شئؤن ليبية 2018

ليبيا لنا ذات العماد

أمين مازن

27-12-2018

وقفت الجماهير الليبية ،كما نتعشّم على الأقل، في يوم الرابع و العشرين من ديسمبر الجاري و الذي عاد إلى تاريخنا المعاصر، كما كان قبل ستة و ستين سنة مضت على رأس الأعياد الوطنية لاقترانه بإعلان الإستقلال على لسان من وقع عليه إجماع الآباء المؤسسين، ليكون ملكاً دستورياً للدولة الوليدة و هو اليوم الذي وثّق له بالصوت و الصورة، ما لم تسأم وسائل العرض إعادة بثّه، حتى في العقود التي عصفت فيها رياح التغيير بذلك الكيان الذي لم يحافظ عليه بُنَاتُهُ، فلم يصعب على بعض من خلفهم عندما امتلأت قلوبهم جحوداً، هدمه و إدانتة بُناتُه بما اقترف و ما لم يقترف، لنراهم و من خلفهم يتنادوا مسرعين و قبل انتهاء الشهر الثاني عشر من العام 2011 احتفاءً بذلك اليوم الذي هو عيد الإستقلال، ذلك الذي أغدقوا عليه و على صنّاعه كل ما توفر لديهم من المديح، كردةِ فعل على العقود الأربعة و ما شهدته من أنواع التجاوز، ناسين أو جاهلين أن الكثير مما اكتووا بنيران شهوره، ما كان له أن يحدث لولا أن الأساس قد بُنيَّ من البداية معوَّجّاً لقيامه على الإقصاء و حضر التعددية التي لا مفر منها لأي سلطة من الفشل إذا ما أغفلت إعطائها حقها المطلوب، و هي الرؤية التي ظلّت باقية رغم كل صنوف التضليل التي طالما جنّدت لها الأنظمة الشمولية الكثير من إمكانياتها البشرية لتسفيه فكرة التعددية و أثرها الإيجابي في بناء الأجيال القادرة و المستعدة للمشاركة الإيجابية القائمة على المسئولية و ليس المُعولة على القائد المُلهم و الزعيم العبقري القادر على خلب ألباب الجماهير، لتتمسّك به حتى و هو يوالي الخسائر على كل المستويات، الأمر الذي كان من نتيجته أن شاعت في التفكير السياسي العربي لدى أطراف كثيرة ما يمثل الإنسياق لردات الفعل التي لا تعرف سوى الأحكام العامة التي ليس لها سوى الرفض المسبق و القبول الأعمى سواء بالنسبة للحكم التقليدي أو الآخر المنقلب عليه، مما لم نكن بمنأى عنه معشر الليبيين الذين عرفنا في الرابع و العشرين من ديسمبر قبل أكثر من ستين سنة مضت عيداً وطنيا، و فقدناه بعد ذلك لما تجاوز الأربعين سنة حين رآى فيه العهد كل ما يعيب، و نراه يعود في زمننا هذا إلى الحد الذي يجعله في حكم المقدسات و في ذلك كله ما يسيء للتاريخ كعِلْم و الوطن كوجود أيما إساءة جرّاء ما ينتج عن غياب الحقيقة من الخسران، الأمر الذي قد يعطّل التفكير المسئول حول ما ينتظر الوطن من المخاطر، حين تمر ذكرى هذا العيد و ليس لسلطة الأمر الواقع أكثر من تعطيل الدوائر الحكومية إحياءً للمناسبة و ما عدا ذلك فالزوار يأتون متزامنين مع العيد، و بعض الكبار يتوجهون للخارج في ذات التوقيت، و ما ذلك إلا لأن الخارج صار بالنسبة للكثيرين هو الوطن ففي التوجه إليه يسهل الحصول على أنفس السلع و أوفر الأموال، و في استقبال كبار زوَّاره ما يطمئن بالمستقبل و يضمن البقاء في المشهد، و الحيلولة دون كل ما قد ينذرهم بالإختفاء الذي لا عودة بعده ،و لم لا، و قد تأكد أكثر من أي وقتٍ مضى ألّا حلحلة للأزمة دون توحيد السُلَط السيادية كافة، و لا أداة ناجعة سوى المؤتمر الوطني الجامع الذي لا إقصاء بعده لأحد، و إذ ذاك سيهتف الشرفاء بصوتٍ واحد قول شاعر الوطن الخالد أحمد قنابة

ليبيا لنا ذات العماد ... ليبيا لنا من عهد عاد

مابان منها امسِ عاد ... في قدسها هامَ الفـؤاد

_______________________________________


لنعقده كيفما اتُفِقَ، مؤتمراً أو ملتقى

أمين مازن

18-12-2018

منذ أن أفلح الوسيط الدولي غسان سلامة في دفع الأجسام السياسية المهترئة إلى التبنِّي العلني لخيار الذهاب إلى صناديق الإقتراع لأنتخاب رئيس للدولة و مجلس نيابي يتقاسم معه السلطة في كنف الإعلان الدستوري و ما نتج عنه من القرارات ذات الصبغة القانونية، و تعديل ما يحتاج التعديل، بواسطة المؤتمر الوطني الجامع الذي رؤيَّ أن يسبق العملية الإنتخابية، و كان موضع ترحيب مجلس الأمن؛ و المستفيدون من الوضع القائم لا يسأمون بذل الجهد تلو الجهد من وضع المزيد من العصي في عجلات التحرّك، دون أن يغفلوا لحظة عن التظاهر بأقصى درجات الترحيب بالعملية الإنتخابية المنتظرة، و أن بإضافة القاعدة الدستورية و ما تقتضيه من استفتاءات لا تعرف التوقف، و مشاورات لا سبيل إلى الفراغ منها قبل سنة أو أكثر على أحسن الفروض، حتى أن مجلس النواب ،المعروف بالجلسة المعلّقة، لِما يقرب من سنة، قد فرِغَ في لمح البصر في إنجاز قانون الإستفتاء و مسودة الدستور، لتذهب الكرة إلى ملعب المفوضية العليا للإنتخابات و مجلس الدولة في ذات الآن و الذي سيكون من تعاطيه ما سيُسهم في كسب المزيد من الوقت، مع تحشيد إعلامي غير عادي لترسيخ مصطلح الملتقى الجامع لتكون مخرجاته على هيئة توصيات غير ملزمة التنفيذ، أملاً أن يكون في مثل هذا التوجه ما سيظيف المنتظر لإطالة عمر الأزمة، و ما تتيحه بالظرورة من صنوف الإستفادة، مما لن ينطلي على كل من يرقب ما يجري بوعي و مسئولية، و على نحو ما بدا يتضح من تطور في مواقف بعض الأطراف الدولية،و التي خففت من درجات تقاطعها بل و غدت تعطي مزيد الأهمية لتقريب وجهات النظر و تهيأة بعض أسباب التوافق بين من قد يكونون أكثر تحضّراً و انحيازاً لمدنية الدولة بمعناها الصحيح على خلفية أن المشروع الجامع كصيغة توافقية أكثر جدوى لتحقيق التفاهم البناء، حين تأكد أن مكان الإنعقاد سيكون داخل البلاد و في العاصمة تحديداً،حسب المصدر الإيطالي، و أن تسلل بعض القوى لتوظيف أحدث الحراكات الشعبية لأجندتها المتعلقة بمعركة أسعار النفط و توزيع حصصه في "الأوبك" إذ يُخشى أن تتأثر المصلحة الليبية من مواقفنا الشعبية غير المدروسة، و بالجملة فإن كل تقاعس في المضي نحو صناديق الإقتراع لإفراز سلطة شرعية منتخبة قوامها رئيس واحد و مجلس نيابي واحد لن يكون له من عائد سوى ترك البلاد سوقاً للسلاح و موئلاً للفارِّين من المطاردة و خاسري المعارك، أولئك الذين يؤكد أكثر من مراقب أنهم اتخذوا منّا البديل لتعويض ما خسروه و المضي نحو كل ما يطمحون لبلوغه بكل اليسر، تعويلاً على الغياب الكامل للدولة، و الذين لا يجدون مشجعاً لهم مثل العناصر التي ترى في الدولة طاغوتا، و في قوى الجيش و الشرطة رمزاً لهذا الطاغوت، فلا يدخرون جهداً في التصدي لكل محاولة تسعى لبعثها، فالمؤتمر الجامع بما يُنتَظَر له من استيعاب  لجميع الأطراف و إلغاء كل محاولات الإقصاء و التهميش، التي تبناها بعض الذين تمكنوا من سرقة فبراير بعض الوقت، في معرض إخفائهم للدور الدولي في ما جرى، و الذي لا يمكن القبول به مع كل توجه يسعى لترميم ما جرى هدمه بجدية للإسراع بالعلاج في حزمة واحدة تبدأ بإلغاء كل أنواع الإقصاء و التهميش بحزم، و فتح الأبواب على اتساعها للمشاركة فيها لإنتخاب رئيس للدولة يملك الشرعية و يحظى بنسبة معقولة من عدد المصوتين مع مجلس نيابي يتولّى إعادة بناء الدولة المنتظرة، إن على أساس ليبيا الإتحادية بولاياتها الثلاث و حدودها التي كان آخر تعديل لها عام 1957 أو الوحدة بمحافظاتها العشرة و بلدياتها المتفرعة عنها، ريثما يُصار إلى دستورٍ خالٍ من هذه المسودة المُعيبة بما حوته من التناقض و التفاصيل و التضارب بنص واضح و صريح على سيادة الأمة كمصدر للسلطات و شعب تصدر الأحكام بإسمه كخليفة لله في أرضه و شريعته على رأس مرجعياته، فلا تفريق بين أحد من رسله، باعتباره الكائن الذي أُلهِمَ حمل الأمانة، و لن يتخلّى عنها إلى أن يرث الله الأرض و من عليها.انتهى

____________________________________

قُفْل مْسَكّر ولا كَرية مشومة

أمين مازن

12-12-2018

يتبادل اللاعبون المستفيدون من المشهد الليبي المرتبك إلقاء "البطاطس السُخن" كما يقول المصطلح الأوروبي، و ما من سبيل أن يكون غير كذلك، فالبلد الذي سادته حتى الآن ثلاثة حكومات تتصرّف بالكثير من مقدراته كيف تشاء، إن لم يكن عن طريق البنك المركزي فمن البنوك الأخرى، و تعلن ما لا حصر له من الإلتزامات المالية المخصصة لعديد المشاريع، إلى جانب أكثر من مائة و عشرين بلدية برواتب تتراوح بين الستة آلاف و الثلاثة شهرياً لكل رئيس و من معه من الأعضاء إلى جانب المزايا، و الذين يستقبلون من يطرق أبواب مكاتبهم و ربما يدعوهم أيضاً من سفراء الدول الصديقة و الشقيقة و ثمة من يتوجه للخارج بدعواتٍ مبرمجة، و أحياناً يرتب لبعضهم أو كلهم مجتمعين، و تصدر حول تصرفاتهم المالية التقارير المحاسبية السنوية، فلا تلقى سوى  التجاهل ممن يُفترض أن يتبرّأ من تبعتها أو يعاقب على مسئوليتها، و هيئات تشريعية فقدت مجتمعة شرعية وجودها، و منها من ولد مغتصباً أو حرّف اتفاقه، و آخر أنجز مهمته خارج البلاد و خالف الأساس الذي تشكل عليه، و أنجز نصاً ليس فيه ما سوى التناقض و الحرص على تثبيت الموجود مؤقتاً ليكون ثابتاً لاحقا، و ثالث اخترع مصطلح التعليق فلم يتجاوز النصف بالجلسات إلا عند النظر في ما يخصه مباشرة، حتى إذا ما استشعروا جميعاً ما قد يحيق بهم من التجاوز الحاسم، كان لهم في التهريج الإعلامي عبر الفضائيات المحترفة ما تكفّلَ بإشاعة جو من الضجيج الذي ينذر فقط بفقد الثقة في أي مشاركة حقيقية و اليأس من أي صيغة توافقية رؤيَّ فيها شيء من الأمل في العثور على مخرج من الأزمة، و لا سيما المؤتمر الوطني الجامع الذي رأى فيه الوسيط الدولي ،و أقرَّ رؤيته مجلس الأمن الدولي، إمكانية وضع القاعدة الدستورية للمضي نحو الإنتخابات الرئاسية و من ثم النيابية، ليكون في اختيار الناس لمن يمنحونه ثقتهم رئيساً و نوابا، ما يحقق المخرج من سلطة الأمر الواقع، و من المجالس الثلاثة الفاقدة لشرعيتها، و انتخاب مجلس نيابي يقطع الطريق على مسلسلات الطعن في الدستور مما لن يترتب عليه سوى التمديد للحاضر المدمر للمال و الرجال و الآمال، و هكذا نراهم يتسابقون للتشكيك في جدوى المؤتمر و الترويج بأنه لن يكون مُلزِماً. و منهم من تصل به الوقاحة إلى إمكانية حضر المشاركة على فعاليات دون أخرى، غير ملتفت إلى القول الخالد ان من بيته من الزجاج، حماقته كبيرة حين يرمي الناس بالحجارة. فالمؤتمر الوطني الجامع لن يكون إلا للجميع و لن يفلح أي مُحَرِّف في الخروج به من مهمته التي تمثل أفضل الحلول و إن مُدِّدت الفترة الإنتقالية، أما الذين يخافون علينا من الفراغ الذي سينتجه غيابهم فسنُحيلهم إلى قول ذلك المالك "قُفْل مْسَكّر ولا كَرية مشومة".انتهى

____________________________________

   

المعطيات أقوى من اﻷُمنيات


أمين مازن

28-11-2018

لن يتعذر على أي مراقب سياسي متمكن؛ يقول رأيه عما يجري في ليبيا بوضوح أن يقرر بأن الملتقى الوطني الجامع الذي اختتم به الوسيط الدولي غسان سلامة خريطة الطريق المقترحة من قبله لحل أزمتنا المستفحلة، و ما جرّته من وابل الضرر الذي امتد أثره لكامل المحيط؛ يمثل بكل الوضوح المخرج القادر على سد كل الثغرات التي اتخذ من بقائها و فائض مردودها مما ﻻ عين رأت و ﻻ أذن سمعت و ﻻ خطر ببال إنسان من صنوف الخير و البركة كما يقول كل من ﻻ يريد أن يطرح بما لديه و ﻻ يقترف جحوداً يُسجَّل عليه، دون أن يكلفوا أنفسهم سوى التفنن في التنصّل و الحرص على إلقاء المسئولية دوماً على غائبٍ نراه، و حاضرٌ ﻻ يصعب عليهم إخفاؤه، و ﻻ سيما بعد آخر توضيحاته حول ما يتطلع إليه بشأن النواقص المترتبة على تلكؤ المجلس النيابي في القيام بها بافتعال الصعوبة تلو الصعوبة و اﻷزمة تلو اﻷزمة فأكد أن اﻹحاطة المنتظرة ستنتج أمرين ﻻ ثالث لهما: المسارعة بإكمال اﻻستحقاقات كافة و مع مطلع السنة على اﻷكثر، أو المضي نحو الملتقى ﻻعتماد المطلوب و المضي نحو العملية اﻻنتخابية التي حددت في رئيس الدولة و مجلس النواب، و من منطلق حق الجميع في المشاركة و الترشح وفقا للتقاليد التي اتُبِعَت في اﻷحوال المشابهة و التي لم تكن خارجها الحالة الليبية عقب الحرب العالمية الثانية و القرارات الدولية التي مكّنت الليبين من حقهم في اﻻستقلال، و بناء دولتهم تحت مشورة دولية و مساعدة لم تخل من إيجابية، و رقابة حافظت على الكثير من شروط الحد اﻷدنى من الجدية، اﻷمر الذي دفع الكثير من شهود ذلك الزمان إلى المناداة بالكثير مما اتبع، و ﻻ سيما هيئة الدستور التي أفلح رئيس المجلس اﻻنتقالي في تحديد أعضائها الستين أن يعيد إلى الذاكرة جمعية ذلك الزمان و على ذات الحدود اﻹدارية التي كانت قائمة بين اﻷقاليم الثلاثة و خلقت لدى الكثير ،منهم أعضاء هيئة الدستور، اﻹحساس بأنهم وحدهم أصحاب الحق في كتابة الدستور و عرضه مباشرة على الشعب ليقول كلمته، فتكون هذه الوضعية بين المبررات لطول عمر اﻷزمة و استنزاف المزيد من المال على حساب فقراء البلاد و ﻻ بد كل من ينهج طريقا تظهر حوله شبهة الحيلة كما يقولون، كثيرا ما يتحسس من أي توجه ﻻ يستقيم و مصلحته، و ما اتبع بشأنها من الحيل، لم يخف على المستفيدين سوء اﻷحوال ما ينذر به الملتقى الوطني المقترح من قطع حبل المعاذير من اﻷساس فما كان منهم إﻻ التفادي لمهاجمة الفكرة بحشد كل ما لديهم من وسائل إعلامية و مقابلات متلفزة و منشورة جمعت بين التشكيك في الجدوى و الصعوبة في التنفيذ و أخيرا التوقيت أملاً في كسب نصف سنة قادمة إضافة إلى مابقي من السنة الحالية، فوجب على كل مراقب مدرك أن يسهم في واجب التصدي لكل محاولة ترمي إلى تأجيل العملية اﻻنتخابية، بحجة أن عدم التحضير الجيد لن يأتي بالمردود الجيد، فليس هناك أسوأ مما نحن فيه، و أي انتخاب ينتج عنه حكم صناديق اﻻقتراع رئيسا كان أو مجلسا فمرحبا به و سهلا، اﻵن  اﻵن و ليس غدا كما تقول الفنانة فيروز في أغنيتها الشهيرة بشأن العودة و كيفية و توقيت قرع أجراسها. و يكفي أن السيد غسان سلامة كان قد صرّحَ منذ أيام أن المطالبين بانتخاب رئيس الدولة و مجلس النواب تتجاوز نسبتهم الخمسة و ثمانين في المائة، من عموم الليبين، و أنهم من جنوب البلاد و شرقها أكثر من غربها حيث اﻷكثرية العددية التي طالما اتخذ منها ذوو النزعات الخاصة فزّاعة ﻹثارة المكونات التي قد تسهم في أي تعويق مقصود لبناء الدولة المرجوة لليبيا ليس لكونها استحقاقا وطنيا، و إنما ﻷنها ضرورة اقليمية و مصلحة دولية. حدودها و شكل حكمها و استقرارها جزء ﻻ يتجزأ مما يتفق عليه عالميا، شئنا معشر الليبين ذلك أم لم نشأ، إذ المعطيات أقوى من اﻷُمنيات.انتهى


______________________________



لكي يثقوا بأن الوطن لهم

أمين مازن

16-11-2018

أنهى مؤتمر باليرمو أشغاله طبقا لما كان مُحضَّراً له من حيث الزمن و نوعية الحضور و فاعلية الدور في الصراع الذي تدور رحاه بين عديد القوى الدولية الرئيسة منها أو الوكيلة، و باﻷحرى العميلة. و قد حفظ الجانب اﻻيطالي خط الرجعة، بأن مَهَّد في كلمة اﻻفتتاح باستبعاد صدور أي بيان عن اﻻجتماع، بحجة أن ما سيُبحَث في باليرمو ليس متقاطعاً مع ما تقرر منذ خمسة أشهر في باريس، خاصةً و أنه قد ضَمِن حضور جميع الفرقاء اﻷكثر حظّاً من تقدير المجتمع الدولي، كما استبق ما توقعه من زُهد البعض في الظهور اﻹعلامي. بالتوكيد على أن التقاط الصور التذكارية ليس على رأس اﻷولويات. بل و ذهب الى أكثر من ذلك فجزَّأ اللقاء الى واحدٍ نوعي حدد له موضوع اﻷمن و اقتصر اﻹسهام فيه على دول الطوق بما لها من تأثير و ما قد يطالها من التأثّر، و مثلها الدول المقابلة للشواطيء الليبية بحرا، باعتبارها تدخل ضِمن دول الطوق، فتوفرَ طبقا لهذه التخريجة قبول ما اشترطه بعض المستهدفين للحضور من حصر اجتماعهم في مستوى معين من المسؤولين، مما حدا بكل مراقب يقظ أن يستشعر إمكانية الخروج من النفق المظلم، إذ على ما يلوح من تمكن ايطاليا و من يدور في فلكها من إطالة عمر اﻷزمة بتأجيل العملية اﻻنتخابية، و التي سبق لفرنسا و منذ خمسة أشهر فقط أن بدت أكثر قربا منها، فإن خروج ممثل الحكومة التركية غاضبا من اﻻجتماع عندما حاول تجاوز دوره، فتأكد أن هناك ما هو أكبر من مشموﻻت اللاعبين بالوكالة و المعولين فقط على ما يمنحونه من الرشاوى أو يؤمِّنون من العموﻻت. و ما التَفوُّهْ ببعض التصريحات الطاعنة في اللقاء لتزيد على محاولة إخفاء مشاعر التحرر إزاء ما تأكد عند اﻷتراك من الفشل المريع الذي منيت به لممارستها غير المسؤولة في كسب الرأي العام الليبي حيث يؤكد أكثر من متابع ان ذلك في مقدمة ما شرعَنَ سوء اﻷداء الذي لوحظ على كثير من الشرائح الفاعلة، إن في اﻷجسام المنظمة أو اﻷفراد الفاعلين في حركة الرأي العام ممن لا يسأمون التوجه شبه الدوري الى تركيا و يعودون بكل نفيس طالما ظهر على هيئاتهم و هيئات ذويهم، حتى لقد فقَدَ الناس ثقتهم في كل من يتقدم الصفوف، ليكون التشاؤم سيد الموقف، و يكون حديث الوسيط الدولي من التوجه الى ما اختتم به خطته التي اُعتُمِدت من البداية من المجتمع الدولي و المتمثلة في المؤتمر الوطني الجامع الذي يمكن بواسطته شرعنة جملة من اﻻشتراطات التي مبعثها المناورات و المصالح و شهوة البقاء في السلطة الى ما ﻻ نهاية، فبواسطة هذا المؤتمر الجامع و برعاية المجتمع الدولي يمكن المضي نحو جميع اﻻستحقاقات وفق خريطة طريق محددة، و قرارات صارمة تلغي جميع محاوﻻت اﻹقصاء و تعتمد التعديلات الضرورية للإعلان الدستوري ليُصار الى إجراء العملية اﻻنتخابية بدءً من رئيس شرعي يعززه صندوق اﻻقتراع و يراقب إجراءاته المجتمع الدولي، يكتسب ﻻحقا صفة القائد اﻷعلى للقوات المسلحة، كما اقترح أبرز الموجودين في هذه المؤسسة، و عدم المساس برأس الرئاسي حتى الفراغ من العملية اﻻنتخابية دون التدخل في تفاصيلها بما يشي بالتعطيل، و إنجاز ما جاء في بيان المندوب الدولي حول مراجعة حسابات المصرف المركزي في ما ﻻ يتجاوز الثلاثة أسابيع، كل ذلك دون أن نُهمِل ضرورة أن يكون واضحاً للجميع أن كل اختفاء لمظاهر اﻻستغلال و تجلياته في أحدث السيارات و عديد المناسبات ﻻ يقل في أهميته و ضرورة اﻹسراع به عن انتشار السلاح. إذ مع حاجة البلد الماسة لمشاركة المجتمع الدولي في هذه، فإن التِفات من يعنيهم اﻷمر الى ذلك النوع من اﻻستفزاز ليس أقل أهمية لتفادي ردود افعال العامة و كسب وُدَّهم لكي يثقوا بأن الوطن لهم و الدفاع عنه واجبهم. انتهى


____________________________________

مزيداً من الإحاطات يا عمّ سلامة..!

أمين مازن

11-11-2018

كرر الوسيط الدولي غسان سلامة في تقديمه لإفادته الدورية عن مهمته في ليبيا ما سبق أن اتبعه في الإفادة السابقة، عندم اكتفى بتلاوتها من العاصمة طرابلس تعويلاً على ما غدَت الإمكانيات الفنية في عالم اليوم من امكانية المشاركة في أي تجمّع دون مغادرة المكان في إشارة بالغة الدلالة لمسئولي هذه الأيام الذين يستنكفون السفر في المَهمَّات التي لا تعرف التوقف، حتى كادت تجعل الإقامة بالبلد تمثل الإستثناء و ليس القاعدة، فكان بتصرّفه هذا مثالاً لمن يصون نفسه من خرق ما يقول، عندما عبّرَ بقوله الذي لا يخلو من المرارة إن الليبيين تحولوا جميعاً إلى فقراء نتيجة السرقة غير المسبوقة للمال العام، لتكون إحاطة  الوسيط الدولي في النهاية ليس أكثر من مسوّغ لمضيه نحو ما ألمح إليه منذ مدة بشأن العملية الإنتخابية التي حدد لها في اجتماع باريس العاشر من ديسمبر القادم لتُزَحْزَح هذه المرة و قبل اجتماع روما و في حضرة أعضاء مجلس الأمن إلى الربيع القادم، و هو ما سبق لإيطاليا أن دعت إليه، و يكون الحديث عن المؤتمر الجامع مجرد تبرير لتأجيل العملية الإنتخابية و إطالة عمر الأزمة حيث لا شيء سوى المزيد من الإنفاق و المزيد من النهب و المزيد من الإصرار على بقاء كل ما من شأنه الإضرار بالأغلبية الساحقة من الناس، الذين يُدعَم بإسمهم كل شيء و لا يتوصلون بأي شيء، و حسب المراقب أن يستشهد بالتلكؤ في رفع أسعار المحروقات التي يُباع أكثرها بأكثر من سعره الرسمي للناس كافة، ما يعني أن التهريب هو المطلوب لما يوفره فارق الأسعار من سخي المداخيل التي يذهب البعض إلى القول بإنها الممول الرئيسي لما تشهده البلاد من أصناف التخريب الممنهج و يؤكد البعض الآخر أنها تذهب إلى الجيوب الخاصة، لأن التخريب له ميزانياته الكافية لتمويله و من ينتصر له بهذه الصورة أو تلك، و المهم أن ما ساقه المندوب الدولي سلامة من حديث حول المال الليبي المنهوب ما لم تُقدَّم بشأنه رؤية صريحة و دعوة واضحة يتم بموجبها صدور قرار دولي يحصر صرف المال الليبي في ما هو ضروري ليس غير بما يفرضه القرار الدولي المنبثق عن الفصل السابع من واجب التدخل، و ما لم تكتف السُلط بقرارات تسيير الأعمال، و ليس المضي نحو أي التزامات يتطلّب التعاقد بشأنها الكثير من الشروط غير المتوفرة، فإن ما تحدث به غسان سلامة ليس أكثر من مبرر لبقاء الحالة حيث هي، خاصةً و أن المؤتمر الجامع مجرد شعار، لا يعرف أحد من سيحضره و ما القضايا التي ستُطرَح فيه و لا الجدول الزمني الذي يتلوه، كما و لم يُبذَل الجهد المطلوب لإلغاء ما أفلح بعض الإقصائيين في سنّهِ من القوانين المعادية للحرية و المشاركة الديمقراطية، عندما استطاعو القفز إلى الصفوف الأمامية، في الوقت الذي ما تزال فيه عديد الفضائيات من عرض ما دأبوا على الجهر به من مخجل القول الذي عفَّ غيرهم عنه، مما يمكن القول إزاءه بكل التجرد ألّا جديد في كلام غسان سلامة أكثر من الإستهلاك المحلّي، و المشاركة في إطالة الأزمة ليس غير، و لن يكون من قبيل السخرية إذا قلنا له مزيداً من الإحاطات يا عمّ سلامة..! انتهى.   

___________________________________



لكي يكون مؤتمر باليرمو لليبيا لا عليها

أمين مازن

31-10-2018

تواصل الحكومة الإيطالية جهودها الرامية لمشاركة أكبر عدد ممكن من الفاعلين الرئيسيين في المشهد الليبي، من مدنيين و عسكريين ليبيين، بالمؤتمر الذي حددت موعده بيومي الثاني و الثالث عشر من شهر نوفمبر، و في معرض صراعها مع فرنسا على النفوذ في ليبيا، هو صراع بلغ ذروة اشتداده عقب سقوط نظام الفاتح من سبتمبر، ذلك النظام الذي شهد قبل أُفولُ نجمهِ مع زوابع الربيع العربي، تناغماً غير مسبوق مع إيطاليا، أوشك أن يشمل أكثر من صعيد، و طيف من أطياف الشعب الليبي، لولا أن رأس النظام بما غَلَبَ الكثير من ممارساته من ميل إلى التسطيح و الضجيج الإعلامي، عندما اختزله في قُبلة برلسكوني المُخجلة، على الرغم من أنها قد شملت نجل الشهيد عمر المختار من باب استدعاء التاريخ، لسبب بسيط و هو أن برلسكوني لم يستطع أن يتجاوز ذاته كرجل أعمال يبحث عن وكلاء لتسويق تجارته، و مستهلكين يُسعدهم التسوُّق من شوارع روما، حتى و لو قُدِّرَ لهم أن يُديروا المؤسسات الثقافية، فلم يطوروا أي تواصل غير رسمي، مما جعل تحرّك إيطاليا الأخير يفتقد أي رؤية يمكنها أن تُبَشّر بمرحلة تتسم بالجدية. لقد اختارت إيطاليا لمؤتمرها المُنتظر من حيث المكان مدينة باليرمو و أكدت ما سبق أن اقترحته كموعد من حيث التاريخ، لتضاعف اتصالاتها الدولية قصد حضور أكبرعدد من الرؤساء، كما تشير وفودها الدبلوماسية التي لم تبرح عاكفة على مشاهير مطارات العالم و عواصمه، مع تكتّم قلَّ نظيره حول ما سيُطرح للبحث، اللهم إلا الهجرة غير الشرعية، و التي لم يعد أحد يجهل النوايا المُبيتة من ورائها منذ بروزها في العقود الأخيرة و ما شهدته من أنواع الصراع، مما يعني أن المستهدف من المؤتمر بالنسبة لإيطاليا لا يعني ليبيا كبلد يعاني هذا الكم من الصعوبات التي باتت مصدر إزعاج لمعظم الأطراف إن لم نقل جميعها، فليبيا على ما يبدو تمثل لإيطاليا كما كانت قبل مائة سنة مضت، أرضاً بلا شعب، و التفاهم حولها يجب أن يأتي من خارجها، بدليل أنها ،أي إيطاليا، دون غيرها تبذل كل جهدها لتأجيل العملية الإنتخابية، باعتبارها ستوحد السلطة التنفيذية في حاكم مُنتخَب و التشريعية في برلمان واحد، و سلطة واحدة دون سلطتين، بل و دون هذا العدد من البلديات و عمدائها الذين كانت أول من صنع منهم جسماً ظاهراً، تماماً مثلما رفعت شعار المصالحات القبلية مع أن الناتج هو تعميقها، فإذا كانت هذه الدولة التي دشّنت مساعيها الرامية إلى اعتبارها دولة ذات دور عقب وحدتها فاتجهت إلى الشاطئ الليبي قبل قرنٍ و نيِّف، و لم تفلح في تحقيق ما طمحت إليه، تُريد اليوم أن تُعيد الكرَّة، فليكن لها مِن تبنّي ما تتطلّع إليه الأغلبية الساحقة من الشعب الليبي و القوى الوطنية الحقيقية فيه، من ضرورة التوجه إلى صناديق الإقتراع، لانتخاب حاكم شرعي و مجلس نيابي، على قاعدة الإعلان الدستوري، بمساعدة دولية واضحة و محددة، و وقف سريع لنزيف المال العام و كوارث سلطة الأمر الواقع و الإنقسام الذي لا يتحرك إلا على التخريب و السباق المحموم نحو الأجنبي، ليُصار إلى حليف واحد و لو كانت شروطه غير منطقية. و إن أي توجه لغير هذه البداية فليس أكثر من محاولة لاستمرار الكوارث و هو ما قد نُنَزِّه قصد إيطاليا و مؤتمرها المُنتظر عنه، لولا قول الأولين إن الطريق إلى جهنم مفروش بالنوايا الطيبة.  انتهى


____________________________________

إنه مؤتمر لإطالة عمر الأزمة

أمين مازن

16-10-2018

حددت إيطاليا يومي الثاني عشر و الثالث عشر من نوفمبر القادم موعداً للمؤتمر الذي تعتزم إستظافته لعددٍ من الأطراف الوطنية و الدولية لبحث مستجدات الأزمة الليبية، و ما عساه يكون قد نضج حولها من الحلول، و التي لا شك أنها قد تتيح لهذه الدولة غير المركزية في المحيط الدولي لما ترى إمكانية تحقيقه بواسطة ما تطمح إليه من دور للأزمة الليبية كثيراً ما حالت دونه فرنسا بما لها من ثقل دولي ما كان له أن يتأسس لولا ذلك الموقف الشجاع الذي بادر به الجنرال ديجول  في الحرب الكونية الثانية عندما رفض الإحتلال النازي و قاد جيش فرنسا الحرة، خلافاً لجنرالات إيطاليا الذين خدعهم الطموح الفاشي، فخسروا الحرب و عجزوا عن مواكبة القوى الديمقراطية التي حاولت مقاومة ذلك الطاغي، فكان أن خرجت إيطاليا مهزومة من الحرب و عاجزة عن إتخاذ أي موقف تقدمي يجعلها جديرة بتأسيس علاقة سليمة مع الدولة الليبية التي اقتضت المصالح الدولية قيامها بعد الحرب، فلم تقدم إيطاليا التي كانت أحسن حالاً من ألمانيا أي مبادرة جدية لليبيا ما بعد الحرب، حتى أنها عجزت في تقدير ما بادرت به الأصوات الديمقراطية الإيطالية التي حاولت أن تتواصل مع بعض الأنشطة السياسية على قاعدة تجاوز الماضي و التطلّع نحو المستقبل، مما انتبه له البريطانيون سريعاً فدفعوا بتصفية الحسابات و كذلك حاولوا رشوة بعض الساسة الليبيين الذين تحركوا في الساحة الوطنية ممن تحدَّثَت عنهم الوثائق التي تناولت المرحلة بما ينطوي على الكثير من الحرج، مما جعل العلاقات الليبية الإيطالية تقف دائماً في حدودها الدُنيا التي لا تتجاوز التجارة و السياحة و لا تمتد إلى أي جانب يتجاوز الماضي، حتى لقد رأينا السياسي اليميني برلسكوني و هو يطبع قبلته المخجلة، يعجز عن تبريرها بأي حديث يخص الشعب الليبي أو الإيطالي، فثبت أنه لا يقصد سوى مصالحه التجارية، و هي ذات السياسة التي رأيناها تتكرر طوال السنوات التي تَلَت السابع عشر من فبراير، حيث لم يكن لإيطاليا من هَمٍّ سوى محاولة تركيز موظفي شركاتها من غير ذوي المراكز المرموقة، و التواصل مع بعض المناطق في غياب السلطة المركزية، و استظافة أقل الحلقات الإجتماعية تخلُّفاً كالقبائل المتصارعة و البلديات التي تتنامى أعدادها حتى أنها ذكّرتنا بزمن الكومونات، و صارت تستهلك من الأموال العامة ما يستحيل مع استمراره إقامة أية مشاريع خدمية، فتبيَّنَ أن إيطاليا ماتزال تعتمد شيئاً من أساليبها تجاه ليبيا ما كان معروفاً قبل مائة سنة حيث الرشاوى و لا شيء غير الرِشا، مما يجعل القوى الوطنية الليبية الجادة سواء تواصلت معها إيطاليا و هي تُحَضّر لمؤتمرها هذا أم لا  أن تُحدد أولويات الشعب الليبي اليوم و التي لا مناص من البدء بها أمنياً في جمع السلاح، و سياسياً في إدارة توحِّد المؤسسات و تلغي الزيادات الفلكية التي طالت الرواتب المتعلقة بمغتصبي السلطة على مختلف الأوصاف، و الذهاب لاختيار سلطة مُنتخَبة قوامها رئيس و مجلس نواب و حكومة بأقل الحقائب و تقشّف في التمثيل الدبلوماسي، و مراقبة شجاعة لوقف إطلاق النار و هجمات التخريب غير الخافية على كل ذي بصيرة، و لا سيما القوى الدولية ذات الأجهزة الفنية القادرة مثل إيطاليا و التي تستطيع ،متى أرادت، أن ترصد حركة الذبابة الطائرة في الجو و مثلها الأخرى السائرة فوق التراب، لولا أن مثل هذه الأمور لا تعنيها، إذ ما يعنيها فقط هو الهجرة غير الشرعية و التي ترى أن من حلولها توطين الأفارقة على التراب الليبي، و ما ذلك إلا لأن النظرة التقليدية أكثر مما سواها هي التي توجه الدبلوماسية الإيطالية حتى أنها تبذل كل هذا الجهد للحيلولة دون إجراء الإنتخابات الرئاسية بليبيا، أملاً في الإبقاء على سلطة الأمر الواقع، و ليس الأخرى الناتجة عن اختيار الناس، كيفما كانت نواقص هذا الإختيار، بقى أن يكون من بين مخاطر هذه السياسة التي تبذل في سبيلها السلطة الإيطالية ما لا حصر له من الجهد، أن من بين ما قد يتكفل بإنجازه هذه الكتل البشرية و هي تأتي ناشئة على الثقافة الفرانكفونية أن تُنجز ما تسعى إليه فرنسا من أقرب الطرق و أيسر الجهود، فقد فقدت إيطاليا تأثيرها الفكري منذ سيادة النظرية الفاشية في عشرينيات القرن الماضي، و يبدو أنها لن تقوم من كَبوتِها في عشرينيات هذا القرن أيضاً و اليمين الإيطالي يتقدم صفوفها و يوجه سياستها في الشمال الأفريقي، إنطلاقاً من ليبيا و بالأحرى الموقف من ليبيا، الذي يأتي هذا المؤتمر واحداً من خطواته الجديدة، و التي يؤكد أكثر من مراقب أنها ليست أكثر من قفز في الهواء و جعجعة بلا طحين، و لن يكون له أي ناتج اللهم إلا إطالة عمر الأزمة الليبية.انتهى


____________________________________




عن القبلية و بيت العنكبوت

أمين مازن

15-9-2018

مازالت الصيغة القبلية تستهوي الكثير من اللاعبين السياسيين الليبيين، أولئك الذين تنامى عددهم و تضاعف نشاطهم منذ السابع عشر من فبراير 2011 و توجه المكتب التنفيذي المنبثق عن المجلس الإنتقالي للمجتمع الدولي طالباً منه الإعتراف به كممثل شرعي لليبيا بدل النظام المستهدف اسقاطه، حين اشترط بعض النافذين في ذلك المجتمع ضرورة التأكد من الوزن الحقيقي للساسة الجدد في قبايلهم قبل منحهم الإعتراف المنشود، إذ على الرغم من أن التلويح بذلك الشرط قد لا يكون أكثر من مبرر لكسب الوقت الذي اقتضاه الموقف أو الصراع حول البلد الذي بدأ يحتد يوماً إثر يوم، فلم يتردد الكثيرون يومئذ من طرق أبواب مختلف القبائل لاستمالتها،و في وقتٍ لاحق الحرص على تمثيلها، كما و لم تُقصّر هي الأخرى في المبادرة بالتواصل و السعي لتحقيق ما تيسر من المصالح كجائزة على ما يبدونه من الولاء، بحيث لم يتحقق الإجهاز على العهد حتى كانت الصيغة القبلية المُشار إليها ذات الأثر القوي على أكثر من صعيد، و من بينها الأجسام السياسية المقترحة و تجلياتها في عديد التشكيلات الحزبية، اللهم إلا من حاول الإنطلاق من الأوساط الطلابية، الثانوية و الجامعية و ما أفلح بعض القياديين في مخاطبتها، بشأن التنمية تحديداً و ما لقيته من نجاح في تحقيق أعلى درجات الإستقطاب، مما جعل بعض من لا حرج من وصفهم بالمغرضين يُصرون على وصف هذا التوجه بالعلماني على الرغم من عدم وجود أي حوار فكري حول العقائد و ما في حكمها، فقد تبين لكل من راجع ما حدث بموضوعية أن التجاوب اللافت و المثير للغيرة لم يكن له من دافع للإستقطاب سوى التركيز على المشروع التنموي و الواقع الوطني بما هو عليه من الخصوصية دون إغفال للإكراهات المحيطة، و قد كانت نتائج أول عملية انتخابية تمثلت في المؤتمر الوطني العام و نتائجها اللافتة بشأن الأغلبية من الأدلة القوية على عدم اكتراث القوى الحية بأي افتعال للخلاف الآيديولوجي، و ما كان منتظراً منه، لاستفزاز النعرات و ما في حكمها للإنحراف بالمعركة عن جوهرها الإصلاحي الذي كانت بعض القوى لم تتردد في الأخذ به، أملاً في التغيير من الداخل و الحد بقدر الإمكان من الدماء الغزيرة التي رافقت الربيع العربي في الساحة الليبية،و هكذا عرفنا مثلما عرف غيرنا قوانين حماية الثورة و العزل السياسي و قل ما شئت من المشاريع التي لم تكن أكثر من مبرر للإقصاء و إزاحة كل من يُخشى خطره بالضفر بالأغلبية الشعبية، الأمر الذي لم يخف على المجتمع المدني العالمي و مراقبيه الذين ثبت لديهم عدم أهلية كثير القوى بإدارة الشأن العام الوطني، فكانت وجهة عديد المفلسين إلى القبيلة عساها تعوض ما راح، كما لو لم تكن هذه الوجهة هي في مقدمة ما أفقد الإستقلال الوطني كل محتوى جيد، بل و أدى إلى مسلسل المغامرات الذي بدى في مثل هذا الشهر قبل ما يقرب من خمسين سنة مضت ليبلغ أقصى درجات مضاره الجديدة عندما أفلح البعض في التسلل إلى الإنتفاضة للإنحراف بها عن المشروع الوطني الذي يتسع لكل الليبيين و يحقق لهم إشعاعاً يصل إلى ما حولهم، بدل هذه الصيغة المتخلفة و العاجزة عن أي مُنتج جاد، و يظل أكثر هذا التوجه إفلاساً ما يتناقل عن تواصل بعض القبائل الممتزجة بدماء غير العرب في فترات السيطرة العثمانية و التي كادت في ذلك العهد أن تتحول إلى نوع من الإمتياز، صارت في أيامنا هذه تشهد تواصلاً يشي بنوع من التنسيق الذي يتجاوز الإجتماعي إلى المصلحي غير المفصول عن السياسي، كان النظام السابق قد أوقفه بحسم، و على ذات القدر العودة إلى ما سبق للتجريدة الشهيرة أن أوقفته، و أحدث الإصطدامات في العام 2014 و ما اقتضته من تدخل فُهِمَ في حينه، فنعت القبيلة بالتخلف لا يصدر عن نظرة متعالية أو مثالية و لكنه الذي يعطي الأهمية للضرورات و المصالح الوطنية  التي تستوجب أن يدرك الجميع استحالة العيش بمعزل عما يجري في العالم من متغيرات، فلن يأمنوا بما غنموا و لن يعوضوا ما خسروا إلا بعالم لا مكان فيه للحدود سوى تلك التي تحمي مصلحة الشريك الأوروبي القوي، و الذي لن يستنكف النصح أحياناً و العضلات أحياناً أخرى، فقد اعتمد القبلية و هو يؤجج النيران التي أحرقت بساتين  القسطنطنية و يسّرت قيام العرش الذي ورث  إيطاليا و أنهت الفيدرالية التي ااستماتت القبلية في الدفاع عنها و سهلت أخيراً إسقاطه و لم تتردد كذلك في هدم من تولى مهمة إسقاطه و هدم البلد معه، و عندما يدور بخلد البعض إمكانية العودة إلى القبلية للإستحواذ على النفط أو استعادة الدور التركي و ما في حكمه مثل إيطاليا، فهو ليس أكثر من وهم، ما بعده وهم، فكل حديث عن القبلية و كل تعويل عليها للحفاظ على ما ستجرّه من نفوذ محض خيال، و أخيراً فإن كل مساحة جغرافية شاسعة بها من الموارد ما يزيد عن حاجة أهلها و من السكان  من يعجزون عن شغل أرضهم، فلا مناص من أن يطالهم الزحف من هذه الحدود أو تلك، و ليس أمام كل حُكم يدّعي الرشد إلا أن يهيئ الناس كي يكونو أكثر يقظة و استعداداً، ليس لنطح الصخرة، و إنما لمساهمة في توجيهها نحو كل ما هو أكثر جدوى، و أخيراً و ليس آخر فليس للذين ما يزالون مخدوعين بالقبلية لتكون بيتاً يحميهم من مثل سوى النص الخالد " كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ". إنتهى


___________________________________

رُبَّ ضارةٍ نافعة

أمين مازن

13-9-2018

تمكنت البعثة الأممية من وقف إطلاق النار بين الأطراف العسكرية التي امتشقت أسلحتها الخفيفة و الثقيلة، مُتخذة من العاصمة مسرحاً لعملياتها العسكرية، على خلفية ما دأبت على تداوله وسائل التواصل الإجتماعي و كذلك عديد الفضائيات عن هيمنة بعض القوى المسلحة على سلطة الأمر الواقع، كما هو المصطلح، بشقيها السياسي و الإقتصادي، و تجليات ذلك في ما يُمنَح من الإعتمادات المصرفية و ما تدرّه من موارد خيالية على نحوٍ غير مسبوق من التحيّز و استغلال السلطة، إلى جانب الإصرار على عدم تعديل سعر الصرف بدعوى الحرص على احترام القانون، و هو ما لا يتفق مع قرارات أخرى لم تتردد تلك الجهات في اتخاذها المرة تلو المرة، خدمةً لذوي الحظوظ الكبيرة، و الشيء ذاته في الإبقاء على سياسة لا يستفيد منها سوى المهربون و ما غدوا يتوفرون عليه من تحالفات لم تستطع إزاءها أي سلطة كابحة، هذا إذا وُجِدَت هذه السلطة من الأساس، و إن كانت تبدو شديدة الحضور حين يتعلق الأمر بالحفاظ على المناخ الأكثر ملاءمة للإبقاء على الفساد و المفسدين، مما جعل المهاجمين القادمين نحو العاصمة و الخارجين من بعض أحيائها لا حديث لهم إلا على الفساد و المفسدين، و التسلّط و المتسلّطين ممن حولوا العاصمة إلى حالة حرب، مما اضطر الطوابير التي كانت تقف أمام المصارف و محطات الوقود تنسحب مسرعة، ليس لأنها ظفرت ببعض ما تريد، و إنما لأنها احتكمت إلى القول المأثور "كل الذي دون الممات هيِّن"، فكان أن تحركت البعثة الأممية بسرعة تختلف عن الماضي لتلتقي بعدد من المتقاتلين و من يُفترَض أنهم في موقع المسئولية للمضي نحو الوقف الفوري لأطلاق النار وسط مشاعر من التفاؤل و انتظار خطوة أكثر حسماً من المجتمع الدولي المتمثل في البعثة التي يرأسها سلامة بما هو عليه من الحنكة و الخبرة و الدراية، و نائبته التي تظيف إلى صفتها الدولية هذه، جنسيتها الأصلية و ماضيها السياسي و ما هي عليه من المعرفة بأدق أسرار الواقع الليبي و رموزه بجميع المجالات و آدائهم في مختلف المواقع، ثقة في أن هذا النوع من الدبلوماسيين و هم ينهضون بمهامهم الدولية، يستحيل أن يرضوا لأنفسهم أن يكتفوا بالحضور الشكلي بقدر ما يحسمون بتر رؤوس الفساد. من هنا لا نجد نحن الذين لم يبق أمامنا سوى هذا الفضاء الذي استعصى على العابثين بمجموع شئوننا و المعوقين لكل محاولة من محاولات العلاج الصحيحة جرّاء احتكارهم لوسائل الإعلام الرسمية، المسموع منها و المقروء و المرئي، إذ لا تجد فيها أكثر من الزيف و تزيين الأخطاء و تأليه المسيطر على سلطة القرار المالي و السياسي و الإداري، أكثر من التعبير عن وافر الإمتنان و جزيل الشكر على الجهد الدولي المبذول من طرف البعثة، رئيساً و مساعدة، مؤكدين أن ما اتُفِقَ عليه لن يكون له الأثر الملموس و لا العلاج الجذري ما لم يُصار إلى إلزام سلطة الأمر الواقع بالتوقف فوراً عن المضي نحو التوسع في الإنفاق العام لكل ما هو غير ضروري، بحيث يُحصر الصرف على المرتبات و المُعتمَدة بقرارات مُحْكَمَة لا مكان فيها للمحاباة و استغلال الفترات المؤقتة أو ادِعاء الثورية و ما في حكمها، فالكادر المعمول به في الدولة معروف و ما يزيد عليه باطل و ألف باطل، و السيارات المقررة للموظفين معروفة و ما يتجاوزها يعرفه الجميع، و الإعتمادات المشبوهة كما رصدتها دوائر المراجعة الرسمية، و البعثات الدبلوماسية التي شملت الكرة الأرضية قاطبة لمصلحة المحاسيب و الأصهار و الأصدقاء و الذين تم شراء ولائهم أو ضمان حيادهم أو إزاحتهم من مناطق الإشتباك، أوضح من أن تخفى على البعثة الأممية و الأجهزة المتعاونة معها، أما القرارات المنطلقة من خضوعنا للفصل السابع و تأكد المندوب الدولي و مساعدته من المعوقين أسماءً و أفعالاً و نوعيةً في الفعل، فما من صعوبة لاكتشافها و الحد منها، و يكفي فقط تكليف أحد الخبراء بمراجعة ما يجري و إحاطة المخالفية بمواطن مخالفتهم و حجم أضرارهم، و ربما يلقون بعض جزاءاتهم، فإذا ما قُدِّرَ لهذه القراءة أن تصدق، و ما يُنتَظر من العلاج أن يحدث، فليس لنا كمراقبين و مطالبين بما نراه الأجدى غير أن نُقِرّ ما سبقنا إليه الأقدمون في أمثالهم.."رُبَّ ضارةٍ نافعة".انتهى


___________________________________

عسى أن يكون لنفاذ صبر سلامة ما بعده

أمين مازن

29-8-2018

يستعد الوسيط الدولي غسان سلامة لتقديم إحاطته السنوية لمجلس الأمن الدولي في الجلسة التي ستُكرَّس خصيصاً للمسألة الليبية و ما اكتنف المرحلة، موضوع التقرير، من التطور و كذا ما اعتراها من مظاهر الفشل، و من هي الأطراف الآخذة بأسباب التشجيع، و بالمقابل المعوقة له، انطلاقاً مما التزم به المجتمع الدولي من حرص على تحقيق أفضل الحلول و معاقبة كل من يُصر على وضع العصى بالعجلة، و كان الوسيط المذكور قد أعلن بكل الوضوح أن صبر الشعب الليبي قد نفذ، و أنه أي الدكتور غسان نفذ صبره هو الآخر، متخلّياً لأول مرة عما اشتُهِر به من الدبلوماسية و التفاؤل و الإبتعاد عن كل ما يعكّر الأجواء، و الحق أن ما يسود الواقع الليبي من سوء الأداء و تجلياته في بعثرة المال العام و الإنفراد المُتعمَّد بسلطة القرار و تسخيرها لكل ما يفيد الأقلية من عديد الفرص الكفيلة بالإثراء سواء بواسطة التعيين في سامي المناصب داخل البلاد و خارجها، أو الإعتمادات المالية و ما في حكمها و ما ينتج عنها من الجتمع مما لا حصر له من التحويلات المالية أو التلكؤ في تعديل سعر الصرف و بالأحرى توحيده و رفع سعر المحروقات بما يسد ثغرات التهريب إلى الأبد، خاصة و أن الأسعار قد رُفِعَت حتى لقد طالت قوت الليبيين، و ما دأب على تقديمه ديوان المحاسبة من التقارير الصريحة التي لم يسلم منها أي طرف مسئول و لم يتكلّف أي معني بها بالرد، أي رد.. و ما في ذلك كله من الإستخفاف بالمسئولية و الإعتماد فقط على التأييد الدولي المزعوم، كأن المجتمع الدولي ليس له من هدف سوى رعاية العابثين بقوت الناس و الذين ليس لهم سوى الفضائيات التي تُسبِّح بحمدهم صباح مساء، في الوقت الذي نراهم نجحوا في حجب صُحف البلاد دفعة واحدة، بما في ذلك الصحيفة التي حملت اسم فبراير و كانت طوال السنوات التي تلت تأسيسها مثالاً في استيعاب الجميع ممن حافظو على الحد الأدنى من الموضوعية في الداخل و الذين حضروا برصيدهم الجيد من الخارج، فإذا بها تُغتال بدمٍ بارد فتبقى ليبيا الوحيدة بلا صحافة، فلا يوجد صوت واحد يُقيِّم تحرّك هؤلاء الذين يطوفون على الكرة الأرضية دون أن يعلم أحد ما فعلوا ما أنفقوا و ما كسبوا أو ما حمّلوا به البلد من ثقيل الإلتزامات المالية و السياسية، و لا شك أن المندوب الدولي  بما هو عليه من الوعي و التهذيب، لم يتردد في التصريح بنفاذ صبره من سوء الأحوال، سيضمّن إحاطته بجميع الصعوبات و المتسببين فيها و الخسائر المترتبة عليها، خاصة و أنه يأتي مسنوداً بمساعدته الدبلوماسية الأمريكية المقتدرة و الجريئة ستيفاني تي. ويليامز، و التي وضعت يدها على الجرح عندما انصرفت إلى الوضع الإقتصادي الذي يكتوي به السواد الأعظم من الليبيين فيما تنعم الأقلية بكل شيء، مما يوحي بوجود اهتمام غير مسبوق و ربما إرادة لوضع حد لهذا العبث الذي طال أمده و يحرص عديد المستفيدين على إطالته أكثر فأكثر، و ليس للسواد الأعظم من أولوية أكثر من قمع هؤلاء العابثين بكل شيء ينفع الأغلبية في يومهم و غدهم و الذين ليس لهم من مطلب حياتي يتجاوز تعليم أولادهم و علاج مرضاهم و حماية حدودهم و صون أعراضهم مما ليس صعب الفهم أو صعب التحقيق على دولة مثل الولايات المحدة التي لا يخفى عليها من حقيقة الستة ملايين ليبي أي سر، فهي لا تزيد على قُرصٍ مُدمج و هم جميعاً أقل من عدد سكان بعض أحياء مدن العالم بما في ذلك الجيران و ربما تكون الإحاطة المنتظرة واحدة من البدايات الجادة، و عسى أن يكون لنفاذ  صبر غسان سلامة ما بعده..!  انتهى

_______________________________________



أكبر من مهمَّات الكومبرادور

أمين مازن

23-8-2018

لم يستطع السفير الإيطالي بليبيا إخفاء معارضته و الأطياف السياسية التي تظاهره للعملية الإنتخابية المزمع إجراؤها قبل نهاية هذا العام، لإختيار رئيس لدولتنا و مجلسها النيابي المشارك له، لما في ذلك من مخرج لا بديل له من الأزمة التي استفحلت، حتى بدت تهدد كل مقومات الكيان الليبي، و قد ظهرت هذه المعارضة الماكرة في المقابلة المتلفزة التي أجراها باقتدار جدير بالإشادة، الإعلامي النابه نبيل الحاج على فضائية ليبيا روحها الوطن، بما طرحه من أسئلة بالغة الدقة و التركيز و الترابط، فشلت أمامها على نحوٍ واضح كل الأجوبة المخروقة بالتهرُّب، بل و المعبّرة عن توجه غير مطمئن، و ربما منذر بكل ما هو سيئ لنا، فعلى الرغم من أن المجتمع الدولي، كما أجمل موقفه الوسيط السيد غسان سلامة، قد وضع للعملية الإنتخابية المنشودة قاعدة إجرائية، شملت في وجهها المثالي إقرار الدستور و قانون الإستفتاء و ما يدخل من بابها. و الآخر العملي، خلاصته تعديل الإعلان الدستوري و ما أباحه من انتخاب المؤتمر الوطني و مثله مجلس النواب، بما ينتج عن ذلك من تحديد المسئولية التنفيذية في رجل مُنتخَب و محصور الصلاحيات، تساعده حكومة لها رئيس متفرغ و عدد من حاملي الحقائب، و تتوحد من ثم السلطة التشريعية لتختص برقابة الجميع بالطبع، و اعتماد هذا الخيار في المؤتمر الوطني الجامع كما نصت خارطة الطريق، في كنف رعاية دولية حازمة تتكفّل بوضع حد لكل من تحدثه نفسه بالتخريب أو الإستخفاف أو التعويق، كما هو التعبير الموجِب للعقوبة، إذا بالسفير المحترم، و المتسلح بكل ما على وجه المعمورة من برود الأعصاب، ليُصِرّْ على استحالة العملية الإنتخابية المنتظرة، بحجة غياب التحضير الجيد، فإن قيل له أن باريس من خلال احتضانها للقاء الأطراف الأربعة إلى جانب المشاركة الدولية قد توفر مستوى غير عادي من التحضير، لم يجد غضاضة في القول إن ما حدث مجرد لقاء و بيان لم يحمل أي توقيع، فلا يعرف المشاهد بالطبع، هل المتحدث يمثل دولة صديقة و قريبة جغرافياً و تتحدث عن مساعدة ليبيا صباح مساء، أو أن المتحدث طرف له شروطه و رؤيته و تخوفاته..!؟، فإن سُئِل عما تحضّر له روما من اجتماعات حول ليبيا، و كيفية الترتيب، و المستهدَفين، و تفادي نوقص ما قد يكون طال لقاء باريس، كان له من التذكير بما حدث في العام 2014 خير حجة للتشكيك في جدوى العملية الإنتخابية، حتى ليتبين للمشاهد أن ما ينطق السفير ليس مجرد وجهة نظر أو جواباً على سؤال بقدر ما هو توجه يتم التحضير له عند اللزوم، و مغنم تتكفل سلطة الأمر الواقع باستمراره، و سيتعين في معرض لفت كريم انتباه معالي السفير و هو يفتخر بتطابق وجهة نظر إيطاليا مع أمريكا و بريطانيا، لأن لا يغرب عن باله، أن ما جمع الثلاثة هو الموقف من الإتحاد الأوروبي الذي لا تخفي أمريكا عدم ارتياحها له و ربما وجدت في انسحاب بريطانيا ما حقق لها شيئاً مما أرادت و لعلها تتطلع إلى أن تحذو إيطاليا ذات الحذو، بيد أن الذي مازال خافيا أن بريطانيا التي أقدمت في وقتٍ سابق على الخروج من الإتحاد الأوروبي، لم تستطع بما فوجِئت به من مصاعب أن تتبين أيهما أجدى، البقاء أم الخروج..، تماماً مثلما أن لا بد لإيطاليا أن تتذكر أن ليبيا التي أقرَّ المجتمع الدولي استقلالها قبل ما يقرب من سبعين سنة، و خضعت للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة منذ العام 2011 ليس لغير مجلس الأمن أن يتخذ بشأنها أي قرار، و أن الحظ دون غيره قد أجارها، فهي من الدول التي خسرت الحرب، و ليست ضمن الدول دائمة العضوية في هذا المجلس. فلتترك الأمور لأهلها، و لتوفر لوسطائها و موظفيها ما يطيب لهم من المزايا، فمصائر الشعوب أكبر من مَهمَّات الكومبرادور.

اِلهَم فيه ما تختار

أمين مازن

28-7-2018

دون الإخلال بالقاعدة السياسية القائلة أنه ما من جهد تبذله دولة من الدول إلا و يكون ضامناً لمصلحتها، و إن كل من يضطلع بمسئولية الرقابة أو الحساب، ليس له إلا التأكد من هذه الحقيقة، و من هنا يختلف المراقبون و الشركاء في تفضيل العروض المُقَدَمة تحت شعار المساعدة و ما في حكمها، و مدى مراعاة هذا العرض أو الموقف للمصلحة الوطنية، و ما هو حجم التضارب الذي ينذر به العرض الآخر.

و على هذه القاعدة بدت الفكرة القائلة -فيما يخص مأزقنا الليبي- بالذهاب إلى صناديق الإقتراع، لإنتخاب رئيس للدولة و مجلس نيابي، و على ذات السياق الذي اتُبِعَ في انتخاب المؤتمر الوطني العام و بعده مجلس النواب، أي الإعلان الدستوري، و القرارات المنبثقة عنه، بما اتسمت به من عدم إثارة السخط العام و كذا تزكية الوسيط الدولي غسان سلامة على ضوء ما انتهى إليه من تواصله مع معظم الأطياف، الأمر الذي رجحته بقوة الحكومة الفرنسية، و لم تتأخر عديد الأطراف الليبية المؤثرة في إبداء ارتياحها له كصيغة عملية، خلاصتها حصر الشرعية التنفيذية في رئيس واحد و التشريعية أيضاً في جسد واحد، تستطيع كل الأطراف أن تخوض معركة التنافس عليه، و تضمن له الهيئات الدولية ما يحتاج إليه من ضمان الشفافية و القبول الصادق بنتائجه، و سد أي ثغرة ما تزال مفتوحة و في حاجة إلى العلاج في كنف التوافق و التراضي، و اعتبار الماضي كأن لم يكن، و هو موقف لم يحز ،بكل الأسف، ارتياح مستعمِرتنا بالأمس و جارتنا في البحر، الحكومة الإيطالية، و لا سيما هذه التي جاءت عقب الإنتخابات الإيطالية الأخيرة و ما جاءت به من فوز اليمين المتشبع بالروح الفاشية، تلك التي عبّرت عنها  على نحوٍ خاص التصريحات الأخيرة التي رأت في الموقف الفرنسي ما يشي بالإنفراد بليبيا، كما لو كانت ليبيا معروضة للسباق أو الإستحقاقات التاريخية، و ان هذا التاريخ بما فيه من سلبيات ظهرت منذ طرح المصير الليبي  في الهيئات الدولية، و استمرت في علاقة لم تتجاوز يوماً البيع و الشراء، و في أفض الأحوال حصول الشطَّـار على بعض الوكالات التجارية التافهة، و لم ترتفع يوماً إلى مشروع سياسي يضمّد جراح الأمس، و يحترم مبادرات القوى التقدمية الإيطالية التي طرحت ذات يوم الدعوة إلى تجاوز الماضي، و لم تعدم منا نحن معشر الليبيين من يغفل عن رصدها و التذكير بجدواها، هناك في إيطاليا و هنا في طرابلس، و التي قزّمَها برلسكوني في تهافته على الفوز بشيء من الكعكة الليبية و هو يُقبِّل الآيادي على ذلك النحو المخزي قبل فبراير 2011، و نراه اليوم أي المظهر التآمري يتكرر في دعوة رؤساء البلديات و احتضان القبائل المتصارعة بدعوى المصالحة، و أخيراً تبنِّي فكرة التوطين للمهاجرين غير الشرعيين بدعوى لا تنطلي على أحد، و معارضة ليبية مفتعلة و لا تخرج عن التغطية، و أخيراً فإن كل حديث عن دعوة مجلس النواب للإجتماع الميؤوس من توفير نصابه ليس أكثر من كسب للوقت و حرص على إطالة عمر الأزمة، فما على المبعوث الدولي غسان سلامة، حالة ما إذا كان جاداً في موقفه سوى المسارعة بتقديم أسماء المعوقين لنيل جزائهم، و الذهاب إلى المؤتمر الوطني الجامع لإقرار القواعد اللازمة لإجراء الإنتخابات للإقتراع على رئيس الدولة و على مجلس النواب الذي يكون الضامن لمشاركة الليبيين كافة، و أخيراً و ليس آخر إلغاء جميع القوانين الإقصائية التي فُرِضَت بقوة السلاح، و ما دمنا تحت الفصل السابع و تم بشأننا الكثير من الهدم تحت هذا الفصل، فأولى بمجلس الأمن أن يبادر بفك جميع القيود التي سعت إلى التعويق و إلى الإنفراد بالسلطة، خاصةً و أن حجم التجاوزات التي شاعت في السنوات الستة الأخيرة اكتظّت بكل ما يبعث على الحسرة و الوقوف على انعدام الإحساس بالمسئولية، و إذ نعود على ما صدّرنا به مقاربتنا هذه بأن للجميع مصالحهم المحددة إزاء كل خطوة يخطونها و إجراءات يتخذونها، فنتذكر دائماً أن الأمور نسبية، و اللاعب الحاذق هو الذي يستطيع التفريق، إن لم يكن بين الحسن و الأحسن، فالسيء و الأسوأ. و قديماً قال أهلنا في أمثالهم "اِلهَمْ فيه ما تختار".انتهى

________________________________________

وين ثروة البترول يا سمسارا

أمين مازن

3-7-2018

يستطيع المراقب المتجرد لما يسود المشهد الليبي من محموم الصراع حول السلطة و ما تُبشِّر به حين تمتلك من سخي المغانم، و ما تُنذر به و هي تُدبَّر من فادح المغارم أن يتأكد أن البترول، الحقول و الموانئ و التسوق، سيكون دوماً محور الصراع، لا فرق بأن يتم التعبير بقفل التصدير، أو إشعال الحرائق أو التسويق بواسطة المافيات، و التي لا تسأم الإرتزاق، مرة و هو مادة خام، و مرة أخرى و هو يباع مدعوماً و تحمله الخزانات الضخمة المحروسة بقوة السلاح ليجتاز الصحارى الشاسعة جنوباً، أو عرض البحار شمالاً، و تتنادى للإبقاء عليه مدعوماً كي يباع بهذا السعر المُتدني و الكفيل بأن يدرّ ما لا يخطر على البال، من سخي الدخول القادرة على تسديد مختلف الإلتزامات، و أن هذه الوضعية لن يكون معها مخرج من الإحتكام للسلاح و ليس لمن لا يحذقون فنونه سوى الإنصياع لما يُملىَ عليهم من الرغبات و يُقدَّم إليهم من الطلبات، و ما الحروب التي لا تطفأ نارها حيناً حتى تشتعل حيناً آخر، و التي كان آخرها هذا الهجوم اللافت إن على مستوى التخطيط أو المشاركة أو نوعية السلاح أو ردود الأفعال بصدده و القدرة اللافتة على صده، سوى الدليل القوي على أن ما يجري لن يكون الأخير و أن الدفع بالأمر إلى طاولة البحث المحلي و ربما الخارجي، على ما فيه من الحساسية يبدو هو العملية الجراحية التي لا مهرب من اللجوء إليها بصدد هذا الداء المزمن، بل و هذا السبب الذي رافق ما شهدته البلاد  من جملة المعارك و الفتن و التي حلم البعض بالتغلب عليها و إذا بها تزداد، فإذا ما أخذنا في الإعتبار ما فرضه البترول من إلغاءٍ للنظام الإتحادي ذي الجذور القوية و المبررات الجغرافية في حقبة الستينات من القرن الماضي عشية اليأس من إمكانية النظام التقليدي على حسن استغلاله، كما تشهد الوثائق المنقولة إلى اللغة العربية عن تلك المرحلة، ذلك اليأس الذي ما لبث أن فرض تسهيل مساعي المتطلعين للقيادة حين أكد أبرز سفراء أمريكا أن مصالح تلك الدولة ستُضمن لما لا يقل عن ثلاثين سنة على حد ما ردد ثالث رئيس للوزراء في دولة الإستقلال مصطفى بن حليم في الأسابيع الأولى من سبتمبر 69 و هو يكتب مذكراته التي قرر عبرها عدم وجود أي صلة بين نظام الفاتح و الولايات المتحدة و هو يمثل بمكتب الرئيس الأمريكي و يتحدث عن أسرار المرحلة و يتعرض لمحاولة الخطف و يعود أحد أبنائه قبل سقوط النظام و يُخَص بالتكليف بعديد المشاريع المحرزة ليسوغ كل نميمة في الخصوص. من هنا فإن المراقب المتجرد حين يكون متطلعاً إلى الحلول الجذرية لما يسود الواقع الليبي من عنيف الصراع بين مختلف القوى مستشعراً حرص بعض الأطراف على خلط الأوراق و البعض الآخر الذي يسعى يائساً على اللعب بأكثر من ورقة لا يستطيع إلا أن يحجم عن إعطاء الأحقية لأي طرف من الأطراف المتصارعة، إلا أنه لا يملك إلا أن لا يخشى أي تطور عمّا تلا سكوت المدافع الأرضية و الغارات الجوية في الهلال النفطي و لا سيما حين يكون ضمن الذين يعانون مشكلات السيولة و نقص الضروري على كل المستويات و يلمسون حالة النغنغة التي يرفل فيها عديد المسئولين و أصحاب النفوذ ممن صنعوا من قراهم مدناً و من مدنهم الصغيرة "عواصم" و من كل من يمت لهم بصلة حتى الدرجة العشرين موضع رهبة و رغبة أينما  حلّوا داخل البلاد و خارجها، مذ ورثوا عن ذويهم خصيصة التلوّن ضاربين عرض الحائط بقصيدة بشاعر الشعب التي صدّرها بقوله ذات يوم: وين ثروة البترول يا سمسارا اللي في الجرايد نسمعو في اخباره.انتهى

________________________________________

لا أسوأ من الخوف كالخوف من الخوف

أمين مازن

12-6-2018

لم تتحرج القائمة بأعمال السفارة الأمريكية بليبيا عن إبداء استيائها مما يتعرض له المال العام الليبي من التبذير على أيدي الكثير ممن يتولون أرفع المسئوليات السياسية، أولئك الذين يُفترض فيهم أن يتنافسوا في الحرص و يتسابقوا للإستقامة، فإذا بتقرير ديوان المحاسبة عن العام 2017 يسجل عليهم ما يندى له الجبين حينما ذكرهم الواحد تلو الآخر، عند نشر عينات من التقرير المشار إليه، متزامناً مع الإجتماع الذي عُقد بتونس قصد توحيد المؤسسات الإقتصادية أثناء مشاركتهم في الإجتماع و الذي كان من بين حاضريه الخبير الإقتصادي المعروف، مؤسس سوق الأوراق المالية، الدكتور سليمان الشحومي، و الذي ما لبث أن أباح بما واجهت به الديبلوماسية الأمريكية الذين حضروا الإجتماع و طالتهم ملاحظات ديوان المحاسبة، و ذلك في المقابلة التي أجرتها فضائية 218 حول فحوى التقرير من الفضائح على حد تعبير الشحومي و التي دفعته إلى التخلِّي عما اشتُهر به من حرص على التماس العذر لأي شبهة من شبهات التجاوز و الإقتصاد في أحكام الإدانة، فإذا به أمام ما اصطُدِم به من المخالفات لا يتردد في الإعلان عما يساوره من القلق و يدفعه إلى التشاؤم و حتى اليأس، فقد ثبت لديه بعد هذه المشاركات الكثيرة في بحث ما يجري من سوء التصرُّف و ما ينتج من رديء النتائج أن الأحوال لا تراوح في مكانها و حسب، و إنما تسير إلى الخلف بقوة، خاصة و أنه سيكون بين الذين ما يزالون يذكرون التقرير السابق لديوان المحاسبة ذاته و الذي صدر قبل أكثر من سنتين و كان هو الآخر ضاجاً بصريح الملاحظات التي طالت تصرفات أكبر الرؤوس المسئولة، ذلك التقرير الذي أفردتُ له على الصعيد الشخصي مقالاً ظافياً بصحيفة فبراير عندما كانت تصدر بشكل دوري و قبل أن يتم وأدها بعدم طباعتها للإمتناع عن تسديد فواتيرها من قبل الجهات المشرفة على الصحافة و صمت الجهات العليا التي لم يخجلها عدم وجود صحيفة يومية في البلاد كما هو الحال في كل الدنيا، حيث الحرص على وجود صحيفة يومية يأتي على رأس الأولويات بدل الفضائيات الميتة التي ليس لها من تأثير يذكر و هي تعرض أخبار المسئولين و صورهم بشكل مستفز و خال من أي ذوق، و كما لم تتحرج القائمة بالأعمال الأمريكية من حديثها الذي يمكن وصفه بالتوبيخ، لم يستنكف الذين حضروا اللقاء و يروا فيه ما حمله من التدخل السافر، ليقينهم أولاً بأن ما أغرقوا فيه من سوء الأداء ليس كثيراً عليه مثل هذا التوبيخ، فما دام الأمر لا يتجاوز الكلام فهو هيِّن بدون شك، و فاعل العيب راضيه كما يقول المثل الشعبي، أما الذين يدركون أن هؤلاء لا يقولون قولاً إلا و يلحقه الفعل، فإن شيئاً من الإرتياح قد خامرهم بلا جدال، فما دام الإيغال في الإساءة قد بلغ هذا المستوى، فإن المشاركة في العلاج آتية لا ريب فيها، و ليس ذلك من قبيل التمني، فحسب المرء أن يتذكر تصريحات أوباما في بداية الربيع العربي لكل من طالهم رياحه في قوله بأن عليهم أن ينصتوا لشعوبهم و من بين ذلك ليبيا و ما عرفته تلك الأيام من مقابلات هلاري كلينتون مع معظم الذين تصدروا المشهد و استلموا لاحقاً المسئولية، و فعلوا ما طاب لهم أن يفعلوا مما آثار هذا القدر من الإستياء، فيتأكد أن الدعوة الحديثة بضرورة التوجه إلى صناديق الإقتراع ابتداء من رئيس الدولة الليبية، فإن البديل سيكون حتماً من غير هؤلاء الذين انفضح أمرهم على هذا النحو، فلا مستقبل لمن أرجعوا أملاكهم بواسطة الكتائب المسلحة، أو الذين مكنوا ذويهم من أرفع المناصب أو الذين سُلِّمت لهم شُنط الدولارات في قوائم نشرتها وسائل الإعلام من المصارف العالمية، أما الذين عفّوا عن الطمع و ترفّعوا عن الظلم فليس لهم ما يخافون عليه أو يخافون منه، سواء سعوا لأنفسهم أو من يهمهم أمره. و أخيراً و ليس آخر لا أسوأ من الخوف كالخوف من الخوف.انتهى

_____________________________________

لنبن البيت أولا


أمين مازن


7-6-2018



أَبَتْ مهنية الأستاذ أحمد الفيتوري التي كثيراً ما تدفعه إلى إحاطة كل من يتكرّم بمشاركة ما يكتبه غيره من آراء تمس واقعنا الليبي و امتداده العربي إلا أن يُطلعني على ملاحظة جاءته من أحد الأفاضل الذين أحال إليهم ما كتبتُ عن المناضل الكبير الأستاذ خالد محي الدين الذي غيبه الموت أخيراً بعد قرنٍ كامل من الزمن، أنفقه لمجرد اكتمال وعيه في العمل العام، مناضلاً بالفكر و السلاح و مُنشغلاً بالشأن العام في تجلياته القُطرية و القومية و الإنسانية، منذ انخراطه في الجيش المصري عقب تخرجه من كلية الضباط بمصر، و تخصصه في سلاح الفرسان في أربعينيات القرن الماضي و انهماكه في العمل السياسي بشقيه المدني السرِّي و الآخر المسلح، ليقوم من ثم بذلك الدور المميز في الإطاحة بالعرش العلوي، بواسطة الضباط الأحرار الذين اتخذوا من اللواء محمد نجيب قائداً لهم، عندما بدأوا تحركهم من انتخابات نادي الضباط قبل صيف 52الذي شهد خطوتهم المفصلية تلك، هو دورٌ طوّره خالد محي الدين بإصراره على الخيار الديمقراطي لمصر ما بعد الحكم الملكي، رافضاً كل المغريات، متصدياً لكل الإكراهات و لو كانت على هيئة تحديد الإقامة و هجر البلاد لبعض الوقت، إلى أن أقعدته الشيخوخة و لفظ أنفاسه الأخيرة لتودعه مصر أخيراً في موكب جنائزي غير مسبوق لرجل خرج من السلطة قبلما يقرب من سبعين سنة، و عاش مُراهناً على الموقف المعارض، فكان أن ضمّنت موقعي و صفحتي بشبكة المعلومات ما تيسر لي من التأبين و العزاء بل و ما كتبته قبل هذا التاريخ بسنين طويلة، فإذا بمن قرأ ما كتبت، لم يُخف عتبه لما بدا له من كتاباتي من نزعة جهوية لتجاهلي للرموز الوطنية في شرق البلاد، ضارباً مثلاً لذلك بالأستاذ محمد حِمِّي الذي شملته مذبحة الثمانينيات من القرن الماضي التي بدأت بشنق المرحوم عامر الدغيّس و شملت من ثم تلك الكوكبة من الوطنيين الذين اعتُبِرَ حضورهم لجنازة الدغيّس نوعاً من تحدِّي النظام و مُستمسكاً من ثم على شُبهة التواصل مع المعارضة التي نشطت يومئذ خارج البلاد و زُيِّنَ للنظام جدوى البطش بها، في ذات الوقت الذي زُيِّنَ لقياداتها بل و ضُغِطَ عليهم من جانب آخر  وجوب المسارعة بالإعلان عن كيان محُدد، و بتمويل قَبِلَ به من قَبِل و عَفَّ عنه من عَفّ، كما ذُكِرَ في حينه، و أشرنا إليه في غير ما مرة حين تيسّر الخوض كتابةً في أسرار تلك المرحلة عقب السابع عشر من فبراير 2011 مباشرة، بما في ذلك الحديث عن حِمِّي من رؤية تدرك أنه يدخل في قائمة الرموز الكبار الذين أهّلتهم مواقفهم و كفايتهم إلى ما يتجاوز المناطقية الضيقة، كأن يُحسَب في حدود مسقط رأسه (أوجلة) عندما دخل إنتخابات النوَّاب في العام 1960 و لم يُكتَب له الفوز فيها لتَحرُرِه بدون شك من الجهوية، على الرغم من أن الإنتخابات المُشار إليها قد أجراها السيد عبد المجيد كعبار في نزاهة ملحوظة، يشهد بها إسقاط المجلس المذكور لكعبار من رئاسة الوزارة، إنها النزاهة التي شاطره فيها بالنسبة للولاة السيد حسين مازق والي برقة عندئذ و في دائرة بنغازي تحديدا. لقد كان يمكنني أن اعتبر الملاحظة التي جاءت حول حِمِّي و من دون أن يذكر الفيتوري اسم كاتبها، مجرّد وجهة نظر، و لو كانت غير موضوعية، من منطلق أن كل من يجاهر برأيه في شأنٍ ما لا بد له أن يقبل ما يجهر برفضه أو تصحيحه الآخرون، كما أن ما تيسر الإسهام به من الكتابة طوال الحقب الماضية كفيل بأن يجعل ملاحظة صاحبنا في غير محلِّها، إذ كل من يتوفر على مقدار حبة من خردل متابعة لمدونة الصحافة الليبية يُدرك أن كاتب هذه السطور في مقدمة الذين لا تنطبق عليهم صفة الجهوية، و إنما هو من الذين يدخلون تيار الوحدة الوطنية من أوسع أبوابها، و لكنها الوحدة التي لا تتردد في مناقشة الكثير مما يستسهل الكثيرون من منطلقات لا تخلو من التسطيح لأنها بقصد أو بدونه تعجز عن الغوص في أعماق الكثير مما نتصدى له مما اصطُلِحَ على وصفه بالتهميش الذي طال على نحوٍ خاص مدينة بنغازي فيقصرون مسئوليته على سلطة الفاتح من سبتمبر، إذ دونما محاولة لتبرئة السلطة المذكورة من مثل هذه التهمة، إلا أن مبدأ الإنصاف يستوجب التذكير و بالأحرى تكرار التذكير بأن غمط حق بنغازي يعود تاريخياً إلى العام 54 من القرن الماضي عندما أقدم السيد الشريف محي الدين أحمد الشريف السنوسي على قتل ناظر الخاصة الملكية السيد ابراهيم الشلحي، ليتم في ذات اليوم و في فترة لم تزد على أشهر محدودة، سجن و محاكمة و إعدام الشريف، خلافاً لما اتُبِعَ في جميع القضايا المماثلة التي عُرِضَت على المحاكم قبل و بعد قضية الشريف و التي طالما استغرق النظر فيها السنوات و ليس ذلك الإستعجال اللافت في المحاكمة و التنفيذ، و أكثر من ذلك التنكيل بأسرة الشريف قاطبة، بإبعادهم جميعاً من مقار إقاماتهم في المدن الشرقية إلى المنطقة الوسطى "هون" فإذا ما لوحظ تعاطف السكان مع هؤلاء القادمين كان ترحيلهم إلى غرب البلاد، بحيث لم يُترَك إلا من حالت سِنّه دون السفر، فحُدِّدَت الإقامات بالبيوت، كما لو لم يكن صفي الدين بطل القرضابية و ليس ابو القاسم و إخوته أبناء أحمد الشريف الذي نُودِيَّ و بالأحرى اقتُرِحَ خليفة على المسلمين، وانهم جميعاً قد شاركوا في الفيلق الذي شارك في الحرب العالمية الثانية إلى جانب قوات مونتقمري، و أكبر من ذلك تم تعديل قانون البيت المالك فحُصِرَت ولاية العهد في الحسن الرضاء على الرغم من أن البيعة التي نادت بالسيد ادريس ملكاً على ليبيا منذ عشرينيات القرن كأمير و أخيراً كملك من طرف الجمعية الوطنية كانت محصورة في الإدريس و أبنائه من صُلبه، و كان الأسلم دعوة الجمعية المذكورة بواسطة رئيسها المُفتي محمد أبو الاسعاد الذي ضلَّ في وظيفته المذكورة إلى العام 1965، فإذا كان لمثل هذا التصرّف ما يمكن أن يُبرره بوصفه مُتعلقاً بالعائلة السنوسية التي يعتبر الملك المسن كبيرها و قد ساءه ما ارتُكِبَ ضد ناظر خاصته فلم يستنكف الإقدام على أخذ الجميع بجريرة الفرد، فإن الذي لا يمكن تبريره أن يشمل الغضب السامي مدينة بنغازي التي اعتبرها الدستور إحدى عاصمتي البلاد، فيبقى النص حيث هو و يبدأ التوجه نحو البيضاء لتصبح شيئاً فشيئاً العاصمة الفعلية للبلاد، اللهم إلا المكان الذي تُوقَع فيه المراسيم و الأوامر الملكية و التي غالباً ما كان عنوان توقيعها دار السلام بطبرق حيث إقامة الملك صارت في الغالب هناك. إنه التوجه الذي تسبب في ما طال بنغازي من التهميش الذي جعلها تكاد تكون مع الزمن في ترتيب المدينة الثالثة و ليس الثانية كما كانت في بداية الإستقلال، غير أننا لا نجد من يلتفت إليه من الذين لا يسأمون الحديث عن الجهوية المزعومة و يلقون مسئوليتها على ما سواهم ناسين أو مُتناسين أن العتب على الغير لا يعفيهم من الإسهام بما لديهم من الذكريات الشخصية أو المعلومات العامة التي تتكفل بإنصاف كل من يلاحظون أن شيئاً من الغُبن قد أنكر دوره، أو نوعاً من الجحود قد طال حضوره. نظرة كان من نتيجتها سقوط النظام التقليدي في لمح البصر، ليأتي آخر قوامه المحافظة على البقاء في السلطة و لو على هيئة الرأي القائل عش ليومك، لتكون المحصلة متمثلة في الأربعة عقود التي لا يستطيع أي مُكابر أن ينكر أن الشعور بالإطمئنان كان دوماً أقل مما عداه، حتى أن أحد الذين أسهموا فيه بجدية و جمعت أراؤه في أحيانٍ كثيرة بين الفطانة و الصراحة، لم يتردد في معرض حواره مع معارضي تلك الأيام و هو يدعوهم إلى العودة للبلاد ليسأله أحدهم عن الضمانات، بقوله " أنى نفسي مش ضامن نفسي" لتصدُق رؤيته و تبدأ المعركة و يبقى صاحب القول حيث هو، مُصِرَّاً على موقف قد لا تُقِرُّه عليه و لكنك لا تستطيع إلا أن تحترمه، فكل من يفلح في صون نفسه من نقيصة التسلُّق لا شك أن كسبه يفوق من عداه، و يبقى الوطن المتكون جغرافياً من جهاتٍ ثلاث، إن جاز لأحد أن يشير لهذه الجهات لغرض التنوع، فالخطر كل الخطر أن يتبنى كائن من يكون توظيف هذا التنوع لتفكيك أضلاع المثلث الوطني، فتشغله قراءة مقال أو مقالات عمَّا يجري من قضمٍ للأرض من هذا الطرف أو ذاك أو بناء سور في قسم من حدوده ليس لمن يُقدِم عليه سوى انفاق المال و عدم القدرة على المقاييس الصحيحة و فرض أوضاع نحن أغنى ما نكون عنها، أو إختلال البنية الديموغرافية عن طريق الصراع القَبَلي في الكفرة و ما حولها و الذي شكَت منه قبيلة الزوية منذ مطلع العشرية الثانية من هذا القرن، دون أن تجد الأذن الصاغية لأن من عُرِضَ عليه الأمر كان مشغولاً بما هو أكبر و ما لبث أن حلَّ موعده في السنة الأولى من حقبتنا هذه التي شهدت هذا الذي جرى و نرى في نخبنا فقط من لا يشغله و هو يطّلع على ما نكابد سوى ما توهمه عن تجاهل رموز جهته ناسياً أن ما لاحظه غير دقيق و غير منصف، و غير سليم في النهاية لأن أولوية اليوم تتمثل في سلامة حدود الوطن، أو كما قال الشاعر إدريس بن الطيِّب في معرض مناقشته مع الذين اشتد خلافهم و احتدم صراعهم في مرحلة ما بعد السابع عشر من فبراير 2011 "خلّونا نبني البيت قبل الإختلاف على توزيع الغُرف".   انتهى

_____________________________________


إنه اجتماع لسد الذرائع

أمين مازن

30-5-2018

يستطيع المراقب لما يجري في الواقع الليبي من حراك داخل الحدود و خارجها القول أن لقاء باريس الذي انتهى قبل ظهر هذا اليوم 29-5-2018 جامعاً بين رؤساء مجالس الوفاق و النواب و القائد العام للجيش و بحضور ممثلين عن دول الجوار و آخرين منخرطين في الأزمة الليبية منذ تفجرها في السابع عشر من فبراير 2011 إلى جانب الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن، يستحق أن يوصَف بالتاريخي عن جداره، و إنه تتويج للجهد الفرنسي الذي بدأ منذ سنة مضت بلقاء حفتر و السراج، فلقد وافق الجميع على الذهاب إلى صناديق الإقتراع لاختيار رئيس شرعي للبلاد يحتكم فيه إلى الصندوق و مجلس نيابي يتم انتخابه في ذات الفترة و التي حُدِّدَ لها العاشر من ديسمبر على أن تسبقها مجموعة من الإجراءات التنظيمية في موعد لا يتجاوز الخامس عشر من سبتمبر القادم، إن بإجراء الإستفتاء على الدستور المُقترح و القوانين المنتظرة أو بواسطة الإعلان الدستوري القائم و ما يحتاج إليه من تعديل يختص به مجلس النواب دون غيره، فكان في هذا التوجه ما تكفل بقطع الطريق على كل محاولة تحاول أن تتخذ من موافقة المرجعيات على المقترح فرصة لإضاعة الوقت أو توظف إشكالات النصاب القانوني لهذا المجلس أو الآخر مُبَرِّراً لإضاعة الوقت في لا شيء، على نحو ما لاحظنا طيلة السنوات التي ترتبت على إجراء أول انتخابات للمؤتمر الوطني العام الذي كان من صلاحياته اختيار اللجنة المكلفة بوضع دستور البلاد، فإذا بنا نذهب إلى الإنتخابات و إلى إعادة التساوي بين الأقاليم الثلاثة فندخل في دوامة ليس لها من مردود سوى إطالة الفترة الإنتقالية و إفراز مزيد الأجسام التي لم يكن لها من عمل أكثر من السباق على تمكين الأقارب و الأصهار و الأبناء أيضا، و شتم عهد ما قبل السابع عشر من فبراير صباح مساء مما جعل من النهاية التي خلص إليها اجتماع باريس ما يشي بالقدرة الواعية على سد الذرائع أمام كل من لا شغل له سوى وضع العصي في الدواليب، فكان في ما رشح من خريطة الطريق ما يؤكد ما توفر لدى الممسك بالملف من الإحاطة التامة بجميع الثغرات و التصميم الصارم على وضع حد لكل أسباب العرقلة و مبررات التسويف و المضي فوراً نحو الخروج من المأزق الذي يتحمل المجتمع الدولي قدراً غير قليل من المسؤلية حوله. و كم يكون مفيداً لو لا يغيب عن بال بعض الذين عزَّ عليهم أن تُقْدِم فرنسا على مبادرتها هذه و رأت فيها إيطاليا منافسة على حقها في ليبيا، فرأيناهم يسارعون بالتشكيك في موقف فرنسا ناعتين إياها بالمتطلِّعة إلى الهيمنة على ليبيا أو القيام بدور يزيد عن حجمها..!! فيتذكرون أن فرنسا واحدة من دول الحلفاء الأربع الذين دحروا إيطاليا من ليبيا، و إن فرنسا احتلت فزان بالكامل و امتدت قواتها إلى غدامس و أوكلت لحليفها السيد أحمد سيف النصر اختيار ممثلي فزان في جمعية الستين و كذا اختيار الإدارة المؤقتة و قدمت الكثير مما لديها لدولة الإستقلال و وافقت في وقتٍ مبكر على الجلاء عن فزان و لم تسع إلى إبرام معاهدة تضمن لها البقاء العسري و هي اليوم صاحبة الوجود القوي في معظم حدودنا الجنوبية، فحاجتنا إليها و الحالة هذه تزيد على حاجتها، و ما دامت مشكلتنا الأولى مشكلة الهجرة غير القانونية و التي تأتي أفواجها من الجنوب، فإن كل تنسيق مع فرنسا من شأنه أن يضمن لنا إمكانية ردّهم قبل القدوم، الأمر الذي لا سبيل إليه إلا بعلاقة تزيد على الآخرين، أي إيطاليا و ما إليها، أما إذا وضعنا في الإعتبار أن اللغة الفرنسية هي لغة الأدب و الفلسفة، و أي مناهج دراسية تحوي هذا النوع من اللغات لا بد أن تفتح الأبواب التي توسع المدارك و تغذي الخيال.. بعكس روما حيث لا شيء غير السباقيتي و مطعم العالم الصغير، أما إذا عُدنا إلى ما قبل فبراير فلا شك أننا لم ننسى بعد حملات القتل التي طالت عديد الأسماء بتواطؤ ملحوظ في تلك الفترة الحرجة من ثمانينيات القرن الماضي حين كانت روما مسرح الإرهاب الليبي بامتياز، فإذا ما سأل سائل بماذا يمكن لمن يراقب ما يجري في ليبيا اليوم وصف الإجتماع الذي شهدته اليوم باريس، فستكون الإجابة بكل اليسر إنه إجتماع سد الذرائع. انتهى

______________________________________


بعض الشر أهون من بعض

أمين مازن

28-5-2018

كيفما كان الدافع لإقدام ديوان المحاسبة، على نشر عينات من تقريره عن السنة المالية 2017 في المؤتمر الصحفي المنتظم في مقر الديوان و نقله على الهواء مباشرة بالفضائية 218، و ما تلى ذلك من تعليقات أسرة الفضائية فإن المراقب لما يجري في ليبيا و حولها و ما يُنتظَر من تأثير في السيناريوهات المتوقعة لا يستطيع أن يتجاهل في حساباته ما سيحدث من تطور على مستقبل اللاعبين و ما يتوفرون عليه من المقومات التي تؤهلهم لآداء المُنتظَر منهم انطلاقاً مما تحقق لهم من ثقة الشعب و التي تبدأ عادةً من حسن آدائهم و تَنزُّههم عن تبذير المال العام و الانزلاق للمظاهر و مفرادتها المتمثلة في الجرايات الشهرية الثابتة و رديفاتها الخدمية و وسائل التشغيل الأساسية من مكاتب و سيارات و تنقّل ضروري و مفتعل، و مُسخَّر في أحيان كثيرة لإفادة الآخرين. و قد مثلت الأرقام الفلكية التي تُلِيَّت في المؤتمر الصحفي الذي إلتأم في ظهر الأربعاء حول أثاث المجلس الرئاسي "المكتبي" بما بلغ أربعة ملايين من الجنيهات، في زمن يقف فيه ألاف الليبيين في كل أنحاء البلاد منتظرين رواتبهم الشهرية أو مبالغ من مدخراتهم التي لم يبادروا بسحبها كما فعل غيرهم من الأذكياء الذين اتخذوا من فبراير العضد الذي مكَّنَهم من تحقيق كل أحلامهم الشخصية و مستحقاتهم الثأرية، فقد دلَّ هذا التقرير بكل الأسف على ما يعانيه القوم من النهم، و ربما الاستعداد للتضحية بالغالي و النفيس ليبقوا حيث هم، بإطالة أمد الأزمة بالطبع، و قل مثل ذلك على بقية الشركاء من نواب لا يجتمعون، و مجلس دولة، قِيلَ حول أحقيته ما قِيل، و وزراء عمد بعضهم إلى إضاعة مائات الملايين لصالح الآخر الأجنبي، و أحكام واجبة التسديد من الإيراد العام، مما دأبت الفضائيات على تكراريته، و صمت مخجل عن أي توضيح أو تصحيح أو تكذيب أو تبرير، فيتأكد بكل الأسف مرة أخرى أن المواطن الليبي لا يساوي شيئاً لدى هؤلاء المتهمين بالإساءة إليه و التفريط في ماله و مقدراته، و بات واضحاً أن الإستخفاف بالمسئولية هو الخيار المُفضل، و أن التعويل على ثقة الآخر و تحقيق مطالبه و خطب ودّه هو الملجأ الأقوى و العروة الأوثق و المؤملَة في النجاة من الطوفان، و ذلك لأن هؤلاء نسوا في عتوِّهم أن ابن نوح الذي راهن على الجبل ليعصمه من الماء، ما لبث أن شهد الخذلان، و إذا كان البعض رآى في توقيت نشر هذا التقرير ما يمثل دليلاً على تسييس الفساد في الصراع الذي تدور رحاه بين الفرقاء في الساحة الليبية و الذي بدأ منذ سنوات في التمكين بإدارة الديوان ذاته، و إذا كان هذا البعض يرى أيضاً أن ما نُشِرَ مجروحاً لكونه لم يحمل حكماً على تصرفات الديوان ذاته حول جهازه الإداري، إلا أن ذلك لا يمنع من التذكير أن تقريراً مشابهاً كان قد ظهر منذ سنوات و كان موضوع مقاربة من كاتب هذه السطور على صفحات "فبراير" قبل أن تُغتال بواسطة العبث بمقدرات طباعتها و صمت الأطراف المسئولة عن متابعة اختفائها، و عار خلو البلاد منها و غيرها من الصحف حامدين العناية الإلهية على وجود مثل هذه الفضاءات التي تُتِيح الفرصة تلو الفرصة للتذكير بأحداث التاريخ و بسوء ما يجري حيث يقدم مثل هذا التقرير نوعاً من مقاومة المُنكر، أيا كانت الأسباب و الخلفيات، و قديما قِيلَ في أمثال العرب "بعض الشر أهون من بعض". انتهى

____________________________________

إنما للصبر حدود

أمين مازن

15-5-2018

سواء كان الحاج بوسبيحة رئيس مجلس قبائل الجنوب قد رفض بالفعل حضور الإجتماع الذي دعا إليه رئيس المجلس الرئاسي، المقترح في مدينة طرابلس لبحث ما يجري من تقاتل في ذلك الجزء المنسي من الوطن، لما استشعره في هذه الدعوة من انتقاص في حق ذلك الإقليم و خطورة ما يجري به، أو أن التضخيم الإعلامي غير المحايد هو الذي جعل الخبر يُذاع بهذه الكيفية، و سواء كنا من الذين يقرّون مبدأ التنصيص على حق الأقاليم الذي طرحه اتفاق الصخيرات و قبل ذلك التاريخ دولة الإستقلال، أو الذين يتوهمون إمكانية التخلّص من الإحتكام إلى مثل هذا المبدأ، فإن فداحة الخسائر و سذاجة التعاطي و ورود الأخبار الأخرى التي تكررها الفضائيات إزاء الكثير مما يجري بصدد أمور أخرى و يلاحظ ما يبذله بعض أعضاء المجلس المذكور حولها، ما تلبث أن تدفع المرء إلى أن يثمّن بكل القوة مثل هذا الموقف. ذلك أن ما يجري في ذلك الجزء من التقاتل و ما يقف وراءه من الأسباب و ما يُنذر به من سوء النتائج ،لو توفرت النظرة الوطنية الجادة لقُدِّمَ على كل شيء بل لأُوقِفَ كل شيء، فما دامت الألاف التي تشبه الغربان تملأ صحارى الجنوب قادمة من حدودنا الملاصقة لأكثر من دولة هناك، مرة بحجة الهجرة و أخرى بحجة الهرب من الجوع، فإن حقيقة كوننا أمام زحف لا قِبَل لنا به و لا مَنْجَى لنا من آثاره، و إن كل من يتوهّم أن تلك الزحوف يمكنها أن تقف عند منطقة من المناطق فلا شك أنه يستحق أن يوصَف بمن يلعب بالنار دون أي حرج، و بالتالي فإن التوجه إلى هناك أقل ما يمكن أن يقوم به من يتحمل إدارة شئون البلاد. أما إذا كان هذا التحمّل يتم في كنف الشرعية الدولية و الإعتراف الأممي، فإن الأمر لا يتوقف عند خطر الحرب و حسب، و لكنه ينبغي أن ينصرف إلى ما هو أشمل، مما رأينا بوادره تظهر في تطبيق إتفاق الصخيرات و ما شابه من التحريف و التحايل الذي طال حقوق الجنوب إبتداءً من مجلس الدولة و وصولاً إلى المجلس الرئاسي، و هو التوجه الذي لم تسلم منه مسودة الدستور، و هي تقترح مقار السلطات التشريعية و التنفيذية فتجعل سبها مقراً للمحكمة العليا ليس غير، و تعتمد عدد السكان بشأن مقاعد مجلس الشيوخ متجاهلة عامل الجغرافيا و ما أقرّه من التساوي بين الأقاليم الثلاثة في عضوية المجلس المُشار إليه، فكان المفروض أن يُحافَظ على ذلك التقليد أو يُكتفى بمجلس النواب فقط. و ها نحن نرى رئيس المجلس الرئاسي يكتفي بدعوة عدد من فعاليات الجنوب، لا ندري كيف اختيرَت، لتحضر معه اجتماعاً في طرابلس تناقش فيه الحرب الطاحنة هناك و التي يقف خلفها أكثر من طرف دولي و تتسبب في نزوح الألاف من الناس في اتجاه الشمال و تفتح الأبواب على اتساعها للقادمين من جميع الحدود المُطلِّة على الجنوب فلا تكون أيّةَ صعوبة في الأستقرار من أقصر الطرق، فإذا ما أظفنا إلى ذلك ما أذاعته الفضائيات عن اجتماعات نائب رئيس هذا المجلس مع عدد من النواب للتدارس حول الحكومة المنتظرة، اتضح لنا بما لا يدع مجالاً للشك أن الجنوب آخر ما يشغل المجلس المحترم، فيكون ما أُشيع عن الرفض أو الإعتذار و المنسوب إلى بو سبيحة أقل ما يمكن أن يتخذه جميع المعدودين على ذلك الإقليم، إذ ما دامت الأمور تُبحَث على أساس إقليمي و ما دام مبدأ التحاصص قائماً، بل ما دام التاريخ و الجغرافيا و المجتمع الدولي يعتبر ليبيا مكوَّنة من أقاليم ثلاثة فإن أقل ما يُنتظر من المجلس الرئاسي أن يعطي الأولوية لما يجري في الجنوب، و ما دمنا نرى عديد الأطراف الدولية من إيطاليا و تركيا و بريطانيا تعطي الكثير من الأهمية لما يجري هنا و هناك، فليس كثيراً أن يُخَص الجنوب بشيء من الإستشارة و الإستعانة بالطرف الدولي صاحب الإسهام التاريخي المُترتِّب على تحرير ليبيا من الإستعمار الإيطالي و بمشاركة ليبية عسكرية بالنسبة للجنوب، و نعني بذلك قوات فرنسا التي قادها ديقول و ساهم فيها أحمد سيف النصر في المرحلة الأخيرة من الحرب العالمية الثانية و كان من الممكن أن يكون للحدث مكان في التاريخ لولا أن ذلك التاريخ قد كُتِب بطريقة غير مُنصِفة لِما كان فيها لِما سوى التحامل على كل ما رؤيَّ خطأً و التبرير الممل على كل ما اُعتُبِرَ حكمة، و عود على بدء عمّا إذا أتت دعوة المجلس الرئاسي للإجتماع قد تعطلت أو قُدِّرَ لها أن تُلبى، خاصة و أن معايير الدعوة غير محددة إلا أن ما يجري هناك ينذر بما لا يستطيع أحد أن يتنبأ بوخيم عواقبه، مما يجعل ما أشرنا إليه على هذا النحو من المكاشفة ليتنزّه عن أن يكون في عداد المناطقيات التي ارتفعت كثيراً هذه الأيام، حيث نرى المصالحات تتم بين بعض المناطق القوية و كأنها حكومات، و يشهد احتفالاتها من يعود بنا إلى أوائل القرن الماضي، أما الذين قد يُجبَرون على صوم رمضان مُتَعيشين على إحسان غيرهم، و على بعد كيلومترات قليلة عن أرضهم، فلهم و لنا معهم الصبر، فإن قيل ثم ماذا أعدنا ما أطربتنا به أم كلثوم قبل رحيلها بزمن بعيد عندما كانت تقول و تُعيد "إنما للصبر حدود".انتهى

_____________________________________

سؤال الهوية و الشخصية و أجوبة الرموز

أمين مازن

13-5-2018

لم يكن غريباً أن يكون الحديث حول الهوية من حيث التعريف و التحقق على رأس القضايا التي تشغل بال المنخرطين في الشأن العام الليبي و ما يعجّ به من الإستحقاقات المُلِحّة و الناتجة عن التحول الذي مس حياة الناس كافة، طوال السنوات التي تلت السابع عشر من فبراير 2011 و التي بدأت تحديداً بالإنتفاضة على نظام الفاتح من سبتمبر، بما هو عليه من الشمولية و تبنِّي مقولة "ما أُريكم إلا ما أرى"، تلك التي سادت عقوده الأربعة، لتأتي الإنتفاضة ضمن ما طرأَ على المنطقة العربية كَكُل، مما أُطلِقَ عليه الربيع العربي و الذي هبّت رياحه يومئذ من غربنا و شرقنا على السواء، و إن يكُن بالنسبة لنا ما لبث أن تطور إلى زوابع، ليس لما رافقه من التدمير فحسب و الذي لم تسلم منه معظم المدن الليبية، جرّاء تعنّت النظام من ناحية و وجود النية المُبيّتَة لتوظيف المرحلة في هدم أقصى ما يمكن هدمه لمرحلة ما بعد سكوت المدافع من ناحية أخرى، و إنما لأن وكلاء اللاعبين الكبار و سماسرتهم الصغار من داخل البلاد قد التقطوا من البداية الخيط الدال على الدور المطلوب من هذه البلاد ذات الأرض الشاسعة و الإمكانات الواسعة و النُدرة السكانية الفاقعة و ما يؤهلها أكثر من غيرها كي تكون نقطة عبور لأي بلدة من بلدان المنطقة المحيطة بها و ما تمثله من مغريات التمدد، سواء بواسطة الحدود البرية متعددة الإتجاهات، أو البحرية المفتوحة أمام كل السواحل، أو الأجواء التي فاقت كل ما يُتوقَّع من أنواع الإستباحة و المُهيأة لكل الأغراض، و لم يكن الأمر ليُكلِّف كثير جهد، فقد وجِدَ الطريق المُمَهّد من البداية، و لمجرد أن زُيِّن للمسلحين حب التمسّك بسلاحهم ريثما تُوجَد السلطة الجديرة باستلام سلاحهم، لِيُحَال في الوقت ذاته دون وجود هذه السلطة، إذ لو سُلِّمَ السلاح سَتُسرَق الثورة !! و يفِرّ الأزلام من العقاب !! و قد يعودون من جديد..!!، إنه التدبير الذي تكفّلَ بمضاعفة الخمسة و عشرين ألف ثائر على أكثر التقديرات إلى عشرة أضعاف، بحيث لم تكد تمر سنة واحدة حتى كان عدد الثوار يتجاوز الربع مليون إنسان ليقفز من ثم بند المرتبات في الميزانية إلى أكثر من عشرة أضعاف ليُصاب المال العام بذلك النزيف الذي أتى على الأخضر و اليابس و لم يبق من ثم سوى ما تأجّلَ تسليمه بحكم المواعيد ملزمة التأجيل، و قد أدّى ذلك كله إلى زيادة عدم الإحساس بالمسئولية و شيوع التكالب على المكاسب، لا فرق في ذلك بين ما هو حلال مضمون النفع أو مُحرَّم لا طائل من ورائه و لا مردود له، بل لعل هذا النوع من السلوك هو الذي ساد الحياة و استفحل حتى لقد رأيناه يأتي على كل ما هو إيجابي في الحياة، و يكون غياب الشعور بالهوية يتحول إلى ما يشبه المرض الذي يتجرّع مرارة كأسه كل من لديه مثقال ذرة من عقل، و يحاول التعبير عنه كل من لديه ما دون ذلك من قدرة. فلا غرابة و الحالة هذه أن نرى هذا الفيض من الحلقات المنشغلة بالهوية، و التي لا تسأم تقديمها الفضائيات التي تبثّ من أكثر مدينة عربية حاملة اسم ليبيا، و مُظيفة إليها أسماء مثل الأحرار أو الرقم 218 أو روحها الوطن، فيما نرى التي تحمل أسماء الوطنية و الرسمية ليس لها أي التفات لمثل هذه الأمور، و حسبها أخبار كبار المسئولين الذين يتنقّلون هنا أو هناك داخل البلاد و خارجها، مُرتدين أفخر الملابس و محافظين على أرقى المظاهر، فإن فرغ من هذه العروض كانت المسلسلات المُعتَّقة التي يحفظها المواطن الليبي المغلوب على أمره عن ظهر قلب لكثرة ما شاهدها و ما استمع إليها، أما حوار الثقافة و الفن و الحديث حول التاريخ و جديد الكُتب و قديمها فآخر ما يمكن أن ينتظره من اعتاد مشاهدة فضائيات البلد و لو كانت على هذه الدرجة من البؤس، ليظل المواطن المُرتهَن في عدم حصوله على الضروري من احتياجاته و المفجوع بخيبة أمله في الذين طالما رآى فيهم المَثل و أمّلَ على تقدمهم ما يُخفف من همومه، و إذا بهم يزيدونه همّاً على همّ و ألَماً على ألَم و هو يرى هذا النوع من الناس لا يوفر من وقته لحظة إلا و يحقق فيها ما لذَّ له و طاب، لا فرق في ذلك أن تكون المناسبة خاصة بالفرح أو الأخرى المُنتظَمة لإزالة الترح، مما يجعل الحديث عن الهوية و شروطها و علامات وجود و أسباب انبعاثها مجرد نوع من الهرطقة و اللغو الذي يصمّ الآذان.

و يقيني أن مثل هذه الأحوال هي وحدها التي تدفع بعض المُستشعرين لضآلة أو انعدام الإحساس بالهوية إلى العودة لبعض محطات التاريخ التي شهدت بعض الإهتمام النظري و قد نقول العملي بموضوع الهوية و التي حددها البعض في الشخصية الليبية على نحو ما كتب عبد الله القويري عشية عودته من المهجر المصري الذي شهد مولده و تكوينه الفكري، فيرى أن شروط الواقع قد لا تبرر الإنصراف إلى بعض الإتجاهات السياسية التي ترى في العامل القومي العربي أو الأممي العالمي بشقيه الديني أو المادِّي ما يمكن أن يقترح الخلاص، فيدخل مع مجايليه في نقاش استغرق الكثير من الأخذ و الرد على أعمدة الصحافة مرة و في الجلسات الخاصة مرة على نحو ما ألمحَ في جزءٍ من سيرته الذي عنونه بالوقَدَات و لم يشأ أن يُفصِّل ربما تحَسُّسَاً من تهمة التنصّل من التصنيف السياسي، أما المثقف الثاني الذي انشغل بهذه القضية فقد كان المحامي و الشاعر عبد الحميد البكوش الذي أثار موضوع الشخصية الليبية من موقعه كرئيس لوزراء ليبيا و وزير عدلها قبل ذلك في أكثر من حكومة، فاستطاع الجمع بين النظرية و التطبيق، سواء و هو يلقي بيانه الذي أذاعه بمناسبة الحادي و العشرين من نوفمبر اليوم الذي قررت فيه الأمم المتحدة منح ليبيا استقلالها سنة 49 حين تحدّث بإفاضة عن الشخصية الليبية و عن هواجسه عن الخوف من ضياع ليبيا في سوق المساومات الدولية ما لم ينتبه أبناؤها لما شاع من أنواع التفريط و العجز عن أداء الدور الذي يفرضه الموقع و التطور الإقتصادي المتمثل في الثروة النفطية التي لم تعد تسمح لمن يمتلكها أن يعيش بمعزل عمّا يجري حوله، و هو توجه لم يستطع الملك المُسِن أن يُدرك أبعاده أو يترك لحكومة البكوش أن تمضي، كما عجِزَ ولي العهد الحسن الرضا عن ممارسة أي دور يتضح منه مستوى الوعي المطلوب، فكان أن مارس الملك حقّه الدستوري في إقالة الحكومة و استخلاف الرجل الخلوق و العفيف ونيس القذافي و لكن غير المُهيأ لإدراك خطورة المرحلة، الأمر الذي أكده سقوط النظام بتلك السهولة على الرغم من أن البكوش نفسه قد خاطب رئيس الوزراء من باريس ليسارع البكوش بعد سقوط النظام و لمجرد أن وجد الفرصة المناسبة لمغادرة البلاد و العيش كلاجئ سياسي مكتفياً بإلقاء بيان غاية في النضج ليس له من هدف إلى جانب الإسهام في مقاومة الحُكم سوى صون نفسه من الإستدراج نحو مستنقع الطلبات الشخصية أو التحول إلى ورقة مُبتذَلة، و لم يسجن كتاباته في معارضة النظام بلغة الشتم و التحامل، بل لقد عمد إلى عديد القضايا الإنسانية و القومية محاولاً من خلالها أن يُمرر ما يريد تمريره، إلى أن أُجبِرَ على مغادرة مصر و العيش في الإمارات العربية فتشمل استظافته شيئاً من تضييق الحركة و الإكتفاء بالسلامة الشخصية.

إلى جانب هذين الشخصين يحفظ تاريخ العمل الوطني الثقافي مكانة مرموقة للأستاذ عبد المولى دغمان الذي كان مثالاً للتيقظ لما يُنذِر به ضعف اهتمام المثقفين و الوطنيين بأهمية الحكم الدستوري و و حاجته المُلِحّة لاهتمام المثقفين الوطنيين و حدبهم لما في الإهمال من تسهيل الطريق أمام أي مغامر ليقوم بما تمَّ فعلاً، فكان لا يترك فرصة من فرص الحديث إلا و جاهرَ بما اعتقد، و ما تنظيم مؤتمر ليبيا عبر العصور في تلك الحقبة إلا الدليل القوي على ما كان يحمله من الإنشغال بالكيان و المسارعة بالتعاون مع كل صوت يرتفع في هذا الإتجاه.و إذا كانت تلك الأيام قد مضت بما لها و ما عليها فإننا لا يمكن أن ننسى جيلاً آخر لم يتردد في التحذير من ضعف الولاء الوطني و خطورته على حسن الآداء على أكثر من صعيد، و كان مثالاً لمن لا يترك مناسبة من المناسبات الرسمية التي يفرض عليه فيها موقعه الرسمي أن يشارك في الحديث إلا و كان حظ الوطن و الإنتماء إلى الوطن و صون الوطن في مقدمة ما تتسم به مشاركاته، أعني المثقف المهندس أو المهندس المثقف جاد الله عزّوز الطلحي الذي وثّق في النصف الأول من العشرية الأولى مجموعة مشاركاته الرسمية في كتاب، اختار لها عنوان "لقد اسمعت" تذكيراً بالبيت القائل "لقد أسمعت لو ناديت حياً *** و لكن لا حياة لمن تنادي" و من المؤكد أنه كان يقصد البيت الذي يليه "ولو نارٌ نفخت بها أضاءت *** ولكن أنت تنفخ في رمـادِ" و حسبه أنه على كثرة ما شغل من المواقع الرفيعة ظل دوماً دائب الإنشغال بالعمل الثقافي إذ استطاع أن ينقل إلى اللغة العربية مجموعة من كتب التاريخ النفيسة سادّاً بصنيعه فراغاً كبيراً و مقدماً خدمة بالغة الدلالة. و حتى لا يظن مُتلَطِّع أن التذكير بالشخصية الليبية يصدر عن نظرة إقليمية أو معاداة للوحدة المقدسة على أي مضمون من المضامين نرى أن أفضل ما يمكن أن نُذكِّر به هنا، كلمة جميلة رد بها في حوار أجريناه ذات لقاء، شاعرنا الكبير علي صدقي عبد القادر، إن الذي يفخر ببصمات أًصابعه أو يشير إليها دون الآخرين، لا يعني أبداً أنه يسعى للإنسلاخ عن الغير، و لكنه فقط يريد التأشير إلى هذه البصمة، أو كما قال آخر "الحدود علامة الوجود".انتهى


_____________________________________


لكي لا يكون "3-5" يوم مأساة الصحافة

4-5-2018

أمين مازن

كنت أحتشد للإقتراب من جملة القضايا التي دأب على إثارتها باقتدار الدكتور نجيب الحصادي في أكثر من فضاء بالعاصمة بدايةً من مجمع اللغة العربية الذي انتظمت بقاعته ورشتا مجمع دراسات القانون و المجتمع "جامعة بنغازي" حول الهوية، و قبلها معايرة الدستور، و مروراً بقاعة الفقيه حسن و انتهاءً بصالون الدكتور عبد الرحيم الكيب، مما أطلق عليه هذا المثقف المتوازن بين الإختصاص الأكاديمي و الإنشغال الوطني، لولا أنني رأيت إمكانية التأجيل لما تحتاج إليه أراء نجيب من كثير الإستعداد و المراجعة و قدرتها على التجدد باستمرار حالما يحاول من يحمل القلم أن يقترب منها، فرأتيني دونما ترتيب مسبق أكثر إحساساً بمسئولية المشاركة و لو بالقليل، فوجدتني وجهاً لوجه أمام موضوع اليوم العالمي للصحافة الذي انتظم من أجله و في التاريخ المحدد له "3-5-2018" دولياً، عندما اختار المركز الليبي لحرية الصحافة قاعة فندق توباكتس لعقد اجتماع ضم بعض العاملين في الحقل الصحفي و المرتبطين بالمركز المذكور للقيام بالممكن في هذا اليوم التاريخي، كان علمي بمحض الصدفة و قد قررت التوجه إلى المكان بمحض الصدفة أيضاً إذ كان لوجود محطة لسيارتي بالشارع ما حضني على اقتحام اللقاء و عدم التوقف أمام شكليات الدعوة، فأهمية الموضوع و الرغبة في الإلمام بالخلفيات لا تبرر التحسس و إنما توجب طرق الباب، و هكذا وجدتني أصعد إلى الدور السابع بفندق توباكتس، و أستلم الملف المُعَد من اللجنة التحضيرية، و أتمكن من إلقاء نظرة على المحتويات التي ضمت إلى جانب التعريف بالمركز و أهدافه و أسماء مُسيريه، تقريراً عن الإنتهاكات التي تعرضت لها الصحافة و الصحفيون الليبيون خلال العام 2017، فيما أدركتُ من خلال الحديث أن التقرير العام هو المطروح للنقاش، و مع أنني أدركتُ من خلال إشارة الأستاذ نبيل السوكني ما يتوفر عليه الحاضرون من الحرص على مشاركة الجميع و لا سيما من يرون فيهم الأولوية. إلا أنني لم أجد بُداً من المُكاشفة، عند الإستجابة للدعوة إلى المشاركة في الحديث، بحقيقة الحضور و زوال أي لبس في الخصوص، لأُؤكد لهم اقتناعي و من ثم سروري بالفارق الكبير بين لقائهم المتواضع و تقريرهم الصريح و دعوتهم للجميع كي يسهموا في نشاطهم و مساعدتهم على آداء مهمتهم إزاء المهنة و اختيار المشاركة المستطاعة في عمل المركز، و مع أنني لم أكن في فسحة من الوقت التي تسمح لي بالإستماع إلى جميع الأصوات التي كانت موجودة في الحلقة و أتأكد عمَّا لديها إزاء ما جاهرتُ به من الإستياء حول أحوال الصحافة و الصحافيين و الثقافة و المثقفين، و التي كثيراً ما تبلغ المغالطة بشأنها أقصى الدرجات، حين تُقام الإحتفالات و تُوزَّع شهادات التكريم للصحفيين و الكُتَّاب في البلد الذي لا تُوجَدُ به صحيفةٌ وحاحدةٌ مُنتَظمة الصدور، يستطيع الصحافي أن يضمن بواسطتها دخلاً يسُدُ به حاجته، بل لقد وصل الإستخفاف بالمسئولية أن حُرِمَ الكثيرون من حقوقهم و يستمر التعيين في مؤسسات لا تشتغل و قل مثل ذلك حول الثقافة التي تُقام ليومها الإحتفالات في الوقت الذي لا يصدر كتابٌ واحد، إنها المسئولية التي لا يخلو منها غربُ البلاد أو شرقها، سلطتها المُعترَف بها أو الأخرى التي لا تخلو من داعمين لها مما يجعل المرء يصرخ بأعلى صوته أن الثالث من مايو و إلى حين إشعار آخر يجب أن ندعوه باليوم العالمي لمأساة الصحافة بليبيا.


_____________________________________

لنبدأ بالرئاسة تجنّباً للرئاسة

أمين مازن

2-5-2018

أكد المستشار عقيلة صالح رئيس مجلس النواب عزم المجتمع الدولي على ترجيح فكرة الإنتخابات المباشرة لمنصب رئيس الدولة، دون حاجة إلى  تعديل الإتفاق المُبرم في الصخيرات، و الرامي إلى اختصار مجلس الرئاسة في رئيس و نائبين و حكومة منفصلة يرأسها عنصر من خارج أعضاء مجلس الرئاسة، و هو توجه يمليه -حسب غسان سلامة- أن التعديل المُقترح فيما إذا قُدِّرَ له أن يُنجَز فإن مدته ستكون قصيرة، و بالتالي فإن الذهاب إلى إنتخابات الرئاسة مباشرة، تقررها و تشرف عليها و تتخذ خطواتها التنظيمية الأمم المتحدة، لما في هذا الخيار من حصر للمسئولية و وضع حد للجدل الذي يشبه الخلاف حول أولوية البيضة و الدجاجة و ما ترتّب عليه من إطالة عمر الفوضى و تشتت الجهود، جرّاء الحيرة، هل الأسبقية للإستفتاء على مسودة دستور عليه الكثير من الملاحظات الجوهرية، أو إقرار التعديل المقترَح على اتفاق الصخيرات و ما نتج عنه من شرعنة جسد جديد في السلطة التشريعية ما كان له أن يكون لو تقرر الذهاب إلى الإنتخابات المبكرة، فقد ثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن الكثير مما يدور و يُتَّخَذ من خطوات ليس له من هدف سوى بقاء الأمور حيث هي خاصة و أن المصالح التي ينشدها معظم اللاعبين في المشهد ليست صعبة التحقيق، و خير شاهد على ذلك ما يتردد على الإعتمادات المالية و كيفية توزيعها و المناصب القيادية و كيفية إسنادها و قل مثل ذلك عن المناصب الدبلوماسية و التي يستحيل أن يوجد العامل الأساس فيها و بالأحرى إسنادها لمن ليست له صلة بهذا الطرف أو ذاك، بل أن أقسى ما يُوَجَّه من النقد لهذا المسئول أو الآخر إنما كان الدافع إليه ما ثبت من عدم الإستجابة لما سعى إليه ذلك الناقد، و من هنا فإن كل ما يُصَب من جام الغضب على عديد المسئولين و مثل ذلك الثناء عليهم أو غض النظر عنهم، إنما هو نتاج هذه البواعث الشخصية، فقد ثبت لكل من يلاحظ الواقع بوعي، و من خلال التجربة الملموسة، أن  الذهاب إلى انتخاب رئيس للدولة  يبدو أكثر جدوى و أقل ضرر مما نحن فيه من تفشِّي العبث بمصالح الناس و شيوع الممارسات التي لم تُنتِج سوى الطبقية و فوارق المعيشة و انعدام الصدقية بين ما يُردد المتنفذون من معسول القول و ما يقترفونه جهاراً من مُخجل الفعل، و حتى لا يتسرَّع مُتسرِّع فيُرجِع مثل هذا الإرتياح الذي نبديه إزاء التوجه لانتخاب رئيس للبلاد مباشرة من الناس و قبل انتهاء إجراءات الإستفتاء على مسودة الدستور و قانوني الإستفتاء و الإنتخابات و ما يؤدي إليه مثل هذا التوجه من إضاعة الوقت و مد عمر معاناة الأغلبية الساحقة من الشعب، نُحِب أن نُذَكِّر بما درج عليه كل من المجلس الإنتقالي و المؤتمر الوطني العام و أخيراً مجلس النواب من إصرار على الجمع بين السلطة التنفيذية و التشريعية بدءً من تعويقهم للمجلس التنفيذي فالحكومة الإنتقالية و انتهاءً بالحكومة المؤقتة و حرص الرؤساء الثلاثة على الظهور في مظهر رئاسة الدولة، في الوقت الذي تُجمِع كل التقاليد الديمقراطية التي يُفترَض أننا نطمح للسير على نهجها أن تبقى هذه الرئاسات رمزية و أن يُمثل رئاسة الدولة رئيس الوزراء و هو ما أظهره المجتمع الدولي منذ تشكيل الحكومة الإنتقالية و قبل ذلك المجلس التفيذي لولا أن ثقافات مؤتمر الشعب العام قد ظلّت مسيطرة و زاد منها استثمار هذه الرئاسات و العضويات بالضرورة في إفادة الأعداد الكبيرة من الأبناء و الأصهار و الأقارب ممن ملأوا المراكز بالداخل و الخارج، فيكون المضي لاختيار رئيس للبلاد مباشرة ليتولى بعد ذلك قيادة العملية الإنتخابية و ما يليها من الإجراءات التنظيمية أكثر جدوى و لا سيما حين يرفق ذلك بالحد من الأجهزة الخارجية المزعومة، و الإكتفاء في الإنفاق العام على الضروري من الخدمات الصحية و التعليمية و الإستعانة بالمجتمع الدولي في حفظ الأمن بالأجهزة المختصة، و إلزام المجموعات المسلحة بالإحتفاظ بأسلحتها بالبيوت إلى حين تسليمها لاحقاً و حظر كل مظهر من شأنه أن يمثل ضغطاً أو تميزاً أمام أبناء الشعب الليبي، خاصة و أن السنوات الست التي انقضت على العهد هيأت للمجتمع الدولي أن يُكوِّن الصورة الكاملة عن الواقع و ما عجَّ به من المخالفات و سوء التصرّف على كل الصعد، لأن الستة ملايين ليبي ليسوا عدداً كبيراً أمام إمكانيات القوى المتابعة، ما بالك و أن عدد الثوار حسب المرتبات في حدود ثلاثمائة ألف، مما يجعل من الذهاب إلى الإنتخابات المباشرة لرئاسة الدولة الخيار الأقرب إلى الصواب. و على كل حال فلن تكون الأمور أسوأ مما نحن فيه، و بالتالي ليس لدينا ما نخسر، و ما علينا إلا أن نتوكل على الله و نُولِّي رجلاً واحداً بعد أن ثبت لدينا عبث المائتين و مثلهم الستين، أما الأمر الواقع فله حديث آخر. انتهى

____________________________________


ماليك من وعدات كان يا المغرب جبتها

أمين مازن

27-4-2018

لم يُخف أكثر من مراقب أو منخرط في الشأن الليبي ارتياحهم لإستئناف الحوار بين الطرفين الرئيسيين هذه الأيام بمدينة الرباط، استجابةً لدعوة رئيس البرلمان المغربي، و هو ارتياح سهمت فيه جملة من الشروط الموضوعية، ليس خارجها استلام السيد خالد المشري رئاسة مجلس الدولة عبر عملية اقتراع تمّت في أكثر من جولة دلّت إلى حد كبير على حدة الصراع و وضوح المتغيرات، إلى جانب شعور الطرفين بقوة الضغوط التي قد تدفع القوى العُليا المسيطرة نحو خيارات أخرى يمكن أن تؤذن بحل الأزمة و بالتحديد تعديل اتفاق الصخيرات بمعزل عن الهيئات الثلاثة التي أثبتت عديد القرائن اتفاقها مع تطويل عمر الأزمة حفاظاً على مصالحها. و قد انبعث هذا الإرتياح على ما سُرِّبَ من ورقة المقترحات المتوازنة خاصةً و أن الفوضى قد بلغت أقصى درجاتها و حالة الإحتقان العام فاقت هي الأخرى كل وصف، و حجم التخريب الذي انتشر قد شمل المحيط بلا استثناء، و لم يعد يسمح للقوى الدولية أن تستمر على هذا المستوى من عدم الإكتراث أو الإنشغال بأولويات أخرى بدل الحد من التنسيق الذي لا يترك التنافس يضاعف من هذه الكلفة الغالية من الضرر الذي لم يسلم منه أحد. و مما لا شك فيه أن المغرب بما تتوفر عليه من الموقع الذي ينآى بها عن الإحتكاك و ما يُمليه من إكراهات تضارب المصالح و نقيصة الغيرة التي طالما رفعت من السلبية بين الجيرة، إلى جانب قوة التواصل مع أكثر من طرف دولي قد تبدو أكثر قدرة على تقريب وجهات النظر بين المتحاورين إذ لا مصلحة لها في الإنحياز و لا اضطرار لها أيضاً، كما أن ما ثبت من حسن تعاطيها مع متغيرات الربيع العربي و ما أكده تجنبها لما رافقه من الزوابع بذهابها إلى الإنتخابات المبكرة و قبولها بنتائجها و بعث حكومة ائتلافية لا مكان فيها للتغوّل و لا قبول بالإقصاء، يجعل منها اليوم مثالاً للقدوة الحسنة و الناصحة المُخلصة، فضلاً عمّا تشي به الورقة المُسرَّبَة عن التسوية المُقترَحة من الصيغة العملية المتوازية، يندرج في المُجمل لتقوية روح التفاؤل التي راودت أكثر من طرف لإمكانية الخروج من عنق الزجاجة و بدفع من مجلس الدولة بالذات و بواسطة رئاسته الجديدة التي هي أعلم بما وُضِعَ في الماضي من العصي في دواليب التسوية و ربما تمتلك من قرون الإستشعار لمعرفة شروط المرحلة و أولوياتها و علامات الجدية لأي تحرّك في عجلتها و التي حددت لها أول الأولويات في توحيد المؤسسة المصرفية و اعتُبِر إقرارها دليلاً على حسن النية من الطرف الآخر، و الواقع أنها تقدم الدليل على جدية الطرف الأكبر، الطرف الدولي تحديداً و المُتّهَم قبل غير بالرغبة في إطالة عمر الأزمة، لأن الملايين الستة من الليبيين لا أهمية لهم لمخططاتها كما يتكفّل بذلك الموقع الجغرافي المُطِل على أكثر من إقليم، و التوزيع السكاني الذي نراه يدفع دولاً ذات مصالح مُحددة لدعوة طرف واحد من الأطراف في مباحثات مصيرية تتعلّق بالإقتصاد و السياسة، بل و يصل الأمر إلى إبرام بعض الإتفاقيات، على الرغم من عدم توفر أدنى الشروط الدستورية، و ما ذلك إلا لما أثبتته سياسة الأمر الواقع من جدوى لتمرير مثل هذه الإتفاقيات و التي يمكن أن تكون شروطها بالكامل لصالح الطرف الليبي، مما يجعل التمكين لتمرير هذا الإتفاق أقرب مما سواه لتحقيق أي خطوة في اتجاه الإستقرار المفقود، و سيكون علينا بادئ ذي بدء أن نضع حدّاً للتهييج الإعلامي القائم على الترويج للشقاق و تبنِّي الإقصاء المُدمِّر. و ريثما يتحقق ذلك و نحن نعلم ما تَعُجُّ به المغرب من عديد الخبرات السياسية و مثلها التراثية أن نُظيف إلى السياسة شيئاً من التراث الصوفي الذي طالما تختصره الأمثال الشعبية فنقول و نحن نجمع بين الأمل و الخوف، المثل الشعبي المعروف بما يناسب المقام "ما ليك من وعدات كان يا المغرب جبتها" .انتهى


_____________________________________


سلامة الحائر بين المشورة و الحكم

أمين مازن

23-4-2018

يبدو أن المرء لن يخشى الوقوع في منزلق التسرّع أو الظهور بمظهر المتحامل، إذا ما أبدى عدم ارتايحه لبعض ممارسات الوسيط الدولي غسان سلامة، و اعتبارها في غير صالح الأغلبية الساحقة لليبيين، بل أكثر ضرراً لهم، إذ بعد أن أثلج صدور الكثير منهم بتصريحه الجريء الذي جاهر به منذ أيام في قوله أن ليبيا تتعرض في التصرّف بالمال العام لحالة من النهب التي تتجاوز صفة السرقة، و أن ذلك قد يضطر المجتمع الدولي إلى مزيد التدخل في الشأن الليبي، حمايةً لمصالح أغلبية الناس، و بعد أن وضع بين مفردات خريطة الطريق التي وضعها لحل الأزمة الليبية إمكانية الذهاب إلى المؤتمر الوطني الجامع الذي يتم بواسطته إقرار و بالأحرى تعديل اتفاق الصخيرات بحصر المجلس الرئاسي في رئيس و نائبين يمثّلون أقاليم ليبيا الثلاثة و وزارة لها رئيس و مساعدين و عدد من الوزراء، إلى جانب توزيع المناصب السيادية في الدولة على قاعدة عدم الإقصاء لأي طرف من أطراف المجتمع ليُصار في النهاية إلى الإنتخابات النيابية و كذا الرئاسية أو البت في المسألة الدستورية بتعديل المسودة المقترحة بما يُرضي الأطراف كافة أو الإكتفاء بتعديل الإعلان الدستوري على النحو الذي يصون التوافق و يحول دون استشعار روح المغالبة لأي طرف من الأطراف، خاصة و أن الأجسام القائمة قد فقدت مجتمعة شرعيتها و أن معظم أو كل ممارساتها ليس لها في الحقيقة من هدف سوى إطالة عمر الأزمة بما تُتيحهُ من دوام السلطة و خيراتها الوافرة، مما يجعل من التدخل الدولي المُنتظر و الذي لاح من بعض تصريحات سلامة المُشار إليها ان هذا الوسيط بما له من الخبرة و ما تسنّى له من التواصل بعديد الأطراف يوشك أن يصل بالسفينة إلى شاطئ السلامة، إذا به ينقلب على عقبيه فلا يظهر من أحاديثه سوى ما يدل على التخبّط، و لا يلوح من تحركاته سوى ما يشي بالإستراحة للمكان و ربما المضي نحو السعي للبقاء فيه على حساب الأزمة دون شك، ففضلاً عن تنقلاته التي لا تعرف التوقف تجاه عواصم العالم شرقاً و غربا، عربياً و أوروبيا، و حضوره لأكثر من تجمع بحجة الإنشغال بالأزمة الليبية، و انجراره لحضور الكثير من التجمعات التي تُضفي عليه صفة المُنحاز و حتى الشريك في بعض التسطيحات، نجده يخرج علينا بحديثه الغريب مع عمداء البلديات و تعهده لهم بالدعوة إلى زيادة ميزانياتهم و الدفاع عن ذلك بما توفرَ له من الإقتناع و ما سيزيده بالطبع من الإشعاع، مُبرراً موقفه هذا بما يبتغيه من جهودهم في العملية الإنتخابية المُنتظَرة و تشجيع التوافق المنشود، و إذا كان الطريق إلى جهنم هو ذلك المفروش بالنوايا الحسنة، فإن توفر حسن النية لدى الوسيط الدولي بموقفه هذا لن يصرفنا عن حجم الضرر الذي سيطال المصلحة العليا للوطن و المتمثّلة في شرعنة هذا العدد الكبير من البلديات و الذي ما كان له أن يكون لولا استسلام الحكومات التي تلَت السابع عشر من فبراير لضغوط المؤتمر الوطني العام الذي تسابق أعضاؤه إلى ترفيع جميع الفروع البلدية إلى بلديات مستقلة و الذي هو ذاته الذي أوقف نظام الوحدات الإدارية التي كانت تُعرَف بالمقاطعات و سُميِّت لاحقاً بالمحافظات و التي يعود تاريخها إلى عهود قديمة سبقت قيام الدولة الوطنية، كانت قبل إلغاء النظام الإتحادي سنة 63 تتبع الولاة الذين ترأسوا الولايات الثلاثة ثم أُنيطت مجتمعة بوزير الداخلية، و شهدت في زمن الفاتح من سبتمبر أكثر من تعديل تبعاً لسلطة المزاج التي طبعت عديد الممارسات إلا أنها لم تزد على أربعين، و إذا بها تقفز إلى مائة و خمسة و عشرين لم يترتب عليها سوى الزيادة الضخمة في الرواتب و العلاوات و المزايا و العُهَد المالية، فضلاً عن المزيد من السيارات متعددة الأصناف، الأمر الذي لا مكان فيه لإحتياجات الطرق و المدارس أو الحدائق و التي لا يمكنها أن تتوفر مع هذه الرواتب، الأمر الذي يعني أن إقدام الوسيط الدولي على حشر أنفه في هذه المسألة ليس أكثر من تدخل غير مبرر و نزوع نحو مد السلطة إلى ما لا يتمشّى مع مهمته الإستشارية و ما يصرح به صباح مساء عن مسؤولية الليبيين عن مصلحتهم و حل مشكلاتهم، و ما يفرض على كل ذي رأي أن يصدع بصوته و يكتب بقلمه داعياً السيد سلامة أن يكُف عن هذا التوجه، بل و أن يستبعد حُسن النية و هو يرى الوسيط المحترم لا يسأم حضور الكثير من اللقاءات مُسبغاً على نفسه صفة المندوب السامي، و لكنه ليس المندوب الذي يتحمّل المسؤولية و يُخضع ممارساته للمساءلة و لكنه الذي يفعل ما يريد و يسمع ما يكره كما يقول أهلنا الأوائل. انتهى

_____________________________________


سَافِرْ.. فَفِي الأَسْفَارِ خَمْسُ فَوَائِد

أمين مازن

20-4-2018

أنهى أصحاب الجلالة و الفخامة و السمو العرب، كما هو المصطلح الذي يوجهون به خطابهم، أشغال مؤتمرهم التاسع و العشرين، محافظين على تقليدهم بإصدار البيان الختامي ، المُتضمنّ توصياتهم و مكان دورتهم القادمة، و التي يبدو أنها ستكون بتونس طبقاً للترتيب الهجائي، حيث كانت هذه القمة قد التزمت منذ سنوات بالترتيب المُشار إليه، ما لم يعتذر القطر المختص. و قد ترتّب على هذا التقليد أن يظل رئيس الدولة التي تستظيف أي قمة قائماً بالرئاسة إلى أن يسلمها لمن يخلفه، و صار على أمين الجامعة العربية الذي هو رئيس الجهاز الإداري للمؤسسة المذكورة و التي يُفترض أن تنظّم أشغال أي قمة بالتحضير لما سيُناقَش و متابعة تنفيذ ما اتُفِقَ عليه، فانتهى بذلك الخلط بين دولة المقر التي هي مصر و جنسية الأمين العام الذي هو في الأصل من كبار موظفي هذه الدولة، و كان يخلع على رئيسه ما يشبه رئاسة العرب، الأمر الذي طالما أثار أكثر من حساسية، لم يتردد الرئيس بورقيبة في وصفها بالهيمنة، مما جعل من تنظيم أشغال القمم العربية وفقاً لهذا التقليد، التخلص من هذه الحساسية، خاصة و أن ذلك قد تزامن مع تغيّر موازين القوى، و كذا مشاركة العرب في أكثر من عمل مسلح ابتداءً من الموقف من العراق و هي تجتاح الكويت، و تتعرض لاحقاً للغزو الثلاثيني و قبل ذلك انفراد السادات بزيارة القدس، كما أن من مبدأ الإنتخاب للمناصب القيادية في الجامعة و مرعاة التحاصص قد زاد من استشعار الشراكة و إن كانت هذه الشراكة بكل الأسف غالباً ما وقفت عند الأشخاص لانعدام الإنتاجية من الأساس، فضلاً عن ارتفاع الروح القطرية و قوة العلاقات الثنائية و بالذات مع مستعمري الأمس. و هكذا رأينا بيانات هذه القمم لا تخرج في معظم الأحيان عما يمكن وصفه بالكلام المُعاد الذي لا ترى فيه العين أو تسمع الأذن أكثر من الكلام، أما الأفعال فآخر ما يُنتَظر من هذه الإجتماعات الروتينية، و التي لم تُخفف مجرد التخفيف من صراع الإخوة الأعداء و هم يرون ضرورة استمرار أنظمتهم رهن ما يزرعونه من الأشواك في طريق بعضهم البعض. و ان الإستقطاب الذي ساد هذه المنطقة الجغرافية عبر التاريخ لم تفعل فيه عديد الشعارات أي فعلٍ يُذكر، بل ان استعمال السلاح بشراسة لم يحدث إلا بين حَمَلَة الشعار الواحد، كما أن المفاخرة بالدماء غير العربية لم نرها تُعلَن على رؤوس الأشهاد إلا في هذه الأيام الرديئة، و قل مثل ذلك على الحرب الأهلية التي يتسابق معظم أبناء العمومة على إشعال نيرانها و زيادة وقودها تجاوزت الماضي أضعافاً مضاعفة، و ما الحالة الليبية و ما يعتريها من التردّي المستمر سوى الدليل القوي على بعد المسافات بين ما تردده الأسس و تحركه التدابير مما يجعل من مشاركتنا التي فرضت تأخير بعض الرحلات و أربكت المواطنين فضلاً عما كلّفت من الأموال ليس أكثر من هدرٍ للوقت و المال في زمنٍ نحن أحوج ما نكون فيه إلى جهدنا و إمكانياتنا بعيداً عن المظاهر الإعلامية الفارغة و تكون المصلحة الحقيقية للمواطن الليبي هي تلك التي تُحبذ الإبقاء على القيود المتصلة بالأموال الليبية ما دامت أحوالنا على هذا النحو من الفوضى و التناحر ريثما تتوحد السلطة التنفيذية و مثلها التشريعية و الرقابية على مختلف الصعد، فالعرب الذين تحسبهم جميعاً و قلوبهم شتّى، لا يتفقون على شيء بكل الأسف أكثر من إطالة أزمتنا و تأجيج خلافاتنا، و نحن نخدع أنفسنا، اللهم إلا إذا احتكمنا إلى القول المأثور سَافِرْ فَفِي الأَسْفَارِ خَمْسُ فَوَائِد.انتهى

_______________________________________

لكي لا يكون السابع من أبريل مجرّد تكرار

أمين مازن

9-4-2018

اتخذت الفضائيات الليبية التي تبث من خارج الحدود يوم السابع من إبريل الجاري مناسبة لإجراء المقابلات المتلفزة مع بعض المثقفين الليبيين العاملين في عديد المجالات التي وفرها لهم حسن إحترامهم و قوة حضورهم، أولئك الذين كانوا قبل أربعين سنة و نيِّف بين طلبة الجامعة الليبية هنا في طرابلس أو هناك في بنغازي، و نالهم ما نالهم من الإيذاء الجدِّي في ساحات الجامعتين و كذا مدارج الدراسة و أخيراً الإقتياد إلى السجون، عندما كانت الحركة الطلابية في خضم التيار الوطني الذي اصطدم مع نظام الفاتح من سبتمبر 69 الذي قُدِّرَ له أن يحكم البلاد و يسلك النهج المهيمن على معظم الأقطار العربية و بالتحديد المُتبنية للشعارات الثورية، ذات المنحى الفاشي حيث حضرْ الحياة الحزبية و تدجين الحركة النقابية، و الإكتفاء من الإشتراكية بترديد اسمها في اللافتات، و العدالة الإجتماعية بتكرارها في خُطَب القادة، ليكون الاستغلال سيد الموقف، و السجون مكان الرموز، الأمر الذي دفع القوى الوطنية على مختلف الصعد إلى الإسراع بمناهضة العهد الجديد منذ مطلع السبعينيات من القرن الماضي بداية من محاولات بعض العسكريين و مروراً بالقوى المدنية ذات التاريخ المشهود، تلك التي لم تُخف صوتها الرافض أو انسجامها اللافت فكان مصيرها السجن، و إذ لم تُفلِح مثل هذه الإجراءات في الحد من نشاط الطلاَّب على وجه التحديد، لم يملك سوى الإقدام على تصرّف من أغرب التصرفات عندما جنَّد تلك الأعداد المهولة من العناصر التي لا علاقة لها بالوسط الطلاَّبي و دفع بها إلى الجامعة مُنتَحِلَة صفة الطلاَّب و تجتاح الحرم الجامعي بعصيها الغليظة و أسلحتها البيضاء و غير البيضاء فتُشبِع كل معارض ما استطاعته من الضرب، هاتفة ملء حناجرها ((أطلع يا خفّاش الليل جاك السابع من أبريل)) إذ وُقِّتَ الحدث بالسابع من أبريل، تماماً مثلما كان أبريل 73 التاريخ الذي بدأت فيه أكبر حملة اعتقالات و قد كان أخطر ما تَقنّعَت به تلك الحملة المُخجلة اعتمادها على مجموعات من الطلبة تم استقطابها سلفاً و أُعِدَّ لها سجل وقعَت عليه ليُعتَبَر دليلاً على الموافقة و لو كان هذا التوقيع لمجرّد الحضور، ليُعلِن في النهاية أن الصراع قد حُسِم و تم القضاء على اليمين الرجعي في الوقت الذي كان كل الذين شملتهم المداهمة و طالتهم سياط الإرهاب، بل و ثمة من طُرِد محروماً، هم في الحقيقة من أصحاب الرأي المُخالف بل و المتفوقين في دراستهم و المعروفين بجميل هواياتهم، و قد بلغت الوقاحة أقصى درجاتها عندما أُعتُبِرَ ذلك اليوم عيداً للطلبة يتم الإحتفال به كل سنة بإلقاء البيانات المتشددة و الخُطَب العدائية، و في بعض الأحيان تُنفَّذ بعض الإجراءات العنيفة بما في ذلك القتل، فلم يحِل دون ذلك هدم السجون و لا تمزيق قوائم الممنوعين من السفر، إلى أن أُسقِطَ النظام في العام 2011 لتتحول أحداث تلك الأيام إلى مادة تلفزيونية تُعاد فيها الذكريات المرة تلو المرة، دون أن يسأل أحد أو يستدعي ضميره ليُدرك أن أخطاء الماضي لا تُبرِّر ما تواجهه هذه الأسماء من الإقصاء، حين لم يُستدع من سُجِن في سبيل المسرح لرئاسة هيئة المسرح، و لم يُكَلَّف المثقف الذي ظل رافضاً حتى النهاية بتسيير الشأن الثقافي الذي يشهد أقصى درجات الإفلاس، أو يُناط به الشأن الصحفي الذي لم تبق منه سوى عمارة خاوية على عروشها و مرتبات ينعم بها القياديون الذين لا يكتبون سطراً واحداً في الشهر، و منهم من لا يتردد في اقتراح زيادة مرتّبه الفلكي.. !!، بمعنى أن استنكارنا بأشد عبارات الإستنكار لما شهده السابع من أبريل قبل أربعين سنة مضت لن يكون له أي قيمة ما لم تكن مواقفنا أكثر صراحة إزاء ما تعيشه الثقافة و المثقفون، إن لم يكن مباشرة فعلى الأقل بعدم المساهمة في لعبة الإلهاء عن الواقع، إذ بدون ذلك سنكون في مقدمة العابثين بالحقيقة. لا سيما و أن الكثير ممن ساهموا سلباً في تلك الأحداث لم يقفوا حيث هم بل لقد حسّنوا أداءهم حتى أن منهم من دفع الثمن غالياً، و ليس للموضوع بقية كما يقولون. انتهى

____________________________________


ابْدَأْ بِنَفْسِك فَانْهَهَا عَنْ غَيِّهَا

أمين مازن

5-4-2018

رفض المجلس الأعلى للقضاء المُقترح الذي انتهى إليه تجمّع رؤساء البلديات الرامي إلى إناطة حُكم البلاد بالمجلس المذكور. و لم يكن له في الحقيقة سوى أن يرفض هذا التوجّه؛ إن من حيث مبدأ النأي بنفسه عن نقيصة التطلّع للحكم، أو لمعرفته أن مثل هذه الصيغة تحتاج إلى قوة تحميها و ليس إلى تجمّع ما كان له أن يصل إلى هذا العدد لولا مُتغيِّر السابع عشر من فبراير، إذ كانت البلديات إلى ما قبل ذلك التاريخ لا تزيد عن الأربعين إلا باثنين لا أكثر، و كان ما يُسمى بالشعبيات يَقِلُّها إلى أقل من العشرين. و كانت الوحدات الإدارية المُقررة سنوياً محصورة في عشر وحدات: خمسة بطرابلس و ثلاثة ببرقة و اثنين بفزان. و هي صيغة ما كان لها أن تصمد أمام مُتغيِّر الفاتح من سبتمبر 69 و تزامنه مع ارتفاع أسعار النفط و بروز مشاريع التسوية المتعلقة بما يشهده الشرق الأوسط من صراع، لم يكن أمام ليبيا النفطية و ظهور مصطلح أمانة القومية العربية الذي بادر بإطلاقه الرئيس عبد الناصر و ما ترتّب على ذلك من دور ضاغط جرّاء المشاريع الإنشائية و ما اقتضته من إنفاق و تشغيل لعديد الجنسيات الشقيقة و الصديقة التي طالما أُغدِقَت عليها التسهيلات المالية و الإدارية أحياناً و حُجِبَت عنها أحياناً أخرى، أسلوب دام طويلاً فَوُفِّقَ مرة و أخفقَ مرات، طبقاً للعبة المُتبعة و ما امتازت به من القدرة على التحوّل من النقيض إلى النقيض إلى أن حان وقت الإزالة، و تعددت المشاركات ضمن مخطط شملَ المنطقة، مما لا فائدة من تكرار أحداثه و نتائجه. و المهم أن عدد البلديات قد تجاوز المائة و عشرين بلدية صارت متساوية كأسنان المشط كما هو التعبير الشائع، لا فرق بين ذوات الدخل المحلِّي و الأخرى التي تحتاج لكل شيء. و للمرء أن يتدبّر أعداد السيارات الفخمة التي وُضِعَت تحت تصرّف العمداء الجدد و خدمهم و حشمهم و ما تسنّى لهم من صلاحيات توزيع الأراضي و الآليات، بل و المساعدات التي كثيراً ما تجيئ من الأطراف الدولية ناهيك عن الإجتماعات التي غَدَت تنتظم في أكثر من عاصمة من العواصم و التي كانت إيطاليا أول السبّاقين إليها، مما يُذكّرنا بما حفظته المصادر التاريخية التي وثّقت لسياسة روما قبل قرنٍ مضى و ما يزخر به من أسماء عديد الوجهاء الذين أُحتُفِي بهم على أكثر من صعيد، عندما بلغت الفوضى أقصى درجاتها، و اكتسب الاحتلال مشروعيته لدى عديد الدوائر، و تبنّت إيطاليا تعميم البلديات على أساس التعيين طبقاً لما حددت من مواصفات، و من بينها ما أُطلق عليها رئاسات اللحمات و دورها المعروف في تأييد السُلَط، و الحقيقة أنه ما من أحد يراقب ما يجري في هذا الواقع بوعي، لا يملك إلا أن يحترم مجلس القضاء الأعلى و قراره الرافض، ليس لأن صيغة تكليف هذا المجلس بإدارة شئون البلاد تشوبها شائبة من الشوائب، و إنما لأنها و هي تَرِد ضمن مخرجات رؤساء البلديات ليست أكثر من القفز إلى الأمام. إذ لا يمكن لأي عاقل أن يقبل بهذا العدد من رؤساء البلديات الذين لم يكونوا كذلك حتى و هم يُمثّلون الفروع البلدية، إذ أن الأربعين بلدية التي انتهى إليها نظام الفاتح من سبتمبر كانت غير واقعية كما أن الشعبيات ذاتها التي خَلَفَت صيغة المحافظات هي الأخرى لم تسلم بنظرية المضاربة التي كثيراً ما سادت ممارسات سبتمبر، و قد كان يمكن للمراقب أن يُكبِر لهذا التجمّع لو بدأ مما يملك و هو على ما هو عليه من وجود الكثير من المُقدّرات التي يتمتع بها عديد هؤلاء الرؤساء ممن يمكنهم لو تحلّوا بالشجاعة و نكران الذات و تغليب المصلحة العامة أن يتوقفوا أمام هذا العدد الذي لا طائل من ورائه سوى تشتيت الجهود جرّاء التنازع على الإختصاصات و اقتراع المزيد من الأجهزة التي لا تمليها المصلحة العامة و لا تبررها الخدمات بقدر ما هي نتاج الترضيات و اقتراع المواقع من أجل الأشخاص و ما سينعمون به جرّاء مواقعهم من السيارات الفخمة و المرتبات الفلكية و النثريات التي لا تعرف التوقف، هي قدرات يمكنها أن تعيد للذاكرة فكرة المحافظات لو تأكد العدول عن المشروع الإتحادي، و الذي سبق أن عاد للذاكرة من لجنة الدستور التي إنتُخِبَت بواقع عشرين عضو من كل إقليم من أقاليم ليبيا الثلاثة، الأمر الذي جعل الأغلبية الساحقة من الشعب الليبي تحجم عن المشاركة في التصويت، فشكلت النسبة المتدنية للمصوتين أول طعن في المشروعية التي طالما تبجّح بها عديد الأعضاء المحترمين و هم يصدعوننا بالحديث في الشاشات الصغيرة و يقترحون مسودة الدستور التي تركت أهم القضايا المطلوبة دون حسم، و اقتراح سلطة مطلقة "لو أُقِرّت المسودة" ستُنتِج دكتاتورية غير مسبوقة، فكان يمكن لهذا التجمّع لو بدأ باختصار العدد و اقتراع العاصمة من غير طرابلس المستغنية عنها، و بنغازي التي أزاحها المرحوم إدريس السنوسي و هي مُثْبَتة في الدستور، و لو إكتُفِي بمجلس تشريعي واحد هو مجلس النواب أو سُمِّي مجلس الدولة بإسمه الحقيقي مجلساً للشيوخ يُمثّل الأقاليم الثلاثة بالتساوي و ربما تكون رئاسته من ذات الإقليم و يكون مقرّه هناك، و ليس هذه الصيغة المضحكة التي تقترح للمحكمة العليا مدينة سبها. فَرفْض مجلس القضاء الأعلى لمقترح البلديات موقف سليم، و رؤساء البلديات بعددهم الحالي جزء من المشكلة و ليسوا مشروع حل، و لا شك أنهم بمحاولتهم القفز إلى الأمام باقتراحهم هذا، إنما يُعيدون الكُرة إلى ملعب غسان سلامة و قد ثبت لديه أن ليبيا "كما صرّح في الآونة الأخيرة" تتعرّض في العبث بثرواتها لحالة من النهب الفريدة، و أن حميع أجسامها قد فقدت الشرعية و أن تعديل الاتفاق السياسي الذي لا بديل عنه، قد يكون آخر إجراء يمكن الجوء إليه، هو ذلك المتمثل في المؤتمر الوطني الجامع، أن يبادر سريعاً نحو هذا التوجّه فيدعو له من يرى فيهم الكفاءة من مختلف الأطياف و الشرائح و في كنف حق الجميع في المشاركة على خلفية أن ما ساد مرحلة ما بعد السابع عشر من فبراير من التجاوزات وتوظيف السلطة للمصالح الخاصة والتي دخلت هذه الأيام سنتها الثامنة قد نالت من فرصة هذا العهد و أن ما لقيه السابقون من سوء المعاملة و الإجبار على رد الحقوق بالقوة فرض مبدأ التخفيف عليهم اللهم إلا من تورط في عرض أو دم، كما أن عدم تمكن المحكمة العليا من البت في الطعن المرفوع لها في قانون العزل السياسي،إنما يعني بكل بساطة أن كل حديث عن المصالحة الوطنية ليس أكثرمن "طق الحنَك" كما هو التعبير الشعبي في كل أرجاء الوطن العربي. و عودة إلى رفض المجلس الأعلى للقضاء ما انتهى إليه رؤساء البلديات في اجتماعهم لا يملك أي عاقل إلا أن يقرر بأن هذا الرفض هوعين الصواب، و ذلك أن الشاعر العربي قد قال منذ ألف عام و أكثر

ابْدَأْ بِنَفْسِك فَانْهَهَا عَنْ غَيِّهَا *** فَإِذَا انْتَهَتْ عَنْهُ فَأَنْتَ حَكِيمُ


_____________________________


لِنَخْتَر الحليف الأصيل

أمين مازن

22-2-2018

تراهن الولايات المتحدة، كما يلوح من إجابات بعض خبرائها، على إنجاز الإستحقاق الإنتخابي النيابي، قبل أي إستحقاق آخر، مثل الدستور و الإستفتاء عليه و القانون المنظم لإجرائه، و القضاء المتعلق بالطعن فيه، و قد جاء ذلك في أحدث الأجوبة، التي لخصت في الرأي القائل بأن المجدي للناس المرشحين للفعل هو تمكينهم من الإمساك بالقرار كي يكون دورهم أكثر جدوى تجاه كل ما يحتاجه الواقع من بقية الإجراءات التنظيمية و القاعدية و بالذات الدستور الذي يفترض أن يحدد النظام الإداري على هدى من إشتراطات الجغرافيا و إملاءاتها و ما تتكفّل به من فرص النجاح الضرورية، بمعنى أن يكون من مشمولات المجلس النيابي المنتظر إنجاز بقية الخطوات المتعلقة بأعادة الدولة المفقودة بما تقتضيه من الإستئناس بآراء الإختصاصيين و مقترحات الكفاء على هدى من التجرد و الحذر من آفة الإقصاء و نقيصة النهم و الإرتهان للأهواء المخجلة، و الحق ان مثل هذه الرؤية تبدو اليوم أكثر عملية، فما دامت الأجسام القائمة قد إنزلقت نحو هذا المستوى المخجل من التنافس غير المشرف و سيطرة روح التمكين للأقارب و الأصهار و المسخرين لمختلف الخدمات، و ما دامت البداية قد إنطلقت من تقرير تلك الزيادة الفلكية في المكافأة الشهرية التي إقترحها المؤتمر الوطني و سار عليها بعد ذلك مجلس النواب و شملت بالتبعية هيئة الدستور و بلغت ستة عشرة ألف من الدنانير، و تُصرّْ الفضائية الليبية على تكرار صورة السيد عقيلة صالح لرأيه القائل بأن المبلغ ليس بالكثير، و لعله بذلك يُهوِّن ما يتردد عن مزيد العلاوات، و فاته بالطبع السلّم الوظيفي العام و كذلك جدول المرتبات، و الذي شهد في السنوات الأخيرة ما لا حصر له من الإنتهاكات، و على ذات القدر نراه قبل ذلك و مثله المؤتمر الوطني العام تبنوا فكرة أن تكون سلطة القيادة العليا العسكرية مناطة بالجسم المشار إليه، إن بالتسمية الحالية مجلس النواب أو المؤتمر الوطني العام، و هو التقليد الذي بدأه المجلس الإنتقالي في معرض إنجراره للحد من سلطة المكتب التنفيذي عندما ظهر منه عدم الإنصياع لمحاولات الإحتواء التي بدأت بها بعض الأطراف العربية حين كانت إنتفاضة فبراير توالي معاركها المسلحة مسنودة بالدعم الخارجي الغربي تحديداً و الذي مثلت الوكالة فيه بعض دول الخليج إلى جانب تركيا بالطبع، بحيث لم يتم الإجهاز على النظام الشمولي و الذهاب إلى الإستحقاق الإنتخابي و إنجاز ذلك القدر الكافي من النزاهة، حتى أمكن الإلتفاف على ذلك المُنجز بإشاعة روح التكالب تجاه المنفعة الخاصة بالذات و المحيط، سواءٌ بسواء، و من ثم التوجه للمعارك الجانبية و تغليب الروح الثأرية، فاستحال كل توجه نحو المستقبل اللهم إلا التعاطي غير المحدود تجاه المصلحة الخاصة و الإصرار على نيلها بكل الوسائل، و كان ذلك كله يتم عن طريق الحكومات المتعاقبة التي لم يكن أمامها سوى الإستجابة تلو الإستجابة لمطالب المجموعات المسلحة و التي لم يكن لها وجود طيلة الأشهر التي شهدت الإصطدام و إنما تضاعف عددها بعد إعلان التحرير. من أجل ذلك كله يكون الخيار الأصوب و الأكثر جدوى هو المضي نحو الإنتخابات بواسطة القوانين السائدة الآن، و في إمكان المجتمع الدولي و الوسيط الدولي تقديم المشورة الضرورية لإدخال التعديل الضروري على المجلس الرئاسي بما يحقق الضمان المطلوب لأقاليم البلاد الثلاث مع عدم إغفال المكونات الإجتماعية للمضي نحو الإنتخابات مع عدم قفل الباب على الكيانات السياسية، عسى أن يتسنى الوصول على هدى من الإعلان الدستوري ليصار إلى تشكيل حكومة متوازنة، تتبعها مؤسسات للدفاع و الأمن، و قرار حازم يحضر الخروج بأي سلاح غير مرخص و إرجاع كل مهجّر إلى مسقط رأسه كي يعيش وفق المتاح، و في كنف المواطنة الآمنة و القائمة على التمتع بالحقوق جنباً إلى جنب مع الإيفاء بالواجبات، و في كل الأحوال فإن كل مراجعة منصفة لما تشهده حياتنا من سوء الإدارة و تفشّي للتسيب و إستباحة لا نظير لها في المال العام تجعل الذهاب إلى الإنتخابات و ظهور جسم غير متورط في سوء الآداء يعتبراليوم أكثر الحلول عملية، و أدعى إلى الحصول على مشورة مثمرة و مساعدة مضمونة العوائد، كي لا تكون في دعم التطرف و التكالب على المصالح الخاصة و الإستهتار بالمسئولية و الإحتكام إلى الحقيقة الشجاعة من أننا مشمولين بإكراهات الفصل السابع و التي تبدو اليوم أخف وطأة من ظلمنا لأنفسنا و لا سيما التسابق على هدر المال العام لمصلحة القلة و القلة ليس غير، و يبقى إحتمال أن تسفر العملية الإنتخابية المنتظرة عن فريق غير ملوث بمثل هذا الفايروس المخرّب يتم بواسطته إنقاذ ما يمكن إنقاذه شريطة أن يتم ذلك بنفس الترتيبات التي أُتُبِعَت في إنتخاب المؤتمر الوطني العام و بعده مجلس النواب، عسى أن تُعاد شعبيات النظام السابق أو محافظات العهد الملكي، ليشكل مجلس رئاسي يمثل أجزاء ليبيا الثلاثة و حكومة تراعي فيها ضرورات المرحلة، و يباركها الحليف الأصيل، و ليس الوكيل العليل.إنتهى

موقع الكاتب والاديب : أمين مازن

  www.aminmazen.com © 2020- 2008

طرابلس - ليبيا

Tel 0913245901