التليسي مؤرخا

التليسي مؤرخاً

أمين مازن

21-5-2018

شملني كرم الأستاذ و المؤرخ المثابر عمَّار جحيدر بإهدائي نسخة من أحدث إصداراته ،التليسي مؤرِخاً، المُكَرَّس كما هو مُحدد من عنوانه للأديب الكبير الراحل الأستاذ خليفة التليسي الذي فارقنا جسداً في مطلع هذه  العشرية بعد عمر دام ثمانين سنة كاملة، قضى منها ستين سنة في ميدان الفكر أديباً موسوعياً و مترجماً معطاءً و كاتباً مميزاً، مع سيرة عملية بدأت من التعليم و مرت بالصحافة، لتبلغ نضجها في أرفع منصب إداري بمجلس النواب فحملُ حقيبة وزارة الإعلام و الثقافة فدخول العمل الدبلوماسي عشية تبوئه منصب السفير الليبي بالمغرب، و أخيراً التفرّغ لرئاسة المشروع الثقافي الليبي التونسي المشترك طوال عهد الفاتح من سبتمبر إلى حين رحيله في مطلع العام 2010، لم يكن فيها مجتمعة سوى ذلك المُنحاز الأول للثقافة و الأدب، مما هيأ له أن يترك هذا الأثر الكبير من المؤلفات النفسية التي شكَّلَ التاريخ أكبر مجالاتها و دفعت بالتالي الأستاذ عمَّار أن يُعنون كتابه كما أشرنا في مطلع هذه السطور مُثبتاً إلى جانب أرائه الشخصية و تحقيقاته الذكية صوراً لعديد المقالات التي تابعت هذا الفيض من الكُتُب عبر الصُحف و المجلات و من أقلام ليبية و أخرى شقيقة و صديقة و من بينها بعض ما تسنى لي الإسهام به من المقالات التي تناولت آثار التليسي و مواقفه و تميّز دوره، منها ما يعود إلى العام 65 من القرن الماضي، أي بعد أن توثّقت صلتي به بسنتين، إذ تشرّفت بالإقتراب منه في العام 63 عندما اختاره الأستاذ عبد اللطيف الشويرف، وزير الأنباء و الإرشاد في ذلك التاريخ، لرئاسة اللجنة العليا للإذاعة الليبية مع عدد من المثقفين بأسمائهم، أذكر منهم مع حفظ الألقاب محمد رفعت الفنيس و عبد المولى دغمان و رجب الماجري، و آخرين بوظائفهم، و قد كُلِّفت حينها بسكرتارية اللجنة المذكورة، كان الرجل يومها سكرتيراً عامّاً لمجلس النواب فيما كنت أشغل السكرتير الإداري المساعد للوزارة، كانت حركة النشر ما تزال متعثّرة و بعض الدوائر لا تُخفي ضيقها مما يلوح في الأفق من حراك صحفي قد لا يكون مُريحاً للقوى التقليدية عندما أصدرت حكومة الدكتور فكيني لمجموعة من الصحف الخاصة أشهرها الحرية و الحقيقة و البلاغ، و تنفيذ الحكم الصادر من المحكمة العليا بإصدار الأيام للمحامي عبد الله شرف الدين، هو توجه تزامن مع تحسّن أحوال البلاد الإقتصادية جرّاء دخول البترول في حركة الإقتصاد الليبي و خروج البلد من قائمة الدول المُعتاشة على المعونات الأجنبية التي تقررت عقب الإستقلال في مطلع النصف الثاني من القرن العشرين و بموجب تأجير بعض الأراضي و حتى الشواطئ للأغراض العسكرية التي حُددت يومئذ بعشرين سنة، إلى دولة في طريقها إلى الغِنَى و تهيؤها لدور يختلف عن الماضي و يُلقي عليها إستحقاقات نحو محيطها، خاصة و أن المرحلة ،موضوع الحديث، إتفقت مع الموعد المُحدد لمراجعة المعاهدتين البريطانية و الأمريكية و ظهور تيار سياسي جديد في تلك العوالم، يرى أن من واجب فقراء الأمس و قد منَّ الله عليهم بثروة النفط أن يُسهموا في مساعدة غيرهم من الأشقاء و الأصدقاء بل و يسددوا فواتير بعض ما يُنفَق في الدفاع عنهم، بدل انتظار المساعدة المالية التي كانت تأتي من تلك القوى قبل هذا التاريخ، فكان في ذلك كله ما زاد في مسؤلية الأجيال الجديدة من الليبيين الذين أدرك بعضهم أهمية التساوق  مع هذا الإستحقاق، و ظل بعضهم متردداً، فيما جنح البعض الآخر إلى الرفض فخلع عليهم اللاعبون السياسيون الأقوياء صفة الوطنية، تلك التي سوقت لمصالح أولئك الأقوياء، و كان التليسي في منزلة بين المنزلتين مما جعله حتى و هو يستلم حقيبة وزارة الإعلام في حكومة محمود المنتصر الثانية و خليفيه حسين مازق و عبد القادر البدري لا يتجاوز صفة الوزير المهني أو الفني إن صح التعبير، على الرغم مما أفلح في أدائه بصدد المرافق و الأشخاص و تركه المسألة الإعلامية للمكلفين بها مباشرة كالإذاعة و المطبوعات و وكالة الأنباء، و كان المنصفون مدركين لذلك و مشيدين به على أكثر من صعيد، و قد منَّ الله أن كنت من بين الذين قدّروا له ذلك و جاهروا به في كتابات كثيرة حتى أنني أثناء الإحتفال بمنحه و عدد من كبار المثقفين ما سُمّيَ يومئذ بجائزة الفاتح للآداب و في حديث غير منقول مع العقيد القذافي و التعريف بمُنجز الرجل و العمل على إنصافه قُلت إن معظم الأسماء الموجودة في الساحة كان للتليسي الفضل الكبير في تسوية أوضاعهم الوظيفية في ستينيات القرن الماضي، رغم أن الرجل لا يُحبِّذ الحديث عنه كوزير سابق، و أنني بعد مرور سبعة و عشرين عاماً  من عمر الفاتح لا أرى مُبرراً لغض النظر عمَّا هو إيجابي، و للأمانة قال الرجل أنا معك في هذا و كان التأييد سارّاً لي أيما سرور. لقد استوقفني خلو كتاب الأستاذ عمار المُتّصف إلى حد كبير بالبيبلوغرافيا من المقال الذي كتبته في عام 66 عن كتاب التليسي "رفيق شاعر الوطن" و حواه مجلّد مجلة الروَّاد عن ذات السنة، و لم يغفله الأستاذ جحيدر في بعض استشهاداته في الندوات التي تعرّضت لجهود التليسي التاريخية، إذ أن المقال لم يتوقف عند آراء التليسي النقدية و إنما انطلق بدايةً من موقفه من التاريخ، إن و هو يتناول بعض الأحداث التي جسّدها تمرد غومة المحمودي و نظيره عبد الجليل سيف النصر، و مدى استحقاقهما لصفة الثورة، أو و هو يخوض في دوافع الإستعمار الإيطالي و يعزوها إلى ما سوى العامل الإقتصادي و هو ما لم نتردد في عدم مجاراته في حينه، و من دون إخفاء المرجعية المنهجية و إن جاءت على هيئة نفي، و إذا بالكتاب و رغم ذلك الثناء لم يحو المقال و بالأحرى صورة منه، و هو نفس الموقف الذي ذهب إليه الأستاذ التليسي عندما وضع أمام المرحوم سليمان كشلاف مجموعة من المقالات التي تناولت كتبه، و لم يكن من بينها المقال المذكور، على الرغم من أنني استمعت منه في واحدة من زياراتي الكثيرة له ثناءً عليه و اعتزازاً بنشره و هو ،أي التليسي، يشغل منصب الوزير، لما جسّده المقال من الدليل القوي على ما سادَ في زمنه من مساحة الرأي، ثم نُفاجأ بغياب المقال، و عندما أبديت استغرابي من غياب المقال كانت الحُجة عدم وجوده بين الأصول المحفوظة و كان السبب غير مقنع، و لم يسمح الوقت حينها للحوار، إذ ما لبثت أن نشرت المقال في هذا الفضاء فتحقق التوثيق، أما الأستاذ فقد عدَلَ عن رأيه في ما كتب بعد ذلك حول الإستعمار الإيطالي و دور بنك روما في استمالة عديد الليبيين المشاهير في تلك الأيام، و لعلّه بعدوله هذا قد رأي عدم ضرورة التكرار و ربما لإصراره على رأيه النقدي في شعر رفيق الذي دفعه إلى عدم اختياره أي نص من نصوصه في كتاب المختارات بما في ذلك قصيدة "رحيلي عنك" و التي خدعت العقَّاد ،كما يرى التليسي، عندما اعتبرها حُكماً لشاعرية رفيق، و هو موضوع تناولتُهُ هو الآخر عند الكتابة عن المختارات و نشرت بمجلة الآداب البيروتية مُعبِّراً فيه عن اصدار مختاراته خلوَّاً من أي نص من نصوص الشعراء الليبيين، و تبريره لموقفه ذاك بالقول أن مختاراته تلك احتكمَ فيها للنصوص التي كونت ذائقته الشعرية، و هو ما لم يجده لدى الشعراء الليبيين لما في مثل هذا الحكم من تبرير الإقصاء ليس غير، ذلك أنه لا يستقيم مع ما كان له من الثناء على قصيدة رفيق المهدوي "رحيلي عنك" و التي اعتبرها خدعت الأستاذ العقَّاد بما كان له من المديح لشاعرية رفيق،كما ذكرت، لأن الحكم لا يكون من المختارات و إنما من مجموع الأعمال، و أن خليفة التليسي الذي أدرك الحياة في ثلاثينيات القرن الماضي و تعلّمَ في أربعينياته لا يمكن إلا أن يكون قد تأثّرَ بنونية الشارف الشهيرة "رضينا بحتف النفوس رضينا" و هو  بدون شك اعتراض لا يُقلل من مكانة التليسي استناداً لرأيه في مقدمة كتاب رفيق "يوم يتفق الناس على عظيم فإن ذلك هو اليوم الذي يعلن فيه التاريخ نهايته" و لعلِّي من هذا المنطلق لم أُحبذ للصديق الدكتور محمد أوريِّث إحجامه عن نشر بحثه المستفيظ الذي بلغ حجمه كراسة كاملة حول مُنجَز التليسي النفيس من كنوز القواميس لثقتي أن ملاحظات أوريِّث و إظافاته و تدقيقاته ستُثري الحوار و تخصب العطاء و تكمِّل ما نقص. و ما أكثر ما دعوت هذا المثقف المعطاء و المُترجِم المُقتدر "التليسي" إلى ترجمة ما قرأ لكروتشه في علم الجمال و هو يستشهد به في عديد أحاديثه لما في ذلك من تخليد له لدى الأجيال القادمة، و بذات الفهم تمنيت عليه أن يترجم ما قرأه عن مواقف القوى الإيطالية التقدمية من الغزو الإيطالي لليبيا لما في ذلك من التناسق مع ممارساته الديمقراطية لولا أن ما جُبِلَ عليه من الحذر و التكتّم كثيراً ما أفسد عليه ترسيخ جميل ما قد صنع. لقد عاشر الكيان الوطني منذ نشأته، و نشر مقالته الرائدة عن الشعر بصحيفة الليبي ذات الموقف الخاص من الزعيم السعداوي، فكان قريباً من طه حسين الذي نشر بصحيفة الأحرار الدستوريين حزب الأقلية. مُخالِفاً أقرب العلمين الأوائل إلى نفسه عباس العقاد الذي لم يرض بما سوى الناس، و امتلك من خلال هذه المعاصرة و حتى المشاركة الكثير من المعلومات التي كونت لديه شهادة مهمة لم يبادر بتسجيلها فحرَمَ الأجيال عامة و رحلته الحياتية خاصة، بل لعلَّها يمكن أن تكون أكثر إلحاحاً من مشاركاته في بعض الأمسيات الشعرية بالإلقاء الذي همستُ له عنه في حينه و هو يشارك في مهرجان رابطة الأدباء للعام 88 خشية من الحضور الذي ما لبث أن وجد نفسه مُحرجاُ في تحشيدات سرت، فيتكلّف ما كان غني عنه، و لعلّي بهذه الخلفية قبل غيرها كنت شديد الإصرار على المشاركة في تأبينه إلى جانب  الأستاذ المصراتي الذي تحدث باسمه الشخصي و الدكتور الجراري الذي تحدث بصفته كمدير لمركز الجهاد و المرحوم الدكتور خشيم الذي جمع بين مركز الجهاد و رابطة الأدباء و الكتاب، فيما جاءت كلمتي مركزة على السيرة التي أوجزتها و لم يُخف عديد الحاضرين تقديرهم لموضوعيتها أبرزهم الدكتور محمد الشريف و الأستاذ مصطفى الهاشمي، خاصة و أنني لم أهمل دور الأستاذ الجليل عبد اللطيف الشويرف الذي أمَّ المصلين و الذي عَزَفَ عن أي مشاركة إعلامية أثناء تقلّده للوزارة في حكومة الدكتور فكيني. المفارقة العجيبة أن هذه الكلمة قد أُسقِطَت من التقرير الإخباري الذي أعدّه مندوب وكالة الأنباء الليبية حول مراسم دفن التليسي، و كان من سوء حظ من أخلّ بالأمانة أن عثرت بمحض الصدفة على صحيفة  الزحف الأخضر التي نشرت التقرير و عقب السابع عشر من فبراير فضممتها لمحفوظاتي و أتيقن أن النوايا دائماً هي سيدة الموقف، و أن "المتحزّم بالايام عريان" كما يقول المثل الشعبي فها نحن ندرج كل هذه التفاصيل في هذا الفضاء الذي لا سلطان عليه إلا الضمير الذي نتعشّم أن يكون مُنصفاً و مُتخلِّصاً من أي ردة فعل، و مازلنا نواصل إدراج كل ما لدينا عن هذا الرمز و غيره من الرموز الوطنية، و ستكون مبادرات الأستاذ جحيدر على رأس ما يشحذ الذاكرة و يحفّز على المشاركة و تعويض أي تجاهل أو تعويق أو إعطاء أيٍ كان ما ليس من حقه. فالشكر كل الشكر للأستاذ جحيدر و الرحمة كل الرحمة للتليسي الأديب و المؤرخ و المتسلّح بالكلمات التي لا تموت.     

قبل وضع الشاهدة


في تأبين الأستاذ خليفة التليسي


 


طرابلس 15 / 1 / 2010


 


الله أكبر في سر وإجهار


لاحول للمرء فيما يفعل الباري


الله أكبر إن الموت جارتنا


والحياة سوى ضيم وإكدار


قالوا توفى كريم النفس قلت لهم


ما مات من ملأ الدنيا بآثار

 



هكذا وصف شاعرنا " إبراهيم الهوني " رحيل توأمه في الاسم والشعر " إبراهيم الأسطى عمر "  قبل ستين سنة مضت ، التي هي عمر الحضور الثقافي في الكامل لفقيدنا الكبير خليفة التليسي الذي نقف اليوم آسفين لفقده متأسين بضخامة أثره وعظمة دوره وجلال فخره ، عندما بدأ مشواره الثقافي وهو في الثامنة عشرة من عمره " 1948 معتمداً أشرف المداخل وأكثرها خلوداً هو مدخل التعليم ومن المكان المتوفر " مدرسة جنزور " فإذا ما آنس في نفسه أن لديه مايمكن أن يتقدم به في إطار المتاح النقدي الذي رفع به صوته المختلف ورأيه المتحدي ومن خلال أكثر المنابر الصحفية اصطداماً بالشارع السياسي هي صحيفة الليبي التي وجدت في قلمه " قلم التليسي " ما يمثل أشعاراًلذلك الجبل الذي انطلق مشواره من الواقع وأخذ يحفر طريقه بأظافره اعتماداً على جهود بعض من سبقه ، من أمثال علي و أحمد الفقيه حسن وعبد السلام خليل ومظفر الأمير وعبد السلام باش إمام إلخ . أولئك الذين كان لهم من فضاء النادي الأدبي ماأكد حضورهم المميز وتأسيسهم المحلي الذي أسهم فيه بقوة أمثال الشيخ عمر الجنزوري وعندما وجد التليسي المجال الأرحب المتمثل في جريدة طرابلس لم تغره اللعبة الإعلامية التي كانت كفيلة بتحقيق الصعود السريع لو انطلق من تلك الصحيفة إلى تأييد الطروح والمضي في العمل الصحفي المغري .. ولكنه اختار الطريق الأصعب والعمل الأبقى والأكثر قدرة على صون النفس وتحقيقها لإنجاز الأنفس والنفيس ، فكانت مزاوجته بين التحصيل والإنجاز بين الأخذ والعطاء بين الأدب والتاريخ بين التطور الوظيفي والمشروع الأدبي . وهكذا فبقدر ما واصل رحلته العملية من سكرتارية ومجلس النواب والقيام بوظيفة الجندي المجهول الذي يرجع إليه الفضل في إسداء المشورة الجادة للناشطين في ذلك المجلس والأكثر من دورة ، ليقدموا الاقتراحات البناءة والأسئلة الذكية والاستجوابات الحادة فضلاً عن الإسهام في صوغ القوانين تعديلاً واستحداثاً ، فإذا ماتطور به الحضور وأفسح أمامه المجال وآلت إليه حقيبة الوزراة " الأنباء والإرشاد " كان مصراً على جعلها ثقافية أكثر منها إعلامية ، فكان كصديقه الشويرف الذي سبق في حمل هذه الحقيبة ومثالاِ للعزوف عن الدعاية الشخصية والسير خلف المناسبة حتى إننا لانعرف له اسهاماً في أية مناسبة من المناسبات التي كثيراً ما سعى إليها من هم بمنجاة عن إحراجاتها وتراهم يصرون بتطوعهم نحوها يحرجون غيرهم فإذا ماأذن الزمن بخروجه مماكلف به كان له ذلك الكم الهائل من الكتب التي شرع بوالي إصدارها والتي وجدت في وقت لاحق وفي زمن الفاتح من سبتمبر تحديداً ماجعلها تكون مكتبة كاملة ترجمة وابتكاراً تجعت بين الدراسة الأدبية والتاريخية وكذلك الغامرة المجمعية مماهو كفيل بحضوره الدائم القادر على هزيمة الموت فهذه المدونة الكبيرة كماً وكيفاِ ستوفر المجال الخصب للكثير من دراسات الدراسين وضمان إضافتهم ومحاوراتهم مما يحقق البقاء الذي لايعنى بالغياب الجسدي ، بل يؤكد الحضور الفكري وقد أقول الروحي .


فإذا كان المقام الآن يسمح بالمضي في هذا الحديث الذي يتجاوز واجب المجاملة والتأثر بجلال الموت لأنه جزء من شهادة لم أتردد في الجهر بها طوال اللقاءات التي لم تنقطع أبداً منذ أن توقفت صلتي به أوائل الستينيات القرن الماضي إلى أن داهمه المرض الذي أذن بدنو أجله صلة اتسمت بالحوار والمكاشفة دون أن تحمله مالا يحتمل أو تطلب منه مالايستطيع معتمدة باستمرار قول الشاعر العربي


 


ومن ذا الذي تحصى سجاياه كلها


كفى المرء نبلاً أن تعد معايبه


 


فالعزاء في الراحل الكبير منا ولنا ، والدعاء الصالح من الحضور له خالصاً منا . بقدر تراب الوطن الذي أحب الفكر الذي أثرى والتاريخ الذي صان والأدب الذي لم يسلك طريقاً عداه عسى الله أن يغفر له ولنا معه ، ويجعل منه القدوة الحسنة والرمز الأبقى


ولله الأمر قبل ومن بعد وله الحكم وإليه ترجعون


____________________________________

رفيق‮ ‬شاعر الوطن ‮للكاتب خليفة التليسي ‮ ‬

أمين مازن

( نشرت في مجلة الرواد سنة 1966 )


عند‮ ‬الحديث عن الحركة الأدبية‮ ‬التي‮ ‬برزت في‮ ‬بلادنا‮ ‬وتكاملت شخصيتها‮ ‬،‮ ‬وتعددت ملامحها في‮ ‬فجر الاستقلال‮ ‬،‮ ‬وقامت على إنقاض ثقافة ما بعد‮ ‬الحرب العالمية الثانية‮ - ‬متمثلة‮ ‬في‮ ‬البحث‮ ‬الأدبي‮،‮ ‬والقصة القصيرة‮ ‬وأخيراً‮ ‬المسرحية والعمل المترجم ‮يبرز الأستاذ خليفة التليسي‮ ‬في‮ ‬مقدمة الأسماء التي‮ ‬قدمت أعمالاً‮ ‬أدبية‮ ‬اتسمت منذ البداية باستقامة الشكل‮ ‬ووضاءة‮ ‬المضمون‮ ‬،‮ ‬وتحقق‮ ‬الشخصية‮ ‬الفكرية‮‬،‮ ‬التي‮ ‬لا تضيع في‮ ‬الزحمة ولاتقتلها الأنانية والغرور‮ .. ربما كان حظ هذا الرجل بالنسبة للتأليف‮ ‬،‮ ‬لم‮ ‬يكن كما‮ ‬يجب أن‮ ‬يكون‮ ‬بل إن المندفع ورا ء الأحكام المتسرعة قد‮ ‬يقول‮ ‬إنه شحيح‮ ‬العطاء‮‬ غير أن الذي‮ ‬يعرف ما لدى‮ ‬هذا الكاتب من مقالات ودراسات‮ ‬مختلفة‮ ‬،‮ ‬بالإرضافة‮ ‬إلى الأعمال المترجمة التي‮ ‬لو‮ ‬جُمعت لشكلت‮ ‬عدداً‮ ‬لا بأس ‬به من المؤلفات بحيث‮ ‬لايمكن‮ ‬أن‮ ‬يتورط‮ ‬في‮ ‬مثل‮ ‬هذا الحكم ومع ذلك‮،‮ فحتى ولو سلمنا أن‮ ‬التليسي‮ ‬ليس‮ ‬لديه سوى ما قدم‮ ‬للمكتبة الليبية‮‮ ‬فإن هذا‮ ‬أيضاً‮ ‬ليس بالشي‮ ‬اليسير ‬ذلك ‬أن كتابات التليسي‮ ‬من البداية كانت تشير‮ ‬إلى‮ ‬أن‮ ‬كاتبها ذو مستوى‬

أجل لقد‮ ‬كانت تشير ‬بوضح على‮ ‬أن كاتبها‮ ‬يقف على أرضية‮ ‬غير رطبة‮ ‬وينطلق‮ ‬من مفاهيم‮ ‬ناضجة‮ ويتفتح‮ ‬لمختلف الثقافات الأنسانية‮ ‬دونما تعصب‮ ‬ولا تحجر‮‬ على‮ ‬أنه في‮ ‬الواقع لم‮ ‬يكن‮ ‬حسن الحظ‮ ‬بالنسبة لتناول إنتاجه من الأقلام الأخرى ‬فكتابه الشابي‮ ‬وجبران‮ ‬صدر‮ ‬في‮ ‬فترة كان مفهوم الواقعية‮ ‬غضاً‮ ‬عند الكتاب الشباب‮ ‬‬ولم‮ ‬يتخلص‮ ‬من الكثيرمن‮ ‬الاطلاقات ‬فكانت الأكاديمية‮ ‬تطلق‮ ‬باعتبارها سبة‮ ‬وكانت الرومانسية‮ ‬تعنى عند البعض نقيصة‮ ‬كان مفهوم‮ ‬الالتزام‮ ‬غائماً‮ ‬لدرجة أن إنتابت بعض‮ ‬الأعمال‮ مسحة‮ ‬من التقريرية‮ ‬واتسمت بعض المقالات بسمة التسرع والاستفادة من فترات الحماس السياسي‮ ‬والعواطف المتأججة‮ وصدركتاب ‬التليسي ‬موضوع ‬هذا المقال ‬والمؤلف‮ ‬يشغل منصب وزير الإعلام‮ ‬فأمتنعت عدة أقلام عن تناوله نتيجة ‬الحساسية وقلة قليلة‮ ‬من الكتاب هي‮ ‬التي‮ ‬أقدمت على مناقشة كتاب التليسي‮ في‮ ‬حين أن طبيعة الكتاب كانت تقتضي‮ ‬أن لا‮ ‬يهدأ النقاش‮ ‬حول هذا الكتاب سنوات‮ ‬وسنوات‮ ‬لكثرة القضايا التي‮ ‬يثيرها والظروف المتشابكة‮ ‬التي‮ ‬تحيط به‮ والكتاب‮ ‬يحتوي‮ على عشرة فصول‮ ‬ومقدمة للمؤلف‮ ‬يدرس‮ ‬في‮ صفحاتها‮ ‬التي‮ ‬تقع في‮ ‬مائتين وعشر‮ ‬صفحات شاعرية المرحوم احمد‮ ‬رفيق‮ ‬المهدوي‮ ‬الذي‮ ‬ملأ‮ ‬الحياة الثقافية اكثر من ثلاثين‮ سنه ‬وعرفته المحافل‮ ‬الأدبية في‮ ‬الداخل ‬والخارج شاعرا‮ ‬يغني‮ ‬كفاح الإنسان الليبي‮ ‬ويعبرعن مواقفه الرائعة تجاه الاستعمار في‮ ‬مختلف صوره‮‮ ‬ويشمخ عن ان‮ ‬يسخر شعره أداة لخدمة السادة أو وسيلة‮ ‬لتحقيق‮ ‬الأغراض‮ ‬الدنيوية‮ ‬أوسلما‮ ‬يرتفع به‮ ‬الشاعر درجات العلى‮ ‬المزعوم‮ ‬فكان‮ ‬أن استحق لقب‮ ‬شاعرالوطن عن جدراة فأكتسب هالة‮ ‬من الإكبار والتمجيد‮ ‬،‮ ‬ادت إلى استحالة النظر‮ ‬إلى شاعريته‮ ‬من وجهة نظر تقييمية تحدد‮ ‬اضافته الفعلية الى حياتنا الثقافية‮‮ ‬وتوضح ما‮ ‬ينطوي‮ عليه من المآخذ حتى‮ ‬يتجنبه من‮ ‬يمكن‮ ‬ان‮ ‬يتتلمذ عليه في‮ ‬درب‮ ‬الكلمة الشريفة ومما ازاد‮ ‬في‮ ‬روعة الكتاب‮ ‬ان كل‮ ‬فصوله‮ ‬قد نشرت عدا فصلا‮ ‬واحداً‮ ‬والشاعر‮‬على قيد ‬الحياة‮ ‬،‮ ‬وساعدهو نفسه‮ ‬عى تمكين‮ ‬المؤلف من‮ ‬كتابتها‮ - ‬تقديرا للبواعث الشريفة التي‮ ‬دفعت المؤلف‮ ‬إلى كتابته‮ { ‬1‮ } ‬

والكتاب ‬في ‬الواقع‮ : ‬لايقدم دراسة عن رفيق ‬المهدوي‮ ‬وحده‮ ‬،‮ ‬ولا أحسب‮ ‬ان قارئاً‮ ‬واحداً‮ ‬يملك ولو قليلا‮ ‬من التأني‮ ‬يخرج منه‮ ‬بهذه‮ ‬النتيجة‮ ‬فهو بذلك كله‮ ‬يقدم‮ ‬رأي‮ ‬المؤلف‮ ‬في‮ ‬المدرسة ‬التقليدية‮ ‬الحديثة‮ ‬والحركة‮ ‬الشعرية ‬الجديدة‮ ‬وهو بالتالي‮ ‬صورة‮ ‬شديدة‮ ا‬لوضوح‮ ‬لتطور‮ ‬مفهوم النقد ‬الأدبي‮ عند التليسي ‬نفسه‮ ‬والرؤية التي‮ ‬يطل منها على‮ ‬الإنسان ‬والحياة‮ وفي‮ ‬هذا المقال‮ ‬لن‮ ‬نعرض آراء‮ ‬

1‮- ‬مقدمة الكتاب‮ ‬

المؤلف‮ ‬،‮ ‬اذ لو كان‮ ‬يريد‮ ‬تلخيص كتابه بنفسه‮ ‬،‮ ‬ولا القاريء‮ ‬أيضاً‮ ‬سيستفيد من هذه العملية‮ فخير له أن‮ ‬يقرأ الأصل‮ دون شك لكننا نود أن نناقش بعض القضايا التي‮ ‬يثيرها هذا الكتاب الخطير‮ ‬محاولين توضيح‮ ‬ما‮ ‬يمكننا توضيحه‮ ‬وما‮ ‬يمكن‮ ‬ان نلاحظه على البعض‮ ‬الآخر على أمل‮ ‬ان‮ ‬يكون في‮ ‬ذلك‮ ‬جانب‮ ‬جديد‮ ‬نحومناقشة مختلف المشاكل‮ ‬التي‮ ‬تعرض لها الكاتب‮ ‬والتي‮ ‬نثق ‬في‮ ‬ان‮ ‬المؤلف‮ ‬أشد الناس ‬حرصا عليها‮ ‬،‮ ‬وإستعداداً‮ ‬للذود عن‮ ‬حياضها

يقف‮ ‬المؤلف في‮ ‬الفصل‮ ‬الاول من كتابه هذا وقفة رائعة‮ ‬امام رحلة‮ ‬الشعر الحديث‮ ‬،‮ ‬من خلال المدرسة التقليدية‮ ‬الحديثة‮ ‬التي‮ ‬قامت‮ ‬‮ ‬بزعامة المرحوم محمود سامي‮ ‬البارودي‮ !!‬

فيكشف‮ ‬في‮ ‬جرأة‮ عن قناع هذه المدرسة التي‮ ‬اكتفت‮ ‬بالتعبير ‬عن القضايا‮ ‬العامة‮ ‬،‮ ‬وذلك من‮ ‬خلال النظرة الخارجية‮ ‬المتفرجة‮ ‬حتى ‬لاتكلف نفسها ‬ان‮ ‬تغوص ‬إلى الحدث تستكشف اسبابه‮ ‬،‮ ‬وتتلمس‮ ‬ظروفه وتحدد‮ ‬بالتالي‮ ‬الموقف‮ ‬النهائي‮ ‬منه‮ .‬

ولكنها تنطلق من الإنفعال العام‮ ‬مما جعلها حبيسة الاشكال القديمة‮ ‬فمات فيها الإتجاه إي‮ ‬الأبتكار ‬وتعطل‮ ‬فيها‮ ‬كل ما من شأنه أن‮ ‬يدعو ‬إلى ‬التجديد ‬فانعدمت الذاتية‮ ‬ولم‮ ‬يبعد‮ ‬الشعر عن الآراء ‬الشائعة‮ ‬ولم‮ ‬يتجاوز طابع المناسبة البحتة بل ظل الشاعر التقليدي‮ ‬الحديث‮ ‬يرتبط بالقضايا‮ ‬العامة‮ ‬يستر مشاعر‮ ‬الجمهور‮غير‮ ‬أنني‮ ‬أحسست بشيء‮ ‬من‮ ‬التناقض في‮ ‬هذا الفعل‮‮ ‬فبينما‮ ‬يقول‮ ‬المؤلف في‮ ‬ص‮ ‬23‮ ‬عن شعر مدرسة المهجر‮‮ ‬فمن حيث الصياغة سعى‮ ‬إلى التحرر من الاشكال التعبيرية القديمة‮ ‬،‮ ‬وتوخي‮ ‬البساطة‮ ‬،‮ ‬وبعيد ‮‬عن البهرجة اللفظية وجعل‮ ‬القيمة الانسانية‮ ‬أعلى من القيمة اللسانية‮ « ‬ويقول عن مدرسة ابوللو في‮ ‬الصفحة‮ ‬25‮ لعل‮ ‬من أكبر ‬مزاياها التي‮ ‬إنفردت‮ ‬بها‮ ‬،‮ ‬عمق‮ ‬الشعور الذاتي‮ ‬وإحساس‮ ‬الشعراء ‬بأن الشعر رسالة‮ ‬وإنه‮ ‬اسمى ‬من أن‮ ‬يذبح‮ ‬في‮ ‬هيكل‮ ‬المديح والهجاء‮ ‬وإنه قيمة‮ ‬إنسانية‮ ‬كبيرة‮ وليس‮ ‬وسيلة‮ ‬للتكسب‮ ‬والاستجداء ‬وأنه‮ ‬قضية‮ ‬يجب‮ ‬أن‮ ‬يعيشها‮ ‬الشاعر ‬ويطعمها من قلبه‮ ‬وأعصابه‮ ‬،‮ ‬حتى‮ ‬يأتي‮ ‬شعره نابضا‮ ‬بخفقات القلب و‬نبضات الوجدان‮ ‬بينما‮ ‬يقول المؤلف ‬كل هذا ‬الكلام عن مدرستي ‬المهجر وابوللو‮ ‬نراه‮ ‬يقول‮ ‬في‮ ‬ص‮ ‬27‮ ‬اذا حدث‮ ‬هذا‮ ‬التغيير فهولا‮ ‬يمس إلا الشكل الذي‮ ‬كان‮ ‬يتفاوت ويختلف‮ ‬من عصر الى آخر‮ ‬ليونة‮ ‬ورقة‮ ‬أو خشونة‮ ‬ومتانة‮‮ ‬اما المضمون فقد ضل‮ ‬هو‮ ‬المضمون لا‮ ‬يتغير في‮ ‬اغراضه‮ ومجالاته المتعددة ‬من مدح ‬ورثاء‮‮ ‬ونسيب‮ ‬وهجهاء‮ ومثل ‬هذا القول‮ ‬ينسف ‬كل ‬الكلمات الطيبة التي‮ ‬اوردها المؤلف‮ ‬حول‮ ‬مدرستي‮ ‬المهجر وابوللو‮ ‬الامر‮ ‬الذي‮ ‬احسست أمامه‮ ‬بحيرة‮ ‬كبيرة‮ . ‬

عن مدرسة‮ ‬المهجر ومن بعدها ابوللو‮ ‬حقاً‮ ‬قد انتهى‮ ‬عهدهما‮ ‬،‮ ‬مافي‮ ‬ذلك‮ ‬شك‮ ‬ولا‮ ‬ريب،‮ ‬ولكنهما وبالذات أبوللو عبرت‮ ‬عن‮ ‬مرحلة زمنية مهمة وهو شيء‮ ‬يقرره المؤلف‮ ‬قبل‮ ‬غيره ‮٠ ‬

فماذا‮ ‬يريد‮ ‬المؤلف ان‮ ‬يقول‮ ‬ياترى‮ ‬؟‮ ‬

أما في‮ ‬الفصل المتعلق بالأسلوب‮ ‬وهو في‮ ‬تقديري‮ ‬لب‮ ‬الكتاب‮ ‬،‮ ‬فإن‮ ‬المؤلف‮ ‬يطرح‮ ‬العديد من القضايا الفكرية التي‮ ‬يتخذ‮ ‬لها‮ ‬منطلقها اسلوب رقيق‮ ‬وشاعرية رفيق‮ ‬،‮ ‬ويحدد‮ ‬الكثير‮ ‬من المقاييس‮ ‬النقدية والقواعد‮ ‬العامة ،‮ ‬كما‮ ‬يصحح‮ ‬بعض‮ ‬الأخطاء‮ ‬الشائعة حول بعض الإتجاهات الادبية لعل من ابرزها قضية‮ ‬الإلتزام‮ ‬التي‮ ‬رفعت‮ ‬شعاراتها الفئات‮ ‬الشابة في‮ ‬عالمنا العربي‮ ‬،‮ ‬في‮ ‬السنوات الماضية‮ ‬واعتبرت من وجهة‮ ‬نظر شباب‮ ‬آخرين‮ ‬دعوة‮ ‬إلى الخروج‮ ‬بالشعر‮ ‬عن رسالته الإنسانية‮ ‬،‮ ‬ودعوة‮ ‬إلى وضع اللأيب‮ ‬داخل اطار محدد‮ ‬لا يتخطاه . ‬

وتناست عن حسن‮ ا‬و سوء‮ ‬نية‮ ‬إن عدم‮ ‬الإلتزام‮ ‬في‮ حد‮ ‬ذاته ألتزام‮ ‬،‮ ‬وإن الكلمات‮ ‬لايمكن ‬ابداً ‬ان تبقى‮ ‬في ‬الهواء‮ ‬،‮ ‬مجردة من‮ ‬خدمة‮ ‬اغراض‮ ‬بعينيها‮ ‬،‮ ‬وفلسفات‮ ‬بذاتها‮ ‬فالاديب ‬كما نعلم إنسان‮ ‬يعيش‮ ‬وسط‮ ‬مجتمعه‮ ‬الذي‮ ‬تتصارع فيه‮ ‬القوى‮ ‬المختلفة‮ و ‬الاراء‮ ‬‮ ‬المتغيرة‮‮ ‬لتطويره ‬والبحث عن أفضل‮ ‬الحلول لمعضلاته الإجتماعية‮ ‬ومن ثمة‮ ‬فهو‮ ‬بشكل‮ او آخر‮ صاحب‮ موقف‮ ‬من هذا الصراع ‬أراد ذلك أم‮ ‬لم‮ ‬يرد‮ .. ‬سلم ام لم‮ ‬يسلم

والقضية إذن ‬هي ‬أين ‬يقف ا‬لاديب ‬من معركة البناء‬؟ واين ‬يقف‮ ‬من‮ ‬مشاكل المجتمع ؟‮ ‬

هل‮ ‬يناصر القيم ‬الجديدة‮ ‬ام‮ ‬يقف‮ ‬مع القيم القديمة؟‮ ‬

وليست هناك أشياء‮ ‬مبتدعة‮ ‬،‮ ‬ولا أشياء‮ ‬مفتعلة‮ ‬،‮ ‬كل‮ ‬شيء‮ ‬يحفل به تاريخنا الأدبي‮ ‬،‮ ‬والمسألة‮ ‬مسألة‮ ‬إختلاف‮ ‬في‮ ‬القيم‮ ‬واختلاف ‬في‮ ‬الموقف‮ ‬(( إرتباط الشاعر‮‬العربي‮ ‬بالأحداث عادة ليس‮ ‬شيئاًجديداً‮ ‬طارئا‮ ‬على‮ ‬الشعر‮ ‬العربي‮ ‬ولا هو‮ ‬من نتائج‮ ‬الدعوات الهادفة او الإلتزامية‮ ‬،‮ ‬لقد‮ ‬كان‮ ‬الشاعر العربي ‬دائمآً‮ ‬صاحب موقف‮ ‬من الاحداث العامة التي‮ ‬تطرأ علي‮ ‬وجوده‮ ‬،‮ ‬وليس‮ ‬موقفه ‬من ‬الأحداث‮ ‬في‮ ‬القبيلة‮ ‬،‮ ‬التي‮ ‬كان‮ ‬يعبر عنها ويدافع من أجلها‮ ‬،والتي‮ ‬كانت تكافئه‮ ‬على‮ تعبيره هذا بأن‮ ‬تحلله مكانة عظيمة بين رجالها‮ ‬،‮ ‬ونحن‮ ‬حين نستعرض‮ ‬تطور الشعر‮ ‬السياسي‮ ‬العربي‮ ‬نلاحظ‮ ‬هذا‮ ‬الإرتباط‮ ‬،‮ ‬الذي‮ ‬انطلق‮ ‬عبر العصور‮ .‬،‮ ‬من دائرة‮ ‬القيلة ليعانق الإنطلاقة الأسلامية‮ ‬الكبرى‮ ‬وما صاحبها من فتوحات ثم إنقاسامات‮ ‬،‮ ‬واختلافات سياسية‮ ‬ومذهبية بين ‬قادة‮ ‬المسلمين‮ ‬،‮ ‬كما‮ ‬يحدد‮ ‬المؤلف مفهومه‮ ‬في‮ ا‬لنقد وينكر على‮ ‬الذين‮ ‬يأخذون‮ ‬من الأديب‮ ‬مختاراته ويعطون من خلالها حكماً‮ ‬عاماً‮ .‬،‮. ‬إعتبار‮ ‬ان الحكم‮ ‬على الأديب‮ ‬يجب‮ ‬ان‮ ‬يكون‮ ‬من جميع أنتاجه‮ .‬،‮ ‬فالحكم‮ ‬على‮ ‬المختارات‮ ‬كالحكم على‮ ‬المدينة‮ ‬من عماراتها‮ » ‬1‮ « ٠‬

وإنطلاقاً‮ ‬من هذا المفهوم نجد إننا نسجل نفس المأخذ‮ ‬علي‮ ‬المؤلف‮ ‬،‮ ‬حول‮ ‬الأحكام التي‮ ‬أنتهى إليها‮ ‬في‮ ‬هذا الفصل‮ . ‬

‮ ‬لا لأ‮ننا نختلف معه في‮ ‬ارائه حول شاعرية رفيق‮ ‬،‮ ‬ولكن‮ ‬لإننا نرى ان الحاجة‮ ‬تدعو‮ ‬،‮ ‬إلي‮ ‬الأستشهاد‮ ‬بأكثر من هذا العدد‮ ‬من القصائد‮ . ‬‮ ‬

ليس شرطاً‮ ‬ان تورد كنصوص‮ ‬كاملة ولكن من الممكن الإشارة‮ ‬إلى‮ ‬عناوينها‮ ‬فقط‮ . ‬

صحيح‮ ‬إن‮ ‬الذي‮ ‬يريد‮ ‬معارضة‮ ‬الكاتب عليه إن‮ ‬يستخلص الاراء‮ ‬من‮ إ‬نتاج‮ ‬الشاعر ‮ولكن ادراكنا بأن‮ ‬المؤلف‮ ‬يعلم‮ ‬إن جمعه لهذه‮ ‬الدراسات‮ ‬في‮ ‬كتاب‮ ‬إنما‮ ‬يقدم‮ ‬اول دراسة‮ ‬من نوعها تشهدها المكتبة اللليبية‮ ‬عن‮ ‬شاعر ملئ الحياة الأدبية‮ ‬في يوم‮ ‬من الأيام‮‮ ‬وهو أمر‮ ‬يحتاج إلى الإمعان‮ ‬في‮ ‬الأستطراد والإستشهاد . ‬

والتمسك‮ ‬بخط‮ ‬البحث‮ ‬إلى جانب‮ ‬خط‮ ‬النقد‮

1‮- ‬ص‮ ‬79‮ ‬

إن الاحكام نفسها‮ ‬،‮ ‬حسب‮ ‬رأيي‮ ‬،‮ ‬تكاد‮ تنطق مطالبة‮ ‬بمزيد‮ ‬من الأستشهاد‮ ‬بأشعار رفيق‮ ليس لأن هذه‮ ‬الأحكام‮ ‬تتسم‮ ‬بالتعميمي‮ ‬،‮ ‬او إنها تجنح إلى‮ ‬الخور،‮ ‬فالحق‮ ‬إنها‮ ‬تجنح‮ ‬إلى الخور‮ .‬،‮. ‬فالحق‮ ‬ان عنصر‮ ‬الصواب‮ ‬‮ ‬فيها دون‮ ‬غيره‮ .‬،‮ ‬هو الذي‮ ‬يجعل الاكثار من الشواهد‮ ‬أمراً‮ ‬تحتمه‮ ‬طببيعة‮ ‬الدراسة‮ ‬نفسها‮ . ‬

‮( ‬إنه‮ ‬يحس‮ ‬بنفسه‮ ‬،ولكن‮ ‬ليس‮ ‬ذلك‮ ‬الإحساس‮ ‬العميق‮ ‬الذي‮ ‬يتلقاه‮ ‬كل إنسان‮ ‬،‮ ‬على‮ ‬أنه وثيقة‮ ‬إنسانية‮ ‬عظيمة‮ ‬في‮ ‬الدلالة على خوالج النفس‮ ا‬لبشرية ( ‬إنه ليس‮ ‬بشاعر من شعراء‮ ‬الوجدان الذاتي‮ .‬،‮ ‬ولكنه‮ ‬ظل‮ ‬مشودد‮ ‬الى هذه‮ ‬المدرسة التقليدية‮ ‬،‮ ‬ولا‮ ‬يكاد‮ ‬إحساسه‮ ‬الفردي‮ ‬يطل‮ ‬علينا إلا في‮ ‬غفلة‮ ‬،‮ ‬وبطريقة‮ ‬اقرب‮ ‬إلى السرد منها‮ ‬الى البوح‮ ‬الوجداني‮ ‬العميق‮ . ‬

إنني‮ ‬على ثقة‮ ‬من ان هذه ‬الأحكام‮ ‬التي‮ ‬طبقها‮ ‬الأستاذ‮ ‬المؤلف‮ ‬على شعر‮ ‬رفيق‮ ‬تحتاج‮ ‬إلى عدد‮ ‬غير‮ ‬هذا‮ ‬العدد‮ ‬الضئيل‮ ‬من النماذج التي اختارها‮ .‬

ولست‮ ‬أشك‮ ‬في‮ ‬ان المؤلف‮ ‬لو قدم‮ نماذج ‮ ‬اكثر‮ ‬لاستطاع‮ ‬ان‮ ‬يتقي‮ ‬شر‮ ‬تهمة‮ ‬التحامل التي‮ ‬بدت‮ ‬للبعض‮ ‬،‮ ‬والتي‮ ‬لاشك إن مصدرها‮ ‬عدم‮ ‬‮ ‬المعاناة في‮ ‬القراءة‮ ‬،‮ ‬وعدم‮ ‬الرجوع المتروي الى اشعار رفيق‮ ‬ودراستها‮ ‬بمعزل عن الإنفعال‮ ‬،‮ ‬والنظرة‮ ‬السريعة‮ ‬التي‮ ‬لا تعمق‮ ‬التجربة الشعرية ‮ومهما‮ ‬يكن‮ ‬من امر‮ ‬فليست‮ ‬هذه‮ ‬النظرة جديدة‮ ‬على المؤلف‮ ‬فلقد‮ ‬سبق له أن قاس‮ ‬منها الكثير‮ ‬في‮ ‬سنوات مضت ثم‮ ‬أثبت الزمن بطلانها‮ . ٠ ‬

وثمة‮ ‬جانب‮ ‬آخر‮ ‬لايفوت‮ ‬المؤلف‮ ‬أثباته وهو جانب‮ ‬نقص‮ ‬الأسباب‮ ‬التي‮ ‬أدت‮ إ‬لي‮ ‬وجود المأخذ‮ ‬التي‮ ‬يسجلها عل رفيق‮ ‬او‮ ‬على المدرسة‮ ‬‮ ‬التقليدية‮ ‬الحديثة‮ ‬في‮ ‬بلادنا‮ ‬على الأصح‮ . ) ‬

‮‬ولاشك في‮ ‬أنه‮ ‬كانت تحول دونه‮ ‬ودون‮ جدة‮ ‬اسباب‮ ‬كثيرة‮ ‬،‮ ‬أبرزها الظروف القلقة التي كان‮ ‬يعيشها وعدم‮ ‬الاستقرار‮ ‬،‮ ‬ثم‮ ‬ضعف‮ ‬الحصيلة الثقافية‮ ‬وتخلف البيئة‮ ‬من الناحية الأدبية‮ مما عطل‮ ‬حركة النقد التي‮ ‬تدعو‮ ‬إلى‮ ‬الإبداع‮ ‬،‮ ‬وفي‮ ‬الكتاب فصل آخر على جانب كبير من الأهمية‮ ‬يطرح‮ ‬فيه الكاتب طائفة‮ ‬من القضايا‮ ‬شديدة‮ ‬الخطورة‮ ‬هو فصل‮ ‬الوطنية في‮ ‬شعر‮ ‬رفيق‮ ‬الذي‮ ‬يقدم فيه المؤلف‮ ‬بعض‮ ‬الاراء‮ ‬الجريئة‮ ‬حول التاريخ الليبي‮ ‬،‮ ‬وظهور النزعة الوطنية‮ ‬التي‮ ‬رأي‮ ‬بعض‮ ‬المثقفين وجودها‮ ‬في‮ ‬بعض‮ ‬الحركات التمردية‮ ‬التي‮ ‬عرفتها البلاد‮ ‬في‮ ‬فترة‮ ‬الحكم‮ ‬التركي‮ ‬،‮ ‬فيصحح المولف هذا الفهم الخاطيء‮ ‬قائلاً‮ ‬ان اغلب هذه‮ ‬الحركات‮ ‬،‮ ‬كان‮ ‬يحمل روح الخروج على الدولة والإستقلال‮ ‬بالقبيلة‮ ‬او‮ ‬العشيرة‮ ‬او‮ ‬المقاطعة‮ ‬1‮

‮‬لم‮ ‬يكن احد ممن ‬آولئك الثوار‮ ‬قد تهيأ له شيء‮ ‬من صفات الزعامة الوطنية‮ ‬،‮ ‬وما كان أحد منهم‮ ‬يحمل قضية‮ ‬الناس تحت لوائها‮ .. ‬وقد ظل كل وحد‮ ‬منهم‮ ‬مستقلاً‮ ‬بمنطقته‮ ‬،‮ ‬لا‮ ‬يتجاوز هذا النطاق‮ ‬ليصبح‮ ‬زعيماً‮ ‬وطنياً‮ ٠ ‬

ومثل‮ ‬هذا الرأي‮ ‬يدلنا بحق على‮ ‬تمثل الملف لحقيقة التاريخ الليبي‮ ‬،‮ ‬والواقع‮ ‬السياسي‮ ‬في‮ ‬تلك‮ ‬الفترة‮ ‬التي‮ ‬ظهرت فيها بعض الحركات الفردية‮ ‬حاول الكثيرون بتأثير‮ ‬العواطف‮ ‬وصف هذا التمرد‮ ‬الوطني‮ ‬،‮ ‬بدافع‮ ‬

التنظير لأي‮ ‬شيئ‮ ‬ولو كان محض‮ ‬خيال ‮ ‬

أما عن اسباب الإستعمار الأيطالي‮ ‬فإن‮ ‬المؤلف‮ ‬يقول‮ : ‬

‮( ‬ان‮ ‬الإستعمار الأيطالي‮ ‬لم‮ ‬يكن تدفعه‮ ‬ضرورات اقتصادية‮ ‬ملحة‮ ‬،‮ ‬وإن البلاد الأيطالية‮ ‬في‮ ‬ذالك‮ ‬الوقت‮ ‬متخلفة من الناحية‮ ‬‮ ‬الزراعية‮ ‬والإقتصادية‮ ‬،‮ ‬ولم‮ ‬يكن‮ ‬الفائض الذي‮ ‬يدفعها إلى البحث عن منافذ‮ ‬لتصريف منتجاتها‮ ‬،كما لم تقم فيها صناعة مزدهرة‮ .‬،‮. ‬‮ ‬تشعر بحاجتها إلى المواد‮ ‬الأولية‮ ‬،‮ ‬ولكن‮ ‬كان لابد من ان تحصل على‮ ‬مظهر‮ ‬الدولة‮ ‬الكبيرة‮ .‬،‮ ‬بالاستيلاء‮ ‬على مستعمرة‮ ‬،‮ ‬ان‮ ‬أهمية‮ ‬الدول قد‮ ‬تحددت‮ ‬في‮ ‬هذه‮ ‬الفترة‮ ‬بكثرة مستعمراتها‮ ‬،‮ ‬واصبح إحتلال ليببيا قضية‮ ‬وطنية‮ . ‬)

هو‮ ‬رأي‮ ‬فيما‮ ‬نعتقد‮ ‬يختلف‮ ‬الى حد كبير من طبائع‮ ‬الأشياء‮ ‬،‮ ‬ليس‮ ‬فقط‮ ‬لأن المؤلف‮ ‬ينكر‮ ‬أثر العامل الإقتصادي‮ ‬التي‮ ‬اجمعت كل‮ ‬المدارس‮ ‬الفكرية على اعتباره عاملاً‮ ‬مهما في‮ ‬توجيه‮ ‬حركة التاريخ‮ ‬،‮ ‬فيما رأت فيه‮ ‬مدارس أخرى‮ ‬إنه‮ ‬قاعدة‮ ‬اساسية‮ ‬لسلوك‮ ‬الإنسان‮ .‬‮ ‬

ولكن لأن‮ ‬الإستعمار الأيطالي‮ ‬اساساً‮ ‬لم‮ ‬يخل من الأسباب‮ ‬الإقتصادية‮ ‬الكامنة‮ ‬خلفه‮ ‬،‮ ‬والا فبماذا‮ ‬يفسر‮ ‬المؤلف هذا العدد‮ ‬الكبير‮ من‮ ‬الأيطاليين‮ ‬الذين‮ سارعت إيطاليا‮ ‬بتهجيرهم إلى ليبيا‮ . ‬

هل‮ ‬يعتقد‮ ‬ان صعود‮ ‬الفاشية‮ ‬إلى‮ ‬كراسي‮ الحكم هو الآخر محض‮ ‬صدفة‮ ‬،‮ ‬او بمركب‮ ‬الرغبة في‮ ‬العظمة‮ ‬بل‮ ‬بماذا نفسر‮ كلام المؤلف نفسه‮ ‬في‮ ‬صفحة‮ ‬115‮ ‬عندما‮ ‬يقول ‮:

(‮ ‬لم تدخل إيطالي‮ ‬ميدان الأستعمار سنة‮ ‬1869‮ ‬حينما‮ ‬دخلت إحدى‮ ‬الشركات الأيطالية‮ ‬بالتفاهم مع الحكومة‮ ‬إلى ميناء‮ ‬عصب‮ ‬بالحبشة‮ ‬،‮ ‬ثم‮ ‬اتجهت‮ ‬ببصرها إلى الشواطيء‮ ‬الأفريقية‮ ‬للبحر الأبيض المتوسط‮ ‬وحاولت ان تنفذ‮ ‬إلى تونس‮ ‬فأفلتت من‮ ‬يدها حين سبقتها فرنسا إليها‮ ‬،‮ ‬فلم‮ ‬يبقى‮ ‬أمامها‮ ‬سوى ‬ليبيا ) ‬‮.‬

‮ ‬بماذا‮ ‬نفسر‮ ‬قول المؤلف‮ ‬نفس‮ ‬الصفحة‮ :- ‬

‮( ‬لقد‮ ‬ضاقت أوروبا بسكانها واستغلتها اجيال وأجيال‮ ‬متعاقبة‮ ‬،‮ ‬وهناك‮ قارات ماتزال بكرا في‮ ‬أمكانها ان تمولها بما تريد‮ ‬وتجعل منها مزرعة تستغلها لصالح أبنائها‮ ) . ‬

كيف‮ ‬يذهب‮ ‬الأستاذ‮ ‬التليسي‮ ‬بعد‮ ‬كل هذه‮ ‬الآراء‮ ‬إلي‮ ‬الجزم القول‮ ‬كان‮ ‬ثابت‮ ‬أن الإستعمار الأيطالي‮ ‬لم‮ ‬يكن‮ ‬تدفعه ضرورات إقتصادية‮ ‬نحن لا‮ ‬نفرض على‮ ‬الأستاذ‮ ‬التليسي‮ ‬ان‮ ‬يسلم‮ ‬بالمفاهيم التي‮ ‬إنتهت إليها المدارس‮ ‬الفكرية‮ ‬المختلفة‮ ‬،‮ ‬ولا‮ ‬ندعوه‮ ‬ان يغلق‮ ‬باب‮ ‬الإجتهاد‮ ‬في‮ ‬تملي‮ ‬طبائع‮ ‬الأستعمار‮ ‬المختلفة‮ ‬،‮ ‬او‮ ‬ننكر وجود‮ ‬بعض‮ ‬المميزات المستقلة‮ في‮ ‬كل‮ ‬فترة‮ ‬من فترات التاريخ‮ ‬،‮ ‬ولكل‮ ‬شعب‮ ‬من الشعوب‮ ‬،‮ ‬وبالذات‮ ‬شعبنا ليبي‮ ولكننا نستغرب‮ ‬منه هذا الجزم القاطع دون توسع في‮ ‬الاستقصاء ‬،‮ ‬خاصة وإنه من القلة التي‮ ‬تملك إطلاعاً كبيرا في‮ ‬الثقافة الأيطالية ‮

إننا نعتقد ان الضرورة تقتضي‮ ‬عليه ان‮ ‬يتقص‮ ‬اكثر حتى‮ ‬يخرج‮ ‬لينا بما خرج‮ ‬به في‮ ‬الفصل الذي‮ ‬خصصه‮ ‬لرفيق ودانونزيو حيث وضع‮ ‬حداً‮ ‬حاسماً‮ ‬للهالة التي‮ ‬كسبتها قصيدة رفيق حول‮ ‬ دانونزيو داعية الإستعمار الأيطالي‮ ‬،‮ ‬لا لي‮ شئ ‬سوى‮ ‬إننا نجهل اللغة الإيطالية‮ . ‬

‮‬ومن الفصول التي‮ ‬لاحظنا عليها شيئاً‮ ‬من السرعة أيضاً‮ ‬الفصل الذي‮ ‬عنونه المؤلف‮ ‬بالشارف‮ ‬ورفيق‮ ‬وآخر الذي‮ ‬عنونه برفيق‮ ‬وشوقي‮ ‬والعقاد‮ ففي‮ ‬الأول‮ كان ‬من المفروض أن‮ ‬يجري‮ ‬المؤلف‮ ‬موازنة‮ ‬بين‮ ‬رفيق‮ ‬والشارف‮ ‬أيهما‮ ‬اكثر شاعرية‮ ‬من‮ ‬الآخر ‬وما هي‮ ‬المآخذ التي‮ ‬‮ ‬تشمل‮ ‬كليهما‮ والاسباب‮ ‬التي‮ ‬أدت‮ ‬لذلك ؟‮ ‬

فاذا ماقيل ان ‬ذلك‮ ‬يتطلب كتابباً‮ ‬مستقلا‮ ‬،‮ ‬فاننا نسارع‮ ‬إلي‮ ‬القول‮ ‬بأن الأفضل‮ ‬لو استغنى‮ ‬المؤلف‮ ‬عن هذا الفصل‮ ‬اساساً‮ حقاً‮ ‬ان المؤلف‮ ‬اشار بأن‮ ‬،‮ ‬الشارف‮ ‬على مايبدو‮ ‬اكثر إحتفالاً‮ ‬بأسلوبه‮ .‬،‮. ‬وان‮ ‬كلا من رفيق‮ ‬والشارف‮ ‬يتفقان في‮ ‬الجهل باللغات الأجنبية‮ ‬،‮ ‬وان‮ ‬العلاقة بينهما‮ ‬كانت‮ ‬علاقة ود‮ ‬،‮ ‬وإنهما‮ ‬يستويان‮ ‬في‮ ‬معالجة‮ ‬الشعر السياسي‮ ‬وان‮ ‬كان‮ ‬رفيق أكثر إلتصاقاً‮ ‬بالحركة الوطنية‮ . ‬

إلا اننا نعتقد أن من الأحسن لو توسع المؤلف ‬في‮ ‬هذا‮ ‬الفصل‮ ‬بشكل اكثر تفصيلاً‮ ‬وباستشهادات اقرب‮ ‬إلى المعرفة‮ ‬والتقصي‮ وبالنسبة للفصل‮ ‬الذي‮ ‬عقده‮ ‬المؤلف لرفيق وشوقي‮ ‬والعقاد ‬،‮ ‬إننا نلاحظ‮ ‬عليه إن عرض آراء‮ ‬الأستاذ‮ ‬العقاد‮ ‬كان من الاصوب‮ ‬ان‮ ‬يتوسع المؤلف في ‬مناقشة‮ ‬اراء‮ ‬العقاد‮‬

صحيح‮ ‬ان‮ ‬كلمة العقاد‮ ‬حول رفيق‮ ‬استغلت‮ ‬أكثر من اللازم‮ ‬،‮ ‬وصحيح ان ‬هذا الفصل‮ ‬يعطينا‮ ‬،‮ ا‬لدليل‮ ‬الواعي‮ ‬لمعرفة موقف‮ ‬التليسي‮ ‬من الأستاذ العقاد‮ . ‬

ومع‮ ‬ذلك‮ ‬،‮ ‬ففي‮ ‬إعتقادنا ان هذا‮ ‬الفصل على قدر كبير‮ ‬من السرعة‮ ‬،‮ ‬وكان‮ في ‬إمكان الأستاذ‮ ‬المؤلف‮ ‬أن‮ ‬يتوسع‮ ‬فيه‮ ‬اكثر‮ ‬،‮ ‬كي‮ ‬لا تبق‮ ‬الآراء‮ ‬مكتومة في‮ ‬صدره حسبما فهمنا من السطور‮ ‬وإن كان قد أعجبنا بكل‮ ما ‬لايخطر على بال‮ ‬الكثيرين بجرأة الؤلف حول الأستاذ‮ ‬العقاد‮ . ‬

‮ ‬وهناك‮ ‬آراء‮ ‬أخرى‮ ‬لاحظنا‮ ‬إنها تكررت في أكثر من مكان‮ ‬،‮ ‬كتساؤله‮ عن شخصية رفيق‮ ‬التي‮ ‬ظهرت في‮ ‬شعره دون فهم المستوى‮ ‬وقصيدته‮ ‬رحيلي‮ ‬عنك التي‮ ‬وردت‮ ‬في‮ ‬أكثر من مكان‮ .‬

تلك بعض الملاحظات‮ ‬التي‮ ‬عنت لي‮ ‬حول‮ ‬كتاب‮ ‬الصديق‮ ‬الأستاذ التليسي‮ ا‬لذي‮ ‬تفضل‮ ‬مشكوراً‮ ‬فأهداني‮ ‬نسخة‮ ‬منه منذ‮ ‬صدوره‮ ‬قبلتها‮ ‬يكثير‮ ‬من‮ ‬الإعتزاز والتقدير ‮وبالطبع‮ ‬،‮ ‬هي‮ ‬لا تقللل من اهمية‮ ‬هذا الكتاب ‬،‮ ‬ولا تضع من الدور العال‮ ‬الذي‮ ‬سيلعبه في‮ ‬أدبنا العربي‮

ذالك إن‮ ‬الكتاب وثيقة‮ ‬صادقة‮ ‬،‮ ‬ودليل‮ ‬واضح‮ ‬لتفهم‮ ‬شخصية الأستاذ التليسي‮ ‬وخاصة‮ ‬آرائه في ‬الأدب‮ ‬والفكر والتاريخ الليبي‮ في‮ ‬اسلوب‮ ‬،‮ ‬فيه جزالة العقاد‮ ‬،ومنهجية مندور‮ ‬وجرأة انور المعداوي وروح الدكتور طه‮ ‬حسين‮ وفيه سعة‮ ‬الإطلاع‮ ،‮ و استعاب ‬مختلف الثقافات‮ ‬الإنسانية‮ في‮ ‬اسلوب‮ ‬عانا في‮ ‬سبيل‮ ‬الوصول‮ ‬إليه الكثير‮ ‬،‮ ‬ولم‮ ‬يزده‮ ‬إلا تواضعاً‮

الأسلوب‮ ‬بقدر‮ ‬مايدفعنا‮ ‬الأعتزاز بأدب‮ ‬هذا الكاتب‮ ،‮ ‬قدر‮ ‬ما‮ ‬يجعلنا‮ ‬نحس بجسامة المسئولية التي‮ ‬يضطلع في‮ ‬اعماله التي‮ ‬يقدمها‮ ‬بإستمرار سوآء ‬على‮ ‬مستوى‮ ‬الأبداع او‮ ‬على مستوى‮ ‬الترجمة‮ وتضعه بالتالي‮ ‬أمام‮ ‬مسؤولية اكبر وهي‮ ‬ضرورة تتبع العمل‮ ‬الإبداعي‮ ‬الليبي‮ ‬بهذا‮ ‬النقد‮ ‬الجريء‮ ‬الذي‮ ‬نأمل‮ ‬أن‮ ‬يمتد إلى‮ ‬القصة‮ ‬القصيرة والمسرحية والشعر‮ ‬الحديث‮ ولاشك إن‮ ‬الكاتب الأصيل‮ هو الذي‮ ‬يحاسب دائمآً‮ ‬بقسوة ‬ولا‮ ‬يشكر الا نادراً‮ ولعل‮ ‬لقاؤنا‮ ‬مع‮ ‬كتاب‮ ‬نقدي‮ ‬آخر‮ ‬،‮ ‬لهذا الكاتب‮ ‬الصديق‮ لن‮ ‬يكون بعيداً‮ ٠‬

----------------------------------------------------------

موقع الكاتب والاديب : أمين مازن

  www.aminmazen.com © 2020- 2008

طرابلس - ليبيا

Tel 0913245901