حول مسارب

تقديم


قابلت الأوساط الثقافية الليبية كتابي " مسارب " الذي تمكنت من نشر أجزائه الثلاثة بين مُختتم الألفية الثانية و مُفتتح الألفية الحالية، فلم يبخل الكثير منهم بالتعبير عن تقديرهم و بالغ سرورهم، و بالنظر إلى أن الإصدار كان مُجزءً " بإعتباره نشر شخصي " و لأن الجزء الثاني تحديداً قد عنِيَ بالمرحلة الثقافية التي سبقت سبتمبر 69 و التي لم تكن معروفة لدى الكثير من الكتاب الشباب فقد كانت الكتابات كثيرة و متنوعة. فقد إنتظمت لهذا الغرض مجموعة من المحاورات المذاعة و المنشورة، أشهرها الندوة التي إلتأمت بقاعة مركز الجهاد بتاريخ 21 فبراير 2000 ضمن الموسم الثقافي لرابطة الأدباء و الكتاب بطرابلس و الثانية التي شهدتها كلية التربية بجامعة طرابلس أما الثالثة فقد نظمتها أكاديمية الفكر الجماهيري، في حين جاء الإحتفاء العربي مُتمثلاً في ندوة عُقدت بالمركز الثقافي التونسي، أما النشاط المُذاع فقد قام به الإعلامي و المُوثق النشط الدكتور عبد الله مليطان في برنامجه " دنيا الكتاب " الذي حشد له عدداً غير قليل من الأدباء العرب ممن لهم صلتهم القوية بالمؤلف و لم يتخخلفوا عن المشاركة من أمثال الأكاديمي محمد القاضي و الناقد بو زيان السعدي "تونس" و عزالدين الميهوبي "الجزائر" و حسن النجمي من المغرب و بذات الإهتمام إذاعة مصراتة التي خصصت ليلة كاملة للكاتب و مؤلَفه. و من موقع الإعتزاز بجميع هذه الجهود و الحرص على وضعها تحت تصرف المتلقي ها نحن نُدرج ما توصلنا به أملاً في إثارة الحوار المفيد و وعد بإلحاق أي وجهة نظر لم نتوصل بها بعد. إنتهى

   

نقلت عن مسودة ورقة عدها المرحوم الكبير وحفظت بخط يده . يوم الندوة التي انتظمت بمركز الجهاد قبل عشرة سنوات ضمن موسم رابطة الأدباء والكتاب طرابلس

 

مسارب كما قرأها الاستاذ / خليفة التليسي

 


 

هي جملة خواطر أرجو أن تنسق فيما بعد لتكون بحثاً أو دراسة ولعل ما سوف تسلكه هذه الندوة من مسارب وما سوف تكتشفه من طرق وميادين وساحات يساعد على توسيع الرؤيا بما يؤدي الى الحكم على هذا العمل وإحلاله المكانة التي هو جدير في المسار الثقافي الوطني . ولكل إنسان قراءاته للعمل الأدبي والفني والتاريخي تختلف باختلاف موقعه من هذا الأثر قربا أو بعدا والعمل الجيد هو الذي تتعدد قراءاتـــه . ذلك يزيده خصوبة وعمقا . وهذا العمل الذي نحن بصدده يغطي فترة تاريخية بما يمكن أن يغطي قرناً كاملاً إذا أخذنا في الحسبان حديث الابن عن الوالد . كما أن الحكم على هذا العمل لا يمكن أن يكتمل إلا بصدور ما لم يصدر منه حتى الآن . .

الثانية أنه من الصعب جداً إصدار الأحكام على السيرة الذاتية لأنها عمل لصيق جداً بذات كاتبه وهو خلاف العمل الإبداعي الذي يتخذ بعد تكونه وتخلّقه كياناً خاصاً به ينفصل به عن المؤلف . فالقصيدة تكتسب بعد إبداعها وجودا خاصاً بها . والنموذج سواء كان روائيا أو مسرحياً أو قصصياً يتخذ لنفسه وجوداً خاصاً يفوق به وجود الأحياء المقيدين في سجلات الأحوال المدنية فان السيرة الذاتية لصيقة بصاحبها ينبغي أن يقبل بها كما قدمها إلينا صاحبها وهي لذلك لا تحتاج الى تقديم . ولذا استغربت أن يكون لهذه السيرة تقديم _ بغض النظر عن جنسية المقدم وانتمائه الأدبي والفكري والسياسي لأن السيرة ذاتها تقديم المؤلف لذاته .

أود أن أقول منذ البداية ان هذا العمل حيرني في تصنيفه . والحيرة هنا شهادة له بالنجاح ولعدد وتنوع الموحيات فيه هل اعتبره سيرة ذاتية ام مذكرات شخصية أم هو يمت بقرابة للون بدأ يشيع في الأدب الحديث هو ما يمكن أن نسميه الرواية السيرة . والرواية السيرة فن معترف به كما يقع الاعتراف بالصورة الفنية التي يرسمها الرسام لنفسه . أم ان هذا العمل جامع لكل هذه العناصر التي تشكل لوحته البانورامية الواسعة ؟ بالطبع أن الرد على هذا السؤال لا يمكن ان يتحقق لي إلا بعد صدور الجزء الثالث من هذا العمل وقراءة هذا العمل في جملته .

والواقع ان عملا بهذا الطول ولوحة بهذا الاتساع والشمول لا يمكن أن ينقذها إلا تداخل هذه الألوان وتنوعها أعني هنا تداخل السيرة مع المذكرات مع الرواية .

ثم ان أهم ما يميز السيرة التفرد فهي حاملة لسمات صاحبها لا تعدوه الى سمات غيره فلا تتشابه مع أي سيرة من السير صغرت او عظمت فلا تصح فيه المقارنة بسير تقدمتها او جاءت بعدها ولا سبيل هنا للمفاضلة بين السير فكل سيرة هي بصمة صاحبها التي لا تشبه بصمـات الآخرين في إطار هذا المعنى تبدو هذه السيرة متميزة بملامحها الخاصة . ومهمة النقد أن يرصد هذه الملامح الخاصة .


ولكن لماذا نكتب السيرة الذاتية ؟

نكتب لنبرر ونكتب لنفسر ونكتب لندافع ونكتب لنضع تجربتنا موضع الاستفادة والاعتبار ونكتب لنتحدى ونكتب لتسجيل المواقف التي يخشى ان ينساها وننكر لندافع عن أنفسنا احتمالات النسيان والجحود والنكران ـ ونكتب ـ وهذا لكي نتعرى وهو الأسلوب الذي يحكم الكثير من السير الذاتية في الآداب العالمية الأجنبية إذا كانت العصور قد عرفت المذاهب المعروفة بالسيريالزم والسيمولزم فان العصر الحديث هو وفي مجال السيرة الذاتية هو عصر ( السكاندلزم ) أي العصر الفضائحي . فقد أصبحت العصمة تجارة لرفع الأرصدة الى الملايين وأصبح السعي إليها للوقوع فيها يفوق السعي الى الشهرة العادية بل أصبحت الشهرة العادية مطمح الخاملين .

صاحب السيرة سلمنا المفتاح مند الصفحات الأولى فقد وجد نفسه في قصيدة الجرجاني الشهيرة فاسقط نفسه عليها وجعلها مدخلاً ومفتاحاً لمن يرغبون أن يحوسوا خلال حصونه وقلاعه وينفذوا الى ما وراء قناعة المتجهم وهذه القصيدة حبيبة الى نفسي جدا وقد سبق أن أوردتها في محاضرة عن السيرة الذاتية في الشعر ألقيت في القبة السماوية أيام كان الأخ البوصيري عبد الله أمينا لها . لا أتذكر السنة . وقد أراد أن يقول لنا بصراحة مع الشاعر


يقولون : أأشقي به غرسا وأجنيه ذلة

والغرس الذي شقي هو رحلته الثقافية ورحلة والده فهو امتداد لفارس سابق لعله هو الذي بث فيه الشعور البالغ في الحفاظ على المكتسيات التي ينبغي أن تتأكد لديه في التمثيل الثقافي والاجتماعي والسياسي في كيان المنطقة الصغيرة ومنها الى الكيان الوطني العام . وتحت هذا العنوان الكبير نجد التفسير لكل ما تميز به المؤلف من وعي مبكر بالأحداث التي تصوغ حياة أبطال هذه السيرة . ويبرز فيها أو في مرحلتها الأولى بَطَلاَنِ : الوالد الذي هو ( الشيخ ) والابن الذي هو الابن والمريد او التلميذ فلا غرابة في أن يهدي هذا العمل لشيخه ( الشيخ مختار ) وهذه علاقة جميلة بين الشيح ( الوالد ) والمريد الابن . وجدت كثيراً في التراث الإسلامي وتحتاج الى وقفات دقيقة لا يمكن لأي سيرة مهما عظمت مجلداتها وتعددت أجزاؤها أن تغطي حياة كاملة فلا بد هنا من الانتقاء للعلامات البارزة والدالة . يعجبني في الفن الروائي ، ما أسميه أنا شخصياً بفن الترصيع والتطعيم وهي أن تكون الرواية مرصعة بقصص وأحداث صغيرة تبدو بها الرواية وكأنها تمتمة فسيفسائية تستقل فيها كل قطعة بدلالتها ولكنها تصب كلها في العمل الروائي الكبير وتصبح كلها البناء الشامخ الذي يكون الرواية وأسوق نموذجا على ذلك أعمال الشاعر اليوناني ( نيكوس كزانتليس ) في أعمــــاله الرواية ومن أشهرها ( زوربـــا ) وكذلك في سيرته المعروفة باسم ( تقرير الى الغريقو ) وهي من أجمل السير في الآداب العالمية . كما أسوق على ذلك مثلا سيرة الطبيب السويدي ( أكسيل موتنيه سان ميشيل ) وهي لسنا هنا أمام سيرة واحدة ولكن أمــام سيرتين سيرة الوالد الشيخ من خلال الابن المريد وسيرة الابن من خلال الوالد . فهي توشك أن تكون ثلاثية الأجيال التي عاشها المؤلف . . وانعكاسات الأحداث المحلية والعالمية عليها وتأثرها في تكوين أفرادها بما يقدم لوحة شمولية للواقع الوطني والابن هنا يشعر بمسئوليته لا ازاء جيله فقط ولكن في تواصل الحلقات والدفاع عن الكيان الذي تحقق لأسرته بفضل هـذا الشيخ الذي كان منارة إشعاع ومثابة فضل . وربما كان هذا التواصل والغيرة الشديدة عليه هي التي هيمنت بظهر الغيب مثلت رقيباً على هذه المسارب ومساراتها .

لا يستمد الكاتب هنا من قراءات سابقة لأدب السيرة الذاتية ولا يحتذي نموذجا من نماذجها ولكنها يكتفي بقراءة الواقع المباشر الذي تحرك فيه صاحبه المباشر . والواقع نفسه قد يغني عن الاستمداد من الآخرين او احتذائهم خاصة لمن توفر على عين راصدة لأدق التفاصيل التي تزخر بها البيئة التي عاش فيها ترفده في جميع ذلك ذاكرة تاريخية واعية بكل الأحداث التي مرت بها فاطنة كل الفطنة الى علاقاتها ونتائجها عليه وعلى البتة التي يرصدها . إنه في هذا العمل يخلق أسلوبه الخاص في التعامل مع أدب السيرة . ولا يستطيع الناقد أن يرفض الأسلوب الخاص . وغاية ما يمكنه أن يحدد ملامحه وصفاته التي لا تغادره .

أخطر ما تتعرض له السيرة الذاتية حين يكتبها صاحبها هي الانتقاء والترتيب والتبرير بافتراض قيام نزعة الجحود والنكران فيمن يتحداهم بهذه السيرة ونعني بالانتقاء انتقاء الأحداث والمواقف التي يتم أبرازها بحيث تطغى على غيرها . ومن هنا كان احتراز بعض المذاهب النقدية الحديثة عن استخدام السيرة في تفسير العمل الإبداعي لمن كانت سيرته مصاحبة لهذا العمل . ويصعب علينا نحن المسلمين أن نابق من ملك ربنا فنخرج عن أرض له وسماء كما يقول المعري . يصعب أن نخرج عن ثوابت هذه الثقافة الإسلامية ، وسننها الثابتة السارية على الجميع . لم يسلم منها من كتب سيرته او من سيكتب . هنا الفرق بين ثقافتين ثقافة تؤمن ( بالستر ) وثقافة تؤمن ( بالاعتراف ) بل نقلت هذا الاعتراف من كرسي الاعتراف في الكنيسة الى الاعتراف أمام جميع الناس .

لم أره فرحاً بعمل من أعماله الأدبية فخوراً به كما رأيته فخوراً بهذه المسارب التي تبدو في جملتها قصيدة عز من تلك القصائد الشامخة التي نعرفها في قصائدنا العربية فخراً للأدباء واعتزازاً بالأبناء .

هذا عملٌ مدجج مند صفحاته الأولى وحتى نهاية الرحلة معه بالشمم والكبرياء والاعتزاز بالذات حتى لتشعر أن صاحبه يتحدى قوى خفية هو اعرف الناس بها تحاول ان تغصبه حقه الموروث او تنافسه فيه . ولذا فان البيت الذي أسقطه الكاتب على نفسه ينبغي أن يحال الى صيغة الجمع فيقرأ :


أنشقى به غرساً ونجنيه ذلَّة

اذن فأتباع الجهل قد كان أغرما


فهذا الغرس الذي يغار عليه ويستميت في الدفاع عنه ليس هو غرسه وحده وإنما تراث تأسيسي.

لابد أن نقول للكاتب أن نصيب الومضات الذهينة في هذا العمل أقوى من نصيب الوقدات الوجدانية ولولا هذه الوقفات المعبرة عن الحميمة في علاقة الشيخ بابنه ومريديه لا مكن القول بسيادة النزعة السردية التقريرية وناشئ الكثير من ذلك عن استسلام الكاتب للتداعيات التي تزحم نفسه وخاطره وتريد أن تشبع في الكاتب نزعة الاستقصاء والتفصيص وهي ربما كانت من المورُوث الشعبي الذي يقوم عليه السمر ونقل الحديث في تلك المناطق الصحراوية وشبه الصحراوية التي نشأ فيها المؤلف . طبعا هذا الحكم لا ينطبق على كل العمل فربما اتخذ العمل في الأجـــزاء مساراً غير هذا المســار . فلهذا كان الاحتيـــاط بأنهـــا مجرد انطباعات أولية انتقلت من دائرة البيئة الصغيرة الى عالم أوسع وأرحب هو البيئة الوطنية الواسعة ونجد المؤلف في ذلك متكــأ يريحه من هذا الضغط الذي يدفع به الى الذاتي والوجداني والخاص . وهو الذي يجعل لكل سيرة نكهتها الخاصة وطعمها الخاص .

وأقول ان النقاد سيبذلون جهدا لاكتشاف في هذا العمل وتصنيف شكله الفني . . هل هو سيرة ذاتية أم هو مذكرات شخصية . وقد يبدو السؤال الفوري التلقائي الذي يصادفنا ما هو الفرق بين السيرة الذاتية والمذكرات الشخصية ؟ فنقول أن السيرة شيء أقرب الى الفن بحكم الذات المنعكسة عليها ، أما المذكرات فهي أقرب الى التاريخ . هي وثيقة تاريخية تنقل إلينا الدور الذي قام به صاحبها كصانع للتاريخ او شاهد عليه .

والوثيقة هنا ضرورية لكمال الشهادة . وقد استعاض الكاتب هنا عن الوثيقة بالعناوين الكبرى التي حفظها الذاكرة العامة التي شكلت ظهرا مسانداً وشاهداً بالصدق له في كل ما سجل من أحداث الفترة التي عايشها . فلا نستطيع ان نتهمه بخيانة التاريخ فان وثيقته الكبرى هي الذاكرة العامة التي تساند هذه الحقائق .

لقد اختـــار الأستاذ أمين مازن أن تكون سيرتـــه الذاتية هي أضخم أعمــاله الأدبية ، وتجنب بذلك الطريق الذي سلكه كثير من الروائيين وخاصة الروائيين العرب في الاختفاء وراء نماذجهم وشخصياتهم الى الساحة بروز المثنبي في وجه الزمان . . .

(( ولو برز الزمان الى شخصا لخضب شعر مفرقه سناني)) فهل يستطيع النقاد الشباب والروائيون ان يعقدوا لعـــمله هذا قرابة بما نسميه ( الرواية السيرة ) وحين قال العقاد وفي تقديم سيرته المعنونة بأن ماذا يهم الناس من خصوصياتي كان يعبر عن واقع ثقافي يشمله ويشمل من يأتي بعده من أجيال .


مسارب أمين مازن مسارب تحكم العقل في رسمها وانتقاء الآمن منها وتجنب المسارب المحفوفة او لا توصل الى الهدف من اقرب الطرق . ولذا غلبت الذهنية على هذا العمل المحكوم بتخطيط صارم مند البداية وغاب البوح الوجداني فجاءت مساربه شيئا من السيرة الذاتية وشيئا من المذكرات ويستخدم المؤلف هناك ذاكرة واعية حافظة لا تكاد نقلت منها جزائية من الجزئيات الأحداث التي عايشها او انتقلت إليه عن طريق الرواية . بل تتسع هذه الذاكرة الحافظة الواعية باتساع اهتماماته التي نموذجا الشيخ كما تقدمه هذه السيرة وقد عرفت له شخصيا هذه المكانة الجليلة في لقاء به وتواصل معه على البعد من خلال تلاميذه ومريديه ومن الناهلين من عمله وفضله .

ويبدو أن هذه الصلـــة الروحية هي التي شغفت لأمين مازن فجعلتني رفيـقا فيما قلت ولي موعدا آخر مع هذا العمل الجيد الممتاز .

وأختتم بهذه اللقطة .


وأختم فأقول أنها مجرد انطباعات أولية قصد بها المشاركة في تحية صديقنا المفضال الأستاذ أمين مازن بمناسبة صدور الجزء الأول والثاني من ( مَساربِه ) الجميلة ، والعنوان في حد ذاته عنوان جميل وله دلالات غاية في الإيحاء .

وختم بهذه اللقطة الثراثيه . قالوا ان معاوية بن أبي سفيان اجتمع بشباب من قريش وكان فيهم الأشدق الذي سيكون فيما بعد من خطباء العرب فقال له معاوية :

بمن أوصى بك أبوك ؟ فقال الأشدق : لم يوصى لي أبي وإنما أوصى إليَّ . قال معاوية . وبماذا أوصي إليك . قال الأشدق : بأن لا يفقد أقرانُه إلا شخصته . والمعنى واضح أي أن تتواصل منه القيم .

 

- في الصورة الراحل خليفة التليسي - الامين مازن - الكاتب المغربي قمري بشير




______________________________

سؤال الإبداع .. سؤال المعنى

 

د. محمد القاضــي

كلية الآداب \ جامعة منوب \ تونس

 

كان يمكن لهذه " القراءة المبتسرة " حول " التجربة الإبداعية لأمين مازن " أن تندفع مباشرة نحو مساءلة مشروع السيرة في ثلاثية مسارب أو البنية السردية والإيحائية لرواية " المولد " فتتوقف .مثلاً. عند حركات الأنا وتفاعلاتها كوجود مزود بمعان في سيرة مسارب أو تتعاطى مع نص "المولد" " ككون روائي " واقعي " ينوس بالرسائل المشفرة رغم أدائه اللغوي التقريري .

إنها قراءة لا تدعي إحتيازها على نهج نقدي قادر على مقاربة تجربة أمين مازن التي وصفها عمر حمودة بالتجربة الصامدة في قراءته المتثاقلة عن رواية " المولد " بقدر ما تدعو جاهدة في إستهلالها إلى تبني تحالف أو إئتلاف منهجي يسعى إلى الإحتفاء بالنص أكثر من إحتفائه بمراجعه بعد أن توغلت المناهج التاريخية والإجتماعية والنفسية في إستضاءة المراجع على حساب النصوص والتعامل مع الأجناس الأدبية الإبداعية كوثائق تاريخية أو ظواهر إجتماعية أو عينات سيكولوجية وإهمال عمليات استنطاقها وتأويلها . 

هذا التكتل المنهجي الذي يأخد بالنتائج النقدية التي تحققها المناهج الأسلوبية والسيميائية الحديثة في الحقول الرمزية الثقافية لن يستبعد المناهج الكلاسيكية السابقة عن تداولاته التقدية وإنما سيعمل على تحرير " وتثوير " أدواتها بما يحقق لها فرص الدخول إلى فضاءات الرؤية النقدية الجديدة وهذا المنهج التكافلي الذي نادى به نقاد ومشتغلون بالفكر والفلسفة واللسانيات الجديدة لن يدعى القبض على حقيقة النص . حسب إعتقادي . فالحقيقة كما يراها بورديو . ستظل محل نضالات والنص دنيامية متواصلة لا تكتفي بتعديات المعنى حتى وإن جاء التأويل أحياناً متحاملاً ومتعسفاً !! .

هل هي الصدفة التي ساقت أمين مازن إلى أن يختار " مسارب " بصيغة الجمع عنوانا لكتابه ؟ وما هي هوية هذه المسارب ؟ ما منطلقاتها ؟ وما ملامحها وإلى م تقود ؟

من المفارقة أن يطرح المرء على نفسه هذه الأسئلة وهو يقلب هذا المؤلّف في أجزائه الثلاثة قبل أن ينفذ إلى أغواره ، وأن تبقى الأجوبة معلقة لاتزيد القراءة سعيرها إلا أوارا ، فتتفاعل أثناءها وتظل قائمة ممضة بعد الفراغ من الرحلة في طوايا هذه الأسفار .

الظاهر أن أمين مازن قد قصد إلى الخروج عن المسالك الممهدة والطرقات المألوفة فأخذنا عبر مسارب لا يعرفها إلا الخبير بها ، هي مسارب متداخلة متشابكة ، لانعرف لها موضعا في خرائط الإبداع ولانملك أن نثبت لها موقعاً في خرائط المعنى ولما كانت القراءة مسيجة أبدا بسياج الجنس الأدبي ، تماماً كالكتابة التي يقعدها المؤلف . وفق صيغ مخصوصة لا تتحقق من خلالها المقروئية إلا إذا توافقت مع أفق الانتظار السائد ، فإننا رأينا أن ننفذ إلى العقد القرائي الذي أعلنه أمين مازن من خلال عتبات النص ، وأول ما يلفت انتباهنا أن الكتاب بأجزائه الثلاثة لم يثبت في غلافه الأول ولا في صفحته الثالثة إلا اسم صاحبه "أمين مازن" وعنوان النص "مسارب" وفي هذا ما قد يدل على رغبة المبدع في أن يتحرر من أمسار المنظومة الأجناسية السائدة وطلب من القارئ أن يتخلص من موروثه المستقر في ذهنه حتى يدخل هذا النص البكر – أو الذي يعلق البكارة محرما متطهرا من رجس المألوف .         

فإذا انتقلنا إلى العتبة الثانية وهي الإهداء ، وجدنا أمين مازن يكتفي في الجزأين الأولين بوسم كتابه بالتركيز على جانبه المادي دون مضمونه أو مواصفاته الأجناسية ، فيهدي الجزء الأول إلى من شكلت حياته وأحاديثه النواة الأولى لهذا السفر ( I ، 5 ) ويهدي الجزء الثاني إلى من بالصبر والزهد والآباء كانت خير عون لما يحمل هذا السفر من حضور الفعل والقول ( II ، 5 ) في حين يكتفي في مستهل الجزء الثالث بالإشارة إلى الإهداء ( لهم ولشهداء الوطن عموما أمضى هذا الإهداء ( III ، 3 ) ومعلوم أن كلمة السفر لا تنطوي على أي محدد أجناسي داخل المنظومة الأدبية ، لابل أنها لا تعني أصلاً أن الكتاب ينتمي إلى الأدب . ولعل ما يلفت النظر في هذه الاهداءات إلحاح أمين مازن في أثنين منها إلى وعورة المسلك الذي توخاه ، فهو في إهداء الجزء الأول يقطع على نفسه عهداً بالتزام هذا الطريق الصعب " وفي إهداء الجزء الثاني يصف نصه بأنه ((تجربة قلم وملحمة جيل ووثيقة عرفان)) ويستوقفناها هنا الحاج المؤلف على صعوبة الطريق وبين الطريق والمسرب وشيجة ، فهل هذه الوعورة مكانية من مجال خاص متصل بالكتابة ، أم أنها مكانية من مجال عام متصل بالحياة إجمالاً ؟ كأننا بأمين مازن يسعى إلى إيضاح الأمر في إهداء الجزء الثاني حين يجمع فاصلا أو يفصل جامعا بين " تجربة قلم " وهي موصولة بالبعد الإبداعي الجمالي و "ملحمة جيل" وهي موصولة بالبعد التاريخي الفكري .

أما العتبة الثالثة فيجسمها ذلك الشاهد الشعري الذي يستدعيه المؤلف في مطلع كل جزء ، فيورد في أول الأجزاء أبياتا للقاضي الجرجاني ، وفي ثانيها أبياتا للمقنع الكندي وفي ثالثها أبياتا للمتنبي ، ولا يثبت أسم صاحبها .

الطريف أن عدد أبيات الشعر واحد في كل جزء إذ هي عشرة لاتزيد ولاتنقص .

وفي هذه الأبيات جميعاً صوت متكلم يعلن جهار أمنا واته للسائد وشقه عصا الطاعة على المجموعة أن فارقت ما يؤمن به ، وبهذا نفهم استحضار أمين مازن قول القاضي الجرجاني :

أرى الناس من دانهم هان عندهم :. ومن أكرمته عزة النفس أكربا .

وما زلت منحازا بعرض جانباً :. من الذم أعتد السلامة مغنما .

واستحضاره قول الكندي :

وأن الذي بيني وبين بني أبي :. وبين عمي لمختلف جداً .

فإن أكلوا لحمي وفرت لحومهم :. وأن هدموا مجدي بنيت لهم مجداً .

واستحضاره قول المتنبي :

وأني لنجم تهدي صحبتي به  :. إذا حال من بين النجوم سحاب

غني عن الأوطان لا يستفزني :. إلى بلد هاجرت منه إياب

ولا شك أننا من هذه الشواهد إزاء علامات تشي بوجود وحدة عضوية بين أجزاء هذه المسارب . وهي وحدة تتألف أطرافها من إعلان المؤلف رفضه لقيم المجموعة وارتفاعه عن ممارستها واعتداده بنفسه وفذاذته في مواجهة نكرانها بالإحسان وكفرها بالإيمان .

ومن كل هذا تتصدر المشهد في عتبات أجزاء " المسارب " الثلاثة صورة الطائر المحلق خارج السرب ، المدرب لخصوصيته ، المنحاز عن غيره ، المتمسك باختلافه الفني بما عنده ، ولعلنا بهذه المساءلة نفتح المجال لمساءلة هذا الكتاب من جهتين : أولاهما خصائص الإبداع فيه ، وثانيهما مميزات المعنى الثاوي في أعطافه .

 

سؤال الإبداع في مسارب :

يحتار قارئ مسارب وهو يطوي صفحات هذا الكتاب في إنمائه إلى نمط مخصوص ، وكأننا بعبد الله إبراهيم الذي قدم الجزء الأول قد أدرك ذلك فاكتفى بوسم "مسارب" بكونه نصا وأضاف أنه نص سردي ، وعلى مثل ذلك جرى محمد الفقيه صالح في تقديم الجزء الثاني ، ولكن تحديد نمط النص لم يحل دون التردد في تنزيله منزلة مضبوطة من منظومة الأجناس . فبعد الله إبراهيم يعتبر أن النص يتركب من مكونين أساسيين جرى التهجين بينهما بكثير من الحذق والدراية وهما: السيرة والتاريخ (1-11) ويذهب إلى أنه نص منفتح على أجناس بعضها سردى وبعضها غير سردى فيقول " يزخر مسارب بكثير من الإشارات والاقتباسات الثمينة التي تجعل منه ذخيرة حية للمأثورات الشعبية من أمثال وأشعار وحكم وحكايات ( I ، 15 ) .

وإذا نحن غضضنا النظر عن افتقار المصطلح إلى الدقة في جعل الكتاب سيرة تارة وسيرة ذاتية تارة أخرى فإننا لا نملك إلا أن نتوقف أمام عبارات ترد في أكثر من موضع توحي بأن " مسارب " رصد للتجربة التاريخية كما أنه بتشعباته ينطوي على تحليلات لكثير من الأحداث التاريخية والظواهر الثقافية والاجتماعية، فهو يشتبك معها وصفا وتقويما "عبد الله إبراهيم" حتى أن محمد الفقيه صالح يرى أن أهمية "الجزء الثاني" من مسارب لاتكمن فقط في رصده تجربة وخبرة أحد أبرز مثقفي جيل ما بعد الحرب من كتابنا وأدبائنا المعاصرين ، ولا في محاولته رسم ملامح بعض الرموز الوطنية والثقافية لذلك الجيل وجيل الستينات الذي تلاه بل وبالأساس فيما ينطوي عليه من إبراز لمعالم مجتمع مدني ليبي بدأ منذ أواخر الخمسينات في النشر وتنافس خلال عشرية الستينات (14-15) .     

إن آراء من هذا القبيل تهدد الهوية الإبداعية لهذا الكتاب لأنها تجعله غير بعيد عن التاريخ والنقد والرصد ورسم الملامح والتقويم ، لذلك حرص عبد الله إبراهيم على القول أن هذا الكتاب خلاصة تهجين بين السيرة والتاريخ اللذين ظلا متلازمين في حوار شفاف ، بحيث تحكي في مسار النص إلى نهايته (11) .

وأكد محمد الفقيه صالح لأمين مازن صفتي الأديب الناقد ورأى أن الجزء الثاني من مسارب " يتداخل فيه ويتزامن تكوين كاتبنا الثقافي كمثقف فرد ، مع تشكل الثقافة الوطنية الحديثة في بلادنا منذ أواسط الخمسينات ، أي بتداخل الخاص بالعام (12) ولعل هذا ما حدا بأمين مازن إلى القول في تقديم الجزء الثالث " الكتاب ليس تاريخاً ليبحث فيه عن الإحاطة ، وليس معجما ليطلب إليه إحصاء كل الأسماء ، ولكنه نص يتخذ من بعض الأحداث مرجعية .

نحن إذا إزاء معضلة يعسر حلها ، إذ الكتاب أشبه ما يكون باللغز أو الخطاب المعمى الذي لايتيسر فك شفرته ، فنحن منه أمام أحداث ذاتية وأخرى موضوعية ، تشده تارة إلى مجال الكتابة الإبداعية وتشده تارة أخرى إلى مجال الكتابة التاريخية الفكرية ، وكأننا بعبد الله إبراهيم قد وجد الحل حين جعل "مسارب" نصا يتجاوب مع تقاليد من السيرة الذاتية العربية ، ذلك الفن العريق الموروث الذي اهتم به المفكرون والأدباء والفقهاء ، وأرسوا فيه تقاليد صارمة وقد استكان محمد الفقيه صالح إلى هذا الرأي فقال " لا يزال كاتبنا في هذا الجزء أيضاً أمينا لتقاليد السيرة الذاتية في الأدب العربي من حيث التخارج عن الذات والانصراف إلى اليأس والثقافي العام ( II 14 )             

إن هذا الحل لغريب من وجوه : أهمها الإقرار بوجود تقليد سير ذاتي في الأدب العربي ن والحال أن السيرة الذاتية لم تستوفنا قائماً بذاته إلا بعد أن نشرت اعترافات "روسو" بعد موته في نهاية القرن 18 . ومن وجوه غرابته أيضاً القول أن الكتابة السير ذاتية العربية التقليدية تتجافى عن الذات وتنزع إلى المواضيع العامة ، فأين هي السيرة الذاتية إذن وما مسوغ الحديث عنها في هذا السياق ؟

ولقد أصاب أمين مازن عين الحقيقة حيث أنبرى في مقدمة الجزء الثالث يفند هذا الرأي معتمدا ما ينطوي عليه من تجربة ذاتية ما يذخر به من بعد إبداعي فقال " ما من عمل كتب له الخلود في دنيا الإبداع إلا وكانت التجربة الحياتية من أهم منطلقاته ، وما من سبيل لسمو النص الأدبي إلا بما يتوفر له من التمرد على الأشكال السائدة والنزوع القوى نحو الجديد ( III 12 ) والظاهر هنا أن أمين مازن قد قصد إلى أن يصيب بهذا القول عصفورين بحجر واحد العصفور الأول تأكيد مبدأ الإبداع الأدبي لهذا الكتاب الذي لا يمكن أن يعد وثيقة تاريخية أو شهادة موضوعية ، والعصفور الثاني رفض تنزيل الكتاب من تقليد الكتاب السير الذاتية واعتباره ضرباً من خرق المؤسس وارتياد الأفاق الجديدة.

والرأي عندنا أن الكتاب يندرج في صميم الإبداع الأدبي ، وإذا ما وجدنا تنازعاً فيه فإنه لا يقوم بين الخطاب الفني الجماعي والخطاب التاريخي النفعي ، وإنما يقوم بين خطابين جماليين هما خطاب السيرة الذاتية وخطاب المذكرات ، وكلاهما وجه مما يسمى بالأدب الذاتي ، والفرق بينهما أن السيرة الذاتية تهتم أساساً بالذات وتكونها في مسيرتها المعيشة في حسن أن المذكرات تولى عنايتها الذات وهي تفعيل فيما يحيط بها وتؤثر في الشأن العام .

وإذا كان فيليب لوجون لا يرى مناصا من الميثاق السير ذاتي وهو ميثاق ائتماني يعلن فيه المؤلف أنه مقدم على رواية قصة حياته من منظور استعاري ، فإن أمين مازن قد تعهد التعبير بالمعنى البرشتي فاختار الحديث عنه نفسه بضمير الغائب وأخر ما يمكن أن نعتبره ميثاقا إلى مقدمة الجزء الثالث ، وسلك في حديثه عن نفسه مسلكاً غريباً قوامه الطمس ولذا فهو لا يذكر اسم مدينته هون إلا بعد مائتي صفحة (I 188) وما عدا ذلك فهي بلدة أو مدينة صغيرة ، كما أنه لايصرح باسمه إلا بعد مائة صفحة حين يذكر كلمات أمه الأخيرة (لأمين يامختار) (I 97).

إن إبداع هذا الكتاب يتمثل في رأينا من جانبين : أولهما قدرة أمين مازن على توظيف مختلف الأجناس وصهرها في مشروعه السيرذاتي الذي ظل يظهر تارة ويختفي أخرى وخاصة عند إفساحه المجال للسيرة التي قدم لها نماذج منها على غاية من الطرافة ، والنادرة التي ترد من حين إلى آخر فتحمل المؤلف على سوق كلمان الشخصية في لهجتها العامية نثرا كانت أم شعراً ، والخاطرة التي تنفذ بنا إلى أعماق ذات المؤلف . وأما الجانب الثاني فهو الكتابة السيرذاتية المستحدثة التي عمد فيها أمين مازن إلى التعبير من خلال استخدام ضمير الغائب ، ولكنه مع ذلك جعلنا ندرك عن طريق التبئير أن هذا النص قصة نفس أساسا ، وأنه مكتوب بالذاكرة ، بهذا نحس بوهج النص حين تغدو الذاكرة سيدة الموقف .

فالمؤلف إذ يستعيد صورة الفتاة الإيطالية يقول " اللحظة تخلق العمر والعمر لايخلق اللحظة . والذاكرة سيدة هذه الأشياء ، وعذابها الذي لا يتغير على مر الزمن والأيام ( I ، 200 ) فأنظر كيف تغدوا اللحظة بؤرة يشيع نورها على العمر كله وتصبح لحظة البداية تلون الذات والأشياء وتلوم الكتابة . وقد زاد المؤلف موقفه هذا بيانا في الجزء الثالث إذا قال " ذلك الزمان الذي لم يبقى منه سوى طيف باهت في ذاكرة توشك أن تتلاشى أو تضيق بما حملت عبر الزمن ، إنه الكتابة على كل حال هي العاصم من وطأة الظروف الصعبة ( III ، II ) وبهذا تكون مسارب ضربا من البحث عن الزمن الضائع والفوضى في أعماق الذات الممتدة من الماضي إلى الحاضر توقا إلى استخلاص المعنى .

 

سؤال المعنى في مسارب

إن هذا الشكل الفني الجامع الذي أختاره أمين مازن لتدوين أهم أطوار حياته إلى منتصف السبعينات وأن اتخذ من الذات محوراً له بحثا عن تكونها وتنقيرا عن عناصر الوحدة فيها ليس إلا الاستجابة الجمالية لرسالة حرص على تبليغها ولبنية أولية لدلالة كامنة فيه ، يريد أن يخرجها من حيز الكمون إلى حيز الظهور .

ولقد ذكر لنا أمين مازن أن المناسبة التي دعته إلى الكتابة هي الغارة الأمريكية على ليبيا يوم 15/4/1986 وما أثارته في أبنته من خوف أعاد إلى ذهنه ما كان قد شعر به في مثل سنها حين قذف الطيران البريطاني مدينة هون خلال الحرب العالمية الثانية . إن الحاضر هاهنا يستفز الماضي ويستنفره غير أن الذاكرة تفيض عن الذكرى البسيطة لتعود إلى مجمل الحياة باحثة عن معناها وعن دلالة مسيرتها مسيرتها ، فهل التشابه بين الحديثين على بعد الشقة الزمنية بينهما دليل على أن التاريخ يعيد نفسه ؟

من هنا تأتي ضرورة المنظور الاستعاري الذي توفره السيرة الذاتية وقد لابسته رؤية جدلية للتاريخ تنكر السكونية والدورية وتؤمن بالحركة والتطور وولادة النقيض من النقيض ، ولذلك كان مدار الجزء الأول من مسارب على فترة تمتد من أواخر الاحتلال الإيطالي إلى أواخر الخمسينات ومدار الجزء الثاني على الفترة المتراوحة بين أواخر الخمسينات ونهاية الستينات ، ومدار الجزء الثالث على السنوات الأولى من السبعينات .   

إن هذه المفاصل وأن استندت إلى معالم عامة كبرى هي مرحلة الاستعمار ومرحلة الملكية ومرحلة الثورة تخضع لأطوار مرت بها شخصية المؤلف من مرحلة التعرف على البيئة الضيقة وبداية التكوين إلى مرحلة اتساع الآفاق وترسم ملامح الحياة إلى مرحلة الاسهام والعطاء .

ولا نملك ها هنا إلا أن نستعين بما قاله جان ستاردبينسكي عند تميزه بين نوعين من السير الذاتية : أولهما موسوم بالترف وقوامه تصوير التجربة الماضية ملفوفة في أهاب السعادة وكأنهما الفردوس المفقود وثانيهما موسوم بالنضال وقوام تصوير ماضي الشخصية وقد تسربل بالصعاب والتحديات ، ورغم أن ما قدم زناد الكتابة وبما أوحى بأن المؤلف يلوذ بما فه من حاضره فإن الحقيقة على غير ذلك تماماً . إذ يفتح المؤلف سفر حياته ليحلل فصوله ويلم شعثه ويستخلص مقومات الوحدة الكامنة بين أجزائه مركز أعلى الأحداث والمواقف التي واجهته فيها التحديات ومن أن تظل من عزمه .

بهذا يمكننا أن نقرأ " مسارب " بوصفه سيرة ذاتية لا يريد صاحبها أن يركن بحثا عن الراحة والنعيم وإنما هو يتوغل في مضايفها مسائلا باحثا عن المعنى الخفي الذي يشد أجزاء المشهد . ولعل مركز " استقطاب المعنى هو التحول الذي أصاب الذات من خلال جدل الإثبات والمحو، فهي ذات لاتني تتطور حتى أن مسيرتها لتكاد تصبح ملحمة يقوم فيها الجديد على أنقاض القديم ، والفارق على أنقاض المشاكل .

ولكن هذه الذات تنطوي على بعد مرأوي فما هي إلا الصورة المصغرة للأسرة التي يتحكم فيها جدل التماثل والتناثر ، والمدينة التي تخضع لجدل الثبات والتحول ، والوطن الذي يحكمه جدل القيد والانعتاق . والعالم الذي يجسد جدل القطري والكوني . وفي هذه المجالات كلها يحرص أمين مازن على إبراز التحول الذي أعترى سلم القيم ، لا في ذاته هو وحسب ، بل في مدينته ووطنه وأمته والعالم الذي يعيش فيه .

ولهذا السبب أختار أمين مازن ضمير الغائب محورا لسيرته الذاتية . وليس هذا الاختيار تقليدا لطه حسين ولاهو هروب من المواجهة ، ولا هو دليل على تنازع جوهري في " مسارب " بين المشروع السير ذاتي ومشروع المذكرات . أننا نذهب إلى أن ضمير الغائب كان اختياراً إجمالياً أملته رؤية أمين مازن لعلاقة الفرد بالمجموعة وعلاقته بالكون ، فهذا الضمير يحقق لجنس السيرة الذاتية انفتاحا حراً على أجناس مختلفة ، وهو إلى ذلك يضطلع بوظيفة رمزية ثنائية فهو بمثابة الجزء الذي يدل على الكل والعالم الأصغر الذي يختزل العالم الأكبر .

ولعل ما تختص به الكتابة في مسارب أنها لا تنتهج وجهة محددة مضبوطة سلفا وإنما تتعرج بحسب مناطق الحيرة والغموض التي تمر عبرها ، فهي ليست صدى ألياً للخارج بقدر ما هي غوص في التجربة ومساءلة لها وبحث عن المعنى في عالم متحول ، ولعل هذا ما يفسر لنا الخروج التجريبي في هذا الكتاب وروح التحدي الذي تسري فيه وبهذا لا تكون الذات معقد البطولة وإنما تتصور الكتابة الموقف بوصفها الحدث الفاعل على صيد الإبداع وعلى صعيد الواقع والعامل الأساس في توليد المعنى وتوجيه الذهن في عالم أضاع وجهته وفقد لوصلته .

وما طرق المؤسس في مستوى الجنس الأدبي إلا صدى لرفض السائد في مستوى الممارسة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والايديلوجية والبحث عن قيم بديلة في عالم متغير .إنتهى




_______________________________





مسارب ذاكرة أمين مازن عن خارطة الوطن


منصور أبوشناف

 


استطاع الأستاذ أمين مازن في كتابه "مسارب" أن يقدم لوحة جد متنوعة للحياة

الاجتماعية والثقافية والروحية في الثلث الثاني من هذا القرن – في مدينته الصغيرة هون بالجماهيرية العظمى – ناهيك عن الحياة السياسية التي حفل بها كثيرا ومنحها فضاء واسعا من كتابه عبر صور بانورامية لعديد من الشخصيات التي عرفها عن قرب أو كان لها كبير الأثر في نفسه أو كانت لها بصمة في الحياة الاجتماعية أو الثقافية أو السياسية.

ولأنه امتلك ذاكرة حديدية فقد أفاض في الحديث بشكل يثير الإعجاب فلم يترك جزئية صغيرة أو كبيرة لحوادث وقضايا مؤثرة إلا وجاء على ذكرها ! ولم يكتف بهذا بل أشبعها تحليلا واستفضاء بصبر ودأب يحسد عليه. هذا السرد الدقيق قد يجدد نشاط ذاكرة الكثيرين ويحرك عواطفهم ويهز مشاعرهم ويملاهم بالحبور لمواقف إنسانية وقومية اتخذها هذا أو ذاك من الشخصيات الواردة في الكتاب.

إنها رحلة الزمان والمكان وان كان المكان يبدو محدودا حدود تطلعات الإنسان في ذلك الزمان.

وقد يعترينا العجب إذا علمنا أن هون مدينته الصغيرة داخل الصحراء كانت منقطعة عن أي تماس حضاري وتعيش عزلة مفروضة عليها بحكم الموقع لا تختلف في سلوكها الاجتماعي وارثها الثقافي ووعيها السياسي عن الحضر أو حواضر البلاد ألا في جزيئات صغيرة وهوامش لا تقدم كثيرا ولا تؤخر فالواقع الحياتي في جميع جوانب يتشابه تشابها يكاد يكون كليا. فهذا الشعب قد حوصر مئات السنين وفرض علية الجهل والتخلف فرضا ! سواء من الاستعمار التركي أو الايطالي هذا التجهيل الجباري قد وحد بين حواضر البلاد وبواديها فكرا وسلوكا ورؤية. الحياة الروحية والثقافية لمتساكنى هذه المدينة الصغيرة كل منها يلقي بظله على الأخر تأثرا وتأثيرا سلبا وإيجابا أخذا وعطاء في حوار مستمر حكمته الظروف وأملته المواقف فالحياة الروحية نتاج للحياة الثقافية فبقدر سمو الثقافة ورقيها بقدر ما تتماسك أواصر الدين وتقوى والعكس صحيح فتراجع الحياة الثقافية وانحسارها يلف الحياة الروحية الضباب وتكتسحها أفكار تفسد مسارها الصحيح. وعلى الرغم ديني في أغلبة إلا انه لا يعدو حفظ القران الكريم ولا يزيد قليلا عند البعض ليشمل إتقان الكتابة وتجويدها وهو ما أدى إلى سيطرة القضايا الجانبية واشتداد الحوار حولها يصل إلى القطيعة. كما إن القضاء لضعفاء قد خضع لمجموعة من الأعيان استكان لرأيهم ورضي بحكمهم من دون تمحيص أو دراسة واقعية بالرغم من أنها ذات تأثير بالغ في الحياة الاجتماعية وفي مصائر بعض الناس ممن شملهم بأحكامه المبينة على هوى في النفس ! او على الأقل غير وافية بمنطق القانون والعقل.

فدم لنا الكاتب معلومة مفادها إن الطريقة العروسية او الاسمرية للشيخ عبد السلام الأسمر دفين زليتن هي إحدى فروع الشاذلية وأضاف " كما جاء في سلسلة الشيخ التي تحفظ هنا عن ظهر قلب من قبل الكثيرين فهي تتلى كل مسائي الأحد والخميس

المشاغل المعيشية والوعي

إن السارد وعبر رحلة الجزء الثانى يؤكد على الاحساس بمشاغل الناس لبمعيشية والسياسية وتطور هذه المشاغل مصحوبة بتطور الوعى الثقافى والسياسي لجيل تلك المرحلة من المثقفين والسياسيين والنقابيين مصحوبا بالمثل بتطور أدوات التعبير عن هذا الوقاع الجديد ، فالصحافة الوطنية والاذاعة والنقابات وكذلك الشركات المساهمة كشكل اقتصادى جديد ، كلها أشكال وأدوات تطوير لهذا الواقع الذى يستبدل أشكاله الاجتماعية والاقتصادية القديمة بأخرى جديدة قادرة على مجاراة العصر . عبر هذه الادوات الجديدة تتمكن الذات الساردة من إدراك وجودها ومعناه ، وكذا من فهمها لمعنى الكيان ، على ضوء هكذا وعى وفى هكذا وعى ورغم بساطة هذا الواقع فإنه ورغم طابع المحافظة المسيطر عليها يتيح لإبنائه إمكانيات المعرفة حتى تلك المختلفة عنه والمتعارضة مع قيمه المحافظة فالفكر الاشتراكى والتوجه القومى باشكاله ومفاهيمه المتعددة والمتنوعة مطروح كانماط تفكير وكتوجهات اجتماعية يفرضها الواقع كبدائل له ، لكان الواقع الاجتماعى عبر سرد " مسارب " وهو سرد وكما اسلفت سرد غير برئ وواع بشدة لاَلياته وتقنياته لكأنه يفرز حثيثاُ بدائله الافضل وينحاز لها.

ان التاريخ الخاص والعام عبر " المسارب " لعبة الواقع الواعية والسلسة من أجل المستقبل – وذلك الواقع متحولا – (ليس فى المدينة مايفرض التمسك على النحو الذى يضحى من أجله بالاعتبارات الاسرية) تمثل هذه الجملة تعبيراً عن التردد الذةة يفرضه الواقع الاجتماعى عندها على الانسان ذلك الجيل . فالمدينة بمؤسساتها الجديدة الطرية العود كان لايزال من الصعب الرهان عليها والانتماء الكامل لها ، وقطع الصلة بالمجتمع القديم ، فلازال ذلك المجتمع بقيمه وابنيته الاقتصادية والاجتماعية وانتماءاته أكثر فاعلية من المجتمع المدنى الحديث ، ولكن الشخصية المحورية لمسارب تدرك ان المستقبل هو المنتصر فى النهاية ، ولذا تراهن عليه وتنتمى لقيمه وتعمل على تسويدها ، إن استعمال ضمير الغائب بدل المتكلم عبر سرد " مسارب " يعبر بشكل ربما لاواع عن هذا المستقبل الذى كان لايزال غائب، دون ان ننسى عوامل التكوين الاجتماعى والثقافى للشخصية وكل مجاييلها . كما أشار الى ذلك الاستاذ محمد الفقيه صالح فى مقدمته لكتاب .

سرد سلس وروائى

يتدفق السرد فى " مسارب " بسلاسة ويقترب فى غالبه من السرد الروائى فى خلق اجواء روائية تتبع الشخصيات وتطورها ، وهكذا فى تتبع الاحداث ونموها بطريقة تستهدف الشد والتأتير فى القارئ. أن " مسارب " تقترب من تقنيات الرواية التسجيلية بأستهدافها لرصد تطور شخصيات واقعية وحقيقية فى فترة زمنية محددة وكذلك برصدها لتطور المكان فى زمن تاريخى محدد.

ان هروب " مسارب " من تحديد الشخصيات بالاسماء والملامح الجسدية المميزة جعلها تبتعد عن تقنية المدكرات الشخصية وجعلها عملا اقرب الى انتاج المخيلة الروائية . فهى بالنسبة للقارئ الذى لايعرف الامكنة والشخصيات عملا روائياً انتجته المخيلة موازيا للواقع وشخصياته اذ ذاك . ويبعدها التكتم الشديد على الخاص جدا كالعلاقة بالمرأة عن المخيال الروائى ، لان الكاتب يميل الى كتابة المذكرات الشخصية ليلعب التكوين الاجتماعى والثقافى الدور فى التهرب من هكذا خصوصيات.

تظل " المسارب " عملا يكتسب اهميته من ذلك التدفق المذهل للتفاصيل . تلك المهمة للغاية بالنسبة للاجيال ، سواء التى عاصرت هكذا أحداث أو التى لم تعاصرها، انها تمثل بحق جسراً مهما بين الاجيال يقدم تجربة جيل هو فى الحقيقة جسر يمتد بين مرحلتين خطيرتين من التاريخ الوطنى، مرحلة ماقبل الحرب والاحتلال ، ومرحلة مابعد الاستقلال بكل طموحاتها ، وكذلك بكل إحباطاتها وبكل نماذجها البشرية المترددة والمندفعة ، والتى تحن الى ماض رغم مايحمل هذا الماض من تخلف.

إن " مسارب " وثيقة عن تشكل الكيان دونما بحث فى معنى ذلك الكيان ، إنها تجربة مهمة فى تطور المكان والعلاقة هذا التطور واثره على شخصيات هذا المكان (نار اى بقعة من هذا الكيان تنضج خبزاُ وشخصيات). إنتهى


___________________________

تحية لمسارب العبور إلى قلب الوطن

 

د.جمعة عتيقة

 

استطيع الزعم بأننى قد عرفت مسارب الامين مازن قبل ان اتعرف على مساربه .. اما كيف كان ذلك .. الزمن بداية صائفه سنة 1965 ان لم تخى الذاكرة المثقوبة .. المكان فوق سطح احد عمارات شارع عمر المختار حيث مقر ناد كان يسمى ( نادى مصراته بطرابلس ) وكان المحاضر احد المنتمين الى تيار يقوم على عداء مطلق للحوار يعتمد خط نقى واقصاء الاخر وكان موضوع المحاضرة فيما اذكر يتناول كتاب " مستقبل الثقافة فى مصر "للاستاذ طه حسين ... لم يترك المحاضر يومئدحدا من اعلام الفكر والثقافة العربية الا وامطره بوابل من التهكمات والتجريح الذى وصل الى حد التهكم والسخرية فمن ساطع الحصرى الى طه حسين الى العقاد محمد مندور والى محمود أمين العالم.. الى سمير أمين... الخ وكان سخيا فى اطلاق النعوت والاوصاف تصريحا وتلميحا همزاً ولمزاً.

وما ان انتهي حفل الشتائم والقدح البعيد عن العلمية والموضوعية وفتحباب النقاش او ربما قبل ذلك بقليل!!حتى تفجر صوت في القاعة وانتصبت قامة تدافع عن هؤلاء الاعلام وتعلن في شجاعة وجراءة صارمة انحيازها الى حرية الكلمة وحق الاختلاف بل وتتصف من سفههم المحاضر ..يومها كنت يافعا اخطو خطواتي الاولى في محاولة لان افهم (روعة الحرف الذي يصنع للانسان سلما)وتاملت امين مازنوتحسست نبرته الصادقة في الدفاع عن قيم الخير والجمال والتقدم يومها عرفت مسارب الامين مازن ثم ازداد تعرفي عليه فيما بعد مشاركا وفعالا في الحياة الثقافية (نادي بالخير)_ جمعية الفكر الليبية التي تاسست سنة0 1959 نادي الاتحاد) واقتربت منه على المستوى الشخصي فازدادت معرفتي باشيخ كما يحلو لتلاميذته واصدقائه ان يسموه ثم انقطعت اوصال اللقاء والصلة الشخصية بسبب ظروف غيلبي المتكرر وحينما التقينا بعد انقطاع وجدته نفس المحارب الذي لايلين ونفس المافع الذي لايهدا عاركته الايام وعاركها وصقلته التجربه ومادية الافق الا ان الروح لازالت خفاقة ترفرف في عالم الكلمة وتبشر بالغد الحق واليوم نلتقي معه في مساريه التي سجل فيها شهادة ذاتية وموضوعية عن فترة من اغنى فترات تاريخنا الوطني.فدعوه الى قليل من الولوج والتجوال والتسكع في مسارب هذا الرجل حيت تصافحنا صورة افادة جميلة ونشم عطر الناس الارض ومعاناتهم وهم يعيشون العسف تحت وقع احذيه الفاشيست ومقاوتهم لها... الطرق الصوفيه.. صورة الوالد الذي يشهد له الجميع بحضور اجتماعي متميز وقدر غير محدود من الحكمه والرصانة.. قدوم الكاتب الى طرابلس ومحاولته خلق نوع من الحماية الذاتية وذلك بالاستعانة بمخزون من الحكايات عن المدينة واجوائها رسمها في مخيلته قبل دخول بوابة المدينة ربما لمواجهة ما يتعرض له كل من يفد الى المدينة من اغتراب وتوجس. بداياته على طريق الكلمة.. لجوء الى الحماية بعض اقارب في طرابلس البعد الجغرافي وعلاقته بالابداع ارهاصات تكوين المجتمع المدني.. كما نلتقي ونصافح بين دفتي المسار باسماء حفرت عمقا في الوجدان الثقافي .هناك على الرقيع وحميميه علاقته بالكاتب خليفة.. ودنف المسلاتي.. يوسف.. كامل.. بشير.. وغيرهم من الاسماء كذلك عوالمه الخفية التي يطرقها بحذر شديد مع جميلة غزالة ولعل ما تبقى هنا هو وقفة مع المسارب نحول ان نبدي فيها بعض الملاحظات العامة نلقيها كنتيجة لهذا العمل الجميل.. ان كتابة السيرة الذاتية هو من اشق صنوف الكتابة فهي بمتابة التقطير الائتلافي للذات تواجهه اشكاليات عدة. هناك توازع الذات وانانيتها وهناك المحرم التقليدي (وخاصة عندنا) وهناك حديث النفس والهوى.. ثم مشكلة الدقة والاحاطة.. فقليل من الكتاب تغلبوا على هذا الاشكاليات وكتبوا سيرتهم بتجرد واقتحامية وصدق كما فعل (جان جاك روسو) و(اسكار وايلد) .. ولعل من العرب لا نذكر سوى (لويس عوض) (اوراق العمر)سلامة موسى (تربية سلامة موسى) ومحمد شكري في(الخبر الحافي) وبقدراقل من محمد عابد(في حفريات في الذاكرة) اما غيرهم فقد كانوا محكومين بالعوامل التي ذكرناها وتدفعهم رغبة جامحة على تاكيد الذات المبجلة المحترمة التي تتزين لاعين النلس في ابهى صورة ممكنة ولم يخرج الامين مازن في مسارية عن هذا المسار فهو وان كان ركز جل همة على رصد مظاهر الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية في سرديته المشوقة ووصفه الدافئ لقريته والتي لشدة حبه لها قد وقف بها في التصوير على مشارف (المدينة الفاضلة) وربما كان ذلك حقا مشروعا للكاتب فهي قد حفرت في ذاكرته ووجدانه خطوطا مباشرة عميقة جعلته يعاني من (نوستالجيا) دائمة صاحبته حتى نهايات مسارية الا اننا نرى ان المسكوت عنه في تصوير ملامح الحياة العامة في قريته جعل من حقنا ان نساله اين هو قاع المدينة القرية وما يخزنه من حياة سرية وعوالم خفية لها مساحتها وفعلها في حياة الناس وتشكيل شخصياتهم حتى وان تظاهروا بازدرائهااين جلسات اللافي..(وصويحبات يوسف) اليس هناك الناس من لحم ودم ونزوات وامسيات الطرب والفن. ام ان الحرص على صورة الذات المهيبة المحترمة الوقورة قد اخذت بخناق الكاتب:

ثم ان هناك نوعا اخر من المسكوتات عنه ربما كان له دافع.. فتضلع الكاتب في فهم (فقه الواقع واجادته الدقيقة في ترتيب الامور دون المساس بالثوابت قد ذهبت به احيانا الى السكوت عما لايجب السكوت عنه فهو حينما تعرض مثلا للطرق الصوفية فهو ذكر بعضها وركز على الطريق العروسية وبين اثرها في الاهالي في حين اغفل وجود حركة اخرى كان لها ابلغ الاثر وهي الحركة السنوسية _وانا هنا اقصد الحركة الاصلاحية البعيدة عن ذلك العجوز الذي كان قابعا في قصر الزيتون تحمية مدرعات الانجليز.

هذا مثل عابر للكثير من المسكوتات عنه عند المين مازن وفي الجزء الثانى يصل بينا النصالسردى الى الحد الدى يدفعنا ان نقول فيه معا ( على حرب ) ( ان استراتيجية النص تقوم على جملة من الالاعيب والاجراءات يمارس الخطاب من خلالها بلباقة فى الحجم والاقصاء او فى التبديل والنسخ ) وربما دهبنا ايضا الى حد القول ان الكاتب ربما كان مقتنعا ( بان قوة كل نص هى فى حجبة ومخالفته لا فى افصاحه وبيانه فى أشتباهه والتباسه لا فى احكامه واحكامه) ففى الجزء التانى واجهنا الكاتب بصدمة أكبر بمسأله الحجب والاقصاء والمسكوت ابتداء من الاسماء التى جاءت بلاكنية اوقعتنا فى لبس وأشكالية التخمين والترجيح.

قد نرجح أن تكتيك لامين مازن وتعامله مع حقيقة النص هى التى دفعته الى ذلك والا فما الذى يمنع الكاتب مع ذكر الاسماء.

عبد الله قويري ، كامل عراب ، مصطفى الامير ، فرج فليفل ، المهدى السوكنى ، بشير كاجيجى ، عبد اللطيف الشويرف ، خليفة التليسى ، وحتى رجب الاحول ، رغم اننا نجد اسماء كاملة فى بعض المواقع الاخرى .

هناك احدات اخرى كانت بارزة مدوية فى الحياة السياسية انداك لانكاد نجد لها دكرا فى المسارب يحضرنى منها الان دلك اللقاء التاريخى الذى تم عقب عدوان 67 فى مبنى بلدية طرابلس والذى نسأل الله ونناشد القائد أن يجميه مما يدور حوله من شائعات هذه الايام

ذلك الاجتماع الذى ضم وجوها وطنية عبرت عن موقف الشارع الليبي ونبضه القومى ، واذكر ان مبنى البلدية كان محروساً يومئد بقوات الامن  التى منعت الجميع من الدخول الى قاعة البلدية الى أن جاء المرحوم محمود الخوجة وكان انذاك عميداً للبلدية واقتحم قوات الامن وفتح القاعة لاولئك الذين اجتمعوا منددين بالعدوان معلنين النصرة لاشقائهم داعين الى الاضراب العام ومنع تصدير النفط ولااعتقد ان كاتب المسارب كان غائبا فى ذلك اليوم .

هناك بعض المحاكمات السياسية الشهيرة لم تأخد حقها من الكاتب رغم معاصرته بها هناك كشاط جمعية الفكر . الذى كان يملأ الدنيا ويشغل الناس.

ان ماسكت عنه الامين مازن كثير وربما كان مرد ذلك الى جانب حسابات الواقع أنه جعل ذاته وما يدور حولها هى التى تحدد مسار المسلرب وخطوطها.

أيها الاعزاء.

انا هنا لست ناقداً لهذا العمل الرائع وما ذكرته ليس سوى دعوة لقراءة باطنية تبحر فى النص كاشفة متفحصة " الاوراق المستورة " كما يقول حامد نصر ابو زيد.

بقيت تحية حب صادقة لهذا الرجل الذى سجل بأسلوب شفاف سفراً رائعا من اسفار تاريخنا السياسى والاجتماعى وتحية تقدير لجهده وثابرته واسهاماتها التى تعلن دائما انحيازه الى المستقبل والتقدم.

تحية مودة لهذه الدفقات من الشوق العارم التى فاضت بها مساربه


________________________

قراءة في نص مسارب

جماليات النص السردي لا تعوض الإقصاء المنظم

 

مصطفى الهاشمي

 

السرد التاريخي والتأصيل الجهوي للمكان، والذات التي تفصح عن بعض من سيرتها، بقدر كبير من الحياد والتحفظ ، هي المحاور الثلاث التي أنطلق منها الأستاذ أمين مازن في كتابة( مسارب)(1) هادفاً فيما يبدو إلي إماطة اللثام عن تجربته الذاتية، وعلاقتها بالمكان باعتباره أحد المكونات الهامة لرسم شخصيته وهويته وبنائه الوجداني، وعلاقتها بالزمان باعتباره عينا راصدة لشواهد الماضي ومعالمه، في جدليه معمقة، ارتكزت على ثوابت ومتغيرات الأحداث، والحيز الجغرافي والديمغرافي المحدود لبلدته هون، تلك الرابضة وسط صحراء جرداء مخيفة ولا تستأنس إلا بشقيقتيها بلدتي ودان وسوكنة، اللتين تشكلان معها ثلاثياً حيوياً ظل حلقة وصل بين شمال البلاد وجنوبها، على مدى فترات تاريخية متعاقبة، وإن كانت بلدة هون هي الأكثر حضوراً في متغيرات الأحداث بالنظر إلي إستراتيجية موقعها الذي يتوسط البلدتين الآخرين من ناحية وما لها من رصيد نسبي من التراكم الإداري الاعتباري من ناحية أخرى .

وفي حماة تشعبات النص تجلت قدرة المؤلف على تطويع اللغة، وإخضاع المستعصي من تعابيرها فضلاً عن رشاقة الأسلوب، ونحت المفردات التي تتسق مع تداعيات المواقف المختلفة في خطاب يمزج فيه بين الأسلوب الروائي والحس التاريخي الرفيع، مما أضفي على البناء النصي قواماً متماسكاً يليق بمقدرة المؤلف ومكانته المرموقة بين صفوف أدبائنا الليبيين والعرب على حد سواء إن مسارب (وهو عنوان الكتاب) في صيغة الجمع و مفردها مسرب، عنوان تتوفر فيه كافة الشروط التي تتناغم وتعبر عن أبعاد النص لما تنطوي عليه هذه الكلمة من مداول لغوي ، موغل في الخصوصية ، والنزوع نحو الذات ، لان المسرب ليس طريقاً أو درباً أو نهجاً يسلكه الجميع ويدرك منعطفاته الخاص والعام بل هو مسلك تحسسي ذو علاقة بالخصوصية الفردية، لذا فإن المؤلف كان دقيقاً في اختياره لهذا العنوان وإن كان قد بالغ في تحديد المداول الحرفي للكلمة، حيث أعتبرها رخصة سارية المفعول لتمرير الوقائع والأحداث المهمة بغموض متعمد .

ومن ثم فإنه لم يستطع في نصه تجاوز تخوم البعد الإيحائي ولم يشأ البوح والإفصاح بالحضور الشخصي فآثر التعبير بضمير الغائب ، متبعاً خطاً تحفيظياً متطرفاً في تناوله وفهمه لكتابة التجربة الذاتية وفق تقاليد عربية ثيوقراطية قديمة تابعة من قناعة نابعة من قناعة مفادها، أن كتابة السيرة الذاتية لا ينبغي لها أن تكون أداة يسلم عن طريقا الكاتب نفسه من المرة الأولى بوضوح كامل إلى القارئ لما قد يترتب على بوحه وشفافيته من رفض واستنكار أو اهتزاز لصورته، إن مثل هذه التقاليد لم يعد لها مكان في الحركة الأدبية الحديثة، لأنها تصور مثالي يشكل تحريفاً متعمداً لا يتجزأ من تاريخ الوطن السياسي والثقافي والاجتماعي ، والكاتب صاحب التجربة هو الذي يرسي قواعد التواصل الإنساني ، الذي يلغي كل الحدود والحواجز ، التي تفرض الإقصاء المتعمد لكثير من الوقائع والأحداث المهمة.

وفي كتاب مسارب الجزء الأول، لا يحس القارئ بأية رغبة للمؤلف في التمرد على الطمس والإقصاء، بل أن معظم تشعبات النص قد مرت بمصفاة ضيفة الثقوب ، فهو لم يبرز بالقدر الكافي روح الأحداث والمواقف التي صنعها الآخرون، وعايش هو شخصيا جزءاً منها عبر مساحة زمنية ، تكفل له الاستقراء الصحيح، وتحديد العلاقة بين الجزء والكل والخاص والعام، بوصفه ينشر على الملأ ، محصلة تجربته الذاتية ، التي هي جزء صغير من تجربة شعبه ووطنه وأمته.

ولما كان الكاتب أمين مازن قد وضع حائطاً ضخماً بينه وبين القارئ فإنه بذلك قد نحى منحى السردية الإخفائية التي طالت حتى التواريخ الرقمية للوقائع والأحداث المختلفة التي برع في تحليلها وقراءاتها بمهارة وفق منهجه الخاص، بل أنه اكتفى بالتقدير العشوائي لصيرورتها، كمثال على هذه السردية الموغلة في التعميم فإنه حينما يتحدث عن الطريقة الصوفية العروسية، في الفصل الأول من الكتاب صفحة (44) يقول (أن تاريخ الطريقة العروسية قديم قدم التاريخ ومشيختها تتوارث منذ مئات السنين)، أن هذا التحديد الزمني لتأسيس الطريقة العروسية بالبلدة ليس دقيقاً ، كما أنه لا يتفق مع المصادر التاريخية.

إذ أن هذه الطريقة التي نشرها السيد عبد السلام الأسمر لم تنتشر في وسط وجنوب البلاد الليبية إلا في أواخر القرن الثامن عشر عن طريق بعض المريدين الذين وفدوا إلى المنطقة من شمال البلاد لظروف مختلفة ، ثم يشير بإسهاب إلى اختلاف الطريقة في البلدة وتميزها عن سواها في الشمال من حيث نبذ طرح بعض البراهين المتمثلة في لعق الحديد الملتهب وضرب السكاكين في الأمعاء وغير ذلك من مظاهر الشعوذة التي تمارس في زوايا الشمال ويرجع المؤلف هذا الاختلاف والتميز إلى الوعي الديني الذي انتشر في البلدة وما جاورها لكنه لم يذكر مصدر هذا الوعي والمرجعية الدينية أو الثقافية التي كانت وراء هذا التنوير المبكر، وكان لها أيضاً تأثيرها في البنية الاجتماعية والثقافية سلباً أم إيجاباً ولعل إقصاء هذا الجانب يرجع إلى قناعة المؤلف بضرورة إتباع مبدأ ما يراه استئصالا للرواسب التاريخية من وجهة نظره.

إن هذا الانتهاك الفض للحائق التاريخية لا يتفق البتة مع رسالة التجربة الذاتية التي من المفترض أن يكون صاحبها شاهداً على العصر واضعاً في اعتباره الأهمية القصوى لتجربته التي هي مرجع وقدوة وحصاد لأجيال قادمة.

لقد زخر النص بحشد من الأحداث دون أن يضع لها المؤلف إطاراً تاريخياً محدداً وراهن بصورة كلية على خلفية القارئ ، وأوكل إليه مهمة التخمين ، والتقدير الزمني للأحداث المختلفة في النص بداية من تاريخ ميلاده هو شخصياً ، إلى مجمل ما ورد في الفصل العاشر.

وكان يمكن أن يحدد التعيين الزماني لكي يكون أساساً لتلاحق الأحداث وازدحامها لكي تكتمل الصورة وتتضح أبعادها للقارئ لكنه لم يفعل ذلك واكتفى فقط بتقاطع المراحل والوقائع.

وفي النص حشد كبير من الشخصيات المختلفة، ذات المواقف المتعددة والمتناقضة وهي تنقسم إلى مجموعتين رجال ونساء وفي كل مجموعة فئة من الكبار وأخرى من الصغار وشكلوا جميعاً محاوراً لأحداث مختلفة على الصعد الاجتماعية والثقافية والسياسية والدينية وقد حشروا جميعاً في دائرة ضيقة رسم الكاتب لها خطاً بيانياً لا يمكن تجاوزه فهم أسماء بلا ألقاب وألقاب بلا أسماء يتضح للقارئ تشابهها وتكرارها مع اختلاف مواقعها في دوائر الفعل والكينونة الاعتبارية واختلاف مكانها وزمانها.

ولن أتوقف كثيراً أمام هذه الربكة السردية التي تربك المتلقي وتجعله يتساءل إذا كان هذا النص تسجيلاً لسير الآخرين وتجاربهم ؟ أم هو تسجيل لسيرة الكاتب شخصياً وتجربته الذاتية ؟ مكتفياً بالإشارة إلى أن هذه المتاهات العفوية قد شكلت عناصر التفكك للنص كما رسخت الإحساس والشعور بأن المؤلف كان يكتب من أجل المراكمة فقط.

إلى تفريغ الحدث من مضمونه ويكتفي بوسيلة الإيحاء والإشارات، وتحويل الذوات الفاعلة إلى أسماء مجردة ونكرة في أحيان أخرى.

لقد افترض المؤلف أن النص الأول من كتاب مسارب وكذا يعتقد القارئ أيضاً بأنه وضع لكل ذي علاقة أو ذكريات مشتركة معه لما اشتمل عليه من خصوصية وتضمينات لا يفقهها إلا من كان أصيل البلدة وذلك ما يخالف ويتعارض مع أصول كتابة السيرة الذاتية التي من أهم شروطها الاسم الدال والتاريخ المحدد والحدث الماضي ، حيث ينبغي أن تكون معززة بنزاهة الكاتب وجرأته التي تسمح له بإبداء قدر ولو يسير من الإفصاح عن خلجاته العاطفية والوجدانية التي تم التعتيم عليها بشكل فيه قدر كبير من عدم الواقعية وتنزيه الذات (افتعالا) على جوانب رآها الكاتب تهز صورته وسيرته أمام الرأي العام الذي تصوره على هيئة مجتمع مغلق أو عشيرة صغيرة تقيس سيرته بمقاييسها الخاصة ومعاييرها التقليدية ، لكن النص يظل نقطة مضيئة وحدثاً هاما وتجربة مفيدة على صعيد بداية التراكم لهذا الجنس الأدبي الجديد في بلادنا



_______________________


 

التحول و وظيفة الكتابة

قراءة في مسارب

رضاء بن موسى

 

ونخرج من الجزء الأول للمسارب محمولين على تيار التحول، فالرحم الدافئ – الواحة لم يعد غارقا في بحر الرمال. لقد انهارت حواجز الجغرافيا والاستعمار الفاشستي وكل ما يمثل التحدي الذي فرض على كل مستويات الوجود.. انفتحت آفاق زمن أخر جديد وشكلت مجموعة المتغيرات السياسية والاجتماعية أرضية أساسية للانتقال والخروج، من أثار الحروب الدامية، وضيق البيئة التقليدية، وحصار الفقر والجهل، إلى الزمن الحديث، وذلك عبر أداة رهان تحولات المجتمع الليبي ما بعد الحرب العالمية الثانية: التعليم.

هكذا تتفتح (المسارب) وخاصة في جزئها الثاني على لحظة تحول زمنية هامة – مرحلة انتقال نوعية في الخاص والعام: الخاص متمثلا في تجربة تشكل المتعلم ـ المثقف السياسي/ بناء قوى الفعل والتغيير، والعام في تجربة تشكل الوطن / بناء الدولة الوطنية الحديثة. تتبلور سردا عبر حكايات شخصية (للراوي والآخرين) وأحداث تاريخية وظواهر اجتماعية وذلك في لحظة التحولات والتبدلات والتغييرات المتعلقة بالفرد والآخرين، والمهمومة بتشكيل ثقافة أخرى مشدودة بين قطبي التقليد والمعاصرة، والمرتبطة بالواقع الحضاري– الذي هو القاعدة الأساسية لإنتاج الثقافة وبناء الذات.

كان نبض السيرة في جزئها الأول احتفاء بالمكان .. وصارت موضوعة التحول, في جزئها الثاني, دراما المكان والزمان.

إنه التحول– التنقل من الفرد إلي الجماعة، ومن القرية – الواحة إلى المدينة، ومن مجتمع قبلي تقليدي محافظ إلي مجتمع مدني أوسع وأرحب بمؤسساته المحدودة الحديثة القائمة، أو التي يعمل جاهدا على تشكيلها وتعزيز حضورها.

التحول– الوتر المشدود من عنق زجاجة المجتمع المحاصر بالاستعمار والفقر والجهل إلي الوطن المحاصر بالنفط والنهب وهزال البنية مع انفتاحه وارتباطاته العربية والعالمية، وبالتالي نقتفي اثر المسارب مهجوسين بآمال هذا الوطن وأوهامه في النهوض والرقي.

ويكون السرد في السيرة / الشهادة ، معالجة بالتسجيل والتدوين التاريخي والتحليل الاجتماعي، للذات والمجتمع، وقائع وحالات، أسير الانتقاء وهوامش الشروح، وليس من خلال أدب الاعترافات حيث تنفجر الانفعالات وتصدح التوترات وتنهمر سيول التداعي، ولكن من باب القراءة الأخرى المتذبذب بين التسجيل التوثيقي وبين السرد الراوئي، وحيث يبدأ عرض الحالة أفقيا- الحدث أو النموذج أو الظاهرة، ثم تقويمها عموديا بوسائل التحليل والنقد التي تختتم أحيانا بالحكمة والموعظة، في تلخيص أو تعليق يستمد أسانيده من ذخيرة الذاكرة الجماعية الشعبية، ويمثل رؤية مشبعة بالأيدولوجيا متميزة هكذا.. بكونها حاملة لخصائص ثقافة تقليدية عميقة إلى جوار خصائص منهج واقعي، ومحافظة على توازنها الواقعي المزعوم استنادا على حائط نظري من مفاهيم ثابتة رغم عمقها الجدلي.

ويتجلى ذلك عبر التأكيد على مفاهيم وعلاقات التشابك، والالتحام، رغم الانقطاعات المتواصلة: حدث تلو حدث وظاهرة متشابكة مع أخرى، ونموذج استثنائي إيجابي، غالبا،لإفراد، بمستويات متعددة، فاعلين في مجالات متعددة: وبرغم اتساع المكان وتبدل الزمان نرى، في المسارب، الفرد ما يزال جزءا من الجماعة، وتظل بقايا قيود الروابط الاجتماعية الحميمة عالقة وتشد الناس، وتقاليد التعبير الاجتماعي التقليدية المحافظة أداة ومضمونا تمارس تأثيرها في التكوين النفسي، تتمظهر في انحجاب الذات متوارية وخجولة خلف ضمير الغائب، مترفعة عن صغائر الأمور، ودقائقها النفسية الصغيرة، والانفعالات الطائشة، كاتمة لمشاعرها الداخلية الخاصة رغم اتساع هامش فعلها وحركتها باستمرار باتجاه الحرية– حرية العيش في مجتمع مديني.

وتقودنا (المسارب)، عبر تعرجاتها، إلى البدايات، خاتمة كل نهاية.. إلي الواقع المعجون بالأسئلة الأولى من أنا ؟ ومن نحن ؟ وما العمل ؟ وكيف نكون ؟ ونتعثر معها في البحث عن إجاباتها الاجتماعية وهى تفك الأحرف الأولى للانتماء الواعي وهى تضمد جراحات أيام الجمر وتتحير عبر معاناة قاسية اختياراً مفرداً في التعدد مبتدئين بتحديد الهوية والكيان الذي يظهر بحثا عن المعنى في الوجود– ذاتيا وعن معنى الكيان– موضوعيا معايشين بحرارة موقف كاتب بملامح إيجابية منحاز إلي الجديد الإيجابي وعضو فاعل عبر علاقات بطل السيرة من اجل حرية الكلمة والإنسان والوطن .

هذا الكاتب الذي يعتبر الكيان– الوطن ساحة فعل الإنسان، لابد أن توجد وأن تخلق سعيا للحفاظ على توازن الذات وتحقيق انسجامها رغم الصراعات والمتناقضات وحتى لا يقذف بها في الفراغ كحالة متمردة غير قادرة على الحفاظ على أصالتها، وضائعة في بحر الرمال العظيم .

وكان ذلك حين طرأ التغيير والتبدل والتحول في المفاهيم السائدة نظرا لتبدلات الواقع اقتصادا واجتماعا وسياسة– ولانكشاف وضعيته وعدم نضجه وتخلفه– تحت نور الوعي المتكون عند لحظة الممارسة: عن دولة شديدة الضعف والهشاشة غير ملتحمة بالناس مرتبكة الخطى مشوشة الملامح بين الزهد الملكي الرسمي ومجون الطرابيش متكئة على حماية الأجنبي ومرعوبة من جيرانها الأخوة الأشقاء..فأية إشكالية تطرح أمام الذات والمشروع الحضاري المفترض عبر مسارب وعيها في ذلك الزمن يشكل انقطاعاً ويولد حلما فى دولة حديثة قوية تحقق وحدتها رغم تبعثرها القبلي والجغرافي وتمنح أبنائها حق المشاركة السياسية رغم تهافتها الليبرالي وتجدد موتها رغم شيخوخة مؤسستها المركزية .

ويكون البحث عن الهوية– المعنى اجتماعيا و سياسيا و ثقافيا وتكون التجربة– الممارسة أداة التكوين, وتكون الذات وهي تعيش قلق الانفكاك والتحول وتراً مشدودا بين شروط واقعها المتخلف المستلب سياسياً والهامشي حضارياً وثقافياً وبين وعيها التاريخي بالحرية والمركب من تجربة الجهاد الوطني ومن حركة النهوض القومي بتياراتها المختلفة وإشعاعات الفكر اليساري.

وتتجلى حركتها عبر كفاحاتها اليومية وراء الرزق وعبر همومها الواعية ساعية لتحقيق وجودها الفعال بإيجاد هويتها الحقيقية سياسيا وتأكيد دورها في صنع مساربها الخاصة صاعدة مع تشكل الطبقة الوسطى بكل فئاتها وشرائحها– والمثقفين خاصة– طليعة التطور الاجتماعي في تلك الفترة وما تلاها وبكل توتراتها وقلقها وترددها وتناقضاتها ومحاولاتها لبناء قواها سياسيا وتأكيد خصوصية دورها مكونة مع أفراد من جيلها- الجماعة الخاصة تيارها المتميز اليساري مفسحة ساحة واسعة وأكثر حميمية لنماذجها الإيجابية الوطنية في السياسة والثقافـة والمجالات الأخرى.. راسمة خطوط معالم مشروع وطني بديل مهما شابه الغموض والأوهام والتناقضات وكوابيس تجارب الأشقاء والجيران.. مشروع بناء وطن له خصوصيته الشديدة مفتوح باتجاه الأخر واحتمالات الحرية.

إن تاريخ (مسارب) ليس تاريخ كاتبها فقط. إنها سيرة الجماعة – الجيل التي يتردد صوتها عاليا عبر حضورها الحر ولذا فأن التاريخ العام – تاريخ المجتمع هو مرجع البحث والمعرفة تتحجب فيه الذات ولا تغيب أوهامها ويتعدد ضمير الغائب– الحاضر, تتصل ألانا بالآخر.. يتصل الحاضر بالماضي لحاجته إليه ويتصل الحاضر بالراهن– فكرا وممارسة لأنه يعترف بالآخر ويحاوره.

ولكن ما الذي يدفع بنا إلى الإبحار نحو البدء نفتش بين الوقائع الخاصة والعامة نتأمل وندرس؟.

أي غرض حرك كاتبنا ؟ وأية أهداف تحرك كتابنا ومجمل المشاركين بفاعلية في حركة المجتمع وتطوره إلى البحث عن إجابات للأسئلة الحضارية في ماضي التراكم رغم وقيعة الانقطاع ؟

ماذا يعنى هذا التحول– بكثافة الآن- باتجاه حضور النقد التاريخي- قراءة التجربة ؟

إلى أي مدى تشير قراءة الماضي إلى واقع الحال ؟

إلى أي مدى تشير هذه الكتابات إلى أزمة ذاكرتها المستقلة ومحاولاتها المشاركة في كتابة تاريخها وتاريخنا المنسي ؟

أية لحظة نوعية مكثفة نعيشها الآن، وتدفع بنا جميعا إلى الحفر في طبقات التاريخ والمجتمع والذات قراءة وصياغة ؟

إن الذات في (مسارب) لا تتهرب من مشكلاتها عبر ماض تليد رغم تحسسها للمخاطر ولا تبحر دون هدف.. إنها تسير في مسارب تفتحها ونموها وتعثرها وذلك من اجل تعميق وعينا بالواقع ولنعايش كفاحات الإنسان وصموده الشجاع.

ويتساءل القارئ ما هو الموضوع الأساسي الذي يدور حوله النص ؟ ماذا تقدم لنا هذه الشهادة الوثيقة، وخاصة وهى في ثنايا حكاياتها تشير إلى المغزى والمعنى .

إن القراءة في التجربة الذاتية الجماعية لطلائع المجتمع المثقفة ونثر تفاصيل تشكل الكيان – الوطن، هي دعوة إلى كتابة ديمقراطية– نقدية تنير ساحتنا بإشراكنا في صياغات أسئلة زمن التكوين بحثا عن إجابات ممكنة في الحاضر وتعتبر وغيرها من الكتابات مفتتحاً جديدا لدراسات متعددة يتوجب استكمالها من جميع الأطراف والباحثين في مجالات الاجتماع والسياسة والثقافة. دعوة للكتابة الديمقراطية للحوار حول الوطن بوحدته وتنوعه متعدد الأصوات– الآراء والرؤى.. مؤكدة علاقة الكتابة بالتحولات الاجتماعية حيث تكتب ما تشكل وتكون لكي يتشكل ويتكون شيء جديد يهدم شيئا ويخلق غيره الذي يساهم في هدم أخر كي يتكون أخر جديد.

ولا تخلو الكتابة في مسارب من تاريخ السلب الذي عاشته الواقعية الأدبية- السياسية : من انسلالها وتمردها عن الرحم الرومانتيكي وحتى ضفافها المفتوحة باتجاه المنهج الجدلي. مأسورة في لحظة نموذجها الأدبي الذي يفرض صياغة العمل قبل كتابته, بخضوعه لمعايير التوازن العقلي المنطقي و الالتزام الخارجي والتي لا تعبأ كثيرا بالشكل الفني بقدر تأكيد الانحياز عبر رصد دلالته الأيديولوجية .

ولذا فالمسارب كثيراً ما تنسرح (أفقيا) عند تلامسها مع الأحداث والظواهر. وعبر استطرادات موضوعاتها المتعددة و ترتبك أحيانا لحظة الإفصاح أمام الغاز ومخاطر الواقع لا تحفر (عميقا) في ذاتها- الشخوص والنماذج إلا من خلال المناخ العام، وعندما تجمع أشيائها المتناثرة وتبنى وحدتها بكثير من العناية والاهتمام .

تقرأ سيرتها عقلانيا وتقدم شهادتها مستهدفة الخير والمنفعة. ولا تعانى إشكالية العلاقة بين الكتابة والسياسة، خاصةً تلك الأسئلة التي أثارها جيل أخر وتفصح عن الخشية من إلغاء الجوهري في الكتابة وتحويلها إلى تابع رغم صراعها في زمنها ضد دمجها وإلغاء صوتها المستقل عند لحظة محاولة تجديد سلطة تنهار ولذا فهي في مجال موضوعة الكتابة تشير في عمقها إلى القول بوظيفة الكتابة في المجتمع كعلاقة تؤثر على غيرها من العلاقات وتتأثر بها مثلما تقر البد يهات: إن الإنسان ابن عصره واقعا خشنا وأحلاما سعيدة.. يولد معه ويتطور فيه بشروط الاجتماع والتاريخ و باستنارات الوعي وممارسات الفعل. إن علاقة الكتابة بالموقف السياسي من حيث الأثر والتأثير مسألة يقررها الرأي الذي تحمله مهما كانت القوى الاجتماعية والسياسية التي تتوافق معه و باعتباره يبدأ من المجتمع ويعود إليها وليست النوايا والتصورات الذاتية فالمحدد الأساسي هو الصراع الاجتماعي الذي يفرض أشكال القراءة والتأويل وما نكسبه من جهودنا إلا شرف المحاولة,وهذا ما نحاوله عبر (المسارب).

وهكذا نتواصل عبر المسارب مع الكاتب الوطني ومع تلك الفئة المثقفة التي عملت على تثبيت دور الكتابة في التقدم الاجتماعي كعنصر أساسي في تشكيل وعى ووجدان الناس من اجل خلق عالم أكثر عدلا وجمالا وبهجة.. نتواصل مع هذه الفئة التي حاولت أن تكون أكثر واقعية وان تؤسس قواعد أولى للفكر والعمل.. ولو بعمق مثالي.. تتلمذنا على أيديها ورافقناها في ميدان الحياة الواسع العريض وتعلمنا منها ومعها الكثير وعلى ( الزملاء المبدعين) من جيلنا أن يستكملوا خطوة أخرى أكثر جذرية في القراءة النقدية المختلفة..خطوة الكتابة الجديدة الطامحة إلى بناء نفسها وصياغة أدواتها متصلة بالحاضر واحتياجات التحول ..حاملين لهذا الجيل الود العميق رغم احتمال الاختلافات الكبيرة



_______________________

حول كتاب (مسارب) الزمن الذي مضى

 

سليمان كشلاف

 

إذا كانت التجارب في الحضارات القديمة أن يتم التاريخ للأمم والملوك والقادة والعظماء والعباقرة من قبل آخرين ممن بعدهم فإن الزمن الآن يسمح للإنسان أن يقدم تجربته للآخرين بقلمه بأي شكل من أشكال الكتابة، عبر المكان والزمان والبشر، وصار الموضوع هو يعطى الأهمية لما يكتب ، بغض النظر عن حيثية الكاتب ،صعلوكا كان أم أميرا، وصارت التجربة الحياتية تشكل الفعل الأكثر قدرة على التوصيل، وهو أمر يعطى للتجربة مصداقية أكثر إذا ما تخلص صاحبها من تضخيم الذات أو نكران الآخرين. والكاتب أقدر على رواية وتسجيل ما عاش، لأنه يروي التجربة كما عاشها وكما أحسها، وبمقدار قدرته على توصيل تجربته وصدقه في الكتابة تتميز حياته عن حيوات الآخرين، وتتميز تجربته عن تجارب الآخرين ، ليستطيع التواصل مع القارئ لتتخلق الألفة ويتخلق النموذج. في هذا الإطار كانت التجربة الليبية في الكتابة محدودة جدا، فليس هناك ما يسجل التاريخ السياسي بأقلام أو ألسنة صانعيه، وحركة المجتمع من خلال معايشتها، وما يتعلق بالثقافة والرياضة والفنون ممن شاركوا في صنعها وتطورها لذلك لا نجد سيرا ذاتية أو مذكرات سياسية أو تاريخيا لأدب أو رياضة أو فن تعكس ملامح التجربة إلا ما يعد على أصابع اليدين أو أقل.

ولهذا يكتسب كتاب ( مسارب (1) للأستاذ "أمين مازن" الذي يروى تجربة حياته الشخصية أهمية وهو يؤرخ لمنطقة ويسجل لتجربة ثقافية لزمن يمتد من استتباب الأمر للمستعمرين الايطاليين الفاشسيت في الثلاثينيات إلى اليوم الأخير من شهر (أغسطس 1969م). أي ليلة قيام الثورة ويكتسب نقده ودراسته ومراجعته أهمية أكبر، مهما كانت اعتراضاتنا ووجهات نظرنا وآراؤنا فيها، معه أو ضده.

فهو مهم بالدرجة الأولى لأنه يستفز القارئ، ويستفز المعاصر لتلك المرحلة بدرجة أكبر، لأنه لا يقول كل شيء، فيظل المسكوت عنه أكثر من المكتوب، ويظل المغفل والمهمش أكثر.

وهو مهم لأنه يمثل وجهة نظر كاتب في الزمن الذي عاش فيه، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا، ومهما كانت وجهة النظر تلك فهي إضاءة من زاوية ما، تكشف أشياء قد تختلف أو تتفق مع نظرة أخرى من زاوية أخرى لكاتب أخر عن نفس الفترة الزمنية بجميع مكوناتها.

وهو مهم لأنه يتخذ من جانب السيرة الذاتية ذات البطل الأوحد موضوعا، وهو موضوع كثير الأشواك يفترض فيه أن تكون أحداثه حقيقية، وأشخاصه حقيقيين، وتواريخه حقيقية، ولا يتساوى كل الناس في ذكر الحقيقة عندما يكتبون أو يتكلمون، كما لا يتساوى انطباع ورد فعل الآخرين تجاه ما قرؤوا.

وهو مهم لأننا نفتقد هذا النوع من الكتابة، في وقت يغيب فيه كل يوم واحد من الذين صنعوا أو شاركوا في صنع ملمح من ملامح الماضي أو الحاضر، دافنين في صدورهم ما عاشوه وما فعلوه أو كانوا شهودا عليه، في كافة المجالات. وإذا كانت المستندات والوثائق تروى جزءا من أحداث فتؤكدها أو تنفيها إلا أنها تظل قاصرة عن فتح صدور البشر للكشف عن الحقيقة دون أن يرويها على عصر بكامله.

ومهم أيضا لأنه يكشف جزءا من واقع، ويتحدث عن مرحلة أغلب شخصياتها أحياء، يملكون القدرة على كتابة سيرهم الشخصية أو مذكراتهم، وقد يستفزهم صدور هذا الكتاب ويحمس الكثير منهم لكتابة تختلف، وتكتمل بها صورة العصر.

وهو مهم لأنه يعطى إضاءة عن زمن مجهول للكثير من الشباب، ومن المهم أن يتعرض هذا الزمن المجهول لإضاءة أكثر لتتكشف مسيرة المجتمع الليبي منذ الاحتلال الفاشستي الايطالي حتى عهد الإدارة البريطانية، ودور الحركة الوطنية والنقابات في التأسيس لمشروع وطني لكيان تأمرت عليه قوى الداخل والخارج، وتأثيرات اكتشاف النفط والنقلة الاقتصادية التي خلخل بها ركائز المجتمع البدوي فنقله من حال إلى حال.

وهو مهم لاعتماده على الذاكرة بالدرجة الأولى وإهماله للوثيقة عن مجمل كتاباتنا، ولتقفز على طرف اللسان جملة من الأسئلة:

لماذا لا نجد كتابا مطبوعا يضم مضابط جلسات المجالس التشريعية في ولاية ( طرابلس) و(برقة) و(فزان) ثم مضابط جلسات (مجلس النواب) بعد إلغاء النظام الاتحادي وقبلها محاضر (الجمعية الوطنية) التي تولت مسئولية وضع (الدستور)؟

لماذا لا تنشر محاضر المباحثات حول القواعد الأمريكية والبريطانية في ( ليبيا ) منذ التباحث بشأنها وحتى إجلائها (2) وما تم بشأنها من مكاتبات، خاصة بعد أن أفرجت الخارجية الأمريكية والخارجية البريطانية عن جميع الوثائق التي تكتسب صفة السرية بعد مرور المدة القانونية عليها (3) (25سنة )؟

ولماذا تظل ثلاثة عقود من الزمن من تاريخ هذا الوطن في ظلام دامس، لا ينشر عنها كتاب، ولا توجه لدراستها أقلام، ولا تحضر بشأنها أية رسائل جامعية، حتى كأنه زمن لم يكن، وتطوى صفحة أحداث ومواقف وشهداء ؟

كيف يمكن لنا أن نصنف هذا الكتاب وتحت أي مسمى نضعه ؟

أهو كتاب تاريخ وقد غابت عنه الكثير من الأحداث المهمة وانعدمت الوثائق ؟

تمر فيه الأحداث الكبيرة في بضعة اسطر، دون تواريخ، دون قراءة لأسبابها ونتائجها، من اغتيال (إبراهيم الشلحي)(4) إلى مقتل (إدريس العيساوي) (5) إلى النشاط اليهودي الذي لمسه مبكرا في (هون) كنواح اقتصادية (6) وعرفه مؤخرا في طرابلس من خلال ما سرده عن نادي (ماكابي) (7) وهو يتعرف إلى أطراف المنطقة التي عمل بها إلى ما قام به(اتحاد عمال البترول) والمؤتمرات الشعبية التي عقدت في طرابلس (8) وبنغازي بعد هزيمة يونيو (1967) إلى حفل زفاف (عمرالشلحي)(9) بكل ما كان يمثله من بذخ على المستوى الاقتصادي ومن عقد تحالفات جديدة بالمصاهرة على المستوى الاجتماعي ومن دلالات في من حضر الزفاف من مختلف الأسماء على المستوى السياسي، ممن كانوا محسوبين على الحركة الوطنية.

ورغم إدراكي لقوة حافظة الأستاذ " أمين مازن" وللوعي الحاد الذي كتب به( مسارب) منعكسا على المسكوت من الوثائق والمستندات، والقاعدة تقول انه (لا تاريخ دون وثائق).

أم هو سيرة ذاتية ( وكل سيرة إنما هي تجربة ذاتية لفرد من الأفراد فإذا بلغت هذه التجربة دور النضج، وأصبحت في نفس صاحبها نوعا من القلق الفني فأنه لابد أن يكتبها)(10).

} إن السيرة التاريخية ينقصها البناء الكامل أو الهيكل الواضح، ومعنى هذا أن تزويدها بالهيكل أو البناء أمر لازم قبل أن نحكم عليها أهي فن أم لا لأن كل عمل فني لابد من أن يكون ذا بناء معين ثم لابد من أن تكون غايتها الرغبة في تاريخ حياة فرد من الأفراد – أو جانب كبير من حياته –لا تحقيقا لنظرة خاصة، أو لفلسفة محدودة. وهذا يقتضى كاتب السيرة أن يدير الأحداث حول الشخص المترجم له ولا يسمح لحياة الأشخاص الآخرين بالتحكم في منحى السيرة، ولا يعرض من حياتهم إلا المقدار الذي يوضح حياة بطل السيرة نفسه، وقد يتجه نحو التركيب ولكنه سواء سار في هذه الطريق أو تلك، عليه ألا يسخر الأحكام والأحداث وملابسات الحياة لعاطفته، فأن ازدياد العاطفة ينحرف بالسيرة عن وضعها الطبيعي، بل لابد له من أن يبنى ما يكتبه على أساس متين من الصدق التاريخي، فان ضعف عنصر الصدق في السيرة لم تعد تسمى سيرة لان الخيال قد يخرجها مخرجا جديدا ويجعلها قصة منمقة ممتعة.

ولنفرض أن سيرة تحقق لها البناء الكامل وكانت غايتها الرغبة في تأريخ حياة فرد من الأفراد وكانت حياة هذا الشخص في الداخل أو في الخارج محورا تدور حوله الأحداث وشخصيته قطبا تلتقي عنده الشخصيات الأخرى: فهل بهذا كله تصبح السيرة عملا فنيا أليس قيامها على عمل الذهن في الاختيار والنفي وفى محاكمة الروايات وقبول بعضها ورد البعض الآخر، ما يوحى بأنها من هذه الناحية تفارق الفنون الأخرى التي لابد أن تتدخل العاطفة في بنائها تدخلا مشروعا ؟ ثم أليس الالتزام بالصدق التاريخي فيها ملزما للكاتب بأن يكبح جماح الخيال، وأن يقف عند الحقائق، يعرضها ويرتبها ترتيبا خاصا ؟ وهذا العرض والترتيب أهما في ذاتهما عمل فني أم عمل صناعي ؟ واضح إذا أن الشروط التي تتطلبها السيرة تبعدها من الدائرة الفنية بينما يحاول كاتبها أن يقترب بها من حرم الفن (11

لكن (مسارب) تعتمد الشخصية المحورية وتهمش ما عداها، ليصبح الآخرون مجرد أقزام ينعت لهم بالاسم الأول، دون الاعتماد على ضوابط وشروط الكتابة السردية للسيرة الذاتية.

أم هو رواية تحكى عن بطل ما في زمن ما، لنجد أنها تروى أحداثا وأشخاصا حقيقيين وجدوا في المكان نفسه وفى الزمن الروائي نفسه، وشخصيات تظهر فجأة وتختفي فجأة، ولا يحكمها بناء ولا يؤثر غيابها شيئا رغم الصفحات الكثيرة التي تشغلها.

وليتداخل السرد في الفصول بما يشكل قفزا في الهواء ونحن مستمرون في القراءة مع واقعة أو حدث أو شخصية عندما يتركها السارد إلى حدث أخر أو شخصية أخرى دون أن يشعرنا ودون أن ننتبه لذلك، وبعد قطع فقرات من القراءة نجد أنه انتقل للحديث عن شيء أخر دون أن نعرف نهاية للسرد السابق، ودون أن يكون هناك ربط بين ما فات وما هو بين أيدينا. لنكتشف بعد تكرار الفعل نفسه ليتداخل الجديد مع القديم، دون نهاية للسابق ودون تمهيد للاحق. والفصول ( بالذات في الجزء الأول ) لا تسير في تصاعد زمني والسارد يتابع حياة الشخصيات، فالسرد يستمر للشخصيات وفق الارتباط الزمني بالأحداث، لكننا نفاجأ بالعودة زمنيا إلى الخلف لبدء الحديث عن شخصية أخرى، حتى يتوقف الحديث عنها باكتمال مرحلتها أو انتهائها هي كشخصية فاعلة بالموت، ولو كان السرد متتاليا زمنيا لكان التواصل مع الشخصيات في مراحلها المتعددة أكثر وارتباطها بغيرها وبالقارئ أعمق.

أم هو مزيج من الثلاثة، غير خاضع لشروطها، غير ملتزم بضوابط وشروط كتابة كل منها .أيا كان الأمر فالنص محدد له زمن معين كوقائع، يبدأ من الثلاثينيات إلى نهاية الخمسينيات كمرحلة أولى تشمل الأحداث لتغطى زمن ولادة ملامح الكاتب وبيئته في منطقة (الجفرة) وتتوقف لتعطى ملامح مجتمع واحة (هون) التي نشأ فيها وأثرت في تكوينه، لينمو وتنمو معه القرية، شاهدة التغيرات التي تطرأ عليها منذ استقرار حامية من القوات الايطالية الغازية فيها، بكل المكونات الثقافية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية والدينية التي ساهمت في بلورة تفكيره، وصولا إلى العمل في ( المجلس التشريعي) وما دار من خلفيات الصراع حول الهيئة التشريعية الثالثة للولاية (1957م) وبداية تعرف الكاتب إلى المكان الجديد الذي انتقل إليه واستقر فيه، مدينة ( طرابلس ) لينتهي بذلك الجزء الأول.

ومن نهاية الخمسينيات (1958) يبدأ الجزء الثاني بانتساب الكاتب إلى (نادي الشباب الليبي) حيث يتواصل تعرفه إلى المحيط الذي انتسب إليه إقامة حتى نهاية ( أغسطس 1969م ) وهو يستشعر أن شيئا في الأفق تهب رياحه ولا احد يدرى ما يكون، وإن كان الإحساس يتزايد بان هناك شيئا لابد أن يحدث.

بذلك فإن جزئي (مسارب) يضمان فترة تاريخية تقترب من الستين عاما، مليئة بالأحداث والوقائع، شهدت أيامها الجزء الأخير من معارك الجهاد ضد الاستعمار الفاشستي الايطالي، ووقائع الحرب العالمية الثانية (1939-1945) والصراع على ( ليبيا) ضمن الصراع على مستعمرات الدول المهزومة في الحرب خلال فترة الإدارة البريطانية وصولا إلى بدايات تكوين الدولة والتيارات والقوى السياسية الوطنية والمؤسسات المدنية والنقابات وحركتها في هذا الاتجاه، انتهاء باليوم الأخير لحكم استمر ثمانية عشر عاما بكل ما فيه وما عليه هو إذن تاريخ يتضمن عرضا لفترة من الزمن ظلت مسكوتا عليها أو مغفلة ولم يكتب عنها إلا اقل القليل، فبقيت في منطقة الظل كأنها لم تحدث, رغم ما لها من أهمية في التاريخ الوطني لهذا البلد وفى الظروف التي قادت هذا المجتمع الزراعي في مناطقه الساحلية، البدوي في مناطق كبيرة منه، والذي لم تكن هناك أية إمكانية في تطوره وبروزه ككيان، إلى ما وصل إليه من تأثير في منطقته الإقليمية بما شمله من تغيرات اقتصادية واجتماعية وثقافية منذ تفجر النفط في أرضه، ليساهم في صنع مسارات جديدة، قادت إلى نمو اقتصادي ووعى سياسي، ومؤسسات مدنية صارعت لتحقق وجودها ولتثبت فعاليتها في بناء مجتمع مدني من خلال صدام طويل ومرير، صنعه المواطن العادي، والعامل، والطالب، والمثقف، والسياسي، وكل من أحب هذا الوطن وحاول أن يشارك في خلاصه من الكابوس الذي جثم على صدره، عاملين على خلق الظروف التي قادت إلى تكوين منظور سياسي محدد .

وهو أيضا متابعة لمجتمع تطور وتغير. غادر حالة السكون إلى الحركة، وبالتالي فإن محاولة دراسة وإبراز مجالات التأثر والتأثير التي صنعت تلك الحركية فيه لتغير منه كواقع مهمة في تسجيل وتوثيق مرحلة لم يعشها ولم يعرفها الكثيرون، مع تغير واستمرار الزمن تبدلت الكثير من معالمها وانتهت فيها وزالت عوامل أخرى ساهمت في تكوينه وهو سيرة حياة لفرد من هذا المجتمع، مكرها سار في بعض دروبها، ومختارا سار في دروب أخرى منها، تأثرت بحياة آخرين وحاولت التأثير في الآخرين. أدت دورا أو حاولت تأديته، من خلال واقع وإمكانيات فردية وإمكانات جماعية، من خلال عين ترصد الأحداث وتحاول دراستها وتحليلها والوصول منها إلى نتيجة أو نتائج.

وكل ذلك – حركة التاريخ، وحركة المجتمع، وحياة الناس داخل هذه الحركة المزدوجة – يحتاج إلى وضوح، ويحتاج إلى توثيق، ويحتاج إلى دراسة تعزز بكل إمكانيات الوضوح، وكل إمكانيات التدقيق. لكن (مسارب)لا تفعل ذلك، والأستاذ "أمين مازن" يبدو كأنه يكتب لنفسه لا للآخرين.

نلاحظ سرعة المرور ببعض الأحداث والأشخاص بشكل لا يفهم, كأن الكاتب يفترض أن القارئ يعرف كل أولئك الأشخاص وكل ما جرى معهم ولذلك فان سرده مجرد تذكير فقط لا يستحق الوقوف عنده، أو كأن القارئ غير معنى بهؤلاء الأشخاص أو تلك الأحداث، انه مجرد اسم، وهو مجرد حديث.

لنقرأ من الجزء الأول: ( وقد مكث الابن الصالح مع المجموعة التي حل معها لأن البيت لم يعد صالحا للسكن وقد روى لمجالسيه الكثير عن فاجعة جعودة الذي فقد زوجته وهى في عز الشباب مما جعل الشريف عبد الله يصوغ مرثية مؤثرة ربط فيها بين مأساته حين ماتت أم البشير وامسك الشريف عن إكمال نصف دينه من جديد حرصا على ابنه من حيف امرأة أخرى قد لا تعطيه حقه ولا توفر له ما يحتاج إليه من حسن الرعاية وموفور العطف مما جعل الشريف يتولى واجبات الأمومة والأبوة نحو ذلك الولد حتى لقد نشأ البشير نشأة مختلفة عن الجميع فكان اشد الأطفال حركة وأكثرهم جرأة كما لو لم يكن ابن ذلك الشريف الطيب، فكان معظم الأطفال يعتقدون انه احد أبناء الجندرمة الذين طالما اتخذوا من مراكز أبائهم سبيلا للتسلط على عديد الأطفال وبالذات عندما يكون ثمة ما يدعو لإشاعة بعض الظروف غير العادية، لقد كانت أشعار الشريف عبدالله من اجمل القصائد التي صورت لواعج النفس المكلومة لفقد الحبيب الأول الذي يظل فراغه شاغرا أبد الدهر)(12).

ولنتابع في الجزء الثاني ( يخرج كل من سالم الشاوش " الجبيلى" والصديق ونورى وقد تتشكل المجموعة من نورى وإبراهيم، على أنهم ينطلقون من المقهى حيث يمر الشقرونى مازحا وربما الحاج حمد الذي ينفرد بابنه بعض الوقت وقد تتسع الدائرة لتشمل عناصر أخرى، فالجنان للجميع والخروج بعد ذلك للجلسات الخصوصية يتم بالاتفاق، فالأسرة تكبر وما يكفى الثلاثة يكفى الأربعة "واللي برك يبرك للستين" كما يقل المثل في الغالب تكون هناك أكثر من سيارة أمام صقالة الحلفاء وفى الشعاب يكون العدد اقل وأمام كل التمزقات، وأشكال الترهل تكون الكلمة قادرة على رفع المعنويات، سواء قيلت بقصد أو عن حسن نية، حتى وان كانت مجرد تفريج عن النفس المأزومة)(13).

نلتقي عبر جزئي ( مسارب) بأحداث وشخصيات تقف في الظلام فتبدو كأشباح، تبرز فجأة وتختفي فجأة، فلا تعطى مبررا لوجودها ولا يعنى اختفاؤها شيئا.

ونحن أمام أحداث معروفة أو مجهولة، المعروف منها يجعله الكاتب غامضا، والمجهول منها لا يحاول التعريف به، وان عرفنا به نجد أن لا تأثير له في مجريات الأمور والأحداث، وان الاستطراد حوله يأخذ الكثير من الثرثرة بدون معنى، يجعل الجملة من بدايتها حتى بداية كلمة جديدة في فقرة جديدة لا تتوقف طالما غابت عنها علامات الترقيم.

وليس هناك مقياس ثابت أو واحد يفرض التقديم للشخصية عند حضورها أو غيابها على حد سواء رغم تأثيرها في حر الأحداث بشكل أو بآخر.

فالحديث عن اللقاء مع (يوسف الدبرى)(14) يأتي فجأة رغم الإشارة إلى والده في الجزء الأول (15) وقد كان من الممكن الحديث عن عودة (يوسف الدبرى) من المهجر في طفولته خاصة وانه يتميز عن أطفال الواحة بكرة القدم التي احضرها. ليتم بعد ذلك الحديث عنه في الجزء الثاني بشكل منطقي وسليم، يكون له مكان في الأحداث. والحديث عن (محمد كشلاف) يأتي متأخرا(10) عشر سنوات منذ بداية التعارف في (نادي الشباب الليبي) حتى تجديده في (وكالة الأنباء الليبية) وتمتينه في الإذاعة وانتهاء بالوصول إلى مقهى (جنان النوار).

كذلك الأمر بالنسبة ل(الصديق كشلاف) الذي كانت نقطة التقائه أيضا من نادي الشباب الليبي ) لتجدد في (نادي الطليعة) مع(سالم الشاوش) وتكون إحدى قواعده في مقهى (على عاشور) بجنان النوار.

وهو ما نجده كذلك في الحديث عن العديد من الشخصيات الفاعلة والبارزة في الوسط الثقافي والإعلامي التي يكتفي الأستاذ (أمين مازن) في كثير من الأحيان بمجرد ذكر اسمها الأول.

إن الإشارة للأشخاص كمسميات رمزية أو اسم أول ليس لها أي معنى أو اعتبار في ضوء مجموعة من الحقائق:

(1) أولها انه يذكر أشخاصا بأسماء كاملة، نساء ورجالا مثل: "عبدالوهاب الاشهب"."عبدالله بن عبدالله"."محمد السنوسي"."ادريس الشغيوى"."على مولاى"."محمد الامين"."محمد سليم"."ريم الجليبة"."فاطمة عثمان"."على ميلاد"."على بن يوسف"."على خضور"."على الرقيعى"."عبدالسلام دنف المسلاتى"."مفتاح السيد الشريف"."د.على عميش"."فاطمة غيث"."عيشة بنت حويل"."منير برشان"."على الفقيه حسن"."الطاهر الزاوى"."حليفة التكبالى"."محمد بن زيتون"."إضافة إلى بعض من ذكرهم باسمهم الأول سابقا مثل "خليفة التليسى"."كامل عراب"."محمد كشلاف".

() ثانيها: انه قد مضت على آخر الأحداث في (مسارب) ثلاثون عاما على الأقل( أغسطس 1969م تزيد إلى (70) سبعين عاما مع بدايتها، وبالتالي فليس هناك أي حرج في ذكر الاسم كاملا.

() ثالثها: أنه ليس لذكر الاسم كاملا أو الاسم الأول فقط قاعدة تحكمه، كأن يكون الاسم الكامل للمتوفين والأول للأحياء. فهناك أحياء مذكورون بالاسم الكامل، وهناك أموات مذكورون بالاسم الكامل، وهناك أموات مذكورون بالاسم الأول فقط أو اللقب.

() رابعها: أنه ليس هناك مانع سياسي أو اجتماعي يحدد ذلك الإجراء، فأي نشاط سياسي قام به أصحابه سابقا كان للخلاص من الحكم الملكي وهو ما قامت الثورة به، وليس هناك أي تحفظ حتى في العلاقات النسائية والكاتب يستعرض بعضا منها بداية من (برنيه) الزمزامة في (هون) وانتهاء بمومسات شارع (الكندي) الجلسات الخاصة.

() خامسها: أن عدم ذكر الاسم الكامل لا ينفى الفعل عن الفاعل، سلبيا كان أم ايجابيا.

() سادسها: أن الكاتب يعطى آراء وأحكاما عن أشخاص ومواقف، وهى أراء وأحكام يجب مناقشتها ، وبالتالي يفترض أن ترتبط بأسماء أصحابها.

لذلك تبدو تلك الألغاز التي وضعها الكاتب في طريقنا متاهة لا نعرف أو"خليفة التليسي"من"خليفة التكبالى" ولا "يوسف القويرى"من"يوسف الشريف".

نقرأ متابعة ورأيا في "د.خليفة التليسي" والأستاذ "بشير القنين" و"المرحوم عبدالله القويرى" و"المرحوم على الرقيعى"والمرحوم خليفه التكبالى" و"المرحوم عبداللطيف بوكر" ينطلق من منبع حب ويقترب كثيرا من الحقيقة في المناقب والسلوك والفهم والتحليل والرأي الأدبي لكننا نفاجأ بغياب كل هذه الأشياء ونحن نقرا ما كتب عن "يوسف الشريف"و"محمد احمد الزوي" و"كامل المقهور"و"احمد ابراهيم الفقيه".ف"يوسف الشريف" الذي حرك الشارع في مدينة (طرابلس) اثر (حرب يونيو) بإجازته إذاعة خبر تصويت (ايطاليا) إلى جانب (إسرائيل) في ( مجلس الأمن) يلخصه في اسطر معدودة تتبعثر بين الصفحات ، ويتكلم عن قصتي (الجدار) و(الباب الأخضر)في (5)اسطر. كما يتحدث عن (البكاء) في (3) ثلاثة اسطر وعن "كامل المقهور"في (7) أسطر متوزعة بين الصفحات ، خلاف الإشارة إلى توكليه كمحام للدفاع عن بعض المتهمين في قضية تنظيم (حزب البعث).

أما "محمد احمد الزوي" الذي يتحصل على (13) ثلاثة عشر سطرا انطلاقا من أربعينية "عبدالسلام دنف المسلاتي" يبشر به "أمين مازن" فيها ككاتب شاب له مستقبل ، وأيضا سطور أخرى إضافية لا يذكر فيها انه كان رئيسا لتحرير مجلة (الإذاعة ) قبل سفره إلى دورة إخراج تلفزيوني في (بريطانيا) كما فعل في تقديمه للأستاذ "على حمزة" عند الحديث عن رغبته في تمديد البعثة باعتبارها رغبة في الهروب!! وهو تقديم غير صحيح ، يتكرر مرة أخرى عند حديثه عن "احمد إبراهيم الفقيه" فلا يذكر انه كان رئيسا لتحرير مجلة (المعرفة)(16) التي كانت تصدر عن (المركز الثقافي الأمريكي ) في (طرابلس ) وينقل عنه قوله (ما يهم هو الموقف يوما حين نسير في الشوارع والفرق كبير بين من سينكس رأسه خجلا ومن سيفخر بموقفه) (17) ولا يعطى عنه نفس الرأي رغم أنه موجود في المكان نفسه سعيا وراء البعثة نفسها .

فتقويم "أمين مازن" لمرحلة الستينات بالذات كقراءة في التجربة الثقافية الحديثة فيه الكثير من الظلم وكثير من التجني وكثير من المغفل والمسكوت عنه، على كثير من الأسماء الوطنية الفاعلة وعلى كثير من الأحداث التي لا تخفى على الفاحص المدقق .

تغيب الموضوعية حينما ينفى أسماء أخرى شكلت علامات وطنية أو سياسية أو ثقافية، رغم إعطاء رأي أو اتخاذ موقف من البعض منها دون ذكر للأسماء كالحديث عن المشاركين في (مؤتمر أدباء المغرب العربي )(18) أو الحديث عن صحيفة (الحقيقة ) وتقويمها ودلالاتها (19).

وتغيب هذه الموضوعية تماما ونحن لا نجد وجودا ولا ظلال لأسماء "على مصطفى المصراتي"و"د.على عتيقة" و"د.عمر التومي الشيباني" و"د.عبد المولى دغمان" و"د.مصطفى بعيو" و"عبدالمولى لنقى" و".د على فهمي خشيم" و"محمد الشلطامى" و"خليفة الفاخري"و"على وريث" و"د. احمد الفنيش" و"بشير الهاشمي" و"عبدالحميد المجراب"و"على صدقي عبد القادر" و "كاظم نديم"و"عبدو الطرابلسي"و"الهادي راشد"و"مصطفى الأمير"و" محمد شرف الدين" و"محمد المطماطى".

ومن جيل الستينات يغيب "سعيد المحروق"و"جيلاني طر يبشان"و"فوزية بريون"و"فوزىالطاهر البشتى"و"سليمان كشلاف"و"إبراهيم الكوني"و" خليفة حسين مصطفى"و"عبدالحميد مختار المنتصر"و"محمد الزواوى"و" "شريفة القيادى"و"رضوان أبوشويشة"و"محمد رمضان قدح" ولا يبقى حاضرا إلا المرحوم "عبد اللطيف بوكر".

وكما تغيب الموضوعية في الحديث عن الأشخاص يتجه النظر دائما عند الأستاذ (أمين مازن ) إلى الحديث عن شئ واحد مغفلا كثيرا من الأشياء التي كان لها حضورها في الزمن نفسه والمكان نفسه.

فهل من المعقول والحديث يتناول التاريخ وبداية تكوين الدولة والصراع من اجل أن تكون محققة لمشروع وطني يتجه نحو بناء دولة حديثة بمؤسسات مدينة تجاهل الحديث عن الحركة الوطنية من خلال الأحزاب السياسية الموجودة تلك الفترة (الحزب الوطني) (20) برئاسة (مصطفى ميزران )و(حزب الجبهة الوطنية المتحدة) (21) برئاسة (سالم المنتصر) ومن بعده (أبوالاسعاد العالم) و(حزب الكتلة الوطنية) (22) الذي انشق عن (الحزب الوطني) برئاسة (على الفقيه حسن ) و(حزب الاتحاد المصري الطرابلسي) (23) برئاسة (على رجب) و(حزب العمال (24) برئاسة (بشير بن حمزة) و(حزب الاستقلال )(25) برئاسة (سالم المنتصر) بعد خروجه من (حزب الجبهة الوطنية المتحدة ) وأخيرا (حزب المؤتمر الوطني )(26) برئاسة (بشير السعداوي) إضافة إلى جمعية عمر المختار)(27) برئاسة (مصطفى بن عامر) و(رابطة الشباب) بإدارة (عبدربه الغناى ) و(الجبهة البرقاوية) في مدينة (بنغازي) و(الرابطة الليبية) في مدينة (مصراته).

هل يمكن حقا إغفال وتجاهل شخصية وطنية في حجم (بشير السعداوي )أو (سليمان باشا الباروني)؟.

هل يمكن التغاضي عن الصراع السياسي بين القوى الوطنية والهيمنة الخارجية ومحاولة تقسيم البلاد، إلى الصراع ضد السنوسيين وصنائع الاستعمار الإيطالي والمملكة التي يمهد لصنعها من قبل الإنجليز؟.

هل من الممكن اللجوء إلي الذاكرة فقط في استحضار وقائع ما حدث سياسيا من خلال (المجلس التشريعي) دون العودة إلى مضابط الجلسات والإشارة إليها كأحداث تمر غفلا عن التوثيق، من الأزمة الدستورية سنة (1954م) (28) إلى أزمة ( طريق فزان ) سنة (1960م) (29) إلى التآمر على إغلاق جريدة (الليبي) سنة (1960م) (30) إلى الصراع في الانتخابات النيابية وتزويرها وكسر صناديق المرشحين عامي (1964و1965م) إلي اعتقال البعثيين ومحاكمتهم سنة (1961م) واعتقال (القوميين) ومحاكمتهم (31) في (1967م) إلى اتفاقيات القواعد البريطانية والأمريكية، من توقيعها (32) إلى تجديدها، وما دار حولها من مباحثات ومفاوضات.

فلا ذكر لتاريخ في (مسارب) حتى للأحداث الكبيرة مثل: الحرب العالمية الثانية, ثورة العراق، الوحدة المصرية السورية, الانفصال, حرب يونيو.

وفى رواية الأحداث والتاريخ يكون للمستندات والوثائق دورها في إثبات الأماكن والتواريخ والأشخاص والوقائع، بما يخدم المخزون في الذاكرة من معايشة وسماع وقراءة ومشاركة، لكننا هنا لا نجد استعانة أو إحالة إلى إي مستند أو وثيقة وما أكثر الأحداث التي تحتاج لذلك في هذا الكتاب بالذات، حيث تغيب الأسماء والوظائف ولا تذكر التواريخ والأماكن، وتجرد الوقائع من كل الإشارات الدالة عليها.

تلك الأحداث التي تمر مرورا عابرا، فلا يدرك القارئ عنها شيئا، في الوقت الذي أغفل فيه الكاتب تسليط الضوء الكافي عليها وتحليلها ودلالاتها تأثيرها في الوسط الذي عاش فيه. فهو يؤرخ لزمن من خلال وجوده فيه، ومن خلال تعاطيه مع شكل الحياة اليومي، ومن خلال دور يبحث عنه وسط هذا الخضم من البشر ووسط هذه التدفقات من الأحداث.

فهل من المعقول أن نكتفي بمعرفة دور (نادي الشباب الليبي) (33) دون أن نتعرف إلى (النادي الأدبي) و(جمعية الفكر) و(نادي العمال) و(مدرسة الفنون والصنائع الإسلامية) و( نادي الاتحاد) و(نادي الأهلي) ودون التطرق في الستينات إلى نادي (الرسامين) و(الفرقة القومية للتمثيل) و(فرقة الأمل للتمثيل) و(فرقة المسرح القومي) و(نادي بلخير) و(اللجنة العليا للإذاعة) و(اللجنة العليا لرعاية الفنون والآداب) والمركز الثقافي البريطاني) و(مجلة (العالم) والمركز الثقافي العربي) و(المعهد الثقافي الفرنسي) (و(معهد جوته) و( مسابقة النشاط المتكامل)؟

وهل كان مقهى (على عاشور) في (جنان النوار) فعلا بهذا الحجم الضئيل الذي ظهر به في (مسارب) بكل ما يمثله من موقع هو القلب من (طرابلس) وبكل ما جرى فيه من حوارات وبكل ما ضمه من شخصيات من شباب المنطقة من رواده، ومن الوافدين عليه من أعلام يمثلون مزيجا من العاملين في حقل الثقافة والإعلام ، من فنانين وأدباء وصحفيين وكتاب على المستوى الوطني وعلى المستوى العربي عبر عشرات الأسماء التي صنعت وساهمت في صنع تاريخ مشرق في الأدب والفن والصحافة والإعلام كان مقهى ( جنان النوار) مع فارق الكثافة السكانية في مدينة طرابلس عمق فاعلية الحضور الثقافي أدبيا وفنيا في المجتمع الليبي قياسا إلى أماكن أخرى – في مرتبة لا تقل عن مقاهي (ماتيا) و(الفيشاوى) و( ريش ) في مدينة (القاهرة) أو( الهافانا ) و( البرازايل ) في مدينة ( دمشق) أو ( الهورس شو) في مدينة (بيروت) أو (فلور) والدوماجو) و( مانبارناس) في مدينة ( باريس ) ومقاه أخرى في عواصم أخرى. هل يمكن بعد وضع مقهى (جنان النوار ) في حجمه الحقيقي إغفال شارع الوادي ( عمرو بن العاصي ) الذي اصبح في زمن ما شارع الثقافة بمكتباته ، ودور عرضه ومسرحه والحياة التي تنبعث فيه وتتجدد صباح كل يوم أو عدم الحديث عن مقهى عبدالله) 34الواقع في الشارع نفسه وما ضمه من شخصيات وطنية هل يمكن نسيان ( مقهى زرياب) أو (مقهى عروس البحر) أو( (مقهى الخضراء أو(مقهى الفيدات) أو (الفنجان الذهبي) أو تلك الحانات راقية كانت أم شعبية بداية من (الاورورا) وانتهاء ب( القط الأسود) و(نادي الصيد والرماية)؟

تلك الأماكن التي ضمت شرائح مختلفة من البشر ، لتجمع أمزجة معينة أو نشاطا ثقافيا أو إعلاميا أو فنيا تشكل مجموعها موجات تصب تأثرها وتأثيرها في قناة واحدة تدفع لحركة وتطور البشر على الأرض الليبية.

هل يمكن الاكتفاء بالحديث عن صحيفتي (الميدان) و(الحرية) ومجلتي ( الإذاعة والرواد) دون الحديث عن المطبوعات الأخرى سيئة كانت أم جيدة من استمرار تجربة صحف الولايات بسلبياتها وايجابياتها والصحافة الخاصة بمكوناتها واتجاهاتها من (الليبي) إلى (الأيام) ومن (الشعب)إلى (البلاغ) والأسباب التي دعتها للدخول في معارك ضد السلطة مما نتج عنه إغلاقها وإيقافها عن الصدور، والصحف الأخرى التي استمرت و مجلة (قورينا ) كإصدار ثقافي عن المؤسسة العلمية التعليمية التي تقود – أو يفترض أنها تقود – حركة الوعي والتنوير في البلاد من خلال إحدى كلياتها (الآداب والتربية) ومجلة (جيل ورسالة) التي بدأت نشرة لقطاع خاص هو(الحركة العامة للكشافة والمرشدات) واستمرت كمنبر يضم إلى جانب الاهتمام بالحركة الكشفية اهتماما ملحوظا بالحركة الثقافية ونمو المجتمع .

إن الحديث عن صحيفة (الحقيقة) فقط كان له أن يبرز الدور الذي بدأته كصحيفة ( تحولت إلى مؤسسة, سلبا أو إيجابا, فالحقيقة ليست فقط ما أشار إليه الأستاذ ( أمين مازن ) بقوله (بدت الصحيفة التي مضى على إنشائها ما يقارب من سنتين تعيش على كتاباته أكثر من أي كتابات أخرى، وقد فكر صاحبها أن يخوض المعركة الانتخابية التي أجريت بعد أربعة أشهر من الانتخابات السابقة وتعذر عليه بالطبع تحقيق أي فوز وفشلت الصحيفة في تحقيق ما كانت تتطلع إليه من الدخل المنتظر لقاء ما تميزت به من الحرية والتوسع الظاهر في استقطاب أهم الأقلام (35) ثم ناقضه بقوله: (إن النموذج في الإعلام العربي هو ذلك الذي يمكن وصفه بمن مارس لعبة أل( بين بين ) هو نموذج ينقذ الواقع، ويتحايل على العدو، ويدين الاستعمار غير أنه يشكك في إمكانية القدرة على أي فعل. ليس من أجل التحفيز إلى العمل أو وقف سلبية من السلبيات، وإنما للممارسة ذاتها, نموذج يرفض الاستسلام من دون أن يقترح أسلوبا للمقاومة يتبنى شعار ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة لكنه يعتبر حرب الاستنزاف مجرد مضيعة للوقت أو تبريرا لعدوان منتظر. يصب جام غضبه على الاستعمار الأمريكي ويتحرق شوقا للتعامل الاقتصادي معه ولا يجد غضاضة في الإقبال على سلعه, الاحتفاء بكتاباته يفوق الوصف وإذاعة ما تفيض به صراحته يقوم به أشهر المذيعين وأقدرهم.

هذا النموذج جرت محاولة بعثه في هذا الواقع أيضا فعدما نلتقي به يوما بعد يوم يعيد إنتاج ذات التفكير، ويضيف إليه قاموسا آخر تمثل في نقد الواقع العربي عامة ، والحديث عنه تحت مصطلحات غاية في السوء، والواقع المحلى خاصة, وفى شيء من الاستخفاف صار من الممكن أن يقرا المرء عن مجتمع من المجتمعات العربية، صفة الديوك المخصية، وان تطلق عليه مقالات بعنوان ( زورونا لكي نقرصكم) هي مقالات هدفها الأول والأخير توجيه المعركة عن ميدانها الضروري من حيث مواجهة السلطة المحلية وممارساتها إلى فضاء هلامي يحرص على إلقاء التبعة على الناس باعتبارهم المسئولين وليس من اجل تحفيزهم على الحركة وإنما في إطار السخرية ليس غير، كانت الإذاعة تحتفي احتفاء ظاهرا بهذا النوع من الكتابة وتقوم بإذاعته من باب إعطاء الأهمية من ناحية والترويج لهذا التوجه من ناحية أخرى. وليس من المستبعد أن يكون ذلك قد تم في إطار الاستيلاء على حق الكتاب بشكل عام (36).

لقد تأسست (الحقيقة) كمنبر صحفي وطني على يد المرحوم (حمد بشير الهونى) ساهمت في نشر الوعي الوطني والاجتماعي بأقلام وطنية جادة من نوعية ( عبدالله القويرى) و( يوسف القويرى) و(الهادى ابولقمة) إضافة إلى مثقفين عرب ضمتهم ( كلية الآداب والتربية ) و( كلية الحقوق ) في رحاب (الجامعة الليبية) وغيرهم، شاركوا في صنع ثقل للصحيفة مما دعا بعد ذلك وبعد فشل صاحبها في الانتخابات النيابية سنة (1965م) الذي كان بدافع طموح شخصي إلى التلويح له بالتعيين في (مجلس الشيوخ) مع إنهاء المجلس لمدته ثم تعيين (الطاهر العقبى) بدلا منه (37) لإبعاد الصحيفة عن الواقع المحلى وعن كل المشكلات التي تحدثت عنها خلال السنوات السابقة. ومع بداية تحولها إلى مؤسسة على طراز (أخبار اليوم) لها شبكة توزيع خاصة بها تمكنت من توفير الصحيفة صباح كل يوم في توقيت معلوم من التواجد في الأسواق بين يدي القراء في اغلب المدن الليبية، وهو ما لم تستطيع فعله المؤسسة الرسمية للدولة بالنسبة لمطبوعاتها. واستطاعت أن تنشر كتبا وان يكون لها مبنى أنيق يضم الإدارة والمطبعة، وكتابا يلتقي معهم القارئ في العدد الأسبوعي ليقرأ (خليفة الفاخرى) و(على الفزانى) و(أنيس السنفاز) و(محمد احمد وريث) وأقلام شابة أخرى، إضافة إلى الأدباء والمفكرين الليبيين والعرب الذين ضمتهم الجامعة من (د.الهادى ابولقمة) إلى (د. عبدالقادر القط) وعلى نسق (أخبار اليوم) استطاعت أن تصنع نجومية (صادق النيهوم) فأصبح الكاتب الأكثر انتشارا بل استطاعت (الحقيقة) استقطاب الكثير من الأدباء والصحفيين لإصدار صفحات خاصة بهم تصدر أسبوعيا بداية من الأستاذ (على مصطفى المصراتى) مرورا ب(محمد احمد الزوى) وانتهاء ب (ابراهيم الطوير) وربطت القارئ بأحدث وأشهر الإصدارات من الكتب ونشرها مترجمة على حلقات صحيح أن الصحيفة انحرفت إذ جرى التركيز على نجوم الكتابة فيها وأخذت القضايا المطروحة بها اتجاها آخر, لكن هل يمنع هذا الحكم على المرحوم ( رشاد الهونى) بأنه صحفي جيد استطاع أن يدير مؤسسة صحيفة ليحقق لها النجاح والانتشار), هل يمنع رأينا في أسلوب وكتابات (صادق النيهوم) الاجتماعية الاعتراف بأنه أول كاتب ليبي يتسبب في انتشار ونجاح صحيفة ليبية ليصبح مطلوبا ومحتفى به كنجوم الرياضة ونجوم الفن ، ليحقق في مجال الكتابة أسلوبا ساخرا متفوقا شد الكثير لتقليده دون أن يمتلكوا ثقافة (صادق النيهوم) ولا إمكانياته اللغوية وتعدد قراءاته؟ وهل نتجاهل دراساته العميقة)- التي لم يجمع منها للأسف شيء عن (المرأة والديانات) و(العودة المحزنة إلى البحر) و(الكلمة والصورة) أو دراساته عن (عبدالوهاب البياتى) و(محمد الفيتورى) (ونزار قبانى ) و(محمد الشلطامى) أو دراسته المهمة عن (الرمز في القرآن) التي لم يكتب لها أن تنشر كاملة بعد الصراع الذي دار حول ما ورد فيها من تفسير مختلف للقرآن استدعى تدخل الجامعة الإسلامية بكل ثقلها من أطرافها بكل ما كانت تمثله كمؤسسة دينية ؟

هل نستطيع أن نتجنب الحديث عن تيار في الموسيقا والأغنية الليبية ساهم في صنع كلمة جميلة موسيقية متطورة تمثل في (خديجة الجهمى) و(احمد الحريرى) و(عبدالسلام قادرربوه) و(محمد الطاهر شقيلة) و(فرج المذبل) و(عبدالسلام زقلام) و(عبدالله ابو سنوقة) كفرسان للكلمة المغناة و(عبدالرحمن قنيوه) و(وحيد خالد) و(على ماهر) و(عبدالله السباعى) و(عطية محمد) و(هاشم الهونى) و( عبدالباسط البدرى) كفرسان لنغم جديد يساهم في تشكيل في تشكيل حياتنا ويجعل الأغنية حاضرة في وجداننا وفى واقعنا ؟

وكما غيبت تلك الأحداث والشخصيات فإن الأستاذ (أمين مازن) يغيب الجامعة والرأسمالية الوطنية عن أي فعل في قطاع الصناعة وهو يتحدث عنه، فهو يركز حديثة عنه، فهو يركز حديثه على قياديين يعتقد أن لهم الدور الكبير في التخطيط للصناعة، لكنه لا يذكر جهود المؤسسة التعليمية ممثلة في (كلية العلوم) وتخريطها الأرض الليبية إلى عشرة مواقع تتم فيها الدراسة الميدانية والتطبيقية العلمية من قبل الطلبة بإشراف هيئة التدريس، وتنتقل فيه الدراسة الحقلية من منطقة لأخرى في كل عام، لينتهي البرنامج خلال ( 10) عشرة أعوام يتم فيها تنفيذ المطلوب، لتعود الرحلة من حيث بدأت، فتتم دراسة كل منطقة مع ما حدث بها من متغيرات خلال سنوات عشر، وهكذا، إلى المنطقة التي تليها.

يهمل أيضا دور الرأسمالية الوطنية التي لم تتجه للاستثمار في مجال السياحة والفندقة بل اتخذت طريق التصنيع، فأسست مصانع وصناعات بسيطة تدخل ضمن الاحتياج اليومي للمواطن فتصنع الفائض من الإنتاج الزراعي، وتتوسع لتأخذ مجالات اكبر واحتياجات أكثر، ليجد الإنتاج الوطني الصناعي طريقه إلى المواطن، شاملا في كل فترة نوعا أو أنواعا جديدة من الإنتاج.

من جانب آخر تقدم لنا ( مسارب) لمحات عن المؤسسة العسكرية وعن موقف المؤسسة العسكرية ممثلة في بعض أفرادها من نظام الحكم عبر متابعة متقطعة فنحن نتابع مع الراوي مراحل تطور العلاقة مع "احمد بوغولة" رغم إن التحاق الراوي ب(نادي الشباب الليبي) كان متأخرا وبعد التحاق "احمد بوغوله"بالكلية العسكرية (ليست الرغبة في معرفة المسافر تتصل بالجانب الخاص ولكنه نتاج أمور أخرى وأسئلة أكثر تفصيلا).

هل كان دخول رئيس النادي للكلية العسكرية مجرد خيار شخصي أو لدور النادي ذاته وبتحديد أوضح: هل هناك من يشير على البعض بهذه التوجهات خاصة عندما وجد التكتيك وسالم والدوس في سلك الشرطة)(38 )

نتابع هذه العلاقة دون أن نتابع الأسئلة ذاتها (عاد احمد بعد أن قضى السنة الأولى بالكلية وخلافا لما راهن البعض من انه سيضيق درعا بما روج عن سيطرة النشاط السياسي على النادي وقد يذهب إلى التقليل من مجيئه وربما تجميد حضوره نهائيا ، تبين انه أكثر تفتحا واشد تقديرا لطبيعة المرحلة ....تأكد أن الحس الوطني لدى الرجل قد ازداد عن ذي قبل، هو إذن يعيش الواقع بأكثر مما يذهب إلى أحاديث الإذاعات العربية المسيطرة على الشارع, كان الموقف لافتا للنظر، لكنه كان باعثا على الثقة فمن المؤكد أن تصرفاته جميعها مرصودة وقد تؤدى إلى تصفية بشكل مبكر، إذ لا يمكن أن يكون المنخرطون في سلك الكلية ، غير خاضعين للمتابعة من كل الوجوه، حتى المكان ربما يكون مخترقا فيما يتصل بمسيرة ضابط سيتسلم عمله بعد أشهر معدودة. إن البلد مملوء بالأجهزة، والعين لابد أن تكون على الجيش مسلطة لا تنام أبدا، ترى لو تجرى مفاتحته في هذه المسألة, لو لفت نظره إلى أن مثل هذه الشكليات التي لا لزوم لها وليس من المصلحة أن ينفرد بموقف يلفت نظر غيره ؟ استبعدت الفكرة تماما فهو إن كان مقبلا على أمر ما فلن يحذر أبدا، السليم إذن توطيد العلاقة الإنسانية وعدم الغياب عن اللقاءات والذهاب مع المجموعة طيلة أيام الإجازة وعدم التخلف عن واجب التوديع يوم السفر وانقضاء فترة العطلة) 39

إذا كانت أسئلة جديدة قد حلت مكان الأسئلة القديمة فإن طرحها أيضا لم يستمر (كان احمد استقر في هذه المرة بشكل نهائي في المدينة، بعد أن أنهى دورة تأهيلية بالخارج وإقامة لا بأس بها في الدواخل واحتل موقعا صار بإمكانه أن يسهل مهمة الدخول إلى القوات المسلحة لكل من تتأكد صلاحيته وتتوفر ضمانة سلوكه، وقد كان شديد الحماس لهذه المهمة، كبير الحدب على العاملين في المؤسسة وقد قرر يومئذ شأن بقية الزملاء أن يدخل عش الزوجية، كان يبدو نتيجة جديته المفرطة قد تأخر بعض الشيء وقد أمكن الاحتفاء بالحدث رغم مرارة الهزيمة العربية ولم يتأخر أي من زملاء النادي عن المناسبة، رغم أن النادي كاد أن يكون في حكم التاريخ..)

( بدا واضحا أن احمد بالرغم من ظروف الفرح ومشاغل الحياة، وحساسية الموقع يحاول التعبير عن بعض الأمور التي تخص الجميع وتتصل بشكل أو بأخر بذلك الواقع خصيصا وقد جرى هذا الاتفاق في لحظات أمكن سرقتها ونحن نعينه على بعض أسرار المناسبة.. )40

ويتتابع الحديث في (مسارب) على نفس السياق (استدعت الذاكرة قول أحمد منذ فترة ما تحدث به حول موضوع التسليح، عندما وصف الإجراء بأنه ضد الجيش، وضد الضباط الوطنيين كان الحديث أن السلاح قصد به عدم السماح للضباط بالتحرك ضد النظام).

إن المعلومة تثير الشبهة والشبهة تخلق تراجعا (قال يؤمئذ ( نبي نشوفك ) ولم تتم رؤيته لوجود فكرة خاطفة خامرت العقل بأن للأمر علاقة بالتفكير في شيء ما )41

لذلك يكون القرار بأن يبتعد عن مصدر الخطر أو ما يتصور انه يشكل خطرا (كانت القناعة قد تحددت منذ زمن برفض أي مغامرة عسكرية، وبأن العسكريين لا ينظرون للمدنيين بذات النظرة التي ينظرون بها لبعضهم فهم بالنسبة لهم درجة اقل, ذلك ما قرئ منذ سنين وما يلاحظ على التجارب العربية، حتى إن وجه مصر الثقافي يمثله دائما يوسف السباعى وحسن التهامى وسعد الدين وهبة ولا يوجد استثناء سوى خالد محى الدين ويؤمئذ كان الرأي الأخير.

ـ أحسن حاجة الواحد ما يتصلش، إذا حدث واتصل احمد, كل باب وبابو وكل حساب وحسابو )42

العلاقة التي دخلت طور التجميد مع (احمد بوغوله) لم تكن كذلك مع (يوسف الدبرى) رغم أن الأحداث تأتى بها متأخرة وبعد أن أصبحت القناعة واضحة (مرة وقف يوسف الذي التحق بالجيش منذ سنوات وصار لا يأتي إلا لماما وكأنه يحمل هموم الدنيا كلها وعندما بدأت إجراءات سفره كان في منتهى الوجوم حتى لقد تبادر إلى الذهن أن نازلة قد حلت بالحاج عبدالقادر الذي يدعوه بالأب الصغير(وهو والده الحقيقي أو الحاج على الذي يدعوه بالأب الكبير (وهو العم)وإذا به يقول:

-  طلبوا منى السفر، يا ابن العم، ولم تبقى سوى ثلاثة أيام ؟ وأنا لا أريد أن أسافر ومتخوف.

- كان في حالة من الحزن لا توصف وفى ضيق اكبر من الدنيا لم يكن الأمر يتصل بصعوبة الدورة ولا الإجراءات ولا أهل ولكنه سبب شخصي هكذا قال الطبيعي أن تعرض فكرة الاتصال والمصاهرة بأحمد لتأجيل البعثة فقد أصبح مكانه متقدما مع نصر الدين الذي يسبقه في العمل والمصاهرة وفى حب عبدالناصر ولكنه رفض الفكرة قائلا: إذا تمكنت كان بها وإلا ( الدنيا واليها الله)43

- لم رفض الملازم أول (يوسف الدبرى) أن تحل مشكلته على يد مقدم (نصر الدين هامان ) آمر قلم الاستخبارات العسكرية أو معاونة الرائد (احمد بوغولة) هل يستدعى الأمر التفكير أم أنها مجرد تسجيل لواقعة (كان تلاقينا ممكن نقول لك كلام ذلك ما قاله يوسف واخذ القلب معه في تلك الليلة فهو كتله من الصفاء والمحبة) 44

وبالعودة إلى "خليفة التكبالي" يسرد الكاتب بعض المعلومات (رحيل التكبالي اثر عملية أجريت في المستشفى العسكري لاستئصال المرارة) 45

التكبالي الذي قضى سنوات طويلة في الغربة عاملا ودارسا هاجر مطلع الستينات في تلك الفترة المبكرة وعاد منذ وقت والتحق بالجيش الليبي بعد التخرج من الكلية العسكرية 46 واستلم عمله بالزاوية وصار في إمكانه العودة إلى المدينة باستمرار..

... لقد كان مهموما إلى حد كبير في فتراته الأخيرة وعلى الأخص بصدد ما كان يحصل في المعسكر من نقاش حاد يصل في أحيان كثيرة إلى (الخناقة)على رأيه, غير انه حريص في أحيان على عدم ذكر أي تفاصيل وان لم يخف تماما أن الأمر يتصل ببعض القضايا الكبيرة ومرة أكد أن زملاءه يتألفون من خليط من القبائل الليبية خارج المدينة تحديدا. لم تذهب تلك الحادثة من الذاكرة ولم يعد احد إلى الموضوع مرة أخرى، حين جاء ذات يوم من معسكر الزاوية شديد الضيق مما جرى هناك. كان الشرود والقلق من صفات خليفة بيد أنها لا تظهر إلا من خلال المناقشة وطرح الأمور المختلفة) 47

بدأ المد القصصي ينفتح على عوالم مختلفة ويعتني بأشكال جديدة من التعبير ومواقف أكثر حزما واكتمالا ذلك أن المناخ الذي عاش فيه عقب التخرج من الكلية العسكرية كان يختمر بشيء كبير لأنه ليس بعيدا عن ذلك الواقع، بل من صميمه ويحمله بقوة, كانت تجاربه تعبر بطريقتها الخاصة وكان كذلك شروده وتأمله المستمر لمحدثه أن شيئا ما يلوح في الأفق حين كان اللقاء في شارع المعرى، كان مساء طويلا ذلك الذي ملأ فيه الزمان والمكان بدءا من مقاهي ميدان الجزائر ، وحتى فندق "ليبيا بالاس" قصر ليبيا, حين قرر الدخول إلى المستشفى واستئصال المرارة والحديث يشمل كل شيء فإذا ما اقترب الأمر من العملية التي يوشك أن يجريها ولم تكن شاعت في حياتنا كثيرا, كانت كلماته التي أطلقها في عفوية:

-تحساب كان نموت أنا نخاف.

لم يستغرب احد في التو, فالموت نهاية, لكن السؤال لماذا يقول ذلك, لماذا يخرج من المستشفى ليعود في صباح الغد حسب المقرر وتكون الصدمة بموته في ذلك المساء ) 48

هذه الوقائع التي يذكرها الأستاذ "أمين مازن" والتي نتابعها على تقطع زمني بامتداد زمن النص نفسه تثير أكثر من سؤال.

إن الكاتب الذي يحاول أن يؤرخ لزمن ما يتناول كافة الظروف التي تصنع الحدث ولا أدرى كيف يقيم الأستاذ "أمين مازن" الحدث الهامشي وهو يشير إلى انه كان برفقة "الشريف محي الدين احمد الشريف السنوسي" قبل دقائق من قيامه باغتيال ناظر الخاصة الملكية"إبراهيم الشلحى" فيلخص الحادثة كلها في ثلاثة اسطر (كان مقيما لدى ميلاد بالفويهات حين مر الشريف أمام المزرعة النموذجية متوجها إلى المدينة وبطلب من ميلاد حمله الشريف معه دون أن يتحدث عن أي شيء بالرغم من أن ميلاد قال له إن هذا ابن الشيخ لكن الشريف كان مشغولا بما يسيطر على تفكيره ولم يكد يفترق عنه وتمر دقائق معدودة حتى تناقلت الأنباء وفاة السيد إبراهيم على يد الشريف)49 ثم وهو يسجل ضمن الأحداث اغتيال العقيد (إدريس العيساوى) في خبر صيغ بشكل غامض ليجعل الحادثة أكثر غموضا وهو يرد نسبة التصفية للمؤسسة العسكرية نفسها 50 ويشير إلى المنشور العسكري الذي يحرض على قلب نظام الحكم 51 ثم ما يتردد في الشارع الليبي عن قرب حركة عسكرية يقودها ضباط الجيش المقربون من العهد يؤكدها ما كان يجرى من تنقلات بين كبار الضباط لإبعاد العناصر الأقدم 52 فإذا كان الأمر كذلك يصبح ما أورده هو قمة جبل الجليد الذي كان ينبغي عليه رصده ومتابعة تطوراته بالذات وهو يشير إلى كتب الصحفي المصري سامي الحكيم 53 الذي استنتج أنها فقط لتلميع بعض الشخصيات دون أن يشير إلى تضافر خط رفض النظام الملكي عبر عدة مسارات منذ بدايته فغابت عنه كثير من الأشياء.

إن أول ما يلفت النظر في هذا المجال الذي اتخذ طابع العنف محاولة اغتيال الأمير( إدريس السنوسي) بإلقاء رمانة (قنبلة) يدوية على موكبه عند عبور موكبه شارع (عمر المختار) في طرابلس بتاريخ 19/5/1951ف

إننا عندما نكتب عن المرحلة الزمنية منذ الإدارة البريطانية حتى قيام الثورة لا يجب أن نهمل عنصرا من عناصرها أو نعطى لعنصر اهتماما اكبر على حساب عناصر أخرى إلا بمقدار فعاليتها ودورها في الحركة الوطنية لكن الأستاذ "أمين مازن" لا يفعل ذلك فالحركة الوطنية كل لا يتجزأ عند الكتابة عنها أو التاريخ لها وان أخذت أكثر من مسار تصب في نهايتها في مقاومة الحكم الملكي والبطانة الفاسدة التي استقرت في (القصر) موزعة الو لاءات بين الانجليز وبقايا الفاشسيت ومقدمات تغلغل النفوذ الأمريكي والارتباط بمصالح اليهود.

في الحركة الطلابية التي قامت انتقاضاتها أكثر من مرة أبرزها في 13 و14يناير 1964م وذهب ضحيتها شهداء منها 54 وفى نقابة العمال الذين بدأ صراعهم مبكرا وتلقوا الضربة الكبرى في 1967ف 55 في التنظيمات السياسية المحظورة التي ضربت واحدا تلو الآخر البعثييون في 1961م والقوميون في 1967م, وفى كل الوطنيين الذين امتلكوا الوعي والرأي وهم يقيمون المؤتمرات الشعبية التي طرحت مطالبها الوطنية على مستوى الداخل وعلى مستوى الوطن العربي الكبير وهى تلتقي في 10يونيو 1967م لتقدم مطالبها إلى الحكومة باسم ( التجمع الشعبي للعمل الوطني).

وعلى كل المستويات وفى كل المجالات في الأنشطة الثقافية والاجتماعية والاقتصادية كان الصوت الوطني رغم قسوة وجبروت السلطة يرتفع ويقاوم على كل الجبهات وعلى كل الأصعدة بما يشكل لوحة مقاومة السلطة الفاسدة بكل من فيها من قوى وطنية فاعلة لم يستطيع الأستاذ "أمين مازن" في (مسارب) أن يتحدث عنها أو يعطيها حقها فهو يرى من موقع ثابت جزءا من اللوحة لا يعبر عنها كلها ويلمس دفئا في الرماد ولا يتحسس الجمر تحته انه فقط يتوقف عند محطات صغيرة وإشارات لا يتولى الربط بينها ولا يحاول قراءة الوطن كله مكتفيا بقراءة صفحات منه.

تبقى في النهاية ملاحظة تتعلق بالمقدمتين اللتين قدم بها (د.عبدالله إبراهيم) للجزء الأول والشاعر محمد الفقيه صالح للجزء الثاني ومع تقديري ومعزتي للأديبين فان مقدمتيهما لا تضيفان إلى الكتاب شيئا.

ذلك أن الأصل في مقدمة أي كتاب الإضافة إلى الكتاب نفسه بإبداء وجهة نظر فيما تمت قراءته بالتفسير والتوضيح والملاحظة وهو ما لم يتم في ( مسارب) لسبب لا يتعلق بالكاتبين بمقدار ما يتعلق بطبيعة المرحلة التي تجمعها أحداث الكتاب في جزيئه.

فالدكتور عبدالله إبراهيم قد لا يعرف مدينة هون الحالية إلا اسما فما بالك وما يتحدث عنه الكتاب يعود إلى أكثر من (60) ستين عاما مضت يحكى فيها عن طبيعة المكان وطبيعة البشر وطبيعة الظروف التاريخية لمنطقة لها تكوينها الخاص ضمن ظروف تختلف عن الحاضر. إن من الصعب جدا على الباحث الليبي إذا لم يكن مستندا إلى معرفة بتركيبة المجتمع وظروف المرحلة والواقع الاقتصادي والثقافي والاجتماعي للمنطقة التي يدرسها أن يتناول ل تلك الفترة الزمنية وذلك المكان بالبحث والدراسة فما بالك بكاتب يفتقد إلى جانب ذلك الخبرة بطبيعة تركيبة المجتمع الليبي عموما.

اقتطف فقرة قد توضح اكثر ما اقصد (..ألم بالأسباب الحقيقية للخلافات الحديثة التي استفحلت أيام الجهاد بين عديد الزعامات والقبائل وأثرت سلبا على تلك الحركة مثل خلافات الجبل الغربي التي ما كان لها أن تستفحل وان تنحدر إلى المستوى التي انحدرت إليه لولا الإصغاء لصوت الفتنة والانقياد لتفكير الأوغاد وسيطرة روح المغامرة على العديد من القادة خاصة حين سخروا ملكاتهم الشعرية لتعميق التشرذم والصراع القبلي القاصم لمشروع الوحدة الوطنية وهى ذاتها التي حدثت في مواقع أخرى كانقسام المنطقة الوسطى بين صف البحر والصف الفوقي والتنابز الذي جرى داخل كل منهما بواسطة الشعر تخصيصا..) 55

لذلك كانت مقدمة "د.عبدالله إبراهيم" حول الإطار الخارجي للكتاب ولم تتعرض لنقاش ما كتبه الأستاذ "أمين مازن" وهو أفضل ما كان يمكن له تقديمه حتى لا يجوس أرضا لا يعرف موقع قدميه فيها ولنتصور أن شاعرا بوزن "السنوسي حبيب" ولد وعاش حياته في (هون) أو أديبا ومؤرخا مثل "د.خليفة التليسي"أو د.محمد الجرارى) هو الذي قدم لهذا الكتاب, ألا يضيف إلى النص كثيرا وهو يدخل عمقه ويناقش ما فيه ؟

الأمر نفسه ينطبق على مقدمة الشاعر"محمد الفقيه صالح" في الجزء الثاني فالستينات حقبة ضاجة ليس على مستوى( ليبيا) فقط بل كانت أحداثها تمتد على مستوى الوطن العربي والعالم ولنتصور بعض ملامح نهاية حقبة الستينات في العناوين موسيقيا ( البيتلز) تسيطر على شباب العالم حرب ( فيتنام) تلطخ وجه ( أمريكا) الطلبة الفرنسيون يسقطون الجنرال ( ديجول ) عن رئاسة الجمهورية الخامسة في فرنسا رائد الفضاء الأمريكي (ارمسترونج) يضع قدميه على سطح القمر. حرب يونيو طلبة كلية الهندسة في (القاهرة) ينشئون إذاعة ضد نظام الرئيس (جمال عبدالناصر) تظاهرات الطلبة في ( ليبيا) ضد النظام الملكي والقواعد الأجنبية زعيم الهيبز (تشالز مانسون) يقتل الممثلة (شارون تيت) ذبحا من الوريد للوريد القبض على تنظيم حزب (البعث) في ( ليبيا) محاكمة تنظيم (القوميين العرب) في ( طرابلس) 4 وزارات تتغير في ليبيا خلال اقل من 4 سنوات واحدة منها استمرت أربعة أشهر فقط إعلان حالة الطوارئ بعد الانتفاضة الشعبية في ( ليبيا) اثر اندلاع حرب يونيو.

تاريخ مازال حاضرا ذاك الذي يضمه الجزء الثاني من ( مسارب) والعديد من شخصياته لازال على قيد الحياة عاشوا المرحلة وشاركوا في صنعها ولهم القدرة على الكتابة عنها أو التعليق عليها من واقع المشاهدة وليس السماع أو القراءة وهى مرحلة زمنية لم يدركها (محمد الفقيه صالح) لصغر سنة ولم يشارك فيها وما يعلمه مستمد من قراءة أو سماع ولذلك كانت مقدمته تحوم حول الكتاب ولا تناقشه ولنا أن نلمس الفارق فيما لو تولى كتابة المقدمة احد فرسان المرحلة نفسها مثل الأستاذ كامل عراب أو الأستاذ يوسف الشريف أو الأستاذ عبدالكريم الدناع مثلا.

تبقى لكتاب ( مسارب ) بجزئيه أهمية في انه ألقى في البركة حجرا فحرك ماءا راكدا في انتظار من يأتي ليشق للماء الراكد طريقا تنفتح لتتجدد المياه.


هوامش ــــــــــــــــ

1- أمين مازن– (مسارب) . منشورات " مازن". جزآن . ط 1/1998م.

2- بدأت مفاوضات الجلاء بين " ليبيا" و" بريطانيا" في (8/12/1969) وتم الجلاء فعلياً يوم (28/3/1970). بين "ليبيا " و" أمريكيا " في (15/12/1969). وتم الجلاء فعلياً يوم (11/6/1970). وعقدت المفاوضات بقاعة الاجتماعات في بلدية " طرابلس" .

3- نشرت مجلة ( الكفاح العربي) اللبنانية وثائق ومستندات وزارتي الخارجية الأمريكية والبريطانية التي كانت مصنفة بدرجة (سري) و(سري جداً) حول موضوع القواعد في " ليبيا" مترجمة إلي العربية خلال سنة (1985م).

4- (مسارب).جـ 1/ص282.

5- المصدر نفسه جـ2 /ص 207/208.

6- المصدر نفسه جـ1 /ص 108/137/138/206.

7- المصدر نفسه جـ2 /ص 347 .

8- المصدر نفسه جـ2 /ص 377 .

9- المصدر نفسه جـ2 /ص383.

10-د.إحسان عباس. ( فن السيرة). منشورات" دار صادر" بيروت ودار الشروق" . عمان . ط1/1996م.ص95

11- المصدر نفسه . ص96/70.

12- المصدر نفسه جـ1 /ص 306/307.

13- المصدر نفسه جـ2 /ص 398.

14- المصدر نفسه جـ2 /ص 370.

15- المصدر نفسه جـ1 /ص 114.

16- صدر العدد الأول منها سنة (1953م) والعدد الأخير في (11/8/1969م). تصدر مرتين في الشهر عن (المعاهد الثقافية الأمريكية في بلدان شمال أفريقيا) ومقرها " طرابلس وتوزع مجاناً

17- ( مسارب).جـ 2/ص 399.

18- المصدر نفسه جـ2 /ص 354/355.

19- المصدر نفسه جـ2 /ص 337.

20- تأسس عام (1945م) بمدينة ( طرابلس) .

21- تأسس في (10) مايو(1946م) بمدينة (طرابلس).

22- تأسس في (30) مايو(1946م) بمدينة (طرابلس).

23- تأسس في (16) ديسمبر(1946م) بمدينة (طرابلس).

24- تأسس عام (1945م) بمدينة ( طرابلس ).

25- تأسس أواخر سنة (1948م)وأوائل سنة (1949م) بمدينة ( طرابلس ).

26- نشأ (حزب المؤتمر الوطني) في (14) مايو (1949م) بمدينة (( طرابلس)) من اندماج تجمع (الحزب الوطني) و(حزب الجبهة الوطنية المتحدة) بعد حلهما وانضمامهما مع ( هيئة تحرير ليبيا) التي شكلت في ((مصر)) في مارس (1947م) برئاسة (( بشير السعداوي)) وانتقلت إلى (( طرابلس )) في أوائل سنة ( 1948م) أصدر الحزب جريدة (شعلة الحرية) خلال سنتي (1951/1952م) وهي يومية وطنية جامعة تصدر أسبوعياً مؤقتاً . رئيس التحرير الأستاذ ((أحمد زارم)).

27- أول هيئة سياسية وطنية ليبية تتأسس خارج ((ليبيا)) بعد هزيمة ((بريطانيا)) في الحرب . أقرت الجمعية قانونها الأساسي في (31) يناير (1942م) ووافقت عليه الجمعية المركزية في مدين ((بنغازي)). أصدرت الجمعية الصحف التالية:

* ( عمر المختار) . شهرية. سنة (1943/1944م). رئيس التحرير الأستاذ"مصطفى بن عامر". * ( برقة الرياضية). أسبوعية. سنة ( (1943م) رئيس التحرير الأستاذ (( مصطفى بن عامر)).

*( الوطن). أسبوعية. من يناير (1947م) حتى توقفت بموجب قرار ( مجلس الوزراء ) في (9 يوليو 1951م) . رئيس التحرير الأستاذ (( مصطفى بن عامر)).

28- علي الديب. ( مؤامرة بن حليم على الديمقراطية في ليبيا ) .

29- ( مسارب) . جـ 2/ص 137/138.

30- المصدر نفسه . جـ 2/ص 143.

31- صدر حكم ( محكمة الجنايات ) يوم (24/2/1968م).

32- راجع كتاب (أسرار القواعد الأمريكية في ليبيا). علي شعيب. منشورات (( المنشأة العامة للنشر والتوزيع والإعلان)). طرابلس. ط2/1982م. والمؤلف نفسه ( ؟أسرار القواعد البريطانية في ليبيا). منشورات ( المنشأة العامة للنشر والتوزيع والإعلان ) طرابلس .ط2/1982م.

33- ( مسارب ) . جـ2/ص28.

34- هي في الأصل ضمن مبنى"فندق الحصائري" الذي كان واحداً من مجموعة فنادق مدينة "طرابلس" مخصصة لسكن المسافرين والغرباء ، مثل " فندق الزهر" و"فندق سيالة" وغيرهما . وكانت المقهى أحد مرافق الفندق. فيما بعد وزعت حجرات الفندق وتحولت إلي دكاكين لصناعة ( النول). وأصبحت المقهى التي تفتح على شارع " عمر بن العاص" أشهر ما فيه . كانت من ضمن مقاه قليلة في "طرابلس" تقدم لزبائنها الشيشة (الأرجلية). وقد هدمت المقهى لتصبح محطة للسيارات خلال سنة(1985م). كما هدم ( جامع سيالة) الذي يواجهها على الناصية الأخرى للشارع نفسه وكان ملاصقا مقر صحيفة ( البلاغ).

35- ( مسارب) جـ 2/ص 290.

36- المصدر نفسه جـ2. /337- 338.

37- المصدر نفسه جـ2 /ص385.

38- المصدر نفسه جـ2 /ص25.

39- المصدر نفسه جـ2 /ص97-98.

40- المصدر نفسه جـ2 /ص331-332.

41- المصدر نفسه جـ2 /ص372.

42- المصدر نفسه جـ2 /ص372-373.

43- المصدر نفسه جـ2 /ص 370-371.

44- المصدر نفسه جـ2 /ص373.

45- توفى " خليفة التكبالي " بتاريخ "9/6/1966م".

46- التحق " خليفة التكبالي " بالكلية العسكرية الملكية في 1963م. وتخرج في (1965م.).

47- ( مسارب ) جـ 2/ص 294-295.

48- المصدر نفسه جـ2 /ص 297-298.

49- المصدر نفسه جـ1 /ص 282.

50- المصدر نفسه جـ2 /ص207-208.

51- المصدر نفسه جـ2 /ص376.

52- المصدر نفسه جـ2 /ص398.

53- صدر له مجموعة كتب عن " ليبيا" هي: *( معاهدات ليبيا تحليلها ونصوصها ) ط1/1964.

*(استقلال ليبيا بين جامعة الدول العربية والأمم المتحدة) هي :() .

*(حقيقة ليبيا) منشورات " مكتبة الانجلو المصرية". القاهرة ط1/1968.

*( هذه ليبيا) . منشورات " مكتبة الانجلو المصرية". القاهرة ط1/1970.

* (جغبوب الواحة المغتصبة).

54- استشهد الطالبان "صالح مسعود النقاز" و"على الأمين البيجو"وأصيب (112) مائة واثنا عشر طالباً بجروح بالغة في مدينة "بنغازي وفي مدينة "الزاوية" استشهد (4) أربعة طلاب. وفي مدينة " الجميل" استشهد طالبان وجرح آخرون.

55- (مسارب) جـ 1/ص 59.

 

_________________________


بين سؤالين التبرير و التشفير

لماذا يخاتل أمين مازن قراءه ؟

وكيف يصوغ رسالته النقدية لإبراهيم الكوني

 

حسن الفيتوري

 

كان يمكن لهذه " القراءة المبتسرة " حول " التجربة الإبداعية لأمين مازن " أن تندفع مباشرة نحو مساءلة مشروع السيرة في ثلاثية مسارب أو البنية السردية والإيحائية لرواية " المولد " فتتوقف .مثلاً. عند حركات الأنا وتفاعلاتها كوجود مزود بمعان في سيرة مسارب أو تتعاطى مع نص "المولد" " ككون روائي " واقعي " ينوس بالرسائل المشفرة رغم أدائه اللغوي التقريري .

إنها قراءة لا تدعي إحتيازها على نهج نقدي قادر على مقاربة تجربة أمين مازن التي وصفها عمر حمودة بالتجربة الصامدة في قراءته المتثاقلة عن رواية " المولد " بقدر ما تدعو جاهدة في إستهلالها إلى تبني تحالف أو إئتلاف منهجي يسعى إلى الإحتفاء بالنص أكثر من إحتفائه بمراجعه بعد أن توغلت المناهج التاريخية والإجتماعية والنفسية في إستضاءة المراجع على حساب النصوص والتعامل مع الأجناس الأدبية الإبداعية كوثائق تاريخية أو ظواهر إجتماعية أو عينات سيكولوجية وإهمال عمليات استنطاقها وتأويلها .

هذا التكتل المنهجي الذي يأخد بالنتائج النقدية التي تحققها المناهج الأسلوبية والسيميائية الحديثة في الحقول الرمزية الثقافية لن يستبعد المناهج الكلاسيكية السابقة عن تداولاته التقدية وإنما سيعمل على تحرير " وتثوير " أدواتها بما يحقق لها فرص الدخول إلى فضاءات الرؤية النقدية الجديدة وهذا المنهج التكافلي الذي نادى به نقاد ومشتغلون بالفكر والفلسفة واللسانيات الجديدة لن يدعى القبض على حقيقة النص . حسب إعتقادي . فالحقيقة كما يراها بورديو . ستظل محل نضالات والنص دنيامية متواصلة لا تكتفي بتعديات المعنى حتى وإن جاء التأويل أحياناً متحاملاً ومتعسفاً !! .

في مشروع القراءة لن ندعي إمتلاكنا هذا المنهج " الديمقراطي " في محاورة النص ومقارنته لكن حسبنا من المحاولة هو الإقتراب حثيثاً من المقالة الصحفية التي يحاول البعض إستبعادها من ترشيحات الأعمال الإبداعية مثلما يفعل التشكيليون تجاه الرسم الساخر عندما ينفون عنه القيمة الفنية بحجة ولادته الصحفية المبكرة رغم حمولاته الرمزية والتعبيرية التي تتجاوز أحياناً أعمالاً تشكيلية كبرى وهذا الإستنتاج سينطبق أيضاً على مقالات صحفية أحتازت على بنى لغويـة وإستعارية ومعالجات فنية وموضوعاتية تفتقدها مدونات سردية كبرى .

إن مقالة أمين مازن الصحفية سؤال قلق ، تاريخ صريح ، وتدفق آسر سيغتاظ منه أولئك الصحفيون الذين يتضورون تعباً وإجهاداً بعد كتابة كل عمود صحفي أسبوعي لا يتعدى الصفحتين مقاس A4 في حين يواصل أمين مازن الكتابة بشكل أسبوعي منتظم عبر صحيفة الجماهيرية ويتفرغ إلى مدونته السردية فيعمل على إستزادتها وإثرائها في حركة دؤوبة ديدنها النشاط والحماس .

ومع صبيحة كل ثلاثاء سيتوقف قراء كثر أمام مقالته المنشورة في الصفحة الأخيرة من جريدة الجماهيرية وفقاً لنتائج إستطلاع مع قراء محترفين رأوا في مقالة الشيخ أمين ذلك السبك اللغوي المتين الذي تفتقده جل الكتابات الصحفية الشابة وأكبروا فيه تلك الجرأة والمعالجة الحكيمة لكثير من القضايا الأدبية والإجتماعية والسياسية كما أثنوا على طريقته في إستغواء المتلقي وجلبه إلى طوره عبر التقانات الفنية " البسيطة والمركبة " التي يستخدمها في إستنفار إمكانـات الحكايـة لصالح دخول واثق إلى متن المقال ولعل الرجل الذي يتمتع بالملكة الشفاهية والقدرة على إستثمار مداخيله المعرفية في تعقيباته وحواراته المتتابعة في المشهد الثقافي الليبي سيجعلنا في الممارسة النقدية تجاه نصه الخطي مبالين بخطابه المنطوق خصوصاً في إقترابنا " الحذر " من مقالته الصحفية فأحياناً تأتى مقالته كتتمة لتعقيب على محاضرة أو ندوة لم يستطع توضيحه أو إضاءته بالصورة التي تتسق مع ما يود قوله أو كتابته وأحياناً أخرى تأتي المقالة كإجراء إستباقي لما يمكن أن تثيره أو يطرحه من أفكار ورؤى في أحد ملتقياتنا الثقافية والفكرية .

من هنا ستغدوا المقارنة بين مقالته المنطوقة ومقالته المكتوبة عملية نقدية مفتوحة قد تحقق نتائج مطمئنة في فهم مناهج الشيخ أمين في الكتابة والتفكير لكنني في هذه العجلة غير العجالة قادر على سبر تضاعيف هذا التداول النقدي لذا سأكتفي ببعض شواهد زاوية كل أسبوع كمديات لهذه القراءة ورغم تحفظي الشديد على مصطلح الإنتقائية في إشتغالات المقاربة إلا أنني أجدني مضطراً إلى تسويقه ومهادنته وربما حتى تسويغه لأجل إدراك معنى غائي وهو معرفة الإستراتيجيات التي يستتبعها أمين مازن في تحرير مقالته الصحفية والآليات التي يشتغل بها لتمرير رسائله الأدبية أو الإجتماعية أو السياسية .

قد تبدو " المقارنة " بين مقالاته ومقالات مجايليه كيوسف الشريف أو يوسف القويري أو كامل عراب أو حتى أولئك الذين يجاورهم في الصحف المحلية كمحمود البوسيفي وعبدالرزاق الداهش وشقيفه الطاهر وغيرهم في رتبة المفتاح الذي قد يضئ نص أمين الصحفي ويقودنا إلى فهم منهجه ومعرفة مصادره رغم الإختلافات البائنة بين ما يكتبه ، وما يكتبه الآخرون على مستوى الأسلوب والتفكير ورغم ما يعتور هذه المقارنة من ملاحظات تصل إلى موقف الرفض أحياناً إلا أنها ستبدو عملية منتجة حتى لو نظرنا . إجتهادياً " إليها من باب تفعيل مصطلح " الإختلاف " ومع ذلك لا أخالني أيضاً مستعداً لإنجاز هذه المهمة التي تتطلب جهداً ووقتاً كبيرين ومعرفة دقيقة بالمناهج النقدية الحديثة وفي الوقت ذاته لن يكون في " مقدوري " بعد هذا الإستطراد الطويل في الإستهلال والإستغواء النظري إلا الإقتراب جدياً من لغة التطبيق والتفسير . وربما . التأويل في قراءة بعض مقالات زاوية كل أسبوع .

ففي مقالته التي يحملها العدد رقم 5275 من صحيفة الجماهيرية ويرقنها الشيخ أمين بعنوان الرواية الجديدة لإبراهيم الكوني " نداء ما كان بعيداً " الصادرة مؤخراً ضمن منشورات اللجنة الشعبية العامة للثقافة والأعلام سيوهم الكاتب متلقيه في مفتتح مقالته أنه ماض نحو قراءة إنطباعية أو تأثيرية عابرة أو إضاءة لأهم مفاصل العمل عندما يبدأ المقالة " هذا عنوان العمل الروائي الفخم الذي أنجزه إبراهيم الكوني " إلى أن يدون الفقرة التالية : " جاء هذا العمل المتميز وبالأحرى الجزء الأول منه في أربعمائة وسبعين صفحة " ثم يشير إلى مسألة تقسيم الرواية إلي فصول طبقاً لإشتراطات السرد مبيناً شيوع هذا الأسلوب عند كتاب السرد حيث يمثل المؤلف القوة المسيرة لكل مكونات النص حسب تعبير مازن عدا هذا الإشارات سيتجاوز مازن الحديث عن الرواية ويركز إشاراته على إنجازات الكوني وجوائزه وتفرغه في الملاك الدبلوماسي دون أن يغفل قضية عدم مصادرة حق المتلقي في إخضاع المدونة الكونية للتقييم النقدي الصارم ومساءلة خطابها الثقافي ومعمارها الفني ومردودها الدلالي وفي أي إتجاه تصب وأي طرف من أطراف مجتمعنا تناصر وأي مشروع تتبنى إلى أن يقول : فلا شئ أضر بالنص الأدبي مثل الخروج من دائرة المساءلة البناءة ووضعه في خانة المسلمات .

هذا التلخيص الإضطراري لهذه المقالة سيقودنا إلى تصدير النتائج التالية :

1- إن العنوان عند أمين لا يمثل حالة إخبار أولى واثقة عن النص كما تذهب جل العناوين الكلاسيكية للمقالات الصحفية .

2- إن العناصر الرئيسية للمقالة يمكن إعتبارها مشاريع مقالات داخل المقالة الأم وأن الشيخ أمين بقدراته الأسلوبية والربطية قادر على تذويب ذلك التداخل أو التقافز دون الحاجة إلى التفقير أو الترقيم .

3- رغم إعتماد المقالة على اللغة الصحفية إلا أنها تحمل بعض الرسائل المشفرة أو الخاصة وهذه خاصية تعلقت كثيراً باللغة الأدبية المجازية التي لا تعول على المعنى الظاهر بقدر ما تسعى إلى التأويل وعند أمين نتحسس الحيرة في السؤال : من يقصد ؟ يقول في إحدى الجزئيات .. " ولا مبرر إطلاقاً أن يطاله ما يمكن أن يدخل في إطار الغيرة أو ردود الأفعال أو كل ما يدخل في دائرة المتابعة الشخصية تحت أي مبرر من المبررات

لكن أمين مازن سيغدو مختلفاً في الإستراتيجية التي يتبعها في مقالة عن مدونة المجراب إذ سيفضي من البداية العنوان عن متن المقالة ولعل الهاجس التاريخي الذي يستنفزه إلى طرق مراتب السرد والسير غالباً والعامل النوستالجي الذي يدفعه إلى إستحضار الشخصيات التي أحبها سيمثلان بالنسبة له جواز المرور الدائم إلى الكتابة الإسترجاعية التي لا نغفل عنها نفس الحاضر لغة وتفكيراً ومواقف ففي مقال " مدونة المجراب " ثمة إحتفاء جاد بصديقه المجراب الذي كانت له صولة وجولة في مواجهة مسرح التنفيس عبر إدارته لفرقة " الأمل " التي كان الهدف من تأسيسها أنذاك العودة بالمسرح إلى رسالته الحقيقية كأداة تنوير وتثقيف ومعرفة ولعل إنهمام أمين بتعداد ورصد مواهب ونشاطات صديقه في كتابة المسرحيات والقصص القصيرة وتفرغه لمشاريع الأشرطة غير العادية حسب تعبيره لم يثنه عن الإشادة بتدوين صديقه لمسرحياته ودراساته المتصلة لهذا الفن وهذه الإشارة التي أقرنها أمين بأهمية التدوين بإعتباره " البقاء الأهم " للمثقف ستحيلنا إلى فهم مسالة إصرار الشيخ أمين على طباعة كتبه حتى وإن خانها الإخراج الفني كما حدث مع " أجزاء مسارب " أو ستحيلنا إلى إستحضار كامل له علاقة بقضايا الذاكرة الثقافية أو السياسية بالنسبة له لذا نراه ما ينفك يوشي مقالاته الصحفية بتلك المواقف أو الحوادث التي تكتنفها العبر والخبر والمعرفة ولا نخاله بمنأى عن ملازمة القضايا المحلية الآنية والدفاع بأستماتة عن عدالتها فنراه شجاعاً صريحاً وحكيماً في مساءلته النقدية لقرار الإعفاء المريب الذي أصدره الرئيس البلغاري في حق الممرضات البلغاريات المدانات في جريمة حقن الأطفال الليبيين بالإيدز وبالرجوع إلى وقائغ المقال المنشور بتاريخ 31 من شهر ناصر يوليو الماضي سنتحقق من تداولات هذا التالوث القيمي في ثنايا المقال السياسي عنده دون إعمال أي تحريك نقدي وظيفي ذلك أن أمين مازن الذي يحتاز على خبرة طويلة في الكتابة السياسية نجده يطوع اللغة في صياغات مباشرة ومنظمة تذهب إلى المعاني الظاهرة التي يسعى إليها دون الحاجة إلى لغة المجاز أو التورية فالكاتب يقرأ بوعي فن الممكن ويدرك حدود المصلحة الوطنية العليا لكنه في المقالة الفكرية التي تتطلب الحيادية سامية . بتعبير فهمي . وتحتاج إلى توظيف معرفي فاعل أثناء مناقشتها أو محاورتها لبعض القضايا الإنسانية التي تحاصرها الأيدلوجيات المنغلقة أو القراءات المتطرفة سوف نراه متحمساً إلى خلخلة المفاهيم المغلوطة عن قضية الهوية عبر مقالة مطولة حملت عنوان " الهوية والخصوصيات الوطنية " في العدد رقم 5281 ونلاحط هنا أن آليات إشتغال المقالة تقترب حثيثاً من آليات المبحث المكثف فالكاتب سيبدأ في مناقشة قضية الخصوصية من سؤالها في التاريخ إلى قصتها في إختلاف البصمة وتحت وقع الهاجس الصخفي سيهبط إلى التمثيل والتدليل عندما يستدعى النموذج الإيطالي في التمسك بالبيتسا على حساب الهامبرغر كتعبير مادي جلي على التمسك بالخصوصية أو يعيد شحن تلك التعابير المتداولة بما يخدم الإجراءات اللغوية التي يستتبعها في توكيد معنى الخصوصية فيكتب مثلاً .. إن الذين وجدوا البيت الحرام على مرمى البصر لن ينظروا إليه بذات الرهبة التي ينظر بها الآخرون كما أن المتجانسين على الإيقاع الأفريقي يقلون تفاعلاً مع الموروث الفينيقي والمأثور الأشوري والبابلي .

أخيراً .. سيحسب لأمين مازن هذه اللغة الكلاسيكية الواثقة التي تتأسلب متفردة دون أن تقع في فخ تقليد الأسلوب النزاري أو الأسلوب النبهومي ورغم أن البعض يتهمها بالصرامة والجفاف وعدم إنهمامها بالصياغات الإستعارية والمجازية والعبارات الرشيقة والإشتقاقات والتزيينات اللفظية الجدية إلا أن ذلك لن يؤثر " نقدياً " على أداءاتها الفاعلية في توصيل الأفكار والرؤى ونشاطها الحيوي والأصيل في إنتاج المعنى الظاهر والمعنى الباطن .

ولعل من مقتضيات العمل الصحفي الناجح هو إمتلاكه على أداة توصيل لغوية مباشرة ومتينة وأصيلة فإستعارة أساليب وصياغات وآليات إشتغال الآخرين قد تربك المتلقي المحترف الذي يبحث عنه أمين مازن دائماً .

ولعل أيضاً من ضرورات المقال الصحفي هو إستجابته الدائمة لمصطلح المهنة والرؤية المستبصرة لأبعاد القضايا والأحداث والتفاعلات الإجتماعية والسياسية .

وهذا المقال المنشود سيتمثل في أمين مازن الذي يحتاج نتاجه الصحفي إلى دراسة نقدية متأنية تحاول إستنطاق خطابه وتأويله فاللغة إن جاءت في معظمها مباشرة إلا أنها في الغالب تطرب للتأويل فالرجل حمال للرسائل المشفرة وواقع أحياناً تحت شهوة التبرير الذي لا يذهب عنده إلى تمرير الأحكام المطلقة أو ممارسة الإنتقائية أو ممالحة الغائية وإنما يقع كآلية إشتغال يستفاد منها في تطويع المنهج إلى نتائج واجبات . إنتهى

هامش : ألقيت هذه الورقة ضمن أوراق أخرى في الندوة التي نظمتها أكاديمية الفكر الجماهيري

حول التجربة الإبداعية لأمين مازن بتاريخ 8 . 2007 .




________________________

تغطية خاصة



أمين مازن ومسيرة الحداثة الشعرية في ليبيا


شكلت التجربة الإبداعية للأديب الكبير الكاتب والناقد الأستاذ أمين مازن محورا للندوة الثقافية التي احتضنها العاصمة الليبية طرابلس للموسم الثقافي لأكاديمية الفكر الجماهيري بمشاركة جمع من الأدباء والكتاب والإعلاميين.


وتناولت الورقات والقراءات النقدية التي قدمت في الندوة مسيرة وعطاءات مازن الأدبية خلال حوالي نصف قرن من الزمن ودوره الفاعل في تأسيس حركة النقد الأدبي في ليبيا وإثراءه للمكتبة الليبية والعربية بالعديد من المؤلفات في مجال النقد الأدبي.


واستهل الكاتب محمد أبو القاسم الهوني أعمال الندوة التي أقيمت بقاعة المحاضرات بالمكتبة القومية بورقة بحثية أشار في مفتتحها إلى دور الكاتب المحتفى به في النهوض بالحركة الثقافية في ليبيا ومساهمته الجادة في إثرائها وتفعيلها بكتاباته في مختلف الجوانب الأدبية.


وقال إن هذا الأديب والذي اتسم بأسلوبه النقدي الجاد والنزيه وتمكنه من أدواته الأدبية كرس حياته كاملة لرصد وتقييم ما زخر به المشهد الثقافي الليبي والعربي من عطاءات أدبية في مختلف المجالات الأدبية، وأضاف أن مازن الذي كان من أوائل من وضعوا لبنات النقد الأدبي في ليبيا تجاوز الحدود الإقليمية ليرصد ويواكب عطاءات الأدباء والشعراء الشباب في تونس والمغرب.


وفى ورقته تحت عنوان «أمين مازن ومسيرة الحداثة الشعرية في ليبيا» أكد الكاتب أبو القاسم المزداوي على ارتباط عطاء هذا الكاتب الأديب بالزمن الإبداعي في ليبيا لفترات طويلة وتناوله لمختلف مظاهر الحداثة والتجديد ومواكبته للنهضة العربية عموماً في مجالات القصة والرواية والشعر إضافة إلى مقالاته المتنوعة في الصحف والمطبوعات الليبية والعربية، وأشار إلى أن مازن يعتبر من أهم الراعين والمدافعين عن الحداثة الشعرية في ليبيا من خلال مواكبته وتشجيعه لإبداعات الشعراء الشباب في كتاباته وخلال توليه رئاسة تحرير عدد من المجلات الثقافية.


من جانبه خصص الناقد حسن الفيتوري مطالعته النقدية لكتابات أمين مازن للحديث عن مساهمته في إثراء وتطوير فن المقالة من خلال كتاباته المتواصلة بالصحف الليبية.ولاحظ أن هذه الكتابات اتسمت بمعالجتها الفنية والموضوعية وصرامتها في تناول الكثير من القضايا.


معتبرا أن هذه المقالات تحمل في طياتها رسائل أدبية وسياسية واجتماعية.. مؤكداً على أهمية التوقف عند مضامينها ودراسة وفهم منهج الكاتب وأسلوبه الأدبي، وأضاف أن مقالات مازن اتسمت أيضاً بلغتها الكلاسيكية المتدفقة وتفردها وقدرتها على التواصل ومخاطبة القارئ رغم اتهامها بالصرامة والابتعاد عن الرشاقة والتزيين اللفظي.


من جانب آخر تناول الكاتب فوزي البشتي ما أطلق عليه خصوصيات النص القصصي في ثلاثية مسارب والتي ضمنها مازن سيرته الذاتية والأدبية قائلاً: إن الكاتب تجاوز الذات إلى وصف حركتها داخل النسيج الاجتماعي اعتماداً على ذاكرة نقدية متفحصة تهتم بالتفاصيل وتؤكد أن الواقع لم يكن خواء ولم يأت من الفراغ.


وأضاف: أن الكاتب جمع في هذه الثلاثية بين أسلوب السرد والشهادات الواقعية وبين هموم الذات ومعانقة قضايا الوطن والأمة.. واعتبر أن مسارب ترتقي إلى أن تكون شهادة حية على العصر الذي عاش فيه الكاتب بما تضمنته من قضايا ومعلومات سياسية واجتماعية وثقافية، وأكد أن الكتاب بأجزائه الثلاثة يعتبر بحق وثيقة تاريخية مهمة وسفرا لتكوين الأجيال الطالعة يعرفها بأحداث الماضي من خلال تشخيصه لرواية حياته والأحداث والتاريخ الذي يساهم في صنعه والشخصيات التي تأثر بها.


وفي نفس السياق جاءت ورقة عتبات مسارب الوظيفية التوجيهية للكاتب محيي الدين محجوب والتي تناول فيها ما ضمه كتاب من دلالات حكائية سردية وأبعاد ثقافية واجتماعية انطلقت من الماضي وأحاطت بالحاضر وتطلعات المستقبل.


طرابلس ـ سعيد فرحات

التاريخ:28 أغسطس 2007

صحيفة البيان الالكترونية


_________________________________

موقع الكاتب والاديب : أمين مازن

  www.aminmazen.com © 2020- 2008

طرابلس - ليبيا

Tel 0913245901