أوراق في الرواية

اسمه الغرا م

للروائية اللبنانية علوية صبح


أمين مازن


جاءت رواية " اسمه الغرام " حاملة الرقم الرابع في تسلسل أرقام المدونة الروائية للكاتبة اللبنانية " علوية صبح " إذ سبق لها بحسب صفحة الغلاف المذيلة باسم دار الآداب الشهيرة، أن نشرت " نوم الأيام" مريم الحكايا، دنيا ، وقد ترجمت لها بحسب الصفحة أيضا إلى لغات عدة، وهي فائزة بجائزة السلطان قابوس للإبداع الروائي للعام 2006 . أما النسخة التي انطلقت منها هذه السطور فقد حملت الطبعة الثالثة، وفي العام 2011 وقد أثبتت عليه هذه الفقرة الباذخة : " حين جلس قبالتها في المقهى يحدق في عينيها ارتعش جسدها، ارتجفت يداها وساقاها وأحست بأن النار تخرج من رأسها، يداها الباردتان والمثلجتان دوما هبتا بالنار، وصارت كفها متوجهة شديدة الاحمرار، ظهرها كأن أنقسم إلى نصفين.

ثمة شيء غامض كان يحدث في جسدها، شيء يشبه الوجع، لكنه ليس وجــاً .. شيء يشبه زقزقة الفرح، لكنه ليس فرحاً خالصاً سألتني وعيناها دامعتان عما إذ كان الذي تحس به يسمونه الغرام" .

والحق أن بؤرة الحكى في هذه الرواية والمثبتة بالصفحة التاسعة عشر وتحت العنوان الفرعــي " 2 " قد جاءت مجسدة لهذه حالة الغرام الذي ملأ الشخصية الرئيسة نهلة وسيطر عليها جسد أو روحاً، حركة ونفسا ، ولم تجد غضاضة في البوح به من البداية والذي خصت به " هاني " علاقة إنسانية بدأت باكرة بين الاثنين، ذكر وأنثى جمعهما فضاء الوطن الواحد، وحال دون تواصلهما الاختلاف الديني، ذلك الذي عجز عن حل معضلته بحسب النص التوافق السياسي الذي كان يومئذ على أشده بين بعض النازحين من الجنوب، حيث طائفة الشيعة عشيرة الفتاة "نهلا" والمسيحيين عشيرة هاني إشكالية طرحت منذ زمن جبران خليل جبران، ومازالت تتحكم في عديد العلاقات وتقف حائلة دون مسيرتها على النحو المطلوب وتفرض الأخذ بهذا الخيار المتحدي الذي فضلت نهلا أن تعبر عنه بمثل هذا الوضوح الصارخ بشأن موقفها من الزواج الذي فرضته المصلحة والسيطرة الرسمية على حساب ذلك الكامن داخل شفاف القلب وما لبث أن عبر عن حقيقته المرة تلو المرة، بل وعجزت السنون المتوالية أن تنال منه حتى نراها لا تتردد في الانقياد له أكثر فأكثر كلما امتد العمر بين القطبين، ليبلغ ذروته ويزداد ضغطه والتعايش معه مع آخر سنوات الكهولة بل وبروز نذير الشيخوخة، صحيح أن ذلك لم يكن على حساب الالتزامات الأساسية لأطفال الاثنين ، ولاسيما نهلا التي تفرد مساحة غير عادية للابن والابنة والأحفاد، أيضا إلا أن حرارة الشوق وتفاصيل الفرح ووصف لحظات التواصل تظل هي الأقوى تعبيراً والأشد حرارة .

لقد كانت وفقاً للعالم الافتراضي أو المتخيل وربما الفعلي أيضا .. كانت نهلا هذه واحدة من فتيات الأسر التي نزحت من الجنوب وأقامت ببيروت في منتصف سبعينيات القرن المنصرم وفي أتون تلك الحرب الطائفية التي قلبت جميع المعايير وحصدت ما لا يحص من الأرواح وأقامت الكثير من التحالفات ولكنها لم تستطع أن تحقق سوى القليل بشأن العلاقات الإنسانية حيث موسه الأسرة وسيطرة رجال الدين، إلا أن هذه السطوة لم تستطع الإبقاء على ضرورة ارتداء النقاب المخجل الذي بدأ نشاطه مع المد المتشدد الذي اتخذ منه هوية لا مفر من مراعاتها ومحفزاً للكثيرات اللاتي تعذر كسبهن في المعترك السياسي، غير أن نهلا هذه وشأن بقية نظيراتها لم تستكن لتلك السلطة فاختارت النقيض وكذلك كان شأن قريناتها ممن شكلن فريقاً متماسكاً بدأ من زمن الدراسة واستمر إلى ما بعد الزواج، إذ لعبت هذه الرفقة دورها في عديد المصاهرات من ناحية والعلاقات المتجاوزة للمصاهرة وما فيحكمها من المشروع على غيرها من التواصل المعتمد على الممارسة العملية، وقد نقول المتمردة على جميع القيود، ففي هذه الفضاءات كثيراً ما تتسع المسافة بين ما يسود الحياة حقيقة وما يملأها من ضجيج حول المبادئ والقيم والكثير من الشعارات الناطقة بالالتزام الوطني والموقف النضالي وقل ما شئت من الكلام الذي يسر السامع والفعل الذي يخرقه على طوال الخط وعرضه أن صح التعبير، فنهلا التي مثلت هذه البداية التي اعتبرناها هي الفعلية لهذا النص القائم على البوح الاستفزازي، إن شئنا سواء فيما يخص هذه الشخصية أو من حولها من النساء والرجال لا تدخر شيئاً من لديها من خصوصيات النساء والرجال إلا وتبسطه أمام قرائها، بل لعلها بالنسبة للرجال بالذات تأتي أكثر إثارة وقد نقول أو أنه بدءً من الزوج سليم الذي لم تفلح الكثير من صفاته الإنسانية، وكذا أكرمه الغامر تجاه الأسرة، أسرتها بالذات أن تصرفها عن بعض قصوره ولاسيما من حيث لجوئه على التظاهر بغير ما كان عليه في دنيا الواقع . وقد جاءت مقارنتها شديدة التعرية وقوية الصدمة بقطع النظر عن كمية الاستدراكات التي أصرت أن تستهل بها النص بشأن السيرة الفعلية للشخصية المفترضة " نهلا " والتي كانت متوجة ولم تخن توجها من أن تأتي الرواية غير صادقة حالة ما إذا كتبت بعد رحيل المعنية بها مباشرة، فالكاتب حسب نهلا يكتب عادة ما يريد وليس ذلك الذي وقع .

يثبت الحكى أن أسرة نهلا حين نزحت ضمن من نزح من الجنوب وفي غضون تلك الحرب الضروس التي صهدت نيرانها الجميع، وانعكست من ثمة على جميع سلوكياتهم وعلى رأس هذه السلوكيات الموقف المتشدد إزاء الأنثى وإحاطة الذكر بكل أنواع الرعاية، فنجد الانحياز المطلق من طرف العمة لابن أخيها جواد الذي هو شقيق نهلا، ذلك الانحياز الذي يوفر الكم الكبير من الاحترام له قبل أن يكون شيئاً في الحياة لمجر أنه الذكر، وإذا كان هذا الاحترام قد ظهر منذ السنوات الأولى فإنه ما لبث أن تضاعف كلما تقدم به العمر وودع سنين الطفولة إلى حيث الشباب، فنراه لا يتردد في استعمال القوة نحو شقيقته هذه وهو يغار إليها ويتحسس من بعض تصرفاتها، وهو تحسس تزكيه العمة، وتباركه بوضوح ملحوظ، الوالدة التي لا تجد غضاضة في مصارحة نهلا بأن أي فتاة ترع من شأن شقيقتها وتتحمل ما قد يقوم عليه من أنواع الإهانة لهذه الشقيقة ولو إلى حد استعمال القوة فهو يمثل المفخرة لها أكثر من أي شيء آخر، هي إذن القبلية بكل صلافتها وتخلفها يجئ بها أولئك القادمون من الجنوب موطن الطائفة الشيعية وحتى الدرزية ربما حيث الغلبة كل الغلبة لسلطة الرجل بدءً من الأسرة الصغيرة ووصولاً إلى الأسرة الأكبر حيث يقرر الإمام بما يعن له أن يقرر، ولهذا تكون الحياة متشكلة من ممارستين وقائمة على مسلكين أحداهما المعلن المنصف بالطاعة والقبول بما يقرر الكبار والآخر العملي السائد في الحياة الفعلية حيث تبوح نهلا بما يجري بينها وبين هاني في سن الخمسين تعويلاً على ما جرى بينهما قبل ذلك في سن الثلاثين بل وما دونها، فالانقطاع الذي حدث بحكم الزواج والأولاد وتربيتهم وحتى تزويجهم لم يزد العلاقة القديمة إلا وثوقاً وحضوراً وإصراراً على المضي في هذا الخيار اللافت، خيار لا تكتفي مهلا بممارسته وحسب بل وتظل تروحي تفاصيله مع الخلص من خليلاتها وعلى رأسهن سعاد والتي تحظى بالمنزلة الخاصة والمكاشفة المتفردة، على أن المجموعة كلها تتبادل الخبرة وتدأب على الممارسة والتزام حياة معلنة وأخرى سرية، ولكنها شائعة ومسلم بها، وموضع حديث لا يتوقف إلا ويبدأ من جديد .

لقد اختارت الراوية مبدأ الكشف عن المستور حول ما يسود الحياة من تقاطع بين مواقف جميع الشخصيات بدءً من الشقيق جواد الذي يحمل أسماء أحد الأئمة الاثنين عشرية وينسب القوى التقدمية اليسارية، غير أن÷ إزاء الحياة الشخصية للشقيق نهلا يتخذ أكثر المواقف انغلاقاً كما عبرت الكاتبة بلسان بطلتها حين لم تكتف عن تناقض جواد هذا نحو شقيقه بل وكذلك زوجته التي طالما بخل عليها بما كانت في حاجة إليه من الحق والواجب وأصر على أن يخفي بذهنه غيرها من النساء، وعلى ذات المستوى كان الموقف من عديد الزميلات والزملاء الذين لم يخل منهم مثل هذا النوع من التناقض ومثلهم الرفاق والرفيقات الذين استخفوا بكل ما كان يسود المجتمع من الحدود الأدبية،، فانزلقوا إلى إباحة المعاشرة القريبة من حياة الأنعام إن لم تكن أضل سبيلاً، أنه الفهم السطحي للتحرر الذي تبنى مبدأ الهدم في كل شيء وعجز من ثم عن البناء لكل ما هدم، وبقدر ما رخص فكرة المعاشرة بين المتوافقين سياسياً أو فكرياً بقدر ما كان أكثر إخفاقاً في تطوير أي من هذه المعاشرات لتضع واقعاً سرياً إذ بقى كل اتصال غير سوي حيث هو، وما من أحد من الرجال تحديد تاقت نفسه للاستقرار وخطا بصدده خطوة طالت أو قصرت إلا وكان ذلك بعيداً عن هذه العوالم، فللملكية دائما جذورها القوية والانطلاق من التجربة الجديدة هو باستمرار مركز التفكير الشرقي والعكس بالعكس عند الآخر الغربي الذي يشترط في مقدمة ما يشترط الصدق الحقيقي حول الماضي، ولا يقبل مطلقاً كل إدعاء بعدم وجوده عند أي امرأة بلغت السن القانونية المتفق عليها .

على أن الزمن كان من الصفحات الأولى لهذا النص على رأس المخاوف التي أقلقت نهلا، إذ صرحت به وهي تناجي صديقتها سعاد ثم وهي تتلصص على جلسات زوجها وشقيقها ومن معهما، عندما داهمت جميعهم الأمراض وغيرت روائحهم الهرمونات فيما كان هذا الزمن بالنسبة لبعض رفيقات الصبا منصرفاً لذلك الاتصال غير السوي أو غير الطبيعي والذي ما كان له أن يسوج لولا المتغيرات التي أحلتها إلى حد كبير شراسة الحرب وردود أفعالها القاصمة .

" الإحساس بالانزعاج كان بادياً عليّ حين وصلت إلى البيت، أصوات الرجال في الصالون كانت تصدح عاليا، لفتني كم صار صوت أحد أصدقائه عاليا في حين كان شديد الخفوت أيام شبابه، ولحظت كم تغيرت رائحة الصالون بحضورهم، تغيرت روائحهم ... من زمان كانوا يأتون كانت روائح عطرهم ممزوجة برائحة الشباب التي تفوح من أجسادهم . الآن تمتزج بروائح الأمراض والأدوية التي يتناولونها ".

الحرب والتطور والإخفاق كلها أسباب مؤثرة في سلوك الرجال والنساء وطبيعة العلاقات القائمة وتأثيرها ونوعية الممارسة الناتجة عنها، والتفاصيل التي سجلها قلم الراوية كثيرة وغنية وتحتوي على أكثر من دلالة ومعنى وموقف . كما أن الكثير من شروط الاتفاق تبدو طاهرة، غير أن السؤال الأكثر إلحاحاً هو فوز هذا النص بجائزة السلطان قابوس للإبداع الروائي، وما إذا كان الدافع إليه جودة النص وحسب أم ان لدار الآداب ومكانتها التاريخية وعراقتها في هذا الجنس الأدبي بالذات أثرها في نظرة المكلفين بالتحكيم .أما نوعية الموضوع وطريقة الكتابة فلا شك أن ذلك على رأس ما دفع المترجمين من غير العرب بنقل هذا النص إلى اللغات الأخرى. فهناك يرحبون به كثيرا ويعتبرونه أكثر من غيره دليلاً على الصدقية والمعاصرة والاحترام الحقيقي للذات .



_____________________________________________________


واحة الغروب

.للروائي المصري الكبير الاستاذ بهاء الطاهر

.نشر دار الآداب 2007 / 2008

.بقلم أمين مازن

تحمل هذه الرواية الترتيب السادس بالنسبة لمؤلفات الاستاذ بهاء الطاهر الروائية، اذ سبق له ان انجز في المدونة الروائية المصرية، حسب احصائية دار الآداب المثبتة على صفحات هذا الكتاب من الروايات، خالتي صفية والمدير، شرق النخيل، قالت ضحى، الحب في المنفى، نقطة النور، ويشهد تاريخ الثقافة الحديثة ان بهاء طاهر كان بين الذين اسندت اليهم جائزة الدولة التقديرية للعام 1998، كما منحت روايته الشهيرة خالتي صفية والدير جائزة اتشيري الايطالية كأفضل رواية ترجمت في تلك الربوع للعام 2000، وهو في النهاية في مقدمة المثقفين المصريين المعروفين بالتزامهم الوطني التقدمي وموقفهم النضالي، وقد لقى في سبيل ذلك الكثير من التضييق والذي اضطره الى خوض تجربة الغربة لفترة لا باس بها عندما أقام بأوروبا.

وقد اعتمد بهاء طاهر في روايته هذه، حسب دار الآداب أيضا، مبدأ المزج الساحر بين الواقع والخيال، منطلقا من بقعة نائبة في القطر المصري هي واحة سيوه والتي جعل منها حسب التعريف الموجز والمعبر أيضا، مسرحا لطرح تجربة العلاقة بين الشرق والغرب، انسانيا وحضاريا بما تجريه من صراع ورغبة في التوافق وتأثير بالضرورة بالتقاطع، وهي والحالة هذه تستعير المسرح السردي الذي يجند فيه السارد – مخلوقاته – كما يعبر الاستاذ يوسف القويري – التي ينتدبها للتبليغ عما يؤرقه حول الحياة واكراهاتها للناس ، ان من خلال حاضرهم وما يعج به تاريخهم ومجموع الاحداث التي تحرك او النقل تفرض مواقفهم وجملة اختياراتهم ، وبالضرورة ما سيعود عليهم فيما بعد ذلك من افراح واتراح، تنظاف – بفضل الابداع الجيد – لمصلحة التراكم الحضاري ومعركة التقدم.

سلك الراوي، في معرض البناء الروائي، الاسلوب القائم على تعدد الشخصيات، او ما يمكن وصفه بتعدد الاصوات، ان بواسطة ضمير الغائب الاكثر مرونة لتفادي الاحراج او المتكلم الاقدار على البوح بما تستشعره الذات من انواع المكابدة ، مقترحا لمنطلقه شخصية رئيسة دعاها باسم محمود ، وقد ابتغى من وراء ذلك الاستفادة من وقائع التاريخ التي تؤكد وجود محمود ذات وصفة هو محمود عزمي الذي شغل وظيفة مأمور سيوه في آخر سنوات القرن التاسع عشر فجعل منه البداية على هيئة موظف اريد له أن يعاقب بالنقل الى واحة سيوه التي لم تكن يومئذ فقط بعيدة عن القاهرة مسقط رأس محمود ومحل نشأته والكثير من طموحاته، ولكنها أي سيوه كانت تشهد صراعا مريرا بين سكانها المنقسمين الى جهتين متناحرتين، احداهما تعرف بالشرق والاخرى تنعت بالغرب، هو انقسام ادى في احيان كثيرة الى استعمال السلاح وظل مؤثرا في مواقف الناس وممارساتهم والكثير من مشاعرهم كما انه لم يكن خافيا على الدوائر الرسمية ولاسيما الخبراء الاجانب، ونحن نلمس هذه الحقيقة من الصفحات الاولى في الرواية عندما تم ابلاغ محمود بمهمته من طرف المستشار الإنجليزي بالذات ، والذي كان ممسكا بكل ما يجري في نظارة الداخلية حول ادارة الامكنة والأفراد والجماعات، والنظارة كما هو معروف يومئذ تعنى الوزارة، عشية خضوع مصر لاحتلال البريطاني المباشر وعقب القضاء على ثورة عرابي باشا وتعقب القوى السياسية التي تعاونت معه وانتصرت لموقفه بدء بالزعيم عرابي وكبار مسئوليه وانتهاء باتباعه وهم كثر، ومن بينهم محود هذا الذي تم نقله في صورة ترقية وظيفية، فيما كانت في واقع الامر عملية ابعاد جرى تنفيذه بأحكام، ولهذا كانت اجراءات تعيينه وبالأحرى ابلاغه متمثلة في ذلك التوجيه الذي افاض فيه المستشار الداهية وفي جلسة حملت الكثير من علامات الصراع بين هذا المأمور الذي لم تنطل عليه اللعبة وهو يستلم قرار التعيين والمستشار الذي حرص على استعمال كل ما لديه من المهارة والخبث، كي يمرر ما لديه من معلومات عن محمود وما ينتظر منه، وما يمكن أن يتعرض له حالة اصراره على تكرار ما لوحظ عليه من انشطة أثارت حوله ما أثارت من الريبة والشك، الامر الذي اقتضى ابعاده عن مسقط رأسه وتكليفه بهذه المهمة الصعبة مع الباسها لبوس الترقية، ويكفى انها حددت في اجبار السكان على تسديد المطلوب منهم من استحقاقات ضرائبية، كثيرا ما ضاقوا ذرعا بها وبذلوا الجهد تلوا الجهد للتملص من تسديدها ولو بالسعي لتأجيلها، فإذا بهم يفاجئون بهذا المأمور العسكري فيأتي مكلفا بتحصيلها مع تحذيره من ضحية المساءلة القانونية والاجراءات التأديبية و التي لن تكون بأي حال من الاحوال لتسمح له بالعودة الى القاهرة كما صرح بذلك المستشار الإنجليزي وهو يبلغ محمود هذا بمهمته ويحدد له طبيعتها، والمنتظر من ورائها بما في ذلك العقوبات التي لا مهرب منها في حالة الفشل لأي سبب من الاسباب، وقد كان محمود على علم بكل الخلفيات وقد ادرك من خلال الحديث مع المستشار ما يمكن ان يؤول اليه امره، في حالة ما اذا بقي مشدودا نحو افكاره القديمة، بحسب المستشارة والافكار المعنية هنا لن تكون بدون شك، سوى تلك المتمثلة في مقاومة الغازي الانجليزي، اذ ان محمود كان من المتزوجين من احدى الاجنبيات، الا ان هذه الاجنبية وان كانت تتحدث باللغة الانجليزية وتقرأ بها، الا انها ذات هوية ايرلندية وايرلاندا تعتبر مستعمرة بريطانية، وليست في عداد المناطق البريطانية، ولهذا لم تتردد في مصارحة محمود بهذه الحقيقة او لنقل المفارقة، وقد كان لذلك اثره القوى في تطور العلاقة بين الاثنين، فبعد الارتباط الذي – ربما – دفعت اليه الرغبة المتبادلة جاء الانسجام المشترك في الموقف من الاخر الغازي فتوجب ان تقابل كل آرائه بالتشكك والارتياب، طيلة اللقاءات التي سبقت سفر محمود في هذه الرحلة المثيرة و التي ظهرت بعض مؤشراتها من الحوار الذي اثير معه حول سفر الزوجة كاترين واصرارها هي بالذات على القيام بها، غير مكترثة بما اسدى اليها من النصح المشوب بالتخدير وكذلك فعل الزوج محمود الذي يلاحظ انه اتخذ من الرحلة مناسبة لإشباع كل ما لديه من التطلع والشوق نحو امرأة جمعت بين الشكل والعقل، واتاحت له أن يتأكد من أي نوع من النساء عرف، ومع أي مستوى من المستويات قد اقترن، فقد كانت كاترين هذه في حالة من التلهف النادر لمعرفة احوال المكان ومحاولة اكتشاف كل ما يزخر به من الاسرار المتصلة بالمعرفة العلمية، وليس البحث عن الكنز المزعوم كما يظن السذج من القوم، فكان اقدامها على خوض التجربة وحرصها اللامتناهي على استثمار الوقت بالكامل لتحقيق هذه المهمة المعرفية، فيما ظل محمود هوا الاخر لا يكل من بذل كل امتلكه من التحدي الذي طبع كل تصرفاته وحدد جميع توجهاته، في منطقة لها من الخصوصية ما يفصلها عن كل ما لديها، ليس فقط من حيث اللغة الخاصة بالحديث وطرق التفكير وربما العادات، بل واكثر من ذلك نوعية الولاء الروحي وربما السياسي أيضا، اذا يكفى الا تعاض بنصائح السيد المهدى السنوسي والتعويل على اهمية النصيحة ومثل ذلك البركة مثلت يومئذ المرجح الاكبر في قبول جميع الخيارات.

ولا عجب فقد كانت سيوه واحدة من الواحات التي امتدت اليها دعوة السنوسي الاصلاحية، وكانت روابطها مع بقية الواحات التي لا تبعد عنها كثيرا ولا تبدو كذلك جراء التمازج المتعلق بالمصالح والاعراق واخيرا المخزون الروحي ما جعل سيوه تبدو شبه منفصلة عن تراب مصر خاصة والسيد المهدى يجمع بين الاصلاح ومقاومة المستعمرين الفرنسين .

فقد كانت بما توفر لها من لذيذ التمر وخصوصية العرق على صلة غير عادية بالكفرة والجغبوب وربما امتدت الى اؤجله وجالو، فهذه الربوع مجتمعة لها مالها من التفرد والامتداد القوى الذي يبلغ دارفور وقرو مناطق اخرى كثيره اشتركت في الأرضية وربما الاصول العرفية واخيرا التيار الروحي الذي اذ كان السيد المهدى السنوسي بسيفه وقبل ذلك عقله، ولاشك ان سيوه بحكم هذه الخاصية استطاعت ان تروج تمرها وتوفر له لدى المستهلكين شهرته الخاصة حتى ان الكثير من المواطنين الليبيين في معرض تنهداتهم المعبرة عن بعض احوالهم يردد مثلهم المعروف ( يا تمر في سيوه يا لبن في قرقارش) .

وقد ترتب على ذلك كله ان احتاجت تبعية سيوه الى حكومة مصر اجراء خاصا، مما جعل اختيار محمود عزمي كي يكون مأمور السيوه ومن ثم تفرده ببعض الاجراءات الحازمة يمثل محطة توقف عندها اكثر من مؤرخ، وقد تكون في مقدمة ما دعا الروائي بهاء طاهر لان يتخذها مادة لروايته، الا أنه لم يغفل عن الايماء الى ان سيوه قد صارت الاف واحدة من واحات مصر و ان كل حديث عن الماضي حملته هذه الرواية ليس الا من قبيل استثمار التاريخ وعلى النحو الذي نتج عنه خروج النص على هذه الهيئة من التجويد وحسن الاستفادة من وقائع التاريخ ولكن من دون الوقوع داخل دوامة الحنين الى الماضي، لقد اعطى الراوي اهمية ملحوظة للغة ولم يستنكف من سوق بعض التفاصيل المتعلقة بالحياة الشخصية لإبطال نصه وما ذلك الا لقوة انشغاله بإشكاليات العلاقة بالغرب وحجم التأثر الذي طال بعض الشخصيات، الامر الذي جعل النص يتوفر على الكثير من شروط الفن الاصيل، وحتم على هذه القراءة ان تعرب عن كل مشاعر الارتياح، مع كامل الثقة بأن موعدنا مع نص اخر للأستاذ بهاء الطاهر – امد له في عمره – لن يكون بعيدا بحول الله.


____________________________________

الأوبة

رواية للكاتبة وردة عبدالملك

أمين مازن

يمكنني القول أن الكاتبة وردة عبدالملك قد عقدت العزم من البداية أن يكون نصها الروائي الذي أطلقت عليه من العناوين «الأوبة» وأناطت مسؤولية نشره إلى دار الساقي البيروتية، هو نص يطمح إلى تجسيد موقفها المتمرد على كل ما لا يتفق مع ما تتطلع إليه من أهمية النص وربما اشتراطات، إذ فضلاً عن مخالفة ما جرى عليه العمل في جميع الكتب التي تتولى مسؤولية نشرها دور النشر الخاصة ومن بينها بالطبع دار الساقي جاءت هذه الرواية الممهورة باسم الكاتبة على الصفحة الأولى من الغلاف نرى أن الكتاب قد خلا من أي تعريف يتعلق بوردة عبدالملك هذه وما إذا كانت قد نشرت قبل روايتها المذكورة أية مؤلفات يمكن الإشارة إليها بالمناسبة أو أن روايتها هذه هي الأولى من نوعها في دنيا النشر، كما ولم تأتِ إشارة إلى أي قطر من الأقطار العربية تنتسب وردة وإنما اكتفت الكاتبة أو دار الساقي ـ وإن كنت أرجح الافتراض الأول ـ باجتزاء هذا المقطع الكفيل بإثارة كل مشاعر العداء والاحتقار إزاء ذلك الذي اكتفى في ليلة الزفاف التي هي ليلة العمر كما يقول الناس أينما ثقفوا بأن لم يزد على أن «خلع ثيابه وأبقى عليه سروالاً قطنياً ممططاً ومائلاً إلى الصفرة يعمل إلى حدود ركبتيه والذي كما تقول:

لم يقدم كأس ماء ولا وردة، وتضيف: ولم أرَ شكولاتة ولا فاكهة ولم أسمع منه كلمة ولا همسة ولم يداعبني ولم يلاطفني كما لمثلي أن تحلم أو تتخيل، وتضيف متحسرة٬ لكن برك، برك هكذا كما يبرك البعير الأجرب وبدأ يمطرني بقبل متلاحقة مجنونة على وجهي، يأكل فمي ويمضغ لساني ويحك أسنانه بأسناني وأصابعه تعتصر تفاحتي بشدة، حتى يبلغ العبقري رقبتي، لم يتركني إلا مع أذان الفجر، مما يعني أن الكاتبة أرادت أن تدين السلوك المتعلق بالإنسان وليس ذلك الدال على الزمان، فحجب علينا أن نتعامل مع النص ولا شيء غير النص، إذ قيل قديماً لا اجتهاد مع النص، وأن يكن المطلوب والأجدى هنا هو الاجتهاد حول النص، والنص دون غيره.

والحق أن المقطع المجتزأ من النص يعبر بأدق التعبير وأوضحه عن خلاصة مأساة الضحية التي استعارت لها الراوية اسم سارة تلك التي بدأت مأساتها من تلك الرقابة الصارمة والموغلة في التخلف على المدارس النظامية التي لا تخفي عداءها لكل شكل من أشكال التحرر ولو كان ذلك في امتلاك نسخة ونسختين من رواية كروايات عبير ، التي أقدمت سارة على الاحتفاظ بها ضمن ما كانت تحمل في محفظة كتبها عندما خصصت للتفتيش الأسبوعي الذي تسند مسؤوليته عادة للاختصاصية الاجتماعية للوقوف على مستوى النظافة وربما الهندام فإذا بهذه المتسلطة تستغل الموقف لتهديد الطالبة ليتسنى ابتزازها لاحقاً للسير نحو تلك العوالم التي تجمع بين الترغيب والترهيب على خلفية أن أي قرار يتعلق بمخالفة الطالبة يمكن أن يؤدي إلى طردها من المدرسة ريثما يقول ولي الأمر الإمضاء على التعهدات المطلوبة لعدم تكرار الفعل المحرم والذي من بينه أو على رأسه قراءة مثل هذا النوع من الكتب وهكذا أتاحت هذه الوضعية فرصة ثمينة كي تتمكن إحداهن من اصطياد الفتاة الصغيرة وتقنعها بالزواج من شقيقها الذي يكبر سارة هذه بخمس عشرة سنة كما أكد شقيقها الذي لم يُخفِ امتعاضه من هذه الظاهرة لولا أن الفتاة قد فقدت إرادتها وغدت في حكم المخدرة بالمظهر المبشر بالتقوى خاصة وأم الجدة الكبيرة كانت إلى جانب هذا المشروع بقوة، إذ أن الأم كانت منشغلة بهمومها الخاصة، وهكذا تم الزواج على سنة الله ورسوله وعبر تغيير كامل في حياة الفتاة الضحية التي كسبت من هذا التوجه العدول عن الدراسة الجامعية وأقدمت راغبة مختارة على اتلاف كل ما لديها من صور لأهلها وذكرياتها وحتى المناظر الأثرية لدخولها مجتمعة في حكم المحرم فإذا بها لا تغادر بيت الأهل إلى حياة جديدة ترفرف عليها السعادة والأفراح شأن الكثير من مثيلاتها وإنما تدخل أحد السجون بكل ما في الكلمة من المعاني إذ لم يكن الزوج أكثر من حارس عليها ليس له من شيء سوى إغلاق الأبواب اللهم إلا مرافقة الشقيقة العانس إلى إحداهن التي توصف بالشيخة التي يحافظ الزوج عبدالله على إحضار سارة للدروس إياها غير أنه لا يتردد وهو يلتقي جاره المرفوق دوماً بزوجته الشامية عن النظر إليها من الوجه إلى القدمين فإذا ما عنّ لسارة أن تعلن عن استيائها من المرأة السافرة في حضرة عبدالله هذا إذا به لا يعير تعليقها أي اعتبار فهذا الذي تقدم عليه المرأة الثانية يمكن من النظر إلى ما يحب أن ينظر فقد حلت السعادة والسعادة عادة لا تخشى النواهي من هنا لم يكن أمام البطلة «سارة» سوى أن تمضي في البوح بما كابدته من استشعار مظاهر القهر الذي تجرعت مراراته مع هذه العشرة غير المتكافئة والتي بادرت بشرعنتها شقيقة الزوج «فلوة» وتمكنت بواسطتها من الدفع بالضحية نحو تلك العوالم التي بدأت أساساً مع عشرة رجل أثبتت الأحداث مجتمعة أن سلبياته لا تتوقف عند فارق السن وحسب جاء به شقيق سارة ولا نوعية الثقافة وإنما تعدت ذلك إلى كونه أحد المصابين بأحد الأمراض النفسية وأن مرضه هذا قد استدعى دخوله أحد المراكز المختصة أكثر من مرة وفتح له بالتالي ملف محفوظ في البيت، فيتكون السرد والحالة هذه جامعاً بين فجيعة المرض واكتشاف جريمة أخطائه من طرف الشقيقة لتأتى من ثم ردة الفعل على جملة من المواقف الثارية التي عبر عنها التصرف المباشر أحياناً وصورها بعمق المونولوج الداخلي أحياناً أخرى، لتمضى المكلومة في لحظة صدقها بمخاطبة أكثر من قوة غيبية عما يعتمل في تفكيرها إزاء أكثر من حالة يائسة نحو ما يؤدي إلى نفسية هي الأخرى يائسة، جراء الخسارة المتكررة، ليكون الحصاد هو ذلك الحجم الهائل من التمرد الذي لا يتوقف عند ممارسة الغرائز التي هي بطبيعة الحال مسألة جسدية محضة، وإنما يتجاوزه إلى ذلك الكم الهائل من الشكوى الاحتجاجية التي لا تتوفر عند البشر ولا فوق البشر هو تمرد يستمد رصيده من التراث المعرفي على نحو ما نرى بين الأقواس التي تحيل إلى أبي العلاء المعري ورسالة الغفران أو الشعر وديوان أبي نواس على وجه التحديد، كما يطوف النص بقارئه نحو أماكن محددة في الرياض وغير الرياض من بلاد نجد حيث تشيع بين القوم حياة أخرى لا صلة لها بما يشهده الواقع من مظاهر تبشي بالمحافظة وبالأحرى التزمت المناقصة لحاجة البشر على كل المستويات والذي لا يؤدي بمن يسلكه سوى للاستسلام للعقد والانعلاق وانفصال الشخصية، مما تكون نهاية صاحبة إدمان التردد على المصحات النفسية والتطبب بالمهدئات التي لاتعدو كونها جزءًا من الإدمان شأن الزوج عبدالله بحيث لا يكون أمام الزوجة سارة سوى التمرد على ذلك الواقع المؤلم عندما وجدت نفسها ضحيته دوماً ودون أي مخرج من المخارج، فنراها تظهر ما يليق وما لايليق تعبيراً عن رفضها والتعبير عنه بعديد الممارسات التي طالت المحرم بعد المكروه، فالنص والحالة هذه يفلح في وضع الأصبع على الجرح، عسى أن تجد الجهات الساعية إلى التطور والعاملة عليه بالضرورة ما يدفعها إلى التصدي للمحاولات السكونية والماضوية الرامية ـ ما لم تقاوم بصراحة ـ إلى إنتاج الإفلاس والعجز القاتل عن التجاوب مع استحقاقات وما يقتضيه من إعمال للعقل وتحرير للإرادة البشرية من أي وصاية من الوصايات المقللة من إعلاء شأن العقل أو المسفهة لقدرة الإنسان على مواصلة مسيرته نحو التقدم والمعاصرة، وقد جاءت هذه مجتمعة عبر جملة من الأصوات التي قالت كل ما أريد لها أن تقول إذ باستثناء ما ورد على لسان فلوة العرابة إن صح التعبير، فإن الأصوات الأخرى مجتمعة بدءاً من الشقيق عمر والجارة الشامية إلى جانب مشاري الذي أصبح الزوج الثاني والملاحظ أن الراوية قد أحسنت حشدها للتبليغ بما تبتغيه من ترويج للأفكار الرافضة للسكونية بل والمصرة على الحرية قولاً وممارسة، وفي زمان يحتفي بركائز النص الروائي القائم على تقطيع الحكي رغبة في حسن توظيفه، الأمر الذي جعل من الركون إلى ضمير المتكلم يحكم النص كله، وإن الحديث بلسان البطلة سارة مباشرة أو حديثها عن شخصيات أخرى، تم التفصيل فيها بحوارات متعددة انطلاقاً من سارة الطالبة المجدة التي اوقعتها التربية القاسية فتكون ضحية لزوج يكبرها بخمس عشرة سنة فيكون إلى الوالد أقرب منه للزوج ولكن الأب المتخلف الذي يكره الفتاة على قطع دراستها النظامية التي كان من المفروض أن تكون وجهتها الجامعية إذ كانت على وشك الخروج من المرحلة الثانوية، فذهبت نحو تلك العوالم التي لا ترى في المرأة أكثر من سلعة تحقق الرغبة ومطوعة تأمر فتطبع، مما يجعل ردة فعلها كما هو معروف مقدماً على ذلك المستوى من التمرد الذي لم يعد يقبل بغير ماهو موجود رهن اليد والعين بل وملموس في برهان يكن الأذى ويوقف ما وجدت الفتاة نفسها فيه من قهر لا يتوقف، مما يجعل من سارة هذه لا تنطق إلا بما يكفر بما سوى الملموس وقد جاء ذلك كله في لغة شديدة الوضوح قوية التركيز ظاهر التكثيف مما جعل النص في مجمله من حيث الحجم لا يتجاوز المائة صفحة من الحجم الشائع فيما نجدها تحفل بكل هذه المواقف المتقاطعة، وأن يكن في حدود موقفين لا ثالث لهما، أما الدفع بسارة كي تنفصل عن عبدالله وهو الذي دعا إليه عمر مقدماً أو محاولة الإبقاء على هذا الزواج غير المتكافىء وحتى المخزى، وحسبه ما ازدحم به المتن من التفاصيل المتعلقة بسيطرة القوة التي استطاعت بواسطة الخزعبلات أن تخضع عبدالله لذلك التعذيب الجسدي العجيب الذي خضع له بدعوى إنقاذه من اللبس الجنوني إن صح التعبير، مما ضاعف من مشاعر سارة المعادية لذلك العالم ولكن غير المتخلى عن عبدالله عل مافيه من سىء الممارسات، لما تعرض له من الأذى الجسدي تحت مبرر تخليصه من الجن المزعوم الذي تلبسه والكتائب التي لا تكتفي بالتعليم وإنما تعمد إلى تقديم التقارير عن عديد الأنشطة بما فيها مهرجان الجنادرية ذلك المنشط الثقافي الكبير الذي حقق للسعودية بلد الرواية، كما يفيد النص حضوراً لما له في الحراك الثقافي العربي فجندت له وبالأحرى متابعته قوى سوية، كما ذكرت الراوية لقد ضحت سارة بكل شىء من أجل العودة إلى جامعتها معبرة لعبدالله المهر الذي قدمه لها ذات يوم وفي ذلك ما فيه من الإهانة من الإهانة لمن لا تحب أكثر مما تكبدته من الالتزامات المالية، فهي تريد أن تؤوب لتحظى بأجر الأوابين أولئك الذين يهجرون السبيل غير السوى لمجرد أن يستشعروا عدم سلامته فلا يسألون أنفسهم عن ثمن أوبتهم، إذ يكفى أن يكونوا في عداد الاوابين، وعندما أفلحت سارة في التخلص من عبدالله وجحيم عشرته،، مما يجعل من الاوبة التي اختارتها الراوية عنواناً لنصها جديرة بهذه التسمية، على خلفية أن مفردة الأوبة هذه لا تكتسب مشروعيتها وقد أقول قدسيتها إلا عندما توثق للعودة إلى الحضارة والمعاصرة تلك التي لا مكان لها سوى الجامعة التي آبت إليها سارة بذلك الفيض من الفرح العارم .


________________________________________

نساء .. رواية مصرية

امين مازن

في مزاوجة ذكية ظاهرة الدلالة بين رحيل أبرز رجال التنوير في الثقافة العربية وأقواهم تأثيراً في مدونتها المكتوبة خلال القرن الماضي هو الدكتور طه حسين سنة 1973وحرب أكتوبر التي قدر لها أن تندلع بين العرب والعدو الصهيوني في ذات السنة يفلح الجيش المصري فيها بتحقيق ذلك التفوق الذي أزاح بواسطته مظهر الهزيمةالتي حلت قبل ذلك التاريخ بستة سنوات الأمر الذي وفر للرئيس المصري أنور السادات الذي آل إليه قرار الحرب والسلم، أن يعلن على رؤوس الاشهاد استعداده للدخول في المفاوضات مع الاسرائليين انطلاقاً منا ترتب على ذلك التفوق المتمثل في الوصول إلى الضفة الأخرى من قناة السويس من الشعور العارم باستعادة الكرامة المفقودة وإمكانية التحرك من موقع القوة، جاءت أحداث رواية وبالأحرى ملحمة «نساء» التي أنجزها الإعلامي والكاتب المصري ناصر عراق، والذي برز اسمه في تسعينيات القرن الماضي في أكثر من صحيفة أو مجلة خليجية ولا سيما مجلة الصدى التي أشرف فيها على الملف الثقافي وكتب له الكثير من مثقفي الوطن العربي الذين أفلح في التواصل معهم بواسطة مهنيته وسعةعلاقاته، ففي ذلك الزمن الذي شهد حرب أكتوبر ووفاة الدكتور طه حسين جرت أحداث هذه الرواية وعلى رأسها هجرة المصريين إلى دول الخليج بعد أن ظهرت المؤشرات الدالة على فشل سياسة الانفتاح الاقتصادي الذي دش به ذلك الريس عهده حين لوح بالتعددية السياسية التي بدأها بالمنابر وطورها لاحقاً بالأحزاب ، فاستبشر الكثيرون بإمكانية العودة إلى مصر الخمسينيات التي أجبر فيها شعب مصر الزعيم مصطفى النحاس على إلغاء معاهدة 1936 جراء المظاهرات التي عمت مدن وقرى مصر من الحدود إلى الحدود إلى جانب الحركة الفدائية التي أخذت تهاجم رجال ومنشآت الإنجليز وتشعرهم باستحالة بقائهم بقناة السويس فكان ما كان من تسهيل مهمة القوى الوطنية المنزرعة في الجيش كي تسقط عرش فاروق وتصفى الوجود البريطاني وتدخل الكثير من التغييرات الاقتصادية والصناعية ولكن في تغييب متعمد لأي مشاركة شعبية مسؤولة ولا سيما حين سمح للسياسة الرامية إلى تصفية الرجعية تحت مصطلح أعداء الثورة فتشمل كل ذى رأي، الأمر الذي قوى الأمل في إمكانية العودة إلى الحياة الحزبية الصحيحة، لولا أن السادات استطاع أن يحصر الأمر في الناحية الشكلية ليكون ذلك كله حديث الشخصيات الروائية التي استطاع الراوي أن يحشدها كي تبلغ بما كان منشغلاً بتبليغه من حوار لا يعرف التوقف بين الشخصيات المتحلقة حول رجل التعليم المعروف الأستاذ جرجس المحال على المعاش والذي يتخذ من المقهى مكانه المفضل لقضاء أوقات فراغه مع عدد من رفاق العمر وزملاء العمل والتفكير ممن وجدوا ضالتهم في ذلك الفضاء يتبادلون الرأي حول ما يجرى ويخمنون عما يمكن أن يأتي ويفكرون في من غاب، ولا سيما العميد صبحي ميخائيل ابن أخت الأستاذ جرجس وزوج كريمته أنصاف جرجس أبرز مُدرسات التاريخ والخبيرة به فيما بعد، والتي ورثت من والدها محبة الدكتور طه حسين والاعتزاز بدوره الثقافي والمداومة على قراءة كتبه، لما لها من الأهمية من ناحية ولتتلمذ الو،الد جرجس على عميد الأدب العربي من ناحية أخرى، مما دفع السيدة أنصاف إلى المسارعة بقراءة أهم كتب طه يوم الإعلان عن رحيله، فكان الحديث عن شخصية الدكتور طه حسين أدبياً وسياسياً وصاحب نظرية جعلت التعليم بمثابة الهواء للناس كافة موضوع حديث الناس في ذلك اليوم، لولا أن ضاعف الإحساس بالمأساة بالنسبة للسيدة أنصاف ورود الأنباء المتعلقة بتأكيد وفاة زوجها العميد صبحي ميخائيل الذي استشهد في حرب أكتوبر وتعطل التثبت من مصيره هذا بعض الوقت وكان جرجس هذا قد اختار لحفيدته ابنة أنصاف من ابن أخته الشهيد صبحي «سوزان» تقديراً للدور الذي قامت به المرأة الفرنسية سوزان التي اقترن بها طه حسين، ورافقته في مشواره الحياتي والعلمي جامعة بين رعايته كزوجة وإلى قراءة له كمبصرة بل ومدونة لما كان يملى من مقالات صحفية ودراسات أدبية، وقد كان من مفاخر الأستاذ جرجس وهو ما ظفر به من اهداء مدون سطرته يد الدكتور يد طه حسين على بعض كتابته وكدلك ما سجله من ملاحظات تشجيعية وهو يقرأ لجرجس ما كتبه في بداية دراسته، ولا سيما فيما طلب منه كتابة اسم الجلالة على كتابته لأن ذلك من تقاليد المسلمين وليس المسيحيين الأقباط لأن هذا النوع من الكتابة يعني التزييف والدراسة تفرض الاجتهاد ونيل الدراجات وليس النفاق.

بلغت صفحات هذه الرواية ستمائة وسبعين صفحة من الحجم الشايع في أكثر كتب هذه الأيام، قسمت إلى فصول أو لوحات قاربت المائة وعنونت في الغالب بأسماء الشخصيات مع تحديد تاريخ يوم وسنة، والهدف من ذلك ربما أو الذي يستطيع القارىء أن يخرج به، حين يقرن قراءته بفعل التأويل، هو تباين مستوى النحو المتحقق لكل شخصية من خلال واقع الحال، وأن الشخوص يحيون داخل مصر ويتعاطون مع أحداثها مباشرة وهم يهجرون إلى حيث توفر شروط الحياة الجديدة والتي كانت يومئذ متاحة في الخليج ولا سيما دبى تحديداً، وقد قسم الراوي نصه هذا إلى جزأين فأتاح لمن يقرأ عمله من موقع المتابعة المسؤولة إمكانية الوقوف على المتغيرات وكذا لعبة الزمن، فتيسر تبعاً لذلك الوقوف على الصراع الذي احتدم بين عديد القوى السياسية وبالذات تلك التي لم تستطع التماهي مع مشروع السادات السياسي الذي اكتسب شيئاً من بريقه من خلال حرب أكتوبر التي حقق فيها نصره أو بالأحرى استطاع أن يقطف ثمرتها بعد أن أعدلها من سبقه، بيد أننا رأيناه يعجز عن تحقيق ما كان ينتظر منها لحياة الناس إذ كانتر الأسعار تزداد في كل يوم مستهدفة على نحو خاص ما يمس حياة الناس، من الخبز إلى الطاقة إلى مستلزمات الدراسة، في حين كانت الأسواق تمتلىء بالكماليات المستوردة من كل أنحاء الأرض فيكون ذلك كله موضع اهتمام ونقاش مثقفي مصر ورموزها الذين تعج بهم مقاهي مصر على مختلف مستوياتها وما كانت تتيحه من مقومات الحرية الشخصية فينشط الحوار بين عديد الفصائل ولا سيما تلك التي وإن كانت قد لقيت ما لقيت من التعسف والظلم في مرحلة من مراحل العهد الناصري إلا أنها لا تنكر على ذلك العهد ما أنجزه في مجال الضروريات المتصلة بقوت الناس وتعليمهم، وهو ما بدأ يتأثر ويرجع إلى الخلف مما يجعل من ذلك كله موضع مناقشات أولئك الذين يتحلقون حول الأستاذ جرجس من أمثال مرسي الشوبكي أبرز الرموز الوطنية وغيرهم من الذين عمرت بهم التنظيمات السياسية الجديدة ابتداءً من حزب التجمع والوفد الجديد ونقابتى الصحفيين والمحاميين وغيرهما من الفضاءات النقابية تلك التي وقع عليها العبء الأكبر في مناهضة مخططات مبارك وهو يرث السادات ويأخذ في إعادة تنظيم مجموعة هياكلها في اتجاه المضيء حول الخصخصة وبيع القطاع العام بأبخس الأثمان كانت الحياة الجديدة قد امتلأت بعديد الرموز التي اتخذت من سياسة الانفتاح المشبوهة سبيلاً للاثراء السريع ولا سيما تلك التي وجدت شيئاً من الفرص للعمل في دول الخليج التي فتحت الأبواب على مصراعيها لكل من يتبين استعداده لتبني التوجهات الجديدة القائمة على توظيف الأموال المنهوبة في الكسب السريع وتجليات هذه السياسة في الترويج للباس الحريم وما يلحق به من مظاهر التدين المصطنع والذي كثيراً ما يصطدم بالواقع الحقيقي للناس على نحو ما ثبت من زيف ذلك الزوج الذي طالما فاخرت به ودادعبدالحميد على زميلاتها من أمثال أنصاف ومن في حكمها من رافضات هذه السيرة فإذا بوداد هذه تفجع من زوجها حين تمسك به متلبساً في بيته مع شغالته الفليبينية فإذا ما جهرت وداد هذه باحتجاجها كان رده أنها زوجة على سنة الله !

كانت هذه النسوة من ذلك الجيل الرافض لما كان يلوح في الأفق من متغيرات بدت تطال على نحو خاص ما ساد المجتمع المصري من أنواع الحرية الشخصية من ناحية وتذكي التناحر الطائفي والخلاف غير الحضاري في مختلف الشؤون، على قاعدة امتلاك الحقيقة المطلقة لطرف وانعدامها عند الطرف الآخر، أنها التقاليد التي دشنها السيد أنور السادات ببرقماتيته المعروفة، ولم يتردد ـ ولو على نحو أكثر دهاء ـ في الابقاء عليها خلفه حسني مبارك الذي لم يغير من توجهات السادات قيد أنملة، مما تفطن إليه اليقظون من ساسة مصر ومثقفيها وحملة الفكر التحرري فيها، أن التصفية كانت شخصية وكانت ترمي إلى تغيير الوجوه وأفساح الطريق لمن عساه يكون أكثر قدرة للمضى في الطريق المرسوم بأعتبار حسني المذكور لا يتوفر على أي هوية سياسية فقد كان عسكرياً محترفاً بامتياز الأمر الذي هيئا له الاستمرار في تنفيذ المطلوب منه دون أي صعوبات تذكر بل ويتطلع مع الزمن والبقاء في السلطة لعقود طويلة إلى توريث العرش لابنه من بعده على الرغم من التحذيرات التي طالما بادر باسدائها الببعض ممن لا تعتبر أراؤهم شخصية بندر ما تمثل الايحاء بما تحب اشاعته الدوائر المسئولة، على نحو ما رأينا في مقالات وأحاديث الصحفي والاعلامي الكبير محمد حسنين هيكل الذي لم يتخلَ يوما عن سخريته من مشروع التوريث هذا، ولم يتردد في المطالبة بإخراج مبارك من شرم الشيخ عندما حاول أن يتخذ من إحدى منتجعاتها مقرا له بدعوي الاستشفاء وكان بعض العالمين معه قبل الاطاحة به لا يترددون في الذهاب إليه صباح مساء كما لو كان المطلوب هو تركه يسير الأمور من وراء الستار، مما دفع الشارع إلى التحري عليها إلى اعتقال مبارك وبقية شركائه ومن ثم محاكمتهم جميعاً.

وعلى الرغم من أن الرواية لم تتعرض في سردها سوى للفترة القصيرة من أشهر الانتفاضة لتى انتهت بإسقاط مبارك، إلا أن معظم الأحداث والوقائع ومراحل السرد المتقن والصراع الحاد بين مختلف القوى كان مكرساً بالكامل لتلك المعركة الكبيرة التي بدأت من اليوم الذي أُذيع فيه رحيل الدكتور طه حسين وجاء فيه نبأ استشهاد العقيد صبحي جبريل زوج السيدة انصاف ووالد سوزان التي اكملت في مصر جمع مراحل تعليمها جامعة بين الدراسة والنضال ومن ثم المساهمة في تنظيم حركة كفاية التي كان من بين رجالها الدكتور عزت الطبيب الذي ارتبطت به وجدانيا عندما جمع بين الطب والانحياز الكبير إلى الفن وقبل ذلك الوطن وسواء كان عمل ناصر عراق هذا وهو ينتقل بشخصية بين القاهرة ودبي يقترب من السيرة الذاتية فيتخذ منها مادة لهذه الرواية أو أنه عول عليها في اخصاب المخيلة فأن العمل يستحق الكثير من التزكية والكثير من الاشادة وان وصفه بالملحمة لم يكن إلا من خلال ما توفر له من شروط الموضوع والتناول وصولاً إلى تقدمية المضمون وأجمل فأقول أن ناصر عراق الذي عرفته الثقافة العربية اعلاميا وكاتباً صحيفاً دائب الحضور، والذي كما تقول الفقرة الموجزة من سيرته على غلاف هذه الرواية التي اضافها إلى رواياته : أزمنة من غبار .. من فرط الغرام .. تاج الهدهد، وبعد أن وصلت روايته «العاطل» إلى القائمة القصيرة في الجائزة العالمية للرواية العربية «البوكر العربية» بما حقق هنا من سلاسة اللغة ورشاقة والحوار والمزج بين الدعابة الجميلة والسخرية الموحية قد أكد بقوة حس استثماره لثقافة الواسعة ومزجه بين فن السيناريو والقص بل لعله بهذا العمل الضخم قد وضع تحت تصرف الفضائيات العربية ما يمكن أن يغنيها لفترات طويلة بعديد المسلسلات الفنية بكل ما يعمق الوجدان العربي وينتصر للضمير الانساني والمنحاز أبدا لما يخدم التقدم ويقاوم الجمود ويشد العربة إلى الخلف.



_________________________________________

حول رواية اللجنة لصنع الله ابراهيم



أمين مازن

جاءت رواية اللجنة التي أنجزها المناضل المصري الكبير صنع الله إبراهيم. في مطلع ثمانينيات القرن الماضي، ونشرتها لأول مرة دار الكلمة البيروتية سنة 981، تعبيراً صادقاً عن موقف الرافض للنهج السياسي الساداتي الذي جمع فيه بين التخلي عن النظام الاقتصادي القائم على الأخذ بيد محدودي الدخل واعتماد التصنيع الوطني- على ما يعتريه من القصور لتلبية احتياجات الناس، أي ذلك الذي أصر عليه حتى آخر نبض في قلبه الرئيس جمال عبد الناصر، ونقيضه الذي ذهب إليه السادات والمتمثل في فتح الأسواق المحلية على اتساع أبوابها للصناعات الأجنبية ليستورد منها جيوش السماسرة والوسطاء وتنشئ أجيالاً لا صلة لها بالواقع الوطني وما يحتدم فيه من صراع وما يزخر به من الآمال.. إنه النهج الذي بدأ مشواره بقوة عقب حرب أكتوبر التي لم يكن لها من مردود سوى الانحياز الكامل لسياسات التبعية والتخلي المطلق عن الأهداف الوطنية والقومية، على الرغم من أنها قد أدت إلى غياب السادات نهائياً ليس غير، علماً بأن الكثير من الصحف الغربية كانت قد تحدثت عن وجوب اختفاء السادات كما أن أبرز عرابي التسوية السلمية الملك المغربي الحسن الثاني، صرّح في ذات الفترة بأنه لو كان في مكان السادات لن يزيد على ما أعطى.

لقد رفضت ألمع العقول المصرية توجه السادات هذا في وقت سابق وهو رفض قابله السادات بمنهجية غير مسبوقة عندما التقى بهم جميعاً في سجون مصر، مما أعطى اختفاءه الوقع الطيب ، وجعلهم يكتفون بالخروج من السجن على ما سواه على الأقل في الفترة الأولى بمعنى أن نهاية السادات كشخص صرفت أنظار الكثيرين عن بقائه كنهج ، مما جعل خليفته الذي كان حاضراً تلك النهاية ولم يشمله أي أذى يدرك عن يقين أن سلامته اللافتة تقتضي المحافظة على الخط، فكان أن زاد على صون ما تحقق المسارعة بتوزيع المغانم المترتبة على ذلك التغيير الذي طال الحياة المصرية سياسة واقتصاداً بأن شملت المغانم المذكورة الحاكم وآل الحاكم أولئك الذين كان من بينهم تلك الجيوش الإعلامية التي أخذت تسبح وتهلل للزمن المبارك صباح مساء، ولاسيما عندما تضاعف انهماكه على ذلك النهج الذي رأيناه يأخذ من الزمن عقودا ثلاثة ،فيما كان صنع الله إبراهيم في مقدمة المعارضين حتى أنه لم يتردد في رفض جائزة النظام الأدبية التي طالما كانت نسبة الكثير ممن كانوا أكثر قدرة اقتصادية ومع ذلك لم يبخلوا بتقديم الكثير من القرابين المذلة.. ومما لاشك فيه أن هذا العمل اللافت ومثله الموقف اللافت أيضاً لم يكن مجهولاً لدى الكثير من مثقفي ومناضلي العرب الذين تفطنوا لما زخرت به رواية اللجنة هذه من تمثل واع ومعالجة جميلة فرأينا منهم من يخصها بأجمل المقاربات أذكر منهم على سبيل المثل الناقد والأستاذ الأكاديمي المغربي أحمد اليابوري ، عندما اتخذها إلى جانب نجمة أغسطس موضوعاً لورقته التي شارك بها في ملتقى الابداع العربي الذي انتظم بمدينة طرابلس وحضور عربي موسع، فتأكد يومئذ أن اليابوري من الذين لاتصرفهم الدعوات التي توجهها الأنظمة عن الأدب الملتزم والابداع الملتزم ولو كانت هذه الأنظمة وهي تخطط لمناشطها هذه تتطلع إلى توظيف الأدب والأدباء لتوجهاتها المشوشة وحتى المنحرفة.

اعتمد الكاتب في تحرير نصه الروائي هذا الأسلوب المكثف، بحيث لم تزد صفحات كتابه على مائة وعشرين صفحة من الحجم المتوسط ، قسمت إلى ستة فصول، أما الفضاء الذي هيأه لتحرك شخصياته أو لنقل شخصيته المحورية فكان قوامه الأساس متمثلاً في دورات الزمان وما أتاحه من المتغيرات ، مما جعل المكان المتصل بالراوي محدوداً ، لتأتي اللجنة دون غيرها المحرك الأساسي للحكي، والذي اختار له ضمير المتكلم أي ذلك الراوي الذي طمحت نفسه إلى المثول أمام اللجنة، أملاً في أن ينتج هذا المثول تحقيق ما كان يخالج نفسه من آمال ومطامع في واقع كانت الصعوبات فيه تتناسل على النحو الذي وجدنا فيه الراوي لايتخلص من صعوبة حتى يصتدم بأخرى، كان الزمن ليس فيه إلا المزيد من هذه الصعوبات ، وقد أفلح الراوي في التعبير عنها من البداية ، أي منذ أن طرق باب اللجنة أي بحث عن مكانها أولاً ووصل إليها ثانياً ، ففي صفحات لاتزيد على الثماني قرأنا له ذلك الوصف لنوعية تلك اللجنة التي تطلع إلى المثول بين يديها ونوعية الممارسة التي تقابل بها أولئك الذين يطمحون إلى بلوغ تلك الغاية فهي أولاً لاتحترم الموعد الذي تحدده وإنما تحضر بعده بساعتين وهي في مكان له أكثر من مدخل فيكون من السهل على أعضائها أن يدخلوا ويخرجوا دون أن يراهم أي مراجع وهي أمام ردهة طويلة خالية من أي كرس يمكن للمراجع أن يجلس عليه ، إذ لابد أن يظل واقفاً أمام الحاجب وهي لاتطلب من يراجعها إلا بعد أن تفرغ من الحصول على كل الخدمات بما في ذلك تلميع أحذية الأعضاء ،أو حذاء اللجنة كما عبر النص في دلالة بالغة العمق.

لقد ساعد هذا المنحى الراوي على أن يدخل بنا ذلك الواقع الجامع بين استشعار التوتر ومحاولة التغلب عليه والاحساس بقوة المأزق والحرص على الخروج منه، فبدأنا أمام امرىء واضح الإدراك لما يريد، امرىء يتخذ من فهمه لما يجري سبيلاً لتجاوز مكايده أو ما يمكن التعبير عنه بالحرص على الخروج بأقل الخسائر، فهذا الذي كان ذات يوم غائباً عن حضور حدث ما داخل السجن كما يجيب صراحة على أسئلة اللجنة والذي يستمع إلى أعضائها الذين لم يفلح في معرفة عددهم فيكتفي باقتناص نوعيتهم من خلال أسئلتهم وتوضيحاتهم التي شملت التوكيد بأنهم يعرفون عنه كل شيء والذي لا يتردد في الاعتراف بالميل إلى بعض ما ينتقده على غيره من الذين تعج بهم الحياة في زمن الفضيلة المفروضة ومظاهر الاستقامة المصطنعة والمناقضة بكل الفجور كما تابع لحظات التحرش الوقح في القطار والذي كانت ضحيته تلك المرأة التي لم تجد في الأعداد الكثيرة من الناس من يتحرك لنجدتها من ذلك الذي تجرأ على مضايقتها بكل ما يتوفر عليه الأنذال من الصفاقة ، فإذا ما عن له أن يبادر بموقف أكثر تعبيراً عن واجبه كإنسان ، لم يجد ذلك الوغد أي حرج في الاعتداء عليه واعمال عضلاته القوية في إلحاق الأذى بأحد ذراعيه واضطراره للذهاب إلى الطبيب القابع في إحدى العيادات الخاصة التي لم تخجل من استغلال حالته الصحية المتردية في ابتزازه أبشع الابتزاز ويرفض بلا رحمة ذلك الطبيب المتعالي تقديم أي خدمة من ذلك النوع الذي تفرضه إنسانيته أو طبيعة المهنة التي يحترفها ، لأن زمن الإنسانية كما يشير السياق ليس له - على ما يبدو - أي مكان.

إن هذه الوضعية جزء من الواقع واللجنة هي الأخرى صورة من صور هذا الواقع ، الواقع الذي يقول من خلاله عضو اللجنة نحن نعرف كل شيء عنك ويقول آخر أنك قطعت شوطاً طويلاً وهأنت تحاول البداية من جديد فإذا كانت الإجابة منطلقة من المنطق التبريري أو ما في حكمه مما يمكن أن يعتبر حجة كافية أو شبه كافية للدفاع نرى أن عضو اللجنة هذا لايتردد في التعبير عن موقف الحاقد بالنظرة غير المريحة على الأقل والنظر غير المريحة هذه تؤثر على مواقف الراوي وإجاباته وحتى مشاعره من يجعله يرتبك أكثر من مرة ويرى نفسه دون المستوى ويحبطه بشيء من التردد على الرغم من أنه وبواسطة إجابته المسهبة يقدم الصورة الكافية عن شخصه ومراحل تطوره منذ النشأة الأولى ولكن المقابلة لا تتوقف عند شأن معين ولهذا يكون من بين أعضاء اللجنة من يسأل عن أمور غاية في الشخصية ولاصلة لها بالأنشطة الفكرية وما في حكمها وذلك عندما يفاجأ بالسؤال عن فشل مني به ذات مرة مع إحداهن على الرغم من ان ذلك الفشل لم يحدث لمرة واحدة ولكن لأن تلك الواحدة لم تكن تمارس ماتمارس بدافع الفطرة أو العادة أو حتى المعصية وإنما تمارسه لتقدم نتائج نشاطها لحظات أخرى من حلقات التبليغ فكان من الضروري أن يطرح مثل هذا السؤال عليه بل وأكثر من ذلك أن تشمل المقابلة مطالبته بشلح ملابسه والكشف عليه في مكمن العفة لأن مع هؤلاء لاتوجد أمكنه للعفة فالمطلوب تقديم صورة كاملة ، صورة يمكن الرجوع إليها أو بالأحرى استغلالها .

ومن الواضح أن مثل هذا الفهم هو عينه الذي جعل الراوي لايخفي ما ظل حريصا عليه شديد الحرص كي لايصطاد من إجاباته فيقع ضحية ماتنطوي عليه الأسئلة من الفخاخ اللامتناهية المنصوبة له عسى ان يقع داخلها فيدفع ثمنها في وقت لاحق لولا أنه ولمجرد استشعاره لما أحس به صار يلقي إجاباته بذلك الحذر وأن يكن الحذر المشوب بالسخرية ولكنها السخرية التي يدركها المتلقي دون أن يجد المستمسك الذي يستطيع بواسطته أن يرد فقد استعرض جميع فئات المجتمع حين طلبت إليه اللجنة أن يكتب على إحدى الشخصيات اللامعة في المجتمع فأبلغ متلقيه ماخامره من الشك والحيرة حول نوعية الدراسة المطلوبة وما إذا كانت أكاديمية أو عادية تهدف إلى تقديم المعلومة لتبقى بعد ذلك مسألة اللغة التي ستكتب بها مثل هذه الإجابة فاللجنة التي تشكل من هذا النوع لابد أن تشترط في الإجابة انسجامها مع التوجهات التي يتبناها المقربون وأصحاب الدراية بالمطلوب ومن هنا لم يترك البطل فرصة سؤال اللجنة له عم إذا أتيح له أن يجلس على قمة الهرم فما الذي سيطلبه ولهذا لم يفضل الدفع بقوة العلاقة بين خوفو والدين اليهودي فالزمن هو زمن الإخوة زمن البحث عن المشترك زمن «الكوكا كولا» تلك الزهرة العجيبة التي طالما كانت وراء الكثير من الثروات والأثرياء وأكثر من ذلك كانت وراء اختيار الرؤساء الأمريكيين أولئك الذين طالما وحدتهم الكوكاكولا منذ الصغر وهي بلاجدال تولت رعايتهم وتهيأتهم لرئاسة هذه الامبراطورية العظيمة التي حكمها هذه الأيام «أيام اللجنة » كارتر الذي حقق ذلك التلازم اللافت بين التخلي عن الخيار القومي والمشروع الصناعي فاستحق سخرية الناس كافة ولما كان خصوم الالتزام في الأدب أو لنقل أعداءه الذين طالما استغلوا عبر جبهتهم العريضة مجندين على نحو خاص المتطوعين من نقادهم الذين يعيبون على مثل هذه النصوص خلوها من الجهد الفني اللافت محتجين بما دأبوا على ترديده من ان الأدب الهادف يحتفي بالموضوع وبالأحرى يعول عليه أكثر من التجويد الفني فإن صنع الله إبراهيم يفلح في تمرير كل ما يرمي إليه من موقف نضالي رافض للتبعية الأجنبية على كل المستويات بهذا السرد الراقي الذي سخر ضمير المتكلم لتعدد الأصوات أكثر من المضي نحو ارسالها بلاحيوية وعندما تذيل دار المستقبل العربي التي تولت نشر الطبعة التاسعة «2004» بما نصه .

«كان من واجبي لا أن اقف أمامكم وإنما أن أقف ضدكم»

من حقنا أن نصدق من يقال عن هذه الزجاجة البريئة المظهر .

وكيف أنها تلعب دوراً حاسماً في اختيار طريقة حياتنا ورؤساء بلادنا وملوكها بل والحروب التي نشترك فيها والمعاهدات التي نوقعها .. كما تحدث بطل اللجنة عندما وقف أمامها متمسحا بها قابلا ل...... كلفته بها .. « رواية جريئة مشوقة ترصد بفنية عالية نمو العلاقات الاجتماعية والاقتصادية خلال مرحلة المد القومي وانحساره وما أفرزته من طبقات وأوضاع وتخرج الواقع الحي بالكاريكاتير الساخر» حتى أن السيارات التي جاءت مع كارتر صارت تنعت «بطرطر» بكل ماتعنيه من التعبير الساخر والمخجل أيضاً أن دار المستقبل كانت صادقة كل الصدق حين نفتت اللجنة بمثل هذه الكلمات فهي أقل مايمكن أن يقال بصددها من حيث المعالجة والدلالة والتبليغ .



_________________________________________

طيور العنبر


رواية  لإبراهيم عبد المجيد

أمــين مازن

تتحدد بؤرة الحكي في رواية (( طيور العنبر )) للروائي المصري الماهر إبراهيم عبد المجيد في اختيار فضاء الإسكندرية لإعطاء الدلالة حول مصر عامة بدون شك في النصف الثاني من القرن الماضي ، بدءً من سنته الثانية عندما شهدت مصر ذلك المتغير الكبير الذي طال الحياة والناس ، فصارت مصر بتأثيره دولة جمهورية يتقدم صفوفها رجال الطبقة الوسطى ، بدلا من العرش العلوي الذي بدأ تشيده محمد علي باشا الكبير ، ذلك المشروع الذي وان يكن قد تبنى وحقق الكثير في هذا المضمار الا انه شان الكثير من الأعمال الكبيرة لم يسلم من عديد الإخفاقات ، ولاسيما في دولة الاستقلال وعقب الحرب العالمية الثانية وإثناءها حيث شاعة سيطرة الإقطاع وتجلياته في حكم الأقلية البرلمانية وممارساتها اللاديمقراطية بل والمعادية للكثير من مظاهر السيادة الوطنية . مما كان موضع رفض القوى السياسية كافة ، وسهل الطريق بالتالي أمام الطلائع العسكرية كي تقدم على إسقاط النظام الملكي وتذهب الى إعلان الجمهورية وتبني المطالب الوطنية من إصرار على تحقيق مطلب جلاء القوات البريطانية من قاعدة السويس ومن ثم الإقدام على تأميم شركة القناة . هي اذن المطالب التي ناضل في سبيلها الآلاف من أبناء مصر وعلى رأسهم القوى السياسية الواعية التي تفتحت على مختلف التيارات الفكرية ، واكتسبت بهذا العامل تلك الخاصية المتمثلة في ذلك النسيج الاجتماعي الذي عبر عنه التضافر اللافت بين جمهور المتساكنين ممن كانوا خليطا من عديد الملل والنحل عندما استوعبتهم الإسكندرية ، فامتازت بهم وامتازوا بها وجاء قلم هذا الراوي الذي افلح في توظيفها وهو ينجز عمله الإبداعي هذا القائم على اللوحات الفنية المعبرة وعبر مواءمة جيدة بين الزمان والمكان والإنسان ومن ذلك المتغير الذي جسده إقدام جمال عبد الناصر على تأميم شركة قناة السويس الذي اختار مدينة الإسكندرية مكانا لإعلانه ، تلك المدينة التي شهدت قبل هذا التاريخ إجبار الملك فاروق على إعلان تنازله عن عرش مصر ومن ثم الرحيل من ذلك الشاطئ الى ايطاليا أي من ذات الشاطئ الذي كان قد شهد احتلال البريطانيين لمصر لقد ترتب على ذلك الحدث المشهود الكثير من الأخذ والرد والتأثر والتأثير في المجتمع المصري ، كان العدوان الثلاثي على مصر أشدها وقعا على المتساكنين هناك ، أي الإسكندرية صاحبة الخصوصية الاجتماعية وتجلياتها في العلاقات الإنسانية الجامعة بين العمل والحب والنزق والتصالح والتفكير في كل شيء عدا الحرب التي فاجأتهم وأعادت الى الكبار منهم أهوال الحرب العالمية الثانية التي كانت الإسكندرية احد مسارحها في التراب المصري عندما عرفوا أهوالها قبل تلك الأيام بما لا يزيد على العقد من الزمن على الأكثر وجاءت يومئذ يتفجر من أنواع التناقض ما لم يتوقع احد حدوثه ، ولا سيما ذلك التآلف القوي الذي هاله وبالأحرى فوضه الحدث وافلح الراوي المقتدر في رصده وحسف التعبير عنه .

بدافع من وعيه لقوة العلاقة بين النص والكاتب وسيرورة الأحداث لم يغفل ، وهو المولود في منتصف أربعينيات القرن الماضي ( 46 ) أي ان هذه الأحداث قد جرت وعمره بين العاشرة والثانية عشر من العمر ، ان يثبت مجموعة الكتب والصحف والمجلات التي اعتمد عليها وهو ينجز نصه هذا ، وهو إثبات من شأنه إحاطة القارئ بالمكونات التي ساهمت في صنع موقفه السياسي ، ربما ، اذ قبل ان يدرس إبراهيم عبد المجيد الفلسفة بالمرحلة الجامعية تلك التي لم يحدد تاريخها فيستعيض عنها بتاريخ نشر أول نص روائي له وقد كان في الثالثة والثلاثين من العمر ، فان ما اتى على ذكره بين الكتب والصحف كاف بدون شك ليوفر المادة الخام ، ان صح التعبير وان يكن الجو الأسري كما يلوح أكثر من غيره أثرا . غير ان النص في حد ذاته يفصح عن تمثل عميق لطبيعة المرحلة ، اما الانطلاق من الإسكندرية فلما لها من الخصوصية وكذا حضورها في وجدانه . اذ ان طبيعة العلاقات الإنسانية التي رصدها واحسب التعبير عنها مراحل النضج ومكابد الأسئلة القوية ولكن من خلال بثها في عديد الصفحات ، ابتداء من شخصية العربي الذي جسدا استهلالا بالغ الدلالة عبر علاقته الجميلة بكاتينا اليونانية تلك التي جمعت بين تشغيل هذا الإنسان شبه الأمي ليتواصل معها بعد ذلك دون ان يحقد أي منهما على الآخر وان كانت اليهودية راشيل هي الأخرى ذات حضور ولكن في درجة اقل ومن جانب العربي بالذات . الجميل ان كاتينا لم تردد في الحديث إليه عن رؤيتها السياسية وتكوينها الفكري وزوجها الذي كان ذات يوم احد حملة الفكر المادي الجامع بين توجهه ومقاومته للفاشية وكذا الملكية في كل مكان هو حوار وبالأحرى حكي يلقى بأقوى الأضواء على ذلك الواقع . فكان خير دليل على المرحلة وظروفها . عندما فاجأها العدوان الثلاثي ليعيد ذكريات الحرب ويكون من المستحيل بقاء ذلك النسيج الاجتماعي السكندراني .

يكشف النص عن الإحاطة الكاملة بما نتج عن متغيرات تلك المرحلة والقائمة على وصف أحوال الإسكندرية ، حين واجهت الجاليات الأجنبية الموجودة بها منذ قرون والممسكة بأكثر المنشآت الاقتصادية والصناعية صغيرة كانت ام كبيرة فضلا عن قطاع الخدمات فصارت عندئذ تفقد جاذبيتها وتدفع من ثمة للإسراع بتصفيتها ، قبل ان يمتد إليها قطار التمصير ، فبدت تباع بأقل من أسعارها الحقيقية بكثير اذ كان هم أولئك الذين يملكونها هو تهريب ما يمكن تهريبه ، فصار لزاما وهذه الوضعية أن يستبدل استغلا باستقلال وكان اخر من يمكنه الاستفادة هو المواطن البسيط والذين ألت إليهم الامورهم أولئك المتواطئون مع السابقين فلا تتألق صورة المواطن الحقيقي سوى في ذلك الذين يتبنى الموقف الرافض ولو كان على هيئة الأحجام عن قبول اسخى العروض المالية شأن العربي الذي اختار حياة المتعة والنأي بنفسه عن قائمة المستغلين أولئك المستقلين لما جاء به العهد المتمثل في ثورة يوليو وما ألتزمته من موقف معاد للاستعمار وتجلياته الاحتكارية وتحالفاته التاريخية ولكن دون المساس برصيد العلاقات الإنسانية التي ربطت أجانب الإسكندرية او لنقل من غير مسلميها الى جانب مصر المتكونة من المسلمين والأقباط ان صورة الإسكندرية في تلك المرحلة تجيء واضحة المتغيرات وعلى مختلف الصعد وقد كانت عين الراصد الروائي قوية الملاحظة بالغة التعبير شديدة الدقة في التصوير حين جاء ذلك عبر عديد الأصوات التي جمع حديثها بين الوصف والتحليل فقد كان ضمير الغائب الذي اعتمده الروائي مفيدا الى ابعد الحدود في إعطاء الصورة الجلية حول المرحلة والأشخاص وقبل ذلك توفير تلك الأرضية الفسيحة من وصف الأمكنة وتفاصيل الأحداث خاصة وان فن العودة الى الخلف وما تفضى إليه من استعادة الماضي لخدمة المستقبل او لنقل الحاضر من دون التباكي عليه اللهم الا بما يوفره من قوة التعاطف الضروري لكل نص روائي هدفه التعبير عن مراحل الصراع بين الأجيال والشخصيات وأخيرا الطبقات وايه ذلك ان وراء العمل رؤية وعلم وإمكانية وتصميم بالغ القوة علة حسن التبليغ إزاء ما جرى وما يمكن ان يجري وعلى هدي من التسلح بكل ما هو خالد ومتسلح بالتفرد وبأقصى درجات الايجابية المستوحاة من المكان .

يحقـــق إبراهيـــــم عبد المجيد وهو يضع من روائية هذه شـــــكلا من أشكــــال الملحمة التي توائم بين الذاتي والموضوعي او لنقل الفني مقدرة ملحوظــــة في تمرير كل ما يروم تمريره بشأن تجربته الحياتية من ألوان يحبها وتجارب نسائية ربما يكون قد خاضها ولحظات من الجمال ذاق طعمها وذلك بأن بثها عبر الحكى المتقن المتــــسلح بالسرد وحتى التفاصيل الممتعة عبر الحديث عن حركة أبــــطاله في مختلف لقاءاتهم وما امتلأت به من حلو ومر ، مستعينا على ذلك باستدعاء المرحلة التاريخية وما زخرت به من أغان عاطفية وأفلام سينمائية وعلاقات بين فناني وفنانات المرحلة كانت حديث الناس جميعا وموضع اهتمام وسائل الأعلام دونما استثناء كل ذلك دون ان يغفل الجانب الثقافي المتمثل في التاريخ للمرحلة وما لمع في التاريخ الثقافي من رجال حققوا خلودهم عن جدارة ولم تستطع مؤامرات الصمت أن تزيلهم من الــــذاكرة الثقافية بـــقدر مـــــا جعلــــتهم يحققون صمود اعجز الكثير من نظرائهم عن بلوغه ، غير ان ذلك كله يأتي مـــــبرأ من سيطرة الراوي او تدخله غير المشروع او تعويله على الحــــــدث كي يكون هو المحرك ، فتكون النتيــــجة ان من يقـــــــرأ العمل المرتبط بالمـــــناسبة ، ويعيش لحظة من لحظــــات من الانفــــــعال يكون دافعـــــه العمـــل ذاتـــــه وليس الإبداع بل على العكس من ذلك ان طــــيور العنبر وهي تتخــــــذ من أحداث زمانها مادة لها تعتبر من الأمثلة النادرة على ما يمكن ان يحقق كـــــل إبداع جـــــاد وفن أصيل من الاستعـــــادة القوية للتاريخ وهزيمة كل محاولة من محاولات التغييب الذي لا مردود له في حــــــياة الناس كافــــــة والفن خاصة اد بقدر مـــــا تؤرخ طور العنـــــبر لأحداث أزمـــــة السويس وما رافقها من تطــــــورات وثــــورة يوليو وما ترتب عليـــــها من متغيرات بقدر مـــــا زخر النـــــص بعديد المحطات العلمية والمنجزات العلمية التي تأتي مناسبة على الســـــنة شخصيــــات الكاتب مبرأة من أي تدخل او قرأ او فرص . (( المدينة تعود لأصحابها ، لا باس ، مع انها لم تكن يوما للمصريين ، امر بها الاسكندر وبناءها البطالة ، وحسدها الرومان وأهملها العرب فأحياها محمد علي باشا فتساقط عليها الأجانب من كل سماء جاءوا مع كل سحابة يرسلها البحر المتوسط ، ربما كانوا الصوصا مع كونهم تجارا وأصحاب حرف وفنون ، لكنهم جميعا أحبوا المدينة الإسكندرية قلب كبير . هذه الأيام يعلوها الكدر )) .

(( في اللحظة التي تهدج فيها صوته ، قائلا سنقاتل الى آخر قطرة من دمائنا سنقاتل ولن نستلم أبدا ، انفجروا بالهتاف ، الله اكبر يسقط أيدن يلفط موليه ، يسقط بن جوريون ، نموت وتحيا مصر ، وأخذوا طريقهم ناحية كوبري كرموز ))

فقرتان اجتزأناهما من النص على سبيل المثل وليس الاستشهاد المدقق ، فالنص في مجمله يمكن ان يجتزأ منه أي مقطع ، وعسى ان لا تكون هذه المقاربة من دون إظافات أخرى ولا طيور العنبر وحدها موضع التناول ، خاصة وأن البلدة الأخرى قد صورت منذ سنوات تجربة من أصعب التجارب لأولئك الذين تسوقهم الأقدار للعمل في جزيرة العرب ، فتكون حياتهم مأساة من مآس الإنسانية بكل ما في الكلمة من المعاني .



__________________________________________

امرأة أعمال رواية مغربية

بنسالم حميش


أمين مازن

ربما يكون مصطلح (( امرأة أعمال )) الذي اختاره المثقف المغربي المرموق  بنسالم حميش ليكون عنوانا لأحدث رواياته التي صدرت في مطلع هذه السنة ، ونشرت ضمن منشورات (( دار الشروق المصرية )) اسما غير مسبوق في أسماء الكتب العربية ، على الأقل بالنسبة لي شخصيا ، اذ انه بالنسبة لمعلوماتي المتواضعة عن عناوين الكتب يمكن ان يكون كذلك . على ان هذه جزئية ليست ذات بال بالنسبة للتعاطي مع النص ذاته لان هذا الأخير هو سيد الموقف ومعيار الفصل إزاء ما يكن ان يقال عن الكتاب ومن الكتاب أي الموضوع والمحتوى .

أمــــا التعريف المكثف الذي أثبته الناشر على صفحة الغلاف ، حول حيثية حميش الذي يكتب بالعربية والفرنسية في البحث والإبداع والتدليل على هذه الحقيقة بكشف حوى مؤلفاته في اللغتين ، وكذا ما خظيت به بعض مؤلفاته من الاحتفاء . فرواية مجنون الحكم اختيرت من طرف اتحاد كتاب مصر ضمن أحسن الروايات المائة التي ظهرت في القرن العشرين ، ، اما الجوائز التي نالها عربيا وفرنسيا فهي حسب الصفحة المذكورة : الناقد لرواية الأطلس الكبير . نجيب محفوظ من الجامعة الأمريكية بمصر ، الشارقة لليونيسكو ، نجيب محفوظ لاتحاد كتاب مصر . ميدالية تنويه من جمعية الأكاديمية الفرنسية للفنون والادل . الجائزة الكبرى لأكاديمية تولوز الفرنسية .

والحقيقة ان بنسالم حميش من الوجوه الثقافية الحاضرة بقوة في المشهد الثقافي المغربي خاصة ، ومثل ذلك العربي وحتى الدولي مما هيأ له على الصعيد السياسي ان يتقلد منصب وزير الثقافة المغربية . وهو منصب له مواصفاته في دولة المغرب المشهورة بنظامها البروتوكولي الصارم في الكثير مما تقرر حول المواقع وشاغليها اذ لابد لهؤلاء من هوية سياسية ذات أثر او حياد له وزنه عند اللجوء الى معسكر المحايدين .

لقد حرص المؤلف ، اذ صدق الظن على توكيد انحيازه او لنقل موضوعيته إزاء النقلة التي شهدتها المغرب من متغير نتج عن حركة العشرين من فبراير عبر عنه سلوك الأجيال الجديدة في المغرب ، تلك التي لا تخفي ما لديها من مشاعر الخيبة الكبرى من سوء أداء الكثير من القيادات السياسة ووسائلها المتمثلة في الصحافة والتنظيمات المتعددة ، فاتخذت من شبكات التواصل الاجتماعي بديلا جديدا بثته ما لديها من صنوف الخيبة والحزن والغضب في النهاية ولا سيما تغول البطالة الناتجة عن التقنية التي لم تعد تسمح للفقراء من الناس اية فرصة للعمل ولو كان على هيئة حراسة بسيطة لمركبات الميسورين اذ لم تعد من حاجة إليهم في زمن الأجهزة الاليكترونية التي توقت زمن الوقوف وتضمن كذلك السلامة ، فعمدت الى توحيد صفوفها وتصليب مواقفها الكفيلة بصون مصالحها ولو كان على هيئة إتلاف للآلات الجديدة التي أقيمت في موقفات السيارات باعتبار هذه الآلات تمثل نوعا من الاحتكار المؤثر في قوة العمل كما هو حال التزايد الذي جعل منه الكاتب مستهــلا لنصه الروائي هذا ، حيث بدا على هيئة معتوه او درويش بالكاد يثير الشفقة ليس غير ، في الوقت الذي كان هو احد العناصر الفعالة في حركة العشرين من فبراير الذين طالما أنجزوا مفردات خطابها التوعوي وشعاراته الحازمة ، والمصرة على سلمية التحرك وصراحة المطالب والحذر كل الحذر من أي عنصر تفوح من ممارسته رائحة الطموح الزعامي الذي طالما ابتلى به التاريخ المغربي الحديث ، حيث لم تتفق معظم الرموز على شيء مثل اتفاقها على سرقة القوى الحقيقية المناضلة من يمين ويسار على السواء . هي سرقة طالت الماديات مثلما امتدت الى المعنويات ، مما حدا بالقوة النامية الى عدم السماح لأي فرد كي يتضخم على أي مستوى ، فكانت هذه الاستمرارية اللافتة والتي أفلحت في المزاوجة بين القول والفعل ، بل لعل هذا الأخير ان كان اكثر وضوحا في الممارسة اليومية ، كما ظهر من سلوكيات الزايد وتضافر أقرانه معه أولئك الذين شتوا تضامنهم بتصحيح اسمه لينطق (( زيد )) وليس (( الزايد )) وافرحون بدلا من محزون ويوائم هو من جمعته بين ميله الداخلي نحو صاحبته الوكالة والتعبير عن ميله هذا بتلميع سيارتها بل وتقبيلها ، غير منتظر من المالكة أية أعطيه تزيد على حقه ، ويذهب الى أكثر من ذلك فيحرص على البقاء في عمله هذا على الرغم مما لقي من المغريات ، لقاء أداء واجبه النضالي في جماعة عشرين فبراير تلك التي جعلت منه الشاب الصلب الذي يتحمل كل أنواع الأذى دون ان يبوح بسر ذلك الذي دأب على تحميله باقة الزهور لصاحبته الوكالة والتي لم تملك الا ان تتأثر بأغاني زيد وكلماته التي كثيرا ما حفلت بها الإذاعات واللقاءات ، ان على السنة ناس الغيوان او وجد في أغاني أم كلثوم خير معوض عما يريد ، الى جانب المارة في شوارع المغرب ، لندخل في النهاية الى الفضاء الذي تملؤه امرأة الأعمال التي تدير وكالتها بمساعدة عدد من النسوة المتآلفة معها كما تحيا حياة زاخرة بالكثير من المفارقات . فالمدام التي تطغى شمعتها الأربعين ، لا تبدو بفضل اهتمامها بنفسها والحرص على صونها الا اقل من ذلك بكثير ، فحياتها الشخصية بالغة التعقيد جراء الزوج القعيد من المرض العضال الذي جعل منه رهين البيت الى جانبه الابن الوحيد المنحاز الى القوى السلفية فلا يتردد في رمي أمه بأبشع النعوت بل ويتوعدها باستعمال القوة وان يكن يكلفها بعض المصروفات الى جانب لوازم البيت وعلاج ذلك المصاب فالتحريم الذي يقول به الوالد والابن لا يحول دون الاستفادة من الدخل هي مفارقات لم تزد المرأة الا تماسكا وقدرة على تحمل المصائب المتتالية ، كما ان العلاقة الخاصة التي كانت موضع سخط الزوج القعيد والابن الذي لم يراع الوازع الديني الذي يفرض الإحسان للوالدة ناهيك عن المصلحة الذي لا يحترم مثل هذه الازدواجية هذه العلاقة الخاصة أفضت في نهاية المطاف الى موقف كريم من ذلك الرجل الذي لم يخرج من الدنيا الا وهو الموفي بكل ما تقتضيه المعاشرة ـــ كيفما كان وضعها ـــ لمديرة الوكالة أسماء عندما اتخذ الإجراءات القانونية التي ضمنت لها مستقبلها الى جانب السكن المريح ، لتقوم هي من جهتها بكل ما يتلج الصدر نحو النسوة التي ساعدنها بل وزيد الذي ارتبط بها . لان واقعها جديدا ساد المغرب قوامه العمل قبل القول أي نهج أصحاب العشرين من فبراير والذي فرض على المنضوين تحت لوائه ان يرفعوا من مستوياتهم ويطوروا خبراتهم التي جعلتهم أهلا لكل ما اسند إليهم وانفق عليهم ولا سيما حين سعى البعض الى استغلالهم في مالا يشرف السمعة كما ظهر من محاولة ذلك العربي الذي جاء بأمواله للمغرب ولديه مشروع استثماري اختار له شراء وتأثيث بعض الشقق الصالحة للإقامة السياحية المؤقتة التي تتظاهر بمزاحمة الفنادق من حيث النفقات فرحين يكون من مشمولاتها تقديم الخدمات الأخرى وهو ما نأت عن أسماء حين رفضت العرض بكل الوضوح ، وكذلك فعلت امرأة اخرى فرض عليها احد الخليجيين الزواج او حتى المعاشرة ، وريثما يتوفر الظرف الذي يسمح بزواج المتعة الذي يدعو له بقوة أتباع المذهب الشيعي ، ويتخذون منه مغريا لاقناع الاجيال الناشئة في المغرب الكبير وبالأحرى في شمال أفريقيا عموما باعتناق المذهب الشيعي . فالنص والحالة هذه يصدر عن دربه غير عادية وإصرار شديد الوضوح على إعطاء فكرة قوية الحجة والتعبير على ان الذين انضموا تحت لواء حركة العشرين من فبراير وبالأحرى خططوا لها وقادوا معاركها مستفيدين من واقع المغرب وما يزخر به من شدة المتناقضات وكثرة التصادم بين الفعل ورد الفعل ، وعلى رأس هؤلاء جميعا زين الذي استهل به حميش نصه هذا المنبثق من حياة الناس وما تفرضه من الفرفشة والمتعة وحتى الخطيئة في ذات الوقت الذي يبقى الخيار المركزي هو ذلك المكرس للواجب الأكبر .

يمتاز هذا النص بتوكيد قدرة منشئه على التخلص من غياب التعادلية بين تداخل الأجناس الأدبية ، ولا سيما فيما يتعلق بالكتابة الفكرية والإبداعية ، حيث تكون الأخيرة أي الإبداعية لعبة بيد الأولى ، فتفقد الشخصية الفنية ما هي في حاجة اليه من الحيوية المنعشة ، أي صح التعبير والتطور المتكفل بالإقناع . الأمر الذي لا سبيل الى بلوغه دون اعتماد لغة التحاكي اليومي وما تقوم به من توفير شروط الإقناع واكتساب خصيصة التأثير في المتلقي . وقد ظهر ذلك واضحا في الحوار الذي دار بين زيد وتلك التي استكثرت عليه البقاء في المدينة والتي لم يكن من حواليها بالطبع اذ عــــبرت ردود زيد عن فهم عميق ، عبر عنه حذف السارد لفن التجويد القادر على كسب المتلقي ــــ (( اسمعي يا بنت الناس الحاضر هو الله واقف هاو ما يله . . عمرك سمعتي بشجرة طارت او هربت ، هذه الخدمة ما توافقه طبعي . . انا عزيزة على الحركة ومخالطة الناس ، هذا جاي . . . هذا رايح او قاعد . . هذا عاقل داخل سوق راسو وآخر أحمق أو بهلول يحدث نفسو بصوت مسموع . هذه البنت الحجاب او بنت الميني جيب هذه امرأة زينة وأخرى تتمايع وما بقى لها غير ترقص على وحدة ونص . . المدينة هب كل شيء السيارات والمقاهي والشوارع والساحات والجوامع والأذان والمظاهرات . . الإنسان مع ياجوج وماجوج ينسى همومو ويفرج على نفسو ـــــــاما عندما ضاقت مديرة الوكالة بما درج عليه زيد من إلقاء النكت التي أضحكت العاملات كان الرد بأن الضحك حسب الدراسات الحديثة يطيل العمر ويجلب السعادة مما دفع المديرة أسماء الى التفكير في المسألة ومن قم التخفيف من ضيقها ، ولا سيما حيت تخلو الى نفسها وتشم داخل غرفتها رائحة الورد المنعشة وتتذكر الأغاني التي سمعتها على حين غرة ، من ذلك الشغيل الذي بدا لها دائما مثار السخرية ولكن أفلح ان يكون باعث ـــــ سرا ــــ للاهتمام فيكون النص في مجمله يدخل ضمن ذلك النوع الجامع بين التبليغ بما لا حد له من القيم والمضامين ولكن دون التقليل من ظهور القدر الكبير من الحرص على تحقيق أعلى درجات المتعة التي تعتبر لدى الكثير من المشتغلين على الإبداع على رأس أولويات الكتابة الأدبية حين تخضع للتعميم الموضوعي


_______________________________________

رياح الرغبة

رواية لبنانية  لنادين الأسعد

أمين مازن

تندرج رواية (( رياح الرغبة )) للكاتبة اللبنانية نادين فغالي ، في قائمة النصوص التي تتخذ مواجع المرأة موضوعا لها . وتنحى ما يمكن ان يطلق عليه فن البوح المتخلص من جميع القيود التي طالما اعتبرت الشأن الخاص منطقة محرمة على غير صاحبها ، ومن العيب كل العيب ان يقع التعرض إليها عند التواصل مع الآخرين . مما جعل من هذا النهج ، نهج البوح المشار إليه تجديدا في فن الكتابة ، كثيرا ما احتفى به نقاد الإبداع ودار سوه ، فسوغ لهم هذا الفهم إضفاء الكثير من أنواع الاحتفاء بكل ما ينطلق من عالم الذات وبأقصى قدر من كشف المستور ولو كان ذلك في غيبة الكثير من المقومات الأخرى ، فرأينا هذا النوع من الأدب يحظي بما لا يحظي به غيره من سخي الجوائز تلك التي غدت في أيامنا هذه موضع تنافس عديد المؤسسات الرسمية وشبه الرسمية ، حتى ان اعرف الجوائز العالمية كنوبل مثلا لم تعد وحدها قبلة أنظار المتطلعين للمردود من ذوي المعرفة والعاملين عليها ، ولا سيما عندما دخلت على الخط الدول النفطية المعروفة بأجندتها الظاهرة والخفية .

لقد جاءت هذه الرواية ضمن منشورات الدار العربية للعلوم ، إحدى دور النشر وفي مطلع هذه العشرية الثانية من قرننا الجديد والتي تكاد نودع نصفها الأول ، ولم تحمل عن الكاتبة اللبنانية أي معلومة تذكر اللهم الا كونها شاعرة وروائية لبنانية مذيلة بصورة المؤلفة وترجمة لعنوان الرواية باللغة الانجليزية ومقطع من النص لا يتجاوز نصف الصفحة فلا يتوفر شيء عن بداية النشر ولا ترتيب النص بين المؤلفات ان وجدت هو تقليد كثيرا ما عمل به كتاب النصوص ، ولا سيما حين تكون نصوصهم مثار تعليقات بهذه الوسيلة الإعلامية او تلك ، مما يوحى بأن الكاتبة ربما أرادت لنصها ان يتقدم الى القارئ مباشرة ودونما توسل بأي رأي قد تدفع إليه خصيصة المجاملة او حديث عن المؤلفات الأخرى بقصد الحصول على المبتغي من الهيبة ، خاصة وان الكاتبة قد وضعت عنوانها الاليكتروني لمن يتطلع الى التواصل والحصول ، ربما على مثل هذه المعلومات ، التي طالما عول عليها المنخرطون في سلك البحث الأكاديمي تحديدا ، حيث اعتماد النشأة والدراسة والمحيط في مقدمة مرتكزات الدراسة الأدبية وخلاصة نتائجها في حين يمثل النص دون غيره مصدر قراءة المتعاطي مع الأثر ، وما يكشف عبر هذا التعاطي من الدلالات التي تمثل ما يمكنه ان يكتشف فيه من الاظافات وما يؤدي اليه من قوى الايجابيات فالنص دون غيره سيد الموقف ، وبقدر ما اثبت تميزه عما سبقه من النصوص ، وبقدر ما تيسر له من السلامة عن نقيصة التكرار المخل او التأثر المخجل ، بقدر ما تيسر لكل من ينشد الانحياز اليه ان يقول حوله ما يجب ان يقول وان يخلع عليه ما يريد ان يخلع من حلو الكلام وجميله ولا سيما بعد أن أصبحت الرواية كفن من فنون التعبير أكثر مما عداها قدرة عن التبليغ عن هموم الإنسان المعاصر وما يكابده من الأسئلة وينوء به من المواجع بل لعلها بما تيسر للمتفوقين في إثراء مدونتها ، قد استوعبت الشعر ذاته ، باعتباره ديوان العرب وباعتبار الرواية المتفوقة هي تلك التي لم تهمل في معرض تجويدها تعمد الشاعرية الجميلة

اختارت الكاتبة ضمير الغائب ، حين كتبت نصها ، ربما لأنه الأكثر شيوعا في معظم الأعمال السردية العربية منها والمترجمة او لأنه الخيار الأكثر ملائمة لما تتوق الى التبليغ به والدعوة إليه واختارت لخطابها شخصية نسائية رئيسة أطلقت عليها اسم وحددت نقطة الانطلاق الأولى في بيروت ، لتشاهده الشخصية وهي الوحيدة لأبويها في تلك المدينة الغنية بكل ما هو عصري وتراثي وثقافي ، لتجمع بين الدراسة النظامية والتفتح على مختلف الهوايات وكذا معايشة الحياة ، فيكون ذلك كله مبعث الكثير من التعاملات والتي كان الوصال دوما احد مفرداتها ، بدءً من الأستاذ الجامعي الذي لم تعصمه (( الستون )) التي تجاوزها من ان يعرب عن ــــ بكل وقاحة ــــــعن رغبته ويهدد ياسمينه في مستقبلها الدراسي . ما لم تذعن لرغبته وتستجيب لطلبه غير مبال بعزم الفتاة على فضح أمره ، فلا يكون أمامها من منقذ سوى التخلص عن الدراسة باللغة الفرنسية ومن ثم الذهاب الى قسم الانجليزي أملا في النجاة من الابتزاز فإذا ما عن لها أن تعمل بإحدى الإذاعات يكون إمامها مرة أخرى ذلك الذي أصر على ابتزازها بحكم الوظيفة الكبيرة في الإذاعة المذكورة ، ليس لأنها ترفض الوصال بدافع ديني مثلا ولكن هذا هو الأخر أراد أن يتخذ منه ثمنا لما سيتيحه من فرص العمل ولدقائق معدودة ، يبدو انه طالما أجاد استغلالها في مثل هذه المواقف ومع كل من يدفع بها عامل الحاجة للبحث عن عمل في مثل هذه العوالم . وكان السرد قد بدأ منذ الصفحات الأولى عن علاقة رأمي بياسمينه . ذلك الذي ورث الأموال الطائلة عن أهله وافلح في إقناعها بادئ ذي بدء عن إمكانية الاقتران بها ، وأغدق عليها من الهداية الثمينة ما كان محيرا من كونه سارا الى ان كشف عن هدفه الكفيل باحتقار القناطير المقنطرة من الذهب وغير الذهب ، وذلك حين أشعرها أنها ملكة وحده ، وإنها بهذا المفهوم ستكون دوما متهمة ما لم يثبت العكس ، وان هذا العكس لا يتأتى الا بالتخلي عن جميع علاقاتها مع الآخرين والأخريات ، وان كل خصوصياتها محضورة فكل ما لديها من وسائل الاتصال لا بد أن تكون رهن إشارته وموضع اطلاعه متى أراد لتأتي ردة الفعل في مصارحته بقرار فسخ الخطوبة وهو ما ادى به الى ارتكاب جريمته البشعة التي فصلتها في النص وما ترتب عليها من الانكسار ومن ثم يبدأ ذلك المشوار الذي لم يؤد الى خسارة من الخسائر حتى يؤدي الى أفدح منها ، حتى وهي تفلح في الزواج وتنجب وتنعم بحياة غنية بالماديات من شهوات الأكل والملبس حين وجدت الزوج الميسور الذي حققه من التطور الاجتماعي ما ادخله قبة البرلمان ، ذلك المكان الذي لم تطأه قدم امرئ الاوصار ضمن صفوة الصفوة ، لولا انها في تجاربها هذه كانت دوما في حاجة الى ما هو ــــ من وجهة نظرها طبعا ــــ أثمن من ذلك بكثير وهو التماهي معها روحا وجسدا حياة وأملا حاضرا ومستقبلا ، ولان المتخيل اوجد لها فضاء أكثر جمعت بين المولد والنشأة ببيروت الى عوالم الفرص المفتوحة مثل دبي وباريس وغيرهما من بلاد الله الواسعة ، فان هذا التواصل أتاح للأخريات ان يبحن بما لديهن من التجارب مع عديد الرجال وكان أكثرها سخرية ما عرضه ذلك الشيعي من تحديد المشروعية في كلمة واحدة هي (( زوجتك )) وقبلتك فلا شهود ولا إشهار اذ كل محرم قد زال بكلمة واحدة من الاثنين وفي غرفة مظلمة او مضادة انه زواج المتعة المحرم في أشهر المذاهب ، ويصر بعضهم على أباحته دينيا وليس مصلحيا ، حيث يمكن ربما التسويغ والكاتبة على كل حال ترفض ازدواجية الموقف ، ولأنها مسيحية طائفيا فان لها صلاة تختلف عن تلك التي نعرفها او لنقل نمارسها ومع أنها فقدت إيمانها وكادت عندما غدر بها الحبيب واغتصبها إلا إنها عادت واستجارت بذلك الإيمان وشرعت تساءل الروح المقدس .

(( هكذا هي سرعان ما تمل ، واذا لم يداهمها الملل تلفحها الخيبة . الرجل الذي في خيالها ليس موجودا على هذه الأرض ، ربما لكنها تبحث عنه ولا بد أنها ستلتقيه يوما ما .

مرت بعلاقات كثيرة وخرجت منها نادمة على الوقت الذي هدرته سدى وعرفت رجالا كثرا دون ان يترك أي منهم أثلا ما في ذاكرتها .

عندما رأت راني للمرة الأولى رجحت انه هو أومن المحتمل انه يكونه تعرفت اليه عندما كانت وصديقتها في ثياب البحر تتشمسان على شاطئ احد منتجعات جونيه البحرية الذي ترتسم على خليجه أجمل لوحات الطبيعة خلابة أبدعها الله وهو في ذروة عشقه للجمال جنة على الأرض فرش رمله موجه وأطلق أمواج لحره كي تتسابق فتقبل الجبل )) .

هكذا شرعت الراوية في حكيها الذي أجادته على لسان ياسمينه الشخصية الرئيسة ، وحيدة الوالدين التي بدأت محنتها من غدراني ، لتخوض بعد ذلك جملة من التجارب او لنقل العلاقات الحرة ، والتي كان لها أكثر من مدينة وأكثر من فضاء وأكثر من نموذج ، بينهم المسلم الشيعي والمسيحي اللبناني وكذلك الرومي منهم من واصل معها المشوار حتى النهاية ، وثمة من اعتقدت انه خذلها او كان يعاني نقصا ما ، إذا به يصارحها بمرضه القاتل الذي لم يشأ ان يبثه في جسدها . وكان بينهم من لم يتوقف أمام بداية حياتها وقرر ان يقترن بها ويبني معها بيتا كانت ثمرته متمثلة في أطفال أربع . ولم يكن له من عيب سوى انشغاله عنها بطموحه الوظيفي الكبير والذي لم تقبل به على حساب رغباتها فصارت تعلن له عن تبرمها به .

(( لم اعد احتمل هذا الإحساس الملح الذي يطالب بك ويشتهيك لم اعد استطيع ان أقاوم الجوع ا راني اركض إليك واراك تخسس خطواتك ! أتبلل بشهيتي على مائدتك لكنني لست على مائدة الطعام ، اشعر بالحرمان منك ، أقدم إليك الا انك تشعرني بالتردد ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان ولا حتى بأثواب الحرير او بكنوز الدنيا احتاج إليك ، ان الأنثى في داخلي تذبح نفسها كل مساء بالذكريات اننى محطمة الأجزاء وأنت بالكاد تقترب مني ، الم اعد أعجبك او أغريك أنت تشعرني أنني رخيصة غير مرغوب بي )) .

(( أجهشت ياسمينة بالبكاء ومع الوقت ازدادت تلك الوطأة في صدرها الى ان تحولت الى حمل ثقيل لا يحتمل وحولتها الى رأس امرأة يسبح في فضاء تملؤه الهواجس المخيفة ، فهي غير مستقرة نفسيا ، رغم أنها تملك كل مقومات السعادة ومفاتيحها فكيف تعلل لحضنها برودته وصقيعه وكيف تبرر لكبريائها مطاردتها لزوجها ، وقال في نفسها نحن نكذب على أنفسنا ولا نكاشفها بالحقيقة عندما نكتفي بتصديق شعارات مستعارة من الماضي البعيد ، كالقناعة كنز لا يفني ، كيف تكون القناعة كنز ا عندما اقتنع بأن التعاسة في زواجي هي مصر ، وأن على أتصور زوجي في الليالي وارسمه قربي لا ستفيق في الصباح أراني أعانق وسادتي الخالية إلا من عطره الذي أدته كل ليلة على جسدي قبل أن أنام !

بيـــد أن ذلك كله وربما غيره أيضا لم يحرك في ذلك الزوج الذي أعمته طموحاته الشخصية ولهفه على الظفر بكل ما قد يصرفه عما هواهم ، ما يمكن ان يمنع المياه المتدفقة تحت جدار بيته من ان تجرف الأرض من الأساس فكان لا مناص من ان يستيقظ ذات يوم ليجد تلك البنيان تتهاوى أمام معاول ذلك الذي افلح في التسلل ذات خلوة أتاحتها طبيعة العمل وساعدت على استمرارها لذة الخطيئة ونيران الشكوك والإحساس بأن الطموح المادي قد صرف رائد عن أشواق الروح فكان ما كان مما لم يكن بد من اكتشافه ولكن بعد فوات الأوان ، لينتهي النص المعبر عن التجربة في لحظة مكاشفة حملت كل ما عانت النفس من المرارة وما دفعها الى ما اختارت بلا مواريه (( فلتعلم ان لا نتيجة من غير سبب ، وان الحب أوله سبب وآخره نتيجة وان احد أسبابي هي رغبتي في الوصول الى الإشباع العاطفي والنفسي الذي أتوق إليه ، وحين نجده يصبح نتيجة حتمية لا بد من الرضوخ لها وأقفلت الهاتف )) لنطوي أخر صفحة في الكتاب .


___________________________________________

  1. رضوى عاشور والنص السردي

أمين مازن

 

في تمثل واع لأحداث التاريخ السياسي المعاصر لمصر الحديثة.. ومقدرة فنية غير خافية على حسن توظيف هذا التاريخ، بإبراز دور أولئك الذين أسهموا في أحداثه ودفعوا الكثير من أعمارهم ثمناً لهذا الاسهام، تأتي رواية المثقفة المصرية المعروفة والأستاذة الجامعية البارزة "رضوى عاشور" الموسومة بعنوان "فرج" والصادرة عن دار الشروق ضد مشروعها الرامي إلى تحقيق أكبر قدر ممكن من التوازن والتخلص من كل مايشير إلى الجمود المذهبي أو التأثير السياسي الضيق، الأمر الذي لا يعبر عن إصدار هذه الرواية وحسب وإنما يظر من خلال جملة من الامدادات قد يشير لنا الحديث عنها في معالجات لاحقة ضد ماننتوي القيام به في هذا المجال، بل لعل دلالة انتاج مثل هذا العمل من طرف المؤلفة والناشر من شأنه أن يفيد بما يمكن أن تشهده مصر في حراكها الاجتماعي من تحالف بين مختلف القوى للخروج بالسياسة المصرية من تغير مواقفها ازاء الكثير من القضايا ومثل ذلك من المطالب أي الذين تشير إلى أحدهم أمثال هذه الكاتبة وأحدهم الآخر أمثال هذا الناشر.

وقد يكون من المفيد هنا وقبل الحديث عن هذا النص أن نشير إلى أن رضوى عاشور التي ظلت ولثلاثين سنة مضت في مقدمة الرموز التقدمية المصرية التي تجمع بين الحضور القطري والبعد القومي الإنساني من خلال منجز إبداعي لايعرف التوقف وجهد نظري ذي خصوصية لافتة، يمكن تحديده في جملة من الدراسات التي جمعت بين النقد المكتوب باللغة العربية مثل دراستها عن غسان كنفاني التي تمثل باكورة انتاجها ونظيرتها المكتوبة باللغة الأنجليزية عن جبران فالترجمة لبعض الموسوعات الجامعية في مدونتها الإبداعية التي وصلت حتى الآن أحد عشر مؤلفاً جمعت بين الرواية والمجموعة القصصية أثبتت قائمتها مع كتابها هذه ليظهر لنا أننا في حضرة كاتبة ذات برنامج فإذا ما وضعنا في الاعتبار مانقف عليه من خلال متابعة السيرة العملية لرضوى عاشور في منظمات المجتمع المدني حيث الحضور اللافت وحيث التعرض لما لاحصر له من المتاعب لن يصعب علينا بعد ذلك ما يميز نصوصه الإبداعية من صلة قوية بالمعاصرة ولاعجب فرضوى عاشور نتاج ذلك الواقع الحي الذي تفاقمت أزماته وازدهرت أحلامه وظهرت اخفاقاته في النصف الثاني من القرن الماضي وسط جملة من المتغيرات المحلية والعالمية التي لم يكن أمام الأجيال اللاحقة إلا أن تتعاطى معها وتحاول أن تجيب على أسئلتها إبداعاً وتنظيراً ومواقف عملية أيضاً الأمر الذي جعل ساحات رضوى هذه لاتتوقف داخل مصر وإنما تتعدد إلى ساحات أخرى من بينها بيروت وباريس وعواصم أخرى كثيرة مع إعطاء حيزٍ للشأن القومي إنطلاقاً من فلسطين قضية العرب المركزية إلى غيرها من القضايا فيما كان حزب التجمع الوحدوي التقدمي المصري أشهر فضائاتها العلمية على مستوى النشاط الجماهيري وبالأحرى التنظيمي في السطور القليلة المثبتة على صفحة الغلاف نقرأ ما نصه "في سرد روائي جذاب تقدم رضوى عاشور سيرة ندى عبدالقادر التي عاشت تجربة ثلاثة أجيال من المساجين" أبيها الأستاذ الجامعي ثم هي شخصياً ثم أخيها الذي لايتجاوز عمر ابنها المفترض، كما تعيد قراءة الستين عاماً الأخيرة بحروبها التي لم تكن أولها حرب 56 ولا آخرها في 2006 مازجة كل هذا ـ وبعمقٍ ـ مع مقولات وحكايات مثقفين مصريين وفرنسيين قاوموا هزائمهم وآخرين قتلتهم الهزائم ذاتها."


فإذا ما ولجنا أبواب النص المقسمة إلى خمس وعشرين بالإضافة إلى فصل الختام وعبر المائتين وعشرين صفحة التي هي كل صفحات الكتاب مثلت أمامنا هذه التجربة الطويلة التي احتلت المدى الزمني المتكون من خمسين سنة انتهت أحداثها بالتحديد 1995 كما هو مثبت في آخر صفحة من الكتاب ومن آخر افراجات حصلت في أقصى المغرب العربي عند خروج الطائر الملقب بفرج والذي هو عنوان الرواية والتي كانت بدايتها بالطبع 945 الزمن الذي سكتت فيه مدافع الحرب الكونية الثانية وبدأت حرباً جديدة بين حلفاء الأمس وكان مسرحها الأول عالمنا الثالث ووطننا العربي.


لقد ارتفعت في ذلك الزمن الأصوات الوطنية المطالبة بالاستقلال الكامل للشعوب الخاضعة للاستعمار انسجاماً مع العهد الذي قطعه معسكر الحلفاء بتحقيق هذا المطلب للكثير من القيادات الوطنية التي وثقت في ذلك العهد والتي رأت في معسكر الحلفاء مايمثل أخف الضررين على خلفية أن الفاشية وحليفتها النازية قد مثلتا التوجه الأكثر تطرفاً كما أن وجود الدولة الاشتراكية إلى جانب الحلفاء قد بعث هو الآخر شيئاً من الأمل لدى أولئك الذين عرفوا شيئاً عن ذلك الفكر الذي قدر لهم أن يسود تلك الدولة على مستوى من المستويات غير أن الصراع بين المعسكر المنتصر ما لبث أن بدأ لمجرد أن وضعت الحرب أوزارها ووقفت الجيوش المنتصرة في الحدود التي قدر لها أن تقف داخل حدودها فكان أن انبعثت المنظومة المتشكلة بين روسيا وشرق أوروبا فيما صارت أوروبا الغربية والولايات المتحدة قوة أخرى ومن ثم بدأ الصراع من آسيا على هيئة حرب إبتداء من الصين وكوريا ووصولاً إلى الڤيتنام ويعرف الشرق الأوسط جملة من الكيانات السياسية المستقلة ولو شكلياً ويطرح في ذات الوقت أكثر من مشروع للتحالف غير المتكافئ أبرزه يؤمن معاهدة صدقي بيڤن التي قوبلت من القوى الوطنية المصرية بمعارضة منقطعة النظير لم تملك السلط الاقطاعية إلا أن تقابلها بشراسة فتبعت بكل قياداتها إلى السجون وتهدد الأدبيات الكثيرة التي تتحدث عن ذلك الموقف وتنشأ أجيالاً وهي تشهد تلك التجارب النضالية المريرة والضغوط القاسية التي تفشت في ذاكرات تلك الأجيال فتدفعها هي الأخرى إلى تبني مواقف الآباء الذين حوتهم السجون المصرية وكانوا يمثلون خبرة العقول التي حوتها الجامعات الحديثة لتتواصل بعد ذلك المسيرة وتحدث جملة من المتغيرات ليس خارجها تفويض بعض الأنظمة التقليدية بواسطة النخب العسكرية التي تسربت إليها الأفكار السياسية الرافضة وتوفرت على برامج سياسية طموحة مالبثت أن جعلتها تتصور أنها الأفضل والأقدر والأخلص لتشكل هذه التجربة النضالية التي كانت لها خصوصيتها في التاريخ المصري موضوعاً لهذه الرواية التي اختارت لها رضوى عاشور الشكل السردي وفضلت أن تكتبها بضمير المتكلم الذي مثلته البطلة أو الراوية ندى عبدالقادر المثقفة المنحدرة من أب مصري من جيل الأساتذة والمناضلين الذين احتوتهم السجون المصرية في تلك الفترة المبكرة من أربعينيات القرن الماضي ثم عادوا إليه بعد ذلك في خمسينياته أيضاً، بمعنى أن محنتهم لم تتوقف عند الحكم الرجعي وحده وإنما امتدت بعد ذلك إلى زمن الحكم الوطني بحيث لم يتسن للكثير منهم أن يجد الراحة المعقولة ألا وهو يوشك أن يودع سن الكهولة وتتفجر أمامه بعد ذلك المرارات المتتالية على الرغم من أن البعض بقي محساً بتوازنه وغير نادم على خياراته وإن يكن اليوم يؤثر في الكثير من ممارساته الشخصية فنعرف من خلال الحكم أن السجن قد خلف هوة سحيقة بين والد ندى والأم الأجنبية وأن هذه الهوة قد انتهت إلى الانفصال ومن ثم زواج الوالد بأمرأة بسيطة قدر لها أن تحمل والرجل في الخمسين وهي في عمر ندى ولكن ندى هذه تكتب من هذه النشأة المركبة والمآسي المتداخلة المزيد من الإصرار والمزيد من التكوين فتخوض مع زملائها في الجامعة ما استطاعت أن تخوض من مواصلة المشوار وتنتدب عبر النص للحديث عن تجربتها هذه ومن خلال الحكي المتقن عن رفاقها من الذكور والإناث الذين خاضوا معها التجربة المريرة وتحملوا ما تحملوا في أروقة الجامعة وعنابر السجون ما كان لابد لهم أن يتحملوا وأن تكن ندى قد استطاعت في بعض الأحيان أن تعيش خارج الوطن مرة لأن والدتها الأجنبية في باريس وأخرى لأنها ذهبت للدراسة الجامعية وحتى العمل وثالثة لأنها اختارت الغربة أو أجبرت عليها. أنها الحقبة الناصرية والساداتية حرب 67 : 73 : 76 وما بعدها سرد يبدأ من مصر وينتهي بأقصى المغرب معاناة وانفراج يتم في آخر المطاف هذه الرواية إذاً هي رواية التجربة الحياتية التي يمكن أن يعيها ويستشعرها كل من عايش الأسئلة التي طرحتها الحركة الوطنية المعاصرة ربما على الفصائل اليسارية بشكل أحد، وبالذات عشية الخضوع للأحكام الجامدة التي يمكن أن تدين أياً كان بحبرة قلم فحارت ندى عبد القادر كما أرادت لها رضوى عاشور أن تتحدث عنهابإفاضة شديدة وعبر حوار واضح ومرير بين عديد الشخصيات وعن جلة من الأحداث التي عرفتها مصر المعاصرة والتي بلغت أوجها في منتصف ستينيات القرن الماضي عندما رأى الكثير من المناضلين المصريين أهمية الأفق في مصر الجديدة وفي التنظيم الطليعي تحديد أو أخذ أخرون عليهم خيارهم ذاك تماماً مثلما تحرك الطلاب في فرنسا رافضين وصاية اليسار التقليدي ومرجعياته التي ربما لم تعد مناسبة لواقع فرنسا الجديدة وإذا بندى عبدالقادر تواجه بنفس الردود سواء مع والدها الذي اكتسب لديها صفة المثال أو الآخرين في فرنسا وتعلن في النهاية ضيقها من كل علاقة تقوم على التراتبية التنظيمية في حين يرى بعض رفاقها والعاملين معها إن ما تقوم به ليس إلا نتاج الموقف البرجوازي الصغير الذي لا يطيق عادة الانضباط في حين هو ليس أكثر من الجمود المذهبي عند التحليل المختلف.


وعلى الجملة فإن هذه الرواية بما تثيره من الأسئلة وتطرق من الإشكالات وتقدمه في مجال الكتابة الفنية وممارسة التجريب، لو لم توفق في شيء من ذلك فإن من انطلاقها من أحداث التاريخ المصري المعاصر وقدرتها على تطويع التجربة الحياتية لمثل هذا النص الروائي القادر علىالدخول إلى الوجدان بيسر والاستيلاء على القارئ بهذه الكيفية لكن في ذلك ما يكفي للإشارة بها والشد على يد رضوى عاشور صاحبة القلم والموقف الذي أنجزها.


____________________________________

منينة بلانشيه

رواية موريتانية للكاتب و الروائي محمد ولد أمين

أمين مازن

   17-9-2016

في توازن ملحوظ بين إختيار الموضوع و الكتابة عنه، و على قاعدة أن موضوع الأدب و طريقة صياغته يمكن للمبدع أن يتوصل إلى المضمون الأجود، يفلح المثقف الموريتاني المعروف الأستاذ محمد ولد أمين، في إنجاز روايته - منينة بلانشيه - الصادرة ضمن منشورات دار الساقي، هي رواية تمكنت من قراءتها في الآونة الأخيرة و بالنسخة التي حملت طبعتها الأولى المؤرخة بالعام 2014. و قد جاءت خالية من أي إشارة حول ما إذا كانت الأولى في مؤلفات محمد ولد أمين أم أن له غيرها في دنيا المؤلفات، فقد وقفت صفحة التعريف عند القول بأن المؤلف كاتب و روائي و حائز على الماجستير في العلوم السياسية و الحقوق من جامعة لوفان ببلجيكا، و قد شغل من المناصب الإدارية وزارة الإتصال و العلاقة مع البرلمان، و وزيراً مستشاراً في رئاسة الدولة. و مع أنه في عداد الخبراء الدوليين في قضايا الأمن الإقليمي، إلا أنه إكتفى على ما يبدو أخيراً بمزاولة مهنة المحاماة في بلاده موريتانيا.

و أشهد أنني سُعِدت أيما سعادة بقراءة هذه الرواية الممتعة عندما وجدتها في الركن المخصص لجنس الرواية في مكتبة الفرجاني الجديدة التى إفتتحها منذ مدة في شارع ميزران الشهير بالعاصمة، تلك المكتبة التي أعادت إلى الذاكرة الثقافية إسم المرحوم محمد الفرجاني ذلك الرجل الذي بدأ مشواره من الكتاب "بيع و نشر" و الصحف و المجلات في مطلع النصف الثاني من القرن ىالماضي، إذ كانت المجلات المصرية حتى ذلك التاريخ من مشمولات آل المشيرقي.

ففي تلك الأيام كان محمد بشير الفرجاني  أحد مُدرسي الضهرة الذين إستهواهم النشاط النقابي شبه السياسي و الذي كان من بين العاملين فيه أمثال المرحومين سالم شيتة و محمد دخيل و محمد بوزيد الشريف و محمد بشير الشريف، فتطور الأول إلى أن قاد الحركة العمالية على مستوى البلد و إنصرف الآخرون إلى أنشطة أكبر، و ذلك بعد أن ضم أربعتهم المجلس التشريعي لولاية طرابلس الغرب في هيئته الثالثة، حيث شهدت قاعة ذلك المجلس أحد المناقشات التاريخية، كشئون الصحافة من خلال المجلس التنفيذي الطرابلسي لصحيفة الليبي الشهيرة و العمل النقابي من خلال طلب للمناقشة أفاض فيه المرحومان على الديب و سالم شيتة، و لم يتحرّج هذا الأخير من صب جام غضبه على المحامي الإيطالي جيبيلِّي أحد الياساريين الإيطاليين الذين بادر بتصفيتهم الإنجليز تحسُّباً لأي جهد من شأنه تخفيف الحساسية بين الليبيين و الإيطاليين في دولة الإستقلال و من موقع دعوة الإيطاليين إلى الإندماج في الواقع الليبي الجديد و الذي من أول شروطه إستنكار جرائم الفاشيست و هو ما حاول الإنجليز الحيلولة دون إيجابياته. و هذه على أي حال إستطرادة أملاها هاجس التاريخ الوطني و ما يبعثه عادة في النفس من القدرة على تجاوز لحظات اليأس و مشاعر الإحباط لرداءة الحاضر، و الذي كان من أول عوامل تغوله لاحقاً هو ذلك الإنصراف المبكر لتلك الأسماء و غيرها عن الشأن العام و ركونها إلى النشاط الخاص القزم و الذي لا يقضي عليه شيئ أكثر من عدم الإهتمام بما يحتدم في الحياة من صراع بين مختلف القوى السياسية و إتخاذ موقف أكثر إيجابية بشأن المستقبل إذ لو حدث ذلك لما قُدِّرَ للتسيُّب أن يطال دولة الإستقلال.

و من الواضح أن المؤلف، حين لم يدون في كتابه هذا تعريفاً عن سابق مؤلفاته، سرداً كانَ أو دراسة، شِعراً ربما أو قصة، إنما أرادَ أن يترُك نصه الروائي هذا يتقدم إلى قارئه مباشرة، ثقةً منه بدون شك أن مثل هذا المنحى، سيتكفل بتقديم مؤلِّفه و ما عساه أن يكون له بعد ذلك من مؤلِفات فالمثل دائماً يُضرَب بالمفرد. و الحق إن القراءة هنا تؤكد من البداية لمن يُحسن القيام بها وجود كاتب واضح التمرُّس و في مجال الرواية على وجه التحديد، على قاعدة أن الرواية عندما يطرق المبدع بابها عن وعي لن يعجز عن تبليغ متلقيه بكل ما يطمح إليه من إكمال شروطها، إن لم يكن في حدودها القصوى ففي الدنيا منها على الأقل. و إذا ما إعتبرنا  أن من معايير إكتمال الفن القصصي تَحَقُقْ المتعة كَمُحَفِّزْ على القراءة، بما يتوفر من سلامة اللغة و قوة التشويق و إغتِناء المُخيلة، و ما ينتج عن ذلك من إمساك بيد القارئ و دفعه إلى متابعة الأحداث و مسيرة الشخوص و قوة تعاملهم مع بعضهم بعضا، تناقضاً و إنسجاماً، صوتاً مفرداً أو أصواتاً متعددة، حضوراً أو غياباً فمن الممكن القول إن الرواية جاءت بكل ما هو قادر على الإثارة المُحَبّْبَة، فقد كانت " منينة " التي هي مركز الحدث قوية الحضور، بدايةً من جانبها الأسطوري كشاهدة من الشواهد العظيمة على الشخصية النسائية الموريتانية و قد نقول المغاربية و ربما الإفريقية عامةً حين أجادَت التعامل مع مِحنة الوجود القائم على التعامل مع الآخر الغازي و ما رافق وجوده من الإبتلاء الذي طالما حاصر الذات و فرض عليها أن تتعاطى مع الكثير مما نكره. و لكنها لم تعجز عن التملُّص من الوقوع في كل ما هو مكروه، فتخرج بأقل الخسائر و ربما دونها بالكامل على الأصح ليسوغ القول، و ربما بواسطة بعض الإقتباسات التي قد ندونها لاحقاً.

إن كاتبنا قد أفلح في توظيف مخزونه التاريخي، التحريري منه و الشفوي، و ليس من المستبعد أن يكون قد أضاف إلى عمله من مخيلته أيضاً، و لا حرج عليه في ذلك، فهو بصدد إنتاج نص يهدف بواسطته إلى ترويج ما يطمح لترويجه من الرؤى و الأمر في هذا الصدد لا يتعلق بما يجب و ما لا يجب، فالتبليغ لدى الكاتب المُتمكِّن لا يدخل في التمنيات و لا حتى الهتاف و قبل ذلك المشاعر، إذ النص هو سيد الموقف و مما لا شك فيه إن الكاتب بإختياره لضمير المُتكلِّم في البناء العام لنصِّه وُفِّقَ أيما توفيق من حيث السيطرة على الحدث، إذ تماهى السرد مع السيرة و كادت منينة أن تتحول إلى والدة حقيقية و ما ذلك إلا لِمَا تَحَقّقَ لِلُعبة السرد من إستشعار الجدوى و لا عجب فمحمد ولد أمين الذي هو على هذه الصفة الإعتبارية في مجال الممارسة الحياتية و المقدرة الأدبية لا يملك إلا أن يوظف قلمه على هذا المستوى من الصدق و الجراءة و الإصرار على إدانة سلبيات ذلك المجتمع الذي لا يتحَرَّج من التفرقة العنصرية و من المجاهرة برفض كل أشكال الموروث الشعبي فضلاً عن النزاع الذي ذكره التاريخ الموريتاني حول ملابسات منينة بلانشيه و كيف عُرِفَت بهذا اللقب و ما ترتّب على ذلك من الخصام الحاد حول الراوي الذي هو إبن منينة و ما تجرّعه من كؤوس المرارة بين نسب العرق و نسب الرعاية و كيف رضىَّ كل طرف بما كان في حاجة إليه من ذلك الإنسان و الذي كان شغله الشاغل هو الوقوف على حقيقة وجوده إنطلاقاً من غياب أُمه، حتى لنراه لا يتحرّج من اللجوء إلى الطب النفسي و ما يتحقق له من تطور و قدرة على إقناع المُتلقي و هو ما لم يَرُق لمدرسة فكرية أخرى أفلح السارد في إستدعائها مُجتمِعة لتوصيل ما رام إيصاله من المعاني و ما يتبنَّاه من المواقف، و لا سيما بصدد الفوارق الطبقية التي تُثبِت الممارسة المعيشة زيف كل ما تلفظه الألسنة إزاء ما تقترفه الجوارح من أفعال سُوء مُتعمَّدة، نحو الطبقات الشعبية المسحوقة تحديداً، و على قاعدة ألا حكي لأجل الحكي و لا إمتاع لأجل الإمتاع، و لكنها الدلالة التي يحققها الحكي المُجَوَّدْ و يوُحي بها الإمتاع الناضج فإن المثقف الموريتاني يتمكن من التعبير عن طيف من أبناء موريتانيا ما يزالون يكابدون مِحنة التفرِقة و يدفعون ثمن غياب العدالة، ليس من أجل فعل أقدموا عليه و إنما من حقيقة كونهمم ضحايا أولئك الآباء غير المنصفين لذويهم، بل و المستفيدين من مأساتهم وجوداً و بقاءً كهذا الذي نقرأه عن مواطن يحمل إسم جوزيف في ذات الوقت الذي هو بَيولوجياً كما يقول الراوي أحمد، و ما ذلك إلا لأنه كان ذات يوم مصدر رزق لأولئك الأهل الذين أدركوا مِحنة منينة التي حملت لقب بلانشيه، و أفلحت في إمتهان التجارة و إستطاعت أن توفر ما جعلها تملك الأرض التي بُنيَّ عليها مقر رئاسة الدولة، و لكن هذه الحقيقة ما كان لها أن تكون و بالأحرى تُعرَف و يتم البوح بها لولا خضوع الضحية لتلك التجربة الطبية المريرة التي جمعت بين تجربة الصوم و قوة التركيز، و إهتدت في النهاية إلى ما إهتدت إليه من تفاصيل مُثيرة لم يتردد الكاتب من التصريح بها دون أي مواربة "أحسست بالحزن الشديد و لقد كُنت و ما زلت محلّاً لخلاف قانوني بشع حمل إليّْ الكثير من إزدراء الناس و إحتقارهم، و كيف لا و أنا إبن الغرابة الأول و نسل الفضيحة بإمتياز" ، "المصالحة ألا أخلاقية و ألا شرعية جعلتني شخصياً غريباً و مُمَزقاً نفسياً، و قد تلقيت إثرها تربية مؤسفة و قاسية حيث عهد لي المُدعي الموريتاني إلى والدته أي جدتي البيولوجية، و لا أظن أن التنازلات الفرنسية التي تشبه حالة تفريط بحقي كمواطن فرنسي كان من الممكن أن تقع لو كان في فرنسا و الفرنسيين ‘حساس عائلي بالمعنى الأفريقي للكلمة" "24..26".

صحيح أن المقاربة النقدية الأكثر سطوة في ثقافتنا العربية اليوم سترى في ما حمَله النص من محاضر قانونية و أحكام قضائية جنوحاً إلى دنيا الوقائع التي قد تقلل من القيمة الإبداعية، بإعتبار العمل الروائي في مسعاه للتألّق يعتمد المخيلة، و إن مثل هذا النوع من التضمين و إن لم يكن قائماً على النقل الحرفي إلا أنه سيذهب بالقارئ مثل هذا المذهب. بيد أن هذه المقاربة لن تصمد كثيراً أمام ما دأبَ على الجهر به في العقود الأخيرة من أن الإبقاء على الشكل الروائي الذي سادَ أدبُنا العربي منذ النصف الثاني من القرن الماضي قد تسبب في شيئ من السكونية إذ كان من المفروض أن يبقي السرد العربي الذي بدأ به القدماء و حفظه لنا موروث ألف ليلة و ليلة في دائرة التجريب أو التطوير و ليس الخلود إلى النص الذي ساد مدونتنا لأن ذلك يعني أن مدونتنا تكتب رواية أوروبية باللسان العربي و هو ما تَفطَّنَ إليه كُتَّاب أمريكا اللاتنية، بمعنى أن محمد ولد أمين ربما يكون قد وضع في إعتباره مثل هذا الجدل الدائر حول الرواية كَفَنّْ إستطاع بواسطة هذا النص أن يدخل مدونته المغاربية بجدارة


________________________________________

الارجوحة

رواية سعودية لبدرية البشر


أمين مازن



نشرت بدرية البشر روايتها هذه بعد ان قدمت للقارئ العربي مجموعتيها القصصيتين؛ حب الهال ، ماء الاربعاء ، الى جانب روايتها المعنونة الجند والعسكر ، وكانت قد حصلت ، في الحقل الاكاديمي ، على الدكتوراه في فلفسة الآداب، كما انتظمت في الكتابة الصحفية بجريدة الحياة ، منحازة بحسب النص الذي بين ايدينا الى القوى الرافضة لما يسود المجتمع السعودي من متاعب جراء ضغوط دعاة الغلو في ذلك المجتمع ممن يرون في التزام المرأة بارتداء النقاب نوعا من الانضباط ، وما عدى ذلك في عداد المروق والمخالفة لجوهر الدين الصحيح ، امتثالا بدون شك لتوجيهات جماعة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ، تلك التي تتجاوز في احيان كثيرة مهنتها الوعظية هذه الى استصدار القرارات القسرية اخذاً بالرأي القائل ان الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقران ، وقد صدرت هذه الرواية ضمن منشورات دار الساقي في مجال الرواية للعام العاشر بعد الالفين وهي الحقبة التي اخذت فيها الاصوات المناوئة للقوى المتشددة في تلك الربوع اكثر تصريحا بما تستشعره من الضيق ازاء ما يسود من افكار ويفرض من سياسات بالنسبة لموضوع المرأة بالذات ، معولة الى حد كبير عن ذلك التعاطف غير البسيط الذي ابدئه وتبديه الكثير من منظمات المجتمع المدني داخل المجتمع السعودي ونظائره في الكثير من بلاد الله الواسعة حيث يزداد على نحو لافت الضغط الناتج على نحو خاص عن قنوات التواصل الاجتماعي وما تنهض به في مجال الادانة لكل من يعوق حركة التطور الاجتماعي واعتماد التعصب المذهبي لصالح الجهود القتال وكما يحدث في عديد الكتابات الروائية الرامية الى ترويج ما تنزع اليه من مضامين عمادها الخطاب الجامع بين الحكي والحوار تنتخب الكاتبة مجموعة من الشخصيات مقسمة بين الاناث والذكور ، ليصار من حراك هو لا جميعا ووفقا لما تقتضيه قواعد القص الى ابراز الموقف الاكثر جدارة بالمرور الى المتلقى ، ومن ثم تكسبه، وفي هذا السياق تطل علينا بادئ ذي بدئ شخصية مريم تلك التي تركت ذات يوم مدينة الرياض والتي لم تترد في وصفها بالمقبرة ، وكانت يومئذ تعتقد انها وحدها من وصف الرياض بهذه الصفة، لولا انها ما لبثت ان التقت عديد الناس الذين يطلقون على مدنهم ذات الاسم، وكانت مريم هذه قد ركبت الطائرة لتلحق بزوجها " مشاري" الذي سافر الى جنيف صحبة احد الشيوخ المسمى نواف، وكان الجميع يعيشون مرحلة ما بعد الاجتياح العراقي للكويت، وهو التصرف الذي زلزل كل ما كان سائدا من مشاعر الطمأنينة، وكان مشاري قد خطب مريم وتزوج بها، ووقف وهو يواصل مشوار الاستعداد للزواج على سطوة الجماعات المتطرفة على الحياة العامة للناس كافة، حتى لقد رأينا ان هناك من لم يجد حرجا في ان يأمرها أي مريم بضرورة ارتداء النقاب وواحدة من زميلاتها رغم انها في حضرة الزوجين، وحين لاحظ الامر بوجود شيء من عدم التجاوب السريع لم يستنكف الاعراب عن حزنه حين وجد الاربعة مختلفي المذهب فهم حسب التقسيم العرقي او المذهبي من الرافضة مشاري هذا يكتب الشعر ويقايض به اصدقائه الناشرين الذين يوفرون له حاجته من المشروبات الروحية ومن النوعية التي يحددها وذلك قبل ان يهجر ارض اجداده في السعودية، الى هؤلاء وجدت سلوى المجابلة لمريم في السن والدراسة والوسط الاجتماعي فيما يبدو ، وهي زوجة لرجل اسمه سلطان العاجي ، وقد كان هذا قبل زواجه من مريم عشير الاحدى زميلاتها التي كانت تراهن على ان يكون من نصيبها ، ولكنه فضل عليها سلوى فكان ان عمدت الاولى ( عتاب ) الى الاحتفاظ بالعلاقة القوية مع سلوى اذ بيتت ان تكون انتقامها متمثلا في جلب سلوى الى عالمها ، كما حمل النص بكل الوضوح وفي عديد المقاطع التي لم تدخر جهدا في السخرية من سلطان ، وبالذات عندما انفصلت عنه مريم، والرد يؤكد ان " جنيف " ومدنا اخرى في اوروبا تعج بالعرب من كل الاقطار، مما يجعلهم في اماكن كثيرة يمثلون نسبة تتجاوز الاقلية، فيبدون كثيري الظهور في المقاهي والمطاعم والملاهي وغيرها من المرافق المركزية حتى لتبدو بعض الاحياء وكأنها جزء من العواصم الشرقية ، ويلاحظ ان سلطان العاجي قد وفر لسلوى الكثير من اسباب السعادة غير ان اخوتها عز عليهم ان يكون هذا الزواج في حكم السري، مما دعاهم الا ان يحضرها على مطالبة سلطان بالطلاق ان لم يستطع اعلانها كزوجة ، فحاول في البداية ان يعول على الوقت عساها تقنع بما كان يوفره من عزيز الطلبات ولكنها اصرت على طلبها امتثالا لرغبة اشقائها فما كان منه الا ان استجاب لطلبها ، وكان ان وجدت نفسها في النهاية تعيش في اردأ الاحوال واسوا الأوضاع .

وكان سلطان قد حجز لسلوى هذه جناحات بأكثر من فندق واغدق عليها كل ما كانت تتطلع اليه من جميل الثياب وفاخر الحلى ، مما جعلها تستشعر طعم المرارة عقب انفصالها عنه، سيما وان الظروف قد حتمت عليها الحياة في ديار الغربة ولكنه داخل الوسط الذي كان يشكل مجتمعا خاصا من حيث المستوى المعيشي حيث السباق المحموم خلف الاستهلاك وما يرتبط به من المفاخرة والتباهي بكل ما هو زائف ودال على ضعف النفس امام سلطة المال حتى ولو كان هذا المال لا ينبئ الا بكل ما هو مخجل ومشوه لكرامة الانسان.

ونحن ندرك عبر تسلسل الاحداث التي تفلح الساردة في ترتيبها على ما يوفق بين النتائج والمقدمات ، وعلى قدر غير ضعيف من حيث القدرة على الامساك بالقارئ ان مريم التي لم تتمكن من العثور على زوجها في تلك العوالم وسلوى التي لم تعد امورها على ما يرام مع سلطان ، بل والتي لم ترتبط به من البداية في علاقة حب صحيحة ، وما يمتلئ به ذلك الواقع من انعدام التوافق بين الرجال والاناث الذين يوردهم السرد كأزواج قد افضى الى نوع اخر من الحياة اليومية المأزومة ، والتي عمدت الى التعويض عن خسائرها والتعبير عن ردة فعلها بالإنهاك في عالم المسجون ودنيا اللذائذ، فيكون من العادي والطبيعي ان تجنح النساء الى عالم آخر يمتلئ بكل ما يشتهي وما لا يطاق ، فقد غدا واضحا الا مهرب من جحيم انواع الفشل ومذاق المرارة سوى باعتماد الهروب الى عالم الشهوة والعب من كل ما حرم الله وحتمت شروط السلامة الصحيحة والشخصية ، مما يجعل التمزق والضياع وحتى الانهزام هو المصير الحتمي الذي امسى ينتظر تكلم الحسان الواحدة تلوا الاخرى ، غير انه بحكم عموميته وانتشاره بينهن جميعا لم يعد يمثل ضربا من ضروب الخجل والحسرة بل لقد بات في حكم العادي وقد نقول المباح ، وهكذا تنجح رواية الارجوحة هذه او لنقل كاتبتها بدرية البشر، في تثبيت احتجاجها ومن ثم فضحها لحقيقة الاحوال ونوعية الممارسات التي طالما اتخذت من المظاهر الدينية ومن مراسم التعذيب الجسدي المتمثل في الجلد وبتر الاطراف بدعوى اقامة حدود الله ليس اكثر من اخفاء متعمد لحقيقة الواقع وشدة انحداره ازاء الظلم لان الحدود لا تقام الا على الضعفاء من الناس، اما درؤها بالشبهات فهو الذى يلجأ اليه حين يتعلق الامر بالأقوياء دون غيرهم ، مهما كان امعانهم في الخطيئة بله المعصية!

لقد حرصت الكاتبة، لموقف رسم سلفا، ان تسرد من المواقف ما ينزه مريم عن كل ما قد يخدش الشرف او يمس الكرامة، عند ما نأت بها عن المشاركة في أي ممنوع من الممنوعات، دون ان تدفعها الى الانعزال فقد ظلت دوما حيث هي تحضر في المكان وتختفي عند الفعل ، وذلك هو موقف كل من يدعي او تدعي التمسك بالخلق الحضاري ، ولهذا رأيناها تعود وهي مصانة ان صح التعبير ، ولكي لا يكون ذلك مفروضا او مقحما كانت العودة الى الخلف الى زمن الدراسة الى مدام بوفاري  التي جاء بها وجود الرواية بأحد ارفف المطار، كي تعيد قراءتها وتستدعي حوار او بالأحرى قراءة لواقع تلك المرأة التي استطاعت قبل مائتي عام ان تنتصر على مظاهر الخذلان، وتريد بدرية البشر ان تدفع زميلاتها من امثال سلوى، الى سلوك ذلك النهج ، حيث الانتصار على النفس وعلى الهزيمة ، فكانت المقاطع التي سبقت مختتم الرواية ، وما ذلك الا لان النص قد كتب عن تخطيط مسبق وغاية محددة بلا جدال، أي الانتصار للقيم الانسانية العالية ومقاومة الفضيلة المفروضة ، ورفض مظاهر الالتزام الكاذب ، لا فرق ان يكون دينيا او ماديا، فالتناقض بين الفكر والتطبيق القول والسلوك ظاهرة شائعة، ونقيصة ملموسة في حياة البشر ، كما ان التعبير عنها مثبوت في المخزون الثقافي والسنن الابداعي على كل المستويات ، ولدى جميع الشعوب، اذ لسنا وحدنا في العالم ، وليس في امكاننا ان نكون كذلك ، غير ان ما يزيد في ايجابيات النص ما بذل فيه من لغة خالية من التعقيد ومترفعة عن الاسفاف ، اما الحوار المكتوب باللغة المحكية او لهجة الجزيرة العربية فمما يسهم بقوة في زيادة حجم التبليغ ، فالرواية أي رواية ، ليست الا حكاية من حكايات العمر وتجربة من تجارب الناس ولأنها كذلك فلا بد ان تكتب بأكثر من سياق ، حرصا على توفير الحيوية المطلوبة والموقف المبتغى من كل كتابة، يفترض ان تكون الهموم الانسانية على رأس اهدافها الكبيرة.


_________________________________________

__

للروائية المصرية نور عبد المجيد

نشر الدار المصرية اللبنانية 2014

أمين مازن


تدخل هذه الرواية في عداد النصوص المنبثقة عن المتغيرات الجديدة التي شهدتها مصر ابتداء من غياب المشروع الناصري الذي ترتب على وفاة الرئيس عبد الناصر ومن ثم تصفية القوى المؤيدة له ابتداء مما اطلق عليه تصفية مراكز القوى في الخامس عشر من مايو 1971 وانتهاء بزيارة القدس وما رافق ذلك كله من تغير جذري في جميع السياسات المصرية من تجارة واقتصاد وانتقال نحو التخلي الكامل عن جميع الخدمات المتصلة بالفقراء من الناس ، وفتح ابواب الكسب على اتساعها للرأسمالية التي انبعثت من تحت الارض وشرعت في شراء القطاع العام بأرخص الاسعار تحت شعار الانفتاح والخصخصة وما اليها من المصطلحات التي لم تكن في حقيقتها سوى توفير المزيد من الفرص للأغنياء كي يزدادوا غنى والفقراء كي يزدادوا فقرا ، الامر الذي ما لبث أن بعث في الواقع المصري تلك الممارسات الوقحة التي شجعت على ظهور الفوارق المقيتة في حياة الناس ، تلك التي اشعرت الكثير من ابناء الشعب المصري انهم ليسو في مستوى غيرهم من عباد الله، وان عليهم أن يسلموا بحقيقة ان لكل منهم طبقته ، وما على كل من يكتب له ان يتواصل مع غير طبقته ووجد امامه مستوى اخر عن الاقتصاد او السياسة الا ان يدرك هذه الحقيقة ، وأن النظرة اليه ستكون دوما من خلال تلك العلاقة ، فهو لا يعرف الا باعتباره من هذه العائلة او زوج هذه المرأة حتى ولو قدر له أن يحوز من المستوى التعليمي ما يتجاوز المتوسط ، او دخل في سلك الوظيفة العمومية من هذا الباب او ذلك ، مما يعنى ان كل من امتلك قدرا من الاعتزاز بنفس او الاحترام لها بالأصح وتسنى له ان يدخل في مصاهرة من المصاهرات الا ان يستشعر المرارة فيما اذا كان من الذين يحترمون انفسهم او ان يتخذ من مثل هذه العلاقة سبيلا لدخول عالم المال ودنيا الصفقات فلا يكون امامه أي رادع يحول دونه ودون ابرام المزيد من الصفقات ولزمان ذلك بمنائ عن الاخلاق وفي غياب الامانة ، بل وحتى الدخول تحت طائلة الاشتباه بالسرقة، فتحت شعار البزنس ويبرر المنافسة وحرية الكسب كل محضور جائز وكل شيء يهون وما وجد الطريق المؤدي الى المصلحة.

   

ان تجليات هذه المفارقات تتجسد من خلال تلك العلاقة التي نشأت بين حازم الشاب الذي لم يمنعه وضعه الطبقي الذي يمكن وصفه بما دون المتوسط، من ان تمنحه الاقدار ذلك الحظ الاوفر من الوسامة التي اضفى عليها طول القامة ومستوى الجاذبية ونوعية العمل في جهاز الشرطة ضمن كادر الضباط المؤهلين ليكون في النهاية موضع اعجاب اكثر من طرف داخل الحي الذي لا تخطئ العين فيه كل ذي مستوى لافت ، مما جعل ذلك كله يدفع الفتاة فريدة كريمة رجل الاعمال الدكتور مصطفى كي تقبل على حازم وتقيم معه علاقة لم تأخذ طويل وقت حتى انتهت بالزواج وذلك بعد أن قام رجل الاعمال هذا بما يقتضيه مشروع الزواج هذا من دقة التحري والتأكد من توفر الاهلية الشخصية التي تشجع الدكتور مصطفى على تزويج كريمته للضابط حازم واحاطته بكل ما تفرض المصاهرة المنتظرة، ووجود فريدة التي لم تتردد في ترجيح كفة حازم على اكثر من منافس اعلن عن رغبته في فريده تصريحا او تلميحا ، فكان الزواج  وكان توفير الكثير من احتياجات الاسرة المنتظرة وفي مقدمة ذلك السكن الذي ترك لحازم حق البث فيه ان بجانب الوالدين باعتبار فريدة وحيدتها او في مكان ابعد، باعتبار الدكتور مصطفى صاحب املاك في اكثر من حي ، غير انها المعاملة التي لم تدفع حازم الى المضيء في علاقته مع صهره على نحو المنتظر من حيث رفع الكلفة والمطالبة بأي احتياج من الاحتياجات بوصفه في حكم الابن الجديد، مادام الصهر الوحيد زوج الكريمة الوحيدة، ولكنه على النقيض من ذلك شرع في الاحساس بالإحراج تلقاء هذه الوضعية اذ لم يجد في نفسه المكان الذي يتطلع اليه  كرب اسرة يقرر بشأنها ما يرى ويوجد بما يريد ، فهو ليس اكثر من زوج الدكتورة فريده وصهر الدكتور فريد وساكن البيت العلوى من فيلا الدكتور الى اخر ما صرح به في  الخصوص وهو يكاشف زوجته فريدة بهذه الاحاسيس المدمرة التي ما لبثت ان جعلت من حياته مع فريدة تتحول الى جحيم لا يطاق، فأخذ يفكر في الانتقال من هذا الواقع بالكامل وان لم يستطع تحديد الموقف النهائي بشأن الكيفية، ولهذا لم يتردد في الاعراب عن سخطه الكامل عندما ابلغته فريدة برأي الطب الذي أكد لها نبأ الحمل الاول ، وكان عشمها ان يكون ذلك مدعاة لسروره وجالبا لإحساسه بالاستقرار فاذا به لا يتردد في ابداء كل مشاعر الغضب ازاء هذا الخبر الذي رآه فيه ما سيفسد عليه جميع خططه مما دعاه الى ان يطلب منها بكل ما لديه من قوة ان تسارع بإجهاض هذا الحمل ليتسنى له – كما ادعى – ان يقبل بالإنجاب في ظروف اكثر ملاءمة ان من حيث المستوى المعيشي او من حيث السن فقد كان دون الثلاثين والانجاب حسب رؤيته يجب الا يتم الا بعد بلوغ الثلاثين او تجاوزها قليلا.

كان ذلك الموقف من طرف حازم مثيرا للكثير من مشاعر الاحباط وداعيا للرفض الشديد، غير انه جراء ما ابدى حازم من الرفض والاصرار على عملية الاجهاض كان الخيار الضروري ويومها لم تجد فريدة بدا من ان تربط بين الاقدام على اجهاض الحمل والاصرار على الطلاق وهكذا كان ، وكان أيضا قبول فريدة على الزواج من مروان الذي كان في ذات الفترة احد العاملين في مشاريع والدها وفي مجال التعاقدات بالذات فكان الزواج السريع وكان الزواج الذي توج بالحمل السريع لتكون فريدة الزوجة الجديدة اما ويكون مصطفى جدا ويقطع مروان تلك الرحلة السريعة في تألقه الوظيفي وتطوره التجاري وان تكن مكانته مع فريدة كزوج بقيت في الحد الادنى ففضلا عما أسرف فيه من تهالك على ملذاته الخاصة وعلاقاته غير المشروعة تاركا هذه المرأة التي لم تعدم أي شرط من شروط الاهلية ، جمالا ومالا وعفة أيضا نراه يضيف الى عدم صدقيته هذه انحرافا اكبر تمثل في عدم المحافظة على الامانة اللازمة للرجل الذي ائتمنه على اعماله وقلده من المسئوليات ما كان له اهلا وغير اهل، فاذا به يسخر موقعه في شركة مصطفى ومن خلال مشترياته لمردودات مالية اضافية لا تأتي من مصدر التوريد فتكون عمولة متبعة لكل من تأتي عن طريقه مثل هذه الخدمات ، ولكنها وبحسب ما ثبتت المراجعة تتم على حساب ثمن الشراء ومن خلال زيادته على المستورد والزامه برفع سعر التكلفة، ليدخل التصرف تحت طائلة السرقة التي لا يصعب الجزاء عليها قانونا، فيتعين تبعا لذلك اقصاؤه من العمل، ولو عن طريق الاستقالة ، حفظا لماء الوجه ومراعاة لاستحقاقات المصاهرة غير ان مروان لم يجد حرجا في تصرفه المعيب بحجة ان العمولة سموح بها تجاريا ، واذ لم يقنع التصرف المعيب الصهر وصاحب العمل في الاف رأينا مروان يقدم على خطف الفتاة الصغيرة والسفر الى الولايات المتحدة الامريكية باعتباره واحدا من الذين هاجروا اليها في الحقبة الناصرية وتحصل على الاقامة وما تقتضيه من اوراق ثبوتية مكنته عند اقدام على جريمته من الاختفاء داخل ذلك العالم والافلات من الملاحقات الامنية عندما ذهبت فريدة الى هناك وبذلت كل ما امكن من جهد في المراجعة وبمساعدة السفير المصري هناك حتى انها استعانت بإحدى القنوات التلفزيونية لتسجيل الواقعة والاعلان عن مكافاة مالية وصلت ربع مليون من الدولارات ، ليذهب ذلك كله ادراج الرياح لولا خيط تم امساكه عن طريق " هاني " احد المهاجرين هناك الذي تطوع بالتواصل مع الجد الدكتور مصطفى ليبدأ مشوار المتابعة في الظرف الذي يكون فيه مروان قد تعرض لحادثة مرور افقدته الوعي ومن ثم الحياة في الوقت الذي توفرت كل الدلائل ولكن بعد ان شحنت الفتاة الصغيرة بكل ما يسيء لوالدتها واعتبارها المسئولة الاولى عما جرى ، وان كان ذلك كله وسط جملة من الصراعات التي لم تكن النساء بمعزل عنها كما هي عادة الحياة وعادة التعاطي مع المال الفاسد لقد حفل النص بكم هائل من المفاجآت وان كان الحدث المسيطر لم يتجاوز علاقة امرأة برجلين تواصلت معهما عن طريق الزواج الشرعي ولم تدنس علاقة معهما بأي خيانة من الخيانات ، غير انها لم تستطع اخراج الاول من حساسيته ازاء ذلك العالم، ولم تقتنع من جهتها بالثاني الذي سخر كل ما لديه لتوظيف العلاقة الزوجية لصالحه، بما في ذلك الانجاب والمهم اننا عبر هذه التفاصيل المثيرة والاحداث المتلاحقة والمسافات البعيدة نقف على طبيعة العلاقات التي انتجها زمن الانفتاح الاقتصادي ومنتوجه السياسي، حيث لا حديث في تلك الاوساط اكثر من تعدد السيارات وتنويع الملابس وسهرات الطرب في المشاريع السياحية التي تؤكد قول عبد الرحمن الشرقاوي في مقيدته التي خاطب بها الرئيس ترومان سنة 1953 م، بقوله : فقلت لهم " ان اهل القصور اناس سوى انهم غيرنا " مما يجعل من رواية الحرمان الكبير هذه عملا جاهزا للقنوات الفضائية التي تعول كثيرا على المخيلة وتتخذ من المأساة الانسانية خير منفس على غضب الانسان المصري وتأجيل ما ينبغي ان يقوم به من دور جاد


_________________________________________. 


شريد المنازل

للروائي اللبناني جبور الدويهي

أمين مازن


تزخر رواية جبور الدويهي هذه بكل ما يجسد عمق تمثلها للواقع اللبناني في العشرية الاخيرة من خمسينيات القرن الماضي ، عشية امتحان لبنان المستقل باندلاع الحرب الاهلية التي طالت خصوصية ذلك البلد والذي اقتضى شرط مولده ان يقوم على مبدأ التوافق السياسي، باعتباره الكيان الذي اريد له أن يمثل البديل عن كل ما كان يفتقده الوطن العربي من الحرية الاقتصادية المطلقة ومنتجاتها السياسية من انواع التفكير والتعبير، انه الوطن المتكون من بقية الاقطار التي ما لبثت ان تحولت الى دول مستقلة عقب الحربين الكونيتين وما ترتب عليهما من تسويات بشأن مناطق النفوذ واعادة التخريط، حتمت السماح بقيام هذه الكيانات التي اريد لها ان تكون شريكة لمستعمري الامس والذين وجدوا في مجموعة الاحلاف والمعاهدات التي ابرمت هنا أوهناك ما قدم البديل او لنقل المحافظة على نفوذ الامس مما دفعهم الى ابرام اتفاق لم يترددوا في الاعلان عنه والاصرار على التمسك به وهو عدم الموافقة على أي مساس بالحدود التي اعترف بها دوليا و التي هي بطبيعة الحال لم تأت من فراغ، وكان ان حكمت هذه الكيانات كل حسب النظام الذي رؤى اعتماده بواسطة العوائل السياسية او القبلية او الاثنين معا ليكون المنحدرون منها على راس هذه الكيانات، ففي تلك الحقبة من التاريخ حقبة الخمسينيات من القرن الماضي على وجه التحديد اندلعت الحرب الاهلية اللبنانية التي اتخذت من الصراع السياسي بين القوى المكونة لذلك المجتمع غطاء المتطاحن المربع بين الطوائف المكونة لذلك الكيان (( كيان لبنان )) والمعروفة بوثيق ارتباطاتها بهذا الطرف الدولي ( أذاك، ارتباط املاه الصراع المرير مع الامبراطورية العثمانية بدو من سبقها ايضا في حكم تلك المنطقة المشعة )، وذلك عندما تمزقت تلك الامبراطورية واجبرت على الخروج من الوطن العربي ولم تتردد في نهب ما استطاعت ان تنهب منه.



يعيد الحكي احداث ذلك الزمان الصعب الذي شهدته معظم بلاد لبنان الكبير، او سوريا الكبرى، أي التسميتين اخترنا الاخير، حين كان التسامح الديني هو الطابع العام لحياة الناس، ولاتكاد توجد حساسية تذكر بين الناس بين الطوائف التي يتكون منها ذلك المجتمع، ولا سيما بين مسيحي لبنان ومسلميه، الامر الذي جعل الشخصية الرئيسة لهذه الرواية تتأثر بعاملين رئيسيين، وبيتين متجاورين هما بيت العلمي الذي انحدر من صلبه الفتى والبيت الاخر الذي شهد النشأة، واضطلع بتوفير جميع الالتزامات التي طالما احتاج اليها في مختلف محطات عمره ومراحل تطوره الجسدي والتعليمي عندما اتخذت منه تلك العائلة الطفل المدلل وهو يقطع مراحل تعليمه بالدراسة وحدها وانما اضاف الى ذلك الانخراط في النشاط السياسي على اكثر من مستوى، عندما كان ذلك النشاط يسخر من كل تمييز ديني ينال من مصلحة لبنان ولا يرى في وحدته ومشروع تطوره الخيار الاول، فقد كان هم القوى السياسية الجادة منصرفا الى هذه التوجه حتى ان الفتى " نظام " هذا يترك المكان الخاص بتسمية الدين في بطاقة هويته خاليا من أي تصنيف وكذلك كان مسلكه، فقد كان بالفعل المسلم بالنسب، المسيحي بالعمادة، او كما تؤكد سيرته التي تقول انه دخل بيروت على سجيته، فصارت شقته التي استأجرها تجمعا لرفاق التنظيم اليساري الذي انخرط في حلقاته واسهم في مناشطه، ليدخل في علاقة مع الفنانة جنان التي لم يكن دافعها شخصيا بقدر ما كان كذلك بما كانت تنتجه من لوحات معبرة قوامه الفن الملتزم كثيرا ما عبر من تذوقه بشأنه من خلال تذوق الالوان والخطوط وما درج على الوصول منها الى عديد الدلالات، فإذا ما تفجرت بيروت تحولت شقة نظام هذا الى مركز من مراكز الثوار المسلحين، ولم يعد بالتالي يرى سوى القتلى المكدسين امام عينيه فيكون ابرز ابطال هذه الحرب وهذه الرواية.



وقد كان محمود العلمي والد نظام قد عاقر الكتاب مبكرا عندما ترآى له ان يؤسس مكتبة يكون من بين ما تهدف اليه ترويج الكتاب كمصدر او باب من ابواب الرزق التي طالما استهوت البعض في ذلك الزمان، فتوفرت لديه تبعا لذلك انواع من الكتب الرائجة في عديد التيارات التي جمعت بين الثروة اللغوية والنزعة القومية، الى جانب الروايات العالمية التي ترجمت في تلك الفترة المبكرة من تاريخ الثقافة العربية الحديثة، وكان لها دورها في اشاعة هذا النوع من التفكير وتعميقه لدى الناشئة، وقد ظهر من خلال السرد اللاحق كيف كان لهذه الكتب دورها الحاسم في صقل موهبة وبالأحرى شخصية نظام هذا، عندما شاءت التطورات ان يتعرض لتلك المحنة التي طالت القوى التقدمية شيوخا وشبابا، وفرضت ضمن ما فرضت اقتياد نظام الى سجون القوى الانعزالية التي لم يرق لها الانخراط لبنان في مشروع القومي المعادي للاستعمار وثقافته المنحازة لكل ما هو في صف المقاومين للاحتكارات، عندما اخذت هذه تروج للتوجهات القائلة بأن من اهداف المعارضين للأحلاف الاجنبية والمتحمسين بالضرورة للوحدة الناشئة بين مصر وسورية، انه التيار الذي شهد طفرة غير عادية بسقوط العرش الهاشمي في العراق، واقصاء كل من كانوا من خلاله يدعمون سياسة الاحلاف وعلى راسها حلف بغداد، ويومئذ لم يتردد الغرب وهو يواجه تلك التطورات في النزول الى شواطئ لبنان وغيره من البلاد العربية، فشاعت يومئذ وجهات نظر تحذر من خطر توطين الفلسطينيين في لبنان وغيره من البلاد العربية مما جعل الانعزاليين يتخذون من مثل هذه الشائعات منازعة لإرهاب العوام ، لولا ان " نظام " و امثاله كانوا يسخرون من ذلك القول ويقابلونه بمزيد الاستخفاف وقبل ذلك الرفض، لقد افلحت حذاقة السرد وعمق استيعاب المرحلة في بعث شخصية نظام مثالا للقدرة الفائقة على تمثل الثقافات البراعة الى الاصطفاف الوطني، والرافض بكل الحدة، لجميع ما كان سائدا من افكار منهزمة، ولهذا يقف كل من يقرأ النص بتدبر على جدوى المسلك التحرري المتسامح في بناء الشخصيات التي بنى عليها النص، مما يجعل من نظام الذي يشيد السارد- وعبر تفاصيل مثيرة – بما توفر له من الوسامة التي جعلته موضع اعجاب كل من رآه من الجنسين، فيكون المنتظر منه دون شك أن بتقدم قائمة المرشحين للانهيار امام حملات الفاشيين الانعزاليين، فاذا به ينحى المنحى المختلف ويفاجئ كل من يقرأ النص بذلك الصمود اللافت، امام كل الحملات التي تعمدت النيل منه ومن يناصره من الجيلين، ولاسيما العنصر النسائي، منجده في هذا الصدد يكشف عن قوة تحمل شبه خيالية، وحتى في لحظات ميل الكفة لصالح الاعداد، يكون لألوان الفن، التي حفلت بها لوحات جنان ما يوجد ذلك الزاد، لذي يتناس في كل لحظة، مبشرا بالتحدي والاصرار  على مقابلة المصير بكل ما تنطوي عليه النفس البشرية من القدرة على الاحتمال ورفض الهزيمة ولو بالنظرة التي تقابل اخر الرصاصات فيكون وقعا على القاتل اقوى من رصاص الجبن، فلم يكن نظام المداوم على لقاء جنان بمرسمها والنظر الى لوحاتها مجرد عشيرا ولنقل عاشق يتواصل مع محبوبته، ولكنه ذلك الذي يزاوج بين رفقة الرأي ورفقة الجسد، حتى ليستحيل الترتيب حول ايهما يسبق الاخر، فاللغة في هذا الموقف لها دورها الخلاق الذي يعطي كل جملة ما لأحد له من الطاقات الروحية التي تتجاوز الملموس وان تكن قد عبرت عنه، ومن هنا رأينا نظام الذى كابدا الاعتقال والتعذيب واخيرا الموت لم يفقد طيلة القص حتى القليل من التماسك، بل لقد دفع الاخرين الى ان يوفروا له كل ما احتاج له النص من التوهج، ولاشك ان هذا المستوى اللغوي الجيد الذي امتاز به النص قد ساعد على استدعاء الصورة الكاملة لتلك الذكريات الجميلة الخالدة في الاحداث التاريخية والمتعلقة بتلك الحرب، الامر الذي نزه النص من نفيصة الاجترار المفتقد للحيوية جراء الانحدار نحو الحماس والتهريج وحتى السباب، فقد تكفل الاتقان الحرفي لدى الكاتب بأن جاء النص متدفقا عامرا بكل ما يثير عند الملتقى جذوة الحماس الصادق، ويحول دون استشعار الهزيمة الداخلية والتباكي المحزن، مما يجعل من وصف الناشر للرواية بأنها تستدعى القراءة التي لا تقبل التجزئة ولا ترضى بما سوى رفع الصوت، هو بحق قول في محله، ذلك انها تندرج في مدونة الملاحم التي تحرك الوجدان وتستدعي التفاعل الخلاق، والانحياز الصادق نحو هذه الشخصيات الحية التي ملأت بيروت ذات يوم، وكونت مع بلاد الشام جبهة عريضة امام مؤامرات المكتب الثاني ومن كان متضامنا معه من الانعزاليين والظلاميين الذين تنادوا لو أد الديمقراطية والتحضير لتلك الحقبة المظلمة التي ما لبثت ان سادت عقب تلك الحرب غير الاخلاقية التي ادت الى سلسلة الهزائم التي لم تعرف التوقف مرة الا وتنبعث من جديد، واذا كان الحوار حول جدوى الاحداث التاريخية في تحقيق القدر المتوضئ لحيوية العمل الروائي والتدليل على ذلك بواسطة النماذج المجتازة من النصوص او الاكتفاء بذكر العناويين، فلا شك ان رواية شريد المنازل هذه تصلح ان تكون على راس الشواهد التي تستحق الدراسة المنهجية القائمة على التفصيل والتأني ومن خلال الرؤى الاكثر حداثة والاشد معاصرة.


___________________________________________


في ديسمبر تنتهي كل الأحلام

للروائية اثير عبد الله النشمي

أمين مازن


تحمل هذه الرواية الترتيب الثاني في مؤلفات الكاتبة السعودية الشابة اثير عبد الله النشمي التي لم تتجاوز الثلاثين ربيعا، وكانت قد نشرت قبل هذه الرواية وعن نفس الدار التي نشرت هذا الاصدار (( دار الفارابي )) نصا روائيا آخر وسمته بعنوان (( احببتك اكثر مما ينبغي في العام التاسع بعد الالفين ، وكانت يوما في الخامسة والعشرين، اذ حملت السطور المدونة خلف الغلاف انها أي اثير من مواليد سنة 1984 وانها صاحبة مقالة اسبوعية في جريدة (( شمس )) وقد خالفت معظم ان لم نقل كل نظيراتها فلم تضع صورتها الى جانب هذه الكلمات، كما لم تختر نبذة من النص ولا آخر يعرف به، وكلا الروايتين اعيد طبعها عدة مرات (( من ستة الى عشرة )) وان كنا لانعرف عدد كمية كل طبعة، لنعرف ما يمكن أن يترتب على تكرار النشر من العائد الحقيقي، فنصل الى معرفة الجدوى المتعلقة بالاحتراف، من حيث موضوع الثقافة والمثقفين ككل.

والرواية من حيث الموضوع والتناول تدخل في عداد التجارب الجديدة القائمة على السرد الذي يعلي من شأن الذات وبواسطة ضمير المتكلم الذي يمثل بدون شك اختيار الراوي، لا فرق أن يكون هذا الضمير مكرسا للتعبير عن مشاعر الذكر او ناقلا لمواجع الانثى، فهي والحالة هذه أي الرواية توفر الحجة لكل من يرفض التفريق في نوعية الكتابة اعتمادا على جنس الكاتب او الكاتبة، ويجنس تبعا لذلك ما تكتبه المرأة بأدب المرأة، في حين ان هناك من تكتب من الادب ما يتجاوز هذا التضييق، كما هو الحال بالنسبة لراويتنا هذه التي نجدها تثبت بواسطة المخيلة الخصبة والرؤية الواعية امكانية التعبير الشجاع والمتطور من الصورة المرغوبة للمرأة التي يمكن ان تشارك الرجل مسيرة الحياة دون ان تفقد وظيفتها، او لنقل اسهامها الطبيعي او الفسيولوجي، لتأتي متجاوزة لمحيطها او مستوعبة له بالأصح، فلا تتنكر لحقيقته في الحياة، بل وتعمل على توكيده بكل الوضوح ولكن في ترفع عن كل ما ينفر او يثير الاستهجان.

لقد اثرت " أثير " أن يجئ تصويرها للمرأة كما تحب لها أن نكون، من خلال صوت ذكوري، ينطق به رجل لا يستنكف البوح بما يستشعره من الانبهار الفائق عندما التقى تلك المرأة التي وصفها بالاستثنائية، تلك التي افلحت من البداية في حمله الى تلك العوالم الخصبة بكل ما تتطلع اليه الذات الانسانية السوية من معاني الانطلاق حين تمتلك القدر الكافي من المعرفة وتدخل مع زميلها الرجل الذي هو من نفس النوعية او لنقل الوسط الحرفي، الى معايشة الحياة عبر اللحظة الزمنية المشحونة بكل ما تمتلئ به الحياة من التوق الاسر، بل الرافض لكل انواع الزيف ومظاهر التكلف ، التوق الى معايشة الحقيقة بكل ما تفرضه من التضحية وترك جميع الاصباغ ، انطلاقا من ان الصدق دون غيره يعتبر هو الاقدر على تحديد البداية السليمة للتعامل مع الحياة والاشياء، فهو أي الصدق من يمثل الكفيل الابقى لتحديد المشروعية لما يشيع في الواقع من احكام القيمة ازاء المباح وغير المباح، بصرف النظر عن الاحكام المتسرعة التي طالما اطلقت هنا وهناك في مجانية كثيرا ما استحققه رثاء كل متابع.


لقد استطاع النص ان يضعنا امام حالة من الاعتراف العجيب على لسان هذا النموذج الروائي الذي اختارته الكاتبة من ذات الوسط الذي تنتسب اليه، وسط الكتابة، ليطل علينا وقد ظن ذات يوم انه خلق للكتابة، وانه لما أنس في نفسه من المقومات او العوامل، استشعر امكانية السيطرة او " السيكو باتية " كما عبرت الرواية على لسانه بالطبع، فاذا به امام هذه المرأة يكتسب صورة واخرى ويتخذ الموقف المختلف عندما وجد في حديثها ما يسقط الفلاسفة، يتخبط العلماء، يتلعثم الشعراء وينهار كل كبير عداها، بيد أن التوغل فيها يشعر من يقوم به انه غزا العالم او امتلكه، فبدا يسأل نفسه لو درت الى أي حد بلغ هواه بها، وفي حالاتها كلها، لأنه يتجرد أمامها من كل شيء فتتجلى له كشمس حرة، احس بها تتسامى حدود السماء ولكنها تعود الى ادراجها في لحظة الشوق فتمارس المطلوب دون الاحساس بالمعصية، ولهذا جعلته لا يتردد في القول بأنها تشعره بأنها تعرف السبيل الى الله ، اذ قالت له في لحظة التجلي نحن لا نستدل على الله، بل نستدل به وان ما كان يبعث استغرابه كون هذا القول قد جاء في آخر مراحل الثمالة، لقد ادت تلك الحالة الى طرح المزيد من الاسئلة، ولما لم تكن في مستوى الاثارة لم تتردد في ان يكون ردها على هيئة قطيعة والاختفاء من المحيط، اذ ثبت لها ان هذا الموقف يعنى العقاب، ولهذا حملت العودة كل معانى البشارة ولكن مع التنبيه بقولها: اما زلت تسأل ربما لأنها ادركت بالفراسة ان  من فارقت قد استيقظ وصار أميل الى تعديل مواقفه وجعله اكثر استعداد للمضي معها حسب المتاح وليس المطلوب، وهو مالم يتردد في الاعتراف به دون أي مواربة او مداورة، والمرأة على كل حال من ذات الفصيل والتجربة التي اوحت بالنص مشتركة بين قطبين، واذا كان الصوت الاكثر حديثا هو صوت الذكر فما ذلك الا لان الانثى قد أرادت له أن يكون كذلك او يقول ذلك، لتتوالى من ثم الاسئلة التي تنتصر للملموس او الممسوس ان شئننا ليطل في النهاية المستحيل الذي يجعل اللحظات اكثر جمالا، فتحقق الشيء يخضع للمقارنة والمقارنة لن تكون لصالح الافضل حتى وان بدت كذلك، والملكية دائما اقل من عدمها في القيمة، أي ان النفس من طبيعتها الزهد في ما امتلكت، ليكون تطلعها دوما نحو مالم تستطع بلوغه، غير أن هذه الصورة المتعلقة بالمرأة الاستثنائية يحمل النص الى جانبها نساء آخر يعشن الحياة على نحو اكثر واقعية وان وجد شيء من الفجيعة على نحو ما تحدث النص عن محنة المرأة المسيحية " مادلين " التي اكتشفت ذات مرة حقيقة زوجها الذي لم يتردد في ممارسة فعل الخيانة بذات البيت بل وداخل غرفة النوم لمجرد الرهان على غيابها في مشوار اسرى قدر انه يقتضي المبيت لولا انها من قبيل الحرص على عدم التقصير عدلت عن المبيت فأسرعت بالعودة لتفاجأ بذلك الموقف المخجل ليكون الزوج في موقف المتلبس، وكانت ردة الفعل مختلفة طبقا لمستويات الاحتمال، وقد افلحت مادلين في الاستفادة من نصح الراوي الذي هو صديق الزوج، فلم تفش ما اكتشفت من قبح صنيع زوجها واكتفت فقط بالإعراض عنه والكف عن أي حديث في الخصوص، مما اضطره لاحقا الى اللجوء الى صديق ومصارحته بموقف المرأة والتوجس من ثم انها انتقمت بالخيانة، فتثبت المراجعة العكس، فيكون الانتصار للمرأة كما تريد لها الراوية ان تكون من حيث الموقف المميز حتى لنراها وهي المسيحية نصر على دعوة العشير الى الصلاة، فالمرأة الاستثنائية هي التي تستوعب الكل والحقيقة ان الرواية قد استطاعت ان تضع امامنا هذه الخصيصة من اول صفحة افتتحت بها النص تلك التي اطلقت عليها صفة المدخل، تمثلت في الفقرة التي انتقتها من نثر الروائية الجزائرية الشهيرة احلام مستغانمي، عندما عرفت الرواية بقولها:

" الرواية طريقة الكاتب في ان يعيش مرة ثانية قصة احبها، وطريقته في منح الخلود لمن أحب " لتسوق بعد ذلك وعلى لسان المذكر ما استساغته من اراء مشابهة وحول قضايا كثيرة وازمان مختلفة لعديد الرموز الخالدين في دنيا الفكر والابداع من العرب والاجانب مثل هوجو فولتير وليام جميس واسيني العرج مصطفى محمود وغيرهم حول الكثير من المشاغل الفكرية والمواجع العاطفية، التي طالما ارقت هذه الراوية ووجدت ما خفف من طأتها عبر اقوال هؤلاء، فبدا واضحا أن الكاتبة أرادت أن تتخذ من قراءاتها من ناحية وكتاباتها الصحفية من ناحية أخرى سبيلا لا ثراء النص الروائي والخروج به من ذلك التصور التقليدي الذى طالما جعله أي النص الروائي منساقا نحو القولية وعدم القدرة على أي بتجريب جديد، وان كان مثل هذا التمسك انما هو نتاج النية الحسنة التي ترى في المحافظة على الثوابت وفي مقدمتها توظيف الخطاب الأدي باعتباره جزء من النشاط الانساني لما يتجاوز الذات الصغيرة ويهتم بالمحيط الاكبر وهو توجه يميله بدون شك ما يشهده العالم من التبدل وما طرأ على الواقع العربي ذاته من متغيرات، وقد اغنت الكاتبة بالكثير مما قد يبدو غرائبيا في اعمالنا الادبية وعلى رأسها ما يتعلق بمعتقدات الطوائف وما يدخل في عداد الاقليات تلك التي لها جذورها الضاربة في القدم مثل الصابئة الباقية في العراق الى يوم الناس هذا، فجاء العنصر الرئيس في النص مظهرا لقدر غير قليل من التعاطف او لنقل الاعتراف وهو يمارس انشطة المختلفة مع من التقى وتعامل وأحب ولا اقول كره، فليس في النص مكان للكراهية، فأفلح أن يوفر أعلى قدر من المتعة وفضيلة القبول بالآخر ، على الرغم من الاعتراف الصريح بالتخلي عما طلبت الحبيبة او الزميلة او الاثنين معا القيام بتصوير المظاهر التي انتظمت دفاعا عن حق المرأة في قيادة السيارة لحق من حقوقها، اذ بعد أن وعد بالقيام بهذه المهمة رأيناه يعرض عن ذلك ويصف صراحة كيف اخفى الانة وولى مدبرا متحججا أن الشرطة ستعمد الى مصادرة الاشرطة في حالة اقدامه على هذه العملية الامر الذي جعل ليلي" لا تتردد في توبيخه واستنكار موقفه المتردد او كما عبر صراحة الجبان، وذهبت الى اكثر من ذلك فصارحته بأن مكانه الطبيعي خارج البلاد، كل ذلك دون أن تقطع التواصل معه لان المرفوض لديها هو التصرف وليس الشخص وقد اضطر في النهاية الى الرحيل كما قرأنا في ثنايا النص، حين لم يجرأ على الزواج منها نزولا عند ارادة الأهل الذين رفضوا مشروع زواجه، ليقبل على الغربة طائفا مختارا، او مكرها مقهورا، لا فرق فنراه يقول:

" اشعر احيانا أن رحيلي لم يكن الا جبنا، وأنه كان من الواجب على أن ابقى وان احاول استرداد ما اغتصب من دون أن أنفي نفس، أو أن اتخلى عن كل شيء في سبيل أن أحيا بسلام .. أشعر اننى لو كنت أشد شجاعة ولو كنت قد واجهت الأحداث بجسارة لربما كنت انتصرت! وإن كنت أدرك أن التيار الذي كنت أعاكسه لم يكن ليسمح لي الاستمرار في السباحة في محيطه الواسع وفي مياهه الثقيلة الهائجة، كان ليغرقني قتلا ويقتلني غرقا، لكنني ادرك أن الموت في استشهاد حب اسعد بكثير من أن أعيش طوال حياتي مضطرب العاطفة.

وعسى أن يكون في هذه الفقرة ما يعطي المثل عن طبيعة اللغة التي صاغت بها الرواية روايتها هذه و التي عبرت فيها عن موقف متقدم ازاء الحياة التي يعيشها شعب يسير على بحيرة من النفط وشهد منذ ألف وأربعمائة سنة نساء مثل عائشة بنت أبي بكر الصديق التي لم تتردد في المشاركة المتفردة في شئون الدين والدنيا.

   


___________________________________________

 

ملامح

للراوية السعودية زينب حنفي 2006

أمين مازن


تخطو الروائية السعودية (( زينب حنفي )) في روايتها هذه خطوة اكثر جرأة في مشروعها الابداعي المكرس على ما يبدو، لكشف ما ينخر جسد مجتمعها من امراض، وما تعبث به من سياسات، متخذه من شخصياتها الروائية وسيلة لتمرير ما تطمح اليه من خطاب، وما تتطلع له من قوة التأثير، واذا استبعدنا ما يمكن ان يعمد اليه بعض الناشرين من وسائل الترويج لما ينشرون من الكتب ولاسيما فيما يتعلق بتعدد الطبعات في وقت متقارب، ونزهنا دار الساقي من هذه الحيلة، فلا شك ان اعادة طبع الكتاب ثلاث مرات متقاربة او لنقل في سنة واحدة (( 2006 )) انما يعنى ان الرواية قد لقيت ماهي جديرة به من اقبال الفرد، حيث دونت الطبعات المذكورة في الصفحة الامامية من الكتاب وكما تفرض تقاليد النشر وتطبق ذلك دور النشر، فقد فعلت دار الساقي التي يلاحظ احتفاؤها بالنص الروائي على نحو لافت ان بنشر الجديد او اعادة طبع المشهور من القديم.

وبدءاً نرى أن الراوية قد تعمدت في معرض سعيها نحو براعة الاستهلال أن تفجر الحدث مبكرا على لسان بطلتها ثريا في الصفحة الاولى من الرواية في كلمتين هما ورقه خلاصة منها كما قال وهو يخاطبها وردها السريع عليه بقولها الممتلئ استخفافا (( حياتي معك كلها سلسلة من المفاجآت، تأتي بعد ذلك سلسلة الاهانات المتبادلة بين الاثنين، رجل يتهم امرأته بكل ما هو سيء، وامرأة تجمع بين عدم رفضها لما يقول ولكن مع تحميله المسئولية كاملة، بل وتخذله صراحة وهي تقرب عجيزتها قائلة (( لولا مواهبي هذه لكنت الان موظفا صغيرا ولما اصبحت تتمرغ في هذا النعيم )) فمثل هذا الخطاب يلخص بدقة نظرة البطلة وما تحمله من معاني الاحتقار، فالتمرغ ليس من سلوكيات البشر ولكنه ينسب الى الحيوان و الى الحمير بالذات، حتى ان المثل الشعبي يصف من ليست لديه الذاكرة الرشدة بأنه (( مثل الحمار يتمرغ وينسى التعب )) وهذا الزوج الذي لم يكن في المستوى، ولم يحقق ما حقق من الغنى هو مثل ذلك الحمار الذي يتمرغ عقب التعب والشبع بالضرورة.

لقد يسر تفجير الحدث بهذه الكيفية لثريا وبالأحرى لمنشئة النص التي اختارت او لنقل استعارت شخصية ثريا لتبث على لسانها ما كان يعتمل في تلافيف دماغها من احداث تكونت منذ النشأة الاولى حين كانت ثريا هذه وحيدة والديها، وكان الاب شديد الاشغال بها، دائب الخوف عليها من ظروف الزمن وعواقب سوء التربية في حالة ما اذا لم تفلح تربيته في ان توفر لها ما كان يريده لها من الاستقامة في الدنيا والدين، ولاسيما حين ظهر منها ما يفيد بتلهفها لولوج أبواب الذين لا يتفقون مع واقعها، ولا يقنعون بشروط ظروفها من حيث التطلع الى مستويات معيشية لا تلائم مستوى الدخل المتاح، فكان الاب ومثله الام شديدي القلق ، ذلك ان ثريا لم تخفف يوما هذه النزعة المتمثلة من عدم رضائها بما توفر لها من المستوى وتطلعها الدائم الى المستويات الاكبر ، وقد يتجلى ذلك في اعراب الوالدة عن تبرمها من تفتح كريمتها على الفتاة التي كانت من محيط مختلف ومستوى مغاير، وما ترتب على ذلك لاحقا من انقلاب في مفاهيم ثريا وما نشأت عليه قديما من قيم عالية ومثل عظمة، اساسها الحرص على حسن السمعة واستقامة الخلق والتمسك بكل ما يصون العرض ويؤكد الاصالة الى ما يناقض ذلك من تطلع نحو المظاهر الكاذبة واللذائذ الفاتنة والمباهج المزيفة تلك التي لا سبيل لبلوغها دون التنازل المتعمد عن كل ما يشرف الذات باعتبار البديل يمثل الادنى من ذلك وان كان يدخل ضمن المغانم الدنيوية والمناصب الادارية، وهو ما ظهر لمجرد اقتران ثريا بالحسين هذا الذي لم يجد غضاضة في تسخير ما وفرت ثريا من عوامل الاغراء التي اتخذ منها قربانا لرئيسه في العمل دافعا لها كي توالي السير في طريق الانحراف ، على قاعدة ( من يهن يسهل الهوان عليه ) وما ذلك الا لان ثريا جعلت المال شغلها الشاغل، فلم تدخر من ثم كل ما يمكن ان يؤدي اليه، من دون أي مراعاة لنوعية ما يعطى، وهكذا وجدناها تتحول من فتاة محافظة ترقب في جميع سلوكياتها قيود التربية التقليدية منذ نشأتها في ذلك البيت المتواضع، فإذا لها تنقلب راسا على عقب فلا يكون لها من هم سوى الحرص على ابراز مفاتن جسدها ومعاقرة كل ما يذهب بعقلها ويرضى عشاقها من ذوى النفوذ المالي ورديفه الاداري، فتدخل الى جانب زوجها حسين ذلك العالم الذي لا يوجد فيه سوى اصحاب النفوذ المالي وفرسان التنافس التجاري ، والانصراف الدائم عن كل ما يرضي اللذي يريح الضمير، لقد جاء صوتها عبر الحكي منسوبا اليها من دون أي وسيط، فهي مرة تتحدث عن تطلعاتها التي بدأت معها منذ الصغر، وكانت موضع رفض من اهلها، ومرة اخرى تسردها وهي تعيد ذكرياتها مع حسين، حين استطاعت جراء ما وفره من تسهيل متعمد ورضاء مخجل ان تمارس انحرافها على مرآء ومسمع منه، حين تبين له استحالة الوصول الى أي مكسب من المكاسب التي كان يسعى اليها مالم يقبل ما ادمنته ثريا من الانحراف، حتى نرها تذكر اسماء الذين التقتهم في ذلك الطريق ودخلت معهم في مواعيد مختلفة، من جلسات محددة الزمن واخرى تطورت الى ارتباط اطول وثالثة تجاوزت هذه مجتمعة حيث الملل من الانحراف المباح – ان صح التعبير- الى ما يتجاوز السفاح، هو سرد لا يتوقف عند الشخصيات التي حواها النص من الذكور والاناث ولكن يتعدى ذلك كله الى ازاحة الغطاء عن حقيقة ذلك الواقع المزيف، حيث تعم المظاهر المؤشرة للتدين والتقوى ملابس الكثير منهم ومنهن، فيما يكون الواقع الحقيقي رازحا تحت كل ما يقال، ان في المجالس الرسمية ووسائل الاعلام او حتى الشوارع والمجتمعات فتحت هذه الاوجه توجد حقائق اخرى وحياة اخرى تعج بها الاماكن المقفلة والصالونات الخاصة والشقق التي لا يرتادها سوى من ارتبط بتلك الطبقات وحقق من خلالها بلوغ ما بلغت من مال وافر وجاه باهر، ومركز يتكفل بكل ما يعصم من المحاسبة وينجي من الجزاءات التي لا تطال في الحقيقة سوى الفقراء من الناس، ليس فقط في سعة ذات اليد العاجزة عن الانفاق وانما الاخرى التي توقف المتابعة ، تمرر الرواية في ثنايا النص ما يعتمل داخل وجدانها من اراء تتعلق بالواقع المعاش وما يعشش في عمقه من انواع الفساد المتعلق بالشأن العام وتجلياته الظاهرة في استغلال النفوذ السلطوي في الاثراء غير المشروع ، حتى لنراها في معرض الخاص ببطلانها ثريا وعلى لسانها تحديد او بعدما خلصت من البوح من الشواهد حول هذه الوضعية تحديدا الا تتردد في الدعوة الى ضرورة الذهاب الى سن تشريع كقانون من اين لك هذا وهو سؤال رافق التاريخ العربي منذ فجر الدعوة الاسلامية حين لم يتردد اعدل الخلفاء في مصارحة الولاة الذين شهدت حياتهم بعض المتغيرات غير المألوفة عند ما تميزوا في ملبسهم ومسكنهم بأن ذلك ما كان له ان يحدث لولا انهم قد استولوا على ما كان ينبغي ان يذهب الى من سواهم من الرعية اولئك الذين تضاعف حرمانهم وعلت اصوات احتجاجهم وكان اقوى هذه الاصوات بدون شك الصحابي أبو ذر الغفاري الذي لم تعصمه سابقته في الاسلام من تلك النهاية المؤسفة في صحاري الجزيرة العربية، مما يعني أن اثارة مثل هذه المواجع والدعوة الى مثل هذه التشريعات انما يدل على ان اللائي يلاحظ عليهن ما يلاحظ من حيث السلوك الشخصي، لا يعني تخليهن عن شئون الحياة والناس وما يرزح وتحته المواطنون من صنوف الظلم وعدم المساواة، وهو قبل غيره وما يؤجج مشاعر الحقد ويعمق نزعة التخريب والميل الدائم الى الانتقام، ومن اقصر الطرق واقربها، فثريا التي مثلت الشخصية الرئيسة في النص ظلت خير شاهد على قدرة المرأة على التعاطي مع المستجدات وتطبيق الشروط الكفيلة بتحقيق كل ما هو ضروري لضمان (( النجاح )) وبتفاصيل عبر عن مستوى الوعي وحسن الاداء.

لقد افلحت الراوية في تقديم صور بالغة الدقة ، شديدة التفصيل حول حياة الرجال الذين وردوا في النص على هيئة من هيئات الممارسة او لنقل المعاشرة معها،  ان من خلال المشروعية كالزوج حسين والعشيق فؤاد، اذ امكن الوقوف على الكثير من محطات عبر الجميع نجاحا كان ذلك ام اخفاقا، وقبل ذلك ظروف النشأة ومراحل التعليم، فبدء المكتوب وكأنه بلسان الاشخاص انفسهم ، وهو ما يمكن وصفه بتعدد الاصوات ، فقد افلح السرد في تجسيد الصورة المعبرة عن الشخصيات بما لا يقلل من نسبة التعادل، غير ان اهم ما يلفت النظر ، بالنسبة للمتلقي هو ذلك التطور الذي طرأ على شخصية الفتى زاهر الذي لم يجد ، وهو يضييق ذرعا بذلك الواقع سوى الانتقال الى الشاطئ الاخر ، حيث انتهى به الامر الى الرحيل لأكثر من بلد اسلامي، مقاتلا في سبيل ما اعتقد انه الاجدى، فلم يتردد او يتراجع حتى لقى حتفه ، شهيدا بالنسبة لقناعته، وكان قد صارح والدته بموقفه، ولم يتردد في ان يحطم جهاز التلفاز لكونه – حسب رأيه – منافيا للإسلام، وهو ما دفع الوالدة الى طرده من البيت عقابيا، فمثل هذه التفاصيل ما كان لها ان تتأتي لولا النهج القائم على البوح الذي لا يتردد في تدوين الاحداث كما حصلت في الحياة، لان القصد هو نقل هذه الصورة وتطويرها وكشف السلبي فيها كانت معظم النهايات لشخصيات المؤلف على غير ما يرام فيما بقيت حياة الراوية حيث هي ومواقفها كذلك ، حيث هي، ولا شك  اختتام النص بإحدى عبارات جان بول سارتر يحتوى تلخيصا للموقف بامتياز.


__________________________________________   

"مقاربة لرواية شيكاغو"

لعلاء الأسواني

أمين مازن


تفصح رواية " شيكاغو " للروائي المصري علاء الدين الأسواني عن مقدرة غير قليلة على تحقيق أعلى مستوى من التوازن بين حسن اختيار موضوع النص الى جانب الإجادة في تناوله، وهو ما يوصف بحسب أشهر مذاهب النقد الحديث قوة المضمون، وان ذلك ليتجلى من خلال حركة الشخصيات الروائية التي افلح الروائي في انتدابها، لكي يبلغ عن طريقها ما رام تبليغه الى أولئك الذين استهدفهم بخطابه وراهن بالضرورة على كسبهم لحمل ما اعتبره أولوية من أولوياته ، بحيث لا يلوح في ثنايا هذا النص ما يمكن ان يشكل صدمة لذائقة الملتقى جراء فجاجة الإقحام المتعمد او التدخل القسري، من حيث مسيرة الشخصيات المختارة وانسجام الأحداث المرتبطة بها ومن ثم تحقيق المبتغى من وراء الكتابة، إنها العيوب التي كثيرا ما يفاجأ بها قارئي النص الروائي او بالأحرى الردى منذ أن صار هذا الفن أكثر الأجناس الأدبية إغراء لمستهلكي الأدب ومنتجي الأدب ، وهم ينوءون بأزمات الحياة وأسئلة العصر ويتحسسون طريقهم نحو الخروج منها وفي شيء من الشعور بالانتصار عليها من خلال حركة النماذج الروائية ، المؤمل منها ان تنوب عن فتح الأدب وما يرمى الى تسويده من قيم وممارسات ونظم وسياسات ، وأفكار واتجاهات عبر الصراع الأبدي بين من يملك ومن لا يملك ومن يستطيع ومن لا يستطيع ، وهي المهمة الوطنية التي تمثل الرسالة الحقيقة للأدب ، ومن ثم دوره في معركة الحياة التي لا تعرف التوقف وكان الأدب وما يزال في مقدمة أسلحتها وأقوى دفاعاتها.

لقد اختار علاء الأسواني ولاية شيكاغو الأمريكية فضاءً لنصه الروائي هذا مكرسا لذلك تجربة عدد من المهاجرين المصريين الذين تهيأ له التقاؤهم في تلك المدينة التاريخية الضخمة التي كونت ولاية كاملة من الولايات الخمسين تلك التي لا يقل حجم أي منها عن حجم الكثير من شهيرات دول العالم ، و كان جميع هؤلاء قد حل لغرض الدراسة وفي تخصصات علمية ، لم تكن لندرتها معروفة لدى عامة المصريين وربما خاصتهم أيضا ، ألا وهو علم الأنسجة ، ذلك الاختصاص الذي أصبح في دنيا التطور العلمي يمثل المحور الرئيسي لكل أنواع العلاج ، ولأنه كذلك بات من الضروري أن تبدأ العملية السردية لنشأة هذا العلم ، وإنعاش ذاكرة الملتقى بشيء من تاريخه على بد أحد العلماء الايطاليين من رأت الأمانة العلمية أن يقوم تلك الولاية ان يضعو أشعارا يعترف له بالبداية وتضمين هذا الاعتراف بعهد ينص على مواصلة المشوار ، والدلالة في هذا الصدد ودون أدنى شك شديدة الوضوح من حيث توفر المناخ العلمي المحفز للجميع ، بدليل ان ناجي عبد الصمد احد أبطال هذه الرواية وبعد ان ضاقت به السبل في مسقط رأسه وما تخلل رغبته في مواصلة الدراسة العليا وتعرضه لبعض المصاعب جراء ميوله اليسارية ، لم يجد سوى ولاية شيكاغو و فضاءاتها العلمية لمواصلة دراسته المنشودة ، فيما تكون المفارقة متمثلة في ان تأتي الصعوبة عن طريق الذين وصلوا في وقت مبكر من أبناء وطنه ، أولئك الذين جرفتهم المتغيرات التي طالت الحياة المصرية بركنيها السياسي والاقتصادي كنتاج للتجربة الناصرية ورؤيتها المناقضة لبعض الطبقات ، من صار أبناؤها لاحقا يمثلون ما يمكن وصفه بالطابور الخامس الذي جعل مهمته قائمة على الحيلولة دون أي شيء جميل ، وحسبك ان يكون أول المعترضين على قبول ناجي عبد الصمد هذا وهو ينزح الى أمريكا ، هو صلاح المصري المهاجر الذي حط رحاله في تلك الربوع قبل أربعين سنة من مجئ ناجي ورفاقه وحصل على الجنسية الأمريكية شأن الكثيرين من أمثاله الذين كان جواز مرورهم نحو هذه الجنسية متمثلا في الزواج من إحداهن ، اللاتي كثيرا ما يلتقيهن أمثاله كيفما اتفق ويرتبط بها كيفما تشاء ، في نفس الوقت الذي يكون على رأس المتحمسين لقبول ناجي هذا عن طريق الذين حاربوا في الفيتنام ، فادى بهم موقفهم ذاك ولمجرد ان أدركوا فداحة ما خسروه ان يكون تعويضهم متمثلا في إقامة تجمع هدفه التصدي لكل حرب يمكن ان تكون مثل تلك الحرب ، وكانت من ثمة في إقامة تجمع هدفه التصدي لكل حرب يمكن ان تكون مثل تلك الحرب، وكانت من ثمة مواقفهم المشرفة كرعاية الطلبة والحدب عليهم والحرص على رفع مستواهم دون أي شكل من أشكال التفريط في الأمانة العلمية على نحو ما حصل لطارق حسيب الدارس المتفوق عندما منى بحالة من الإحباط في المراحل الأخيرة في مصر من عجزه عن تحقيق التلاؤم اللازم بين المتاح والمطلوب وبالذات حول علاقته بشيماء مجدي زميلة الدراسة وضوح الكفاءة العلمية ، مع الفارق الاجتماعي ، في حين نرى عميل المباحث احمد دنانه ، يصل به الانحطاط الى الحد الذي يجعله يسعى لزوجه كي تختلى مع صفوت شاكر، عندما اختلق هذا الأخير وظيفة دبلوماسية أملا في ان تكون عربون الوصول الى المطلوب ! فلا يظهر على احمد دنانه أي حرج وهو يلتقي المعلومة من المرآة في حيث يكون لهذه الموقف المختلف والمعبر بصدق عن الروح الشرقية وما يتميز به من اندغام في الذات الإنسانية وتعبير عن سموها.

وعلى الرغم من مستوى الإمتاع في هذا النص الروائي يبدو شديد الوضوح إلا أن القراءة الأكثر تأنيا قد تغض الى القول بوجود الموقف المسبق لدى هذا الكاتب ، او بتعبير أدق حدة هذا الموقف ، على اعتبار ان كل كتابة أدبية يستحيل ان تتخلص من مبدأ القصدية ، وبالتالي فإن السؤال الأساسي هو ذلك الذي يتعلق بحجم المقدرة الفنية الكفيلة بالتخفيف من هذه القصرية ، وبالتالي فان السؤال الأساسي هو ذلك الذي يتعلق بحجم المقدرة الفنية الكفيلة بالتخفيف من هذه القصدية.

وذلك من خلال التخفي – ان صح التعبير – بين السطور ، وفي هذا الصدد يبدو نص الأسواني من النوع القائم على الخطوط المتوازية والنهايات المرسومة في أكثر من موضوع ، إذ كل شيء اعد بعناية ، وفي ما يحيل الى شيء من الحيادية والأمان وبالتالي للمفاجأة ، بل لعل المفارقة كثيرا ما تبدوا وكأنها قد أعدت سلفا كل حسب انتمائه الفكري ، وربما عمقه الروحي أيضا ، فلقد آل زواج صلاح الى أزمة بلغت أوجها في الانفصال ولجوء الزوجة الى ممارسة الجنس عن طريق الشذوذ الذي صار شائعا في ذلك الزمن وذلك الواقع.

كما انتهت علاقة ناجي باليهودية ويندي بوقوعه في فخ المخابرات العامة الى الحد الذي أتاح لصفوت بك ان يجيز لنفسه دخول بيت دنانه أثناء غيابه ، كما تحولت كريمة رأفت ثابت الى دنيا الإدمان وتكون النهاية في الانتحار ، الأمر الذي يمكن معه القول بأن هذه النهايات التي طبعت مسيرة الشخصيات هي نتاج الأحكام الجاهزة فقد حشدت لإيصال من سبقت من أجله بأكثر ما تفضي به ضرورات النمو الفني والأكثر قربا من طبيعة الحياة العادية ، وهو ما يمكن استشفافه من بين السطور المختارة لجلال أمين على غلاف الرواية حول ما اسماه نبل المعنى الذي افلح علاء الأسواني في الوصول إليه عبر جودة الفقرة وحسن التشويق فضلا عن المهارة او الشطارة – بحسب جلال أمين – فصار الأسواني جديرا بتزكية اسم مثل اسم جلال أمين ، وهو الذي كان قد فقدها في أعمال كثيرة يمكن للمرء ان يدركها ضمنا ، مع الملاحظة ان لنبل المعنى أكثر من تعريف لو شئنا التدقيق ، و الأمر ذاته بالنسبة لحسن القصيدة بسبب بسيط هو ان الحياة فيها جميع هذه الممارسات التي افلح الأسواني في استدعائها ، ولكن ليس من خلال الواقع المعيشي الذي لا يقبل التحرك بواسطة المسطرة بقدر ما هو نتاج العفوية وتداعي الأفكار وربما تناحرها أيضا.

غير ان ما نستشعره من الاختلاف والتقاطع في مجال القراءة وأفعال التأويل هو قبل غيره الذي يوفر لرواية الأسواني هذه " شيكاغو " أحقية ان تكون في مقدمة الروايات العربية التي أسهمت في أغناء المدونة الروائية العربية الحديثة عن جدارة واضحة واستحقاق ملموس ، ليس من اجل ان تبقى النصوص كتبا تقرأ ويكتب حولها ما يكتب ، وإنما ذلك هو المهم لكي تتحول الى أعمال درامية تتولى بثها القنوات الفضائية التي طالما مثلث طموح منتجي الأدب كما هو الحال في رواية شيكاغو هذه وهي تضم بنقل عوالم ذلك الفضاء الكبير وقدرته الفائقة على التأثير في مسيرة الشخصيات التي اختيرت عن ذكاء وصورت عن قدرة ، وتوفر لها كل ما يمكن ان يثير القارئ وكذلك المشاهد ، فمن ناجي حل هناك في حقبة ستينيات القرن الماضي فرارا من التطبيقات الاقتصادية التي تبنتها التجربة الناصرية متمثلة في تأمينات المختلفة وطرائق إدارة الملكيات التي طالما تلك الإجراءات ولاسيما تلك التي بلغت ذروتها عقب انفكاك الوحدة المصرية السورية حيث ألقيت مسئوليتها بالكامل على الرأسمالية السورية وما أطلق عليه الشركة الخماسية والتي كانت الى ما قبل الانفصال موضع ثقة اكبر الأطراف وأكثرها أمان بالقرار بين الإداري و المالي وغض النظر بالكامل عن السياسة العامة التي طبقت في سوريا دون ان تعبر أي اهتمام لاختلاف الظروف وطبيعة التكوين ، واتى بلغت ذروتها في صم الأذن عن أي ملاحظة من ملاحظات الناس و ما كان يسودهم من تململ جراء استشعارهم لتهميش وسوء المعاملة واعتبار التجربة الوحدوية وكأنها المنفذ الذي لا بديل له والمكلف بالنيابة عن الناس جميعا.

فيكون ذلك كله محور نقاش بين ذلك المهاجر من مصر من الذين حلوا بأمرين من بعده ، فيصار الى معارض لا يبدي من الجهد ما يزيد على حديث الصالونات ، وبالكثير برجوازي صغير تخذله إرادته عن الإسهام في أي موقف جاد لتأتي بعد ذلك النهايات المعبرة عن أزمة هؤلاء فاقدي إرادة التحرك ، ويكون الانتحار في أحيان كثيرة هو الحل الذي لا بديل عنه والذي يجمع الكثيرون على وصفة بالجبن اللهم إلا في لحظات الحرب وخياراتها الخاصة ، ولا تلوح سوى السلطة الأمنية ذات النظام الصارم المصر على الإمساك بكل الخيوط دونما إدراك لاستحالة ذلك في نهاية المطاف.

تتوفر الرواية على قدر غير قليل من التشويق المتقن ويتحقق لها قدر كبير من حسن اللغة ، وبالجملة فيها كل ما في الأعمال الروائية المصادفة من ربط بين صاحب الموقف غير السليم ودمامة الخلقة وسوء الشكل ، كما لو كان كل من تختلف معه في الهدف او الموقف السياسي لابد ان يشذ في الحياة عن المألوف ، ولان هذه الملاحظة لا تنحصر في رواية الأسواني دون غيرها فمن اعتبارها كان لم تكن ، وتبقى " شيكاغو " إضافة من إضافات علاء الأسواني الجديرة بالإشادة الوافرة والاهتمام الجاد والتقدير الكبير.


____________________________________________

عرش معشق

رواية الكاتبة الجزائرية ربيعة جلطي


أمين مازن


كرست المققفة الجزائرية والأستاذة الجامعية ربيعة جلطي

نصها الروائي الثالث «عرش معشق » للشأن النسائي ، من حيث

التصاقه مباشرة بالمرأةكوجود فاماطت اللثام عن الموقف غير

الودي الذي لا يتخرج المجتمع المتخلف من التعبير عنه بتصريح

باعث على الألم والأسي يعلن عادةمن اللحظة التي تحمل المرأة

على هيئة مولود يخرج من رحم الأم ، ولم يتردد في التلميح

إلى أن المولود الملائكي لم يعدم الأحساس بما كان ينتظرهم

صفوف المصاعب ، فحاول عبثاً أن يبقى حيث هو في ذلك الكن

الهانيء الذي يستحيل تعويضه وكذا التمسك به ، و؛كانت ربيعة

التي تحددت هويتها الابداعية عشية قرقها عالم النشر منذ

ثمانينات القرن الماضي ضمن كوكبة من شباب الجزائر الذين

حفلت بهم دورية امال الشهيرة بالجزائر ، وقد أدارها يومئد

على ما أذكر أحدالمثقفين الوطنيين الشجعان محمد السعيدي

«قبل دخول العمل الديبلوماسي » من بين الذين يجمعون بين

النص الشعري والآخر المقارب ، ما لبثت أن عبرت نحو جنس

الرواية فنشرت روايتين متتاليتين : الدروة وقد صدرت عن دار

الأداب البيروتية ونادي الصنوبر وقد جاءت في نشر مشترك

يبين الاختلاف والدار العربية للعلوم ببيروت ، أما روايتها الثالثة

هذه فقد جاءت هي الأخرى مشاركة بين الاختلاف وضفاف

وقد حملت النسخة موضوع هذه المقاربة تاريخ العام 2013 م

، وقد يتعين التنويه قبل التعاطي مع النص أن جيل ربيعة هذه

واجه الكثير من الصعاب منذ أن اشتد تيار الرفض للتجربة

الشمولية آخر الثمانينيات فسارع الكثيرون منهم إلى خوض

تجربة الغربة، حين ثبت لهم أن كلا الطرفين المتصارعين لن

يقبل بوجودهم بل ويبشر بمضاعفت أجر كل من لا يرى جرحاً

أو جرما في انهاد هذا الوجود.

اختارت كاتبتنا لنصها ضمير المتكلم ، إدراكاً منها بلا

جدال لمرونته في تحقيق أوسع الفضاءات القادرة على التبليغ

، من حيث المبتغي من الحكي في تحقيق البورح الإنساني

وأهميته في ادخال المتلقي في فضاء الذات وما تعانيه من

الهموم الموجبة للتعاطف وحتى الانحياز وبذات القدر استدعاء

ما يمكن استدعاؤه من أحداث التاريخ وذكريات الأهل ، ومن

الممكن القول أن كلا الهدفين لم يغيبا عن ثنايا النص ، فقد

كانت الكاتبة بالغة الدقة وهي تتخيل ذلك الوجود الجنيني الذي

يتيح لتلك المضغة الأخذة في التخلق يوماً بعد يوم أن تعيش أكثر

اللحظات هناء حيث لا مشاكل ولا هموم وإنما الراحة التي لا

نظير لها في توفير الدفء والسلامة من كل من ينعض الوجود

والذي بدفع دوما لتشبت ومحاولة البقاء لولا حكم المقادير أن

يكون المجيء عن إكراه ولاسم عن اكراه والاستقبال أيضاً عن

اكراه ابتداد من القابلة التي لا تخفي استشعار الاحباط حين

يكون المولود الجديد على هيئة الانثى المظلومة فلا تزيد

القابلة على كلمة بنت خلافاً لذلك الذكر الذي يمون الابلاغ

عنه بصوت عال ومع زغرودات ثلاث لا تتردد المرأة - أيا كانت

قرابتها - من أن ترفع عقيرتها بها .

إنها التقاليد القارة وهي ذاتها التي تفرض اختيارالاسم

الذي يحمل معنى التفاؤل بالاكتفاء ، وأشهر الأسماء كلمة

حدهم « التي تطلق املا في عدم تكرار ولادة البنات ، وليس

حدهم في الجمال أو الزين أو بشيء مفرح يمكن أن يقترن

بمجيء الانثى ، وبما أن الجزائر قد شهدت في الحقبة التي

حققت اثناءها الرواية المستوى الذي أهلها لاختيار الموقف

الوطني المناسب والمتقاطع مع الطرفين المتصارعين في

الجزائر ، اتاح السرد امكانية موت الجد ليختار نفس الاسم

الحفيدة لولا أن مفارقة أخرى فرضت أن تأتي الحفيدة الساردة

مختلفة عمن سبقها ليس فقط من غياب الجمال الفاتن

الذي اشتهرت به الام والخالات بل وطول لافت مختلف عن

كل القياسات وهكذا بأن مسلسل الشقاء الذي اقتضن توالي

الصعوبات على مختلف الاكراهات..

لقد ساعد هذا المنهج في السرد راويتنا ربيعة كي

تدين تلك الحقبة المظلمة في تاريخ الجزائر بما شاع فيها من

مجانية القتل أن وهي تغيب عديد الركوز الجزائرية ممن

عرفهم التاريخ الحديث جامعين بين إعلام الثقافة ومثل ذلك

السياسة والادارة، أن وهي تضطر ألمع وجوه الفكر الوطني

والأدب العربي إلى هجر جزائرهم الحبيبة ليخوضوا تجربة

اللجوء السياسي في مختلف مدن العالم الأوروبية الامريكية

وفي بعض الأحيان عربية فما أن حالت السلطة الباغية في

تلك الأيام دون القبول بنتائج الانتخابات النيابية التي هددت

بسقوط النظام الشمولي حتى بدأت سلسلة الاغتيالات التي

عمت جميع مدن وقرى الجزائر بحيث لم يكتب لذلك المؤامرة

أن تتوقف إلى أن تمت الترتيبات التي تكلفت بتغيير المظاهر

ليس أكثر و أما الجوهر فقد بقي حيث هو بل أن الحديث عنها

أيضاً لم يحن ولم يكتب أن يصدر محرراً في الكتب حتي

نطقت به البطلة التي لم تستنكف أن تغير هي الأخري اسمها

وأن يكون نموها هو الآخر مخالف لكل ما هو ضمن العادي

والمريح مما جعلنا كمتلقيني نستعيد هذا التاريخ الجزائري

الذي شاع ذكره وتألق اسمه في ذلك الزمن عندما اتخذ منه

ابناء المشرق العربي قدوة لم يستنكفوا الا الاعتزاز بها ويرون

من خلال تمعن ما اثبتته السريرة العطرة امكانية الخلاص

مما حل بهم من مظالم عندكا اقبلوا علايه مسلمين ومسيحين

حتي لقد قبل أن قطعة الزجاج المعشق التي

اتخذت منها ربيعة عنوانا لرويتها هذه يعود

تاريخ الحصول عليها إلي تلك الرحلة التي قام

بها الأمير عبد القادر الجائري مرفوقاً باعداد

من اتباعه أو لنقل جنوده من بينهم جد هذه

الراوية أو البطلة التي تكفل سردها بالتذكير

بتلك الأحداث مجتمعه لتجيء علي هذه

الصيفة المعبرة والدالة والمقنعة في ذات

الآن حين لم تترك احزان الزمن وكبار المحن

أي سبيل للفرح جراد توالي المحن والنكبات

ويحدث أن يكون زمن الحكي هذا على لسان

تلك التي عاشت هذه المشاعر مجتمعه وهي

نلاحظ نموها غير العادي ومقاطع وجهها

وأيديها المختلف عن الناس فترة لولا جذوة

الأمل التي دفعتها للتواصل مع ابن الجيران

المصاب بالتاساة هو الآخر والمحروم من كل

ما يثير مشاعر الأمل والثقة في المستقبل مع ذلك نجده يحرص

علي مواصلة مشواره الحياتي إلى نشأة تلك العلاقة التي اخذت

في التطور والتعويض عن كل الانكسارات عبر التذكير بمرحلة

ما بعد قيام دولة الاستقلال تلك التي شهدت مولد وتربية

وأخيراً نضج ذلك الجيل الذي تنتمي إليه علي نحو ما روايتنتا

ومن جايلها من اللايء وفرن تلك الأجواء القائمة علي مراجعة

من سبق ومن لحق زبناء الجزائر ولاسيما فيما يتعلق ما مساء

ذلك الواقع من أوجه الاستفادة الشخصية وبالاحرى الطبقية

من عديد الفرص نقرأ في السرد الذكي وصفا بالغ الدلالة

للمستوى المعيشي المتمثل في البيوت الذين الاذخة التي آلت

إلى أولئك الذين انتسبوا على نحو ما لتلك الثورة وانجزت ضمن

ما انجزت إلى جانب الاستقلال أو ما اصطلح علي تحسينه

بانتصار الثورة والذي كان منأولى عوائده على الكثير من أبناء

تلك الطبقات النامية وراثة املاك المستوطين الفرنسيين تلك

التي جمعت بين المزارع متعددة الكروم والبيوت ذات الأدوار

أيضاً وقد كانت مجتمعه مسرحاً لما لا حصر له من الأنشطة

الاقتصادية والسياسية ولا سيما ما يبرم في ليالي العلاقات

العامة كتلك التي طالما انتظمت في شقتها الفاخرة ليالي

ألف ليلة وليلة وانجبت ساكنتها مجموعة الفتيات الجميلات

من كن موضع اهتمام ورغبة القاص والداني، لولا أن الزمن

بما يفسد به بعض من لم يبخل عليهم المرارة على أكثر من

صعيد فلا يكون ثمة من عوض سوى اللجوء إلى التبني كما

فعل ذلك الذي اتخذ من «بوعلام » بديلاً استطاع بواسطته


أن يملأ ذلك الفراغ وهي الطبقة التي لم

تتردد في الوقت اللاحق أن تسهم في ذلك

الانقلاب الذي شهدته الجزائر بعد قيام

الدولة الوطنية بسنوات أنه ثلاث ومن ذات

المدينة التي كان لها القسط الكبير في

معركة التحرير وترجيح كفة الجانب الذي

فاز بالقيادة وحسم الصراع المبكر ولكنه

الفوز الذي تأكد لاحقاً أنه محجرد توطته

للمرحلة التي تلت تلك السنوات القليلة

والتي قدر لها أن تستمر إلى أن منت

الاقدار بالمرض الغامض وحلت الغيبوبة

التي طالت حتى حسب الكثيرون .. على

سبيل النكتة بالطبع انها مكان من أمكنة

لاقامة لذلك المتفرد بالشجاعة والغموض

لقد افصحت ربيعة جلطى عن موقفها

المنحاز في أول صراع عرفته الجزائر

المستقلة عندما ترأس جمهوريتها الأولى أحد القادة التاريخيين

الذي أكسبهم خطف الاستعماريين الفرنسيين لهم وهم يركبون

إحدى الطائرات هو السيد أحمد بن بلة ليصار إلى سجنهم

اجمعين وتعمد القيادات المسيرة للثورة على الأرض إلى

تسميتهم بالحكومة الموقتة التي انبط بها تسيير حركة النضال

وقيادة الخطوات الأخيرة التي انتهت بإعلان الاستقلال وجاء

التعبير عن الانحياز المشار إليه كما لو كان مقحماً بعض الشيء

ولكن مادام النص يوثق لمرحلة تاريخية محددة فلا حرج من

التصريح بالاسم التاريخي ليس هذا فحسب بل أن أقدام

زليحخة علي ترك الجزائر في غمرة اندلاع أعمال العنف بها

التي لم تفرق في القاء نيرانها علي كل من رأت في موته ما

يحقق لها ما كانت ترمي إليه حين غامرت بالسفر بذلك المركب

المطاطي البداىء الذي ماكان لها أن تصل به شاطىء الأمان

لولا تلك الارادة القوية التي كان رفا بطلها بلا منازع .

وقد جاء ذلك كله في لغة مجودة تنم عن اطلاع وبالاحرى

استيعاب لمخزون ضخم من الثقافة الشعبية واللغة التراثية

وتمثل واضح للصيغ القرآنية ليس على هيئة الاستثمار الذي لا

يتسع للنص القصص الذي لا يضيق بالجمال قد رفضه للمواعظ

، وإنما القدرة على الاستفادة من الايقاع المؤثر والتركيب الدال

ولا عجب فمن يتوفر له الجمع بين الثقافة الملتزمة والروح

الشعرية الصادقة والحرص القوي على التبليغ لابد أن يمون

الفن المعشق والزجاج المعشق في مقدمة ما يحشد متلقيه ...

جميعاً فيرونه في هيئة من يجلس على العرش العشق ..

.

المعلم علي

رواية مغربية للأستاذ عبد الكريم غلاب

أمين مازن


تدخل رواية المعلم علي للأديب المغربي الكبير الأستاذ عبد الكريم غلاب ضمن سلسلة الروايات المبكرة التي أسهم بها هذا الأستاذ الجليل في المدونة الأدبية المغربية التي دأب علي إثرائها بعديد الكتابات الرائدة التي طالما جمعت بين الإبداع الأدبي والتنظير الفكري منذ عودته من دراسته الجامعية بالمشرق العربي " القاهرة تحديداً " في أربعينيات القرن الماضي وانخراطه في النضال المغربي متعدد الوجوه سياسة وأدباً ونشاطا حزبيا وصحفيا من خلال حزب الاستقلال المغربي على وجه التحديد، حيث كان المؤسس لصحيفة العلم الشهيرة لسان حزب الاستقلال إلى جانب اتحاد كتاب المغرب الذي كان من مؤسسيه ، ومن ثم رئاسته . وقد بدأت روايات الأستاذ غلاب برواية دفنا الماضي وسبعة أبواب . وقد كانتا محور اهتمام الكثير من الدارسين المغاربة والعرب من بينهم الأديب الليبي عبد الله القويري الذي خص رواية دفنا الماضي بدراسة ضافية تلاه الأستاذ يوسف الشريف الذي تناول من جهته "سبعة أبواب" . ومعلوم أن الأستاذ غلاب قد عاصر أثناء دراسته في مصر أكثر الفترات التاريخية ازدهاراً بالنسبة لفن الرواية، سواء من خلال ما نشر رواد هذا الفن من نصوص متعددة المشارب والصيغ إلى جانب الدراسات النقدية التي طالما نظرت لفن الرواية بعديد المفاهيم، فضلاً عما نقل إلى اللغة العربية من أمهات الفن الروائي العالمي . فقد أدرك أدباء ذلك الزمان وفي وقت مبكر أهمية الفن الروائي في التبليغ، ولاسيما أثناء اشتداد الصراع بين مختلف القوى السياسية التي أخذت تتنافس على بذل الكثير من الجهد لكسب الأنصار والمؤثرين في الشارع العربي ، أولئك الذين كان الرد العربي يمثل أقوى الحوافز لإثارة اهتمامهم وبالأحرى انحيازهم، فلقد تغيرت يومئذ مهمة الأدب والأدب الروائي الموقف الهامشي حول الحياة والناس، وأصر على أن تكون للأدب رسالته التوعوية الفاعلة . وقد تولت نشر هذه الرواية الدار العربية للكتاب المشروع الثقافي الليبي التونسي المشترك في حقل النشر، والذي دفع نحوه بعض المنحازين للمشروع الوحدوي المغاربي، ممن كانوا يحبذون لليبيا أن تكون ذات الموقف المتوازن بين مشرق الوطن العربي ومغربه، مع ترجيح كفة المغرب الكبير بحكم التوازن السكاني وانعدام الازدواج الديني المحتدم في الشرق . وهذا التوجه أصيب في مطلع سبتمبر 1996 لهجمة عدائية غير عادية وبالذات أثناء شهر العسل مع النظام المصري عقب غياب عبد الناصر وبروز الموقف المعادي للاتحاد السوفيتي، ذلك الذي تزامن مع معركة ما يسمى بمراكز القوى، وهو ما ساهمت ليبيا سبتمبر فيه بالكثير من الدعم والمساندة، عندما لوحت بفكرة الدخول في مشروع الوحدة الاندماجية مع مصر، وكذا الاتحاد معها والسودان وفي وقت لاحق مع سوريا أيضاً . وقد أنتجت يومئذ التدخل السافر في السودان ومثل ذلك أوغندا ومساندة مشروع الانقلاب على الحسن الثاني، وهي خطوات كانت ترمي إلى شغل المواطن العربي عن سينا، ويبقى النص الروائي دون غيره المنشور ضمن المشروع المغاربي هو موضوع هذه المقاربة التي لم نجد بدأ من أن تكون بين هذه الأوراق المكرسة لأكثر من نص روائي ومن أكثر من كان .

وقد اختيرت أحداث هذه الرواية من تلك الأيام القديمة في تاريخ المغرب وعلى رأسها مدينة فاس أحد أهم المراكز الصناعية التقليدية والقيادات السياسية وقبلها الروحية واهما مقام مولاي إدريس لتبدأ من هناك رحلة الشخصية الرئيسة المعلم علي منذ أيام الطفولة الأولى عندما شرع وهو الصبي في ارتياد مواطن التشغيل التي اتسعت لمن في سنه ممن يجمعون بين العمل في المصنع وكذا بعض الخدمات البيتية البسيطة باعتبارهم صبيانا يملكون من الحيوية ومن حداثة العمر ما يعفي الكثير من سيدات البيوت ومثلهم سادتها، فهذه السن لا تسمح بذلك بل تبيح التساهل، وهي ذاتها التي تجعل من تشغيلهم ما يحقق التدريب على عديد المهن الصغيرة عب المشاريع الخدمية البسيطة كالطواحين والمدابغ وما إليهما، وهما نقطتا ارتكاز وتحرك ذلك اليافع " علي " الذي بدأ عمله في الطاحونة لينتقل في وقت لاحق على دور الجلد حيث الدبغ الذي يعتمد الطرائق التقليدية والمواد البدائية . ففي الأولى كان الاعتماد على الحمار والبغل الذي يعول عليه في تحريك عجلات الطاحونة، وهي توالي الدوران تماماً مثلما يكون وسيلتهم لجلب الحبوب المطلوبة من أماكن بعينها، فيكون علي في هذه المرحلة دائب الارتباط بالحمار ليس فقط لكونه ساعده في العمل وركوبته التي تحمله إلى الأماكن التي تجلب منها الحبوب، ولا لأنه يتكفل بنقل علي ذهاباً وإياباً، وإنما لأنه يشارك علي همومه القاسية المترتبة على العملية الاحتكارية وما تتسم به من نحمل أعباء المجهود الفعلي الذي لا مهرب من بذله طوعاً أو كرهاً، الأمر الذي نتج عنه نوع النظرة التي يولي بها علي حماره هذا، فهو لا يكفي لتحميله ما كان في حاجة إلى حمله ولكنه يقوم بالترتيب على ظهره وجزء من وجهه وهو يضع أمامه ما يتطلبه الوقت من العلف، ويرفق إدارة هذا بالكثير من الكلمات الطيبة التي تنضح إنسانيته وحناناً حول هذا الحمار الذي يؤدي كل ما يطلب منه صامتاً لأنه شريك هذا النوع من العمال الذين يؤدون كل ما يؤمرون به دون أن يظفروا بأي شكل من أشكال التحسن لأن من يصبر بهذه الكيفية لن يتحسن له حال .


من هنا نجد الراوي يتخذ من توجيه الخطاب إلى الحمار ما يمكن أن يدخل في عداد المونولوج الداخلي الذي ينطلق نحو الإنسان ذاته، بدءً من " علي " الذي يكابد سوء المعاملة من الصبر مبرراً لسلبيتهم إزاء أحوالهم السيئة ، وكذلك المعاملة الظالمة فيكونون بتحملهم هذا لا يقلون عن العجماوات التي تعجز عن الانتفاض على الاحتكاريين وظلمهم بما يستحق من الجسارة المشرفة والرفض الرادع، فالحوار والحالة هذه لا يندرج في ذلك النوع الذي جسده ذات يوم أنطون اتشيكوف عبر نصه المعروف وفاة بائع جوال ووقفنا على تأثيره في بعض الروايات العربية، منها على سبيل المثال قصة " الحياة تجرها عربة" للأديب الليبي البشير الهاشمي، وإنما هو الذي يرمي إلى إيقاظ الوسنانين من سباتهم في المغرب وعملته بالذات الذين لم ينتفضوا يومئذ على سراق جهدهم، فكان "علي" وأمثاله يبدون مسيرة وعيهم بداية من العمل في الطاحونة ثم الانتقال إلى مجال الدباغة تلك التي مع ما تدره من أجزل المردود على أرباب العمل فإنها بالمقابل لا تحقق شيئاً يذكر لأولئك الذين يقضون جل وقتهم في هذه الصنعة الشاقة التي تنجز بهذه الوسائل الأولية من نقع للجلود في الماء الآسن إلى إزاحة القشور بالأيدي إلى التجفيف بواسطة بثور الخشب الذي لا تتحمله الأيدي إلى السير على الأقدام من دون أحذية عند نشر هذه الجلود وتحمل أدى الأحجار المحرقة، على الرغم من أن العمل الذي يقومون به هو في ذات الصناعة، بالعامل علي وغيره يعيشون العذاب مرتين، حين تفرضه الأقدار أن يشهد ومن خلال العمل ما هم في أمس الحاجة إليه فمع طحن القمح دون حمل الدقيق إلى البيت ولا حتى الخبز، ومع دباغة الجلد مع المشي بدون نعال، بيد أن هذا الواقع المزري لا يذهب سدى، فعبر هذه المعاناة المهنة وهذه المكابدة الشاقة يبدأ الوعي فيتشكل داخل عقلية الشاب ومن كان في رفقته ما أنتج تلك المفارز التي شرعت في تنظيم صفوف العمال في بعض النقابات التي ما لبثت أن صارت جزءً من الحراك السياسي الذي مثلت "فاس" أحد مراكزه المؤثرة بما توفر لها من مقومات القيادة القديمة والجديدة، وهو وعي لم يتكون بين يوم وليلة ولا بمعزل عن غلظة أرباب العمل الصغار، فمن لم يكن لهم من الكابح ما يحد من ظلمهم الذي لا يتوقف عن الإساءة تلو الإساءة لهؤلاء الذين تضعهم الأقدار بين أيديهم فيوظفون لديهم قوة عملهم فلا يكون لهم من شاغل سوى المزيد من الاستغلال والمزيد من الإغلاظ  في القول بل والضرب باليد، لا فرق بين دار الدباغ التي وفد إليها " علي " أخيراً أو الأخرى التي كانت بداية حياته " طاحونة المعلم عبد القادر " فكان أن أثار الواقع هنا والواقع هناك ما بدأ يساور العملة من الأسئلة المنبثقة عن واقعهم السيئ أن في عدم قدرة الأجرة على توفير الاحتياجات الضرورية , وعدم وجود أي وقت للراحة التي تسهم بالعلاج عند المرض الذي قد يطالهم ومن حولهم من الأمهات، فيكون هذا الواقع في عمومه محفزاً لعلي ومن حوله من العملة إلى الحديث عن ضرورة الاستفادة من تقاليد أصحاب العمل أنفسهم وما يلاحظ عليهم من دوام التلاقي والتشاور الذي تشي به أنواع التعاون الملحوظ وكذا شيوع التضامن الظاهر، فتتحول لقاءات دار الجلد بالنسبة للعمال إلى حديث لا يتوقف حول وجوب التعاون وكذا التآزر بين هؤلاء العاملين لما ينتج عن ذلك من تصليب عودهم ورفع سقف مطالبهم أمام هؤلاء الذين يقتاتون من فائض قيمة ما ينتجونه كعمال، فيتخلق ذلك الحوار المتعلق بحجم المعاناة التي يعيشونها وما تؤدي إليه من زيادة في مستوى الوعي المرة تلو المرة حتى أن احتفالات مولاي إدريس التقليدية في مدينة فاس وما يرتبط بها من الموائد الغنية بأشهى المأكولات وفوائضها الكثيرة التي عادت ذات يوم إلى بعض البيوت ومن بينها بيت علي وبالأحرى لوالدته، فإذا بعلي هذا لا يتردد في الإعراب عن مشاعره نحو فداحة الظلم المتعلق بالتوزيع، إذ أن أولى الجاه أكثر من غيرهم حظاً من هذه وغيرها، ممن لم يكن لهم من مبرر لما توصلوا به سوى ما جبلوا عليه من الفهلوة، مما يجدد الكثير من صفحات الرواية تحمل التفاصيل الضافية والرامية بدون شك إلى تعميق الوعي بصدد هذه المفارقات لتكون المواقف من الصراع أكثر إيجابية .

لقد تطورت شخصية علي وهو يواصل مشواره في العمل عندما وجد فرصته في مصنع الجلد بدل الاكتفاء بدبغ، كما استشعر ذات المشاعر وهو يعمل في مجال النسيج ويحمل أكياس القطن والخيط بعد أن كان يقضي الساعات الطوال في تلك المواد البدائية النتنة وهو يقتات على الدبغ، فقد أصبح عاملا مهنياً بعد أن كان دون ذلك، ومع أنه قد أفلح في أن يدفع العمال إلى البدء بالصلاة على النبي وهم يفتتحون يوم عملهم طبقاً لتقاليد المسلمين، إلا أنه لم يتردد في المسارعة بتعلم اللغة الفرنسية كي يخاطب بعض المسئولين الفرنسيين بلغتهم وهم الذين كانوا يشرفون على هذا النوع من المهن، وقد تزامن من ذلك كله مع الانغماس في النشاط النقابي والمشاركة مع الآخرين في حركات الأحزاب الذي ما لبث أن طرق الحياة الاجتماعية الجديد، وانصرفت إليه بعض المجموعات العاملة، على الرغم من شدة المفارقة التي بادرت بها القوى القابضة والمقتاتة على ظلم العمال وحرمانهم من أي شرط من شروط الحياة السليم . لقد اكتسب علي ثقته بنفسه كعامل صاحب اختصاص غير أنه ظل يكابد النظر إليه كعامل من الدرجة الثانية لأنه مغربي و المسؤولة عنه إدارياً وقد كانت تعطف عليه بعض الشيء فرنسية ، لأن الناس في هذه المرافق يعاملون على جنسياتهم وكان ذلك يثير لديه شيئاً من التحرج وهو تحرج تضاعف عندما كان يفكر في وجوده تحت إدارة امرأة (مدام باوليني)، لقد أتاح له هذا المنعطف الانفتاح على آفاق جديدة بها الكثير من الفاعلين والكثير من التطور في عديد المستويات مما رفع من درجات وعيه وفاعلية موقفه، ولكن في الحد الأقل من الناحية الفنية بحسب قراءة الزمن الذي شهد طباعة هذه الرواية، وما ذلك إلا أن الأستاذ غلاب الذي عانق الحياة في العشرية الثانية من القرن الماضي وانخرط مبكراً في العمل الوطني المغربي ما كان له أن ينشغل بأكثر من مخاطبة مواطنيه في المغرب بما توصل إليه من الاستيعاب للنصوص الإبداعية العربية والعالمية، فهو أولا وأخيراً معني بمخاطبة أهله ، وأهله سيقرؤون له على أي صيغة كتب ، ما بالك أنه لم يخفق في إنجاز نصه التسجيلي والمنحاز إلى الوطن الذي كان في مقدمة من لم يتخلفوا يوماً عن تقدم صفوفه



 

امرأة ورجل

للروائية البحرانية فوزية رشيد

أمين مازن

أجدني مطالبا قبل المضي في إعداد ورقتي هذه عن الكتاب المعنون بامرأة ورجل للروائية البحرانية فوزية رشيد، والذي حمل الرقم الخامس عشر بعد المائة ضمن مختارات فصول التابعة للهيئة المصرية للكتاب، بأن اذكر نفسي وغيري ممن تهمهم معرفة أخبار المشاهير العرب من المثقفين والمثقفات الذين كان لنا شرف التعرف عليهم في عديد الملتقيات العربية والتي لم تكن ليبيا شحيحة في تنظيم الكثير منها، وكذا إيفاد الليبيين لحضورها بتنظيم منها خارج الحدود ونوعية التعاطي الذي تم معها وحجم الهامش المتاح للتحرك فيها حين يوجد من يحسن استثمار هذا الهامش على الأقل بالحفاظ على الحد الأدنى من سوء الأداء، وقد أقول الانحراف.

لقد التقيت على الصعيد الشخصي فوزية رشيد هذه وقريتها يومئذ المثقف والراوي البحراني عبد الله خليفة، أثناء انعقاد المؤتمر الخامس عشر للأدباء والكتاب العرب الذي انتظم في مدينة بغداد وفي خضم اشتداد الحرب العراقية الإيرانية وما أدت إليه من انقسام في الوطن العربي وأنظمته تحديدا ولم يمعن يومئذ على استلامي مسؤولية رابطة الأدباء والكتاب الليبيين سوى أشهر محدودة، وكانت الظروف المحيطة بالغة الصعوبة ولاسيما على الصعيد الرسمي العربي ، حتى أن السلطات السورية لم تتردد في منع الأمين العام لاتحاد الكتاب العرب على عقله عرسان من حضور المؤتمر المذكور وكذا نائب الأمين العام يحي يخلف الأديب الفلسطيني المقيم في دمشق ، مما حدا ببعض الاتحادات أن تطرح فكرة التمديد للأمين العام المذكور تجاوزا على قانون الاتحاد، ويومها رفض هذا التوجه واختير الشاعر حميد سعيد للمنصب المشار إليه لدورتين متتاليتين .


لقد استطعنا يومئذ أن نحصر مهمتنا في المسألة الثقافية التي هي موضوع المؤتمر كما أن السلطة العراقية من جهتها استثنت ليبيا من ذكرها بالاسم ضمن القوى المعادية للعراق المدعومة من أكثر العرب، فبدأ موقفنا يحمل الكثير من المرونة، إذ باستثناء الاكتفاء بتحية العراق الدولة والشعب دون ذكر الرئيس كان كل شيء خالياً من عوامل التوتر مما كان له الأثر في وقت لاحق في دعوة المؤتمر المذكور للانعقاد بطرابلس، حيث كانت فوزية رشيد ضمن الذين دعوا بشكل شخصي لأشغال المؤتمر. وقد كانت يومئذ ضمن الذين دعوا إلى الخيمة فكانت من ذوات الموقف المعبر عما لدى بعض الأدباء والأديبات العرب من تمسك بالثوابت وترفع عن أي مر من المغريات، وقد تسنى لي وآخرين مثلي بدون شك وبفضل هذا النوع من اللقاءات التواصل مع بعض ما أنجزت هذه الكاتبة من روايات وقصص ونص بين هذا أو ذاك كهذا الذي وسمته " بامرأة ورجل " غير أنني قبل الحديث عن الكتاب لن أنسى الإشادة بما وفره الأستاذ جاد الله عزوز الطلحي من موقعه في مكتب المعلومات من حرية التحرك للوفد المشارك في أشغال مؤتمر العراق عندما اكتفى بالقول في معرض الرد على المشورة الملزمة أن ليبيا وحدوية، فلم يوجه بما يجب أن يقال ولم يسأل عما قيل بعد ذلك .

ومما لا شك فيه أن الراوية كانت متعمدة حيث لم تجنس كتابها هذا الجنس أدبي محدد عندما دفعت به إلى النشر وطلبت منها ، ربما بين منشورات فصول ولم تزد على تقسيمه إلى ثلاثة عناوين رئيسة : الحواس والصراع .. نصوص الذي في الذاكرة ، نصوص القضاء والحب والجسد، تفرعت منها بعد ذلك اثنا عشر قطعة نثرية متفاوتة الطوال، فالكتاب إذن ليس مجموعة قصصية وليس كذلك مما ينسب مباشرة إلى جنس الرواية، وإنما هو من ذلك النوع الذي يمكن أن يطلق عليه النص المفتوح أو الحر، إن شئنا، إلا أن السرد يؤلف بين مفرداته مجتمعة فتجئ على هيئة مسبحة بمنظومة في خيط واحد، ومتكاملة كذلك في نفس واحد، وحسبها أن دخلت مختارات فصول تلك التي رأسها في ذلك الزمن ووضع اسمه على جميع منشوراتها الدكتور عز الدين إسماعيل .

ويمكن المجازفة بالقول إن الراوية وهي تقترح بدءً ما أطلقت عليه ذلك الألفة، إنما تتوق إلى تحس تلك اللحظة التي قد يتكفل بها لقاء مفترض، يبدأ من ذلك الذي يعرض عليها التخلي عن المقعد، حين لاحظ جلوسها فوق حاشية المقعد، بدافع الظهور أمهامها، كامرأة لذي ذوق رفيع متخيل أو تطلع إلى تواصل يمكن تطويره من خلال اللحظة، فالموقف يحتمل الاحتمالين، والحاجة سيدة التفكير وهي سلطة الموقف بالنهاية .

ومن هنا لم يستطع ستار الليل الذي خاطب خيالها وهي في ذات المكان ولا رائحة الأشياء أن تذهب بعيداً بها، فكان لا مناص من أن سألها لاحقاً عما إذا كان في الإمكان أن يتم التعارف، وأن تترك السؤال برهة وجيزة، فقبله وجد الكثيرون الذين لم يخفوا إعجابهم وهي تقابل ما تسمعه بالموقف الموارب، فثمة في حقيقة الواقع المعاش ما يدفع نحو الاثنين، ومن ثمة فهي لم تكترث بذلك الذي قال لها في ذلك المساء " أنك لست أكثر من عجوز سمجة " أو ما يقرب من هذا التعبير فما يسكنها هو ذلك الزمان الذي أجبرت عليه حين واجهت اللهفة القصوى للفحولة، مما جعل ردها عند السؤال الذي وجهته الوالدة بشأن ليلتها الأولى بالقول صراحة إن هذه الليلة لم تكن لها لتجد ي صاحب العرض ما أضافه بأنها تحمل ما تبقى من براءة العالم، فتعين أن تسأل شبه محتارة عما إذا كان يريد السخرية، ومن دون أن تكترث برفضه وكذا ما أردفت من ثقته بأنها ليست جبانة، فتاقت إلى قضاء مساء مشترك من أجل حديث قد يطول وقد يقصر، إذ الشرط الوحيد أن يكون سليماً من عاهة الترتيب المسبق، ليبرز في نفق يوقد شيء من الضوء، والغريب كما تعشمت يريد أن ينسيها سراديب الوجه المترهل في الأصباغ ويذهب بها إلى الدهشة للتعبير عن براءة رائحة أتضح أنها لم تفقدها بعد، ليأتي في احتدام اللقاء ما يؤكد أنها لن ترفض الدعوة، مع أن القلق سيد الموقف ورفض الموجود هو المهيمن على المخيلة، فقد فشلت المؤسسة فشلاً ذريعاً، لأنها لا تخضع للتغير وتجئ برتابة تطفئ الأشواق ، فما الذي سيأتي به الحصاد أكثر من الزيف بين الملموس والمحسوس بين الممارسة والكلام .

وهكذا نجدها تذوب في بحار التيه والغضب أو المشاكسة، لكنها في كل الأحيان تدفع بقلق الوجود في لحج لا حدود لها، تبحث في كل شيء في أي شيء، ترتهن بالأحلام وتحيلها إلى أحجيات حارقة و عطاءات سخية، تصيخ لهمس الفخاخ المنصوبة وتتواري خلف تلال من الأجنحة المهيأة للطيران، للصعود فوق الكلام بالصمت، تطاردها الدسائس وشهوات الفرسان الذين ينتمون لثقوب الأرض ويمرحون في الوحل، تداهما الوحدة لكنها تفضل العزلة وحوار الجدران، تصغي للنداءات ولا تسمع، ودون أن تلتفت للأوكار الموبوءة تبنى عنها الخاص وتلوذ به مساهمة في كل مساء قال وقال بعد ذلك وقالت وقالوا ...

لكنها لم تكن تجيب ، كانت تمسك المعنى في الحواس كلها وتدخل لها مساحات فسيحة من البراءة والوجه الخالص حتى الذوبان، مسحورة هي بزهو الحصان وانطلاقاته العاشقة تتداخل مع العذوبة، وتكتسح جدران الصلف الأسر في كل ما حولها، وعندما كانت تنظر إليه أو ينظر إليها تصحو البذرة السديمية في الكون وتعلن شموخ الشجرة فيهما ثم الغابة، تجرد الفتى من كل ما تعتبره نقيصة أو قبحاً اغتسل في مياهها المسحورة فغدا كالبجعة بياضا، كان ما خوذا بها كانت مأخوذة به، ومن كل حدب تتوافد رسل الغابات المعطرة، ومن كل صوب تتفتح بوابات البحار والفضاء، لكن هذه الجنة لا تدوم طويلاً، إذ يدخل الفتي الأرض الفسيحة بالقبح والنميمة ليخرج من فلوات القول السخيف بنصوص في متاهة البشر العاديين ويتجرد بالتدريج من حصانه الطليق ويحبس حركة الهواء وحرية المياه، فيأس، يأسن الهواء، يأس الماء .. يأس هو، يغادر الفتي مملكة من الجمال لم يستطع أن يتحملها.

هكذا قال وهكذا تجاسر عنوة على الحب وقتله !

وهكذا أولجت هي زمنها الخاص الذي لم يعد كما كان أبداً ..

هناك شرخ كبير حدث في جدار الزمن ..

كانت الطعنة مباغتة ..

الدهشة تتقلب على ذاتها ..

والحزن كبير ..

أكبر من أن تبوح به لأحد ..

والملاحظ أنه باستثناء نصوص ثلاث فإن جميع النصوص حملت تاريخ التسعينيات من القرن الماضي و إوائها تحديد أو هي الفترة التي شهدت على الصعيد القومي والعالمي جملة من المتغيرات الكبيرة، ليس خارجها سقوط سور برلين وانفراط عقد المجموعة الاشتراكية، وفي الوقت ذاته كان الاجتياح العراقي للكويت وما ترتب عليه من الحرب التي لم تكتف بإخراج قوات الاجتياح من البلد المذكور وإنما تدمير العراق بالكامل، وكذلك كانت الحرب الداخلية اليمنية التي شهدتها اليمن الجنوبية ثم دخول هذه مع الشمال في الوحدة التي كرست الحكم الشمولي وأتت على جميع مظاهر التعددية، مما يعني أن هذه النصوص التي سطرها قلم فوزية رشيد أنما هو نتاج المرحلة المذكورة ، وأن الكثير مما حملته النصوص قد لا يخلو من الرمز الذي تجاوز الذات والذي ينطلق نحو المرحلة الأكبر، فالحرية أي حرية والحب أي حب كثير ما يتجاوز المعاني القريبة ليعانق تلك التي تتخذ من الخيال ومن التمرد والخروج على المألوف نوعا من الدفاع أو المقاومة أو رفض مظاهر الإحباط ولا غرو فهل كانت الرومانسية الأوروبية أكثر من كونها تعبيراً عن رفض ما سبقها من المراحل التي سادها العدوان المقيت على حرية الناس بل والتجرؤ على ظلمهم واستباحة حقوقهم على أكثر من صعيد، وهل كان التطلع نحو المحبوبة عندما يتفاقم ظلم الديكتاتوريين والحلم بالتواصل معها أي المحبوبة، سوى تلك الحرية الغالية، وهل كانت الثورة يوماً سوى ذلك الحلم الذي يراهن على الأمل في أشد لحظات الألم , ومثلما يسهر المؤمنون في شهر صومهم متمتعين بما أحل الله لهم حتى يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، فإن الكثير من المناضلين الشرفاء يقضون ليلهم مراهنين على بزوغ ذلك الفجر، ولو لم يكن لهم سوى الحلم والتخفي خلف الغزل الجميل

برج السعود

للكاتب المغربي مبارك ربيع

أمين مازن


يعود تاريخ هذه الرواية إلى تسعينيات القرن الماضي، إذ كانت النسخة موضوع هذه المقاربة موسومة بترتيب الطبعة الأولى، وكنت قد توصلت بها ضمن مجموعة من كتب مؤلفها الصديق مبارك أثناء المشاركة في أشغال المؤتمر العام للأدباء والكتاب العرب الذي ألتام في مدينة تونس 1990 تلبية لدعوة تقدم بها نيابة عن الحكومة التونسية رئيس اتحاد كتاب تونس المرحوم الأستاذ " محمد العروسي المطوي" قبل ذلك التاريخ بسنتين، أي عقب ما أطلق عليه يومئذ تحول السابع من نوفمبر الذي تم فيه حسم الصراع حول خلافة الرئيس الحبيب بورقيبة لصالح زين العابدين بن علي، الذي كان يشغل منصب الوزير الأول (رئيس الوزراء)، و ينص دستور تونس على حقه في استلام المنصب المشار إليه حالة عجز الرئيس أو موته، وقد تم اعتماد العجز بقرار طبي أمضاه عدد من الأطباء، واعتمدته القوى الدولية المعنية باستقرار تونس، حين بادرت بالاعتراف بالعهد الجديد . وقد تزامن المؤتمر المشار إليه مع انتهاء ولاية الأستاذ " حميد سعيد " الذي فرض قانون الاتحاد ضرورة تغييره، فتعين اختيار العروسي المطوي للأمانة دون أي مناقشة، باعتباره مرشح البلد المضيف للاتحاد . كما أن تونس هي مقر الجامعة العربية ومنظمة التحرير الفلسطينية، أما أهم الاعتبارات فلما يتوفر عليه المطوي من حسن التصرف وعدم الانخراط في الصراعات العربية، وتسرب ما أكد أن العروسي لن يكون ضمن كوادر بن علي، فتوجب أدبياً أن يكرم عربياً ويفسح المجال لمن قد يكون أوفر حظاً وأقدر على التعامل مع المستجدات، وقد تعلمت شخصياً من خلفيات هذا المؤتمر ما لدى العروسي المطوي من الخبرة حين لم يقدم فكرة عقد المؤتمر بتونس إلا عندما لاحظ عدم أحقية الأمين العام بالتقدم لشغل هذا المنصب من جديد، وهو ما لم أتفطن إليه شخصياً عندما تبنيت فكرة تنظيم المؤتمر في دورة سابقة بطرابلس، وكان للعراق الحق في المطالبة بالتجديد، ففي ذلك المؤتمر أرادت بعض الأسماء المتخذة من التناحر الليبي العراقي سبيلاً لتحقيق مطامحها في تصدر المشهد الثقافي العربي من خلال نافذة اتحاد الكتاب العرب وما في حكمه أن تتبنى فكرة إزاحة "حميد سعيد" وهو توجه رفضته بكل ما توفر لدي من القوة ، ولم أقف على أي توجه رسمي في الخصوص، اللهم إلا من يمكن وصفهم بالمصطادين في الماء العكر، أما الذي رجح كفة الأخذ بهذا الخيار فمرده على ما أثبته الأستاذ حميد سعيد من حرص على تمكين الأدباء الليبيين من إدارة شؤون مؤسستهم بأنفسهم وعدم اتخاذ أمانة الاتحاد العربي وسيلة للوجود الرامي إلى تقزيم العنصر الوطني، ولاسيما عند العودة إلى شغل المقعد الثاني بالاتحاد المذكور التي كانت قد تمت في المؤتمر الحادي عشر الذي شهد إقصاء الأستاذ " يوسف السباعي" الذي ظل محتكراً للموقع بل واتخذ منه سنداً للبقاء الدائم على رأس اتحاد كتاب مصر، بل وآسيا وإفريقيا، حتى لقد أطلق عليه معارضوه من المصريين " سكرتير عموم مصر" والمهم أن اتحاد الكتاب العرب ومنذ أن ألت رئاسته إلى العراق وفي شخص " حميد سعيد" بالذات أصبح خير عون لتصليب عود الكتاب الليبيين، على الصعيدين الوطني والقومي، ذلك أن الخطاب الثقافي عقب ذلك المتغيرات يشق طريقه في ثقة ملحوظة، وكان الخط الوطني كثيراً ما يفصح عن تميزه بين مختلف الأصوات ولاسيما تلك التي استمرأت لغة الهتاف وامتهنت لعبة السباق نحو تأييد المطروح إلى الحد الذي ليس فيه إلا ما يجرح النفس ويمس الكبرياء ، وقد كان ذلك كله موضع تقدير الكثير من مثقفي العرب وكتابهم الذين لم تخف عليهم طبيعة الظروف وحقيقة الصراع المستمر لتوكيد الخصوصيَّة ولو بالحفاظ على الحد الأدنى من الأخطاء وبالأحرى الخسائر .

وكان الكاتب قد أنجز قبل روايته هذه، أربع روايات أخرى حملت عناوين : الطيبون .. الريح الشتوية .. رفقة السلاح والقمر .. بدر زمانه " فهذه الرواية إذن تعتبر الخامسة في مدونة ربيع الرواية إلى جانبها بالطبع مبارك ربيع يعمل في الأساس بالحقل الجامعي، وقد تقلد أكثر من موقع إداري، وقد قوبلت روايتاه الريح الشتوية ورفقة السلاح بقسط وافر من اهتمام الدارسين والنقاد مما وثقت " مجلة أفاق لسان اتحاد الكتاب المغربيين" ولاسيما عند بروز المناهج الحديثة في النقد وعلى رأسها البنيوية التي طبعت معظم الدراسات الأدبية في القرن الماضي وبالأحرى الحقبة الأخيرة. وقد جاءت هذه الرواية مستفيدة من مرحلة تاريخية معينة وواقعة جمعت بين ما يشبه الأسطورة والحقيقة، مما حدا بالراوي أن يشير على هذه الجزئية عندما استهل كتاب بما أطلق عليه ما قبل الكلام، ودام من خلال ذلك على ما يبدوا أن سلط ما لديه من الأضواء على الحادثة المذكورة التي استفاد منها، وهو ينجز نص ويبذل الجهد الملحوظ لتجويده ، منطلقا من الحقيقة القائلة ما من الراوي خلاف المؤرخ غير محمل يعني التجديد والتتبع التاريخي الوثائقي وبالذات إزاء الأحداث المندثرة كتلك المتعلقة بالبطنية التي اجمع أهلها على أكل الزعتر أثناء مقاومتهم للأوبئة التي تعرضوا لها في العقدين الأولين من القرن الماضي تحديداً، والمهم أنها صارت أخيرا منطقة جذب بالنسبة للكثير من الدارسين والباحثين والزائرين والمغامرين وراء الثروة، وهي على أي حال بحسب الراوي غدت في حكم العادي من الأمور، ولم يعد هناك ما يدفع للنظر إليها كحالة منفردة، ولا شك أنه بهذا الواقع قد اتخذ من المتداول عنها شعبياً ما غذى مخيلته ووفر له أسباب إثرائه.

وربما تفضي القراءة غير المعقدة، وغير المتعالية على النص أو المستعينة عليه بواسطة الأحكام المسبقة أو تلك المستخلصة من مرجعيات أخرى كثيراً ما تختلف كل الاختلاف عن معطيات النص الميسرة وليس الأخرى المتعسفة، إن الرواية وعبر الأربعين لوحة التي هي كل محطاتها، وكذا الشخصيات المتنوعة التي كونت جمهورها، والواقع الذي قد يكون تحديده منطبقاً على المنسية وحده أو أنه قد رمز إلى الفضاء الجغرافي الأكبر قد عني بأول شروط القص المطول ألا وهو تحقيق الحد الضروري من المتعة أو أن حظه في هذا الصدد قد كان جيداً للغاية، فعبر هذه الخلطة من الشخصيات المتفاعلة بما هي عليه من التجانس والتناحر في الآن، والجامعة بين الأنثى والذكر، الجليل والحقير ، الفقير والميسور ليتمكن الراوي من الإمساك بقارئة فيبدو دائب المتابعة له، وربما محاولة القراءة لمسيرة أحداثه وبالذات تلك التي طبعت الحياة العربية في أوائل القرن الماضي حيث كانت الأمة سادرة في غفلتها عن الكثير مما كان يجري حولها ويحاك لها، وغير منتبهة أيضا إلى عديد الأسئلة المطروحة بصددها ونالت المزيد من اهتمام الآخر وشغلت عقليته بل ووسعت مخيلته وإذا بها تتحول مع المزمن إلى سياسيات تمارس ومخططات توضع ومشاريع ترحل ، فيما كانت بالنسبة لنا وللمنسية نموذجا لأكثر أي اهتمام، بل أنها تبقى رهينة السخرية والاستهزاء ، وأخيراً الإهانة حتى أن – الريطي – الشخصية الأولى في الراوية ، الأسطورة التي استهل بها ربيع روايته وختم بنهايته نهايتها وهو الذي بأن أول من حاول أن يثأر لذلك المجتمع، بالطريقة التي رآها ظل يلاقي ما يلاقي حتى كانت المراحل الأخيرة من حياته، عندما استطاع أن يخرج لهم ملابس ذلك الذي أودى به الثأر ذات يوم ، غير أن المتعة التي أومأنا إليها لا تعني أنها كل ما ابتغاه الراوي ، فالنص في مجمله ينحي ذلك المنحى المعادي لكل ما يمت إلى الظلم الاجتماعي بصلة ، وثمة من الشخصيات الروائية من لا يخفي تبر من استسلام سكان البطنية إلى ذلك الجحود القاتل الذي يجعل القوم عاجزين عن القيام بأي عملية من شأنها الخروج بهم من دينا الخرافة وأسباب التخلف وبالذات من كتب له أن يتغير على الآخر وما حققه من التطور في مجال التفكير العلمي الذي يبدأ في أحيان كثيرة بالحلم والخيال وعمق التمسك بالتراب على نحو مظر في شخصية الريطي الذي دفع من حياته أكثر من ثمن وحفظ في شخصيته الغامضة أكثر من سر ، ومع ذلك فقد كان موضع سخرية من معظم أبناء تلك المنطقة ولاسيما بعض نسائهم على وجه التحديد حين عن له أن يبدي نحوهن شيئاً من الرغبة التي لا يخلو منها قلب رجل من الرجال ، والواقع أن الراوي وبصدد هذه المسألة البشرية بالذات أفلح في أغناء نصه بالكثير من الأقوال والأغاني الشعبية التي يستطيع كل من يقرأ كل أو بعض هذا النص يخرج بذخيرة كافية عن طبيعة الحياة وأنماط التفكير وطرائف التعبير .

امتازت الرواية بحرص ملحوظ على تجويد الأسلوب بما حافظة عليه من جمال اللغة من حيث البعد عن العبارة المستهلكة ، وكذلك التخلص من الأخرى المتكلفة ، كما اغتنت في مواقع كثيرة بالقدرة الملموسة في دقة الوصف عند التعبير عن أحوال الشخوص ومواقعهم وما تعرضوا له من ظروف الدهر ومن بينها ما يتعلق بتجربة السجن التي طالت بعض النماذج ، فوجب تتبع أحوالهم داخل تلك التجربة المريرة ومثل ذلك مواقف الناس منهم وحديث الجمهور عنهم ومن ثم وصف المشاريع التي أبديت حولهم، الأمر الذي يجسد حجم الجهد المبذول في التجربة التعبيرية ويفتح الأبواب للمزيد من التأويلات القائمة على الشواهد . ولأن ذلك قد يتعذر التفصيل فيه فمن الممكن الإشارة هنا إلى ما سبق في النص بشأن المرض الذي أصيب به عمار وما لاحقه بشأن احتمال وجود شيء من العدوى المقيتة والشيء نفسه بالنسبة لما ترتب على استدعاء حميد للتحقيق وما أدى إليه من شيوع مشاعر الحقد وأثاره الغيظ، فقد كان أخر ما خامر تفكيره أن تحوم حوله شبهة القتل ! فإذا ما توقفنا أمام أحوال النساء ومشكلات الزوجات المتعددة مع الرجل الواحد ، أوضح النص كذلك عن جهد ظاهر للذهاب بالملتقي إلى تلك العوالم وما يحور داخلها من صراع بين بنات آدم وما هن عليه من الكيد والكبد العظيم، ويبقى نشاط عمار مع المركز الأوروبي والأحداث وملابساتها ، وأخيراً كيفية تعامل الناس مع ما جرى ويجرى كل ذلك دون إهمال الحقيقة القائلة بأن أي حديث يتوقف عند نص واحد حين تتعد النصوص لذات الثابت سيبقى في حادة إلى المزيد من المراجعة والتأني سلبيات في ذلك أو إيجابياً


بروكلين هايتس

رواية ميرال الطحاوي

أمين مازن

يفضح هذا النص، من أسطره الأولى عن هوية منشئته كواحدة من أجيال ما بعد الحداثة، حين صار التواصل الاجتماعي وآلياته المحدودة في شبكة المعلومات وركيزتها المتمثلة في محرك البحث العملاق " غوغل " بمثابة منجد العصر القادر على توفير الأجوبة المطلوبة حول كل سؤال يتصل بالعالم الذي صار بحكم هذا التطور المعلوماتي قرية صغيرة، لا تغادر كبيرة ولا صغيرة تتعلق بمجريات الأمور إلا وتتحول إلى وثيقة مصورة ومكتوبة ورهن من يتقدم لطلبها، مما جعل " هذه الشخصية الرئيسة للراوية ميرال الطحاوي " في تأمين سكنها قبل أن تخرج من مسقط رأسها ومحل إقامتها عندما اختارت المضي نحو المهجر حاملة معها ما رأت ضرورة حمله من الأشياء ، وكذا ما اختزنت من الذكريات، لتحل هناك مرفوقة بطفلها الوحيد الذي لم يعد لها من رابط بالوجود سواه، فوفر لها ما كانت في حاجة إليه من الارتباط، ولو كان على هيئة هذه الطلبات التي بدأ بها قبل أن تتمكن من الولوج إلى حيث الإقامة، ومن دون أن يدرك حجم الالتزامات وربما الاحتياجات التي يستوجبها ما أفصح عن رغبته بصدده، فالأطفال في مثل سنه وبقدر ما يضيفون إلى ذويهم من السعادة، فإنهم يحرجونهم بما يبدونه من الطلبات، غير أنه الإحراج الذي لا يستشعر ما فيه من المزج بين الفرح والترح سوى من حرم من زينتهم، ولاسيما حين لم يتزود بالإيمان الكافي بأن الباقيات الصالحات، وهي على أي حال انحت إلى طفلها بما تريد أن يفهم من ضرورة استشارتها قبل أن يمد يده لأي شيء معروض هناك قبل ان تؤمن الثمن المطلوب، ولو أن الطفل ظل يقول في براءة ظاهرة " أن طلبت أيه يعني ! بمعنى أنه لم يطلب ما يستدعي لفت نظره ، فالسندوتش والمشروب وحتى المثلج حسب السرد، أقل من القليل .

يحيطنا الحكى، مبكراً أن النص يمثل سيرة هذه المرأة التي أقدمت على الهجرة إلى القارة الأمريكية، مستفيدة من دعوة أمنها لها زوجها الذي سبقها إلى هناك بعد سلسلة من الخلافات والمصاعب، حيث من الممكن القول إنها رحلت وهي شبه مطلقة، غير أنها استفادت من هذه الدعوة إذ بدونها قد لا تتمكن من تحقيق ما ذهبت إليه من حيث حدت الهجرة وكذا الإجراءات التي هيأت لها سبل التحرك السريع لمجرد أن وطأت قدمها ذلك العالم، فكانت مؤمن لإقامتها بيتاً ووسطا وتأهيلاً وحرفة من العلاقـات الشخصية التي يسرت للراوية أن تحشدها لإنجاز هذه التجربة الـتي جــاءت حسب سامية محرز " علي صفحة الغلاف " متشكلة من مكانين قد يبدوان في البداية مختلفين متباعدين بل متعارضين، إلا أن التفاف الكاتبة الثاقب لتفاصيل الفضائيين سواء على مستوى رسم الشخصيات أو استخدام اللغة وتوظيفها واختيار النبرة والإيقاع، وهي العناصر التي ساهمت في إخراج هذا العمل، شديد التميز. وقريباً من هذا المعنى الفقرة المجاورة والمذيلة باسم الناقد المغربي محمد براده ، فيما تضيف السيرة الموجزة أن ميرال الطحاوي هذه صاحبة بروكلين هايتس روائية مصرية تنتسب إلى جيل التسعينيات وربما تكون من أبرزهم، إذ تم اختيار روايتها الخباء كأحسن رواية لسنة 1996 وأنها كذلك أول روائية مصرية تحصل على جائزة الدولة التشجيعية لسنة 2000 عن روايتها الباذنجانة الزرقاء . أما روايتها هذه فقد رشحت لجائزة البوكر العربية، وأنها حصلت على جائزة نجيب محفوظ للأدب الروائي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة للعام 2010، وهي تعمل – حسب الغلاف – أستاذ مساعد للأدب العربي بجامعة نورث كارولينا الأمريكية، فهي والحالة هذه تجمع بين المستوى التعليمي والعمل المهني، من حيث التعاطي مع المكان، فإذا كان ذلك قد تم ولا نخال إلا أنه كذلك أثر تجربة عملية متداخلة فرضها على الأقل التكوين العلمي، إن لم تكن المتغيرات التي طالت الحياة المصرية في منتصف القرن الماضي وما بعده بقليل وفرضت على بعض الطبقات الخروج من مصر ليس فقط بدافع الدراسة بل والعيش على ناتج العمل الشخصي . وقد نقول الموقف المتحدي . كما يلوح من بعض تفاصيل الشخصية المحورية في النص " هند " المنحدرة من ذلك الوسط السياسي النخبوي الذي تشكل منه الكيان السياسي المعروف بحزب الأحرار الدستوريين والذي كان شأن السعديين والكتلة الموصوفين بأحزاب الأقلية من حيث القاعدة الشعبية، ممن كانوا جميعاً موضع استقطاب بالارستقراطية السياسية، طبق كبار الملاك الذين دفعتهم حركة ثلاثة وعشرين يوليو 1952 . كما كانوا يسمونها إلى اعتزال الحياة السياسية بما أصدرته من أحكام اقصائية أو دأبت عليه من ممارسات تحت نحت ذات المنحى إلى اعتزال المشاركة في أي نشاط، والاكتفاء بالمراقبة أو البحث عن العيش في أمصار أخرى، إن لم يكن لهم ككبار، فعلى الأقل لمن خلفهم من الصغار ، فكان أن ولى هؤلاء وجوههم شطر المشرق والمغرب بحثاً عن حياة أكثر أتساعاً لما يعتقدون من تصورات وأفكار وأمنيات ، ولو كان ذلك في ظروف عملية أكثر صعوبة من حيث العيش ، الأمر الذي نقف عبر هذا النص على الكثير من تفاصيله منذ الفصول الأولى مما بذلته هند المذكورة وبجانها طفلها من جهد عضلي كي تحقق ما كانت في حاجة إليه من أدنى المستويات الحياتية، ولكن ربما بأدنى نسبة من الأخطاء الأخلاقية بالقياس إلى ما ينجر إليه أمثالها من اللأي يعجزن عن الاحتفاظ بالكثير من التوازن الذي يبد وأنها قد طفرت به ، وهي تسرد أحداث تجربتها بهذه الحيادية التي لا ينال منها أدعاء القداسة كما ولا الارتماء في الدرك الأسفل ، فهنا كل شيء عملي ، ليس فقط دراسة اللغة مثلاً أو الحصول على لقمة العيش ولا التعاطي مع هذا الخليط من الجنسيات ، بل وحتى الخلوة التي تفرضها الحاجة والتي نجدها تدفع لا تجد غضاضة في ترك ابنتها لهند ، لتدفع من جسدها ، ربما ما كان يحتاج إليه أحد جيران هند هذه .

" تتعرف في دروس التأهيل المهني إلى كثيرين من العرب الذين جاءوا حديثاً من المغرب أو الجزائر وحتى من السودان واليمن ولا يتبادلون معها كلمة عربية واحدة يقولون لها إذا حاولت التحدث معهم بالعربية " أنا أتكلم اللهجة " وينخرطون في تبادل جمل إنجليزية ركيكة ويدعون أنهم لا يعرفون بعضهم على الإطلاق ، لأن العالم العربي واسع ومتعدد ومختلف ، ولا يشبه بعضه بعضا . "

يتعمدون هذا المسلك لأنهم يريدون نسيان ذلك الواقع القديم أو صدقوا أنفسهم أن ذلك سيتكفل بإزاحة ذلك الواقع من الذاكرة ، ناسين أن أوباما الذي كان يومئذ يخوض معركة الرئاسة بل وفاز أثناء أحداث النص لم يفكر جذوره الإفريقية من حيث العرق ، إذ كان من الذين آمنوا أن الانتماء لا تصنعه الأعراق بقدر ما تؤكده المصالح والمواقف ، فالأمريكان الجدد كانوا قبل أن يسموا أمريكيين ينحدرون من معظم الجنسيات الأوروبية واعتمدوا من لغاتهم الأصلية مجتمعة اللغة الإنجليزية ولكنهم لم يبقوا على هذه اللغة وبالأحرى يقرروا أن تجعل منهم بريطانيين يعمرون العالم الجديد وإنما صاروا أمريكيين يسعون إلى أن تكون لغتهم الإنجليزية هي الأخرى مجسدة للخصوصية الأمريكية . كما يؤكد الذين أدركوا حقيقة المستجدات التي غدت تطبع الحياة الأمريكية وممارسات الشعب الأمريكي وأجياله الجديدة بالذات . ومن هنا فإن هند عندما حاولت أن تفعل مثلما فعل أولئك العرب لم تستطع " لأنها تتعلق بالأشياء بشكل جنوني وأن كل ما أحبته يستعصى على النسيان ".

على النقيض من هؤلاء العرب الذين ينكرون أصولهم على هذا النحو وكذلك غيرهم من المثقفين الذين طالما غشيت أماكنهم هند باعتبارها واحدة منهم أو هكذا تخيلت فلا تسمع هناك أكثر من كلمة لا تؤاخذيني لم أفهم ماذا تقولين مما جعل العبارة تتحول إلى نوع من الجدد ... على النقيض من هؤلاء وأولئك يقدم الآخرون أنفسهم – كما يرد في النص بطريقة ابسط وأوضح مثل فاطيما المالية ذات الأربعة وعشرين سنة والقادمة من فرنسا والتي تعمل بائعة والروسية يمليا المرأة الكبيرة والمرافقة لزوجها والتي تشتاق لمن تتحدث معه وفريدناز الباكستانية ذات الاثنين وعشرين سنة والبوسنية نزاهات التي تعمل طبية ولها من العمر خمسة وخمسون سنة ، وكذا عاملة النظافة " دوليج " القادمة من هاييتي وفي عمر لم يزد على الثانية عشر ، وأخيرا السائق سعيد المصري القبطي الذي يعمل سائقاً لسيارة اليموزين .

فهم هؤلاء جميعاً تتواصل عند وتحقق القدر الكبير من التآلف وربما تبادل الخبرة على الرغم من أن هؤلاء كثيراً ما يتغيرون ويحل غيرهم جراء تطور الحياة وظروف العمل وبالضرورة اتــساع الفرص، غير أن التغير يبدأ من الطفل الذي يكتسب دوما المزيد من الخبرة ويبدأ يطرح الجديد من الأسئلة ، وقد نقول المسؤوليات كما يلوح من هذا الحوار الذي يجسد نوعية المستجدات وهو يوجه الأسئلة إلى والدته حين يمطرها بأسئلته، بشأن عدم تسريحها لشعرها وتوقفها عن وضع الماكياج ، لعدم اهتمامها بنفسها وألا تبقى حزينة وإن لم يخف خشيته من أن يؤدي ذلك ، إذا ما حصل إلى أن تتزوج وهو لا يريد لها أن تتزوج .

تمضي بها الحياة في واقعها هذا عبر الكثير من المحطات والهموم التي تستعين عليها بالمزيد من الصبر والمزيد من الإصرار واكتساب الخبرة من المحيطات والمحيطين بها الذين عرفوا ما تكفل به مهجرهم هذا من كثير الخدمات ، وعلى نحو خاص ما يتم توفيره من السلع الضرورية بأسعار منخفضة، سعل تشمل احتياجات المرأة والطفل والأدوية والعلاج والمواد الاستهلاكية التي تحتاجها المرأة على نحو خاص ، فمن امرأة تعرض على عند احتياجات الدورة الشهرية إلى أخرى تعرض عليها بعض الكوبونات المخفضة فيتضح من هذه العروض أن الذين يفضلون اللجوء السياسي وبالأحرى الاجتماعي إلى تلك العوالم إنما يدفعهم لذلك حجم الخدمات المجانية والتسهيلات المتصلة بالدفع، في حين ينصرف الشق الأخر من السرد ومن خلال النشأة الأولى لهند ومن خلال فن العودة إلى الخلف باستدعاء الكثير من الأحداث المرتبطة بالأشخاص من ناحية والمجتمع في عمومه من ناحية أخرى، وبهذه الوجهة نحد أنفسنا إزاء ما طال الحياة المصرية من متغيرات جعلت الاتجار بإيفاد الشغالات خارج الحدود من أهم الأنشطة الاقتصادية ، حتى أن المرأة المسماة فاطمة القومية التي كانت إلى وقت قريب نفس مجالس الميسورين من الناس في زمن الحياة التقليدية مدخلة عليهم البهجة، فنلاحظ أنها صرت تهجرهم إلى مستويات جديدة ، بل إن هؤلاء الميسورين ذاتهم فقدوا كل ما ادخروا وصاروا في حاجة إلى كل شيء ، وإذا كان النص لم يسلط الضوء على هذه الوضعية في صفحات الأولى لضرورات فنية بالطبع، فإن العودة التي اشرنا إليها قد جعلت ذلك غاية في الوضوح. لقد جاء ذلك كله في لغة معبرة لا مكان فيها للتكلف ، وليست خالية من التجويد، كما يلاحظ في المجال الفني الاستفادة من طريقة الفن السينمائي حيث التداخل يقطع عادة بالإضاءة ، غير أن المتابع لمسيرة الرواية من حيث الصياغة قد يتذكر في هذا المقام رواية غسان كنفان " ما تبقى لكم " التي استعان على فصل تداخلها – فيما أذكر - بتقطيع الحروف بأكثر من حجم ، وهي أن انطبقت فلا شك أنها ستفتح زاوية أخرى للحديث حول هذه الرواية ، والتي قد ينطبق عليها ما يطلق عليه السهل الممتنع على أكثر من صعيد


 

جسد ومدينة

للروائية المغربية زهور كرام

أمين مازن

تعطي الروائية المغربية زهور كرام في روايتها المبكرة هذه مساحة غير صغيرة لما يسود الواقع المغربي الذي تعيش فيه والوسط المهمش الذي تنحدر منه ، ليس فقط لما يعانيه المتساكنون من ضغط الحاجة أو ما يتخذه بعض المناضلين من المواقف، وإنما من خلال ما يقبل به البعض الآخر من التعاطي مع الشروط الصعبة والمؤثرات القوية والمغريات الكاسحة ، وإن ذلك ليبلغ ذروته عبر العملية السردية عند بلوغ الفصل الذي وسمته بعنوان الجسد يدخل المزاد العلني، عندما اقتضت الحاجة أن تسعى أشهر شخصيات الرواية للحصول على جواز السفر الذي يمكنها بواسطته أن تعبر حدود الوطن إلى العالم الآخر ، حيث اللحاق بأي بلد  بلاد الله الواسعة أن من أجل السياحة ومحاولة التبضع أو للاستفادة من المتاح في تلك العوالم من فرض العلم وحتى الدخول بالجسد في المزاد العلني الأرحب ، حيث توفر المنافسة غير المتكافية واختلاف الباحثين عن الأجساد في الإقبال عليها ، مما يجعل ذوات الخبرة أكثر قدرة على الاستفادة من هذا الجسد ، لا فرق أن يكون ذلك بمقتضى المقومات المتعلقة بالجسد ذاته أو الروح التي تطبع سلوكه وتضاعف من قدرته على المنافسة عند ارتفاع وطيس معركة المزاد العلني والسري أيضا . فقد أوجدت مراجعة صاحبتنا لمكاتب المسؤولين عن البت في طلبات الراغبات في استخراج الباسبور بعد تقديم مستنداتها كاملة غير منقوصة أن تقضي المشاق الطويلة جيئة وذهابه قبل أن تنال طلبها هذا الذي هو حق مشروع أو هكذا يجب أن يكون لمجرد أن تستكمل المستندات الضرورية لاستخراجه، كانت تعتقد أنها صاحبة الحق في الحصول على ما تريد لمجرد أن قدمت مستنداتها، ولكنها ما لبثت أن اصطدمت باستحالة تحقيق ما تريد، فثمة مستندات أخرى تدركها هنا وتنصح بها وتلح في النصيحة اللاتي يجلسن بين الصفوف ويخترن بين الحين والحين ما يمتد من طوابير المراجعين الذين يغدون ويروحون أملاً في أن يصلهم الدور ويخرجوا حاملين ما تقدموا من أجله ، فيعودون خالين الوفاض لأن الاستجابة الخاصة بأمثالهن تحتاج إلى الانتظار أما اللاتي يدركن الطرق الأخرى فإن مضيهن نحو المطلوب يسير المنال، لقد استجابت آمال لنصحه حدا لهن لضرورة الدخول على المسئول بتسريحة تختلف عن التسريحات الشائعة وشيء من الزينة التي تلاءم التسريحة والدخول في الحوار الذي يكون عادة من المكملات ومن ثم التسريع بالمطلوب ، وقد كلفها ذلك ما كلفها من الخروج على ما لديها من القناعات المتعلقة بأحقيتها في الحصول على ما تريد ما دامت صاحبة أوراق مكتملة فتحدثت أو قدمت أو أهدرت ما كان يجب ألا يهدر ، ففقدت من ثم ما فقدت ، بل وحملت من الأثقال ما حملت ، فقدت تعيش هموماً مجتمعة ، هموم نتجت عن التفريط في الأسس العقلية والسلامة الجسدية فكان أن حملت المرارة وتجرعت كأسها ، وعبرت بطبيعة الحال عن أعداد كبيرة من أمثالها من الضحايا اللاتي فقدن الأعز وضيعن الأغلى لأن الطاحونة أكبر من الجميع ما قدر على جرف الجميع ، فكان الحوار الذي تم على أكثر من صعيد أن كان ذلك مع الآخر أو مع الذات الضحية تعبيراً بليغاً عن نوعية الخسارة وحقيقة المأساة التي طالت آمال وجعلتها تجيد التعبير عن مأساة جيل كامل من الفتيات اللاتي وقعن في الشرك فلم يخسرن الذات وإنما خسرن الموقف وجرفهن البيع في المزاد العلني كما عبرت الراوية بدقة ووعي وإدراك .

لقد  تضمن السرد تفصيلات كثيرة عن تلك العوالم التي بدأت من صالون ميلودة الذي لا يكتفي بقص الشعر واقتراح الموضات المتعددة ، ولا يتوقف عند اختيار الزيوت المناسبة لهذا الشعر وذاك كما حدث لآمال التي عبرت من مكانها هذا إلى عوالم أخرى ليس خارجها التدخين ، وتدخين الكيف بالذات وثمة وصف دقيق ومعبر عن التجربة الأولى ، وهي تجربة قد لا يختلف أمامها من يقدم عليها من الجنسين وأن تكن الأنثى أكثر قرباً من الاهتزاز الشديد إلا أنها من حيث الحالة الإنسانية لن تكون إلا شاملة، إلا أن الصالون لا يتوقف عند هذه الواقعة وحدها فقد رأيناه يتحول إلى صالة عرض لأحدث السلع الخاصة بأحدث الموديلات من ملابس الإغراء، وهي تعرض هنا ليس من أجل الاقتناء وحده بدون شك وإنما لما بعد الاقتناء وما يتخلل ذلك من الترتيبات والتي – كما عبر النص – ستجعل المسئول يقول " شبيك لبيك عبدك وربما بسبورك بين يديك " ولكن سيعبر إلى أقصى من ذلك إلى حيث العوالم الأخرى التي رأينا أحدهم بدخلها حين تبدلت به الأحوال وغدا يرتدي أنظف الملابس لولا أن هذه النظافة ترتبت عليها وساخات أخرى اكتشفها سعيد الخارج من السجن بسرعة عندما التقى المجموعة ذات يوم ووقف على ما حل بها من المتغيرات مما جعل آمال تستدعي في هذه المفارقات مجتمعة بما في ذلك عبور مجتمع ميلودة وعبور تجمع سعيد المتماسك والمتشبث بخياراته وإبراهيم الذي اهتز على ما يبدو وبعض الشيء وهو يكتب رسائله لآمال ، وآمال نفسها التي تكاد تختفي خلف أكثر من قناع ، فالجسد هو مجموعة الأجساد والمدينة وطن كامل .

كان العبور قبل هذا التاريخ وفي زمن الانشغال المسئول تجاه الوطن انطلاقا من الحي الصغير الذي كانت المستنقعات تحيط به من كل مكان يختلف عن العبور الذي أقدمت عليه آمال وهي تتطلع إلى استلام الباسبور الذي أرادت من ورائه الخروج من الواقع المعايش كله كي تصل إلى عوالم أرحب وأحياء أحدث ، ففي ذلك الزمن كان التطلع إلى العبور يعني الوطن كله ويعني الحوار الذي لا يتوقف مع تلك الشرائح حول ما كان يعانيه الجميع من مصاعب . أما في الزمن الجديد فقد أصبح الأمر مختلف كل الاختلاف ولهذا جاء السرد مفعما بكل ما هو مخيف ومحير وباعث على القلق من العواقب، ففي ذلك الزمن رفضت آمال قبول دعوة صاحب السيارة الفخمة الذي توقف إلى جانبها والمطر يهطل في الشارع والأحوال تعوق السير ، عارضا عليها امتطاء السيارة ليذهب بها حيث تريد حتى لا تهلك جراء البرد، بل وذهب إلى أكبر من ذلك فتمادي قائلا عن إمكانية التوجه على حي من الأحياء لقضاء وقت أسعد ، فما كان جوابها إلا أن رفضت في إباء وشمم ، بل ولم تتردد وحين لم يفلح عن مضايقتها وهي تسير في الشارع إلا أن توبخه على فضوله ذاك ، وإذ لم يرتدع كان ردها أكثر عنفاً وتجاهلها أكثر قسوة على إلى أن وصلت البيت ودخلت وهي ترتجف من البرد والمطر الذي غمر ملابسها حتى بدت وكأنها غسلت لتوها بالماء ، أما الآن فقد كان العبور مختلفاً كان العبور إلى فضاءات خالية من أوحال الطبيعة ولكنها غارقة في أوحال يعجز عن وصفها كل من يستشعر سوء تلك الفضاءات وأثرها القاتل لكل ذي همة ، فنحسها كما لو كانت تصرخ ألماً وحزناً واستشعار الخجل الذي يقتل النفس ويعيدها إلى الحضيض .

" يغرق الجسد وسط أدخنة السجائر ورائحة الكحول المختلطة مع العرق المتصبب من البطن المنتفخ ، تشعر آمال بالقلق .. بالاختناق.. بثقل محل يخنق أنفاسها تحاول أن تحتج .. تذوب همسات الاحتجاج مع عنفوان الاحتكاك .. احتكاك الأمواج ببعضها .. تشعر بالحصار .. أصوات وأدخنة ورائحة العرق أصابها الإعياء.. أثقلها الثقل ، عبثا تحاول الانفلات .. لقد تمت محاضرة الجسد، يمتلئ المستنقع ، تفيض المدينة .. تحاصر المدينة، المستنقع صار حصارها، تصرخ آمال بداخلها ، تخاف إعلان الصرخة .. تخشى الفشل عند أول بداية، الفشل من ماذا .. لم تسأل نفسها فالغطاء الحريري تنبعث منه رائحة كريهة .. يشهد أنها أسلمت العرى بدون رغبة، لم تسأل نفسها ، الفشل هو الفشل ، مهما كان موضوع الامتحان . "

هذه النقلة أو العثرة والمجازفة ، الكل يصفها بما يحلو له من الوصف لم تمر عرضا بآمال أو أتاحت لها من المسرة ما صرفها عن مراجعة الذات شيء من معاتبتها أو تذكيرها بما لدى من التقت في هذا الأفق من جدوى الوضوح ولذته أن شئنا بعكس الموقف المزدوج حيث تكون المفارقة بين ما يمارس عمليا وما يطرح نظرياً فتبدو المأساة شديدة الوقع لكل من أمتلك نعمة العودة إلى الضمير ومراجعة ما جرى ويجرى في شيء من الشجاعة مع النفس والإنصاف الشجاع للآخرين أذلين هم الأخريات بالطبع ، فالسرد هنا يحمل الكثير من البوح الذي لا يكابر في الاعتراف بحقيقة ما ارتكب وبالأحرى ارتكبت الساردة منذ أن قبلت العرض الذي تلقته من صاحبة الصالون " ميلودة " وما أدى بها إلى القول في الخصوص .

" كان ذلك بداية عبور السيدة ميلودة إلى عالمي، لم تأخذ ثمن التسريحة بدعوى أنني ابنة الحي ولأول مرة أسرح فيها شعري عندها، قبلت كرمها بصعوبة لأني خفت ، فقد علمتني المدينة التي صارت تأكل بنهم أنها لا تعطي إلا لتأخذ أضعاف ما أعطت ، طلبت مني أن أزورها خلال الأسبوع .صرت مدمنة على الصالون ، أتردد عليه كثيراً ليس انشغالاً بشعري ولكن انشداد إلى عالم نساء الصالون ، بدت لي المدينة خلف كلا مهن وفكرت لو جمعنا نساء كل صالونات المدينة ثم طلبنا منهن الحديث عن أنفسهن، ترى كم حكاية ستعري وجه المدينة ! وأنا التي توهمت أني أحمل المدينة سراً .. قد يكون في هذا من أسباب اتساع المستنقع وبقاء المدينة بعيدة عن السؤال الكبير الذي تنحته كل الأصوات، لذا بدت لي وجهاً آخر خلف أحاديتهن " .

لم يكن ذلك وحده ما استوقف آمال في تجربتها هذه وما تلا التجربة من ألم لم يتوقف عند الجسد ولكن امتد إلى أكثر من ذلك، غير أنه جعلها تتأمل حين قررت تدوين ما رأت وما لمست بالطبع، مما جعلها تعيد الحديث إلى النفس " إنك تتورطين في التناقض، قد يكون النوم فرصة اكتشاف الرجال تجعلك تبررين التأجيل.. على الأقل هن واضحات وضوح النهار عيبهن أن حكايتهم عنه يلتقطها فراغ الصالون . هل تخشين تدوين الاعتراف في اللغة، هل لهذا السبب هن متحررات لأنهن خارج التدوين " .

لقد دخل الجسد عوالم المزاد العلني فأمكن الوقوف على الوجه الخفي من تلك العوالم التي تدار بواسطتها أمور ذلك المجتمع بدءً من استخراج جواز السفر، ووصولا ربما على تسمية أولئك الذين يخونه حمل النصف بعد هذه المقاطع ما يدفع نحو أفاق أكثر صعوبة وتجارب أشد قسوة ومتغيرات طالت الأسماء مجتمعة، أن بدخول سعيد السجن وبقائه فترة خرج منها مضطرباً بين التماسك ونقيضه، أو بإقدام إبراهيم على الانتحار في ناحية من النواحي البعيدة حين لم يستطع التعاطي مع الواقع، كما أرادوه فأوجد ذلك كله تعاملا أكثر مواجهة مع حقيقة ما كان يجرى بواسطة آمال التي وإن تكن الظروف قد ساقتها إلى مجتمع عين الذئاب وعوالم صالونات الحلاقة ، حيث تتردد عديد الأصناف، إلا أن السرد ما يلبث أن يفلح في طرح الأسئلة الحقيقية ، طرح لا مكان فيه للقسر أو فرصة الكلام على الأفواه ولا حتى المواقف وإنما هو ذلك الذي يدفع نحو المزيد من التحدي والمزيد من المواجهة والإصرار على الوصول إلى شاطئ الأمان . بقى أن نسجل التقديم المرافق الذي صدرت به زهور كرام روايتها هذه التقديم المكثف الذي سطره قلم الناقد والباحث المتميز في دنيا السرد " سعيد يامطين " والذي يعد بحق خير ما يحفز على قراءة جسد ومدية لزهور كرام وانتظار ما قد تقدمه وبما تكون قد تمكنت من تقدير بالفعل إلى المدونة السردية المنطلقة من واقع مدن المغرب وما يتفاعل داخله من صراع من أجل حياة تسودها الحرية ويستطيع الكاتب أن يقول حولها ما يعن له دون أن يخشى زوار الليل وإكراهات الانتحار

حافة النهر

للراوي الفلسطيني علي حسين خلف

أمين مازن


تحمل رواية الأستاذ علي حسين خلف ( حافة النهر ) موضوع هذه الورقة الترتيب الثالث في عدد رواياته المدونة على صفحة التعريف المتعلقة بشخصه ومجموع مؤلفاته التي بلغت عند صدور هذه الرواية ستة عشرة كتاباً جمعت بين الإبداع والتنظير والتوثيق، وهو باختصار شديد أحد أبناء فلسطين الذين نزحوا إثر نكبة 48 إلى الأردن، حيث أكمل تعليمه الأولى والثانوي، ليكون الجامعي من شمولات القاهرة، لتشمل رحلة العمل بعد ذلك أكثر من قطر عربي ومركز قيادي، بدءً من إدارة صحيفة 14 أكتوبر اليمنية إلى جانب العمل بالجامعة هناك، ومن الانتقال إلى مجلة الحرية البيروتية وإدارة القسم الثقافي بها، فضلاً عن المساهمة في تسيير اتحاد الأدباء والكتاب الفلسطينيين والمشاركة في أشهر ملتقياتهم التي استضافتها عديد العواصم العربية مثل صنعاء، وتونس والجزائر ـ كما أسس في مجال النشاط الخاص دار بن رشد للنشر والتوزيع. وقد كانت رواية حافة النهر هذه من منشورات هذه الدار وربما تكون روايته الجسور المعلن عنها داخل صفحات الرواية من منشورات هذه الدار أيضا، وقد يكون من المفيد أن أشير هنا إلى أن هذه الرواية قد دخلت مكتبتي عبر أحد اللقاءات التي جمعتني بمؤلفها فجاءت ممهورة بتوقيع المؤلف، ولكن دون تثبيت لتاريخ الإهداء، وهي على أي حال من منشورات سنة 1989 . وقد تولى / تقديمها الناقد الكبير الدكتور حسام الخطيب بما يجمع بين المنهج والذوق والموقف، ويتحاشى أي نوع من الأطناب أو التعميم المجاني. تقديم لا يملك من يقرؤه بوعي إلا أن يعيد قراءة النص مرات ومرات كي يصل إلى الآفاق الرحبة التي أجا الناقد التبصر في تحديد محطاتها، وجميل دلالاتها وحسن خاتمتها.

وقد جاءت الرواية تعبيراً واعياً عن الحالة التي سادت الحياة السورية عقب انفكاك الوحدة المصرية السورية " الجمهورية العربية المتحدة " التي دامت سنوات ثلاث وعقب استفتاء شعبي نال أغلبية الشعب السوري، فيما كان الانفكاك بواسطة عمل عسكري أقدمت عليه مجموعة من الضباط التي كان أغلبها من المحيطين بالمسير عبد الحكيم عامر الذي اسند إليه الرئيس عبد الناصر شؤون سوريا وبمساعدة المكتب الثاني المرؤوس من طرف عبد الحميد السراج، هو تمرد شرعته مجموعة من السياسيين والرأسماليين الذين اتخذوا من أخطاء عبد الحكيم عامر ذريعة للانقضاض على المشروع الوحدوي وإقامة حكم بديل رفع شعار الوحدة قولاً وباشر بضرب كل ما يمت لها بصلة عملاً، فجاء هذا النص مشبعاً بما ساد أجواء تلك المرحلة من تصادم بين القوى المتنافرة وما حرصت عليه من إتقان الأقنعة وإخفاء حقيقة كل ما كانت تسعى إليه وتعمل في سبيله كي يبقى المشروع الوحدوي شعاراً ليس غير، في حين تنصرف السياسات المطبقة فوق الأرض نحو كل ما من شأنه أن يكبت كل أنواع الرأي ولو كان ذلك من خلال العثور على جريمة من الجرائم يستجيب من وقف عليها ظاهرة على الأرض فيكون مصيره الإيداع في السجن واعتباره المسئول الأول، ليس على أساس التحفظ الذي قد تفرضه بعض الإجراءات الاحتياطية وإنما بإجباره كي يعترف بما لم يقترف بل ومطالبته بالإفادة عن محيطه الدراسي من جهة والدولة التي يدرس فيها وحتى المحيط المنحدر منه من جهة أخرى، ولا يخفى على القارئ المتبصر ما عمد إليه الراوي من المزاوجة بين المعالجة المسرحية والسرد الروائي سواء من خلال تقسيم النص إلى لوحات ذات عناوين محددة وفصول واضحة أو التعويل الواضح على الأسلوب الحواري الأكثر وشيجة بالمسرح، وقبل ذلك كله بانتهاج اللحظة الدرامية التي تأتي إلى المشهدية أقرب منها إلى القراءة، وذلك بالحشد المؤثر بين شروع خضر بالتبول أو قبله بقليل وتفاجئوا بالجثة الملقاة في ذلك المكان الواقع في طريق المطار للالتحاق بدراسته في موسكو الموفد إليها رسمياً وهي على ما هي عليه من التشويه الظاهر، الأمر الذي فرض عليه أن يصر على تبليغ الشرطة غير مكترث بتحذير سائق السيارة الذي توجس خيفة من البداية ليبدأ مسلسل التداعيات التي لم تفرض التأخر عن السفر وحسب وإنما الدخول فوراً إلى السجن ومواجهة ذلك المسلسل الخاص برحلة العذاب التي أخذ يقطعها خطوة خطوة، ويكابد همومها وعذاباتها لحظة بلحظة ويكون الحوار بالتالي هو المسير لحركة الشخصيات، مما يجعل القارئ لا يتردد في الالتفات يمنه ويسره باحثاً عن الأمكنة التي ضح بها النص والتي اختيرت جمعيها لتوفير المزيد من الحيوية والمزيد من الإمساك بيد القارئ والتحليق به في تلك الأجواء التي سادت بلاد الشام عشية انفكاك الوحدة الوليدة التي لم تصمد كثيراً أمام سوء الأداء الرسمي والتي يقتضي الإنصاف أن نقول أنها بدأت مبكراً وأخذت في التنامي إلى أن أسفرت عن وجهها الكريه، فأثارت ذلك الكم الهائل من الأحزان بالنسبة لملايين العرب الذين هالهم ما جرى في لحظات قصيرة جراء ذلك الانهيار الذي طال الأنفس والنفائس وصدم الملايين المعبأة بالعواطف وغير مستعدة لأي انتكاسة من النكسات، ومحاولة بحث الأسباب بدل المضي في إدانة النتائج ، وهكذا يتكفل النص الروائي هذا بإعادته مجتمعاً إلى الذاكرة عبر هذه الأجواء الكابوسية التي سادت الحياة العامة واستدعت تصرفات الإدارة التي لم تستثن أحداً من الارتياب وبالأحرى الإدانة المسبقة، لمجرد أن تطرأ في منطقة من المناطق حادثة ذات صلة بالإجرام، يتحول من يدفعه ضميره إلى التبليغ عن الجريمة المتهم لا يعتد بأي إجابة من الإجابات النافية ولا يحصل أي تثبت في الاستدلالات لقد رأينا الطالب خضر يتحول في لحظات إلى متهم بما جاء يبلغ به، وفسر الموقف كمحاولة للتهرب من الجريمة من خلال التبليغ عنها، وهكذا يكون جزاء من يحكم ضميره أن يتهم قبل غيره ويعذب ليعترف بما نسب إليه ويتخلل التحقيق المتميز إلى أمرين أحلاهما مر، فأما أن يعترف الجاني المزعوم على نفسه، أو يقبل التعاون مع الأجهزة ويقدم ما لديه من معلومات عن زملائه في الدراسة بل وكل ما يجرى في ذلك البلد، وإلا فلن يستطيع الإفلات من تهمة التعاون مع المخابرات السوفيتية المعروفة اختصاراً بــ ( الكيجي بي ) ذلك أن الطالب من حيث هو دارس بروسيا فلابد أن يكون حاملاً للفكر الشيوعي، وهو حسب هذه الرؤية من الضروري أن يكون عاملاً لذلك الجهاز، فلا وجود للاختيار الشخصي ولا وجود لمن يمكن أن يوظف ثقافته لخدمة واقعه، لقد كان ذلك هو شعار المرحلة ولا وجود حسب هذا الحكم المسبق لما كان يحتدم من صراع بين يوغسلافيا الشيوعية والاتحاد السوفيتي ومثل ذلك ما كان يلوح أيضا بين السوفيت والصين . فقد أقدم اليمين ومن يدور في فلكه على تنفيذ ما خططوا له من مدة ولم يبق أمامهم سوى البحث عن الضحايا ولما كان هذا الحادث من بين ما اوجد المبرر لممارسة التلفيق فلا حرج من ذلك حسب هذا التوجه والذي تم اللجوء إليه بدون شك قصد إخفاء معالم الجريمة الحقيقية المتمثلة في إسقاط المشروع الوحدوي والذي كان بالنسبة للأغلبية موضع إجماع لا يجوز العبث به .

نعم لقد كان انفكاك الوحدة المصرية السورية نتيجة طبيعية لسوء الأداء الذي رافق التجربة الوليدة أي الجمهورية العربية المتحدة، حين لم تكتف بإلغاء التعددية السياسية وحسب، وإنما سعت إلى تصدير ذات السباق إلى ثورة العراق التي تفجرت بعد أشهر معدودة من الوحدة الأم، بحيث لم تمر سنة على الدولة الجديدة حتى كان ذلك التحول الغريب والذي تمثل في العداء المجاني للمعسكر الاشتراكي في المحيط الدولي، وتضييق الخناق في المحيط الداخلي على جميع التيارات السياسية ذات المنحى اليساري، والتي يفترض أن تكون على رأس من يساند الخيار السياسي للنظام الجديد بوصفه معاد للرأسمالية وسياستها الاحتكارية، ولم يكن ذلك الموقف المجاني لأن هذه القوى قد عادت الوحدة العربية كخيار مبدئي وإنما لأنها تحفظت على نهجها المتبني لفكرة إلغاء التعددية السياسية، وسد جميع الأبواب الكفيلة بإيجاد أي متنفس يتم من خلاله التعبير عن أي موقف تشم منه رائحة المعارضة، فقد كان الطرح الرسمي يصر على القول بأن كل شيء على ما يرام، والويل كل الويل لمن يخطر بباله أن يقول غير ذلك ولو بأيسر الأساليب ، فإذا أما استطاعت القوى المتربصة أن تجهز على المشروع الوحدوي وأن تقدم على بعث كيانها وبالأحرى تعيده، كانت المسارعة بضرب جميع الفئات التي لوحظ عليها عدم التأييد للخطوة الانفصالية ولو بالموقف المحايد، ومن هنا لم يكد المواطن خضر والطالب خضر الذي فضل الاستجابة نصيره ويبلغ عن الجريمة البشعة التي طالت أحد الفتيات حين قتلت وألقيت على حافة النهر حتى تحولت الجريمة - كما سبق القول – إلى اتهام هذا الطالب ومن ثم الدخول معه في تلك المساومات ومثلها الضغوط المتعددة باعتباره سليل طبقة معروفة بموقفها الودي للوحدة كمشروع قومي ورمزها عبد الناصر الذي أصبح في نظر الذين فكوا عرى الوحدة هو العدو الحقيقي بالنظر إلى الاحترام الذي لا يضاهي مما خصه به الشعب العربي في الوطن الكبير عامة فبادرت هذه القوى التي اتخذت من جريمة حافة النهر هذه مبرراً لما طبق من سياسات انتقامية واستغلال لأي توترا أسري وما شابهه للمضي نحو ما كان مبيتاً من سياسات هدفها الاستفراد بالسلطة في سوريا واتخاذها قاعدة جديدة للقطرية المستترة تحت غطاء الحديث الذي لا يتوقف عن الوحدة والقومية في ذات الوقت الذي تضاعف السعي نحو المحاور السياسية ومضامينها الطائفية ، مما زاد في التشرذم وثقافات التجزئة تحت غطاء ما اصطلح على تسميته بالقفز إلى الأمام، فكانت هذه الرواية والحق يقال توثيقاً أميناً وفي مستوى ملموس من تحقق شروط الفن لما ساد المرحلة من نزوع نحو الدولة الأمنية المنغرسة في أعماق الأعماق، وبواسطة شبكة شديدة الانتشار والحركية يجند لها الطبيب والمثقف والضابط ومن خلال الشرائح المجتمعين كافة، ويكشف الحوار عن تفطن المنتدبين لهذه المهام عن الأحياء السكنية التي تثبت انحيازها للمشروع الوحدوي، فاستحقت ما كان يطرح حولها من أسئلة تتعلق بالأمكنة، وكذا المواطنين على نحو ما رأينا من تركيز على باب توما حيث الثقل المسيحي المجبول على التوجه الوحدوي، والمتصدي باستمرار لثقافات التجزئة وحتى المحاور، لقد تكفل السرد بكشف العينات التي طفت على السطح الإداري في تلك الأيام، عينات لم يكن لها من هدم سوى التقدم الوظيفي وعلى حساب الشرف بالضرورةـ، ولهذا كان ذلك الرد القاصم الذي ورد على لسان أحد الأبطال بصدد الفرق بين نظافة الملابس التي شملت الذين غيروا مواقفهم والتي ضاعفت وساخة أعراضهم وسمعتهم بدون شك، ولأن الرواية مكرسة لقضية الوحدة وما في حكمها وتصوير مواقف المثقفين والنقابيين منها، كان لا مناص من أن تختتم بمقطع يوجز الموقف النهائي منها والقيادة التي عملت على تحقيقها وتعميق شعبيتها والأصدقاء الدوليين القادرين على المساهمة في بعثها من جديد باعتبارها – أي الوحدة – السبيل الذي لا بديل للخروج من دائرة التخلف، بشرط ألا تكون هذه الوحدة مشوبة بأي مضمون شوفيني أو تعصب ديني، لقد وثقت الرواية للأجواء التي تلت انفكاك الوحدة وما ترتب عليها من سجن عديد القوى انطلاقا من تلك الحادثة والتي وإن كانت قد شهدت إلى جانب إلى جانب السجون والتعذيب وأخيراً الاستشهاد وإلا أنها أحدثت في النهاية تلك الجبهة الجسورة التي شارك فيها كل من طبيب الأسنان الذي خرج من السجن بدون أسنان لما لقيه من صنوف التعذيب، الحامي ذي اللسان الدرب وغيرهما من حواهم صالون السيد اسكندر والد الفتاة ياسمين ضحية حافة النهر والذين انتهوا إلى ضرورة تشكيل الجبهة الوطنية ليكون من مهامها إسقاط حكومة الانفصال على خلفية الحفاظ على القيادة القومية الوحدوية " ناصر تحديداً " ولكن دون إقراره على سياسة حرق المراحل، فالوحدة الفورية شعار باطل وضار، والوحدة بدون أساس تتحول إلى فزاعة تهش العصافير ولا تضع أنموذجاً، مع رفض الرأي القائل بإلقاء إسرائيل في البحر إذا هناك قوى ديمقراطية داخل القفص الاستعماري وأجمل ذلك كله في بيان مركز ، وعندها أشعل اسكندر سيارة رابعة وراح يتأمل حلقات الدخان وهي ترتفع وتنحني أسف صور ياسمين ... تنهد بارتياح وإطفاء مفتاح النور وتوجه إلى السرير فالساعة تقترب من منتصف الليل . ونطوي كقراء الصفحة التاسعة عشرة بعد المائة بعد قراءة ، نص جمع بين المتعة والاستنفار وتوجب أن تكبر في مبدعه على حسين خلف هذا التماسك المشرف والثبات المطمئن

_____________________________________

تأملات وذكريات وقراءة في احداث اعمال الاديب الليبي كامل المقهور عندما بلغ الستين


وقفة ( بمحطات ) المقهور

بقلم امين مازن

قد افلح الاديب المعروف الاستاذ كامل المقهور ،على ما يبدو في التغلب على مجموعة الاهتمامات التى اختطفته من دنيا الادب ،سنوات طويلة يمكن تحديدها بأواخر الستينات وطوال السبعينات والثمانينات ،عندما ارتبط بالسلم الوظيفي منطلقا من مستشار بمحكمة الاستئناف فالمحكمة العليا ،فمجموعة من المسئوليات القيادية :  النفط ،الخارجية ،هيئة الامم ،حيث كان المقهور قد جمع قبل هذه الفترة بين المحاماة كمهنة وكتابة القصة كـأداة للتعبير عن الصورة المثلى للمجتمع الذي يتمنى، والمضمون الاجتماعي الذى يعمل من اجله ،شان القلة من نظرائه المثقفين التقدميين الذين اسسوا ما ندعوه بالثقافة الوطنية تلك التى رفضت مفهوم الادب الخالص كما يقول دعاته او ادب الابراج العاجية كما يقول خصومه ،و أثرت ان تتخذ موقفا اكثر ايجابية في المعركة الكبيرة التى ظلت الجماهير تخوضها تجاه كل ما هو سيء وغير تقدمي ،ابتداء من الوجود الاجنبي المخجل وسياسات الاقتصاد غير المتكافئ ،وصولا الى اسلوب الحكم المتخلف الذي عجز عن مواكبة العصر طوال الخمسينيات والستينات،وكان نفر من المثقفين الذين تنوعت اهتماماتهم وتعددت اسهاماتهم يتقدمون صفوف هذه المعركة ،عبر الجمعيات والنوادى والصحف والمجلات ،وحتى المقاهي وجلسات السمر ،ويؤثرون فيها تأثيرا بينا وتحرص مختلف القوى المؤثرة ،على تقوية هذا الشعور فيهم ،من هؤلاء من اكتفى بالجهد والعمل الابداعى ومنهم من عمد الى النشاط العملى شبه التنظيمي ،فيما فضل فريق اخر القبول بالواقع والتعامل معه عبر المؤسسات القائمة سياسة واقتصاد ،او ما اصطلح على تسميته محاولة الاصلاح من الداخل ،على انهم جميعا يمثلون مرحلة من اخصب المراحل في فكرنا الوطنى وتاريخنا النضالي ،مرحلة يصعب على أي دارس منصف ان يتجاوزها بواسطة القفز او نكران المحصلة التى ترتبت عليها فيما بعد مهما كانت المبررات ،ويأتى الان كامل المقهور ،فيدشن عودته الى الكتابة بالتوثيق لجزء مهم منها في كتابه ( محطات ) او ما اطلق عليه سيرة شبه ذاتية ،في اطار حديثه عن سنوات تكوينه الثقافي وتفتحه المعرفي ،انطلاقا من ازقة حي الظهرة وشوارع المدينة القديمة بطرابلس ،ثم الرحيل الى مصر في اواخر الاربعينيات ومعظم الخمسينيات ،حيث وجد المقهور صراعا هنا وصراعا هناك ورموزا مختلفة تعامل معها او تابع حركتها فعمقت في وجدانه اساسا اصبح من المستحيل معه ان يقبل بفكرة الفصل بين الادب والواقع ،ليصل بعد ذلك الى ضرورة العمل المستمر من اجل ان يوظف الادب والفن لتطوير الواقع ومحاولة تغييره للأفضل ويسعى الكاتب الان الى تقديمها في عملية سردية على قدر من الاتقان الظاهر ،والعناية الفائقة.

اديب  منعزل

ونحن نقول بهذا الرأي لان المقهور لم يجلس في بيت او مكتب معزولا عن الناس ليسجل ما حواه النص ( محطات ) ولكنه اكد حضورا تميز به عن معظم نظرائه في مناشط الادباء والكتاب ابتداء من مهرجان الفاتح الادبي سنة 1994 الذي طرح فيه موضوع الثقافة والتحولات وصدر عنه اهم بيان تناول الواقع الثقافي و اشكالياته والطرق الكفيلة بتفعيله وتنقيته من الشوائب والمعوقات ،الامر الذي استمر بعد ذلك في ندوات الثقافة والمتغيرات وأدب الطفل ومجتمعنا والمستقبل والأدب في مواجهة التبعية ،حيث لم يسجل على المقهور أي غياب ، على الرغم من ظروفه الصحية لدرجة ان رأيناه مرات عديدة يحضر متكئا على احد مرافقيه ، وجهه يتصبب عرقا وجسده في حالة ارتعاش ظاهر ، وما ذلك الا لأنه  كان يواكب الواقع المتحرك ،كمثقف لا يصدر عن نظرة محايدة بقدر ما ينطلق من رؤية واعية تدرك ان الحرف ابقى من أي عرض زائل وبريق مؤقت وان الخلود لا يصنع إلا بواسطة الفعل الثقافي والموقف الحضاري ، وان بعض ما يلقى ويكتب لا يبيح للمثقف الواعي ان يقف على الهامش .

سرد متقن مرحية

ولسنا بهذا الاستطراد نهدف الى مصادرة أي خلاف يمكن ان يفضى اليه النقاش تجاه مضمون هذه المحطات او دلالتها او صحة وقائعها،ولا تغير احوال رموزها ،فما اكثر ما يمكن ان يقال حول هذا العمل مبنى ومعنى ،وان كنا نرى ان الكاتب في تفريقه من البداية بين التاريخ والكتابة الفنية قد استطاع ان يحصن عمله بعض الشيء ،اذ ان مثل هذا النوع من الكتابة يرمى الى توظيف وقائع التاريخ او بعضها تحديدا ،لتوصيل رسالة ما لعل من بينها محاولة تغذية الوجدان الوطنى والعمل على نفض الغبار عن المرأة الكبيرة،وفي هذا الصدد نرى ان المقهور قد استطاع ان ينجز عبر السرد المتقن القائم على التشويق الذكي و الاثارة الموحية ،القائمة على تنويع الضمائر ،وبما يمكن وصفه بالتداعى الفنى ،حضورا نحن في امس الحاجة اليه ،لرجال كان لهم في حياتنا العامة اسهامهم الذي لا ينكر ،وفي مسيرة بعض الاحداث تأثيرهم الذي لا يجاري وقد كاد النسيان ان يبعدهم عن الذاكرة ، فجاء هذا الفنان ليحشدهم امامنا جميعا في ابداع متميز يقوم على السرد ذي النكهة والخصوصية والدلالة ،انها حياة متشابهة بحق تلك التى اثر المقهور ان ينطلق منها وهو يبوح لقرائه بالتيارات التى نسجت الخيوط الاولى لشخصيته الادبية وكونت الارضية الثقافية لوعيه الثقافي والسياسي ايضا حياة مهد لها عدد من الرموز الذين تألقوا في هذا الواقع منذ الاربعينيات ،عند طرح القضية الليبية في المحافل الدولية ،حين طرح موضوع الاستقلال لأول مرة وعرف الناس شعارات الوحدة والانضمام الى الجامعة العربية وهي مطالب رغم عموميتها إلا انها وجدت تجاوبا من الشارع اضفى على القائلين بها قدسية كبيرة وحقق لهم مكانة سامية ،خاصة وان بعضهم كان يحمل الى جانب هذا النشاط نشاطا اخر اقرب الى عقول الناشئة تمثل في التعليم والجهد الاجتماعي ،مما هيا للكاتب وهو يتحدث عن تلك الفترة ان يجسد صورها ويقرب ملامحها محققا ضمن استدعائها قدرة فائقة على التلاحم مع الحياة بحيث لم يستسلم للذاتية الضيقة التى كثيرا ما تضع امام من يصاب بدائها مرآة تحجب عنه النظر الى ما سوى هذه الذات ،وقد جاء ذلك بواسطة ادوات فنية غير جاهزة قامت على الجمع بين الجملة المكثفة واللمحة الخاطفة و الايقاع الشعرى ،بعض هذه الرموز نلتقى بها من خلال الاسم الصريح وبعضها عبر وصف الملابس وشكل الوجه ،في طرابلس وبنغازى يحركون الواقع بالخطب والاجتماعات وفي الجامعة المصرية او الثانوية العامة يشكلون الخلايا السرية ،والسرد الذكى يحشد كل الوقائع امام الملتقى حتى لتبدو الحياة وكأنها اعيدت عن تلك الفترة من الخمسينيات،طرابلس وأثار الحركة الوطنية للطلبة والعمال ،فيظهر حشد كبير من الاسماء ،صفر والهاشمي يعتقلان بعد حادث القنبلة اليدوية بطرابلس،شفيق وحنفى وغيرهم يقتادون الى سجون الواحات والخوف يداهم الجميع ومظاهر التردد تبدو على حياة الطلبة المهددين بالطرد وواد كل الاحلام الوردية التى تحرك قلب الانسان في هذه المرحلة التى يمكن القول ان الكاتب قد امسك بخيوطها بشكل جلي وعير عن ملامحها بمستوى جيد،وان يكن في مقدوره وفي اتساع المرحلة ما يسمح للمرء ان يكتفى منه بما قدم ،نظرا لاتساع التجربة وغناها وتعدد الاصوات المؤثرة فيها وفي تطور احداثها و ابعادها.

قبل خمسة عاما

لقد التقيت كامل المقهور قبل خمس وثلاثين سنة كاملة ( خريف سنة 60) كان يومئذ ملء السمع و الابصار يكتب القصة القصيرة المتميزة ويتحدث عن فنها شبه الوافد بجدية واقتدار ،مما جعله يحتل حيزا واضحا في ثقافتنا وفي حياتنا الفكرية ،كان قد عاد لتوه من دراسته الجامعية ،وكنت امارس نشاطي الاجتماعي بنادي الشباب الليبي ،والذي لم يكن في حقيقته سوى جبهة وطنية تضم كل الفعاليات والقوى التقدمية ،كان الصراع على اشده في الوطن العربي ،وكان المثقفون الليبيون يحاولون الربط بين الواقع المحلي وحركة التحرر الوطني ،مذكرة ترفع احتجاجا على تجربة فرنسا الذرية وأخرى استنكارا لاعتقال لومومبا وكتابات اخرى عن معيتقية ونقابات العمال في حين يلتفت فريق اخر الى مشكلات طريق فزان ومحاولات التمكين للنظام الاتحادى بواسطة ترسيم الحدود بين الولايات الخ. والجميع يعانون من تأثير الوقع العربي ومن الانقسام الحاد بين العراق ومصر والوحدة السورية المصرية التى بدأت مظاهر فشلها تلوح في الافق ،حين اطلقت يد المشير بسوريا ،كامل المقهور بدا مشواره الوظيفي انطلاقا من ادارة قضايا الحكومة ،ويومها كان حديثا مهما ومعمقا ذلك الذي دار بيننا ازاء ما كان يجرى ،لم يكن ثمة موعد مسبق ولا معرفة شخصية سوى ما يحمل السمع ،ولكنه كان يتجاوز كل هذه الشكليات لينفذ رأسا الى العمق ،وما ذلك إلا لأن الامر كان فوق العلاقات الشخصية كان الامر يتصل بالواقع المعاش ومحاولة فهم شروطه وأسس تحريكه ،بعيدا عن الحلول الجاهزة والنصوص المعلبة ،كنا نهم بتوديع مرحلة العزوبية والدخول الى تجربة بناء بيت وتكوين الاسرة وكان ذلك سبيلا الى مزيد من التدبر والتفكير الهادئ ،مما قوى فكرة الاخذ بأسلوب التفكير بصوت عال عبر وسائل التعبير المتاحة وبالأشكال الادبية المعروفة المتمثلة في القصة والشعر والمقالة والعمل الاجتماعي ،كان الواقع يطرح اكثر من توجه ويتيح اكثر من خيار ،وكان التفسير الذي انتهى اليه البعض ووثقوا في جدواه ان العمل الثقافي حين يتقن ويحسن اداؤه يمكن ان يكون اكثر جدوى في بلد خال من الكثافة السكانية ومفتقد لكثير من شروط الاستقرار التى لامناص منها لطرح الخطاب الادبي الاجتماعي الذي رأى البعض يومئذ انه يمكن ان يقدم الحل الامثل ،ولعله من هذا السبب او من هذا الفهم اثر ان يصرف النظر عن طلبه الذي تقدم به الى المطبوعات في ذلك الزمان لإصدار صحيفة افريقيا الجديدة ،فلم يعمد الى رفع قضية امام القضاء بالرغم من انه قد تحول عقب هذه الفترة مباشرة الى سلك المحاماة،ومنذ ذلك الوقت توالت اللقاءات وتوالى الاسهام الثقافي بواسطة الحرف المكتوب ولكن سلطان الحياة كان اقوى والواقع الاجتماعي المتحرك اشد تأثيرا كان للتطورات الاقتصادية الناتجة عن تصدير النفط بعد منتصف الستينيات تأثيرها القوى ولمجموعة الشركات الوطنية التى تأسست عقب سنة 1967 تأثيرها الأشد ،فكانت غيبة المقهور التى بدأت كما قلت في البداية بالعودة الى محكمة الاستئناف ومن ثم رحلة الوظيفة طوال السبعينات والثمانينات حين وجد مجموعة من الاهتمامات التى اختطفته من دنيا الادب ،حتى ان اطفالنا حين التقوا بالمدارس لم يكونوا يعلمون عمق صداقتنا.

قصة ( محطات )

ومع بداية ازمة لوكربى ،التقيت المقهور بالقاهرة على هامش اجتماعات الحقوقيين العرب واللجنة العربية للتضامن ،فكانت حوارات مطولة ومراجعة دقيقة لرحلتنا الثقافية وتجربة جيلنا بالكامل ،تجربتى مع المدينة وتجربته مع مصر ،كيف تأثرت بموقف الناس من القاضي الذي حاول ان يحول بينهم وبين بيع منتوجه من التمر في القرية وكيف وجد هو عالما اوسع بالمدينة ،كنت قد فرغت من تدوين تجربتى التى جمعت بين احداث شاهدتها وأخرى شاركت فيها وكان هو بصدد التحضير لعمله موضوع هذه المعالجة وكان أهم ما اسعدني ما وجدته لديه من المتابعة لما نكتب في صحفنا ومجلاتنا فقد كان ملما بما طرحناه في باب قضايا لمجلة الفصول وفي صفحات مجلة ( لا ) كما الفيته متابعا لصحيفة الشمس ،مدركا كذلك لما تقدمه معظم الاجيال الجديدة ، ومن ثم كانت مداومته وكان حضوره ،حتى كانت ( محطاته ) لبتي قرأ لها وهي معدة للطبع في صيغتها النهائية فجمهوره بتوقيه وإهدائه المشرف.

استوقفنى تحديده في المقدمة : " سوف اذكر اسماء احمل لها ودا خاصا ، كانت رفيقا لي في انتظار القطار في المحطة ،او كانت جليسا في السفر ، او كانت انيسا في الوحشة ، وسوف ابعد من خاطرى كل من ناوشنى وأنا انتظر القطار ،او احاول ان يسرق مقعدى فيه او هاجمنى في مجلس او تطوع لرميي من عرباته ".

" ولم يعد في امكاني ألا ان اتغاضى وان اصفح ، ألا اننى اطلب العفو ممن ضايقهم جلوسي امامهم او الى جوارهم او حتى خلفهم .. اما من ركبت بدلا عنه او وصلت قبلا منه ،فله الصبر ولي المعذرة ".

فتلك هي خلاصة التجربة الحياتية ، سباق مستمر وصراع لا يعرف التوقف ،ولا تخفى حقيقته المبررات التى يفلح بعضنا في اختلاقها ويعجز بعضنا الاخر في ذلك عجزا بينا.

عطاء

ندرك ان هناك من سيتساءل هل هذا العمل وحده الجيد ،  هل هذه هي السيرة الذاتية الاولى التى كتبت او العمل الملحمي الوحيد الذي قدم ، وهي اسئلة مهمة وجديرة بان تثأر وان يقال بصددها ان ( محطات )  عطاء ضمن مجموعة من العطاءات المثمرة والجميلة ،بيد ان ما يميزها وهذه وجهة نظر خاصة انها لم تعمد الى الغرائبي ولم تهرب الى الثنائي وإنما عادت الى الواقع الى التجربة الحقيقية لتقديم رموز ،يحملون قضايا ويبنون حياة تزخر بكل شيء ،حياة فيها عريف الفصل الذي يمكنه ان يتطور يوما في رواية كاملة وفيها الشيخ الذي يمارس الرياضة بجلبابه الذي يصور مرحلة  من العمر ،وفيها استاذ التاريخ المتميز الذي تفتقت عبقريته بمصر مخلدا اسم الوطن ،ولعل سر الجمال في هذا العمل ومبعث الاهتمام به او الاحتفاء بالأصح انه قام على حقيقة مفادها ان المتغيرات لا تسوغ النكوص عن رسالة الفن الحقيقية وان للواقع نكهة لا تهزمها أي نكهة مستعارة ، وان الانا القوية بحق هي تلك التى تفلح ،بواسطة الفن وحده ،في توكيد ارتباطها الوثيق بالآخر في تلك المعركة الكبيرة معركة العدل والخير والتقدم التى لا مناص من خوضها لكل فن عظيم يتطلع مبدعه نحو الخلود.

بقى لنا ان نسأل :-  " هل كتب المقهور سيرته هذه وأقدم على نشرها فقط لأنه بلغ الستين في هذه السنة 1995 او ان هناك شيئا اهم حدا به الى تقديم عمله هذا الى المطبعة .. شيئا يتعلق بفكرة الكتاب وإبراز دور الافراد في حركة الحياة وبإمكانية الحوار حول هذا الكتاب ،أي وجود ظروف موضوعية ،والكتاب اول من تقدرها ،تجعل صدور مثل هذا الكتاب مألوفا ولا يتجاوز العادي".

من الواضح ان الحديث عن السن من قبل الكاتب لا يعدو ان يكون تبريرا لتوفير التشويق لتجربة القص ،اما الباعث الحقيقي فهو بتقديرنا يعود الى المناخ العام فهو دون غيره الذي حفز المقهور على العودة الى الحياة الثقافية بالحضور اولا والكتابة ثانيا و إلا لاكتفى بتدوين ما عن له تدوينه وقدمه للنشر تاركا الحكم عليه للتاريخ ،ولا غرو فالذين تحدث عنهم جميعا وخصهم بالشكر هم الان في قلب الحياة الثقافية.

من هنا وكما قلنا في غير هذا الموضع ،نحن ننتظر من الكاتب وقفة متأنية في محطة اخرى ،محطة ما بعد التخرج والدخول المباشر مع معركة الحياة حيث الطموح والأمل ،الانتصار والفشل ،الوصول والانتظار ،محطة الصدمة العنيفة بين النظرى والعملي ،بين الافكار العظيمة التى يحملها المرء في سنوات الصبا حالما بالجموع المتراصة التى ستقف منصته لما يقول مستجيبة لما يشير وبين الواقع المعاشي المرعب الذي يغتال بمغرياته لكل هذه الامال فيشيح المثقف بوجهه عن تلك الجموع الى قطاعات اخرى اكثر اغراء او تشيح هي بعيونها عنه حين تكتشف حقيقته او تفلل بواسطة قوى اخرى.

ولعلنا في حاجة الى القول بان الحياة الادبية لن تستفيد كثيرا حين يبعد المقهور من خاطره اولئك الذين ناوشوه او تضايقوا من جلوسه في القطار او حاولوا منعه من الوقوف بالمحطة او حتى ركوب العربة ،وربما ذهبت الى حد الشك في انه لن بغفل اولئك الذين استطاعوا الوصول قبلا منه ،اذ ليس المطلوب فنيا ان يجلس الجميع امام واعظ على الموعظة الحسنة ،ولكن المطلوب حقا هو ان يمسك الكاتب بهذه النماذج مجتمعه ليصوغ ملحمة مكتملة يلتقط خيوطها الاولى من سلوك هؤلاء جميعا ليمضي بعد ذلك قي تطويرها على مهل تعميقا لصوت انسان ما يزال الرهان على جواده قائما ، خاصة ونحن نعيش سنوات الانكسار ونتجرع مرارة كؤوس الاحباط و اللاجدوى ،ونحتاج بالتالي للاستفادة من السلبي والايجابي .

  لقد تحدث المقهور الى يوسف القويري الذي طرح عليه بعض الاسئلة المتعلقة بمشكلات الابداع ،فقال له ،ان لم تخنا الذاكرة ،ما معناه انه فقد النموذج الذي انطلق منه في تجربته القصصية التى عبر عنها في مجموعته الاولى ( 14 قصة من مدينتي ) وها هو الان يقدم نماذج جديدة في عمله السردي هذا ، نماذج ربما لا تصلح ان تكون ابطالا لعمل قصصي قصير ، الا انها بالتأكيد تصلح بما لا يوصف ان تشكل مادة خام لعمل سردي للجمع بين الواقع والخيال ، غير انها لا تحتاج الى تسامحه لأنه بلغ الستين ، بقدر ما تحتاج الى مزيد من الاقدام ومزيد من الجرأة بعد ان بلغ الستين ، كما نحب ان نطرح المسألة:

نعم نحن لهذا الموقف احوج ،وانه بذلك اجدر واحق.

نشرت في صحيفة العرب اللندنية العدد الصادر بتاريخ 9/11/1995

_________________________________________

باهيه

رواية الكاتب البرازيل جورج أمادو

أمين مازن

جاءت رواية الكاتب البرازيلي الشهير جورج أمادو إلى القارئ العربي، ضمن المشروع التنويري الضخم الذي نهض به في خمسينيات القرن الماضي المثقف اللبناني المناضل محمد عيتاني، والمتمثل في نقل أمهات الفكر الإنساني، إبداعاً وتنظيراً والذي ظهرت أثاره الإيجابية في حينه، هو مشروع شاركه في انجاز مفردته هذه المرة ( رواية باهيا ) الدكتور عفيف دمشقية وهو أحد الذين سلكوا نفس النهج، فيما نهضت بمسئولية النشر دار الآداب البيروتية، تلك التي كان لها ولمؤسسها الأديب الراحل سهيل إدريس الدور المشهود في حقل الترجمة منذ تأسيسها في تلك الفترة المزدهرة في مسيرة العمل الثقافي الملتزم وتجلياته التقدمية والقومية عندما اضطلعت على نحو خاص بترجمة أعمال الكاتب والفيلسوف الفرنسي الوجودي جان بول ساوتر ورفيقته سيموندي بوقار ، فكان ذلك الموقف بمثابة التعويض عن الهجمة التي وجهت للفكر الاشتراكي، على خلفية الخلاف الذي تفجر بين مصر الناصرية والعراق الجمهورية في آخر الخمسينيات مما سمح لليمين المصري أن يوظف المد الناصري في العودة بمصر القهقرى لبعض الوقت .

وكانت الثقافة العربية قد عرفت جورج أمادو من خلال روايتين خالدتين : أرض ثمارها من ذهب التي ترجمها الأستاذ عوض شعبان عن اللغة البرتغالية مباشرة، وكان عنوانها الأصلي " كاكاو " و " فارس الأمل " التي نهض بترجمتها الأستاذ أحمد غربية وكان عنوانها الأصلي " قباطنة الرحال " .. فيما كانت " باهيا " موضوع هذه السطور بمثابة المختتم للثلاثية الروائية التي خص بها الأولاد المتشردين إذ انصرفت الاثنتان السابقتان لحياة الزنوج وحياة شغيلة البحر الصياديين.

ولا شك أن التاريخ المنصف لمسيرة الفكر السياسي العالمي وتأثيره في العملية الإبداعية العربية، حين يكتب له أن يروي بأمانة سيقول الكثير حول إسهام جورج أمادو في الخريطة الإبداعية تحديداً، خاصة وأننا قرأنا في السنين الماضية الكثير عن أهمية الرواية الأمريكية الجنوبية وبنيتها الفنية المختلفة عن الأخرى الأوروبية ولكن لم نجد كلا ما يذكر عن هذا الروائي الرائد والمناضل المقدام والذي انجاز وقد نقول وجب أن يختلف مع توجهاته من يختلف، ويقول عن هذا الاختلاف كل ما يروق له، إلا أن ذلك ينبغي ألا يصل إلى حد تغييبه من المشهد التاريخي في المطلق . أما إذا لم نجهل حقيقة أنه من الذين عرفوا ظلام السجون وأهوال المنافي، وكذا مصادرة الكتب وإحراقها ومنع تداولها في البلدان ذات اللغة البرتغالية، وأن هذه الرحلة قد توجت باختياره نائباً في البرلمان عن الجبهة الشعبية البرازيلية التي صار عضواً في حزبها الشيوعي، وفي الزمن الذي كانت فيه النظيرة المذكورة ومنظومتها بالكامل تتقدم المعسكر المعادي للاستعمار التقليدي وسياساته المعادية للشعوب، وكان أمثال جورج أمادو من القوى المعادية للسياسات الاستعمارية الاحتكارية ويقولون كثيراً على دعم المعسكر الاشتراكية ويواجهون بالمقابل الكثير من العسف والكثير من التآمر متعدد الوجوه والمجالات، تلك التي طالما تفنن فيها السناتور ماكارثي وحلفاؤه من أساطين إمبراطورية المال أولئك الذين لم يترددوا في أكبر أنواع البطش بكل من يقترب من المصالح الاستعمارية وسياساتها الرامية إلى أي شكل من المساس بها ولو كان على هيئة إبداع، كذلك الذي أجاد فيه جورج أمادو وأدرك جدواه الذين عملوا على نقله إلى اللسان العربي للدوافع التي أومأنا إليها .

اختار الكاتب لإحداث روايته هذه مكانناً شمال شرق البرازيل ، أما الشخصية الرئيسة التي شكلت محور الأحداث، وهيأت لفن الحكى لاحقاً أن يجسد ما أفلح الروائي في إتقانه من فنون التطوير، فقد انطلقت من المتشرد الطفل انطونيو بالدوينو الذي لم يكن في البداية يتجاوز هذه الصفة، حيث بدأ حراكه وهو في الثامنة من عمره وقد ابتلى وقتئذ أن يفقد أبوبه الاثنين لتحمله الرعاية إلى نوع من الرعاية المتواضعة التي لم تزد على تأمين مكان المبيت وربما القليل من القوت، فلم يكن أمامه بالتالي إلا أن يمضي نحو تلك المعيشة التي لم يكن فيها أكثر من صبي متسكع أو كما تقول صفحة الكتاب الخلفية سوقيا وملاكما محترفا، ودائم التردد على الحانات و المباغي، وقبل ذلك متسولا صغيرا إلا أنه مع النمو الجسماني ما يلبث أن يشتغل في مزارع التبغ وأحواض السفن واحتراف الملاكمة والعمل أيضاً بالسرك مما جعله دائما يبحث عن درب البيت ليقيم غراميات لا واقعية في أمكنة ونساء متعددة الأعمار والألوان ولاسيما البيضاء ليند ينالقا والفاتنة روزيد روزيندا إلى جانب مجموعة من الرفاق الذين كان بعضهم في سنه وبعضهم الآخر جاءت بهم طبيعة النشاط وما ينتج من التعاون انطلاقا من الاحتياجات البسيطة التي قد لا تزيد على لقمة العيش والسعي لضمانها في عالم الطفولة بالتسول ، وما في حكه من قليل الخدمات في هذه المرحلة العمرية التي بدأت كما سبق ولاحظنا بالطفولة لتتطور بعد ذلك في سنوات المراهقة إلى وضع مختلف ، عندما ينظاف إلى حاجة الجسد الصغير للقمة العيش حاجات أخرى ، فكلما نمت الأجساد وتوفر الغذاء برزت حاجات أخرى وتنوعت أساليب الحصول عليها، وعلى رأس هذه الحاجات وفي تلك المجتمعات المفتوحة مسألة الأنثى التي تكون شبه عالية في النص حيث يبدو و بالدوينو هذا الذي هو محور النص حازما وهو يهب في وجه ذاك الذي فكر أن يجره إلى النشاط المثلي ليصرخ في وجهه على مري ومسمع من الحاضرين جميعا ، وفي تلك الفترة المبكرة من حياته التي كان فيها يواجه ضغط الحاجة، وربما يظن ظن أنه قد لا يجاهر بموقفه هذا فإذا به يرجح كفة النشاط الطبيعي وفقاً لسنن الحياة والناس، وهي تفاصيل فضل الراوي أن يدفع بها في مشروعه السردي إذ عمد بادئ ذي بدء أن يدشن نصه من جولات الملاكمة التي شهدها بالدوينو ثم تقدم إليها أملا في الفوز فإن لم يفلح في الفوز تراه لا يتردد في تهديد ذلك الخصم وتوعده بالانتقام، ذلك أنه في هذه المرحلة لم يزد على كونه فتي يعاقر الجعة أمام مشاهديه كافة ، فهو عملياً يعيش حياة قوامها الحرية بل إن الأب والقديس الذي حماه بعض الوقت واختصر اسمه إلى بالدو فقط لم يجد غضاضة في الدفع به نحو هذا المنحى مما جعل من فكره العودة إلى الخلف والفلاش بالا حسب المصطلح الأجنبي التي طالما سادت بعد ذلك النصر أكثر قدرة على جلب المتعة الضرورية لكل من يمارس فعل القراءة، والقراءة التي تتخذ من النص سبيلاً لإلقاء البذور التي يسعى القائمون بها إلى تحقيق حلم التغيير الجذري في علاقات الإنتاج وما يرتب عليها، وهو ما لن يتحقق بدون تلك الثقافة المتمردة التي يحررها المبدع عبر الحوار الدائر بين الشخصيات التي تعايش الواقع وتسوق داخله ما يترتب من توصيف الممارسة وعلى رأسها مسألة العبودية أو الرق، التي كانت قد ألغيت رسمياً، ولكنها بحسب بالدوينو قائمة عملياً، والأمر عينه بالنسبة لجريمة الخص التي سمي باسها جبل أطلق عليه "الخص الزنجي" فجميع الفقراء مازالوا أرقاء وعهد الرق لم ينته بعد كما عبر بالدوين. فالحرية لا تتحقق ما لم ينته الفقر ويظفر الناس بما يحتاجون إليه كما تقول النظرية المادية التي يتبناها جورج أمادو نقلاً عن مارس بالطبع، ومثله بعض المسلمين الذين يجدون ضالتهم الثورية في آراء الإمام علي بن أبي طالب حول الفقر بالذات، على أن ما ينبغي الانتباه إليه هو مقدرة هذا النص الروائي على التبليغ بالمضمون المبتغي حين يمتلك الراوي خصيصة الإتقان بما يمتلكه من التشويق وعدم التكلف وترك الشخصيات الروائية تتحرك على سجيتها معبرة عن احتياجاتها الجسدية وطلباتها المادية فيكون النص في مجمله وصفا لمرحلة من مراحل حراك بعض القوى وموقفها تجاه الأحداث والحياة، وكذا تطور مفاهيمها ونضوج تجربتها بحيث يتحقق الوصول إلى المستهدف من خلال اكتمال وعي الشخوص وقدرتهم على أغناء تجربتهم وتطوير آرائهم، حتى وهم يمارسون ألعابهم ويسعون إلى امتلاك ملذاتهم، وعلى ذات القدر الذي قد يفقدون ما رغبوا فيه، وأحبطوا جراء خسرانه والإخفاق دونه، فمن التنوع في الآراء والممارسة تحقق الحياة دوما بكل ما تحتاجه من الخصب والحيوية وما يجعلها دائما جديرة بأن تحكى وتكتب بعد أن تحي وتقرأ بالطبع .


لقد كان أمادو مستوعبا لما يجب أن يعبر عنه ويوظف نصه الفني له، ألا وهو تقديم عينات من البشر تعبر عن مأساة الزنوج الذين نذر نفسه لقضيتهم ولفضائح التمييز العنصري الذي ظل سائداً عملياً في العالم الجديد، على الرغم من الأخبار القائلة بإلغائه نظرياً، ومن هنا كان تفطن إلى البحث في أحوال أكثر الطبقات فراً وأبعدها عن إمكانية العمل المطلوب، أولئك المتشردين من الذين ليس لهم مستوى العمل الجيد ولا المهن المؤذنة بتحقيق التطور إذ متى كان يمكن أن يوجد ذلك في حياة الحانات و المباغي وأحواض السفن الراسية ليس لغرض الصيانة وإنما لتصريف الفضلات بواسطة أولئك المستخدمين في الغالب، غير أن الأحزاب الذي وجد نفسه في حطنه ذات يوم واستطاع أن يكتشف من خلاله جدوى التحرك الجمعي ما لبث أن دفعه لأن يكتشف نوعية هذه الحياة، ومردود هذا الحراك العام، ولهذا أصبح يتطور المرة تلو المرة مستفيداً من التجربة ومن العمر، فأعطى ذلك هو الآخر للنص المزيد من الإمتاع والمزيد من التبليغ، والمزيد من تصليب عود المشاركين في تلك المسيرة الطويلة، وكان ذلك يتجسد في عديد المقاطع التي استخلصت من مسيرة انطونيو بالدوينو تحديداً ذلك المتشرد الذي صار من خلال النضال الصلب من أكثر الناس تعبيراً عن هموم المواطنين الزنوج وما يحسونه من المواجع ويستشعرونه من النواقص، إلا أن هذه الأمور مجتمعة لا تقبل بالفوضى ولا ترضى أن يرتبط الأحزاب بالعنف أو الأضرار بمصالح الناس ومطالبهم...

فالخلاف مع الاحتكاريين والرأسماليين لا يعني الإساءة إليهم، ولا يبرر الاعتداء على أجسادهم، إذ المرفوض ثورياً هو سلوكهم هو موقفهم المبرر للاحتكار، ثقافتهم الداعية لذلك، ذلك أن سلامة الخصم شرط من شروط الحضارة والتزام بما تفرضه من استحقاقات، إن جورج أمادو معتنق الفكر المادي الذي يرفض في جوهره وجود الآلهة ويخشى من القبول بما أن تخمد جذوة النضال، وانتظار الحلول بمنأى عن النشاط الإنساني ، وكثيراً ما طرح على ألسنة بعض الأسئلة الملحة بصدد غياب الإلهة عند اشتداد أي مظلمة بعكس ما يؤدي إليه الموقف البشري الحازم نراه يدفع بطله الرئيس بالدوينو كثير التواصل مع بابا الكنيسة، بل لقد كان لهذا الأب الكثير من الفضل في رعاية بالدوينو، وفي السنوات الأولى من عمره وكذا فترة تنشئته، وذلك لأنه على ما يبدو يريد أن يعمق الرأي القائل بأن الثورة على مظالم الاحتكاريين وسلوكياتهم مشروع يهم الجميع ويحتاج إلى مجهود الجميع، لأنه ربما ليس ذلك الذي ألفه الناس في بلاد أخرى حيث الحقد الطبقي الذي لا رحمة فيه ولا شفقة ولا مشاعر إنسانية تبيح الحب حتى أن ستالين لم يتردد في أن يقول لذلك الأديب الذي طلب رأيه في نص أدبي غزلي، يكفي أن يطبع من هذا النص نسختان واحدة للشاعر والأخرى لحبيبته، إنه التطرف الذي جعل هذه النظرية في بلد ذلك المستبد تسقط بعد سبعين سنة من الحكم والعكس في عالم آخر

________________________________________


موقع الكاتب والاديب : أمين مازن

  www.aminmazen.com © 2020- 2008

طرابلس - ليبيا

Tel 0913245901