أعلام

أحبّاء الشويرف يُكرّمونه، فوجب تثمين صنيعهم

أمين مازن

16-4-2019


غمرتني سعادة عارمة عندما تابعت عبر الشاشة الصغيرة الفعالية البحثية الجيدة التي انتظمت الأسابيع الماضية احتفاءً بالأستاذ الكبير عبد اللطيف الشويرف بقاعة فندق باب البحر بالعاصمة طرابلس بمشاركة نخبة من المثقفين وصفوا تجمعهم بأحباء عبد اللطيف الشويرف، هي سعادة لم تحمني من استشعار الخسارة لقاء عدم علمي المسبق لأحضر مساهماً أو مستمعا لما للأستاذ الكبير من الحضور غير العادي في وجداني و ذاكرتي و تجربتي التي حاولت أن أُدونها و أضعها بين يدي المتلقين ممن كان للكثير منهم آراءهم المكتوبة و المذاعة و لم تبخس الأستاذ الشويرف في ما أزعم حقه، ذلك أن الأستاذ عبد اللطيف على رأس الأسماء التي عرفتها في ذلك المشوار الذي بدأ بالعمل بجهاز المجلس التشريعي لولاية طرابلس الغرب في خمسينيات القرن الماضي، عندما كان الشويرف يمثل العمود الفقري في ذلك الجهاز بما يتحمله من مسئولية المراجعة لتحرير كل ما يُطرَح في ذلك المجلس من مختلف الشئون التي تترجمها عادةً أسئلة الأعضاء و اقتراحاتهم و تعقيباتهم و تقارير لجانهم و محاضر جلساتهم مما كان يُنشَر بالكامل على صفحات جريدة طرابلس فيثير الكثير من الإستحسان بل و التقدير مما لم يكن على الصورة التي تنشرها الصحف لولا جهود الموظفين، أولئك الذين يقع العبئ الأصعب فيهم على قلم عبد اللطيف الشويرف، و هو القلم الذي لفت نظر أول رئيس لذلك المجلس شهد على ما يبدو دخول الشويرف للمجلس ناجحاً في إحدى مسابقاته هو المحامي علي الديب، فلم يتردد لمجرد أن اكتشف هذه الكفاءة و هو يعيد إصدار صحيفته المميزة "جريدة الليبي" في أن يدعو صاحب القلم للمساهمة في تحريرها و يكتب بها أشهر ما كان مرغوباً أمام القراء مثل مربع أمام المرآة الشهير فضلاً عن الأبواب الأخرى، إذ كان الديب مختلفاً عن كل نظرائه من أصحاب الصحف الخاصة في تجويد مادته الصحفية و لا سيما المقالات بما يبديه من الثناء. و يحضرني في هذا المقام ما رويت عن الأديب خليفة التليسي في معرض ما سمع من الديب و هو ينشر مقال التليسي الشهير "هل لدينا شعراء" ذلك المقال الذي ما يزال يمثل أهم الشواهد على البروز المبكر لحركة النقد الليبي في حياتنا الأدبية سواء من حيث أساليب الكتابة أو مرجعيات التفكير و معايير التذوق، مما أستبعد أن يكون أي من الذين درسوا المرحلة و رمزها قد اقتربوا منه بجدية حتى الآن.
انتبذ الشويرف يومئذ مكاناً صغيراً في ذلك المبنى المتكون من دورين بشارع الإستقلال ليس أكثر من استراحة رسمية للرئيس قبل افتتاح الجلسة ساعده على أداء مهماته الوظيفية في هدوء كامل و في عصمة عن القيل و القال، إذ كانت الهيئة التشريعية الثانية التي جاءت عقب حل أول مجلس تشريعي مثيرة للكثير من القيل و القال حول شرعية الحلّ و كذا معارك الفوز بالرئاسة بين السيد الطاهر العقبي الذي فاز بها في أول دورة و عقب الإنقسام الذي ساد المجلس الأول و بالتحديد حول صلاحيات المجلس و ما إذا كانت ينبغي أن تشمل وظيفة الوالي كما حرص الأستاذ علي الديب و من ناصره و الوالي الذي هو الصدّيق المنتصر و من آزره من الأعضاء تقدمهم السيد الطاهر العقبي فيما ظل يعارضه تكتل أقل تزعمه السيد الهادي الرومي ما لبث أن تفتت الأمر الذي ساعد الشويرف على النأي بنفسه عن ذلك كله فلا يكون أمامه من الوقت و المكان سوى أن يشغل نفسه و بالأحرى وقته عند الفراغ من واجباته الوظيفية سوى المضي في رحلته المعرفية و التي كان من بينها حرصه على استظهار القرآن الكريم برواية الإمام قالون و التي كانت يومئذ تُلقى شفاهة و من المخطوطات النادرة إلى جانب معاقرة الكتاب السائر و المراجع المعتمدة، هي مرحلة جمع فيها الشويرف بين التكوين الثقافي و التطور الوظيفي انتهت باختياره سكريتيراً عاماً للمجلس، خلفاً للسيد عمر الجليدي الذي انتقل للولاية، ليقضي -و الحديث عن الشويرف- فترة من الوقت جامعاً بين التكوين و العطاء و الإفصاح عن شخصية شديدة الخصوصية، فلم نشهد عليه معشر العاملين في ذلك المكان أي تزيُّد على مسئولياته الرسمية و ما تفرضه من المجاملة التي قد لا نبالغ إن قلنا أنه طالما أدّاها مُكرها، بدليل أنه لم ينجر إلى موالاة هذا الطرف أو ممالأة ذاك، و حتى عندما أقدم والي طرابلس السيد أبو بكر نعامة على قفل جريدة الليبي التي ارتبط بها وجدانياً هذا الرجل لم تمهله الأقدار من التفكير في أي متابعة، إذ سرعان ما تغيرت الأمور رأساً على عقب ليؤتى بالسيدين فاضل بن زكري و علي الديب لتبوء مقعدي الولاية و المجلس التنفيذي، فيتعين على الشويرف أن يقبل العرض المتمثل في سكرتارية المجلس التنفيذي ليس من أجل المصلحة الشخصية على الأغلب، و إنما لترك المجال لمرؤوسيه في المجلس التشريعي بما فتح المجال أمامهم لتعديل الملاك و فتح المزيد من الدرجات، و أذكر على الصعيد الشخصي أنني مُنِحتُ أثناءها وكالة الدرجة الرابعة و كنت قد وجدت طريقي للحديث بالإذاعة و النشر بمجلتها مُعلناً عن موقف غير مُريح لأوساط كثيرة لم تمنع الشويرف أن يخصني بالتهنئة على ما أذعت، لِمَا رآى فيه من تحسّن في الأدوات في إنسان يمت له بصلة من الصلات الإنسانية التي وجد فيها ما أسعده، لقد تزامنت هذه الفترة مع صعود نجم الأستاذ الشويرف الذي ما لبث أن سُميَّ وزيراً للأنباء و الإرشاد و في حكومة الدكتور محي الدين فكيني التي أنجزت إكمال إجراءات الوحدة الشاملة حيث أُلغيَّ النظام الإتحادي و لا سيما المجالس التشريعية مما عرَّضَ الموظفين إلى إعادة التسكين الذي قد لا يكون مناسباً لما امتلكوه من المقدرة و ما ألفوه من الإستقرار، و يومئذ جعل الرجل من ضمن أولوياته التدخل لدى الإدارة العامة للخدمة المدنية لضمان الأمكنة المناسبة لهم في أكثر من جهة، سواء من اتسعت لهم وزارة الأنباء و مصالحها أو الهيئات التابعة لرئاسة الوزراء و ما في حكمها، حيث تبوأ كاتب هذه السطور منصب السكرتير المساعد لوزارة الأنباء و الإرشاد، إذ وُجِدَت الدرجة المساوية للعمل السابق، فإذا ما استُحدِثَت اللجنة العليا للإذاعة و شُرِعَ في طبع سلسلة الكتاب الليبي كان تقديم هذه السلسلة و أمانة اللجنة المذكورة ضمن المشمولات، فيما كان التوجه للنهوض بمرفق الإذاعة من حيث تطوير الأخبار و البرامج و المسلسلات متمثلاً في الإيعاز بفتح المجال واسعاً أمام المثقف اللامع إبراهيم الهنقاري، كي يضع سياسة أكثر تفتحاً لتعليقات الإذاعة و تسمية من يكتب حفظاً للحق الأدبي من ناحية، و الدفع للجدية من ناحية أخرى، و التوجه للتراث في إعداد المسلسلات عندما كانت سلسلة أيام العرب من الأعمال الفنية الرائدة في الإذاعات العربية الأمر الذي لم تسترح إليه القوى المحافظة التي كانت ترى في الإذاعة مجرد بوق للدعاية الشخصية للنظام و رموزه، و في الصحافة المطبوعة ما لا يمل من المديح و الإنشاء الباهت، فكانت الحملة الشرسة على الوزارة المذكورة كما تشهد التقارير التي طالما رُفِعَت إلى المقامات العُليا من بعض مراكز القوة و على رأسها الجامعة الإسلامية التي استغلت ذلك التوجه لتصفية حسابها مع شخص ريس الوزراء و من يُعتَقد أنه على وفاق معه، على الرغم من أن الشويرف كان مثالاً للنأي بالنفس عن أي صراع و الترفّع عن أي إسهام تفوح منه رائحة التقرّب و يكفي أنه -و هو المختص بالأنباء- لم يشارك بقلمه و لسانه أو توجيهه في أي مناسبة من المناسبات التي طالما وُظِّفَت للدعاية الرخيصة ابتداءً من عيد الإستقلال إلى بقية الذكريات التي دأب الفارغون على استغلالها في التملّق و اصطناع الأمجاد الموهومة. و قد ساعدت مواقف الشويرف السياسية هذه القائمة على احترام الذات و التمسك بثوابت الوطن عدداً من المعتاشين على العمل في الظلام فزينوا لرئيس الوزراء اعتماد حركة من التنقلات الموسعة بين كبار موظفي الدولة من شاغلي وظائف وكلاء الوزارات و من في حكمهم، شملت يومئذ وكالة وزارة الأنباء و الإرشاد من دون استشارة مجلس الوزراء على ما يبدو و من ثم أخذ موافقة الشويرف كوزير مختص و ذلك على إثر معركة رئاسة مجلس النواب التي خاضها يومئذ رئيس الوزراء السابق هو السيد محمد عثمان الصيد أمام الرئيس شبه التقليدي السيد مفتاح عريقيب، فاز فيها الأخير بفارق صوت واحد اعتقد رئيس الوزراء يومئذ أنه صاحب النصر فيها، فأقرَّ حركة التنقلات المشار إليها و التي اتسمت بميسم المكافآت لمن ساندوا الرئيس ولو بالضجيج الإعلامي، و كان المؤمَّل أن الشويرف سيقبل ما دام قد وُضِع أمام الأمر الواقع، و لكن المفاجأة جاءت في ذلك الموقف غير المسبوق الذي أعلنه الوزير على مرآى و مسمع من الأعداد الغفيرة التي احتشدت أمام سينما الحمراء في ميدان الشهداء بطرابلس لحضور الحفل المقرر إقامته بمناسبة عيد الإستقلال، ليفاجأ الجميع بالأستاذ الشويرف مجاهراً بموقفه الرافض لذلك التصرف، إذ رآى فيه الشويرف ما سيجعل منه مجرد تابعاً للرئيس و ليس شريكاً في المسئولية، الأمر الذي جعل الأمور تقف حيث هي. بقيت الإدارة تُسيَّر من طرف الوكيل المساعد عدة أسابيع إلى أن قُبِلَت استقالة الدكتور فكيني و ذهب الشويرف إلى بيته مُكرِّساً قلمه للصحيفة التي منحها الترخيص ضمن مجموعة الصحف الخاصة التي صدرت في تلك الأيام بقرار من مجلس الوزراء، بعضها تنفيذاً لحكم المحكمة العليا كجريدة الأيام، و بعضها بمساعي السيد سيف النصر عبد الجليل وزير الدفاع كجريدتي الحرية و الحقيقة، فيما كانت صحيفة الشعب تقديراً لمكانة الأستاذ علي المصراتي عضو مجلس النواب في تلك الفترة و أحد الذين انحازوا للسيد مفتاح عريقيب على الرغم من الخلفية التاريخية له كأحد الذين خلفوا السيد عبد العزيز الزقلّعي في عضوية الجمعية الوطنية عشية استقالته إثر إقرار النظام الإتحادي.
و قد كان أهم ما تنبه إليه يومئذ الشويرف متمثلاً في حرصه على الوقت عندما سارع بتحرير عدد من المقالات القوية تضمنت تصفية الحسابات مع مراكز القوى التي ناصبت حكومة فكيني العداء و ذلك في الباب الذي اختير له عنوان "من هو"، ذلك السؤال الإستنكاري الذي يتكفل المحتوى بالرد عليه، فلا ينقص سوى الإسم بالكامل، بحيث لم تفرغ السلطات المتمثلة في إدارة المطبوعات و النشر و صلاحياتها المحددة في المادة 29 من قانون المطبوعات بما تنص عليه من سجل الحسابات و طريقة التمويل و عدم انتباه التحرير إلى نشر عدد من الإعلانات التي تتكفل بتغطية تكاليف الطباعة ليُصار إلى قفل المطبوعة حتى كان ما أمكن نشره كافياً للمستهدفين، أما عندما أمكن للصحيفة أن تستأنف النشر عقب سقوط النظام الملكي فقد كان ليقظة الرجل ما صانه من أي تبرع بالتأييد المجاني و كذا العدائي فلم يسجل الرجل على نفسه أي تصرف أحمق كما حصل لغيره ممن نشطوا في تلك الأيام بالحديث عن علاقتهم بالآخر تحت مبرر التنظيمات الوحدوية التي عرفتها الساحة المصرية من مشمولات السيد فتحي الديب الذي وصل إلى البلاد في تلك الأيام و وثّقَ لمهمته لاحقاً في كتاب عنوانه "عبد الناصر و ثورة ليبيا" تحدث فيه عن عديد المتعاونين بالأسماء كنوع من الإشادة بمواقفهم دون أن نجد أي ذِكر للشويرف، و ما ذلك إلا لأن الرجل لم يحشر نفسه في أي حراك يفوق العلم، تلقياً أو عطاء، إذ ما لبث أن خلد إلى بيته و الإكتفاء بالمساهمة العلمية إن عبر موجات الأثير و برامجه الإذاعية الهادفة التي حققت له تراكماً ما لبث أن دفع بالكثير منه إلى مؤسسات النشر الخاصة و دفعت بها إلى القراء الذين أقبلوا عليها، أو المشاركة بالمحاضرات المنهجية للمؤسسات التي قَدّرَت إمكانياته و حرصت على الإستفادة مما لديه، و ما من أحد مَنَّ الله عليه بجدية المتابعة إلا و يدرك الذخيرة المعرفية التي طالما وفرتها برامج الشويرف عبر الأثير ابتداءً من برنامج "إلى الأمام" الذي استمر سنين طويلة، أو التي تناولت التفسير القرآني و تكفلت بتصويب اللغة العربية، أو التي عالجت المعجم و الصرف و الدلالة، الأمر الذي جعل من الإنصات إلى ما يخوض في بحثه حلقة علمية جامعة بين التوضيح و التشويق بإمتياز.
أعرف أن هناك من قد يرى في ما عرضت شيئاً من الإطالة و هي رؤية لن أضيق بها و لا بمن يتبناها، إذ ليس من رآى كمن سمع، فمن تعود رؤيته إلى الفترة التي حددتها ليس كمن جاء بعدها بمراحل، و من يتحدث عن الشويرف داخل الحقبة التي احتدم فيها ذلك الصراع بين أبناء الجيل الذي بدأ مشواره مع دولة الإستقلال أو قبلها بقليل، ليس كمن انطلق في العقود الأخيرة، ففي ذلك الزمن لم يكن السباق بين الأفراد، و إنما كان بين التيارات و أماكن التكوين، بين جيل شاءت الظروف أن يتكون محلياً و يرى أن العواصم العربية قد وفدت إليه عبر صحفها و مجلاتها و رموزها و تم التعاطي بما تحقق من التحصيل و الكفاح المُرّ إن صح التعبير، و آخر سمحت له المستجدات بالدراسة خارج البلاد و على نفقة الدولة فعاد من عاد منهم مؤهلاً و مُعبّراً عن مستوى ملموس، و آخرين اكتفوا بإفادات التخرُّج من دون أن يكون لديهم ما يشفي الغليل من العلم، بل أن منهم من فقد مقومات الشخصية حتى لقد رآى في الإقبال على كل ما هو غير ليبي بمن في ذلك المرأة دليلاً على الموقف القومي الأصيل و الذي لم يقبل به الجيل المتكون محلياً و قد كان أقوى الممثلين له في ندوات نادي الإتحاد فيما أذكر عبد اللطيف الشويرف و مما لم نغفل عند التاريخ للمرحلة، جيل أسس له مع حفظ الألقاب عبد السلام خليل و علي الديب و عبد السلام باش إمام و مُظَفّر الأمير، ليتلوهم خليفة التليسي و عبد اللطيف الشويرف و القائمة تطول، أولئك الذين وقفنا على إسهامهم في الصحف المحفوظة و مجموعة المناشط التي حملت لواء التجديد في الشعر و الثقافة على السواء. و كان بودي أن يقع التنبيه إليه في هذه المناسبة، إلا أن ما خفف علي شخصياً عدم إغفال ذلك في ما دونت و حول عبد اللطيف الشويرف بالذات، و الذي لم تبق لي حوله سوى جزئية واحدة عبّرَ عنها شموخه عن تناول عهد ما قبل سبتمبر في زمن سبتمبر، فَسَلَمَ من نقيصة التسلّق التي اتصف بها الكثيرون إنطلاقاً من ندوة الفكر الثوري التي أعرض الرجل عن حضورها على الرغم من توصله بالدعوة، و أختم فأُحيي الأكارم الذين أنجزوا هذه الفعالية، و للأستاذ الجليل أصدق التمنيات و أطيبها بدوام الصحة البدنية و الذهنية مع أسمى آيات التقدير و الإحترام. انتهى



______________________________




بعد وضع الشاهدة

أمين مازن

4-5-2019


أدركت المنية التي لا مهرب منها لكل ابن أنثى، مهما طالت سلامته و طال عمره، الكاتب الكبير أحمد إبراهيم الفقيه، الأديب الذي كان له دوماً من خصوصية قلمه، و تميّز عطائه ما يغنيه عن كل صفة لا تشكل أي إضافة لحقيقة وجوده الأصيل، حدث هذا الخطب الجلل بقاهرة المعز فجر الأول من مايو الجاري، و أمكن حمل جثمانه من هناك جواً مساء اليوم الثاني بحيث لم تغرب شمس هذا اليوم حتى ووريَّ جسده الطاهر تراب مقبرة سيدي منيذر بالعاصمة طرابلس، في موكب خرج من جامع ميزران تقدمه حشد من عارفيه الذين تيسّرَ الإتصال بهم.
لقد لفظ الراحل أنفاسه الأخيرة بالقاهرة أحب المدن إليه و أكثرها حضوة بإقامته ليعاد إلى هذه الربوع التي شهدت الأسس الأولى لنموِّه و مقومات شخصيته، منذ مجيئه لطرابلس على هيئة طالب في المرحلة ما بعد الإبتدائية في المعهد الفني الكِتابي، حيث الدراسة و الإقامة للقادمين من خارج المدينة أمثاله، إذ لا يُقبل سوى أصحاب المجاميع و من لا تعوزهم الأهلية الإجتماعية، و قد تجسدت يومئذ على الصعيد العملي في حصوله على فرصة عمل مؤقت بمسعى من خاله المرحوم بلقاسم التير، عضو المجلس التشريعي و أحد المشهورين بحسن العلاقة مع الكتل المتصارعة في ذلك المجلس، و في هذا الحي المزدحم بأكثر من مؤسسة، أشهرها فرقة الأمل للتمثيل و التي تأسست بأكثر من خلفية فكرية. خطا أحمد الفقيه خطواته الثقافية الأولى ليواصل رحلته القائمة على معالجة النص المكتوب و قارئ جميع مواطن الإصطدام الناتجة عن الخوض في ما يتجاوز السهل الممتنع، حتى أنه لم يكمل سنوات الدراسة التي لم تزد يومئذ على السنوات الثلاث، و دخول الحياة العملية من باب الوظيفة التي أذكر أنها كانت في العمل و الشئون الإجتماعية بالولاية، مع الإقتراب من عالم الصحافة، حتى جاءت الفرصة متمثلة في دورة تدريبية ضمن برامج الأمم المتحدة بالقاهرة ليكون ضمن الذين تواصلوا مع ذلك الوسط في وقتٍ مبكر و من جُبّة الكاتب يوسف إدريس الذي هيأت له مكانته و تكتيكات الناصرية على الأرجح أن يبقى بمنجاة من حملات الإعتقال المتلاحقة لمشاهير كُتَّاب مصر و مثقفيها و فنانيها، فلم يتردد في رعاية الكاتب الليبي الذي لم يضيع وقته و لم يعجز عن تطوير أدواته خاصةً و أن مجموعة الصحف الخاصة التي توالى صدورها في الستينيات لأكثر من مؤثر قد أوجدت من الفرص ما اختلف عن الماضي، فكانت مقابلات الفقيه الشهيرة لعديد المرموقين من الكتَّاب العرب الذين تسنى له التقاؤهم أثناء حلوله بمصر متدرباً في مركز سرس الليان و منخرطاً في الصحافة الليبية، عندما قرأنا له المقابلات المطولة مع أمثال صلاح عبد الصبور و أحمد عبد المعطي حجازي و سهيل إدريس و يوسف إدريس و غيرهم الذين اختار لهم صحيفة الميدان و هي تصدر في العام 64، و آخرين مشهورين في مجال الإقتصاد اختار لهم شارع النجاح، اتسعت لها مرونة المرحوم فاضل المسعودي صاحب الجريدة، ابتغى من ورائها على ما يبدو تحييد أولئك المشمولين بالنشر، إذ كانت الصحيفة المذكورة في حاجة إلى قاعدة شعبية تخفف من الحساسية التي كثيراً ما لحقت صاحبها و هو يشغل إدارة تحرير صحيفة الليبي و صاحبها الأستاذ علي الذيب المعروف هو الآخر باصطدامه بعديد القوى، فكانت المقابلات المشار إليها عربون تحييد بارع، و الحق أنه المسلك المُحبب لأحمد الفقيه عبّرَ عنه التألق السريع لإسمه، حتى لقد رأينا الأستاذ كامل المقهور الذي لم يخف تحفظه حول قصة الفقيه "الطاحونة" عندما تناول -أي المقهور- عدداً من أعداد مجلة ليبيا الحديثة و يورد من المقارنات ما بين "الطاحونة و المكنه" من التشابه الذي قد يتجاوز التأثر ليرد الفقيه من جهته و يستمر في عطائه فيفوز بأول مسابقة للقصة القصيرة رسمياً بالترتيب الأول و تزكية كامل المقهور رئيس اللجنة، فإذا ما لاحَ ما يزاوج بين الإبعاد و الإيفاد في أعلام ما بعد العام 67 و ضمن جملة من المُنح الدراسية البريطانية يختار الفقيه هذا النوع من الدورات و العمل على تمديدها الفترة تلو الفترة، دون المضي في العمل بحقل الثقافة و الصحافة، كتابةً و إدارة، و لا سيما في السبعينيات و الثمانينيات لتترسّخ قدمه السنة تلو السنة، و يحظى بالإعتراف الحقبة تلو الحقبة، ليكون جديراً بكل ما بلغ من تكريم بالجوائز و الأوسمة، و مسئوليات بالداخل و الخارج و علاقات غاية في الهدوء و الجدوى و ابتعاد مستمر عن الإيذاء، و معرفة غير عادية لكل الأعلام الذين عرفتهم المرحلة، و على الأخص أولئك الذين طالما ضاقوا ذرعاً بكل من استهوته الجوقة الإعلامية المبالغ فيها أو حاول الإبتعاد عنها و بأقل درجات الخسارة، و المهم أن الفقيه من حيث هو كاتب لم يستهن يوماً بوقته و لم يحرم مدونته من أي نص قُدِّرَ لقلمه أن يكتبه، فكان له هذا الكم الضخم من النصوص القصصية و المسرحية و الملاحم الروائية التي احتل فيها المكان المرموق بامتياز. إلى جانب أوراق العمل التي طالما قدمها لعديد الندوات و المؤتمرات و التي كانت على مدى العقود الخمسة بل و أكثر، ممثلة لعمر حضوره القوي، تُمثل في مجملها ما سيضمن له البقاء في قلب البحث الأكاديمي لما يوفره عطاؤه من صنوف التناول الكفيلة بإثارة الكثير من دواعي الحوار و دوافع المناقشة ليس فقط من حيث الأجناس المحددة في القصة و الرواية و المسرحية إلى جانب المقالة، و إنما من حيث التناول التفصيلي القائم على الجزئيات الموضوعية و الشروط الفنية، و المواقف السياسية، أخذاً في الإعتبار أن كاتبنا كثيراً ما أكد أنه يكتب نصوصه لتوفير المتعة أو تحقيقها، أو كما تحدث للخلّص من أصدقائه حول ما تعلّم من يوسف إدريس، إنجاز النص الذي يقرأه اليمينيون فيقولون أنه لهم، و يقرأه اليساريون فلا يشيحون بوجوههم عنه، و هو ما جعل كاتبنا يتجنّب كل ما طالَ غيره من الضربات، و من هذا المنطلق نرى تجربة الفقيد تعتبر أكثر من غيرها، تحتاج إلى الكثير من الدراسة و الكثير من التمحيص لما تنطوي عليه من كثير الدروس المحتاجة للفاحص الجيد و الدارس المدقق الذي يميز الإيجابي فيدعو للإقتداء به، و يهتدي لما دون ذلك فينصح للإستفادة من قصوره و تفادي الوقوع فيه، ذلك أن ما أنجزه قلم الفقيه إبداعاً هو الأبقى، و ما سوى ذلك فالكمال لله وحده، و هو القادر على العفو و الرحمة و حسن القبول، و تسخير من يوسع هذه المقاربة.انتهى

_________________________________




عمر إبراهيم الشلحي في ذمة الله

أمين مازن

28-2-2019

عن عمر بلغ الثامنة و الثمانين، توفي في اليومين الماضيين، السيد عمر إبراهيم الشلحي، أوسط الأبناء الثلاثة للمرحوم إبراهيم أحمد الشلحي، أول ناظر للخاصة الملكية في دولة الإستقلال، و الذي ارتبط بالملك إدريس منذ صباه الأول و حتى وفاته في الخامس من أكتوبر سنة 54م برصاصات أفرغها في جسده، الشريف محي الدين السنوسي، إبن شقيق الملكة فاطمة أحمد الشريف، و الذي أُعدِمَ إثر محاكمة لم تخل من السرعة، و لم يتوقف الجزاء فيها على الجاني، و إنما شمل أسرة السيد أحمد الشريف و شقيقه صفي الدين، ليس بحرمانهم من أي امتياز موروث أو مكتسب عن السنوسي الكبير، و إنما شمل التضييق عليهم و على كل من له صلة بهم، اللهم إلا من كان أصلاً في الظل أو على صلة طيبة بآل الشلحي. و كان عمر الشلحي هذا قد عُيِّن من طرف الملك إدريس في العام 65م مستشاراً خاصاً للملك، لخلو الخاصة الملكية من شاغلها شقيقه الأكبر البوصيري الذي خلف والده إلى أن لقيَّ حتفه في حادث مرور في العام 63م، في الوقت الذي كان شقيقه الأصغر عبد العزيز قد اختار الإنخراط في الجيش الليبي و تدرّج في سلّمه إلى أن أُنيطت به إدارة التنظيم التي تمثل العمود الفقري للجيش، و قد صاهره في ذلك التاريخ السيد حسين مازق الذي كان على رأس الوزارة الليبية خلفاً للسيد محمود المنتصر في حكومته الثانية، و كان الخاطب هو الملك إدريس شخصيا، و في السنوات الأخيرة من العهد الملكي، كما روى السيد الطاهر العقبي وزير العمل في حكومة مازق و أحد أعضاء مجلس الشيوخ في وقتٍ لاحق، و العاملين في مجال البترول، و قد أفلح في إجراء التعديل الوزاري الأول لحكومة السيد حسين مازق، بعد بقيَّ تشكيل المنتصر عشرة أشهر لخلافات تتصل بالبترول كما رويت عن السيد عبد المولى لنقي المعروف بخصوصية موقفه.

و قد اتخذت القوى المعادية للنظام الملكي، و العاملة على حدٍ ما لإزاحته، من أفراح الشلحي مادة لإثارة سخط الرأي العام حين وزعت منشورات سرية ذكرت ما حدث و ما لم يحدث، و اعتبرها بعض المراقبين في حينها مقدمة لما ينذر به الغيب تجاه مستقبل البلاد، و لا سيما ما لوحظ من زيادة الروح السلبية التي امتدت إلى المسئولين و ظن بعضهم أن الوجود العسكري يمكن أن يحمي. و قد رافق عمر الشلحي الملك في رحلته الطويلة التي زارا أثناءها اليونان و تركيا و أصر على البقاء إلى أن بلغه خبر الإطاحة به في الفاتح من سبتمبر، و حاول كما ذكر بن حليم في مذكراته طلب التدخل إلا أن الملك -و الرواية لبن حليم- بادر بالتنصّل من هذه المساعي فاعتبر الشلحي لا يمثل إلا نفسه، كما حاول في وقتٍ لاحق كما رددت أطراف كثيرة خطف شقيقه عبد العزيز  من سجن طرابلس أو ما أُطلِق عليه عملية "الهيلتون" لولا أن حالت إيطاليا يومئذ دون ذلك، إلا أن عبد العزيز لم يُمس بأذى و تم الإفراج عنه في وقتٍ لاحق و سُمِحَ له بالسفر المرة تلو المرة و فضّلَ الإقامة بالداخل إلى أن وافته المنية و تقبّلَ أهله العزاء من جميع عارفيه و ظل طوال عمره مصرّاً  على احترام نفسه فلن يعلن عن أي طلب شخصي. و عندما هبت رياح فبراير كان عمر الشلحي بين الذين رجعوا للبلاد ليظهر في ميدان الشجرة ببنغازي دون أن يُنسب إليه أي شيء لافت، فقد حلَّ فبراير و هو في الثمانين، و ذاق من الزمن حلوه و مرّه بدون شك، فرجحت إليه ربما فكرة الخلود إلى الراحة أو على الأقل التقليل من الضجيج، بقى أن يكون معلوماً أن آل الشلحي ينحدرون من مجموعة الأسماء التي نزحت مع السنوسي الكبير من شرق الجزائر عقب الإحتلال الفرنسي كأسرة الغماري و السُنّي ممن اتخذوا من السنوسي القدوة و من طريقته الزاد الروحي حتى أن بعضهم رافقه في رحلة الحجاز و عاد مرة أخرى، و منهم من خاض معه تجربة الهجرة إلى مصر، و أن آل الشلحي بالذات لهم جذورهم التي بقيت حتى أن أحد أقاربهم صاهرهم في زمن سبتمبر، كما أن السيد عبد العزيز الشلحي عندما افتتح مكتباً للترجمة بعمارة الوحدة بطرابلس أطلق عليه إسم "باتنة"، و هي المدينة ولد بها أجداده الأوائل، فحرص على التذكير بها قطعاً للطريق على أي مزايد فج بالأصل الليبي، و اعتبار غير الليبي نقيصة..!! على الرغم من أن الهوية موقف، ما بالك أن تكون قد قاربت القرنين من الزمن.

و أخيراً لا يسعنا في علامات الموقع و الصفحة و من موقع الإعتزاز بالرفقة التي جمعت ذات يوم بين الوالد الشيخ المختار و المرحوم إبراهيم الشلحي و التي تجسدت في تعيينات أعضاء المجلس التشريعي لولاية طرابلس الغرب و هيأته الثانية تحديداً و التي نذكرها اليوم للتاريخ مع أعمق مشاعر المواساة لآل الشلحي و أصهارهم و أحفادهم في فقيدهم المرحوم عمر، تغمده الله بالرحمة، و لهم جميعاً جميل الصبر.


__________________________________

إبراهيم الاشهب،ذلك العاقل النصوح

أمين مازن

1-10-2018


فُجِعت في الآونة الأخيرة برحيل الشيخ إبراهيم الاشهب، "من قبيلة أولاد غيث بزليتن" أحد أهم قدماء من عاشرت في مطلع مشوار عمري في خمسينيات القرن الماضي، و الذي جمعتنا فيه سكرتارية المجلس التشريعي لولاية طرابلس الغرب في هيئته التشريعية الثانية، كما هي التسمية الرسمية، لنعمل في أقسامه التي نُسّبنا إليها وفقاً لما أتاحت لنا الإمكانيات و سهلت مساعدة الرؤساء و تشجيعهم الكريم على مختلف الصعد، حين كانت المؤسسة المشار إليها تمثل أسرة كبيرة ملؤها الإحترام المتبادل و التضامن الخلّاق، و خليقة حدب الكبير على الصغير و إجلال الصغير للكبير و يمثل الجهاز الوطني الوظيفي بتلك المؤسسة السند القوي لأعضاء المجلس المذكور و ما يدور داخله من صراع على السلطة التنفيذية و من يتحالفون معها من بعض الأعضاء الذين كثيراً ما يفتقدون الحد الأدنى من الإحترام جرّاء ضعف شخصياتهم و تهافتهم خلف مصالحهم. لقد كانت شروط التطور الوظيفي تتطلب إلى جانب الإمكانات الشخصية توفر شيء من المقومات الإجتماعية، و المتمثلة على نحوٍ خاص في العلاقة الطيبة مع أعضاء هيئة المكتب باعتبارها الجهة التي تختص بإقرار درجات  الكادر، تلك التي لا مجال لتبوأ درجة من الدرجات ما لم تكن قد وُجِدَت في الكادر المشار إليه و إلا فستبقى الأحقّية مُعلّقة، فلا مناص لكل طَموح في المدى البعيد دون التواصل مع كل عضو ذي طُموح نحو التألق، كما تشهد الوثائق التي أرّخَت للمرحلة و أعلامها من أمثال السادة علي الديب و الطاهر العُقْبي و مخزوم حمّوده و عبد الله بو سنينة و و الميساوي علي و و محمد بوراوي و عجاج ثامر و اِمحمد بحيح و و سالم شيته و صالح عمَّار و رمضان ميزران و صالح خماج و بلقاسم العيساوي و محمد بوزيد الشريف و الهاشمي بوخلال و عبد الله شرف الدين و أحمد الزايدي و العيساوي بوخنجر و محمد مصطفى عراب و محمد الصيد صفَر و محمد دخيل و محمد بلقاسم التير و عمران الورشفاني و عمر بوغرسة و ميلود خليل و الهادي الرويمي  و عبد الله الإدريسي و يوسف بوالشواشي و محمد توفيق الغرياني و علي شلبك و محمد بشير المزداوي و عبد الله الزوام و بشير الديب. منهم من جاء عن طريق الإنتخاب و منهم المُعَيَّن بترشيح الولاية و توقيع الملك طبقاً للقانون الأساسي، أولئك الذين تألقت أسماؤهم في الهيئة التشريعية الثانية و ما بعدها بما وجّهوه من الأسئلة و المقترحات و مثل ذلك الإستجوابات و مشاريع القوانين التي بذل الموظفون فيها كبير الجهد التي أشرف عليها باقتدار عبد اللطيف الشويرف و عمر الجليدي و عبد العزيز الرحيبي و محمود خليل و عمران الناجح و كاتب هذه السطور الذي تنقل بين اللجان و المضابط ليقيم علاقة إنسانية جميلة مع الكثير ممن كانوا في سنه و أكبر منه بعض الشيء أمثال الشيخ إبراهيم الاشهب و محمد الشحّي فسيخة و مصطفى كرور و محمد بلقاسم العرادي، فيتفوق الشيخ إبراهيم الاشهب بتلك الخصوصية التي أسبغتَها عليه حنكته و قوة اتصلاته مع عديد الأطراف جرّاء مكانته المميزة بين عدد غير قليل من بني منطقته أو لنقل مدينته زليتن، لا فرق أن يكونوا أعضاء بالمجلس يتفقون مرة و يختلفون مرات و لا سيما في التعاطي مع السلطة و مراكز القوة المسيطرة و المؤثرة في مواقع هؤلاء الأعلام و قد كان أبرزهم يومئذ السيد عبد الله الزدّام الذي أذكر ما حدث له من التجاذب عندما أُختير اسمه بين العشرة أعضاء الذين شملهم المرسوم الملكي للتعيين بالمجلس، قيل يومئذ إن ورود اسمه يعود لناظر الخاصة الملكية البوصيري الشلحي و سعي من ياوره الخاص مختار الدغدوغ ليتلو ذلك التعيين تعيين آخر تمثل في تسميته ناظراً للمواصلات، و يمومئذ بادر المذكور في مصارحة عدد من أصدقائه و هو يدعوهم إلى جلسة إحتفالية أو أُقيمت على شرفه -كما رويت عن الاشهب-، فلم يتردد في مصارحتهم جميعاً بأنه لن يكون عيناً على الوالي أبو بكر نعامة الذي اصطدم بالخاصة الملكية و كان حاداً في أحاديثه، حين لم يتردد في التصريح بأنه يفرِّق بين وجوده كممثل للملك و الآخرين في خاصته الذين لا يتجاوزوا  -حسب تعبيره- صفة الخدم لأن الخاصة الملكية تعني في الحقيقة هذه المهام، لولا أن الملوك في أحيانٍ كثيرة يعطونها السلطة الأكبر و التي تزيد على اختصاصها لتدخل في شئون الدولة، و هي نقيصة رافقت الحكم الوطني منذ تشكيل أول حكومة ليبية عقب الإستقلال تمثلت في ذلك التدخل السافر الذي بدأ به ناظر الخاصة الملكية و ما استشعر عن محاباته للسيد عبد الله عابد السنوسي الذي طالما حضر المناسبات الرسمية فأربك حضوره المنظمين لإصراره على الجلوس في غير المخصص لأمثاله من المقاعد، ففي تلك الأيام أُعتُبِر موقف الزدّام مختلفاً عن سابقيه الذين لم يروا في تسميتهم بمكان من الأمكنة ما يفقدهم احترامهم كما كنت أسمع عن عديد الأسرار و بالأحرى المفارقات، مما كان له أثره القوي في ما توفر لي من الوعي بالمرحلة و ربما التعبير عن ذلك لأحقاً، فقد كان المرحوم قوي التواصل مع من ذكرت، و آخرين غيرهم كانوا يعودون من دراساتهم أو يباشرون أعمالهم كالشيخ الشويطر و الشيخ المدني الشويرف و أحمد حموده و أحمد الكيلاني و غيرهم كثير ممن كانوا دائمي التردد على المجلس و الناشطين من أعضائه ممن كان لأسئلتهم و مقترحاتهم كبير الأثر في تقويم أداء سلطة الولاية و دفعه في الغالب نحو مشاركة أوسع، و لا سيما في الهيئة التشريعية الثالثة التي سَلِمَ الإقتراع فيها من تدخل السلطة و احتكمت فيها بعض الدوائر إلى مبدأ التوافق على نحو ما جرى في بعض المناطق الغربية، عندما استفاد القوم من الفتنة التي شهدتها زوارة بين مكونيها في الجميل و زوارة المركز، فكان أن استوعبوا الدرس و غلّبوا فكرة التوافق على قاعدة الإقتراع المبدئي أو "العود" كما هو المصطلح الشعبي لتحديد الجهة التي يكون منها المرشح، على أن يُعطى حق تسميته للطرف الآخر، و هكذا ضمنوا أن يكون المرشح ممثلاً للجميع فكان في ذلك ما ضاعف من الفاعلية التشريعية و الرقابية و هو ما جسدته مشاريع عديد القوانين التي أُحِيلت للسلط الأعلى مثل قانون البطاقات الشخصية و المطبوعات، صحيح إنه الصراع المتعلق بالنشاط النقابي خاصة و أن ذلك قد تزامن مع قوة النشاط النفطي و ما تسبب فيه من توسيع هوامش العمل  و في الجانب الخدمي تحديداً، عندما شاع اسلوب التعهّد بإنجاز الأعمال بدلاً من تعيين المستخدمين كأفراد لهم حقوقهم المحددة و واجباتهم الواضحة، أي تقوم كل شركة بتحديد الخدمة التي تحتاج إليها و تترك اختيار المستخدمين لأشخاص محددين و هو اسلوب غير مألوف و كان له من الرافضين الذين أفلحوا في تشويه صورته و تجريم أسماء الكثير من القائمين به، و بالجملة  فقد كان  في تردد هؤلاء و غيرهم ما يشي  بحدة الصراع بين مختلف القوى و الذي انتهى بإزاحة والي طرابلس أبو بكر نعامة و قد نقول المجموعة الأكثر تشدداً، و على أي حال أستطيع القول بكل أمانة أن هذه الفترة بالنسبة لي شخصياً كانت من أخصب الفترات لما توصلت به من عديد المعلومات عن الفترة التي سبقت وجودي في ذلك الواقع و كان أخطرها ما حصل للشيخ بحيح الذي تقدم بسؤال  حول وجود المسئول البريطاني في نظارة المالية، و كانت المفاجأة أن نهض أحد زملاء الرجل ليقترح حذف السؤال من جدول الأعمال بدل السماح بدخوله ضمن محضر الجلسة، الأمر الذي قلل من أداء بحيح بل و ما لبث أن عصف به من موقعه في هيئة المكتب كنائب للرئيس، و أخيراً مغادرته لتمثيل منطقته نهائياً في الإنتخابات التي تلَت تلك الواقعة ليخلفه رجل الأعمال المعروف فتحي دخيل، ففي تلك الأيام ظهر تصدع غير عادي في علاقة السيد الأشهب مع السيد مخزوم حموده دون أي صوت مرتفع و إنما فقط الإبقاء على الحد الأدنى من العلاقة الظاهرة دون أي وجود للخصوصية السابقة، لقد اكتفى الشيخ الذكي بأن همس في أذني ذات مرة و نحن نتحدث حول أحد الزملاء بقوله إن الضعيف بين قومه لا يستطيع أن يكون ذا وجود أمام ممثلهم بالمجلس، و قد تم ذلك بين ما حرص على تزويدي به من دقيق المعلومات -كما قلت، و أكرر- عمّا سبقني، فأكتسب الكثيرمما لم يتحقق لغيري من المجايلين إنْ الأمر ليس كذلك، و الذي استمر إلى أن فرقتنا التعديلات الدستورية التي ألغت المجالس التشريعية بأن وجدت فرصتي في وزارة الأنباء و الإرشاد ضمن الذين فُسح لهم المجال بتعليمات الوزير و الزميل السابق الأستاذ الشويرف، في حين رأى الشيخ ابراهيم أن يكون بين موظفي الإدارة المحلية، إلى أن جاء سبتمبر و كان له مرة أخرى وجوده المستمر، إلا أن حبل الود ظل قوياً كل القوة على الرغم من عدم اللقاء الدائم، و مازلت أذكر سروره الكبير و هو يهاتفني فرحاً و هو يعلم بإحتمال حضوري إلى جامعة زليتن لأُحاضر حول تجربتي بدعوة من أحد أساتذتها لولا أن نجح بعض "الخيرين" في الحيلولة دون ذلك بالتأجيل إلى موعد آخر، تلك الحيلة التي طالما لجأ إليها الكثيرون و هم يباشرون هوايتهم في الإقصاء و الحيلولة دون أي صوت يحمل مشروع توسيع دائرة المشاركة، كان ذلك ضمن الكثير من الممارسات العابثة التي كان من بينها هدم مبنى المجلس التشريعي لولاية طرابلس الغرب و الذي كان قبل ذلك التاريخ مقراً لنادي المكابي اليهودي قبل الإستقلال، ففقدت ذاكرة الوطن الكثير من المواقف الوطنية، و الذي لحقه في وقت آخر هدم مبنى أحد المصارف الإيطالية الذي جرت صيانته ليكون مقراً للحكومة، عندما عُقِد فيه اجتماع  ارتفع فيه صوت من داخل العهد مجاهراً بنقد الفساد، فلم يبق من ثم سوى التسجيلات الصوتية المُصوِّرة التي وثّقت للمرحلة، و تأتي هذه المناسبة لندون فيها ما تيسر تدوينه في هذه الشبكة  التي نعوِّل عليها في مقاومة كل المحاولات الرامية إلى تعطيل دور الكلمة في وطننا العزيز، و نحن نودع مترحمين هذا الفقيد الكبير، الذي لو أراد المرء أن يوجز التعريف به دونما إطناب ممل أو اختصار مُخلّ لَما تجاوز وصفه بـ ذلك العاقل النصوح.  انتهى


_________________________________

سيف النصر عبد الجليل سيف النصر في ذمة الله

أمين مازن

18-6-2018

بالتقدير كُله و الإعتراف كُله و التأثر كُله، تنعي "علامات" الموقع و الصفحة الفقيد الليبي الكبير سيف النصر عبد الجليل سيف النصر، الذي لحق بربه في المهجر المصري قبل إنتهاء العشر الأواخر من شهر رمضان المبارك، عن عمر بلغ الثالثة و التسعين، و تُحَيِّ فيه سيرة عملية خصبة و حظوراً غير منكور في الحياة الليبية المعاصرة، التي فرض رحيل والده المجاهد و الموهوب عبد الجليل سيف النصر المبكر في أربعينيات القرن الماضي على سيف النصر الشاب أن يقتحم الحياة العملية في عمر مبكر حيث إقامة بعض أعمامه هناك و انشغالهم بأكثر من شكل فرض عليهم من الجهد ما فرض، و حتَّم على سيف النصر هذا أن يتصدى دائماً للبحث عن المخارج، و الحرص على تقوية عُرَى التواصل على أكثر من محيط سواء في المهجر المصري أو عند العودة في مطلع خمسينيات القرن الماضي عند انبعاث دولة الإستقلال التي كان للمجاهد و العم الكبير أحمد سيف النصر دوره التاريخي بالإنحياز لمصلحة البلد كَكُل و التضحية بكل المغريات التي لاحت في الأفق، عندما عهد إليه المجتمع الدولي باختيار ممثلي إقليم فزان في أول جمعية تأسيسية أُنيط بها وضع أسس الكيان الجديد، و لاح فيها كل ما يسيل لعاب الطمع للسلطة و التضحية بكل ما يدعو لوحدة الوطن لحساب الإقليم و بالضرورة العائلة على الرغم من أن شيخوخة ذلك المجاهد كان المنتظر منها ألا تكون على النحو الذي مضت فيه. و يومئذ كانت مسارعة سيف النصر بالعودة إلى الجنوب، على الرغم من أن منطقة سرت حيث ثقل القبيلة ربما تكون أكثر إغراءً للدخول من باب الإنتخابات، فكان أن رجح الفقيد خيار البقاء إلى جانب العم في صيغة قد لا تكون معتمدة فسُميَّ نائباً للوالي، ريثما وجد الحل المناسب عند استحداث رئاسة المجلس التنفيذي لكل ولاية من الولايات الثلاث، فكان أن سُميَّ سيف النصر رئيساً لمجلس فزان التنفيذي و يقطع ذلك المشوار الطويل الذي لا توجد فيه خطوة واحدة  بدون ألغام، سواء في صراع الإقليم المفتقر لكل شيء أو الأسرة المقيمة بالمهجر و المنغمسة في الكثير من استحقاقات المحيط توكيداً لحظورها و إصراراً على بقائها، سواء و مصر يدير شئونها التقليديون و الإقطاعيون و لا سيما المنحدرون من أصول ليبية، أو ينتزع السلطة فيها تنظيم الضباط الأحرار و يعين لها وزير يحمل صفة وزير شئون ليبيا، و ليس العلاقات الليبية، هو السيد حسن ابراهيم الذي لم يتأخر سيف النصر عن توثيق العلاقة معه و هو يحل بالبلاد في تلك الفترة المبكرة، جنباً إلى جنب مع أكثر من طيف ليبي، ان تكن الخاصة الملكية ممثلة في السيد إبراهيم الشلحي و ابنه البوصيري من بعده، فقد كان التواصل مع الطلبة الدارسين بالقاهرة و المنخرطين في نادي الطلبة على رأس اهتمام الولاية الجنوبية، و التي بادرت على الرغم من شدة احتياجها إلى دعم النادي بالمتاح مع اشتراط السرية و اعتبار أي إفشاء للسر موجِباً لقطع أي عون، هو تواصل ما لبث أثره أن ظهرفي تأسيس صحيفة فزان التي فاقت ما سواها في بقية الولايات و استثمار الصلاحيات المتاحة في استقلال الإقليم للتصريح لكل من تتلكأ السُلَط المحلية في الإذن له بممارسة أي مهنة تحتاج إلى التصريح، مثل المحاماة و تحرير العقود لبعض من كانت حولهم بعض التحفضات السياسية فتعمد إلى التصريح لهم بممارسة المحاماة من أمثال القاضي عبد الرحمن الجنزوري الذي اصطدم بالسلطة و قرر الإستقالة و مثله عبد الله شرف الدين، مما جعل من فزان تبدو على هيئة بؤرة للضوء في ذلك الواقع الآسن الذي ساد الحياة الليبية عقب الإستقلال و إجراء أول عملية إنتخابية نيابية و أخرى تشريعية عبث بها بعض المسئولين من مواقعهم كمتصرفين و كرروها كولاة فسادت بالمدينة سحابة حزن ظلت فزان تواجهها بشيء من الأمل، على الرغم من أن الكثير من المعروفين من أهلها لم يكونوا على وئام مع ما كان يجري من الإستعانة بغير المنحدرين من الجنوب إذ رأوا فيهم أنصار للسلطة لا مساهمين في التطور و ذلك لأن النظرة كانت محدودة و لم ترتفع إلى ما كان يبشر به عديد المُطلعين من أن زمن الفاقة محدود و أن اغتناء البلد بالمعادن من الأمور الثابتة و أن مشاكل الناس لن تدوم، و من الشجاعة أن نعترف بأننا لم ندرك مثل هذه الصورة في وقتها بل لقد كنا من قصيري النظر، و لا سيما فيما يتعلق بتعديل الحدود بين ولايتي طرابلس و فزان و دعوة أحمد سيف النصر المبكرة لأن تكون سرت جزءًا من فزان، معتمداً في طلبه هذا على دوره المتفرد في الجهاد و تحرير البلاد من الإستعمار الإيطالي حين قدِم بقواته من تشاد، و مستنداً على ما بين السكان من عوامل التقارب في الداخل و الخارج على السواء، لولا أن السن لم تسمح لهذا الرجل بالبقاء طويلاً كي يحقق رؤيته، و لإدراك سيف النصر هذا لحجم الصعوبات فاختار البديل عن هذا التوجه، حشد المزيد من أبناء القبائل للعمل في مختلف الدواوين و لا سيما قبيلة القذاذفة الذين فُتحت أمامهم أبواب العمل في قوة الأمن بفزان أمثال السيد محمد قذاف الدم و مسعود عبد الحفيظ و حسن شكال و آخرين غيرهم كثر، و مثلهم من ورفلة و الزنتان ممن لم يسترح لوجودهم الكثير من أبناء القبائل المقيمة هناك عبر التاريخ، فقد كان لهؤلاء و غيرهم دورهم في الدفع بسبها كي تكون مشروع مدينة مختلطة الأعراق و حاوية لأكثر من مرفق، حتى أن هناك من اختصاصيي الآثار، محمد سليمان أيوب أن كتب ما يؤكد قِدم الحظارة الليبية القديمة إلى ما يضاهي حضارة وادي النيل، و على كل حال و بعد سلطة دامت عشرة سنوات أفلحت الشركات النفطية و المصالح الدولية في إقناع الملك بإلغاء النظام الإتحادي و إقامة سلطة مركزية، استلم فيها السيد سيف النصر عبد الجليل حقيبة وزارة الدفاع و زاد فيها الإهتمام بالجيش تجنيداً و تسليحاً حتى أن المجموعة التي تمكنت من قيادة التنظيم الذي أطاح بعرش الملك إدريس دخلت الكلية العسكرية و سيف النصر على رأس وزارة الدفاع، و قد تحدثوا في غير ما مرة ،و عندما تم لهم ما أقدموا عليه أن الفكرة بدأت من هناك، كما أن بقاء سيف النصر في منصب وزارة الدفاع لم يزد على السنة و بعض السنة إذ ما لبث أن أُذيع المرسوم الملكي ذات ظهيرة بتعيين السيد عبد السلام بسيكري وزيراً للدفاع خلفاً لسيف النصر دونما تكليف بأي مهمة من المهام، فأدرك الرجل على ما يبدو حجم الإساءة فآثر الإنزواء، حتى إذا ما سُميَّ وزيراً في حكومة السيد عبد القادر البدري إلى جانب صديقه الدكتور علي الساحلي لم يتردد الإثنان عن التخلف لآداء اليمين الدستورية، فاعتُبِرَ الموقف استخفافاً بالمسئولية، و كانت المسارعة باختيار البديلين، فكان أن انزوى سيف النصر و لم تشمله الكثير من التكليفات التي طالت من هم أقل منه أهلية، لأن النظام لا يحترم رموزه و لا هم يعبأون بجزاءاته إلى حين سقوط النظام الملكي في الأول من سبتمبر 69، لتتداخل الأنباء حول دور آل سيف النصر في ما حدث، خاصة و أن الشيخ محمد سيف النصر لم يُخفِ سروره من بروز اسم معمر محمد بومنيار القذافي على رأس العهد الجديد، و ذلك قبل أن يداهم بيته نفر من عساكر العهد الذين سارعوا بإيداعه السجن المركزي، ثم لم يمر قصير وقت حتى شمل السجن ابنه الساعدي و عدد من الضباط المقيمين بفزان كالعقيد محمد المهدي القاضي و المقدم عمر عبد الرحيم و المقدم عبد الله حلُّوم و غيرهم، و لم يسلم سوى غيث مجيد الذي خرج قبل الشروع في السجن، فيما ظل سيف النصر بمدينة طرابلس إلى أن غادر البلاد ليستقر به المقام في القاهرة حيث مكانه المفضل و الفيوم حيث أطيان الأسرة، فامتُحِن الساعدي في سجنه و فارق الشيخ محمد الحياة و لم يعد سيف النصر بعد ذلك التاريخ و إن لم يقم بأي نشاط معادي، أما سلطة الفاتح فلم تُبدِ أي خطوة في مجال جبر الخاطر و رد الإعتبار، إذا كان الإعتبار يمكن أن يرده البشر، و قد تواصل الكثيرون مع سيف النصر و لم يقطع هو الآخر مع من كانوا في تلك الربوع و هم في عداد الأعيان و بالسن المقاربة له، و كان يؤكد لكل من يلتقيه أنه على وشك الفراغ من الدفع بمذكراته للطباعة، و تمضي الأيام و تأتي الأيام دون أن يقرأ أحد ما كتب سيف النصر إلى أن أقعدته الشيخوخة في السنوات الأخيرة، و عقب السابع عشر من فبراير 2011 تحديدا، و أذكر أنني قبل هذا التاريخ تواصلت معه أكثر من مرة و تبادلت معه الحديث حول مختلف الشئون و الشجون، إنطلاقاً من علاقة الأهل و وثوق الثقة و أبديت استعدادي للمساعدة في صوغ ما لديه إعتزازاً بقيمتها التاريخية من ناحية و العلاقة الموروثة من ناحية أخرى، و أذكر أنه أسرَّ لي بنصحه للدكتور فكيني ،عندما عمل معه وزيراً للدفاع، بعدم المساس بما كان يُحال من مكتب رئيس الوزراء الصيد إلى الفريق بوقويطين و غيره و كذا مراجعته للملك ادريس حول ولي عهده و رد الملك بشأن ولي العهد و بقية الأسرة لقوله "ليس منهم رجل رشيد"، و مع الترحم اليوم على شخصه الكريم و والده عبد الجليل و جدته خطيطة و بقية الأعمام الراحلين و تقديم العزاء للأبناء و الأقارب و الأصدقاء، أتمنى أن يسهلوا جميعا مهمة الأستاذ غيث سالم لإنجاز أوراق الفقيد مجتمعة على أي صورة كانت، عسى أن يكون في ذلك ما يوثِّق لدوره و يحفظ له حقه و حق الوطن عليه، و حركة التاريخ الذي أسهم فيه بجدية لا ينكرها إلا جاحد، و أخيراً رحم الله من علمنا الإنصاف و وصانا بصون المشترك، و كان أحب المأثور إليه "إن الله يسأل عن صحبة ساعة".انتهى

____________________________________

في وداع خالد محي الدين

أمين مازن

8-5-2018

علامات -موقعاً و صفحة- تنعي ببالغ التأثر و وافر العرفان الفقيد الكبير الأستاذ خالد محي الدين الذي توقف قلبه أخيراً عن الخفقان بعد عمر دام قرناً من الزمن بدأ في مثل هذا التاريخ من القرن الماضي بمصر، عندما كانت أسرة محي الدين واحدة من أُسر الطبقة الوسطى المصرية التي تمثل حضوراً في تاريخ مصر الخاضعة لبريطانيا و التي أوجدت لها موطئ قدم عندما تمكنت من إحباط الحركة العُرابية و محاولتها الرامية إلى إيقاف دور الأسرة العلوية و ما دأبت عليه من التواطؤ مع المستعمر البريطاني لتزيد من هذا التواطؤ و ممارساته غير الوطنية، الأمر الذي حدا بخالد محي الدين هذا و لمجرد بلوغه سن الرشد و إكماله الدراسة الثانوية و حصوله على التكوين الذي يسمح له باختيار النهج الذي رأى فيه الجدوى العملية أن كان في مقدمة الذين بادروا بالدخول إلى كلية الضباط ليبدأ حياته العسكرية ضابطاً يحمل نجمة الملازم، فكان أن أهّله اقتداره أن يكون ضمن سلاح الفرسان، و في تطور آخر يتأهل كأركان حرب و يتخرّج في الوقت نفسه من كلية الإقتصاد و التجارة، و ما ذلك إلا لأن خالد محي الدين لم يكن في اتجاهه للجيش مجرد شاب يريد الحصول على رتبة الأفندية و التي ما كان له أن يحلم بها لولا ذلك التطور الذي أنجزه زعيم الأغلبية البرلمانية الزعيم مصطفى باشا النحَّاس الذي آلت إليه زعامة حزب الوفد عقب وفاة الزعيم سعد زغلول بإبرامه معاهدة 1936 و التي كان من إيجابياتها كما يقول الدكتور أنور عبد الملك في كتابه "مصر مجتمع يبنيه العسكريون" إفساح المجال أمام أبناء الطبقة الوسطى كي يدخلوا الجيش المصري، إذ كان العمل القيادي العسكري حكراً على الطبقات العُليا ليس غير، و مما لا شك فيه أن مثل هذه الخلفية هي التي حدَت بهذا الشاب المتوقّد حيوية و نشاطاً أن يكون في مقدمة الذين بادروا بتشكيل تنظيم الضباط الأحرار الذي جعل في مقدمة أهدافه الإطاحة بالعرش العلوي لما ثبت من استحالة تحقيق أي مطلب من مطالب الوطنية المصرية، الجلاء و ما في حكمه، ما دام هذا العرش جاثماً على صدور المصريين. و قد أرفق محي الدين نشاطه هذا بالتواصل مع مختلف القوى الوطنية من اليمين و اليسار إيماناً منه أن تحرير مصر من الإستعمار و التبعية مسئولية الجميع و واجب الجميع، و لا مكان فيها لأي خلاف بين المختلفين فكرياً، كل ذلك دون أن يهمل تكوين نفسه ثقافياً أو يتخلّى عن التزامه الديني أو يقترب من أي صراع فكري مفتعل لا يُمثّل ضرورة من الضرورات المستعجلة و لا يُمثّل تأجيله خسارة من خسارات الوطن و الوطنيين. و هكذا رأيناه عند اندلاع حرب فلسطين يُسهم بما حُدِّدَ له كواجب دون التخلّي عن التدبّر و الإستعداد لما تنتظره منه مصر، و لهذا رأيناه كما يُجمع كل الذين أرّخوا لحركة ثلاثة و عشرين يوليو 52 أنه -أي خالد محي الدين- كان دائماً صاحب الدور الإيجابي الذي لا مكان فيه للتردد أو الحسابات أو التدبير في الخارج حالة ما إذا مُنيت الحركة بالفشل و لكنه مثل غيره من الثوريين الصادقين الذين لا يترددون في القيام بالخطوة الأولى، اللهم إلا إذا كان الأمر يتعلق بالمصلحة. و لهذا رأيناه في خضم أزمة مارس 54 التي اندلعت من أجل الديمقراطية يرفض قبول منصب رئاسة الوزارة خشية أن يُقال ظهر بسلاح الفرسان ليحكم مصر، و ليس لإعادة الجناح المُصِرّ على الديمقراطية، فإذا ما استحالت فكرة الديمقراطية بمفهومها التقليدي عقب معركة القنال 56 كان تأسيسه لصحيفة "المساء" التي أوجدت فضاءً ديمقراطياً فاق في فاعليته عديد التنظيمات، أما في الظروف التي تعذّرَ عليه القيام فيها بما يحب أن يقوم به، كان في ترفُّعه عن التعاطي مع أي ضغط أو أي إغراء ما جعله دوماً موضع احترام الجميع و من المختلفين معه أو المعترضين على خياراته قبل المتفقين. لقد أصدر خالد محي الدين منذ سنوات شهادته في كتاب اختار له من العناوين "الآن أتكلّم" و كان ذلك في الفترة التي انطلقت فيها أقلام الذين لم يقتصدوا يوماً في إسباغ ما لا حصر له من النعوت الجميلة على الرئيس جمال عبد الناصر فإذا بهم ينكرون على الرجل كل شيء. و كان أن اختار محي الدين ما هو مُنتظَر منه فَرَدَّ بشهادته " الآن أتكلّم" فتسنّى لي أن أتحدث عنها في مطبوعة "لا" التي كنت مُشرفاً عليها بصفتي الإعتبارية فيما كان عدد من المثقفين الملتزمين لا يبخلون عليها بكل ما يعمّق الخيارات الديمقراطية و التوجهات التقدمية.

لقد تيسّر لي على الصعيد الشخصي التعرّف على الأستاذ خالد محي الدين بعد أن عرفت عنه من بعيد و رأيت فيه المَثَل كما فصّلت في "مساربي" و رأيت في حزب التجمّع دوماً التنظيم الجدير بالإقتداء، و كذلك فَعلَ عديد المثقفين الليبيين و لا سيما الذين ذاقوا مرارة السجن و اكتووا بنيران السلطات الشمولية، دون أن يخضعوا لردات الفعل التي تعود بهم القهقري.

و عندما تبلغ الرحلة منتهاها و يتوقف القلب الكبير عن الخفقان، فلا شك أننا في معرض رثاء هذا المناضل الكبير إنما نُعبِّر عن قوى ليبية كثيرة تشاركنا العزاء في الفقيد الكبير، إن تكن البداية من الأسرة أو حزب التجمع فلا شك أن الأسرة تتسع لمصر كافة و القوى التقدمية أينما وُجِدَت.

و ليرحم الله خالد محي الدين     


______________________________________


عامر الدغيّس.. علوٌّ في الحياة و في المماة

أمين مازن

26-2-2018


هذا يوم آخر من ايام فبراير المحفوظة في سجل الذاكرة الوطنية التي تحتفظ بكل الأحداث الكبيرة، التي كبرت بتضحيات الرجال الكبار، يوم شُيِّعَ فيه جثمان أبرز الوجوه المشرقة في تاريخ ليبيا المجيدة، و هي تواجه محنتها في ثمانينيات القرن الماضي، عندما بلغت التصفيات الجسدية ذروتها في الداخل و الخارج، و هو المرحوم الأستاذ عامر الدغيّس، عندما سُلِّمَ جثمانه لأسرته مصحوباً بشهادة الوفاة، و أمام سبب الموت عبارة "الشنق"، بدعوى أن الفقيد قد إنتحر، و لكن دون أن يظهر على اليدين أي أثر تفرضه لحظة الموت حين لا تكون اليدان مغلولتين، و قد خرجت جنازته من جامع ميزران بمدينة طرابلس، و كان صهره أحمد الزواوي بالرغم من حالة الحزن و التأثّر، يحرص على إطلاع كل من يقترب منه على تلك الشهادة الوقحة و هو يُشير بيده إلى عبارة الشنق المثيرة، كانت مشاعر المُشيعين مشحونة بالتوتر، بل و حتى التحفّز كما لو كانت تتصور أن بإمكانها الإمساك بالجاني و القصاص منه، في ذلك المساء الكئيب 26-2-80 وهو اليوم الذي سبق أن حدده بعض المصريين لأطراف من المعارضة، بأن عليهم أن يعلنوا قبل حلوله عن كيان قبله تحديداً و إلا سيفوتهم القطار، كما عبّرَ المتكلم في الوقت الذي سربت على ما يبدو معلومة مماثلة لأركان النظام المنهار و بالطبع حضّهم على ما يتطلبه الموقف المقابل من الإجراءات التي يرونها، فاختار هذه الأخيرة المبادرة بسلسلة إعداماته بدءً بالشهيد عامر.

كنت قبل ذلك التاريخ في زيارة لإيطاليا، و كما هي العادة إلتقيت عدداً من الأصدقاء المسهمين في فصائل المعارضة الخارجية، و قد كانت يومئذ على أشدها و يتوقع بعض المتفائلين أن قُدرتها على إحداث التغيير لم تعد بعيدة، فيما يستبعد البعض الآخر إمكانية أي تقدم، و قد توصلت بمعرفة الموقف المصري فكان ذلك مدعاة للشك، إذ ما دام السادات قد أُرغِمَ على وقف حرب     الحدود سنة 77 فمن أين له أو غيره أن يفعل أي شيء إزاء نظام وُلد ولادة أخرى. و قد وصلت المعلومة بأن المرحومين عامر و على أبو زقيّة قد دُعيا إلى إحدى الدوائر الأمنية و سُمي مسئولها "خليفة حنيش" حيث أوقف الأثنان بعض الوقت، ثم أُفرِجَ عنهما، و لم أكد أصل البلاد حتى وجدت المرحوم عامر يسأل بإلحاح و كان أن أسرعت بالحضور إليه في المكتب ليصطحبني في سيارته الصغيرة التي يرفض إعارتها لأي صديق يستنجد به، بعكس غيرها من أثمن السيارات التي لا يرُد عنها محتاجاً، و إذ لم يكن لديه أي إلتزام سوى إعادة حرمه من المدرسة و كريمتها، كان أن إصطحبناهما إلى البيت لتبدأ بعد ذلك جولتنا الطويلة التي شملت سوق الجمعة و تاجورا و الجديّدة و عين زارة و بقية الأحواز التي يحرص عامر على قطعها و التحدث عبرها مع من يحب من الناس إذ ليس بطبعه الجلوس بالمقاهي و لا قفل باب المكتب عن الزوار، و ربما يتعمد بجولاته الطويلة هذه إتعاب كل من عساه يتعقّب تحركاته أو على الأقل يفضحه، و يومئذ روى لي المرحوم وقائع مقابلته بتفاصيلها، و قد شملت الهوية البعثية و العلاقة مع علي بوزقيّة و عبد الحميد البكوش، فلم يقبل أي طعن في وطنية علي بوزقيّة و لم يتنكّر للهوية البعثية مؤكداً في الوقت ذاته إستقلاله، مُرجِعاً تخليه إلى تدخل العسكر أو الكاكي، كان حنيش فيما يبدو، يدرك أن المرحوم قد لا يكون ضالعاً في النشاط الخارجي، إذ هناك أكثر من قرينة تؤكد أن ذلك النشاط كان مُخترَقاً، و إن إصرار البعض على الخلط بين التظاهر و الواقع، أوجد الكثير من التداخل، فلم يشاء أن يترك اللقاء ينتهي بدون مستمسك، فحاول الوصول إليه من خلال الرد الذي تلقاه بكل صراحة من الشهيد، عندما قال له -أي حنيش- يبدو اننا سبقنا الموجودين بالخارج و عليك أن تُطيل لهم الخيط إذا ما إتصلوا بك، فما كان من عامر إلا أن لخّص موقفه في ثلاث نقاط خلاصتها كما حددها، أنه لم يتآمر، و لن يتآمر، و لكنه لن يخدم دور الشرطي، فكانت هذه الأخيرة ما يحتاج إليه اللقاء، و بها كانت نهاية الجلسة، و كان القرار -على ما يبدو- طبقاً للمنطق المُتبّع "من ليس معي فهو ضدي" و قد تبينت نهاية صديقي لكن عامر لا يريد التذكير و لا يريد أن يختار سوي ما إختاره و هو أن يبقى بطلاً أو يموت بطلاً، فلم أجد إلا أن أقول له أن المعلومات حسبما يبدو دقيقة و أن هؤلاء لن يتركوا على قيد الحياة كل من يمكن أن يحكم بعدهم، فإكتفى بالقول "يكفينا الله شرهم" لقد أكد لي في ذلك اللقاء ما تردد عن لقاء تم في السبعينيات بين أصدقائنا البعثيين و صدام حسين عندما زار ليبيا، و هو ما رويته لأحد الدارسين الأكادميين "الدكتور عمر حمودة" عن الإتجاهات القومية، كما أكد لي ما ذكره القذافي عن إتصاله بتنظيم البعث و رفضهم له، لأن الجهة الأجنبية أوصت برفضه، و قد تعين بحسب عامر أن القذافي عند إتصاله بهم تكليف المرحوم بدراسته المرحوم بشير بن كورة الذي رافقه لفترة قدّرَها عامر بأربعة أشهر و أنتهى منها إلى قرار مفاده أن القذافي غير جدير بعضوية تنظيم حزب البعث واصِفاً إياه بالمجنون..! و كان ذلك ما دفعه -أي القذافي- إلى إرجاع السر إلى العامل الخارجي، أما من قدمه لبن كورة و هل كان هو بالفعل جاداً في طلبه أم فقط يريد أن يعرف ما يجري ربما لنصحه من الذين كانوا يرعونه من بعيد، فذلك مازال خافياً، لأن الذين كانوا أكثر قرباً لم يكشفوا عمّا لديهم من أسرار.

لم يطلب الصديق عامر في لقائنا ذاك مني أي رأي، إما لأنه قد حسم أمره أو يريد أن يُطلعني فقط على كل ما لديه، أو لأنه كما ذكر في حينه وثق أن النظام -كما عبَّرَ- مزنوق و على وشك أن يسقط، و المسألة فقط مسألة وقت، على أن ما كان أكثر أهمية بالنسبة لي هو ألا يُدفَع لإعطاء رأي حول الأفكار المطروحة و الممارسات المُطبقة، و على الرغم من أن المرحوم كان على الصعيد الشخصي، و كما ذكر في ذلك اللقاء قد كفرَ "حسب تعبيره" بالتجربة الحزبية التي تجعل الرفيق يتقدم على الصديق، لأن كل من ينضوي داخل التنظيم، كما عبّر يستحق التقدم على من سواه من أصدقاء العمر، إلا أنه لم يقل ذلك لمن ناقشه على الصعيد الرسمي ، و أذكر أنه قال لي لا أدري بالنسبة لك "يقصدني" كيف كان الحال؟، و قد أجبته مازحاً و مبرراً لفرديتي التي كانت تعطي الأولوية للكتابة و ليس للقاعدة الإنضباطية التي كان يشكو من ثقلها. لقد أعاد لي حديثاً عن السيد صدام حسين، حصل في لقائهم ذاك، و كان مطابقاً لما قرأته في كتاب تُرجِمَ يومئذ إلى العربية للمستشرق مكسيم رودنسون عن تاريخ البعث في سوريا و العراق، جاء فيه ان الذين بقوا من مذابح قاسم في العراق لم يتجاوزا الخمسة و العشرين، و لكنهم لملموا صفوفهم و أجهزوا على قاسم قبل ثلاث سنوات، جزئية واحدة إستوقفتني في ذلك الحوار المتعلق بالرئيس صدام حسين عندما قال لمن إجتمع بهم، "لو بقي منكم واحد، سيحكم البلاد"، رأي لم يقتنع به المرحوم عامر، بدليل أنه قال لرفاقه عقب اللقاء أنني خارج هذا التصور و أيده على ذلك آخرون لن أذكر أسماءهم هنا، و قرر البعض البقاء و لم يذكر منهم أي إسم، لكن السلطة فيما يبدو حملت الرأي محمل الجِد، و إعتبرته ربما يمثل وجهة نظر الغرب، و من هنا كانت تلك الحملة الشرسة التي بدأت بإعتقال كل الذين إختاروا فكرة المواصلة، من دون إهمال الذين رجّحوا الموقف النقيض، و كانت البداية بإعدام عامر ليتلوه الأستاذ محمد حمّي أحد رجال بنغازي المشاهير و من ثم الحملة التي شملت الخارج و الداخل و طالت شخصيات أخرى، بحيث لم ينته شهر فبراير إلا و كانت التصفية الجسدية على رأس ما ينتظر الجميع، و لم يكن أمام الليبيين المقيمين بالخارج سوى أن يسجلوا المزيد من الأسماء المقيمة بالداخل و إعتبارها مُرَشحَة للتصفية عسى أن يكون في ذلك ما يوفر شيئاً من الحماية لها، كان ذلك اليوم بداية لحالة من الأحكام العرفية غير المُعلَنة أكثر من أي وقتٍ مضى، إذ أُعتُبِرَ حضور الجنازة مستمسكاً على كل من لم يتأخر عن أدائه أما المأتم فقد كان تحدياً آخر، و كان الإضطرار للغياب عنه مدعاة لإستشعار القهر الذي لا نظير له. لقد أفلح أصدقاء الشهيد عامر و من شاركوه في عديد المجالات التي عاشها و كان فيها نعم الرفيق، و كان ذلك قبل سنة مضت، مستفيدين من مخطط المركز الوطني للمحفوظات "الجهاد" و الرامي إلى تدوين التاريخ الوطني المتصل بثورة السابع عشر من فبراير، ذلك المخطط الذي شمل الكثير من الرموز و ما يزال يوالي سيره نحو الآخرين، و تأتي اليوم سنة أخرى نشعر أنها تفرض التذكير به من جديد، لما إنطوت عليه من الذكريات و المواقف، و لو أن هناك من سيقول أن معارك التحرير في أيامنا هذه قد عرفت من التضحيات ما تجاوز من نتحدث عنه، و هو قول يجهل الرد الذي عبَّرَ به أحد الروائيين الغربيين حين قال له قائل لقد تجاوزت من كان أكثر منك شهرة، و يومئذ رد الرجل بهدوء ذلك لأنني وقفت على كتفيه، و لا غرو، فقد رفع الشهيد عامر أصبع الرفض من الساعات الأولى في ذلك الصباح عندما ضبطت الرقابة مكالمته الهاتفية إلى الحد الذي إستوجب تنبيهه و ظل على موقفه إلى اليوم الذي جرى فيه إعدامه، و سُلِّمَ لأهله جثة هامدة، حُمِلت من أعرق شوارع طرابلس "ميزران" وسط تكبير مؤثر من الجمهور النوعي الذي حضر بالرغم من التعتيم المُتعمَّد، الأمر الذي أرهب القتلة قبل من عداهم من الناس فحالوا دون إقامة ليالي المأتم كأنما كان الجميع لو وُجِدَ الأمن لما ترددوا في تمثل قول الشاعر: عُلُوٌّ فِي الحَيَاةِ وَفِي المَمَاتِ ** لَحَقٌّ تِلْكَ إِحْدَى المُعْجِزَاتِ

لا سيما إذا إنتصرت التيارات التي ترى في تمييز  القبور بدعة و في القِباب إشراكاً و في التماثيل ما يستحق الهدم و لو كان رمزاً لتاريخ الوطن. و سلام على عامر الشهيد و المناضل الرمز الوطني بإمتياز.

لقد نشرت هذا المقال في السادس و العشرين من فبراير للعام 2013 و ها نحن نعيد إدراجه هنا في الذكرى التاسعة و الثلاثين "فبراير 2018" مع ملاحظة المرحوم في الجولة التاريخية التي أشرنا إليها، إشتكى من أن رفيقه المرحوم محمود نافع، قد أباح بما لديه من الأسرار، أو كما عبّرَ حرفياً "نكت الشكارة". كما سربوا إثر إعدام عامر مراسلات زُعِمَ أنها متبادلة حول مجلة المعارضة الليبية، رغم أن الثابت عدم مشاركة الشهيد عامر في أي نشاط بالخصوص، إذ كان رأيه في معرض حديثه أن كل من يسلك هذا الطريق يتحول إلى ورقة بيد الأخرين، لقد توثّقت الصلة بيني و بين المرحوم عامر في السجن المركزي عندما ضمنا في ربيع العام 73 من القرن الماضي، و كانت المفارقة العجيبة أن الرجل المُدان بتأسيس حزب البعث الإشتراكي في ليبيا قبل ذلك التاريخ بثلاثة عشر سنة كاملة عندما ألقت سلطات الأمن الملكي عليه و العشرات من رفاقه من شباب تلك الأيام و صدرت بشأنهم أحكام تراوحت بين السنة و الأربعة سنوات، و صُنِّفوا بين مؤسس و عضو و نصير، و إنتهت بالعفو عقب إلغاء النظام الإتحادي في عهد حكومة الدكتور فكيني عندما أُعتُبِرَ ذلك الإلغاء بمثابة عيد من الأعياد الوطنية، هذا الرجل المُبجَّل بكل هذا  التاريخ يُجاء به في تهمة كيدية يعلم القاصي و الداني براءته منها، تمثّلت في رميه بزجاجة أو زجاجتين من الكحول هما لشريكه الإقتصادي و الأردنى المسيحي إبراهيم الاميوني، إذ يعرف الجميع أن الدغيّس أبعد الناس عن تناول الكحول، و لكن لأن النظام لا يريد سجنه كبعثي أي كما سجنه النظام الملكي إستغل هذا الإشتباه و هو ما تحدثت عنه في كتابي الذي وثّقت فيه لتلك التجربة و أطلقت عليه إسم الطاهر،فقد قضينا في تلك التجربة فترة طالته منها ثلاثة أشهر، كنت أكثر الناس حواراً معه و حرصاً على الإستفادة من تجربته و كان هو أيضاً شديد الأرتياح لما أحرص عليه من زرع الأمل، فلم نخرج من تلك المحنة إلا و نحن في مستوى أصدقاء العمر، بحيث لم ينقطع التواصل و التوادد بيننا يوماً إلى أن لقي ربه صامداً، لتبقى ذكرياته الجميلة  و مواقفه المشرِّفة و آراؤه المؤنسة، و التي لا يلتقي الكثير من عارفيه إلا و تجعله كما لو كان حاضراً، و ما يزال الكثيرون يذكرون قوله بصدد العلاقات مع الناس و التي يلخصها في مصطلح القَجْوْرَة. أي حدد لجليسك دوماً مستوى التعامل، بحيث لا تخسر أحداً و لا تُفاجأ أبداً، و قد كان واحداً من الذين أحسسنا في فقدهم الخسارة التي لا تُعوَّض لجمعها بين الذاتي و الموضوعي، الوطني و الشخصي. و ليرحمه الله 


______________________________

المغرب يودع عبد الكريم غلَّاب

أمين مازن

18-8-2017

لم يبق سوى عام و بعض العام و يكمل الراحل المغربي الكبير الأستاذ عبد الكريم غلّاب الذي أدركته المنية يوم الأحد الماضي قرناً من الزمن إذ كان مولده في العام التاسع عشر من القرن الماضي بالمغرب ليتلقى تعليمه الأوّلي و المتوسط هناك، و يحل في النهاية بالقاهرة و في جامعة فؤاد تحديداً كما كانت تُدعى في تلك الأيام، و يضم إلى مهمته الدراسية نشاطه الثقافي و حتى السياسي ليرتاد عوالم الإبداع الأدبي المتمثل في الرواية، و تجربة الرأي المتمثل في المقالة الأدبية التي كان من أبرز منابرها مجلة الرسالة التي أسسها و أدارها و أكد فيها تياره المميز أحمد حسن الزيات بنثره الجميل و أسلوبه الخاص، و الذي قلّ أن يوجد كاتب ظهر في تلك الأيام لم يتأثر به و لو لفترة محدودة. ففي تلك العوالم و المراحل نشر عبد الكريم غلّاب الكثير من مقالاته، و يردفها من ثم برواياته الكثيرة و التي كان من أشهرها دفنَّا الماضي، سبعة أبواب، المعلم علي، و غيرها كثير و كثير جداً إذ تجاوزت كتبه من حيث العدد خمسة و سبعين كتابا. حدث ذلك و هو المنخرط في وقت مبكر بالعمل الوطني إذ كان من بين الذين رافقوا الزعيم علّال الفاسي عندما أسس حزب الإستقلال إذ ترأس في ذلك الزمن رئاسة تحرير صحيفة العَلَم لسان حزب الإستقلال، كما لم يتخلّف عن أي حراك يهدف إلى الدفع بالعمل المغاربي الموحد الذي يسعى إلى توحيد المغرب الكبير بأقطاره الأربعة، فكان لا يتأخر عن أي محاولة من محاولات التجميع و لا سيما الشأن الثقافي، على الرغم من أنه قد تطور في العمل السياسي حتى أنه إستلم حقيبة الخارجية المغربية، ذلك المنصب السيادي الذي كثيراً ما يجرف المكلفين به إلى شيء من الإنعزال إن صح التعبير، و لكن الأستاذ غلّاَب ظل دوماً إلى جانب ثوابته المتصلة بالعمل الجمعي و الخيار الوحدوي، مما جعله دائب الحماس و من ثم الترحيب بأي حراك في الخصوص، و أذكر أنه كان كبير الحماس لفكرة إتحاد الكتَّاب المغاربيين سنة 68 من القرن الماضي التي عمل عليها من الجانب الليبي إدارياً الأستاذ علي مصطفى المصراتي، أما الدراسات فقد جسدها أمثال الأستاذ عبدد الله القويري الذي كتب عن الأستاذ غلّاب دراسة ظافية حول روايته دفنَّا الماضي نشرها في أحد كتبه و كذلك فعل الأستاذ يوسف الشريف حول رواية سبعة أبواب حين خصّها بدراسة موسعة نُشِرَت في صحيفة الميدان سنة 68 على أكثر من حلقة.

على الصعيد الشخصي عرفت الأستاذ غلّاب عندما ضمه الوفد المغربي في مؤتمر الأدباء المغاربة سنة 69 و قبل الفاتح من سبتمبر بفترة محددة إذ أجريت معه حواراً موسعاً بصحيفة الميدان و كذلك فعلت عندما حللت بالمغرب عقب ذلك المؤتمر و كان صديقنا عبد الجبار السحيمي المُسيّر الفعلي للصحيفة المذكورة "العَلَم" قبل أن تؤول إليه رئاستها و مثله محمد العربي المساري، أما في السنوات الأخيرة حين وجدتني منجذباً لتقديم بعض المقاربات المتعلقة بالرواية، و من بينها ما أُنجِزِ في المدونة المغربية، فقد كانت روايته المهمة "المعلم علي" موضوع دراسة نشرتها في هذا الفضاء، و كانت أيضاً ضمن المقالات التي طالما ساهمت بها في صحيفة فبراير قبل جريمة تعطيلها بواسطة عدم تسدي نفقات الطبع. و عندما يرحل هذا الرائد الكبير و تخلو البلاد من أي جهة ثقافية يمكن أن تُسهِم على الأقل بتقديم واجب العزاء في شخصه و هو الذي لم يتأخر يوماً عن أي مشروع تواصلي مع ليبيا فما ذلك إلا لأن سوء الأحوال قد طال الوجود الوطني في الصميم، ما بالك بالموضوع الثقافي، إلا أن المبادرات الفردية تظل دوماً هي الأبقى و الأقدر على التمسك بالمشترك مهما تفشّت عوامل التثبيط و دواعي القصور، فعلى هذا المشترك و من موقع الحرص على إستمراره و التمسك بجدواه نعرب عن أوفر مشاعر العزاء و صادق المواساة للمغرب العزيز كُتَّاباً و مثقفين و سياسيين الذين يمثلون جميعاً الأسرة الكبيرة للمرحوم الأستاذ عبد الكريم غلّاب الأديب و السياسي و الإنسان. و نقول بكل الصدق هنيئاً له و سلام عليه، و ليرحمه الله و يعوض المغرب فيه خيرا.انتهى

_____________________________________


.كثير من علي يحي في قليل عنه

أمين مازن

6-4-2016

يأتي العالم الكبير والشيخ الجليل ، الراحل ، علي يحي معمر ، على رأس قائمة الرجال الأكفاء

الذين عملوا مبكرا في القرن الماضي ، بميدان التعليم ، وأصروا بكل ما توفر لهم من العزم والقوة ان يظلوا شديدي الإخلاص لرسالته المقدسة ، ضاربين عرض الحائط بكل ما عساه ان يكون أكثر إغراءً وأجزل عطاء مردودا لما تتطلع إليه النفس البشرية من مجالات أخرى ، كثيرا ما سعى إليها أولئك الذين بدأوا حياتهم من مهنة التدريس ، حين لم يجدوا غيره بابا للمعيشة ، ثم ما لبثوا ان هجروا كل ما يمت له بصلة فلم تعد تربطهم به أي رابطة ، شأن الذين جايلوا هذا الرجل وبدأوا معه هذه الرحلة التي زادت على الستين سنة كاملة .. ويكفي أن نشير هنا الى ان هذا الرجل الفذ الذي قُدِّر له ان يعانق الحياة في أواخر العشرية الثانية من القرن الماضي ، بمسقط رأسه (( نالوت )) وكانت ايطاليا الفاشية يومئذ في أوج عظمتها وقد استقر لها الأمر في ليبيا من أقصاها الى أقصاها ، وأصبحت مهابة في الأوساط الدولية كافة ، وكان نفر من أهل الشيخ علي في الجبل الأشم قد امتلكوا السطوة والنفوذ ، وصارت أعين كثيرة ، ترى فيهم القدوة الحسنة والمثال المحبب وتجد عندهم كل ما يحقق المصالح العاجلة ، لم يلتفت يومئذ وهو في السنوات الأولى من عمره نحو هؤلاء ولكنه على النقيض من ذلك لم يكد يصل السنة العاشرة من عمره ، وبعد دراسة محدودة في المدرسة الرسمية ، حتى يممَّ وجهه خارج الحدود فإتجه غربا نحو جزيرة جربة ، أهم مدن الجنوب التونسي وأكثرها اقتداءً بالمذهب الأباظي ، مذهب أهل الجبل منذ فجر الرسالة الإسلامية ، حيث واصل رحلته العلمية ، المتمثلة في الشريعة واللغة ، ومن ثم تأتي بعد ذلك خطوته الثانية تجاه الزيتونة ، حيث المجال الأوسع والاختصاص الأكبر ، ويخوض الى جانب الدراسة تجربة النشاط العملي إن صح التعبير ، ويكون ضمن الذين أسسوا جمعية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، إحدى التنظيمات التي كان لها دورها المعدود في مجتمع جربة ، من حيث أحياء الثقافة الجامعة بين الدين والدنيا ، وعلى هديٍ من الفقه الأباظي وسيرة رموزه التاريخية وفي إطار انبعاث الدولة الإسلامية ، وهو توجه مالبث أن ظهر مرة أخرى عندما واصل الطالب علي يحي معمر رحلته العلمية التأسيسية حينما اقتضت رحلة الإعداد لما نذر نفسه له ان يتوجه الى الجنوب الجزائري والى منطقة وادي ميزاب تحديدا حين كان ابرز علماء ذلك المذهب خاصة والفكر الإسلامي عامـــة في تلك الربوع (( شيخ بيوض )) ينهض بنشاط تنويري إن يكن الشأن الديني يمثل ظاهرة الشائع لدى العامة ، فلا شك ان الهدف الوطني النضالي قد عني بعمقه الابعد إذ أن الجمعيات التي دأب الرجل على تأسيسها لم تتوقف عند الجانب الفقهي ، على أهميته وجلاله ، وإنما أسندته بنشاط مساند تمثل في الشأن الأدبي وشقيقه الفني ، اذ تذكر المصادر التي وثقت سيرة الطالب علي يحي معمر ، والشيخ فيما بعد ، انه كان من أنشط الذين ارتادوا هذه الأفاق وابلو فيها البلاء الحسن ، متأثرا في بداية الأمر ومؤثرا بعد ذلك ، فلم يضع منه وقته لحظة واحدة بل انه استطاع ان يتخذ من الإقامة الجبرية التي فرضها الفرنسيون على شيخه بيوض وهيِّأت له الإقامة الدائمة الى جانبه باستمرار سانحة للتزود من فيض علمه وقد نقول طريق عمله أيضا ، طوال محنة الشيخ بيوض التي دامت ثلاث سنوات كاملة كان من نتيجتها ان تحول علي يحي معمر من طالب للعلم الى معلم في معهد الشباب هناك لمدة وصلت الى سبع سنوات كاملة لم تنته إلا سنة 1944 عندما عاد الشيخ الى مسقط رأسه نالوت وبدأ حياته العملية في ميدان التعليم مدرسا وموجها وغير ذلك من المهام التي دأب الشيخ علي معمر على الاضطلاع بها وصارف النظر عن كل ما عداها .

كان الزمن يومئذ هو زمن النشاط السياسي والطموح الشخصي نحو مختلف المواقع والمراكز وكان عدد غير قليل من مجايلي الشيخ علي يحي معمر ممن بدأوا حياتهم مدرسين كما بدأ هو ، مالبثوا ان سارعوا بهجر ذلك الميدان الشريف ، اذا غرتهم أبواب الحكم المحلي وما صار يلوح من خلاله من إغراءات السلطة تلك التي كان الرجل من يصلح لتبوء أكبرها لِما توفر له من أسباب الجدارة وعوامل الاستحقاق لولا انه كان قد حزم أمره ــــ على ما يبدو ــــ على التفرغ لرسالة العلم والتعليم في زمن الإدارة البريطانية والتي شجعت الكثيرين على ولوج باب السياسة . وقد ثَبَتَ لها ان نوعا من الاستقلال لا بد ان يُتاح لليبيين وإن البحث عن الكوادر القادرة على أي دور من الأدوار هو ما يجب ان ينصرف إليه الترتيب ، فكان الترغيب وربما الترهيب الذي طال الكثيرين ولم يعرف عن علي يحي معمر أي توجه نحو تلك الدروب . وكذلك كان شأنه أثناء الحكم الوطني الذي كان من بين تقاليده الراسخة منح حقيبة وزارية لأتباع المذهب الأباظي في جبل نفوسة ومدينة زوارة ، وهو تقليد يجعل الرجل أكثر استحقاقا ممن عداه ، ولا سيما في مجال التعليم الذي كان من اكبر المُلِميِن بمشكلاته ، وأصحاب الاقدمية في سِلكه ، ولكن الذي لا يشكك فيه أكثر الناس اختلافا مع حملة الفقه الأباظي والفصيل الامازيغي إن علي يحي هذا قد بدرت منه أي بادرة تفوح منها رائحة الطموح الشخصي نحو هذه المواقع ولو من اجل مصالح أهله وذويه التي قد تفرض ربما ان يفعل ذلك ولو قليلا ولكنه ظل بمنآي عن ذلك كله ، سواء اعتبرنا ذلك في عداد مواقفه الايجابية او عكس ذلك تماما .

نعم ، فعلى مدى الستة وثلاثين سنة التي عاشها هذا الرجل عقب عودته من الدراسة بالخارج وعمله في مجال التعليم حتى آخر يوم من أيام عمره ، ظل الرجل مخلصا كأجمل ما يكون الإخلاص لرسالته التنويرية واهتماماته العلمية ، مثابرا كأفضل ما تكون المثابرة على أغناء الحياة الفكرية بالدراسات المُعمّقة عن الفكر الإسلامي ، مُنكبّا بكل ما أوتي من قوة الحجة وسعة الاطلاع على تقريب المسافات بين المذاهب الإسلامية ومن بينها المذهب الأباظي الذي اختص به وتبحَّر في تاريخه وأسُسْ بنائه ، وحياة الرموز الذين عملوا في حقله وأضافوا في مدونته ما أضافوا ، متصديا لكل ما وجد فيه نيلا من هذا المذهب او مجافاة لحقيقة التاريخ التي تؤكد كما يجمع أكثر الباحثين ان هذا المذهب من اقرب المذاهب الى أهل السنة وقد مثلت كتابات الشيخ علي يحي قيمة فكرية عميقة ، وحفلت بأسلوب جذاب تأكد من خلاله ان الصحف والمجلات العربية التي كثيرا ما رحبت بنشر مقالات هذا المثقف العالم وفي فترات مبكرة من مسيرته ، إنما كانت مدركة لما تحقق له من اكتمال شروط الكتابة من نظراته ـــ فيما نرى ــــ قدرته الملحوظة على الترجيح إزاء ما يتعرض له من المسائل اذ يكتفي الكثير ممن عداه على عرض الآراء بطريقة مطولة ولا مكان فيها للرأي الشخصي المُتقحّم . فيتعب المتلقي من القراءة دون ان يخرج بزاد معرفي يستطيع بواسطته ان يختار موقفا من المواقف .

ولئن كنت قد وقفت شخصيا على الكثير من هذه الحقائق المتصلة بشخصية الشيخ علي يحي معمر من خلال كتاباته التي أنجزها والأخرى التي كُتبت عنه والتي سأختم ببعضها هذه المعالجة ، فلا شك ان الأهم من ذلك كله هو ما استفدته من تلك الفترة التي جمعتنا في أول تجربة اعتقال طالت المدنيين الليبيين من دون ان يكون مبررها متمثلا في شبهة التآمر المزعوم بل ولم تكن توجد حول الكثير من شملتهم أي وثيقة من تلك التي أحرقت قبل سبتمبر 69 اذ كل ما كان موجودا هو ما كتب بعد ذلك التاريخ وكان بالنسبة للكثيرين ايجابيا وللقلة لا يبيح الاعتقال من حيث المبدأ ولا المدة الخيالية التي تلت المحاكمات الملفقة ، اذ كانت صفة المعوقين والمندسين والحزبيين مفتقدة لأي دليل من الأدلة ومع ذلك فقد تم الاعتقال وشمل من شمل ذلك الشيخ الجليل وآخرين غيره من فقهاء الأباظية من أمثال الشيخ علي الشاوش والشيخ سعيد المقدمي والشيخ محمد الباروني ممن قارب عددهم العشرين الى جانب آخرين جاءت بهم تصنيفات أخرى ولكنهم أيضا من الظهير الامازيغي يحضرني منهم السيد عمر جبيل ابرز الخريجين التربويين ومحمد علي معمر الناشط النقابي وعمر النامي المثقف الإسلامي ويوسف حماد المهندس الذي لم يمنعه اختصاصه الفني من طرق أبواب الفكر الإسلامي السياسي ، ففي تلك التجربة تيسر لي ان أعيش قريبا من هذا الرجل وأتبادل معه الرأي في الكثير من المسائل الدينية والدنيوية واقف على ما احتازه من العلم والعمل وحسن المعاشرة واجد فيه القيادي القادر على النفاذ الى وجدان المختلفين معه قبل المتفقين والمقارع القوى لظروف المحنة دون أي شكل من أشكال التشنج او الشكوى .

ان الابتسامة وحدها التي تبدو دائمة الظهور على مُحياه ، والتي توحي لناظرها في حضرته دوما ان كل شيء اصغر من إرادة الإنسان ، غير أن هذا الإنسان لا بد ان يكون حذرا . لا بد ان يعرف طبيعة الظرف المحيط ، فلا يدع للمجانية سبيلا . من ذلك أننا كنا في ذلك الظرف الصعيب وذات ساعة أردنا ان نرحل الى الشعر العربي ونصوصه الخالدة التي حملتها الذاكرة لِفحول الشعراء القدامى والمحدثين . كانت طبيعة اللحظة كما أرادها ان تفهم تقتض ان يكون النص الذي نختاره ــــ كما يبدو انه قد فضل ــــ من ذلك النوع الذي يوفر السلوى او التأسس وربما الفرح أيضا ، عندما طلب مني أن اروي من حافظتي شيئا من شعر المتنبي الذي كنت دائم التمثل بنصوصه ، اما انا فقط اختلطت على النصوص بين هذا الشاعر وأخر جاء بعده واستطاع ان يتمثل تجربته وتجربة من سبقه من رحلة ذلك الشعر (( حبيب الطائي المشهور بأبي تمام ، محمود سامي البارودي ، فذهبت في جلستنا تلك الى احد الأبيات الشهيرة للبارودي يقول فيه "" واقتل داء رؤية العين ظالما . . يسئ ويتلى في المحافل حمده ، وكان الرمز واضحا ، فما كان من الشيخ الا ان بادر بابتسامة خفيفة . . غير هذا نريد . . غير هذا نريد !! لان المطلوب الخروج من اللحظة وليس تعميقها في النفوس الحزانى ، فإذا ما أثير حديث حول دور المرأة في الحياة ، ودعوة البعض الى حصر هذا الدور في البيت كان له من سيرة الصديقة بنت الصديق خير ما يتكفل بالطعن في مثل هذا التوجه اذ يثبت الرواة جميعا كيف كانت رضي الله عنها تأتي المسجد وتعطي الفتيا في شئون المسلمين ولم يمض على وفاة الرسول ــــ كما يرى ــــ سوى الوقت القصير . ان المحنة لم تطل كثيرا اذ سرعان ما انتهت بالنسبة للكثير منا ، ولكنها أسست لعلاقة وطيدة ربطت تلك المجموعات المختلفة في المشارب والآراء ولكنها واحدة من حيث الموقف من الوطن والحياة ، فظلت باقية مع الأيام ، بل ان المشترك الإنساني لم يترك لأي تباين في الرأي أن يضعف حبل الود او يجعله اضعف مما عداه ، وعندما طلب مني مدير مشروع الموسوعة العربية للأعلام المعاصرين المزمع نشرها من طرف المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (( المرحوم محمد صالح الجابري )) أن أكتب عن بعض الأسماء الليبية التي تنطبق عليها شروط التدوين ، ورأيت أن اكتب عن الشيخ علي يحي شَخّصت أمامي كل هذه الذكريات الى جانب ما وجدت في أثاره المكتوبة عنه وله ، لولا أنني وجدت ان هناك من سبقني الى هذه المهمة ، بعد أن أنجزت ما تيسر ، فلم أشأ ان أبقى عليها محفوظة في أوراقي ، بل لا بد من نشر هذا الجزء منها ، دون أن اعفي نفسي من واجب التوسع فيها لاحقا ، اذ ان ما رويت عن الرجل أكثر من ان يتسع له هذا الحيز ، كذلك ما أثاره لدى كتابه الخالد الأباظية في موكب التاريخ من قدرة هذا الرجل على الحوار والتدقيق واكتشاف الثغرات عند أولئك الذين يختلف معهم ويرى فيهم مجافاة الحقيقة ، على نحو ما حدث له مع الشيخ الطاهر الزاوي الذي خلط بين الأباظية وسكان جبل نفوسة واعتبر ان الخلاف الذي طرأ حول مسألة الحكم قديما وحديثا مرجعه العرق البربري وليس الاجتهاد المعرفي والتفسير الديني ، شأنه شأن أراء أخرى شملت بعض من كان حاضرا في تلك التجربة وخاض في هذه القضية او تلك من قضايا الدين والسياسة ، وحاول أن يرجح هذا القول او ذاك واقتضى ذلك من الرجل ان يرجح او العكس ، واذكر انه كان شديد الثقة في أراء الشيخ صادق طاب الله فيما يخص الفقه المالكي أكثر من عداه وكانوا يومئذ أكثر قدرة على لفت النظر لأشخاصهم كما انه غير مؤيد للرأي القائل بأن القروض الإسكانية المشمولة بالفوائد المقررة من الدولة تدخل ضمن الربويات ، لان الربا المحرم قطعا هو ذلك الذي يتعامل به الأفراد فيما بينهم عند مجئ الإسلام ، بل لقد سمعت منه انه الى جانب فريق من العلماء تدارسوا موضوع القروض الإسكانية بالجزائر مع الشيخ بيوض الجزائري وتوصلوا الى رأي يتكفل بتيسير أحوال المحتاجين ، لولا ان المفارقة ان كان مصيره السجن فاستنكر ان يكون لديه أي مزاج نحو العمل . لقد انتهت تلك الإقامة على كل حال والتحق الرجل بأهله واستمرت صلتي به الى ان تمكن ابنه محمد بن الفرار من السجن فتعرض من ثم للكثير من المتاعب حتى انه اضطر ان ينحني للعاصفة ويكتب بعض الآراء على شكل تقيه لشخصه او لذويه . ولا لوم عليه في ذلك فشراسة السلطة تفرض أكثر من إكراه ، الأمر الذي قد يكون تناوله أكثر اتساعا من هذا الذي أسوقه الآن للذكرى ، وعندئذ بدون شك سيكون العنوان الذي صدرت به هذه السطور ، ((كثير من علي يحي في قليل عنه )) أكثر اتساقا .إنتهى

________________________________

قبل وضع الشاهدة

بقلم : أمين مازن


هذه سطور أكتبها خصيصا لهذا الموقع ، محاولا بها التعبير عن مشاعري الشخصية إزاء رحيل صديق من أعز الأصدقاء ، ومثقف من أنضج المثقفين ، وجليس من أمتع الجلاس ، هو المرحوم عبد الحميد البكوش الذي رحل من دنيانا، أخيراً ، بدولة الإمارات العربية ، بعد صراع لم يدم طويلاً مع أشرس الأمراض ، فضل أن يقابله واقفاً حتى تظل صورته باقية في ذاكرة أسرته كما عهدوها ،،، سطور أكتبها وفاء لصداقة نشأت في ظل مفارقات لافتة وحرصاً على أداء بعض الواجب أمام الضمير والتاريخ .

ذلك أن عبد الحميد البكوش الذي بدأت صلتي الشخصية ومن ثم صداقتي به ابتداء من شهر سبتمبر 68 أي عقب خروجه من رئاسة الوزارة الليبية ، بعد أن شغلها لما يقرب من سنة لم يكن عندي قبل هذا التاريخ سوى أبرز المثقفين الليبيين الذي فضلوا بعد التأهيل الجامعي الجيد والمقدرة الإبداعية الملحوظة والنشاط الفكري التقدمي ، أن ينخرطوا في النظام السياسي التقليدي أملاً في التمكن من تطويره بدلاً من المغامرة بالعمل على هدمه ، مما دفعه إلى الإلقاء بكل ثقله في مجال اختصاصه القانوني قاضياً فمحامياً متميزاً ومستشاراً لأشهر الشركات الليبية والأجنبية ، ليستلم في فترة وجيزة حقيبة وزارة العدل في منتصف الستينات من القرن الماضي ، ولم يكن قد تجاوز الثلاثين من العمر ولأن هذا التطور في حياة البكوش قد تزامن مع سقوط حكومة الدكتور محي الدين فكيني وحوادث يناير 64 الشهيرة ، فإن خلاف المجايلين له من الناشطين الاجتماعيين والسياسيين كان ظاهراً ومنتشراً فيما مضى هو في سبيله باذلا الجهد لتقوية قاعدته الشعبية في مسقط رأسه " بالظهرة " حريصا على مد الجسور نحو كل التيارات ، ليظهر تأثير ذلك في انتخابات مجلس النواب حيث اقتصرت جهوده إلى جانب ضمان أصوات الناس ، السلامة من عدم التدخل ، كما شهد له بذلك في محكمة الشعب وزير الداخلية " الأستاذ محمود البشتي" وليستمر تكليفه بحقيبة وزارة العدل المشار إليها ويحقق أكبر عملية تصفية للقضاة غير المؤهلين " كان من بينهم والده " ليستلم في النهاية رئاسة الوزارة الليبية أو آخر سنة 67 فيفصح عن رؤيته الحقيقية للواقع الليبي في بيانات غير معهودة في تناول المشكلات وأساليب العلاج بالرغم من الضجيج الإعلامي ، وقد تجلى ذلك في الانفتاح على الأجيال الجديدة ولعناصر الكفئة في اختيار الوزراء والوكلاء والمدراء العاميين وكذلك السفراء ورؤساء المؤسسات الذين دفع بهم في جراءة لافتة وتوسع غير مسبوق ، هذا إلى جانب تحديث المناهج الدراسية في مجال اللغات عامة ومنها إدخال اللغة الإنجليزية من المرحلة الابتدائية ، ومقاربة المساواة المعيشية بالضرائب التصاعدية وتعميم علاوة السكن للعاملين في الوظيفة العمومية وإسناد مسئولية المساعدات الاجتماعية لهيئة شعبية ذات فروع في جميع المدن وتبنى فكرة الشخصية الليبية التي أثارها في وقت سابق عدد من المثقفين في محاولة لتجاوز الروح القبلية وضعف الانتماء الوطني إزاء الأفكار السياسية الوافدة ، فكان ذلك مثار حوار بين عديد القوى وخلاف بين مختلف التيارات . وقد رأينا من خلال صحيفة الميدان التي صارت فضاءنا الوحيد أن نقابل هذه التجربة بالحوار والدعوة إلى رفع السقف مستفيدين من مرونة صاحبها الأستاذ فاضل المسعودي وحرصه على التميز الصحفي ، الأمر الذي لم يرق للبعض ورحب به البعض الآخر . وبالرغم من أن هناك من حاول أن يسيء فهم ذلك الموقف إلا أن الرجل استطاع أن يدرك صدق البواعث . فلم يكد يفرغ من مهمته حين فوجئ بقبول استقالته وشبح العودة إلى الجيل التقليدي حتى كان تحركه نحو العاملين في مجال الصحافة والفكر ، لتبدأ لقاءاتنا التي تحولت في وقت قصير إلى صداقة فاقت في فعلها جميع النظراء ، فكان لزاما أن نمضي في التواصل معه عقب سقوط النظام الملكي وخروجه من السجن في سبعينات القرن الماضي ، شأن الكثير من الذين تعرفوا عليه بهذا العامل أو ذاك ولا سيما حين اختار الإقامة في ذات الحي وفضلنا الخروج من الوظيفة العمومية وممارسة الكتابة من خارج الملاك ، بحيث لم ينقطع هذا التواصل إلا بإقدامه على اختيار الإقامة خارج البلاد ، ابتداء من مصر وانتهاء بالإمارات العربية ليكون الرحيل الأبدي ، ويتعين الحديث عنه شأن الكثير من الأصدقاء الراحلين وأصحاب الحضور في الذاكرة الوطنية أو المدونة الإبداعية والمشترك الذي لا ينفي الاختلاف ولا يقترف جريمة الإقصاء ، ويرى إمكانية الاستفادة من كل مواطن ، ويستشعر حاجة الواقع الليبي إلى العنصر البشري كما وكيفا .

فإذا كنا لم نشأ أن نتخذ من خروج المرحوم عبد الحميد من ليبيا قبل ثلاثين سنة مضت سبيلاً للتنصل من الصداقة المتينة معه ، بذات القدر الذي لا نؤيد اليوم توظيف رحيله من الدنيا للكسب السياسي أو مايطلق عليه تصفية الحسابات ، فلا شك أننا وقبل وضع الشاهدة على قبره نذكر له إدراكه المبكر عشية خروجه من رئاسة الوزارة الليبية بأن النظام الملكي غير قادر على الصمود أمام أي هزة ، وخوفه على الوطن من احتمال أي تسوية من شأنها المساس بكيانه وحدوده ، في شراكة دستورية لم يهيأ لها المواطن الليبي ، ذكراً كان أم أنثى ، بالمستوى المطلوب ، وإيمانه بأن العمل على ذلك قد يفترض المبادرة يتبنى الأنشطة التي من شأنها أن تشغل مصادر الخطر ، حيث تقتضي المصالح كل ما يبدو مستبعداً أو غير مستساغ ، إلى جانب تخلصه من عقدة الرئاسة وتعامله مع الآخرين وفقاً للظرف المتاح ، ومن ذلك رهانه على الثقافة وكتابة الشعر من خلال التجربة الشخصية وبمنأى عن أي تقليد أو محاكاة ، وحرصه الدائم على إعطاء كل ذي حق حقه .

سواء لمن سبقه في السلطة أو تعاون معه عند استلامها أو اتخذ الموقف المغاير ، حين تحمس لحملها ، فضلاً عن عدم مكابرته إزاء ما شاب بعض إجراءاته من تجاوزات . وكم أثلج صدري ثناؤه اللا محدود على كفاءة السيد حسين مازق وقدرته على فرض احترامه على الآخرين بمبادرتهم بالاحترام وترفعه عن إصدار أي تعليمات مباشرة لما يريده من سياسات وقراره التاريخي برفع الرقابة الشخصية عن المواطنين وقدرات الاقتصادي الشهير علي اعتيقة في دراسة أسعار النفط والحذر من تأثير رفعها على المواد المصنعة واعتزازه عند اضطلاعه برئاسة الحكومة بما أبداه السيد إسماعيل التويجيري من تعاون في إتلاف محتويات ملفات المشبوهين السياسيين التي أقدم عليها البكوش من موقعه كرئيس للوزراء بحيث لم تبق سوى ملفات الذين أدانتهم المحاكم في أحداث 67 . وكذلك استقامة رجل مثل امحمد الغزالي وديمقراطية مثقف مثل خليفة التليسي وغير هذا كثير مما لا يتسع له المجال الآن .

فإذا ما تساءل متسائل إزاء توقف هذه السطور أمام الايجابيات أحلناه إلى مفتتحها حيث أكدنا أنها مشاعر صديق أحزنه رحيل صديقه ، وعزاء إلى كريمات أربع ولدن عقب الفراق ، وولد كان يومئذ في سن الطفولة ، وشيعه إلى مثواه وهو شديد البر به ، بعد أن صار رجلاً وخلد اسمه قبل أن يموت .

فإن شاء أحد غير ذلك قلنا له بعد الاستعاذة من الشيطان .

(( أنك ميت وأنهم ميتون ، ثم أنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون


_________________________________


على شاهدة الفقيد فتح الله حوَّاص

أمين مازن


مضى إلى حيث لا مهرب من المضي ولا نافع سوى صالح العمل ورحمة الخالق ، الشيخ الجليل والصديق الكبير فتح الله محمد حواص ، ووري جثمانه الطاهر تراب الوطن في مسقط رأسه (الزاوية) إثر مرض رافقه وقتاً طويلاً ، وبلغ ذروته طيلة فترة الانتفاضة ، واستمر إلى ما بعد النصر فتيسر علاجه خارج الوطن ، لولا أن الكتاب قد بلغ أجله وقد تزامن رحيل الشيخ مع ما شاهدته الزاوية من أحداث مؤسفة ، فتعذر على ذويه أن يبلغوا أحداً من عارفيه لأداء واجب الوداع الأخير . فتعيَّن أن يكون موضوع هذا الحيز معتمداً على قبس من سيرته الحافلة بالكثير من شريف المواقف ، وجيّد العطاء ، ولو كان ذلك قد تأخر بعض الوقت . كان الشيخ «فاتح» ، كما هي شهرته لدى عارفيه ، أحد مجايلينا الذين جمعوا بين الدراسة في كلية أحمد باشا بطرابلس والخطابة الجمعية بمسجد سيدي حمودة الكائن في ميدان الشهداء بالعاصمة ، وكانت خطاباته ذات تأثير لدى جمهور غير قليل من الذين لفت نظرهم أسلوبه الخطابي ، مما جعل أولئك المصلين الذين طالما اضطروا للصلاة على الرصيف ، ولم يحل بينه وبين أولئك المعجبين سوى ذهابه الى البيضاء لمواصلة دراسته الجامعية ، وكان شديد التأثير في سامعيه ، حتى أن استطاع أن يحرك الشارع الليبي في منتصف الستينات من القرن الماضي ، على خلفية إحداث الطلبة التي تفجرت في بنغازي وطرابلس وتحرك لها أبناء الزاوية بقوة لافتة لم يملك النظام إلا أن يصطدم بها . ولأن الزمن كان زمن الثقافة الهادفة والعقائد الساعية إلى امتلاك القرار ، لم يجد ذلك الشاب المتقد حماسة وفاعلية بداً من التعاطي مع اشتراطات المرحلة ، فكان أن شرع بالعمل على نشر ما أوتي من العلم وماامتلك من الوعي من خلال المنظور الإسلامي الرامي الى إقامة الدولة الدينية بما يترتب على ذلك من تشكيل المجموعات القادرة على حمل الفكرة والسعي نحو مؤسسات المجتمع الشعبية عبر تجلياتها الاجتماعية والدينية بحيث لم يمض كبير وقت حتى أصبح الشيخ فاتح في مقدمة الذين يشار إليهم بالبنان في ذلك المجتمع الآخذ في التشكل، والذي كان من بين فضاءات العاصمة طرابلس حيث موقع الإقامة ومجال التحرك ، والزاوية مسقط الرأس ومقر العشيرة وأحد أقرب المدن إلى العاصمة . وقد كان دوره يتفوق على الكثير من نظرائه في العمر ورفاقه في التوجه ، على الرغم من أنّ الشارع الليبي كان مسكوناً بالكامل من طرف الخطاب القومي الناصري المعادي بكل القوة لخطاب الإسلام السياسي المتمثل في فصيل الإخوان المسلمين الذي اختلفنا من البداية مع الضباط المصريين الذين أطاحوا بعرش فاروق وطالت كوكبة متألقة منهم أحكام الإعدام. أشهرهم المفكر عبد القادر عوده وهو نفس المصير الذي لقيه في وقت لاحق التيار اليساري بكل أطيافه عقب سقوط العرش الهاشمي وانفكاك عرى الوحدة المصرية السورية التي قامت على فكرة إلغاء الحزبية بل وملاحقة هذه الحزبية حتى خارج الدولة الموحدة لتطال العراق وتقدم المبرر للنظام التقليدي في ليبيا كي ينحى ذات المنحى فيطال أكثر من فصيل بل ويدفع بعض القوى الإسلامية أن تطرح فكرة الاندماج في المشروع الناصري ، ويومئذ كان فتح الله حواص في مقدمة الذين رفضوا الفكرة صحيح أن التبدلات الاقتصادية التي ترتبت على نمو النشاط الخاص إجراء الإنفاق العام الناتج عن دخل النفط، قد أوجدت واقعاً جديداً ما لبث أن هّيأ حالة من الإغراء التي أفلحت في استدراج معظم المتنورين الليبيين نحو عديد الفرص السانحة والأخرى التي استحدثت فازداد حجم العمل الفردي ومن ثم الزهد في العمل العام إلى حد كبير . إلاّ أن الذي لا شك فيه أن فريقاً آخراً ظل يتبنى مبدأ صون الذات من المشاركة في الفساد والإفساد . مما أخذ في توسيع دائرة الداعيين إلى محاولة الإصلاح من الداخل وعدم الانجرار خلف الدعوات الرامية إلى هدم المؤسسات والانبهار بموضة الانقلابات ، ولا سيما عقب هزيمة يونيو 67 ومن هذا الفريق بدون شك الشيخ فتح الله حواص ومن نحى منحاه من حملة الفكر الإسلامي ، ممن لم يخلطوا وعيهم السياسي بموضة العلاقات العامة والسعي إلى التخلص من شبهة التفكير السياسي غير المرحب به رسميا عن طريق خطب ود المتنفذين وأصحاب القرار حين تكون الأعياد والمناسبات الاجتماعية خير مجال لبلوغ هذه الأهداف ، وفي هذا الصدد كان الرجل من المقتصدين في التواصل غير الضروري على أن الأنباء كانت متواترة عن جميع الفصائل ، ولاسيما إثناء النشاط الغربي غير المسبوق الذي حمله الحراك الإعلامي الذي شاهدته البلاد في السنة أو السنتين السابقة لسبتمبر 69 ، وثم عقب هذا التاريخ عندما عرفت البلاد شعار من تحزب خان ، بل ونشر قانون يجرم الحزبية ويطلب من التنظيمات أن تحل نفسها واحاطة مجلس قيادة الثورة بما فعلت في الخصوص فتردد يومئذ أن الذين قرروا اختيار الطريق الناصري من هذا الفصيل قد ابلغ العهد الجديد بما طلب منه ، خاصة أن ذلك العهد في معرض مبايعته المجانية للثورة الأم وطلب المساندة من قائدها الأب قد فتح الأبواب على مصراعيها للخبير المخابراتي الشهير فتحي الديب الذي كان على راس القادمين ضمن وفد إعلامي تقدمه الكاتب الشهير محمد حسنين هيكل ، حسبما ذكر الديب في كتابه الشهير عبد الناصر وثورة ليبيا الذي تحدث فيه عن ظروف المرحلة وأسرارها فأنصف من حيث لا يقصد بالطبع من حاول الإدانة لبعض رموز المرحلة والعكس الصحيح . ويومئذ اعتبر العهد الوليد ان كل المشتبه فيهم بالنشاط الحزبي قبل سبتمبر بمثابة المستمرين في نشاطهم ما لم يعلن منهم من أعلن التخلي عن حزبيته ولو كانت هذه الحزبية غير موجودة أصلا او جمدت من وقت بعيد ، واذ لم يكن فتح الله حواص والكثير من أمثاله الموسومين بالحزبية الإسلامية صدقا او كذبا كان ذلك العالم في مقدمة الذين اقتيدوا للسجن المركزي في ابريل 1973 ليكون مأواه القسم العسكري ، ويطبق عليه الضرب على أقدامه دون أي سؤال ، ويبقى الإيواء ضمن القسم المذكور وان لم تستمر القلقة بحيث لا يبدأ التحقيق من طرف المباحث العامة إلا مع شهر يوليو ، ويخضع الشيخ فاتح ضمن من يخضع للمساءلة او لنقل التحقيق وبين الأخذ والرد والترهيب والترغيب ـــ قفل التحقيق معه على أساس الاعتراف بالنشاط العملي قبل سبتمبر والتحرك المحدود بعده وعدم تنفيذ التعليمات المتعلقة بالحل ، لتكون هذه الاعترافات في وقت لاحق ضمن ما يعرض تلفزيا ، وهو ما اعتبره الكثيرون إمعانا في القهر وعلى رأسهم الأديب والقانوني عبد الحميد البكوش الذي رصد الواقعة في البيان الذي أعلن فيه انشقاقه على عهد سبتمبر في وقت لاحق . في تلك التجربة المريرة تيسر لي الاقتراب من الشيخ فاتح واقضي معه الكثير من الوقت في كنف المكاشفة والاستعانة على المحنة بتبادل الرأي وسرد الذكريات والصدق مع الذات وعدم الإغراق في الشكوى وادعاء البراءة في غير وقتها واستغراب ما يجري من سلطة لا يمكنها الا ان تكون كذلك ، ويومئذ نسجنا علاقة فريدة من الاحترام المتبادل وتبادل الرأي الناضج وكان الرجل مثالا للصدق مع النفس ، والحرص على حصر الضرر في أقل عدد من الناس ، وفيما كان البعض لا يخفي شهوته في ان يتوسع الظلمة في سجن البرا آي من عباد الله كان فتح الله حواص من بين النابذين لمثل هذه الأمنيات المريضة ، فلم ير في الذين حامت حولهم الشبهات السياسية النظيرة ذات يوم ولم يقتادوا الى السجن دليلا على تخليهم عن أفكارهم او مجاملة لهم من طرف السلطة وإنما كان من دائم الميل الى القول بأن المسألة لها علاقة بالحظ ، بل انه على الصعيد الشخصي ومن خلال تجربته حاول ـ من خلال ما اكتسب من ثقة مستجوبية ـــ ان يخفف على الكثير من المشمولين بشبهته السياسية ، بحيث أمكن حصر المسئولية الفردية في اقل عدد ممكن من الموجودين ، الذين كان من بينهم ، يبقى الآخرون في عداد حاملي الفكرة ولكن دون العمل على نشرها من خلال التنظيمات العملية حيث المسؤولية الأكبر وان انس لن انس سروره الكبير بتمكنه من إبعاد بعض الأسماء المرموقة عن التهمة التي من شأنها ان تسهل من كان البعض يسعون الى إبعادهم من المشهد عندما ثبت عنهم ـ على الأقل ـ عدم الحماس لتنفيذ ما كان يدبره الأمر الذي اعتبر وقتئذ ال نقيصة ، وينبغي ان يقضي كل من يوصف بها عن المقاعد الأمامية ، فقد لاقي الرجل ضغوطا غير عادية كي تشمل اعترافات أمثال الدكتور «محمد احمد الشريف» وكذا الأخوين محمد رفعت واحمد الفنيش ، كان رهانه في الحقيقة اختيار اخف الضرريين . فإذا ما قدر للمحنة أن تنفرج ويتحدد مصير العمل في الأفق الخارجي فان الشيخ فاتح لم يبذل أي جهد يتيح له شيئان التقرب الى السلطة أو الظفر منها بأي مغنم يفوق حاجاته ، اذ حصر اهتمامه على ما يبدو في الخروج بأقل الخسائر والحد بقدر الإمكان عن ان يؤدي في شخصه مباشرة او الاستعمال في إيذاء غيره ومن هنا لوحظ عليه ذلك العزوف الصادق عن أي ظهور في وسائل الأعلام والاكتفاء ، فقط حين تيسر له العمل بالخارج في مهمته الوظيفية ، فلم يزد عليها أي تحرك تفوح منه رائحة الوصولية او الحرص على بلوغ المقاعد الأمامية . ومازلت اذكر حين رشحته بعض الأجهزة لشغل منصب الإفتاء في ليبيا ، فلم يصدر منه وهو الجدير سوى الخوف الظاهر من تنفيذ التوجه ، واحسب انه لم يفرح بشيء قدر فرحته بتبخر الفكرة ، وبعيدا عن التزكية التي قد تدخل المبالغة ودون ادعاء العصمة من المؤثر الشخصي . فان الذي لاشك فيه وقد رجعت روح هذا الفقيد الى بارئها ــ وندعو ان تكون راضية مرضية فقد كانت حياة الشيخ الصديق جديرة بكل ما يبعث على الاحترام والمعزة ، وكما ان رحيله يثير الأسى وتبقى الذكريات التي يحملها كل من يمنح الحياة بعد اعزائه ، فيعزى ويترحم عسى الله ان يرحمه ويعوض الوطن فيه خيراً .



_______________________________

 



محمد العيساوي الشتوي " الجِمني " و رهان العِفَّة

أمين مازن

2-3-2016


بعد صراع مرير مع المرض العضال الذي دام لسنوات أربع غادر السيد محمد العيساوي الشتوي عالمنا في الاسابيع الماضية - كما أكدت قرينته الفاضلة بالعاصمة التونسية - التي حرصت على الإسراع بالسفر به لمجرد إحساسها بِدنو أجله و كانت مُحِقّة و ثاقبة النظر بدون شك، فتونس هي التي شهدت مولد و نشأة و تأسيس محمد العيساوي الشتوي و رحلته العلمية التي جمعت بين الدين و الدنيا، قبل ان يولّي وجهه شطر المشرق متنقلاً بين بيروت و دمشق و القاهرة، جامعاً بين بين طلب العلم و النشاط الثقافي و الهَمْ القومي و الحراك السياسي و سلوك الطرق المتقاطعة مع السياسة التونسية البورقيبية و تعرّضه للملاحقة و المحاكمة الغيابية عندما إستطاع الفرار بجلده في النصف الثاني من القرن الماضي و بعد إعلان الجمهورية التونسية و إصطدام زعيمها الحبيب بورقيبة بالتشكيلات القومية التي كان الشتوي بين قيادييها المغاربيين الذين واجهوا الكثير من الملاحقة و التنكيل.

و قد دخل الشتوي موسوعة الأعلام الليبيين في سبتمبر 1969 عندما سُمِّيَ وزيراً للتربية و الإرشاد القومي بأول وزارة شكلها في ذلك الزمان الدكتور محمود المغربي عقب سقوط النظام الملكي بتحرُّك عسكري قام به صغار ضباط الجيش و أيدته معظم القوى الوطنية و القيادات القبلية و التقليدية، و كانت تلك التسمية مثَار إستنكار لم تُخفهِ عديد الاسماء المؤثرة، إذ رأت فيه مُستمسكاً على ان الذين قاموا بتغيير الحكم في سبتمبر لا يعرفون الناس بدليل المجئ بهذا الغريب و غير المشهور أيضاً مما إضطر العهد الى المبادرة بدعوة الشتوي لتقديم إستقالته و ربما إكراهه على تلك الإستقالة، و تسمية الأستاذ مصطفى بن عامر وزيراً للتعليم في محاولة لإقناع الرأي العام بعدم وجود ما يشكك في الهوية الوطنية للعهد الجديد. و في محاولة للخروج من الإحراج بالنسبة للشتوي غير المجهول بالنسبة لأصحاب القرار الحقيقيين في النظام الجديد، قِيل له ان الرئيس بورقيبة قد إشترط لإعترافه بالنظام الثوري إخراج الشتوي من الوزارة و هم يعرفون سلفاً إنه أي الشتوي لن يطلب إساءة العلاقات أو تأجيل الإعتراف للإبقاء عليه وزيراً بالوزارة، و لم يُفتَهَم في ذات الوقت الحرص على إحاطته بشيئ من التكريم المعنوي الى جانب المردود المادي، فكان تعيين الرجل مستشاراً بجهاز الرقابة الإدارية أحد المؤسسات التي أُنشِئت في تلك الايام و نِيطت رئاستها بأحد أعضاء مجلس القيادة، و قد بقى الفقيد في مكانه ذاك الى ان أدركته المنية. و لا أُذيع سراً إنني بهذه المشاعر إتخذت مما كتبه في مطلع السبعينيات عن بعض النماذج الشعرية المناوئة للتجديد الشعري و الالتزام المنهجي مناسبة للرد عليه بكثير من القسوة، إذ كنت ضمن الذين أوَّلوا أن ما كتبه في هذا الصدد ينُم عن موقف مُتحفّز لحركة التجديد و مضامينها، بل و ربما إعتبرته محاولة من محاولات التسلّق، و قد لوحظ عليه بعد ذلك شيئ من الانكماش دون أن نقف على أي سر في الخصوص.

و قد سُعِدت ذات رحلة جميلة مع السيد محمد عمر خليل عميد بلدية مصراتة في سنة من السنوات هيأت له ان يكون عضواً في احد المجالس المشتركة على المستوى المغاربي، علمت فيها من حسن دراية رفيقي عن حقيقة محمد العيساوي الشتوي، إذ تسنى له ان يتعرّف عليه شخصيا عندما كان -أي محمد خليل- يدرس في الجامعة هناك و يقف على حقيقة أصوله و التي كانت وراء سر إختياره وزيراً بأول وزارة شُكلت في سبتمبر 69 و كيف حَالت حداثة العهد و قوة الرفض الشعبي دون تصريح القذافي بهوية الشتوي هذا، و يومئذ لُمت نفسي -كأحد الحريصين على تنسيب من أعرف- على عدم الإلمام بهذه الحقيقة في وقتها، و من ثم حرصت على اقرب فرصة على تقصي هذه المعلومة، و كان أن سرد عليّ شخصياً ما بقى محفوظاً بذاكرتي إذ أكد بأن خروج "لحمة" الشتاوة من غريان كان ضمن من هُجِّر من القذاذفة عن غريان، إلا ان الشتاوة إختاروا التوجه غرباً الى أن دخلوا الاراضي التونسية فأقاموا هناك حتى كان هو احد احفاذ أولئك المهاجرين و إن دخوله الى ليبيا كان سنة 1965 و اثناء رئاسة السيد حسن مازق للوزارة الليبية الذي تكرَّم بإستقباله بسعيٍ من السيد حامد الشويهدي وكيل وزاة التعليم، حيث إقتضت الحالة الانسانية و ربما أصول المواطنة و توفر الحاجة للعمل أن يُنسَّب الشتوي مدرساً بالأبيار ليبقى بعيداً عن بنغازي نهاراً و يستطيع المبيت بها ليلاً، فكان في ذلك ما هيأ له الحياة و التواصل مع أهله الذين عرف منهم ضمن من عرف الملازم القذافي و عدداً من زملائه على اكثر من صعيد، و من بينهم دون شك السيد محمد خليل لتكون لاحقاً نهاية النظام الملكي بتلك السهولة و يدخل الشتوي موسوعة الأعلام كما أومأنا و من ثم الإنزواء.

و هكذا يمكن القول ان العيساوي الشتوي الذي هجر مسقط رأسه و رؤوس بعض اجداده المتمثل في المهجر التونسي و هو في شبابه الاول، و تطأ قدمه تراب وطن أهله و يجد فرصة العيش لقاء تكوينه الشخصي من ناحية و من حاجة البلد و حصافة المسؤولين من ناحية أخرى، ما لبث أن ركن الى إستشعار الغربة مرة أخرى عندما غدا محدود الحركة و العلاقات، و مرَدّْ ذلك الى ما جُبل عليه من الإعتداد بالنفس و الحرص على تنزِيه الذات فلم يُعرَف عنه أي تواصل يزيد على مقر عمله و حدود ما يُكلَّف به، و مثل ذلك في المجال الإجتماعي، بل إنه لم يتردد في إظهار زهده في أي مقابلة من شأنها أن تعود عليه بأي مكسب من المكاسب و لا سيما تلك التي تُتاح في الأعياد و المناسبات الدينية و الدنيوية، بل إنه لم يتردد في رفض الجنسية العربية حين عُرِضت عليه بدل الجنسية الليبية التي ربما تطلَّع الى حملها في البداية و لا شك انه بهذه الممارسة إستحق إهتمام السلطات التونسية التي أبلغته عبر المركز الثقافي التونسي بالتعليمات الصادرة بشأن إعادة جواز سفره و السماح له بالدخول الى تونس في الوقت الذي يرى، و قد استطاع بذلك ان يتواصل مع اشقائه و ابناء عمومته و الكثير من اصدقاء طفولته الذين ينادونه بالجمني، و أشهد انني عندما أحاطني معلومةً بالعرض التونسي شجعته على المضي في ذلك السبيل، فقد رجَح عندي إن القبول إن لم يفِدْ فلن يُضِر.

لقد توالت الاحداث بعد ذلك التطور بسرعة، فسقط النظام التونسي و بعده الليبي، و كان حظّه ليبياً أن طُرِد من بيته بواسطة المسلحين، و لم يُفصل من عمله كغريب و يُمنح حقوقه، او يُعامل كَليبي و يذهب الى الضمان و تأبى عليه أنَفَته أن يستعين بسلطات تونس لأخذ حقوقه فقد رضي بغُبن الجذور و مرارة طعمه دون البحث عن نُصرة لو وجِدت فهي في النهاية عنيفة الإذلال. و قد كان من حُسن سابقته أن وجد في أريحية صهره الترهوني ما آواه في السنوات الاخيرة من محنته التي ضاعف من أثقالها المرض. و لئن كنت أحمد الله ألا تكون شهادتي هذه تُكتَب عقب رحيله كما يحدث في ظروف كثيرة، إذ تسنَّى لي أن أخصُّه بتحية ذات معنى عندما وجدته مشاركاً في إحدى مناشط مركز الجهاد قبل الأحداث بفترة قصيرة، فضلاً عن مجاملته و إحترام موقفه و ظروفه الناتجة فقط عن إعتزازه بنفسه.عسىى الله ان يرحم العيساوي الشتوي، او الجمني كما يُدعى في تونس، فقد كان و الحق يُقال أحد ضحايا العِفَّه بلا جدال. إنتهى


_____________________________


لكي يُكمل آدم أحمد شهادته


أمين مازن


عندما خرج الإعلامي المصري الشهير احمد منصور عن التقليد الذي التزم به في برنامجه المعروف (شاهد على العصر) الذي دأب على تقديمه في حلقات لم تقل في الغالب ، إن لم نقل باستمرار عن عشر حلقات طوال السنوات التي انقضت على تأسيس قناة الجزيرة كمؤسسة تلفزيونية ذات تأثير منقطع النظير في كبريات الأحداث العربية ولاسيما تلك المتعلقة بأنظمة الحكم ، على نحو ما جرى في ما اصطلح على تسميته بثورات الربيع العربي ، وكان ضيوفه فيها لا يخرجون عن ذوي التاريخ السياسي الرسمي أو الآخر العلمي فإذا به يكتفي بالحلقة التي خص بها احد الشخصيات الليبية ( السيد آدم احمد الحاسي) بإعطائها حصتين ليس غير ، فترك أمامنا جملة من الأسئلة التي لا يستطيع أي معنى بالشأن العام الليبي الا أن يقترب منها بالمسئولية ومن بين الذين تشملهم هذه المسئولية ، ربما قبل غيرهم السيد ادم احمد نفسه ، فهذا الرجل الذي قدر له أن يكابد محنة السجن السياسي منذ أول مجموعة واجهت محنة السجن في الأسابيع الأولى التي تلت سبتمبر 1969 عقب ما أطلق عليه مؤامرة " موسى احمد و الحواز " حيث جمع القدر بين الذين كان لهم الدور الحاسم في سبتمبر 1969 والذين كانوا يحكمون ليبيا قبل ذلك التاريخ والذين لو لم يسهموا في التسيب الذي ساد البلاد وعدم الانتباه لما كان يخطط في المنطقة لما تم الإجهاز على النظام بتلك السهولة ، ولما استطاع التناول السطحي أن يقنع الكثير من الناس إن ما تم قد كان مفاجأة للقوى العظمى المتنفذه في ليبيا بتاريخها وأساطيلها وان بقاء الملك خارج البلاد لما يتجاوز الثلاثة أشهر محض صدفة أو زهد في الحكم لقد عاش آدم احمد هذه الأجواء بالكامل ، وهو وان يكن احد الذين طالهم السجن الانفرادي على نحو فاق الكثير من نظرائه الا انه بحكم التجربة التي عاشها والمراجعات التي قام بها والثقافــة التي اشتهر بها يستطيع تغطية الكثير من الحلقات وليس هذا القدر اليسير ، والذي يستـــطيع أي مراقب إن يكتشف الفجوات التي طبعت الحلقة الثانية منه تحديدا ، حيث كانت أسئلـة احمد منصور توجه لجهة ، فإذا بالأجوبة تذهب إلى جهة أخرى ، فإذا ما وضعنا في الاعتبار إن هذا النوع من البرامج يتم بعد الكثير من الاستعداد الذي يبذله معد البرنامج ، وان الكثير من البرامج السابقة تدل على هذه الوضعية ، فان هذا الابتسار وهذا التنقل الملحوظ من الأسئلة ومن الوقائع لا يدل الا على حقيقة واحدة هي إن السيد احمد منصور قد ابتغى بعمله هذا أن يستجيب لدافع من الدوافع البعيدة عن أصول المهنة وطبيعته الشخصية المستظافه في البرنامج ، وحسبنا أن نتذكر إن السيد ادم احمد الذي لم يبق داخل البلد عقب خروجه من السجن سوى فترة محدودة للغاية ما لبث بعدها أن خرج إلى المهجر ، وظل كما يقول الكثير من المتابعين متواريا عن الأنظار دون أن ينقطع عن الكتابة -من دون اسم صريح – وكان ذلك مثار قلق النظام المنهار و مدعاة اهتمامه ومحاولة التواصل معه بأكثر من وسيلة ، بحيث لم يكشف ادم عن دوره وموقفه الصارم الا عقب وفاة المرحوم موسى احمد في تلك الظروف الغامضة والتي يزيد من غموضها في أيامنا هذه بقاؤها دون أي اهتمام يرتقي إلى حجمها والوقوف على أسرارها.

وقد كنا نود لو خصها السيد ادم بما تستحق من الأضواء الكاشفة ، خاصة وانه قد ذكر إن موسى احمد قد اعترف بما نسب إليه في المؤامرة المبكرة كما كانت توصف فالمتوفر لدينا إن موسى انطلاقا من كونه غير موافق على العملية قرر أن يكون في عداد المتآمرين بدلا من أن يكون شاهد إثبات ، ويلبس ثوبا لا يريد لنفسه إن يلبسه ، وقد دأب رحمه الله على ترديد هذه الحقيقة في موضع إدراكه لنفسية القذافي ومعرفته له منذ إن قبل الاشتراك في التنظيم، وكان آخر ماسمعته منه وقبل وفاته بأسابيع محدودة انه اقترح التنسيق مع بعض التنظيمات ومن بينها التنظيم الذي كان من العاملين فيه خليل جعفر ، حيث حدد له موعد للنقاش الموافق يوم الأربعاء 3 / 9/ 1969، الا أن الموعد الخاص بالتحرك جرى تقديمه إلى 1/9/1969 ، فكان الاستفراد بالتحرك ، فهذه الظروف لابد أن تكون في ذاكرة السيد ادم احمد كما إن جلسات السجن وبعد أن خرج ادم من سجنه الانفرادي كانت له بدون شك مراجعاته ومحاوراته مع أولئك الذين جمعه وإياهم ذلك السجن ، وكان من الواجب أن يكون لهم نصيبهم في هذه الذكريات أم إن الذاكرة لم تعد تذكر أيا منهم ، غير إن الوقت الذي سمح بدراسة اللغة الايطالية ونظيرتها الفرنسية يسمح بدون شك إن يشمل حديث الذكريات رجلا مثل محمد المهدي القاضي الذي لم يكن له من شاغل في سجنه ذاك أكثر من التعليم ، وهل كان المساجين طوال تلك العقود لا يقتربون من تجاربهم وخلفيات سجنهم أم ليس لذلك نصيب في الذكريات ،لقد كرر معد البرنامج احمد منصور علي السيد ادم احمد أكثر من مرة سؤاله المتعلق بالكيفية التي انضم فيها السيد ادم احمد للتنظيم العسكري الذي أقدم على إسقاط النظام الملكي، ولكن ادم بقصد أو بدون قصد فسر السؤال على انه يتعلق بالمجموعة التي حاولت الإطاحة بالنظام الجديد وكان يومئذ في أسابيعه الأولي بذات القدر الذي لم يتحرج فيه من التوكيد بأن الترحيب الشعبي كان كبيرا بدليل انه لم تطلق رصاصة واحدة ، وعلى الرغم من صحة هذه المعلومة الا أن الاثنين لم يحاولا الوصول إلى السر الحقيقي وراء ذلك الموقف المريب ، ولا سيما في المناطق الشرقية حيث يعتقد الكثيرون بتجدر الدعوة السنوسية، وحيث الإخلاص اللامتناهي للسيد إدريس السنوسي وحيث العطف غير المذكور على تلك الربوع ، وان كانت المفاوضات التي طالما جرت مع الأطراف الدولية ولا سيما الطليان كانت مرتكزة على الزوايا والمناطق التي وجدت بها أغلبية الإخوان السنوسيين كالجغبوب والكفرة والحقوق الخاصة بالسنوسيين في وقف تلك الزوايا بل إن الأمارة ذاتها فهمت في بعض الأحيان بأنها ترتكز على تلك المناطق ، خاصة وإنها أي المناطق كانت ذات علاقة وطيدة بل وارتباط وثيق ببعض المناطق السودانية المتاخمة للتراب الليبي والشيء نفسه بالنسبة لتشاد ، وكانت جميعا تسمى لدى العامة بالسودان ، والتمييز الوحيد كان بكلمة السودان المصري أو الفرنسي ومع ذلك كله فقد سقط النظام بالكامل ، ولم يرتد احد ملابسه العسكرية من ذلكم المسئولين سوى الفريق مفتاح بوشاح ، الذي اعتقله المرحوم موسى احمد وقام بإرسال ملابسه العسكرية إلى بيته ، حتى لا يوصف بالمقاوم لما جرى ، فقد بلغ التسيب أقصى درجاته وفقد الكيان القائم كل مقوماته حتى لقد أصبح كما وصفه المرحوم عبد الحميد البكوش في الشهر الخامس من تلك السنة بأنه يشبه حائط الكرتون الذي سيتهاوى أمام أي ضربة يمكن أن يقدم عليها أي مغامر ، وقد تبين إن مثل هذا الرأي نتاج المعلومات المتوفرة وان المغامر كان على وشك أن يقدم على فعلته ، وان تكن غير مبرأة من إعانة الآخرين الذين لا شك إنهم كانوا يرعون اللعبة من بعيد وقد تمنينا على ضوء ما تيسر للسيد ادم احمد من سعة الاطلاع ومن العيش خارج الوطن أن يتولى مراجعة تلك المرحلة وينهض بالغوص في أعماقها البعيدة فيكمل ما بدا به غيره من الباحثين وفي مقدمتهم الأستاذ إبراهيم عميش الذي تفطن الي لعبة الإيهام التي مورست بشأن الانقلاب المنتظر من السيد عبد العزيز الشلحي والذي كان له على ما يبدو والأثر الكبير في أحجام الكثير من مراكز القوى عن القيام بأي نوع من أنواع المقاومة ظنا منهم إذ الشلحي هو صاحب اللعبة ، وقد أشيع يومئذ إن محمد حسين هيكل نفسه كان يتصور أن الآمر هكذا ويذهبون إلى أكثر من ذلك فيروون انه سأل عن عبد العزيز الشلحي عندما نزلت الطائرة في بنغازي ، عندما قدم على متن طائرة خاصة مرفوقا بوفد موسع جمع بين الصحافة و الإذاعة والمخابرات ولاسيما السيد فتحي الديب صاحب الدور المشهور في الجزائر وعضو الحركة العربية الواحدة ابرز القنوات الناصرية المشوبة بالنشاط ألمخابراتي ، والذي ما لبث أن جمع خلاصة تجربته في كتاب أطلق عليه عبد الناصر وثورة ليبيا حيث أماط اللثام عن الدور المصري الحقيقي والمــدعي والأخر المسكوت عنه والذي يمكن استخلاصه من وراء السطور ، ومن بين هذا المسكوت عنه ذلك المتعلق بمؤامرة موسى احمد والحواز التي شملت ضمن من شملت السيد ادم احمد نفسه، وكان بين ما مهد به لها تلك الحلقات الخاصة بفكرة الثورة ، عندما نشرت وإذ يعث باسم السيد ادم الحواز وقيل في حينها انها كانت مدسوسة من المصريين ليعترف بها بعد ذلك فتحي الديب ، ويؤكد الواقعة لي شخصيا المرحوم موسى احمد ومما لاشك فيه أن السيد ادم احمد على علم بالكثير من هذه الأمور ولعله لم ينس تلك المظاهرات العارمة التي طافت طرابلس قائلة " موسى احمد والحواز عود وقيد وشيشة قاز " وكيف كانت المؤامرة موضوع كتابه الكثير من المستقطبين فيما اعرض عنها جميع المثقفين الوطنيين كما رصد ذلك في حينه ، غير أن الذي ينبغي أن يكون واضحا هنا أن المقصود بالحديث عن شهادة السيد ادم احمد ليس محاسبة هذا الطرف أو ذاك أو إدانة فريق دون فريق ، وإنما المقصود هو الوصول إلى المعنى الأكبر والهدف الا بعد ، أي ذلك المتصل بمشكلات الوطن التي بدأت في تلك الأيام ، اغلب الظن انها مازالت حيث هي لما نعانيه من عجز عن استلهام الدروس المستفادة والتجارب المفيدة ، والاكتفاء بهذا الابتسار المخل الذي رضي بالمساهمة فيه السيد ادم احمد الحاسي في شهادته على العصر وضيافة احمد منصور التي لا تتسع الا لما يريد ويسعى لا رادته بامتياز.. إنتهى


______________________________




البشير السعداوي و الأسئلة المُعلَّقة

أمين مازن


هــل كان المرحوم السيد البشير السعداوي المعروف تاريخياً باسم الزعيم ، يختلف عن الكثير من مجايليه ، مواليد الربع الأخير من القرن التاسع عشر ، الذين تمكنوا من الالتحاق بدواوين الدولة التركية أثر تلقي ما تيسر لهم من تعليم ذلك الزمان .

الحق انه ليس أكثر من ذلك . فقد شملته هذه الوضعية انطلاقا من مسقط رأسه مدينة الخمس مقر عمل والده المنحدر من مصراته ، في الأرجح ، وهي الوضعية التي حتمت عليه ، شأن الكثير من نظرائه من المستخدمين أن يغادر البلاد منسحبا مع غيره من موظفي الدولة التركية الذين أجبرتهم على هذا الخيار معاهدة أوشى بين تركيا وإيطاليا حين تنازلت الأولى للثانية عن ليبيا . أو ولاية طرابلس كما كانت تعرف في الحقبة الثانية من القرن العشرين وإلا كان مصيرهم ترك الخدمة . غير أن السعداوي ما لبث أن عاد الى الوطن من جديد وانخرط ضمن من انخرط في معارك الجهاد ناهضا بكل ما أملته من الالتزامات ومن أهمها تاريخيا مؤتمر غريان الذي تقرر فيه توحيد القيادة بين طرابلس وبرقة إذ كان السعداوي في مقدمة الوفد الذي اضطلع بحمل وثيقة الإمارة الصادرة عن المؤتمر المذكور كما تؤكد الروايات الشفوية والمكتوبة . لا فرق ان كانت حجة للسعداوي او عليه .

وعندما رجحت كفة الغزاة واضطر القياديون الى الهجرة شرقاً وغرباً وجنوباً ، كانت هجرة السعداوي تجاه الشرق وبالتحديد الشام شليواصل إسهامه في العمل الوطني . ولما كانت إقامته قد تزامنت مع تمكن عبد العزيز أل سعود من إعلان نفسه ملكاً على السعودية بترتيب مع بريطانيا التي ارتأت التخلي عن حليفها شريف مكة وتوجيه ابنيه للعراق والشام .

ورأى ابن سعود ان يستعين ببعض العناصر العربية تحت مصطلح المستشارين ، كان السعداوي واحدا من الذين أنيطت بهم هذه المهمة ، حيث انتقل الى الحجاز جنبا الى جنب مع السيد خالد القرقني وابن أخته جواد بن ذكرى ، ليقضي في مهمته تلك ردحا من الزمن حتى كانت نهاية الحرب الكونية الثانية وطرح مصير ليبيا - ضمن مستعمرات إيطاليا – في المحافل الدولية وتنادي الكثير من الناشطين للعمل الوطني الرامي الى تحقيق استقلال البلد ومن بينهم الذين هاجروا من الوطن فكانت عودة السعداوي ضمن من عادوا واستئنافه لنشاطه من جديد ، غير أن الكثير من الموجودين بالداخل كانوا قد سارعوا الى النهوض بهذه المهمة ، نذكر منها على سبيل المثل جمعية عمر المختار بنغازي والجبهة الوطنية المتحدة والحزب الوطني والكتلة الوطنية وغيرها بطرابلس . وكان الكثير من هذه التشكيلات ضعيفا او غير واضح التوجه او غير منسجم مع اكراهات المرحلة ولا سيما فيما يتعلق بنوعية نظام الحكم . غير ان حسم الصراع الدولي حول ليبيا لصالح بريطانيا بوصفها صاحبة الموقف المبكر بعدم السماح لإيطاليا كي تعود الى برقة . ورفض السيد أحمد سيف النصر لمبدأ الانفراد بفزان وهو الشريك في احتلالها مع فرنسا وظهور الكثير من التشرذم في طرابلس حول شكل الحكم وبالذات الملكية ، أملى ضمن ما أملى ضرورة البحث عن رمز أكثر جاذبية وأكبر وزنا خارج المدينة ، فتبين أن أكثر الموجودين قدرة على أداء هذه المهمة هو البشير السعداوي فكانت عودته وسط استعدادات حضرت سلفا ، إذ جاء مرفوقا بالدكتور محمد فؤاد شكري أبرز أساتذة جامعة فؤاد على هيئة مستشار بالإضافة الى شاب أزهري لافت " الأستاذ علي المصراتي " الذي رفع شعاره المعروف ــ لبيك وطني لبيك ــ ووسط استقبالات رسمية وشعبية امتدت الى البيوت بدلا من الشوارع . خلع على القادم الجديد لقب الزعيم فلا ينطق أسمه بدونها ولا يكتب إلا ومعه لقب "" بك "" ويومئذ أعلن عن تأسيس المؤتمر الوطني كصيغة لتوحيد الكلمة فسارع بتبني التوجه الكثير من رجال المدينة ومثلهم من الدواخل بالدخول في التنظيم الجديد وفي مقدمتهم السيد مصطفى ميزران الذي سبق أن أسس الحزب الوطني وقد تأسست للتنظيم صحيفة (( الشعلة )) التي ترأس تحريرها المجاهد أحمد زارم العائد من المهجر التونسي لتكون صوت المؤتمر والزعيم الذي تتسابق الكثير من القوى نحوه ، اللهم إلا الذين كانوا أكثر إطلاعا بتحقيق ما يجري وما يحضر وما هو ممكن في النهاية . كان الحراك قويا في ذلك الزمان وكان التيار قويا أو هكذا أريد أن يكون ، وفود تغشى الهيئات الدولية وأخرى تجئ من أكثر من جهة وصراع لا يعرف التوقف الى أن صدر قرار الأمم المتحدة بتقرير المصير الليبي على أساس الاستقلال وبالتحديد في مطلع سنة52 وقد سبق ذلك الوعد أخر انتقالي حدد بسنتين يتم إثناءها وضع الدستور وانتخاب مجلس النواب حيث أنيطت المهمة الى جمعية وطنية تكونت من ستين عضوا لكل إقليم عشرون فتبين أن النظام سيكون اتحادياً وهو ما لم يرق للسيد السعداوي فقرر مقاومته اعتمادا على ما تحقق له من شعبية في طرابلس ، غير مقدر لظروف برقة وفزان وكذلك ضرورات المساحة الجغرافية فضلا عن تركيبة المجتمع الخارج عن المدينة وما تفرضه العشائرية ، بل ولا مستفيد من تلك النصيحة التاريخية التي وجهها له على صفحات الوطن السيد مصطفى بن عامر تحت عنوان " يا سيادة الزعيم أدفع بالتي هي أحسن " ولم يستفد كذلك من النقاش الجاد الذي كان يدور في الجمعية الوطنية بشأن السلطات وتوزيعها والقضاء واستقلاله . ولم يعد لديه من خيار سوى مطلب الوحدة الشاملة ولا شي غير الوحدة وقد غلب يومئذ الشكل الاتحادي طبقا للترتيبات الدولية وتم إعلان حكومة مؤقتة أنيط بها إجراء انتخابات مجلس النواب وقد شابها من البداية شيء من الريبة إذ استقالت أسماء كثيرة من حزب المؤتمر لتدخل الانتخابات خارج مظلة المؤتمر كما أن السعداوي من جهته تبني فكرة عدم المشاركة فيها ولكن هذه الفكرة لم تجد القبول حتى عند أبرز قيادات المؤتمر في مدينة طرابلس . الذين فضلوا المشاركة وضمنت لهم الحرية فكان فوزهم جميعا وعددهم خمسة ، أما خارج المدينة فكان هناك شيء آخر وعندما عمت البلاد مسيرات الاحتجاج ومظاهرات الرفض بادرت الحكومة من عدم تسوية السعداوي ورفيقه زارم لإشكالية الجنسية وكان أبعاد الاثنين ، في حين كانت انتخابات المجلس التشريعي التي أجريت بعد النواب مباشرة ، الفرصة المناسبة لتعويض كل من حيل بينه وبين مجلس النواب وغادر السعداوي في اتجاه الشام و زارم في اتجاه تونسي ليعيش الأول خمس سنوات في منفاه . ويعود الثاني بعدما يقرب من ذات الفترة ليقضي بعد ذلك بقية عمره في الوطن ويكتب في وقت لاحق مذكراته في أكثر من جزئي ، أما الرجل الذي شكل الحكومة فقد كان أول من أصر على ضرورة الإشراف على الولايات . كما أن الرجل الذي رفع عقيرته مشككا في اتجاهات السعداوي تبنى من خلال موقعه كرئيس للمجلس التشريعي لطرابلس مبدأ محاسبته الوالي أمام المجلس التشريعي وعندما أقدم الوالي على استصدار مرسوم ملكي بحل المجلس المذكور كانت القضية الأولى بصدد دستورية المرسوم ومن ثم الحكم ببطلان المرسوم ومن ثم إصرار الحكومة الثانية على ضرورة تنفيذ حكم المحكمة ، بل أن أكثر المسئولين اختلافا مع خيار السعداوي كان أشدهم اعتراضا على أبعاده في جلسة مجلس الوزراء وغير هذا كثير من أحداث تلك الفترة المزدحمة .

لقد تداعت أمامي هذه الصور الناتجة عما قرأت عن تلك الفترة ، وما رويت من عديد الشهود الذين عاصروها وأسهموا فيها بجهد قل أو كثر ، وكانت جزءً من بعض ما كتبت وتحدثت وفي حدود ما تيسر من المتاح ، أما دافعي لذلك هذه المرة فقد كان متمثلا في المحاضرة التي شارك بها في موسم المركز الوطني للمحفوظات "" الجهاد "" الدكتور محمد سعيد قشاط المعروف بجهوده المتوالية في مجال التاريخ وقبل ذلك الأدب والشعر الشعبي التي اختار لها عنوان المجاهد بشير بك السعداوي حياته ونشأته وجهاده وهجرته في بلاد الشام والتي حضرها عدد غير قليل من المهتمين ولا سيما الذين تثيرهم أراء القشاط . وقد أقول كذلك طريقته في الحديث والتي أشهد أنه أفلح بواسطتها هذه المرة في تناول موضوعه هذا من خلال سرد لا يخلو من جاذبية ، عرج خلالها على الكثير من المعلومات المتصلة بمولد السعداوي ونشأته ونسبه وهجرته الأولى والثانية والمعارك التي أشترك فيها والخلافات التي أفلح في تصفيتها او الحيلولة دون مضاعفاتها . وقد كان في سرده منحازاً لزعيم السعداوي مكبرا لدوره في جميع الأحداث التي حلت بالوطن وشكلت محطات في تاريخه ، فوجب أن نشيد بجهده هذا ونشير الى ما في ذلك من إنعاش للذاكرة ودفع للأجيال الحاضرة كي تستعيد أحدات الماضي وما تحقق للكثير من رموزه للخلود ، ولكن دون التخلي عن محاورته من مبدأ التدقيق والاستيضاح والاستزادة بغية الوقوف على حقيقة الدور الحقيقي لهذا الرمز وبالذات في الفترة التي أمكن أثناءها انبعاث الدولة الليبية الحديثة وهو ما حاولنا القيام به عقب فراغ الرجل من محاضرته وفي حدود الوقت الذي أتسع للحوار فقد اتضح أن الأسئلة المهمة ما تزال تنتظر الإجابة ابتداء من عودة السعداوي عقب الحرب والتي جاءت بعد تردد لم يخف عن الذين قابلوه في موسم الحج ومن منطلق عدم ثقته في الأمير إدريس والتي بادله الرجل إياها كما جاء في بعض أوراقه التي نشرت في كتاب حقيقة إدريس في سبعينيات القرن الماضي . بحيث تبدو عودة السعداوي محيرة للغاية خاصة وأنه قد جاء بدعم من السيد عبد الرحمن عزام المعروف هو الأخر بعدائه للسنوسية . فهل كان هذا بتأثير ضغوط لم يكن ثمة مهرب منها ، ثم ما هي المقومات إلي تفرد بها السعداوي التي جعلته دون غيره يكلف بمثل هذا الدور أم للأمر علاقة بالخلفية العشائرية للسعداوي بوصفه أحد أبناء مصراته المنتشرين في جميع أنحاء ليبيا فمكنه بواسطة تحشيدهم أن يقوم بأداء مثل هذا الدور الذي كان الى حد كبير شديد الصعوبة أعني أن يشمل ذلك العنوان الذي عرف بالمؤتمر الوطني أرجاء طرابلس كافة بل ويمتد الى أقاصي الجنوب ، على الرغم من أن المبادئ العامة كانت مرفوعة من الجميع . كما أن السعداوي ذاته لم يكن خطيبا مفوها ولا كاتبا مرموقا ولم يكن كذلك على علاقات جيدة مع القوة السياسية الوطنية من غير الليبيين . كما ولم نعرف عنه أراء اشتهر بها في المهجر . ولعل أهم ما تصدى له القشاط هو تلك الغمزة التي جاءت في كتاب الشيخ الطاهر الزاوي أعلام ليبيا في معرض حديثة عن شخصية السعداوي بأن الجامعة العربية قد أغدقت عليه مالا كثيرا مما يشير بأن الرجل ـ لا سمح الله ـ أن يكون قد استفاد من مهمته تلك من الناحية المادية ، فأكد أن ليس هناك ما يعطي هذه الزعم أي دليل سواء من حيث أحاديث الرواة او المستوى المعيشي او الأثر المتمثل في السكن والحقيقة أن أحدا لم يشكك في نظافة يد هذا الرجل بمن في ذلك بعض الذين اختلفوا معه وناصبوه العداء مثل الأستاذ علي الذيــب الذي كان دافعه الأول ـ بما رويت عنه ـ شعوره بأن صاحب القرار لدى السعداوي كان هو فــؤاد شكري ، في حين يؤكد الحاج محمد السوكني أحد شهود المرحلة أن حضور الرجل كان بترتيب مع البريطانيين حتى ان الوالي الإنجليزي بلاكلى طلب منه ـ أي السوكني ـ أن يذهب الى السعداوي ويغشى مجلسه وأنه بمقتضى هذا التوجيه قد انتسب الى المؤتمر ولم يستقل كما استقال غيره إلا أنه السوكني يعود فيؤكد أن السعداوي بعد أن تحقق له الإجماع الشعبي قرر العمل بشكل مستقل عن الإدارة البريطانية مما اقتضى الاستغناء عنه في وقت لاحق . على أن هذا الراوي لا يدين هذا التوجه .

لقد تعشمت وأنا أحضر حديث القشاط الذي تنسى له العيش في السعودية على رأس البعثة الدبلوماسية الليبية ، الأمر الذي وفر له بدون شك الاقتراب من عديد الرموز والمستويات السعودية المتقدمة علماً وعملاً أن يتمكن بواسطته أن يزودنا بالكثير مما كان مجهولا او غير واضح عن صورة الرجل ولا سيما فيما يتعلق بإقامته ومن ثم عمله هناك ، فإذا بالصورة عادية للغاية ، كما ان السرد لم يحل الى أي مرجع من المراجع مكتوبا كان او مروياً ، وأكاد أن أزعم هنا أن القشاط ربما فضل الاحتفاظ بما توفر له تقديراً لهذا الرمز واعتزازا بالمكانة التي اكتسبها وليست كبيرة عليه بدون شك . وهذه أن صحت روح طيبة وجديرة بالتقدير ، ولكنها لا تخدم من قريب او بعيد قضية التاريخ ، ولا تحقق الغرض الذي من أجله تنظم مثل هذه المناشط ، فليست حياة العظماء خالية من الأخطاء وليست خياراتهم بالكامل فوق النقد أولا يعتريها التقصير وقد كان وما يزال السر الذي يحتاج الى المراجعة ومن خلال الوثائق السعودية بالذات هو عدم عودة السعداوي الى حيث كانت إقامته الأولى في السعودية وهل كان ذلك بموجب استغناء بادر به السعوديون أم العكس وغير هذا كثير وكثير جدا مما كنا ننتظره رواية او تحليلا او مراجعة او تدقيقا . وقديما قال جدنا الأول عبد الرحمن بن خلدون (( ان التاريخ في ظاهره أخبار وفي باطنه نظر وتحقيقي )) . إنتهى


_______________________________

 


علي ماهر و تلافيف الذاكرة

أمين مازن

25-5-2016

كُنت مُنكبّاً على إنجاز ما في حوزتي من البريد اليومي المُذيَّل بتعليمات رؤسائي الإداريين، بما يستلزم ذلك من إعداد الرسائل و المذكرات المتعلقة بعديد الشؤون الخاصة بالأفراد و الجماعات و الواقعة في إختصاص وزارة الأنباء و الإرشاد التي إكتسبَت حيوية غير مسبوقة جرّاء وجود الأستاذ عبد اللطيف الشويرف حاملاً لحقيبتها و السيدين رمضان المصري و عبد الخالق الطبيب "الاول وكيل و الثاني وكيل مساعد" عندما أُستُدعِيت من طرف الأخيرو يجلس إلى جانبه رجل من رجال التربية و التعليم المعروفين و برفقته شاب ينضحُ حياء، لأستلم من الوكيل المساعد رسالة من تلك التي إعتادت الادارة العامة للخدمة المدنية توجيهها بشأن تنسيب الخرِّيجين الجامعيين بوصف الإدارة المذكورة على علم بالشواغر من الوظائف، و قد همَّشَ الطبيب بتوجيه الخرِّيج علي المقّْري كما هي التسمية الرسمية الى مصلحة الإذاعة فتبادرإلى ذهني أن الخرِّيج الجديد و القادم من كلية الإقتصاد لا بُدَّ أن يستلم عمله بالشؤون المالية، لولا إني فوجِئت برغبته في قسم الموسيقى، فنفذت ما أُمِرت به بالطبع، و ما أن حانت الجلسة الودية التي يخصني بها السيد عبد الخالق عقب الفراغ من البريد حتى أبديت له إستغرابي من الرغبة المتعلقة بقسم الموسيقى، فلم يُخِف الرجل هو الآخر ما درَجَ عليه من إبداء سخرياته الجميلة، و مضينا بعد ذلك إلى ما إعتدنا الخوض في من مزاوجة بين العام و الخاص، فالسيد عبد الخالق يتوفر على الكثير من المعلومات التي عرفها بحكم عمله في الداخلية و لم يبخل بإحاطتي بالكثير منها بحكم العمل من ناحية و لصلته بوالدي من ناحية أخرى.

على ان حيرتي من إصرار الشاب المريح لم تَطُل كثيراً، إذ ما لبثت سياسة الاستاذ الشويرف القائمة على ترجيح الثقافة بشقيها الفني و الادبي، و التي جسّدَها على نحوٍ خاص بتأسيس فرقة الفنون الشعبية و إسناد مسئوليتها للفنان الكبير محمد حقيق، و تكليف الفنان المميز محمد مرشان بشؤون الموسيقى و المألوف و طباعة كتابه "الموسيقى قواعد و تراث" و تبنيه الشخصي لطباعة بعض الكتب التاريخية، تحت عنوان سلسلة الكتاب الليبي و إعادة تفعيل مجلة الإذاعة كمطبوعة تُعنى بالفن الإذاعي و التعربف بالعاملين في حقله من فنانين و مُعدِّي برامج و إفراد مساحة كبيرة لنشاط الفنانين و جديدهم، جعلني في النهاية أقف على سر إختيار خرِّيج الاقتصاد الذي أُشتُهِرَ بعلي ماهر لعالم الموسيقى إبتداءً من قسم الموسيقى، إذ لم يكن يتطلَّع لشيئ سوى أن يُلحِّن ما يختاره من الكلمات و يضعه من شروط النجاح، و في غُمرة ما كنَّا نقرأ و نسمع تألقت اسماء كثيرة من شباب تلك الايام في مقدمتهم علي ماهر و وحيد خالد و جمعة ثامر و محمد السليني و محمد نجم التي وجدت في كلمات الحريري و قادربوه و مصطفى الهنقاري و مسعود القبلاوي و غيرهم كُثر. لولا أن منطق الإنصاف يفرض القول أن علي ماهر كان الأكثر تألقاً، و لا سيما في تطور لاحق و في زمن الإهتمام بالشخصية الليبية، و التي تلَت التطور الفني الذي تبنَّاه السيد مصطفى بن شعبان في موقعه بالإذاعة و احمد سيالة كوكيل للوزارة في فترة خليفة التليسي.

لقد كانت سنة 1968 على نحوٍ خاص و عند رئاسة الاستاذ البكوش للوزارة الليبية و حمل السيد احمد الصالحين لحقيبة الإعلام و احمد نجم لمهمة الوكيل، الكثير من التطور و الذي تقدمه على نحوٍ خاص كما قُلنا علي ماهر، فإذا ما قُدِّرَ للنظام الملكي أن يسقط و يأتي سبتمبر بما له و ما عليه يبقى علي ماهر محافظاً على خصوصيته و لو بالحد الأدنى من الأخطاء، فقد كانت المرحلة شديدة الصعوبة و مليئة بكثير الضغوط القائمة على الترغيب و الترهيب، غير أن تفاصيلها لا تتفق مع خصوصية المقام.

و عندما ينتظم هذا اللقاء بدار الفقيه حسن في مشروع المدينة القديمة، و بترتيبات من أصدقاء الدار إحتفاءً بالفنان علي ماهر و أُدعَى للكتابة في وثائقه و حضور فعالياته لا أستطيع إلا أن أعود إلى هذه الذكريات مجتمعة و بالأحرى العامة، ذلك أن علي ماهر الذي أُشتُهِرِ مُلحناً لا بد ان يُقَيِّم ألحانهُ المختصون في الآداء، أما الصعوبات و المكايد فعلى الرغم من سجيته القائمة على التسامح فيمكن أن يخوض فيها هو. و هو ما أزعم انه لن يفعله و يحرم التاريخ الثقافي من معلومات غاية في الأهمية، و لهذه مجتمعة أحمد الله أن أتاح لي فرصة الحديث عن فنِّه و مسلكه، و هو و إياي على قيد الحياة، و لتحرُس العناية الإلهية فنانا الكبير ليملأ حياتنا عطاءً رائعاً و خلقاً جميلا.إنتهى


______________________________

هيكل الشاهد و المشهود

أمين مازن

19-2-2016

أدركت المنية في السابع عشر من فبراير الجاري الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل، حيث ووريَّ جسده التراب في مساء ذات اليوم بعد عمر بلغ الثانية و التسعين، كان فيه كاملا ذا حضور لم يتوقف سوى اشهر محدودة، إذ قد ظل حتى السنة المنصرمة دائم الحظهور المتلفز و بواسطة محاورته لميس الحديدي، عبر شاشة cbc المصرية، و عقب تجربة اخرى كان قد خاضها على صفحات الجزيرة المصرية فقد حَمَتهُ المقادير من عذابات أرذل العمر و آلام الموت السريري. لقد بقى واقفا حتى النهاية، محافظا على التمسّك بالخيار الذي إنحاز اليه لأكثر من ستين سنة مضَت أي الذي تزامن مع الدور المصري القيادي، ليس عربيا فقط و إنما دوليا ايضا و الذي ارتبط بالزعيم جمال عبد الناصر، انه الدور الذي يشبه الى حد كبير ما جمع بين الشاعر العربي الشهير ابي الطيب المتنبي و الامير سيف الدولة الحمداني، إذ بقدر ما كانت الناصرية ذات الاثر الكبير في توظيف الهوية العربية لمصر الحديثة في مسيرة الاسرة الدولية بقدر ما كان لجهد محمد حسنين هيكل دوره البارز في هذا الخيار، و الذي تزامن هو الاخر مع ظهور الدور الامريكي في اللعبة الدولية، كما يؤكد جميع مهندسيها و اصدق منظّريها، فقد مثّلَت مقالات هيكل في الاهرام قبل النكسة و بعدها خير عضَد لترجيح كفة العروبة لهوية مصر و ترسيخ إنحيازها القوي لهذا المحيط.

نعم لقد ظل هيكل بما يكتبه و يذيعه علنا و ما يُعِدُّهُ و يسعى له سِراً من اهم ما ساعدَ مصر الناصرية على عدم التفريط في جدوى الرهان على هذا الدور إزاء المحيط اولا و المصلحة القُطرية ثانيا. و سيخطئ كثيرا كل من ينظر الى مسيرة هيكل بمعايير الوفاء و ما إليه من تعابير العاطفة الجياشة، ذلك ان هيكل الذي تؤكد أوثق المعلومات انه أول الصحفيين الذين خبروا الكمبيوتر، و احسنوا إستثماره في معالجتهم الصحفية و التي طالما إمتاز بها عن الكثير من نظرائه، و الذي افلح في امتلاك أثمن ارشيف سياسي لم يتردد في تأمينه بخزائن اوروبا، خوفا عليه من العابثين، فهو و الحالة هذه لا يمكن النظر اليه و الى جملة ممارساته بغير ما رآى فيه الضمان لمصلحته و مصلحة ذويه بمعنى ان "هيكل" الذي لم تتردد حوله انباء تتحدث عن المبالغات المالية او الاستثمارات الاقتصادية، و الذي طالما كانت كتاباته مثالا للإتزان و القدرة على تمرير كل ما يريد بأكبر قدر من الحرفية إنما يُمَثّل التجربة المميزة بكل ما في هذه الصفة من المعاني، انما كان يراهن دوما على الحضور الذي يتجاوز اللغو اليومي، و الابقاء على الجهد الذي يظمن الصمود الدائم امام الزمن. و حسب المرء ان يتوقف سريعا امام كتاباته التي بدأها بالصحافة و من اقل ابوابها أي السعي خلف الخبر، ليطورها اخيرا الى الكتب الكثيرة و المجلات الشهيرة، حتى ان بعض ما يكتب كان يُنشَر في وقتٍ واحد باكثر من مطبوعة، و اكثر من مدينة، فإذا ما اتضح له ان الشاشة الصغيرة صارت اكثر تأثيراً او أيسر إعداداً كانت حواراته على الـ cbc المصرية و قبلها الجزيرة القطرية حيث لم يترك معلومة من المعلومات الكثيرة لديه إلا و وظفها اكثر من مرة مما جعل من كتاباته و احاديثه المتلفزة مراجع يتعذّر علىى كل باحث ان يعوض عنها باعتبارها تمثّل الشواهد المهمة على احداث القرن الذي عاشه و كان صاحب الحضور القوي فيه و قد تمثّل المرشد الامين نحو المستقبل ايضا، كيف لا و قد رأيناه لم يتردد في الخوض بقوة حول احداث الربيع العربي التي حصلت منذ سنوات خمس حين أودت بثلاثة حكام عُتاة، و ما زالت بتأثير الاثنين الباقين تُشعِل اقوى الحروب. فلا غرو، فهيكل من الذين افلحوا في توكيد حضورهم و ترك بصمتهم، سواء كان

الحديث من قبيل الاتفاق او الاختلاف، و كفاه الا يكون في منزلة بين المنزلتين.إنتهى



______________________________


د.علي عتيقة و الأمل و الإرادة و العمل

أمين مازن

5-2-2017


كدأبي في جميع رحلاتي التي أقوم بها إلى مسقط الرأس "هون" تحت ضغط الإلتزامات الإجتماعية، أستعين على ملل الطريق، و أُضيف الآن مخاطرها، فأصطحب كتاباً أو مجلةً أو صحيفةً، حملتُ معي في رحلتي التي قمت بها منذ أيام للمشاركة في إحتفال الأهل بالمولد النبوي، المُجلد الضخم الذي أنجزه المرحوم الدكتور علي عتيقة قبل رحيله بفترة قصيرة إذ حمل تاريخ 2013، شاكراً للصديق محمد كانون تفضّلهُ بتزويدي بهذا الكنز المعرفي النفيس الذي كان قد فرغ من قراءته لِتوِّه، و وجد فيه ما يدعو غيره لقراءته. و قد كنت في رحلتي هذه أكثر تهّيباً من صعوبات السفر، و أشد إصراراً على القيام به في ذات الوقت، إذ الإحتفال بالمولد يُعيدني دوماً إلى إستدعاء الكثير من الذكريات، و أكثر من ذلك التحديات، غير أن مولدنا هذه السنة يحمل القلق الأكبر و الحيرة الأشد و الخوف الأقوى، فحين يكون الرصاص هو ما يمكن أن يُنهي حياة الإنسان بمناسبة أو بلا مناسبة، فإن الخوف يتحول إلى هواء يستنشقه الإنسان و شبح تتخيله العين، و بالذات عندما يكون المرور ببوابات شهدت الكثير من الترويع، مما يجعل السؤال عن مالك السيارة التي على المسافر أن يمتطيها و الركاب الذين سيشاركونه، أول الأولويات، و تصبح القراءة في نهاية المطاف هي العالم الأفسح للتخلّص من لحظات القلق و بالذات حين يخوض المرافقون في ما لا يُحب المرء الخوض فيه من أمور من شأنها إثارة الخلاف الذي لا ينتج سوى الصداع فالقراءة و الحالة هذه خير مُنقذ، و أفضل مساعد لإنفاق الوقت في ما يُفيد.

و يظل موضوع الكتاب و لاسيما حين ينطلق من سِيّر الرجال، في مقدمة ما يوفر العزاء بصدد الوقت الذي يستغرقه فعل القراءة و ما يتركه بذات الوقت فعل الكتابة أما إذا كانت القراءة تتعلق بكاتب تَسَنّىَ لك قدر من معرفته كشخص و دوره كمسؤول، فلا شك أن القراءة ستمتد إلى التحقق من حجم الصدقية أولاً و مقدار الدروس المستفادة ثانياً. و أشهد أنني عِشت هذه المشاعر مُجتمعة و أنا أنكب على صفحات هذا الكتاب الذي زادت صفحاته على الثمانمائة صفحة من الحجم الكبير، طيلة الساعات السبع التي هي زمن رحلة الذهاب و مثلها الأخرى التي إستغرقها الإياب، و شيئ من وقت الإقامة غير الطويلة سواء و أنا أقراء ما كتب المؤلف أو ما عشته طوال هذه الرحلة الطويلة التي كان المرحوم عتيقة أبرز شهودها و بعد ذلك الفاعلين فيها بجدية منذ أن ظهر ضمن ثالث تشكيل لمجلس إدارة جمعية الفكر الليبية في مطلع الستينيات من القرن الماضي عندما فتحت مقرها في شارع البلدية في مدينة طرابلس، بعد أن كانت تتحرك من نادي الإتحاد بإعتبارها ثمرة ندوات ذلك النادي الذي إتخذ منه بعض المثقفين فضاءً للتحرك و هم يعودون من جامعاتهم  بالخارج، و يصدمهم تحول النادي الأدبي و هو يحصر نشاطه في دورات تعليم الكتابة، و يطال الإغلاق لرابطة المعلمين فلا يبقى سوى قاعة المدرسة الثانوية و التي لم يعُد من السهل التحرك منها، بالنظر إلى ما بدا يسود من الإرتياب حول أي نشاط ثقافي خشية تسلل الأفكار الجديدة، و التي لم تعُد تروق لعديد المسؤولين المحليين، و ما بدا يرد إليهم من المعلومات حول الكثير من الطلبة الذين عادوا من القاهرة تحديداً إن و هم قد أكملوا دراستهم أو حيِل بينهم و بينها إن يكن إصطدام الناصرية بحركة الإخوان بدايتها في أوائل و منتصف الخمسينيات فلا شك أن إصطدام الحركات اليسارية بالناصرية أيضاً و عقب قيام الوحدة المصرية السورية التي قامت على حظر النشاط الحزبي كانت أقواها، مما جعل الكثيرين يتحسسون نحو الجمعية المذكورة و لم يسلكوا ما سلكه من هم أكثر وعياً بالإنخراط في ذلك الكيان و العمل لتوظيفه لما يتطلعون إليه، و قد كان علي عتيقة من الذين فضلوا هذا الخيار إذ لم يكن - و خلافاً لما توهّمَ عديد المجايلين له - يعمل لمشروع مؤطّر و إنما يسعى للإستفادة من الممكن، و مما لا ريب فيه أن الرجل كان مُدرِكاً لطبيعة المجتمع الذي شهد بداية حياته و ما يسوده من صراع المصالح التي و إن كانت صغيرة إلا أنها شديدة الحِدّة، ليس خارجها بدون شك تلك المظاهرة التي إنتظمت في مصراتة ضد الشيخ سالم القاضي عندما إختلف مع تيار السعداوي، فأكبر فيه حدبه و طيب تمنياته عندما سعت إليه البعثة الدراسية التي جاءت إليه من ذلك الباب الذي جمع بين الإنصاف و حُسن التقدير من الآخر، و ليس من المستبعد أن يكون قد تناهى إلى سمعه ما كان يتردد من تعليقات غير مسئولة بصدد تأهيله العلمي، إذ عزّ على كثير الخصوم الجدد ممن عرفوا بداية عتيقة التي إرتبطت بنائب المتصرّف الإنجليزي و العمل معه في البيت و المكتب كيف لها أن تتطور إلى تلك المكانة التي عادَ بها، و إذا به بعد أن قطع ذلك المشوار الطويل يقوم بإنجاز هذا الأثر النفيس الذي زاوج بين سيرة الوظيفة و حقيقة البيت و مستوى الطبقة و التي رأيناها لا تسمح له بالإستمرار في العمل حتى في زاوية الزروق أو ميزران و ما شابههما غي مُتحرّج في الإعتراف بأي صغوبة من النصاعب و غير مُتنكر لأي فضل من الأفضال، فهو بالنسبة لواقعنا الليبي واحدٌ من الإستثنائيين إن لم نقل منعدم المثيل جميعاً، فلقد وضع الرجل أمامنا سيرته الدراسية هذه بكل ما يتوفر عليه الواثق في نفسه من الشجاعة، بالإعتراف لذوي الفضل بفضلهم، و غض النظر عمّن كانوا دون ذلك بعدم الخوض في مواقفهم، و قد وضع أمامنا من خلال الوثائق و التفاصيل، الطريقة التي إستطاع بواسطتها أن يتغلّب على كل نقص تشترطه طبيعة الدراسة الأكادمية، حيث  تُهمل الشروط و إنما تُوضَع البرامج التي تتكفل بتعويض نواقصها، و قد دعم كل ما ذكر في الخصوص بالأوراق الثبوتية التي مُنِحَت له من تلك الجامعات بله المدارس، و بصدد هذه المسألة ذكرني على الصعيد الشخصي بمعلومات رويتها ذات يوم عن الأستاذ محمد المهلهل أحد الخريجين القدامى في مجال التعليم و الذي حِيلَ بينه و بين تبوّء المكان اللائق بل و الملاحقة أيضاً، الإشتباه السياسي عندما رُشِّح للوزارة في بداية سبتمبر 69، فقد ذكر لي ذات مرة و من خلال تجربته في الدراسة بأمريكا، أنهم أي الأمريكان يُعولون في تقييمهم على إمتحان القبول كي يُصنفوا الموفد بالمكان المناسب له، و هو ما تأكد من خلال ما عرضه عتيقة بتفصيل صريح و موثّق بصور القرارات و الشخصيات و حفلات التخرج و نوعية الجوائز و التكريم. و مع ذلك فقد ظل عتيقة يستشعر الكثير من الحرج إزاء عدم تمكنه من اللغة العربية فرأيناه يعتذر عن بعض التكليفات و يسعى في الوقت نفسه إلى معالجة ما كان يستشعره بمواصلة التحصيل الحر على أكثر من صعيد و لاسيما عندما توجه إلى جامع ميزران في محاولة لتلافي ما فات، و قد كشفت سيرة عمله لاحقاً على تمكنه من تلافي ما فات و هو المؤهل في جميع مراحل دراسته باللغة الإنجليزية بمنآى عن اللغة العربية أو متأثراً بإنجليزته إلى الحد الذي يفقد به شخصيته أو إنتمائه، و إنما هو دائماً ذلك الذي يستكبر على من سبقه علمياً كما لم يتخذ من الإلتزام الديني مبرراً لإدانة المختلفين معه ممن رافقهم في رحلة العمل و حمل معهم المسئولية و وجد لديهم من الصدق ما أثلج صدره و إستحق إشادته فبدا عمله هذا شهادة بالغة الصدق و النقاء و الوعي   إزاء تلك المرحلة التي تقلّد فيها داخل ليبيا هذا الكم من المراكز القيادية التي شغلها عن جدارة و إعتذر عن بعضها بصدق أيضاً، فقد أنصف الدكتور عتيقة الإنصاف الذي يستحقه عندما عمل بمعيته في بنك ليبيا المركزي و أسس يومئذ قسم الدراسات و البحوث فقدم الكثير من الدراسات الجادة و التقويمات الجيدة عندما وجد في الدكتور العنيزي نِعم العون و وجد فيه كذلك نِعم القدوة فجعلنا ندرك معشر الذين لم نعرف العنيزي عن قرب و ربما خُيِّل إلى الكثير مِنا أن الدكتوراه التي كان يُقرن رمزها بإسمه هي تلك التي منحتها بعض جامعات إيطاليا و لم تكن تتجاوز الليسانس و أن بعضها كان حول الألعاب الشعبية، و ليس ذلك النوع الذي تثبته قدرات العنيزي في مجال صك العملة و ميزان المدفوعات و أهمية البحوث و الدراسات إزاء الأحوال الإقتصادية و الموازنة العامة، بل إن الرجل حين لمس الكفاية في مرؤوسه هذا لم يتردد في الإستفادة من خبرته بشأن تلييب منصب نائب المحافظ الذي شغله علي جمعة المزوغي عن جدارة بقرار العنيزي أولاً و رعاية خلفه خليل البنَّاني ثانياً، فكلاهما - بحسب عتيقة - خير من يأخذ بيد مرؤوسه بما يوفر لهم من الثقة و حسن الرعاية و مثل ذلك إحترام ما يتوصلون إليه من جيد الإقتراحات الإصلاحية، أما حديثه عن نزاهة حامد العبيدي و عِفّته عن كل ما يخدش السمعة و كذا تقديره لمن  يأنس فيهم الكفاية فإن الدكتور عتيقة يُفلِح بواسطته في تصحيح الكثير مما كان مجهولاً عن هذا العنصر الوطني الأصيل و الذي طالما نال منه سوء الفهم و ميل الرجل إلى التواضع و الترفّع عن المظاهر الكاذبة و المفاخرة بالسلطة الزائلة، و حسب هذا الرجل ما وفّره للدكتور عتيقة من الدعم الذي أتاح له أن يقول كل ما لديه حول مشروعات التنمية و مشكلات الأقتصاد و عقود الإمتياز النفطية، و التي عبّرَت عنها التعديلات الإقتصادية و أشهرها تلك التي حصلت بعد خروج السيد محمود المنتصر من رئاسة الوزراة و بقاء وزرائه بعد تكليف أو بالأحرى تعيين السيد حسين مازق برئاسة الوزارة حتى كان ذلك التعديل الموسع و الذي تبين إرتباطه بسياسات النفط و عقود الإمتياز و لا سيما العقد الخاص بشركة الأوكسي دينتل و الذي ما لبث أن أدّى إلى إعتقال وزير النفط عقب سبتمبر 69 و بقائه نحو سنتين من دون أي محاكمة و ما ذلك إلا لأن المحاكمة تقتضي إلغاء العقد و هو ما كان أكبر من يُقدِم عليه النظام، كما أكد الدكتور محمود المغربي و هو يرأس الوزارة عقب سبتمبر و يتبنّى سياسة رفع الأسعار بعكس ما كان يُحذِّر الدكتور عتيقة من مكر الشركات و قدرتها على تعويض خسائرها برفع سعر المواد المُصنَّعَة و عدم القدرة على مواجهة  ما يمتلكه الغرب من الأوراق إذا ما أقدمَت الدول المصدرة للنفط على رفع سعره غير المسبوق سنة 1973 و ما بعدها حتى كان ذلك الرفع المهول في المواد المُصنَّعَة بدءً من أقلام الرصاص إلى السيارات بِنِسَب بلغت العشرة أضعاف حتى إذا ما تشبَّع السوق بتلك المادة غير العادية أي النفط و حلَّ موعد خفض الأسعار لأقل من النصف فبقيت المواد المُصنَّعة حيث هي و كان ذلك الغلاء الفاحش الذي أتى على الأخضر و اليابس، على النحو الذي إستطعنا أن نُذكِّّر به في تسعينات القرن الماضي بقصد رد الإعتبار لهذا الخبير الإقتصادي اللامع الذي ظلمه الوطنيون الليبيون ذات يوم كما أشرت شخصياً في معرض التعليق على محاضرة ألقاها أبرز المسئولين على الإقتصاد الليبي هو الدكتور طاهر الجهيمي عندما حاضر برابطة الأدباء و الكتاب الليبيين مُفاخراً برفع أسعار النفط في حين أن الأمر لا يعدو كونه أحد المآزِق الذي أُستُدرِجَ إليها النظام.

و لا شك أنني اليوم أستشعر الكثير من الرضا حين أتذكر كلماتي تلك إذ كان التصريح بها يمكن أن يُساء فهمه أو يُستفاد منه في مجال السباق  على تبخيس كل ما ساهمَ به كثير من رجال  ما قبل سبتمبر الذين كان من المفروض أن يُستفاد منهم كما تحدث علي عتيقة من خلال حوار دار بينه و بين السيد عمر المحيشي، و هو توجُه لم أكن بمنـأى عنه عقب سبتمبر 69 عندما أُتِيحت لنا فرصة الحديث و شكلنا ذلك التيار الذي تابعه أمثال عتيقة ممن إلتقيناهم و لمسنا منهم الكثير من التقدير.

لقد كانت لقاءاتي مع الرجل محدودة إبتداءً من الأشهر التي تلَت خروجه من السجن حين لم يبخل بالتعبير عن الكثير من الثناء الذي سُعِدت به و آخر جرى في بيت المرحوم عبد الحميد البكوش أثناء بقاء هذا الرجل ببيته و قبل أن يتمكن من السفر لأكثر من مرة و ينظّم بعض شئونه على المهل قبل أن يقرر عدم العودة، و آخر عند عودته عقب السابع عشر من فبراير، و يبقى الكتاب الذي حمل شهادة من أصدق الشهادات و تجربة من أنفس التجارب التي لا غنى عنها لكل من يتطلع إلى معرفة سيِّر الرجال و هم يشقون طريق المعرفة و يُقدمون عصارتها لتُقدم مرجعاً من أنفس المراجع. و ليرحم الله علي عتيقة مكافحاً و عالماً و إنساناً  لا يتنفس سوى الصدق و لا شيئ غير الصدق، و إذا كان قد عَنوَنَ كتابه بالإرادة و الأمل، فإنني أستطيع أن أُضيف إلى العنوان كلمة " العمل "، فيكون عنوان هذه السطور " د. علي عتيقة و الأمل و الإرادة و العمل ". إنتهى

______________________________


محمود المنتصر و دوره السياسي في ليبيا

 

أمين مازن

10-4-2017


ربما يكون كتاب محمود المنتصر و دوره السياسي في ليبيا، الذي تولت نشره و توزيعه دار الرواد الليبية، بعد أن أنجزه الباحث العراقي - على الأرجح - صادق فاضل زغير الزهيري و راجعه الدكتور ظاهر محمد صكر الحسناوي بعد أن أشرف عليه كرسالة جامعية، بصدوره في ليبيا خلال هذه الظروف غير المناسبة قد جاء في غير وقته المناسب بكل ما في هذه الكلمات من معاني. فالعمل الذي حمل هذه الدراسة المهمة لهذه الشخصية الأكثر من مهمة، يتعذر عليه أن يجد من الرواج ما يتفق مع موضوعه، و من أسباب الإنتشار ما يتفق مع الجهود التي بُذِلت لإعداده. فالمنتج الثقافي المُعد لأصحاب الإختصاص حين لا توجد الظروف المناسبة لإقتناء الكتاب فإن حظ مؤلفه و ناشره لا يمكن إلا أن يكون غير حسن. فلا الأحوال الإقتصادية تشجع على الإقتناء و لا وسائل الإعلام تُقيم وزناً لما يزخر به التاريخ من كنوز المعرفة، و لا الوسط الإجتماعي يحفل كثيراً بما يشكله الماضي من دواعي إستشعار السعادة، و إلا فإن مثل هذا الكتاب بما يختص به من تاريخ المرحلة و الشخصية و المحيط، جدير بأن يُطبع المرة تلو المرة لمجرد ظهوره للأسواق، فلا يقف مردوده عند تغطية مصاريفه الضرورية و إنما يدر المردود المُجزي للمؤلف و الناشر بكل أريحية ليواصلا السير نحو الأفضل، و لكن الواقع المحزن الذي جعل لا صوات يعلو في حياتنا معشر الليبيين فوق صوت الرصاص و لا رائحة أكثر من رائحة البارود و لا قدرة إقتصادية يمكن أن تسمح للخاصة فضلاً عن العامة لما يتجاوز الكفاف، فإن وجد من ينشغل بالفكر فليس أكثر من الأيديولوجيا التي لا تسأم إحتكار الإنتاج و التسويق، مما لا يدخل ضمن أولويات الكتاب الثقافي في شقيه التاريخي و الإبداعي و بكل المقاييس لن يكون للمنشغلين بالكتاب من المقدرة ما يدفعهم للإقبال على الكتاب.

و كيفما كان مستوى التعاطي العام مع الثقافة و المثقفين، فنحن الآن أمام كتاب بالغ الأهمية بما تصدى له مُعِدُّه من محاولة نفض الغبار عن مرحلة من أخطر مراحل التاريخ الليبي و شخصية من أهم الشخصيات التي تمثل من يوصفون بجيل الآباء المؤسسين الذين نهضوا بمهمة بناء الدولة الليبية خلال القرن الماضي الذي شهد أوله مولد محمود المنتصر موضوع الكتاب و مراحل تكوينه و من ثم دوره، و لم تأتِ سبعيناته إلا و هو يلقى وجه ربه داخل جدران السجن و لا يتوصل أهله بنبأ وفاته إلا بعد يوم و بعض، مع ثلاث جمل من ذهب سطرها الصحفي الراحل جمعة نصر الفيتوري على صدر صحيفته الهدف "نحن نعلم يا محمود أنك كنت نظيف اليد و القلب و اللسان" و لست أدري كم من الناس الأحياء يذكرونها حين نُذكرهم بها، نعم في أول القرن ولد محمود المنتصر و في مطلع عشريته الثانية أُحتُلت البلاد من قبل إيطاليا عندما بلغ العجز التركي مُنتهاه و لم تبقى سوى سواحل ليبيا تعلوها الراية التركية التي طالتها الرياح على كل المستويات، ليبدأ في تلك الأيام الدور الإيطالي إنطلاقاً من التنازل التركي فيتمكن الطليان من إحتلال الشطوط على طولها و تنطلق المقاومة على أكثر من صعيد و بأكثر من رؤية، و تكون الزعامة في الغالب لطبقة الموظفين القائمين بإدارة شئون البلاد و رئاسة الأقاليم و القبايل، ليكون آل المنتصر على صلة بالكثير مما يجري و تدعوهم - شأن غيرهم في محيطهم الصغير و الكبير - إرتباطاتهم و مصالحهم إلى إتخاذ ما يتراءى لهم من المواقف و يكون من ثم إصطدامهم مع نظرائهم في الجاه و السلطة ما يُعرض بعضهم للقتل لتأتي من ثم ردة الفعل الطبيعية للإحتماء بمن يرون فيه إمكانية المساعدة فينشأ محمود المنتصر وسط هذه الظروف مُجتمعة فيتكون أولاً و يبدأ مشواره و يتمدد دوره و يأتي هذا الكتاب.

تجاوزت صفحات الكتاب ثلاثمائة صفحة، قُسّمت إلى أربعة فصول رئيسة و خاتمة مع تقديم للأستاذ المشرف و ملَاَحق جمعت المصادر و المراجع تمثلت فس عديد الدراسات الحديثة و الوثائق الرسمية و التقارير الدولية و الصحف و الدوريات و المجلات و بعض المراجع الأجنبية، على رأسها فصل كامل للتعريف بالجذور العائلية لآل المنتصر و مكونهم الرئيس المُتمثل في قبيلة الكوافي إحدى قبايل الأهالي بمصراتة و هو المقابل للكوارغلية، و هو التقسيم الذي إليه أخر تنظيم إعتمده الإيطاليون تعويلاً بلا شك على المسح الميداني الذي أعَدَّهُ الباحث أوغوستينو في عهد الوالي فولبي، عندما شهدت الإدارة نوعاً من الإستقرار المُحتكم إلى المنهج العلمي و هو تمهيد يبين المنزلة الخاصة التي بلغتها أسرة المنتصر عامة، و عمر باشا على نحوٍ خاص بإعتباره أول من إنتزع زعامة قبايل مصراتة من أسرة الأدغم الشهيرة و التي ظلت قبل بروز آل المنتصر تتبوأ مقعد القيادة.

و تؤكد المرجعيات التي إستقى منها التمهيد أحكامه أن الزعامة المُنَوّهْ عنها قد نشأت من خلال الجمع بين الدين و الدنيا، أي أنها في الوقت الذي تتجلَّى في عديد المناصب التي تولاها أكثر من جد في آل المنتصر من خلال إنخراطهم في المسئوليات الإدارية الرئيسة لأكثر من مدينة حتى بلغت العجيلات غرباً و ما جاورها، و لا سيما عمر باشا المذكور والد أحمد ضياء الدين و شقيقيه سالم و عبد القادر و هذا الأخير جمع بين السياسة و التجارة و الشعر الشعبي المميز كما تشهد مراسلاته مع معاصريه، فيما تؤكد الوقائع أن مقتل أبو القاسم المنتصر أثناء الصراع السياسي الذي شهدته مصراتة و الذي لم يكن أبناء المنتصر يحملون فيه السلاح على خصومهم قد فرض عليهم نوعاً من التواصل مع السلطات الإستعمارية من باب الدفاع عن النفس و إتقاء المزيد من الشرور، إلا أنه لم يكن بدعا بقدر ما كان جزءً من خيار رجّحه الكثير من متصدري المشهد السياسي الليبي و هم يناقشون الموقف بشكل جمعي مُرجحين فكرة التعاون اللهم إلا ما إنفرد به السيد محمد عبد الله البوسيفي، و هي مرحلة لم يكن لمحمود المنتصر وجود فيها بحكم السن، إذ ما لبث أن أُوفِدَ إلى إيطاليا قصد الدراسة الجامعية و هو ما هيأ له ضمن ما هيأ التعرف على السيد إدريس عندما زار إيطاليا بدعوة من الحكومة الإيطالية كأمير، و أُلتُقِطَت له الصور بالملايس الأوروبية، و هي الصورة التي نشرها الشيخ الطاهر الزاوي في كتابه الشهير "عمر المختار" الذي ألفه في المهجر المصري تحت إسم مستعار هو "أحمد محمود" و رد علي الشيخ الأخضرا العيساوي و كذلك الشيخ محمد بن عبد الملك، لقد كان الهدف من نشر الصورة المشار إليها الإساءة للسيد إدريس في حين إعتبرها بعض المراقبين دليلاً على التفتّح المبكر لذلك الرجل المُتحضّر و عندما عاد محمود المنتصر من رحلته التي دامت وقتها الضروري بمدينة روما مُنهياً دراسته الجامعية، بدأ سيرته العملية التي إضطلع فيها بإدارة أوقاف طرابلس و مدرسة الفنون و الصنايع و غيرهما من المرافق التي مكنته من تحقيق المكانة المرموقة كواحد من وجوه المدينة الذين يُشار إليهم بالبنان، فكان لا مناص من أن يُسهم في عديد الأنشطة الرسمية و البروتوكولية شأن نظرائه في المكانة العلمية و الإجتماعية.

ِِكانت السلطة قد إستقرت لإيطاليا طبقاً لأحوال السِلم العالمي، إذ بإستثناء حرب الحبشة فلم يكن هناك أي حرب في العالم، كما أن الرأي العام الليبي مُعبأ ضد أثيوبيا لوجود أعداد كبيرة من أبنائها و من حولها أثناء الحرب الليبية الإيطالية، مما جعل الكثير من الليبيين ينظرون إلى محاربة إيطاليا لأثيوبيا و كأنها فرصة للثأر مما لقيه الليبيون، كما أن الوعود المعسولة التي لوَّح بها الإيطاليون دفعت الكثير من شباب ليبيا في تلك الأيام إلى الترحيب بالزعيم الفاشي مما جعل من المنافسين في وقتٍ لاحق و بالذات أولئك الذين غادروا البلاد عقب الحرب فإدَّعُوا ما طابَ لهم أن يدَّعوا إزاء الموجودين بالداخل، ممن كانت مواقفهم تجاه المستعمر أكثر إيجابية و معاناتهم أكثر ألماً، و مع ذلك لم يجدوا من الإنصاف إلا ما قلَّ أصحابه، و من العتب إلا ما كبُر حجمه، من الذين كان تنازلهم أكبر، و تقصيرهم أسوأ، كما هو الحال بالنسبة لمحمود المنتصر، الذي لم يتردد في مغادرة البلاد لمجرد توفر الفرصة المناسبة، ليكون في مقدمة المبادرين بالتحرك في سبيل عمل ليبي مُوحَد عندما كان في مقدمة من تواصل بالسيد إدريس و دعوته إلى الحيلولة دون إنقسام الصف الوطني و الحذر من المشروع البريطاني الرامي إلى تشجيع برقة على القبول بكيان قزم يقسم الصف و ينخدع بالإستعجال.

لقد بذل محمود المنتصر في غضون ذلك التاريخ الكثير من الجهد و الكثير من الصبر في سير تلك المعركة المريرة التي تُوِّّجت بإستقلال البلد، لما في تلك الصيغة من مواءمة بين مصالح الحلفاء الخارجين من الحرب منتصرين و المُتصدين لاحقاً للمد الشيوعي، و الشعب الليبي المحتاج لقوت يومه ناهيك عن إقامة دولته، مما جعل الدخول مع الطرف الأوروبي في معاهدات تُنظم العلاقة و تسمح بوجود بعض القوات العسكرية شرطاً لا مهرب منه، فكان أن أقدم محمود المنتصر بوصفه رئيس حكومة الإستقلال على إبرام المعاهدة المشار إليها بشروط بَذَلَ الكثير من الجهد أن تقوم على الحد الأدنى من الخسارة، معاهدة قبلت بها الأغلبية و لم تعارضها سوى الأقلية التي ليس لديها البديل الأفضل اللهم إلا التهريج الإعلامي المرتفع بعديد دول المحيط لحسابات تخصهم و مشكلات تعود عليهم أكثر من غيرهم، معاهدة أقرَها أول برلمان تم إنتخابه في إقتراع ليس في المستوى المثالي من النزاهة و لكنه ليس مُزيفاً بالمطلق، و كل مراجعه لقائمة الأسماء التي شُكِّل منها ذلك المجلس تؤكد أن الذين نالوا العضوية ليسوا نكرات في بلدانهم، و لعل محاضر الجلسات المدونة و المحفوظة أيضاً تشهد بوضوح على مستوى الأهلية، كما أن ما إنتهجه محمود المنتصر من حرص على إحترام الدستور و على دعوة القصر بعدم التدخل في شئون الدولة و وجوب تقييد الملك بمشورة رئيس وزرائه في كل ما يخص الدولة كما ينص الدستور في مادته الخامسة و الثلاثين تؤكد أن محمود المنتصر لم يكن مجرد رجل مُتطلّع إلى السلطة أو حريص على البقاء فيها و لو من دون إختصاص، فقد كان مثالاً للمسئول المُصرّ على ممارسة صلاحياته كاملة غير منقوصة بدليل أنه لم يتردد في إعلان تبرّمه من إقالة والي برقة و طرابلس، على الرغم من أن الأول كان مثالاً للتعنُّت و الموقف المُتصف بالجهوي فيما كان البديل للثاني مُتمثّلاً في إبن عمه الصدِّيق المنتصر، فلم تَعرِف القرابة نظر محمود المنتصر عن السر الحقيقي لذلك الإختيار و الذي لم يكن إلا لما عرف عن الصدِّيق من جموح للسلطة و إنحياز للخاصة الملكية على حساب الحكومة، ومما لا شك فيه أنه أدرك طبيعة النظام الذي يتطلّع الملك إلى فرضه في البلاد و هو الإمساك بالخيوط كاملة إن عن طريق الديوان الذي يرأسه السيد عمر شنِّيب الذي تربطه بالملك صلة العمل منذ سنين الإمارة أو إبراهيم الشلحي الذي عاشر الملك منذ نعومة أظفاره و قُربه إلى الدرجة التي طالما أثارت حفيظة أقرب الناس إليه و هو السيد الصدِّيق الرضا المُتصف بالكفاية و العلم و العقل الراجح، الأمر الذي لا يتفق و رؤية المنتصر و غير المنتصر من الذين لم يتجهوا إلى إعتماد الملكية الليبية إلا و هم يضعون نُصب أعينهم الشكل الدستوري الذي يحدد الصلاحيات و يُنطها بالحكومة فيما يكون دور الملك ترشيدي و هو مالم يرُق لإدريس كشخص له من الأتباع ما لا حصر له في عموم البلاد، و له نظرته الحاصة لبرقة و رجالها تحديداً فهو و الحالة هذه يعز عليه القبول بفكرة الدولة و الدستور و الصلاحيات و حتى الإتفاقيات التي طُرِحَت أمامه منذ المناداة به أميراً ثم ملكاً و ببيعة محصورة في شخصه و أبنائه من بعده، و ليس أبناء عمومته، و هو ما لم يتردد في الإخلال به منذ إعتماد السيد الرضا ولياً للعهد بواسطة مجلس النواب الذي حدد الدستور صلاحياته في عرش يعلوه الإدريس و أبناؤه من بعده، و هي على أي حال البداية الأولى لجميع ما عانت منه البلاد بعد ذلك العديد من المشكلات و الأحداث الخطيرة و لا سيما إغتيال إبراهيم الشلحي، و نقل الحكومة إلى البيضاء على الرغم من أن الدستور يعتمد بنغازي و طرابلس فقط.

لقد قدم محمود المنتصر إستقالته من رئاسة الحكومة، ليخلفه أحد وزرائه "محمد الساقزلي" و إبن جيله بالضرورة، و ربما صِنوه في نظافة اليد و التمسك بإحترام الدستور و حكم القضاء، فكان أن جاء من هو أكثر شراهة للسلطة و تغيرات المرحلة هو المهندس بن حليم الذي قضى أطول فترة في الحكم و أبرم الإتفاقية الأمريكية و ألحقها بالفرنسية و الإيطالية، و عاصر أزمة إغتيال الشلحي و صلافة عمر باشا الكيخيا بعدم تعزية الملك فيه لتسهل إزاحته من رئاسة الشيوخ في غياب السبب الحقيقي الذي هو المعاهدة الأمريكية، فيأتي البديل متمثلاً في السيد محمود بوهدمة الذي لا يُظاهى في الإستقامة و لكنه لا يُقارَن بعمر الكيخيا في قوة الشخصية. لقد إعتمد بن حليم في تمرير المعاهدة الأمريكية بالنسبة لمجلس النواب على والي طرابلس الصدِّيق المنتصر، و لكنه ما لبث أن تبنّى فكرة إزاحته ليشغل سفيراً بمصر ليحد من نشاط الطلبة، ليُصار إلى إستخلافه بالسيد جمال باشا آغا و من ثم إنتخاب السيد الفيتوري السويحلي لمجلس الشيوخ فتتحرك التيارات المعادية لآل المنتصر بمصراتة، إذ خرج محمود "موضوع الكتاب" من البلاد و أُزِيح السيد مختار المنتصر من كبير مُتصرفي المقاطعة الشرقية، و فقد مصطفى عضوية مجلس النواب بإنتهاء مدة المجلس، غير أن ما تمكن محمود المنتصر من إنجازه كرئيس للوزراء و في نظافة يد رافقته حتى رحيله من الدنيا و هو رهين السجن، و هو ما فصلت فيه الدراسة و مراجعها المُوثقة على أكثر من صعيد. لقد تنقَّل محمود المنتصر بين سفارتي ليبيا في بريطانيا و إيطاليا، و إشترى لكليهما مقراً من أحسن و أثمن المقرات إلى أن نُودِيَّ به مرة أخرى لرئاسة الوزارة خلفاً للدكتور محي الدين فكيني الذي تزامن عهده مع إنتهاء مدة معاهدتي بريطانيا و أمريكا، و كان مُصرّاً على عدم تجديدهما خلافاً لرغبة الملك الذي يرى في وجودهما الضمان الوحيد للإستقرار و كذا إنتهاء مدة مجلس النواب فكان لا مناص من إجراء الإحصاء العام و إعادة النظر في عدد أعضاء المجلس بما يتفق مع الدستور الذي يقترح لكل عشرين ألف نسمة نائباً واحداً أو كسر هذا العدد، و قد أُجرِيت الإنتخابات يومئذ بوقف مُسبق تجاه العناصر المتطرفة في مواقفها المعادية للغرب، و لكنها في ذات الوقت لم تحل دون تشكيل مجلس ضم الكثير من الأسماء التي لا تفتقد التجربة و لا تخلو من الطموح السياسي، فلم تقبل من الحكومة مجرد السماح لها بعضوية المجلس و هي التي ضمت عناصر كان لها دورها في إسقاط الدكتور فكيني الذي ناصب جميع سابقيه العداء فهي و الحالة هذه تريد مشاركة في السلطة بما فيها رئاسة مجلس النواب التي رآى محمود المنتصر إسنادها إلى الشيخ سالم القاضي، فبدا و كأنه حاباه لأسباب جهوية، و كان أن حُلَّ المجلس بدعوى تذمّر المواطنين من الإنتخابات، و الصحيح أن العهد غدا يُراهن على الضعفاء بحيث جاء المجلس على نحو لا يضاهى في الضعف بل و مُنعت المرأة من الإنتخاب مع أن الدستور يعطي هذا الحق. لقد أُجريت الإنتخابات بعد قبول إستقالة المنتصر، و يجيئ حسين مازق مع الإبقاء على وزير الداخلية فاضل الأمير و الوكيل مصطفى الأصفر واكمل لهما العملية الإنتخابية و ليشغل محمود المنتصر في إطار التوازن على ما يبدو منصب رئيس الديوان الملكي، خاصة و أن السيد علي الساحلي كما يؤكد أكثر من مصدر لم يعد مستريحاً لسوء أحوال السلطة الليبية، غير أن إسناد هذا المنصب لم يتبعه أي مشاركة في المسئولية اللهم إلا التواصل مع أدريان بلت بشأن مشروع الدستور المُقترح لليبيا غير الملكية و قد تردد يومئذ أن مجلساً رئاسياً قد تؤول إليه السلطة العليا في البلد سُميَّ له كل من خالد القرقني، مصطفى بن حليم، عمر سيف النصر، محمود بوهدمة، إلى جانب محمود المنتصر، و هو ما إستدعى ذلك الحراك الذي تصدى لرفض الفكرة و التوجه إلى الملك بطبرق، هو حراك دعا إليه حسين مازق من موقعه كرئيس للوزراء و زعيم قبيلة البراعصة التي تجاهلها التشكيل المقترح و مثل ذلك العبيدات و العواقير، إلى جانب تجمعات بشرية أخرى فكان أن شارك تيار الرفض الكثير من شخصيات البلد المعروفين ممن حشّدهم أمثال محمد عثمان الصيد و يونس بلخير و بلقاسم العلاقي و نوري بن عرسة و الطاهر العقبي و أحمد الحاج علي و القائمة أكثر من أن تُحصى. و مع أن الفكرة أُستُبعِدَت في الظاهر إلا أنها أعطت مؤشراً أن مستقبل الملكية ليس على ما يرام، خاصة و أن الملك قد أعلن لجماهير المحتجين أن نيته هذه ليست الأولى و لكنها تعود إلى أول وزارة شكلها محمود المنتصر نفسه، فبات واضحاً أن للأمر علاقة بمسألة ولاية العهد من الأساس، و التي كانت قد برزت عقب الإستقلال مباشرة. عندما كتب الملك وصيته التي وضعها في مظروفين مختومين بالشمع الأحمر، إحداهما للنواب و الأخرى للشيوخ إلى أن عاد مرة أخرى و أعلن إسم شقيقه محمد الرضا بعد أن وافق على ذلك المجلسان مع أن الدستور قد حصر المَلَكِية في إدريس و أبنائه من بعده كما قررت الجمعية الوطنية و ما من سبيل لتعديل الدستور بدون الإستفتاء العام على الأرجح بصدد العرش بعكس النظام الإتحادي الذي يشترط موافقة المجالس التشريعية وهو ما تم في عهد فكيني عند إلغاء النظام الإتحادي و إعلان الوحدة و تسمية المحافظات العشر.

و إذا كان من يتسنى له الإطلاع على هذا الكتاب سيقف على المكانة المرموقة التي تحققت لمحمود المنتصر عن جدارة، من خلال المحيط الذي إنحدر منه قبيلةً و أسرةً و التكوين الجيد الذي اتبع في تنشئته بدءً من طفولته و إنتهاءً بدراسته الجامعية و دخوله البلاد من أوسع أبوابها، و يكبر بالتالي الجهود المخلصة التي بذلها في معركة تأسيس الكيان الوطني، وسط ظروف غاية في الصعوبة، و ضغوط بالغة الشراسة، كان فيها مثال للصمود و الصبر و سلامة الذمة، و لا سيما إصراره على الإستقالة عشية إصطدامه بتدخل مراكز القوى التي طالما أثّرت في قرارات الملك، أو سخّرَها هو لمضايقة الحكومة و يلتمس له العذر في قبوله للعمل الدبلوماسي بلندن و روما عقب خروجه من رئاسة أول حكومة، فإنه لن يكون كذلك بشأن قبوله الحكم للمرة الثانية و من ثم إستقالته، هذه التجربة التي خاضها بعد سنواتٍ عشر، و قد تجاوز الستين من العمر و أضاف إلى تكوينه الأول و خبرته الأولى عندما حمل الأمانة من جديد، ليرأس الحكومة في ظروف ليست أقل سوءً من سابقتها و إن إختلفت نوعيتها و إمكانية التغلب عليها، إذ بقدر ما كان حصيفاً و هو يرفض التمديد و التجديد للمعاهدتين كي لا يكون رجل المعاهدات، إلا أن بقاءه على رأس الديوان الملكي من دون أي مشاركة ملموسة في المسئولية أو إستشعاره للجدوى من هذا البقاء في واقع كله فساد و وسط كله صراع دون أن يلفت نظره ما كان يتفشى في المحيط من نهم خلف المال و المكاسب و مظاهر الغنى التي بدأت تسود الحياة العامة و تُنذِر بقرب إنهيار النظام، حتى أنه لم يتردد في مصارحة لزواره من السفراء الأجانب عن ضيقه من تدخلات الملك في شئون الحكم الأمر الذي لا ينسجم مع نصوص الدستور و شروط الحكم الذي لم تكن بريطانيا و أمريكا بمعزل عن أسس تكوينه، فالموقف الطبيعي أن يقطع صلته مع ما كان يرفض بكل القوة و العزم، و قد كان من الممكن أن يعزي مثل هذا الموقف لو كان لمحمود المنتصر أو أبنائه إنشغال بالمال أو أي نشاط يزين ما سوى الإبتعاد و ليس هذا الموقف الحائر فلم يُحقق الإستفادة المُغرية و إنما البقاء على هذه الوضعية التي تجعل صاحبها بعيداً عن الربح و قريباً ربما من الخسارة، كما لو كان موظفاً في مقتبل العمر و ليس سياسياً قضى يومئذ أكثر من نصف قرن، و يستقبل ما لا حصر له من الدبلوماسيين المُتنفذين القادرين على إسداء الفصح و توفير المعلومة المتعلقة بمستقبل النظام و لا سيما تلك الرحلة المُريبة التي أقدَم عليها الملك و التي حفّزت عديد المسئولين السابقين على ترك البلاد في تلك الصائفة ليبقى كلٌ منهم حيث هو، حتى جرى ما جرى في ذلك الفجر بل و منهم من حاول التحرك، صحيح إن اللذين أدركتهم الأحداث كان منهم من دخل في حوار مع الملك المُصر على عدم العودة و ربما كان ينتظر تدبير آخر بمعنى أن محمود المنتصر الذي قام بكل هذه الأدوار ظل في النهاية بمعزل عن كل ما كان يجري فالكتاب و الحالة هذه قدّم الكثير من الحقائق عن هذا الرجل من حيث الإستقامة و لكنه لم يقدّم شيئاً عن إستشراف المستقبل، و إذا كان زهده في السلطة يُعلِّي من شأنه على الصعيد الشخصي، فلا شك أنه لن يكون كذلك حين يجرى تقويمه على الصعيد العام، و تبقى مسألة إبعاد السعداوي عقب الإنتخابات فلا شك أنها تمَّت بأمر إدريس شخصياً و قد حملت أوراقه الخاصة قوله لن أثق في السعداوي، أما الذي عارضها في مجلس الوزراء فهو إبراهيم بن شعبان الذي خاطب محمود المنتصر بقوله " خلِّي حد يقول لإدريس لا في البلاد "، و عندما وافق الجمع على قرار الإبعاد أردف معارضته بقوله "والله إلا ما تكون باشكاتب مع إدريس و حنى موظفين معاك" و كان إدريس قد زار طرابلس و هو ما يزال أميراً و تم إستقباله و كان في طريقه لبريطانيا ربما و قد خاطب الحاضرين بقوله الذي ردده الكثيرون "أشكركم و أشكرهم و سأبلّغ أمانيكم إلى الحكومة البريطانية" و لا ندري من أين جاءت رواية المشيرقي القائلة بمنع السعداوي من حضور العشاء ببيت المنتصر، إذ لم يرددها غيره، و الأقرب أنها أُلغيت بعد إلقاء القنبلة على الموكب في أكثر من شارع و إتهام شباب المؤتمر بالفعلة، فلا غرابة أن يقصر مجيئ إدريس إلى بيت المنتصر على الأمير. و قد تكون مجرد إشاعة لأن رواية واحدة لا تصلح حُجة للإدانة كما و لا البراءة أيضاً، و الله أعلم.إنتهى

_______________________________


علي ابوزقية بين المتن والهامش

أمين مازن


يعتبر صدور مجموعة فريق النجدة للكاتب الليبي الراحل والأستاذ على أحمد أبوزقية ، ضمن منشورات الدار العربية للكتاب " المشروع الثقافي الليبي التونسي " الذي تأسس في مطلع سبعينات القرن المـاضي كي يكون صيغة من صيغ التعاون بين البلدين الشقيقين ، واقتضت حكمة وزيريها المكلفين بالشأن الثقافي يومئذ الشاذلي القليبي وأبو زيد دورده ان تكون إداراته مناطة بالأديب الليبي الكبير خليفة التليسي . لما عرف عنه من المقدرة الثقافية والإدارية والحماس للعمل المغاربي . . . يعتبر نشر هذه المجموعة واحدا من المؤشرات على ما تحقق في هذا السبيل من حيث استثمار هذه الفضاءات لصالح أولئك الذين كثيرا ما تم إقصاؤهم او تعطيل دورهم وطنيا أو قوميا ، لهذا الدافع او ذاك . كما يتضح من مجموعة فريق النجدة هذه ، وقائمة المنشورات المدونة على صفحة الغلاف التي ذكرت لكوكبة من المثقفين العرب الذين مثلوا أكثر من ساحة عربية وكان لهم دوما حضورهم المميز وموقفهم المشرف شأن على أبو زقية ذلك الوجه المشرف في التاريخ الليبي المعاصر وتجلياته الثقافية والسياسية . بما أثبته من حضور لافت جمع فيه بين العلم والعمل عبر انخراطه في ذلك المشهد من خلال الوسط الطلابي الذي أزدهر في القاهرة ، ومن خلال صيغة عملية تمثلت في نادي الطلبة الليبي في أواخر الأربعينيات وأوائل الخمسينيات ، وكان أبو زقية احد الذين ترأسوا مجلس إدارته وأفلحوا في تطوير أدائه والتوسع في نوعية اهتماماته ومضاعفة دوره كما تشهد بذلك أدبيات ذلك النادي وأخبار مواسمه الثقافية ووثائقه المطبوعة . بأن رسالة النادي الليبي كانت مكرسة للشأن الليبي في محيطة العربي وافقه الإنساني وفي مقدمتها السياسات الرجعية ومفرداتها المتمثلة في الأحلاف الأجنبية غير المتكافية وعلاقات الإنتاج الظالمة بين العمال وأرباب العمل والقبول بنظريات الاستعمار التي كانت تسعى الى إبقاء الوطن العربي ليس أكثر من سوق للاستهلاك ، الأمر الذي كان من نتيجته أن بادر الكثيرون بالتطوع في معركة قناة السويس عشية العدوان الثلاثي فكان علي أبو زقية في مقدمة الذين نهضوا بهذه المهمة ، وقبل مهمته تلك لم يتخذ من بروزه وتألق أسمه سبيلا للاستفادة الشخصية سواء على هيئة التسلل للاختصاص الذي لا تؤهله لـــه درجاته او طبيعة تحصيله ، او باستثمار الوجاهة الناتجة عن النشاط النقابي لجهوية مخجلة او مصلحة صغيرة ، فقد كان همه الأول والأخير منصرفا نحو المعرفة الأبقى والموقف الأسلم والأشراف ، ومن هنا كان تفتحه اللافت في مجال المعرفة ومجال التطور والقدرة على الالتزام المبرأ من الإدعاء الأمر الذي جعل أجهزة الرصد المصرية الليبية تتفطن الى أهمية دوره وخطورة خياره بالنسبة لمصالحها ، فلم تترد في العمل على تهميشه والحيلولة دونه ودون أي سبب من أسباب التقدم المفيد ، ففي مجال الدراسة وبعد أن أنجز دبلوم الدراسات العليا استعداداً للدراسة العليا بالولايات المتحدة الأمريكية وجدناه مستبعدا من الإيفاد ، وفي مجال العمل نراه وهو المؤهل في مجال التربية يوجه من طرف الدوائر المختصة بالتشغيل للعمل بمصلحة البريد حيث لم يكن في انتظاره سوى استلام مرتبه في موفى كل شهر وليس له من أمل في القيام بأي دور ، ويومئذ لم يبذل الرجل أي جهد لا قناع أصحاب القرار بضرورة العدول عن موقفهم وذلك بالاستفهام عن المطلوب منه او الاستعانة بأي من ذوي النفوذ وما أكثرهم ، ولكنه على النقيض من ذلك سارع بتكريس المتوفر من وقته للنشاط الثقافي والعمل الاجتماعي ، فكانت مقالاته المشتبكة بالواقع والمصطدمة بما كان يشهده من تخلف ، وكانت محاولاته الجسورة في مجال تنظيم الحركة العمالية وبث الوعي المعادي للدوائر الاستعمارية وهيكلها المتمثل في اتحاد النقابات الرسمية ، وكانت مقالاته الأدبية المنتصرة للأدب الملتزم والتعريف به من خلال الإنتاج القصص المتوفر ومثله الشعري وكان له أيضا إسهامه في المدونة القصصية ، وما تزال مجموعات الصحف والمجلات الصادرة في تلك الأيام مثل الرائد والمساء وفزان والرواد تزخر بالكثير من كتابات على أبو زقية ، ومثلها الردود التي وجهت إليه ولا سيما تلك التي نشرت على صفحات الطليعة لسان الاتحاد الوطني لنقابات العمال وحتى عندما بدأت المتغيرات الاقتصادية تستدرج الأجيال التي وفدت بعد تأهيلها الدراسي العالي نحو النشاط الخاص وما في حكمه ، لم يفكر هذا الرجل او يبذل أي محاولة للابتعاد عن المجال الثقافي إذ كان من رأيه لمن استنصحه في عمل خاص متمثلا في إنشاء مكتبة صغيرة أطلق عليها مكتبة الفكر تيمنار بما بدار الفكر التي ازدهرت في مصر وكان لها دورها المعروف في نشر الفكر الاشتراكي في ذلك الزمان وكان علي أبو زقية قريبا منها والطريقة التي أديرت بها ، ذلك أن نادي ليبيا بالقاهرة كان جبهة وطنية بكل ما في الكلمة من المعاني ، وكان فضاء لفرز الذين يرون في التعليم سبيلا للثقافة الوطنية والعمل الملتزم ، وسواهم ممن لم تكن الدراسة تعني لهم سوى الحصول على الشهادة والدخول الى سلم الوظيفة والرهان على الكسب الشخصي والتسليم بنظرته ليس في الإمكان أحسن مما كان .

حملت المجموعة في طياتها سبعة عشرة قصة متقاربة في الطول وأسلوب الكتابة تتصدرها سطور لا يزيد عدد كلماتها على المائة عرف من خلالها الكاتب بدراسته وخبرته وإعادة عن مجالات نشاطه الاجتماعي وحضوره الوطني وإيماءات عن رحلة القصة القصيرة عامة وإسهامات الأستاذ أبو زقية الشخصية خاصة ، إذ من خلال المتن يتيسر الوقوف على عمق الأسئلة الجادة التي مثلت انشغال فئة لا بأس بها من الوطنيين الليبيين الذين رأوا في الأدب خير وسيلة للتواصل مع الناس ودفعهم نحو ما يمكن أن يأذن بتطوير واقعهم وحشدهم لتبني كل ما من شأنه أن يصون مكتسباتهم وتخليصهم مما كان يدبر لهم من خطط حاولت التمكين للسكونية وإفراغ الحكم الوطني من كل محتوى حقيقي فكان هذا النوع من القصص الذي أنجزه قلم على أبو زقية وأمثاله في فترات متلاحقة فحفظ لنا مجموعة المراجع ، حيث نلحظ قوة المعاناة وحرارة التأمل وصدق الحكي عبر شرائح أفلح هذا القلم في انتقائها وحسن توظيفها على نحو ما نرى في تجربة (( الوبار )) أحد العاملين في مجال الفلاحة وتحديدا في تلقيح النخل وقطعه وبين التلقيح والجني الذي يطلق عليه القطع رحلة طويلة من العمل الشاق أما المردود فليس أكثر من العشر 1/10 عليه ان ينتظره عند نهاية الموسم فإذا ما دفعته الحاجة وهي دائما ما تدفع فان ذلك سيــكون متمثلا في الاقتراض ويقتضي سعر يحدده المالك غير الرحيم ، بل وفي استغلال يكاد أن ينتهي حياته .

(( ولم يجد الحريري بدا أمام إصرار الحاج من جمع ما تبقى لديه من جهد ضعيف لمواصلة ركوب النخل وإنزال ما فيه من رطب رغم أن يديه وأسنانه كانت تصطك من شدة البرد ورجليه ترتعشان من ثقل قفة الرطب التي يصارعها بين ركبتيه في قمة النخلة التي كان ينقلها ولم يتبقى بها إلا عرجون خفيف لم يستطع اللحاق به لارتفاعه في أعماق تلك النخلة ، فيئس من الوصول إليه . وهم بزحزحة القفة المليئة بالبلح لينزلها الى الحاج الذي صرخ فيه مؤبناً :

لماذا يا حريري تركت ذاك العرجون زايد علينا وإلا كيف ؟

لا لا أنت كبرت يا حريري خلاص عليك لم تعد قادرا على الخدمة وإلا كيف عرجون بلح يغلبك .

فارتعدت فرائص الحريري عندما قال الحاج خلاص عليك . . . أحسن أنه مهدد بالطرد من العمل . تخيل نفسه وقد طرده الحاج من العمل وأصبح شحاذاً في الشوارع هو وأولاده مثل الأسطى محمد !

فهجم بإحدى يديه على ذلك العرجون المندس بين جريد النخلة وأشواكها فناله رغم احتضانه للقفة المليئة بالرطب ، وساعتها أحس الحريري نبئوه الانتصار وتهلل وجه الحاج إبراهيم . . إلا أن رجل الحريري تزحلقت من مكانها ، فهوى على الأرض وسالت الدماء من رأسه غزيرة )).

في تطور أكثر تحمل المجموعة قصة أخرى جسدت مأساة الطفلة معيتيقة الطفلة التي استشهدت في ذلك الزمن جراء سقوط أحدى الطائرات الأمريكية على أحد الأحياء الملاصقة لمطار الملاحة ، واتخذ منها المثقفون الوطنيون الذين يأتي أبو زقية في مقدمتهم رمزاً الإدانة الوجود الأمريكي وقاعدة الملاحة فتحولت المناسبة الى إدانة ذلك الوجود وفضحه أمام الرأي العام العالمي . (( واندفع الناس يتسابقون الى حيث سقطت الطائرة وقلوبهم تتمزق من الألم .

لقد سقطت على بيت الأسطى حسن الذي اندفع مع إخوانه من شباب القرية الى بيته وسط النيران التي أخذت تلتهم ما حولها . وقد تناهى إليه صوت طفلته معيتيقة وهي تصرخ صراخاً تنفذ له الأكباد وقد أحدقت بها النيران منكل جانب كما تلامح زوجته بين الجدران المتهدمة تحفها ألسنة اللهب من كل جانب وهي طريحة على الأرض لا حراك بها )) لتتوالى بعد ذلك اهتمامات المجموعة وتنوع رموزها وشرائح المجتمع الممثلة لها كالقائد الذي وصل ممتلئا الأمل في وجود السانح من الفرص كي يعيش مستفيداً مما لديه من الخبرة والقدرة في بلد حديث الاستقلال ودولة تحتاج الى أمثاله . فإذا به لا يجد سوى الصدور وسوى المزيد من العراقيل التي تحول بينه وبين ما أمل المستقبلة . مما أضطره الى تكرار تجربة الغربة من جديد ، ومثله ذلك الذي أجبرته الحاجة الى البقاء في بيته لفترات طويلة حيث لم يكن له من مكان سوى الطوح ، فظنت ابنة الجيران أن ذلك البقاء كان من أجلها فكانت المفارقة بين تصور الاثنين بل والعجز عن المعني في ما بدأ من الاستلطاف المتبادل ، فإذا ما كان الواقع قد ضاق بوجود النماذج المحلية او ارتأى الثابت لأن ينشد أمله في المستوى القومي ، كانت ثورة الجزائر خير ما يسمح بتخيل اللحمة بين المناضلين عبر وحدة جميلة بين ثورات آسيا وأمريكا الأثينية الى جبال الاوراس حيث اشتعال الثورة وبطولاتها الجبارة وتجاوب الرأي العام العالمي اللافت .

هذا الى جانب التركيز على جملة من هموم الحياة اليومية التي تمثل نتاج المجتمع الذي يسوده الاحتكار وتملؤه الخرافة وتنازلات النقابييس عن خياراتهم الحقيقية وتنكرهم لأولئك الذين تقدموا صفوفهم وأيقظوا وعيهم فكان جزاؤهم أن تجرعوا امرأة جحود الرفاق والتناقض بين النظرية والتطبيق وانعكاس ذلك كله على حياة الكثير من فئات المجتمع وما يمور داخله من صراع بين المفاهيم واصطدام بين المواقف طالت ضمن ما طالت المرآة واحتياجاتها والبطالة وتعقيداتها ، مما كان على رأس موضوعات القصة والقصيدة والحاضرة أيضا في تلك الفترة المبكرة من مولد الكيان الليبي متمثلا في الدولة الوطنية وسط ظروف غاية في الصعوبة ومؤثرات لم تكن خالية من الجنوح نحو ما كان ليس في الإمكان ، مما كان يتبناه ويعمل من أجله أمثال هذا المثقف . حيث الرهان على دور النشاط الاجتماعي وزمالة العمل في تنمية العلاقات الإنسانية ودفعها الى أفاق من المشاركة المسئولة بما في ذلك نجده أكثر انسجاما وأقوى سلامة مما عداه من أجواء أخرى حيث يشيع كل ما هو غير إنساني وتكوين مشاعر الشهيد آخر ما تختتم به المجموعة القصصية حين لا يجد ذلك المناضل الذي أقعدته جراحه سوى فرسه بعد أن أبلى البلاء الحسن لكنه عجز في نهاية المطاف :

(( هذه أخرتك يا عبد العاطي تموت وحيداً ، كان مالي أنا ومال المقاومة السلطة وحدي ما دام الناس راضين . أنا وكيل آدم على ذريته ها هو عندما صح الصحيح تخلو عني . السلطة تطاردني من مكان الى آخر وهو يتفرجون كأن الأمر لا يعنيهم أبداً . . ها أنت أصبحت مطارداً من السلطة ومنبوذاً من الناس أيضا . صحيح ربما هم يحبونني في قلوبهم ولكن ما أدراني ربما يحبونني ويجارون السلطة في كراهيتي . . حتى الجهاد تجاهلوا دعوتي إليه . . لا حول ولا قوة إلا بالله . . حتى الجهاد فيه متاجرة وفيه احتكار )) .

نعم أن هناك في المجموعة ما قد يسوغ القول بأن الكاتب قد سخر بعض نماذجه القصصية . أو مخلوقاته . كما يعبر الأستاذ يوسف القويري ، للتبشير بما يراه حول مختلف القضايا وعديد المشكلات ، وان ذلك قد جاء في بعض الأحيان على حساب دواعي الفن ، وذلك حين تقرأ المجموعة بالمقارنة مع ما تزخر به المدونة القصصية الليبية التي تتوالى نشرها أثناء السنوات التي نشرت مجزأة أو مجموعة . يبد أن هذا القول قد لا يعمد كثيراً عندما نضع في الاعتبار جملة من الملاحظات ، ليس فقط من حيث الفترة الزمنية التي أنجز فيها أبو زقية نصوصه عن الخمسينيات والستينات وإنما بطبيعة الكاتب نفسه كواحد من الذين شغلتهم مسألة التوعية الفكرية ومحتواها السياسي تحديدا وعلى خلفيته ما حفلت به من جهود ملموسة في مجال الصياغة الفنية قبل أي شيء آخر . إذا أن كل الاستهلالات التي افتتحت بها القصص لم تخالف شروط الحكي وقواعد القص ، من حيث العناية بأجواء المحيط وخصوصية الواقع والمكان . كما أن اللغة من جهتها قد حفلت بالكثير من الإيماءات الدالة والوضوح المعبر . وهناك تنوع ملحوظ في تعدد الأصوات بين ضمير المتكلم وضمير الغائب مزاوجة مرة وتقاطعا مرات أخرى . كما حفلت بعض القصص بقدر كبير من البوح ، بما يعبر عن لحظات الضعف الإنساني والبعد عن المثابرة المكذوبة وإدعاء الشجاعة على حساب الحقيقة الإنسانية .

ولا شك أن القارئ المتفطن والمتوفر على إلمام برحلة الفن القصص سيلفت نظره ما تحمله هذه القصص اعتماد بمبدأ الاستقلالية وعدم الانسياق خلف الكثير من الصيغ التي سادت في فترة الخمسينيات وعلى رأسها أسلوب " تشكوف " الذي طبع الكثير من التجارب القصصية التي تبنت المضمون الاجتماعي للأدب والفن حيث يبدو الكاتب من هؤلاء وأولئك متأثرا بقراءات أكثر من كونه متأثراً بتجربته المعيشية فإذا بهذه القصص تصدر عن شخصيته مميزة وأسلوب خاص . ومن المؤكد أن الدراسات النقدية الباحثة عن النص القصص غير المتأثر بالأساليب الغربية من حيث الصياغة والمتفتح بالضرورة على هموم الإنسان المعاصر ، حين يتسنى لها الاقتراب من النص الليبي ستجد في المجموعة فريق النجدة ومثيلاتها النموذج الأفضل لتثبيت هذه الحقيقة ، ذلك أن هذا المثقف العضوي الذي تألق أسمه في حياتنا طيلة الخمسينيات والستينيات الماضية مناضلا تقدميا بامتياز وداعيا الى الأدب الملتزم والفن الملتزم كان من القلــة التي لم تنافي في الآخرين القلة التي حاولت أن يكون لها أسلوبها ، وبقدر ما كان حريصا على العمل الجمعي والإسهام الجدي في الحياة والأدب والثقافة ، بقدر ما كان مصرا على إنجاز أدب يحمل خصائص كاتبه ويدل على استقلال رؤيته وأسلوب كتابته .

نعم كان ذلك خياره وديدن ممارسته طوال عمره الذي امتد في حساب الزمن طوال سبعين سنة كاملة . ان تكن المتاعب قد سادت معظم فتراتها فلا شك ان الإخلاص والاستقامة والجدية على رأس ما يميزها وقد يثقل في ميزانها .

لقد تعرفت على هذا المثقف في خمسينيات القرن الماضي ، ضمن من عرفت من ذلك الجيل الذي أدعوه بجيل الطليعة ، أولئك الذين لم يرق لهم أن تكون الثقافة طريقا للامتياز او الكسب الشخصي او التعالي عن هموم الواقع ، بقدر ما ينبغي لها ان تكون رسالة . فكان على رأس الذين أخلصوا لهذا المفهوم وعملوا على نشره في الأجيال التي جاءت بعدهم وقد توثقت الصلة بيني وبينه ضمن من توثقت على درب الثار والتأثير وفي مرحلة لاحقة الرفقة ، فلم أجد فيه سوى الحرص على العمل الجاد والإسهام المستمر ، وأتصور أنه بهذه المجموعة القصصية قد عبر عن الكثير من محطات حياته ومراحل تجربته فضلا عن حقيقة مواقفه من جملة المواضيع التي حاول أن يتبناها في مدونته القصصية ومشاركاته الفكرية . وقد ضمتني معه أكثر من تجربة صعبة كان منها مثالا لكل ما هو سار بيد أن فسحة الأمل كانت في الغالب معينه الذي لا ينضب ، كما أن المصلحة الوطنية تمثل دائما همه الأساسي . وحسب أنه كان في مقدمته الذين حذروا من خطورة المساس بالنشاط الخاص عندما لاج في واقعنا في نهاية السبعينيات الماضية على الرغم من خلفيته المتصلة بالفكر الاشتراكي ، كما أنه أول من بادر برفع شعار لا حزبية بعد الفاتح من سبتمبر 1969 على صفحات جريدة الميدان عشية صدور أول عدد لها في الأسبوع الأول من ذلك الشهر ولم يكن ذلك بتكليف من أسرة تحرير الصحيفة او رئيس تحريرها الذي كان يومئذ خارج البلاد . وعندما خاض تجربة الغربة منذ أول ثمانينات القرن الماضي فضل أن يقطع الصلة مع جميع معارف وأصر على أن يعيش بالجزائر كي لا يحسب على أي طرف من الأطراف الذين لم يكن شريكا لهم ، ومن المفارقات العجيبة أن حصوله على التأشيرة الأمريكية حين قرر اللحاق بأولاده قد استغرق الكثير من الوقت على اعتبار أنه من الذين إطالتهم شبهة اليسار ذات يوم ، فإذا ما قدر للمنية أن تنشب أظفارها ويتوقف القلب الذي أثقلته الجراح عن الخفقان ، بقيت مجموعة القصص هذه لتؤهله كي يكون ضمن أعلام من أعلام ليبيا بحسب معيار المنظمة العربية .

عندما دعت الأفراد والمؤسسات العربية للتعاون مع اللجنة المختصة بإعداد موسوعة الأعلام العرب ، فاشترطت وجود الأثر المكتوب في أي مجال من مجالات المعرفة ، وتم نشره رسميا ، فأمكن طبقا لذلك أن يوضع أسمه في الموسوعة المشار إليها ، دون أي اعتراف رسمي ، كثيرا ما حظي به من هم أقل من أمثاله شأنا او حضوراً حقيقياً ، فكان ذلك وسيبقى أحد السلبيات الكبيرة في مدونات التاريخ المكتوب وليس ذلك الحقيقي . لقد دفع ثمن استقلاليته بأن عاش منزويا في غربته وبعيدا عن الساحات المعادية . دون أن يسأل عنه سائل أو يوفد عليه موفد اللهم مرضاة ضميره . وكذلك كان شأنه في فترة الدراسة عندما كان على رأس نادي الطليعة في القاهرة ، وقبل مساعدة رئيس المجلس التنفيذي لولاية فزان" سيد سيف النصر عبد الجليل " كي تصرف على المحتاجين من الطلبة شريطة الإيداع سر هذه المساعدة ، فتبادر الى ذهن البعض يومئذ من منافسين هذا المثقف او بالأحرى سيء النية فروجوا أن تلك الإمكانيات مصدرها أجنبي مما اضطره أي أبو زقيه أن يعلن عنها في النهاية ومن ثم اضطرت الولاية الى قطعها خشية استغلالها لنيل من الولاية ، وغير هذا كثيرا مما تستدعي الذاكرة مما يمكن الإفاضة فيه لولا ان الحديث عن مجموعة " فريق النجدة " ينبغي أن يكون متصلا بالنصوص أكثر مما عداها اللهم إلا من شأنه أن يساعد على تعمق المزيد من أسراره ومعانيه. إنتهى

___________________________

 


 

كفى المرء نبلا أن تعد معائبه

 

أمين مازن

 

قبل واحد وستين سنة مضت عرف التاريخ العربي المعاصر ، حدثا كان له ما بعده في جميع أرجاء الوطن العربي عندما بدأ انطلاقه من أرض الكنانة ذات التأثير المتفرد في الوطن العربي ، بما لها من الإشعاع الدائم والذي اكتسب خاصية قل نظيرها بفضل ذلك الخطاب التنويري الذي أسهم في إرساء قواعده أمثال محمد عبده ومصطفى كامل وسعد زغلول ومحمد فريد وصولا الى مصطفى النحاس ، وتراكم حضاري بدأه صلاح الدين وجدده محمد علي باشا ذلك الألباني الشجاع الذي هيأ له طموحه أن يدخل بمصر أفاق المعاصرة ونزعة التطلع الى الاستقلال وربما استلام راية الخلافة .

لقد بدأ هذا الحدث في مثل هذا اليوم عندما أقدمت المفارز العسكرية التي أفلحت في التنامي سرا داخل الجيش المصري ، والتي تكونت من الضباط الذين سمح لهم بالانتساب لذلك الجيش اثر معاهد سنة 1936 التي أبرمها مع الانجليزي الزعيم مصطفى باشا النحاس ، خليفة سعد باشا كما كان ينعت ، ذ من نتائج المعاهدة المشار إليها ان فتح الباب أمام أبناء الطبقة الوسطى كي يدخلوا كلية الضباط ، بعد أن كانت هذه المواقع محصورة في أبناء الارستقراطية ومن شايعهم ، فوجد أبناء تلك الطبقة النامية المناخ الملائم للتفكير في شئون وطنهم وتدارس مشكلاتهم والتطلع نحو مواقف أكثر حزما وادعى الى مساعدتهم على تحقيق ما يراود عقولهم من الأحلام والآمال ، ويختلج داخل نفوسهم من حماس للتحرك ، خاصة وان تخرجهم قد تزامن مع بروز أقوى التيارات الوطنية تعصبا ، مثل النازية والفاشية وما أحد ثناه من إعجاب لدى ناشئة تلك الأيام في أرض الكنانة التي كانت محتلة من الانجليز ومشايعة من طبقة الباشاوات المصريين بل وحتى المثقفين الليبراليين الذين لم يستسيغوا التعصب النازي ، اللهم إلا الأستاذ أحمد حسين المعروف بتأثيره القوي على شباب الكلية الحربية الذين قدر لهم أن يصنعوا ذلك الحدث الذي بدأ في مثل هذا اليوم متمثلا في إجبار القصر على تكليف السياسي لمستقل علي ماهر باشا بتشكيل الحكومة ويتولى في وقت لاحق بإقناع فاروق بالتنازل عن العرش لولي عهده الرضيع احمد فؤاد الثاني ، ويضمن له خروجا مشرفا من بين مفرداته أعطاه أي فاروق التحية العسكرية ، ويومئذ قبل العسكريون ما طلب منهم بفضل المرونة التي اتصفوا بها والنصائح التي أسديت إليهم . كان واجهة الحدث اللواء محمد نجيب ، في حين كان صاحب الحظ الأوفر في التخطيط ــــ كما يتفق أعداؤه وأصدقاؤه ــــ جمال حسين وكان يومئذ برتبة بكلباشي ، ليتغير بعد ذلك لقبه بسرعة الى عبد الناصر اسم الجد ، ربما لوجود كمال الدين حسين ، وربما لإدراك المراهنين على زعامة الرجل ان هذا اللقب أسهل على الجمهور ، وليبدأ بعد ذلك مشوار العمل ومشوار الصراع على قيادة مصر ،وهي القيادة التي توفر لمن يخطي بها في أحيان كثيرة ان يكون صاحب الحظ الأوفر في إدارة شئون المنطقة ، كانت الرحلة طويلة والحقبة صعبة ، وكانت الدعاية قد أصبحت من الأسلحة الفعالة لتحريك الجماهير وكسب الشارع على مختلف الصعد ، خاصة وان الاستحقاقات الجامعة بين الوطني والقومي محصورة بدءً بالجلاء والإصلاح الزراعي والعمل على مسح عار هزيمة 48 . مما جعل منها مجتمعة تتيح لجمال عبد الناصر السانحة التي مكنته من الظفر باستلام المرحلة كاملة غير منقوصة .

كانت الظروف الدولية المؤثرة في مسيرة الأحداث متمثلة في استعمار تقليدي مارسته بريطانيا العظمي وفرنسا إحدى الدول المنتصرة في الحرب ، والمشاركة في صراع ما بعد الحرب وما فرض من ضرورة تخلي هذين القطبين للشريك الثالث المتمثل في الولايات المتحدة الأمريكية ، فرأت بريطانيا ان يكون انسحابها أكثر للحليف الأمريكي ، في حين كان الجانب الفرنسي في الموقف المختلف ، الأمر الذي جعل الموقف الأمريكي يلجأ لنوع من الضغط ، اختار له الدفع بالقيادات الوطنية كي تزيد من مقاومتها للاستعمار التقليدي ، ومن بين هذه الأوراق التوجه نحو المعسكر الشرقي ، فكان من نتيجة ذلك ان استطاع جمال عبد الناصر على الرغم من خلفيته العسكرية وافتقاره الى المخزون الطبقي المساعد ان يحسن استيعاب المرحلة في المجمل ويتبنى دفعة واحدة مجموعة الطالب الوطنية المشكلة للوجدان السياسي المصري كجلاء القوات البريطانية من مصر ذلك الهدف الذي طالما حلم به كل المصريين واتخذه الزعماء شعارا في معاركهم واتخذ منه المبدعون المكمل لجميع أعيادهم ، حتى ان الشاعر أحمد شوقي لم يتردد في القسم شعرا بأن كل عيد يأتي على مصر دون تحقيق الجلاء سيكون غير جدير بوصف العيد ، وكانت الحركة الوطنية المصرية تتألف من ظهيرين قويين هما الإسلام السياسي ممثلا في جماعة الإخوان والتيار الليبرالي المتكون من أجنحة الأحزاب والطلبة والعمال والتنظيمات الشيوعية ، والتي افلح تحالفها في الإطاحة بعرش فاروق وإعلان النظام الجمهوري ، بحيث لم يكد جمال عبد الناصر ليتمكن من انجاز هذه المطالب الوطنية المتمثلة في توقيع اتفاقية الجلاء مع بريطانيا وانسحاب جنودها بالكامل من ارض مصر ، وتحديدا الملكية الزراعية التي أذنت بإعطاء أعداد كبيرة من الفلاحين حق التملك بعد أن طلوا قرونا في خدمة كبار الملاك ، حتى التفت الى الموروث السياسي المتمثل في الأحزاب ، التي لم يكتف بمحاولة تطهيرها من الفساد كما وعدت الثورة لاول مرة وانما تم تعطيلها بالكامل ، وتعويضها بتنظيمات متعددة الأسماء بدأت بهيئة التحرير ليتلوها الاتحاد القومي ، وعندما لاح في الأفق ما يمكن وصفه بالمعارضة المدنية بدأت الاعتقالات المتتالية التي لم يسلم منها أي طيف من الأطياف بل وتطور بعضها الى الحكم بالإعدام مع التنفيذ ، وكان ذلك كله يتم مع تنامي شعبية الزعيم وقوة تأثيره الذي لم يقف داخل مصر وفلاحيها ٍوفقرائها ، وإنما امتد الى الشارع العربي ، حيث اتخذت قوى كثيرة من التجاوب مع سياسة عبد الناصر بل ومحاكمة أحيانا ، سبيلا لتحرير مشاريعها وترسيخ وجودها . مثل التجار الذين يعرفون ان كل تطبيق اشتراكي يعني المساس بأموالهم ومع ذلك ظلوا يحافظون على إعلان ولائهم لهذه الزعامة الصاعدة والأمر ذاته بالنسبة لبعض الأنظمة التي استراحت كثيرا لتعطيل الأحزاب كما هو الحال في ليبيا التي أعلن استقلالها في مطلع السنة التي أطيح فيها بفاروق ودشنت الحكم الوطني بإلغاء الأحزاب وعندما ذهبت إليه معيبا فإذا بعصر التاريخ وعصر الثورة تنحى ذات المنحى ، فتكون السياسة التي ترفض النظام الحزبي هي الأصوب ، ليس هذا فحسب ، بل ان أكثر النظم العربية يومئذ تحمسا لهذا النظام هي سوريا الجمهورية التقدمية ، لا تتردد وهي تطرح على جمال عبد الناصر مشروع الوحدة المصرية السورية ان تقبل شرطه المتمثل في إلغاء الأحزاب ، فيكون أهم قرار تقبل عليه الجمهورية العربية المتحدة برئاسة جمال هو إلغاء الأحزاب ، بل وأكثر من ذلك لا تتردد في الدخول في معركة كلامية أوشكت ان تصل الى استعمال السلاح مع دولة العراق عقب ثورة 14 يوليو 1958 والتي لم تستطع ان تصمد أمام الجمعية الإعلامية المصرية التي اعتمدت على خطب عبد الناصر . ذلك ان الرجل استطاع ان يكون صاحب الكلمة الفاصلة في الشارع العربي ، على الرغم مما اعترى بعض سياساته من الإخفاق ، وقراراته من بعض التجاوزات التي يتعذر تبريرها كالإعدامات التي طالت عديد المثقفين المصريين من أمثال سيد قطب وشهدي عطية مع سجن المائات ، بعضهم بأحكام جائرة وبعضهم بقى بدون محاكمة او بعد انتهاء فترة الحكم . كل ذلك دون ان يتأثر مركز الرجل في الكثير من المحافل الدولية ، اذ بقي الصديق الشخصي لا برز قادة العالم الثالث من أمثال تيتو ونهرو وسوكارنو ، وجميعهم حكموا أوطانهم بواسطة الأحزاب ، وقل مثل ذلك عن الاتحاد السوفيتي الذي رآه في عبد الناصر البديل عن أي تنظيمات سياسية ، حتى انه أي الاتحاد السوفيتي لم يجد غضاضة في ان يقبل من عبد الناصر ان يقع على رأس اتحاد كتاب أسيا وأفريقيا الضابط يوسف السباعي رغم وجود الكثير من أعلام مصر وقادة الرأي فيها

اما لماذا حدث ذلك ، فلأن سياسة مصر ومنذ الإطاحة بالنظام التقليدي ، تبنت مبدأ الاحتكام الى الولاء بدلا من الاعتداء بالأحقية المبنية على الكفاءة والأقدمية وما الى ذلك من القواعد المعمول بها في أي نظام يسوده القانون ، مهما كان حظ هذا القانون من الاحترام وحسن التنفيذ . صحيح ان هذه السياسة قد أثبتت فشلها من البداية ، بل ولم تكن موضوع قبول من عديد الأطراف ولكنها ظلت سائدة بحيث لم يحدث حولها تقييم يذكر حتى كانت كارثة سنة 67 التي خسرتها الأمة العربية متمثلة في مصر بالدرجة الأولى وخسارتها المخجلة ، وحاولت في البداية ان تلقي المسئولية على الغير بما في ذلك ليبيا التي وجدت بها قاعدة العدم والملاحة غير ان الحزم الليبي ومثله الأمريكي والبريطاني استطاع ان يدفع نحو التراجع عن تلك التهمة وتحمل مسئولية الخسارة ، الا ان هذا التراجع ما لبث ان أحيط بشيء من التنقل لمجرد مجيء السانحة المتمثلة في سقوط النظام الملكي في سبتمبر 69 واعتباره ذلك الحدث ردا على الهزيمة كان ليبيا وتقديمه لجماهير مستقبلية كأب وتكرمه هو بمنح أمانة القومية العربية والوحدة العربية كان هذه الوحدة وتلك القومية من مملوكات الشخصية ومن حقه ان يهبها لمن يشاء ، وهذه بالذات واحدة من سلبيات الرئيس التي لا يمكن ان تنس ، وقد قابلها المثقفون الوطنيون بالصمت عندما تعذر الكلام .

وعندما تحل الذكرى الواحدة والستون للثالث والعشرين من يوليو التي أفرزت قيادة جمال عبد الناصر ابرز الزعماء الذين رسخوا تجربة الحكم الشمولي في الوطن العربي كجزء من العالم ولم تسقط في الوقت الذي سقطت فيه بذلك العالم منذ تسعينيات القرن الماضي ، فان أهم ما يبقى من الرجل مما لا نسأم تكراره والاعتزاز به ، هو ما امتاز به الرجل من نظافة اليد واستقامة الخلق من دون أي مظهر من المظاهر ليخرج من الدنيا مثلما دخلها ويبقى ذكره في مصر قائما على الإكبار والتقدير فان قال قائل غير هذا الن نزيد على قول الشاعر :

(( ومن ذا الذي تحصى سجاياه كلها كفى المرء نبلا ان تعد معائبه ))



______________________________

 

الطفولة و الدستور و احلام يوسف الشريف

أمين مازن

4-3-2016



"عاشمين في الله الشمل ما يتفرّق **** لين روسنا تحت الثرَىَ تدرّق"



ذلك هو قول الاولين الذي حاصر ذاكرتي، و انا اشهد رفيق الرحلة و الفكر و الحياة "يوسف الشريف" يقف متماسكا غير عابئ بالزمن و العمر و المرض و الإحباط، لِيُسهِم في الموسم الثقافي لأصدقاء دار الفقيه حسن بالمدينة العتيقة في العاصمة، و يُلقي محاضرته و يُصغِي بعدها الى تعليقات مستمعَيه، حول الطفولة في الدستور المقترح، و الذي تؤكد جميع القرائن أن المُكلّفين بإعداده لن يفرغوا من مهمتهم في الموعد الذي لم يبقَ منه سوى بضعة ايام، و قد طافوا من خلال مُهمتهم هذه الكثير من مدن الداخل و الخارج، فحجم الأمل غير المبرر في كثير المرات هو الذى حدا به الى إنتظار الدستور في ايام ضاقَ فيها العيش و غابت الحيلة، و لم تَبقَ إلا ألطَاف الله، الذي طالما دعاه المُتَقُون من عباده، "ليس رد القضاء و إنما اللطف فيه".

لقد إستدعيت ذلك المشوار الذي يزيد في حساب الزمن على نصف قرن بتمامه و كماله، كنت اثنائه مُتَدَثّراً بِأُنسِ يوسف و آل يوسف، منذ ان إتسع لنا فضاء الثقافة و الحياة، عندما فرغ من دراسته الجامعية و وُجِهَ من الادارة العامة للخدمة المدنية الى الاذاعة، فيما كنت ضمن المُوَجهين الى وزارة الإبناء و الإرشاد كما هي التسمية الرسمية، عقب إلغاء المجالس التشريعية و من بينها المجلس التشريعي لولاية طرابلس، الذى شَهِدَ تأسيسي الثقافي و الاداري الذي كان على رأس المُسْهِمينَ فيه بالمجلس ثم الوزارة عبداللطيف الشويرف لنقضي هذا المشوار مع آخرين وثّّقتُ لهم في غير هذا المكان، عِشرة إمتدت و اتسعت لتجمع بين الخاص و العام، لقد كان يوسف من البداية الانسان الذي لا يدفَعهُ إبداعه القصصي القائم على تقنيات و مضامين الواقعية الاشتراكية الى معاداة بل حتى التقليل من الهوية القومية، و لا هاتين معا الى إغفال الاولوية الوطنية، ومثل ذلك تألّقهُ الادبي الى مهادنة السلطة التقليدية بما يخدش العِفّة الشخصية.

كان يوسف القومي الذي لا يقبل و لو على سبيل المزح النيل من أولئك الذين بادروا بمشروعهم الوحدوي عشية ظهور قاسم بالعراق، و هو الذي لم يغتَرِرْ ببعض المواقف الرافضة لدى صدام حسين عن مظالمه لمن كان يعرف من اصدقائه بالعراق و هو الذي يتصدى لبعض المعالجات الصحفية في اوائل ستينيات القرن الماضي حين لم تُعْطِ قاصّاً مثل بشير الهاشمي ما كان يستحق من الاهتمام و هو الذي يهدي اول مجموعة قصصية له الى الراحل خليفة التكبالي إعتزازاً بالرفقة المحلية و تخليداً لها، و هو الذي يصدر الاقدام العارية بإهدائه الدال و المحرض "لمن لا ينحني امام العواطف" و هو الذي يستوحي تجربة رموز خلت مثل عامر الدغيس و عبدالحميد البكوش و عبدالعزيز الغرابلي، و هو الذي يُداوم لى تواصل جمعَ فيه بين الأُخوّة و الأُبوّة، جيل الامس و جيل اليوم، الاديبات و الادباء، كما عبَّرَت بوعي أسماء الأسطى و هي تشارك في التعقيب و كذا محمد كانون الذي شَهِدَ بل و رعى مجلة أُفُق التي دامت عاما كاملا تدافع عن المستهلك الذي هو المواطن بالطبع و كانت مقالاته الاختتامية أصدق ما كان يعبِّر عن واقع الحال غير السار في تلك الايام.

لقد أسس يوسف عقب السابع عشر من فبراير صحيفة الليبي اليوم مُستَدعيا ذلك الدور الذى إضطلعت به جريدة الليبي التي اصدرها الاستاذ علي الديب قُبيل الاستقلال و بعده، و كان دورها مميز في جمع اكثر من طيف يتطلّع للافضل، و يرفض السائد، و قَبِلَ في وقتٍ لاحق حقيبة وزارة الإعلام في التشكيل الثاني للحكومة المؤقتة و كان يمكن ان يُحَقِق الكثير في هذا المجال ، لولا بعض قصيري النظر خُصُوم التنوّع الذين لم يترددوا في معرض إعاقته بعدم الخروج من مرافق القطاع و المُضي في احتلالها بدعوى الحراسة، و كان ان ألقى بها في وجوههِم و يعود متقاعداَ، ليعيش براتبه الذي صُرِفَ له قبل فبراير و من دون أي إضافات أفلحَ الكثير من نظرائه في الضَفَرِ بها، و يمضي في علاج جسده الذي بَرَته الامراض عن طريق الجراح التي أُجرِيت على حسابه الخاص في الداخل و الخارج، خلافا لما قام به عديد الاذكياء الذين طالما ضُمَّت اسمائهم و اسماء ابنائهم و ذويهم الى قوائم الجرحى في تركيا و عمّان و تونس، كلٌ حسب مساعيه و قوة من يقف خلفه، مُقتنعاً بالتقاعد الذي أُختُتِم بذلك التكريم الاهلي الذي صدر بشأنه ذلك الكتاب الذي حمل عنوان (جدل القيد و الورد) ستون يوسف الشريف تحرير احمد الفيتوري و من تعاون معه من مثقفي ليبيا الوطنيين .

لقد إستدعيت ذلك كله و بالاحرى إستحضرته و انا اراه متماسكاً وسط هذا الحضور المميز كمّاً و كيفاً بدار الفقيه حسن وسط عجز لا يُوصف عن الإصغاء لما كان يُلقى و ما ثنى به بعد عدد من الحاضرين و الحاضرات بشأن الطفل و الدستور، ليس لتدفق المشاعر و تداخلها بين الخاص و العام، و لا قرقعة اصوات بارود الزينة الذي كان يُطلق على نحو مزعج لتزامن حديث الثقافة مع مراسم عُرس بعض الجيران و الذي ارسل لنا رسالة بأن صوت السلاح و فعل السلاح فوق كل الاصوات، بل لان واقع الحال ينادي بكل الصدق قبل ان تفكروا في الطفل و حق الطفل، ينبغي التفكير في غذاء الطفل و دواء الطفل و أباء الطفل الذين تهددهم السيولة و ترهق ميزانيتهم مكافآت المشتغلين على الدستور و النيابة ممن تُعقد اجتماعاتهم خارج الحدود و تَنْقُل الكثير منهم السيارات المصفحة، بل و يعملون في الوقت الضايع.

لقد كانت سعادتي غامرة بكلمات الاتي و الذين عبّرَت كلماتهم عن المشاعر الصادقة و الامل العريض و الاحترام الجَم الذي يسير نحو الثمانين بإصرار لا يعرف اليأس في غدٍ افضل و أدب أصدق و طفولة اكثر جدارة بوطن الاجداد، و مُتَدَينين يذكُرُون ان يوسف الشريف أول من دعا قُرّاء ليبيا أو مُقرِئيها و هو يُدير الاذاعة الليبية لشهورٍ أربع على ضرورة تسجيل القرآن الكريم بأصواتهم بدل الإعتماد على الآخرين كما تحدّثَ لي القارئ الليبي الكبير محمد كريدان "ذات سجن ضمنا".

عسى الله أن يتجاوز عن كل من تبرّع بالإساءة و أصرّ على التعويق لهذا الصوت الذي لا يتأتّر بالألم و لا يتوقف للضغط المرَضي او السياسي، و لكن في كثير من الصمت، و القليل من الكلام و أُعِيد فقط ما قال الشاعر الشعبي: (( عاشمين في الله الشمل ما يتفرّق .... لين روسنا تحت الثَرَى تدرّق )).إنتهى


_______________________________

و ليرحم الله أحمد سيالة

أمين مازن

9-8-2016

كان السيد احمد سيالة الذي غادر عالمنا في مُختتم شهر الصوم المنصرم، قبل أن يبلغ من العمر عتياً، واحد من مُجَايلينا الذين أدركنا عن سيرتهم الإدارية و مثلها الحياتية الكثير مما هو جدير بالتدوين و ربما الإقتداء ايضاً. ليس فقط من خلال عمله الوظيفي الذي بلغ ذروته في تقلّده منصب وكيل وزارة الأنباء و الإرشاد و التي صارت يومئذ الإعلام و الثقافة في ستينيات القرن الماضي و من ثَم وزارة الشبأب و الرياضة بذات الدرجة و الصلاحيات، و إنما منذ عمله في نَظَارة الداخلية بولاية طرابلس و إنخراطه في الأنشطة الرياضية التطوعية (الهيئة الرياضية العُليا) و تعرّفه يومئذ على أسماء كانت يومها ذات دور يفوق دوره في الحياة الوظيفية، من بينهم السيدين أحمد عون سوف ناظر الداخلية و رئيس المجلس التنفيذي للولاية، و صفِيِّه الأستاذ عبد السلام باش إمام أحد الذين تسنّموا المراكز الرفيعة بفضل التكوين الثقافي الرفيع و الإسهام بالقلم الرفيع، فيكون سيالة هذا مثالاً للشباب القادر على التفريق بين واجبات العمل و إكراهاته، و العلاقة الإنسانية و براحها، الأمر الذي وفّرَ له من الثقة و الإعجاب، ما وضعه على السُلَّم الوظيفي الذي تقدَّم به على الكثير من مُجايليه فيُكَلَّف في وقت مُبكِّر بالنسبة لِسنِّهِ في أواخر الخمسينيات بإدارة مكتب العمل في ولاية طرابلس ثم مصلحة المطبوعات بذات الولاية فيُثبِت في الأولى قدرة مطمئنة على الحياد بين القوى المتصارعة على قيادة العمل النقابي، و يعمد في هدوء و صمت على قبول الطلبات الصحفية مستوفية الشروط عند إحالتها الى السطات الإتحادية اللازمة لكل طلب إصدار صحفي، ليتمكّن كل ذي طلب يُوسَم بِـ "مستوفي الشروط" باللجوء الى القضاء.

و كان أن تمكّن السيدان عبد الله شرف الدين و فاضل المسعودي من إصدار صحيفتي الأيام و الميدان، الأولى في ععهد رئيس الوزارة الدكتور فكيني و وزيره الأستاذ الشويرف و الثانية في عهد رئيس الوزارة محمود المنتصر و وزيره الأستاذ حسن بركان. إذ بدون تلك الوثيقة لا يمكن للقضاء أن يحكم و لا أن تشهد التجربة الصحفية تِلكُمَا الصحيفتين المتميزتين، فإذا ما شاءت الأقدار أن يستلم مع الوزير الأستاذ خليفة التليسي وكالة الإعلام و الثقافة، إذا به يُسَخِّر كل قدراته الإدارية في تسوية أوضاع الكثير من العاملين في القطاع من الصحفيين و الفنانين أصحاب الخبرة الذين حالَ دون إنصافهم غياب المؤهل الذي تعذّْرَ الخروج من مصاعبه لولا تلك الحلول التي بذل فيها أمثاله الكثير.

و كذلك كان دوره و هو يرأس العديد من لجان العمل و لا سيما مشروع التلفزيون الذي طالما أشادَ المستشار الفلسطيني الراحل عمر علي عمر بصبر أحمد سيالة على العمل و مناقشة المفردات المتعلقة بالمشروع، و التي مثّلت المشروع الأسلم حين رجع إليها بعد حين.

و على ذات العقلية من التبصُّر و الفهم و الحرص على حُسن الأداء فعلَ و هو ينهض بمسئوليته في وزارة الشباب و الرياضة التي نُقِلَ إليها بإصرار من الوزير أحمد صويدق كما أشار السيد حسين مازق رئيس الوزراء في حينه حيث المنصب الذي بقيَّ به سيالة حتى أدركه سبتمبر69 ليكون احد ضحايا الدرجة الكبرى و يقنع هو بما بلغ.

لم يُكتَب على الصعيد الشخصي العمل مع السيد سيالة عن قُرب فأقِف على الكثير مما كان يتناهى إليّْ من قوة ذاكرته حول ما يَمُرْ به من المراسلات، إذ تزامن شَغله لمنصب وكيل الوزارة بخروجي من ديوانها في مثل هذه الصائفة من سنة 64، و لعلِّي أسأت الظن به بعض الوقت فظننت انه وراء ذلك النقل، إذ لم يبُحْ المرحوم التليسي عن التوجيه الصادر إليه إلا في أوائل الثمانينيات من القرن الماضي، لولا أن الرجل العاقل و من خلال اسلوبه الهادي ظل يُثبت العكس و لا سيما حين أقدمت على كتابة ما كان يراه البعض خروجاً عن السياق المطروح من قِبل بعض المزايدين، و ما زلت أذكر كيف طرقت بابه في الشباب و الرياضة و أُطلِعه على محنة الصديق الراحل عبد الله القويري عندما هجر البلد و حلَّ بتونس و غدا في حاجة إلى ما يساعده على مصاعب الحياة، فكانت "فزعة" سيالة بشراء كمية من كُتب عبد الله المُخزّنة، تلك التي كان لها أثرها المهم في تذليل المصاعب الضاغطة. و لعلّي قد عدلت عن سوء ظنّيِ حين كتبت عن الرجل و هو يغادر وزارة الثقافة، ما تفضل صاحب الميدان بنشره و إطلاع المعني على سِرّه.

لم يتكلّف احمد سيالة أي طريق يفوق الضرورة في الحياة الذي حدده كما يشهد كل من تابع سيرته بوعي، إذ حصر همّه في تربية ما رُزِق من البنين، فبدأ بإعادة النظر في السكن الذي أدركَ أن قيمته المستندية يمكن أن تسُد حاجته و بعض أو كل منهم فأقدَمَ على ذلك بحزم، و اختار العمل بشركة المطاحن إعتماداً على إمكانياته، و قد شاء حظه السيئ أن يُمتحَن في حريته فظلَّ متماسكاً إلى أن ثَبُتت براءته، فبدأ من جديد موظفاً بعيد عن كل مواطن الضوء. إلى أن أقعدته الشيخوخة فقبلها بقناعة، حتى كان رحيله هذه الايام فوجَبَ أن نُدوِّن هذه السطور، ليس بالدافع الشخصي الذي لا ندّْعي البراءة منه، و إنما لأنه الشخص الذي يدخل في ما هو عام و ليرحم الله أحمد سيالة. إنتهى




_____________________________


(وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى)

أمين مازن

28-6-2016

إنظم الأستاذ حسن عمر الشغيوي الى قائمة الراحلين من شيوخ مدينة طرابلس، أولئك الذين تختفي أجسادهم من الحياة، و تبقى صورهم و طرائق حديثهم ملء ألآلاف من ذاكرات عارفيهم شديدة الحضور جرّاء مشاركتهم في هذا المجال او ذاك، و اكثرها في الغالب بالنسبة للذين بلغوا سن الشيخوخة بدأت من سلك التعليم و لا سيما اشهر مدارس المدينة، عندما كان حسن الشغيوي في السنوات الاولى من الخمسينات من القرن الماضي من بين الذين دخلوا ذلك الميدان عن جدارة، و قبل ان يستهويه عالم الرياضة محرراً صحفيا و من ثم إذاعياً، فقد بدأت رحلته عقب إجتيازه لأحد الامتحانات التي أُجرِيت في وقت مبكر، تلك التي كانت مواسمها ثابتة و الإعلان عنها محدداً و إجتيازها تتناوله وسائل الإعلام الرسمية، فيحظى من يجتازها بالتعيين الرسمي و يبقى من دون ذلك في حالة وجود الاماكن الشاغرة في عِداد من يُطلق عليهم المدرسون المؤقتون، أي الذين يمكن الإستغناء عنهم لمجرد توفر المجتازين للامتحان، فبواسطة ذلك النهج المحدد لإختيار المدرسين دخل حسن الشغيوي ذلك المجال المُشرِّف و الذي كان شقيقه محمد قد دخله في آخر الثلاثينات من القرن الماضي ضمن الكثير من مشاهير تلك الايام، ممن وثّقوا حياتهم في اعمال مكتوبة. و قد كان حسن الشغيوي من حيث الحجم يبدو اصغر زملائه من حيث نحافة الجسم و قصر القامة، أما الاداء فقد كان على ما يبدو أكثر تقدُماً الامر الذي تجلّى في إختياره ضمن مجموعة المدرسين الاولى التي أُنتُدِبَت للعمل بولاية فزان و تحظى بعلاوة مالية تجاوزت نصف المرتب و في مقدمة شروطها المؤهل و الاقدمية و حُسن الآداء، و قد أشرف على التنفيذ يومئذ احد الرموز الوطنية الشهيرة هو الاستاذ محمد فياض الذي جمع بين النشاط السياسي و العمل التعليمي، و قد أُنيطت به هذه المهمة بوصفه من كبار موظفي بلدة غدامس التي كانت من أعمال ولاية فزان غير أن المفارقة اللافتة هي أن علاوة الندب هذه على ما فيها من الإغراء لم تمنع حسن الشغيوي من أن يقفل راجعاً الى المدينة و ترك فزان لأهلها. و يخوض الى جانب التعليم مهمة الانشغال بالرياضة فيجمع بين التحرير الصحفي و العمل الاذاعي من خلال اذاعة طرابلس المحلية فيتفرّد في وصف مباريات كرة القدم، و يكون أبرز الذين لا يُخفون انفعالهم مع أي إصابة تعجبه و مثل ذلك بالنسبة لما لا يعجبه، و لا سيما حين يكون في الملعب فريق الإتحاد الذي يرى فيه مشجعوه خير من يمثل الولاية عند مجيئ أي ضيف و لا سيما حين يكون القادم من هذه الفرق أجنبياً فتراهم يبذلون الكثير من المحاولات غير البريئة من التحيُّز حتى يضمنوا لفريقهم هذا الفوز في أي مباراة محلية حرصا على توفير القدر الكافي من المعنويات التي تجعل الاتحاد يضمن الانتصار على كل من يحُل بطرابلس من الغرباء، و هو موقف يقبل به البعض و يرفضه البعض الآخر.

و شأن الكثير من أُسَرْ احياء مدينة طرابلس الشهيرة التي بدأ بها تطور المدينة السكاني و مثله العمراني، كبالخير و ميزران و شارع الزاوية تنحدر اسرة الشغيوي من خارج المدينة بمئات الكيلومترات و لكنها لا تَتَلقّب ببلدانها الاصلية شأنه شأن السُنِّي و بابينة و اربيش و عزّوز و السوَيِّح و قِشقِش و الحضيري و غيرهم كثر، إكتفى ابناء الشغيوي بلقب الشهيد عمرالشغيوي الذي شُنِق ضمن المجموعة التي أُعدِمت سنة 1928م عقب معركة قَارة عافية مباشرة و إجلاء البلدة بالكامل، فمنذ ذلك التاريخ قرر اكبر ابناء الشغيوي المُسمى علي الاقامة بطرابلس، حتى لم تبق من ذكراهم الى جانب البيوت سوى اطول نخلة بين النخيل البعلي، و يومها انشأ ذلك الرجل محيطاً تثقيفياً لأخويه الصغيرين إدريس و حسن بل و شمل به في فترات الحرب العالمية عشية نزوحهم جنزور ،الشيخ عبدالسلام خليل الذي لم يبخس الرجل حقه في معرض حديثه - أي عبد السلام خليل - للشيخ الطاهر النعَّاس حول تجربته الادبية، و قد كانت لتلك البيئة اثرها في إستقامة الاستاذ حْميدة عبر تجربته الإدارية و دوره المُميز في الهيئة الرياضية العليا و كذلك ما إتصف به إدريس من إنحياز لا يعرف التوقف للفن المسرح و النشاط الرياضي و الشأن العام كافة فكان صوته بين الاصوات القوية في شوارع المدينة إستنكاراً للكثير من الممارسات مما حدى به الى خوض معركة الإنتخابات النيابية (64:65) و إصراره على عدم الإنسحاب مع تأكُّد الخسارة خشية أن تطاله شُبهة السمسرة بالمعركة.

إنها الأُسَرْ التي آثرت الإكتفاء بثوب العِفَّة و طعام القناعة فلم تظهر في محافل النفاق أو التأييد المُفتعل و حتى الإستنكار المزعوم تلك التي خرجت من تلك الإحياء و شيدت بيوتها في سواني سُكّرَة التي صارت تُدعى بشوارع بن عاشور و الجرابة و الظل و صارت تُحْيي مناسباتها الاجتماعية في جامع باقي الذي يعود تأسيسه الى ذلك الرجل القادم من هون شأن أبناء الشغيوي و الذي شيده حديثاً أو بالأحرى أشرَفَ على تشييده و من ثم تسييره المهندس خليل الدبَّار حفيد الجد محمد بن سالم رفيق الشغيوي في مهرجان الإستشهاد ممن يقفزون الى الذاكرة عند إلتقاء أي نفر من ذلك الرعيل ممن تستنشق منهم النفس نسائم الإعتزاز بالنفس و الترفُّع عن المظاهر الزائفة و الشكليات الخادعة و التي تظهر عادةً كلما أحاط بالقوم مُتغيراً من المتغيرات فلا يُحجِم عن الظهور إلا الشرفاء من الناس الذين لا تستدرجهم الغنيمة و لا تُسيل لُعابهم المكاسب و لا تحركهم الأحقاد الدفينة و الحسابات المُعلّقة، إيماناً منهم بالقول الخالد "وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (40) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى ". إنتهى


___________________________________


خليفة حسين مصطفى


دار الفقيه حسن

7-6-2016

اضطررت مساء الثاني من فيراير الجاري للتخلف عن لقاء الثلاثاء الشهري الذي يضطلع بتنظيمه نُخبة من الادباء و الكتاب بدار الفقيه حسن بالعاصمة طرابلس، و الذي كُرِس هذه المرة لتجربة القاص و الروائي الليبي الراحل خليفة حسين مصطفى، الذي غادرنا منذ سنوات، تاركا مُنجَزا ابداعيا جمع بين عدد من مجموعات القصص، الى جانب الروايات المفردة و الاخرى المُجزأة، فضلا عن المقالات الذي تناول فيها انتاج غيره و ما شغله من عديد القضايا و الفنون .

و كان المنشط قد أُغلق عنه منذ شهر مضى أي اليوم الذي أُقيم فيه النشاط السابق، مما ادى الى ان يتكون النشاط الحالي من عدة اوراق مكتوبة، تقَدَمَ بها كل من الاخوة رمضان سليم، علي المقرحي و عبد السلام الفقهي، أُغنِيت بعد ذلك من القاعة بمجموعة تعقيبات تولّاها كل من الكاتب منصور بو شناف، مفتاح قناو، حواء القمودي و غيرهم بحيث يمكن القول ان معظم الجوانب قد غُطّيِت.

و معلوم ان خليفة حسين مصطفى الذي وُلِدَ في منتصف اربعينيات القرن الماضي بمدينة طرابلس، و جمعت حياته بين العمل في ميدان التعليم الذي بدأ فيه مُدرِساً في المراحل المتوسطة و من ثَم يواصل تعليمه منتسبا الى الجامعة، و قد طرق في تلك الفترة باب النشر من خلال مجلتي الاذاعة و ليبيا الحديثة، مؤكدا امكانيته من البداية، مُعْرِضاً عن اي تواصل شخصي، لم يتردد في تكرار ذات التجربة عقب سبتمبر 69 عندما ارسل كتاباته للاسبوع الثقافي، فكانت معاملته كمبتدئ و نُشِرت بعض قصصه في الضوء الاخضر الذي كان الاشراف عليه من مشمولات الراحل الكبير عبد الله القويري فلم يصدر عن خليفة حسين أي إمتعاض و إنما استمر في تقديم قصصه إما لإدراكه ان اشراف مثل عبدالله القويري يُشَرِّف، او ان الانتاج الجيد سيفرض نفسه فازداد بموقفه هذا احتراما لدى كل من عرف هذه المفارقة و بالفعل لم يمر وقت طويل حتى كان كانت مجموعته القصصية بل و بواكير رواياته ضمن منشورات الدار العربية للكتاب المشروع الليبي التونسي المشترك الذي نشر لأشهر الاسماء. ليتوالى بعد ذلك انتاجه و لا سيما في مجال الرواية ليس فقط ذات الحجم المتوسط "كجرح الوردة" و غيرها ، و انما تلك التي جمعت بين ما فوق المتوسط من حيث الورق و مثل ذلك المواضيع، و اهمها ليالي نجمة التي امتدت لاكثر من جزء و الارامل و الولي الاخير التي نَحَتْ ذات المنحى من حيث الحجم. و قد احتفى الجمهور الثقافي بليالي نجمة حيث إنتظمت لها ندوة مهمة في رابطة الادباء و الكتاب الليبيين ، اما الارامل و الولي الاخير فقد صدرت قبل رحيله بفترة ليست بالطويلة، كما انها اي الفترة لم تخلُ من اجواء القلق التي أثّرَت على مشاركات الكثيرين، اما الدراسة الاكاديمية التي قُدِمت عن خليفة حسين بكلية الآداب بمصراتة، فقد إتَخََذت منها على الصعيد الشخصي مرجعا لورقة اعدَدتُها لإحدى ندوات ملتقى أصيلة التي خُضِصَت للرواية المغاربية و تَشَرّفت فيها بالحديث عن التجربة الليبية، و كان من بين ضيوفها ابراهيم الكوني و صالح السنوسي، اللذين خصهما منسق النشاط الروائي مبارك ربيع بإحتفاء لافت.

و اذا كانت ليالي نجمة ما تزال خير ما يفتح ابواب الحوار و حتى البحث الاكاديمي حول تجربة هذا الكاتب و ما سادها من ظاهرة الحذر، و قد اعتبرها الاستاذ يوسف الشريف عشية صدورها اول رواية ليبية، في حين التقط بشأنها الراحل محمد احمد الزوي مرجعية السيناريو الموجود بليالي الحلمية و مثل ذلك سيطرة الايديولجيا التي توقف امامها الكاتب عمر الككلي فإن دعوة هؤلاء و غيرهم في حالة التفكير في عمل اكثر إتساعا الى تقديم شهادات عن هذا الكاتب يظل ما لا غنى عنه لكل عمل مسؤول، فقد كان الرجل شديد الوثوق بنفسه و لكن في صمت، لا يتردد في تصحيح اي خطاء يشعر انه قد إقترفه، حتى انه لم يتردد في تأليف كتاب كامل عن القاص خليفة التكبالي عندما شعر انه قد اخطاء في حقه و هو يخطو خطواته الاولى في الاسبوع الثقافي، كما استمعت اليه شخصيا في احدى لقاءاتنا برابطة الادباء و الكتاب، اما الارامل و الولي الاخير و علالاقتها بتوظيف التاريخ فمهمة نأمال ان يحين توقيتها.

و عسى ان تكون سطوري هذه إعتذاراً عن الغياب، الذي أُكرِهت عليه، و حُرِمت بالتالي من شرف آداء الواجب.إنتهى



______________________________

المناضل مصطفى بن عامر و ذكراه الخامسة و العشرون

أمين مازن

3-1-2016

مع حلول الحادي عشر من مفتتح هذه السنة يعيد علينا سجل تاريخنا الوطني الحديث الذكرى الخامسة و العشرين لرحيل المناضل الوطني الكبير و الزعيم الشهم الأستاذ مصطفى بن عامر الذي فارق الحياة في مثل هذا اليوم من سنة 1990م عن عمر ناهز الثانية و الثمانين أنفقها بالكامل من أجل الوطن. و قد زاوجت حياته بين التحصيل العلمي و العمل الوطني و السمو الخلقي,بداية من ولادته التي جاءت مع السنة السابقة من القرن المنصرم و تلقيه التعليم الأولي في مسقط رأسه بنغازي و من ثم التوجه لمصر و أزهرها الشريف و نيل عالميته دون التفريط في الاستفادة من قرار طه حسين الشهير بقبول خريجي الأزهر بالجامعة الحديثة التي حملت يومئذ اسم فؤاد الأول ملك مصر المستقلة ليتحصل على ليسانس الآداب و يكون على أرجح الأقوال أول ليبي حمل هذه الشهادة في ثلاثينيات القرن الماضي, و يبقى مع نفر من أهله هناك إلى العام الثالث و الأربعين الذي شهد هزيمة ايطاليا الفاشية و مغادرتها تراب الوطن, أي أنه بقى بعد تخرجه سنة 1939م سنوات أربع و يبدأ مشواره العملي من هناك و بين أفراد الجالية الليبية التي كانت بفضل ترابطها و تعاضدها تكون تربة صالحة لكل ذي عزيمة و مقدرة أن يستفيد و يفيد عبر تلك الأطياف المتنوعة و الفاعلة. كانت عودة الرجل إذن في خضم انبعاث العمل الوطني الذي اشتد عوده بتأثير ما كان مطروحا في المحيط الدولي من مشاريع كانت تخطط لعودة الاستعمار من النافذة إذا لم يكن ثمة بد من خروجه من الباب, و باعتباره سليل أسرة تتصدر القبائل العربية التي اضطلعت بمناصرة بقية القبائل التي استشعرت خطورة الزاحفين الى الكلأ و الذين تعذرت إعادتهم من حيث أتوا لولا ما اصطلح على تسميته تجريدة حبيب و التي حتمت على شركاء التجريدة أن يستقروا في بنغازي الجديدة و شقيقتها درنة, لما عرفته تلك المدينة من حديث عن الحكم بواسطة القانون و تنظيم حق المشورة للسلطة, كان ذلك التعامل الذي لا يخلو من مكر نحو مشروعه الوطني الذي جهر به عبر الجمعية التي ترأسها و طورها الى حزب سياسي و استقال من الوظيفة العمومية كي يتحرر من أي قيد مكتفيا بالعيش من دخله المحدود, حيث تشهد الوثائق و لا سيما الصادرة عن الارشيف البريطاني بأن الرجل كان مثالا لنظافة اليد و استقامة المسلك و وضوح المبدأ, الأمر الذي جعل كل وجهاء المدينة و مثقفيها لا يترددون في الانضواء داخل ذلك التجمع الوطني الفاعل بالرغم من مختلف الضغوط التي شملت حرية الرجل و زملائه و افتعال كل ما من شأنه أن يحول دونه و دون العمل الوطني الذي مثل دائما هدفه الأول و الأخير طيلة الحكم الملكي بكل الأسف, كان من المتوقع و الحالة هذه أن يكون مصطفى بن عامر بين الكثير من أبناء جيله و منهم من كان زميلا له في العمل, من الذين سارعوا بتأييد انهاء النظام الذي لم يهنأ بخيراته, و لكنه اختار الموقف المناقض, فلم يشهد بأي شهادة من شأنها إدانة أي من المسيئين اليه, بل خلافا لما كان متوقعا أيضا أن يفرح بتقليده حقيبة وزارة التربية و يقبل بما شاع من فرض الوكلاء على الوزراء و كذا من أطلق عليهم لقب المستشارين, لم يخف تبرمه و من ثم تقديم استقالته فإذا ما عن لأكبرهم أن يستوضح منه رأيه, تؤكد أوثق المصادر أنه قال بالحرف الواحد "لو أردنا الوزارة بهذه الكيفية لأخذناها من زمان" و كان أن قبلت استقالته و انزوى بعد ذلك في بيته, فإذا ما زين السفهاء حرق مطبعته كانت هبة بنغازي كاملة لإجبار ما فسد لتشغيل المطبعة في أيام محدودة فكانت احدى الرسائل البليغة عن عزيمة الرجال, و كان صمود الأستاذ بن عامر و امتناعه عن حضور أي مجلس يمت الى الأمور الرسمية بصلة, هكذا كان ديدنه الى أن أدركته المنية و وسد تراب الوطن قبل خمسة و عشرين سنة شهدت الكثير من الأحداث المثيرة و الميتات المحزنة و المواقف التي خلدها التاريخ و الأخرى التي تحتاج الى الكثير من المراجعة, و يبقى مصطفى بن عامر في ذكراه هذه مناسبة لتحية كل الذين بوأوه المنزلة التي استحقها و حافظ عليها, فكان الرمز الجدير بالاحتذاء.إنتهى



_______________________________


عبد الرحمن الجنزوري في ذكراه السادسة

أمين مازن

2-6-2015

قبل سنوات ست (13-4-2009) رحل من عالمنا الأستاذ عبد الرحمن الجنزوري ,بعد عمر ناهز الخامسة والثمانين سنة كان خلالها ملء السمع والبصر ,وطنيا وقوميا وقانونيا , منذ شبابه الأول في أربعينيات القرن الماضي وحتى بداية الألفية الحالية عندما أقعده المرض لسنوات خمس , فلم يعد قادرا على استقبال سوى القليل من ذويه ومقدري دوره الريادي وبعد أن تمكن من تدوين تجربته الحياتية هذه في عمل مكتوب ضخم , نشرته مؤسسة مركز الجهاد , فوفر استحقاقه لدخول موسوعة أعلام الوطن العربي بامتياز وكان الجنزوري قد تلقى تعليمه بين ليبيا ومصر , إذ كان أحد الذين تخرجوا في منتصف الخمسينيات من كلية الحقوق المصرية , ليعمل بعد ذلك في سلك القضاء بولاية طرابلس , ومن ثم المحاماة وكانت هذه الأخيرة بتصريح من حكومة ولاية فزان , بالنظر إلى تلكؤ سلطات ولاية طرابلس , التي لم تكن -على ما يبدو- مطمئنة لما اتسم به الجنزوري من التمرد , وكان المرحوم ;دائما في الصف الوطني مما ادخله السجن اكثر من مرة بدء من خطاب زوارة وانتهاء بايقاف دام عدة سنوات , خرج فيه بعد ذلك دون محاكمة ,وقد جاء رحيل الجنزوري في فترة بلغ فيها العدوان على مهنة المحاماة حدة ملحوظة , إذ بعد شهر العسل الذي بدأ في التسعينيات ولاسيما اثناء الحظر الجوي حين رأينا السلطة تقدم على حل نقابة المحامين ,بل ولا تتردد في لقاء متلفز في توجيه بأسماء معينة ليكون من بينهم المطلوب لمنصب النقيب , وليس اختيار المحامين , ولهذا كانت جنازة الجنزوري خالية من أي مشاركة رسمية من النقابة خلافا للكثير من نظرائه ومن هم اقل منه دورا, والذين نقلت مواكب دفنهم تلفزيونيا وفتحت لهم مقبرة الهاني التي تحولت في السنوات التي سبقت فبراير إلى محتكر لا يفتح إلا للمرضي عنهم, لولا أن ذلك التجاهل لم يفت في عقد الفئات الشعبية التي تنادت إلى شارع الشط حيث مقبرة الهنشيري , وقد كان من توفيق الله أن أقدمت على تأبينه بكلمة مكتوبة ذيلت بتاريخ وفاته ومكان دفنه جاء فيها بعد الديباجة :

«هذا هو عبد الرحمن الجنزوري ..هذا هو أبو عمر كما أحب أن يكَنى , ربما لان نزوعه إلى العدل حبب إليه ابن الخطاب وربما لاعتزازه بأبرز شيوخ المدينة عمر الجنزوري , فكل الاحتمالات واردة , ومن نودع اليوم اجتمعت فيه كل هذه الصفات ,ومارس كل هذه الاهتمامات , فهو هكذا منذ القدم ,منذ الدراسة الأولى ,النشأة الأولى , والحراك الأول , وحسبك انه تطوع لحرب فلسطين قبل ستين سنة ونيف , ولأنه متمرد لم يجد بدا من ترك القضاء , الذي كان أول وصيف حيل بينه وبين ولوجه به في مسقط رأسه ,كان له في توزيع الصلاحيات بالدولة الليبية ما يسر له الترخيص من ولاية فزان التي وجد فيها من قدر مواقفه الجسورة , ليكون بعد ذلك المحامي الذي يقتحم الصعاب ,والمثقف الذي لا يعرف المستحيل ,وهو المناضل الذي لا تلين له قناة .

طويلة تجربة عبد الرحمن الجنزوري , عريضة حياته , متعددة اهتماماته , كثيرة اجتهاداته , كبيرة شهرته , عرفته المحاكم قاضيا وعرفته محاميا وعرفته الثقافة كاتبا ومحاورا , وعرفته السياسة في أكثر من ميدان , ويعرفه الوطن مثالا للحيوية والمساهمة والحرص الدائم على الحضور .. وإذا كان الوقت لم يكن رحيما بالجنزوري حيث أقعده المرض منذ سنوات , حتى ليشعر المرء إن رحيله جسدا كان رحمة به وبأهله , فلاشك إن ذلك لا يعني أن ننسى له ما عطي للوطن وللشعب في كل الميادين التي ارتادها والتي ستخلد ذكراه بكل ما يثلج الصدر , ويرفع الهامة , ويصون السمعة , مما يجعلنا نتعشم أن يكون له في ثقل الموازيين فليترحم الله ابا عمر , فليترحم وليغفر بعضنا بعضا في شخصه بقدر ماملأ حياتنا ذات يوم ويغادرنا جسدا اليوم» ولله الأمر من قبل ومن بعد « بقي أن نضيف بأن هذه الكلمة وسعت في مقال نشر على شبكة المعلومات واحد مقالاتي الأسبوعية في صحيفة «اويا» ضمن ما درجت عليه في استثمار المتاح ومحاولة رفع سقف التعبير ومرة أخرى رحم الله عبد الرحمن الجنزوري في ذكراه .إنتهى



_________________________



في تأبين عبدالرحمن الجنزوري

الله اكبر الله أكبر



الله اكبر يعلو على ما سواه .. الله أكبر لا عاصم و لا ناصر لخلقه عداه ..

الله أكبر عليه تتوكل واليه نؤوب وليس على من نعول سواه .. الله أكبر وحد بيننا بقضائه ، و وعدنا جميعا برحمته ، لا اله غيره و لا معبود سواه


هذا هو عبدالرحمن محمود الجنزوري .. هذا هو ابوعمر كما أحب ان يكنى . ربما لان نزوعه الى العدل حبب اليه ابن الخطاب وربما لاعتزازه وتقديره لعمر الجنزوري

كل الاحتمالات جائزة .. فمن نودع اليوم .. اجتمعت فيه كل هذه الصفات ومارس كل هذه الاهتمامات ... فهو هكذا منذ القدم .. منذ الدراسة الاولى ، منذ النشأة الاولى منذ الحراك الاول وحسبك انه تطوع لحرب فلسطين قبل ستين سنة ونيف وكان اول القضاة الشباب قبل خمسين سنة ايضا، وكان محاميا متمردا يستفيد من تناقضات النظام السياسي حين حجب عنه الترخيص جزاء على مواقفه الجسورة وتمرده اللامحدود ، فهو المحامي الذي يقتحم الصعاب ، وهو المثقف الذي لا يعرف المستحيل ، وهو المناضل الذي لا تلين له قناة

طويلة تجربة عبدالرحمن الجنزوري .. عريضة حياته .. متعددة اهتمامته .. كثيرة اجتهاداته .. كبيرة شخصيته .. عرفته المحاكم قاضيا وعرفته محاميا وعرفته الثقافة كاتبا ومحاورا وعرفته السياسة في اكثر من ميدان ويعرفه الوطن مثالا للحيوية والمساهمة والحرص الدائم على الحضور .

واذا كان الوقت لم يكن رحيما بالجنزوري حيث اقعده المرض منذ سنوات حتى ليشعر المرء ان رحيله جسدا كان رحمة به وباهله ، فلا شك ان ذلك لا يعني ان ننسى له ما أعطى للوطن و للشعب في كل الميادين التي ارتادها ، والتي ستخلد ذكراه بكل ما يثلج الصدر ويرفع الهامة ويصون السمعة مما يجعلنا نتعشم ان يكون له في ثقل الموازين

فليرحم الله أبا عمر و ليعز بعضنا بعضا في شخصه بقدر ما ملأ حيائنا ذات يوم ويغادرنا جسد اليوم


و لله الامر من قبل ومن بعد


طرابلس 13-4-2009

مقبرة سيدي علي الهنشيري




________________________________

كثير لحكيم في قليل عنه

أمين مازن

26-11-2015

أناخت مطايا المنية بفناء اسرة الشيخ العارف البشتي بمدينة الزاوية الغربية بغرب ليبيا, فقضى الاستاذ المحامي عبدالحكيم العارف البشتي نحبه عن عمر ناهز الخامسة و الثمانين سنة, يمكن القول إنها انفقت بالكامل للمعرفة و التحصيل و التفكير, اللهم الا السنوات الخمس الأخيرة التي استطاعت الشيخوخة فيها أن توهن ذاكرته بعد أن أوهنت ساقه و سمعه و بصره. لم أستطع على الصعيد الشخصي أن أؤدي و لا القليل من واجب المشاركة فقد أصابني من الموت ما أصابني و ماأزال عاجزا عن الخروج من دوامته و تجدد أحزانه, لأجلس بعد ذلك بعض الوقت أتأمل هذا المشوار الطويل لعبدالحكيم و محمد و عبدالمنعم و والدهم الشيخ العارف عندما كان الفتيان الثلاثة الذين يكبرونني جميعا و أنا أقضي جل وقتي مع الجدة الكبيرة التي تولت القسط الأوفر من حضانتي, و كانت سنهم تسمح لهم جميعا بالتوجه الى كتاب الجامع الكبير حيث الفقيه محمد الخير المشهور بدقة حفظه و جمال قراءته إذ أن المدرسة الوحيدة قفلت أبوابها بتأثير الحرب الكونية ليبقى الشيخ العارف العائد من قضاء زلة مؤقتا بهون الى أن تيسر له السفر و تبقى صور الشباب الثلاثة و والدهم بزيه الأزهري اللافت بذهني آمادا بعيدة الى أن تهيأ لي التقاء عبدالحكيم ضمن التشكيلة الكبيرة من سجناء الرأي الذين رأى النظام أن يودعهم غياهب سجني طرابلس و بنغازي و تحميلهم مسئولية الانتفاضة التي شهدتها بنغازي إثر سقوط الطائرة الليبية في صحراء سيناء جراء القصف المدفعي الصهيوني, فأتعرف على عبدالحكيم و محمد و عبدالمنعم فتسترجع الذكريات, و يتبين أن عبدالمنعم ليس هو الذي أعرفه, و لكنه ابن عم الاثنين و أخيهما من المشيمة, لأن المنير اقترن بأم أبناء أخيه و أنجب منها أول أولاده عبدالمنعم مخلدا به اسم الاول الذي رحل, و يومها كانت لقاءات العنابر و استعادة الذكريات على رأس ما خفف آلام السجن و أحال المحنة الى نعمة بفضل تضافر جهود ذوي العزائم القوية ممن تبنوا ضرورة التركيز على كل ما يوحد الجهود و يحول دون التناحر بين رفاق المحنة عسى أن يكون في ذلك ما يؤسس لاسلوب عمل يمكن أن يخدم الوطن في أمور أكبر و تجمعات أوسع و استحقاقات أشمل و هو ما تحقق بالفعل حيث لم يشهد ذلك التجمع أي نوع من أنواع المعارك المفتعلة و الخلافات المصطنعة, فلم يفترق أي منهم عن الآخر الا و ترك أجمل الذكريات, الأمر الذي أفسد حسابات الحكم و رهانه على أن يترتب على خلط المختلفين في الرأي أى احتكاك يبدأ من اليومي, و أزعم أنني شخصيا وثقت ما أمكن توثيقه بما حمل أنصع الصفحات حول تلك التجربة و ما زخرت به من الدروس المستفادة. كنت أعرف قبل تلك التجربة أن عبدالحكيم و كذا أخاه محمد كانا من بين الطلبة الليبين الدارسين في الجامعات المصرية ممن تسنى لهم الانغماس في النشاط الثقافي ذي المضمون السياسي و الذي لا يقف عند الاسهام الشخصي بقدر ما يمضي الى دفع الآخرين, و ان عبدالحكيم على وجه التحديد الذي هيأ له اختصاصه القانوني أن يعمل بالسلك الديبلوماسي لم ينشغل ببريق الخارجية و ما كانت تعد به من رفيع المناصب إذ أنه بدلا من التطلع الى التطور الوظيفي رأيناه يسارع الى التخلي الحاسم عن ذلك الواقع, و يقرر العمل بميدان المحاماة, ليس من أجل الدفاع عن مشهور الشركات التي لم يكن الارتباط بها يتكفل بتوفير الاموال الطائلة, نظير الاتعاب المشروعة, و إنما يتعدى ذلك الى توثيق الصلة مع أصحاب النفوذ المحلي و الدولي, ليكون الانطلاق إلى افق أوسع و مردود أسخى, و أنما كان موقف عبدالحكيم مخالفا لذلك و ربما معاديا إذ ما لبث أن نقل مكتبه الى مسقط رأسه بمدينة الزاوية و يحيا حياة كلها زهد و عفة و قناعة بالقليل من الدخل, مكتفيا على ما يبدو بعدم المشاركة في الأخطاء و تبني مبدأ "السلطان من لا يعرفه السلطان" و هكذا عزف عبدالحكيم عن أي ظهور في دنيا الأضواء, ليحسب كائن من يكون أن طيفا من الطموح قد حلق حوله, على الرغم من عديد المغازلات التي ارسلت على أكثر من صعيد, الى أن هاجمته الشيخوخة كما أسلفنا منذ قليل فقبل بها راضيا مرضيا و هي توهن الساق و السمع و البصر الى أن وصلت أخيرا الذاكرة, و يخمد في النهاية ضوء مصباحه ليحتضنه تراب الوطن الذي تعلم من حبه حب الانسانية و من الالتزام بالانشغال به سبيلا للانشغال بالعالم كل ذلك في كثير من الصدق و قليل من الكلام, و نختم في معرض تأبينه فنقول "كثير لحكيم في قليل عنه".إنتهى


_______________________________

شىء عن الفيتوري


أمين مازن

13-4-2015

دخل الشاعر محمد مفتاح الفيتورى قائمة الراحلين عندما وافته المنية بمدينة الرباط المغربية التي شهدت آخر اقاماته التي بدأها في نشأته الأولى بمصر فلبنان فمصر مرة أخرى : وحده الرباط التى شهدت آخر سجات واقامته دبلوماسيا وأخيرا دايب المرضى. وقد تزامن رحيل الفيتوري مع اللقاء الشهرى المحدد بأول ثلاثاء يكون موضوعه متروكا لمن يقبل دعوة منظمي اللقاء بفضاء المدينة القديمة بطرابلس «دار الفقيه حسن » فتفضل الكاتب والدبلوماسى حسين المزداوي باختيار الفيتورى الشاعر والسيرة موضوعاً لمحاضرته ، التى ميزها بالتكثيف وعدم الإطالة الى جانب الجرأة وعدم الرضوخ لمقتضيات المناسبة التى كثيرا ما يستخدمها البعض مبرر تغييب الموضوعية ، فكان العرض جريئا بما احتواه من المعلومات المنتقاه من الشاعر نفسه وكذا بعض مجايليه وبالذات الذين اختلف معهم في سيرته العملية عندما قدر له أن يرتبط بالنظام الليبى منذ سبعينيات القرن الماضي فجاء العرض متناولا هوية الشاعر من حيث الأصل النشأة وملابسات العلاقة مع الواقع الليبي المعاصر منذ أن حضر الفيتورى لأول مرة في الاواخر ستينيات القرن الماضى بدعوة من صحيفه الحقيقة التي حاولت تبني هذا التقليد واستهلته بدعوة محمد الفيتورى . تولى ادارة هذا الحوار المثقف والقاضى عمر الككلي متحليا بقدر غير قليل من الموضوعية والحرص على الوقت والتمسك بالمنهج القائل بأن ما يبقى من المبدع هو النص الذي يكتبه بإعتبار أن بقية الأمور المتصلة بالممارسة تدخل في التقدير الذى لا يرضي عادة الناس جميعا ، وقد تناول الكلمات بعد المحاضرة عدد من الحاضرات والحاضرين الذي أجمعو على تثمين جهد المحاضر بدءآً من السيدة أسماء الأسطى والشاعر مفتاح العماري والقاص مفتاح قناو والكاتب يونس الفنادى واخرين لم تحضرني أسماؤهم في هذه العجالة التي تنشد الغاء الضوء أكثر من الطموح للتوثيق الكامل ما احب أن أوكده هنا أن ما حملته المحاضرة المركزة والجريئة لن تؤدي الغرض المطلوب إلابإيراد أوعدد من الشواهد الشعرية أو على الاقل الإشارة اليها والدواوين التى حملتها ، فشاعر له مثل هذا المتن الكبير لابد أن يُحتكم إلى نصوصه لاسيما حين تكون الأحكام عليه أكثر من كونها له . أما الذي أكرر التذكير به وعن شهود المرحلة التي وجد فيها محمد الفيتورى بالوسط الثقافى المهجري المصري أن نسبه الليبى ليس مزعوما أو مدعيا ، فهو ابن السيد مفتاح الفيتورى غير المجهول في المهجر المصري والمعروف بصلاته القوية لدى المهاجرين اذ كان شيخاً للطريقة العروسية التي هي شديدة الارتباط بالشاذلية وأن هذه المنزلة يسّرت له تسجيل ابنه ضمن طلبة السودان المشمولين باعانة شهرية من الملك فاروق قيمتها خمسة جنيهات مصرية، فكان أن ارتبط الفتيوري الابن بتلك الجالية والنابغين منها تحديدا.

ولما كان عدد من هؤلاء قد عرفوا طريقهم إلى الأفكار الجديدة نظريا وإبداعيا، إلى جانب ساطين النقد الجديد، كان بروزه إلى جانب جيلي عبد الرحمن ومحي الدين فارس وتاج السر حسن وآخرين غيرهم من الذين تخندقوا في التيار المعادي للاقطاع والتبعية الأجنبية والذي بلغ أوجه عقب مؤتمر باندونج ومعارك الأحلاف الأجنبية وكسر احتكار السلاح، فتم الاحتفاء بشعره من قبل أبراز النقاد الاشتراكيين وشرع هو من جهته في تكريس شاعريته لمقاومة التمييز العنصري، فإذا ما كانت نكسة يونيو واضطرار عديد المثقفين إلى هجر أوطانهم ولوجود حراك بليبيا قادته صحيفة الحقيقة كان الفيتوري في مقدمة الذين قدموا إلى ليبيا ليس فقط باعتباره من الأسماء البارزة وانما لجذوره الليبية ويوما قام الأستاذ علي المصراتي بتقديم ديوانه معزوفة لدرويش متجول.

وعلى الرغم من أنه بأشراف مد جسوره نحو ليبيا الملكية إلا أن حسن حظه لم يمنعه من التسلل إلى العهد الجديد بحيث لم يكتف بالنشاط الثقافي وإنما دخل السلك الديبلوماسي الليبي شأنه شأن بعض العرب الذين وصل أحدهم إلى حمل حقيبة الوزارة على أنه اختلف عنهم فأدخل بعض أبنائه إلى القوات المسلحة.

وأيًا ما كان الأمر، فلا شك أن الفيتوري أحد أبراز الشعراء المعاصرين الذين تركوا بصمة في حركة التجديد، كما أن الحديث عن شعره وهو يغادر الدنيا يمثل نوعا من اسشعار المسؤولية ولا يملك المنصف إلا أن يكبر كل من أسهم فيها بالحديث أو الاستماع ، وفي مقدمتهم الكاتب حسين المزداوي وإدارة مشروع المدينة القديمة..إنتهى


________________________________


سلام قدري ورحلتنا

أمين مازن

9-4-2015

يحتضن فضاء الفقيه بمشروع المدينة القديمة في العاصمة طرابلس ندوة تكريميه حول الفنان الكبير المرحوم «سلام قدري» الذي غيبه الموت في الربع الأخير من السنة المنصرمة عن عمرنا ناهز السبعين ومرض دام عدة سنوات وكان قبل مرضه دائب الحضور في محراب الفن من ناحية وميدان الرياضة من ناحية أخرى الأمر الذي بوأه المكانة السامقة لدى كل معني بالشأن الوطني وتجلياته الاجتماعية.

ومعلوم أن سلام قدري أو عبدالسلام الجزيري كما تشهد سجلات بلدية طرابلس في مقدمة الذين ارتادوا ميدان الفن في خمسينيات القرن الماضي، حيث كان طريق الفن محفوفاً بعديد المخاطر، لولا أن الجزيري هذا كان متأثراً بالجو الأسري الذي نشأ فيه عندما كان والده وأكبر أشقائه في مقدمة المنشدين للتواشيح والأذكار ومن المألوف مما غرس في وجدان ذلك الفتى الذي عرفته مدارس المدينة وميادينها بين تلك الكوكبة التي ارتادت ميادين الفن والمسرح، فعرف مطربيها ويا يحاكي أغاني الفنانينٍ الكبار ثم مطرباً يؤدي ما يتوصل به من الملحنين الوطنيين وأخيرًا ملحنًا ومطربًا، ومن الانصاف أن نقول لقد كان ناحجاً في الاثنين.

أجل فبعد أن أحسن أداء الكثير من الالحان ولا سيما تلك التي أبدع فيها الفنان الرائد المرحوم كاظم نديم بن موسى وعلى رأسها أغنية «سافر مازال عيني تريده» التي مثلت نقلة غير عادية للأغنية الليبية وكذلك أغنية «لقيت الدنيا حلوة في عيني» خاض سلام قدري تجربة التلحين لكلمات الحريري المتجاوز لسابقيه «فتنا النخل والديس وتعدينا» إلى جانب «لوتؤمرينى فوق نسمة نطير» وكلتاهما استهدفت أشعال جذوة الانتماء الوطني وما اعتراه من الوهن والذي اهتم به من موقع المسؤولية المثقف الوطني البارز عبد الحميد البكوش عندما اضطلع برئاسة الحكومة الليبية عقب يونيو 1976 واستشعاره لما كان يتهدّد الكيان الليبي من المخاطر، جراء عجز القيادة المسنة عن مواكبة العصر وتفسح الذين تقدموا الصفوف وسلبيتهم فبدأ واضحاً أن سقوط النظام قاب قوسين أو أدنى فحاول ذلك المثقف أن يضع شيئاً لولا أن باغتاه بعض القوى بالاقالة ويسهل بالتالي الاجهاز على النظام في ساعة محدودة نعم لقد اقيل ذلك المثقف الذي كان مثالاً لاستشعار الخطر ومحاولة العلاج وظل ما يقرب من سنة يراقب المشهد ويكتشف النتائج التي ستترتب على المقدمات، حيث لم يتردّد في التصريح بأن الكيان الليبي يشبه حائط الكرتون الذي لايحتاج إلا لضربة واحدة من أحد الفارين ليتهاوى بالكامل الأمر الذي مالبث أن تأكد بعد خروج الرجل من الحكم بسنة واحدة وعبر تهيئة عجيبة تمثلت في بقاء الملك خارج البلاد وعدة أشهر وارتفاع نبرة الإعلام الأجوف الذي صُمت منه الآذان واقصى منه كل خطاب ينبه إلى ما كان يحاك ويقاوم ما كان يسود من يأس لم تستطع أشعار عزيز اباظة ولا حتى زيارة أم كلثوم أن تعطية أي بريق.

وعندما نستمع اليوم إلى ما يزخر به الألبوم الخاص بالفنان سلام قدري، ونطرب لادائه الجيد وصوته المؤثر ندرك بالجدال أن ما درج على اختياره من الكلمات إنما كان نتاج الوعي الذي توفر له، وهو وعي لم يتردّد في التعبير عنه لمجرد زوال النظام الذي كان يجد فيه نفسه، فرأيناه يتوارى ولا يظهر إلا نادراً على الرغم من أنه امتلك أحسن محل بالمدينة اختص بالآلات الموسيقية، وكان هذا الموقف ملحوظاً بل وتم التعبير عنه على أعلى المستويات، إلا أن الفنان الكبير ظل حيث هو لا يتشرف إلا بأغنية «لوتؤمريني» أما في جلسات الخاصة فبقصيدة «أساليني عن بلادي» ولا شك أن هذه المعاني هي ما دعت المتطوعين لموسم «دار الفقيه حس» الثقافي أن يخصوا هذا الفنان بمنشطهم الشهري هذا .. فالشكر لهم والرحمة له.إنتهى



________________________________

وقفة ( بمحطات ) المقهور

بقلم امين مازن


قد افلح الاديب المعروف الاستاذ كامل المقهور ،على ما يبدو في التغلب على مجموعة الاهتمامات التى اختطفته من دنيا الادب ،سنوات طويلة يمكن تحديدها بأواخر الستينات وطوال السبعينات والثمانينات ،عندما ارتبط بالسلم الوظيفي منطلقا من مستشار بمحكمة الاستئناف فالمحكمة العليا ،فمجموعة من المسئوليات القيادية : النفط ،الخارجية ،هيئة الامم ،حيث كان المقهور قد جمع قبل هذه الفترة بين المحاماة كمهنة وكتابة القصة كـأداة للتعبير عن الصورة المثلى للمجتمع الذي يتمنى، والمضمون الاجتماعي الذى يعمل من اجله ،شان القلة من نظرائه المثقفين التقدميين الذين اسسوا ما ندعوه بالثقافة الوطنية تلك التى رفضت مفهوم الادب الخالص كما يقول دعاته او ادب الابراج العاجية كما يقول خصومه ،و أثرت ان تتخذ موقفا اكثر ايجابية في المعركة الكبيرة التى ظلت الجماهير تخوضها تجاه كل ما هو سيء وغير تقدمي ،ابتداء من الوجود الاجنبي المخجل وسياسات الاقتصاد غير المتكافئ ،وصولا الى اسلوب الحكم المتخلف الذي عجز عن مواكبة العصر طوال الخمسينيات والستينات،وكان نفر من المثقفين الذين تنوعت اهتماماتهم وتعددت اسهاماتهم يتقدمون صفوف هذه المعركة ،عبر الجمعيات والنوادى والصحف والمجلات ،وحتى المقاهي وجلسات السمر ،ويؤثرون فيها تأثيرا بينا وتحرص مختلف القوى المؤثرة ،على تقوية هذا الشعور فيهم ،من هؤلاء من اكتفى بالجهد والعمل الابداعى ومنهم من عمد الى النشاط العملى شبه التنظيمي ،فيما فضل فريق اخر القبول بالواقع والتعامل معه عبر المؤسسات القائمة سياسة واقتصاد ،او ما اصطلح على تسميته محاولة الاصلاح من الداخل ،على انهم جميعا يمثلون مرحلة من اخصب المراحل في فكرنا الوطنى وتاريخنا النضالي ،مرحلة يصعب على أي دارس منصف ان يتجاوزها بواسطة القفز او نكران المحصلة التى ترتبت عليها فيما بعد مهما كانت المبررات ،ويأتى الان كامل المقهور ،فيدشن عودته الى الكتابة بالتوثيق لجزء مهم منها في كتابه ( محطات ) او ما اطلق عليه سيرة شبه ذاتية ،في اطار حديثه عن سنوات تكوينه الثقافي وتفتحه المعرفي ،انطلاقا من ازقة حي الظهرة وشوارع المدينة القديمة بطرابلس ،ثم الرحيل الى مصر في اواخر الاربعينيات ومعظم الخمسينيات ،حيث وجد المقهور صراعا هنا وصراعا هناك ورموزا مختلفة تعامل معها او تابع حركتها فعمقت في وجدانه اساسا اصبح من المستحيل معه ان يقبل بفكرة الفصل بين الادب والواقع ،ليصل بعد ذلك الى ضرورة العمل المستمر من اجل ان يوظف الادب والفن لتطوير الواقع ومحاولة تغييره للأفضل ويسعى الكاتب الان الى تقديمها في عملية سردية على قدر من الاتقان الظاهر ،والعناية الفائقة.

ونحن نقول بهذا الرأي لان المقهور لم يجلس في بيت او مكتب معزولا عن الناس ليسجل ما حواه النص ( محطات ) ولكنه اكد حضورا تميز به عن معظم نظرائه في مناشط الادباء والكتاب ابتداء من مهرجان الفاتح الادبي سنة 1994 الذي طرح فيه موضوع الثقافة والتحولات وصدر عنه اهم بيان تناول الواقع الثقافي و اشكالياته والطرق الكفيلة بتفعيله وتنقيته من الشوائب والمعوقات ،الامر الذي استمر بعد ذلك في ندوات الثقافة والمتغيرات وأدب الطفل ومجتمعنا والمستقبل والأدب في مواجهة التبعية ،حيث لم يسجل على المقهور أي غياب ، على الرغم من ظروفه الصحية لدرجة ان رأيناه مرات عديدة يحضر متكئا على احد مرافقيه ، وجهه يتصبب عرقا وجسده في حالة ارتعاش ظاهر ، وما ذلك الا لأنه كان يواكب الواقع المتحرك ،كمثقف لا يصدر عن نظرة محايدة بقدر ما ينطلق من رؤية واعية تدرك ان الحرف ابقى من أي عرض زائل وبريق مؤقت وان الخلود لا يصنع إلا بواسطة الفعل الثقافي والموقف الحضاري ، وان بعض ما يلقى ويكتب لا يبيح للمثقف الواعي ان يقف على الهامش .

ولسنا بهذا الاستطراد نهدف الى مصادرة أي خلاف يمكن ان يفضى اليه النقاش تجاه مضمون هذه المحطات او دلالتها او صحة وقائعها،ولا تغير احوال رموزها ،فما اكثر ما يمكن ان يقال حول هذا العمل مبنى ومعنى ،وان كنا نرى ان الكاتب في تفريقه من البداية بين التاريخ والكتابة الفنية قد استطاع ان يحصن عمله بعض الشيء ،اذ ان مثل هذا النوع من الكتابة يرمى الى توظيف وقائع التاريخ او بعضها تحديدا ،لتوصيل رسالة ما لعل من بينها محاولة تغذية الوجدان الوطنى والعمل على نفض الغبار عن المرأة الكبيرة،وفي هذا الصدد نرى ان المقهور قد استطاع ان ينجز عبر السرد المتقن القائم على التشويق الذكي و الاثارة الموحية ،القائمة على تنويع الضمائر ،وبما يمكن وصفه بالتداعى الفنى ،حضورا نحن في امس الحاجة اليه ،لرجال كان لهم في حياتنا العامة اسهامهم الذي لا ينكر ،وفي مسيرة بعض الاحداث تأثيرهم الذي لا يجاري وقد كاد النسيان ان يبعدهم عن الذاكرة ، فجاء هذا الفنان ليحشدهم امامنا جميعا في ابداع متميز يقوم على السرد ذي النكهة والخصوصية والدلالة ،انها حياة متشابهة بحق تلك التى اثر المقهور ان ينطلق منها وهو يبوح لقرائه بالتيارات التى نسجت الخيوط الاولى لشخصيته الادبية وكونت الارضية الثقافية لوعيه الثقافي والسياسي ايضا حياة مهد لها عدد من الرموز الذين تألقوا في هذا الواقع منذ الاربعينيات ،عند طرح القضية الليبية في المحافل الدولية ،حين طرح موضوع الاستقلال لأول مرة وعرف الناس شعارات الوحدة والانضمام الى الجامعة العربية وهي مطالب رغم عموميتها إلا انها وجدت تجاوبا من الشارع اضفى على القائلين بها قدسية كبيرة وحقق لهم مكانة سامية ،خاصة وان بعضهم كان يحمل الى جانب هذا النشاط نشاطا اخر اقرب الى عقول الناشئة تمثل في التعليم والجهد الاجتماعي ،مما هيا للكاتب وهو يتحدث عن تلك الفترة ان يجسد صورها ويقرب ملامحها محققا ضمن استدعائها قدرة فائقة على التلاحم مع الحياة بحيث لم يستسلم للذاتية الضيقة التى كثيرا ما تضع امام من يصاب بدائها مرآة تحجب عنه النظر الى ما سوى هذه الذات ،وقد جاء ذلك بواسطة ادوات فنية غير جاهزة قامت على الجمع بين الجملة المكثفة واللمحة الخاطفة و الايقاع الشعرى ،بعض هذه الرموز نلتقى بها من خلال الاسم الصريح وبعضها عبر وصف الملابس وشكل الوجه ،في طرابلس وبنغازى يحركون الواقع بالخطب والاجتماعات وفي الجامعة المصرية او الثانوية العامة يشكلون الخلايا السرية ،والسرد الذكى يحشد كل الوقائع امام الملتقى حتى لتبدو الحياة وكأنها اعيدت عن تلك الفترة من الخمسينيات،طرابلس وأثار الحركة الوطنية للطلبة والعمال ،فيظهر حشد كبير من الاسماء ،صفر والهاشمي يعتقلان بعد حادث القنبلة اليدوية بطرابلس،شفيق وحنفى وغيرهم يقتادون الى سجون الواحات والخوف يداهم الجميع ومظاهر التردد تبدو على حياة الطلبة المهددين بالطرد وواد كل الاحلام الوردية التى تحرك قلب الانسان في هذه المرحلة التى يمكن القول ان الكاتب قد امسك بخيوطها بشكل جلي وعير عن ملامحها بمستوى جيد،وان يكن في مقدوره وفي اتساع المرحلة ما يسمح للمرء ان يكتفى منه بما قدم ،نظرا لاتساع التجربة وغناها وتعدد الاصوات المؤثرة فيها وفي تطور احداثها و ابعادها.

لقد التقيت كامل المقهور قبل خمس وثلاثين سنة كاملة ( خريف سنة 60) كان يومئذ ملء السمع و الابصار يكتب القصة القصيرة المتميزة ويتحدث عن فنها شبه الوافد بجدية واقتدار ،مما جعله يحتل حيزا واضحا في ثقافتنا وفي حياتنا الفكرية ،كان قد عاد لتوه من دراسته الجامعية ،وكنت امارس نشاطي الاجتماعي بنادي الشباب الليبي ،والذي لم يكن في حقيقته سوى جبهة وطنية تضم كل الفعاليات والقوى التقدمية ،كان الصراع على اشده في الوطن العربي ،وكان المثقفون الليبيون يحاولون الربط بين الواقع المحلي وحركة التحرر الوطني ،مذكرة ترفع احتجاجا على تجربة فرنسا الذرية وأخرى استنكارا لاعتقال لومومبا وكتابات اخرى عن معيتقية ونقابات العمال في حين يلتفت فريق اخر الى مشكلات طريق فزان ومحاولات التمكين للنظام الاتحادى بواسطة ترسيم الحدود بين الولايات الخ. والجميع يعانون من تأثير الوقع العربي ومن الانقسام الحاد بين العراق ومصر والوحدة السورية المصرية التى بدأت مظاهر فشلها تلوح في الافق ،حين اطلقت يد المشير بسوريا ،كامل المقهور بدا مشواره الوظيفي انطلاقا من ادارة قضايا الحكومة ،ويومها كان حديثا مهما ومعمقا ذلك الذي دار بيننا ازاء ما كان يجرى ،لم يكن ثمة موعد مسبق ولا معرفة شخصية سوى ما يحمل السمع ،ولكنه كان يتجاوز كل هذه الشكليات لينفذ رأسا الى العمق ،وما ذلك إلا لأن الامر كان فوق العلاقات الشخصية كان الامر يتصل بالواقع المعاش ومحاولة فهم شروطه وأسس تحريكه ،بعيدا عن الحلول الجاهزة والنصوص المعلبة ،كنا نهم بتوديع مرحلة العزوبية والدخول الى تجربة بناء بيت وتكوين الاسرة وكان ذلك سبيلا الى مزيد من التدبر والتفكير الهادئ ،مما قوى فكرة الاخذ بأسلوب التفكير بصوت عال عبر وسائل التعبير المتاحة وبالأشكال الادبية المعروفة المتمثلة في القصة والشعر والمقالة والعمل الاجتماعي ،كان الواقع يطرح اكثر من توجه ويتيح اكثر من خيار ،وكان التفسير الذي انتهى اليه البعض ووثقوا في جدواه ان العمل الثقافي حين يتقن ويحسن اداؤه يمكن ان يكون اكثر جدوى في بلد خال من الكثافة السكانية ومفتقد لكثير من شروط الاستقرار التى لامناص منها لطرح الخطاب الادبي الاجتماعي الذي رأى البعض يومئذ انه يمكن ان يقدم الحل الامثل ،ولعله من هذا السبب او من هذا الفهم اثر ان يصرف النظر عن طلبه الذي تقدم به الى المطبوعات في ذلك الزمان لإصدار صحيفة افريقيا الجديدة ،فلم يعمد الى رفع قضية امام القضاء بالرغم من انه قد تحول عقب هذه الفترة مباشرة الى سلك المحاماة،ومنذ ذلك الوقت توالت اللقاءات وتوالى الاسهام الثقافي بواسطة الحرف المكتوب ولكن سلطان الحياة كان اقوى والواقع الاجتماعي المتحرك اشد تأثيرا كان للتطورات الاقتصادية الناتجة عن تصدير النفط بعد منتصف الستينيات تأثيرها القوى ولمجموعة الشركات الوطنية التى تأسست عقب سنة 1967 تأثيرها الأشد ،فكانت غيبة المقهور التى بدأت كما قلت في البداية بالعودة الى محكمة الاستئناف ومن ثم رحلة الوظيفة طوال السبعينات والثمانينات حين وجد مجموعة من الاهتمامات التى اختطفته من دنيا الادب ،حتى ان اطفالنا حين التقوا بالمدارس لم يكونوا يعلمون عمق صداقتنا.

ومع بداية ازمة لوكربى ،التقيت المقهور بالقاهرة على هامش اجتماعات الحقوقيين العرب واللجنة العربية للتضامن ،فكانت حوارات مطولة ومراجعة دقيقة لرحلتنا الثقافية وتجربة جيلنا بالكامل ،تجربتى مع المدينة وتجربته مع مصر ،كيف تأثرت بموقف الناس من القاضي الذي حاول ان يحول بينهم وبين بيع منتوجه من التمر في القرية وكيف وجد هو عالما اوسع بالمدينة ،كنت قد فرغت من تدوين تجربتى التى جمعت بين احداث شاهدتها وأخرى شاركت فيها وكان هو بصدد التحضير لعمله موضوع هذه المعالجة وكان أهم ما اسعدني ما وجدته لديه من المتابعة لما نكتب في صحفنا ومجلاتنا فقد كان ملما بما طرحناه في باب قضايا لمجلة الفصول وفي صفحات مجلة ( لا ) كما الفيته متابعا لصحيفة الشمس ،مدركا كذلك لما تقدمه معظم الاجيال الجديدة ، ومن ثم كانت مداومته وكان حضوره ،حتى كانت ( محطاته ) لبتي قرأ لها وهي معدة للطبع في صيغتها النهائية فجمهوره بتوقيه وإهدائه المشرف.

استوقفنى تحديده في المقدمة : " سوف اذكر اسماء احمل لها ودا خاصا ، كانت رفيقا لي في انتظار القطار في المحطة ،او كانت جليسا في السفر ، او كانت انيسا في الوحشة ، وسوف ابعد من خاطرى كل من ناوشنى وأنا انتظر القطار ،او احاول ان يسرق مقعدى فيه او هاجمنى في مجلس او تطوع لرميي من عرباته ".

" ولم يعد في امكاني ألا ان اتغاضى وان اصفح ، ألا اننى اطلب العفو ممن ضايقهم جلوسي امامهم او الى جوارهم او حتى خلفهم .. اما من ركبت بدلا عنه او وصلت قبلا منه ،فله الصبر ولي المعذرة ".

فتلك هي خلاصة التجربة الحياتية ، سباق مستمر وصراع لا يعرف التوقف ،ولا تخفى حقيقته المبررات التى يفلح بعضنا في اختلاقها ويعجز بعضنا الاخر في ذلك عجزا بينا.

ندرك ان هناك من سيتساءل هل هذا العمل وحده الجيد ، هل هذه هي السيرة الذاتية الاولى التى كتبت او العمل الملحمي الوحيد الذي قدم ، وهي اسئلة مهمة وجديرة بان تثأر وان يقال بصددها ان ( محطات ) عطاء ضمن مجموعة من العطاءات المثمرة والجميلة ،بيد ان ما يميزها وهذه وجهة نظر خاصة انها لم تعمد الى الغرائبي ولم تهرب الى الثنائي وإنما عادت الى الواقع الى التجربة الحقيقية لتقديم رموز ،يحملون قضايا ويبنون حياة تزخر بكل شيء ،حياة فيها عريف الفصل الذي يمكنه ان يتطور يوما في رواية كاملة وفيها الشيخ الذي يمارس الرياضة بجلبابه الذي يصور مرحلة من العمر ،وفيها استاذ التاريخ المتميز الذي تفتقت عبقريته بمصر مخلدا اسم الوطن ،ولعل سر الجمال في هذا العمل ومبعث الاهتمام به او الاحتفاء بالأصح انه قام على حقيقة مفادها ان المتغيرات لا تسوغ النكوص عن رسالة الفن الحقيقية وان للواقع نكهة لا تهزمها أي نكهة مستعارة ، وان الانا القوية بحق هي تلك التى تفلح ،بواسطة الفن وحده ،في توكيد ارتباطها الوثيق بالآخر في تلك المعركة الكبيرة معركة العدل والخير والتقدم التى لا مناص من خوضها لكل فن عظيم يتطلع مبدعه نحو الخلود.

بقى لنا ان نسأل :- " هل كتب المقهور سيرته هذه وأقدم على نشرها فقط لأنه بلغ الستين في هذه السنة 1995 او ان هناك شيئا اهم حدا به الى تقديم عمله هذا الى المطبعة .. شيئا يتعلق بفكرة الكتاب وإبراز دور الافراد في حركة الحياة وبإمكانية الحوار حول هذا الكتاب ،أي وجود ظروف موضوعية ،والكتاب اول من تقدرها ،تجعل صدور مثل هذا الكتاب مألوفا ولا يتجاوز العادي".

من الواضح ان الحديث عن السن من قبل الكاتب لا يعدو ان يكون تبريرا لتوفير التشويق لتجربة القص ،اما الباعث الحقيقي فهو بتقديرنا يعود الى المناخ العام فهو دون غيره الذي حفز المقهور على العودة الى الحياة الثقافية بالحضور اولا والكتابة ثانيا و إلا لاكتفى بتدوين ما عن له تدوينه وقدمه للنشر تاركا الحكم عليه للتاريخ ،ولا غرو فالذين تحدث عنهم جميعا وخصهم بالشكر هم الان في قلب الحياة الثقافية.

من هنا وكما قلنا في غير هذا الموضع ،نحن ننتظر من الكاتب وقفة متأنية في محطة اخرى ،محطة ما بعد التخرج والدخول المباشر مع معركة الحياة حيث الطموح والأمل ،الانتصار والفشل ،الوصول والانتظار ،محطة الصدمة العنيفة بين النظرى والعملي ،بين الافكار العظيمة التى يحملها المرء في سنوات الصبا حالما بالجموع المتراصة التى ستقف منصته لما يقول مستجيبة لما يشير وبين الواقع المعاشي المرعب الذي يغتال بمغرياته لكل هذه الامال فيشيح المثقف بوجهه عن تلك الجموع الى قطاعات اخرى اكثر اغراء او تشيح هي بعيونها عنه حين تكتشف حقيقته او تفلل بواسطة قوى اخرى.

ولعلنا في حاجة الى القول بان الحياة الادبية لن تستفيد كثيرا حين يبعد المقهور من خاطره اولئك الذين ناوشوه او تضايقوا من جلوسه في القطار او حاولوا منعه من الوقوف بالمحطة او حتى ركوب العربة ،وربما ذهبت الى حد الشك في انه لن بغفل اولئك الذين استطاعوا الوصول قبلا منه ،اذ ليس المطلوب فنيا ان يجلس الجميع امام واعظ على الموعظة الحسنة ،ولكن المطلوب حقا هو ان يمسك الكاتب بهذه النماذج مجتمعه ليصوغ ملحمة مكتملة يلتقط خيوطها الاولى من سلوك هؤلاء جميعا ليمضي بعد ذلك قي تطويرها على مهل تعميقا لصوت انسان ما يزال الرهان على جواده قائما ، خاصة ونحن نعيش سنوات الانكسار ونتجرع مرارة كؤوس الاحباط و اللاجدوى ،ونحتاج بالتالي للاستفادة من السلبي والايجابي .

لقد تحدث المقهور الى يوسف القويري الذي طرح عليه بعض الاسئلة المتعلقة بمشكلات الابداع ،فقال له ،ان لم تخنا الذاكرة ،ما معناه انه فقد النموذج الذي انطلق منه في تجربته القصصية التى عبر عنها في مجموعته الاولى ( 14 قصة من مدينتي ) وها هو الان يقدم نماذج جديدة في عمله السردي هذا ، نماذج ربما لا تصلح ان تكون ابطالا لعمل قصصي قصير ، الا انها بالتأكيد تصلح بما لا يوصف ان تشكل مادة خام لعمل سردي للجمع بين الواقع والخيال ، غير انها لا تحتاج الى تسامحه لأنه بلغ الستين ، بقدر ما تحتاج الى مزيد من الاقدام ومزيد من الجرأة بعد ان بلغ الستين ، كما نحب ان نطرح المسألة:

نعم نحن لهذا الموقف احوج ،وانه بذلك اجدر واحق.إنتهى


• نشرت في صحيفة العرب اللندنية العدد الصادر بتاريخ 9/11/1995.



_________________________________



في تكريم المناضل صالح القصبي

أمين مازن

6-5-2014

خطت جمعية سجناء الرأي الفتية في السابع والعشرين من شهر إبريل الماضي خطوة متطورة في أدائها العام، فاضافت إلى الاهتمام بحقوق أعضائها من حيث تقديم الخدمات وإرجاع الحقوق، لوناً جديداً من هذا الاهتمام، فنظمت الاحتفالية الخاصه بكتاب المناضل الكبير الاستاذ صالح القصبي، الذي وثق تجربته في السجن التي بلغت في حساب الزمن ثلاثين سنة لاينقصها سوى أشهر معدودة، فحشدت للاحتفاليه عدداً غير قليل من أعضائها الذين جعلت منهم التجربة أصدقاء لبعضهم فوق أي اعتبار آخر. عندما غصّت بهم قاعة المركز الوطني للمحفوظات « الجهاد كما هي التسمية الراسخة في الذاكرة» حيث استمع الحضور إلى بعض القراءات التي تناولت الكتاب المذكور، والتي أنجزها نفر من عارفي الاستاذ القصبي وأصدقائه، تقدمهم السيد علي العكرمي، الذي يجمع بين رئاسة الجمعية زمالة القصبي في النشاط وقبل ذلك موطن الولادة والنشأة «تمزدة» إلى جانبه الدكتور الصديق نصر أحد العاملين في صمت والمشجع الأساسي على إصدار الكتاب. وقد ركز العكرمي على جملة من الثوابت المتعلقة برسالة الجمعية والتي -حب العكرمي- لن تحصر مهمتها في خدمة اعضائها من حيث الحقوق وتذليل الصعوبات، وإنما ستدفعهم إلى الاصطفاف مع بقية أبناء الشعب لبناء الدولة الديمقراطية القائمة على التعددية والتبادل السلمي وبالأحرى التداول على السلطة. مشدداً على حاجة البلاد اإلى جهود الجميع وإسهام الجميع خاصة وأنها - أي البلاد- تزخر بالامكانيات التي تتكفل باتاحة الفرصة للجميع، الأمر الذي يؤكد وكما قلنا في غير هذا المكان مؤهل لأن يقود هذه المؤسسة باقتدار كامل من شأنه أن يدفع اعضاءها الممثلين لعديد الاطياف كي يقوموا بما ننتظر للوطن والوطنيين، فلا شيء يحتاج إليه الوطن من هذه الأعداد الكبيرة من مناضلي الوطن الذين عجمتهم تجربة السجن المريرة وجمعتهم محنة الحكم الديكتاتوري أكثر من إشاعة ثقافة التسامح وتنزيه القوى الشعبية الحية عن الانجرار خلف النزاعات الثأرية التي كثيراً ماتزين لأولئك الذين ظلموا بالأمس أن يكونوا ظلمة اليوم. الأمر الذي ستكون نتيجته انشغال النخب عن كل مايفيد المجتمع الجديد ويساعده على الخروج من مستنقع سياسات الطغاة، إلى الوقوع في مستنقع ذات الممارسة الأمر الذي يطال قطار التنمية ويعوق مركب الإبداع، ويحول دون استمرار الاشعاع المطلوب. والحق إن طرح مثل هذه النظرة البناءة تعني بالنسبة للوطن والوطنيين الكثير مما يبعث على الاطمئنان من حشد مثل هذه القوى البشرية المؤثرة في حياة الوطن والوطنيين بما تبشر به من امكانية القيام بالدور الايجابي المنتظر من كل ذي إمكانية معرفية للتنادي الى كلمة سواء بشأن الوطن واستحقاقاته بدلاً من التضحية به في وهم الخيارات الكبيرة التي طالما تسربت عبر أولوية الكل على الجزء وهي مغالطة كثيراً ماسهلت على سدنتها تحرير مصالحهم القطرية وتوكيد دورهم في المحيط الأكبر، عندما استطاعت أن تستدرج الكثير من القوى المحلية تحت ستار أهمية الشأن الأممي، لافرق أن يكون هذا الأممي يرى القدوة حيث فارس وحتى اسطنبول، او موسكو ومن ورثها. فالتطرف هو التطرف. والضحية دوماً هي الأوطان، فإذا ما كانت هذه الأوطان كما هو الحال بالنسبة لنا معشر الليبيين ، حيث تناثر السكان وقبل ذلك قلتهم ، ضف إلى ذلك إتساع رقعتهم وتعدد ثروات أرضهم ومثلما الضغوط المتنوعة والظروف المحيطة، ولاسيما موضوع الحدود الطويلة والمرتبطة أشد الارتباط بكل ما من شأنه أن ينتج المزيد من الضغوط، ويسود الرأي المسفه لفكرة الدولة ومن ثم الحيلولة دون قيام أي شرط من شروطها مثل الشرطة والجيش وحتى المجالس البلدية والنيابية وأخيراً التدخل في راية الوطن، إن باستبدالها كاملة أو إضافة اسم الجلالة بما يؤكد هوية التعصب ودون انتظار موافقة الناس، فإن خطر لأحد أن يسأل مجرد سؤال كان الرد الجاهز والمعبر عن التهمة سلفاً أي التبرم من اسم الجلالة. مما يعني أن حشد هذه الاعداد من المساجين السياسيين السابقيين تحت سمة سجناء الرأي وبهذا الخطاب الذي يصدح به علي العكرمي من شأنه التبشير بمشروع وطني يمكن أن يدخل مشاريع الانقاذ الوطني بجدارة.. فضل الأستاذ القصبي أن تكون ذكرياته على هيئة رسائل إلى أصغر كريماته، التي تركها دون الأربعين يوم من عمرها. والأربعين عادة تمثل اول مناسبة للاحتفاء بأي مولود بعد الأسبوع الأول ، ولمناطق ليبيا عديد العادات المتصلة بهذه المناسبة. ولهذا اختار القصبي الحديث عن أحواله إلى تلك الصغيرة التي شاءت الأقدار أن يتركها رضيعة هي الأخرى. كانت الثالثة في ترتيب كريمات الأستاذ القصبي، كما حملت الصفحة الأولى من الكتاب التي قدمت سيرة مختصرة للمؤلف حددت مكان وسنة الولادة ومراحل التعليم والشهادات التي نيلت بشأنه وتاريخ السجن وكذا الخروج منه.

ومن ثم توثيق الأحداث التي عاشها الرجل ومن رافقه المحنة لافرق بين من شايع القصبي أو كان على الطرف النقيض، المهم أنهم جميعاً شركاء المحنة وماعرف فيها من الحلو والمرّ ومثلما تحدث عن فترة انضوائه تحت راية حزب التحرير الإسلامي، التي تزامنت مع سنة 67 أي السنة التي مني فيها العرب بفقد البقية الباقية من فلسطين تحدث من جهته عن الذين التقاهم في تلك الفترة ابتداء من ابريل 1973 عندما ابتدع النظام المنهار ما أطلق عليه مصطلح الثورة الشعبية، التي لم تكن في حقيقتها سوى الأحكام العرفية بعينها ولكن دون إعلان رسمي شجاع. فقد بدأت من مدينة زوارة لتشمل مجموعات من الأمازيغ الفضلاء الذين تم انتقاؤهم بعناية بحيث طال الاعتقال أكثر أعيان نالوت حيث مرجعية الفقه الأباظي المتمثلة في الشيخ الجليل علي يحيي معمر وحيث الصراع مع المناطق المجاورة والمتنافسة في أكثر من معركة انتخابية بدءاً من البلديات ووصولاً إلى المجلس التشريعي ثم النواب. وقد استطاعت المجموعات الصاعدة من المناطق المجاورة وهي تتسلل إلى العهد الجديد أن تستدرجه إلى إعلان ذلك الموقف العدواني الذي اختيرت له زوارة ومناسبة المولد النبوي لتكون مفردات الخطاب قائمة على تعطيل جميع القوانين ومصادرة الكتب من البيوت إلى جانب المكتبات الخاصة، وأخيراً اقتياد الشيوخ والشباب إلى مراكز الأمن في اليوم الثاني لاعياد المولد النبوي، ودفع المجموعات المحشدة سلفا كي تزحف على المواقع الإدارية وقبل ذلك وسائل الإعلام، متبنية شعارات حضر الحزبية وتجريمها وتطهير البلاد من المرض والمندسين إلى آخر التسميات الوقحة التي لم تكن أكثر من غطاء للاجهاز على البقية الباقية من الخبرات التي وجدت فرصتها في الشركات الخاصة والمشتركة فإذا بالتحرك الماكر يأتي عليها مجتمعه بعد أن تم رصدها بواسطة المخابرات الشقيقة ومهندسها المعروف فتحي الديب المتدثر بالحركة العربية الواحدة.

لقد كنت يومئذ بين الذين شملهم سجن باب بن غشير المركزي، حيث الحشد المتكون من عديد الأطياف والأعمار من شباب وكهول ومن في طريقهم إلى الشيخوخة، لتعود الأعمار إلى المعاهد المتوسطة والثانوية العامة . وكان القادمون من المعاهد المتوسطة والمرحلة الثانوية يحملون الهوية التحريرية، فكان لذلك أثره في الرفع من درجة الحقد على هذا الفصيل، إذ تأكد من خلالهم حجم الاستمرارية، ولاسيما بالنسبة للعاملين في مجال التعليم على نحوما امتحن به السيد عبدالعزيز الباجقني المدرس في زاوية الدهماني، حيث أكثرية الموقوفين من الطلبة ممن ضربوا أروع الأمثال في الحفاظ على المواقف الصلبة . وقد قيل يمئذ في معرض الرد على الذين دعوا إلى التسامح مع الطلبة، بأن هذه هي السن التي فكر فيها الذين تحركوا في سبتمبر 69 عندما بدأوا مشوارهم من المرحلة الثانوية . والحق إنني على الصعيد الشخصي قد لاحظت مثل هذا التوجه في أحد زياراتي لمسقط الرأس «هون» والذي ادى في النهاية إلى شيء من التنافر بين الدارسين في الجامعة كما اشرت في غير هذا المكان وكنت اتصور الحموية الإسلامية في الأخوان المسلمين، وليس حزب التحرير الاسلامي الذي توصلت ذات يوم ببعضٍ منشوراته المرسلة بالبريد 959 أكثر من مرة، ولم أسمع بعد ذلك شيئاً يذكر اللهم إلاما قرأته عن تاريخ الأحزاب في الأردن ودور الشيخ تقي الدين النبهاني في تأسيس هذا الحزب، لولا أن ماقرأته لم يكن من منظور ودي.

حتى إذا ضمني ذلك السجن، وكان من بين الذين عشت معهم الزنزانة المرحوم المهندس محمد عبدالله عبدالقادر الغالي الذي اشتبه به في الهوية التحريرية فأكد لي قبل التحقيق أنه ليس من معتنقي الفكرة وإنما اكتفى بالاطلاع على ماعرض عليه من أدبيات انطلاقا من علاقة القرى التي جمعته بالكثير من قيادي الحزب المذكور.

كان الغالي مدركاً لدواعي الاشتباه الذي لحقه وقد أرجعه إلى بعض الردود الكيدية التي عمد اليها بعض الذين اختلف معهم فكانوا يلومون باسم الشيخ تقي الدين النبهاني رهانا على أن ذلك سيضع الغالي « العنيف في ملاحظاته» داخل هذا الفصيل غير أن ماكان يريح الغالي أن التحريريين لن يلبسوه ثوباً ليس له . ويبدو أن رجال الأمن قد أدركوا هذه الحقيقة فخرج الغالي مع من خرج في الإفراجات الأولى. ليكون إلى جانب يوسف حماد «المهندس هو الاخر» خير مكسب خرجت به من تلك التجربة التي حاولت أن اكتب عنها في حدود المتاح والمتاح حينذاك لايسمح بالحديث عن تجربه هذا الفصيل الجدير بكل معاني الإكبار والمعزة تلك التي بلغت قمتها عند القصبي والشهيدين حسن الكردي ومحمد حفاف فضلا عن الترهوني والكثير من الشباب الذين سطروا في الذاكرة حضوراً لاينسى مهما طالت الأيام وأذكر أن أول حديث دار بيني وبين المحامي محمود نافع حيث وجدته بلندن في منتصف السبعينات كان حول هؤلاء وكان نافع يومئذ يتوقع أن اهتمامي سيكون منصرفاً لمن سواهم. ولاشك أن مادونه الاستاذ القصبي في كتابه هذا الذي شغلت صفحاته الأربعمائة وخمسين صفحة من الحجم الكبير قد مثل تسجيلاً صادقاً لهذه التجربة المثيرة التي دامت طوال هذه العقود وشملت هذه التنوع العجيب من الأعمار والأطياف التي أفلح الأستاذ القصبي في نقل صورة بالغة الدقة عن حياتها وتعاملها مع الأحداث والشخصيات بمن في ذلك بعض السجانين الذين كانوا متعاطفين مع مسجونيهم حتى ان منهم من كان يتظاهر بالضرب وهو لايضرب ومنهم كما روى لنا عن أكثر من مصدر من كان يدعو إلى اظهار الالم والصراخ لكي يتسنى له أن يخفف أو على الأقل لا يلتفت إلى امتناعه عن التعذيب فمثل هذه الرواية الأمينة ستؤسس في المجتمع فضيلة الخوف من التاريخ والاعتزاز بالمواقف الطيبة وحسب أن اذكر في هذا الصدد تلك الدموع التي درفها المرحوم البراني ناجي عندما نفذ الأمر الموجه اليه بالقبض عليه شخصيا فلم يتردد في إظهار أسفه والتعبير عن تأثيره حتى إنني عندما إستمعت إلى الخطاب الذي أذان رجال الأمن على اعتذارهم خشيت أن يكون البراني قد ضبط أمره . لقد تعهدت الجمعية لمحاولة تنظيم ملتقيات أخرى حول تاريخ المرحلة وما يكتب عنها ومستجدات الواقع وما تفرضه وهو توجه لايملك المرء إلا أن يرحب به ويدعو الجميع إلى الإسهام فيه . فهذا الحشد المتجانس أجدر بأن ينظم صفوفه وفاعليته في ليبيا الجديدة المحتاجة للجميع. ولاسيما الذين أعجبتهم تجارب السجون وتآخي السجناء.إنتهى



_______________________________

الحولية الأولى لكامل أعـراب

أمين مازن

11-3-2014

نظمت مكتبة دار النويجي ، التابعة لمشروع المدينة القديمة بطرابلس ندوة ثقافية إحياء للحولية الأولى للأديب والإعلامي الراحل الأستاذ كامل أعراب ، الذي فارق الحياة في السادس والعشرين من فبراير 2013 ، فجاء توقيت الندوة مع هذه الذكرى التي شهدت افتتاح القاعة التي حملت اسم الفقيد ، ووُضعت فيها مكتبته التي أُهديت لهذه المكتبة المتنامية والتي بلغت عناوينها بحسب توكيد مديرها ثلاثين ألف من العناوين . وقد حضر هذه الذكرى لفيف من الأدباء والكُتّاب والفنانين وأقارب الفقيد ، حيث ألقيت على مسامعهم بعض الكلمات المتصلة بالمناسبة ومن تم تجولوا في القاعة والقوا نظرات عن عينات الكُتب والمراجع التي أفلحت الأديبة أسماء الأسطى في تقديم بسطة جيدة ومفيدة عن محتوياتها ، فكان في ذلك ما ضاعف من استشعار أهمية الحدث . ولمّا كُنت من الذين دعوا لهذه الندوة وبحكم العلاقة الشخصية الطويلة وعمق المشترك على مختلف الصعد كانت مشاركتي المكتوبة على النحو التالي :- هذا لقاء يختلف عن جميع اللقاءات التي طالما شهدها وسطنا الثقافي عقب رحيل أي فرد من أفراد عائلته ، فيقتضي الواجب أن يتنادى المهتمون من أفراد الأسرة لإحيائه بالمتيسر ، ويدلى كل بدلوه طبقاً لحجم التأثر بالحدث والقدرة على التعبير عنه ، فقد الهم الله فقيدنا العزيز كي ينتزع له هذا الاختلاف ويحقق له هذا النوع من التفرد لدى كل من يتيسر له التعايش مع المكان ، أعني مشروع المدينة القديمة أهم الفضاءات الثقافية الشعبية والذي كانت إداراته وبالأحرى مؤسسته قد أرست فيه فكرة اقتناء بعض المكتبات الخاصة بواسطة الشراء من الورثة مع تجليدها وكتابة أسماء أصحابها بدءاً بالمرحومين عبد الوهاب عليوة وعبد الله القويري . كما تمت مخاطبة أكثر من أديب من ليبيا في الخصوص ، ان وهو على قيد الحياة أو بالتواصل مع ذويه ، مما حدا بفقيدنا الراحل ومثقفنا المعطاء الأستاذ كامل أعراب أن يوصي أسرته الكريمة لتقوم بإهداء مكتبته وبالأحرى المتبقي من هذه المكتبة إلى دار نويجي التابعة لمشروع المدينة القديمة . تقديراً منه للمشروع واعتزازاً بالعاصمة التي شهدت حياته بالكامل ومراحل تطوره وشواهد تألقه ، وأنا أقول المتبقي من المكتبة لأن أغلب وأهم ما امتلك كامل أعراب من نفايس الكتب وأثمن المراجع تمت مصادرته منه منذ أربعين سنة مضت عندما اقتيد مع عشرات المثقفين إلى السجن المركزي بطرابلس والكويفية في بنغازي بحجة ما أطلق عليه الثورة الشعبية التي كانت مفرداتها متمثلة في مصادرة جميع الكتب الجادة واعتقال أصحابها عقب خطاب زوارة حيث طبقت الأحكام العرفية عملياً من دون أن تعلن رسمياً ، وقد رأت الأسرة الكريمة أن تبر بالوعد المذكور في الذكرى الأولى لرحيل الفقيد ، فيكون اللقاء اليوم مختلفا عما تم لغيره من الراحلين إذ أصر أن يبقى موشوما على آثار غيره ممن قرأ لهم وكتب عنهم واختار لهم ، خاصة وأنه لم يكن صاحب قلم في صحيفة ، ولكنه كان صاحب جهود إعلامية كثيرة تحتفظ بها له مكتبة الإذاعة وما تحويه من أشرطة مسموعة وأخرى مصورة ، إذاً اقترن حضوره الثقافي من البداية بالعمل الإذاعي المسموع ثم المرئي بل لعل الكثير من إسهاماته الثقافية الجادة كانت تلك التي قدمها من خلال الميكرفون في مرحلة من مراحل تاريخنا السياسي والثقافي . بل إن ما لحقه من مستمسكات الاشتباه السياسي كانت تلك الناتجة عن النصوص الأدبية التي طالما عمل على تقديمها ضمن مختاراته منذ أن أصرّ على أن يضمن حلقات برنامج مساء الخير التي كان مكلفا بها نصوصاً للشاعر الاسباني لوركا والتشيلي بابلونيرودا على إثر مظاهرات الطلبة يومي 13 ـ 14 يناير 1964 وما شاهدته من استشهاد شباب تلك الأيام الذين خرجوا من مدارسهم معارضين للوجود الأجنبي ولا عجب ، فعبر الخمسين سنة ونيف التي هي مجموع تجربة كامل أعراب المكتوبة والتي يمكن تحديد بدايتها سنة 1958 تلك التي شهدت حضوره الثقافي الجاد ، والذي جاء مستفيداً من ذلك المناخ الجوي الحيوي الذي أفلح في إيجاده خليط من المثقفين المتكونين بالداخل والآخرين العائدين من الدراسة الجامعية ممن ضجت بهم فضاءات مدينتي طرابلس وبنغازي وأوائل الذين دخلوا الجامعة هناك وكان تحركهم من خلال النوادي وفرق التمثيل والتشكيلات النقابية وما أحدثته من وعي سياسي . أقول عبر هذه الفضاءات شرع الفقيد ونفر من نظرائه المتكونين محليا يخطون خطواتهم الثابتة ، ولا سيما الفرقة الليبية الحديثة التي كان احد مؤسسيها ، ونادي الشباب الليبي الذي أريد له ان يكون امتداد لنادي طلبة القاهرة صاحب الدور المعروف ثقافة ووطنية . فعبر تلك الأجواء وجد أولئك العائدون من الدراسة والمتمثلون حركية واندفاعا مجالهم الخطب لممارسة هواياتهم في التفكير السياسي والحوار المجتمعي مع المتكونين محلياً ممن لهم أرضيتهم ولم ينقصهم سوى التواصل مع الجديد . وما كان يدور في الشرق العربي من صراع لقد جاؤوا محملين بأفكارهم القوية ونزعاتهم السياسية واتجاهاتهم الفلسفية ، حاملين تنافسهم وشيئا من بعض همومهم وكان تفاعلهم ملحوظاً مع عديد الموجودين لعل أبرزهم في طرابلس هذا المثقف المتوفر على الكثير من مشاعر الحماسة لكل ما هو جديد على الواقع وكان تواصله على نحو خاص مع أكثر من رمز من الرموز المرصودة أمنياً ربما كان أشهرهم وكيل النيابة يومئذ هو الأستاذ محمد الدعيكي، مما جعلهما يتعرضان للإبعاد من المدينة مما جعل هذا المثقف أي كامل لايجد المجال المناسب لإمكانياته في مجال الإعلام حين قرر العمل به ، مضحياً بوظيفته التي تحصل عليها من التأمين الاجتماعي الذي وفد إليه تاركا العمل بالشرطة وبالتحديد في مدرسة بوستة لأفراد ذلك السلك . كنت على الصعيد الشخصي شاهد هذه المرحلة منذ أن التقينا بنادي الشباب الليبي سنة 1958 اذ وجدته عضوا بمجلس الإدارة لذلك النادي والذي انتسبت إليه على ضوء ما توفر لدي من معلومات عن عدم اقتصاره على الرياضة إذ كان له حضور ثقافي وثمة من يقول شبه سياسي ولم يمض على وجودي في ذلك المكان سوى أسابيع معدودة حتى صرنا صديقين حميمين . وكان العامل القوي وبالأحرى المشترك هو الشأن الثقافي وقد أقول السياسي . وعلى الرغم من أننا قد صرنا كثيري الاختلاف إزاء ما كان يجري إلا أن الخلاف لم يكن يدفعنا إلا إلى اللقاء الدائم والحوار الدائم . وكان الآخرون يرون فينا ما قد يتجاوز الاتفاق الشخصي . وقد أدى ذلك لاحقا إلى أن صدر من أحد رؤساء الوزارات توجيه بضرورة أخراجنا من الإعلام ، غير أن ذلك التوجيه بقى سراً لدى الوزير خليفة التليسي الذي عالجه بطريقته الخاصة ولم يبح به الا سنة 1982 على الرغم من أن أحد زملائنا في تلك الأيام المرحوم عمر الفرجاني قد توصل بها ، فإذا ما قدر للنظام الملكي أن ينهار ويأتي سبتمبر بعواصفه كنا معا ضمن الذين اخرجوا من الإعلام تم اقتيدوا إلى السجن المركزي بطرابلس وكان حظه السيء أن حظر أيام الفلقة ويومئذ رويت عنه قوله ( يا ما كليت من فلقة ويا ما جرت في اللي ده منطلقة.. والسوط على الكتاف ينزل يرقى من كلب مايسواش حتى باره..) أما عندما قرر النظام أن يفتح الحوار حول الماركسية مع بعض من اعتبروا كذباً أو صدقاً بين رموزها . وذلك بعد أن نقلهم من وظائفهم وضيّق على حريتهم كنا بين الذين تم الحوار معهم ، بشأن هذه الإشكالية ربما في مثل هذا اليوم تحديدا في ثمانينات القرن المنصرم وربما اليوم الذي قتل فيه المرحوم عامر الدغيس وقد كان يومئذ ــ أي كامل ــ مجيدا في حواره اذ لم يبذل جهداً للتخلص من التهمة ، وإن كان الطرح فيما أزعم ، لم يكن بقصد الإدانة وإنما لغاية مختلفة وإن لم تكن واضحة خاصة وأنها لم تكن المناسبة الوحيدة ، بل تلتها مناسبات أخرى وعلى أكثر من صعيد

لقد تعددت المجالات ومثلها المفارقات بالنسبة لتجربة هذا الفقيد والذي كانت له دائما خصوصية خاصة وأن نظرته بالنسبة للعمر الافتراضي للنظام المنهار كانت من البداية مختلفة عنا جميعا ، ففي الوقت الذي كان فيه أكثرنا تشاؤماً قدر ذلك العمر بخمسة وعشرين سنة ، كان رأي كامل من البداية مقدر له الزمن بأربعين سنة . وأذكر إنني عندما بلغ النظام عامه الأربعين قلت مازجا بين الجدل والهزل ها هي الأربعون سنة انتهت . وكان المرض العضال قد تمكن من جسده وألزمه العلاج خارج البلد . ورغم انه قد أوفد لهذه المهمة إلا أنه لم يتردد في الانقطاع عن الكتابة لمجرد أن بدأت انتفاضة فبراير والتي شبت بين ما شبت في أرض أهله الرجبان ، وكان ولداه في المقدمة وعندما طرق بابه أحد الذين كان دائم الانشغال بأحواله المرضية بل وبعض احتياجاته أيضا فانه لم يجد غضاضة في مقاطعة الاجتماع الذي دعى اليه المثقفون والكتاب الليبيون حيث أعلن لمحدثه كما رويت عنه اي المرحوم كامل ، لا يمكن الحضور والرجبان تضرب بالقنابل ، فكان من الذين من الله عليهم بحسن الخاتمة السياسية اذ لم يستدرجه الترغيب ولا الترهيب . وعندما تضم اليوم دار نويجي بين محفوظاتها مكتبة الفقيد كامل أعراب وفيها مقتنياته ومؤلفاته . ونلتقي اليوم مشاركين في هذا اللقاء الذي نصفه بالمختلف عن جميع اللقاءات التي شهدها وسطنا لا نملك إلا أن نحمد الله الذي هيأ له مثل هذه النهاية وختم له بهذا الموقف ثقافة وسياسة وتفردا أمام الكثير من نظرائه في الرحيل وربما تطل علينا روحه ونكاد نسمعه يقول : هذه ثروتي المشتركة معكم ، قرأت منها ما قرأت ، وكتبت عنها ما كتبت ، فهي منكم واليكم ، ومسؤولية الانتفاع بها عليكم فمن حقه أن نكبر صنيعه ، ونلتمس له المغفرة عن أي ذنب ، والمعذرة عن أية عثرة .إنتهى



_______________________________


مصطفى الشيباني أبرز مقاومي العسف بامتياز

أمين مازن

21-1-2014

انطفأت الذبالة الأخيرة من جسد المثقف الوطني البارز والمناضل التقدمي الجسور الأستاذ مصطفى الشيباني عندما غيَبه الموت خلال الأسبوع الماضي بمدينة بنغازي ، بعد حياة حافلة بالحضور المميز والصراع الذي لا يعرف المهادنة مصطفى الشيباني أحد أبرز فرسان الثقافة الليبية الملتزمة التي نسجت خيوطها الأولى مع قيام دولة الاستقلال وربما قبل إعلان الاستقلال بقليل ، مصطفى الشيباني الرجل الذي يهزمه ن فقد البصر أمام الرغبة في العلم ومواصلة مشوار التحصيل مع تلك الكوكبة التي تألقت في سماء الوطن عقب الحرب الكونية ، فقصدت عواصم العلم ومراكز التكوين .. حيث لم تكن بليبيا جامعات تكون الأجيال فئات ضمن الذين يمموا وجوههم شطر المشرق ومصر بالتحديد لا ليواصلوا تحصيلهم العلمي وحسب وإنما ليضيفوا إلى ذلك الانفتاح على الفكر السياسي المعاصر، وما كان يحفل به من تيارات ترفض أن يكون التعليم مجرد سعي للحصول على شهادة من الشهادات ومن ثم تبوء وظيفة من الوظائف بل ولا لبلوغ مركز من المراكز ، وإنما سلكوا طريقا أخره رأى في الثقافة الوصول إلى ذلك الموقف الملتزم إزاء ما يضطرم في الواقع من صراع بين القوى المنتجة التي كثيرا ما تضطرها الحاجة وهي تعيش على قوة عملها إلى قبول الشروط الأخرى المستغلة التي لا تستنكف من أي ممارسة من الممارسات الظالمة فكان أن بادروا بتوظيف ما تلقوه من العلم في تبصير المظلمين بحقوقهم وحصر المستغلين على أداء ما يجب عليهم ، فكانت المهمة شديدة التعقيد والصعوبة وكان الثمن المدفوع فيها شديد الفداحة ، حين نظر إليهم وهم يعودون من رحلاتهم الدراسية وكأنهم بصدد إلغاء القنابل والمفرقعات وليس الفكر الذي يوحد الصفوف ويقوي اللحمة ويقطع الطريق على كل مغامر امتلكته روح التخريب وشهوة الحكم غير المشروع هو توجه اختاره الشيباني طائعا مختارا ودفع الثمن مبكرا، إذ عرف الطريق إلى المعتقلات وهو ما يزال طالبا كفيف البصر ، مما يجعل رفاق دربه يلقبونه بالقفة باعتباره من الذين ينتظرون مصيرهم دون أي محاولة للهروب أو الاختفاء ، وهكذا لم يكد ينهي دراسته الجامعية ويقفل راجعا إلى البلد حتى كانت الشبهة السياسية قد سبقته ولا شك انه قد قابل هذه المسألة بالكثير من عدم الاكتراث بما وأب على اتخاذه من المواقف المبدئية المتقاطعة مع كل ما كان يجري في البلاد من السياسات تردده وعجز عن مواكبة ما يستجد في العالم ، فإذا ما أضفنا إلى ذلك ما كانت تقتضيه السياسات الدولية من تضخيم للخطر اليساري أولنقل الشيوعي حتى أن مكتبا رسميا قد أنشئ لمكافحة الشيوعية بليبيا انيطت رئاسته بأحد المتنفذي بين القبليين، فسنبين لنا بوضوح أن تضخيم هذه الصورة كان لدواعي المصلحة المشتركة أما إذا روجعت المواقف المبدئية المتعلقة بالواقع العربي فإن الذي تشهد به كل مراجعة منصفة ، أن هذا الفقيد كان من الذين لا تمتلكهم الفكرة ليطبقوها قسرا ويروا في عواصمها ما يوجب الإتباع ولكنه الذي يهتدي بما يدرك ويطبق ما يفرضه الواقع ولهذا كان في مقدمة الذين اتخذوا الموقف المبدئي من الوجود الأجنبي في البلاد عشية اندلاع حرب 67 وما ترتب عليه من محاولة حرق البترول وحرق متاجر اليهود بطرابلس حيث كان في مقدمة الذين دعاهم رئيس الوزراء السيد عبد القادر البدري من أعيان البلد ودخل معهم في جدال حول المصلحة الليبية فكان في مقدمة من تصدي بالدفاع عن أهمية الالتزام القومي فقد كان لقدرته على الحوار ورصيده الثقافي وهيبته الملحوظة ما دفع رئيس الوزراء الى تأييد موقفه والتخفيف من عتبه الذي بناه على ما ذهب اليه بعض أصحاب المواقف القومية إلى حد التضحية بالمصالح الليبية ، وهو ما لا يتفق مع ما عرف عن مصطفى الشيباني وأمثاله من الحرص على مصالح الليبيين قبل من عداهم . والحق أن هذا الموقف المبدئي المنتظر من المثقف مصطفى الشيباني ومن كان معه في خندق الوطن ما لبث أن ظهر جليا لمجرد أن رجحت كفة الإجهاز على النظام الملكي، وبعد أن أثبتت التجربة عجزه على مواكبة استحقاقات المرحلة ، وسمح لأحد الفصائل العسكرية أن تقدم على تلك الخطوة عقب تواصل مع بعض القوى المدنية الأكثر حضور في الساحة وكذا التواصل مع الخارج العربي، إذا لم تقدم القيادة الجديدة على تنظيم أول لقاء علني مع القوى المدنية تحت شعارها أطلق عليه ندوة الفكر الثوري حتى كان مصطفى الشيباني بين الذين قدموا من بنغازي لحضور ذلك اللقاء الموسع حيث كان إلى جانب الكثير من الأسماء الشهيرة في بنغازي من أمثال محمدحسين وطالب الرويعي ومصطفى العالم وجمعة الفرجاني وغيرهم كثر من الذين لم يقيموا وزنا لما كان يهمس به الكثيرون من أن اللقاء ليس إلا محاولة لاكتشاف هوية المشاركين فالقوا بكل ما لديهم من رؤى بصدد ليبيا المنتظرة والتي يفترض أن تكون ديمقراطية يسودها التفكير العلمي وينظم شؤونها دستور عصري وحكم رشيد وتشهد عليها طبقة ذات مصلحة ورؤية ، فيما وقف إلى جانبهم وبالأحرى مقابلهم آخرون نظمهم فتحي الديب صاحب الأدوار المخابراتية المعروفة التي طالما غلفها بالحركة العربية الواحدة وكانوا جميعا من فئة المعلمين الجامعيين بين تدريس المراحل الابتدائية الإعدادية من الذين لم يجدوا مرجعية فكرية يستنجدون بها سوى الميثاق الوطني المصري الذي افلح الكثيرون منهم أن يحفظوه عن ظهر قلب بحيث كانت قوالبه بمثابة الوصفة الجاهزة أو العلاقة الدالة وبالأحرى طوق النجاة مما كان يبيت لكل من يلوح منه ما يشي بوجود مستوى فكري يضيق بالتاطير الجاهز ويتطلع إلى الإسهام المسئول إذا كان المصير المبيت لا مثال هؤلاء هو المضي نحو حملات الاعتقال التي صارت تتوالى تحت مسميات متعددة وتواريخ متداخلة وعقب كل لقاء من اللقاءات التي طالما انتظمت ودعي إليها مصطفى الشيباني وأمثال مصطفى الشيباني لتنتهي بالسجن ولا شيء غير السجن لقد حالت ظروف النشأة واكراهات الإقامة دون التواصل الكافي مع الأستاذ مصطفي الشيباني ، وما كان يدلي به من الآراء في الكثير من مشكلات الوطن وقضايا العالم ، غير أن ذلك لم يمنع من خلال ما دأب على روايتة عديد الاصدقاء المشتركين بيننا من الوقوف على أهم مقومات شخصيته والخالد من مواقفه ، وفي مقدمه هذه المواقف مواجهتة المبكرة للقذافي عندما خاطبه في أحد الاجتماعات التي كثيرا ما دعا إليها مبكرا بعد أن تعلل – أي الشيباني بفقده للبصر (أنت صادرت كل شيء حتى الأحلام إلى جانب التفكير) فكان جزاؤه على الرغم من أسلوبه اللين لاقتياده في وقت لاحق إلى السجن والبقاء داخل جدرانه فترة يعرف طولها الذين أرخوا، فإذا ما جاء - أي الشيباني من كان يتعشم فيه إمكانية الرد باسترحام كان رده على من أبلغه السلام مؤجرا في كلمة واحدة (قل له نهنيك لقد انتصرت على العميان في ليبيا) فكان لا مناص من الإفراج عنه في الثمانينيات ذلك القرن ليعيش بعد ذلك في شبه عزلة داخل مدينته المفضلة بنغازي دون التخلي عن متابعة ما كان يجرئ في الحياة وما يقوم به من مشاركاته مكرها أو متطوعا، وأشهد إذا ما كان يروى إلى من رائه وتقييماته إزاء بعض مشاركاتنا المتواضعه عبر الكثير من المتواصلين معه من أمثال ناشطي تلك المرحلة محمد زيان هاني الكيخيا عاشور قرقوم والمرحومان عبدالرحمن الجنزوري وأسعد المسعودي وغير هؤلاء كثر، طالما دفعنا إلى المزيد من التماسك وعدم الافراط في التنازل وذلك من أول ملتقى شارك في تنظيمه إلى جانب قطاع الثقافة واتحاد الأدباء والكتاب الليبيين حيث كنت أحد أعضاء اللجنة التنفيذية للاتحاد المذكور والمكلف بالنشاط الثقافي فقد حرصت ضمن من حرص على أن تكون كلمتي في ذلك المنشط مقتصرة على الجانب الثقافي الوطني وليس المستجيبة للضجيج الإعلامي المبكر المكرس لترسيخ الحكم الفردي فكان ذلك موضع تثمين من طرف هذا المثقف الرائد وما كان يمثله من رمزية مشرفة أشعرتنا في حينها أننا لسنا وحدنا وأن علينا أن نراعي ما كان يمثله من سابق مكانة وسابقة وطنية، لقد كان مصطفى السيباني شديد الصرامة في مثل هذه الأمور بما توفر له من قدرة على التفريق بين المجاملات التي قد يفرضها الموقف أو تكمليها الصفة الاعتبارية والأخرى التي تجيء نتاج الطموح الشخصي والطمع المخزي، ولاشك عندي أنه قد بقى على موقفه ذاك وفهمه إلى أن افقدته العلل التي توالت والمظالم التي تنوء بها الجبال وأن صمدت لها عزائم الرجال الذين طالما تألق بينهم مصطفى الشيباني الذي غادرنا متزامنا مع يوم مولد النبوي الشريف الذي تؤكد سيرته العطرة التي اجتزنا شدرات منها انه أبرز مقاومي العسف بامتياز.إنتهى



_______________________________


لكن أكيد موتة رجال

أمين مازن

11-12-2013

لم أجد عنواناً لما سأكتبه هنا مجزءً في فقرات منفصلة عن بعضها البعض وعن أعلام لهم دورهم المعدود في التاريخ أنسب من هذا البيت الذي نطق به أبرز شعراء النضال المعاصر في الوطن العربي ، وأنا افي بالتزامي الإسبوعي هذا وذلك بعد اسبوع حافل بمراجعة تاريخ الرجال المناضلين ، الذين كان أولهم حضورا بالنسبة لذكراتي ، هو المجاهد الكبير أحمد سيف النصر ، الذي كنت بين المشاركين في الندوة التي انتظمت عنه في المكرز الوطني للمحفوظات والدراسات التاريخية الرامي إلى التوثيق لرجال دولة الاستقلال ، وهي ندوة دعى إليها عدد من اختصاص التاريخ والمعنيين بالشأن الثقافي وتجلياته السياسية والعامة الذين طالموا أسهموا في أنشطة المركز ودأب على حشدهم مسؤولو النشاط به ورأوا أن أكون من بينهم وكنت من جهتي شديد السعادة بالدعوة بحكم ما ألممت به من خلال روايات الأهل حول دور هذا الفارس في الكثير من معارك التاريخ ، التي قادها في وسط البلاد وجنوبها اثناء وجود «سيف النصر » هناك وكان للذين شاركوا في تلك المعارك من أهلنا اسهامهم المحدود في الكثير منها بدء من الحشادية وبو نجم وفزان التي قادها أحمد سيف النصر وقارة عافية التي قادها اخوه عبد الجليل . وكان الشهيد الذي حملت اسمه واحداً من الذين نالوا الشهادة وكذلك الأعمام والأخوال الذين أعدموا على ضوء تلك المعركة وغيرها فباجماع الذين شاركوا في المعارك والذين تناقلوا أخبارها كان دور هذا الرجل حافلاً بكل ما هو ايجابي .. كما أنه طوال رئاسته للأدوار واقامته في أكثر من منطقة ابتداء من الجفرة ووصولاً إلى مناطق الجنوب كان مثالاً للتواضع والعطف والبعد عن كل ما يخدش السمعة من الظلم أو الجشع أو الانزلاق إلى منحدرات الانتقام أو تسخير السلطة للانتفاع الشخصي ،وقد حافظ الرجل على مسلكه هذا في الكثير بل في جميع مراحل حياته العملية حتى عندما اضطرته المعوقات التي جعلت الكفة تميل لصالح المستعمرين إلى خوض تجربة الهجرة والاقامة في شمال تشاد مع اعداد الليبيين الذين نزحوا وظل يشكل مرجعيتهم فلم يرو عنه إلا ما يسرّ السمع ويطمئن القلب ، ولاشك أنه لهذا الموقف اقدم على قبول دعوة السلطات الفرنسية إلى المشاركة في الحملة الرامية إلى طرد الايطاليين ، وهي تتحرك من الحدود الغربية والجنوبية ، فدخل بفرقة مقاتلة وفرت له الوضعية التي هيأت له القيام بذلك الدور المهم في المرحلة التي سبقت تقرير المصير الليبي على أساس الاستقلال كما تشهد الوثائق الوطنية المتمثلة في المراسلات المتبادلة مع الأمير إدريس . حيث يلاحظ على هذا الأخير ما يخص به أحمد سيف النصر من عبارات التقدير وقبول المقرحات على خلفية أن أحمد سيف النصر سليل قوم اختاروا الطريق السنوسي مبكرا ،وهو موقف جسده الرجل بتفضيله للدخول في الدولة الليبية الاتحادية تحت تاج الأمير ادريس وليس الذهاب إلى فكرة الاستقلال بفزان كما لوحت فرنسا عقب احتلالها لفزان ومنذ طرح المصير الليبي في المحافل الدولية حتى رأيناها تصدر طابع بريد يحمل صورة أحمد سيف النصر وهو اجراء يدل في زمنه على ما أعطى للرجل من الخصوصية وكانت كلمته المشهورة ، لو كان في جسدي عرق يكره السنوسية لقطعته . وقد حدث ذلك في الوقت الذي أوكل إلى أحمد سيف النصر مهمة اختيار ممثلي فزان بلجنة الحادي والعشرين ، وبعدها في لجنة الستين وكذلك الشيوخ الذين مثلوا ذلك الاقليم . وقد جاءت الاختيارات مثالاً لحسن الاختيار من حيث التوزان بين المناطق وقد نقول القبايل وقد اتسم الذين اختيروا جميعا مثالا للتعقل والبعد عن الانحياز أو التحالف القائم على الجهوية والمصالح المتبادلة وليس الخيار الوطني. أخيراً سكت القلب الكبير عن الخفقان ،توقف النبض واطبقت الجفون على العينين البراقتين والابتسامة النابعة من عمق الوجدان ، إنها المشاعر التي لا يمكن لكل ذي بصرة أن يستشعرها كلما تأمل وجه المناضل والزعيم نلسن مانديلا ، الذي رحل في الخامس من ديسمبر ونعاه العالم من أقصاه إلى أقصاه ، ولا غرو فهو أبرز عظماء القرن، ليس فقط لأنه قاد النضال الأفريقي ،وقاوم التمييز العنصري وقبع في السجن ما يقرب من ثلاثين سنة اعتبر اثناءها في غيرما مرة أقدم سجناء العالم ،فعلى اهمية ذلك هناك في تاريخ مانديلا ماهو أعظم وأكبر هناك ما استطاع تحقيقه من التفريق بين النضال كموقف شريف وتضحية صادقة وبين تحويل هذا النضال إلى عربون يستطيع بواسطة كل من ينجز مطلب الاستقلال الوطني أن يصنع منه قيداً جديداً على شعبه عندما يتحول المناضل إلى مستبد يستبيح العباد والبلاد فهو رئيس الجمهورية الذي لا يتغير وهو الذي يفتي في كل شيء ،وهو الذي يملك الحق في توريث أهله وذويه وهو الذي يملك المخزون الذي لا ينضب من التهم الجاهزة التي لا يفلت منها كل من تحدثه نفسه بالخروج على الزعيم الاوحد انها النقيصة التي لم يسلم منها احد من قادة العالم الثالث علّ في ذلك كاسترو الذي قاد تلك الثورة المظفرة فإذا به يتحول إلى حاكم أبدي يبلغ نفس العمر الذي بلغه سالزار والذي لا يكتفي بذلك فيصل إلى توريث شقيقه ، بحيث يكون مانديلا هو الاستثناء الوحيد دون نسيان سوار الذهب .. مانديلا هو الوحيد يكتفي برئاسة الجمهورية لمرة واحد ليس أكثر ويضف إلى منجزه هذا المنجز الأكبر المتمثل في المصالحة الوطنية التي كان من نتائجها أن انصرفت الدولة الجديدة إلى بناء المستقبل ،وتتجنب مأساة التوقف أمام الماضي ،وما ينتج عنها من هدر للوقت وانشغال عن البناء ولهذا استطاعت الدولة المستقلة أن تمضي قدماً نحو المستقبل بخطا واثقة فتضاعف معدلات التنمية بنسب شهد بها معظم المراقبين الدوليين ،وضمن منديلا بسياسته تلك وبنزهته عن شهوة الحكم أن يجعل آلاف المعجبين أن لم نقل ملايينهم بقدر ما تسابقوا ذات يوم لالتقاط الصور معه عشية خروجه من السجن منتصراً ها هم اليوم يتسابقون لتوديعه الوداع الأخير فيما توالى شاشات العالم لتعرض الصور التي وثقت لتلك العظمة التي لم يدنسها بأي مطمح رخيص. هزمت الثمانون أحمد فؤاد نجم شاعر الجماهير المصرية خاصة والعروبة عاما ووري جسده تراب مصر وسط تغطية إعلامية تنادت لها الكثير من وسائل الإعلام العالمية ،التي عرفت الشاعر نجم طوال الستين سنة الماضية التي كان فيها الصوت الشعبي المتفرد في مقاومة الظلم والاستغلال وسياسات التبعية الأجنبية ،التي طالما اتخذت من التضييق على أمثال فؤاد نجم في العيش والتعبير ثمناً تقدمه لرؤوس الأموال الاجنبية إن على هيئة وعد يقطع أو أموال تسيل ، وكان هو وأمثاله من متثقفي مصر وكتابها وشعرائها لا يترددون في التعبير عن مواقفهم المبدئية بمعارضتهم الشرسة ومواقفهم الصارمة ضد أي شكل من اشكال التنازل في الداخل أو الخارج، وقد كان له من رفيق عمره الفنان الراحل شيخ امام عندما خرجا في ثنائي لافت عقب هزيمة 67 ما عبر عن وجه مصر الحقيقي الرافض للهزيمة وما شرعت تلوح به من حلول استسلامية ويأس من امكانية المقاومة العسكرية عقب تلك الهزيمة المنكرة التي ما كان لها أن تحدث لولا تغول الاستبداد ورفض جميع اشكال المشورة ازاء عديد الشؤون بما في ذلك العسكرية منها تلك التي بدأت بانفكاك أول وحدة عربية بعد قيامها بثلاث سنوات في سبتمبر 61 وانتهت بعد ذلك بالهزيمة المشار إليها 67 ليبدأ يومئذ مشوار الثقافة المهادنة والاخرى التي لا يعرف لها رأس من ذيل ليرتفع صوت الشيخ امام منشداً لقصائد أحمد فؤاد نجم وتسجيلها على هيئة كاسيتات تذاع بواسطة المسجلات التي لم يوجد غيرها معينا على مقاومة المحاصرة الرسمية التي عز عليها أن يوجد مثل ذلك الشعر الذي أمر على رفع لواء الثورة معيراً بصوت الرفض ومندداً بالمبشرين به والداعين اليه ويومئذ استظهر الكثير من الشرفاء اشعار نجم وشرعوا يرددونها في سجونهم مستعينين بها على التماسك والصمود ورفض كل اشكال الانهيار، ومازلت اذكر ذلك الحشد الكبير من سجناء 73 وهم يملؤون الساحة التي يدعونها«الارلة» متحلقين حول الشاعر عبد الرحمن الشرع وهو يتلو من ذاكرته قصائد نجم الصادمة وتشاء الصدف وربما الترتيبات أن يفاجئوا بدخول أحد ضباط الصف يرافقه اثنان من الجنود حاملا بيده الفلقة يمر أمام الجميع دون أن يقول كلمة واحدة كإنما ازعجهم صوت الشاعر عبد الرحمن الذي استجاب لطلب الموجودين والقى بعض أشعار نجم ومثل الكثير من لم يعرفوا حقيقة ليبيا زار احمد فؤاد نجم البلاد، ولم تكن الزيارة ضمن فاعلية ثقافية ولكنها الزيارات التي لا يعرف أحد كيف تمت وكنا في رابطة الادباء نرفض مقابلة أي ضيف لايدعى بواسطة تلك المؤسسة، وكانوا يحتجون بعدم التواصل معهم دون أن يقفوا على هذه الحقيقة ولكن احمد فؤاد نجم كان من القلة التي لفت نظرها الغياب وكان أن طلب من أحد المسؤولين عن زيارته أن يمكنوه من زيارة الكتاب وكان أن قام هو يزيارة الادباء فوجب أن ترتب له امسية ليقرأ فيها شيئاً من اشعاره وكانت من المرات النادرة التي وجد فيها المثقف العربي الذي يدرك الفرق بين أن يقرأ اشعاره للمثقفين وبين أن يكون حبيس المتنفذين الذين يتمكنون من دعوته بحكم امكانياتهم وحظوتهم واصرارهم على أخذ دور غيرهم على أن ذلك زمان مضى وقد يكون لتفاصيله مجال غير هذا المجال والموت فوق رقاب البشر جميعا.إنتهى



__________________________________

رحيل محمود سليمان المغربي


ولدتك أمك يا ابن آدم باكياً

والناس حولك يضحكون حبورا

فاعمل ليوم كي تكون إذا بكو

من خلف نعشك ضاحكا مسرورا

أمين مازن


ذلك بعض ما حفظه لنا ديوان الشعر العربي،في مجال الحكمة والوعظ والتحذير من خسارة معركة التاريخ التي كثيراً ما يمني بها كل من لم يتحصن من سيء العمل فيبوء بسوء المنقلب والعياذ بالله

ويقيني أن من أنا بصدد الحديث عنه،والتأثر البالغ لفقده،والاعتزاز الكبير بشمائله المناضل الوطني والرمز القومي والمثقف العضوي والصديق الوفي محمود سليمان المغربي الذي ووري جسده تراب الوطن يوم 20-7-2009من بين الذين ينطبق عليهم عجز البيت الثاني،عن جدارة استحقاق .

فهذا الاسم الذي دخل تاريخنا العربي من خلال مولده بالمهجر الفلسطيني،عندما كان والده سليمان ساسي أحد أبناء قبائل ككله بالجبل الغربي الذين هاجروا في عشرينيات القرن الماضي باتجاه الشرق ليحل به المقام بأرض فلسطين وفي مدينة حيفا تحديداً ، حيث ولد الراحل ونشأ وأقام وتعلّم ما تيسر له حتى كانت نكبة 48والإكراه على النزوح مرة أخرى باتجاه الشام للعيش ضمن تجمع المهاجرين ومواصلة الحياة والتكوين العلمي والتفكر الدائم في استحقاقات الشأن العام والأكثر إلحاحا - ربما - الفلسطيني،وبين التحصيل والحركة كانت الوجهة نحو الخليج ضمن الطلائع الفلسطينية التي قدرت أن المجال هناك أكثر ملائمة لما كانت تتطلع إليه من أسباب الحركة وليس أسباب المعيشة والسكون،سواء وهي تحاول توحيد صفوفها وتلمس طريقها في مرحلة الإعداد بالخمسينيات الماضية أو تطرق باب العمل الجمعوي المنظم وتؤكد الكتابات التي أرخت للرحلة أن الراحل العزيز كان في مقدمة العشرة الأوائل إن لم يكن أولهم على الإطلاق،وأن دوره كان في أكثر من صعيد وأكثر من مكان إذا أدرك في وقت مبكر أن المواقف تخدم بعضها بعضا وأن الصعد المتعددة تضاعف من سعة الخبرة وشحذ الهمة واغناء التجربة،ولهذا كان تحركه الدائم ابتداء من الأوساط الفلسطينية بالشام إلى الوسط النقابي في أمريكا وهو يواصل دراساته العليا معتمداً على جهوده الشخصية، فإذا ما تيسرت العودة إلى الوطن الأصلي وطن الآباء والأجداد في عشرة الستينيات واستكمال إجراءات تحقيق الجنسية،لم يكن الخيار متمثلاً في التعاطي مع مغريات الاقتصاد الريعي وما كان يحفل به من جيد المردود لكل من امتلك التأهيل العالي في القوانين النفطية ومشكلات الأسعار وإنما انصرف إلى بديل آخر تمثل في الأنغماس الكامل مع الاتجاه القومي الزاخر في الشارع الليبي والذي عبر عنه بجلاء الموقف الشعبي من حرب 67وضرورة الوقوف إلى جانب القوى الصامدة وتسخير كل شيء للمعركة سواء بوقف تصدير النفط والامتناع عن نقله وحتى التضحية باحراقه والانفراد بعد ذلك بأصلب المواقف سواء في قاعة المحكمة وصدور أعنف الأحكام بما في ذلك اسقاط الجنسية الليبية أو تبني الموقف الرافض لأي حل من الحلول الوسطية إن كان على المستوى الشخصي أو العام.ولأن ما يطرح داخل ساحات السجن المركزي لم يكن سرا على جميع المعنيين بالشأن الليبي كان ثابتاً أن الرجل في مقدمة المتحمسين للتغيير الجذري للنظام والذي لاسبيل لبلوغه دون الاعتماد على المفارز الوطنية داخل المؤسسة العسكرية، الأمر الذي لم تجمع عليه كل الأطراف والذي لم يستطع الرجل إهماله وهو يسهم في تقييم الموقف عشية الإجهاز على النظام التقليدي،فكان أن قوبل اختياره من طرف ثوار الفاتح بعداء منقطع النظير اسهمت فيه بكل الأسف بعض الأطراف العربية التي قدرت إذا بإمكانها أن تستوعب الجيل الجديد الذي صنع الثورة لو أمكن التخلص من أمثال هذه الشخصية وخياراتها التي لاتتفق وأصحاب المصالح العاجلة والطموحات الخاصة.

لقد تسنى لى على الصعيد الشخصي أن أعرف هذا الفقيد عن قرب في مطلع 1970عندما أصبح رئيساً لأول حكومة شكلتها قيادة ثورة الفاتح من سبتمبر 69، تلك الحكومة التي ضمت كوكبة من الكفاءات الوطنية ذات الموقف التقدمي والتوجه الاشتراكي ، مما جعلها أي الحكومة تسهم بفاعلية في إعداد جملة من التشريعات والقرارات الحاسمة التي تكفلت بتحقيق نقلة سريعة في الحياة الليبية ، لما امتازت به من حسن الأداء وضمان المردود، على الرغم من جملة المصاعب التي سارع ذوو المصالح الشخصية والتوجهات غير الوطنية بوضعها أمام تلك الحكومة ورئيسها هذا بالذات،بالنظر إلى ماهو متوفر لديها من الفهم لشخصية الرجل وقوة إرادته أمام جميع أساليب الترغيب والترهيب، إذا لم يكن من الذين تغريهم المكاسب العاجلة ولا المظاهر البراقة ولا التطلع نحو المكاسب الشخصية التافهة المتمثلة في المركوب والمسكن وما إلى ذلك من الشهوات التي يسمح بها الدخل العام وكرم الثوار لولا أن الرجل كان متيقضاً لهذا النوع من السلوكيات، حريصاً على أن يقدم المثل عن التعفف فكان في هذا التوجه ما ينذر من استحالة الاستفادة،وغدا ضرورياً أن توضع العراقيل أمامه وأمام المتعاونين معه من الوزراء،وكانت تهمة التطرف خير ما يمكن أن يساعد على التخلص منه ،وقد اتفقت في ذلك مجموعة من الأطراف المحلية والعربية التي كان همها الأول والأخير تسخير الواقع الجديد لمصالحها الشخصية والقطرية واستغلال الهوية الوحدوية في تحقيق أجندة أخرى والتحسس من الرجعية لتصفية كل عنصر وطني لقد اسند إلى المغربي يومئذ إدارة مصلحة المطبوعات والنشر ضمن مجموعة من العناصر الإعلامية أذكر منهم الأستاذ يوسف الشريف الذي كلف بالإذاعة وحسني شعبان الذي أنيطت به إدارة الوكالة ولم يكن أي من هذه الاسنادات نتاج علاقة شخصية بل ولا حتى اتفاق في الرؤي،وإنما كان في إطار ما تبنته تلك الحكومة من الانفتاح على جميع الأطياف المكونة للخريطة الثقافية لتمارس دورها بما لديها من الخبرة والاجتهادات والمواقف،الأمر الذي لم يكن مستساغاً جراء ما كان يسود المنطقة من تجاذبات سياسية ذات طابع إقليمي ودولي،ليس خارجها أن يتخذ من الحماس الليبي الثوري لشعار الوحدة العربية جزءاً من حزمة للحلول المنتظرة لقد أصبحت البلاد بكل ما لديها من إمكانات جاهزة بالكامل لحلم الوحدة ولو كان الطرف المقابل مشغولاً باستحقاقاته القطرية ومن أمثلة ذلك ما درجت عليه بعض الأطراف العربية من مطالبة بتسديد الدعم العربي المجدول قبل موعده بشهر على الأقل وهو ما يعني ببساطة حرمان الخزينة الليبية من عمولة هذه الدفعات وإحالتها للطرف الآخر.

دونما اعتراف بأن المساهمة الليبية قد زادت رسمياً،ولما كان الرجل وأعوانه على دراية بهذه الملابسات وبالتالي لم يقبلوا بمبدأ التسديد المقدم كان البديل التشكيك في الهوية والاتجاه وحتى افتعال الخطورة،وكان أن قبلت استقالة الحكومة وتغير موقع الرجل من الداخل إلى الخارج لينتقل بين لندن وواشنطن بل وليرشح في وقت لاحق لأمانة الجامعةالعربية في اتجاه حرص القيادة الليبية على تثوير هذا المنصب القومي،في حين كان المستهدف الحقيقي ومنذ تأسيس هذه الجامعة أن تبقى حيث هي ويكون أمينها أبدياً لايتغير من حيث الجنسية والإقامة وقد نقول المستهدف أيضاً،بل لقد تصور بعضهم أن التضامن العربي والتوجه الوحدوي يمكن أن يفهم على أنه التأييد المطلق لما اصطلح على تسميته بالإقليم القاعدي والقبول بسوء أدائه في مجال التعاون الثنائي والتغاضي عن إخلاله بشروط التعاقد والمبادرة بتأييده ولو تخلى عن الحقوق العربية كاملة،وهكذا كان وغيره محل هجوم شرس لمجرد أن أفرج المخبرون من الأشقاء العرب عن حصيلتهم عن تاريخ الثورة الليبية في أواخر الثمانينيات الماضية،وبالذات عندما وقع ذلك الحدث غير المسبوق المتمثل في هدم السجون والإفراج عن الأغلبية الساحقة دون مطالبتهم بتحرير ورقة واحدة ويؤمئذ كان الرجل في مقدمة الذين بادروا بالتخلي الكامل عن جميع التقاطعات وحضور الاحتفالات التي أقيمت في تلك المناسبة وما تلاها من مناسبات كان من بينها أول مناسبة دعيت بعيد الوفاء حيث كان الرجل على رأس المكرمين وصاحب الكلمة الموضوعية بأسمهم جميعاً، فكان في حديثه خير معبر عن معنى التكريم ومستوى الأهلية،الأمر الذي لم يتفق مع الخطاب الإعلامي السائد و القائم على المبالغة والضجيج والكلام الإنشائي المتخلف عن روح العصر وجوهر الثورة.

لقد توالت منذ ذلك التاريخ زياراته المبرمجة للوطن وتجددت لقاءاتنا وحوارتنا في محتلف الشؤون وعلى أرضية فن الممكن وتقوية المشترك وحق كل ذي رأي في خصوصيته واجتهاداته

كان الرجل كتوما بطبيعته وكنت من الذين يعطونه الحق في مسلكه هذا فلا شيء يضر المهام مثل الثرثرة والتباهي بالمواقف غير أنه بالمقابل كان شديد الحرص على إحاطة أصدقائه بما يراهم جديرين به من الاحترام فتراه يرفض أن ترتبط زياراته بالموائد أو كثرة المدعوين،فما يهمه فقط أن يخصص -ضمن فترات إقامته- وقتاً لمجاملة هؤلاء الأصدقاء،كان دائم المتابعة لما ينشر بالصحف وما يمكن أن يشير إلى وجود أي شكل من أشكال التطور وكم من مرة استمعت إليه وهو يشيد بهذا النص أو هذه المعالجة وكان من بين ما رآه ضرورياً أن يصار إلى إنشاء مؤسسة استثمارية يكون من مهامها إيجاد فرص العمل لكل ذي رأى مختلف حتى لايبقى أمثال هؤلاء عرضة لإغراءات الآخرين،لأن الضعف البشري لامهرب منه،كما أن الحاجة تفرض املاءاتها وما من شك لدي في أن الدولة في أعلى هرمها تقدر مثل هذا التوجه ،أما الذين دون ذلك فإن موقفهم سيكون مختلفاً وقد يكون تأثيرهم أكثر فاعلية،ولعله من هذا الإدراك صرف النظر عن مثل هذه الصيغة ، وربما لشعوره بشراسة المرض الذي كابده وظل محتفظاً بأسراره باستثناء كلمة عابرة قالها في إحدى زياراته الأخيرة.

يصف الكثيرون محمود المغربي بالرجل المتعصب لرأيه ومنهم من يذهب إلى أكثر من ذلك فيرميه بالعناد. وهو حكم قام على الشائعة أكثر من الواقع،فمن خلال ما حاورته في الكثير من الأمور لم ألمس فيه مثل هذه الصفة، بل لقد وجدته خير من يقبل النصح ولايجد غضاضة في العودة إلى ما يراه صواباً ومازلت أذكر كيف قمت- بتكليف منه- بدراسة أحوال الصحف الخاصة سنة70ودفعت بالاتجاه للإبقاء عليها حتى لايكون هناك فراغ ، فقبل الرأي ، ولما كان القرار ليس بيده كاملاً إذ به يستدعيني ويبلغني بعدم قبول هذا الرأي حتى لا أفاجئ وعندما سألته ذات مرة هل مايزال إلى جانب رفع أسعار النفط وهو الذي شارك في أول مفاوضات في الخصوص،ودونما تنسيق مع الدول المصنفة أجاب بصريح العبارة إنه لم يعد مع ذلك التوجه،فالطرف الآخر دائماً يسترد بالشمال ما يمنح باليمين،أما عندما كان ضمن اللجنة التي حضرت لملتقى المعارضة العربية في الجزائر واقترح دعوة الجانب الليبي ممثلاً في وفد مؤتمر الشعب العام وكان من بين المطروح اختيار لجنة للتنسيق يفترض أن يكون من بينها أو على رأسها،فإذا به يصر على التنحي و الدعوة إلى اختيار أسماء جديدة لأن المعارض يجب أن يبدأ بنفسه فلا يطرح تقليد البقاء الدائم، ولأن الآخرين لم يكونوا مثله فقد خرج هو وبقوا هم ، وكذلك فعل عند تأسيس المؤتمر القومي العربي في التسعينيات الذي يريد البعض أن يتخذ منه مكاناً للصدارة الدائمة.

إن الحديث عن محمود المغربي يطول فهو حديث الثوابت ، وحديث المثل التي ظل دائماً يحافظ عليها،جدية غير متكلفة عفة في اللسان الذي لايذكر أحدا بسوء، ثورية صادقة ووطنية بالغة الحد،انحياز إلى الوطن وثورته وقائده،موقف قومي من القضية المركزية «فلسطين» احترام لاحدود له لمناضلي حماس الذين بذلوا أبناءهم في المعركة.

من هنا لم يكن غريباً أن يتم نعيه من طرف القائد شخصياً وأن يودع جسده التراب ملفوفا بالكوفية الفلسطينية وأن يتغيب الذين اعتادوا التأبين وأن لا تفتح مقبرة الهاني لدفنه ، وألا تتوالى التعازى من الذين اعتادوا القيام بها بمناسبة وبلا مناسبة فالجاد لاتعرفه في أحوال كثيرة سوى القلة ولكنها القلة الفاعلة التي توزن ولاتعد وكل امرئ يوما إلى الله راجع».إنتهى


_________________________________

كان للجميع بامتياز

أمين مازن


كان فقيد الثقافة العربية الدكتور محمد صالح الجابري واحداً من أبرز المثقفين التونسيين ذوى الحضورالمميز على المستوى العربي ، وقد تسنى له تحقيق ذلك من خلال دأبه اللافت في المدونة الأدبية التونسية وخوضه في كتابة معظم أو كل أجناسها ، فهو كاتب القصة المنجز لأكثر من مجموعة قصصية وهو مؤلف الرواية التي أصدر في حقلها عدداً لابأس به ، وهو كاتب المقالة الأدبية والصحفية ، وهو المؤرخ والدارس لمسيرة الشعر التونسي فضلاً عن الكثير من زوايا التاريخ الجزائري والليبي ، وهو المرتبط بأوثق العلائق مع ألمع الأسماء في الكثير من الساحات العربية ، وهو المشغول الذي لا يعرف الكلل بالعمل المغاربي منذ أن طرق باب النشر في ستينيات القرن الماضي ، وعقب تكوين ثقافي بدأ في الزيتونة وانتهى إلى الجامعات المشرقية ، كما أنه أحد الذين جمعوا بين النشاط الثقافي والعمل الأكاديمي ، إلى جانب الهم السياسي القومي والعمل الجمعياتي مثل اتحاد الكتّاب التونسيين وغيره في سبعينيات القرن الماضي ، وقد شكلت هذه السيرة الخصبة والتجربة الحياتية الفنية موضوعاً للكثير من أعماله الروائية ومنها رواية البحر ينشر ألواحه وليلة السنوات العشر ، وكانت أعماله في أوقات كثيرة موضع اهتمام الدارسين لما امتازت به من عمق المعاناة وقوة المضمون وجمال المعالجة وكان هو من جانبه لا يتردد في متابعة كل ما يراه جديراً بالمتابعة . . وأذكر أنني ومنذ أول لقاء معه في حقبة الستينيات من القرن الماضي لم أجد عنده إلا ذلك الحرص الذي لا يعرف الكلل على تعميق العلاقات المغاربية عامة والليبية التونسية على وجه التحديد ، بل إنه من القلة التي لا تخفى تبرمها من أي مثقف لا يعمل في ذات الاتجاه سواء بالتقصير أو البرود أو ما هو أسوأ من ذلك ، ويكفي أنه من القلة التي أحاطت الصديق الراحل الأستاذ عبدالله القريري بكل ما كان في حاجة إليه من التواصل وحسن التفهم عشية اضطراره لعلاقاته بتونس جراء ما لحق من مشاعر الإحباط .


أما عندما عمل هنا " مديراً للمركز الثقافي التونسي " وفي ظروف لم تكن مواتية فقد بذل الكثير والكثير لولا أن المناسبة الآن لا تسمح والحيز كذلك لا يتسع ، ونحن نتوصل بخبر نعيه من المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم التي أسندت إليه مشروع الموسوعة العربية الذي ظل متفرغاً له بالكامل حريصاً على انجازه أولاً بأول على الرغم من الصعوبات الجمّة ، ولاسيما عقب سوء أحواله الصحية وتعرضه لإجراء أكثر من عملية ومع ذلك فقد بقى الجابري دائماً مثالاً للعمل والعمل الدائم .. وأشهد أنني انجزت له ترجمة عشرين شخصية ليبية كان دائم الاحتفاء داعياً لمواصلة الإعداد أكثر فأكثر .. وبالتالي فإن هذه السطور لا تصدر عن علاقة شخصية فحسب ولا بتأثير الصداقة فقط ، وإنما تتجاوز ذلك إلى المشترك الثقافي والموقف المسؤول مما يجعل من محمد صالح الجابري فقيدنا جميعاً وحرياً بأن نتبادل حوله العزاء وما عساه يكون من واجب التكريم هنا في ليبيا أو هناك في تونس ، فقد كان للجميع بامتياز




_________________________________



حورية مظفر

أمين مازن

20-7-2009


أناخت مطايا المنية ،منذ أيام قليلة ، بفناء الإذاعية والإعلامية المرموقة حورية مظفر وخطفتها من أسرتها الصغيرة والكبيرة ، وسار موكب جنازتها وسط مشاعر الأسى والحسرة إلى حيث مثوى سكان الحي في مقبرة سيدي حامد ، ذاكرين جميعاً هذه السيدة ذات الحضور المميز في المحيط الإعلامي طوال العقود التي يوشك رابعها أن ينتهي هذه السنة لينسلخ من أعمار العاملين في هذا الحقل الفني بالمفارقات والذي غدا في الفترة الأخيرة كثير الراحلين .

لقد جمعت حورية مظفر بين العمل عبر موجات الأثير حيث كانت الكلمة المسموعة تمثل المجال الأيسر،لتأتي بعد ذلك الكلمة المصورة وتخوض هي الأخرى تجربتها ،وتثبت في المجالين قدرتها الملحوظة على الرغم من حدة المصاعب والزمان على رأسها جميعاً قوة التحسس إزاء العنصر الوطني،سواء وهو يسعى لإعداد مادته الإذاعية أو وهو يشارك في الظهور عبر الشاشة الصغيرة،إذ طالما خيل للبعض أن وجود كل ذي رأي داخل الفضاء الإذاعي،مسموعاً كان أم مرئياً من شأنه أن ينال من ... التوجهات فيعطل مسيرتها أو ينحرف بها لمجرد أن يؤثر صاحب الرأي هذا إلى خطأ من الأخطاء أو اخفاق من الاخفاقات الأمر الذي ضاعف من حماس البعض وأدى إلى انسحاب البعض ،فكان في بعض ما قدمت حورية مظفر قبل خمس وعشرين سنة مضت ما عبر عن مستوى من مستويات المقاومة لمثل هذا الفهم الخاطئ إزاء العنصر الوطني عامة والنسائي خاصة ، وبالتحديد من خلال سلسلة المقابلات التي شرعت في اجرائها مع من اختارت أو اختبرها.سواء داخل استوديوهات الإذاعة أو ما عنونته بسلسلة «من ضيافتهم» حيث حالفها النجاح إلى حد كبير وكان من الممكن أن يستمر في توجهها وتسعى إلى المزيد من التطوير والتوسع لتحقيق إضافة من الإضافات وتراكماً من التراكمات فتسد ما نشعر به جميعاً من النقص في هذا المجال.

خطأ هذه الإذاعية المميزة والإعلامية المقتدرة يكمن في عدم قدرتها على الاستفادة من إمكانياتها هذه في ما كان متاحاً لها وميسراً أمامها فتمخض عن إعداد تلك السلسلة من المقابلات الإذاعية المصورة الناجحة مع من عرض عليها أو لو كان يمكن أن تضيف من بقية الأسماء الموجودة والجديرة بمثل هذا النوع من الحوارات .

وإنما استبدلت الذي هو أدنى بالذي خير،عندما سعت إلى العمل في حقول أخرى قد يكون أشهرها السلك الدبلوامسي من خلال الاستشارة الصحفية أو إدارة المركز الثقافي، ما هيأ لها فرصة الإقامة بالخارج فترة من الزمن واستصغرت في العمل الإذاعي بشعبة المصور والمسموع ويتوقف بالتالي اسهامها الذي لو قدر له أن يستمر نضمن الكثير من الحضور في الذاكرة من ناحية وتحقق للواقع الاجتماعي ماهو في أمس الحاجة إليه .وأذكر أنني شخصياً- ومنذ أن أصبح بريق العمل الإداري وشبح المراكز يستهويها- أعربت لها عن خشيتي من تفريطها في هذا المجال الحيوي الذي حققت في ميدانه ذلك المستوى الجيد ، والذي يدرك الكثيرون حجم هذا النقص الذي يعانيه الواقع بصدده،وأذكر كذلك أنها أعربت لي في وقت لاحق عن اقتناعها بما أبديت لها من صادق الحرص على ضرورة استمرارها في ذلك النهج لما له من الأهمية والجدوى وهو ما اقتنعت به وقدرت بواعثه وإن تكن لم تفلح في مواصلة المشوار.

لقد داهم المرض هذه الإعلامية منذ فترة ليست بالقصيرة وعالجت هجماته الشرسة في أكثر من توقيت وأكثر من مكان ، فخضعت للعديد من العمليات الجراحية،وظلت تواصل عملها إلى أن أقعدها الدآء في السنوات الأخيرة وارتادت من أجل الخلاص منه أكثر من عاصمة وتعرضت لكثر من المتاعب حتى كان الرحيل الأخير كما قلنا في مطلع هذه الكلمات فيكون من .أوكد الواجبات استخلاص الدروس المستفادة من هذه التجربة والتي لاعذر لكل ذي موهبة من ضرورة الاستفادة منها في رحلة طويلة حيث لاعبرة إلا بالعمل الموثق كتابة أو صورة على السواء.إنتهى



_________________________________

قبل وضع الشاهدة

في تأبين الأستاذ خليفة التليسي


طرابلس 15 / 1 / 2010

 

الله أكبر في سر وإجهار

لاحول للمرء فيما يفعل الباري

الله أكبر إن الموت جارتنا

والحياة سوى ضيم وإكدار

قالوا توفى كريم النفس قلت لهم

ما مات من ملأ الدنيا بآثار

 

هكذا وصف شاعرنا " إبراهيم الهوني " رحيل توأمه في الاسم والشعر " إبراهيم الأسطى عمر "  قبل ستين سنة مضت ، التي هي عمر الحضور الثقافي في الكامل لفقيدنا الكبير خليفة التليسي الذي نقف اليوم آسفين لفقده متأسين بضخامة أثره وعظمة دوره وجلال فخره ، عندما بدأ مشواره الثقافي وهو في الثامنة عشرة من عمره " 1948 معتمداً أشرف المداخل وأكثرها خلوداً هو مدخل التعليم ومن المكان المتوفر " مدرسة جنزور " فإذا ما آنس في نفسه أن لديه مايمكن أن يتقدم به في إطار المتاح النقدي الذي رفع به صوته المختلف ورأيه المتحدي ومن خلال أكثر المنابر الصحفية اصطداماً بالشارع السياسي هي صحيفة الليبي التي وجدت في قلمه " قلم التليسي " ما يمثل أشعاراًلذلك الجبل الذي انطلق مشواره من الواقع وأخذ يحفر طريقه بأظافره اعتماداً على جهود بعض من سبقه ، من أمثال علي و أحمد الفقيه حسن وعبد السلام خليل ومظفر الأمير وعبد السلام باش إمام إلخ . أولئك الذين كان لهم من فضاء النادي الأدبي ماأكد حضورهم المميز وتأسيسهم المحلي الذي أسهم فيه بقوة أمثال الشيخ عمر الجنزوري وعندما وجد التليسي المجال الأرحب المتمثل في جريدة طرابلس لم تغره اللعبة الإعلامية التي كانت كفيلة بتحقيق الصعود السريع لو انطلق من تلك الصحيفة إلى تأييد الطروح والمضي في العمل الصحفي المغري .. ولكنه اختار الطريق الأصعب والعمل الأبقى والأكثر قدرة على صون النفس وتحقيقها لإنجاز الأنفس والنفيس ، فكانت مزاوجته بين التحصيل والإنجاز بين الأخذ والعطاء بين الأدب والتاريخ بين التطور الوظيفي والمشروع الأدبي . وهكذا فبقدر ما واصل رحلته العملية من سكرتارية ومجلس النواب والقيام بوظيفة الجندي المجهول الذي يرجع إليه الفضل في إسداء المشورة الجادة للناشطين في ذلك المجلس والأكثر من دورة ، ليقدموا الاقتراحات البناءة والأسئلة الذكية والاستجوابات الحادة فضلاً عن الإسهام في صوغ القوانين تعديلاً واستحداثاً ، فإذا ماتطور به الحضور وأفسح أمامه المجال وآلت إليه حقيبة الوزراة " الأنباء والإرشاد " كان مصراً على جعلها ثقافية أكثر منها إعلامية ، فكان كصديقه الشويرف الذي سبق في حمل هذه الحقيبة ومثالاِ للعزوف عن الدعاية الشخصية والسير خلف المناسبة حتى إننا لانعرف له اسهاماً في أية مناسبة من المناسبات التي كثيراً ما سعى إليها من هم بمنجاة عن إحراجاتها وتراهم يصرون بتطوعهم نحوها يحرجون غيرهم فإذا ماأذن الزمن بخروجه مماكلف به كان له ذلك الكم الهائل من الكتب التي شرع بوالي إصدارها والتي وجدت في وقت لاحق وفي زمن الفاتح من سبتمبر تحديداً ماجعلها تكون مكتبة كاملة ترجمة وابتكاراً تجعت بين الدراسة الأدبية والتاريخية وكذلك الغامرة المجمعية مماهو كفيل بحضوره الدائم القادر على هزيمة الموت فهذه المدونة الكبيرة كماً وكيفاِ ستوفر المجال الخصب للكثير من دراسات الدراسين وضمان إضافتهم ومحاوراتهم مما يحقق البقاء الذي لايعنى بالغياب الجسدي ، بل يؤكد الحضور الفكري وقد أقول الروحي .

فإذا كان المقام الآن يسمح بالمضي في هذا الحديث الذي يتجاوز واجب المجاملة والتأثر بجلال الموت لأنه جزء من شهادة لم أتردد في الجهر بها طوال اللقاءات التي لم تنقطع أبداً منذ أن توقفت صلتي به أوائل الستينيات القرن الماضي إلى أن داهمه المرض الذي أذن بدنو أجله صلة اتسمت بالحوار والمكاشفة دون أن تحمله مالا يحتمل أو تطلب منه مالايستطيع معتمدة باستمرار قول الشاعر العربي


ومن ذا الذي تحصى سجاياه كلهما

كفى المرء نبلاً أن تعد معايبه


فالعزاء في الراحل الكبير منا ولنا ، والدعاء الصالح من الحضور له خالصاً منا . بقدر تراب الوطن الذي أحب الفكر الذي أثرى والتاريخ الذي صان والأدب الذي لم يسلك طريقاً عداه عسى الله أن يغفر له ولنا معه ، ويجعل منه القدوة الحسنة والرمز الأبقى

ولله الأمر قبل ومن بعد وله الحكم وإليه ترجعون




________________________________



كاسترو أحد الفاعلين في العصر و الشاهدين عليه

أمين مازن

26-11-2016


أعلنت الفضائيات العالمية و تناقلت وكالات الأنباء خبر وفاة الزعيم الكوبي الكبير فيدِل كاسترو، عن عمر تجاوز - حسب هذه الفضائيات - الحادية و التسعين من العمر، أما الذي تحمله ذاكرتنا هو أن كاسترو الذي دخل هافانا منتصراً على الديكتاتور باتيستا في مطلع سنة 59 من القرن الماضي، فقد تردد يومئذ أنه بين الثامنة و الثلاثين و الرابعة و الثلاثين و أنه قاد تلك الثورة الرافعة علم الإشتراكية و هو المدني الذي يحمل شهادة الحقوق، و ربما عمل قبل حمل سلاح الثورة و عملها في مهنة المحاماة، فكان إنتصاره إذ ذاك يعني أننا أمام ثورة حقيقية قادَ من أجلها حمَلَة الأفكار و ليس الجنود الذين يحركهم عدد من الضباط الذين يخرجون من ثكناتهم و يُقْدِمون على تغيير  الحكم القائم مُكتفيين بإعلان البيان الأول، لتتلوه بعد ذلك عديد البيانات، و قد كانت المفارقة أن الوطن العربي كان يعيش مِحنة أول إنقسام مُدمِّر أُصِيبت به حركة التحرّر الوطني العربي إثر تحقُق أول وحدة عربية جمعت مصر و سوريا في دولة واحدة بقيادة الرئيس عبدالناصر كان أول شروطها إلغاء الحياة الحزبية المزدهرة في سوريا لتقبل بالخيار الناصري الذي كان مُنحازاً إلى فكرة المُستبد العادل عندما تبنَّى فكرة تعطيل الحياة الحزبية بمصر و الإكتفاء بتنفيذ ما كان يُطرَح في برامجها إزاء المجتمع سياسياً و إقتصادياً و عسكرياً، عبر رؤية تُعوِّل على تحالف قوى الشعب العاملة و عزل من يُصنّفون بصفة أعداء الشعب دون أن تُتَاح لأي منهم فرصة الدفاع أو الإسترحام.

لقد أقام كاسترو منذ ذلك التاريخ نظامه الشمولي في بلده كوبا مُتخلِّياً لرفيق نضاله تشى جيفارا مهمة الإستمرار في الثورة عبر بوليفيا و ما حولها مُتنقلاً بها من مكان إلى مكان لسنواتٍ سبع أن تكُن قد إنتهت بموته، فإنها ما لبثت أن أثمرت بفوز الليندي في تشيلي. و كانت خطوته الجريئة التي إستهل بها حكمه عقب النصر مباشرة بتأجيل الدراسة لمدة سنة خُصِصَت لمحو أُمية جميع الكوبيين إنجازاً منقطع النظير، كما كان لبرامجه الإصلاحية و مشروعاته في تنمية التعليم أثرها الذي يعترف به الأعداء قبل الأصدقاء، و هو توجه لا يُسلِّم به الجميع بل أن ثمة من يعارضه بعنف و قد كان في هجرة الألاف من أبناء كوبا نحو الولايات المتحدة الأمريكية خير دليل على قوة المعارضة بل و اللجوء ألى السلاح لإسقاط هذا الحكم الشمولي، ألا أن الصمود الذي تحدثت عنه في حينه وكالات الأنباء أن للحكم أنصاره و مبررات إستمراره ما دام يُكرس لمصلحة الأغلبية، و يواجه صنوفاً من الضغط التي لا تخفي عدائها و لا تدّخر شيئاً من جهدها لإعاقته و منعه من أي فاعلية.

لقد شهد العالم طيلة هذه العقود التي إنقضت على بروز كاسترو في رحلة التاريخ الكثير من التطورات التي شملت بعض البلدان بما يشبه الزلزال على نحو ما جرى في الإتحاد السوفيتي الذي أفلَّ نجمه و روسيا التي تخلّت عن الإشتراكية وسط أنباء بشأن الفساد تقشعر لها الأبدان و مارس بوتن أكثر من لعبة قذرة للبقاء على رأس الحكم و بثروة يُقال أنها في الأرقام الأولى على مستوى العالم فيما إحتلت الصين المكان الأهم من حيث التطور و موافقة الناس و إنتهاج سياسة حافظت على التخطيط في كل المجالات، و ظل كاسترو يتحرك على أكثر من صعيد و مع أكثر من محيط دولي، و قد إضطر في ظروف كثيرة أن يبحث عن الدعم المالي من أكثر الأنظمة عداء لفكره الماركسي، عندما وجدها مضظرة لمساعدته كما هو الحال لنا في ليبيا، عندما جاء زائراً ذات يوم فَصَدرت التعليمات لشراء كمية من السكر قُدِّرَت يومها بمائة مليون دولار و عند البدئ في الإجراءات تبيّن أن كوبا لن توفر المطلوب إلا بعد سنوتٍ خمس و بشرط حصولها على مستلزمات التشغيل التي ينبغي أن توفر مقدما، و يوماً طلب مدير السلع التموينية من لجنة االموارد أن تسعى لتوفير المبلغ المطلوب كمساعدة و ليس ثمناً للسكر الذي لن يأتي و لا يتحمّل تأجيله المواطن الليبي، و يومها لم أكن و مثلي بدون شك الكثير من متابعي ما كان يجري سعيد بمجئ كاسترو و لا مُتطلّعاً لرؤيته كما حدث في ذلك العام الذي دخل منتصراً هافانا و إعتقدنا أن إنتصاره بداية لإنتصارات أكبر، ما برِحنا أن أدركنا أن الأوطان فوق الأيديولوجيات. و ها أنا أشهد رحيل كاسترو بعد أن إختفى منذ سنواتٍ عشر بعد إختفائه من كوبا الرسمية و سبعة و خمسين سنة من قياته لتلك الثورة و إنتصاره، وسط ظروف أكثر صعوبة و مخاطر أكثر شراسة إزاء الوطن كوجود، لولا أن التطور على مستوى التواصل قد سمح بوجود هذا الفضاء لِنُدوِّن فيه كل ما نذكر و ما نتدبّر ليقرأه كل من تشغله رحلة التاريخ الذي كان كاسترو أبرز الفاعلين فيه و الشاهدين عليه.إنتهى



________________________________________


حول تجربة الدكتور علي فهمي خشيم

هذا ما حدث

 

أمين مازن

 

تنطلق هذه الورقة من مبدأ الامتنان الصادق والترحيب الوافر باختيار المثقف الوطني والأستاذ الأكاديمي صاحب الاهتمامات المتعددة والكتب الكثيرة "الدكتور علي فهمي خشيم" كي يكون شخصية هذه الدورة من دورات معرض الكتاب في انبعاثه الجديد، ليتم الحديث عن أعماله والاستماع إليه وإعطاء بعض الشهادات عنه، سواء من طرف الذين جايلوه مثلنا، والتقوه في أكثر من مجال، أو الذين درسوا عليه واستفادوا من ريادته، عبر رحلة قاربت في عمر الزمن نصف قرن كامل، أجملها الرجل في عمل ضخم دون فيه تلك الرحلة، مؤكدا في تصديرها انه في عمله هذا واعتذاره المقدم لقراء هذا العمل ربما يكون قد نسى أو تناسى بعض الأحداث والأسماء رغم انه قد عنون عمله الكبير بعبارة " هذا ما حدث" الذي صدر عن دار "أويا" الليبية

كما تستمد هذه الورقة مشروعيتها من مواكبة دؤوبة قوامها الحوار البناء منذ أول لقاء جمعنا في صائفة سنة "59" حين كانت معظم العناصر الثقافية والوطنية منشغلة بذلك الانقسام الذي عصف بالشارع العربي عقب الخلاف الحاد بين مصر الناصرية وبغداد التموزية مثبتة بذلك ان الأقطاب دائما في خلاف سواء كان الحكم بيد مصر الملكية وبغداد الهاشمية أو كانت الثورة تهب في البلدين، تماما مثلما كان الأمر منذ أزمان سحيقة، فالصراع هو الصراع أما العناوين فهي التي تختلف والأطراف دائما هي الضحية .

لقد توالت منذ ذلك الزمن محطات التلاقي والافتراق بصدد قضايا الفكر والإبداع لتعزز في خضمها دائما أواصر الصلة وتؤكد قسمات المشترك لنجتمع في السبعينات أعضاء في اللجنة التنفيذية لاتحاد الأدباء والكتاب الليبيين التي اضطلعت بقيادة ذلك الاتحاد وسيرته مجتمعة بحكم القانون، وكنا معا بشكل خاص ضمن الذين داوموا على الإسهام في عمل اللجنة وعلى حمل المسئولية، لتأتي بعد ذلك فترة الرابطة والمجلس القومي للثقافة العربية في حقبة الثمانينات فكانت المشاركات الكثيرة هنا في طرابلس وهناك في بنغازي ومثلها في مصراته وسرت فضلا عن الرباط وأغادير وبغداد ودمشق والكثير من اللجان المختصة بالتأسيس والدراسة . وكان دائما في مقدمة من يتعاون ولاسيما في الفترة التي اضطلعنا فيها بأمانة الرابطة ومن بينها المشاركة في مؤتمر بغداد حيث قبل السفر رغم المرض الذي أودى بعدئذ بحياة ابن شقيقه وكلها مدونة في الأسفار المحددة لها وفقا للتسلسل الزمني لما مشينا فيه من "مسارب" في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي وما تيسر الظفر به من سنوات هذه الحقبة، فلقد اخترنا أسلوب الحديث عن الأحداث في تسلسلها مستبعدين منها السلبي ودونما قفز على الإيجابي، ولكل أسلوبه على كل حال، وليس ثمة من اجتهاد في الممارسة إلا وله أضافته .

والحق ان ما حمله الكتاب فيه الكثير من المتعة والكثير من الإثارة ويستدعي التوقف عنده نقطة.. نقطة، وهذه بالطبع شهادة له ونحب لها ان تكون كذلك، لكن عامل الزمن في هذه الندوة سيحد من ذلك لكثرة الأوراق وتعدد الشهادات وبالتالي فإن المضي نحو ما رأيناه في حاجة إلى التدقيق أو الأسئلة أو لفت النظر هو ما سنركز عليه ونرى ان ذلك هو الأبقى والأكثر جدوى لما رمي إليه العمل الكبير .

وبشيء من الإيجاز والتحديد نقول ان الحديث عن بعض الأحداث قد تم في الكتاب على ما يبدو بعقلية اليوم ودون مراعاة الاشتراطات البئة وظروف المرحلة مثل إشارة الكاتب إلى توقيت بداية الوعي لديه بخروج السيد مصطفى بن حليم من رئاسة الوزارة الليبية في منتصف سنة 57 وهو الذي شهد وجوده في الحكم متغيرات معروفة في بلدة مصراته، تمثلت في عودة الحاج الفيتوري السويحلي من المهجر وهو من هو في مصراته وانتخابه من طرف المجلس التشريعي الطرابلسي عضوا لمجلس الشيوخ ومن ثم وكيلا له بالرغم من تبنيه للكثير من الأنشطة المعادية للأمير إدريس الذي صار ملكا وتعيين السيد جمال الدين باشا واليا لطرابلس وهو من هو من قبيلة يدر وغيرها من القبائل المصراتية، إلى جانب عودة الشيخ سالم القاضي إلى منصب الوزارة بعد ان ظل مقصيا بضغط السيد الصديق المنتصر، وقبل ذلك كله المحكمة المعروفة بقضية " قمح الإغاثة" والتي تابعها أهالي مصراته، فكيف يستقيم الحديث عن مشاعر الارتياح بخروج ابن حليم من الوزارة خاصة وأن الكاتب لم يذكر أي مرجع شعبي في الخصوص يمكن ان يكون قد زوده بما كان في حاجة إليه ليكون متميزا عن ذلك الواقع الذي كنا على صلة به من خلال أهله وأرائهم في رموز المرحلة من رجال مصراتة، ورفضهم الشديد للسيد الصديق المنتصر ومن يسير في ركابه ويرافقه أو يعمل معه، رغم أننا لا نشاركهم ذلك التحامل ولا نرى في أي إنسان الشر كله، غير ان الموقف في مصراتة كان على هذا النحو .

لقد قفز أخونا الكريم على محطة من محطاته المتعلقة بتجربة النشر حين عزا الكتابة في صحيفة الرائد إلى الصلة بالشيخ الطاهر البشتي دون ان يشير إلى أول الطريق المتمثل في الصلة بالمرحوم الأستاذ/ علي بوزقية احد أبرز طلبة مصراتة في دار العلوم وأكثرهم حركة وأوسعهم اتصالا وهو فيما نعلم قام بالتعريف بكاتبنا لدى المسير الفعلي لصحيفة الرائد الأستاذ فاضل المسعودي، ولأول مرة نسمع ان الشيخ الطاهر البشتي يصرف المكافآت للكتاب وبذلك السخاء الذي تحدث عنه لأن مسير الجريدة ذاته لا يصل راتبه إلى العشرين جنيه، كما ان مكافآت الإنتاج الأدبي المنشور لم تبدأ في ليبيا سوى في الستينات وما بعدها وبالذات عند تأسيس مجلة الإذاعة وبعدها ليبيا الحديثة، في ستينات القرن الماضي ولا مكان للمقابل قبل هذا التاريخ كما هو معروف.

لقد خانت الذاكرة هذا المثقف وهو يسرد تجربته مع أول قضية سياسية دخل أصحابها السجون ونعني بهم أصداءنا البعثيين، ابتداء من المدة التي قضاها وهي التي لم تزد على ستة أسابيع حيث تم الإفراج عنه وشقيقه ومن معهما من طرف قاضي التحقيق طبقا للوعد الذي قطعه المرحوم جهان الفورتية للخال الحاج محمد بن حميدة وأصدقائه الذين يجالسون "جهان بي" كل يوم تقريبا إذ ان الزيارات قد فتحت للعموم بعد انقضاء تلك المدة التي ضربت للتحقيق، وغرفة الاتهام، فأين هي المدة التي سمحت له بالنشاط وهو ما لم يحدث مطلقاً فيما نعلم.

ولا نرى في الحقيقة كيف صح له ان يخمن بأن يكون السيد سعدون حمادي زعيما لتنظيم البعثيين، مع ان الأحكام التي صدرت في ذلك الزمن لم تعطه سوى سنة واحدة في حين نراها قاربت الثلاثة سنوات بالنسبة للقياديين وكان أولهم يومئذ المرحوم الأستاذ/ عامر الدغيس المعنون فيما أذكر بقوائم المحكومين بأمين السر في حين كان السيد صالح الشريف أمينا للصندوق، والذي قارب حكمه ذات الفترة تقريبا.

ونرى انه لو كلف نفسه شيئا من الجهد لما صعب عليه ان يثبت من أجل التاريخ ان هذه المحاولة كانت وطنية ولا صلة لها بالعراق أو سوريا فلقد اختارها أصحابها طريقا وسيطا بين اليمين الإسلامي واليسار الماركسي ممن عرفوا من الفلسطينيين أو الأردنيين "شمس الدين الضعيفي وشقيقه" ولقيت القبول بحكم التأثير الشخصي أكثر من الفكري، بل ان هؤلاء القياديين عندما اجتمع بهم السيد صدام حين وهو على رأس وفد عراقي عقب الفاتح من سبتمبر حاثا إياهم على مواصلة العمل كان ردهم لمجرد ان ذهب الرجل إلى سبيله انهم لن يسلكوا ما طلب إليهم مطلقا، كما تحدث به الأستاذ/ الدغيس بصدد تجربته الحزبية التي ضاق بها ذرعاً في آخر أيامه، فلماذا هذا الكلام المحير.

ولأن الرجل لم يكن منذ زمنه ذاك من العاديين الذين لا تثير اشكالياتهم الحياتية والدراسية اهتمام الوسط الثقافي، كنا قد علمنا في ذات الزمن ما وقع له في الجامعة وما تحدث به عن خلافه مع مدير الجامعة المرحوم عبد المولى دغمان الذي كان له رأي في أمكنة الدراسات العليا فهو من أوائل الخريجين الليبيين بعد الحرب ومن مصر تحديدا، كما انه لم ير في انتقال مثقف معروف مثل علي فهمي خشيم من مختص في علم الكلام " المعتزلة " إلى متصوف مثل أحمد الزروق، وما أورده الكاتب من ترحيب الجامعة بالموضوع ليس دليلا على الأهلية بقدر ما يعني الرغبة في حفظ شيء عن هذا الملف بالجامعة التي احتضنت الدراسة ولا شك إنها قد تستفيد منها، فيما يكون ما تتطلبه الأمر من المراجع إنما هو من قبيل حسن استثمار ما كان يمنح من تسهيلات ، ولا شك ان سيرة عبد المولى دغمان في الجامعة وقبل ذلك في الدراسة بمصر لا تبرر وصفه بعدم الحماس لمن يمكن ان يفوقه في التأهيل، إذ لو احتكمنا لهذا المعيار لقلنا ان عدم إشراف خشيم على العدد المناسب من الدراسات العليا يمكن ان يشخص على هذا النحو!.

من القضايا المهمة التي أثيرت في تلك الفترة وتحدث عنها الدكتور خشيم موضوع الشخصية الليبية، التي نشط الحديث عنها عند تولي السيد عبد الحميد البكوش رئاسة الحكومة الليبية وبالذات عند زيارته المعروفة للجامعة الليبية فقد ذكر خشيم أنه أثارها أمام ذلك المسئول المثقف، وكان ان تظاهر بالانشغال بغليونه عن الرد، دون ان يذكر أي زميل من زملائه وهو يتحدث أثناء أو بعد الخروج من المدرج حيث يفترض في مثل هذه المواقف ان يوجد من يؤيد أو يعترض، فضلا عن ذلك فإن البكوش ليس من الذين يسكتون فما بالك وهو على رأس السلطة.

وللتاريخ نذكر ان الحديث في الجامعة تناول اتحاد الطلبة ولباس الميني جيب وقد رد البكوش بأن الحكومة التي يرأسها مستعدة للترخيص بإقامة الأحزاب ما بالك اتحاد الطلبة ولكن بشرط – والحديث له – ان تكون وطنية لا أن تتحرك لمجرد ان يتشاجر عبدان في الكونغو !! وأنه لم يأخذ بيده متر يقيس به ملابس الطالبات!.

وما نعلمه في الخصوص ان معالجات الدكتور خشيم وغير الدكتور في ذلك الزمان كانت تصب في ذات الاتجاه وأن الأستاذ/ عبد الحميد قد أرسل له رسالة شكر على حسن معالجته وكذلك اختياره لعضوية الوفد المشارك في اتحاد الكتاب العرب ما كان له ان يكون لو لم يكن موضع رضا، من طرف رئيس الوزراء ونبادر فنقول ان عبد الحميد يعد من أصدقائنا وأن الثورة كما نفهمها لا تشجع الإساءة لأي أحد بدون وجه حق وما زالت الهوية والخصوصية في مقدمة ما تعول عليه شعوب اليوم وفي حياتنا ما يؤكد هذا المعنى حتى الآن.

قلت في غير هذا المكان محرفا قول النفرى، كلما اتسعت الرؤيا، فأضفت ضاقت المساحة وأنا أدرك ان الوقت يضيق، فأشير بإيجاز شديد إلى غيابه المتعمد عن تأسيس رابطة الأدباء وحديثه التعميمي عن المعالجات الإعلامية لخليفة التليسي دون التفطن إلى انه وهو الوزير المثقف لم يكتب مقالة عن أي مناسبة من المناسبات ولم يدع إليها أحدا ومثل ذلك فعل عبد اللطيف الشويرف، لأتوقف قليلا أمام مؤتمر الأدباء العرب ببغداد والذي شارك فيه الشاعر حسن السويسي بقصيدته المشهورة، لأقول ان عدم التصفيق وبالأحرى ندرته أنما تعود إلى ان حسن السويسي لا يملك الجانب التمثيلي أو المسرحي عند الإلقاء أما الموقف السياسي فقد تمثل في إحجام السيد لطيف انصيف الجاسم عن ذكر اسم ليبيا وهو يدين المؤيدين لإيران فحصر الموقف بسوريا فقط، والسبب هو وجود وفدنا، رغم ان كلمتنا الرسمية اكتفت بتحية العراق ودولة العراق دون ذكر اسم الرئيس صدام حسين وهي الكلمة التي عرضت قبل إلقائها على الزميل على خشيم إلى جانب المرحوم الفزاني، مع التأكيد هنا وعلى رؤوس الأشهاد ان المشاركة كانت على مسئوليتي الشخصية ومن دون أي توجيه، وان ذلك الوفد قد شكل بالتشاور مع الأمين المساعد خليل العريبي، إلى جانب من كان قريبا من الأدباء مثل الأستاذ/ كامل إعراب، وقد حالت إجراءات التأشيرة الخاصة بالخروج دون سفر المكلف بالبحث وهو الأستاذ/ رمضان سليم فلا مبرر لما جاء هو تمويه لمسناه بشأن غيابه المتعمد عن الاجتماع التأسيس لرابطة الأدباء والفنانين دون ان يوضح ذلك، ثم قبوله المشاركة في وقت لاحق، وقبل ذلك في معرفته للماركسية عن طريق المصراتي الدرعمي وكيفية ذلك ومثله خطاب المصراتي في مصراتة عند زيارة الوالي الصديق المنتصر لها، إلى جانب مؤتمر أدباء المغرب الذي شبه فيه حركة المصراتي بالنخلة، بحيث لم نفهم من خلال السياق المدح من القدح وزيارة نزار قباني لليبيا وحلقات عبد الله القويري الروحية وخلو السيرة من أي مؤثر محلي، إنها نقاط تحتاج إلى الكثير من التدقيق والكثير من المناقشة مما لا يتسع له المجال الآن .

وأعود إلى حيث بدأت بشأن الترحيب الوافر باختيار الدكتور علي خشيم ليكون شخصية هذه الدورة ، فأقول ان هذا الترحيب ليس مجرد مجاملة أو تأييد لخطوة اتخذت إذا كان آخر ما مارسته في مسئوليتي برابطة الأدباء والكتاب وعضوية الأمانة العامة لاتحاد الكتاب العرب، ترشيح الدكتور علي خشيم لجائزة السلطان العويس في مجال العلوم الإنسانية وعن كتابه سفر العرب الأمازيغ وهو جدير بذلك وأكثر منه بدون شك .

أختم فاشكر من نظم هذه الندوة ومن دعانا إليها ومن استمع إلينا وأجدد التحية للدكتور خشيم الذي لولا جهوده لما تيسر لنا ان نقول ما قلنا وحسب العمل ان يعطي الآخرين قول ما ينبغي ان يقال . 

مع أطيب تمنيات الصحة والسعادة ، وجزيل الاحترام ..إنتهى

________________________________

موقع الكاتب والاديب : أمين مازن

  www.aminmazen.com © 2020- 2008

طرابلس - ليبيا

Tel 0913245901