شئون ليبية 2019

نعمة العجز

أمين مازن

31-12-2019


لم يثر الوصف الذي ورد على لسان الأمين العام للأمم المتحدة، لما يسود بلدنا من رديء الأحوال، مُشبهاً إياه بالورم الذي يهدد الدول المجاورة كافة، على خلفية أن الورم حين يُكتشف بأي جسد حي، فما من علاج له غير الإستئصال، و الذي كثيراً ما يبدأ صغيراً بيد أنه ما يلبث أن يكبر و يزداد معه البتر بالمقابل، إلى أن يمتد و يمتد فيستحيل بتره و تختفي من الحياة ضحيته، إذ كل ما لا يلحق الفناء لابد أن يتحول إلى وباء ينذر بأسوأ الأمراض التي لن يسلم من ضررها المحيط بأسره، و من أوكد الواجبات أن يتنادى الجميع لدرئه، لا فرق بين المحاصرة من الخارج أو الولوج إلى الداخل، و لا حاجة كذلك لتحديد الزمن المطلوب لهذه المهمة، فهي دائمة بدوام الخطر، و لقد كان من المفروض أن يبادر الكثير من الذين يصدعون آذاننا هذه الأيام بما لا يسأمون تكراره من تعليقاتهم المصورة على الكثير من الفضائيات المعتاشة على الشأن الليبي، حتى أن بعضهم لا يرى حرجاً في أن يحل ضيفاً بواحدة صباحاً، منتقداً شأناً من الشئون، ليأتي مساءً بأخرى، مؤيداً ما عارضه في الصباح..! خاصةً و أنه يُقَدَّم مرة كناشط سياسي، و أخرى من المهتمين بالشأن العام، و ثالثة بخبير من الخبراء، و مع ذلك لا نرى أياً من هؤلاء ينتبه لمثل هذه الصفة المخيفة و المنذرة بما لا حصر له من المخاطر التي يمكن أن تحل بنا من خبيث المؤامرات و الخطط مما لا مهرب من سوء عاقبته على البلد حاضراً و مستقبلا، حدوداً و أمنا، فما دامت ليبيا تحولت "حسب وصف أكبر المؤتمَنين على أمن العالم" إلى ورم للإرهاب يطال بشروره المحيط كله، فليس أمام هذا المحيط إلا أن يحزم أمره و يجمع إمكاناته لوضع حد لهذا الورم، إن بواسطة العلاج أو بواسطة الإزاحة بالكامل، أما و أن ليبيا بهذا الإتساع في المساحة و الندرة في البشر و التناحر الذي لا يعرف التوقف و الثروات الكافية لإعاشة أضعاف سكانها، أفلا يكون من الأجدى وفقاً لهذه الرؤية الدولية و العالم ينتظر انعقاد مؤتمر برلين المُقتصَر حضوره على المعنيين الدوليين أن تكون عبارة الأمين العام للأمم المتحدة هذه نقطة تتجاوز التعبير المتسرع أو مجرد ردة الفعل الخفية كما قد يتبادر إلى ذوي القراءات التبسيطية و التي تعطي الشرعية الدولية أكثر مما لها و لا تعير أهمية لما يجري على الأرض، و ثوابت الحربين العالميتين و خطورة الخروج على ترتيبات حلف الناتو و شروط الحفاظ على التسليح و التوازن بين البحرين ،المتوسط و الأسود، و مبدأ المقايضة الذي بدأ مع العشرينيات و تضمّن ضمن ما تضمّن إلغاء الخلافة و سقوط الفاشية و النازية، إلا أنه في أيامنا هذه ما يزال يشهد الكثير من الأخذ و الرد بين مصادر القرار الدولي حول الإجابة على السؤال الكبير الناتج عن فوضى الربيع العربي،أي الحكام أكثر جدوى..؟ استنساخ من جُرِّبَ، أو المغامرة على الجوعى لكل شيء، و بلغت رداءة واقعهم إلى الحد الذي دفع السيد الأمين العام إلى تشبيهه بالورم؛ فليس للشعب الليبي الذي يتجرّع كؤوس المرارة منذ خضوع أحواله لأحكام الفصل السابع من الميثاق الدولي، إلا أن ينتظر من هذا الدبلوماسي الرفيع تقديم الحلول بدل الإكتفاء بالتوصيف..، و عسى ألّا يطول الإنتظار إن حلَّ لطف الله أو استمرت الأزمة، و ليس أمام عجزنا سوى الصبر، حامدين الله على نعمة العجز الذي يتصف به و يمارسه إعلاميونا بلا استثناء. انتهى


______________________________





فاقد الشيء لا يعطيه..

أمين مازن

24-11-2019


لم يعر المواطنون الليبيون عامة و المهتمون بالشأن الليبي العام على وجه التحديد أي اهتمام لما تناقلته وسائل الإعلام من أنباء بالقرار الرامي إلى تخفيض مرتبات المسئولين الكبار، من مجلس رئاسي و وزراء مُقترَحين، و من في حكمهم و يليهم في الدرجات التي استُحْدِثَت منذ السابع عشر من فبراير 2011، بنسب بدأت بالأربعين في المائة و شملت من دونهم بالتدريج، ليس لأن هؤلاء و غيرهم لا تهمهم الأمور المالية، و التي بلغت التجاوز ما زاد على مجموع ما أُهدِرَ من أموال طوال العقود الأربعة، التي هي عمر النظام السابق، و عمر الطفرة النفطية التي عرفها العالم عامةً و ليبيا خاصة، و إنما لأن الأرتفاع الفلكي للمرتبات قد وصل حداً لو بقى منه ما نسبته 20% لكان منعدم النظير بالنسبة للمحيط الإقليمي و القارئ، كما أن هذا القرار الذي جاء بعد هذه المدة التي مكّنت لهؤلاء المحظوظين "الشجعان" أن يحققوا كل ما يشتهون لأنفسهم و من حولهم، إن من خلال هذه المداخيل الفلكية كرواتب، أو الأخرى كخدمات و سفريات متعددة الأغراض، و وسائل نقل من أحدث الموديلات، تُخَصص بحكم الصفة الإعتبارية، و تُمَلَّك في لمح البصر، و يُصار من ثم إلى بيعها، بما لا يخطر على البال من السعر، لتدر العائد الذي يعجز عن توفيره العمر كله، و هي الحقائق التي لا تخفى على كل ذي بصيرة، فلا يكون لها سوى هذا اليأس الذي لا نظير له إزاء كل إجراء يعتقد المُقدمون عليه إمكانية تدوينه في عداد الإجراءات الإصلاحية، فيما لا يكون في حقيقته الفعلية أكثر من استمراء لما درج عليه القوم من ذر الرماد في العيون، بصدد ما اكتظت به الحياة من صنوف الفساد و الإفساد، التي لم يكن لها من ناتج غير هذه الحرب المدمرة حول المال و مصادر المال، و السلطة القادرة على منح هذا المال، و ما من سبب لإطالة أمدها مثل التنافس على المال، بدليل أن معظم إن لم نقل جميع المجندين في الجيوش الإعلامية في ساحة الفضائيات الممولة من المال العام بين الذين لم يهتموا، إذ من ذا الذي يصدق هؤلاء المُدعين المحجمين عن منح حق مضمون لعموم المواطنين من الموظفين المشمول بالضمان الإجتماعي الذي ينص على وجوب رفع رواتب المتقاعدين بنفس النسبة التي زيدت للعاملين ،خاصة و أن أعلى هيئة قضائية و هي المحكمة العليا، أمرت بصرفه و مع ذلك نراهم يتقاعسون و يتفنّنون في عرقلة منح هذا الحق، على الرغم من أن الإحصائيات الرسمية كافة تجمع على أن نسبة الذين هم في عمر الشباب تزيد على السبعين في المائة من عدد السكان، أي أن الإستحقاقات المالية لا تساوي شيئاً يذكر أمام ما ينفق ظلماً و عدواناً على غير الأولويات، أما إذا أدركنا حجم الديون المستحقة من الخزانة للمؤسسة الضمانية و التي يعود تاريخها إلى زمن الإستعمار الإيطالي و لديها من الأصول الثابتة ما يمكن يغني هذه الطبقة عن أي مساهمة رسمية، سندرك أكثر من أي وقتٍ مضى حجم الزيف الذي يمارسه أولو الأمر، و بالأحرى المغتصبون للأمر، من سيء السياسة المالية المتمثلة في الهيئات المفتعلة للترفيه على المحاسيب و المتنفذين تحت شعار الأعمال الخيرية و الزكاة و الأوقاف و غيرها مما يستحق صفة الإمبراطورية بامتياز مما يجعل من الإعراض عما يتردد عن التخفيض المزعوم في مرتبات الكبار بل السخرية من ذلك أقل ما يمكن أن يلجأ إليه المواطن المتابع و اليائس، لثقته في صدق الحكمة الخالدة بأن فاقد الشيء لا يعطيه. انتهى


_______________________________




21 نوفمبر 1949.. 2019 و المفارقة الليبية غير المسبوقة

أمين مازن

21-11-2019


تستعيد الذاكرة التاريخية السياسية بحلول الحادي و العشرين من هذا الشهر "نوفمبر" الذكرى السبعين لقرار الأمم المتحدة بمنح ليبيا استقلالها، استجابة لما بذل الآباء و الأجداد من جهود بدأت بالإتفاق الذي أُبرِمَ بين تركيا المتقهقرة و إيطاليا الصاعدة عندما وصلت قواتها العسكرية من البحر و الجو و تحتل الشواطئ، و من ثم التوجه إلى البر، فيما حزمت تركيا أمتعتها و وقعت على تنازلها كما لو كانت ليبيا هذه مُلكاً مُشاعاً لها،الأمرالذي لم يقبله رجال ذلك الزمان فامتشقوا المتوفر لديهم من السلاح، و تواصلوا مع من أمكنهم التواصل معه لإدارة شئونهم بأنفسهم، باذلين ما وسعهم بذله في ظروف بالغة الصعوبة، مُتسمة بِسِمَة الكر و الفر، لتبلغ أوج نشاطها عقب الحرب و انبعاث الأمم المتحدة و طرح مصير المستعمرات، ليُصار إلى القرار الذي أُعلِنَ في ذلك اليوم و ترتب عليه مولد الدولةالليبية، ليكون هذا اليوم هو يوم مولد الدولة الليبية اعترف به الذين بيدهم أمرها أم لم يعترفوا، و يُصِرُّ كل ذي وعي سياسي سليم أن يخص هذا اليوم كلما حان موعده السنوي بالمُتيسر من التذكير و التقدير و التدبُّر، على قاعدة الإعتزاز بجهود الأهل، و من حولهم، و الإعتراف بأن قوة التنافس بين الخارجين من الحرب منتصرين و المتجهين لما كان منتظر من المعارك، جعلت منح هذا الإستقلال يمثل الحل الأنسب، و الذي يمثل استراحة المحارب قبل الدخول في القادم من المراحل، و إذا كان الأحياء من مجايلينا الذين كانوا في تلك الأيام لم يعوا الكثير مما يجري اللهم إلا صور و أسماء الأعلام الذين كان لهم من الأدوار ما حفظت الذاكرة سلباً أو إيجاباً و بالذات الأمم المتحدة و مندوبها و الوحدة التي لم تنتج سوى مجانية التخوين، عندما تيسر التمحيص الكافي لمعرفة الفارق المؤلم بين الكثير مما تردد من الأقوال، و اُقتُرِفَ من ردي الأفعال ممن ظلوا دوماً أكثر اقتصاداً في أحكامهم على مدى العقود التي تلت ذلك اليوم فامتلأت بهم الذاكرة تقديراً و التمست لمن دونهم معذرة، عندما كان الفقر على رأس ما فرض القبول بالكثير مما رؤيَّ مُجحفاً من الشروط المرافقة لذلك الإستقلال و ما جاء به من نظام إداري قيل حوله ما قيل و عجز الرافضون عن وقفه، ريثما أدرك أصحاب القرارعقمه فأتوا عليه بقوة ليسقط دونما رحمة و يجيء من كان أكثر قدرة على التعاطي مع المستجدات فتتوالى الأيام و السنون و يأتي الحادي و العشرون من نوفمبر بعد هذه السنين بلهَ العقود، فنعيش شبح الفقر من جديد، لا عن شُحٍ في الموارد أو نقص في الثروات، و لكنه الأدهى من ذلك و الأشد فتكا، ألا و هو العبث و النهب و حرمان الأغلبية من أبسط المطالب؛ فلقد ذهب الذين جاء معهم الإستقلال و من اِدّْعَىَ إصلاح ما أفسد رجال الإستقلال، و يحلّ ربيع عبث بعض من جاء بهم بكل شيء، فلا يبقى سوى المجتمع الدولي و هيئته "جمعية الأمم المتحدة" التي جاءت بالإستقلال ذات خريف بالحادي و العشرين من هذا الشهر قبل سبعين سنة خلت، و ليس من مطلب للأغلبية الساحقة من الليبين اليوم أكثر من الحصول على أبسط الحقوق اليومية و التي لا سبيل لها أكثر من خطوة واحدة هي تحديد سقف المصروفات و إلزام الممسكين بالقرار على توضيح ما يُوجَّه لهم من الإتهامات بشأن المال، فقد جاء الحادي و العشرون من نوفمبر قبل سبعين سنة بمولد أفقر دولة و يحلُّ اليوم بأغنى دولة يعيش فوقها أفقر شعب و تلك هي المفارقة الليبية غير المسبوقة و مستعصية الحل و التي يحملها نوفمبر اليوم. انتهى


____________________________




الحالة الليبية و مجاملات سلامة

أمين مازن

19-11-2019


يحاول المرء في أحيان كثيرة أن يعرض عن الإدانات المجانية المتعلقة بأداء السيد غسان سلامة في مهمته على رأس البعثة الأممية بليبيا و ما تحظى به من تزكية أكثر من طرف دولي تمثلت في التمديد له، لولا أن بعض تصريحاته التي لا تخلو من شخصنة، تفرض على المراقب المنشغل بالشأن الليبي أن يجاهر حولها بما يراه غير إيجابي، إن لم نقل موغلا في السلبية كما هو الحال فيما أدلى به من تصريح للإعلام الجزائري و هو يحل هناك و يتناول ما يتردد من الترتيبات المتعلقة بمؤتمر برلين المقرر انعقاده في الفترة القريبة، إذ يؤكد أكثر من متابع بأنه سيكون في أضيق نطاق و على أعلى درجات المسؤولية بالنظر إلى ما ينطوي عليه الموضوع الليبي من التعقيد، سواء من حيث المصالح المتضاربة بين الأطراف الرئيسة عن هذا الصراع، أو لما يغرق فيه توابعها الليبيون و غير الليبين من صغار الوكلاء من عبث بالمسؤولية، سلطةً كانت أم مالا، و هو توجه كان من المفروض أن يحظى بتثمين المندوب الدولي، على خلفية أن الجدوى لا تتحقق من خلال الكثرة، بقدر ما هي نتاج النوعية، بل إن تضييق الدائرة في مثل هذه الأمور كثيرا ما يكون الأنجع لضمان أفضل النتائج، و لا سيما حين يكون المدفوع به له من شواغله و صعوبة ظروفه ما يجعله أعجز عن تحقيق أي إضافة للتشخيص أو الحلول إذ مع كل التقدير و الفخر و الاعتزاز بالأُخُوَّة الجزائرية التونسية الليبية فليس لأي من الشقيقات الثلاثة أن تقدم أيها القليل أو الكثير من العون و ما ذلك إلا لأن كل شقيقة مشدودة لديها، إذ مع الاعتراف بسوء الأحوال الليبية المتمثلة في الحرب التي تدور رحاها في مناطق كثيرة و السباق المحموم بين الفرقاء لتقديم التنازل تلو التنازل إلا أن انتظار أي عون من تونس و هي على ماهي عليه من التناحر لتشكيل الحكومة و انتخاب رئيس لمجلس النواب فضلا عن المحكمة الإدارية و التي يرأسها قانوني مستقل أبعد ما يكون عن مناورات الساسة و تدابير الحزبيين، فضلا عن المشكل الاقتصادي و تجلياته في المشاريع المحتاجة للتمويل و سياسات التمكين التي مارستها حكومة الترويكا و ما أثقلته للجهاز الإداري التونسي من التعيينات الجديدة و غير المبرأة من اهتبال الفرص مما يجعل من هذه الشواغل ما لا يسمح لتونس بأي إسهام اللهم إلا النوايا الطيبة كما هو الحال للجزائر المنغمسة في استحقاقات الانتخاب الرئاسي و بالضرورة النيابي و مثله البلدي، و استمرار الاعتصامات المُصِرَّة على تصفية ما أبقت عهدة بوتفليقة و ما تركته من قوى متراصة و متمترسة في مواقعها و خياراتها و يخشى أن تؤدي إلى الاصطدام الذي لو لا قدر الله و حدث فلن يسلم من سوء عاقبته أحد، فأي مصلحة يمكن أن تتحقق من هذه المساهمة التي ينشدها لنا سلامة، حالة ما إذا قدر لبرلين أن تشهد المؤتمر المنتظر، اللهم إلا إذا كانت حسابات سلامة الخاصة أدت به إلى الدفع بهذا الطلب و لا شك أن المراقبين الليبين المسكونين بهموم وطنهم لن يظلموا السيد سلامة إذا ما خاطبوه و لو همسا بأن ما تحدث به في هذا الخصوص و هو يحل بالجزائر لا تزيد عن المجاملة التي فرضتها الضيافة أو تغطية لمسعى آخر فمازالت البقرة الليبية الواقعة على الأرض مغرية لمزيد السكاكين التي تجعل سلامة أكثر كرما و لكن بشئون ليبيا، فلابد له أن يعلم أن الحالة الليبية فوق المجاملات. انتهى


_____________________________



إذا صلصل البازي فلا ديك صارخ

أمين مازن

13-11-2019


انفردت مجلة نيويورك تايمز الأمريكية بنشر الخبر القائل بوجود مائتي مقاتل روسي يشاركون في الحرب التي تدور رحاها بالتراب الليبي واصفة إياهم بالمرتزقة التابعين لأشهر الشركات الروسية، ذات الصلة بالكرملين، و منهم من يقول أن مالكها شريك لبوتن، الجامع بين حكم روسيا و تصدر قائمة أغنيائها، كما يُنسَب إليها -أي الشركة- ما شهدته الحرب السورية من حسم عسكري غير مسبوق، فتعين على كل من يرقب الأعمال العسكرية في ليبيا بوعي أن يضعها في الإعتبار لما يمكن أن تؤول إليه الأمور، و الدور المنتظر لروسيا في الحلول الناجعة و الفاعلية الأمريكية المتوقعة، و بالأحرى المُرَجّحَة، باعتبار ليبيا من بين الدول التي ولدت بنهاية الحرب العالمية التي انتصر فيها الحلفاء الأربعة و حيل باستقلالها دون دخول الروس للشمال الأفريقي، و تم الإجهاز على نظامها في الربيع العربي و ذهاب سلطتها التي دامت أربعة عقود دون الاتحاد السوفيتي أول المستفيدين من ثرواتها و دورها جراء خطأ في الحساب الروسي دون شك، و لا مفر من إعادة النظر فيه خاصة و أن المرحلة تشهد نوعاً من إعادة التخريط و التقييم، الذي لن يغفل أهمية ليبيا الموقع و الثروة و المساحة، و بالجملة الجاهزية لتحقيق اسرع و أهم الأدوار، حتى أن أخطر الخبراء الأمريكيين و الفضائيات المجندة لتسريب ما لديهم لم تتردد أخيراً في التصريح بأن ترامب ذاته نُسِبَ إليه قوله بأنه لن يسمح لأوردغان أن يكرر في ليبيا ما قام به في سوريا و الذي لم يخرج عن الرأي الذي طالما أصرَّ عليه كل من يدرك جوهر الصراع الدولي ذلك الذي من أوكد سياساته حظر أي نفوذ دولي جديد يُعوِّل على نظريات القرون الوسطى و ما سادها من سلطة الآغَوات الأتراك و إن سمح لهم بالقيام ببعض الأنشطة العسكرية الوسيطة، مما يعني أن على أنصاف الوكلاء أن يخرجوا من أدوارهم المخجلة إزاء ترابهم الذي قد يبت فيه بواسطة لقاء برلين فيعرضون ،و لو من بعيد، القبول بأي حل قد يحتفظون فيه ببعض ما كسبوا لقاء السلامة، حتى لا يتسبب التشبث بخسارة كل شيء حيث الندم الذي لا جدوى منه، أجل، فلقد تحرك الكبار على ما يبدو و بقوة فليس لمن عداهم سوى انتظار ما سيتفقون عليه و قديما قيل "إذا صلصل البازي فلا ديك صارخ" انتهى


___________________________________




كاد المعلم أن يكون رسولا

أمين مازن

نُشِرَ يوم 31-10-2018


يواصل المعلمون اضرابهم الذي شاءت الأقدار أن يأتي متزامناً مع الثالث و العشرين من أكتوبر، الذي رأت الحكومة الإنتقالية أن تسميه يوم التحرير، باعتباره اليوم الذي وقف فيه المستشار مصطفى عبد الجليل، رئيس المجلس الإنتقالي، ببنغازي و خَرَّ ساجداً مرتين، قبل أن يلقي خطابه الذي وُصِفَ بخطاب التحرير، و جاءت على رأس أولوياته عبارة وقف القانون الذي يحضر تعدد الزوجات، باعتباره مخالفاً للشريعة الإسلامية، ليقف الناس حيارى، هل هم أمام قائد لثورة وطنية ستصلح ما فسد و تبني ما انهدم ؟، أم شيخ يلقي دروس الإرشاد و بالكاد يمكن أن يُعَيَّن ماذوناً شرعيا..!، كانت اللحظة مُحْبِطة إلى الحد الذي يتعذّر وصفه، و مع ذلك على الصعيد الشخصي في أن أُدَوِّن في معرض توديعه ما استطعت من عبارات التكريم و التقدير مما لن يكون كثيراً عليه كإنسانٍ و قاضٍ حسن السمعة، و وزير لم يُدَنَّس من السلطة. و يبقى هذا الإضراب الذي يصيب بدون شك جميع الآباء و الأمهات في الصميم، إلا أن المعلمين أيضاً و من الجنسين هم آباءٌ و أمهات، و لن يسلموا من أثر هذا الإضراب، تماماً مثلما لن يسلم من يعلون سلم التدريس من قرارات التأديب التي أمر بها وزير التعليم، الأكثر إمساكاً بالمال العام،والذي ذكر في معرض ردوده على ما وُجِّهَ إليه أو حرص أن يُوَجَّه إليه، الفارق الكبير بين الذين يمارسون مهنة التدريس في المدارس، و الرقم الأكبر مع الذين يتقاضون المرتبات و لا يُعرَف لهم مكان، فهذا الرد ليس جديداً على كل متابع للشأن العام و التعليم جزء منه، فقبل سقوط النظام السابق بسنواتٍ قليلة استلم حقيبة التعليم المرحوم عبد القادر البغدادي فاستحدث نظام التسكين مُحتكماً إلى من يُعَلِّم أو تُعَلِّم عملياً، فكان أن اصطدم مع الأغلبية القادرة و المؤثِرة، لأن ذويهم من المعلمين و المعلمات في الإحتياط ممن لم يوفروا شيئاً حول الرجل إلا و رموه به، و ما ذلك إلا لأن المصالح تضررت، و لأنها تضررت كان لا بد أن تُعَمَّم، و إذا كان الرجل قد اقترب من المناهج لتطويرها، كان لا بد أن يغادر غير مأسوف عليه سوى من القِلَّة، فالمجال مفيد للكبار مع أنه خُلِقَ للصغار و تلك مرحلة تحتمل التأجيل، و حتى التجاهل جرّاء ما تعج به صفحاتها من التفاصيل المؤلمة و المحرجة مما لا نشك أن الوزير يستشعر اليوم شيئاً منه، لولا أننا ندرك أن رواتب العاملين في التعليم جميعاً باستثناء الوزير و من في حكمه لا تساوي مرتباتهم شيئاً مقارنةً مع كتائب الثورة التي تنامت و بقيت ممسكة بأسلحتها على النحو الذي نعرفه جميعاً و صارت مع غيرها تمثل هذه الأعباء المالية و الأمنية و السياسية، التي تزيد على ما يطالب به المعلمون أضعافاً مضاعفة و ما أكثر الذين تُسَجّل أسماؤهم في قوائم الحضور دون أن يوجد لهم أي إسهام، أما إذا خطر لأيٍ كان أن يسأل عن الحضور و في مجال التعليم تحديداً فسيوصف بما لم يوصَف به غيره من أكبر الفُجَّار، الأمر الذي يدفعني أن أرفض لمن ينحدر من أروقة فيها علي الشنطة و ابنه صالح و سالم عبد النبي و غيرهم كثر، أن يتبنّى أو يقبل التصدي للمعلمين في رواتبهم التي لا تساوي شيئاً أمام الكتائب المزعومة، أما الوزراء و الوكلاء و المستشارون و النواب و مجلس الدولة و أعضاء الهيئة التأسيسية لإعداد الدستور، من فئة الخمسة عشر ألف دينار و ما يقترب من ضعفها و المزايا و المهمات و قل ما شئت عن جنة الله في أرضه، "فبراير"، فالله وحده العليم بما ينوبهم، إنها الحقائق التي لا تخفى على عثمان عبد الجليل الذي تظهره الشاشة مثالاً للأهلية و تفرض الظروف المحيطة أن يكون أكثر واقعية و إدراكاً لظروف المرحلة، و تدفعنا إلى الإنحياز للمعلمين في إضرابهم و مطالبتهم بتعديل رواتبهم فيما تفرض استحقاقات الذاكرة الوطنية أن نُحَيِّ و نذكر ذلك الجيل الذي حاول أن يصنع للمعلمين كياناً قبل أن يتحقق للبلد كيانها السياسي، تسعفني الذاكرة بأسماء سالم شيته، محمد أبو زيد الشريف، محمد دخيل، محمد الفرجاني، عبد العزيز الأبيض، طالب الرويعي، محمد الشريِّف و القائمة تطول من الأسماء التي كان لها حضورها بالنشاط النقابي و الذي لم يُفلح في تطوير أدائه الوطني على النحو المطلوب و من غير المناسب الخوض في تاريخه الآن، أما الإنحياز للمعلم إنطلاقاً من راتبه و شروط أدائه فهو أقل ما يمكن أن يُسهم فيه من يتخذ من هذه الفضاءات حديثاً له، و بالذات من استظهر أول ما استظهر قول الشاعر الشهير: كاد المعلم أن يكون رسولاً. انتهى


25-10-2019


______________________________




جيتك يا عبد المُعين تعينّي لقيتك يا عبد المعين تِنعان

أمين مازن

23-9-2019


قد لا يصعب على من يرقب الأحوال المغاربية هذه الأيام أن يقرر بكل الإطمئنان، أن معظم اللاعبين السياسيين بتونس و الجزائر و ليبيا تحديداً، يمارسون في مواقفهم تجاه بعضهم ما يُعرف بإلقاء البطاطس السخن عند الأكل، نحو فم الجار، لا فرق أن يكون ذلك جرّاء ما نعانيه نحن الليبيين من صراع محموم على المال، انطلاقاً من السلطة و السلاح و الإدّعاء الكاذب للديمقراطية و الدولة المدنية و قل ما شئت من العبارات التي لا يسأم ترديدها المتفقون على إطالة عمر مأساتنا، و ما تدرُّه عليهم من المكاسب، أو أشقائنا في الجزائر الذين لا يرون لإخفاء مأساتهم سوى الحديث المُعاد عن الحالة الليبية، و الإنشغال الدائم بها، ذلك الذي قد لا يعدم الصدقية، إلا أنه مُفتقِر لأي نصيب من المقدرة. أو العزيزة تونس التي لم تكد تنهي المعركة الأخيرة من انتخاباتها الرئاسية و البرلمانية حتى بدت كالمشجب الجيد لساستها أولاً، و المتصارعين في واقعنا البائس ثانياً، إذ بعد أن اتخذ أصحاب الصفات الإعتبارية و الممارسات العملية، ما رأوا فيه ما قد يزيد في رصيدهم عند فوز السيد قيس السعيد برئاسة تونس فهرولوا بلا استثناء لتهنئة القادم الجديد عندما فاجأهم فوزه الناتج عن اصطفافات الفيس بوك الذي صار منذ الحقبة الثانية من هذا القرن يُمثّل الأداة الأولى و الأقوى لتوحيد المواقف الرافضة، ليس فقط للحكام التقليديين بل و أيضاً للذين لم يكونوا في مستوى نتائج صناديق الإقتراع، فسعوا إلى تمديدها و توظيفها لمن يهمه أمره و يشغلهم أمر فائدته فكانت مواجهتهم بحزم شبه خيالي، ما لبث أن شرعن إزاحتهم و تصحيح المسيرة من بعدهم، و لو بشبح البندقية حين تبين ألا مفرّ منها لوقف التيارات المتطرفة و المرتهنة للآخر غير العربي ملتمسة منه المدد مناصرةً له على الأدنى في رابعة النهار، الأمر الذي أوجد قوة جديدة ما زال تأثيرها يتمظهر، إن يكن فوز قيس السعيد قد مثل هذه المرة نقطة تحوّل في تونس، إلا أنه قد يكون له ذات التأثير حالة الإحتياج إليه، فلن يبق قيس السعيد على هيئة شيخ قبيلة يقول لمن حوله ما قال القدامى بصدد العدالة و لكنه المحتاج إلى تحقيق التوازن المطلوب لتشكيل حكومة إئتلافية، من مجلس نيابي صرَّحَ فيه من طال الأغلبية النسبية، أنه لن يتعاون مع من يتلوه مباشرة في عدد النواب، بحجة ما تردد عن الفساد المالي و ما استدعى حبس زعيمه المرشح للرئاسة نبيل القروي، ما أثار الكثير من اللغط حول مسارها، و مثلها معركة النواب، و رد فعل هذا الأخير برفض التعاون لما قيل و يُقال حول جريمة جريمة اغتيال شكري بلعيد و محمد البراهمي، التي حدثت إثناء حكم الترويكا و رئاسة علي العريَّض للحكومة و إلى جانب ذلك رئاسة هذا المجلس الجديد و المحتاجة للتوافق مما يعني أن المهرولين لتونس لن يضفروا بشيء و أن حديث قيس السعيد عن ليبيا سابق لأوانه و هو المستقل الذي لا تقف حوله أي كتلة و لن تتحقق هذه الكتلة إلا بما ينال من استقلاله و يخضعه لإكراهات السلطة، و إن كان المقطع الذي بُثَّ حول رأيه في مسألة التسوية في الميراث و تركها لرب الأسرة و كذا الفئات العمرية التي صوتت له قد يعني أن الذين تظاهروا بتأييده في تونس قبل انتهاء المعركة ليسو بمنأى عن المناورة، كما أن المهرولين الليبيين أشد بؤساً، و عود على بدء، فلا يصعب على من يرقب الأحوال المغاربية أن يقرر بكل اطمئنان حول ما يجري عندنا في ليبيا و غربنا في تونس و الجزائر، أن ما يصدق حولنا بحق هو ذلك القول القديم "جيتك يا عبد المعين تعيني لقيتك يا عبد المعين تِنعان". انتهى



____________________________




سنة أخرى لغسان سلامة

أمين مازن

11-10-2019


مددت الجمعية العامة للأمم المتحدة لبعثتها المُكلفة بالدعم سنة أخرى تنتهي في مثل هذه الأيام من العام القادم و ضمن سلسلة من الإجتماعات التي شملت مجلس الأمن في عمومه، و آخر اقتصر على الدول دائمة العضوية، و الأخرة المنهمكة في الشأن الليبي، و اختُتِمَ بدعوة المتقاتلين إلى وقف إطلاق النار، دون أي قيد أو شرط كما و لم يحضره أي طرف ليبي فتبين أن مسألة الشرعية التي يدعيها البعض لم يعد لها وجود اللهم إلا حين يُراد منها أن تُشرعن مصلحة أكبر و التزاماً أخطر، فلاحَ بصيص أمل بأن مثل هذه النظرة قد تحرك الضمير الأنساني لهذه القوى الدولية لأن يكون موقفها أكثر حزماً تجاه من لوحظ عليه الإصرار على تسخير هذه الوضعية للإنتفاع الخاص بالإنفراد بسلطة القرار و إساءة استغلاله في التبذير غير المسبوق للمال العام و تجليات ذلك في التوسّع غير المسبوق أيضاً في المجال الدِبلوماسي و ما اتسم به من تفريط غير قليل في شروط الأهلية من حيث الإحتراف و استخفاف بالتوازن بين المكونات الجغرافية إن لم نقل الجهوية و هي ملاحظة لا تصدر عن مبدأ تَبَنٍّ لمبدأ التحاصص كما قد يدفع المستفيدون ممن لا يرون في تَبَنِّي التفكير الوحدوي إلا من خلال ما يُتيحه لهم من الإستحواذ على النصيب الأكبر من الكعكة الليبية سواء في الداخل و الخارج، ليس فقط من حيث الكم و إنما على مستوى النوعية، خاصةً و أن الفُسيفُساء الليبية تُثبت انتشارالكفاءات الوطنية في ربوع الوطن كاملا، إن لم يكن من حيث المؤهلات و حسب، فمن خلال الخبرة التي يمكن وصفها بالعالية و التي حاولت بعض الأطراف المتنفذة و هي تستحوذ على القرار إقصاءها دافعة بقانون العزل السياسي المعيب و الذي حيل دون الفصل في الطعن الذي رُفِعَ بشأنه إلى المحكمة العليا بقوة السلاح، تماماً مثلما أُكرِهَ المؤتمر الوطني العام على سَنِّهِ، مما لم يصمت إزاءه عديد المراقبين لما أنذر به من انحراف عن سوء السبيل مما لبث أن ظهرت عواقبه و التي أتت أُكلها في ما أدت إليه من اللجوء إلى السلاح في هذه الحقبة للمرة الثالثة على نحوٍ جعل الخروج من أهوالها و وقف خسائرها تمثل لدى الأغلبية الساحقة أُمنية الأماني و البشارة الأعظم التي تفوق كل البشائر. و من الواضح أن هذه الوضعية على رأس ما دفع عديد العقلاء إلى مقابلة تمديد مهمة سلامة بشيء من الإرتياح خشية أن يترتب على استبداله التمديد في زمن المحنة و أن عدم التجديد مستقبلاً يجعله أكثر حرصاً على الإنجاز و أن ما توفر لديه من الخبرة و المعرفة و سعة الإطلاع و كذا الظروف الدولية و الداخلية لن تجعله عاجزاً على مكاشفة الفاعلين الدوليين الحقيقيين بأولويات ما تعانيه الأغلبية الساحقة من الليبيين من سوء الأحوال من قوم احتكروا القرار إن لم نقل اغتصبوه، فعبثوا بالمال العام و ضربوا المثل الذي لا يُضاهى في التَحَيِّز و التبذير و خدمة المحاسيب على كل المستويات، مما لا مخرج منه بدون قرار تفصيلي يحدد السقف لكل المصاريف و يلغي جميع القرارات المالية العبثية في الداخل و الخارج، فلسنا في حاجة إلى تمثيل خارجي يزيد على درجة قنصل يخدم الناس في حدود العدد الكافي من الجالية و ليس لدينا ما نقدم للدول العظمى و لا المنظمات الدولية، فهم أولاً أعلم بأحوالنا و نحن بحكم الإنقسام لم نعد في حاجة إلى صوت يتحدث بِإسمنا و لا شاشات يَطَلُّ بها من لا همّ لهم سوى الأناقة في الزي و الإرتباك في الصوت و مجانية التهم بلا حساب، إن بتوزيع صكوك الغفران أو شهادات الوطنية، و ليس أمام السيد سلامة سوى التخلّي عن عباراته التي كثيراً ما رددها من أن إصلاح حال الليبيين يبدأ منهم أولا، إذ لو كان الأمر كذلك لما جيئ به و من سبقه و ربما من سيلحقه، و يكفي قوله أن العالم يعرف عن الليبيين أكثر مما يعرفون عن أنفسهم، و عسى الله أن يبارك هذا التمديد و يجعله أكثر جدوى لما يتطلّع إليه العموم من صلاح الحال و المال. انتهى


_____________________________



خذ كلام مبكيينك

أمين مازن

30-9-2019


دعا الوزراء المشاركون في الدورة الأخيرة للجمعية العامة للأمم المتحدة المتقاتلين على التراب الليبي، إلى المسارعة بوقف إطلاق النار، ليتم لاحقاً الجلوس إلى طاولة المفاوضات، دعوة جات خالية من أي شروط مسبقة، و على حقيقة استحالة الإعتماد على الحرب لحل المشكلة الليبية، و هي دعوة بدت أكثر واقعية، كما أن الكثير مما رافقها من الكلمات التي شارك بها بعض المنخرطين في الصراع، على الرغم مما أثارته من الحساسية، جاءت هي الأخرى أكثر ملامسة لحقيقة المشكلة، أما ما أُلقِيَّ من طرف السلطة المُعترف بها، فإن ما حمله من عبارات الإدانة و بعيداً عن مبدأ الرفض أو القبول، فقد حملت من حيث تقصد أو لا تقصد، الإعتراف بنسبة الشراكة و حق التفاوض، كي لا يُحتكم إلى السلاح مرة أخرى، عند الإحساس بالغبن، فكل اكتفاء بتوصيف الواقع دون اجتثاث ما يتفشّى فيه من التجاوز، لن يكون له من نتيجة سوى الذهاب إلى أخذ الحق باليد و الذي بلغ أقصى درجاته في الأشهر الأخيرة، بعد أن ظل الكثير من كبار الممسكين بالقرار المالي و غير المالي حيث هم، على الرغم من أن اتفاق الصخيرات كان مبنياً على شعار التوازن بين مكونات الكيان الليبي الذي جاء به الإستقلال، و أعاد ملامحه أكثر من ترتيب بدءً من تشكيل المؤتمر الوطني العام و مجلس الوزراء، و أخيراً الجمعية المختصة بوضع الدستور، حين شُكِّلَت بالتساوي بين الأقاليم الرئيسة لولا أن برناردينو ليون قد عبث به، و حاول سلامة أن يصححه دون جدوى، إلا أنه ظل يؤكد باستمرار أن الصراع في ليبيا على المال، و ليس من سبيل إلى المال دون التوازن في توزيع المواقع و ما لها من علاقة بالقرار المتعلق بالثروة من حيث هي موارد تُجنى و مداخيل تُستَثمَر، و مشاريع تُوزَّع و سياسات تُراقِب، و قبل ذلك تُشرِّع كل ضمان لحسن تسييرها، يعني قطع الطريق على كل تصرف سيئ ينتج عنه تراكم الغضب الذي لا نهاية له أكثر من اللجوء إلى العنف، و ما يؤدي إليه من وخيم العواقب، و لما كنا طوال السنوات التي تلت السابع عشر من فبراير لم نسمع سوى مُرَّ الشكوى المتعلق بسوء الأداء في مجال الثروة و ما دأب عليه بصفة خاصة كبار مالكي القرار الذين لم يكتفوا بسوء التصرُّف، بل و أضافوا إليه الإستحفاف بجميع الأجهزة. لقد كان ضرورياً أن يكون موضوع توزيع الثروة على رأس الأولويات الجديرة بالبحث عند التحضير لأي تسوية يُراد بها إنهاء حالة الإقتتال من ناحية، و عدم العودة إليه مرة أخرى، و ما من سبيل أمامنا سوى الإصغاء و التحمُّل، و قديماً قيل  "خوذ كلام مبكيِّينَّك و اترك كلام مضحكينَّك". انتتهى 


_____________________________




الأُسدُ تَزأَرُ في الحَديدِ وَلَن تَرى, في السِجنِ ضِرغاماً بَكى اِستِحياءَ

أمين مازن

27-9-2019


أقفلت الدوائر الحكومية و ما في حكمها على نحو معلن أبوابها يوم السادس عشر من سبتمبر، الذي يوافق استشهاد المناضل الوطني الخالد السيد عمر المختار، عندما أعدمه الفاشيون الإيطاليون شنقاً في مثل ذلك اليوم من العام الثاني و الثلاثين من القرن الماضي و أعلنوا بمناسبته عن انتهاء المقاومة الليبية، فيما اتخذ منه المهاجرون بالقاهرة و بعض الوطنيين العرب المتعاطفين معهم مناسبة للتنديد بالإحتلال الإيطالي و فظيع جرائمه في تجمع رعاه الأمير عمر طوسون، و شارك فيه أمير الشعراء أحمد شوقي بقصيدته الهمزية الخالدة، و عمدَ آخرون إلى توظيف اسم الشهيد الكبير للدّس ،على الأقل بالمبالغة، لأكثر من رمزٍ من رموز الأسرة السنوسية و في مقدمتهم الأمير إدريس المقيم في ذلك المهجر، عبر الكتاب الذي صدر عن عمر المختار، حاملاً اسم المؤلف أحمد محمود و فُهِمَ في حينه أنه استعارة من المؤلف الحقيقي الشيخ الطاهر الزاوي المتقاطع مع بعض الخيارات السنوسية و المُسنَد من المختلفين مع إدريس و أشهرهم السيد عبد الرحمن عزام المرتبط بالحركة الوطنية الليبية، ذلك الإرتباط الذي رآى فيه أكثر من مراقب دليلاً على ما لدى ذلك السياسي من تطلّع لدور لا يخلو من طموح شخصي بقيت آثاره إلى ما بعد نيل البلد استقلالها، كما أثار الكتاب حمية الكثير من المهاجرين و المتعلمين تحديداً، فكان لهم أكثر من ردٍ مكتوبٍ أبلى فيه أمثال الأخضر العيساوي و محمد عبد الملك البلاء الحسن، إنها الفترة التي لم ينسها السيد إدريس من ناحية ولم يتجاوزها الزاوي عقب سبتمبر 69 من ناحية أخرى، عندما أعاد نشر الكتاب حاملاً اسمه الصريح دون أن يخفف مما رؤيَّ في من التحامل ما كان أجدره بتجاوزه، و قد احتلت مناسبة إعدام المختار مكانتها في التاريخ المعاصر عقب قيام دولة الإستقلال عندما اعتُمِدَت عطلة رسمية، إلا أن الدولة المذكورة و منذ استقلال برقة الذاتي حظرت إطلاق اسم الشهيد على الجمعية التي ترعرعت على يد المناضل الوطني الكبير الأستاذ مصطفى بن عامر فسمُّيت بالجمعية الوطنية بدل عمر المختار و نُسِبت المعارضة إلى أسرة الشهيد، أما نظام الفاتح من سبتمبر فقد موَّلَ الفيلم الذي حمل اسم المختار و أخرجه المخرج الكبير مصطفى العقاد، بل و زادت من الإستثمار فأضافت باعتبار السادس و العشرين من سبتمبر يوماً للحداد و ذلك بالرغم أن البلدين أبرما إتفاقية جديدة للصداقة و اعتذر فيها علناً رئيس الوزراء بيرلسكوني حضره نجل الشهيد عمر المختار و شمله الإعتذار، الأمر الذي لم نغفله من التناول في ما تيسّر الإسهام به صحفياً و أُعيدَ إدراجه هنا أملاً في التوجه نحو المستقبل و عدم تضييع الوقت في اجترار الماضي فكان في إقدام الحكومة الإنتقالية عشية إعلانها جدول العطلات الرسمية عقب السابع عشر من فبراير 2011 وإطلاق يوم الشهيد على عطلة السادس عشر من سبتمبر، خطوة واضحة الدلالة على الإستفادة مما تنشر الصحافة و المواقع الألكترونية بين الحين و الآخر من آراء ترمي إلى طي صفحة الماضي و التوجه الجدِّي نحو المستقبل و ما يفرضه من التوجه نحو البناء و الحد قدر الإمكان من الإجترار الممل، فكان ضرورياً أن يتم التوقف أمام هذه الخلفيات مجتمعة لما في ذلك من الحرص على الإستفادة من الوقت و إجابيات التاريخ و الحرص على إنفاق الوقت في ما يفيد الحاضر و يؤسس للمستقبل و يسعى إلى تطويره و تحسين أدائه، فتعيَّن علينا أن نعيد إلى الذاكرة الوطنية و ما ننتظره من التوقف أمام أحداثها و الحيّز الذي شغلته و الدلالة التي يُحسن القادرون استنباطها من وراء ذلك و بالأخص ما أقدم عليه الكاتب الكبير عبد الله القويري حين دشن مشاركاته المبكرة بإصدار عمله المسرحي الرائد "عمر المختار"، و ما بذله من الجهد الملحوظ في سبيل إبراز الجوانب الإنسانية في شخصية المختار ليثبت و هو العائد من المهجر وأحد أبناء الأُسر التي أسهمت في معارك الجهاد أن التخلص من النزعة الثأرية في الكتابة الأدبية الجديدة على رأس ما ينبغي أن يُراعيه كل مبدع ذي نزعة وطنية عصرية شأن ذلك الأديب الذي طالما جُوبِهَ بما لا حصر له من سوء الفهم المتعمد كما ذُكِرَ في أكثر من أثر سيروي تركه و أودعه شيئاً من تجربته و خيبات أمله فكان ذلك العمل أول محاولة جادة للخروج بشخصية المختار نحو أفاق أكثر إنسانية، الأمر الذي لم تستوعبه الذائقة المتكونة على النزعة الثأرية و الممتلئة بردود الأفعال، فضلاً عن الأخرة المشوهة بسوء الظن و رصيد الحسابات المعلقة التي يعزُّ عليها ظهور أي تأليف جاد يعوِّل مبدعه على التذكير بالجوانب الإنسانية التي تنجح في منح شخصية البطل صفة الرمز عن جدارة، فتراها تخلط بين الصدق الخَبَري المرتبط بالواقعة، و الفني القائم على المخيلة، تلك التي أفلح في تحقيق الكثير منها أمير الشعراء شوقي في همزيته المختصة بالشهيد المختار، مما يجعل من اختيار الحكومة الإنتقالية لذكرى الشهيد الخالد كي يكون يوماً للشهيد اختيار في محله، لما يحمله الإسم و بالأحرى الموقف من الرمزية، فضلاً لما في العمر من الوقار، فتكون وقفتنا هذه من أجل قوافل الشهداء التي ما تزال تتوالى، طوال الحقب التاريخية، و بالذات الذين تلقّوا الموت واقفين كيفما كانت اختياراتهم، فاستحقوا البطولة عن جدارة، ليبوء جلّادوهم من ثم بالخزي و الحقارة، حين صدق فيهم بيت شوقي بهذه القصيدة الذي يستحق بكل الثقة نعته ببيت القصيد، أو قصيدة البيت، فحق علينا أن نترنّم في موكب الشهداء و شيخهم بكل الإجلال و الإكبار
الأُسد تزأر في الحديد و لن ترى ** في القيد ضرغاماً بكى استحياء. انتهى


__________________________________




لِنَعِش بالتمنّي عل الأقل

أمين مازن

21-9-2018


مدد مجلس الأمن الدولي في جلسته المنعقدة بتاريخ الثالث عشر من سبتمبر مهمة البعثة التي يرأسها السيد غسان سلامة و مساعدته ستيفاني وليامز لسنة أخرى تنتهي في مثل هذا التاريخ بالسنة القادمة، محدداً عدداً من الأولويات التي حظّت على التوزيع العادل للثروة و إخضاع المؤسسات المصرفية و النفطية و الإستثمارية للمراجعة، و التحضير للعملية الإنتخابية المتعلقة برئاسة الدولة و سلطتها التشريعية، و القبول بنتائجها، في الوقت الذي يلاحظ القاصي و الداني أن لا صوت يعلو على صوت الرصاص و القنابل و القذائف و التي سادتها أخيراً الطائرات المُسيّرَة و تبادل الهجمات على الأماكن التي تنطلق منها، و الأطراف التي تتولى التزويد بها، بقطع النظر عن حجم الإعتراف بذلك، و حمل مسئوليته صراحة، مما يعني بكل الوضوح أن ما يُنسَب إلى المجتمع الدولي بصدد مسئولية الليبيين عن معالجة واقعهم قبل غيرهم، ليس أكثر من محاولة مكشوفة من هذه الأطراف لإخفاء ما تستشعره من المسئولية، لوقف هذا الخطر الماحق، الذي أفقد الليبيين و لا سيما الضعفاء منهم الأمل في أي مستوى من مستويات العيش الكريم الذي طال في الآونة الأخيرة رغيف الخبز، بعد أن التهم حليب الأطفال و التزامات دراستهم، و الضروري من علاجهم، و كسائهم، كما تشهد مجموعات المتسكعين من الذكور و الإناث في جميع شوارع المدن و القرى، طالبين الإحسان و ليس خلفهم سوى أكوام القمامة، إلى جانب أحدث السيارات التي يمتطيها المحظوظون و المحظوظات من الذين هَبِّت رياح سعادتهم في التمشيط أولاً و التخصيص ثانيا، فلم يعودوا يقبلون ما سواء وسائل النقل مدفوعة الثمن بمائات آلاف الدنانير شاملة ما لاحصر له من الحاشية المؤلفة من الأبناء و الأصهار و المساعدين و بالكاد بعض العاملين في السلك الحكومي مما بحَّت عن التنديد به حناجر القائمين بالمراجعة على ما يعتري بعض أدائهم من تنديد الذين طالما رأوا فيها ما يكيل بأكثر من مكيال، فغدا وفق هذه المفارقة غير جدير بما ينبغي له من الإهتمام و الحاجة المُلِحَّة للتوضيح أو التصحيح أو الإعتذار مما يتوجب معه حالة وجود النية الحقيقية لدى المجتمع الدولي لإنقاذ العامة من الليبيين من هذا المستنقع الذي انحصرت آثاره السيئة فيهم وحدهم أن يُصار إلى اتخاذ جملة من الخطوات الحاسمة التي تخرج بما قيل عن مجرد التمنيات إلى الصيغ الفعلية التي تجتثّ البؤس من جذوره، و ذلك بتحديد مخرجات تنفيذية تبدأ من التوزيع العادل للثروة بوضع أسقف للصرف من حيث قيمة البنود و طرائق التصرُّف و ضمان النزاهة بما يضع حداً للتبذير و سوء استغلال الحرية و السيادة و ما إلى ذلك من الشعارات التي لم تكن أكثر من مبرر لإدمان المظالم و التحيُّز و الطلاق الدائم للضمير، في كل ما يتعلّق بشئون الناس، مالياً و سياسياً و أمنيا، مما يجعل من التدخل المُتوقَع سبيلاً لتحقيق التوازن، و وضع حد لكل من يتخذ من الشهرة لابتلاع كل من لا شهرة له، فيُحال أولاً دون استئثار بعض الأطراف بجميع مصادر القرار لما في الإستئثارمن الإستفزاز، ما بالك و الإستئثار يقابله حديث عن انعدام الأمانة و صمت من جانب من يعنيهم الأمر تجاه ما يُنسَب إليهم من فادح المخالفات و رديء التجاوزات، و بذات القدر الإسراع بتعديل ما يجب تعديله حول مسودة الدستور المُعيبة، و بالأحرى العدول عنها بتعديل الإعلان الدستوري للذهاب إلى العملية الإنتخابية المُنتظرَة و معالجة مشكلة الإنقسام المُرْبِك بترتيب بديل يستفيد من البدايات الأولى للدولة الليبية و التعاطي مع النفوذ الدولي الذي رافق تلك المرحلة و حكم الكثير من سياساتها و عالج مشكلة فقرها و هو توجُّه لن يُحرج الجانب الأمريكي ممثلاً في المساعدة المحترمة من القيام بدور أكثر حزماً في فوضى انتشار السلاح، و ما تناقلته الدوائر المأذونة حول الفساد المالي، المرتبط بعديد المسئولين الليبيين و ما يبذلونه من مساعي محمومة نحو مجموعات الضغط الأمريكي أملاً في كسب تأييدها و الذي لا سبيل إليه مع هذا النهم المخجل تجاه المال العام و السلطة المُسخَّرة بالكامل لسيء الإستغلال، مما يجعل من التمديد للبعثة الأممية لسنة قادمة ما يُبقي على شيء من الأمل نحو خطوة أكثر جدوى من مخاطر البداية الجديدة لو لم يتم التمديد، فسنة مع ضئيل الأمل أفضل بدون شك من سنة ليس فيها سوى شر البداية و التي لا عائد منها و لا مردود لها، و لا مُنقذ سوى تجميد التعامل الدولي مع السلطة الليبية خارج الحدود، توفيراً للمال العام الذي يُنفَق في المهام على نحوٍ صار حديث جميع المراقبين من ناحية، و زاد من فرص استمرار الإنقسام الهدام من ناحية أخرى، فبات من أوكد واجبات كل ذي رأي مسموع أن يرفع عقيرته مُتبنّياً مثل هذه الدعوة، و التي لم نجد مفرّاً من التصريح بها، عشية التمديد لمهمة البعثة الدولية مرفقينها بخالص الترحيب، بعيداً عن أي دافع خاص، اللهم إلا كونها الأقل ضراراً لما تعانيه بلادنا و هي تتجرّع أمرّ كؤوس الآلام من أبنائها المتسابقين على الإضرار بها معتقدين إمكانية التنصّل ريثما يُفاجأوا ذات يوم بأنهم في الدرك الأسفل و كل ما يُنبئ بانعدام الأمل و لِنَعِش بالتمنّي على الأقل. انتهى


_____________________________




يظل الأمل أكبر من الألم

أمين مازن

13-9-2019


تُطرَح مدينة غدامس، مرة أخرى مكاناً لإنعقاد مجلس النواب الليبيين، كمحاولة من المحاولات الرامية إلى إسقاط حُجَّة العاملين على الحيلولة دون تمكين هذا الجسم المُنتَخَب من أداء مهمته، بحُجج أقنع العاملون عليها أنفسهم، و لم يُقِرُّهم عليها سواهم، و كانت غدامس هذه قد طُرِحَت عقب إكراه السيد علي زيدان على مغادرة البلاد، ليكون مساعده السيد عبد الله الثني، رئيساً مؤقتاً لفترة حُددت في أسبوعين؛ و في جلسة بغدامس ما لبث السيد الثني أن زج فيها بفكرة مقاومة الإرهاب، فأدرك المراقبون بوعي، أن الرجل قد جاء ليبقى، ما دام قد جعل من مشمولاته، و هو المكلف لمدة أسبوعين، محاربة الإرهاب..!، و قد صدق التوقع حين بقى وحده و وجد في الإنفاق عن طريق الإقتراض ما جنّبه الكثير من المصاعب، و في ممارسة حكومة الوفاق لمهامها دون ثقة مجلس النواب ما برر لرئيسها ما شاء من التصرّف المساوي لسابقه " و ما فيش حد خير من حد" كما هو التعبير الشعبي، و تبقى غدامس و الحالة هذه المكان الأنسب لتلمّس البداية الأكثر جدية قبل أن يُعَمّل الثني ذكاءه و يبقى مجلس النواب على علّاته و على وُجِّهَ ما إليه من سهام النقد، و ما اعترى أداءه من فادح الأخطاء و لا سيما تكرار رئيسه لعبارة "السطّاشر ألف دينار لا تساوي شي" إلى جانب الصمت المُتعمّد عن ملاحظات ديوان المحاسبة و هو أقرب الأجسام إلى الحد الأدنى من الأهلية، عسى أن يوجَد عن طريقه، و بتوجيه المجتمع الدولي، و قوي ضغطه، و وضوح اتفاقه، ما قد يُفضي إلى الخروج بنا من هذا النفق المظلم و الذي استشرَت فيه هذه الفوضى المدمرة و تبعثرت داخله هذه الإمكانيات، ما هيأ له أسباب التخريب المجاني كي يتجه أين يريد و كيف يريد و متى يريد، و ما ذلك إلا لأن الممسكين بزمام الأمور ليس لهم من هم سوى الإيقاع بخصمهم، و ما دام هذا الخصم شعاره الأول و الأخير "عليَّ و على أعدائي"، ذلك التقليد الذي ساد الحياة الليبية منذ الحقبة الأخيرة من عمر النظام الملكي و الذي شهد أكبر الأضرار التي حاقت به من أهله و على يد أكبرهم قدراً كما تذكر الوثائق الأجنبية، كتلك التي أجاد جمعها و تعريبها و التعليق عليها في تجرُّد ملحوظ و موضوعية لافتة، الدكتور المقريف، في مؤلفه التاريخي الشامل للمرحلة كمرجعية لا نظير لها في الصدق و التوكيد بأن إنهاء النظام الملكي ليس مفاجأة و أن الوريث لم يكن فرداً بل فريقاً كاملاً و ينتهي كاملا.
لا عجب على كل حال من العودة إلى فكرة اجتماع النواب في مدينة غدامس تحديدا، فهي من حيث الموقع الجغرافي و التكوين السكاني، و في خضم ما يشهده واقعنا من صراع محموم و على أكثر من صعيد، تمثل المكان الأنسب لإلتئام هذا المكون الجمعي الذي تكالبت على إفشال دوره الأنواء، و عصفت بأدائه المطامع و المناورات و الإصرار الوقح على الإستئثار بكل شيء، و لو ضاع في سبيل ذلك كل شيء، فبات ممكناً أن ينتظم هناك لقاءً لا مكان فيه للإستقواء و لا حرج فيه من المكاشفة، ليدرك كلٌ حجمه الطبيعي و حقه الشرعي، على ضوء المتوفر من المعلومات و المتيسر من شروط التفاهم، على خلفية أن الواقع لا يحتاج سوى سلطة إدارية واحدة تقابلها تشريعية رقابية واحدة أيضا، محصورة المهام محدودة الزمان، لا تتجاوز الضروري للتسيير، و لا حق لها في أي إلتزامات جديدة، و من منطلق حق الجميع في الخدمة و المساهمة في مساحة تمثل كل المكونات الشعبية و الجغرافية و الطبيعية، و ما أجدر الوسيط الدولي و مساعدته ليتبنى هذا التوجه المتمثل في اجتماعٍ لمجلس النواب، بأعضائه كافة، و ممثلي أوروبا من ذوي العلاقة، فضلاً عن أمريكا بالطبع، ليُفضي الجميع بما لديهم من رؤية و تصور، و ما عليهم للعلاج، مع التحذير الصادق و الصريح حول النواقص و التجاوزات و الغَمْط المتعمد للحقوق، و أخيراً إدراك البديل الأسوأ، إن وُجِدَ ما هو أسوأ من الآن؛ و من يدري فربما تكون غدامس هي الموعودة بهذه الفرصة التي قد تكون الأخيرة، إذ الجنوب هو الأجدر بالجمع من حيث الموقع، و غدامس أهم مدنه من حيث البشر، أما إذا اتسع الأمل لتنظاف سرت في اتجاه الشمال و بالأحرى الوسط و الموقع على البحر، ما يضاعف من إيجابية هذا التوجه بصدد غدامس و سابقتها التي و إن تأخرت جرّاء بوادر الإنقسام، فقد تتزامن مع بوادر الإلتئام في مطلع عام هجري قد يُغَاث فيه الليبيون بعد يأس و يتوحدون بعد فُرقة، و آخر ميلادي لم يبقى منه سوى الربع، لتحلّ حقبة ثالثة و تمضي سابقة حملت من الهموم ما لا تطيق الجبال.. و يظل الأمل أكبر من الألم و أقدر على طرد اليأس و استشعار الهزيمة. انتهى


_____________________________





هذا الوطن أبقى و غيرهُ إلى زوال

أمين مازن

5-9-2019


توقف عديد المراقبين السياسيين من وطنيين و أجانب أمام عدد المجاهرين بإحياء ليلة الفاتح من سبتمبر في ذكراها الخمسين و هم يخرجون أفراداً و جماعات في أكثر من مدينة و قرية، في وسط البلاد و جنوبها و شرقها، لما في هذا الموقف من عميق الدلالات و قوي الرسائل، ليس بالنسبة للقائمين بها فحسب، و إنما للمتعاطين معها أيضا، فقد أكدت الأنباء المسربة و المتابعة الأمنية الملحوظة، ما حرص عليه الكثير من هؤلاء لإظهار الدليل القوي على التمكين للمواطنين كي يعبّروا عن مشاعرهم دون أي ضغط أو مضايقة، فثبت من خلال ذلك ما يتوفرون عليه من الجدارة بحمل أي مسئولية قيادية في المرحلة المنتظرة و التي من أوكد شروط أهليتها بدون شك، الإحترام الواضح لخيارات الناس و إعطائهم الفرص للتعبير عمَّا يشاؤون في كنف الأمن و موفور الإحترام، فثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن ما دأب على المناداة به البعض من تطبيق العزل السياسي المدمر و ما حرصوا عليه من عدم السماح للقضاء العالي كي ينطق بحكمه في الخصوص، قد أصبح في الماضي، و أن ما أوصى به الرئيس الأمريكي باراك أوباما منذ الأيام الأولى لانتفاضة فبراير من وجوب الإستفادة من الكفاءات التي حواها كادر العهد السابق في مقدمة الأولويات، شأنها شأن المصالحة الوطنية التي لم يعطها بعض الذين تصدروا المشهد عن غير جدارة أهميتها، ما أفرغ الإنتفاضة من أي مضمون وطني حقيقي جرّاء تسابقهم المحموم على ما لا حصر لهم من أوجه الإستفادات المباشرة لهم أولا، و أبنائهم ثانيا، و بقية أصهارهم و أقاربهم ثالثاً و رابعاً و خامسا. فقد تكفل التعويض عن سنوات السجن بما لا يُتخيل من الأموال و غض النظر عمّا سبق للعهد الراحل من تسديده باعتباره كأن لم يكن إذا لم يكن إساءة لا بد أن تُرَد مضاعفة مما جعل من تراكم ذلك كله، و ليس للتخفيف من أثره سوى هذا الإحتفاء اللافت و المستفز و الخالي من أي تدبُّر مسئول أو مراجعة واعية تفرض مقاومة الحاضر السيئ دون نسيان ما لا يقل سوء، لكن هذا لا يمكن أن يُطلَب لا سيما من العامة التي يُمضّها غياب الكهرباء و انقطاع المياه و عدم وجود السيولة النقدية في المصارف إن لأصحاب الرواتب أو من لهم بعض المدخرات البسيطة و لا نقول الكثيرة، لأن لهؤلاء طرقهم و منهم من لم يتركها لرحمة هذه المصارف و بالذات التي اخترعت المرابحة الإسلامية حيث يستطيع المحظوظ أن يشتري سيارة أو ما في حكمها من السلع المعمرة ليبيعها لاحقاً فيتغلب على مشكلته النقدية، أما المضطر الذي كان اعتماده على بعض الآراء التي اعتبرت الربا المُحرَّم هو ذلك الذي شاع تاريخياً في التعامل بين الأفراد فعليه أن يصبر ليؤجَر و الأخرة خيرٌ و أبقى.
و المهم أن ازدياد عدد المجاهرين بإحياء ذكرى سبتمبر ليس من باب الحنين إلى الماضي لأجل الماضي، و إنما لازدياد نقص الحاجة و ازدياد حجم المخالفة و الوقاحة في الإثراء و عدم الإعتبار للناس و لو بالكلمة الطيبة، و بالتالي فسيكون مغرقاً في الخيال كل من يحاول تجيير هذه المجاهرة اللافتة لإمكانية تنزيه عديد الرموز القديمة مما سُجِّلَ عليها من الأخطاء، سواء تلك التي اقترفت ما اقترفت بأخر أيام العهد الملكي أو عهد سبتمبر و بالذات التي استفادت من العهدين و تحاول أن تتصدر المشهد من بوابة سبتمبر بحيث لا يُترك أي مجال أمام الذين بقوا "رغم أهليتهم العلمية الإجتماعية" بمنآى عن أي مشاركة مسئولة، سواء لتعففهم أو لإصرار الوصوليين على ابعادهم، إذ في حال وجود أي مراجعة مسئولة أو مصالحة جادة فإن من أوكد الواجبات البحث عن بدائل جديدة تتوفر فيها الكفاءة و التوازن و الحذر من التحيز وعدم المراعاة و الإخلال بمبدأ تكافؤ الفرص و حق الجميع في خيرات الوطن الوفيرة و مساحته الكبيرة، فهو الأبقى أبداً و العظيم أبدا، و ما عداه فإلى زوال و أي زوال. انتهى

_______________________________





المصلحة الأمريكية فوق الأمكنة و قبل الأسماء

أمين مازن

30-8-2019


بثت الفضائيات الليبية، و غير الليبية، و ضمن ما تبثه من أخبار تخصنا مباشرة أو مشاركة، قيام السفير الأمريكي الجديد بتقديم أوراق اعتماده إلى الوزير المُرَشَّح للخارجية محمد سيالة، في مبنى السفارة الليبية بتونس، فأثار عديد التساؤلات المتعلقة بالبروتوكول، على قاعدة العُرف الذي يستوجب أن يكون مكان المهمة بالبلاد من ناحية، و على أعلى المستويات من ناحية أخرى، إلا أن هذه التساؤلات و غيرها كثير لم يصرف أنظار المراقبين لما يجري بنظرة أبعد، و الوصول إلى دلالة أكبر، فقد بات واضحاً أن الولايات المتحدة التي تركت منصب السفير شاغراً منذ حادثة الهجوم المسلح في بنغازي، و من ثم رحيل ديبورا عن طريق البر إلى تونس، دون أن يسمع الناس مجرد صوت لفرقعات لعب الأطفال، فتأكد أن العين الأمريكية "الحمرا" كما يقول العامة، حين تنظر لن ينبس أحد ببنت شفة، و من هنا لم يحدث ما حدث دون التنبه القادر على وضع حد لأي قراءة خاطئة أو ترك مجال للقيل و القال، إذ أكد السفير الجديد حرصه على التواصل مع الأطراف كافة، و ربما ليكون واضحاً أن المقصود هو المكان و ليس الأفراد، أي أ، المكان لليبيا البلد و ليس من يسير الأمور فيه، فقد ألحت المصلحة الأمريكية على البت في شغور السفارة و بالأحرى سفيرها و ما يقتضيه الموقف عادةً على تمثيل الولايات المتحدة و هي تُسهم في ما يُبحَث حول ليبيا من تدابير بدرجة سفير ليس أقل، و من هنا لم تتوقف كثيراً أمام المكان و لا درجة المسئول الليبي، أو صفته، و لا حتى شرعيته، فما دام اتفاق الصخيرات هو الذي يمثل المرجعية، فإن أي تعديل بشأنه و إلى حد الآن قد يطال الأسماء و على أي مستوى من المستويات، خاصة و أن المتغيرات التي حدثت بعدنا و أنهت من كان قريباً منا في الشمولية "بشير السودان" عوض منصبه بالمجلس السيادي، و بمشاركة بين العسكريين و المدنيين، في إشارة إلى أن مبدأ الإقصاء لم يعد له قبول في أي ترتيبات تتعلق بتركة الشموليين في شيء من التوافق الذي لا مكان فيه للمغالبة أو المفاضلة، و إنما التكامل أو التجانس هو أفضل ما يُحتكم إليه بالفترات الإنتقالية تحديداً، كي لا تُساس الأمور من قوم لا هَمَّ لهم سوى التفكير في أسهل الطرق و أقربها للإنقضاض على شركائهم و إزاحتهم من الحياة بعد الكراسي..!! و من دون أن يُجرى بصددهم أي تحقيق يعلم الناس.
و عندما تأتي هذه الخطوة بعد سلسلة من المقابلات التلفزيونية التي أجريت مع أكثر من خبير و خبيرة أمريكية، حول ليبيا و أزمتها، و ملامح حلّها و مواصفات من يمكن أن ترجح كفته الإدارة الأمريكية و رئيسها ترامب تحديدا، و وسط تأكيدات بأن ليبيا قد صارت من جديد ضمن الأولويات الأمريكية و في أكثر من لقاء جمع بين كبار مسئولي هذه الإدارة و دول الجوار، فإن الذي يحتاج إليه المتصدرون للمشهد هو الإستيعاب الكافي للدرس سواء بالنسبة للديمقراطيين الذين شهدوا نهاية الحكم السابق و إشارة كلينتون الشهيرة و هي تحل ببنغازي فتؤكد نهاية القذافي موتاً أو سجناً و ليس لها و لرئيسها أوباما سوى ما يُنتظر من الفوضى أو المتغير الذي بدأت ملامحه في السنة الثالثة من عمر الإدارة الجمهورية و التركيز على السلطة القوية، فيكون واضحاً أن الإقصاء لم يعد له من مكان، و التطرف هو الآخر ليس له مكان أيضا، أما تعريف ذلك كله فهو ما تختص به الإدارة الأمريكية دون غيرها، فقد اختارت المكان في تونس، لضرورات جغرافية ربما و لما تشهده كذلك من صراع يمكن البت فيه متزامناً مع الحالة الليبية، و على أي حال من الإتساع و التشابك الكفيلة بإدخال أي شريك، اللهم إلا من تساوره أحلام إعادة الإستعمار القديم أو الخلافة و ما في حكمها أو التعويل على سلطة الإعلام الزائف و لا سيما الذي عوَّلَ على قضية العرب الأولى، و اتضح في النهاية حجم الخسارة التي فاق بها كل سابقيه، و ليس أدل على ذلك من السيد عزمي بشارة الذي اختفى كما لو لم يكن له وجود في أي يوم من الأيام، ربما لأنه حدد لإسمه مردوداً مادياً فكان لا بد أن يختفي لمجرد استيفائه لمردوده، و تبقى المصلحة الأمريكية فوق الأمكنة و الأسماء. انتهى


__________________________________





اشتَدِّي أزمَةُ تَنفَرِجي

أمين مازن

24-8-2019


تتسابق الكتائب الإعلامية كوجه آخر لنظيراتها المسلحة، على ترديد أنباء قرب الحسم العسكري، لما يشهده وطننا من حربٍ ضروس، و على نحوٍ خاص بغرب البلاد و جنوبها، حتى يتخيل للمتلقي الطيِّب، أن المدافع ،و التي لم توفر نيرانها شيئاً إلا دمرته، توشك أن تصمت و ربما حلّقت به طيابته إلى آفاق لا حدود لها من السعادة و نسيان ما حاقَ بنا من الشرور و عظائم الأمور، فكل لحظة من لحظات الهناء تحلُّ بالناس بعد طول الشقاء، تمتلك من القدرة الكفيلة بمحو ماسبقها، لا يدرك أثرها سوى من ذاق حلاوة الأيام بعد مرارتها، لولا أن هذا التسابق ليس له من عائد سوى المزيد من القلق و المزيد من اضطراب الرؤية، و الإرتهان لهذا الكم الهائل من ازدياد الحيرة، و العجز عن اتخاذ أي موقف سليم، و يُستَثنى من ذلك بالطبع كل من أدرك قوة ارتباط ما يحتدم عندنا من صراع محموم بنظائر أخرى له في أنحاء مختلفة من العالم، سبق أن نُعِتَت بمناطق النفوذ أو المجال الحيوي المُكتسَب عن الوفاق الدولي، و الإتفاقات المرتبطة بالحروب و تسوياتها على الأرض، و تجليات ذلك في دعم الكثير من الكيانات التي خضعت لأكثر من نفوذ، و ذلك منذ المدى الزمني الذي حدده المؤرخون بالقرن الماضي و ما قبله بقليل و المنعوت بتصفية تركة الرجل المريض ،أي الحُكم التركي، الذي بقى حتى تلك الأيام، عندما عرف العالم اتفاق سايكس بيكو "بريطانيا و فرنسا"، بالنسبة للحرب الكونية الأولى، و اتفاق يالطا بالنسبة للحرب الكونية الثانية، و أخيراً مرحلة ما بعد تصفية المنظومة الشيوعية، و ظهور التطرف الديني كوريث للخطورة و مجال جديد للإستقطاب و إشعال المعارك الكفيلة بشرعنة كل تدخل مسلح لوقف الخطر المزعوم، و تحديد المواصفات الكافية لإنطباق صفة الخطر و نوعية الحرب المناسبة له لدرء مخاطره، تلك التي بلغنا أوجها في بروز أسامة بن لادن في معرض حرب أفغانستان الأولى الرامية إلى إخراج الروس بدعم أمريكي ليتطور لاحقاً إلى مقاومتهم بقاعدته التي استقطبت من أفلحت في استقطابه، و يمتد الهجوم إلى إمبراطورية المال الأمريكية ليعم الوطن العربي عامةً و يراهن أخيراً على الشمال الأفريقي و لا سيما حيث المساحة الشاسعة و الموارد الكثيرة، و الموقع الأفضل للهجوم أولاً و القِلَّة العددية ثانياً. و لئن كان المتابع لا يملك اليوم إلا أن يضحك ملء شدقيه و هو يستمع إلى فرسان هذه الكتائب الإعلامية المُسَخّرة لأكثر من طرف و على نحوٍ كثيراً ما كان ساذجاً، بل و مخجلا أمام عجز الأطراف الرئيسة بمجلس الأمن عن إصدار قرار بشأن الحرب و اعتبار ذلك نوعاً من الإنحياز و ليس لأن المصالح الأكبر حالت دون ذلك، و كذلك حين يراهم يعلنون المعارضة لأي قرار يتعلق بالوقف مع أن الوفود تجوب الآفاق استنجاداً و ليس سعياً، لما في هذا المسلك من عجز عن إدراك ما يسود العصر من سرعة انتقال المعلومة و تداخل المصالح التي لا مجال معها لإخفاء الحقيقة و لا سيما من حيث الثوابت التي لم تعد تحتمل الجدل، كعدم السماح لأي قوة جديدة بالوجود العسكري على الأراضي الليبية لغير المنتصرين في الحرب العالمية الثانية، و من باب أولى شواطئها و ما يمكن أن تهدد به حاملات الطائرات العملاقة التي افتَكّت دور القواعد التي جاءت بها المعاهدات ذات يوم، عندما أفقدتها استراتيجيتها باستثناء التدريب، و أنهت دور الدول الوطنية من الأساس، حتى أن السفير الأمريكي الجديد شوهِدَ على الشاشات يباشر تقديم أوراق اعتماده بالعاصمة التونسية..! ليطرح علامة استفهام غير مسبوقة فيما نزعم، اللهم إلا إذا عُدنا إلى القول الخالد "من ليبيا يأتي الجديد" التي نطق بها الذين وُجِدوا على هذه الأرض ذات يوم و لم نُقِم أي علاقة مع تاريخهم و ما تركوه من آثار و لم نعد نرى حرجاً في هدمها إلى الحد الذي يرى فيه الآخر أكبر المستمسكات المُبَرِّرَة لتكرار ما قد حلَّ بنا قبل مائة عام من تخريب و تقاتل و فوضى دفعت الشمال إلى التحرك، أما هذه المرة فأغلب الظن أن الشمال و الجنوب من الداخل و الخارج سيشتركون في ذلك التحرّك المحتمل، فإذا ما انتابنا اليوم أو بعضنا بالأصح، شيء من اضطراب الرؤية و وُلِدَ شيئاً من القلق و الحيرة أو الخوف، فليس من مخرج سوى المزيد من الصبر و الأمل و لو بترديد "المنفرجة" الشهيرة التي أعادها لذاكرتنا و وجداننا منذ سنوات، الفنان الراحل حسن عريبي، فأشاعت لدينا الكير من الإرتياح كلما رددنا معه: اشتَدِّي أزمَةُ تَنفَرِجي قَد آذَنَ لَيلُكِ بِالبَلَجِ


_______________________________




إذا عُرِفَ السبب بَطُلَ العجب

أمين مازن

نُشِرَ يوم 15-8-2019


لم يُخف الكثير من متصدري المشهد الليبي العام، و المنخرطين في تسيير دواليبه، و الضافرين بموفور عائده، شديد امتعاضهم، مما حوته الإحاطة الدورية الأخيرة التي قدمها الوسيط الدولي غسان سلامة، و حدد فيها شيئاً من المسئولية حول بعض ما رآه يدخل في عداد الجرائم، فاعتبروا ذلك تحيُّزا، و منهم من ذهب إلى القول بلفت نظره ! الأمر الذي أثار أكثر من سؤال، حول مثل هذا النوع من الأخبار و ما تحمله من الجدوى تجاه ما يجري بالبلاد، و لا سيما الذين يعلمون ما رافق الخطوات التي اتُبِعَت بإبرام اتفاق الصخيرات، و الخروج به من مشروع حل للمشكل الليبي و جمع الأشتات المكونة له، إلى سوق للأسهم التجارية التي تنخفض و تعلو طبقاً لحجم الطاعة، و قوة الولاء و أدائه لإتاحة أوسع الفرص للعبث بالمال العام، و التكالب على تمكين المحاسيب و مرتزقة الإعلام، أولئك الذين أزكمت روائح فسادهم أنوف ألاف الليبيين، الذين تعج بهم كبريات المدن التي يحيون فيها على ما دون الكفاف، بينما يشاهدون في أفخر أحياء هذه المدن العقار تلو العقار الذي يملكه هذا العَلَم الليبي أو ذاك، سواء يُبقى عليه مؤمناً و شاغراً للوقت المناسب، او مُستَثمراً من طرف قريبٍ أو حبيب، أو ذي نعمة من النعم، تلك التي ما كان لهم أن ينالوها لو لم يضربوا أسوأ الأمثال، في عدم الإكتراث بما يدأب على تقديمه ديوان المحاسبة من أقسى التقارير حول سوء الأداء و انعدام الأمانة، و إدمان أخزى المخالفات في رابعة النهار، ناسين أو مُتناسين أنها ستكون في مقدمة ما سيستشهد به أي طرف دولي يُبيت أو يُسهم أو يبني إعمال القرار الدولي المتعلق بحماية المدنيين، بصدد ما يكابده الليبيون من سوء الخدمات الصحية و التعليمية و كل الضروريات، حيث لا يوجد شيء سوى فوضى السلاح و الخيالي من المشاريع التي تُثير سخرية كل عاقل و لم تجلب المنصات الإعلامية المؤجَرة للتبشير بها سوى استفزاز الأغلبية و الإستعداد للترحيب بأي تدخُّل دولي، و حسبُكَ أن البلد الذي تتحول فيه القمامة إلى ما يشبه العمارات العالية في أشهر المدن و يتحدث الإعلام الرسمي فيه على متو الأنفاق..!!
و إذا كان هذا الإمتعاض الذي جاهر به البعض من متصدري المشهد الليبي الرسمي، و المنخرطين في تسيير دواليبه، مما حوته الإحاطة الأخيرة للوسيط الدولي، قد أعقبه التمديد له من جديد، و ليس كما قدَّرَ هؤلاء الممتعضون، فتبين أن حسابات المجتمع الدولي تختلف كل الإختلاف عن ما نشهده من المغالطة، فإن السواد الأعظم من أبناء شعبنا الجريح، بل و المستباح من هذا التغول الذي أتى على الأخضر و اليابس و الذي بات العالم يعرف عنه أكثر مما يعرف الليبيون أنفسهم، كما ذكر سلامة في معرض رده على ما تفوه به بعض منتقديه ممن يعرف هو قبل غيره حجم مضارهم و مخجل مخالفاتهم التي فاقت المحصي و الواصف و القارئ و المستمع، لِما أمعنوا فيه من الإستفادة و استمراء الخطأ و الإصرار على المبادرة الدائمة بالشكوى، أملاً في إخفاء الحقيقة و قديماً قيل إذا عُرِفَ السبب بَطُلَ العجب. انتهى
1-8-2019

___________________________





السلطة القوية لليبيا بين الإملاء و الضرورة المحلية

أمين مازن

نُشر يوم 3-8-2019


رفع مجلس الأمن جلسته التي التأمت في التاسع و العشرين من يوليو 2019 دون إصدار أي قرار حول موضوع الإجتماع، ألا و هو الحرب التي تدور رحاها بليبيا عامة و طرابلس على وجه التحديد، و التي وصلت حتى الآن مائة من الأيام، و التأم بشأنها أكثر من اجتماع، و قدَّمَ الوسيط الدولي غسان سلامة أكثر من إحاطة. و قد كان المؤمّل عند أول اجتماع أن يشمل قرار وقف إطلاق النار المطلوب، انسحاب القوات التي اُعتُبِرَت غازية، وفقاً لرؤية أحد الأطراف و مساعيه، و إذ تعذّرَ ذلك استبعد امر الإنسحاب و اكتفى بوقف الإقتتال، و كان أن تعذّرَ ذلك هو الآخر، فبدا واضحاً أن القوى الأكبر ما تزال بعيدة عن الإتفاق سواء حول ليبيا كما ترى القراءات شبه المتسرّعة، أو لقوة الترابط بين بؤر الصراع، و قوة تأثيرها في بعضها البعض، على قاعدة أن العالم ليس أكثر من رُقعة شطرنج و أن اللاعبين جميعاً لهم دورهم المحدد، و إن اختلف بين البيدق و من يعلوه، و أن جغرافيته تختلف أيضا، بين أرض تجمع بين اليورانيوم النفيس و الذهب بنوعيه الأسود و الأصفر، و موقع على الشمال و الجنوب مع ندرة سكانية و إلى حدٍ ما نوعيته لا تخلو من إغراء بإمكانية الوصول إلى السلمي من الحلول، و التي كلما تحققت فاض خيرها على المحيط الجغرافي القريب و البعيد، و أخرى مُفتقدة لذلك كله، و إذا كان رفع المجلس لجلسته هذه من دون قرار قد أثار مشاعر الطرفين، فلا شك أن المراقب الأكثر اعتداداً بنظرته، و الأشد ثقة بنتائج تقييمه يستطيع أن يتفاءل بإمكانية حلحلة الأمر، على ضوء ما ظهر من كلمات بعض المندوبين و الدبلوماسيين و التي أشّرَت إلى أن جميعهم قد حسم أمره و حدد موقفه ،بما ينسجم مع مصلحته بدون شك، و خير دليل على صحة هذه القراءة ما جاء على لسان المندوب البريطاني و كذا السفير السابق من نفي لما تردد في غير ما مرةعن الإنحياز البريطاني لطرف من أطراف الصراع، إنطلاقاً من رؤية تاريخية حرصت الإمبراطورية العجوز أن تنفرد بها خلافاً للأوروبيين كافة حين أدركت أهمية الموروث فعَنَّ لها أن تستثمره نحو ما يعمّق الفُرقة و يأذن بإمكانية الحصول على الأذرع المؤثرة و القادرة على تأدية المطلوب، بدون توجيهات مهنية أو تعليمات مباشرة و مُحرجة في الغالب، و على نحو أوضح جاء الموقف الأمريكي بصدد ما يعتبرونه إرهابا، و أكثر من ذلك الروس و ما في توكيدهم حول نقل بعض المتطرفين من سوريا إلى ليبيا ما يخرق حقيقة وقوفهم على مسافة واحدة من الجميع، كما أن إلقاء تبعة ما شهدناه من خراب على حلف الناتو و إمكانية الإقدام على عمل منفرد، ليس خارجه الدفع بطرفٍ محدد إلى الساحة، فيتأكد أكثر من أي وقتٍ مضى أن التوجه إلى الحل السياسي على قاعدة أن كل قتال نهايته الجلوس إلى التفاوض و أن ما نتج عن اتفاق الصخيرات من إحساس بالخسارة و الإستئثار بكل شيء لا يعني قفل باب الحوار بما يُحَسِّن الشروط و يراعي الإستحقاقات المتعلقة بالثروة و الخدمات و المواقع و التي طالما أجمع الشركاء أنها قد جُيِّرَت بواسطة الوسيط الدولي برناردينو ليون، ما جعل القرار دوماً "مركزي" و غير مُبرّأ من الإنحياز، فيتأكد اليوم أكثر من أي وقتٍ مضى،أن كل حديث عن السلام لن يكون صادقاً ما لم تسبقه خطوات فاعلة بشأن المؤسسة المصرفية و النفطية و الرقابية و الدبلوماسية، بما ينهي الإنفراد بها و الدفع لأن تكون أكثر نزاهة في تكافؤ الفرص و توسيع الشراكة و ضمان حق المواطنة، فالبلد الذي يزخر بما لا حصر له من الكفاءات لا يمكن أن يسوغ فيه أن ينفرد طيف بعينه في التصرُّف بشئونه و واسع فرصه، و البلد الذي يعرف الناس فيه بعضهم البعض، يستحيل على أيٍ كان إخفاء ما يمارسه من عبث بالمسئولية، و احتكام للعاطفة و الضعف أمام مغريات التمكين، و البلد الذي ضرب الرقم القياسي في رفع مرتبات الوزراء و النواب و من في حكمهم و يسعى بعضهم أي النواب إلى إدخال المكافآت ضمن حقوق التقاعد ما لم يسبق له أن طُرِحَ و الذي يزيد فيه عدد المستشارين في بعض المؤسسات على المستخدمين ممن لا يعرف أحد عمَّاذا يُسْتَشارون و ماذا يُدونون، لا يمكن لأحد أن يتقبّل ما يُقال فيه من خوف على الديمقراطية المزعومة و التي لم ينتج عنها سوى مزيداً من النهب، كما تحدث الوسيط الدولي أكثر من مرة و كما ندعوه أن يُضَمِّن ذلك في إحاطاته. و تبقى التحركات الألمانية المريبة مع بعض البلديات، حول استضافة ألاف المهاجرين، و ترغيبهم لذلك بأكثر من مُحفِّز، حين لا يهمّهم على ما يبدو الوضع الديموغرافي الذي نبَّهَ إليه بعض الناشطين الإعلاميين و ما يُنذِر به من مخاطر، و الذي يذكرنا بفكرة التغلغل السلمي الذي انتهجها في أوائل القرن الماضي الإستعمار الإيطالي، الأمر الذي يؤكد أن الأخذ بفكرة الدفع نحو السلطة القوية قد يبدو نوعاً من الإختيار العالمي، و قد لا يكون للرأي الوطني ،إن وجد و كان وطنياً بحق، أي تأثير يُذكر بصدد انتهاجه، فليبيا كانت و ما تزال و ربما ستبقى غير قادرة على تجاوز هذا الخيار و قد يكون الإبقاء عليها ككيان موحد، و بلد ذي دور، لا سبيل إليه دون هذا الخيار المُستَفِز بعد أن أفلح الإنتهازيون في تحويل الإجهاز على الإستبداد إلى حالة من الفوضى ،غير المسبوقة، بل و لا المُتخيَّلة مجرد التخيل، فضلاً عن مشاهدتهالابالعين و لمسها باليد و العجز عن فعل أي شيء تجاهها، و لن يتعذّر على كل من يجيد القراءة أن يدرك حقيقة السلطة القوية لليبيا و ما إذا كانت بدافع الإملاء الدولي أم الضرورة المحلية. انتهى
30-7-2019


_____________________________




مستعفيا إن شئت أو معزولا

أمين مازن

30-7-2019


كشفت الولايات المتحدة عن رؤيتها القائلة بفشل الوسيط الدولي غسان سلامة في أداء مهمته المكلف بها من الأمم المتحدة على رأس البعثة المقيمة في ليبيا، و التي تداول على رئاستها عدد من مشاهير الديبلوماسيين، طالما اختيروا من أكثر من جنسية، كان آخرهم هذا السياسي المثقف، اعتقد أكثر من مراقب أنه سيكون أفضل أداء من سابقيه، و لا سيما بعد أن أنيطت مسئولية مساعده الأول الديبلوماسية الأمريكية ستيفاني ويليامز، و قد جاءت هذه الرؤية المتعلقة بفشل السيد غسان على لسان أبرز المختصين بالشأن الليبي، في البيت الأبيض، و في البرنامج الحواري الذي تنشطه متلفزا الإعلامية داليا العقيدي، من أمريكا لتمرر بواسطته، كما يؤكد أكثر من مراقب، رغبات أمريكا أو بعض مخططاتها، على الرغم من أن أصعب ما يخيل للمرء بأنه قد فهمه، هو ماذا تريد أمريكا و بالأحرى ما تخطط أمريكا له، فما أكثر ما دفعت أنظاراً بعينها نحو شأن من الشئون و اكتشفوا في النهاية أن ما خَمّنوه مجرد وهم، و أن ما اعتبروه مفاجئا هو المقصود من البداية، إلا أن فن الإخراج، و الذي يمثل جانبا تنفيذيا مهما في السياسة الأمريكية، قد فرض هذه الصيغة، لقد حدد المختص الأمريكي على نحو لا لبس فيه و لا غموض، أن سبب فشل غسان سلامة بدءً من تخليه عن بعض مسئولياته لغيره كالسفير الإيطالي و الفرنسي، عندما تمكنا من عقد أكثر من اجتماع أو مؤتمر كان من المفروض أن تتولاه البعثة الدولية، إذ من هذا التخلي أو التساهل أمكن لكليهما أن يحققان ما يطمحان إليه بأريحية كاملة، إذ ما من بلد يتاح له أن يستضيف على أرضه عددا من الناس كيفما كانت صفاتهم إلا و يكون لأهل الأرض حقهم الأدبي و لو في حده الأدنى، أما و أن الأمر يتعلق بدولتين من دول حلف الناتو صاحب الدور الحاسم في إسقاط النظام السابق، و استغلال الموقف الدولي في غير محله فمن أين للمندوب الدولي ،أي مندوب، أن ينال أكثر مما يُراد له أن يناله حين يكون ذلك مناقضاً لما تطمح الدولة راعية اللقاء بل من أين لمثل هذا اللقاء أن يعقد ما لم تكن مخرجاته مضمونة سلفا، أما إذا أخذنا في الاعتبار الوضعية الخاصة بالسيد غسان شخصيا كأحد سياسي لبنان الذين بلغوا ما بلغوا لبنانيا عن طريق اتفاق الطائف الذي أوقف الحرب الأهلية في لبنان منذ سنوات بمساع أوروبية ليست بالبسيطة و كان لفرنسا الدولة التي منحت لبنان استقلاله و ضمنت في أحيان كثيرة سلامته و ايطاليا حيث الفاتيكان و سلطته الروحية و حدبه غير المنكور على المكون المسيحي، فليس له أي غسان إلا أن يراعي هذه الاعتبارات حرصا على وجوده الشخصي أولا و السياسي ثانيا، إذ لولا لبنان ما جاء لليبيا و إن كان لكلٍ وقته..، كل ذلك دون أن نغفل أن ما تحرص عليه وسائل الإعلام و بالأحرى الكثير منها على ما تنظمه من حوارات، ليس أكثر من مقدمات للآتي من التحولات المنتظرة بخصوص السياسة و الاقتصاد إن جازت التفرقة أو الترتيب في الأسبقية و التأثير و التأثر، و أخيراً التنبيه إلى ما يُنتظر من جديد في السياسة الأمريكية و بالذات حول ليبيا حيث تؤكد أكثر من قرينة أن هذه المنطقة لم تكن يوماً خارج المركزي من اهتمامها و إن رأت صرف النظر بعض الوقت، و ما على غسان سلامة إلا أن يبادر بتدبّر أمره و حزم حقائبه لأن الفشل استفحل خطره و ذاع سره و عندئذ لن يعدم من الليبين من يصرخ في وجهه و على رؤوس الأشهاد مُرددا بيت أحمد شوقي الشهير في حق اللورد كرومر:


ارحل بحول الله جل صنيعه
مستعفيا إن شئت أو معزولا.


___________________________




26 يوليو و رحلة التصريح و التلميحِ

أمين مازن

27-7-2019


أدركني السادس و العشرون من يوليو لهذا العام و أنا بين عدد من الأبناء و الحفدة و الأحياء من الأخوة، و خلف الذين ملأوا فراغهم من الراحلين فحقت عليهم عبارة خير الخلف لخير سلف، و الحمد لله على نعمائه فكان لا معدى من استدعاء ذلك اليوم في صورته الأولى التي ارتسمت في العام الثاني و الخمسين من القرن الماضي، الذي أعلن في آخر مسائه أحد الأجهزة الإذاعية الثلاثة الموجودة بالبلدة البيان القاضي بتنازل الملك المصري فاروق الأول عن عرش مصر، لولي عهده أحمد فؤاد الثاني، مع مراسم توديعه من ميناء الإسكندرية، على الباخرة المحروسة، حيث أدى قائد الحركة اللواء نجيب التحية العسكرية التي أصرَّ عليها الملك المُكرَه على المغادرة، و أفلح في تحقيقها السياسي المستقل علي ماهر باشا، رئيس الوزراء مع حضور ملحوظ للسفير الأمريكي كافري، جاء لفت النظر هذا من خلال التكرار للخبر و قدرة الليل على التأثير بالذاكرة الجاهزة للاحتفاظ بكل جديد يحدث و ما يرافقه من التفاصيل، كان المنتسبون للتعليم يعيشون مشاعر الإحباط إزاء الدولة المستقلة التي لم يمض على انبعاثها سوى أشهر معدودة بدأت بإجراء الانتخابات النيابية التي جرت لصالح أقارب كبير المتصرفين، و تدخلاته السافرة و غير المهذبة مما جعل الفرحة بما جرى بمصر عارمة و مؤثرة كما لو كانت مصر ستحل كل ما رأينا فيه القصور عما كنا نتمنى أو نؤمل، و قد سارت الأحداث بعدئذ كما أرادت الأقدار لها أن تسير، و لحقنا منها ما لحقنا و تعاطينا بما تيسر مما لا مجال للحديث عنه الآن، إلا أن مرور ذلك اليوم في أيامنا هذه بمكاننا هذا لما يثير لدى المرء ما لا حصر له من الذكريات، إن يكن بقاء بيت شيخنا على العربي فضاءً مفتوحاً لتعذُّر إعادة تشييده في سنوات النشاط العمراني فلا شك أن إقدام أبناء الحاج أحمد على إعادة بناء بيتهم انطلاقا من أن الشريط الجنوبي لا يدخل ضمن ما تنطبق عليه صفة الآثار ليبقى مبنى آل بنكة، أو العُمدة كما هو المصطلح الشائع علامة دالة على أشهر الملتقيات في ذلك الواقع الصغير الذي كان له من التأثير في رحلة الوعي لي شخصيا ما شكّلَ الأساس القوي للتعاطي مع الكثير من المستجدات الناتجة عن مواصلة التحصيل و تعدد التعاطي و حسن الاستفادة و الإفادة فتجدنا في أكثر من موقف نسترشد بما تزودنا به من الأهل و نحن نستعد لخوض تلك الرحلة التي لم تعد اليوم قصيرة او فقيرة من الشواهد و الذكريات، التي مثّلت و تمثل من طريف الأحداث و عديد المواقف، ما لا يتسع المجال للخوض فيه الآن، و نرى من السادس و العشرين من يوليو ما يفجر الكثير منها لولا أن الموقف الآن هو موقف إكراهات الصدفة التي املاها الحضور غير المفتعل و لا المُرتَّب أيضا بالنسبة للتوقيت بقدر ما هو الاستجابة لما تفرضه الالتزامات التي طالما هيأت للمرء أن يكون لدى ذويه مُطاعاً و لكنها مع الزمن تفرض عليه دوما ان يسلك المسلك المعاكس على قاعدة ان كل ما أخذ ذات مرة قد لا يوجد العذر الكافي للتنصل من إعطائه مرة أخرى، فيطول الحضور المؤقت حتى السادس و العشرين من يوليو فيكون الخريف أكثر قربا إلا أن يوليو الذي برز معه اسم نجيب و خلده بعض شباب تلك الأيام فسموا عليه أبناءهم، ما لبثوا أن أحجموا عندما فاجأهم خلاف المُتحلّقين خلفه ليقصوه و يدفعوا بعبد الناصر فيكون في ذلك الخلاف ما يدفع نحو مزيد من التحفظ فلا يسمى جمال إلا عقب وحدة مصر و سوريا و تبقى الذكريات خير ما يذكر بالمواقف و يدفع إلى الوعي و إلى الترميز حين يكون الترميز أبلغ من التوضيح، و يبقى يوم 26 يوليو أقل حظا من إعلام تلك العهود لاقترانه بمحمد نجيب كقائد و صوت السادات الذي قرأ البيان أما تأميم القناة و نظافة يد بطل القناة فقد حمل من الشفرات ما فاق ما عداه، و بالذات عندما صعب التصريح و وجدت السلامة في التلميح و لن يبقى من الخيارات سوى ما هو قوي و متوازن و صحيح. انتهى

_______________________________




ليس برياح صواريخ روسيا ما لا تتمنى سفن أمريكا

أمين مازن

23-7-2019


حققت روسيا بوتن لتركيا اوردغان رغبة الأخيرة في تسليح جيشها بالمنظومة الصاروخية، التي كانت الولايات المتحدة الأمريكية قد امتنعت عن بيعها لتركيا بحجة أن الأتراك قد خالفوا شروط البيع المتضمنة حصر استعمال السلاح الأمريكي في الدفاع عن الأرض التركية و ليس مهاجمة الأكراد في سوريا و العراق، و كان الكثيرون شككوا في إمكانية المضي نحو إتمام الصفقة، على خلفية أن الامتناع الأمريكي لن يصل منتهاه، و يحدث التراجع الأمريكي، تعويلا على ما لتركيا من الأهمية في حلف الناتو و بالأحرى قواتها المسلحة بما للجيش التركي من العدد و العدة و القدرة القتالية، كما أن روسيا خبرت أكثر من مرة نوعية العناد التركي، قد تجد من الكوابح ما يعيدها لجادة الصواب، خاصة أن العلاقات الروسية الأمريكية تشهد حالة غير مسبوقة من الانسجام و الحرص على التعاون و تفادي أى مشكل من أشكال التقاطع بَله الحرص على جيد التعاون، إن يكن الموقف من الإرهاب الدولي و التصميم على مقاومته، قد مثل عنوانه الظاهر، فلا شك أن قوة التنافس مع التنين الصيني و ما أفلح في تحقيقه من إمكانيات الضغط على الطرفين و لاسيما التنسيق مع المارد الأوروبي، الذي لا يعرف أحد متى و كيف تتجلى آثار سياساته، أفريقياً و آسيويا، و ما يؤكد حقيقة أنه قد مَثّلَ القطب الثالث بلا منازع، حتى أن المكر البريطاني بما درج عليه من مراعاة الوريث الأمريكي، و تحسس رغباته، مخطئا في الحساب و قرار الخروج من التجمع الأمريكي، لاح في الأفق من المصاعب ما أكد التراجع البريطاني المشار إليه، فبدا أنه لو خرج فسيخرج خالي الوفاض فلا هو بالعنب المحمول فوق الحنطور، و لا هو الحنطور الذي دونه خرط القتاد كما يقول المثل العربي المعروف بحق من يدفعه النهم إلى محاولة أخذ ما ليس له في القسمة، الذي ضمنت لكل ذي حق حقه في التركة أو الشركة، لا يهم التعبير، و إنما المهم عدم الاستجابة لإغراءات التغول و منطق السعي نحو الكسب بالباطل و ما يؤكد بكل القوة صدقية القول الحصيف بأن كل من تحدثه أطماعه بنيل كل شيء يخسر قولا واحدا كل شيء مرة واحدة، و عندما يسرف بعض المحللين في تزكيتهم باعتبار حصول اوردغان على الصواريخ الروسية دليلا على مهارته في المناورة بين القطبين الكبيرين، أمريكا و روسيا، فإنهم ينسون جملة من التحولات التي شهدها الواقع التركي، بشأن دور هذا السياسي مستقبلا بما يلوح من اهتزاز شعبية حزبه و بالضرورة شخصه، ذلك أنهم يغفلون حقيقة ليست بالبسيطة، ليس فقط تلك التي ظهرت في الانتخابات البلدية و ما حملته من إخفاق حزبه، و إنما منذ المؤامرة التي قيل اكتشفت و أتهم فيها فتح الله غولن المهاجر بأمريكا رغم إصرار تركيا على إعادته، و التي قيل أصلا أنها مختلقة لما ترتب عليها من تصفيات كبرى طالت جميع الكوادر بل الأحسن من العسكريين و القانونيين و الأكاديميين الذين سيقوا إلى السجون أو أكرهوا على مغادرة مراكز عملهم، فضلا عن الذين غادروا الحياة في صمت لمجرد جراءتهم في معارضة هذا المستبد المهووس بإعادة نجم أفل و سلطان لم يعد له مكان في الزمن، و نفوذ لا يشرف أحد القبول به، ألا و هو الربط بين وكالات السلع الاستهلاكية المجمعة محليا لتختم كصناعة تركية و التي يسند تسويقها لمن يثبت ولاؤهم للأتراك حاضرا و تاريخا و مكانا محببا للنقاهة و العلاج، و ربما التعبد أيضا، إذ من شروط الثقة الأردغانية أن يمثل القدوة الحسنة بامتياز، إنه التضليل الذي يتناسى أن الممارسة وحدها هي التي تفصح عن الحيوية الحقيقية، و ذلك منذ أن رُويَّ عن أشرف المتكلمين و أصدقهم قوله الخالد (الدين المعاملة)، و نعود إلى ما حققته روسيا لتركيا، من الصواريخ التي امتنعت عن بيعها أمريكا، و يتوهم البعض وجود أزمة في علاقات الأطراف الثلاثة فننهي التدوين بما اخترناه عنوانا، ليس برياح صواريخ روسيا ما لا تتمنى سفن أمريكا. انتهى


_____________________________




عسى أن يكون هذا الارتياح في محله

أمين مازن

19-11-2019


لن يجد المنغمس في الشأن العام الليبي حرجا في الإعراب عن ارتياحه، من سلسلة المقابلات التي أقدمت نائبة الممثل العام للأمم المتحدة، بليبيا هذه الأيام، في المناطق الشرقية تحديدا، و التي شملت على نحو خاص، عددا من أعضاء مجلس النواب و رؤساء لجانه و هيئة مكتبه، إلى جانب إدارة مصرف ليبيا و التي طالما رفعت الصوت عاليا إزاء ما نلاحظه من هيمنة المركزي و إصراره على رفض أي لقاء مشترك من شأنه التخفيف من اتساع الهوة، إذ لولا المضي في رفض ذلك الاستحقاق، لما وصلت الأمور إلى ما رؤي طبعه من العملة الورقية، حين توفرت الشروط اللازمة لها، و الضغوط القادرة على وقف أي عرقلة سعت لأن تحول دونها، حين لم يمض قصير وقت على ما تردد عن رفض الإجراء المشار إليه، حتى تم العدول عن ذلك، ليس فقط لانعدام المبرر المتعلق بالرفض، و إنما لأن التحدي لا ينتج عنه سوى التحدي الأكبر، خاصة حين يوجد الكم الكافي من الأسانيد و الحواضن التي لا تتردد في شرعنة أي ردة فعل هدامة، و قبل ذلك كله أو بعده انغماس معظم اللاعبين بالمشهد حتى الدرك الأسفل في مستنقع الفساد الذي طال كل السياسات بلا استثناء، حتى أن المندوب الدولي ذاته و على ماهو عليه من الديبلوماسية لم يتردد في التصريح المرة تلو المرة بأن الصراع كله حول المال و إن كنا معشر الليبين الذين يجيدون طرح الأسئلة الجادة و الذين لن يقلل من دورهم الجاد ما يلاحظونه من تهميش لن تصرفهم لغة التعميم هذه عن مطالبة سلامة و بكل الإلحاح أن يُضَمّن إحاطاته الدورية عن حقيقة ما يجري و ما يقترف من صنوف الفساد و العبث و الانحراف، لأن ليبيا استقلت بقرار الأمم المتحدة و شملها مخطط التغيير القادم مع الربيع العربي، تحت قبة الأمم المتحدة و تردت أحوالها أسوأ من ذي قبل جراء تخلي الأمم المتحدة و تدل كل القرائن على أنها لن تتحرك قيد أنملة بدون الأمم المتحدة و تدخلها الذي ينبغي أن يكون حاسما، و بناء على معلومات و إحصائيات تشمل الأفعال و الرجال و حسبك المجنب الذي نصح المكتب التنفيذي بالإبقاء عليه في مصارف العالم، قد جيء به دفعة واحدة، و لم يعد أحد يعلم ماذا بقي منه كما أن المصروفات الإدارية وحدها تكاد تساوي الإيراد العام، أما الزيادات التي طرأت على رواتب كبار المسؤولين و بالأحرى أعضاء المؤتمر الوطني العام و من ورثهم من النواب و الشورى المختلق و المستشارين الذين لا يعرف أحد عددهم و لا طبيعة مهامهم و المعايير المتبعة في اختيارهم فحدث عن مداخيلهم و مهامهم و إمتيازاتهم و لجانهم، دون أي طائف من حرج فهذه المظاهر السلبية و العلامات الدالة على سوء الأحوال و رديء الأفعال تتطلب بكل الحزم تحديد مقترفيها أسماء و صفات و من أي الجنسية هم، و ما من سبيل لوقف عبثهم إلا بالقرارات الدولية الحازمة التي تحدد سقف المصروفات و شروط الحيلولة دون ازدواجها فقد تسببت حساسية الهيئة الدولية أو بعض موظفيها بالأصح عن شبهة التدخل في الشؤون الداخلية الليبية، و ترك الليبين يتعرفون في الشأن العام الخاص بهم في شيء من الأريحية باعتبارهم أصحاب البلد إلى سوء استغلال هذه الخاصية في العبث بعديد المسئوليات إن بالتوسع في الإنفاق غير الضروري أو بإسناد الكثير مما لا ينبغي أن يسند و لمن يسند حيث رأينا أخطر المواقع و أكثرها أهمية و دخلا و نفوذا تكاد تكون قد حددت قبل استقرار الأمور لما بعد سبتمبر إذ لم تمر أيام و ليس أسابيع حتى بث في جميعها، و ها نحن نكاد ننهي الحقبة الأولى دون أن نشهد إجراء تغيير واحد مما لا نشك أن نائبة الممثل العام للأمم المتحدة في جولتها هذه قد وقفت على الكثير منه إن لم تكن مدركة لذلك قبلا فبسببه و غيره كثير لن نتحرج من البوح بأننا في مقدمة من كان سرورهم كبيرا بجولة النائبة المحترمة لما نعلق من كبير الأمل في هبوب رياح الإصلاح إثر هذه اللقاءات و إذا كان المثل الليبي يقول (المهبول يكتفوه اهله) و إذا كنا نثق أن الأمم المتحدة تمثل الأهل لليبيا و أن ثقتنا كبيرة في أن تكون جولة المندوبة المساعدة في ربوع الوطن لها ما بعدها و خاصة أن المذكورة أمريكية الجنسية و عسانا نلمس الأثر الجيد لوقف بعض ما نعانيه فنُحَرِّف بيت شعر المتنبي فنكتب عن المرحلة و لو كل النساء كمن (أتتنا) لفضلت النساء على الرجال مؤكدين أننا ضمن الذين لم يخفوا ارتياحهم لمقابلات المساعدة المذكورة و المؤملين كل خيره و عسى أن يكون هذا الارتياح في محله. انتهى

_____________________________




11 يونيو ليس مجرد يوم

أمين مازن

11-6-2019


و كما حدث منذ سنوات ثمان، مرَّ الحادي عشر من يونيو كما تمرّ سائر الأيام، و ليس من المستبعد أن تعمد الفضائيات التي تأخذ بالتقليد الذي يُذكِّر عادةً بأحداث التاريخ، أن تعتبره كأن لم يكن و ليس ذلك اليوم الذي كان و لعقودٍ أربع في مقدمة الأعياد الرسمية، التي تُعطّل فيها الدوائر و تُقام الزينات، و تنتظم حلقات النقاش منذ اقترانه في العام 1970 بجلاء العسكريين الأمريكيين عن مطار الملّاحة في احتفال بالغ الضخامة، كان على رأس ضيوفه الرئيس عبد الناصر، الذي خلع على محقق المُنجَز صفة أمانة القومية العربية و الوحدة العربية و الثورة العربية، و ذلك بعد أن اعتُبِرَ إسقاط النظام الملكي رفضاً للهزيمة كما لو كان النظام المذكور هو الذي خسر المعركة و أضاع الأرض، إنه التقليد الذي دام لأربعة عقود كاملة ظلَّ فيه الحادي عشر من يونيو ضمن أربعة أعياد تُنفَق فيها الأموال و تُقام حلقات النقاش و يُدعى لحضور معظمها كبار الضيوف و شهدت إعلان وثيقة حقوق الإنسان و حاول من خلالها المثقفون الوطنيون ممن تبنّوا فهم التسلل إلى بعض المواقع قصد توظيفها لما يتطلعون إلى تمريره من خطاب أكثر جدية و معالجات أكمل حرفية، فأفلحوا في محاولاتهم أحياناً و أخفقوا أحياناً أخرى، ذلك أن كل من يكلف نفسه مراجعة ما كان يُلقى بمناشط الثقافة في تلك الأيام، في إمكانه أن يقف بكل اليسر و السهولة على الفارق الكبير بين الذين أحسنوا استثمار الهامش في توسيع الدائرة، و الذين وقفوا عند مصالحهم الخاصة و مكاسب أهلهم و ذويهم، بل لن يصعب عليه التفريق بين من استُدرِجَ و أفلحَ في الإنسحاب، و من استمرأ اللعبة و سقط في مستنقعاتها، و من حافظ على تماسكه و تبنِّي مصطلح أخف الضررين و المهم أن أجهزة الرصد لم تهمل قولاً إلا و وثقته، و لم تترك حضوراً إلا و سجلته كلمةً و صورة، و لا غرو، فالعهد الذي دام أربعة عقود كاملة و كانت قياداته متمثلة في مجموعة من الشباب الذين لم يتجاوزوا رتبة الملازم إلا منذ أيام، و لم يبلغوا من العمر مازاد على الثلاثين، و يدخلون في المفاوضات المتعلقة بالجلاء، فلا يستمر البحث سوى أياماً محدودة، كان لا بد أن يفعلوا ما فعلو و يمضوا حيث مضوا، أما إذا وضعنا في الإعتبار ما كانت تنتظره المنطقة من استحقاقات إزاء الآخر و ما أعدَّ بلغة مراكز بحثه عن نوعية الزعامات المطلوبة للمرحلة، فلن نقبل أي تفسير يعتمد الصدفة أو حسن النية أو إغفال قاعدتهم القائلة بأن التسليم يكون للمجموعة، أما الترجيح فيكون أثناء المشوار، و للمفاجأة أهميتها، فلقد اتضح من البداية أن ثمة من تكفّل بلفت نظرهم إلى ما ينبغي أن يذهبوا إليه من الحذر، لكي يضمنوا الإمساك بالحد الأقصى من الخيوط حين حرصوا على أن تكون المفاوضات المتعلقة بإجلاء القواعد الأجنبية محصورة فيهم وحدهم، و أن تكون الأخرى المتعلقة بالنفط و المصارف تحت إشرافهم بحيث لا تبقى بيد المختصين، و قد ذهبوا إلى أكثر من ذلك فسعوا إلى إبعاد كل ذي رأي مختص في الإقتصاد و التجارة فَدَقّوا الإسفين في تنفيذ أي توجه من التوجهات التي تمت كمكاسب دون أي تدقيق لما اعتراها من التحريف، من ذلك أن الإسراع بالإتفاق ما لبث أن أدى إلى قدوم ألاف الأشقاء الذين تسبب وجودهم في أكثر من أزمة، كما أن انزلاقهم إلى إبعاد ما أُطلِقَ عليه العهد المُباد أدى إلى حرمان الإدارة من جميع الخبرات الوطنية و الكفاءات المؤهَلة لتُفتح الأبواب على المستشارين من غير الوطنيين الذين اشتهروا بالسؤال المباشر لكل من يستشيرهم عن نوعية المشورة المطلوبة و بالذات فيما يتعلق بالأمور القانونية، بل أن أبرز الذين قَدِموا إلى ليبيا عقب سبتمبر مباشرةً رجل المخابرات المعروف فتحي الديب، أحد قياديي الحركة العربية الواحدة، الذي وصل به الحرص على اصطياد كل ذي رأي، بأن أعدَّ جملة من الدراسات التي اختار لها عنوان الوحدة الوطنية في مقابل الوحدة العربية، عندما انطلت على البعض فأذاعوها من الإذاعة ليتم رصدهم الواحد تلو الآخر، و من ثم احتسابهم بين المجموعات التي أُودِعَت باكراً السجون لمجرد اهتزاز سلطة النظام الجديد عقب إسقاط الطائرة الليبية من قبل الصهيونية في صحراء سيناء، إنه التوجه الذي جعل كل أو جُل ما عرفته البلاد من قرارات نُعِتت بالإنجازات تأتي فاقدة لأي مردود حقيقي فالجالية الإيطالية التي أُخرِجَت كانت قبل سبتمبر منصرفة إلى تسوية وجودها بواسطة البيع، و تساهل الدولة في تحويل الأموال و المصارف التي أممت كانت السياسة منصرفة إلى تلييبها بواسطة المشاركة للإستفادة من خبرتها و أسواقها، أما المزارع فلم يبقى منها إلا القليل، حيث تمكنت الرأسمالية الناشئة من شرائها و الإتجاه إلى استثمارها بواسطة القروض و التشجيع و غير ذلك كثير، لأن المتغيرات الدولية كانت في اتجاه العودة للإقتصاد الحر و الإكتفاء بالضرائب التصاعدية بحيث لم يبق للعهد الجديد و هو يصفِّي القواعد الأجنبية ابتداءً من الحادي عشر من يونيو سوى المزيد من الإحتفالات و لم يكن أمام الراغبين في المساهمة و المنطلقين من نظرية القبول بنصف الكوب المملوء وليس التحسّر على النصف الفارغ إلا أن يواصلوا مسيرتهم إن و هم يحضرون الندوات و يسهمون بمشاركاتهم أو يتحدثون عبر الأثير المسموع أو المصور ممن كُنّا و الحمد لولي الحمد في خضم الذين طالما قدّموا ما لديهم مكتوباً و حرصوا في وقتٍ لاحق أن يدرجوه في هذا الفضاء الحر إن تكن العاصمة على رأسها فلا شك أن بنغازي و درنة و سرت و مصراتة و الزاوية و سبها بالداخل، و تونس و القاهرة و روما و بيروت و عمَّان و الدار البيضاء و الرباط و الجزائر و دمشق بالخارج، و كان الحادي عشر من يونيو دوماً من أبرز ذكرياتها و ضامن حضورها و فرصة تألقها، و ما تزال مفرداته خير ما يمكن الركون إليه عند البحث عما يمكن الدفع به و ما ندعو بإلحاح الأجيال الجديدة لتعيد قراءة ما تيسّر إدراجه هنا و ما تيسّرَ للآخرين أيضاً و سيعلم علم اليقين أن اختيار عبارة الحادي عشر من يونيو ليس مجرد يوم على رأس الأدبيات التي تؤرخ لهذه المرحلة و قد توفر أدق المفردات تعبيراً عنها، و إذا كان البعض و لمجرد تمكنهم من الأخذ بزمام عديد الأمور قد اتخذوا من شيطنة كل ما جرى خلال العقود الأربعة بدل فحصها و تدقيقها و فرز الألوان التي شكلت فسيفساءها خشية اتضاح الحقائق و تبين السلبي من الإيجابي في حدود الحجم الحقيقي، فلا شك أن البعض الآخر ممن أوتوا مفاتيح القدرة على التمييز و فحص السيئ من الأسوأ، هم اليوم قبل الغد مدعوون إلى إنجاز البحوث الموضوعية عن مفردات المرحلة و سياساتها و مواقف الأجيال منها لتفيد كل من يروم الإستفادة عسى أن يتطور الإيجابي و يُطرح السلبي و تثري الذاكرة و يتحقق التراكم الخلَّاق و الذي لا غنى عنه لكل محاولة جادة تستلهم دروس الماضي و ما تزخر به من العبر و الإكراهات التي تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك، أن الكثير مما جرى فيه الكثير مما يفيد و مما لا مفر من الإستفادة منه حين تصمت المدافع، و يسود اليقين بأن الوطن يتسع للجميع و أن وجوده رهين التوازن و أن كل ما جرى و يجري عند التدقيق ليس أكثر من الممكن و الممكن ليس غير.انتهى

_____________________________





لكي يعود غسان سلامة مرفوع الرأس

أمين مازن

11-6-2019


أفلح الوسيط الدولي غسان سلامة في تنظيم حملة إعلامية جمعت بين الصحافة و التلفزة ضمّنها رده على ما وُجِّه إليه من الإتهام بالإنحياز، و الإفتقاد إلى الحد الأدنى من الحياد في الصراع الذي تدور رحاه بين الفرقاء الليبيين و الذي بلغ ذروته في هذه الحرب الطاحنة التي اندلعت منذ شهرين و ما من أمل في سكوت مدافعها كما يُرجِّح أكثر من خبير و مراقب، و مُطّلع على الدوافع، و مقتدر على استخلاص العِبر و النتائج، و ما ذلك إلا لما يوفره اشتعال نيرانها من فرص الكسب، و ما يتيحه الخصام حول مسئوليتها من مجانية لكل من يقترب من مسئوليات الوساطة و التحكيم من يسير الإتهام، كما تحدث هذا السياسي المحنك و الديبلوماسي المُجرِّب، و هو يطلق حملته هذه في معرض نفيه لتهمة الإنحياز التي طالما أسرف الطرفان في اتهامه بها كلما لم تتفق رؤية أحدهما مع رؤيته التي تقدم عادةً إلى مجلس الأمن أو يتم التصرّف حولها على أي مستوى من المستويات، مثل هذا النوع من المبرارات قد يتيح لهذا الديبلوماسي المثقف قدراً من استشعار الرضا و هو يدلي بردوده بين الحين و الآخر عبر وسائل إعلامٍ وجدت بها ما سد شيئاً من النقص أو يجلو بعض ما غمض، إلا أنه لن يكون كذلك أمام أي مساءلة تحتكم إلى الوقائع التي تتعلق بالناس مباشرة و بحياتهم اليومية مثل تكرار السيد سلامة لما أطلق عليه الإصلاحات الإقتصادية و التي لم تكن سوى زيادة سعر الدولار المباع من مصرف ليبيا المركزي عبر تخريجة قرّبت الدولار من سعره المتداول على أمل أن يسهم هذا الإجراء في زيادة السيولة في للمصارف و تيسير الإستيراد لمن يرغب من المواطنين و كان ذلك ضمن حزمة أكبر ليس خارجها إن لم يكن من أول أولوياتها تعديل سعر المحروقات من بنزين و ديزل على النحو الذي سيضع حداً للتهريب و ما بات يمثله من نشاط تكفّل بتمويل كل ما يدمر البلد إقتصاداً و أمناً لولا أن القوة القادرة على تجاوز كل القوى أن أوقفت التوجه في مهده فبقيت المحروقات حيث هي و الحديث عما يُتخذ بشأن تصديرها يفوق الخيال اللهم إلا إصرار السيد سلامة على الإشادة بما تم حول الدولار و كأنه يكفي عن المحروقات، أما تقارير ديوان المحاسبة حول الفساد المستشري على كل الصعد و التعيينات الخيالية في العدد و الرواتب،فلا مكان له في إحاطات هذا الرجل الذي يُفترض أنه خير من يعلم حجم المخالفات و ما يوجد كذلك من هدر للمال الليبي الذي لم يتحرّج في وصفه بالنهب و لا مبرر لديه في عدم دعوة العالم إلى وقفه بحزم ما دام العبث في تسارعه يفوق سرعة اشتعال النار في الهشيم، اللهم إلا ما يتعلق بالعامة و ذوي الحاجة من أصحاب المعاشات التقاعدية و الحوافظ الإستثمارية و كل ما مُنح من سلطات العهد السابق الأمر الذي لا يساوي شيئاً أمام ما أُنفِقَ من مزايا لكبار المسئولين الحاليين عندما زيدت أضعافاً مضاعفة من مزايا ثابتة و أخرى رُفِّعَت و ثالثة جسدتها ظاهرة الإنفاق و الإنفاق غير المحدود و أخيراً تسخير الإعلام الرسمي فقط لعرض صور المسئولين و أخبارهم و تجريد خصومهم من كل حقوقهم إلى الحد المتعلق بهوياتهم و أبسط استحقاقاتهم، فالوسيط الدولي و الحالة هذه يمثل الإنحياز بامتياز على قاعدة أن الساكت على الحق شيطان أخرس، كما يقول الأولون، أما ما يردده عن واجب الليبيين نحو سوء أحوالهم، ليس أكثر من استمراء للنقد التجريدي الذي يكتفي أصحابه بالكلام رغم معرفتهم الأكيدة بالحاجة للفعل، ذلك يعني أن هذا الجهد الإعلامي الرامي إلى التذكير بما يبذله السيد غسان سلامة لتنفيذ ما يستشعره من الحملات التي تحمّله وِزر ما يقترف و تُلقي عليه عبئ ما هو براء من اجترائه لن يكون له أي نفع إزاء معاناة الأغلبية من الليبيين ممن بَحَّت حناجرهم من الشكوى عن سيئ أداء مسئوليهم و عبث تصرفهم بمقدراتهم و يزيد إصرار سلامة على البقاء في مهمته من زيادة عمر أزمتهم، فليس له من عذر في المساواة بين السيئ و الأسوأ، و من يظهر على أدائه الخطأ المتعمد و من وضُحَ حسن القصد في أدائه، بل و لا بد له أن يثق بأن ما يُدلي به خبراء الولايات المتحدة من أراء تؤكد ربطهم بين الأمن الأمريكي و الشأن الليبي أن موقف هذه الدولة لن يبقى على ما هو عليه و أن أداء هذا الوسيط لن يكون بمنأى عن سياساتها عندنا في ليبيا أو هناك في لبنان، و يعود حين لا مفر من العودة إن طال العمر مرفوع الرأس . انتهى


_____________________________



انتخبوا صالح بن ميلود

أمين مازن

30-5-2019


قد لا تكون الصدفة وحدها، هي ما حدا بالفضائية الليبية الممولة من الخارج و التي تبث برامجها من الخارج، أن تختار النصف الثاني من الشهر الفضيل و على مائدة الإفطار منه تحديداً، لبث مسلسلها "صالح بن مسعود"، ذلك العنوان الذي لا يجهله أي متابع للفن الشعبي أو الشعر العامِّي الليبي في معظم المدن و القرى الليبية، و التي تمثل فيها أغاني الزُكرَة و المَقْرونة، أو المِزْوِدْ كما يُعبِّر دُعاة الفصحى، تأثيره القوي على المتلقي من عامة الناس تحديداً، منذ انبعاث الحركة الوطنية الليبية ذات الدور الريادي في ترسيخ خيار الإستقلال و الوحدة و الإنضمام إلى الجامعة العربية، عندما اضطلع بها على نحوٍ خاص الزعيم الوطني بشير السعداوي حين عودته من مهجره وسط زغاريد و درابيك فنانات تلك الأيام و هن يرددن مقولة "منين قالوا السعداوي جىِ دْهِشت و بَخُّوُني بالمِاء"، فتكون لازمة البرنامج المصور (انتخبوا صالح بن ميلود) على خلفية احتمال صمت المدافع و الجلوس من ثم للتفاوض و المرور للعملية الإنتخابية، كأسلوب لا بديل عنه، و الحزبية كمنهج لا غنى عنه لكل مشروع سياسي جاد، و ليس أمام الذين ليس لهم من الرصيد الشعبي ما يمدهم بالقدر اليسير من الأمل في النجاح، سوى التشكيك و التيئيس، و ترديد هذا النوع من الألحان المُثَبِّطة بما تدأب على إرساله من سخرية ممجوجة و تعبيرات مبتذلة طالما خذلها الإجترار و سنوات الضياع و ثقافات الهزيمة و الإكتفاء بأجواء اللهو و استشعار الإمتياز عن الأخرين بتوفر الحاجة و إن كان الثمن مدفوعاً من الكرامة المتعلقة بالذات و قد تشمل المحيط، و هكذا تكون الصدفة وحدها أيضاً هي ما يدفع إلى عدم الإهتمام بهذا النوع من المسلسلات و لا استشعار الخسارة حين الإنصراف عن ساعات البث الطويلة و ما يتكرر في قائمة الأسماء من الإشراف العام و كتابة القصة و السيناريو إلى آخر هذه الصفات التي لا تدل سوى على حقيقة واحدة هي الإحساس بعدم الأهلية و الذي لا وجود له إلا بالمنشور على هذا المستوى من التواصل الإجتماعي و الآلاف من قرائه، أولئك الذين يستطيع من أراد أن يبث الصوت و الصورة إلى جانب الكتابة، و في عصمة قوية من هذه الفضائيات الممولة و خططها الماكرة، لتيئيس الوطن من كل ما هو حضاري و جاد لتوحيد الجهود العامة و إغناء الحياة بما اتفق عليه العالم من جدوى الإنتخاب و التنافس الشريف و الإقتراع المُتفق على نتائجه سلفاً و القبول بها صدقا، و ليس المشوب بالنكوص و جاهز الإحتيال و التستر بالإعلام الممول و الفضائيات المُحتكَرة، و إكذوبة المجتمع المدني و انتحال صفة الناشطين و الخبراء، ممن ليس لهم سوى التنقل من فضائية إلى أخرى، فلا يزيد عددهم و لا طرائق أحاديثهم و لا وضوح انحيازهم، اللهم إلا إجترار الدولة المدنية، تلك التي ما يزال سرها عندهم وحدهم فيكون أحسن ما نستقبل به حياتنا معشر المجبورين على مشاهدة هذا النوع من المسلسلات سوى أن نحمد الله على وجود أزرار في الأجهزة، لنغض البصر و نشيح بالوجه عوضاً عن "انتخبوا صالح بن مسعود" و ما تحمله عن قصد أو بدونه من تبن لأطروحة كنا نظن أنها قد اجتُثَّت و لم يعد لها من وجود بعد رياح الربيع، و إذا بها اكتسبت حصانتها في الشتاء الذي سبق ذلك الربيع. انتهى


______________________________





وطني ليبيا و لليبيا دَمِي

أمين مازن

9-5-2019


يوالي الشريط المُسجّل على الشاشة الصغيرة، إعادة النصائح الكفيلة بتفادي مضار الضربات المُترَتّبة على الغارات التي قد لا تقف قليلاً حتى تتجدد، مثل ترك الجلوس بالطوابق العلوية بالبيوت و غير ذلك من المعلومات الأولية، تلك التي لا يتم التوقف عنها إلا لتكرار وصف طرابلس كما عرفها كاتب النص ذات يوم و ارتبط بها عند الإنصات لنوبات المألوف الذي طالما أنشده حسن عريبي و كذا أغاني سلام قدري و مَحال أكثر من شارعٍ و حيّ، فنتذكّر من جهتنا أصوات مرشان و حويل و محمد سليم و سيد بومدين و علي الشعالية ممن كانوا ملء السمع و البصر، قبل بزنس الكاسيت الذي غزا الحياة في سبعينيات القرن الماضي، فإذا ما سَئِمَ الذين هرعوا مبكراً إلى بيوتهم من الخوف و أضافوا و لو قليلا، لتتوق نفوسهم إلى مغادرة هذه البيوت و قضاء بعض المستلزمات و التي قد تسمح بها ما تحصلوا عليه من السيولة، بِيُسرٍ أو بدونه، و ربما ميزهم فهمهم القادر على تبين الفوارق الفاحشة بين أبناء الوطن هذه الأيام، و تمظهرات ذلك في أرتال السيارات الفخمة التي طالما جاءت بها السلطة و وَدَّت بها من طابت لها مودَّتهم، و سحبتها لاحقاً المتغيرات لِتَخُصّ من شاءت بها الأقدار أن تشمله عين الرضا، لِيَرِث الحَظوة، فإن يكن عهد ما قبل السابع عشر من فبراير قد اعتُبِرت بصدده ضمن مستمسكات الإستغلال، فإن ما حدث بعد ذلك أي في زمن التحرير قد تضاعف و تضاعفت مسوغاته، فلا يكون أمام المواطن المُبتئِس و هو يشهد الحالتين سوى "الحوقلة و الحمدلة" فالسلامة دوماً جزاء الخائبين، على أن الذين ابتلتهم الأقدار بالتعاطي مع الكلمة و على قدرٍ من الحياء، فلا شك أن سعادتهم تفوق غيرهم، لمجرد يقينهم من حماية كلمتهم من الإبتذال، لا فرق إن جاءت مكتوبة أو منقولة على الشاشة، و بالجملة حين تكون على هيئة موقف غير دقيق..! و ما زلت أذكر في حياتي العملية موقف المرحومين، الحاج رمضان ميزران و الأستاذ عبد الله شرف الدين، عضوي المجلس التشريعي لولاية طرابلس للعام 58م و في معركة انتخابات الرئاسة بين السيدين الطاهر العُقبي و محمد بوراوي عندما أفلح العُقبي في إقناع الإثنين بالإمتناع عن التصويت عندما كانت المعركة محتدمة بين المتنافسين و من قد يكون خلفهما من الأطراف المؤثرة باعتبار شرف الدين و ميزران لا يمُتَّان بصلة لأي طرف يستحق التزكية، حتى كان موعد التصويت و وقوف الموظفين خارج القاعة في انتظار إعلان النتيجة و في حالة من الإنتظار الذي لا يخلو من توقع و تحفّظ لما يفرضه العمل من إخفاء المشاعر ليتوالى من ثم خروج الأعضاء الواحد تلو الآخر، و إذا بالحاج رمضان و لمجرد خروجه يردد الآية الكريمة "وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ" ففهم الجميع أن البطاقة البيضاء بصندوق الإقتراع تخص الحاج رمضان و من كان جزءً من الإتفاق عبد الله شرف الدين، فتبين للكثيرين أن الصمت أبلغ من القول أحيانا، و أن الحياد في حقيقته موقف، إلا أنه يمثل لصاحبه في أحيانٍ كثيرة أخف الضررين، فإن قيل أن التاريخ يُعيد نفسه، تبين أن صراع الليبيين في أحيانٍ كثيرة حول المصلحة التي كانت في تلك الأيام مُتجسدة في سيارة المرسيدس، أما في أيامنا هذه فَحول ما تُسمى "باللبوة" و ما في حكمها من السيارات التي تُباع بمئات الآلاف و ليس الآلاف و حسب، فتذكرتُ أن طرابلس التي حَللت بها في تلك الأيام على سبيل الإقامة و لم يزد سكانها على سبعين ألف نسمة، مُقسمة إلى خمسة دوائر انتخابية في مجلس النواب إعمالاً للدستور الذي يحدد لكل عشرين ألف مواطن أو كسر هذا العدد عضواً لمجلس النواب و قد أُعْطُوا يومئذ حق الإقتراع بالبطاقة و ليس بالتسجيل الذي عُومِلَ به سكان الريف، وهو التوجه الذي اتضح منه عزم السلطة على التلاعب بإرادة الشعب مما دفع الزعيم السعداوي إلى طرح فكرة الإمتناع عن التصويت، إلا أن رجال المدينة و أكثر الناس قُرباً من السعداوي رفضوا التوجه، و خاضوا المعركة الإنتخابية و فازوا، فيما كان مصير السعداوي و أحمد زارم النفي من البلد و آخرين اُقتيدوا للسجن، ليكون نصيب المؤتمر مُتمثلاً في حقيبتين وزاريتين، لتتوالى بعد ذلك عديد المعارك الإنتخابية للنواب و التشريعي، ليختفي الأعلام يوماً بعد يوم بتأثير الإنفجار السكاني الذي ظهرت آثاره في الفوز بسيدي منصور و شارع الظل، فقد تضاعف عدد السكان عشرين مرة بعد تلك الأيام فبدا مضحكاً أن يعتقد كائن من يكون تقسيمها بين أصيل و طارئ، و أن دعوة بعض الأسماء المعروفة بالمدينة في تسعينيات القرن الماضي، و خضم ما عانته البلاد من ضغوط الحظر الجوي، فرؤيَّ أن تنتظم أكثر من مائدة عشاء عامة، تحت مُسَمّى زيارة رأس السلطة لبيت هذا الإسم أو ذاك من مشاهير المدينة و من أكثر من شريحة، بقصد إظهار رأس السلطة بمظهر المُحتفى به و المُؤيَد من هؤلاء المشاهير، فبدت تلك الخطوة و كأنها بمثابة الإعتراف الرسمي بالمدينة و رجالها، و ربما تحجيماً لأولئك الذين حلّوا بها و أكدوا حظورهم فيها، عقب قدومهم لأكثر من عهد و من أكثر من مدينة ليبية و أخرى عربية و ربما أجنبية أيضا، في إطار ما عُرِفَ بلقاء القبائل، لتطال ضمن من تطال طرابلس، و يتحمّس لها أكثر من ضحية من ضحايا التفكير السطحي، أولئك الذين اتخذوا من التوجه مادةً لمعالجاتهم الصحفية؛ حتى لقد رأينا رجلاً مثل الأستاذ علي المصراتي الذي لم يقم منذ عودته من المهجر إلا في طرابلس و يفوز في أكثر من معركة انتخابية بها، يُسأل على مسمع و مرأى من الناس في صيغة استنكارية بشأن حضوره و هو المصراتي مع الطرابلسيين..!؟. إنها المرحلة التي لم يخرج منها موفور الإحترام سوى الشيخ محمود صبحي الذي أصرَّ عند اشراكه في التحضير للِّقاء الذي اُفتُتِحَت به تلك اللقاءات، و كان بمنزل الحاج عبد السلام زقلام على أن يكون حضوره مع قائمة بلغت ثلاثين عَلَماً من أعلام البلاد، بمن فيهم من ليس بموضع القبول الكامل جرّاء بعض الظروف، كما اكتفى و هو يشارك في الإستقبال بمد يده الكريمة تاركاً الشروع في العناق للطرف الأكبر، كما رفض عندما جاء دوره في زيارة البيوت أن يُقام أي سُرادِق أمام بيته أو أي شيء يدل على الإحتفال فاستُجِيبَ لما شَرَط، إذ كان المطلوب هو مشاركة الشيخ و ليس تكليفه ما لا يُطيق، فقد كان واحداً من الذين لم يرضوا بغير الوطن هوية، و لم يعلُ شأن العاصمة عندهم يوماً فوق الوطن ككل، فقد كانوا منذ نشأتهم الأولى لا يتغنّون إلا به و لا يعشقون غير ترابه، منذ أن استظهروا في صغرهم:


"وطني ليبيا و لليبيا دمي .. و لها يهتف قلبي و فمي
كل ما لاح هلال العلم .. صحت يا ليبيا دومي و اسلمي".


___________________________



عن أول مايو و عَبق التاريخ

أمين مازن

20-5-2019


أقفلت الدوائر الحكومية أبوابها يوم الفاتح من مايو، احتفالاً بعيد العمَّال العالمي و لأن اليوم الذي يليه هو يوم الخميس الذي ستتلوه الجمعة أي العطلة الأسبوعية فسيكون الخميس هو الآخر عطلة، تنفيذاً لقرار سابق في الخصوص، فإن الدوائر الرسمية ستقفل أربعة أيام كاملة، و سينعم الناس بشيء من الراحة أمام زحمة المرور، و إن كانت مشكلات النزوح أقوى مما سواها، أما استغلال المصارف لكل ما يُبرر عدم الصرف، فسيتكفّل بالتنغيص على أي بصيصٍ من أملٍ في المسرَّة، فإذا ما أضفنا الفوارق المعيشية و تجلياتها في ما يمتطيه البعض من أفخم السيارات و ما يُقبِلون عليه من شراءٍ لنفيس السلع، فسيكون بدون شك مُحفزاً على الكثير من المراجعات و التي لا سبيل إليها سوى بالعودة لتاريخ الوطن و أعياده، و من بينها عيد العمَّال، الذي أُعِيدَ للذاكرة عقب السابع عشر من فبراير 2011 و تشكيل أول حكومة أعادت أول مايو كي يكون ضمن قائمة الأعياد الرسمية، ذلك أن أول مايو كعيد كان قد أُلغيَّ منذ السبعينيات و رفع شعار الشركاء بدل الأُجَراء، فيما نرى في المراجعة اليوم ما يذكّرنا بتلك الحقبة البعيدة من تاريخنا، الذي انبعث مع الأربعينيات، حين أقدم السابقون من أهلنا على خوض التجربة الحزبية فشكّلَ نفرٌ منهم حزباً للعمَّال، بينما انتظم الكثير من أصحاب المهن في نقابات سعت للدفاع عن حقوقهم و الرفع من وعيهم، و بالضرورة تحسين أدائهم، كي يشمل مجتمعهم ككل. و من الإنصاف أن نُذَكِّر هنا بدور بعض الإيطاليين المُتخلّصين من النزعة الإستعمارية ممن رأوا في هذه الصيغة ما يُزيل آثار الحقبة الإستعمارية و يدفع نحو عيش مشترك يمكن عن طريقه الوصول لمستقبل أفضل، و هو توجه لم يكن ليخفى على البريطانيين الذين احتلوا البلد مع جيوش الحلفاء فأدركوا مبكراً حجم مصالحهم و خطورة مثل هذا التوجه عليهم خاصةً عندما وجدوا من تخلّف بعض الذين ارتادوا ذات النشاط من سارعوا بالتعاون لتصفية هذا النوع من النقابيين بدعوى أنهم يُمثلون الإستعمار و يسعون للتمكين له و علم الله أن ذلك هو الكذب بعينه، مما جعل النشاظ النقابي الذي شهدته المدينة في تلك الأيام يُحرَم من أهم رافد عصري كان يمكن الحصول عليه لو لم يسارع الإنجليز بإبعاد الديمقراطيين الإيطاليين بمباركة ليبية تطوَّعَ بها المُتعجّلون، أولئك الذين شاركوا في أضخم مظاهرة سياسية عمل على تنظيمها والي طرابلس عقب صدور حكم المحكمة القاضي بعدم دستورية المرسوم الملكي المتعلّق بحلّ المجلس التشريعي لولاية طرابلس و الذين لم يبق منهم بعد ذلك التاريخ سوى المرحوم سالم شيته الذي تدرّج في عديد المواقع القيادية النقابية و التي بلغت ذروتها في رئاسة إتحاد نقابات طرابلس قبل إلغاء النظام الإتحادي و الذي هيأه لتبوأ مكانة دولية رفيعة، ظهرَ أثرها في الحملات التي انتظمت من أجله عند سجنه من طرف نظام الفاتح من دون وجود البيِّنة الكافية لإدانته، فكان الإضطرار للإفراج عنه، على الرغم من أن هذه التجربة قد أحبطته و دفعته للإمتناع عن الإدلاء بأي شهادة بشأن تجربته و هو يُسأَل من طرف أحد الباحثين الأكادميين عن تاريخ الطبقة العاملة كما علمت ذات مرة من الأستاذ الجامعي المرموق الدكتور عقيل البربار و هو يشرف على بعض الباحثين في تاريخ الحركة النقابية الليبية، مما أفقد تلك الدراسة الرائدة أهم شهادة من شهادات أكثر الناس معرفة بأسرار هذا النشاط، إذ لو أفضى بما لديه من معلومات كشاهد أو سجلها كمذكرات لحملت من الإضافات التي لا يعرف قيمتها سوى من أدرك قيمة المعلومة وحيوية الشهادة و في النهاية حجم الإسهام الليبي في عديد الأحداث التي سبقت السبعينيات، و التي أذُنت بضمور و ربما انعدام ذلك النشاط، حتى أن عيد العمال لم يبق له من ذِكر، لدرجة أنه ليس من المستبعد أن يقابل الكثيرون مثل هذه السطور بأكثر من علامة تعجب، و هو موقف لن نستغربه، غير أنه لن يُنسينا تحية عشرات الرموز التي كان لها دورها الريادي في مسيرة النشاط النقابي ممن يحضرنا منهم رجب النيهوم ،سالم شيته ،صالح عمار، مفتاح بلها، طالب الرويعي، علي النفيش، مفتاح الدروقي، سيد عبد الحميد الفايدي، محمد صفر، عبد اللطيف الكيخيا، جمعة الفرجاني، محمد ميزران، محمود المغربي، أنيس القاسم، الفيتوري الدالي، علي اللافي، خيري المصري، علي بوزقيَّة، عبد المجيد المحجوب، عاشور قرقوم و علي بِطار و غيرهم ممن لا تحضر أسماؤهم تلك التي كانت تتصدر صفحات الصحف التي طالما رَعت و اهتمت بالنشاط النقابي، كالعمل و الليبي و الطليعة، دون أن ننسى جهود الديمقراطيين الإيطاليين كمحرر العقود جيبيلّي و المحامي فِرّاره و المهندس ماسَّانا، آملين أن ينالوا شيئاً من حقهم و لو بالتحية عندما يكون الحديث متعلقاً بالعمَّال و تاريخ العمَّال و دور العمَّال في العمل الوطني، و لو على هذا المستوى البسيط، إذ يكفي أن يكون للمناسبة حيّز للتناول.انتهى

_____________________________






ليتنا نُحسن التدبُّر

أمين مازن

25-4-2019


فشل مجلس الأمن الدولي للمرة الثالثة في التوصل إلى توافق حول الحرب الطاحنة الدائرة بين الفرقاء الليبيين والتي دخلت أسبوعها الثالث؛ متجاوزة المائتي قتيل والألف جريح وأكثر من عشرين ألف نازح والحبل على الجرار.
وكان المجلس قد التأم في المرات الثلاث لمسعى بريطاني تكرر مرتين وآخر ألماني لمرة واحدة. أما مسئولية الفشل فقد أرجعت إلى أمريكا وروسيا اللتين اتفقتا لأول مرة وقبل ذلك فرنسا. كما تردد أن محاولة رابعة ستحل بعد أسبوع آخر. فيلوح والحالة هذه أن الحرب ستطول ومن تحصيل الحاصل أن تتضاعف خسائرها على كل الصعد. وماذاك إلا لأن الإسفين قد دُقَّ في مركبها من أكثر من طرف عندما رُبِطَت بخطر الإرهاب، ذلك المصطلح الذي لا يصعب على أي طرف منغمس في أتونه أن يرمي به خصمه، والشيء ذاته في معرض الدفاع عنه. فما دام السلاح هو سيد الموقف فإن تبرير اللجوء إليه ليس عسير المنال. أما تقدير الحق فمرهون بالنتائج المترتبة على استعماله. ولأن ذلك كله مرهون بالمصالح الأكبر فإن القضاء على أسباب هذا الفشل سيظل مرهونا هو الآخر بإرادة أصحاب هذه المصالح الحقيقيين والمقتدرين وليس أولئك الذين يتوهمون الأصالة وهم في منزلة أدنى من وكلاء الوكالة، وحسبُك أننا ومنذ قرن مضى قد ابتُلِينا باستعمارٍ أضعف دول الشمال وهي إيطاليا التي لم يمض على توحيدها وولوجها باب الاستعمار ومن قصير أسقُفه وفي ظروف داخلية تشبه إلى حد كبير مانحن عليه اليوم، إذا استثنينا طبيعة العصر وقوة متغيراته، وخروجها خاسرة للحرب وخاسرة لأي شرط من شروط التعويض وعجز ساستها أيضا عن ذلك في زمن الحكم الوطني، نجدها اليوم وفي خضم هذه الأحداث المثيرة تعيد إنتاح سياساتها القديمة فلا تتجاوز اقتصاد الخدمات ومايحتاجه من الحد الأدنى من "الكومبرادور" ومايمثله من الانتهازية العاجزة عن اختيار أي موقف محسوب فتتوجه الأنظار إلى أمريكا وروسيا وفرنسا وبريطانيا باعتبارها الدول المنتصرة في الحرب والمشاركة في مؤتمر يالطا، فلا تتقاطع روسيا مع الصين، تماما مثلما كانت هذه الأخيرة منسجمة مع أمريكا عقب الحرب وتشكيل هيئة الأمم ومجلس أمنها ذي العضويات الدائمة. فما اتفق عليه الكبار في حرب طالت العالم لن يبت في نتائجها بدون اتفاق المنتصرين.
وسيكون واهماً الوهم الذي لا نظير له، كل من يدور بخلده أن البلد الدي يقترب طول شاطئه من الألفي كيلو متر وعلى أخطر بحار العالم المطل على القارات الثلاث وبحدود أرضية تبلغ هذا القدر من التشابك يمكن أن يبت في مشكلاته دون الكبار وبمعزل عما تشهده بعض الدول المجاورة من متغيرات أو يترك ساحة للعابثين أو العاجزين أو المغامرين، لاسيما وقد تحول إلى مخزن كبير للسلاح.
وبالجملة فقد خرجت ليبيا على مايبدو من المنطقة الرمادية، واتخذ بشأنها ربما القرار المناسب لذوي المصالح الأكبر والنصيب الأوفر والإسهام الأقدر.
ولا عجب فقد استقلت ليبيا كما هو معلوم بإرادة دولية عقب الحرب الكبرى، وتغير نظامها الملكي بإرادة دولية أيضا أو مباركتها على الأقل، وأجهز على جماهيريتها في حركة عامة.
وعندما تطال المتغيرات في أيامنا هذه محيطها المتمثل في السودان والجزائر وشبح صراع ليس بالبسيط في تونس، فليس من المستبعد أن يكون استقرار ليبيا قد حان موعده، لا من أجل سلامة الليبيين وحقن دمائهم، وإنما لعديد الأطراف التي تتخذ من الأرض الليبية الشاسعة مكانا للتحرك وصراع الفرقاء مجالاً للإرتزاق، خاصة وأن للجغرافيا كما هو معلوم من الإكراهات التي كثيرا ما تتقدم على ما عداها تأثيرا وتأثرا، فقط حين يوجد من يحسن التدبير.انتهى

__________________________



كلُ كبيرةٍ عَمّت صغيرة

أمين مازن

28-3-2019


ضرب الوسيط الدولي غسان سلامة، الرابع عشر من أبريل القادم موعداً لعقد المؤتمر الجامع الذي اختتم به خطته المُعتَمَدة في وقتٍ سابق من مجلس الأمن لتنفيذ اتفاق الصخيرات و ما ترتّب عليه من تكريس الإنقسام المُخرّب، و حدد المكان في مدينة غدامس، لما رآى فيها على ما يبدو من امكانية البُعد عن الفضول الذي طالما يُمرر تحت مبرر الإهتمام من قبل السكان فضاعفت هذه الخطوة من انزعاج الكثير من القوى المستفيدة من الوضع القائم، تلك التي لم تجد سوى المنصات الإعلامية المصورة لتُعبِّر عن اصطفافها، خاصةً و أن ذلك قد جاء عقب سلسلة من الزيارات التي قام بها أكثر من طرف دولي مُمَثَّل على أعلى المستويات و كذا استقبال أكثر من طرف ليبي في هذه العاصمة أو تلك، و اجتماع ثنائي يشي باحتمال النجاح المطلوب، و قد ضاعف من انزعاج المستفيدين تحديد العدد المُستهدف بما لا يزيد على مائة و خمسين مشارك روعيَّ في تحديدهم -بحسب تصريح نائبة الوسيط الدولي الأمريكية الجنسية- معايير ذات قدر ليس قليل الدقة لما رافق ذلك من توسيع دوائر التشاور بما عمَّ الأغلبية الساحقة من المدن و الشرائح، فخُيِّلَ لكل من شملته المشورة أنه سيكون بين المستهدفين ،فقد تعودنا دوماً أن كل مشورة ستتلوها عضوية ثابتة، في حين يمثل هذا الأسلوب ،لدى العارفين، إستئناساً بالرأي، على قاعدة القياس مائة و القص مرة، و من هنا كان انطلاق هذا الجدل الذي يشبه إلى حد كبير ما يدعوه القُدامى بخصام الفجور من حيث التشكيك المُسبق حول قانونية ما الذي سيتم في المؤتمر المُنتظر، أما الإحتكام إلى سوابق التاريخ بشأن المنهج الذي اتبعه العالم عقب الحرب العالمية باختيار هيئة مَثّْلَت يومئذ القوى الموجودة على الأرض أفلحت في وضع الدستور و اختيار الحكومة الإنتقالية، و إلى حد ما عشية السابع عشر من فبراير 2011، لولا التخريب الخارجي و الطمع المحلّي الذي بدأ باغتيال عبد الفتاح يونس و دفع المجلس الإنتقالي كي يُقَيِّد المجلس التنفيذي، و سارَ عليه في وقتٍ لاحق المؤتمر الوطني العام إزاء الحكومتين، الإنتقالية ثم المؤقتة، هونفس التقليد الذي سار عليه مجلس النواب، عندما اعتبر نفسه الرئيس الأعلى للدولة، على الرغم من أن الدوائر الغربية كانت ترى على ما يبدو أن السلطة الحقيقية من المفروض أن تُناط برئاسة الوزارة، قياساً على ما يجري به العمل في أوروبا تحديدا، و ما ذلك إلا لأن القوم طمحوا في البقاء فعمدوا إلى انتهاج كل ما من شأنه إطالة الفترة الإنتقالية خلافاً لما ضربوه من المواعيد و التي لم تخف على المتابعين المدركين لعديد الأسرار، لتتوالى بعد ذلك الأحداث و الأحداث المضادة، و يلوح اليوم في الأفق أمل في التخلص من هذه الأجسام التي استمرأت البقاء و ألُفَت الإستفادة الشخصية، فهزّها مجتمعة شبح المؤتمر الجامع بأعضائه الذين يُتوقع أن يقف عددهم في المائة و الخمسين، و قد نُقامر و نتوقع المائتين، لينطلق هذا الحوار المُعبِّر عن الإنزعاج و المُكرَّس للتشكيك و التحذير من سوء الأحوال، كما لو كان هناك أسوأ مما نحن فيه من هذه الأزمات التي طالت كل شيء، و ما من مخرج منها دون إعادة النظر بواسطة مجموعة مُنتقاة لم تستطعم حلاوة المجالس الثلاثة و يُسِيل لُعابَها مردودُها المتمثل في الذات أو الأقارب، ليعهد إليها تحت إشراف المجتمع الدولي بتعديل الإعلان الدستوري بسلطة عُليا تمثل القوى الفاعلة، و حكومة كفاءات محدودة العدد، معتدلة التنوع، و توحيد صارم للمناصب السيادية يجمع هو الأخر بين الكفاءة و التجانس، و بالجملة، عناصر غير مجهولة المسلك و غير سيئة السمعة و لا مدموغة بطابع من تعصّب قبلي أو عقائدي يكون من مشمولاتها إعادة النظر في جدول المرتبات بما يزيل من شاشات التلفزيون تكرار تصريح المستشار عقيلة صالح القائل بأن الستة عشر ألف دينار ليست شيئاً، و لا مكان فيها للتنسيقيات التي تمنع القضاء من النطق بالحكم المتعلق بالعزل السياسي، أي أن هذا المؤتمر متى قُدِّرَ له أن يتم و على هذه الكيفية و ما تم من تفاهمات أشرف عليه الوسيط الدولي و اطمأنت لها القوى الكبرى بما لها من حرص على التخلص من المأزق الليبي و تأثيراته السلبية و حقيقة اللاعبين فيه و متاجرتهم بتعقيداته، و تيقّنهم أخيراً بألّا بديل لهذا المؤتمر بوصفه العملية التي ستقضي على كل الأطراف المعرقلة كما يفعل الليزر بالأورام بعد جراحتها، و على الذين يستشعرون خطر انعقاد المؤتمر و هم يحتلون المقاعد الوثيرة و ينعمون بالمغانم الوفيرة أن يتذكروا بأن لكل بداية نهاية و أن كل حل لا بد أن يطال أجنحتهم و لو في القليل من الريش الذي يجبرهم على السير فوق الأرض مثل كل الناس، و لا عجب فكلُ كبيرةٍ عَمّت صغيرة.انتهى



_________________________________

شيوخٌ و نوابٌ على الشعبِ عالةٌ

أمين مازن

22-3-2019

أحييت الجمعية الليبية للآداب و الفنون اليوم العالمي للشعر، المقرر من الأمم المتحدة منذ سنوات، و في اليوم الحادي و العشرين من شهر مارس، و قد حرصت على تقديم مشاركتها في اليوم العشرين، خشية أن يكون إسهامها بعيداً عن التقاطع أو ضمن ما يُعرَف بتبرير أوجه الصرف، لما يترتب على مثل هذه المناسبات من صرف الأموال التي تفيد كل جانب سوى الأساسي، الذي هو في هذا المقام متمثلاً في الشعر و الشعراء المُبعَدَين عن أي رعاية، اللهم إلا من يُفلِح في طرق الأبواب و ضمان الوجاهة للمتنفّذين، كانت الجمعية قد أحيت هذه المناسبة منذ سنة مضت، فأصدرت بياناً في الخصوص تُليَّ في فعاليةٍ أُقيمت بدار الفنون، أما في سنة الناس هذه فقد انتظم المشهد بفضاء دار الفقيه حسن بالمدينة القديمة في العاصمة. حُدِّدَت المُفردات في قراءة بعض النصوص من ديوان الشعر الليبي الذي اُعتُبِرَ عنواناً للمنشط روعيَّ فيها تمثيل أكثر الأجيال بدءًا من الآباء المؤسسين و من تلاهم بعد ذلك حتى أيامنا هذه، إلى جانب إضاءة حول الشعر و معنى الإحتفال و خصوصية الموقف، و مضمون القراءة الشعرية و تجلياتها الوطنية و التقدمية، و الإصرار على أن يكون الشعر صدقاً و تجاوزاً و تجويدا، كما تشهد النصوص الخالدة التي بدأها مصطفى بن زكري بتخليد الدور الريادي الذي نهض به السيد المهدي السنوسي و أكدها الباروني الذي ربط الإحجام عن حلق ذقنه بيوم الإنتصار على المحتل و العودة عبر قناة السويس، لتتوالى الأسماء من الشارف و رفيق و الأسطى عمر و الماجري و الرقيعي و البكوش و حسن صالح و الشلطامي و السنوسي حبيب و صدقي عبد القادر، دون إغفال الطفلة معتيقة التي اتُخِذَ من وفاتها ذات يوم فرصة لمقارعة الوجود الأجنبي سنة 59عندما كان البعض يتعرضون للمحاكمة "خالد زغبية" و آخرين يُهجّرونَ مُكرَهين أو يَرحلون بعد سنين من المرض "المحروق و المطماطي"، و القائمة أكثر من أن تُحصيها مقاربة تهدف إلى التذكير و ليس التفصيل، خاصةً و أن الكثير من النصوص اتسعت لها الدراسات الأكاديمية، كما أن الشعر و بالأحرى الشاعرية، اتسعت لها و له نصوص إبداعية أخرى "القصة". لقد كان من حسن الحظ أن الذين قرأوا النصوص و ربما أكثرهم من الشعراء و المنخرطين في أنشطة الجمعية و منهم من ذكرنا بعديد الغائبين من أمثال عبد الحميد باطاو و عبد العزيز الزُنِّي و محمد المزوغي، و غيرهم فالأسماء هنا للتذكير و ليس للإنصاف أو الأحكام القيمية و لا حتى الإحصائية، إذ لو نشدنا الكمال لتأطّرَت هذه المتابعة، كما أن تمكُّن الأخوة من بث المنشط على مواقع التواصل الإجتماعي أكد من يقيننا و ثقتنا أن زمن التغييب قد ولّى إلى الأبد و أن مقاومة المحاباة و العبث على أي مستوى من المستويات قد أصبح مُتاحاً لكل ذي عزيمة، فلا مجال و الحالة هذه لما يتوهمه محترفوا الحضور الإعلامي المؤدلج أو النشر الصحفي الممول من إمكانية الإفلات من رقابة الوطن و إرادة المتابعين لما يجري بوعي و المصرين على كشف خباياه بشجاعة و مثابرة، و إذا كنا قد اخترنا لرفيق داليته المشهورة، إلا أنه لو كان بيننا لفضّلَ أبياته الشهيرة التي منها : أناخت على حُكمِ البلادِ عصابةٌ ** تسيرُ على أهوائِها و تصول.. شيوخٌ و نوابٌ على الشعبِ عالةٌ ** و عبئٌ من الصخرِ الأصمِّ ثقيلُ.انتهى

_________________________________

لهذا اللقاء ما بعده

أمين مازن

5-3-2019


برعاية إماراتية و ترتيب قام به الوسيط الدولي غسان سلامة، أعلنت بعثة الأمم المتحدة عن اجتماع ضم رئيس المجلس الرئاسي فايز السراج و قائد الجيش المشير خليفة حفتر، تم فيه اتفاق الطرفين على وضع حد للمعاناة الليبية، بالذهاب إلى صناديق الإقتراع لإنجاز الإستحقاق الإنتخابي المتعلق برئاسة الدولة و مجلس النواب، طبقاً لما رؤيَّ للخروج من الأزمة التي ظلت تتفاقم المرة تلو المرة، و تطال بآثارها السيئة المحيط بأكمله، و ذلك في ما أُطلِق عليه اتفاق الصخيرات، و الذي حاولت بعض الأطراف أن تدس فيه من الفخاخ ما تكفّلَ بإفراغه من محتواه، حتى كانت هذه الخطوة التي يمكن أن تترتب عليها نقلة جعلت عديد الأطراف لم تخف ارتياحها لهذا النبأ، كما و لم تتردد أطراف أخرى في إظهار إنزعاجها، و تلك هي طبيعة الأشياء، فما من حل سيرضي الجميع، ما بالك أن معسكر المستفيدين من الأزمة هو اليوم أكثر و أقوى مما سواه، و من هنا فإن الإعلان عن هذا الإتفاق ليقام على مثلث متساوي الأضلاع قوامه -مع حفظ الألقاب و الصفات- السراج و حفتر و سلامة، قد يأذن بإيجاد دائرة يمكن لها أن تتسع للأطراف كافة، إذ ما دام حفتر قد أكد في غير ما مرة استعداده غير المشروط للإذعان لمن ينتخبه الشعب، و مثله السراج و سلامة، و لا سيما هذا الأخير الذي ضمّن خطته المؤتمر الوطني الجامع الذي يمكنه عن طريق المجتمع الدولي أن يشرعن كل ما يحتاج للشرعنة كالإعلان الدستوري و قانون الإنتخاب، كما أن التوجه إلى توحيد مؤسسات الدولة المعطلة بالإنقسام من شأنه أن يجعل طريق الإنتخاب أكثر سلامة من المطبات، أما تزامن هذا التوجه عقب مؤتمر شرم الشيخ، و دخول الجيش إلى جميع مدن و قرى الجنوب وسط هذا الترحيب اللافت، فلا شك أنه يزيد من فرص نجاح هذا التوجه، ليس لحلحلة المشكل و حسب، و إنما امكانية الخروج من المأزق، فالتاريخ يعلمنا أن كل امتلاك للإرادة لا بد أن يؤدي بمن احتازه نحو بلوغ ما أراد، صحيح أن العقبات لا تنتهي و العثرات قد تتكرر إلا أنها دائماً أعجز من أن تبقى فتقطع ما أمر الله له أن يُوصَل، كما و قد حتّمت المصالح الأكبر ضرورة تقديمها على ما عداها، خاصة و أن الإرتياح العام لهذا التوجه قد جاء أكبر من أن يُقدَّر، بدليل أن السكرتير العام للأمم المتحدة، لم يبخل بالتعبير عن سروره لهذا اللقاء لثقته دون شك في جدواه، و تحقق تأثيره على بقية الأطراف و لا سيما التوكيد بأن العاصمة التي تأوي ثلث سكان الوطن بامتياز لن تشهد أي احتكام إلى السلاح، بمعنى أن المغالبة لن يكون لها وجود بعد هذا التطور في أي ترتيب مستقبلي في كل ما يتعلق بالسياسات النظرية و العملية التي ستُطبَّق في الوطن الليبي، و أن هذا الوطن لن يكون إلا للمتعايشين فيه على هديٍ من المواطنة و ما لها من الحقوق و الواجبات، و اعتبار ما أُنجزَ في حكم التراث الجدير بالإحترام و الكافي للإفادة، و كم يكون مفيداً لو يبدأ قطبا الإتفاق بالحض على التمكين لخطاب ثقافي و إعلامي يتسامى عن بث الكراهية و التأجيج و رذيلة التعصب و وهم امتلاك الحقيقة و الوعي الصادق بأننا لسنا في العالم وحدنا، و ليس لنا إذا أردنا البقاء سوى أن نعرف حجمنا سواء تطلعنا لنيل ما أردنا أو المساهمة بما لدينا، و من يدري.. فربما يكون ربيع هذا العام أكثر خصباً و رياحه أجود عطاء، فإن سادت عندنا هذه الشروط يمكننا أن نؤمل بأن لهذا اللقاء ما بعده. انتهى


______________________________



كالهرِّ يحكى انتفاخاً صولة الأسد

أمين مازن

16-1-2019

رفضت السلطات اللبنانية السماح للطرف الليبي المتطلّع لتمثيل ليبيا في المؤتمر الإقتصادي المقرر عقده في العاصمة بيروت، تحت مُسمى القمّة، على خلفية اختفاء السيد موسى الصدر إثر دعوة رسمية وُجِهَت له بآخر سبعينيات القرن الماضي للمشاركة في تجمع انتظم في تلك الأيام تُوِّجَ بلقاءٍ مع العقيد القذافي انفجر فيه بين الإثنين الخلاف حول ما كان يُطرَح انتهى باختفاء الصدر و مرافقيه وسط ملابسات قيل حولها الكثير و كُتِبَ عنها الأكثر، مما يمكن لمن يروم التفاصيل أن يراجعه في أكثر من أرشيف، أما أقرب القراءات لسر ذلك الإختفاء فهي القائلة بانتهاء دور الإمام و حليفه الشاه رضا بهلوي الذي طالما يسّرَ مهمام سيد المحرومين لأن اللعبة الدولية اقتضت تمكين قُمْ من تبوء سُدّة الصولجان الفارسي الذي لم يُعِدْ للعرب الجزر العربية التي كان الإمبراطور قد استولى عليها و جاءت ضمن الوعود التي لوَّحَ بإنجازها نظام الفاتح من سبتمبر و هو يتقدم نحو أمانة القومية العربية عشية إقدام الولايات المتحدة الأمريكية و مثلها بريطانيا على تصفية قواعدهما  بليبيا لقُرب انتهاء مدتهما من ناحية، و من ناحية أخرى لتغيّر الإستراتيجية العالمية، التي لحقت آخر من لحقت شاه إيران لتتفجر لاحقاً الحرب الفارسية العربية، بعد أن ظل الصراع بين القوميتين مُستتراً و في حدود المطبوعات التي أخذت تنشط في مدن الخليج عشية تنامي النشر هناك قبل خمسين سنة و نيف، على الرغم من انخراط اليمن العربي في حلف بغداد بالكامل فتبين أن ما أنجزه الشاه في مجال التوسع لقومه لن يُفرّط فيه نظام الملالي  الذي تمكن من إزاحته، بل أن الملالي كانوا أكثر جشعاً و تعنُّتا،إزاء الحق العربي بل الوجود العربي، و مثلما كان تغييب الصدر إذاناً بظهور ولاية الفقيه على يد الخميني بإيران و من رآى فيها القدوة كان في لبنان السانحة التي هيأت لنبيه برّي تبوَّأ رئاسة مجلس النواب اللبناني بحكم العُرف الذي منحها للمكون الشيعي في لبنان ما بعد الحرب العالمية الثانية، بحيث لم يبق من تلك المأساة و طوال العقود الثلاثة التي مضت و القذافي سيد القرار السياسي في ليبيا، سوى بينات حركة أمل "برِّي" إلى أن شاءت الأقدار فيغيب القذافي و نظامه و ينتظر العالم فتح ملف الصدر و لكن المفاجأة أن لبنان الرسمي و كما أعلن المستشار مصطف عبد الجليل الذي احتل المقعد الأمامي الأول في نظام السابع عشر من فبراير، فضّل صرف النظر عن ملف الإمام الصدر ليسعى في نفس الوقت لدى السوريين لإستلام هنيبال القذافي الذي وُجِدَ عقب سقوط النظام و موت والده لاجئاً أو موقوفاً بتهمة مختلفة، ليفاجأ العالم أن لبنان قررت حبسه رهينة إلى أن يُعرَف مصير الصدر، فإذا وضعنا في الإعتبار أن هنيبال هذا لم يبرح سن الطفولة عند ظهور أخبار غيبة الصدر و أن والده قد صار في ذمة الله و بقية أسرته بين الحبس و اللجوء، أدركنا حجم المغالطة التي يُصِرّ نبيه برّي على ممارستها، و هي مغالطة لا تساويها إن لم تكن أشد منها سوءً إصرار بعض الأطراف على تمثيل الدولة الليبية، و التي إن لم يكن لبنان قد بدأ بها لحسابات خاصة فليس من المستبعد أن تتلوها مواقف أخرى قد لا تقل عن هذه إحراجا، إما لإنعدام الشرعية كما يعبر غسان سلامة ممثل الأمم المتحدة في غير ما مرة عن جميع شاغلي الصفات الإعتبارية و المتشبثين بها على مرآى و مسمع من جميع المراقبين الذين يشهدون واقع ليبيا المزري و تجلياته في انعدام الخدمات على كل المستويات و العجز عن تسديد الرواتب، بل و المدخرات و انقطاع الكهرباء الأيام و الليالي و الأعداد الكبيرة من المرضى و فاقدي الأطراف من ضحايا الحرب و المهجرين الذين تحولوا إلى مأساة من مآسي العالم، كل ذلك و الأموال تُهدَر في رابعة النهار و على رأسها هذه الأعداد الكبيرة من أصحاب الصفات الإعتبارية الذين لا تخلو منهم مدينة من المدن، ليس فقط طرابلس أو بنغازي، و إنما الأخرى التي تجاوزتهما، عمراناً و انتفاعاً و نفوذا، على الأقل بأعداد المستشارين الذين ضجت من استحقاقاتهم و مزاياهم و عجزهم عن دعم جميع القوى الواعية و المغلوبة على أمرها لغياب الصحافة و القنوات الفضائية الرسمية الخالية من كل ما تتوفر عليه من جيد الإسهامات التي طالما احتفى لها الخارج و أنزلها المنزلة التي تستحقها، مما يجعل من موقف لبنان هذا ضربة من ضربات القدر التي تجيء مصداقاً للقول الخالد عن الأعداد الكبيرة من الليبيين التي إن لم تخرج مؤيدة لمثل هذا الرفض أو محرضة عليه فليس أقل من أن تقف متفرجة، إذ في مثل هذه الوقفة ما يكفي رداً على المرارة التي استطعمها الشعب المغلوب على أمره من قيادات احتلت أرفع المناصب، و عبثت بأضخم الإمكانات، و تُصرّ على تمثيله أمام جميع النظائر دون أن يرتفع إلى مستوى أقلها عطاء، و أكثرها إفلاسا، إذ لم يكن لديها من هدف سوى الحرص على حضور لقاءاتها أينما اجتمعت، و تحت أي صفات تنادت، متوهمة أن يكون الظهور بالمُلتقَط من الصور في عواصم العرب أو الأوروبيين سيدخلها في عداد أصحاب هذه الصفات، أولئك الذين عمّدوها بالحضور و بوّأتهم شعوبهم ما رأت أنهم في مستواه و أكثر، و ليس أصحابنا الذين لا ينطبق عليهم غير قول الشاعر الأندلسي في عجز بيته الشعري الشهير "كالهرِّ يحكي انتفاخاً صولة الأسد".انتهى 


__________________________________

ترك العلامة "لهم" علامة

أمين مازن

8-1-2019

كنت في الرابع و العشرين من ديسمبر و في الساعة الحادية عشرة منه على وجه التحديد، وسط كوكبة نوعية من الأسماء المعروفة من أبناء الوطن البائس جرّاء ظلم الكثيرين له، اكتظّت بهم قاعة أفريقيا بفندق باب البحر بالعاصمة طرابلس، تلبية لدعوة أو ترتيب اختار الداعون له ملفاً عنونوه بتيار ليبيا الدولة، أُحطت علماً به عبر لقاء الأسبوع الذي اخترنا له ضمن كل سبت معشر المنضويين تحت جمعية الآداب والفنون الليبية بطرابلس، عندما قرروا في وقتٍ سابق أن يكون حضور هذا النوع من اللقاءات لا يعني الإلتزام المؤسساتي، أي أن من يحضر لا يمثّل غيره، على الرغم من أنني على الصعيد الشخصي أستبعد إمكانية التنصّل من التبعة المعنوية، عندما يقوم صاحب أو أصحاب أي فعالية بحصر من يعمر لقاءاتهم في الصفة الشخصية لكل من يحضرها، خاصةً عندما تكون صفة المؤسسة تزيد في أهمية الحضور، و لا سيما أمام الدوائر المأذونة، لقد استشعرت الكثير من الدفئ و أنا ألتقي عديد الوجوه الكريمة التي طالما تعاطيت معها في هذا المشوار الطويل على أكثر من صعيد، و لم أجد منها سوى ما يؤنس و يفرح و يعمّق التعاطف، خاصةً و أن الكثير منهم قد اتخذ من الشبكة العنكبوتية التي اتخذت منها وسيلتي الوحيدة لنشر ما يترأى لي التعبير حول مختلف الشئون و الشجون، فإذا بالكثير منهم لا يضنون بتثبيت اطلاعهم غير مكترثين بتقصيري نحوهم، فيواصلون ما لديهم من الإضافة  أو التعليق و المهم توكيد الإتصال و بالأحرى التفاعل كما هو المصطلح، الأمر الذي يسهم في التصدي لمحاولات التغييب التي تضاعفت في زماننا هذا على أيدي الذين أفلحوا في نهب وسائل الإعلام العامة، مصورة كانت أم مكتوبة، فإذا بهم يحصرون المصورة في أخبار سادتهم المسئولين ممن خلفوا من سبقهم و استمرأوا نشر صورهم متوهمين أن هناك من ينظر إليهم، و كذلك فعلوا بصدد المكتوبة عند العجز عن تحريرها يوقفونها بحجة امتناع المطابع، متوهمين أن كل متابع يعرف أين تذهب المخصصات المالية الكثيرة مما لم تفعله عيون المراجعين و لم تتوقف عن إدانتهم أقلامهم، لولا أن الحادبين أقوى من المتابعين، و إذا كانت قاعة أفريقيا هذه قد شهدت طوال العقود التي توالت على إنشائها منذ سبعينيات القرن الماضي ما يتعذّر حصره من اللقاءات القومية و الدولية، و من بينها ما يخص الثقافة مما تسنّى لي شخصياً و من وقف إلى جانبي مساعداً أو راعياً، حين كانت هذه القاعة مكاناً للكثير من الحوار المسئول و الخلاف البنّاء مما لم يبخسه عديد المنصفين حقه من كريم شهاداتهم، و أخرى تتعلّق بمناسبات شخصية أمكن بواسطتها تقدير ما يُعتبر تقديره موقفاً على الرغم من أن باعثه الأساسي واجباً كعقد قران بعض الكريمات التي بقدر ما حفلت بالرموز المحلية و العربية لم نغفل فيها بحمد الله تقدير من كان أحق بالتقدير مثل جارنا الفقيد المرحوم موسى أحمد الحاسي و قد كان يومئذ حديث الخروج من سجنه، و قد يوجَد من الضعفاء من يتحسس من تقديمه في هذا النوع من المناسبات الخاصة و العامة في ذات الآن، أجدها تقفز للذاكرة الممتلئة بأحداث الزمن و دروسه و جمائل الفضلاء ممن عاصرت فيه، ممن ليس خارجهم من شيد هذه السلسلة من الفنادق التي استثمر فيها أموال الضمان الإجتماعي، هو المرحوم إبراهيم الفقيه حسن، الذي أنفق عمره و أدّى كل واجباته في ظروف غاية في الصعوبة انتهت ببقائه في بيته طريح الفراش مكتفياً بالعلاج داخل البلاد في الوقت الذي كان الإيفاد مُتسعاً و كما هو أيامنا هذه مُتسعاً لمن يستحق و من لا يستحق، مما حدا بشقيقته المحترمة لا تتردد في طرد من طرق باب الأسرة لتقديم العزاء و شيء من المال، بقولها لقد أهملتموه مريضاً فلا حاجة له بمالكم ميتاً، و هو ما لا نشُك أن يكون في ذاكرة مُنظمي هذا اللقاء الذين تحدث باسمهم الإعلامي القدير محمد بعيو في مُفتتح الجلسة مؤكداً أن تيار الدولة المطروح للتأسيس يرفض أي شكل من أشكال الإقصاء و إنما هو يتسع و يدعو و يُلِح في دعوته كل قادر، و هي اللغة التي تحتاج إليها المرحلة و تقتضيها طبيعة المشروع، و تضمنتها في البداية كلمة الأجيال الجديدة التي أُسنِدَت لتماضر الصادق، و لم تخرج عنها مجموعة المداخلات المحدودة و التي يمكن التكهّن بأنها مُعَدة سلفا، لقد اكتفيت بتدوين إسمي ضمن الحاضرين و ترك العنوان الذي يمكن بواسطته التواصل معي حالة ما إذا رؤيَّ حضور أي منشط من المناشط التي تتجاوز الإلتزام العملي المنظم، ليقيني أن الأصل في العمل السياسي أن يكون مؤطراً وفق برنامج محدد يشمل الرؤية و الدور و الموقف من الإستحقاقات مجتمعة، دون أن أُجادل أصحاب الدعوة في ما ذهبوا إليه من إمكانية التخلّص من تبعة الحزبية، فوجدتني مع تمنيات التوفيق لهم إزاء ما يطمحون إليه و يعملون من أجله و شكرهم على كريم دعوتهم و تلبية أي دعوة أتوصل بها منهم، مستبعداً أن يكون في حراكهم هذا ما يمكن أن يكون بمنأى عن العمل الحزبي، و الذي اعتبره على الصعيد الشخصي ،متى سُئلت عنه، جديراً بقول إمام النُحاة إبن مالك الأندلسي في أرجوزته التي تضمنت ضمن ما تضمنت التعريف بالحرف فقال ما أبَحْتُ لنفسي تحريفه من المفرد إلى الجمع حين قال (الحرف ما ليس له علامة) فأستعير، ترك العلامة لهم علامة. انتهى

_________________________________



عام السنىِ انعدوه كيف اسنينا


امين مازن

1-1-2019

فرضَ عليّ المتاح بالشبكة العنكبوتية، صفحة أتواصل من خلالها مع غيري، أو موقعاً أستثمره، و أُنشئ مادته وفقاً لتقديري، أن أُملي هذه المقاربة في هذا الثلاثاء الأول من عام الناس هذا 2019، لأحمد ولي الحمد على نعمته بأن بلغتها قادراً على التعبير، لأحافظ على التقليد الذي تسنّى لي ترسيخه في مثل هذا الشهر منذ العشرية الأولى من هذا القرن و مداومتي على هذا الإلتزام لسنواتٍ عشر على صفحات صحيفة الجماهيرية التي استقرت بعد تأسيسها و تسييرها وفق صيغة خاصة، لتكون ضمن إصدارات المؤسسة العامة للصحافة التي أُنيط بها في مطلع التسعينيات الإشراف على الصحف التي كثيراً ما كانت مُذبذبة و فاقدة للتصنيف، رؤيَّ يومئذ تفعيل مؤسسة الصحافة لتتولّى الإشراف على أكثرها بدءً من الشمس التي بدأت بها المؤسسة فالجماهيرية التي أُحيلَت لها، فكان أن اطلعتُ بزاوية أسبوعية أُختيرَ لها يوم الثلاثاء، حرصتُ في حدود المُتاح أن أُحقق لها ما استطعت من الخصوصية و التواصل و التعاطي مع الشأن العام كونت بواسطة المثابرة و الحرص على المشاركة و الوفاء بالإلتزام تراكماً "دون أي ادعاء" يستطيع بواسطة مراجعتها كل مراقب أو دارس أن سيتخرج الكثير حول ما كان يجري و كيف كان رد فعل بعض الذين ينهضون بمسئولية التعبير و يتعين عليّ من جانبي أن أُشيد اليوم بمواقف الكثير من الذين اضطلعوا بمسئولية التسيير على نحوٍ ما، فلم يصدر منهم إلا ما يدفع إلى حُسن الأداء و تبنّي الخطاب الأكثر اعتدالاً و إصراراً على كل ما يُفضي إلى الحداثة بصلة، يحضرني اليوم على نحوٍ خاص ما دأبت على الجهر به حول الإحتفال بالسنة الشمسية التي كثيراً ما ضاق ذرعاً بها عديد المتهكمين في مناقشة قضايا الثقافة و السياسة و بالجملة الشأن العام، أولئك الذين روجوا للمغالطة القائلة بأن الإحتفال بالسنة الشمسية يمثل نوعاً من الإستلاب الثقافي أو التقليد للغرب، بل و عدم الإلتزام الديني، ناسين أو متناسين أن الإحتفال بالسنة الشمسية لم يكن في حقيقته يتجاوز كونه تقليد ابتدعه بعض شباب ألمانيا في أول سنة تلت إنهاء الحرب العالمية الثانية حين عنَّ لنفرٍ من شباب تلك الأيام أن يحتفلوا بأول عام عقب انتهاء الحرب  ليتوالى ذلك التقليد و ينتشر بفعل التواصل الذي ازدادت وتيرته، فهو ليس أكثر من مناسبة من مناسبات الترويج و ليس له أي ارتباط بالجانب الديني، و قد كان الإحتفال بعيد الميلاد قبل ذلك التاريخ على ما يبدو محدوداً في الأُسر، لأن الأزمة الإقتصادية التي طالت العالم لم يخف وقعها إلا عقب الخمسينيات و ما بعدها في القرن الماضي، حين لم يكن شباب تلك الأيام بمنأى عن التعاطي مع آثاره على أكثر من صعيد، و ما دمنا أمام عاما جديد إعتاد الكثيرون أن يقفلوا فيه حساباتهم، و يسددوا إلتزاماتهم، و يتطلعوا إلى الكثير من جميل آمالهم، فقد تعيَّنَ أن يكون ذلك خلفية هذه السطور، و في جو من الأمل بأن يكون الآتي أحسن فلا أقل من أن نستعين بما قال الأولون و على لسان شاعرهم الشعبي عندما مزج بين الصبر و الأمل و الإيمان، ما اتخذناه عنواناً من بيته الشعري كشطر واحد لنثبته كاملاً و أكثر دلالة

عام السنىِ انعدوه كيف اسنينا

و العام لاتي قسمنا ياتينا

________________________________


موقع الكاتب والاديب : أمين مازن

  www.aminmazen.com © 2020- 2008

طرابلس - ليبيا

Tel 0913245901