المقال الأسبوعي

أحبّاء الشويرف يُكرّمونه، فوجب تثمين صنيعهم

أمين مازن

16-4-2019


غمرتني سعادة عارمة عندما تابعت عبر الشاشة الصغيرة الفعالية البحثية الجيدة التي انتظمت الأسابيع الماضية احتفاءً بالأستاذ الكبير عبد اللطيف الشويرف بقاعة فندق باب البحر بالعاصمة طرابلس بمشاركة نخبة من المثقفين وصفوا تجمعهم بأحباء عبد اللطيف الشويرف، هي سعادة لم تحمني من استشعار الخسارة لقاء عدم علمي المسبق لأحضر مساهماً أو مستمعا لما للأستاذ الكبير من الحضور غير العادي في وجداني و ذاكرتي و تجربتي التي حاولت أن أُدونها و أضعها بين يدي المتلقين ممن كان للكثير منهم آراءهم المكتوبة و المذاعة و لم تبخس الأستاذ الشويرف في ما أزعم حقه، ذلك أن الأستاذ عبد اللطيف على رأس الأسماء التي عرفتها في ذلك المشوار الذي بدأ بالعمل بجهاز المجلس التشريعي لولاية طرابلس الغرب في خمسينيات القرن الماضي، عندما كان الشويرف يمثل العمود الفقري في ذلك الجهاز بما يتحمله من مسئولية المراجعة لتحرير كل ما يُطرَح في ذلك المجلس من مختلف الشئون التي تترجمها عادةً أسئلة الأعضاء و اقتراحاتهم و تعقيباتهم و تقارير لجانهم و محاضر جلساتهم مما كان يُنشَر بالكامل على صفحات جريدة طرابلس فيثير الكثير من الإستحسان بل و التقدير مما لم يكن على الصورة التي تنشرها الصحف لولا جهود الموظفين، أولئك الذين يقع العبئ الأصعب فيهم على قلم عبد اللطيف الشويرف، و هو القلم الذي لفت نظر أول رئيس لذلك المجلس شهد على ما يبدو دخول الشويرف للمجلس ناجحاً في إحدى مسابقاته هو المحامي علي الديب، فلم يتردد لمجرد أن اكتشف هذه الكفاءة و هو يعيد إصدار صحيفته المميزة "جريدة الليبي" في أن يدعو صاحب القلم للمساهمة في تحريرها و يكتب بها أشهر ما كان مرغوباً أمام القراء مثل مربع أمام المرآة الشهير فضلاً عن الأبواب الأخرى، إذ كان الديب مختلفاً عن كل نظرائه من أصحاب الصحف الخاصة في تجويد مادته الصحفية و لا سيما المقالات بما يبديه من الثناء. و يحضرني في هذا المقام ما رويت عن الأديب خليفة التليسي في معرض ما سمع من الديب و هو ينشر مقال التليسي الشهير "هل لدينا شعراء" ذلك المقال الذي ما يزال يمثل أهم الشواهد على البروز المبكر لحركة النقد الليبي في حياتنا الأدبية سواء من حيث أساليب الكتابة أو مرجعيات التفكير و معايير التذوق، مما أستبعد أن يكون أي من الذين درسوا المرحلة و رمزها قد اقتربوا منه بجدية حتى الآن.
انتبذ الشويرف يومئذ مكاناً صغيراً في ذلك المبنى المتكون من دورين بشارع الإستقلال ليس أكثر من استراحة رسمية للرئيس قبل افتتاح الجلسة ساعده على أداء مهماته الوظيفية في هدوء كامل و في عصمة عن القيل و القال، إذ كانت الهيئة التشريعية الثانية التي جاءت عقب حل أول مجلس تشريعي مثيرة للكثير من القيل و القال حول شرعية الحلّ و كذا معارك الفوز بالرئاسة بين السيد الطاهر العقبي الذي فاز بها في أول دورة و عقب الإنقسام الذي ساد المجلس الأول و بالتحديد حول صلاحيات المجلس و ما إذا كانت ينبغي أن تشمل وظيفة الوالي كما حرص الأستاذ علي الديب و من ناصره و الوالي الذي هو الصدّيق المنتصر و من آزره من الأعضاء تقدمهم السيد الطاهر العقبي فيما ظل يعارضه تكتل أقل تزعمه السيد الهادي الرومي ما لبث أن تفتت الأمر الذي ساعد الشويرف على النأي بنفسه عن ذلك كله فلا يكون أمامه من الوقت و المكان سوى أن يشغل نفسه و بالأحرى وقته عند الفراغ من واجباته الوظيفية سوى المضي في رحلته المعرفية و التي كان من بينها حرصه على استظهار القرآن الكريم برواية الإمام قالون و التي كانت يومئذ تُلقى شفاهة و من المخطوطات النادرة إلى جانب معاقرة الكتاب السائر و المراجع المعتمدة، هي مرحلة جمع فيها الشويرف بين التكوين الثقافي و التطور الوظيفي انتهت باختياره سكريتيراً عاماً للمجلس، خلفاً للسيد عمر الجليدي الذي انتقل للولاية، ليقضي -و الحديث عن الشويرف- فترة من الوقت جامعاً بين التكوين و العطاء و الإفصاح عن شخصية شديدة الخصوصية، فلم نشهد عليه معشر العاملين في ذلك المكان أي تزيُّد على مسئولياته الرسمية و ما تفرضه من المجاملة التي قد لا نبالغ إن قلنا أنه طالما أدّاها مُكرها، بدليل أنه لم ينجر إلى موالاة هذا الطرف أو ممالأة ذاك، و حتى عندما أقدم والي طرابلس السيد أبو بكر نعامة على قفل جريدة الليبي التي ارتبط بها وجدانياً هذا الرجل لم تمهله الأقدار من التفكير في أي متابعة، إذ سرعان ما تغيرت الأمور رأساً على عقب ليؤتى بالسيدين فاضل بن زكري و علي الديب لتبوء مقعدي الولاية و المجلس التنفيذي، فيتعين على الشويرف أن يقبل العرض المتمثل في سكرتارية المجلس التنفيذي ليس من أجل المصلحة الشخصية على الأغلب، و إنما لترك المجال لمرؤوسيه في المجلس التشريعي بما فتح المجال أمامهم لتعديل الملاك و فتح المزيد من الدرجات، و أذكر على الصعيد الشخصي أنني مُنِحتُ أثناءها وكالة الدرجة الرابعة و كنت قد وجدت طريقي للحديث بالإذاعة و النشر بمجلتها مُعلناً عن موقف غير مُريح لأوساط كثيرة لم تمنع الشويرف أن يخصني بالتهنئة على ما أذعت، لِمَا رآى فيه من تحسّن في الأدوات في إنسان يمت له بصلة من الصلات الإنسانية التي وجد فيها ما أسعده، لقد تزامنت هذه الفترة مع صعود نجم الأستاذ الشويرف الذي ما لبث أن سُميَّ وزيراً للأنباء و الإرشاد و في حكومة الدكتور محي الدين فكيني التي أنجزت إكمال إجراءات الوحدة الشاملة حيث أُلغيَّ النظام الإتحادي و لا سيما المجالس التشريعية مما عرَّضَ الموظفين إلى إعادة التسكين الذي قد لا يكون مناسباً لما امتلكوه من المقدرة و ما ألفوه من الإستقرار، و يومئذ جعل الرجل من ضمن أولوياته التدخل لدى الإدارة العامة للخدمة المدنية لضمان الأمكنة المناسبة لهم في أكثر من جهة، سواء من اتسعت لهم وزارة الأنباء و مصالحها أو الهيئات التابعة لرئاسة الوزراء و ما في حكمها، حيث تبوأ كاتب هذه السطور منصب السكرتير المساعد لوزارة الأنباء و الإرشاد، إذ وُجِدَت الدرجة المساوية للعمل السابق، فإذا ما استُحدِثَت اللجنة العليا للإذاعة و شُرِعَ في طبع سلسلة الكتاب الليبي كان تقديم هذه السلسلة و أمانة اللجنة المذكورة ضمن المشمولات، فيما كان التوجه للنهوض بمرفق الإذاعة من حيث تطوير الأخبار و البرامج و المسلسلات متمثلاً في الإيعاز بفتح المجال واسعاً أمام المثقف اللامع إبراهيم الهنقاري، كي يضع سياسة أكثر تفتحاً لتعليقات الإذاعة و تسمية من يكتب حفظاً للحق الأدبي من ناحية، و الدفع للجدية من ناحية أخرى، و التوجه للتراث في إعداد المسلسلات عندما كانت سلسلة أيام العرب من الأعمال الفنية الرائدة في الإذاعات العربية الأمر الذي لم تسترح إليه القوى المحافظة التي كانت ترى في الإذاعة مجرد بوق للدعاية الشخصية للنظام و رموزه، و في الصحافة المطبوعة ما لا يمل من المديح و الإنشاء الباهت، فكانت الحملة الشرسة على الوزارة المذكورة كما تشهد التقارير التي طالما رُفِعَت إلى المقامات العُليا من بعض مراكز القوة و على رأسها الجامعة الإسلامية التي استغلت ذلك التوجه لتصفية حسابها مع شخص ريس الوزراء و من يُعتَقد أنه على وفاق معه، على الرغم من أن الشويرف كان مثالاً للنأي بالنفس عن أي صراع و الترفّع عن أي إسهام تفوح منه رائحة التقرّب و يكفي أنه -و هو المختص بالأنباء- لم يشارك بقلمه و لسانه أو توجيهه في أي مناسبة من المناسبات التي طالما وُظِّفَت للدعاية الرخيصة ابتداءً من عيد الإستقلال إلى بقية الذكريات التي دأب الفارغون على استغلالها في التملّق و اصطناع الأمجاد الموهومة. و قد ساعدت مواقف الشويرف السياسية هذه القائمة على احترام الذات و التمسك بثوابت الوطن عدداً من المعتاشين على العمل في الظلام فزينوا لرئيس الوزراء اعتماد حركة من التنقلات الموسعة بين كبار موظفي الدولة من شاغلي وظائف وكلاء الوزارات و من في حكمهم، شملت يومئذ وكالة وزارة الأنباء و الإرشاد من دون استشارة مجلس الوزراء على ما يبدو و من ثم أخذ موافقة الشويرف كوزير مختص و ذلك على إثر معركة رئاسة مجلس النواب التي خاضها يومئذ رئيس الوزراء السابق هو السيد محمد عثمان الصيد أمام الرئيس شبه التقليدي السيد مفتاح عريقيب، فاز فيها الأخير بفارق صوت واحد اعتقد رئيس الوزراء يومئذ أنه صاحب النصر فيها، فأقرَّ حركة التنقلات المشار إليها و التي اتسمت بميسم المكافآت لمن ساندوا الرئيس ولو بالضجيج الإعلامي، و كان المؤمَّل أن الشويرف سيقبل ما دام قد وُضِع أمام الأمر الواقع، و لكن المفاجأة جاءت في ذلك الموقف غير المسبوق الذي أعلنه الوزير على مرآى و مسمع من الأعداد الغفيرة التي احتشدت أمام سينما الحمراء في ميدان الشهداء بطرابلس لحضور الحفل المقرر إقامته بمناسبة عيد الإستقلال، ليفاجأ الجميع بالأستاذ الشويرف مجاهراً بموقفه الرافض لذلك التصرف، إذ رآى فيه الشويرف ما سيجعل منه مجرد تابعاً للرئيس و ليس شريكاً في المسئولية، الأمر الذي جعل الأمور تقف حيث هي. بقيت الإدارة تُسيَّر من طرف الوكيل المساعد عدة أسابيع إلى أن قُبِلَت استقالة الدكتور فكيني و ذهب الشويرف إلى بيته مُكرِّساً قلمه للصحيفة التي منحها الترخيص ضمن مجموعة الصحف الخاصة التي صدرت في تلك الأيام بقرار من مجلس الوزراء، بعضها تنفيذاً لحكم المحكمة العليا كجريدة الأيام، و بعضها بمساعي السيد سيف النصر عبد الجليل وزير الدفاع كجريدتي الحرية و الحقيقة، فيما كانت صحيفة الشعب تقديراً لمكانة الأستاذ علي المصراتي عضو مجلس النواب في تلك الفترة و أحد الذين انحازوا للسيد مفتاح عريقيب على الرغم من الخلفية التاريخية له كأحد الذين خلفوا السيد عبد العزيز الزقلّعي في عضوية الجمعية الوطنية عشية استقالته إثر إقرار النظام الإتحادي.
و قد كان أهم ما تنبه إليه يومئذ الشويرف متمثلاً في حرصه على الوقت عندما سارع بتحرير عدد من المقالات القوية تضمنت تصفية الحسابات مع مراكز القوى التي ناصبت حكومة فكيني العداء و ذلك في الباب الذي اختير له عنوان "من هو"، ذلك السؤال الإستنكاري الذي يتكفل المحتوى بالرد عليه، فلا ينقص سوى الإسم بالكامل، بحيث لم تفرغ السلطات المتمثلة في إدارة المطبوعات و النشر و صلاحياتها المحددة في المادة 29 من قانون المطبوعات بما تنص عليه من سجل الحسابات و طريقة التمويل و عدم انتباه التحرير إلى نشر عدد من الإعلانات التي تتكفل بتغطية تكاليف الطباعة ليُصار إلى قفل المطبوعة حتى كان ما أمكن نشره كافياً للمستهدفين، أما عندما أمكن للصحيفة أن تستأنف النشر عقب سقوط النظام الملكي فقد كان ليقظة الرجل ما صانه من أي تبرع بالتأييد المجاني و كذا العدائي فلم يسجل الرجل على نفسه أي تصرف أحمق كما حصل لغيره ممن نشطوا في تلك الأيام بالحديث عن علاقتهم بالآخر تحت مبرر التنظيمات الوحدوية التي عرفتها الساحة المصرية من مشمولات السيد فتحي الديب الذي وصل إلى البلاد في تلك الأيام و وثّقَ لمهمته لاحقاً في كتاب عنوانه "عبد الناصر و ثورة ليبيا" تحدث فيه عن عديد المتعاونين بالأسماء كنوع من الإشادة بمواقفهم دون أن نجد أي ذِكر للشويرف، و ما ذلك إلا لأن الرجل لم يحشر نفسه في أي حراك يفوق العلم، تلقياً أو عطاء، إذ ما لبث أن خلد إلى بيته و الإكتفاء بالمساهمة العلمية إن عبر موجات الأثير و برامجه الإذاعية الهادفة التي حققت له تراكماً ما لبث أن دفع بالكثير منه إلى مؤسسات النشر الخاصة و دفعت بها إلى القراء الذين أقبلوا عليها، أو المشاركة بالمحاضرات المنهجية للمؤسسات التي قَدّرَت إمكانياته و حرصت على الإستفادة مما لديه، و ما من أحد مَنَّ الله عليه بجدية المتابعة إلا و يدرك الذخيرة المعرفية التي طالما وفرتها برامج الشويرف عبر الأثير ابتداءً من برنامج "إلى الأمام" الذي استمر سنين طويلة، أو التي تناولت التفسير القرآني و تكفلت بتصويب اللغة العربية، أو التي عالجت المعجم و الصرف و الدلالة، الأمر الذي جعل من الإنصات إلى ما يخوض في بحثه حلقة علمية جامعة بين التوضيح و التشويق بإمتياز.
أعرف أن هناك من قد يرى في ما عرضت شيئاً من الإطالة و هي رؤية لن أضيق بها و لا بمن يتبناها، إذ ليس من رآى كمن سمع، فمن تعود رؤيته إلى الفترة التي حددتها ليس كمن جاء بعدها بمراحل، و من يتحدث عن الشويرف داخل الحقبة التي احتدم فيها ذلك الصراع بين أبناء الجيل الذي بدأ مشواره مع دولة الإستقلال أو قبلها بقليل، ليس كمن انطلق في العقود الأخيرة، ففي ذلك الزمن لم يكن السباق بين الأفراد، و إنما كان بين التيارات و أماكن التكوين، بين جيل شاءت الظروف أن يتكون محلياً و يرى أن العواصم العربية قد وفدت إليه عبر صحفها و مجلاتها و رموزها و تم التعاطي بما تحقق من التحصيل و الكفاح المُرّ إن صح التعبير، و آخر سمحت له المستجدات بالدراسة خارج البلاد و على نفقة الدولة فعاد من عاد منهم مؤهلاً و مُعبّراً عن مستوى ملموس، و آخرين اكتفوا بإفادات التخرُّج من دون أن يكون لديهم ما يشفي الغليل من العلم، بل أن منهم من فقد مقومات الشخصية حتى لقد رآى في الإقبال على كل ما هو غير ليبي بمن في ذلك المرأة دليلاً على الموقف القومي الأصيل و الذي لم يقبل به الجيل المتكون محلياً و قد كان أقوى الممثلين له في ندوات نادي الإتحاد فيما أذكر عبد اللطيف الشويرف و مما لم نغفل عند التاريخ للمرحلة، جيل أسس له مع حفظ الألقاب عبد السلام خليل و علي الديب و عبد السلام باش إمام و مُظَفّر الأمير، ليتلوهم خليفة التليسي و عبد اللطيف الشويرف و القائمة تطول، أولئك الذين وقفنا على إسهامهم في الصحف المحفوظة و مجموعة المناشط التي حملت لواء التجديد في الشعر و الثقافة على السواء. و كان بودي أن يقع التنبيه إليه في هذه المناسبة، إلا أن ما خفف علي شخصياً عدم إغفال ذلك في ما دونت و حول عبد اللطيف الشويرف بالذات، و الذي لم تبق لي حوله سوى جزئية واحدة عبّرَ عنها شموخه عن تناول عهد ما قبل سبتمبر في زمن سبتمبر، فَسَلَمَ من نقيصة التسلّق التي اتصف بها الكثيرون إنطلاقاً من ندوة الفكر الثوري التي أعرض الرجل عن حضورها على الرغم من توصله بالدعوة، و أختم فأُحيي الأكارم الذين أنجزوا هذه الفعالية، و للأستاذ الجليل أصدق التمنيات و أطيبها بدوام الصحة البدنية و الذهنية مع أسمى آيات التقدير و الإحترام. انتهى



______________________________




موقع الكاتب والاديب : أمين مازن

  www.aminmazen.com © 2020- 2008

طرابلس - ليبيا

Tel 0913245901