى أنه قضى حتفه في حادث سير خارجا من احدى مقابر غريان وهو يخرج منها حاملا آلة تصويره أو نقاله لقبر زميله المثقف يومئذ عمر الكدي عندما خاضه تجربة الجفرة فلقيت والدته حتفها عقب رحيله فالتمس من صديقه المزداوي التقاط صورة لمشاهدة قبرها فأذى ذلك إلى وفاته جراء سرعة أحد السائقين أو عدم انتباهه،وغير المزداوى بين كثير ممن يتوقف أمام ذكرياتنا بين مواقفهم ذات يوم تقدير أو اعتزازا بالعلاقات الانسانية التى لاتلغى الخلاف المبدئ لقد عاد الحديث مع الراكب التونسي من خلال عمله مع عيسى عبد العزيز عبد النبى الذى غلب عليه وأشقائه لقب الشاوش إلى المجاهد سيدى عيسى عبد النبي الذى لم تحل من بندقيته جميع معارك القبلة -الحشادية-فزان -بونجيم-تاقرفت-عافيةدون أن يكون له ذكر فقلت بطبيعة الحال إنها طبيعة الحياة العبث لم يعط ربي وعندما من الله بانجاز المهمة فى موعدهاواستجاب مئات المدعوين للمناسبة فوجب كما سبف وذكرت الحديث والذى رأيت أن اوجزه الأعراب عن شكر البجميع وجلست لافى بالتزامى الصحفى هذا استعدت رحلة الزروق منذ ان جاء فى نبأ مولده سنة 1957 إلى ان بلغ من الحضور ما بلغ وبذل ما بذل ولقي ما لقي حتى كان هذا الحضور الذى جسد انصاف القادرين على الانصاف ، وأقول فى النهاية «الحمد لولى الحمد».إنتهى



________________________________

كمال ابوزيد و بوح الصمت

 

لم تكن صفة الصمت التي اختارها الفنان كمال ابوزيد عنوانا لمعرضه الذي اقيم اخيرا بفضاء المدينة القديمة ( طرابلس ) مجرد عبارة اطلقت كيفما اتفق ، بقدر ما كان تجسيدا صادقا و بليغا لذلك الموقف الذي لا يعقله الا العاقلون من الناس و لا يتخذه سوى الشجعان منهم ، منذ ان حفظ التاريخ لذلك الانسان الذي قال كلمته الخالدة في حضرة احد الملوك العظام في معرض اجابته على سؤاله عن سبب سكوته، و الاخرون فيما يبدو ، يكثرون الكلام فلم يزد كلمته واحدة ( الصمت ابلغ من جلالة الامبراطور ) و كذلك فعل احد الشعراء غير المشهورين حين قال " بلاغة الصمت نطق في حناجرنا " و الامثلة في هذا الصدد اكثر من ان تحصى حول ضرورة الصمت حين لا تتوفر شروط الكلام لقول ما يجب ان يقال ، او تتوالى الغريات و المطامع التي تدفع الى قول ما لا يجب ان يقال ، اذ لو كان القول من قبيل التقية لهان الامر ، و لكن حين يكون القول من اجل الظفر بمغنم من المغانم فعندئذ يكون للصمت نطقه ، و للصورة بالطبع بوحها الاقوى و تعبيرها الابلغ و حكمتها التي ( لا يلقاها الا الذين صبروا ) فهذه الصورة التي يفلح في احيان نادرة ، عدد نادر من الناس في النظر إليها من زاوية لا يلتفت إليها غيرهم و من ثم التقاطها ، تملك من شحنات الايحاء و عوامل الاحياء لدى المتلقي الواعي و المشاهد المتبصر ، تضع من ينظر إليها و بالاحرى ترفعه الى عوالم من التذوق الدال على ما تحمله اللوحة من كل ما يستعصي على التعبير و يعجز عنه الوصف ، فلا يبقى بعد ذلك سوى اللجوء الى بوح الصمت .

لقد كنت و انا اشاهد لوحات كمال ضمن عدد غير قليل من الذين لم تنتصر عليهم رداءة الجو فتحول دون حضور هذا المعرض ، استعيد رحلة طويلة قام بها العم أبوزيد الذي انفرد بهذا الاسم وحده و كان من اكثر الناس برّاً بالوالدة الكبيرة التي اقعدها المرض و طول العمر و قد خاض تلك الرحلة الطويلة في دنيا الغربة في مدن وعوالم كثيرة ، ليس خارجها المدينة القديمة حيث يقيم كمال معرضه اليوم ، و قد حل قبله الوالد و هو يحترف صناعة الجلد ، عندما شاءت الاقدار ان ينجب اطفاله من اكثر من زوج حين كان الموت متربصا به في اكثر من زيجة و تكون اخر غرباته في الخمس ، عندما انجب كمال و قد حل بها يومئذ في غربة من نوع خاص ، و تفلح هذه التجربة و ذلك الجو الاسري الحميميين في تفجير هذه الملكة الفنية و تأتي الخلاصة متمثلة في هذا المعرض المعبر بدراية واضحة و جهد ملموس في صون الذاكرة و تعانق الاجيال و هكذا تكون اللقطات التي تتخذ من نظرة الشاعر عبد الوهاب قرينقو و الاجتماعي النادر علي عبد العاطي ، الى جانب الحاج عبداللطيف العربي في مرحلة من مراحل عمره و الحاجة ضاوية التي تحيل بجلسة الشاي الى عوالم من السعادة لا يستشعرها سوى من عرف تلك الربوع الجميلة فيما تكون اللقطات المتصلة بمزج الماء الضوء و استثمار الماء و حركة الطيور و مظاهر الطبيعة و القفات الصغيرة التي أعدت للتمر الموزع مع الحليب لون اخر من الفن القادر بحق على هزيمة الزمن و حفظ الذاكرة و الدليل القاطع بأن التعبير ببوح الصمت ليس كلاما يقال بلا هدف و انما هو الهدف بكل ما في الكلمة من المعاني .إنتهى

_____________________________

 




اللائي يثرين حضورا وغيابا:

أمين مازن

19-11-2015

لم أكن بين الذين وقفوا بالطابور التقليدي ليتلقوا العزاء في الفقيدة الكبيرة "الحاجة عيشة" المرأة التي سكنت ذاكرتي و ملأت وجداني لسبعين سنة بتمامها و كمالها, عندما اقترن بها الوالد في أوائل أربعنيات القرن الماضي و كان ترتيبها الرابع و الأخير بين زوجاته, و قد كان فارق العمر بيننا لا يتجاوز " التسع سنوات " مما جعلني في بداية هذه الفترة استغرب و ربما استنكف أن تكون في موقع الأم, إذ كانت المرأة التي سبقتها و سرحت لأسباب صحية بعد أول أخوتي و لقنت مناداتها بالأم إذ كانت على هيأة نظيراتها في الشارع الصغير ممن يناديهن أترابي بالأمهات, بعكس تلك الصغيرة التي كانت إلى الفتيات أقرب من الأمهات. و قد تزامن ذلك مع جملة من المتغيرات التي شهدها الواقع الصغير الذي ينعت اليوم بمنطقة الجفرة, عندما حط به البريطانيون قواتهم عقب هزيمة الإيطاليين, حين كان التقشف و عدم الصرف على المكان, و سحب كل ما فيه من معدات و اليات بيعت كاملة للتجار اليهود و الإيطاليين, إلى أن ذهبت الأربعينيات و ما جاء معها من المصاعب طالت ضمن من طالت الوالد الذي طرق باب الكهولة, حتى إذا ما قدر للدولة الوطنية أن تقوم ليجد طريقه إلى تغيير العسر يسرا, فتنمو مداخيله بذات القدر الذي يزداد فيه عدد أبنائه الذين خلد بهم أسماء أشقائه ليكونوا في النهاية كوكبة من الأبناء و الحفدة الحاضرين في أكثر من مجال و المتميزين فيما بينهم بجميل الود و الاحترام, و لا سيما عقب رحيل الوالد الذي عاش القرن الماضي كاملا, و يستمر تحلقهم حولها عقب رحيله طوال الخمسة عشرة سنة الماضية إلى أن وافتها المنية قبل نهاية هذا الخريف إثر مرض لم يتجاوز اليومين إذ بقيت على مدى الستة و ثمانين سنة التي عاشتها حاضرة الذهن كاملة الحيوية معبرة أصدق التعبير على غمر الجميع بمحبتها و حسن نجواها و جميل دعائها.لقد التحقت بالاخوة و الأحفاد لنشترك جميعا في امسيات و ليالي المأتم, ليس لاجترار الاحزان و التظاهر بالتأثر فالموت حق, و ليس أمام من يبلغ من العمر ما يبلغ الا أن ينتظرها و من لديه القدر القليل من العقل الا أن ينفق الوقت الذي يفرضه العزاء في التدبر و استدعاء الذكريات التي يثيرها الغياب الابدي او تعيدها جملة التزامنات الكثيرة لعديد الاحداث و المحن. و قد كان من حسن الحظ أن اتخذنا من الامسيات مناسبة لمراجعة الكثير من الذكريات المتزامنة مع تطور حياتنا الشخصية و غير الشخصية من خلال ما درج على اثارته معنا الذين شاركونا ملء هذه الامسيات, فنجيب عن خلفيات ما اطلق عليه ضم الجفرة إلى ولاية فزان باعتباره اجراء تنظيميا لتعديل الحدود بين الولايات, و تصحيح الوهم الذي يتردد بأن الجفرة لم تذكر الا في السنين الأخيرة, لأن الحقيقة التاريخية تؤكد أن الجنوب كان بالكامل يدار زمن الاحتلال الايطالي من بلدة هون, و ان تبعية المنطقة لطرابلس لم تحدث الا عقب الاحتلال البريطاني, و ان الانتخابات التي اجريت لمجلس النواب و المجلس التشريعي لم تشهد التزويرالذي يبالغ فيه البعض و انما كان التدخل يتم بطريقة كثيرا ما تكون غير مكشوفة, و ان الطريق الساحلي الذي يمر على المنطقة ما كان له ان يمر عند قيام الدولة الوطنية لولا تدخل الملك ادريس شخصيا عندما استعمل سلطاته الدستورية بدعوة مجلس النواب الى اعادة النظر في قراره الذي أصدره مبكرا باعطاء الاولوية لطريق الشويرف, و كذا مراجعة ما ترتب على الحاق الجفرة بولاية فزان من ايجاد فرص أوسع للاسهام و الاستفادة و تحقيق التوازن بين فرقاء تلك الايام لو كان وعيهم أوسع و التزامهم أقوى. بقي أن اشير و دون الخوض في صحة القول بأن التاريخ يعيد نفسه فلا شك ان للبدايات اثرها في احيان كثيرة على النهايات, فمثلما دخلت الفقيدة "عيشة" و الوالد ملء السمع و البصر و كانت ليالي فرحة على هيئة مؤتمر مكرس باكمله للشأن العام المحلي هناك من اولئك الذين اجمعوا على تقديمه على من سواه في ظروف بالغة الصعوبة ما لبث و من معه ان تجاوزوها بنجاح, فان رحيلها و ما اقتضاه من الامسيات و الليالي كان موضوعها بالكامل مكرسا للتدبر و المراجعة و المكاشفة أيضا, و لا عجب, بان يكون بين من يحضر المناسبة امثال الحسني و عقيل و ابوبكر و عبدالقادر و هم متسلحون بهذا القدر المطمئن من المتابعة و المشاركة عبر شبكة المعلومات, شأن أحمد الذي يكتب القصة الومضة المثيرة, و يظل حرص معظم الحاضرين و المواسين عبر التواصل على اظهار وافر تقديرهم للشيخ الزروق ان الاذن له من طرف الشيخ الكبير لحمل امانة الدعوة السنوسية قد كان في محله و حسبه ان يكون على رأس المعزين له ابناء السيد العربي الشريف و احفاد الفضيل بو عمر, و ليرحم الله الحاجة عيشة في البداية و النهاية فقد كانت و الحق يقال من اللائي يثرين حضورا و غيابا.إنتهى



____________________________

موقع الكاتب والاديب : أمين مازن

  www.aminmazen.com © 2020- 2008

طرابلس - ليبيا

Tel 0913245901