شؤون ثقافية

يوسف الشريف و أيامه الجنوبية

أمين مازن

5-12-2019


تشهد دار النويجي بالمدينة القديمة، خلال النصف الأول من هذا الشهر، ندوة أدبية تنظمها الجمعية الليبية للآداب و الفنون، احتفاءً بالكاتب الكبير و المثقف الوطني المشرق يوسف الشريف انطلاقاً من كتابه "الأيام الجنوبية" و الذي أنجزه منذ سنوات و تناول فيه أول تجاربه مع الغربة و الوعي، في خمسينيات القرن الماضي، أي قبل التحاقه بالجامعة الليبية و تخرجه و التحاقه بالعمل ابتداءً من الإذاعة الليبية و خوضه تلك التجربة الطويلة التي جمع فيها بين الكتابة الأدبية و الفكرية فخاض أكثر من معركة و تعرض لأكثر من صعوبة، و كان دائماً مثالاً للصمود و التحمّل و سلامة الخيار كما تشهد مدونته الأدبية و الفكرية و تجلياتها في القصة القصيرة و المقالة الأدبية و الكتابة المتعلقة بأدب الطفل، نصوصاً و ترجمةً و دراسات، فضلاً عن عن تأسيس أكثر من مطبوعة كمواسم، و أفق و الليبي اليوم، إلى جانب المشوار العملي الذي بدأ كما أسلفنا من الإذاعة و عبر مؤسسة النفط و أخيراً حمل حقيبة وزارة الإعلام، تلك التي لم يتردد في تقديم استقالته منها ،لمجرد إحساسه بأن البقاء سينال من تاريخه، و إسراعه لإعادة ما في عهدته و اكتفائه بمرتبه التقاعدي المُقرر قبل التكليف و في حدود درجته التي لم يسع إلى إضافة مكافآت لها كما شهدنا بذلك في حينه و قد أعاد لهم يومئذ السيارة المُسَلَّمة له في الوقت الذي لم يتردد الكثير ممن هم أقل منه منزلة في الإحتفاظ بأكثر من واحدة و ما ذلك إلا لرهانه على المستقبل و بالأحرى التاريخ و الذي لا بد أن يسطر بمداد من ذهب في سجله الذي لا يرحم أنصع الصفحات لمن يتناول اليوم سبع أقراص لأكثر من مرض و يتحمل التكاليف من مرتبه، في الوقت الذي يوفد العشرات لمعالجة العقم و مثلهم للنزهة فضلاً عن الحج و العمرة، و يتمتع كل من حمل حقيبة الوزارة بأرتال السيارات و يؤشر على أي طلب شخصي يشتهيه ليس له وحده بل و لعديد الأقارب إلى الحد الذي يشبه الخيال، حتى أن القول المعروف بأن من ليبيا يأتي الجديد، لم يصدق بشأن الإستغلال، مثلما يصدق في أيام الناس هذه مما لا عين رأت و لا أذن سمعت و لا خطر بالبال عن الفساد و الإفساد، و الذي فاق في أيامنا هذه عالم الخيال.
لقد اختارت الجمعية هذه التجربة الفريدة و هذا الرمز الإستثنائي مُفتَتَحاً للموسم الثقافي الذي تحب له أن يكون للوطن و من الوطن و لرموز الوطن، عسى أن يكون في ذلك ما يؤكد أن الفكر الوطني الملتزم و المثقفين السالكين لدربه أقدر على هزم رياح الجحود و مؤمرات التغييب التي ليس لها من مهمة سوى تجاهل كل ما هو جميل و مشرف و جدير بالإكبار في هذا الوطن الذي يشهد في كل لحظة ما لا حصر له من التخريب و الهدم لكل ما يرفع الرأس إيماناً قوياً و صادقاً بأن ذلك هو الأبقى مما نقف عليه بيسر مع يوسف الشريف و أيامه الجنوبية. انتهى


__________________________




الجمعية الليبية للآداب و الفنون تحتفي بالفنان عبداللطيف جويل

أمين مازن

11-11-2019


كنت في الثالث من نوفمبر الجاري بين الذين حواهم فضاء دار النويجي التابع لجهاز المدينة القديمة، حيث اللقاء الشهري لجمعية الأدباء و الفنانين الليبين، المُكرَّس هذه المرة للفنان الكبير عبداللطيف حويل و الكتاب التوثيقي الذي أنجزه الناقد المسرحي أحمد بشير عزيز، و قدمه الأستاذ البوصيري عبدالله، و تفضل عدد من المنخرطين في الجمعية المذكورة بإعداد جملة من الأوراق المكتوبة و الشفوية، جامعين بين التعريف بالكتاب و الإحتفاء بالفنان الكبير، الذي بلغ أمد الله في عمرهِ هذا العام التسعين عاما، أنفقه منذ طفولته الأولى في ميدان الطرب، كما حلا للمؤلف أن يعنون كتابه القيم الجميل، و الذي سنعلم منه بكل الوضوح أن عبداللطيف ليس وحده، إذ لو استعدنا أسماء مجايليه من أمثال كاظم نديم و محمد سليم و محمد الكعبازي و سلام قدري و قبلهم بالطبع محمد مرشان و العارف الجمل و شاكر المرابط، لن نجد أحدا يشذ عن القاعدة من حيث مشوار الفن الذي لم يكن سوى سليل المدائح و التواشيح و الموالد و جلسات الفرح الأهلي و ختمات البغدادي و المولد، حيث تتبارى الأجيال في الإنشاء بإتقان الأدوار و حفظ الطبوع و الأوزان، و بالذات عندما استعاد المالوف مكانته بواسطة الرعاية الرسمية التي أقدمت عليها وزارة الأنباء و الإرشاد عشية إسناد حقيبتها للأستاذ عبداللطيف الشويرف الذي أضفى بحضوره جلسات التدريب المسائي ما رفع عن المنخرطين في سلك الفن الكثير من الإحراج، الأمر الذي ما لبث أن أكسب هذه الشريحة حقها في الاستقرار الوظيفي، و التقدم في السلك الإداري، كما أوجدت الاحتفالات الرسمية في المناسبات مزيد الفرص للكشف عن المواهب و قوة الإمكانيات، و فرصة الاحتكاك بالنظراء العرب، الذين طالما وقفوا مبهورين أمام حويل و سلام قدري. و قد كان من حسن الحظ أن جاء هذا العمل التوثيقي مزودا بهذا الارشيف الشامل لصور الفنان الكبير مع معظم رفاق رحلته الحياتية و الفنية، و عديد مشاركاته الرسمية و الشعبية و أصدقاء طفولته منذ نشأته الأولى في مسقط رأسه المدينة القديمة، التي شهدت مراحل تكوين الكثير من المنحدرين من تلك الربوع لتختار المدينة مكتفية بالقابها الشخصية متخلية عن أي نعرة جهوية لنعرف اربيش و السويح و بابينة و الشغيوي و عزّو و القائمة أكثر من أن تُحصى في هذه السطور فقد تأقلموا مع محيطهم و شقوا طريقهم مثبتين حضورهم، كلٌ حسب ما منَّ الله من القدرة، دون أن ننسى النصيب أو الحظ و الذي ربما يكون قد حال دون الفنان و بعض الجوائز و لكن دون أن ننسى أيضاً أنه لم يكن خارج القائمة التي حَوَت شهادات الاستثمار التي لم يهمل رئيس مؤسسة الثقافة نوري الحميدي أي فنان و قد قطعت بالكامل عقب انبعاث قطاع الثقافة عقب فبراير و في شيء من التشهير الذي دفع البعض إلى الطعن أمام القضاء دون أن يكون من بينهم الفنان حويل الذي بلغ يومئذ الثمانين و أصيب بأكثر من مرض و لم يوفد للعلاج و لم يمنح بطاقة الحج المجانية التي طالت الكثير من مستحقيها، لولا أننا مولهون بإدانة الماضي أما التعرّض لسلبيات الحاضر فذلك ما لا يمكن أن نقترب منه أو عسى أن يكون هذا الكتاب و الحوار الذي انطلق من الكتاب أثمن من كل الجوائز و الأعطيات، فالتحية كل التحية للفنان الكبير و من سبقه و من سيلحقه في هذا المجال المشرِّف و الذي ليس فيه سوى الاحتراق ليستضيء الآخرون. انتهى



_________________________

قليلٌ عن البصيري من كثيرٍ عن المسرح

أمين مازن

19-4-2019


واصلت الجمعية الليبية للآداب و الفنون تقليدها المتمثل في التجاوب مع التقاليد الحضارية التي استحدثتها المنظمات الدولية بتحديد أيام سنوية تحمل عنوان هذا النشاط أو ذاك، مثل الشعر و الإذاعة و الصحافة و الموسيقى و المسرح، فنظّمت يوم الثامن و العشرين من شهر مارس المخصص عالمياً للمسرح، فعالية بفضاء دار الفقيه حسن بالعاصمة طرابلس، حشدت لها جمهرة من المهتمين بالمسرح من كُتَّاب و ممثلين و مخرجين، و بالحملة، متابعين لهذا الفن الذي عرفته البلاد منذ القرن السابق، فَلبّوا جميعاً دعوة الجمعية للمشاركة في إحياء هذه الفعالية و التي بدأت مفرداتها بمحاضرة تفضّلَ بإلقائها أحد أبرز المهتمين بالشأن المسرحي في تاريخ ثقافتنا الحديثة، هو الأستاذ البوصيري عبد الله، الذي جمع في اهتمامه بفن المسرح بين العلم و العمل، عندما اشتهر على أكثر من صعيد، فكتب النصوص المسرحية التي طُبِعَت في الكُتب و ذلك بعد أن مثلتها الفِرَقُ فنالت الجوائز و أثارت الحوار، و أسس و أدارَ الكثير من الفِرَقِ التي شاركت في أكثر من مهرجان و عبّرَت عن جودة المستوى و نوعية المواكبة، الأمر الذي كان من نتيجته أن حظيت تجربته بأكثر من دراسة أكاديمية جمعت بين الماجستير و الدكتوراه، و ما ذلك إلا لما حملت المدونة الأدبية الحديثة من الآثار المكتوبة إن على صعيد النص الإبداعي المكتوب، أو الآخر الدراسي و الناقد لهذا المثقف المثابر و المنحاز دوماً لتوجهه هذا الذي جمع فيه بين الهواية و المثاقفة و الدراسة إن و هو يتدرّج من مستوى إلى مستوى، أو و هو يوفَد لباريس و يعود مؤهَلاً يحاضر و يدير أكثر من مِرفق و يُنجز هذا الكم من الكتب التي طُبع الكثير منها و ما يزال الأكثر مخطوطاً ينتظر كعديد المثقفين تحرّك قطار النشر، و قد ألقت هذه المحاضرة أضواءً كاشفةً و مؤنسةً عن رحلة النص المسرحي المكتوب الذي حدده تاريخياً بمسرحية عمر المختار التي دشّنَ بها المرحوم عبد الله القويري تجربته في الكتابة و التي أثارت في حينها الكثير من المناقشات ليعرج من ثم على ما تلاها و ما سمح له الوقت المحدد للعرض على سرد ما يشبه البيبلوغرافيا حول النصوص المسرحية التي طُبعت في كتب لعديد الأسماء، دون أن يبخل بإبداء ما لديه من الملاحظات المنهجية و الأحكام التقييمية؛ مما يمثل نوعاً من التحفيز للمنخرطين في هذا الدرب على محاورة هذه الآراء تأييداً أو تصويباً أو الإثنين معا، فيكتفي بما تيسّرَ له أن يقرأ من آراء تَنُم عن قوة المتابعة، و عمق القراءة، و تُوجب عليه من الناحية الحرفية المحضة أن يستثمر مثل هذه المناسبات و ما يُخَصص لها من الوقت في الإدلاء بما لديه من آراء نقدية، لا حَرجَ أن تكون مُركِّزة على السلب أو الإيجاب، فقد أجمع الكثير من المختصين على أن تناول الأعمال المكتوبة يدخل تحت مصطلح القراءة فيتسع من ثم لما يراه أكثر اكتمالاً بدل الذهاب إلى الأردأ، عسى أن يكون في ذلك ما يعصم من تهمة المجاملة، التي كثيراً ما رددها الكثيرون في مجانية و استسهال.. لقد أجمع الذين عقّبوا على الإشادة بدور البوصيري في الحركة المسرحية التي شهدتها البلاد لعقود ليست بالقصيرة مما جعل تكريمه من الجمعية و مجايليه في المرحلة، البشير المبروك و حَسّونة ساسي، في هذا اليوم دليلاً قوياً على قدرة الضمير الثقافي على الإنصاف و صدق الإعتراف بكل من أسهمَ بجدية و وعي في هذا الدرب المعرفي الصعب، و الذي لم يخلُ يوماً من عديد الأسماء التي حفرت أسماءها حفراً في تاريخنا الوطني عامةً و الثقافي خاصة، و لا سيما الذين بدأوا المشوار قبل و بعد قيام دولة الإستقلال عندما كانت الإمكانات بالغة السوء، مما جعل تأسيس فرقة المسرح القومي يتأخر إلى منتصف الستينات عندما انبعثت على سبيل التفرّغ و رُؤيَّ أن تُقَدَّم النصوص الكلاسيكية، إذ لم يكن ممكناً أن يُنفَق المال العام على ما ليس موضع إجماع كالمسرح الهازل أو النقدي، فبُدِئَ بمسرحية عُطَيل الشهيرة و من ثم يتسنى الإعتراف الرسمي بالمسرح الممول من الدولة، و يدخل المسرح إلى جانب الفن، بتأسيس المعاهد المختصة عن طريق قطاع الإعلام و الثقافة، مما لا يتسع له الحديث اليوم عن المسرح في يومه العالمي و في زمن ما زال يعُجّ عندنا بأكثر من لون و ممثل و مخرج أما الرُكح فهو الوطن على اتساعه و أعود إلى ما بدأت به فأُعنون قليل عن البوصيري من كثير عن المسرح. انتهى



____________________________



في اليوم العالمي للإذاعة

أمين مازن

25-2-2019

حرصت مساء الثالث عشر من فبراير على أن أكون بين الذين توافدوا على فضاء دار الفقيه حسن بالعاصمة طرابلس، للإحتفال باليوم العالمي للإذاعة، و المقترح من الهيئة العامة للأمم المتحدة، و قد كان ذلك في إطار المناشط الثقافية التي دأبت على تنظيمها الجمعية الليبية للآداب و الفنون في الثلاثاء اﻷول من كل شهر من شهور السنة الميلادية إلى جانب بعض المستجدات التي يعلن عنها عادة في حينها، على خلفية المساهمة في إنعاش الذاكرة بمقاربة ما تتيسر مقاربته من مشاغل الوطن و أسئلته الجوهرية. و لقد سعدت أيما سعادة بمفردات هذه اﻻحتفالية، خاصة و أنني كنت بين الذين وضعوا خطوطها العامة في واحد من اجتماعات السبت التي تلتئم أسبوعيا لتقييم ما قد أُنجز و التخطيط لما سيأتي و ما سيلزم به كل منخرط في هذا الواجب الوطني، اﻷمر الذي أضفى على المشروع الكثير من مشاعر اﻻنضباطية و الحرص على التفكير المؤسساتي، كما سُرِرت كثيراً بأداء العزيزين اﻹعﻻمية فريدة طريبشان و الفنان البارع إسماعيل العجيلي في تنشيط الفاعلية من تقديم جيد و قراءة سليمة و تعليق مركز على أسماء الحاضرين في الذاكرة من الموجودين و ممن غيبتهم اﻷقدار، فكان لمقدرة الفنان العجيلي ما جعلنا معشر شهود المرحلة نحسهم و كأنهم بيننا كل بما اشتهر به في ذلك المشوار الطويل و الغني بالكثير فيما ارتبط بهم من الشواهد، يستوي في ذلك التمثيل و الغناء و اﻹعداد، ممن شمل بعضهم التكريم كاﻷستاذ محمد أبوعامر أقدم الذين داوموا على إعداد المسلسلات التاريخية منذ تأسيس اﻹذاعة المركزية سنة 57م من القرن الماضي و كذلك الفنان و باﻷحرى الممثل القدير لطفي بن موسى. و إذا كان لطفي قد اختص بالتمثيل فإن ابوعامر ترأس تحرير مجلة اﻹذاعة فترة ليست قصيرة و كان أبعد الناس عن اﻹيذاء أو تضييق المساحة، كما تشهد مجلدات المجلة تلك التي تمثل أبرز المراجع لدراسة التجربة الصحفية، و التي تسجل أقوى الحجج لذلك الرفض المعادي الذي قابل به أبوعامر المحاوﻻت الرامية إلى إدانته في ما أطلق عليه التضليل اﻹعلامي و التي ﻻ ندينها اليوم لزوال العهد و إنما بالموقف الذي عبرت عنه إجاباتي لرئيس المحكمة في حينها و كذا ما دونته بالجزء الثالث من مساربي من استهجان للمحاكمة و غيرها في حدود المتاح. لم استصوب عند وضع الترتيبات التي سبقت إلقاء اﻷوراق فكرة حصر تعقيبي في الجانب الثقافي، ليس لعدم أهمية هذا الجانب أو الذين بذلوا فيه الكثير، و إنما ﻷن الوقت المحدد ﻻ يكفي، خاصة و أن المقترحين للحديث ينحون المنحى التاريخي الذي يؤرخ للإذاعة بمرحلة ما قبل اﻹذاعة المركزية التي شرعت في البث  عقب منتصف خمسينيات القرن الماضي و ليس ذلك المحدود في مدينتيّ طرابلس و بنغازي و في إدارتين منفصلتين لكلاهما، على الرغم من عديد المساهمات التي نهض بها أمثال علي مصطفى المصراتي و عبدالقادر ابوهروس و غيرهما في طرابلس و مفتاح الشريف و محمد المطماطي و بلقاسم بن داود و غيرهم في بنغازي، فهذه الجهود و غيرها لم تكن في نظر السلطة ذات أثر يذكر، بعكس تلك التي أعطيت لها مساحات باﻹذاعة المركزية التي كلف بتأسيسها اﻷستاذ علي المسلاتي من موقعه كمدير للمطبوعات في عهد حكومة عبدالمجيد كعبار، إذ تمت هذه الخطوة ضمن المحاوﻻت الرامية لتوكيد الكيان إذ لم يسبقها سوى تأسيس الجامعة الليبية، كما أن علي المسلاتي بمبادرته المتمثلة بإصدار نشرة إخبارية استعان فيها بعدد من شباب تلك اﻷيام كما ذكر مفتاح الشريف في ما دَوُّنَ عن تلك المرحلة، و التي ما لبثت ان تطورت إلى وزارة اﻷنباء و اﻹرشاد في حكومة محمد عثمان الصيد و لو أن الجانب الدعائي كان أقوى مما عداه، و لكن ﻻ حرج، فقد فرض وجود الوزارة الدفع بمن هم أكثر تخصصا من أمثال عبداللطيف الشويرف بحكومة فكيني و خليفة التليسي بحكومات المنتصر و مازق و البدري مما ضاعف من مسئولية اﻹذاعة و دورها و أهمية الحديث من ميكروفونها فما بالك عندما أُضيف إلى الميكروفون سلاح الصورة و الذي أنتج في النهاية نمو الكفاءات الوطنية التي هزمت و ماتزال تهزم كل محاوﻻت التهميش و العبث بالمقدرات المالية في ما ﻻ طائل من ورائه و ﻻ مردود له، إذ لم تعد فرص التواصل تسمح ﻷي كان بأن يحدث نفسه بإمكانية حجب الفرص عن كل ذي موهبة مادام صاحب هذه الموهبة قادر على اﻻستفادة من المتاح، و يكفي أن احتفاليتنا موضوع هذه المقاربة قد بثت حية على الشبكة العنكبوتية و أن هذه السطور و غيرها أيضا باﻹضافة إلى إدراجها هنا يمكن أن تبث حية أو تسجل مصورة هذا إذا لم يستجب ﻹغراءات القوى التي تتخذ من ليبيا الوطن ميدانا للمساومات و الصراع بأكثر من سلاح، و من كفاءاتها اﻹعلامية و الفنية قوة عمل لكل من يسدد المطلوب منه، و يكون للحرص على الحضور و التعقيب ما يبرره و لو في يوم اشتد برده و ضاعف تذبذب الكهرباء مخاطره.انتهى

____________________________




ما يعجبك في الزمان غير طوله

أمين مازن

4-2-2019

يتكفّل التنسيق المُتقن بين أنشطة المؤسسات الثقافية الموسمية و وسائل الإتصال الأليكتروني و المُتلفز، بإحاطة المتابع المقتدر عن كل ما يُنتظَم من حلقات للنقاش، دون أن يغادر بيته، و يتكبّد أية متاعب، سواء حالت دون حضوره إمكانياته الشخصية، أو عبث الكثير ممن ليسوا أهلاً لما أُسنِدَ إليهم من المسئوليات القيادية، على نحو ما تشهده القاهرة في شهر الناس هذا من انتظام إحدى أهم التظاهرات الثقافية المتمثلة في معرض القاهرة الدولي للكتاب و ما يصحبه من ندوات و محاضرات و مقابلات صحفية و تلفزية و في الدورة التي بلغت هذا العام الرقم الخمسين أي ما أُصطُلِحَ على تسميته باليوبيل الذهبي، هي دورة أُطلِقَ عليها دورة ثروت عكاشة، أحد أشهر مثقفي مصر خلال القرن الماضي، و بالتحديد الحقبة الناصرية التي حمل في مرحلة من مراحلها الجميلة ثروت عكاشة حقيبة وزارة الإرشاد، و تمكن بواسطة ما تسنى له من الدور المنفرد في حركة ثلاثة و عشرين يوليو ،كما يصفها بعض التقدميين، و تأسيسه النضالي التقدمي أن يكون مُتفرّداً في أدائه، عندما ضرب أروع الأمثلة و أجملها، بما امتاز به من الإستقامة و الشجاعة و القدرة على توحيد الصفوف من حيث جودة الأداء و حسن الممارسة و عملية التخطيط و تجليات ذلك في المنشآت العملاقة كهيئتي المسرح و الكتاب و المواسم ذات المنزع الحضاري و من بينها معرض القاهرة الدولي للكتاب، الذي انبعث قبل خمسين سنة مضت و عقب هزيمة يونيو بما لا يزيد عن السنتين ضمن حملة من السياسات التي بدأت بحرب الإستنزاف و الدفع بثقافة رفض الهزيمة و ما شاع في الواقع من روح انهزامية  لم يقبل بها التيار الذي يمثل ثروت عكاشة ركيزة من ركائزه العاملة في صمت و زهد صادق في الظهور، حيث مثّل معرض القاهرة الدولي للكتاب فضاء غير عادي للحراك الثقافي المتخلّص من سطوة البيروقراطية فاكتسبت أنشطته الثقافية انفتاحاً غير عادي، إن بهامش الحرية، أو التجرّد من السطوة الإعلامية التي طالما سخّرت كل حراك لصالحها، كما استطاعت أن تقف للذين اتخذوا من مقاطعة مصر الرسمية فرصة لتصدّر المشهد العربي بدعوى المقاومة و تسهيل التسلل لكل نص هزيل تحت ستار الإلتزام، و ما تحمل جعبته عادةً من الشعارات الخالية من أي مستوى من مستويات الإبداع الجيد، الأمر الذي ضاق به ذرعاً كل أدب أصيل قللت من فرص تألقه الهجمات الإعلامية التي طالما مارست أقوى درجات الضغوط لإضعاف الرقابة النقدية بما درجت على شنّه من الحملات غير المتكافئة، مما حفلت به عديد المطبوعات التي طالما اتخذت من تلك المواضيع مادةً لها، مما جعل لسياسات الدكتور ثروت عكاشة في التسيير الثقافي بمصر أثرها غير المسبوق في ازدهار حركة التأليف و النشر، ليس فقط بما شهده عدد المكتبات في الداخل و الخارج من تضاعف بالكم، و إنما بما حققه فضاء معرض القاهرة الدولي من حض على النقاش المسئول و التفكير الحر جرّاء استقطابه لمختلف مشاهير الفكر العربي و العالمي الذين وجدوا في الحلقات المبرمجة من الجدوى ما فاق جميع المؤتمرات بما في ذلك مؤتمرات الأدباء العرب، سواء و هم يلتئمون بهذه المدينة أو يذهبون بعيداً، لعل أكثرها لفتاً للنظر هذه الدورة الخمسينية التي تنقل الفضائيات ما يُطرَح فيها من حوار على أعلى المستويات كما رأينا عشية استقبال مصر للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، و ما طُرِحَ بصراحة من الطرفين حول حقوق الإنسان و هو حوار سبقه قبل ذلك لقاء مع وزير خارجية روسيا لافروف و بوجود هذه الأعداد الكبيرة من المثقفين العرب  الممثلين لمختلف الإتجاهات السياسية العربية، فضلاً عن آلاف الليبيين و غير الليبيين الذين يزداد حرصهم السنة تلو السنة على حضور هذه التظاهرة و التسوق من ثروة مصر في مجال الكتاب، إذ في إمكان أي مُتعطش للكتاب أن يتزود بكل ما هو في حاجة إليه من أنفس كنوز المعرفة و بأثمان لا تقبل المنافسة، الأمر الذي أحبط الكثير من مؤامرات التجهيل الناتجة عن شُح الكتاب لارتفاع تكلفته و صعوبة اقتنائه على محدودي الدخل، فشكّل المخزون الذي جادت به تلك السنون خير تعويض لكل حريص على مواصلة التحصيل، لتكون منجزات ذلك الزمان خير زاد لبعث الأمل و مقاومة الجحود، بذات القدر الذي يتكفّل فيه التنسيق المُتقن بين الأجهزة الجادة و المؤسسات المحترمة بإحاطة كل مغروم بالمتابعة دون أن يغادر سكنه و حدود بلده، أما إذا كان من الذين وُهِبوا نعمة التوثيق و استنباط الدروس  و خصيصة التقييم العادل فقد يكتفي بابتسامة عريضة و عبارة تركها الأجداد "ما يعجبك في الزمان غير طوله". انتهى


______________________________


د.عتيقة و تحريك السواكن

أمين مازن

29-1-2019

أفلح المثقف متعدد الإهتمامات الدكتور جمعة عتيقة في مشاركته بالأنشطة الصباحية التي دأبت على تنظيمها في الآونة الأخيرة الجمعية الليبية للآداب و الفنون، باتخاذ فترة دراسته بالجامعة الليبية في بنغازي التي تزامنت مع العام 67 من القرن الماضي و ما أدراك ما العام 67 لتكون موضوعاً لما خاض فيه من حديث، زاوج فيه بين الخاص و العام، و إن كان الأخير أكثر إثارة، فقد جَعَلَنا نقدح زناد الذاكرة و نستعيد الكثير من الأحداث التي طالت الواقع في تلك الأيام، و كانت مثار متابعة الكثير من العناصر التي تعاطت مع ما كان يجري و يثير الإهتمام و بغرض المشاركة على أكثر من صعيد، بالمناقشة و الكتابة حيناً، و الشروع في الفعل حيناً آخر، أذ بقدر ما حلّت بالعرب نكسة يونيو عاكسة ظلالها على الشارع الليبي المنحاز إلى التيار القومي الذي خسر المعركة بامتياز و لكنه استطاع في لمح البرق أن يتملّص من مسئولية الهزيمة بداية من الإيحاء بأن الهجوم قد تم من التراب الليبي وصولاً  إلى الكثير من أعمال الشغب التي لم يكن خارجها إشعال النيران في طرابلس بل و بعض خزانات و ربما آبار النفط، و مطالبة السلطة الليبية بإمداد مصر بما يتجاوز المُقرر قومياً، و اضطرار السلطة إلى فتح سجونها لمن وجدت حوله من القرائن ما يبرر خطوتها و من اكتفت بالإشتباه فيه و حسب، و ما نتج عن ذلك كله من تفاقم أزمة الحكم، المترتبة عن شيخوخة الملك و يأسه ،على ما يبدو، من صلاحية ولي عهده و ابن أخيه في ذات الوقت، و إحساس القوى الدولية الحليفة -كما كشفت الوثائق لاحقاً- بضرورة تسهيل مهمة أي بديل يمكن أن يكون أكثر أهلية، و من المؤسسة العسكرية تحديداً، حيث شكلت حالة القلق التي سيطرت على الملك المُسن و طبعت إصراره على تغيير الحكومات بما لا يزيد على السنة الواحدة ليزيد ذلك كله من الخوف من المجهول و العجز عن أي تدبّر لما كان يجري ،بل و يُخَطَّط، بحيث لم يزد على تلك الهزيمة المنكرة سوى سنتان و ربع السنة، حتى استمع الناس للبيان الأول الذي أُذيع من بنغازي حيث كان الطالب جمعة عتيقة و رفاقه في كلية الحقوق لا يملكون سوى الذهول، لتتوالى من ثم ردّات الفعل و التي كان أكثرها منصرفاً للتأييد، إن بدافع حسن النية و فسحة الأمل، أو ركوب الموجة، أو تفادي ما قد يجلب التجاهل، خاصة و إن الإذاعة قد فتحت أبوابها للجميع و ضاعفت من ساعات إرسالها و توالت الإعترافات التي اتفقت فيها عديد الدول، و المسارعة بتركيز المراقبة على أي تحرّك تفوح منه رائحة الأسئلة الجادة بصدد المستقبل.

كان التأييد القومي شديد الوضوح، و مثل ذلك الداخلي، و مع أن حقيقة كون مصر قد فوجئت بما حدث، إلا أن بوادر الإرتماء في أحضانها كانت سريعة للغاية، و كانت الأنباء المتعلقة بوصول أول طائرة جاءت حاملة لذلك الوفد الضخم الذي كان من أبرز الحاضرين فيه السيد فتحي الديب رجل المهمات السياسية غير العادية و التي شهدتها قبل ذلك التاريخ بسنوات أربع دولة الجزائر و إخراج فتحي الديب المذكور الأعداد الكبيرة من أعوانه فور إزاحة بن بلّة من رئاسة الجزائر، أي أن ما ذكره فتحي الديب في كتابه عبد الناصر و ثورة ليبيا الذي نشره آخر الثمانينيات من القرن الماضي، كان قد فُهِمَ في حينه من قبل من كانوا يتابعون الموقف، كما أن حذر النظام الجديد يومئذ من العناصر المدنية و من كل ذي هوية سياسية مؤطرة مما كان يتردد ليل نهار لم يكن سِرّا، أي أن كل ما جرى يومئذ مما ذكر الكثير منه الدكتور عتيقة في عرضه الصباحي كان شديد الوضوح و الدلالة على أن الذين ظهروا في صباح الفاتح من سبتمبر قد جاءوا ليحكموا و ما الإسراع بتصفية القواعد الأمريكية و البريطانية في احتفال جماهيري حَرِصَ الرئيس عبد الناصر على حضوره و مباركة منجزه إلا المقدمة لما ساد بعدئذ من أدبيات و ممارسات امتدت إلى أكثر من قُطر عربي و أفريقي و ظهور العقيد القذافي على ذلك المستوى من التماسك في موكب إقبار عبد الناصر أن قول الراحل بتسليم الأمانة القومية له ما بعده.

لقد كانت ظروف المنطقة و اشتراطات المرحلة تقتضي أن يكون لليبيا دورها و لإمكانياتها المالية إسهامها، و أن ذلك كله يحتاج إلى الإنفاق السخي و التسليح القوي، كما نصح أكثر من طرف دولي ،حسب الوثائق، مما تعذّر استيعابه على صاحب القرار الفعلي و هو الملك المُسن، و تجليات ذلك في إصراره على التغيير المتتالي لرؤساء الحكومات، حتى لقد رأيناه يباغث أكثر رؤساء وزارته نزوعاً للإصلاح، عبد الحميد البكوش، بإزاحته، و تسمية ونيس القذافي، الرجل الخلوق و النزيه، و لكنه غير القادر على ملاحقة ما كان يجري، حتى أنه لم يستطع الإستفادة مما ورد إليه من باريس حول ما كان يُبَيَّت، حتى لقد وصل الأمر أن فوتِحَ القوميون العرب في سجنهم حول فكرة الإطاحة بالحكم، فبحثوا الأمر في اجتماع مفتوح، و انقسموا بين مؤيد و معترض، دون أن تتسرب أنباء مثل هذه الإتصالات، مع أن بعضهم كان على صلة وثيقة بالأمن الليبي بل ان الملازم الذي يقوم بذلك كله لا يتردد في الوقوف بالشُرفات ليشتم المشاركين في بعض الإحتفالات و المُرددين لنشيد مُحرّم فؤاد "إدريسنا" و الذي شاءت بعض "المقادير" أن تملأ طرابلس منشورات تشتم الملك في رابعة النهار و تفاجئ البلد برفع حالة الطوارئ في آخر يوم من أغسطس 69 دون قرار من مجلس الوزراء كما يؤكد أكثر من وزير حضر آخر اجتماع لآخر مجلس وزراء في ذلك اليوم الذي لم يلتئم بعده ذلك الجمع بذات الصفات أبدا، عندما كان المحامي و الجد اليوم بين عديد الشباب المتفتحين على مختلف الرموز و الأفكار في تلك الأيام و هو يأخذ طريقه إلى الجامعة و قبل ذلك بعض الفضاءات الثقافية بطرابلس عندما كان السباق لهدم النظام السائد على أشدُّه، و الإستخفاف بأي صوت يحذّر من سوء البديل، فيقطع هذه المسيرة العلمية العملية في حرص غير عادي على الحضور و المشاركة، و إثارة كل ما يدعو إلى الحوار و يستنطق المسكوت عنه  و "يحرّك السواكن" كما أنجز المفكر المغاربي و قبل ذلك التونسي محجوب بن ميلاد في مطلع خمسينيات القرن الماضي، في بحثه المُركّز عن دور المعتزلة في الفكر العربي فتستدعيه الذاكرة عند التفكير في العنوان الذي يصلح للدلالة على هذه السطور التي ليس لها من هدف أكثر من الإعتزاز بحضور العزيز جمعة و حرصه على المشاركة الدائمة.  انتهى


______________________________

الهوية بين السذاجة و الوهم في محاضرة الدكتور محمود أبو صوَّة

أمين مازن

20-1-2019

أعترف كواحد من الذين سعدوا بالإنصات للدكتور محمود أبو صوَّة في محاضرته التي اختار لها "الهوية الليبية بين السذاجة و الوهم" مشاركاً بها في الموسم الثقافي للجمعية الليبية للآداب و الفنون بفضاء دار الفقيه حسن في مطلع الشهر الأول من هذه السنة، أن المحاضرة المذكورة قد شكّلت إضافة للمؤسسة الوليدة، و أن المحاضر استطاع بما قدّمَ من عرضٍ مُعَدّ و مُجدول كان دقيقاً في أسئلته ذكياً في ما أضمره من إجاباته، انطلاقاً من موضوع المحاضرة كما أوجز مقدم صاحبها المثقف رضا بن موسى أحد الذين تلقّوا سؤال الهوية و شيئاً من أجوبته منذ نعومة أظفاره و دفع ثمن ذلك من زهرة شبابه ممن لم تزدهم المحنة سوى التمسك بثوابت الوطن و الحرص الحازم على سلامته كوجود، فحقيقة أن النشاط الإنساني يحتاج أول ما يحتاج إلى تحديد الأولويات حتى يستقيم التنفيذ، لا ينفي أن هذه الأولويات يستحيل أن تُحَدد و يُنتظَر تنفيذها قبل تَحَقُقْ الوجود و الذي هو بالضرورة توأم الحدود، فالأرض حسب هذا المفهوم على رأس ركائز الهوية، فبها يتأثر المتساكنون و فيها يؤثرون كذلك، و من الأثر و التأثير يتحدد الموقف و ربما نوعية هذا الموقف أيضا، لقد كان في إشارة المحاضر أن ما سيُلقيه مكتوباً، خلافاً لما اعتاده في مواقف أخرى و ان دافعه لذلك حرصه على صون ما سيُدلي به من سوء الفهم، جرّاء قصور التعبير أو تحريف التأويل، ما حقق لمحاضرته فضيلة المحافظة على الوقت، و ما يقع فيه بعض الأكادميين من عدم التفريق بين العرض و الإستعراض، حتى أنه اكتفى بذكر ما اعتمد عليه لدعم وجهة نظره في أكثر من جزء من أجزاء محاظرته الأربعة بأحدث الكتب العالمية التي تُرجِمت  في الخصوص دون الإثقال بقراءة الشواهد فمثّلت أوراقه القليلة رحيقاً معرفياً غايةً في القدرة على شد المتلقي و لا سيما حين يكون هذا المتلقي من أبناء ليبيا التي لم تشهد طوال الحقب التي انقضت على انبعاثها دولة عقب الحرب العالمية الثانية سوى ما يعوق كل جهد يرمي إلى انجاز الهوية كمشروع للعمل السياسي أو مفهوم نظري، مما يعطي لما لم يخف الدكتور أبو صوّة انحيازه له بصدد الهوية في اعتبار الأرض أو ما عبّرَ عليه بالحرف الواحد "بالتُخُوم" يمثّل بالنسبة له الركيزة الأولى في تحديد الهوية و ما تنتظره الأوطان من مردود و تفرضه من واجب، بمعنى أن ترجيح عامل الأرض، من شأنه تنزيه اللغة عن أن يحتل المتحدث بها مكاناً في عداد أصحاب اللغة الأصليين كما هو الحال لدولة مثل أمريكا، حيث استطاعت الأرض أن تُسخّر الإنجليزية للشعب الأمريكي عندما انتزع استقلاله و ليس بريطانيا التي احتلت تلك الأرض لقرون، و قل مثل ذلك عن قارّة مثل الهند، حيث بقيت السيادة للّغة الإنجليزية، لغة الثقافة، و ليس لغات الهندوس، ليصل من ثم إلى تعميق رؤيته المتعلقة بدور الواحة أو الواحات بشأن الهوية، على نحو ما أضافت الكفرة و الجغبوب و أوجله و جالو في الشرق الجنوبي الليبي و غاث و مرزق و غيرها في الغرب الجنوبي، حيث كان للأرض دورها الحاسم في مقاومة التغريب التركي، هذا إلى جانب المكونات المتمثّلة في الأمازيغية، حيث التبو و الطوارق و قبل ذلك جبل نفوسة و خصائص أهله، إنها النظرة التي تعصم كل من يتسلّح بها من المبالغة في دور الأفراد أو المجموعات على حساب الأرض التي تُمثّل دوماً المجموع الأكبر، فهذه الواحات التي اشتهر الكثير منها بانتشار الدعوة السنوسية تؤكد أكثر المصادر التاريخية أن الكثير ممن نبغوا كإخوان سنوسيين، كان لهم من البداية عامل الأرض كما هو الحال للسيد عمران بن بركة صاحب الدور المركزي نحو السنوسي الكبير، حيث يتعذّر القطع حول من ذا الذي استقطب صاحبه حتى رأيناه يجمع بين الرفقة و المصاهرة و حمل عبئ التأسيس في أكثر من مكان يحتاج وصوله الزاد و الزواد، و كذلك فعل السيد أحمد بن إدريس الأشهب و الأخضر العيساوي و قبلهم جميعاً السيد أحمد السنّي و عبد السلام الغماري من الذين دفعت بهم عديد المناطق التي كان لها دورها في بعث الهوية الوطنية و ما تحقق لها من الإضافات التي لا مناص من مراعاتها عند التدبّر في المتغيرات التي طرأت في حياتنا معشر الليبيين على ضوء ما جاء به الربيع الربيع العربي تجاه هويتنا و التي لم تعد تواجه مخاطر المسخ أو التحريف، بل لقد أصبحت تواجه مخاطر الإزالة لما شهده المحيط من الصراع حول الماء و النفط و الحديد و الرمل و الشمس أيضا مما تزخر به الأرض الشاسعة و النُدرة السكانية، إلى جانب ما ابتُليت به عديد النُخَب من الجشع الجنوني تجاه المال، و التكالب الخيالي نحو الإنفراد بالسلطة، و الإنحدار المدمّر لمرض الجهوية، مما استفحل عقب السابع عشر من فبراير 2011، أي سقوط النظام السابق، و ما تسبب فيه من استشعار بعض الأطراف للإمتياز على بقية أبناء الوطن، ما لوحظ عليها من روح الخُيَلاء و رغبة التسلّط و أحقية التفرّد، حتى لقد لوحظ على هذا البعض أنه يكاد يقول بأن الطينة التي خُلِقَ منها تختلف عن طينة البشر، فصار ذلك أنكى من جميع المخاطر المُهَدِّدَة للهوية و ركيزتها القوية المُتمثلة في الأرض، و ما تبعثه عادةً لدى الشعوب من الفخر و الغيرة و الحرص على السمعة بالتضحية و الإيثار، ليكون البديل هو النهم الذي لا حدود له، نعم إنني في مقاربتي هذه أدرك ما هي عليه من القصور في الحوصلة لهذا الكنز المعرفي كما جاء على لسان مُعِدُّه و ما لاحَ على محيّاه من مشاعر التمثل الجيد لموضوعه فبدا أكثر هيبة وأشد تأثيرا، و من ثم أتعشّم أن يكون في ما قدمت ما يضع كل من يجد الوقت للقراءة كي يكون في الجو العام لهذه المسألة الوطنية الهامة، و ما حملته مقاربتها من تحفيز قوي على العمل، و تنبيهٍ واعٍ لمكامن الخطر، لأشُدّ في النهاية على من خصّها بفيض علمه  و واضح اهتمامه، واثقاً أن يكون في المُتحلّقين حول محرابه العلمي و انشغاله الوطني من سيكمل المشوار لتحديد أسلم للهوية المشروع و الفهم و العمل، عسى أن تُصان مما يخشاه الدكتور أبو صوّة و هو يوجز عنوان المحاضرة بين "السذاجة و الوهم".انتهى


______________________________



لن نكون الإستثناء من القاعدة

أمين مازن

21-12-2018

أنعشتني المحاضرة الجيدة التي شارك بها المثقف الشاب بدر الدين الورفلّي، في الموسم الثقافي للجمعية الليبية للآداب و الفنون بالعاصمة طرابلس، و الذي انبعث عقب انتهاء فصل الصيف، متناولاً فيها تجربة السياسي الليبي البارز و المثقف التقدمي الشهير عبد الحميد البكوش، ذلك الصوت الذي قُدِّرَ له أن يحفر اسمه في تاريخنا المعاصر، بما امتاز به  من القدرة على اختيار الوقت للإعراب عن رؤيته إزاء واقعنا الحديث، الذي بلغ أقصى درجات تأزّمه في نهاية حقبة الستينات من القرن الماضي، عشية اضطلاع البكوش باستلام حقيبة رئاسة الوزارة الليبية و بالتحديد في الرابع و العشرين من أكتوبر سنة 1967 و خلفاً للسيد عبد القادر البدري و في أجواء هزيمة يونيو من ذات العام، عندما حاول الإعلام المنهزم و المتطوعون له أن يلقوا مسئولية الضربة الأولى ظلماً و عدواناً، على ليبيا و القاعدة الأمريكية الموجودة بها، إثر كلمة غامضة وردت في أول خطاب أُلقُيَّ بعد النكسة، جاء فيه ما نصّه "كنّا منتظرينهم من الشرق، جاؤوا من الغرب" استغلالاً للحظة الهجوم التي انطلقت عبر البحر المتوسط غرباً لتشن هجومها من هناك و هي متجهة للشرق ضماناً لسلامة الطيارين و قبل ذلك التمويه، لتدفع تلك المغالطة المُتعمّدَة جماهير الشعب الليبي المُستَفَزَّة و الأخرى المُندسَّة داخلها، فتحرق متاجر طرابلس بحُجّة إنها لليهود أولاً و تتلوها التي للإيطاليين ثانياً، كما يخرج آخرون صوب آبار النفط و الشروع في حرقها، مما جعل حَمْلَ مسئولية الحكم يدخل في عداد الخيانة القومية، خاصةً و إن البكوش حرص في أول حديث إذاعي له على التوكيد بأن حكومته تُعتَبَر استمراراً  لما سبقها من الحكومات، تفادياً لأي حساسية قد يبادر بها سابقوه ممن كانوا في عمر والده، فأجّلَ الإعراب عن خَطِّه السياسي الحقيقي إلى أول مناسبة و بالأحرى أقربها هي ذكرى 21 نوفمبر أي قرار الأمم المتحدة بإستقلال ليبيا سنة 1949 فأفصح يومئذ عن وجهه الحقيقي كمثقف يرى أن قبول الحكم لا يعني أن الأمور على ما يرام أو أن الطريق مفروش بالورود، بقدر ما هو مليء بالأشواك، و لكنها غير العَصِيّة على إقدام الشجعان من أبناء البلاد غير المتنكرين بالطبع لدور الآباء و الأجداد و في مقدمتهم الملك، الذي وصفه بالأب، مُشيداً بحكمته و زهده و تقشّفه؛ مُوحِيَّاً من البداية أن يكون ذلك صوت إعلامه الذي راهن على أن تكون قيادته التي أناط حقيبتها بيد أكثر جرأة من شأنها تحقيق ما تطلّعَ إليه، لولا  أن النظرية السائدة هي نظرية المبالغة و التهريج و المديح السطحي الرامي إلى إيهام الناس بأن الشمس لا تشرق و تغرب كل يوم إلا و هناك معجزة جديدة، نعم لقد تبنى الرجل خطاباً مختلفاً كل الإختلاف على ما ألِفُوا الناس الإستماع إليه، و هو أن السلبي في الواقع أكثر من الإيجابي و التخلّف أكثر من التقدم، غير أن نقد الواقع ينبغي ألّا يدفع إلى كراهيته، و إنما محاولة إصلاحه، هي نظرية جسّدها تشكيل وزاري مختلف عن الماضي بالتطوير الذي لا يتجاهل المكونات الإجتماعية و انفتاح أوسع على الصف الثاني من المسئولين و لا سيما الذين يتم اختيارهم من قبل الحكومة، و كذا تعديل القوانين التي تستدعي المراسيم الملكية، الأمر الذي لفت أنظار عديد المراقبين و المشاركين في تناول ما يجري على أي مسوى من المستويات، سواء و هم يكتبون آراءهم أو يشاركون بها في المحافل و لا سيما موضوع الشخصية الليبية التي طرحها في أول بيان رسمي أذاعه، مع أنها و كما قلنا في حينه و سيقف عليه كل من يجد الوقت لقراءة ما ندرج هنا طُرِحَت قبل ذلك التاريخ بمراحل، لتتوالى من ثم معالجاته الجريئة و قراراته التي رجع إليها المحاضر و أحسن إحصاءها من المراجع التي أحسن قراءتها و وعى أهدافها، و التي لم تزد في حساب الزمن عن عشرة أشهر في الحكم، أي ذات المدة التي قضاها الدكتور فكيني الذي ألغى النظام الإتحادي و بعده محمود المنتصر الذي أدخل البكوش وزيراً معه و لم يبقى سوى المدة التي قضاها فكيني، بحيث لم يزد على السنة سوى السيد حسين مازق لِما اتصف به من السكونية، إنها المرحلة التي كان البكوش في صميمها و التي هيأت له الدخول في انتخابات 64- 65 ليضمن فقط حياد السلطة كما شَهِدَ الأستاذ محمود البشتي وزير الداخلية الذي أشرف على الإنتخابات فأكد عدم التدخل ليس غير، خلافاً لِما تحدث به غيره من الوزراء الذين لم يجهر منهم باحتجاجه و تقديم استقالته سوى خليفة التليسي، و الحديث للبشتي في محكمة الشعب عقب سبتمبر 69 مباشرة، رافضاً محاولات المحكمة الرامية إلى الإساءة للرجل الذي ظلَّ مثالاً للتماسك و الإكتفاء بالنظر المعبِّر في أحيان كثيرة عن أكثر من معنى الأمر الذي أكسبه تعاطف المشاهدين كافة، شأنه شأن رفاقه في المحنة الذين ضفروا بالبراءة قبل صدور الأحكام مما اضطر النظام إلى العدول عن المضي في المحاكمة لأكثر من تهمة مزعومة، الأمر الذي ولّدَ عنده من القناعة ما جعله يبادر بإعلان حصوله على اللجوء السياسي إلى مصر في مظاهرة إعلامية جرى الإعداد لها  بمهارة حين تمت في مؤتمر صحفي شارك في حضوره أكثر من صحفي مرموق و سياسي مشهور، استعد له بتحضير بيان وزعته في حينه وكالة أنباء الشرق الأوسط، و اطّلَعَ عليه أكثر من مهتم و متابع، زاد من قيمته تنزه المعني عن أي انحدار نحو السُباب أو التحامل، و جعل الرد المنفعل و الرخيص الذي تضمن موقف السلطة مدعاة لسخرية كل متابع و هو يوزع في مطلع 1977 ليلحق بركب المعارضة التي زاد من رصيدها، خاصةً حين تورط العهد في محاولة اغتياله في السنوات الأولى من الثمانينات على نحوٍ تأكد فيه غباء المخابرات الليبية أمام نظيرتها المصرية، مما كان جميعه موضوع اهتمام الأطراف الدولية التي لم تتأخر عن رصد ما كان يجري في السر أولاً، و ترفع عنه الغطاء عند زوال الداعي ليقرأه كل مختص ثانياً و يتخذ منه -إن أراد- مرجعاً لمؤلفاته، كما فعل الدكتور المقريف و هو ما يصفه بالفترة الحرجة، و التي استفاد منها المحاضر أيَّما استفادة و هو يقدم محاضرته هذه مؤكداً مقدرة جيله على إعادة قراءة التاريخ و تقديم ذخيرة معرفية مُعبِّرة و حُجة بالغة الرد على أن البلاد لم تكن خالية من ذوي الرأي الصائب و الفكر المسئول الذين جَنّدوا ما لديهم لمصلحة وطنهم و لم يخضعوا يوماً لنداء عواطفهم أو ردود أفعالهم و ثاراتهم الصغيرة، مما جعله و هو يضطر للعيش خارج الوطن يحرص على أن ينظر من زاوية الرؤية التي لا تهمل المحيط، و أن ينطق حين يجد الفرصة للنطق بالكلام الذي يحسن استثمار الظروف و مراعاة المقام، فلم يتحول لعدو شخصي للعهد، و لكنه الخصم الذي يعرف متى و كيف يُفصح عن خصوميته، فإن لم يجد كان له في العالم ما يُغنيه، فكان دائماً مثال القادر على كسر قيوده بالقرطاس و الحبر و الدواة، كما حملت قصائده الذاتية التي آثرَ أن تبقى لدى الذين طالما شاركوه سنوات المحنة، ممن بادلهم وُدّاً بِوِدْ و حملوا من ذكرياته و صادق معاناة معرفته ما ظل يُشعرهم دوماً بفداحة خسارة غيابه و هو في أوج عطائه.

لقد وصفت هذه المحاضرة بالمنعشة، مستعملاً ضمير المتكلم، حين عَلمت أن مُعِدَّها قد جاء إلى الدنيا بعد عشرين سنة إلا شهراً من تحوّل فكرة الشخصية الليبية من مشروع تحديثي يسعى إلى إعطاء الأولوية للوحدة الوطنية في مواجهة التوجهات الشوفينية المتعالية، بل المتقاعسة عن أي إسهام مسئول، و كذا القزمية المتمثلة في الجهويات الصغيرة إلى ما يدخل في عداد التهمة الجديرة بالمحاسبة و ما في حكمها لولا يقظة بعض شركاء القرار، حتى إذا ما قُدِّرَ لمن وُلِدَ في ذلك الزمن أن ينمو و يتعلم فيعود إلى المصادر المكتوبة حول الشخصية الليبية كشعار شبه رسمي و سياسة مطروحة للممارسة لتتوقف حولها الأطراف الدولية فتكتب حولها ما تكتب سرّاً، و يتكفّل الزمن برفع السرّية عنها لاحقاً لتُشَكّل مجتمعة ما أتاح لأحد أبناء ذلك الجيل أن يُعِدَّ حولها ما أعدّ، و يخرج في النهاية بهذه المقاربة الفكرية، الغنية بالأسئلة و التحليل و الإستنتاج، فيتأكد أمامنا القول المعروف إن القدرة على خداع بعض الناس بعض الوقت، لا تعني أبداً خداعهم كلهم كل الوقت، فلا مناص من أن يُوجَد بينهم من يُصرّ على إظهار الحقيقة و تقديمها ناصعة للناس، إنصافاً لأصحابها و حرصاً على الإفادة من جدواها، كما أن الإنحناء للعاصفة مؤقتاً لا يعني البقاء على ذلك دائما، فلا بُدَّ أن تأتي اللحظة أو الفترة المناسبة للتعاطي مع المتغيرات و استخراج الكنوز الثمينة من بطن المجهول و يتبين أن للحقيقة وجهاً يهزم كل أسباب الظلام الفكري و البشري، فيكون في ذلك ما يبشر بالأمل و يثير الطمأنينة و يبعث على الثقة، بأن المشروع النهضوي من التجذُّر حتى ليصعب على كل تحريف أو تظليل أو مغالطة أن تقف بطريقه أو تُمَكِّن لِما سواه، اللهم إلا حقيقة كون هذه الأرض الواسعة و الندرة البشرية و الإمكانات الطيبة تقتضي بكل الوعي الذهاب إلى إنشاء أو لِنَقُل إعداد شعب يستطيع التعاطي مع المحيط و المشاركة في استحقاقات المستقبل بما تحتاجه من التكوين الذاتي و الإيمان الحقيقي بأن شروط الدول الوطنية إلى زوال، مما لا مهرب للعالم كله من التعاطي، دون الإخلال بإكراهات الجغرافيا و العيش في المحيط، فنحن لن نكون إستثناء من القاعدة و ليس لنا إلا أن نعلم و نعمل بما نعلم. انتهى

______________________________

لكي لا يكون "3-5" يوم مأساة الصحافة

أمين مازن

4-5-2018

كنت أحتشد للإقتراب من جملة القضايا التي دأب على إثارتها باقتدار الدكتور نجيب الحصادي في أكثر من فضاء بالعاصمة بدايةً من مجمع اللغة العربية الذي انتظمت بقاعته ورشتا مجمع دراسات القانون و المجتمع "جامعة بنغازي" حول الهوية، و قبلها معايرة الدستور، و مروراً بقاعة الفقيه حسن و انتهاءً بصالون الدكتور عبد الرحيم الكيب، مما أطلق عليه هذا المثقف المتوازن بين الإختصاص الأكاديمي و الإنشغال الوطني، لولا أنني رأيت إمكانية التأجيل لما تحتاج إليه أراء نجيب من كثير الإستعداد و المراجعة و قدرتها على التجدد باستمرار حالما يحاول من يحمل القلم أن يقترب منها، فرأتيني دونما ترتيب مسبق أكثر إحساساً بمسئولية المشاركة و لو بالقليل، فوجدتني وجهاً لوجه أمام موضوع اليوم العالمي للصحافة الذي انتظم من أجله و في التاريخ المحدد له "3-5-2018" دولياً، عندما اختار المركز الليبي لحرية الصحافة قاعة فندق توباكتس لعقد اجتماع ضم بعض العاملين في الحقل الصحفي  و المرتبطين بالمركز المذكور للقيام بالممكن في هذا اليوم التاريخي، كان علمي بمحض الصدفة و قد قررت التوجه إلى المكان بمحض الصدفة أيضاً إذ كان لوجود محطة لسيارتي بالشارع ما حضني على اقتحام اللقاء و عدم التوقف أمام شكليات الدعوة، فأهمية الموضوع و الرغبة في الإلمام بالخلفيات لا تبرر التحسس و إنما توجب طرق الباب، و هكذا وجدتني أصعد إلى الدور السابع بفندق توباكتس، و أستلم الملف المُعَد من اللجنة التحضيرية، و أتمكن من إلقاء نظرة على المحتويات التي ضمت إلى جانب التعريف بالمركز و أهدافه و أسماء مُسيريه، تقريراً عن الإنتهاكات التي تعرضت لها الصحافة و الصحفيون الليبيون خلال العام 2017، فيما أدركتُ من خلال الحديث أن التقرير العام هو المطروح للنقاش، و مع أنني أدركتُ من خلال إشارة الأستاذ نبيل السوكني ما يتوفر عليه الحاضرون من الحرص على مشاركة الجميع و لا سيما من يرون فيهم الأولوية. إلا أنني لم أجد بُداً من المُكاشفة، عند الإستجابة للدعوة إلى المشاركة في الحديث، بحقيقة الحضور و زوال أي لبس في الخصوص، لأُؤكد لهم اقتناعي و من ثم سروري بالفارق الكبير بين لقائهم المتواضع و تقريرهم الصريح و دعوتهم للجميع كي يسهموا في نشاطهم و مساعدتهم على آداء مهمتهم إزاء المهنة و اختيار المشاركة المستطاعة في عمل المركز، و مع أنني لم أكن في فسحة من الوقت التي تسمح لي بالإستماع إلى جميع الأصوات التي كانت موجودة في الحلقة و أتأكد عمَّا لديها إزاء ما جاهرتُ به من الإستياء حول أحوال الصحافة و الصحافيين و الثقافة و المثقفين، و التي كثيراً  ما تبلغ المغالطة بشأنها أقصى الدرجات، حين تُقام الإحتفالات و تُوزَّع شهادات التكريم للصحفيين و الكُتَّاب في البلد الذي لا تُوجَدُ به صحيفةٌ وحاحدةٌ مُنتَظمة الصدور، يستطيع الصحافي أن يضمن بواسطتها دخلاً يسُدُ به حاجته، بل لقد وصل الإستخفاف بالمسئولية أن حُرِمَ الكثيرون من حقوقهم و يستمر التعيين في مؤسسات لا تشتغل و قل مثل ذلك حول الثقافة التي تُقام ليومها الإحتفالات في الوقت الذي لا يصدر كتابٌ واحد، إنها المسئولية التي لا يخلو منها غربُ البلاد أو شرقها، سلطتها المُعترَف بها أو الأخرى التي لا تخلو من داعمين لها مما يجعل المرء يصرخ بأعلى صوته أن الثالث من مايو و إلى حين إشعار آخر يجب أن ندعوه باليوم العالمي لمأساة الصحافة بليبيا.   انتهى

_____________________________


الشعر الليبي و أعلامه

في ملتقى البشير السعداوي

أمين مازن

21-10-2017

كرّس ملتقى الزعيم البشير السعداوي لقاءه الأسبوعي الذي إلتأم يوم السبت 14-10-2017 لموضوع الشعر الليبي، مصادر و أعلامه، من خلال محاضرة ألقاها البيبلوغرافي الإعلامي الدكتور عبد الله مليطان، بحضور نخبة من المهتمين بالشأن الثقافي، الذي أفلح الملتقى المكذور في إستقطابه للقاءاته الأسبوعية التي تجاوزت الخمسين. كما ذكر أول المتكلمين و قد تضمنت المحاضرة كشفاً بأسماء و دواوين الشعراء الليبيين الذين أرّخَت لهم المصادر المطبوعة -منذ قرن مضى- مع عرض مُصوَّر بأغلفة هذه الدواوين أو معظمها بالأصح، و هو الموضوع الذي اشتهر به مليطان و دام على الإشتغال به منذ إنخراطه في الوسط الثقافي و إعداده لملف أصفر اللون حمل ضمن ما حمل عنوان رابطة الأدباء و الكُتَّاب على هيئة إستبيان ملأه كل كاتب على مسئوليه، و فضلت أمانتها عدم تنفيذ قرار أمين الإعلام الرامي إلى تشكيل لجنة لذات المهمة برئاسة الأمين العام تنزّهاً عن أن تُحسَب في عداد المعرقلين للمبادرات الفردية. و قد تمكن مليطان من أداء مهمته تلك حين أصدر مجموعة من المعاجم التي حملت الأدباء عامة، ثم الشعراء فكتَّاب القصة، لتشمل لاحقاً عناوين أخرى، كل ذلك دون التخلّي عن مواصلة الدراسة العليا و تقديم الكثير من البرامج الثقافية مما هيأ له أن يكون ضمن الذين أُسنِدت إليهم جائزة الفاتح للإبداع التي ينص نظامها على مُرتَّب و شاءَ كرم أمين مؤسسة الثقافة أن يدفع بالمستحقين لها إلى شركة الإستثمارات لتمنحهم الأسهم المقررة و تُصرف لهم بعض الأشهر ليأتي بعد ذلك أعلام فبراير فيطلب من الإستثمارات وقف الدفع مع تعيين ما لا يُحصى من الأقارب و القريبات. و الإشتراك في المعارض دون كتب، و الأنشطة الصحفية بلا صحافة، و قل ما تشاء عن التبذير الذي لم يغفله ديوان المحاسبة في تقاريره.

لقد أفلح المحاضر بدون شك في نبش الذاكرة الثقافية، و دلل لنا بواسطة الأغلفة التي عرضها، أن من دخل قائمة المؤلفين الليبيين لا يمكن إقتلاعه منها، كما تذكرت ملاحظة واعية رواها لي مليطان ذات يوم عن المرحوم عبد القادر البغدادي عندما نصح مليطان بضرورة الإشارة لما يفيد أن ما في المعجم هو ليس كل ما كتب الشعراء، لأن المعجم الذي لا يضم أمثال فاطمة محمود و عبد الحميد البكوش و فرج العشة و الرأي للبغدادي يعتبر ناقصاً و لا مناص من الإنتباه لذلك، و قد جاء زمن إستطاع العارضون أن يعرضوا هذه الأسماء، دون أن أنسى للعزيز عبد الله الذي تفضل ذات يوم و زودني بدواوين الصديق الراحل عبد الحميد البكوش و لم أعد أذكر أين أخفيتها بحكم الحذر المسيطر في تلك الأيام. و لئن كنت قد سُررت بحضور هذه المحاضرة و بما خصني به مليطان من مشاعر طيبة و ثناء معهود على ما تيسر لي الإسهام به ثقافياً، فلا شك أن فضل الإحاطة و الحرص على تجَشُّم تيسير وسيلة النقل إنما يعود للعزيز الدكتور عمر حمودة الذي لا يتأخر دوماً عن مثل هذه المكرمات. و تبقى الكلمة دوماً هي الشهادة التي لا تعادلها شهادة لكاتبها إبداعا، و إحتراماً تاريخياً، و الإستئناس بها عند الموقف المسئول تجاه الناس و الحياة. خاصة و نحن نجد في هذه الفضاءات الألِكترونية السلاح الأقوى و المتاح لمقاومة التغييب. و سعداً لمن يعلم و يعمل بما يعلم.



أين موقع المصراتي في الدراسة الأدبية

 

بقلم/ أمين مازن

 

إن مما لا شك فيه أنّ دراسة إنتاج أدباء الطليعة الذين برزت أسماؤهم في حياتنا الأدبية عقب الحرب العالمية الثانية ليعتبر من أهم ما تحتاج إليه حياتنا الأدبية هذه الأيام ، وهي تحاول أن تتجاوز مرحلة الركود وتصل إلى عوالم الخصوبة والإبداع.

ولست في حاجة إلى الحديث عن الدور الذي لعبه قلم الأستاذ على مصطفى المصراتي في حياتنا الأدبية المنوه عنها ، وذلك منذ عودته من المهجر في تلك الفترة بالذات ومشاركته في مسيرة الحركة الوطنية ..

فمنذ انصراف هذا الرجل إلى الممارسة الأدبية في مطلع الخمسينيات ، وخروجه إلى القراء بكتاباته التي اختار لها عنوان (لمحات من الحياه الأدبية في ليبيا) وما تبع ذلك من نشاط صحفي وإذاعي، وحتى أيامنا هذه مايزال المصراتي يمثل وجها بارزا في حياتنا الأدبية، محاضرا وكاتبا وقصاصا، ومؤرخا ..

ورغم الخلاف الكبير الذي ينشأ عادة حول تحديد مستوى إسهام الأستاذ المصراتي بالنسبة لكتبه التي تزيد على العشرين، فإن الاجتماع ينعقد على ضرورة دراسة ما قدمه للمكتبة الليبية ..

وما من شبهة في أن الدراسة الأدبية بالذات من أهم ما قدمه قلم الأستاذ المصراتي، حيث خصص لها عددا من كتبه مثل لمحات أدبية عن ليبيا ، ودراسة عن الأسطى عمر، وأخرى عن المرحوم أحمد الشارف .. إنه إذن كاتب دراسة، ومن ثم فإن محاولة إخضاع دراساته للمناقشة لا يمكن أن تضع صاحبه تحت طائلة القول باختيار أسوأ النماذج وإصدار الأحكام من خلالها ..

وفي هذه الوقفة، سنناقش دراسة الأستاذ المصراتي التي كتبها عن الشاعر الكبير أحمد الشارف، وذلك بمناسبة إعادة طباعتها هذه الأيام من ناحية، ولأنها تعتبر من أخطر الدراسات التي تعرض لها قلم الأستاذ المصراتي من ناحية أخرى بالنظر إلى المكانة السامقة التي يتمتع بها الشاعر أحمد الشارف، وما يدخل في إطارها من تهيئة الفرصة أمام الأستاذ المصراتي للتعرض لفترة حاسمة من تاريخ الوطن ومرحلة زاخرة بالتطورات التي تعرض لها الأدب العربي والشعر على وجه الخصوص . وربما كان من المهم أن نشير هنا إلى التطور الذي طرأ على فن الدراسة الأدبية في العالم العربي، لنرى بعد ذلك مدى الاستفادة التي استطاع الأستاذ المصراتي أن يجنيها كأحد الذين تخرجوا من الأزهر الشريف وعايشوا فترة انبعاث الحركة الأدبية في المشرق .. وفي القاهرة على وجه الخصوص ..

ولقد كان النموذج البارز الذي قدمته النهضة الأدبية الحديثة في المشرق ممثلاً في الدراسة النقدية الجادة التي كتبها الأستاذ العقاد عن الشاعر القديم ابن الرومي، وذلك عندما استخدم لأول مرة في تاريخ النقد العربي مبادئ علم النفس، ثم اتبعه بدراسته عن أبي نواس ، هذا فضلاً عن نقده المرير لمدرسة شوقي وحافظ ..ولقد ارتكزت دراسة العقاد عن ابن الرومي على عناصر محددة تمثّلت في الحديث عن عصر الشاعر، والمؤثرات التي أثرت في تكوينه والملامح البارزة التي تشكل شخصيته الشعرية، وأخيراً المآخذ التي أخذت على أعماله.. ولقد أفلح العقاد بواسطة هذا المنهج أن يجلو الكثير من الغوامض والملابسات، وذلك بغض النظر عن الماخذ التي أخذت عليه، كالقول بأنه قد بالغ في استخدام علم النفس .

ولقد وقف إلى جانب هذا النموذج نمودج آخر تمثل في دراسات الدكتور طه حسين والتي بدأها بكتاباته عن الشعر الجاهلي، ثم حديث الأربعاء والتي اصطلح على تسميتها بالدراسات ذات النزعة الديكارتية، ولقد استطاعت هذه الطريقة أن تثرى الفكر العربي، وتخرج به لأول مرة من عوالم الجمود والمسلمات .. وتلامسه بروح العصر، وتذكره بتلك المعالجات الرائدة التي بدأ بها المعتزلة، وذلك بغض النظر عما قوبلت به من البعض من سوء الفهم وضيق الأفق، بل وسوء النية ..

وتوالت بعذ ذلك الأسماء، محمد مندور ونقده المنهجي، لويس عوض وأبحاثه الرصينه، ميخائيل نعيمة ومتابعته الدؤوبه، أمين الخولي ومدرسته المستقلة ..

وكان من الطبيعي أن يجرف هذا التيار الوافد من الشرق حياتنا الأدبية التي بدأت خيوطُها الأولى تتكون في تلك السنوات التي بدأ فيها المصراتي ينشر إنتاجه، وأن تستقطب الدراسة بالتالي أنظار الذين بدأوا يمارسون الكتابة، بوصفها الشكل الأدبي الأكثر نضجاً انذاك ..

وهكذا برز الأستاذ المصراتي كواحد من الذين ارتادوا هذا اللون من التعبير، وكان بلا جدال أكثر الأسماء إنتاجاً وذيوعاً في عالم النشر ..

فهل أفلح الأستاذ المصراتي في تطبيق طرق البحث، وهو يدرس أشعار أحمد الشارف، ويستفيد من التطور الهائل الذي طرأ على فن الدراسة بعد خروج العقاد وطه حسين، وبالذات هذا الأخير الذي يقول المصراتي إنه كتب مقدمة لواحد من كتبه غير المطبوعة ؟

لنحاول استخلاص الجواب من خلال استعراض الكاتب، وإذا ماصرفنا النظر عن المقدمة المنطلقة أساساً من منطلق الإعجاب، المطلق، الأمر الذي لا يتمشى والنظرة التقييميه، وأعرضنا عما ترسف فيه من انحلال المتناقضات، لعل أبسطها أن الكاتب يجمع بين القول بأن الشاعر امتّد به العمر وظل رهين المحبسين وأن الحياة الأدبية فقدت بموته (إنساناً معطاء سهلا في الكلمة ذات الإحساس المتوهج والنور المتدفق) وهو أمر لا يتمشى وحقيقة موت الشارف الذي قال كلمته ومضى، أقول إذا ما صرفت النظر عن هذا وألقينا نظرة على الجانب الذي خصصه الكاتب للحديث عن عصر الشاعر وحياته، وشعوره وحاولنا تتبع ذلك، ألفينا ما يعانيه المؤلف من انعدام في الرؤية وتعّجل في المعالجة، وتعميم في إصدار الأحكام فهو لايحدد لنا مسؤولية ما عن الذي تسّبب فيما عانت منه البلاد من تخلف ، لا يكلف نفسه عناء البحث عن أسباب ذلك الوضع المزري الذي عاشته ليبيا في تلك الفترة من التاريخ، إنه فقط ينطلق من الحديث عن أدب المجالس، وليته يتقصى هذه الظاهرة التي يصّدر بها بحثه هذا .. وليته ينتهى منها إلى تحديد ملامح للحياة الأدبية كان يتخد منها دليلاً عن انعدام الشخصية الأدبية .. وأكثر من ذلك أنه يتعرض إلى النهضة التي وفدت من المشرق في سرعة عجيبة، ولكن أن نذكر أنه يتحدث عن هذه القضية في عشرة أسطر لا غير، أما ملامح هذه المدرسة وأما التطور الذي طرأ على البناء الشعري فهذا ما أهمله المؤلف كلية ..

(في شعر بعضهم رقّة وسلاسة) (وفي شعر بعضهم بداوة وجزالة)

ما هو المرجع الذي استقى منه أحكامه؟ ما هو المرجع الذي يمكن أن يدلنا إليه معشر قرائه ..؟

علم ذلك عند الكاتب وحده ورغم أن المصراتي يلوم من انعدام المصادر الكافية عن حياة الأدباء، ومع ذلك وعلى مدى إحدى عشرة سنة عاشها صحبة الشاعر كما يقول في كتابه فإنه لا يقدم لنا أية معلومات تتجاوز ما يمكن أن يقدمه أي راوٍ عادٍ، لا كاتب رائد مثل الأستاذ المصراتي..

إن المؤلف يستسلم في هذا الباب الذي حشد داخله مجموعة كبيرة من العناوين الفرعية لموضوعات الشاعر، دون أن يكلف نفسه التفكير في إعطاء أي رأي إزاءها، إنه يذكر للشاعر مواقفه الخاصة بتوحيد القضاء ويشيد في الوقت ذاته بالقانوني الكبير عبد الرزاق السنهوري، ثم يعود بعد ذلك فيتحدث عن أخلاقيات الشاعر وعصمته من المجون، وهكذا يجد قارئ الكتاب نفسه في حيرة من أمره، أين الكاتب من هذا كله؟

هل هو مع توحيد القضاء أم ضده؟

هل يرى في ممارسة الشاعر لبعض وسائل اللهو سبباً في محدودية تجربته ؟

أسئلة كثيرة كان يمكنه أن يجيب عنها بل كان عليه أن يجيب عنها..

ومن الأمور التي يلحظها قارئ هذه الدراسة، وتطرق لها المؤلف إعجاب الشاعر ببعض الشعراء المحدثين، وأخبار الشاعر وعلاقاته الإنسانية، وما أصيب به من علل وأسقام، ذلك التطرق المجرد الذي يكتفي بالأخبار دونما إشارة إلى أثر ذلك في شعر الشاعر، سواء على مستوى البناء أو على مستوى المعنى..

وما من شك في أن الأستاذ كان يمكنه لو تأنّى قليلاً أن يخلص من هذه الظروف الحياتية الموغلة في الصعوبة إلى الخروج بشيء ماعن شاعرية هذا الشاعر..

ولعل مما يلفت النظر أيضاً أن الدارس لهذا الكتاب يحس أحياناً بأن المؤلف يضفى آراءه الشخصية على الشارف وذلك عندما يقول:(كان أحمد الشارف يكره أكثر ما يكره هذا اللون من الشعر الحديث المنفلت الذي يتهرب من الوزن، ويتباعد عن الذوق ولاسيما شعر الرمزيات ذات الخيال المرهف والإغراق في الغموض، وتلطيخ الأصباغ، هذا اللون من الشعر الذي لا تكمل به صورة ولاتظهر فيه فكرة..) ويضيف: ذات مساء سألته عن الشعر الحديث غير المتقيد بوزن، فاهتز الشاعر وحمل حملة عنترية على هذه الأساليب التي بدعها أو سلفها شباب لابضاعة له من لغة ومران ولاثروة له من ثقافة) ولكنه أي الشارف قرأ أو سمع لبضع قصائد للشاعر نزار قباني وأعجب بها وإن كان لايستسيغ أسلوب نظمها إلى أن يقول ويعجبه من الشعراء المعاصرين عزيز أباظه..

والواقع أن هذه الآراء هي آراء المصراتي نفسه، وخاصة إذا علمنا بعد ذلك كيف طالب المصراتي أن يدرس شعر نزار قباني في الجامعات عندما استضيف هذا الشاعر من قبل وزارة الإعلام والثقافة سنة 67 وأن الشاعر عزيز أباظة قدم إلى البلاد أيضاً بعد هذه الفترة بقليل أي عندما رأس الأستاذ المصراتي اللجنة العليا لرعاية الفنون والأداب، على أن المأخذ الذي يأخذه المرء على آراء الأستاذ المصراتي هذه هو ذلك التحريف الذي وقع فيه إزاء الشعر الحديث.. فالشعر الحديث ليس خلوا من الوزن كما جاء في كلامه هنا، كما أن عدم التسليم للشارف بجدواه لايمكن أن ينال منه، وذلك إذا مالاحظنا أن الشارف ينتمي أساساً إلى مدرسة شعرية لاتستطيع أن تستوعب مضامين الشعر الحديث، بل أن المصراتي سبق له أن شارك في تقديم أول ديوان من الشعر الجديد للشاعر على الرقيعي..

غير أن عيب السرعة في هذا الكتاب لاتتحدد ملامحها كما تتحدد في الفصل الذي أفرده الكاتب للحديث عن شعر القضايا العامة، أو العروبيات والوطنيات كما عبر المؤلف.. إن الكاتب لايحدد رأياً عن مفهومه للعروبة ولا للوطن، حتى ينطلق من منطلق سليم لتقييم شعر الشارف، ولكنه يظل ينتقل من هنا إلى هناك مرة بالحديث عن بيت من الأبيات، وأخرى بالإشارة إلى معنى من المعاني.. كل ذلك في شيء من التجزئة والتفريع المخل، ودون أي تفريق بين سلامة مواضيع الشاعر ومقدرته أو عدمها في التناول..

وسنلاحظ بقليل من التأمل أن الأستاذ يتعرض إلى أخطر القضايا التي طرحها النقد الحديث عن الشعر دون أن يقدم دليلاً واحداً لهذه الآراء.. يقول في الصفحة 57(والشاعر قد يتخذ شعره نغمة الخطابة،إنما هو الشعر الخطابي وهذه أيضاً قضية أخرى.. أيهما أوقع ياترى؟ شعر الهمس، مثل أغرودات على محمود طه وأنشودات إيليا أبوماضي أم العواطف المتأججة الثائرة؟ إلى أن يقول:

لانستطيع أن ندلي بجواب فيه كل الدقة في التحديد.. الجماهير في أيام المطالبة بحقوقها تريد حناجر هتّافة، أكثر منها همسات ولمسات شاعرة تتجاوب الجماهير مع الشاعر الخطابي دون الشاعر الهامس، السائر على مهل في ثوب حريري.

(ونحن في موطن الدراسة والنقد لانستطيع أن نبخس شعر الهمس والسرقة والديباجة..

حسناً، إن الكاتب يقرأ هذا وذاك، يقبل بشعر الهمس ويقبل بشعر الخطابة، وإن كان هذا الأخير ينال منه حظا أوفر ولكن، هل يمكن لي كقارئ أحاول أن أستفيد من الأستاذ المصراتي، أن انتهى إلى رأي واضح؟ هل أستطيع كدارس أن أعثر على جواب محدد في هذه المسألة؟ الحق إن الجواب لايمكن بغير النفي ومثل هذا المفهوم غير الواضح وبالأحرى الخاطئ يتكرر مرة أخرى عندما يتعرض الكاتب للعروبة في شعر الشارف، وذلك عندما يقول قد يلوم بعض النقاد المنهجيين أن الشاعر لم يصور العروبة هدفاً ومطلباً، ويرد بسرعة لا موطن للملام طالما أنه في عديد من المناسبات لم يترك الهدف العربي..

وهكذا يتضح لنا أن الكاتب يعتقد أن الشعر الجيد يمكن أن يحمل عليه المرء من خلال الموضوع الجيد، يكفي أن الشاعر قد افتخر بالعروبة ويكفي أنه قد اهتز لبعض الأحداث اليومية، أما ذاتية الشاعر.. أما صدق التجربة فذلك لايهم الكاتب في شيء..

وكلما امتدت بنا النظرة على الكتاب وكلما تعددت العناوين، لا نجد غير أحكام الأستاذ المصراتي المطلقة.. هذه قصيدة من أروع قصائده وبدائع هتافه، وبلاغة أدائه "ص69" وتلك تقارب الثلاثين بيتا فيها وصف لحالة وطنه واعتزازه به "ص74" وأخرى من أطول مانظم"ص76" إلى أن يظل يضع القصائد دون أي تعليق، وينتهي أخيراً الكتاب فلا نجد غير الأسئلة التي تنتظر الإجابة والتي تتضافر جميعاً لتجعل هذا الجهد غير معّرف للغرض الذي كتب من أجله ويصبح أمامنا شيء واحد لابد من التأكيد عليه، وهو أن الأستاذ المصراتي قد أحسن صنعا بجمعه لهذا الديوان وتظل الدراسة ناقصة ومجهضة، وغير مكتملة.

ولكي لايبقى الكلام بلا شواهد، لابد من الإشارة هنا إلى النواقص التي تعاني منها الدراسة بالإضافة إلى ما سلف بيانه... لقد وقفت الدراسة صامتة إزاء الشعراء الذين أثّروا في الشاعر فلم تشر إلى قصائده إلى تشبه قصائد أولئك المؤثرين ولم تتعرض الدراسة أيضا إلتى أسلوب الشاعر وموسيقاه الشعرية.. لم تقارن بينه وبين بعض الأصوات التي ارتفعت في عصره؟ هل كان الشاعر يحفل بأسلوبه أم يلقي الشعر كيفما اتفق؟ هل هناك خصائص مميزة لينفرد بها عن غيره أم أنه مجرد صورة مكرره من غيره؟ هل استفاد الشاعر من حركة التجديد التي طرأت على القصيدة العربية التقليدية؟ ما مدى الابتكار الذي وصل إليه في اختيار المعاني؟ لقد صمتت دراسة الأستاذ المصراتي إزاء ذلك كله، ولأنها صمتت فهي دون أي تجن دراسة ناقصة مبتورة لم تتعرض حتى لوحدة القصيدة من عدمها كما فعلت الدراسات الرائدة.

وبالتالي فهي تجسيد لحقيقة مؤلمة هي أن الكاتب الذي تتلمذ على رواد النهضة في المشرق لم يستطع أن يستفيد من أساليبهم وطرقهم في البحث، وفوّت علينا معشر قرائه فرصة الاستفادة منه على نحو أفضل


***

نشر في صحيفة الاسبوع الثقافي 1972

  ______________________________ 



أين موقع المصراتي في حياتنا الأدبية

2

 

أمين مازن

 

لقد سبق لي أن أخذت على المصراتي في دراسته عن الشارف افتقارها إلى أصول البحث ، وإغفالها لأهم ما انتهت إليه المدارس الأدبية التي ازدهرت في المشرق العربي ، وفي القاهرة على وجه الخصوص موطن دراسة الأستاذ المصراتي وتكونه الثقافي والتي كان من أبرز أعلامها الدكتور طه حسين والمرحوم عباس محمود العقاد ، ومن جاء بعدهم من أمثال محمد مندور وأنور المعداوي وغيرهم.

ولقد نشر الأستاذ المصراتي دراسته هذه في أواخر الخمسينيات وهي فترة شهدت فيها الحياة الأدبية ازدهاراً ملحوظاً، حيث تحددت معالم مختلف الأشكال الأدبية من قصة ومقالة وقصيدة شعرية، وكان الانتصار للتجديد واضحاً في تلك الفترة حتى لقد رأينا ثلاثة أسماء هم المصراتي و التليسي والمقهور يشتركون في تقديم أول ديوان شعري جديد هو ديوان الحنين الظامي للشاعر الراحل على الرقيعي.

ومن الواضح أن أول ما يلاحظه قارئ دراسة المصراتي موضوع المقال هو تأثر الكاتب بجدية الحركة الأدبية التي ازدهرت _ كما سبق القول _ في تلك الفترة فترة الخمسينيات، فهو أولاً يقدم ترجمة موسعة عن حياة الأسطى عمر، وهو ثانياً يحاول إبداء العديد من الآراء على عكس مافعل بدراسته عن الشارف، حيث رأيناه يغفل مثل هذه النواحي، نتيجة تأثره بفترة الركود التي سيطرت آنذاك، ومن هنا فإن مناقشة دراسة الأستاذ المصراتي عن الأسطى عمر ينبغي أن تقيَّم في ظل الإطار العام للحركة الأدبية التي عرفتها بلادنا وكذلك التي عرفتها البلاد العربية التي كانت على الدوام مؤثرة في حياتنا الأدبية بالسلب والإيجاب.

ومثل هذه النظرة تساعدنا بلا جدال على عدم الانزلاق في منزلق الأحكام العامة، سواء أدت بنا هذه الأحكام إلى مجاملة الأستاذ المصراتي على حساب الحقيقة، أو الافتئات عليها لحساب الأستاذ المصراتي.

وعندما نعود إلى تلك الفترة التي طبع فيها المصراتي دراسته عن الأسطى عمر سنة 57 تبرز أمامنا عدة دراسات، نسوق منها على سبيل المثال بالنسبة للداخل: دراسة عبد القادر أبو هروس الموسعة عن القصة والتي نشرها في حلقات على جريدة فزان، ودراسته الثانية عن الحكيم والتي نشرها كذلك في نفس الجريدة، وذلك بعد أن ألقاها في محاضرتين ضمن المواسم الثقافية التي نظمت في ذلك الحين، والدراستان تنمان عن جهد ملحوظ بذل من قبل أبو هروس سواء اتفق المرء مع آراء الكاتب أم لم يتفق .. وكانت هناك مقدمة كامل المقهور الموسعة لديوان الرقيعي والتي حوت الكثير من الخطوط المنهجية والآراء النقدية، أياً كان الموقف منها أيضاً، وفضلاً عن ذلك هناك دراسة خليفة التليسي التي نشرها في كتابه المعروف : الشابي وجبران.

أما بالنسبة للأوساط الأدبية العربية فإن الأعداد أكثر من أن تحد، ولكن إن كان لابد من مثل فلنشر إلى دراستي الدكتور إحسان عباس عن الشاعر العراقي عبد الوهاب البياتي وعن الشاعر القديم الشريف الرضي . ودراسة مندور.

وبالرغم من الخلاف الفكري البين الذي يفصل بين هذه الأسماء البارزة هنا وهناك، فإن الرابط الذي يربط بينها جميعاً هو ما تتميز به من استواء في الشخصية الأدبية، وتوفر واضح في الخلفية الثقافية.

وحين يعود المرء إلى دراسة الأستاذ المصراتي عن الأسطى عمر سيلاحظ بجلاء ما تعانيه من قصور أمام هذه النماذج التي ارتفعت في ذلك الحين، ولنأت الآن إلى مناقشة هذه الدراسة كما فصلها الأستاذ فصلاً، فصلاً.

في الفصل الأول من الكتاب، والذي عقده الكاتب لما يمكن تسميته بالسيرة الأدبية، أو كما تقول الدراسات الأكاديمية حياة الشاعر وعصره، نجد أنه بالرغم من التوسع الكلي يقع أحياناً فريسة معلوماته الشخصية، دون أن يقدم مصدراً واحداً يزكي آراءه لدى القارئ، يقول الأستاذ في ص 39 (( يرى إبراهيم الأسطى أن الشاعر الذي لا يشترك في التيارات شاعر أعزل وشاعر أقرع وشاعر أجوف لا يستحق أن يكون مواطناً )).

ولو سألناه من دليل واحد يؤكد به وجود مثل هذه النظرة لدى الأسطى عمر لن نجد سوى أحكامه التي يطلقها بلا حساب، ولو أننا تعمقنا هذه الآراء لما وجدنا غير انعدام الرؤية الواضحة، وإلا كيف غاب عن ذهن الأستاذ أن انعدام الموقف عند الشاعر يعتبر في حد ذاته موقفاً؟ _ ربما كان لأستاذ المصراتي متأثراً في ذلك الحين بالدعوة إلى التجديد، وهو تأثر يدل بدون شك على وطنية الرجل، ولكن بأي مفهوم ثقافي؟ لا شيء غير كلماته العامة: (( لا بد للكاتب أن ينغمس في السياسة وفي التوجيه الوطني وإلا ظل الكاتب طاحونة تدور في الهواء، وإلا ظل الكاتب معلقاً كالذي يمشي على وحل )) . ولو أننا عدنا إلى دراسة المقهور عن الرقيعي والذي شارك المصراتي في تقديمه وجدنا كاتباً يحدد لنا دوافع التجديد وظروفه وأسبابه والمكاسب التي يمكن للحركة الأدبية أن تجنيها من ورائه، ولو قرأنا ما كتبه التليسي في نفس الديوان رأينا مدى النظرة الفاحصة التي تحذر من الانسياق وراء الإعلام.

وحين نمضي مع المصراتي لنفهم خصائص الأسطى عمر ومنها على سبيل المثال ما يمكن تسميته بفكرة المعاودة والتنقيح، عندما خيل إليه أن الأسطى عمر من النوع الذي ينقّح أشعاره وإلا لما كتب شعراً بهذه الجرأة من البداية؟ لانجد لدى الأستاذ أيّة إشارة تعيننا على اكتشاف هذه الحقيقة، وعلى العكس من ذلك مثلاً نجد كاتباً معاصراً للمصراتي ومن جيله في نفس الوقت هو محمد مندور يحدد هذه القضية في دراسته الصغيرة الحجم التي كتبها عن مطران في تلك الفترة بل وألقاها محاضرات سنة 54م عندما استفاد من خلفية محاسبة النفس التي تميز بها مطران ليحولها بالتالي إلى خاصية من خصائصه الفنية، تجعله ومن خلال المقارنة الصارمة أكثر أصالة وأقل عيوباً من شاعر عملاق كأحمد شوقي .. ونفس المأخذ نجده في مسألة الخمر التي اعتقد المصراتي أن لها مكاناً في شعر الأسطى عمر والواقع أن شعر الأسطى عمر لا يدل إطلاقاً على وجود رغبة لدى الشاعر إزاء هذه الشهوة باستثناء ما تشهده الحياة العامة لكل الناس في تلك السنين، ومرة أخرى أجدني مضطراً للعودة إلى دراسة مندور عن مطران لأشير إلى قضية الحب وتأصل فكرة المعاودة لدى مطران بحيث جاء شعر مطران كما يقول الدكتور مندور خالياً من ضمير الأنا في عمومه، وذلك بالرغم من أن الحب مسألة معروفة في حياة مطران، وذلك للمقارنة بين من يحاول قراءة العمل الفني على مهل وكما هو شأن الدكتور وبين من يعول على الاجتهادات كما يفعل الأستاذ المصراتي.

إن هذه الدراسة في الحقيقة تعاني من سيطرة النظرة التعميمية المتعجلة وغير المتعمقة في نصوص الشخصية الأدبية المدروسة والدراسات التي قدمتها الأقلام الرائدة أو المرافقة لها في الريادة، وكلما أمعن المرء في سطورها وضحت أمامه هذه الحقيقة، وأن خير دليل على صحة هذا الحكم الفصل الذي عنونه المصراتي بعنوان الأصالة الفنية، يظهر العجز من البداية حيث يستهله هذا الاستهلال غير الجاد : (( لابد أن نقدم لك هذه الكلمة العابرة قبل أن نقدم لك شعره،ونعرض قصائده لتكون كطبق (السلطة) قبل الطعام الشهي )) . ويضيف: ((شاعر فنان يصور انفعالاته ومدى أحاسيسه في قصائد وأحاسيس من أروع الشعر المعاصر.. شاعر لديه الأصلة الفنية فلم يغلف شعره في براقش المجازات البعيدة أو شطحات الخيال المتكلف)) . وينتهي إلى القول عن الشعراء الذين لا يرضى عنهم: (( هذا النوع – عفاك الله – من شعراء جاء شعرهم لا هو طاووس يمشي ولا بلبل يحلق )).

ولا شك أن المصراتي بهذه النصوص لا يقدم لقارئه أي زاد . على أن هذه المآخذ تعمق أكثر فأكثر حين يقف المصراتي أمام نماذج الأسطى عمر الشعرية ليبين مدى تأثرها بالنماذج الشعرية كقصيدة الشاعر (سر الحياة) .

فعلى الرغم من أن الأستاذ المصراتي قد سجل على الأسطى عمر تأثره بإيليا أبو ماضي من حيث الصياغة، إلا أن منطلق الإعجاب مالبث أن أودى به إلى الاعتقاد بان في القصيدة تأثراً بالمعري، ولو تمهل الأستاذ قليلاً لابد أن يقول أن هذه القصيدة لا تعدو أن تكون تقليداً ساذجاً لقصيدة ( لست أدري ) وأنها أقل منها موسيقى ومعنى و معاناة، بل ولا مكنهُ أن يُقارن بينها وبين قصيدة رفيق الموجهة إلى دانويو وبين مدى ضعف الأسطى عمر أمام رفيق، ولو أنه تمهل أيضاً لكان في مكنته أن يكشف ما في قصيدة أسرار الجمال من بوادر طيبة، وما في قصيدة الأسطى عمر عن الكتاب من تقريرية، ومن العيوب الظاهرة في هذه الدراسة افتقارها إلى التنسيق وخضوعها للتدخل والاستطرادات، وخلوها من التعرض للناحية الفنية على الإطلاق.

وعندما نلقي نظرة سريعة على الدراسات التي سبق أن ألمحت إليها في بداية هذا المقال نجد فوارق كبيرة بينها وبين دراسة الأستاذ المصراتي التي يفترض فيها أن تصل إلى أعلى مستوى . . وحسبنا أن نشير هنا إلى موضوع المؤثرات الأدبية: عن المؤثرات الأدبية يفصل الدكتور إحسان عباس تأثير إليوت في البياتي في كتابه سالف الذكر تفصيلاً لا مكان فيه للغموض، وعن تأثر الشريف الرضي بالمتنبي يقول في نفس الكتاب إن الشريف أقل فحولة من المتنبي بالرغم من إعزازه أي إحسان عباس للرضي .. وفي ذات المدة يخرج خليفة التليسي بوجهة نظره الصارمة التي تنسب الشابي إلى مدرسة جبران وتبين من خلال المقارنة وبرغم إعجاب الكاتب بالشابي إن جبران هو الأب الروحي لهذا الشاعر العظيم.. أما دراسة الأستاذ المصراتي فإنها تكتفي بالقول إن الأسطى عمر تأثر بأبي العلاء المعري وذلك دون أن تعلمنا هل انفصل الأسطى عن المعري أم لم ينفصل بل دون أن تعلمنا مدى هذا التأثر.. كل ما تقدمه هذه الدراسة الرائدة هو الانطلاقات والكلمات السريعة.

ولعل هذا الاستعراض أن يكون كفيلاً بتوضيح أن دراسة الأستاذ المصراتي عن الشارف ليست هي الوحيدة التي تنال من موقعه في الدراسة الأدبية، بل إن دراسته عن الأسطى عمر، تندرج هي الأخرى ضمن هذه المقولة، ولا شك أن عيب الأستاذ هو انطلاقه من منطلق الإعجاب وتأكيد مبدأ الوجود الأدبي للشعراء الليبيين حتى ولو لم تكن النصوص في مستوى الأحكام.

لقد كانت نظرة الأستاذ المصراتي نظرة تجزيئية مجردة، ومن هنا لم يتطرق إلى حركة التجديد التي عرفتها الحياة الأدبية في العالم العربي، ليدرس الأسطى عمر في ضوء هذه الحركة، كان من الأولى أن يركز على أن الأسطى عمر ظهر في أواخر الاستعمار الإيطالي وفي ظروف لم تكن فيها الحياة الأدبية موجودة، ولقد فاته في هذا الخصوص أن يلاحظ أنه بالرغم من العقبات التي توضع أمام المثقفين سواء بين بلدان العالم العربي أو بين العالم العربي والعالم أجمع، فإن الثقافة أقدر من أي شيء آخر على تجاوز هذه الأسلاك والوصول إلى من تشاء الوصول إليه، هذا فضلاً عن أن الأسطى عمر تفتّح على الحياة الأدبية في مصر، وبالتحديد عندما كانت جماعة أبوللو تحتل الصدارة وعندما كانت الأمة العربية كجزء في العالم تعيش فترة قلق صعبة، وكان حرياً بالأستاذ وهو يدرس هذه الشخصية الأدبية أن يتعرض لجميع هذه الحركات التجديدية التي ازدهرت في عصر الأسطى عمر ليبين بعد ذلك ما إذا كان الأسطى عمر يعتبر رائداً من روادها أو لا يعتبر.

إن المرء عندما يفرغ من قراءة الدراسات الرائدة التي عرفتها المكتبة الليبية أو حتى تلك التي لم تصدر في كتب – كما سبق أن أوضحت – يخرج بذخيرة هائلة من المعرفة، ويخرج كذلك برؤية واضحة إزاء الشخصية المدروسة من حيث قوة الأسلوب، ومن حيث الانتماء الفكري، ومن حيث تطور فنون الأدب ومدى استفادة الشخصية المدروسة بالسلب وإعجاب.

ولكنه عندما يفرغ من قراءة دراسة الأستاذ المصراتي يزداد حيرة على حيرته: هل كان الأسطى عمر شاعراً رومانسياً مثلاً ؟ هل كان شاعراً واقعياً ؟ هل هو من جماعة أبوللو ؟ أم نباتاً شيطانياً لا علاقة له بهذه القضايا جميعاً ؟ ثم أين الكاتب من هذه القضايا جميعاً ؟ .

ولست بذلك أريد أن أفرض على الأستاذ المصراتي طريقة معينة أو أقفل أمامه باب الاجتهاد، فما أكثر الكتاب الذين تمردوا على هذه الطرق والخطوط، ولكنهم في تمرّدهم هذا استطاعوا أن يحققوا شيئاً ما، لعلنا نرفض هذا الشيء ولعلنا نقبل بعضه ونرفض بعضه الآخر، إلا أن مبدأ الوجود الفكري تأكد، ولكن الأستاذ المصراتي خرج من هذه الدائرة تماما . إن دراساته الأدبية بل وحتى غير الأدبية تعاني من سيطرة الروح الخطابية، وتعامله مع الأفكار يتم على أساس التداعي المحض بحيث لا يلمس قارئ دراساته وجود خطة محددة المعالم سواء وافقه أم لم يوافقه.

وسنرى في مقال قادم كيف أثرت هذه النظرة بدراسات أخرى للأستاذ المصراتي سواء وهو يدرس التاريخ كما فعل في دراسته عن غومة المحمودي، أو يدرس الأدب الشعبي كما هو الحال في دراسته المجتمع الليبي من خلال أمثاله.

ولعل هذه الدراسات أن تكون مواضيع لمناقشاتنا القادمة لهذا الكاتب الرائد.


* * *

نشر في صحيفة الاسبوع الثقافي 1972



________________________________



أين موقع المصراتي في حياتنا الأدبية

3

 

أمين مازن


رأينا في المقالين السابقين من هذه الدراسة التي أردنا لها أن تضطلع بمسؤلية تتبع مسيرة الأستاذ المصراتي في حركتنا الأدبية، بهدف تحديد دوره في هذه الحركة وتبيان موقفه منه وذلك من خلال الأمثلة التي ارتفعت في عالمنا العربي، أو تلك التي استفادت منها.

ولقد وصلنا في تلك الدراسات إلى التقرير بأن الأستاذ المصراتي لم يستفد من الدراسات الرائدة التي قدمتها أقلام طه حسين وعباس العقاد ومحمد مندور، وغيرهم عند دراسته للشارف، بل لقد انتهينا إلى نقطة أكثر وضوحاً عند حديثنا عن دراسة الأستاذ المصراتي عن إبراهيم الأسطى عمر خلاصتها أن المصراتي لم يؤثر في تطور الدراسة الأدبية في بلادنا، ولم يجار المستوى الناضج الذي برز في كتاب جيل الطليعة.

ومن الواضح أننا نحتاج إلى المزيد من الأدلة والمزيد من المناقشة لدراسات الأستاذ المصراتي، بحيث نعطى لهذا الرأي صحته، ونلتمس له مسبباته.

ومن هنا كان لابد أن نتعرض إلى جانب آخر من جوانب دراسات الأستاذ المصراتي، وكان من الضروري مناقشة دراسة الأستاذ المصراتي في مجال الأدب الشعبي.

ومن هنا كان لابد أن نتعرض إلى جانب آخر من جوانب دراسات الأستاذ المصراتي في مجال الأدب الشعبي.

والحقيقة أن مناقشة الأستاذ المصراتي في مجال الأدب الشعبي، ليست بالقضية اليسيرة أو تلك التي لا تستحق الوقوف كما قد يقول البعض، وذلك لأن الأستاذ المصراتي سبق له أن منح الجائزة الأولى في مجال الأدب الشعبي أثناء المسابقة الأدبية التي نظمتها اللجنة العليا لرعاية الفنون والآداب سنة 65، ولأن الأستاذ يقرر في مقدمة كتابه هذا بأنه يلقى بالمفاتيح أمام الآخرين.

ومن جهة أخرى لأن الأدب الشعبي يعتبر من أهم ألوان التعبير التي اهتم بها الدارسون، وهو بالنسبة لثقافتنا العربية يعتبر من أكثر ألوان الأدب تعبيراً عن هموم الناس، حتى لقد رأينا مؤسس علم الاجتماع العلامة ابن خلدون يخصه بوافر عنايته.

وما من شك في أن الأدب الشعبي في بلادنا كان ولا يزال الوعاء الأمين الذي حفظ تاريخنا الوطني، وعبر عن شخصيتنا المميزة وأن كل نظرة إلى المأثورات الشعبية والأهازيج وأغاني الأفراح وأغاني الحصاد لتعطى الدليل القوى على أهمية هذا الأدب، وخصوبته وجدارته بالدراسة والبحث.

ونحن لا نستطيع أن نناقش دراسة الأستاذ المصراتي عن هذا الفن الرائع إلا بالتعرض للدراسات التي عرفتها المكتبة العربية عن هذا الفن العظيم، لنرى بعد ذلك هل استفاد الأستاذ أم لم يستفيد من محاولات السابقين ؟ .

وفي تصوري أن أبرز مثال ارتفع في ميدان دراسة الفنون الشعبية، هو الأستاذ أحمد رشدي صالح وذلك من خلال دراسته الجادة التي عرفتها المكتبة العربية قبل سبعة عشر سنة خلت أي قبل صدور كتاب المصراتي بسبع سنوات،وأعني به كتاب ( فنون الأدب الشعبي ).

و لست أريد هنا أن أكرر آراء الأستاذ رشدي صالح ولكن الذي أحب أن أقف عنده تلك الطريقة الرائدة التي اتبعها ذلك الأستاذ العميق النظرة، الغزير المعرفة.

لقد مهد لنا أولا ًبتعريف واسع للأسماء التي اهتمت بالفن الشعبي عربية كانت أم أجنبية مبيناً هويتهم الفكرية ومنطلقاتهم الفلسفية، مشيراً إلى الأخطاء التي وقع فيها بعضهم والنجاحات التي تهيأت لبعضهم الآخر، ومن ثم أخذ يدرس فنون الأدب الشعبي في وادي النيل مقسماً بحثه إلى أقسام مختلفة، ثم مستعرضاً النصوص التي تركها الشعراء الشعبيون من مواويل وأغاني وغيرها.

وهكذا يستطيع قارئ دراسة الأستاذ رشدي صالح أن يكون فكرة ممتازة عن فنون الأدب الشعبي في وادي النيل، وصولاً إلى فلسفة هذا الأدب والمناحي التي طرقها الأدباء الشعبيون عبر مسيرة الإنسان في تلك الأرض وما كابده من صنوف العذاب والتخلف منذ عهود قديمة موغلة في القدم، تماماً مثلما تتضح أمامه رؤية الأستاذ رشدي صالح التي تكونت – كما يرويها لنا الفصل الأول – عبر معاناة عميقة ودراسة موسعة للمصادر التي عرفها تاريخ الأدب الشعبي، بحيث تظافرت جميعها على تكوين شخصيته الأدبية التي تفهم عن نظرة مستقلة وثقافة لا تعرف الأحكام المسبقة على الإطلاق.

ولنا بعد هذا العرض السريع أن نسأل:

كيف درس الأستاذ المصراتي أدبنا الشعبي في كتابه هذا ؟

إذا ألقينا نظرة على المقدمة الموجزة ظهرت أمامنا أشياء كثيرة، أولها أن الأستاذ المصراتي بدأ يستشعر المآخذ التي سجلت عليه وفي مقدمتها السرعة التي تطبع كتاباته:

(( وقد يلوم عليّ بعض الناس السرعة في الكتابة، ولكن يا سيدي ماذا أصنع وكيف المخرج، والدراسات متزاحمة كل منها يريد أن يقفز إلى الورق ويخرج للقارئ، وأرى أن إعطاء المفاتيح وطرق الأبواب وتسليط الأضواء خير من التلكؤ والتباطؤ)).

ويضيف: (( هنا أستعرض جانباً من أمثال الشعب، وحياة الشعب، وسيكولوجية الشعب على طريقة العرض وإلقاء النظرة )).

إنه إذن يقرر بأنه يعطى المفاتيح لنا معشر قرائه ويؤمن بأنه يقدم شيئاً عن نفسية الشعب، فهل يعزز كتابه ما سبق أن قال به؟ .

لنمض قليلاً مع الفصل الذي أطلق عليه الأستاذ كلمة تمهيد، وتحت عنوان على مسرح الأحداث، وانطباعنا أن الأستاذ قد عجز عن تحديد هدفه من الدراسة، ففيما نراه يشيد بالأدب الشعبي ، نلتقي به بعد ذلك يخشى أن يكون في عداد الذين يدعون إلى الكتابة بالعامية لأنها – كما يقول – مؤامرة استعمارية، وفي هذا القول ما فيه من التناقض بالنسبة للأستاذ الذي نراه بعد ذلك يقول بالحرف الواحد:

(( للأدب الشعبي مجالاته وميادينه كالأدب الفصيح، الأدب العربي المكتوب.. لغة الكتابة قد لا تصور في صراحة وجرأة ما تصوره كلمة عابرة في مثل سائر، أو ما تحكيه قصة ساذجة أو ما يكن عنه معنى فطرى )).

ذلك أنه إذا كان الأدب الشعبي بهذا المستوى الذي عبر عنه بالجمل الأولى، فلماذا ينعت الذين نادوا بالكتابة العامية بأنهم عملاء للاستعمار ؟ ثم متى كانت السذاجة والمثل السائر في مستوى التفكير العميق لولا أن الأستاذ يلقى بكلماته عرض الحائط وطوع الحماس.

ومن عجب أن الأستاذ المصراتي يقع في نفس الخطأ الذي أخذه على غيره من الباحثين حين يقول: (( لا يفوتنا أن نذكر أن القدامى من الأدباء والكتاب لم يهملوا أمثال العامة في عصرهم . . صنعوا شيئاً من هذا دون دراسة وبحث ومحاولة للتحليل وهو جهد مشكور، وهى لفتة قيمة )) . ويذكر في هذا الصدد الميداني والأصفهاني وغيرهما ، ثم يأخذ عليهم انعدام التدقيق والتحقيق والمعيار .

إن هذا المأخذ الذي يأخذه الأستاذ المصراتي على القدامى هو ذاته الذي نأخذه عليه والذي يطل علينا منذ الفصل الأول من الكتاب ( عبارات ومصطلحات من أدب المجتمع ) حيث نجده يستعرض الكثير من العبارات التي لا علاقة لها بأمثال المجتمع موضوع كتاب المصراتي . لقد ظل على مدى مائتي صفحة من الكتاب يلقى بالأحكام العامة والجمل الحماسية، ومن ثم لم يستطع أن يتتبع مسيرة المثل الشعبي، لقد وقف أمام الأمثال شارحاً تارة غير متقصٍّ لها تارة أخرى.

أين هي فلسفة المثل الشعبي ؟ أين هو ارتباطه بالمجتمع الليبي ؟ ما مدى تأثير سنوات النضال على مسيرة المثل ؟ كيف انعكست فترات التسلط التركي و الاستعمار الإيطالي على الأمثال الشعبية ؟ .

ولو حاول الأستاذ المصراتي أن يستفيد من منهج الأستاذ رشدي صالح الذي سبق أن تعرضت له ، وطبق طريقته في البحث لاستطاع أن يحقق نصيباً وافراً من النجاح، كأن يكتشف الجسور التي تربط المثل الشعبي في بلادنا ببقية الأقطار العربية وأن يسبر أغوار النفوس الصادقة التي ظلت تصارع وتعيش فوق هذه الأرض الكريمة المعطاءة.

لقد انتبه إلى هذه الطريقة محمد إبراهيم أبو سنة في كتابه ( فلسفة المثل الشعبي ) فاستطاع في كتابه الصغير الذي صدر سنوات أن يدرس فلسفة المثل الشعبي والقيم التي يزخر بها، فأرجع النزعة الفردية إلى ظروفها ومسبباتها، والنزعة الجماعية إلى شروطها و أوضاعها، فلم يتورط في الأحكام العامة، ولم يلجأ إلى أساليب الوعظ وعبارات الخطابة، وإنما راح يدرس من خلال التطور العمراني، والواقع الاقتصادي وتغير أساليب الإنتاج، ورغم أن صفحات الكتاب لا تزيد عن مائة وأربعين صفحة من الحجم الصغير، باعتباره صادراً من ( سلسلة الجيب ) إلا أن قارئه يستطيع أن يخرج بزاد واسع من المعرفة الصادرة عن وجهة نظر تكونت من خلال الدراسة الواسعة والثقافة العميقة، لنقرأ له وهو يناقش موضوع الصبر:

(( والحقيقة الواعية لا تبيح لنا أن نقول في صراحة مطلقة أن الصبر والتسامح كانا سلاحين من أسلحة المقاومة على طول التاريخ، ولا يبيح لنا نفس المنطق أن نعتبرها هروباً مطلقاً من الواقع وتعبيراً عن العجز عن مواجهته، فكلا الموقفين سيبدو متكلفاً ومنفعلاً إذا أردنا الانطلاق أن يحيط بهما، فنحن نميل إلى الإيمان بأصالة الروح الثورة المتحفزة دائماً على التمرد والانطلاق . ووجود المقاومة ثابتة كحقيقة جبرية كما ذكرت سلفاً ولكننا لا نغفل أن أثواباً ثقافية معينة كانت تصافح بوعي الذين تؤذيهم المقاومة، وتلحق بهم الضرر، وكانت تفرض بطرق مؤثرة على الوعي الشعبي في فترات كثيرة من مراحل التاريخ، وفي ضوء هذين الاعتبارين اعتبار الأصالة الثورية داخل القواعد الشعبية وعنف السيطرة الرجعية نستطيع أن نقف باعتدال أمام فلسفة الصبر والتسامح كنوع من المقاومة الشعبية )).

ذلك مقطع مما كتبه محمد إبراهيم أبو سنة، وهو مقطع يدل كما نرى على مدى التفكير الذي أعمله هذا الكاتب وهو يدرس المثل الشعبي منطلقاً من فكرة أبعد. ولكي لا يتبادر إلى ذهن أحد أننا نرمي إلى فرض وجهة نظر معينة على الأستاذ المصراتي أو نريد أن نلزمه بمنهج في الدراسة، أحب أن أشير هنا إلى دراسة أخرى صدرت للكاتب التونسي البشير الزديبي بعنوان ( التربية التونسية والأمثال الشعبية ). وهو كاتب يختلف عن مدرسة محمد إبراهيم أبو سنة ومع ذلك استطاع أن يقدم في دراسته هذه الكثير من المثل الشعبي التونسي.

لقد أفلح في تقديم ملامح الشخصية التونسية من خلال المثل الشعبي ذلك بعد أن تسلح لها بالاطلاع الواسع فأمكنه أن يمهد بنظرة عامة حول تطور الدراسات التي عنيت بهذا النوع من التعبير الإنساني، ومن ثم أخذ يدرس مواضيع المثل الشعبي.

إن هذه الدراسة التي كتبها الأستاذ المصراتي عن الأمثال الشعبية هي – بلا تجنٍّ – دراسة ناقصة وغير محددة الخطوط، فلم تكن قاموساً للأمثال ، ولم تكن تحليلاً لفلسفة المثل ولا تضيف إلى رصيد الأستاذ المصراتي في مجال الدراسة الأدبية أي زاد.


ولا شك أن الأستاذ المصراتي قد جنيَ على نفسه وعلى قرائه بها، ولقد ضاعف من ذلك عدم متابعته لكتابه الذي سبق أن نال عنه الجائزة سنة 65 ولم يطبع حتى الآن، إذا لو سعى إلى طبعه لأمكنه أن يعطى الفرصة لنا معشر قرائه أن نتعلم منه أكثر فأكثر، ونناقش إنتاجه على نحو أكثر تفصيلاً.

أما وأنه اكتفى بكتابه هذا فليس أمامنا إلا مناقشته بالطريقة التي أتاحها لنا، تاركين أمر دراسته الثانية إلى حين صدورها إن كتب الله لها الصدور.


المراجع:

* خليل مطران، تأليف الدكتور محمد مندور.

* الحنين الظامي، مقدمة كامل المقهور.

* الحنين الظامي، مقدمة خليفة التليسي.

* عبد الوهاب البياتي والشعر العراقي الحديث، الدكتور إحسان عباس.

* الشريف الرضي، الدكتور إحسان عباس

* الشابي وجبران، خليفة التليسي.

* مجلد جريدة فزان سنة 58 م .


* * *

نشر في صحيفة الاسبوع الثقافي 1972


_________________________________

 

شيء من ترددنا

أمين مازن

لم تتجاوز «وقدات» الأديب الكبير والمثقف المميز المرحوم عبدالله القويرى الذي حلت ذكراه التاسعة عشرة يوم أمس «17 - 11 - 92» المائتي ونصف المائة من الصفحات،

فرغت في فصول بلغت الـ «25» ،حمل كل فصل منها إضاءة حول تجربة هذا الكاتب في تجلياتها الذاتية، وشبه العامة، مما يجعلها أحرى بأن تعرض الموجز من الأعمال، إلا أنها من حيث الدلالة وفرت الكثير من المفاتيح التي يستطيع كل قارىء منصف أن يقف من خلالها على مجمل المؤثرات التي شكلت شخصية هذا الأديب المعطاء الذي دأب على الكتابة حتى الرمق الأخير من حياته، هي تجربة انعكست قبل أن يكتبها هكذا في الكثير من أعماله ومواقفه أيضاً، كما أنها من جانب آخر، لو وجدت المناخ الأكاديمي الحقيقي لأثرت عديد الرسائل الجامعية المختصة بفن السيرة، وتفرعاته الكثيرة، باعتبار القويري قد مثل تجربة ذات خصوصية، قوامها المولد والدراسة في المهجر المصرى، حيث إقامة الأسرة التي وإن قاربت الثلاثة عقود في حساب السنين، شهدت ضمن ماشهدت رحيل والد كاتبنا، إلا أنها ظلت مشبعة بحلم العودة إلى الوطن، واستشعار الغربة والإحساس بأن الواقع المصري يخص أبناءه وليس أولئك الوافدين الذين أوجدتهم ظروفهم الخاصة، وعليهم أن يكونوا دوماً مستعدين للمغادرة، إذ لا حق لهم أن ينخرطوا في حياة مستضيفيهم إلى الحد الذي يجعلهم أطرافاً في أي صراع كثيراً ما دارت رحاه بين مختلف القوى، بداية من الفلاحين الذين لايقبلون بمن سواهم كي يملك الأرض ووصولاً إلى الحرم الجامعى الذي شهد هو الآخر الكثير من الحركة السياسية، علناً وسراً، ولم يفلح في استدراج القويرى إلى خضمه والتحرك داخله، إذ أنه بحسب الوقدات ينتظر زوال الظروف القاهرة، فيعود ضمن من يعود ويقوم بما يراه الأهم والأجدى.

والحق أن صورة هذه الحياة تبدو جلية كل الجلاء عبر الحوار الذي طالما دار بين الفتى الصغير والشاب فيما بعد «عبدالله» حيث يلوح عالمان مختلفان : أحدهما المتمثل في ذلك الحيز الذي اختاره المهاجرون في معيشتهم في قرية سمالوط بصعيد مصر، حيث احتفظوا بكل تقاليدهم التي هاجروا بها من بلد النخيل والتجارة البسيطة «مصراتة» إلى حيث الصعيد وتقاليده وأعراف أهله، فتفرض شروط الحياة المشتركة ولاسيما عشية انتساب القويرى للدراسة الجامعية، فيذهب إلى تلك العوالم محكوماً بتلك الهموم، فنراه يقبل على التزود بالمعرفة دونما تحفظ، ولكن عند الموقف العملى يختار موقفاً آخر، وتعجز الحاجات زميله «وليم» عن اقناعه بالانتساب لأي تنظيم من التنظيمات حتى عندما حاول إثارته بتهمة «البرجوازية» وما تحمله من وقع سيء لدى كل من عرف التيارات اليسارية في الفكر.

إنها الصورة التي تبدو أكثر وضوحاً عندما عاد عبدالله القويرى إلى الوطن، وأقام في بنغازى، واقترب منه من اقترب على خلفية ما عرفوا عنه في الحرم الجامعى المصرى، الذي كان بعضهم قد دخله وتحرك داخله، ومنهم من أبعد عنه قسراً، فكان موقف القويرى الذي ألمح إليه في الوقدات، فالوقدات والحالة هذه ليست سيرة مقفلة، وليست عملاً متخيلاً بقدر ماهي وثيقة اقتضت ظروف الواقع أن تكون هكذا، غير أننا نستطيع أن نستعيد من خلالها صورة الشريف الماقنى الضليع في اللغة الإيطالية، وبلقاسم بن داوود المولع بلباس «الكاكى»، وحقبة مهمة من تاريخ ثقافتنا وشيء من ترددنا

________________________________

نحو مفهوم حقيقي للثقافة

 

كثيرا ما تكون المظاهر والشكليات من الأمور، هى الطابع المميز لكل نشاط فكري أو عمل ثقافي تغلب عليه السطحية ويسيطر عليه القصور الواضح، ومع ذلك تكتب له السيادة بعض الوقت، ويستقر له الأمر عن غير جدارة بالطبع، ولا سيما في فترات الجذر ولحظات التذبذب والعجز في مواجهة هجمة الآخر، حين يكون الاستهلاك هو السلوك الشائع والطموح الفردي هو الأسلوب المتبع ويغدو الإنصراف إلى الإنتاج وتنمية المداخيل وترشيد الانفاق من الأمور المكروهة والسياسات الممقوتة فتسود تبعا لذلك الروح السلبية بمظاهرها الكثيرة والمتعددة في ذات الآن ، انها الروح القائمة على الاكتفاء، بالقشور دون اللب والوقوف أمام النتائج دون التفكير في البحث عن الأسباب، عندما تحل نازلة من النوازل أو معضلة من المعضلات التي تتصل بواقع الناس وتنال من أية قدرة من قدراتهم وخطوط مصائرهم .

انها المنظومة المكتملة لتلك العقلية البائسة التي كثيرا ما تداري يأسها وقصورها بالسير نحو عدو موهوم، واختلاق سبب مفتعل أثناء معالجة مشكلات الواقع حتى وان كانت الحقائق مجتمعة تقول بعكس هذا المنطق .

وكنتيجة لهذا الواقع المزري، وفى اتجاه التعبير العاجز عنه، والموقف السلبي إزاءه يكتفي "المثقف العربى التحرير" الذى لم يلتزم بأي مشكلة من مشكلات الواقع الذى يعيش فيه يوما، ولم يصطدم بالسلطات المتحكمة جورا وعدوانا في مصائر الملايين من أبنائه يوما، ولم يدفع ثمنا لموقفه هذا من أى شيء يمس حياته أو مصالحه، يكتفي هذا المثقف وكلما حلت في الحياة أحداث جديدة وعصفت بالأمة أهوال ومخاطر...يكتفي هذا المثقف وكلما حلت في الحياة أحداث جديدة وعصفت بالأمة أهوال ومخاطر، يكتفي بأن يفرك يديه وهو منتش حتى الثمالة بأعطية نالها من احتياجات ملايين الجوعى والمحرومين بعد ان جرى خلفها حتى خضبت بالدماء نعلاه، ويجذب نفسا عميقا من لفافته باهظة الثمن مفرغا جام غضبه على الجماهير الغبية (حسب فهمه بالطبع) التي لم تعرف قدره المعرفة اللازمة ولم تقدره التقدير الكافي، ولم تستطع التوصل إلى نبوته الفذة واكتشافاته العظيمة التي قام


بها منذ سنين طويلة حول كل رأي يقول بمسئولية الكاتب عن أى حرف يكتبه وضرورة ان يكون لما يكتب معنى من المعاني التي تشكل الموقف الايجابي من الحياة والناس، ومقاومة

مختلف القوى التي تحاول ان تحد من وجهة السير الصحيحة ناسيا أو متناسيا ان كل كتابة تغفل هذه الحقيقة ستقع بالضرورة في دنيا التجريد، وعالم المطلقات وستؤدي في النهاية إلى التقاعس عن كل ما هو جدي وهام رغم ان الأمر يتم تحت شعار حرية المثقف وعدم التدخل في العملية الإبداعية التي يقتلها بحسب هذا الفهم الممعن في التبسيط أى شكل من أشكال المسئولية وأى مراعاة لسلطان المنطق .

وتبدأ مراسم العرس بعد ذلك في معظم الساحات العربية عبر الفنادق الدرجة الأولى والممتازة وعلى قنوات الشاشة الصغيرة ومختلف وسائل الإعلام، إدانة لا هوادة فيها للاستعمار وأعوانه المتآمرين على الوطن العربى ووحدته وأمنه، حلقات متعددة ولقاءات متتالية لا تكتفي بفنادق العرب على كثرتها بل ربما تتعداها إلى اوروبا ذاتها ابتداء من أثينا ونيقوسيا ووصولا إلى باريس وروما وغيرها من تلك العواصم الكبيرة .

انها مسرحية تمثل بأبطال معروفين بيد ان المرء لا يعرف ماذا سيفعل؟ هل يضحك ملء شدقيه أو يبكي حتى النهاية، هى مسرحية بدأت منذ سنوات لكنها اليوم أمست مثيرة للأسى باعثة على الاستفزاز وتوجب على كل من لديه قدرة ما ان يسرع بوضع حد لها بعد بحث أمرها بكل صراحة ووضوح .

ان الامر لا يكون كذلك أو لا يهم كذلك إلا عندما يستعرض المرء قائمة الأسماء التي تشارك في مثل هذه اللقاءات والتي لكثرة ما تكررت وتكرر حضورها يمكن للمرء ان يستعرضها من الذاكرة، إنها أسماء تفقه في شئون الوحدة العربية وفى المتغيرات الدولية وفى قضايا الإبداع الأدبي والنشاط الفني، تتصدى لمعسكر داوود ثم تأتى مرة أخرى تبشر بوحدة الصف وأخيرا وليس آخرا تؤسس الشركات التجارية لتنتج وتسوق الإنتاج الأدبي والفني !!.

عوالم هذه الأسماء فنادق الدرجة الأولى وفى الغالب المرديان بدءا من الدار البيضاء وتونس غربا ووصولا إلى دمشق وعمان شرقا مرورا بطرابلس بالطبع، وفى محافظة واضحة على الطقس السياسى في هذه المدن مجتمعة، ندوات متعددة واجتماعات متكررة وضجة إعلامية كبيرة وقاموس من الكلمات المحفوظة عن ظهر قلب.

ان المواقف تختلف إزاء هذا النوع من اللقاءات كما ان المشاركة أيضا تختلف، هناك من يذهب إلى مقاطعتها انطلاقا من الإيمان بعدم جدواها وهناك من يقول بضرورة المساهمة بهدف دفع الأمور في اتجاه الأفضل والأجدى من الشكل الذى أومأنا إليه إلى شيء آخر أكثر ايجابية وادعى إلى توفير المناخ الملائم للتحرك الجاد، ولو بكلمة احتجاج غاضبة أو تعقيب سريع ولو باستغلال الإمكانيات في اللقاءات الثنائية بين القوى المتحددة هدفا المتباعدة مسافة، ان حجة هذا البعض هو العمل على اقتلاع كل ما هو رديء وغير جاد كل ما هو مكرس للاحتراف ليسود بعد ذلك كل ما هو جميل ورائع ومنسجم كل الانسجام مع روح العصر ومستجداته وما دأب على فرضه من خيارات جديدة تقوم بالدرجة الأولى على تقديس الحرية والنوع ووضع حد لكل ما أحادي فكرة أو تنفيذا .

ان اللعبة قائمة إذن بين ما هو كائن وبين ما يجب ان يكون بين من يريد ان يسخر الأمور لما هو شكلي وما هو مخالف للثقافة بمفهومها الحقيقي ورسالتها الشريفة وبين من يريد ان يدفع بها نحو كل ما هو ايجابي ومتناسق مع حركة الحياة الكبيرة، ومن ثمة فليس هناك ما يدعو إلى الضيق ويبعث على الأسى طالما ان القضية قضية معركة بين قطبين للصراع بصرف النظر عن مبدأ التكافؤ .

ومثلما يكتفي المثقف الذى لم يلتزم بقضايا الواقع يوما ولم يصطدم بقوى القمع والتسلط يوما، وفى الوقت الذى يحظى فيه بما هو أعلم قبل غيره بعدم استحقاقه له، ويصب جام غضبه مع نفس من لفافته باهظة الثمن على الجماهير "القاصرة" عن معرفة ما يدرك والعاجزة كذلك عن تقدير ما علم منذ سنين طويلة ، فإن ذلك لا يعنى ان اللعبة قد انطلت وان المعركة قد حسمت أو ان التاريخ قد أسدل ستارة من النسيان على كل شيء، لأن الحقائق لم تقلب بما فيه الكفاية، بل حتى وان تم ذلك لبعض الوقت فإن التاريخ ليس في صالح هذه اللعبة نعني لعبة المثقف المتفرج .

ذلك إنه إلى جانب هذا الواقع السيئ وفى كل الساحات العربية وأينما التقى المثقفون الذين يمارسون مثل هذا السلوك من هواة الفنادق الفخمة والتحرك بواسطة المراسم وارتال السيارات الفارهة، هناك من يدرك لعبة أخرى تديرها دائما القوى الحية التي تضع هذه اللقاءات في حجمها الحقيقي ضمن سياق حركة المجتمع وتناقضاته الكثيرة وما تتركه العوامل والمؤثرات المختلفة .

هناك قوى تتصدى للارتزاق وترفض كل شكل من أشكال الاحتراف وتحويل العمل الثقافي إلى نوع من المضاربة ان جاز للمرء ان يعبر حتى يشيع التناقض والتذبذب وعدم الثبات في أى شيء لدرجة أمست تثير أعصاب أكثر الناس اتزاناً وأكبرهم هدوءا ، بل لعل الأنظمة التي تنفق على كل أو بعض هذه اللقاءات غدت اليوم أشد ضيقا منها من أى مكان، وأشدها إيمانا بعدم جدواها وفشل مساهمتها مهما تظاهرت بغير ذلك طبقا لقواعد المجاملة المعروفة .

حقا ان هذه القوى المتصدية ما تزال تعاني من التهميش تواجه أنواعا من التغييب وسوء الفهم حتى في أكثر الساحات العربية تبنيا لشعارات التقدم ومناداة به، بل لعلها في بعض هذه الساحات بالذات تعاني من ضيق ذات اليد، لكن المهم في الأمر ان هذه القوى تظل تواجه واقعها وتقدم إسهاماتها على نحو يهز التخلف بعنف ويواجه سوء الفهم بضراوة، ويكشف ألوان الزيف بكل قوة، مما يجعل اللعب تدار دائما بشكل مختلف عما يريد دعاة التبعية وأعداء التطور بحيث تظل الأمور تسير دوما في اتجاه ترسيخ كل ما هو جدي وخال من كل الشوائب والطفيليات .

ان الخطوات كثيرا ما تكون بطيئة أو هكذا يلحظها المرء والصعوبات كذلك أكثر من ان تحصى وربما تبدو أكبر من ان تواجه كما ان عوامل الضعف وأسباب اليأس تظهر أحيانا أكثر قدرة وأشد فاعلية غير ان الإرادة والتصميم تفوقان في نهاية المطاف كل شيء آخر.

ان القوى الجادة لا تتشبث بالأشياء لمجرد التشبث وانما لإيمانها القوي وثقتها الأكيدة ان خياراتها تنبع من ضرورات محلية وشروط يفرضها الواقع بالمقام الأول، ذلك ان الأفكار وفقاً لهذا الخيار بالذات تأتى لخدمة الواقع وبهدف السعي إلى تطويره وإثرائه، وليس العكس كما يصر عبدة الفلسفات وعشاق الجموح العقائدي .

اننا لن نكون مجافين للحقيقة أو مبالغين في حسن النية إذا قلنا ان ما يهم القوى التي نصفها بالخيرة والنيرة في ذات الوقت وهو تطوير بالواقع الذى تعيش فيه وتنطلق منه وخلق أفضل الظروف الكفيلة بالرقي واكتشاف أنجح السبل لعلاج مشكلاته الكثيرة وأمراضه المزمنة وهى تأسيساً على ذلك تدرك قبل غيرها وتجهر بإدراكها هذا أيضا ان كل النظريات والأطروحات المنبثقة عنها ليست وصفة طبية جاهزة تستطيع ان تحل كل المشكلات دفعة واحدة، لأن حل كل مشكلة من المشاكل سيؤدي بالضرورة إلى خلق مشكلات جديدة ستوجب هى الأخرى البحث عن حلول جديدة لها وسعي دؤوب من أجل تحقيق مثل هذا الحل، قد تكتشف المشكلة المستحدثة بسرعة وقد يتأجل اكتشافها بعض الوقت على ان الأصل في الأشياء ان المشاكل من طبيعة الحياة وان الاصطدام بها سنة من سنن الكون وعلامة من علامات التطور والخروج من دائرة السكون الذى هو الموت بعينه.

من أجل ذلك تظل هذه القوى التي نصفها بأطيب الأوصاف وأكرمها وأجمل النعوت وأفضلها تظل دائبة الدعوة إلى توسيع المشاركة وإعطاء مزيد الفرص للرأي والرأي الآخر، وهى تتمسك بدعوتها هذه على شتى المستويات وأيا كان نصيبها من مسيرة القرار، بل انها لذلك وبسبب منه تدرك وتتمسك بإدراكها ان كل تعطيل للحوار أو تقليل من فاعليته لن يكون له من دور سوى إفساح الطريق أمام التطرف ومن ثم الحيد البيّن عن كل ما هو عصري ومتفق مع منطق التاريخ .

وهى بذلك وبسبب منه تراهن وتثق في كسب رهانها ان المثقف الذى يفرك يديه داخل صالات الفنادق الكبيرة مثيرا للجعجعة حول المتغيرات الدولية ومختلف القضايا التي لا تهم واقعه بشكل مباشر ولا تسجل موقفا ايجابيا من هذا الواقع، ان مثل هذه المشاركة لا تشكل أية خطوة إلى الأمام ولا تضيف إلى التجربة الإنسانية الكبيرة أى شيء يذكر بقدر ما تعني الإمعان في الهرطقة والاجترار .

ان الأمور رغم كل ما سبق ما تزال تسير نحو الأفضل وان قطار التقدم يقطع مسافات لا بأس بها وان الحياة كذلك ليست راكدة وليست خالية ممن يواصل التحرك في شموخ ظاهر وإصرار واضح وتصفية مستمرة في تحد لكل المصاعب ورفض لكل الانهيارات وجمع صفوف الانكسار في سياق متين بربط المحلي بالقومي بالإنساني.

بنفس المقدار وبذات الشروط يذهب المثقف الذى اختار الطريق الآخر وآثر مقاطعة حركة التاريخ ومخالفة قوانينه الثابتة إلى هامش الأحداث، حتى وان خيل إليه بعض الوقت ان الامر ليس كذلك، حتى وان خدع نفسه بتصوره المزعوم وريادته المزيفة أو أية صفة أخرى يتم الوثوب عليها فيما يشبه السطو، عند غياب المالك الحقيقي والرقيب الشرعي، فطريق الخطيئة مهما طال قصير، وكل سيادة بنيت على باطل فهى إلى زوال أيضا مهما خيل للناس ان الامر ليس كذلك .

بقي علينا بعد ذلك ان نتحرك جميعا لمناقشة هذه الأمور بشكل أكثر تفصيلا وتناول أكثر تحديدا، سواء بواسطة الندوات المتخصصة أو الأبحاث المكتوبة أو الاجتماعات الموسعة ولم يعد ثمة ما يبرر الصمت أو الاكتفاء بموقف المراقب.إنتهى

_____________________________

حول مسرحـيـة جميلة لعبد الله القويري

أمين مازن

مسرحية جميلة واحدة من المسرحيات ذات الفصل الواحد التي دأب على كتابتها ضمن ما كتب من مسرحيات الأديب الليبي الراحل الأستاذ عبدالله القويري في منتصف ستينات القرن الماضي ، حيث جمع بين كتابة النص المسرحي والمحاضرات حول فنه وتاريخه ، وقد كان في تلك الفترة يخوض مغامرته الإبداعية المعبرة عن عمق انشغاله بأسئلة الواقع الليبي عبر أجناس كثيرة التنوع جمعت بين القصة القصيرة والمقاربات النقدية والتنظيرية التي كونت في مجملها المدونة التي تركها هذا الكاتب المعطاء قبل رحيله في تسعينات القرن الماضي بعد أن دأب على نشرها قبل ذلك مجزأة عبر الصحف والمجلات وغيرها من وسائل الأعلام ابتداء من مسقط رأسه في المهجر المصري وماتواصل فيه من صحف ثم عودته الى تراب الوطن ، فضلا عن إقامة قصيرة قضاها بتونس المضيافة كان أثناءها موضع احتفاء من مختلف أوساطها الشعبية والرسمية ، والمسرحية كما هو واضح من عنوانها ، مستوحاة من التجربة النضالية للشعب الجزائري عبر ثورته التي استقطبت الوطن العربي قساطبة ، ومثلت ليبيا واحدة من محطاتها ، بما شهدته طرابلس لاخطر اجتماعات قادتها . ومامثله الجو والتراب من طرق الدعم والمساندة ، حتى إن بعض المعارك كانت مشتركة كما حدث في الجنوب الليبي ، فأفرزت تبعا لذلك الكثير من النصوص الأدبية شعرا أو نثرا ولا سيما أثناء الأسابيع المتتالية التي كانت تنتظم في عديد المدن مناصرة لثوار الجزائر فيتنافس الناس في التبرع مثلما يتنافس حملة الكلمة في الخطابة والشعر والمقالات وكان في مقدمة من نحي هذا المنحني وربما أكثر من اجاد فيه أيضا هذا الكاتب وهو يسعى الى تأسيس خطابه الثقافي ورؤاه الفكرية ومواقفه من حركة الحياة والناس ، متوسلا بما أفلح فيه من حواريات من خلال سير عديد الرموز الذين وجد في تجربتهم مايمكن أن يكون أكثر قدرة على التبليغ بما كان يتطلع إليه من خيارات بدت له ربما أكثر صوابا ولو كانت صعوباتها بدون شك أكثر شراسة ، فكانت هذه المسرحية الموسومة بجميلة : جميلة بوحيرد وجميلة بوعزة ، حيث كانت الأولى أكثر استيلاء على وسائل الإعلام العالمية فيما كانت الثانية على مايبدو أكثر تعرضا للأذى ، وان يمكن التفريق هنا من الأمور التي تخص المؤلف أكثر من عداه ، أما المهم بالنسبة لنا معشر المتلقين فهو الكيفية التي سارت عليها أو بها الأحداث ومثلها الدلالات .

اختار الكاتب منظرا لعمله المسرحي في ساحة من ساحات أحد السجون المغلقة ليتفرع في منتصفها دهليز ، يمتد الى الداخل على جانبيه زنزانات ذات أبواب حديثة ضيقة ونوافذ مرتفعة تتشابك خلالها قضبان من حديد ، حيطان السجن من جهتها قديمة تبرز فيها قطع الأحجار ، إلا أنها متماسكة ، ويوحي النظر الى الرأي إن السجن تحت مستوى ارض الشارع ، توجد بعض الكراسي ، ومنضدة من خشب الأشجار ، وبعض أسياخ من حديد ، وسطلان الى جانب الحائط وكومة من جبال وسلاسل معلقة ، كما اقترح ، من باب الإسهام في الإخراج ـ بابا الى اليمين يفتح الى الخارج وظهور بعض الدروع التي تصعد الى الباب الخارجي مع سماع أصوات السيارات التي تغلق أبوابها بعنف وسرعة ، وقبل رفع الستار تسمع حركات الأقدام وأنين واهتزاز للسلاسل وأبواب الزنزانات ، ليفتح الستار عن جنود المظلات ، داخلين من الباب الخارجي وهم يجرون فتاة في الحلقة الثانية من عمرها بوجه شاحب مملوء بالكدمات متهالكة عن المشي بمفردها اسمها جميلة بوعزة ، ومن ثم تتو الى حركة الشخصيات التي أقيمت عليها المسرحية وقد جاء عددها في تسع شخصيات لاأكثر ، منهم السجانة والطبيبة ومدير السجن وضابط التحقيق والسجان وضابط الفلاش الى جانب جميلة بوعزة المغلوبة على أمرها مع جميلة بوحيرد التي حالت أحوالها الصحية دون ظهورها فكان غيابها حضورا ، فالحدث والحالة هذه هو ثورة الجزائر الذين مثلتهم جميلة بوعزة الى جانب الشخصيات الفرنسية الذين استدعتهم وظائفهم المختلفة لدى المستعمر الفرنسي ، فتنوعوا بين منحاز لما كلف به وماتربى عليه ومن تأثرت مواقفهم من خلال مسيرة الأحداث ومواقف الرأي العام وحركة الضمير الإنساني بواسطة حوار افلح الكاتب في اتقانه مقترحا له حركات وتعابير وربما مناظر يمكن أن تتكفل بتحقيق القدر الكافي من الإقناع وقبل ذلك التعبير من واقع الشخصية وتعاملها مع الأحداث وعديد المؤثرات . مثل السجانة مدام تأكيد التي نفهم من البداية إنها أرملة احد الفنانين الذين لقوا حتفهم برصاص الثوار الجزائريين عندما وجدوه مرتديا بزته العسكرية ، فاختارت عملها هذا حرصا على الانتقام له ، اما الضابط فهو ممثل البوليس السري الفرنسي الذي تفوق سلطته وبالأحرى مهمته سلطة المدير ، في حين تقف مهمة هذا الأخير ومثله المحقق في ضرورة استيفاء الشكل القانوني وعدم الإسراف في تعذيب الموقوفين خشية الموت تحت التعذيب واثر ذلك على سمعة فرانسا وهي تقاليد لايريد عثاة المستعمرين أن يتركوها تطال الجزائريين ، فهم بحسب الفهم الاستعماري أقل من أن يستحقوا مثل هذه الأشياء الجميلة إذ لم يدركوا بحسب هذا الفهم قيمة ماجاءتهم به فرانسا عندما عهدوا إلى مقارعتها دونما قدرة كهذا الذي تقوم به جميلة بوعزة ومثلها جميلة بوحيرد . لقد أنهك التعذيب جميلة بوحيرد حتى تعذر استنطاقها فتركت في زنزانتها وان ظلت الطبية " جاني " تتابع أحوالها ، فيما أفلحت جميلة بوعزة في الصمود إلى الحد الذي أذهل معذبيها وجعل بعضهم يتعاطف معها بنسب مختلفة ، فها هو جوزيف يحملها إلى الزنزانة ، غير متأثر بأراء المتعصبين الذين يرون فيها قذارة من القذارات التي ينبغي أن تجر على الأرض كما يجر أكياس القمامة ، ومثل هذا الموقف موقف الطبيبة إلى أمرت على عدم التحقيق لأسباب صحية مما استوجب التخفيف عليها . اما السجانة مدام تاكير فان تغير موقفها كان بنسبة مائة وثمانين درجة كما يعبر الهندسيون عندما عبرت عن تعاطفها بإحضار قطعتي من الشيكولاته أصرت جميلة بوعزة على رفضها ، لإحساسها أن هذا الموقف ينطوي على نظرة استعلامية وليس عن موقف صادق كما أحست بذلك مدام تاكير ذاتها ليتوالى بعد ذلك حوار مستقيض وشفاف حول معنى الكرامة والصدق وجوهر الأعماق والحقيقة الإنسانية وسؤال الحرية الذي كثيرا ماجعل من الجلاد أسيرا والضحية بطلا ، ويكون موقف جميلة بوعزة وهي ترفض الاعتراف وتصر على التمسك بأقوالها أكثر من مرة وهي تتعرض للتعذيب ووتتاوه من ألمها وتخشى من وخزات الكهرباء فلا تجد منجاة لها سوى مايمكن وصفه باليوغا وهي تتحدث عن ذلك الجميل الذي رأته واحبته واحب من جانبه جميلة بوجرد فيمدد ذلك مسيرة الأحداث ومواقف المجموعة والاكتفاء بأمور محضر للتحقيق ، دون أن نعرف ما إذا كان هذا المحضر يصدر عن السلب أم الإيجاب .

لقد بدت مدام تاكير مثالا للمرأة النموذج التي تحولت من سجانة إلى متعاطفة ظاهرة الشجاعة مصرة على التصريح بحقيقتها الإنسانية وجوهرها النضالي الذي يفصح عنه السرد المتقن الذي كثيرا ما يحيل إلى مايمكن وصفه بالمنلوج الداخلي المعبر بعمق عن أزمة الضمير وبالأحرى يقظته جراء رحلة المعاناة الطويلة الناتجة عن الحرب وقوة التناقض بين مايستشعره أولئك الذين يمثلون الاستعمار والذين يتولون الدفاع عن مواكب الحرية التي بهرت العالم وهزت الدنيا كما يظهر من هذه الفقرات .

" . . . ليست في حاجة إلى مساعدة مني . مساعدة تصدر عن إنسانة ، لا تشاركها ألمها ، بل تصارعها في ألمها . إنسانة تريد أن تحوز على شيء من ضعفها . كانت كلماتها كأنها سكيني تفرزها في أعماقي . سكين ملتهبة . ورغم أن كلماتها متقطعة من الضعف ، غائرة في حلقومها ، فقد أفزعتني أرهقتني . لم أعد أسمعها ، بل صرت أسمع ماضيها ، عندما كانت تخرج من منزلها وادعة كالحمامة ، تحمل الرسائل والمنشورات ، وفي بعض الأحيان تحمل المتفجرات ، ترى هل كان تاريخها البسيط هذا يستحق هذا العذاب كله . ربما كان الأمر يختلف بالنسبة إلى هؤلاء الرجال ! "

" كانت تعاني في مرارة صامتة ، فقد اجتازت مرحلة الألم ، إلى مافوق الألم . وصار جسمها باهتا نحيلا .. تهرب منه الحياة في رفق وحنق .. كان حولها عطف كبير يشملها ولا أعرف من أين تأتيها .. كانت عيناها تنظران في هدوء وراحة فيهما البداية .. فيهما كل شيء . إلا الحقد الذي تصورته أن لابد وأن يكون غايرا في نفس كل جزائري .. وكان أن سألتها عما تريد .. أجابتني وشبه ابتسامة على شفتيها .. أريد أن أسمع صوت إنسان.. تهالكت إلى جانبها ولم أدر ماأقول .. قلت كلاما كثيرا .. ولعلي أعترفت بماضي كله .. بما في نفسي .. بتاريخي الرهيب .. بمقتل زوجي .. بأحقادي التي تأكل صدري كانت بالنسبة لي في تلك اللحظة كراهب يسمع اعترفاتي .. وكانت القطعتان من الشيكولاته في جيبي ، وبحركة من يريد أن يعطي مثلما أخذ قدمتها لها .. ولكن هل تعرف ردها ؟ لقد رفضتهما قائلة .. بانها تستطيع المقاومة بدونهما ثم تمتمت قائلة : إن زوجك هو الذي قتل نفسه .. قتله حقدة كما سيقفلك حقدك . أنا سيقتلني الحقد ياسيدي المدير .. أنا بعدما أعترفت لها مازالت لم تغفر لي .. وأدركت شيئا .. نعم أدركت إني عندما قدمت القطعتين لم يكن ذلك بدافع التعاطف .. بل بدافع التعالي والتفضل والظهور بمظهر انساني .. أنا لم أعرفه .. أنا لم أعرف غير نفسي . غير شخصي بعيدا عن الناس .. عن المجتمع .. أما هي فلم تعرف نفسها إلا من خلالهم .. خلال جميع السائرين في سبيل المبدأ .. في سبيل الحرية .. في سبيل الإنسان .. إنها تعرف نفسها من خلال تاريخ مجتمعها .

فإذا ما قال المدير معقبا أن كلام المدام خطير ، كان ردها إن الأخطر هو إدراك معانيه أما إذا أضاف متسائلا عما إذا كان في إمكانه أن يذكر ماباحت به في التقرير على هيئة اعتراف لم تترد في القول بأن التقرير من يغير شيئا في الأمر . إذ أخذوا أقوالهم من حديث الضابط ، وليسو في حاجة إلى تقرير " روتيني " .

لقد أوصلها فهمها هذا إلى انتظار كل مايمكن أن يحدث من سوء إذ قد استوت عندها الأشياء . بل ولم تجد غضاضة في أن تحرض جوزيف زميلها في الحراسة ليكون أكثر شجاعة ويعيش ذات المشاعر التي صارت تعيشها من حيث سلامة الوقف الناتج من يقظة الضمير ، إذ كل ماعانته جميلة أكد أن خيارها الأسلم وقدرتها على الاحتمال أكثر ظهورا . هو ذات الشعور الذي توصلت به جانيني الطبيبة المشرفة على علاج المساجين من ذكور وإناث بدون شك الذين اختاروا معسكر الثوار أولئك الذين أدركوا أن " العذاب هو بداية الطريق لأفراحهم ـ كما تقول جانيني ـ لأشياء يرونها أما أعينهم .. السعادة لمعاني كثيرة قد لاتدرك أكثرها . هكذا خاطبت جانيني السجان جوزيف الذي كان طرفا في تعذيب الجميلتين على مايبدو وظل يتابع أحوالهما من خلال الإشراف على الزنزانات ولا سيما الأولى حيث جميلة بوجيرد و17 حيث جميلة بوعزة ، فيا تكون الأخبار قد وصلت إلى حيث ينتظر لها أن تصل ، عندما يصل الضابط الذي يأمر بإطفاء الأضواء أو هكذا يقتضي مشروع الإفراج فيما نرفع مدام شاكير صوتها موجها الخطاب إليه ـ الضابط ـ وهو يصل فجأة ربما لتقول في شيء من السخرية ـ ربما لم يكن بحجم ماأشعرنا به الكاتب .

" لقد أطلت غيبتك يا سيدي، إني انتظرك من وقت طويل لتتقدم متجاوزة الضابط سائرة للخارج فيحاذيها الجنديان ويصعدون الدرج درجة درجة في خطوات بطيئة .. فيعلن الضابط أن السجن محاصر وساعتئذ لاتخور قواها ولا تقع أرضا من شدة ما حدث ولكنها تظل حيث هي فقد اختارت ما وعت ، ليقترح النص إضاءة يكون أكثرها وضوحا ذلك الضوء الذي يظهر من الزنزانة رقم "1" حيث جميلة بوجيرد ومثلها تلك التي تبدو من بعيد حاملة الرقم 17 حيث جميلة بوعزة وتكون الشحنة الشعورية المترتبة على الخشبة المفترضة والحوار المكتوب بما يشبه دم القلب أكثر وقعا وأقوى تأثيرا على المتلقي حين يدرك أهمية أن يكون للإنسان موقف وللإدارة وجود ، ويبقى النص بمنآي عن محاولات الواقع المسرحي الذي سادته النصوص الأكثر مباشرة والأدنى إلى مايسود الحياة من انشغال ، فلا يصدر عن المؤلف تصريح لأي وسيلة من وسائل الإعلام يدافع من خلال عن نصوصه أو يروج لها .

ولا يروي عنه قول ينال من تلك التي كانت تملاء المسرح ولكنه يظل باستمرار في مقدمة القائلين بأن تلك النصوص التي لم يكتبها هي جزء من تجربة لها حضورها في مواطن كثيرة . ولها من المقبلين عليها والراغبين في مشاهدتها ما جعلها أقدر على المنافسة القوية ، أن صح أن تكون المنافسة على هذا النحو ، بقي بعد هذا أن نتذكر أن مسرحية جميلة وأن تكن قد استعارت الرمز الجزائري فضاء لها إلا أن أفقها الإنساني ودلالتها العامة تبدو متجاوزة نحو أسئلة أكثر صعوبة ، ربما يعثر عليها من يكلف نفسه عناء البحث في نصوص أخرى عند هذا الكاتب لتبدو له أكثر وضوحا .إنتهى

____________________________

تأملات في مسرح عبدالله القويري

الجانب الوضيىء

أمين مازن

نشــرت هذه المسرحية لأول مرة سنة 1965 ، في كتاب مستقل حمل عنوانها ، وقد جاء هذا النشر ضمن منشورات دار لبنان ان لم تخني الذاكرة وكان ذلك على حساب المؤلف نفسه ، كما علمت في حينه من المؤلف إذ لم يكن الكتاب الليبي وقتئذ يوزع خارج البلاد الليبية ، كما أن السوق المحلي من جهته لم يكن يتوفر على قوة شرائية من شأنها الدفع بالأديب الليبي كي يمضي في هذا الطـــريق ، اللهم إلا أولئك الذين لهم عزمهم الخاص . وتضحيتهم الخاصة ، شأن المرحوم عبد الله القويري . على أن المسرحية وغيرها من كتابات القويري ما لبثت أن وجدت فرصة نشر أفضل عندما صدرت ضمن مشاريع الأعمال الكاملة وشبه الكاملة التي اضطلعت بها الشركة العامة للنشر والتوزيع والإعلان التي تأست أواخر سبعينيات القرن الماضي ، ولكن دون أي تعديل عليها ، كما جاء في المقدمة الموجزة للمجموعة المسرحية التي حملت عنوان (( عشر مسرحيات )) الأمـر الذي أتاح الفرصة لقراءتها ، ضمن المجموعة المرفقة بها ، أخذا في الاعتبار لما كان سائدا من مجمل الظروف المحيطة والمؤثرة بالضرورة .

اقترح المؤلف لمسرحيته هذه من حيث المنظر العام الفضاء الجزائري في زمن حدده سنة 1950 ، وكان هو حي القصبة ، بمعنى ان التوقيت تمثل في الفترة التي اشرف فيها الثــــوار الجزائريون على إطــلاق شرارة ثورتــهم التحرير 1 / 11 / 54 وهي الثورة التي أنجزت مهمتها التحريرية قبل نهاية سنة 962 ، فيما كان صدور النص متزامنا مع الانقلاب الذي قاده الكولونيل هواري بومدين على حكم السيد احمد بن بله ، عقب تحالف ضمهما في وجه عدد من القادة الآخرين الذين كانوا يتوجسون خيفة من طموح هواري بو مدين ، أنهم القادة الذين نذكر منهم محمد بو ضياف ومحمد خيضر وبن يوسف بن خده وعبد الحفيظ بو صوف الى جانب حسين أية احمد الذي طور خلافه لاحقا الى تبني الموقف القبايلي واعتماد التحرك العسكري على حساب ماضيه اليساري ففي ذلك الزمن أمكن تنصيب السيد أحمد بن بله رئيسا لجمهورية الجزائر حيث دشن الحكم الشمولي اعتمادا على الدعم المصري ومشورة السيد فتحي الديب لياتي بعد ذلك انقلاب هواري بو مدين في نفس السنة التي نشر فيها القويري مسرحيته هذه ذلك الانقلاب الذي استطاع بواسطته الكولونيل بو مدين مواصلة المشوار المتمثل في ترسيخ الحكم الشمولي وتجلياته السياسية القائمة على تبني النزوع نحو تقوية الروح العسكرية وتنمية ترساناتها على حساب الإصلاح الداخلي وتطوير المسار الديمقراطي ، والإصرار على القيام بدور لا ينافس في المحيط الإقليمي وهي الملامح العامة لسياسة بو مدين والتي لم يصر إشعاعها سوى ما اتصف به بو مدين من نظافة اليد واستقامة المسلك .يتركب الفصل الأول من منظرين احدهما مقهى بحي القصبة يؤمه بعض الرفاق المسكونين بالشأن العام الى جانب الروابط الإنسانية التي تربط بينهم بدرجات ، أما المنظر الثاني فهو بيت من بيوت احدهم او بالأحرى أكثرهم حضورا في النص اذ تكون بعض تناقضات مع والدته وشقيقته موضوع حوار ومثار خلاف يمتد الى وحدة الأسرة ، ويحضره عدد من أولئك الرفاق على خلفية الارتباط اللامتناهي بين الخاص والعام ، الأسرى والنضالي ، ذلك ان الصديق الذي هو محور هذا الفصل ، بل وموضوع فكرة المسرحية بالكامل يرى في نفسه بؤرة الحركة ، او هكذا يتصوره البعض وبين ان يكون ذلك يمثل جزءاً من الواقع او انه الواقع لكي يدور الحوار بينه وبين بقية الشخصيات الذين يتقدمهم سعيد الذي لا يجد حرجا في مصارحته بهذه الإشكالية ، ويزيد الذي ينضم بعد قليل فيشارك الحديث المتصل بما طرأ من نغير في موقف رفيق آخر بدأ الحديث بشأنه همساً وصار يعلن صراحة هو (( عزيز )) الذي لا نلتقي هالا في مختتم المنظر الأول ، وكنا قبل ذلك بقليل عرفنا ان رفيقا أخر لهما هو عديل قد تعرض للاعتقال ، والشكوك تدور بشأن حول عزيز ، فإذا مضينا الى المنظر الثاني كان الحوار في مجمله بين الصديق ووالداته وشقيقته مليكه ليدخل في نهاية المطاف يزيد وفاتح ، لنشهد هنا أزمة الصديق وهي تتطور مع أمه أولا وشقيقته ثانيا ، وكانت قبل ذلك قد تناولت مشكلات العمل وأسئلة الأولويات وقبل ذلك وبعد ذلك مأساة الغربة التي يلح عليها النص في محاولة لطرحها كمظلة اجتماعية دون ان تفلح المعالجة الفنية ــ على ما يبدو ــ على ما يمكن إذ يفتح بها كما سنرى لاحقا .

تطرح المسرحية في مسألة مبدئية تتعلق بتحديد الرؤية او المفاهيم ، وترفض بمستوى غير قليل ما ساد الحياة يومئذ من التعميم ، وما بدأ يلوح في الواقع من جنوح نحو المطامع الصغيرة او الطموحات الآنية ، ويلاحظ ان الصديق بالذات شديد الانشغال بهذه القضايا وهو دائم التقاطع مع عدد من رفاقه ، منهم من يؤيد بعض أفكاره من بعيد ، وبعضهم عكس ذلك تماما ، لكن التجارب الملموسة كثيرا ما تصدق بعض توقعاته ، وان تكن ليست كذلك في بعضها الأخر ، ومن الواضح ان الصديق يتعرض لجملة من الضغوط ، ويبدو في مراحلها المتقدمة أكثر ضيقا منها . والصديق كما يلوح أحد الذين نشأوا بعيدا عن واقعهم المحلي ، فهو كما يتحدث عن نفسه من مواليد المهجر ، غير ان فضيلة والده كما نذكر بعض مقاطع الحوار وقد نقول السرد عاش هذه الحالة وصار يعانيها ، بعد أن أدرك أن التجربة المعاشة لا تتفق مع القراءة بالضرورة ، وان تكن القراءة الخيار الأفضل و الأبقى على الرغم من ان عدد الذين يقللون من جدوى القراءة أكثر عددا ، كان يدرك أن بعضهم لا يحبذ إغراقه في القراءة ومنهم من لا يتردد في مصارحته وقد يصل الى حد التشكيك في جدوى ذلك غير أنه لا يجد غضاضة في التوكيد بأنه لن يعدل عن مثل هذه الخيارات مهما كانت الخسائر فيتعمد الحديث بصوت مرتفع وقد أمر له سعيد بتناول ما كان يتناوله من مشروب اعتاده (( لا زلت أذكره ، كانت لك نظرات تلقيها الى . . هل وعيتها ، لا . . لقد غاب عنك أن لابد من التجربة . . لا يمكن أن يكون الإنسان وليد كلمات عابرة . . لم تكن لكلماتك مرارة مثلما أحسست ، ولكن أيضـــا أعيش مثلما عشــت . . أقوى كلمات . أقولها لغيري . أهي سابقة لأوانها ؟ أبداً في وقتها ، ولكن التجربة لم تكن تجربتهم ، كانت تجربتي وكلامي غريب عنهم ، مثلك تماما يجب أن أكون تجلس وتتنهد ، وتلقي كلماتك ، كنت أكبر مني سافرت ، وعشت بعيداً ، ولكن كان في وجدانك شيء ، شيء لم تقلد يوما ، ترى هل عرفته أنا . . ربمـــا أحس به الآن . . تأجرت يا أبي ولكنك لم تتاجر بشيء . . ولدت لك بعيدا وعــدت بي ، خفت أن تموت بعيدا ، ولكن بعد عودتك اكتشفت أنك مازلت بعيدا ، كنا غرباء وعدنا غرباء . . كانت لك النقود ، النقود كانت ستارا . هل وجدت شيئا سراب حملتني الى سراب ، هل تحول السراب الى حقيقية )).

يمتد هذا الحوار ويمتد تأثيره على شخصية الصديق ، وهو يتمكن من تطوير أدواته الفنية ورؤيته الثقافية ، ويرسخ قدمه في عالم الكتابة ، إذ صار يكتب القصة بوصفها الفن الأكثر شيوعا والأكثر إثارة لاهتمام أمثاله ، ويزداد إحساسه بقيمة ما يفعل . لكن المحيط ليس بذلك ، ابتداء من حياة الأسرة المتكونة منه والوالدة والشقيقة ، ويغدو التعويل على ما تقوم به الشقيقة من عمل هو المعتمد في تسديد نفقات البيت ، ولكنه بتأثير أزمته وشدة تمزقه لا يعتز بذلك ولا يرى فيه ما ينبغي أن يوضع في مكان المناسب ، ولكنه على الرغم من ذلك يأخذ في إبداء ما لديه من شكوك وعدم رضاء إزاء ما تقوم به أخته ، اذ أفلح أكثر الرفاق السيئين في إثارة ما زين له غروره وسوء مسلكه من عوامل الإساءة إليهم جميعا ، فالشقيقة منحرفة وينبغي أن توقف بحسب هذا التصور ، وهو موقف لم يلق له أي قبول سواء من الشقيقة او الأم او بقية الرفاق ، اذ تبين من أراء الجميع ان لا قيمة لما ورد عزيز من أقاويل حول الفتاة البريئة ، وكان قد استطاع قبل ذلك ان يوشي بعديل وشاية أدت الى حجزه من طرف السلطة ، وكان ذلك لكي يدور وسط جدل بين المجموعة ، كان فيه الصديق محبذا مبدأ الإجهاز عليه ، في حين كان في الموجودين من أحس الظن ودعا الى إعطاء المزيد من الفرص ، فكان في ذلك ما ساعد على استمرار محاولات التخريب كي تؤثر أكملها في تلك المسيرة ، وقد ظل الكاتب يسعى جاهد التبرير خياره القائم على الشك في جدوى العمل واليأس من الواقع ، واستشعار الإحساس بالغربة وحتى الندم اذا أدرك الصديق انه لم يلق ما لقي إلا لأنه لم يتعظ بما أسدى له من النصائح ولم ينفذ ما توصل إليه من قناعات طالما عبر عنها في حواره مع أصدقائه وحواره مع أمه وحواره مع نفسه ، كان يرى انه لم يجد التقدير المناسب ، وان ما يقوم به من جهد في مجال الثقافة يساوي سيئا مهما ، وان ما يبذله ازاء الآخرين لم يقابل الا بالجحود ، وغدا في الأخير يميل الى العنف والى ضرورة القصاص من كل من ثبت عليه إيذاء الآخرين ولا سيما عزيز ولكن المهمة رفضت من المجموعة ، اذ ليس من خطتهم ـــ حسب يزيد ــــ إشعال السلاح ولهذا كان رأي شقيقته أنهم لن يفعلوا شيئا بعزيز وانه سيتمكن منهم جميعا مما جعلها لا تمانع في إعطائه المسدس عندما طلبه بقصد القصاص ، لكن المفاجأة انه اقتصي من نفسه بدلا من ان يقتص من غيره ، اذ لقد ضاق ذرعا بالجميع ، وسمع أيضا ما لا يطيق من الجميع ، وأحس الغربة نحو الجميع ، ومن الجميع ، ولم تخرج عن ذلك أمه وشقيقته لقد قالت الأم أكثر من مرة وهي تحاوره حول ما يقول وما يفعل :

(( خذلتني . . نعم . . لقد كنت لي بعد أبيك كنت أرى فيك وجه الحياة ، ولكني وجدت نفسي وكان وكأني لم أرى في حياتي . . والدك كان شيئا بالنسبة لي ، كنت أرى في وجهه عناء يومه فاصمد ، أما أنت فلم أر إلا عينين زايفتين ، وجهك كلما اقتربت منه ابتعد عني ، أنت ماذا جعلت من ديناي ، لم تجعل منها شيئا أختك فهي من قامت مقامك . . اغزل غزلي وتبيعه وتأتي بالنقود وتذهب الى مؤجري دكان أبيك ، وتأتي بالإيجار ، وتجلس الى جانبي تحاكيني ، ثم تقوم وتقرأ على بعض ما في كتبها ، لقد تعلمت مثلك ولكنها لم تضع مثلك ، لقد عرف أبوك حياته . . لقد كان رجلا عرف كيف يقاوم .. هاجر وعرف متى يعود . . تركك ولكن لم يترك شيئا ، أنت يا من كان يقول : عندي أبني ، أنت يا من صدقت يوما ان عندي رجلا ، أنت يا من انتظرنا ، ما تقدمه يداك . . أنت يا من أتيت اليوم تفخر بنفسك وتحسب أننا عارك . . أنت يا من نفسك تتوق الى كل شيء إلا الى حياتنا . . هل كنا يوما عارا . . أبدا كنت له يوما شرفا ، لأبيك ولكنك اليوم أنت عارنا ! )) .

كان قبل إقدامه على ما فعل تحدث كثيرا عن أزمته هذه ، ولا سيما إزاء المجتمع الذي عاش فيه، وحاول جاهدا أن يتأقلم كما تحدث عن تجربته :

(( أعـــيش بينهم ولكني غريب ، يرمونني بالتهم ! وقد يرمون بها بعضهم ، فأحس أني لست منهم . . حياتهم غبية فلا بد أن أكون مثلهم .. يعملون ولكنهم يدمرون خلال ساعات ما يعملون . . عرفت الكثيرين ، وكنت تقوليـن كن بعيدا عنهم ، رباه كيف أكون بعيدا عمن وجدت بينهم ، لا أستطيع ، وأنت تقولين أبحث عن ابنة الحلال وكن مثل والدك ، لا حياتي غير حياته ، كان يحمل في حياته شيئا ، احمل أنا غيره ، كان يفهم بعقل افهم أنا بعقل غيره ، أماه أنا احترق في كل لحظة ، وأبي كان يغضب كل لحظة ، أماه كنت عاره يغضب من اجله وأنا مثله حسبتكما عاري ، ولكني أغضب فأجد غضبي لا شيء . الدنيا تغيرت . . العالم أصبح مملوءً بالأفاعي . . بالسموم . ولم يكن عندي ضرس سم . كان فمي مملوءً بريق المحبة . . أنت الآن تنظرين الى كأني أبي . أنا ابنك وأبنه أنا أبن هجرة طويلة ، عمدت فلم أجد سببا لها ، هم مثلما كانوا ونحن مثلما كنا ، لم يكن هناك شيء ))

تداعي بعد ذلك حوار كثيرا شارك فيه كل حسب ما ترا آي له وفرص الموقف يقول فرحات : (( هناك في زاوية كل منكم ظلام . تلقونه عليه . تعجزون فتلقون عجزكم على عزيز ، عزيز هو طوطم ضعفكم )) .

يرد سعيد : (( ومن منا لم يكن غير نفسه ، كنا جميعا نحسبها رحلة صغيرة ، تصعد فيها الى شيء نحبه ، الى مظهر لم نكن في يوم من الأيام نحلم به ، كنا نريد تحقيقي أحلامنا ، وكنا كل منا يريد تحقيقها عبر نفسه ، الناس كلهم كانوا مجرد أدوات لم تكن نعيش في يوم من الأيام إلا على وهم )) .

يضيف فاتح : (( هو شخص متهم خلق ليكون متهما ، بل وجد يضع الاتهام لنفسه إذا رأيته كان منك قريبا ، وإذا حدثته وجدته أقرب . ولكن ما بعده نتائج أعماله . . السم الذي يزرعه لك . . الحقد الذي يحمله لكل إنسان هو الذي يدعو الى البحث )) .

يزيد فرحات : (( تكلموا كثيرا . كل منكم يجب أن يقول ما يريده . . ولكن دعوا شيئا لمعنى القول . دعوا شيئا للعمل . لقد بدأنا وبدأ معنا كثيرون . والبداية أصعب شيء أنها خلق أنها تحمل دلالة ان لم يكن شيئا . ولكن انظروا حولكم انظروا الى السنوات القريبة الماضية . كان فيها بداية . . كان فيها شيء . . وتلاشى هذا الشيء . وجئنا نبدأ من جديد . . خرجوا الى الشارع اندفعوا مطالبين ولكنهم اندفعوا )) .

في حين نرى عديل يشير بأمر أكثر خطورة :

(( أنهم يريدون ربطي بهم ، قالها المحقق ، في ابتسامة تقطر سما ، نريد أن نراك يا عديل . . وضحك . . وضرب على كتفي . . أنت ترى أننا لسنا بالسوء الذي تتصورنه ، ونهض وبدأ يدور في الغرفة ، وأشار الى بقية الموجودين غيرنا أن أخرجوا ، فخرجوا والتفت متسائلا ، لماذا تكرهوننا نحن نؤدي عملنا في شرف ، نحن لا نكره الا ما يعكر حياة الناس . . انظر ، أخذ بيدي الى النافذة . انظر الى الناس كيف يسرون في الشوارع في اطمئنان . . ليس بينهم شيء والتفت محنقا الى متسائلا لماذا تحاولون إيجاد شيء )) .

يقول عديل

(( كدت أن أجيبه ، من أطلق النار على جموع بريئة ، تسير في هدوء تطلب حقا ، من حاول أن يملأ حتى هذه الحياة المتبقية لنا في بالسموم ، من ومن ولكني تماسكت وابتسمت ))

يعقب فرحات :

(( كان في ظني أن يبدأ السلاح عمله ولكني لنعطي سعيد فرصة من اجل عزيز ، رأيت أن نبقى هكذا انتظرهم ، وسعيد يعلم بوجود السلاح وهم يعملون ، الآن إننا نقاومهم انها فرصته )) .

(( لا يمكن أن يخلو إنسان من جانب العرض . . هكذا أرأى سعيد وهو يضيف والآخرون كيف نعيش هذه الحياة ، الجانب العرضي ، هو ما يجب أن نراه حتى وان أطيق الظلام على كل النفوس ، فمازال هناك الجانب الوضيء ، جانبنا العرضي الذي تكون خلال صراعنا هل يعقل أن ينتهي من حياة إنسان . . غير ان فرحات يحسم او يريد أن يحسم بقوله (( إذا كان هناك ما تعفن بحب بتره )) وقد استمر الحوار طويلا ومريرا بين مفهوم راهن الحسم من البداية وآخر كان متردد او غير قادر على اتخاذ الموقف المناسب ، فإذا ما عن له ان يتخذ ما يجب أن يتخذ أي خيار آخر ، ربما نصح به صديق قبل ان ينتحر وربما دعت إليه مليكه وبالأحرى تصورته ربما لأن الزمن هو زمن عزيز وليس زمن سعيد الذي راهن على الجانب الوضيء في الآخرين ، وقد نقول ليس زمن الصديق الذي اختار الانتحار او وجد فيه الحل الأخير . .

يتبين من خلال ما قدمنا عن طبيعة الشخصيات وتنوع الحوار وتعدد النهايات ان هذه المسرحية تعتبر على رأس ما أنجز عبد الله القويري في المدونة المسرحية التي اضطلع بانجازها ، وهي وأن كانت قد اتكأت على فضاء الثورة الجزائرية لكي تطرح من خلال الحوار ما أراد الكاتب من خلالها ، فأنها تعتبر أكثر مسرحيات الكاتب بعد أعن التجربة الجزائرية ، فقد كانت والحق يقال بعيدة كل البعد عن أي رابط يمكن أن يربطها بهذه التجربة ، اللهم إلا ما اتصال بتجربة عديل لدى الأجهزة حين تمت منها مفاتحته في إمكانية الانضمام الى الجانب الآخر ، غير أن هذا الجانب كان خاليا من أي ملمح من الملامح التي يمكن أن تربطه بواقع معين ، ولا سيما الواقع الجزائري ، فالمسرحية والحق يقال مسرحية الفكرة بكل ما في كلمة الفكرة من المعاني ، وهي في جانب أخر من جوانبها مسرحية التجربة المتصلة بالذات على وجه الخصوص ، الذات التي تكونت خارج واقعها فإذا ما تهيأ لهها ان تفد ظلت الوفادى مفتقدة لأي عامل يمكن أن يعيها من جديد فجرت والحالة هذه تحلق وتحلق من دون أن يكون لها ما يمثل الأساس الذي يمكن الركون إليه وربما لهذا السبب وبهذا الدافع كانت محنة الصديق في مسرحية القويري هذه أكثر إيلاما من بقية الشخصيات ، بل وكان من الطبيعي أن يكون الانتحار هو الحل فمن كان مفهوم من البداية منصرفا الى رفض العمل الجمعي ، وكان موقفه مبنيا على التشكيك في جدوى المسئولية التنظيمية فان نهاية في الغالب لا بد أن تكون على هذا الأساس ، والواقع أن من لديه فكرة عن واقع الحياة الليبية في تلك الحقبة التاريخية المهمة المتمثلة في ستينيات القرن الماضي لا يملك الا ان يقرر بأن مسرحية الجانب الوضيء نتاج الواقع الليبي بامتياز وما عدا ذلك فليس أكثر من قناع تم لهذا السبب او ذاك بل لعل في ما أشار إليه المؤلف عن لقاءات دعي إليها عشية عودته من المهجر ، وما أبداه من ملاحظات حول من التقى من بعض مثقفي تلك المرحلة ما يؤكد ان الصديق قد حمل الكثير من ملامح شخصية القويري وبعض أرائه إزاء الحياة والناس .

لقد أدت المتغيرات الناتجة عن قيام النفط بالدور الأساسي في الاقتصاد الليبي ونشوء لشرائح غير قليلة تعتمد في حركتها على ربع النفط ، وما ترتب عليه من إنفاق عام اخذ في الازدياد المرة تلو المرة ، وافلح تبعا لذلك في ابتلاع هذه الشرائح مجتمعة حين أصبحت معتمدة على ما يؤول إليها من مرتبات تنوعت أسماؤها واتفقت غايتها الا وهي احتواء الأغلبية الساحقة او لنقل الأكثر قدرة داخل الملاك العام المتمثل في الرواتب ونظيرة المتمثل في قطاع الخدمات وما أوجده من رواج في سوق العمل ما لبث ان أغرى أهم القطاعات ، الأمر الذي نتج عنه ذلك التخلي اللافت لعديد الشرائح عن جميع أنواع العمل العام ، بما في ذلك ما عرف قبل ذلك التاريخ من أنشطة سياسية ومحاولات تنظيمية ، أخذت جميعها في التلاشي ، ان يكن شيء من ذلك قد جاء نتيجة البطش الرسمي ، فان الذي لا يمكن إنكاره ان شيئا أخر قد تم عن طريق التخلي الطوعي ، حيث تعذر الجمع بين النشاط السياسي المناقص للسلطة ، ونظيره الاقتصادي المعول على الموقف المتصالح او على الأقل الأضعف تناقضا ، الأمر الذي يلحظي كل من يمعن النظر في حركة شخصيات هذه المسرحية عمق صلتها بالواقع الليبي وما شاع فيه يومئذ من ممارسات قامت على التخلي عن التناقض مع السلطة بل واستبعاد النشاط التنظيمي لمجرد ان حلت ضربة من الضربات ، على هزما جعل لأهم فصلين سياسي تمثلا في فصيل البعث العربي الاشتراكي ، ثم حركة القوميين العرب ، ولن يخرج من ذلك طبعا التيار الإسلامي ومثله اليساري او شبه الماركسي ، مما يعني ان ما ظهر في هذه المسرحية من مواقف مترددة وأخرى متمزقة أنما كان في الحقيقة ترجمة للحالة الليبية ولا مجال للتستر هنا بالحالة الجزائرية ولعلنا سنقف على هذه الإشكالية في مسرحيات أخرى إنتهى

___________________________.

القصة القصيرة في قطر

أمين مازن

1-2-2011

نهجت دولة قطر في معرض احتفالها بإعلان الدوحة عاصمة للثقافة العربية نفس النهج الذي سلكته بقية العواصم العربية بإصدار المزيد من الكتب المعبرة عن المنجز الأدبي والفني نصاً وترجمة وتعريفاً،

فعملت على إصدار جملة من الكتب الأدبية المميزة من بينها باقة من القصص القصيرة تجاوزت العشرين قصة وزعت مناصفة بين الجنسين اختارها وقدم لها الناقد العراقي المعروف الدكتور عبد الله إبراهيم الذي حط رحاله في تلك الربوع منذ أن اختار العيش هناك بعد إقامة لا بأس بها في طرابلس التي حل بها في تسعينيات القرن مهاجراً من وطنه العراق حيث عمل مدرساً بجامعة السابع من أبريل فهي في ذات الوقت في الحياة الأدبية التي عرفت فيه الباحث المجد والمشارك المثابر وقدرت ما توفر له من القدرات الجيدة والعطاء الطيب.

وقد جاءت مقدمة الدكتور عبدالله وبالأحرى دراسته على قدر ملحوظ من الإفاضة والشمول، وقد جمعت بين المنحى التعريفي والعرض التاريخي من حيث تلمس مسيرة القصة القصيرة في دولة قطر بما لا يفصلها عن رحلة القصة القصيرة في الوطن العربي عموماً والانطلاق من البدايات الأولى وصولاً إلى آخر ما بلغه النص، فكان في ذلك ما يوفر الفكرة الكاملة عن رحلة هذا الفن و تماهيه مع الحياة العامة، فيما جاءت النصوص المختارة بحسم هذه الحقائق فلا يظهر ذلك التنافر الذي كثيرا ما يصدق القارئ حين لا يوجد التطابق بين النصوص التي تمثل الشواهد وجملة الإحكام التي ينتهي إليها من قد يكتب هذا النوع من الدراسات.

والحق أن هذه النصوص المميزة تحيل قارئها نحو ذلك الواقع الذي شهد الكثير من المتغيرات، نتيجة النقلة الاقتصادية التي طالت منطقة الخليج بشكل عام، كمعطى طبيعي لتفجر الثروة النفطية وما أحدثته في أحوال البلاد والعباد، فإذا كان من غير المتيسر أن يتجه الحديث الآن عن مجموعة النصوص بالكامل، في مثل هذا الحيز، فإن من الممكن الاكتفاء بالتعرض إلى تلك التي اختص بكتابتها عدد من الكاتبات بالذات، فقد جاءت والحق يقال تجسيداً قوياً لما يمحور في ذلك الواقع من صراع حاد بين قيم الأمس وقيم اليوم، كما أنها من جانب آخر طرحت الكثير من المتناقضات بين ممارسات اليوم وموروث الأمس، فمن مفهوم يرى في المرأة ذلك المملوك الذي ليس أمامه سوى أن يؤمر فيطع، ويطلب منه فيلبي إلى آخر .. يؤمن بأن المرأة التي تمثل نصف المجتمع، لابد لها لكي تكون كذلك أن تحصل على كل ما تتوق إليه من رغبات الحياة دون أي نقص، حيث الاختيار المطلق الذي لا يتردد في الرفض حتى لا نعرفه والقبول حين يجب القبول.

بقي أن يلاحظ المرء أن هذه الإصدارات المرتبطة بتقليد العواصم الثقافية العربية تضع أمام المتلقي حقيقة أن هذه التسمية ليس لها أن تحقق المؤمل من ورائها ما لم تتوفر مثل هذه الكتب على خصيصة التعريف بالمستوى العام وتجلياته الإبداعية قبل كل شيء، وهو ما تنبهت إليه الدوحة في سنتها المنصرمة، ولا سيما وهي تعول على مثل هذه القدرات العربية التي تفلح في الدراسة والاختيار، مما يجعلها قوية الحضور في رحلة الثقافة العربية، صامدة أمام الحوافز التاريخية التي كثيراً ما جعلت الأطراف مهمشة وبمناكف الأضواء، ولو كانت أقل من القليل



_______________________________



* حول السياحة والتنمية الثقافية *

امين مازن

 

أن تحقيق التنمية الثقافية هدف وطني، ومشروع حضاري، من الصعب أن تنهض به فئة من فئات المجتمع أو مؤسسة من مؤسساته المحدودة، بقدر ما هو مسئولية جمعية لابد أن تتنادى لها كل الأطراف، وتتضافر على السعي لها كل القوى، بالنظر إلى شمولية المشروع وتنوع مستوياته واتساع رقعته، وفقا لعلاقته الجدلية بحركة الحياة ومستقبل الناس.

ولما كانت السياحة كنشاط اقتصادي ومشروع تحديثي كثيرا ما أسيء فهمه، وشوهت صورته بسبب الصراعات المعرفية المترتبة على الحرب الباردة و الإنصات لصوت الايدولوجيا التي ارتفعت فوق كل الأصوات فيما يعرف بالعالم الثالث، ابتداء من الخمسينيات وحتى السبعينات، حين طرحت مشاريع التسليح والصناعات الثقيلة، ومقولات الاكتفاء من الإبرة للصاروخ، الأمر الذي ما كان له أن يتحقق ويوفر المردود المرتجى من ورائه نظرا لانعدام الخبرة وغياب الكفاءة، بحيث لم يكن أمام شعوب العالم الثالث سوى التورط في ميكنة لا قبل لها بها، وصناعات لا وجود لموادها الأولية، مما اضعف حركة التنمية وحرم المجتمعات من ثروتها الحقيقية، في الوقت الذي اتجهت فيه مجتمعات أخرى نحو وجهة النشاط السياحي، فحققت عن طريقه مستويات من العيش هنيئة وفرصا من العمل لا مجال لإنكارها، و أفاقا من التطور الاجتماعي والتوازن النفسي مما كان له أثره الواضح في تجنب القفز على الواقع والسقوط في شرك الشراهة الاستهلاكية التي كثيرا ما تنتج عن الإنفاق الاستثنائي، خاصة حين لا يوجد أي شكل من أشكال الطاقة التي يحتاج أمر استخراجها إلى خبرات عالمية كبرى .

و من المعلوم أننا في الجماهيرية في عداد الذين عانوا من سطحية النظرة تجاه السياحة وعدم الاستقرار في الموقف إزاءها.

و فيما أنشانا عديد المشاريع والمنشآت والمرافق السياحية، التي يقل نظيرها في أنحاء كثيرة من الوطن العربي، كنا وما نزال نمارس أسوأ الممارسات تجاه هذا النشاط، فنحن يوما نجعل السياحة جزءا أساسيا في أمانة من الأمانات ويوما آخر نسند مسئوليتها إلى هيئة مستقلة، ونمضي أحيانا إلى إلغاء هذا النشاط ورميه بأسوأ النعوت ، ثم نعود من جديد فنستحدث له أمانه من الأمانات وكنا في كل هذه المرات نخسر وتخسر منشأتنا وتتعطل الاستفادة من ثروة مهمة من ثروات واقعنا نحن في أمس الحاجة إليها ومن القادرين على النهوض بها.

لكن هذا التذبذب في نظرنا تجاه السياحة وتجاه الموقف منها وان يكن قد نال من مسيرة قطارها وتعطيل دورها بعض الشيء، إلا انه لم يخرج بها من دائرة الاهتمام، ولم يبعدها من عداد الوسائل المهمة التي يمكن الرجوع إليها في حالة استفحال بعض المشكلات، أي إن الموقف ما يزال مرنا وما يزال بعيدا عن الحكم المسبق الذي يدين بعض الأنشطة لمجرد الإدانة، ويعجز عن الاستفادة منها حتى عندما لا يكون ثمة بديل غيرها، للخرج من أزمة من الأزمات.

وقد اتضح ذلك جليا في القرار الذي أصدره مؤتمر الشعب العام بإعادة تشكيل اللجنة الشعبية العامة في الأشهر الماضية والذي تضمن إعادة أمانة السياحة ضمن أماناته، وقد جاء ذلك القرار في الوقت الذي كان الأدباء والمثقفون الليبيون يطرحون عديد المشكلات في ندوة " مجتمعنا والمستقبل " التي أقيمت ضمن فعليات الاحتفال بإجلاء القوات الأمريكية، وكان من أهم الأوراق التي قدمت فيها تلك التي تناولت موضوع السياحة كمجال حيوي يمكن للاقتصاد الليبي أن ينهض من خلاله و للمواطن أن يبدع فيه، ويلجا إليه، إذا ما كانت سبل العيش قد ضاقت حقا، ولم يعد ثمة ما يمكن أن يعول عليه في حياته .

نحن إذا أمام إشكالية تقول بان بعض مواردنا تعد كافية لحاجاتنا، وان جملة من الأزمات تنتظرنا، ولكن أمامنا بالمقابل ثروة طبيعية ضخمة تتمثل في شاطئ طويل يزخر بأجمل المواقع ولنا منشآت سياحية قائمة وأخرى يمكن أن تقام بواسطة النشاط الخاص الذي يمكن أن يحقق الكثير بما في ذلك اللجوء إلى البحر في التغلب على أزمة المياه دون الخشية من ارتفاع التكاليف حين يكون الأمر جزءا من مشاريع سياحية ضخمة لا يغيرها العرف.

وسنفرض أننا من هذا الفهم أعدنا أمانة السياحة ونحملها تحقيق مثل هذه الأهداف، ومن هنا سننتهي إلى اعتبار السياحة في مقدمة الجهات المدعوة إلى الإسهام في التنمية الثقافية، ليس فقط من مقولة إن التنمية الثقافية هدف وطني ومشروع حضاري وإنما من حقيقة مفادها أن السياحة كنشاط وصناعة لا يمكن أن تقوم لها قائمة ما لم تسندها ثقافة وطنية تقف إلى جانبها وتعمق كل ما هو ايجابي فيها وتقلع من طريقها كل ما هو سلبي وكل ما هو معطل للحركة والتطور ذلك أن السياحة نشاط ومن طبيعة النشاط حين يقام لابد أن تنتج عنه بعض الإشكالات، وما من احد يمكنه أن يتصدى لتلك الإشكالات ويحول دون استفحالها أكثر من العمل الثقافي، والسياحة مناخ يتطلب المرونة ويستدعي توسيع الدائرة وليس ثمة من يقدر أهمية ذلك أكثر من المنضوين تحت ركب الثقافة .

وإذا كانت الإضافة المنتظرة للعمل السياحي يمكن أن تنطلق من المهرجانات ومن الآثار والمعالم السياحية، فان الذي لاشك فيه أن هذه المهرجانات المنتظرة ستظل فاقدة الفاعلية ما لم يكن في صلبها النشاط الثقافي، حوار لا ينقطع ، ومعارض لا تتوقف في مواءمة ذكية بين العالم التي تتحدث عن الأمس والفضاء الذي يجسد مناخ اليوم .

نحن إذن أمام مشروع تحديثي يمكن أن نستثمره في دعم مسيرة الحوار، والحد من رياح التطرف ووحدانية الرأي.

كيف يمكن أن تكون مهرجاناتنا المنتظرة وسيلة من وسائل التنشيط، ودعم النشاط المشترك في أسرتنا الوطنية الكبيرة كيف نستطيع أن نستثمر أثارنا ومعالمنا في ابرز شخصيتنا والوقوف على دورنا الحضاري وإسهامنا الذي قدمناه عبر التاريخ ، لنصل بعد ذلك إلى المشروع التحديثي الذي نرتضيه ، تلك هي الأسئلة التي نطمح في الإجابة عليها والأفاق التي نتطلع لارتيادها ولعل هذه السطور أن تكون قد مهدت لذلك بعض الشيء..


______________________________

* قدمت هذه الورقة في الدورة التاسعة لمهرجان الحرية الذي أقامته رابطة الأدباء والكتاب في منتصف تسعينات القرن الماضي بمدينة طرابلس مجمع الفتح الثقافي


حلم المفكرون فكانت الحضارة

■ أمين مازن


طوال رحلته الشاقة المريرة كان موطن محاربة مستمرة ، ومثار حملات عدائية ظالمة ،تعقبت خطاه مرة ،وسخرت منه مرات.

الجماهير التي يموت من اجهلها لا تعبا به او تسخر منه وتسفه اداءه والانظمة التي يحاول أن يقوم اعوجاجها ويحد من ضلالها تعترض طريقه فتجبره على الصمت احيانا ، وتنزعه من الحياة احيانا أخرى .

،مع ذلك ،مع كل ما لقيه من بني جنسه من صنوف التنكيل والوان الوبال ومن شقى من اجل سعادتهم كان المفكر يبذل جهوده من اجل تأكيد المعرفة ، وتوسيع دائرتها .. وكلما سقط فارس حل محله فارس جديد .. ولو اردنا أن نستعرض قائمة شهداءالفكر منذ عصر سقراط وحتى وقتنا الحاضر لما وجدنا الى ذلك سبيلا .. وحسبنا أن نذكر هنا الحلاج ونهايته الاليمة .. وابن جنبل ومأساته المعروفة وجاليليو وخاتمته .

كان المفكر دائما يحاول آن يرسم الغد المشرق . وكانت المجتمعات تستفيد من تلك المحاولات وتبطش باصحابها في ذات الوقت ، وقد وصل الأمر بالمجتمعات في فترات تخلفها وسباتها الحضاري آن جعلت الفلسفة مرادفة للخبل .. ويكفي آن يقال عن انسان ما بآنه فيلسوف حتى يظن بآنه انسان غير عادي . ولقد حرفت كلمة الفلسفة إلى (فلفسة ) كما يقول العوام .

وكان آخر ما اكتشفته المجتمعات ..تلك الفكرة القائلة بأن الفيلسوف يقول اراء لا يمكن تطبيقها في عالم الواقع وكان أن تسقط البعض كلمةالمثالية التي قالت بها الفلسفة المادية لتنال من كل جهد فكري حاول أن يقدم وجهة نظر ما . ولم يكن ذلك بدافع الحوار الفكري ، بالطبع وإنما كان لتبرير اجراءات ما عرفها عالم الواقع وراي بعض المفكرين امكانية تغييرها لهذا السبب او ذاك .

ولسنا الآن بصدد استعراض هذه القضية وذلك لان مجالها لا يتسع له المقام الآن ، غير أن الذي اريد أن أشير إليه أن الصراع بين الفلسفةالمثالية وغير المثالية نفذ منها اكثر من مفهوم لا هو بالذي يرجح هذا الجانب ولا هو بالذي يرجح ذاك ولا هو بالذي يقوم وجهة نظر جديدة تضيف إلى التجربة الانسانية شيئا ما .

ومع ذلك ، تظل احلام الفلاسفة هي الوجه المشرق لجهود الفلاسفة وتصورهم لعالم لامكان فيه للظلم .. ولا مجال فيه للاحزان والمواجع .

وتظل رسالة المثقف الحقيقي ، وفي العالم الثالث على وجه الخصوص الأنتصار لتلك الجهود الخيرة التي بذلها اولئك الرواد العظام ودفعوا حياتهم ثمنا لها سواء كانت هذه الجهود مدعاة لسرورنا او على العكس . ذلك لا يعني أن نأخذ كل ما يقابل به اولئك الكبار بالرضا والتسليم ونقلع عن مناقشة ارائهم وتبين مواطن الخلاف معهم .فالنقاش وتحديد مواطن الخلاف من أهم ما نحتاج إليه بلا جدال .

بيد أن الذي لا بد منه هو أن يتم ذلك في تواضعهم وفي اكبار عميق لتلك الجهود الرائعة العظيمة التي بذلها شهداء الفكر عبر رحلتهم الطويلة .. سواء كان ذلك في نطاق الفلسفة المثالية اوغير المثالية.

أننا لابد أن نؤمن ايمانا عميقا بأن مواقفنا الفكرية لاتزال قشة أمام تلك المحاولات الرائدة العظيمة وأن ما يتراءى لنا اليوم من مواطن ضعف في بعض الفلسفات إنما جاء نتيجة جهود أخرى ما كانت لتظهر لو لم يبذل انصار الفلسفة المثالية الكثير ، وبضدها تتميز الاشياء كما يقولون ولعلنا بعد ذلك نكون مجافين للحقيقة اذ قلنا القول بأن :(مشاكل العالم لايمكن أن تحل بواسطة الحلم .وأن الرفض والغضب والتمرد مفاهيم لم تعد نبيلة وانها تحولت إلى موضة .ولها افرازات لحضارة اوروبا التي تعاني المرض والشيخوخة ، إلى اخر ما جاء في مجموعة الاحكام العامة تحت عنوان (حلم المفكرون فانهارت الحضارة ) هو قول جائر وغير موضوعي ، وأن كاتب المقال ابراهيم الكوني كان طالما في احكامه التي ساقها سالف الذكر .

فالذين رفضوا والذين غضبوا والذين تمردوا هم وحدهم الذين استطاعوا أن يقدموا شياء لمجتمعاتهم ، بل حتى الذين اعترضوا على الفلسفة المثالية وامكنهم أن يقدموا شيئا من خلال اعتراضهم لم يكونوا في البداية رحلتهم اكثر من متمردين غاضبين .

ومن هناء فأن تجريد كل اولئك الغاضبين الرافضين من جهودهم وكفاحهم لمجرد أن الفلسفة المثالية لم تعد مقبولة هو قول غير منصف كما جاء في مقال الأخ الكوني .

والحقيقة أن الاخ الكوني كان يمكن أن يكون منطقيا وربما قد نتفق معه لو طرح المسألة على أساس الواقع الليبي ..وترك الفلسفة لحالها أعنى لو تعرض إلى مشكلات الواقع وقال أن على المثقف لا يقف بالمعارضة لمجرد المعارضة ، فتلك حقيقة لا مجال فيها للشك ،بل وتحتاج إلى من يركز عليها ويتناولها اما أن يطلق لنفسه العنان لينال من التجارب الانسانية العظيمة ،ويجرد المواقف الانسانية من نبلها متسترا بجناح الفلسفة غير المثالية ،منتهيا إلى نهايات غائمة وغير محددة مكتفيا بترديد بعض

الابجديات ،كالقول باختلاف الظروف تبعا لاختلاف الانظمة السياسية ،فالحق انه بمثابة الذي يدور في حلقات مفرغة وينتهي إلى نفس الغاية التي تنتهي اليها الفلسفة التي يهاجمها في مقاله ويعتقد انه

. على خلاف معها ، في حين انه اقرب اليها من اي شيئ اخر

نشر بالاسبوع الثقافي في اخر السبعينات .



______________________________

أشكاليات الكتابة السيروية

تجربتي نموذجاً

أمين مازن


فضلت أن تكون السيرة الذاتية موضوع محاضرتى التي أسهم بها في الموسم الثقافي لهذا المركز الذي تفضلت إدارته فدعتنى ضمن من دعت لهذا الموسم الذي تكرسه لما يشهده واقعنا العام من حراك.

ويأتي هذا التفضيل من إيمانى بالدور الذي اضطلعت به السيرة نحو التاريخ والتاريخ الوطنى بالذات, وكذا شعورى بالحاجة إلى الوقوف على رؤية الأجيال الجديدة نحو ما أسهمت به شخصياً في المدونة السيروية , وما ظهر أمامى أثناء كتابتها وعبر المناقشات التي طالما أثيرت حولها, منذ أن تمكنت من كتابة الأجزاء الثلاثة من كتابى مسارب الذي قدمت من خلاله مساهمتى في الكتابة السيروية, من منطلق المزاوجة بين التجربة الشخصية والحركة الاجتماعية بحيث اختص الجزء الأول بالنشأة الأولى والمحيط الأسري والتاريخ الجهادى وما تعرض له الأهل من عديد المحن على مختلف الصعد, ولاسيما فترة الاستعمار الإيطالى الذي لم يدخر جهداً في اذلال الأهل بالقتل والسجن والتهجير وكيف أفلح الأهل في التعامل معه والتخفيف من مظالمه وعدم التجاوب مع سياساته الرامية إلى بقاء الناس في المهجر وترك الأرض للمخططات الماكرة, هي ظروف انعكست على الواقع العام وطبعت في ذات الوقت شخصيى السارد الذي حرص على توظيف أحداثها في نص قام على التهجين بين السرد الروائى ورديفه المذكرات, في احتفاء جلى بالمكان ابتداء من الواحة التي شهدت النشأة الأولى وما طرأ عليها من تغير جراء الاتصال بالآخر الأوروبى, وصولاً إلى المدينة التي تيسر الحلول بها في مطلع الخمسينيات ولم يحصن على قيام الكيان الوطنى سوى وقت محدمد لتأتي بعد ذلك مرحلة الانفتاح على المجتمع الأكبر وما كان يمحور داخله من حراك على أكثر من صعيد, كان الطريق نوه من خلال العمل الإدارى والتواصل الاجتماعى والتكوين الثقافي والنشاط العام بشقيه الاجتماعى والسياسي, الأمر الذي أدى إلى اكتساب رؤية حاولت أن تتقدم من خلال النص الأدبى المشحون بالمضمون الاجتماعى, رؤية حاولت تتواصل بواسطة النوادى والمهرجانات والصحف الوطنية, بدأت أول ما بدأت رافضة للموجود متطلعة نحو ما يمكن أن يكون الأفضل غير أنها مع الزمن ومع خيبات الأمل الكثيرة والاخفاقات الأكثر ما لبثت أن أدركت أن الحفاظ على دولة المؤسسات على مافيها من سوء الأداء – أفضل بكثير من المغامرة نحو التغيير الذي لا مخطط له, فكان تقاطعت مع ماعداها من المحاولات غير المدروسة وربما المبنهرة بالنموذج الخارجي أكثر من تقديرها للغريب المحلى, غير أن من سوء حظ هذه الرؤية أن كان المجال أمامها كان مقفولاً فلم تستطع أن تعبر عما لديها من مواجع وما كانت تكابده من هموم ولاسيما في السنوات الأخيرة من ستينيات القرن الماضى حين حيل دونها ودون الخوض في أي حديث جاد يتصل بسلامة الوطن ويسعى إلى طرح مشكلاته الحقيقية على بساط البحث, ولم يبق عندئذ سوى ذلك الإعلام الغبى الذي لم يجد سوى ترويد تلك المبالغات الساذجة عن النهضة المزعومة وعن الحكم الأمن, حتى إذا ما حانت ساعة الصفر إذا بالكيان يتهاوى في لمح البصر ولم يبق منه شيء أمام تلك الحفنة من الجنود الذي حركهم صغار الضباط فأسقطوا النظام في ساعات معدودة , وبدأ واضحاً أن خطة جهنمية كانت قد وضعت في جنح الظلام وأمكن أخفاؤها, لتأتي أفواج المؤيدين الذين لم يمنعهم حضر التجوال فكان ظهورهم العفوى!!

كان من المستحيل بالطبع الخوض في مثل هذه المفارقات اللافتة كما كان من المستحيل أكثر من ذلك التذكير برأي سمعته شخصياً من أبرز المثقفين الليبيين وأكثرهم وعياً بما كان يجوى المرحوم عبدالحميد البكوش الذي قال لي بصريح العبارة وهو يوصف هشاشة الكيان الليبي, أنه يشبه حائط الكرتون الذي لايحتاج إلا لمغامر يضربه عسرة واحدة بعصا خشبية ليتهاوى بالكامل, وذهب إلى أكثر من ذلك فقال لي في تلك الصائفة أن الوحدة العربية احتمال لايستبعد كما قد لايكون قريب المنال فهو رهن الظروف الدولية, أما الذي ينبغى أن يشغل الوطنيين الليبيين هو معيشة المواطن الليبي حالة قيامها, فالليبيون والتعبير للبكوش أعجز من أن يجدوا مجالاً للعيش بها, بما في ذلك "المومسات" منهم!!

كنت يومئذ كثير السؤال عن الرجل, وكان هو من جهته دابث الترحيب للقاء, غير متردد في البوح بما لديهم من مخاوف جراء ما توفر له من المعلومات إلا أن تلك المعلومات كانت هي الأخرى تتأثر بالمستجدات وبقوة الصراع الموجود وقد حرصت من جهتى على اطلاع الكثير من الأصدقاء الذين يشاركوننا نفس الهموم, ولديهم الاستعداد لبحث الأمور على النحو الذي ينبغي أن تبحث به, لولا أن الزمن كان زمن المغامرين, والمرحلة من جهتها كانت تتطلب ذلك النوع من الناس الذين يمكن الركون إليهم لتنفيذ الاستحقاق الملح, فقد توفرت القناعة لدي القوى الدولية بأن زمن القواعد الأجنبية قد ولى إلى الأبدو وأن اناطة الحكم بالنموذج القادم من المؤسسة العسكرية ما يزال هو الخيار الأفضل والاسلوب الأجدى, وكان أن سهلت المهمة, وفتح الناس عيونهم ذات صباح على صوت غريب, صوت طابعة التشنج ولهجته تسي بالغرابة ليعلن على الملأ انتهاء النظام الملكى واعلاف البديل الجمهورى لتتوالى بعد ذلك جملة من النداءات المتصلى بحياة الناس واحتياجاتهم والقطاعات المكلفة بخدمتهم, بحيث لم تمكن سوى ساعات محدودة حتى بدأ الأمر وكأنه قد تم منذ فترة, لتتوالى بعد ذلك اعترافات الدول وسط حالة من الوجوم التي سيطرت على الكثير من ذوي التكوين السياسي المعقول من استبعدوا أن يكون ما جرى كان مفاجأة ولكن تعذر عليهم التصريح بما لديهم, فحلت محلهم الغوغاء واستدرج الكثير من الإعلاميين للحلبة فشرعوا يتسابقون للتأييد المصطنع لكل ما كان يجرى, وقد نصحت المشورة العربية التي جاءت من أكثر من مكان ولاسيما الشقيقة الكبرى مصر بتكرار تجربة لتنظيم السياسي الواحد الذي لا مهمة لها سوى المؤيد من التأييد ولا شيء غير التأييد حيث اتقن منه الهتاف عند التئام أي تجمع من التجمعات, كانت السنوات تتوالى والأكذوبة تتضحم مع الزمن وكانت المصالح الدولية كبيرة والدور المطلوب يطال أكثر من مكان, الأسلحة داخل ليبيا تتكدس حلا لمشكلة الاتحاد السوفيتي المنهك في أكثر من مكان, والانفاق المالى الذي يدفع مرة ويمنع مرات يؤدى مهمته على أحسن الوجوه, من إبرام الصلح المنفرد من طرف مصر إلى تصفية اليسار السودانى دفعة واحدة إلى اجبار تونس للتوجه نحو التسلح ومن ثم تسهيل مهمة زين العابدين لخلافة بورقيبة الذي بلغ به العجز منتهاه, وكان كل شيء هنا مكرساً لالغاء كل ماجرى قبل سبتمبر وازاحته من الذاكرة الجمعية نهائياً غير أن تجربة الكتابة ظلت تشهد بين الفينة والفينة إمكانية المساهمة على نحو ما وعن مكان صبره أطول. وهكذا كانت الظروف التي سمحت في النهاية بإنجاز الجزء الثالث من مسارب الذي تناول السنوات الثلاث وبالأحرى الأربعة من نظام سبتمبر أي فترة من 1/9/69 إلى أبريل 73, فترة شهدت سقوط النظام الملكى وخروج القواعد الأجنبية قبل موعدها بما لايزيد عن سنة واحدة, حيث أمكن الأطمئنان على المصالح الكبيرة, ليس فقط من حيث تدفق النفط وإنما من حيث التصرف في عوائده ورفع أسعاره بما يضمه المزيد من المضاربة والمزيد من صرف مصدرية عن التفكير في سياسات أكثر شجاعة وفي شيء من الوفاق الذي يحول دون لعبة المغامرة في الأسعار كما كان علماء الاقتصاد ينصحون. وقد كان مايهمنى شخصياً هو التنبيه إلى أن الكثير مما جرى يمثل شيئاً من المغامرة وأعتقد أن القراءة الواعية لايخفى عليها مثل هذا الخط. غير أنند بصدد الجزء الثالث حرصت على أن أضعه تحت يد القاريء من دون ضجة كبيرة. نعم أن لغة هذا العمل سادها شيء من الغموض وأن الأسماء لم تكن واضحة بالقدر المطلوب, وما ذلك إلا لما استقر عندى من التحسس الرسمى أزاء الأسماء والأحداث, نبد إلى أن الأسماء يمكن التغلب عليها لاحقاً في أي طبعة بواسطة الهوامش, ومن ناحية أخرى فقد كان يهمنى الفعل وليس من قام به فمسارب كما قلت ليست تاريخاً فيطلب منها أن تكون دقيقة, أو كاملة الأخبار, فهي ليست أكثر من نص أدبي حاول أن يستفيد من فئة السيرة ليطرق بابه ومن أحداث التاريخ ومستوى الاستفادة منها ورحلة الحياة وشكل انعكاسها على منشئ العمل, ولا شك أن ماكتبه الكثيرون من مثقفينا الليبي من متابعات لاتخلو من الاختفاء ولم تكن صادرة عن المجاملة وحدها يعطى الدليل القوى على أنها ليست غامضة إلى الحد الذي يكرره لبعض المتابعين ولاسيما فيما يتعلق بالفعل المبنى للمجهول والآخر المعلوم, لأن أساليب التعبير ذات صلة بالزمان والمكان, بل أن وصول المعلومة يبدو في أحيان كثيرة أكثر أهمية من فاعلها. وعلى كل حال فهذه الأحكام مالم تستند إلى شواهد من النص وفي شيء من التفعيل وقد أقول المقارنة ستكون حرباً من المحاكمة الخالية من أي دليل مقنع, فالقراءة أي قراءة حين تتبنى نوعاً من الأحكام المتصلة بالقيمة فلا مناص لصاحبها من تقديم الدليل أو الشاهد من خلال المتن وفي حدود السياق وليس ذلك المجتزا المفتقد إلى الإبانة.

لقد كان صعباً أن لم أقل مستحيلاً أن أفصل حول أسقاط الطائرة الليبية في مصر أو انزال الأخرى الحاملة للضباط السودانيين ومثل ذلك انقلاب النميرى الذي سبق سبتمبر بأشهر أربعة, أو أذكر الحوار الذي حصل بين السيد عمر المحيشى وصادق النيهوم وعلي وريث في ندوة الفكر الثورى وكيف كان الأول أكثر نضجاً ومقدرة على التعبير عن أفكاره فالموقف الرسمى جعله متأمراً. ومثل ذلك موضوع الشخصية الليبية وبرامج الدراسة وغيرها من إيجابيات البكوش. ولم يكن من الحكمة تناول موقف الملك أدريس من سبتمبر وامتناعه عن الاستعانة بالقوى الدولية لاستعادة النظام كما أثبتت الكثير من المعلومات, ولم يكن متيسراً أن نقول أن القواعد فقدت استراتيجتها بأكثر من كلمة بسيطة هربت بين السطور. كان مستحيلاً إذا أذكر أن خليفة التكبالى قد تخلى عن تنظيم الضباط الذين وصغوا بالأحرى, فقد رويث عنه هذه الواقعة وهناك من يرى أن وفاته لم تكن بتأثير العملية الجراحية وإنما كانت مناسبة للتخلص منه محافظة على السرية من طرف الدوائر الكبرى. لأن النظام أعتبر التكبالى شرعياً وسمى بأسم المعسكر الذي كان من المفروض أن يكون مقبرة لسكان مدينة طرابلس حسب ترتيبات البلدية لولا أنهم تأخروا في التنفيذ.

وهناك الكثير والكثير مما جد من معلومىات حول تلك الفترة ولم أشا الخوض فيه لأن النص كتب وفقاً لحدوثة واختزانه في الذاكرة وكثير أخر بقي غير موضح لهذا السبب أو ذاك, ومن هنا فأنه الهوامش الكفيلة بجلاء الفوامص وتوضيح المسكوت عنه كما أشار أكثر من زميل تحدث عن العمل في الندوات التي انتظمت بشأنه تبدو ضرورية للغاية ولا مفر من الاضطلاع بها, فقد زالت كل دواعي الغموض ولاسيما تلك المتصلة بدور بعض الأصدقاء من العسكريين على نحو ما أشرت حول الصديق أحمد بوغولة الذي كان عنصراً رئيساً في الاستخبارات وكنت على ثقة أن من المنظمين للخلايا الرامية إلى قلب نظام الحكم مما لا أشاركه خياره ولا أحب أن أحرجه برفض المشاركة فوجدتني أشير إليه في أكثر من موقع والقصد افهام جماعة سبتمبر أنهم لم يكونوا وحدهم, وأعتقد أن ماقصدته وضح بدليل أن توضيحاً حصل بشأن المنشورات التي ملأت شوارع طرابلس قبل سبتمبر بفترة وجيزة. وأرادت بالإشارة إليها لاحتمال وجود جهة ما. فقيل بعد ذلك مرامة المنشورات قد وزعت من المخابرات العامة وكانت قبل كتابتى تذكر كمفخرة من المفاخر, فثبت يوميذ إلى أن كل ما يكتب لابد أن يفهم في مرحلة من المراحل وأن ظن البعض أن الأمر ليس كذلك وعسى أن يمن الله فننجز ما قطعناه من مسارب طيلة هذه العقود التي انقضت بعد كتابة الأجزاء الثلاثة, فضلاً عن تجربة السجن التي حملت جنس الرواية للتغلب على ما حملت من الانتقائية المفروضة من ناحية, ولمساعدة الرقيب الذي اعتمد قراءة "أنيسة التايب" عندما أقرت العمل, ويومئذ يمكن أن تكتمل التجربة خاصة وأن الكثير من الكتابات المجزأة كثيراً ما حامت حول ذات السياق, واحسب أنها قدمت الكثير مما يمكن أن يكون مفيداً, "ولله الأمر من قبل ومن بعد" .إنتهى


____________________________



الذين لايفوتهم رصد مجريات الأمور الثقافية

أمين مازن

 

إن الذين حواهم فضاء دار الفقيه مساء الرابع والعشرين من شهر سبتمبر متنادين للانصات إلى صوت الشاعرة المقتدرة والشابة الخلوقة فريال الدالي،المعروفة على مستوى النشر باسم «وجدان» لم يقتصدوا وفي التعبير عن جميل مشاعرهم إزاء باقة الأشعار التي القتها هذه الشاعرة المتفردة،بعد تقديم غير متكلف من طرف الروائية المعروفة السيدة نادرة العويتي،صاحبة القلم الذي بقي مخلصاً لرسالة الإبداع الأصيل،وفي زهد ملحوظ عن الظهور المتكلف والسباق خلف اللعبة الإعلامية المسطحة التي قد تحقق الشهرة الزائلة ولكنها لاتقترب من الخلود الفني الأصيل

وكانت فريال / وجدان قد دأبت على المشاركة الدائمة بالنص الشعري المشحون بالمعاني الدالة و الروح الأخاذة عبر وسائل النشر التي وجدت الطريق إليها،كما لم تتردد في المساهمة بقراءة ما تيسر لها من بعض تجاربها اللافتة في الكثير من الأماسي والاحتفاليات بما في ذلك تلك التي أقيمت خارج المدينة وفي بعض الأحيان بحضور بعض الأصوات العربية،وكان من أهم ما امتازت به وبالأحرى تفردت به عن كل من سبقها من المبدعات الليبيات قدرتها على استظهار نصوصها بحيث لوحظ في غير محفل أنها لاتحمل بيدها ورقة أو أوراقاً وإنما تلقي هكذا من دون أيّة ورقة أو أوراق .

وأذكر أنني قدمتها منذ سنوات في أمسية من أمسيات معرض الكتاب المكرّسة للشعر وبمشاركة عدد كبير من الأصوات الشعرية الراسخة في حياتنا الأدبية،ولم يفتني رصد هذه الميزة لشاعرتنا هذه وهي تجمع بين جودة كتابة النص وسلامة الإلقاء،فضلاً عن الاستظهار الأمر الذي لم أقف عليه بشكل لافت سوى عند صوت شعري آخر ظل يكتب نصه في هدوء واتقان وزهد غير متصنع هو الشاعر نصر الدين القاضي،الذي يلقبه بعض المتتبعين لمسيرة الشعر الليبي والمدركين لما تحقق له من النقلات المهمة « بشاعر الفرح» لأن كل أشعاره تعبق فرحاً وحبوراً ورهاناً على المستقبل والأبهى يتعذر على مثل هذه الإشارات أن تدخل في التفاصيل التي قد يفرضهاالحديث عن هذه النصوص التي كونت محتويات هذه الأمسية لأن ما يقدم هنا لايزيد على الإضاءة التي يفرضها واجب المتابعة للبارز من أحداثنا الأدبية المحلية والجيد من نصوصنا في زمن تضاءل فيه الجيد وكثر فيه التطفل على الشعر والتكسب بالشعر والتهديد أيضاً بالشعر،حتى أن الكثرين الذين تحقق وجودهم الأدبي عن طريق نصوص أخرى وجدناهم يعودون مرة أخرى إلى هذا الفن لا من أجل إثرائه أو الإجادة فيه وإنما للتقدم بِاسمه والبروز بواسطته

وتلك حالة من الحالات التي لابد أن يتوقف أمامها الذين لايفوتهم رصد مجريات الأمور الثقافية وما تفرضه استحقاقات المرحلة من نصوص تأتي عفو الخاطر وتستجيب لواجب الضمير ورسالة الفنّ ،وأخرى لها أجندتها الخاصة وكثيراً ماسعت لإخفائها تحت مسميات أخرى

أهمية هذا النوع من النصوص تأتي من قوة المزاوجة بين حب الحبيب وحب الوطن،بين الشوق للجمال الذي قد يوصف بالإلهي والآخر المتصل بالوجود الجغرافي للمكان وهو يكتسب القداسة ويغطي تحاليل الغار بالتعويل على المفردة التي تحول اللحظة إلى عالم كامل يتعانق فيه المعنى بالمبنى بالإحساس العام الذي يتّسع للكون ويصنع من ذلك الحلم الذي لايعبأ بالصواب ولايتوقف أمام الإحباط ولكن الذي يمتلئ ثقة لاتعرف التوقف بأن الآتي أفضل والقادم أبهى ، فلا مكان والحالة هذه داخل النص بأية آهة من الآهات المريضة أو فجيعة من الفجائع المثبطة ذلك أن الأحلام العظيمة تفلح دوماً في طرد الأحزان الصغيرة التي لايخلو من وجودها واقع من الواقعات وكفن لايعمدها لايصنع منها أسواراً عالية ما عداها من المنتظر،ولهذا تكون مفردة القيمة والأفق والبسمة وهي لحظة الارتباك تبشر دوماً بلحظة الانتصار،وتظل النصوص تدعونا إلى مزيد التأمل وواسع التناول،وربما الأحساس بالمسؤولية الأشمل



_____________________________

 

   


اللغة ووسائل‮ ‬الإعلام‮ ‬

أمين مازن

 

قد‮ ‬يتبادر إلى‮ ‬الآذهان‮ ‬أن‮ ‬المكتب‮ ‬الدائم‮ ‬للإتحاد‮ ..‬عندما أختار هذه‮ ‬القضية‮ ‬موضوعاً‮ ‬لهذا‮ ‬المؤتمر‮ ‬،‮ ‬إنما‮ ‬أستهدف‮ ‬من وراء‮ ‬ذلك ان‮ ‬يطرح للناس‮ ‬موضوعا‮ ‬يسير‮ ‬التناول‮ ‬،‮ ‬يسهل على‮ ‬أي‮ ‬كان‮ ‬ان‮ ‬يخوص فيه‮ .‬،‮ ‬ويقول‮ ‬إزاءه مايشاء‮ ‬وكيف‮ ‬يشاء‮ ‬،‮ ‬وبأي‮ ‬طريقة‮ ‬‮ ‬يشاء‮ ‬

وقديذهب‮ ‬بجميعنا‮ ‬أو بعضنا‮ ‬على الاقل مثل هذا‮ ‬ازعم الخاطيء‮ .‬،‮ ‬فنحسب ان هذا‮ ‬الامر‮ ‬غير جدير‮ ‬بأن‮ ‬يكون‮ ‬موضوعا لهذا‮ ‬امؤتمر‮ .‬و‮. ‬وهو الذي‮ ‬طالما خصص لقضاييا‮ ‬أكثر إتساعاً‮ ‬ومسائل اكثر‮ ‬حساسية‮ ‬وشمولاً،‮ ‬فننتهي‮ ‬إلى صرف انظر‮ ‬عن الإسهام‮ ‬في‮ ‬هذا‮ ‬اجدل مؤثر‮ ‬ين الأعراض عنه‮ ‬،‮ ‬عسى‮ ‬ان‮ ‬يخوص القوم‮ ‬في‮ ‬حديث‮ ‬غيره‮ .‬،‮ ‬حديث‮ ‬نرى‮ ‬فيه‮ ‬الأهمية‮ ‬ونعتقد‮ ‬بضرورة‮ ‬الإسهام فيه‮ . ‬

وزرى‮ ‬ان كلا‮ ‬التصورين‮ ‬لن‮ ‬يؤديا‮ ‬إلى‮ ‬الفرص‮ ‬المتوفى من‮ ‬وراء‮ ‬إختيار مثل هذا‮ ‬الموضوع‮ .‬،‮. ‬فإما‮ ‬الذين‮ ‬يظنون‮ ‬بأن‮ ‬اامر‮ ‬يسير‮ ‬التناول‮ ‬،‮ ‬فقد‮ ‬يقعون‮ ‬فريسة‮ ‬النظرات‮ ‬افوقية‮ ‬الساذجة‮ ‬إلىتكتفى بالوقوف‮ ‬أمام‮ ‬انتائج‮ ‬دون ان‮ ‬تكلف فحص ازسباب‮ ‬واما‮ ‬اذين‮ ‬يقولون‮ ‬بأن‮ ‬هذا‮ ‬الامر‮ ‬غير جدير‮ ‬بأن‮ ‬يكون‮ ‬مووضعاًلهذا‮ ‬امؤتمر‮ ‬وان‮ ‬القضاياي‮ ‬اتي‮ ‬سبق ان طرحت‮ ‬هي‮ ‬اكثر حساسية‮ ‬

وأكثر‮ ‬إتساعاً وشمولاً فإنهم‮ ‬لم‮ ‬ينظروا‮ ‬إلى جوهر‮ ‬القضية‮ ‬المطروحة‮ .‬،‮. ‬والتي‮ ‬تعتبر‮ ‬ملحة‮ ‬أيما‮ ‬إلحاح‮ ‬،‮ ‬وإنما‮ ‬في‮ ‬أمس‮ ‬الحاجة‮ ‬إلى ان‮ ‬تطرح‮ ‬وإلىان‮ ‬يقول‮ ‬بشأنها‮ ‬كل ذي‮ ‬رأي‮ ‬مسئول‮ ‬ما‮ ‬يعلن به‮ ‬وما‮ ‬يغض به إجتهاده‮ ‬ومنهج تفكيره‮. ‬

وخلافاً‮ ‬لما‮ ‬يظهر‮ ‬في‮ ‬الموضوع‮ ‬من‮ ‬الاغراق‮ ‬في‮ ‬التعميمي‮ ‬وعدم‮ ‬القدرة‮ ‬على‮ ‬اتحديد‮ ‬،‮ ‬فإن‮ ‬الأمر‮ ‬يختلف‮ ‬كل الأختلاف‮ ‬،‮ ‬إذاًالامر‮ ‬فيما‮ ‬نرى‮ ‬واضح‮ ‬وجلي‮ ‬ولايحتاج‮ ‬في‮ ‬احقيقة‮ ‬إلا‮ ‬لتلك‮ ‬انظرات‮ ‬المحددة‮ ‬التي‮ ‬تطرح‮ ‬امسألة‮ ‬وتنفذ إلى‮ ‬أعماقها‮ ‬ابعيدة‮ ‬والتي‮ ‬تبر‮ .‬،‮. ‬إذا‮ ‬ما حددت‮ ‬ودرست‮ ‬،‮ ‬بعد المشكلة‮ ‬الأدبية‮ ‬في‮ ‬العصر‮ ‬الحديث‮ ‬‮ ‬

نعم‮ ‬الإعلام‮ ‬والادب‮ ‬،‮ ‬هذه‮ ‬هي‮ ‬القضية‮ ‬التي‮ ‬لابد ان نبحث‮ ‬ولابد أن‮ ‬يسلط‮ ‬عليها‮ ‬كل ما‮ ‬يمتلكه‮ ‬الباحثون‮ ‬من الآضواء‮ ‬أضواء وقودها‮ ‬عيون‮ ‬الكاتب‮ ‬اتي‮ ‬أضناها السهر‮ ‬ونال‮ ‬من قدراتها البصرية‮ ‬طول‮ ‬اجهد‮ ‬والمعاناة والتدبر إناء‮ ‬الليل وأطراف‮ ‬النهار‮ ‬عندما‮ ‬‮ ‬تمتليء‮ ‬أفئدة الأخرين‮ ‬أحلاماًجميلة‮ ‬وتندثر‮ ‬إمالا‮ ‬وطموحاً‮ .‬

نعم‮ ‬الإعلام‮ ‬والادب‮ .‬،‮. ‬هذه هي‮ ‬القضية‮ ‬،‮ ‬ولست أريد هنا أن‮ ‬اغرق هذا‮ ‬الجمع‮ ‬الكريم‮ ‬في‮ ‬تلك‮ ‬التعريفات‮ ‬التي‮ ‬طالما زين‮ ‬للكثيرن‮ ‬أن‮ ‬يرقوا‮ ‬فيها‮ ‬كلما‮ ‬عن لهم‮ ‬أن‮ ‬يناقشوا‮ ‬قضية‮ ‬منالقضايا زو‮ ‬يبحثوا‮ ‬أمراً‮ ‬من أمور الثقافة‮ ‬،‮ ‬فأحدوا معنى‮ ‬كلمة الإعلام‮ ‬،‮ ‬متى‮ ‬جاءت وكيف‮ ‬جاءت إلى الثقافة اعربية‮ ‬وما إذا‮ ‬كانت هذه اللعباراة قد وردت‮ ‬

من لغات أخرى أو إنها من الشقيقات الجديدة‮ ‬،‮ ‬فزنتم خير‮ ‬من‮ ‬ضم‮ ‬هذه‮ ‬اأمور‮ ‬،‮ ‬بل‮ ‬ان منكم‮ ‬من‮ ‬أمضىوقتاً‮ ‬طويلاًفي‮ ‬تحدي‮ ‬مثل هذه‮ ‬المعاني‮ ‬والبحث عن جذور ها ومدلولاتها‮ ‬،‮ ‬ولكن إذا كان لابد‮ ‬من تعريف‮ ‬فإنني‮ ‬أحب‮ ‬ان‮ ‬اقف‮ ‬أمام‮ ‬تعريف بسيط أجد فيه‮ ‬الراحة‮ ‬،‮ ‬وأرىفيه سلامة الدلالالة‮ ‬،‮ ‬فأحدد‮ ‬ان اإعلام‮ ‬يشمل‮ ‬في‮ ‬الحقيقة جميع الأجهزة التي‮ ‬تضطلع بمسئولية مخاطبة اناس‮ ‬بهدف توجيه كمتهم وتحديد‮ ‬إختياراتهم‮ .‬

وباالتالي‮ ‬كسبهم في‮ ‬حركة اصراع الأبدي‮ ‬الذي‮ ‬كان وما‮ ‬يزال‮ ‬يدور بين‮ ‬الذين‮ ‬يحصرون على‮ ‬بقاء‮ ‬الأشياء حيث هي‮ ‬والذين‮ ‬يسعون‮ ‬كيما توجه‮ ‬إلى الأمام‮ ‬

إنه الإذاعة‮ ‬بشقيها امسموع‮ ‬وامرئي‮ ‬والمطبوعات‮ ‬بأنواعها والأشرطة‮ ‬عل‮» ‬إختلاف‮ ‬ووسائل‮ ‬العرض‮ ‬على تعددها‮ .‬،‮. ‬الأعلام‮ ‬إذن‮ ‬هو هذه‮ ‬الأجهزة‮ ‬مجتمعة‮ ‬،‮ ‬بما‮ ‬تملكه‮ ‬من‮ ‬إمكانات فنية‮ ‬ووسائل توجيه‮ ‬خطيرة‮ ‬وأساليب‮ ‬تخطيط متنوعة‮ .‬،‮ ‬إن العلام في‮ ‬الحقيقة‮ ‬هو السلطة‮ ‬التي‮ ‬تملك‮ ‬هي‮ ‬الأشياء وتحدد‮ ‬سياسا تها‮ ‬وتؤثر‮ ‬في‮ ‬توجهاتها‮ .‬

‮ ‬وعلى الرغم‮ ‬من‮ ‬ان الإعلام بهذا‮ ‬المدلولمن‮ ‬الأنشطة التي‮ ‬فطن إليها الإنسان في‮ ‬الفترات القريبة‮ .‬،‮ ‬وإنسننا اعتبي‮ ‬في‮ ‬فترة أقرب‮ ‬الطبع‮ ‬،‮ ‬إذ‮ ‬إنه‮ ‬باتحديد‮ ‬قد وجد‮ ‬في‮ ‬الفترات‮ ‬التي‮ ‬أشتد‮ ‬فيها‮ ‬الصراع‮ ‬بني‮ ‬القوى‮ ‬الدولية‮ ‬امتكالبة‮ ‬التي‮ ‬أخذت‮ ‬تتصارع‮ ‬حول‮ ‬وطننا‮ ‬عربي‮ ‬عقب تفكك‮ ‬الإمبراطورية‮ ‬اإسلامية‮ ‬والذي‮ ‬وافق‮ ‬ظهور القوميات‮ ‬

التي‮ ‬إنبعثتت‮ ‬فيها‮ ‬قوى‮ ‬دولية‮ ‬كان‮ ‬هممها ومايزال‮ ‬متمثلاًفي‮ ‬توكيد‮ ‬نفوذها‮ ‬وتقوية‮ ‬هيمنتها‮ ‬ووصلاًإلى‮ ‬صون مصالحها‮ ‬التي‮ ‬لن تكون‮ ‬بأى‮ ‬حال‮ ‬منسجمة‮ ‬مع مصالح‮ ‬اشعوب‮ ‬المستضعفة‮ ‬والدول حديثة‮ ‬اإستقلال‮ ‬،‮ ‬وعلى الرغم‮ ‬كذلك‮ ‬من ان‮ ‬الثلاثينينات‮ ‬هي‮ ‬فترة‮ ‬إزدهار‮ ‬الأعلام‮ ‬بالنسبة‮ ‬للعالم‮ ‬أجمع‮ ‬،‮ ‬وذلك‮ ‬عندما‮ ‬غدت‮ ‬فكرة‮ ‬مخاطبة‮ ‬اناس‮ ‬من الامور‮ ‬اتي‮ ‬تعنى بها‮ ‬الدول‮ ‬اكبيرة‮ ‬وتضع‮ ‬ها القواعد‮ ‬والمخططات‮ .‬،‮. ‬وتنتقي‮ ‬لها‮ ‬اوسائل‮ ‬والأساليبي‮ ‬بهدف‮ ‬كسب‮ ‬ارأى‮ ‬اعام وهئية‮ ‬للرنتصار‮ ‬لهذه‮ ‬السياسات‮ ‬والتشير‮ ‬ها أن‮ ‬امكن‮ ‬،‮ ‬أو‮ ‬على‮ ‬الأقل‮ ‬عدم‮ ‬الإلتفات إلى جوانبها‮ ‬اسلبية‮ ‬ومضامينها‮ ‬المعادية‮ ‬للجماهير‮ .‬،‮ ‬فإن‮ ‬الخمسينينيات‮ ‬واستينيييات‮ ‬في‮ ‬الحقيقة هي‮ ‬الفترة التي‮ ‬أزدهر فيها هذا‮ ‬الأعلام‮ ‬بالنسبة‮ ‬لوطننا‮ ‬اعربي‮ ‬اكبير‮ ‬،‮ ‬وذلك عندما‮ ‬بدأت‮ ‬الصحف‮ ‬والمجلات‮ ‬والوسائل‮ ‬السمعية‮ ‬البصرية‮ ‬تكرس‮ ‬جهدها‮ ‬متن أجل‮ ‬التمكين للسياسات التحررية‮ ‬وتواجه في‮ ‬الوقت ذاته‮ ‬وبكل‮ ‬شراسة‮ ‬تلك‮ ‬التي‮ ‬تختلف‮ ‬معها‮ .‬،‮ ‬وكان‮ ‬إن دت‮ ‬الصحف‮ ‬على سبيل‮ ‬امثال‮ ‬ستقطب‮ ‬الأفلام‮ ‬القوية‮ ‬القدرة‮ ‬على‮ ‬اتحليل‮ ‬والتنظير‮ ‬وكشف مخططات‮ ‬القوى الإستعمارية‮ ‬والرجعية‮ ‬تليت‮ ‬يتفقد‮ ‬هذا‮ ‬الكيان‮ ‬اعربي‮ ‬أو ذاك‮ ‬،‮ ‬وترضى ميول هذا ازعيم‮ ‬التقدمي‮ ‬أو تثير‮ ‬نظيره‮ ‬الآخر ومن هنا‮ ‬كان طغيان‮ ‬المثالة‮ ‬السياسية على‮ ‬ألوان كثيرة‮ ‬من اتعبير‮ ‬كما برز الشريط المرئى‮ ‬والتمثلية‮ ‬المسموعة‮ ‬كفنون‮ ‬بارزة‮ ‬مجندة‮ ‬في‮ ‬الغالب‮ ‬لمصالح‮ ‬سياسية‮ ‬وجهوية‮ ‬كثيرا ما حاول‮ ‬البعض‮ ‬أخضارها تحت أقنعة مختلفة‮ ‬،‮ ‬بيد‮ ‬أؤها‮ ‬ظلت‮ ‬واضحة جلية‮ ‬لكل‮ ‬من‮ ‬يتابع‮ ‬تطور‮ ‬المكتبات‮ ‬

المختلفة بمسئولية‮ ‬وبنظرة‮ ‬خاضعة‮ ‬،‮ ‬لاتظلها‮ ‬ازصباغ‮ ‬،‮ ‬ولاتخفي‮ ‬عنها‮ ‬احقائق‮ ‬اموغلة‮ ‬في‮ ‬العمق‮ ‬اسحيق‮ .‬،‮. ‬وكذا‮ ‬زدخل‮ ‬لاربداع اعربي‮ ‬مرحلة‮ ‬جديدة‮ ‬،‮ ‬إذا‮ ‬كان لمرء زن‮ ‬يوجز‮ ‬وصفها‮ ‬فإنه‮ ‬يمكن‮ ‬القول‮ ‬بأنها‮ ‬مرحلة‮ ‬القلق‮ ‬والتذبذب‮ ‬،‮ ‬وعدم‮ ‬الإستقرار‮ ‬على شكل‮ ‬معين‮ ‬من‮ ‬حيث الأسلوب‮ ‬في‮ ‬الادب‮ ‬وموضوعاته‮ ‬واللغة‮ ‬ورسالتها‮ ‬،‮ ‬قد‮ ‬تصادف‮ ‬ان‮ ‬ررتبطت‮ ‬ههذه امرحلة‮ ‬،‮ ‬مرحلة‮ ‬التجول الذي‮ ‬طرأ‮ ‬على المجتمعات‮ ‬اربية ونعني‮ ‬بها زمرحلة‮ ‬اإنصراف‮ ‬إلى خيارات أخرى‮ .‬،‮ ‬ففي‮ ‬ميدان الدراسة‮ ‬أو اتكوين‮ ‬الاول‮ ‬كامن‮ ‬خط‮ ‬انواحي‮ ‬اأبية‮ ‬زضعف‮ ‬من الامور‮ ‬املية‮ ‬،‮ ‬إذ‮ ‬غدا‮ ‬إلا‮ ‬،‮ ‬اعربي‮ ‬لايحب‮ ‬ان‮ ‬يرى‮ ‬ربنه‮ ‬خطيبا‮ ‬مغوها‮ ‬او شاعراًمغلقاًأو قاصاً‮ ‬ممتعا أو‮ ‬‮ ‬روائياًممتعا‮ ‬،‮ ‬بقدر ما‮ ‬غدا‮ ‬يتطلع‮ ‬إلى‮ ‬رويته‮ ‬مهندساًبارزاً‮ ‬او طيبياًمشهوراًأو‮ ‬إقتصادياً‮ ‬ذات‮ ‬مكانة‮ ‬كبيرة‮ ‬،‮ ‬إذا‮ ‬لقد‮ ‬طرأت‮ ‬تخصصات‮ ‬جديدة‮ ‬بإنعكاس‮ ‬طبيعي‮ ‬لمراحل‮ ‬الناس‮ ‬الحياتية‮ ‬وإستجابة‮ ‬لامناص‮ ‬منها‮ ‬لظروف‮ ‬العصر‮ ‬ومتطتلبات‮ ‬المعقدة‮ ‬ومشكلاته‮ ‬الكثيرة‮ .‬،‮. ‬مما جعل الإهتمام باللغة‮ ‬وفنونها لايدخل في‮ ‬أولويات‮ ‬الناس وهويتهم اأساسية‮ ‬إن ذلك‮ ‬لايعني‮ ‬بالطبع‮ ‬أن المرء‮ ‬يقر‮ ‬مثل‮ ‬هذا اوضع أو‮ ‬يدعوا إليه‮ ‬،‮ ‬زو‮ ‬إن‮ ‬يشكل‮ ‬مدعاة‮ ‬لسروره‮ .‬،‮ ‬وكن اأمر‮ ‬ايعدو ن‮ ‬يكون إستقراء لظروف‮ ‬سادت‮ ‬،‮ ‬وحالة‮ ‬حصلت‮ ‬،ووضع‮ ‬تهيأت‮ ‬له‮ ‬ن‮ ‬يقو وأن‮ ‬يترتب‮ ‬عليه‮ ‬باتالي‮ ‬نمشكل‮ ‬ما‮ ‬،‮ ‬وربما‮ ‬امبالغ‮ ‬امرء‮ ‬إذا‮ ‬ما قال أنه‮ ‬قد‮ ‬يستمر‮ ‬طويلاً‮ ‬على‮ ‬ماليبدو‮ ‬ويلوح‮ ‬‮ ‬

إن هذه‮ ‬الظروف‮ ‬في‮ ‬مجمعها مشكلة‮ ‬طوال‮ ‬اعقود‮ ‬اماضية‮ ‬ما أصطلح‮ ‬على تسميتها مشكلة‮ ‬اأدب‮ ‬او‮ ‬نقل اللغة إزاء وسائل الأعلام‮ ‬،‮ ‬إذا قبل هذه‮ ‬اظروف‮ ‬كانت‮ ‬مارسة‮ ‬اأدب‮ ‬تتم‮ ‬من خلال‮ ‬رشكال‮ ‬تعبيرية معينة‮ .‬،‮. ‬يكون الإتجاه إلى‮ ‬الادب‮ ‬أثناءها‮ ‬يأتي‮ ‬من‮ ‬خلال الأدب‮ ‬كصناعة‮ ‬،‮ ‬كتعبير خاص‮ .‬،‮ ‬تناول فيه اكلمة حظاً‮ ‬من الإنتقاء‮ ‬ويلعب‮ ‬الخيال‮ ‬فيه‮ ‬مايشاء‮ ‬أن‮ ‬يلعب‮ .‬،‮. ‬دونما إهتمام‮ ‬بالمشكلات العامة‮ ‬،‮ ‬بل‮ ‬إن الأنصراف‮ ‬إلى‮ ‬الهموم‮ ‬الدنيوية‮ ‬كان‮ ‬في‮ ‬ظل‮ ‬هذه‮ ‬المفاهيم‮ ‬ينأي‮ ‬باالدب‮ ‬عن ان‮ ‬يكون‮ ‬منشغلاًبهذه‮ ‬امشكلات‮ ‬،‮ ‬وحتى‮ ‬عندما‮ ‬ينشغل‮ ‬الأدب بقضية‮ ‬من القضاياي‮ ‬زو شأن‮ ‬من الشؤون‮ ‬،‮ ‬فإن‮ ‬ذلك‮ ‬يتأتي‮ ‬من خلال ارمز‮ ‬المقنع‮ ‬والإيماء‮ ‬الخيف‮ ‬أو‮ ‬الإشارة‮ ‬اسريعة‮ .‬،‮ ‬وقد نتج‮ ‬عن‮ ‬ذلك‮ ‬ن‮ ‬فقد‮ ‬الادب‮ ‬أهم‮ ‬خاصية‮ ‬كان‮ ‬يتمتع‮ ‬بها قبل‮ ‬ظهور‮ ‬وسائل‮ ‬الإعام‮ ‬،‮ ‬وما‮ ‬فرضته‮ ‬من جبروت‮ ‬وأملته‮ ‬من‮ ‬شروط‮ .‬،‮. ‬ونني‮ ‬بها‮ ‬خاصية‮ ‬الإبداع‮ ‬اللغوي‮ ‬حيث‮ ‬التركيز‮ ‬على‮ ‬اللغة‮ ‬كثقيمة فنية‮ ‬خالصة‮ ‬،‮ ‬لقد‮ ‬تحولت‮ ‬اللغة‮ ‬أو لنقل اأدب‮ ‬في‮ ‬ظل هذا‮ ‬اواقع‮ ‬إلى فن‮ ‬موظف لخدمة‮ ‬غرض ما‮ ‬،‮ ‬بعد ان‮ ‬كان‮ ‬فناً‮ ‬خالصاً‮ ‬لذاته‮ ‬،‮ ‬مع‮ ‬ان‮ ‬اتجريد‮ ‬في‮ ‬مثل‮ ‬هذه‮ ‬الامور‮ ‬صعب‮ ‬للغاية‮ ‬ولكن‮ ‬مشكلة‮ ‬الأبداع‮ ‬تظل‮ ‬قائمة‮ ‬بلا ريب‮ ‬0

‮ ‬وعلى ارغم‮ ‬من ان‮ ‬اكثير‮ ‬من‮ ‬الباحثين‮ ‬يعتقدون‮ ‬ن‮ ‬الإقلاع عن الأساليب‮ ‬القديمة‮ ‬في‮ ‬اكتابة‮ ‬اابية‮ ‬،‮ ‬كان‮ ‬حصيلة‮ ‬منر محصلات‮ ‬الدعوات‮ ‬اجديدة‮ ‬وبالتحديد تبلك‮ ‬التي‮ ‬قامت‮ ‬على‮ ‬القول بأن‮ ‬الأدب‮ ‬ينبغي‮ ‬ان‮ ‬يوظف‮ ‬لخدمة‮ ‬احياة‮ ‬،‮ ‬وهم‮ ‬بذلك‮ ‬يريدون‮ ‬أن‮ ‬يدينوا‮ ‬مثل هذا‮ ‬الأتجاه‮ .‬،‮. ‬إلا ان‮ ‬اأمر‮ ‬في‮ ‬احقيقة‮ ‬لايقف‮ ‬عند‮ ‬هذه‮ ‬المرحلة‮ ‬

وإنما كان قبل ذلك بفترات طويلة‮ ‬لغاية إذا أنه‮ ‬يرجع إلى تلك الفترة اتي‮ ‬خاض فيها‮ ‬آولئك اسابقون معاركهم‮ ‬الضارية‮ ‬من أجل‮ ‬تجديد‮ ‬المقامة‮ ‬الأدبية‮ ‬ورفض‮ ‬فيها‮ ‬اولئك أيضاًالسابقون‮ ‬معاركهم‮ ‬الضارية‮ ‬من أجل‮ ‬تجديد‮ ‬امقامة اأدبية‮ ‬ورفض‮ ‬الاساليب‮ ‬اقريبة‮ ‬منها‮ ‬عند‮ ‬ما كان‮ ‬الرافعي‮ ‬وأمثاله‮ ‬يسعون‮ ‬إى‮ ‬بعثها‮ ‬في‮ ‬عشرينات هذا القرن‮ ‬فيا كان‮ ‬الزمن‮ ‬يرفضها‮ ‬بلا هوادة‮ .‬،‮. ‬وحسبنا ان نذكر‮ ‬كيف‮ ‬عجزت‮ ‬تلك‮ ‬الكلمة‮ ‬الخالدة‮ ‬اتي‮ ‬ذيل بها‮ ‬الرافعي‮ ‬كتابه‮ ‬وحي‮ ‬القلم‮ ‬لعية‮ ‬سعد زغللو‮ ‬عن‮ ‬ن تقف‮ ‬أمام‮ ‬نقد الدكتور‮ /‬ط‮ ‬حسين‮ ‬ومثله‮ ‬الأستاذ‮ ‬اقاد‮ ‬لأسلوب‮ ‬الرافعي‮ ‬وطريقته‮ ‬اتقليدية‮ ‬في‮ ‬الكتابة‮ ‬،‮ ‬لى‮ ‬ارغم‮ ‬من ان‮ ‬العقاد‮ ‬لأسلوب ارافعي‮ ‬وطريقته‮ ‬التقليدية‮ ‬في‮ ‬الكتابة‮ ‬،‮ ‬عى‮ ‬الرغم‮ ‬م ن‮ ‬ان‮ ‬ط‮ - ‬جسن‮ ‬كان‮ ‬ينشر‮ ‬كتاباته‮ ‬في‮ ‬صحف‮ ‬الأقلية‮ ‬البرلمانية‮ ‬في‮ ‬تلك‮ ‬الفترة‮ ‬المبكرة‮ ‬من اتاريخ حين‮ ‬كانت‮ ‬كل القوى‮ ‬السياسية‮ ‬امصرية‮ ‬تسير‮ ‬في‮ ‬ركب‮ ‬سعد زغلول بل‮ ‬أن‮ ‬العقاد‮ ‬نفسه‮ ‬قد‮ ‬إستطاع‮ ‬ان‮ ‬يؤكد‮ ‬حضوره‮ ‬بقوة‮ ‬في‮ ‬الحياة‮ ‬الأدبية‮ ‬بالرغم من‮ ‬إنسلاخه‮ ‬عن‮ ‬اوفد اذي‮ ‬كان‮ ‬يومئذيحكم‮ ‬مر‮ ‬،‮ ‬بل‮ ‬لهله أكد‮ ‬وجوده‮ ‬وهو‮ ‬يتخذ‮ ‬هذا اموقف‮ ‬أكثر‮ ‬من ذي‮ ‬قبل‮ . ‬

لماذا‮ ‬ثم‮ ‬ذلك‮ ‬يترى‮ / ‬

لالاشيد سوىن‮ ‬الأدب‮ ‬الجديد‮ ‬إستطاع‮ ‬ان‮ ‬يطرق‮ ‬بابا المتلقىمن خلال وسائل‮ ‬الإعلام‮ ‬المؤثرة‮ ‬،‮ ‬إنها‮ ‬الوسائل التي‮ ‬بدأت ادي‮ ‬ذي‮ ‬بدء باالصحافة واتي‮ ‬كان له تأثيرها‮ ‬اقوى‮ ‬بعد‮ ‬ذلك في‮ ‬فنون أخرى‮ ‬،‮ ‬مثل‮ ‬فن‮ ‬القصة‮ ‬القصيرة‮ ‬والتبشيرية‮ ‬،‮ ‬والدعوة‮ ‬إليه‮ .‬،‮. ‬ووضع كافة‮ ‬فرص‮ ‬اإنتشار‮ ‬أما‮ ‬،‮ ‬اما‮ ‬عندما‮ ‬ظهرت‮ ‬اشاشة‮ ‬واإذاعة‮ ‬المرئية‮ ‬والمسوعة‮ ‬فإن الأمر‮ ‬قد تطور‮ ‬إلد‮ ‬أبعد‮ ‬من‮ ‬ذلك‮ ‬كثير‮

لقد تحولت أهم‮ ‬ااعمال‮ ‬اروائىة‮ ‬اعربية‮ ‬إلى أشرطة‮ ‬مصورة‮ ‬زستطاعت ان‮ ‬تحتل‮ ‬مكانتها‮ ‬اكبيرة‮ ‬في‮ ‬وجدانات‮ ‬اناس وتؤثر في‮ ‬سيرة‮ ‬حياتهم كل‮ ‬ما ك؛ان‮ ‬له‮ ‬ان‮ ‬يتحقق‮ ‬لوظلت‮ ‬الكلمة امكتوبة‮ ‬تعتمد‮ ‬على‮ ‬القراءة‮ ‬وحدها‮ ‬كأسلوب‮ ‬للتحصيل‮ .‬

بل زن الجماهير اعربية‮ ‬وعبر مختلف‮ ‬ااسحات‮ ‬اعربية‮ ‬في‮ ‬رحلة إتصالها بروائْ‮ ‬اأدب‮ ‬اعالمي‮ ‬وإن كانت‮ ‬هذه‮ ‬ارحلة‮ ‬قد‮ ‬وجدت‮ ‬بافعل‮ ‬‮ ‬إنما‮ ‬كانت‮ ‬في‮ ‬ذلك‮ ‬مستفيدة‮ ‬من‮ ‬إمكانيات وسائل الاعلام‮ .‬،‮ ‬إن ذلك‮ ‬لاينفي‮ ‬الدور‮ ‬الذي‮ ‬قامت‮ ‬به‮ ‬المؤسسات‮ ‬المختصة‮ ‬بالترجمة‮ ‬‮ .‬،‮ ‬ولا‮ ‬يجحد‮ ‬تلك اجهود‮ ‬الفردية الضخمة التي‮ ‬بذلها‮ ‬كثير من‮ ‬الأدباءالعرب‮ ‬في‮ ‬هذا‮ ‬اسبيل‮ ‬،‮ ‬لكن هناك‮ ‬فارق‮ ‬كبير بين اجهد‮ ‬وتأثير‮ ‬الجهد‮ ‬أن‮ ‬التأثير‮ ‬منا دونما مشمولات وسائل‮ ‬الأعلام وفي‮ ‬مقدمتها‮ ‬ازشرطة‮ ‬أقوى وسائط‮ ‬الإعلام‮ .‬

على‮ ‬أن‮ ‬كل‮ ‬هذه‮ ‬الإيجابيات‮ ‬التي‮ ‬نقول‮ ‬بها‮ ‬من قبيل‮ ‬الأنصاف‮ ‬لدور اإعلام‮ ‬في‮ ‬الأدب‮ ‬،‮ ‬لاتنفي‮ ‬حقيقة‮ ‬واضحة‮ ‬،‮ ‬مفادها‮ ‬إن‮ ‬الأعلام‮ ‬قد زثر شكل‮ ‬ما على اأدب‮ ‬واثر أيضاً‮ ‬بشكل خاص‮ ‬في‮ ‬اسلوب‮ ‬الأدب‮ ‬،‮ ‬فتحت‮ ‬إلحاح وسائل‮ ‬الأعلام المختلفة‮ ‬وهجها الدائ‮ ‬للإنتاج‮ ‬شاع‮ ‬بين‮ ‬اناس‮ ‬إستسهال‮ ‬اكتاباة‮ ‬،‮ ‬فضعف‮ ‬باالتالي‮ ‬أسلوبها‮ ‬دى‮ ‬الكثيريين‮ ‬،‮ ‬وغدا‮ ‬عض الذين‮ ‬يتعاطون‮ ‬الكتابة لايعولون‮ ‬كثيراً‮ ‬على‮ ‬تنقية‮ ‬اللغة‮ ‬لايجفلون‮ ‬كثيرا‮ ‬بجمال‮ ‬اعبارة‮ ‬وربما‮ ‬لايهتمون‮ ‬بعمق‮ ‬النظرة‮ ‬،‮ ‬إذيكفي‮ ‬ان‮ ‬يكون‮ ‬المرء شهرة‮ ‬يسيرة في‮ ‬ميدان‮ ‬القصة‮ ‬مثلاً‮ ‬فيملز‮ ‬وسائل‮ ‬اإعلام بالكثير من‮ ‬اكاتبات‮ ‬القصصية‮ ‬اسريعة‮ ‬التي‮ ‬تمأ ركا في‮ ‬مطبوعة‮ ‬أو فترة‮ ‬زمنية‮ ‬في‮ ‬إذاعة‮ ‬من اأذاعات‮ ‬،‮ ‬غير‮ ‬متهيب‮ ‬من مفاجأة‮ ‬الأصول‮ ‬ولا مقدر‮ ‬لسلطان‮ ‬القواعد‮ ‬،‮ ‬يكفي‮ ‬ان‮ ‬يكون‮ ‬شهرة في‮ ‬ميدان‮ ‬المقال‮ ‬ليمأ‮ ‬أعمدة‮ ‬الصحفز وساعات‮ ‬الإرسال‮ ‬بتلك‮ ‬امعالجات الفة التي‮ ‬تفتقر‮ ‬رلى الاسلوب بذات‮ ‬القدر الذي‮ ‬تحتاج‮ ‬فهي‮ ‬إلى‮ ‬عمق‮ ‬النظرة‮ ‬،‮ ‬فإذا‮ ‬ما زرتفع‮ ‬صوت نقدي‮ ‬محتجا او منبهاًكان‮ ‬في‮ ‬حاجة اإعلام‮ ‬ماعطل‮ ‬دور النقد‮ ‬ويتوصن‮ ‬سلطان‮ ‬الأصول‮ ‬

حقاًإن‮ ‬هذا‮ ‬الوضع قد فتح‮ ‬باب‮ ‬الإحتراف‮ ‬،‮ ‬وأوجد‮ ‬شروطاًمنافضل‮ ‬من لناحية‮ ‬المعيشية‮ ‬أمام‮ ‬اكاتب‮ .‬،‮ ‬لكن‮ ‬ماذا‮ ‬هعن الإبداع‮ ‬‮ ‬،‮ ‬هذه‮ ‬هي‮ ‬القضية‮ ‬،‮ ‬في‮ ‬الإبداع‮ ‬في‮ ‬الحقيقة‮ ‬تأثر‮ ‬،‮ ‬وإن‮ ‬تأثره‮ ‬لواضح‮ ‬وجلي‮ .‬

‮ ‬ومن‮ ‬لظلم‮ ‬،‮ ‬فيما‮ ‬نراه‮ ‬ان‮ ‬يظن كائن‮ ‬من‮ ‬يكون‮ ‬ان العصر لم‮ ‬يعد‮ ‬عصر إبداع‮ ‬في‮ ‬مجال‮ ‬الكتابة‮ ‬،‮ ‬وإن‮ ‬الأمور‮ ‬اعلمية‮ ‬قد‮ ‬غدت‮ ‬تطغىعلى كل شيء‮ ‬،‮ ‬فمنذ‮ ‬ان إرتاد اعقل‮ ‬اعربي‮ ‬زفاق‮ ‬الفكر‮ .‬،،‮ ‬وأضاف‮ ‬إليها الشيءالكثصير‮ .‬،‮ ‬كان‮ ‬له إحتفاؤه‮ ‬الواضح‮ ‬باللغة‮ ‬،‮ ‬هذا‮ ‬الإطار‮ ‬ارائع‮ ‬الذي‮ ‬يحمل‮ ‬الفكر‮ ‬ويصوغه‮ ‬،‮ ‬ويصطلح‮ ‬بمسئولية‮ ‬توصيله‮ ‬إلى‮ ‬الناس‮ ‬،‮ ‬بل إن‮ ‬أعظم‮ ‬ما تركه العقل‮ ‬من‮ ‬زثار‮ ‬فلسفية‮ ‬،‮ ‬هو‮ ‬ذلك‮ ‬الذي‮ ‬عول‮ ‬مبدعوه‮ ‬على‮ ‬اأسلوب‮ ‬اجيد‮ ‬وتسلحون‮ ‬له بااشكل‮ ‬المنفرد‮ ‬0

هل‮ ‬نحتاج للشواهد ؟‮ ‬

فنحتكم إلى الآثار الضخمة‮ ‬اتي‮ ‬تملأ‮ ‬المكنبة‮ ‬اعربية‮ ‬منذ أن‮ ‬تحققت‮ ‬لنثر‮ ‬مكانته‮ ‬في‮ ‬دنيا‮ ‬الإبداع‮ ‬،‮ ‬بل منذ أن‮ ‬آضطلع‮ ‬هذا‮ ‬النثر‮ ‬بمخاطبة‮ ‬الإنساسن‮ ‬اعربي‮ ‬والدخول‮ ‬به‮ ‬إلى عوالم‮ ‬امعاناة والتفكير‮

فحين‮ ‬بدأ‮ ‬الصراع‮ ‬اسياسي‮ ‬في‮ ‬اإسلام‮ ‬،‮ ‬وبرزت الخطابة‮ ‬كفى‮ ‬زدبي‮ ‬وشكل‮ ‬قادر‮ ‬على مخاطبة اناس‮ ‬وكسب‮ ‬تأييدهم‮ ‬هم‮ ‬وإستنفار‮ ‬قوتهم‮ ‬وشحذ‮ ‬همهم‮ ‬،‮ ‬وظهرت‮ ‬الفرق‮ ‬الإسلامية‮ ‬المتعددة‮ ‬وكثر‮ ‬التطان‮ ‬واتنافر وأشتد‮ ‬اخلاف بين‮ ‬المسلمني‮ ‬كان للبلاغة‮ ‬تأثيرها‮ ‬المعروف‮ ‬في‮ ‬نشر‮ ‬مباديء‮ ‬اشيعة‮ ‬والخوراج وغيرهما من‮ ‬لفرق اأسلامية‮ ‬،‮ ‬وعمدا‮ ‬ظهرت‮ ‬فرق المحتزلة‮ ‬برؤيتها‮ ‬المخالفة‮ ‬بجماعة‮ ‬اسنة كان‮ ‬للغة‮ ‬عاملها القوي‮ ‬في‮ ‬نشر هذا الفكر‮ ‬،‮ ‬حتى‮ ‬إننات‮ ‬نرى أكثرد‮ ‬الناسد خلافاً‮ ‬ما رآء هذهذ‮ ‬الجماعة لايقللون‮ ‬من‮ ‬إمكانات ‮.‬

أصحابها اللغوية‮ ‬،‮ ‬وقدر اتهم على توليد‮ ‬المعاني‮ ‬وإستخراج الدلالات‮ .‬،‮. ‬ومن الذي‮ ‬لايعرف‮ ‬ماسطره‮ ‬الزمخرشي‮ ‬في‮ ‬أطواق‮ ‬الذهب‮ ‬من‮ ‬‮ ‬الذي‮ ‬يعزب عن باله‮ ‬ما‮ ‬يحفل به‮ ‬نهج‮ ‬ابلاغة م نزنواع الجمال‮ .‬،‮ ‬بصرف‮ ‬النظر عن‮ ‬م‮ ‬صة‮ ‬إنتساب‮ ‬النص‮ ‬إل‮ ‬الأم‮ ‬على من ت عدن‮ .‬

إن الأخذ‮ ‬بمنطق‮ ‬الواقع‮ ‬يقتفي‮ ‬منا‮ ‬اقول‮ ‬بأ‮ ‬إبن‮ ‬خلدون نفسه‮ ‬والذي‮ ‬يمهر الناس‮ ‬ينطرياته في‮ ‬دراسة‮ ‬امجتمع‮ ‬،‮ ‬ما كان له‮ ‬ن‮ ‬يفعل ما‮ ‬فعل‮ ‬لو‮ ‬لم‮ ‬يتسلح‮ ‬بذلك‮ ‬اأسلوب‮ ‬الذي‮ ‬تميز به‮ ‬،‮ ‬والذي‮ ‬هيأ‮ ‬له‮ ‬إن‮ ‬ينفرد‮ ‬عن الذين‮ ‬سبقوه‮ ‬والذين‮ ‬جاء‮ ‬و من بده‮ ‬من المصلحين‮ ‬والباحثيني‮ ‬0

والسؤال‮ ‬الآن‮ :- ‬

ماهو دور الأديب‮ ‬،‮ ‬يف‮ ‬يستطيع‮ ‬ان‮ ‬يتمكن‮ ‬من تجسيد‮ ‬هذا‮ ‬الدور‮ ‬،‮ ‬أو‮ ‬أخدذ له ما‮ ‬ينمكن‮ ‬ن نتلف‮ ‬إزاءه‮ ‬،‮ ‬_م كيف‮ ‬يمكن‮ ‬تحديد‮ ‬‮ ‬هذا‮ ‬ادور‮ ‬فذلك‮ ‬ماسيصعب‮ ‬بلا جدال‮ ‬،‮.‬،‮ ‬وذلك‮ ‬لأن‮ ‬هذا‮ ‬الدور‮ ‬سيختلف‮ ‬بحسب‮ ‬طبيعة‮ ‬الظروف‮ ‬الموضوعية‮ ‬لكل مجتمع‮ ‬يعيش‮ ‬فيه‮ ‬هذا الأديب‮ ‬او‮ ‬ذاك‮ ‬فحين‮ ‬يكون‮ ‬في‮ ‬مقدور‮ ‬الأديب‮ ‬ان‮ ‬يعبر‮ ‬عن‮ ‬الرأي‮ ‬السياسي‮ ‬الذي‮ ‬يعتقده‮ ‬فرن‮ ‬الحديث‮ ‬ن‮ ‬اأسلوب‮ ‬قد‮ ‬يجوز‮ ‬الأخذ‮ ‬والرد فيه‮ ‬،‮ ‬وذلك‮ ‬بارغم‮ ‬مما في‮ ‬تجربة‮ ‬ربن خلدون‮ ‬والزمخرشي‮ ‬قدمياً‮ ‬،‮ ‬وطه‮ ‬حسي‮ ‬ورذيف‮ ‬فوزي‮ ‬وعبد الرحمن‮ ‬الكوامكبي‮ ‬حديثاً‮ .‬،‮ ‬إما‮ ‬حين‮ ‬لايكون‮ ‬في‮ ‬مقدور‮ ‬الأديب‮ ‬ان‮ ‬يخوض‮ ‬تجربة‮ ‬التعبير‮ ‬بحرية‮ ‬فلا أقل‮ ‬من‮ ‬ان‮ ‬يحفل‮ ‬بسلوبه‮ ‬وتنقية‮ ‬لغته‮ ‬،‮ ‬سواء وهو‮ ‬يويد‮ ‬فلسفة‮ ‬من الفلسفات‮ ‬السائدة في‮ ‬هذا‮ ‬الوطن اعربي‮ ‬الفسيح‮ ‬ويناصر مفهوما‮ ‬من‮ ‬المفاهيم‮ ‬ويصعق‮ ‬لحاكم‮ ‬من‮ ‬الحكام‮ ‬،‮ ‬أو‮ ‬يسلك‮ ‬نهج‮ ‬الرقص‮ ‬ويعترض على كل مهو‮ ‬كائن‮ ‬هدف‮ ‬رصم صورة‮ ‬لما‮ ‬يجب‮ ‬ان‮ ‬يكون‮ ‬،‮ ‬ومهما‮ ‬يكن‮ ‬من‮ ‬امر فإن‮ ‬الإعلام‮ ‬بوسائله‮ ‬المختلفة‮ ‬ومدىرسم‮ ‬صورة‮ ‬لما‮ ‬يجب‮ ‬ان‮ ‬يكون‮ .‬،‮. ‬وهمها‮ ‬يكن‮ ‬من امر‮ ‬فإن‮ ‬اإعلام‮ ‬بوسائله‮ ‬المختلة‮ ‬ومدى‮ ‬تزثيره في‮ ‬اأدب‮ ‬،‮ ‬يمكن‮ ‬للمرءان‮ ‬يشبهه‮ ‬بالعلاقة‮ ‬الزوجية‮ ‬التي‮ ‬يقول‮ ‬كثير من‮ ‬اناس‮ ‬إنا‮ ‬شر‮ ‬ابد منه‮ .‬،‮. ‬وعندما‮ ‬إنه‮ ‬حين‮ ‬يقع‮ ‬التسليم‮ ‬بهذه‮ ‬الحقيقة‮ ‬فإن‮ ‬اأمر‮ ‬لن‮ ‬ينطوي‮ ‬علىزي‮ ‬مشكلة‮ ‬تذكر‮ .‬،‮ ‬ولمن قرأ و سمع‮ ‬وآخر‮ ‬الشكر‮ ‬والإعتزاز‮ . ‬

 

بحث مُقدم لمؤتمر الأدباء العرب سنة 1983 المُنعقد بالجزائر

____________________________

العواصم الثقافية مشاريع وطنية بامتياز

امين مازن

29-4-2014

لم أجد الدافع الكافي للمشاركة في الاجتماع الموسع الذي بادر به منذ أيام عدد من المهنيين بالشأن الثقافي الوطني ، واختاروا لعقده دار الفقيه حسن التابعة لمشروع المدينة القديمة بالعاصمة طرابلس ، مدفوعين اليه بما لاحظوه من عدم حماس الجهات الرسمية لانجاز القرار العربي المتعلق باعتبار طرابلس عاصمة للثقافة العربية ، والذي تصادف أن يكون آخر ما سينفذ في هذا التقليد العربي الذي استحدث قبل ما يقرب من خمس عشرة سنة مضت ، بحيث شمل الوطن العربي كله اللهم الا ليبيا ، حيث حال دون تنفيذ الفكرة اندلاع ثورة فبراير فقدمت في السنة الماضية العراق والتي كانت قد اعتذرت هي الأخرى قبل هذا التاريخ حتى كانت هذه السنة التي تم فيها الإعلان نهائيا عن طرابلس ولكن لم يتخذ أي إجراء عملي في الخصوص فكان التحرك الذي حفزني على الخوض في الموضوع . لقد دفعني إلى عدم المشاركة في هذا اللقاء التحسس من أن يظن كائن من يكون ـ فيما اذا حضرت وقلت ما لدي من الكثير عما أعرف ـ أن للأمر علاقة بعضوية اللجنة الدائمة للثقافة العربية التي كنت مكلفا بها من اللجنة الوطنية التي طلبت من قطاع الثقافة ترشيح احد العناصر الوطنية ، وفقا لمعايير محددة علمت من السيد عبد المجيد الدرس أنها انطبقت على شخصي الضعيف فكان القرار وكان اضطلاعي به في شيء من الاستقلالية ، أوجدت الكثير من التقدير لدى ممثلي الدول العربية الذين رأوا في الحضور والذي سبقني إليه الدكتور محمد أوريث كيف يمكن لمن يحضر هذه المحافل أن يكتفي بمهمته فلا يتزيد بشعار خارج السياق ولا روح وحدوية متهافتة نظرة على هيئة تابعة لطرف من الأطراف العربية كان آخرها ما حدث في الاجتماع الذي طرح فيه ترشيح السيد فاروق حسني لمنصب المدير العام لليونيسكو ، فكان التهافت الليبي شديد الوضوح ، وكان استهجاني له أيضا أكثر وضوحا ، الأمر الذي دفع القطاع إلى مخاطبة المنظمة العربية قبل انتصار الثورة بأيام قليلة مقترحين بديلا آخر ، والذي دفع المنظمة إلى أن ترد بعنف وتتلقى اعتذارا في الخصوص ، وهو اعتذار الضعيف بدون شك . لقد جمدت عضوية ليبيا في المنظمات العربية مجتمعة ومن بينها المنظمة العربية ، وتمت المخاطبة حين رفع التجميد وكان من المفروض ان يتم البحث عن السوابق ، مادام المكلف بالمهمة قد كرم من القطاع ذاته أو على الأقل يبلغ برسالة شكر ، وربما يطلب إليه ان يقدم ما لديه حول عديد القضايا ولكن السياق هو السياق والسلة دائما واحدة فكان هذا أحد الدوافع التي رجحت فكرة العزوف عن حضور اللقاء المذكور .اما السبب الأكثر دفعا للغياب ، فمرده إلى الفهم غير الواقعي الذي يسيطر على الكثير منا بصدد طرابلس العاصمة وطرابلس المدينة وطرابلس الإقليم إذا ما قدر لفكرة الأقاليم أن تعود ، أو استأنس مستأنس بالجغرافيا المناخية والجغرافيا السياسية اذ يوجد من يخلط بين هذه الأمور ، ويتصور أن طرابلس هي المدينة القديمة والأحياء القريبة منها ، تلك التي عرفنا أزقتها وحاراتها وأعيانها في خمسينيات القرن الماضي ، وبدايات تلك الحقبة تحديدا ، عندما كان عدد سكان طرابلس هذه سبعين ألف نسمة ليس الا وقد منحت يومها خمسة نواب تحت مبرر كسر العشرين ألف النصاب المنصوص عليه في الدستور لكل دائرة ، ولعله ذات الرقم حتى آخر برلمان عندما تضاعف عدد سكان طرابلس حتى بلغ في مطلع الستينيات رقم الأسر المسجلة في دائرة النفوس ما يزيد على هذا الرقم وبقي عدد نواب المدينة حيث هم ، ومع ذلك فان هذا الرقم لم يكن بيد سراة المدينة باستمرار ، ففي ثاني انتخابات لمجلس النواب سنة 1956 كادت كفة أحد شيوخ الصوفية أن ترجح على كفة المعارض الوطني الكبير السيد عبد العزيز الزقلعي ، ولم يحفظ له مقعده سوى امازيغ زوارة والجبل الذين تولى تكتيلهم السد إبراهيم بن شعبان الذي عز عليه ان يرى الزقلعي خاسرا لمقعده فقرر الوقوف إلى جانبه ، مصرا على ما يبدو في مناصرة كل من يمكن ان يقول لا ، وهو الموقف الذي انفرد به عندما بحث مجلس الوزراء توجيه الملك بإبعاد السعدأوي ، فكانت كلمة بن شعبان الشهيرة التي أعادها وزراء ذلك الزمان عندما قال لهم ((خلو واحد يقول لادريس لا)) لقد تضاعفت طرابلس بعد ذلك التاريخ مائة مرة وصارت تكون ثلث سكان ليبيا كلهم يقولون لا للكثير بين طارئين واصلاء وهي تسخر بدون شك من كل احتكام لما سوى المواطنة والموقف والاستقامة وتعرف انها في ظل أي انتخابات نزيهة لمن تنحاز لا فرق ان يكون من الأربع عرصات أو من شارع الغربي ولا أي منطلق قبلي هو ، نعم إن طرابلس الجديدة تتوفر على قوة بشرية تجعل لكل حي من إحيائها ما يسأوي رقم المدينة التي يفتخر بالانتساب إليها بعضنا ولنضرب مثلا بقرجي أو قرقارش أو فشلوم أو بوسليم ولنلق نظرة على المجموعات البشرية المكونة لهذه اللحمة والتي ضربت أروع الأمثلة في التجأوب مع الثوار في كل مكان دون أن يلبس أي منهم موقفه بنعرة من النعرات المصيبة وتجلياتها الضيقة في المناطقية والقبلية والجهوية، فلا مجال والحالة هذه أن تحصر طرابلس في إحيائها القديمة ولا مبرر أيضا أن يكون دافع الحراك الثقافي المتعلق بطرابلس العاصمة الثقافية مرتبطا بطرابلس المدينة ، فطرابلس في هذا المجال هي ليبيا بالكامل ، وهو تصور لا يصدر عن اجتهاد شخص أو موقف سياسي ولكن السياق الذي اخذ به كل من سبقنا إلى هذا التقاليد فقد استغرقت تظاهرات العواصم الثقافية في الوطن العربي سنة كاملة لكل مدينة ولكن سبقها قبل ذلك أكثر من سنة لكل مدينة ، ذلك إن الدول العربية موزعة في الجامعة العربية على الحروف الأبجدية بحيث تعرف كل دولة من سبقها ومن يأتي بعدها ، فلم تكن ثمة حاجة لمعرفة الترتيب لكل عاصمة ، اذ كان معروفا إن ليبيا حسب الحروف الهجائية تأتي في الأخير فكانت العاصمة والحالة هذه متأخرة التوقيت ، فإذا ما أضفنا إلى ذلك ما ترتب على ثورة فبراير من عوامل التأجيل أدركنا حجم الصعوبات التي تقف الآن أمام إمكانية تنفيذ برنامج العاصمة بالمستوى الذي تحقق لغيرنا أو على الأقل الحد من الفارق الكبير . وهذا يعني ان فكرة الحراك الشعبي وما في حكمه وان يكن قد افلح في تحريك الأمر الا أنه لن يؤدي إلى التنفيذ المتوخي ، فالعواصم الثقافية مرتبطة باللجنة الدائمة للثقافة العربية المنبثقة عن المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم التي تمثل فيها الدولة بالوزير المختص وتجدول المناشط من طرف الوزارة المختصة وبالتنسيق مع المنظمة العربية وأحيانا المساعدة في الإنفاق ، والعاصمة لا تعني أن يحتكر النشاط في المدينة واحدة ولكن يعم الوطن كله، لا فرق أن تتدبر الوزارات المختصة المشاريع مجتمعة وتسعى إلى تحويلها أو تحشد القطاعات المحلية لتبني أنشطة تحمل عنوان العاصمة الثقافية ويتزامن الانجاز مع السنة المذكورة فلا مناص والحالة هذه من وضع ميزانية كافية للمناشط التي ستقام في السنة المذكورة وهذه المناشط لا تنحصر في الندوات أو المهرجانات أو المعارض والمسارح وحسب ، فعلى أهمية هذه وضرورتها ووجوب أن تعم الكثير من المدن ولا سيما التي توجد فيها الإمكانات الأساسية إن على هيئة منشآت أو أفراد أو حكم محلي متفهم ، هناك ما يجب أن يبقى على الأرض وهو الكتاب الذي تحرص الدول المنخرطة في برامج العواصم الثقافية على تشجيع تدأوله بين الناس ليس فقط من قبل الحكومة بل وإقحام الخواص أيضا ولا سيما الشركات الكبرى التي كثيرا ما أعلنت عن جوائز للإبداع وأخرى للترجمة وثالثة للوحة . وهناك من يحرص على ان ترتبط سنة العاصمة الثقافية بنشر كنوز التراث ودوائر المعارف التي تحتاج إلى الدعم العام والشراء المشجع كي تكون ميسرة بعد ذلك في طبعات شعبية ، وهو استحقاق لا بد ان يطال مثقفي البلد عموما كل حسب دوره وكذا احتياجه . أما الاستضافة من خارج مركز النشاط فهو أيضا لا يمكن حصره في الحدود الضيقة . ولا سيما حين توجد الأحداث التاريخية أو يكون هناك ما يستدعي التجمع ، فالأنشطة الصاحبة تتسع لعيد الأغراض وكذلك المطالب . وقد يكون من المناسب في هذا الصدد ان نذكر بحاجة الكتاب الليبيين إلى اجتماع عام يبعثون بواسطته اتحادهم الذي لم يتيسر تفعيله اذ بقى مقعد الأدباء الليبيين في اتحاد الكتاب العرب شاغرا منذ فبراير 2011 ومن المناسب ان تشمل فعاليات المعرض المنتظر دعوة الاتحادات العربية وكذا اتحاد الكتاب العرب للوقوف على حقيقة الأمر وتنفيذ ما أشيع عن كتاب ليبيا واتحادهم . بقى أن يكون واضحا إن هذا المشروع الذي قرر منذ سنوات ونفذ في أكثر البلاد العربية ، لا يعني أن تضيق ليبيا على نفسها لتفي بهذا الالتزام في هذه السنة فمن حقها مثل الكثير من الدول أن تقترح التأجيل كما من حقها أن تطلب المساعد على كل المستويات ، فالمهم أن يتوفر الاستعداد أو تضمن الضروريات ، وليس هناك من يلزمنا بالتنفيذ السريع ، وليس من حق أحد أن يستولى على حقنا ، لن يحدث التجديد أليا اذ لابد من مفردات جديدة . والأصل في العمل العربي المشترك ان يظفر كل قطر من الأقطار العربية بنصيبه ، تماما مثلما لابد ان يقوم الجميع بالتزاماتهم . وأيا ما كان الأمر فإن موضوع العاصمة يخص الوطن في عمومه من حيث الاستعداد والمساهمة والمردود والتخطيط والتنفيذ ، وقبل وبعد ذلك التنفيذ ولا يمكن اعتباره ذا جدوى ما لم يتحقق من خلاله شيء على الأرض وتحت مسمى العاصمة الثقافية تحديدا ، ولنا فيمن سبق نحو هذا السبيل خير من نسأل ، وحسبنا أن نذكر الأمر الخالد . (( فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون )).إنتهى



____________________________


الكاتب والمنهج


أمين مازن

ذلك هو العنوان الذي أثرت أن أتكلم في ظله، وأنا أُلبِّي دعوة الزملاء الأعزاء في بنغازي وهم يواصلون فعاليات موسمهم الثقافي الذي اختاروا له عنوانا لقاء الأربعاء. ووقتوه بواقع مرتين في كل شهر ، بحيث يترك لكل من تقرر دعوته فرصة الكلام في القضية المختارة ليصار بعد ذلك إلى مناقشته من لدن الحاضرين عامة والمتتبعين لمسيرته على وجه الخصوص

كانت الأنشطة متداخلة بين مصراتة وطرابلس وبنغازي وما كان لي أن أتخلف عن أي منها ابتداء من مهرجان الحرية الذي رافقت كل دوراته ، إلي غاية السنة الماضية التي كان عنوانها واقعنا الثقافي أسئلة وأجوبة تلك الدورة التي راهن البعض على فشلها فكانت من انجح الدورات من حيث جدية التناول وضخامة الحضور ، ولا بد لي من أن أسهم في هذه السنة وقد اختير لندوته سلطة الشعب وحرية الكاتب (1) ، فلقاء بنغازي الذي دعيت له من البداية وقبلت موعده المحدد أيضا فندوة السردية (2) التي طلبت أبحاثها منذ مدة ولم يعد ثمة من الوقت لتأخيرها .

لم يكن أمامي إذن وبعد الإسهام في ندوة مصراتة إلا أن أعود إلي طرابلس لانجاز ما لدى وأتوجه بالتالي إلي بنغازي لتلبية دعوة الأصدقاء هناك سرني جدا أن يكون اللقاء بدار الكتب الوطنية وان تكون الترتيبات كلها أهلية بما في ذلك الإقامة التي قرر أهل المدنية أن تكون من مشمولاتهم الشخصية ، لان الثقافة لدى هؤلاء ليست نشاطا معزولا عن حركة الحياة كما أن ما يجري هناك ليس معزولا عن اهتمام المنخرطين في الدورة الاقتصادية

وكان عليّ أن أثمّن هذا التوجه الذي لم استطع أن أمكن له وان اعترف بذلك الآن .

عندما قدمني الصديق الكبير الأستاذ رجب الماجرى مشير إلي العلاقة التي بلغت في عمر الزمن أربعين سنة كاملة مشيرا إلي أنها لم تضع هباء بقدر ما كانت مليئة بالعمل وبالموضوعية ، كان ذلك بدون شك تعويضا كبيرا على ما انسلخ من سنوات العمر ، فما أكثر الذين طواهم الزمن وحفظتهم الذاكرة، ما أكثر الذين أمكنهم أن يهزموا الزمن ويهزموا العدم ويصنعوا الخلود الدائم .

كثيرة هي الأسماء التي قفزت إلي الذاكرة وأنا اسرد مداخلتي عن الكتابة والمنهج ،واترك العنوان الذي اختاره الصحب (النقد الأدبي وغياب المنهج) وتعليل ذلك أنني فطنت للمصيدة الاستفزازية التي وضعت وكان الهدف من ورائه إثارة الحوار ، فحاولت من جهتي أن أوسع الدائرة ، وأتناول موضوع الكتابة ككل ، أي الكتابة من حيث هي فن في التعبير وأسلوب للتوصيل وإسهام في معركة الحياة ، الكتابة من حيث هي خروج من عوالم التقليد الزياتي والمماحكات الرافعية التي سادت طوال الثلاثينات وأوائل الأربعينات ، لتبدأ بعد ذلك في إطار تلمس الشخصية الأدبية المكتملة والقضية الوطنية الملحة المسالة الاجتماعية الضاغطة ، إنها المهمة التي نهض بها جيل كامل من المثقفين المستنيرين الذين طرقوا أبوابها عبر الصحف المعروفة بكل من طرابلس وبنغازي تنوعت خياراتهم وتعددت مواقفهم وتضاربت الآراء حولهم ، ولكنهم جميعا كانوا تجسيدا لحقيقة مشرقة إلا وهي تلمس خيوط الشخصية الوطنية والعمل من اجل شيء اسمه الوطن .

أسماء كثيرة حضرتني وأنا اتلو ما دونت ابتداء من إحميده بن عامر ووهبى البورى والطيب الأشهب ومحمد بن زيتون وعبد السلام باش امام إلي خليفة التليسي ومفتاح السيد وكثيرين غيرهم من كتاب الخمسينات من جيل الرواد ثم الطليعة ، أولئك الذين تصدوا لحمل مشعل المعاصرة قولا وعملا على السواء .

أعلام آخرون كانت وجوههم تحلق أمامي وأنا انظر لهم وكانوا داخل القاعة من أمثال احمد القلال ومحمد حذيفة ورمضان عبد الله ناهيك عن الماجرى من الذين كانوا يعمرون مقاهي بنغازي وطرقاتها ويشكلون إيقاع شارعها السياسي ووسطها الاجتماعي يوم إن كانت صحف الوطن والدفاع والبشائر والزمان والعمل والحقيقة طوال تلك العقود تزخر بكتابات هؤلاء وغير هؤلاء من مثقفينا الوطنيين الذين اقتحموا رحابا واسعة من المعرفة وطافوا آفاقا رحبة ، شملت السياسة والاجتماع وقضايا العمل وشئون النقابات والنفاق الديني والشعوذة والخرافة ، وكان بعضهم يصدم الشارع في رابعة النهار وبعضهم الآخر يواجه الملاحقة والتضييق.

لم استشعر أي شكل من أشكال المجاملة ، عندما قال القلال أن ما سمعته قد أنعشني وعاد ليالي زمن الصبا وجعلني أعيش ذلك الزمن المليء بالحركة ، لم يخالجني أدنى شك في الحبور الذي أظهره الأستاذ حذيفة الذي لم يستطع فراق مسقط رأسه ورأس والده أيضا ليعود إلي ارض الأجداد ويبقى هناك في غابات النخيل فما تزال السبخة أكثر تأثيرا وما يزال سوق الجريد وسوق (11 ) وميدان البلدية وقهوة شمسة ، ورجال قصر حمد ورجال أوجلة وجالو والمرج أكثر جدبا لرفيقي طوال الحوار يغالب ظروفه الصحية الصعبة ليقف على كل كلمة لم استغرب كل الكلمات المؤثرة والمحددة التي طفق الماجرى يسوقها وهو يعقب كلما رأى ذلك ضروريا فقد كان شاهد المرحلة الأولى ، شاهد هذه الرحلة الفكرية الطويلة طوال الستينات عندما كان شارع البيضاء في طرابلس يضمن كل مساء للحديث في كل الشئون قبل آن نفترق ليواصل مسيرته إلي مقهى الخضراء و أواصل رحلتي إلي مقهى مرشان والجادة ، ففي شارع البيضاء كان عدد غير قليل من الرجال يلتقون ويتبادلون الحديث في أمور كثيرة تخص الواقع المعاش والشأن الوظيفي والممارسة اليومية للمجتمع ومسئولية فيشكلون بذلك ضغطا اجتماعيا مؤثرا ويبحثون فضاء للمعرفة والاستنارة كان له اثر في التكوين ووقع رصد في ما اعتزم نشره قريبا.

كنت في غاية السعادة بتعقيبات المسمارى ونور الدين وفتحي المالكي وانتباه أم العز وكلمات عائشة المكثفة وهي توجز وتومىء قبل وبعد التقديم كنت شديد الارتياح لإنصات راشد والسوسي وآخرين ، فانا اعلم من غيري بما كان ينقص كلامي من التفصيل والتوسع والأمثلة المحددة فالأمر يحتاج بحق إلى الإفاضة فبقدر ما يفتح التكثيف شهية المستمع فان التفصيل يغنيه بدون شك وعدسة خليل العريبى وحركته تضيف وتوثق .

لكنني لم اذهب ألي بنغازي لأتكلم من جانب واحد بقدر ما كنت في حاجة إلي الاستماع لآراء الآخرين من الذين عرفتهم طيلة هذه الرحلة الفكرية والمعايشة التي كان لعديد الأسماء الكريمة التي جاءت بها بنغازي ودرنة والمرج لهذا الواقع الذي عنيت به وكتبت عنه وله حتى أخشى من أن انعت بالمزاودة حين أتحدث عنه وأتكلم عن خوفي عليه وتفكيري فيه، وأتجاوز عن أخطائي الصغيرة وسلبياته الكبيرة ، تستوي في ذلك الكتابة همي الأول ووسيلتي للتعبير و الحياة التي هي شاغلي ومضمون كتابتي هزتني من الأعماق كلمة أعادها على نور الدين في معرض حوار له مع زميل له اختلف معه ذات مرة وفارقه لسنوات طويلة فداعبه بكلمة كيف رجعت بعد أن سافرت ؟ فكان رده ( لن اخرج من هنا ولو لم تبقى لي سوى زنزانة ) فقد كانت بحق تلخيصا أمينا واختصارا لموقف كامل ، قبضت على الكلمة ولم أعدها أبدا حتى أتمكن من كتابتها في هذه السطور ، فهي البلسم الشافي لكل الم هي الغنيمة التي تتجاوز كل الغنائم ، هي الموقف الذي يفرق بين انس وآخر .

أدرك تماما أن كل من يستمع لهذه الكلمة ويتمثل ظروفها يستطع أن يكتب متنا كاملا من الكلمات ، قصة أو شعرا أو بحثا يتناول هذين الشكلين وأدرك أيضا أن هذا الموقف هو امتدا لمواقف كثيرة نهض بها آخرون عبر التاريخ لكن حين تمتلئ الواقع بمن يختلقون الحاجة ويحترفون الشكوى، ويستغلون حياة الناس ، فان الأمر يختلف .

كان لابد أن أعود الخميس لا وفي بالالتزام آخر ، و أؤجل زيارة الوالد إلي وقت آخر ولان الرحلات الجوية الصباحية أجلت لم أجد بدا من السفر برا لاستعيد ذكريات ورحلات الحافلة القديمة التي ألهمت كامل المقهور قصته الجميلة وأتاحت لخليفة التكبالي تجربة مشابهه، في حين أتاحت لي تأمل هذا المكسب الكبير الذي اسمه الطريق الساحلي الذي لن نستطيع الحفاظ عليه ما لم نتعهد بالصون المستمر ولاقف كذلك على ذكاء بعضنا المتمثل في اقتناء قطعان الإبل وتركها في الطريق تعرقل حركة المرور وتهدد سلامة الناس ، وتعبر عن أسلوب في إخفاء الثروة والتهرب من الإسهام في أي عائد للخزانة العامة ، بالرغم من أن هذه الإبل تسقى بواسطة القرب الضخمة التي لا يملكها أي احد وتملأ بالخزانات المقطورة التي يبلغ ثمنها

أرقام خيالية للغاية وأظل أعيش مع أجمل الذكريات عن الماضي البعيد المليء بالمواقف الوطنية والممارسات الفكرية ، وعن القدرة التي تتميز بها الأسماء الجديدة وهي تحاور وتسعى إلي الإطلال من خلال فراغ صحفي يعيشه سكان هذه المدينة التي كانت ذات يوم تزخر بأهم الصحف واقدرها ، ولدى سؤال لا امل من تكراره ودعوة لا أسام الجهر بها اعني ضرورة أن تكون هناك صحيفة أكثر شمولا ، وليس هذا الفضاء المحدود الذي تمثله أخبار بنغازي بالرغم من وجود قدرات ممتازة تديرها ولا يحول دون دورها المطلوب سوى تردد ولا مبرر له ولا مناص من الإجهاز عليه .

.

جريدة الشمس سنة 1997

.

1). نظمت هذه الندوة الأمانة العامة لرابطة الأدباء و الكتاب بإشراف امينها العام المرحوم الدكتور علي فهمي خشيم الذي برمجها ضمن مهرجان الربيع الذي اشرف عليه يومئذ الاستاذ عبدالرحمن شلقم و قد شاركت بورقة دعوت فيها الى تقنين سلطة الشعب و قد أيد هذا الطرح الإخوان إدريس المسماري و منصور بو شناف. مما جعل صوتنا بمثابة الطرف المنفرد، و الغناء خارج السرب كما يُعبِّر في تقدير، الناقد السوري الراحل محي الدين صنيحي.

2). عُقدت هذه الندوة في مجمع الفتح الثقافي، و كانت بإسم مجلة الكاتب العربي التي ترأست ق و شارك فيها عدد من الاساتذة العراقيين العاملين بالحقل الجامعي، يحضرني منهم : الدكتور عبدالله ابراهيم ، الدكتور سعيد الطاغي و الدكتور صالح هويدي



____________________________





بيان المثقفين الليبيين بإجتماعهم المُلتئِم يوم 27-3-2003 بمركز الجهاد الليبي بطرابلس

.

إن المثقفين الليبيين و هم يتنادون لإجتماعهم التاريخي هذا اليوم في قاعة المجاهد بمركز جهاد الليبيين للدراسات التاريخية في مدينة طرابلس، في هذه الأيام الحرجة من تاريخ الوطن العربي المُستهدف بأشرس هجمة إستعمارية ظالمة، و عدوان مخالف لأبسط الشرائع الدولية، إنطلاقاً من بلاد الرافدين موطن أقدم الحظارات الإنسانية، و مبعث أشهر نهضة عرفها التاريخ العربي إبَّان فجر إنبعاث الدولة العربية الإسلامية الواحدة. مُمَثلِين في تناديهم جميع شعبيات الجماهيرية و مُعبّرِين عن خطاب مختلف الحساسيات الفكرية في لقاء مفتوح حر قوامه المبادرة، و أساسه التخلُّص من كل التأطيرات الرسمية و بقصد المراجعة الواعية المسؤولة، مدركين أن هذا العدوان الآثم و المخالف لكل ما هو إنساني ما كان له أن يكون لولا أن التخطيط له قد تم منذ زمن ليس بالقصير، و إن إختراع مصطلح الإرهاب الذي سُوِّق عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر و ما رافقها من ملابسات كثيرة أكدت جميع تداعياتها اللاحقة أن البرنامج من الأساس يرمي ألى إعادة إحتلال الوطن العربي بدءاً من مشرقه و ربما وصولاً إلى مغربه تحت مسميات مصطنعة و أخطارمَوْهُوُمَة ليتسنى بعد ذلك تخريط هذا الوطن الكبير سياسياً و إجتماعياً و ثقافياً بكل ما في الكلمة من المعاني في إتجاه تحييد شعبنا العربي و أجياله القادمة بالذات إزاء كل القضايا الأساسية و معاركنا المتصلة بالتحرير و التنمية و كل ما يتصل بالحاضر و المستقبل بدءاً من مسخ الهوية و وصولاً إلى مقومات الشخصية و طرائق المعيشة و أساليب الإنتاج و التفكير.

و إذا كانت المؤامرة الإستعمارية قد ظهرت ملامحها الأولى من البداية، فإن الذي يبعث الحسرة و يثير الأسى هو هذا الموقف المخجل للنظام العربي الرسمي الذي ظهرت علامات ضعفه و عجزه تزامناً مع التحضير للعدوان، و ها نحن نعيشه حتى بعد أن دخلت المؤامرة حيز التنفيذ، و لا أدلّْ على ذلك من أن الموقف الرسمي لم يتخذ حتى الآن و رغم مرور ثمانية أيام على بدء الجريمة ما يشكل مجرد الحد الأدنى، كأن ما يجري في العراق من مشمولات كوكب آخر، في الوقت الذي يُلاحَظ على القوى الحية في بلد العدوان ذاته لا تُخفي معارضتها للعدوان و لا تتردد في إدانته بكل الوسائل.

إن المثقفين اليبيين إذ يُدينون هذا الموقف المتخاذل و هذه النظرة القاصرة عن الإرتفاع إلى مستوى المرحلة التاريخية التي جعلت النظام العربي الرسمي يتصور أن ما يجري في العراق يمكن أن يكون محصوراً، فيما تؤكد كل القرائن بل و المعلومات أن العدوان يستهدف الجميع، و إن الإقدام على تغيير الأنظمة بقوة السلاح حين يُقًدَّر له أن يتم في قًطر فلا مناص من أن يمتد إلى بقية الأقطار و المبررات دائماً موجودة و لن تكون عسيرة المنال.

و إذ يرفعون أصواتهم مناشدين الضمير الإنساني إلى إدانة هذه الجرائم، منادين بضرورة التدخل الفوري لوقف العدوان، و أن تكون البداية من الأمة العربية قبل غيرها، ليس فقط لدرء العدوان عن أهلنا في العراق بل إلى جانب ذلك كله فإنه من الضروري أن يكون واضحاً أنه الطريق الطبيعي لضمان الدفاع عن الأوطان، و تفويت الفرصة على القوى المتربصة بالعرب و الطامعة في خيراتهم و إمكاناتهم و إنما يبدأ من خلال إعادة الثقة في الجماهير العربية و تمكينها بكل الصدق و الجدية كي تمسك مصائرها بأيديها الأمر الذي لا يتأتّى إلا بواسطة ثقافة الحوار و إطلاق الحريات العامة و مؤسسات المجتمع المدني بما يتبعها من إتاحة الفرص المتساوية في العيش و التفكير و التعبير و بالجملة إستباق كل المتغيرات، بحيث لا تبقى أي ثغرة من شأنها أن توفر المبرر لأي معتدي.

إن المثقفين الليبيين المساهمين في هذا اللقاء التاريخي، و في هذا الظرف التاريخي، يعتقدون أن صوت الجبهات الداخلية في الوطن العربي و التي تمثل البداية الصحيحة لكل موقف جاد أمام كل خطر محدق إنما يبدأ من التسليم بحق الإختلاف و حق المشاركة في التخطيط و التنفيذ و المراجعة و التصحيح، و إن كل طرف يعتقد لنفسه إمتلاك الحقيقة فلا شك أنه يحمل بيده بداية النهاية.

فمن أجل وقفة عربية مسؤولة، و إرتفاع مشرف إلى مستوى المرحلة التاريخية المنذرة بكل ما يهدد حاضر العرب و مستقبلهم، يصدر الحاضرون بيانهم هذا مناشدين الضمير الأنساني في كل مكان في كوكبنا لمواجهة هذا العدوان غير المسبوق في شراسته و في تحديه لكل الأعراف و المواثيق الدولية، ليس فقط إستنكاراً للعدوان الذي يتعرض له الشعب العراقي، بل و كذلك هذا التراخي الدولي و العربي الرسمي أيضاً، و الذي يجئ كله مع مضاعفة الهجمة الصهيونية على المقاومة الفلسطينية البطلة إستغلالاً لإنحراف الأقطار العربية نحو ما يجري في العراق، محذرين الأنظمة العربية قبل غيرها من كل نظرة قاصرة قد تظن أن ما يجري الآن في العراق يمكن أن يقف عند مكان معين، بقدر ما هو بداية لابد أن تطال الصامتين و المتخاذلين و الشامتين قبل غيرهم، و إن كل تهاون إزاء العدوان ستأتي نتائجه المؤلمة و قبل ذلك المُخجلة تباعاً

و الله أكبر ناصر المظلومين، و مُعِزّْ المدافعين عن حقهم و أرضهم و عرضهم، و الخزي لكل متخاذل أو متردد بل حتى محايد في معركة الحق معركة أمتنا العربية في مواجهة الغزو و التآمر و محاولات عودة الإستعمار من جديد.

المثقفون الليبيون.

وقع على هذا البيان مساء اليوم الذي حمل تاريخ صدوره، أكثر من مائة مثقف ليبي، مثلوا مختلف الفعاليات الحية، من أدباء و كتاب و محامين و نقابيين ممن يجمعهم الهَمْ العام، و يشغلهم المصير الوطني و القومي، و سُلِّمت نسخة منه إلى وكالة الأنباء الليبية قصد تعميمه على وسائل الإعلام المحلية و الخارجية، و لكن إدارة هذه المؤسسة لم تسترِح للنص و لم تطمئن أيضاً للمبادرة، غير أن وصول نسخة منه إلى صحيفة المشهد التي كانت اعدادها الأولى تصدر ضمن مطبوعات الأدباء و الكتاب أوصلت النص إلى أكثر من جهة، الأمر الذي إستفز المراجع العُليا التي لفت نظرها سرعة التحرك و نوعية الخطاب ،ربما، فوجهت بوجوب معرفة من فكَّرَ و من حرّرَ، فكان أن سُئِلَ البعض من طرف الأمن العام و البعض الآخر من العاملين في الحقل الصحفي، و كان أن أُحِيطوا علماً بمن بادر بالدعوة و من حرر البيان، و في إطار التغلب على الإحراج أُعْتُبِرَ الإجتماع ليس نهائياً، و ما كُتِبَ مجرد مشروع بيان، و عُقِدَ إجتماع آخر بعد ستة اسابيع أو اكثر 15-5-2003 . و صيغ بيان آخر مختلفاً عن هذا كل المخالفة و قد أُرفِقَ بالبرقية التقليدية، إلا أن الحظور كان مختلفاً عن السابق من حيث النوعية بالتحديد.

و قد ضمّْنت شخصياً محتويات هذا البيان في مقالي الأسبوعي بصحيفة الجماهيرية الذي داومت على كتابته كل ثلاثاء إبتداءً من 1-1-2001 و حتى 17-2-2011 و قد عَنَّ لي و أنا أعثر على النسخة النهائية التي طُبعت في مكتب المحامي و الناشط الوطني الكبير المرحوم الأستاذ محمد إدراه أن أدرجها كوثيقة من وثائق تاريخنا الوطني في تجلياته الثقافية و السياسية، كما لن أغفل أيضاً الصيغة اللاحقة، ليس من أجل المقارنة، و إنما من أجل الإلمام بظروف المرحلة و ما كان يعتمل بها من التعاطي.إنتهى



____________________________



دراسات في الشعر العربي المعاصر

أمين مازن



تكتسب التجربة الشعرية للأستاذ على صدقي عبد القادر أهمية خاصة في مسيرة حركتنا الأدبية عامة . والشعرية على وجه الخصوص . وتأتي هذه الأهمية من تلك المثابرة الدءوبه التي طفق هذا الأستاذ على القيام بها منذ أن بدأت هذه الحركة تنسج خيوطها الأولى عقب الحرب العالمية الثانية . وما رافق ذلك من طرح للقضية الليبية في المحافل الدولية ، وحلول ما يمكن وصفه بالحركة الوطنية التقليدية التي كان من ثمرتها وصف الأستاذ على صدقي عبد القادر بشاعر الشباب . كلما نشر على صدقي عبد القادر شيئا من تجاربه الشعرية في تلك الفترة المبكرة من تاريخ الحركة الأدبية .

وعلى النقيض مما فعل الكثير من نظراء الأستاذ على صدقي عبد القادر في خوض تجربة الإبداع الشعري او الأدب من الذين طرقوا هذا الباب في تلك الفترة ثم مالبثوا ان هجروا هذا الميدان تحت بريق شتى الإغراءات الدنيوية ، ظل على صدقي عبد القادر يواصل رحلته في ميدان الكتابة الشعرية ، ويؤكد صلته القوية بمشكلات الفكر ، دونما استسلام لطبيعة عمله كمحام ، او لما خلب الباب الكثير من أبناء جيله الذين تخلوا نهائيا عن محراب الكلمة إبداعا ، وربما حتى قراءة ، وهو الأمر الذي أدى به الى تقديم هذا العدد الكبير من الدواوين الشعرية ، وهذا الجهد القوي في شتى الأنشطة التي تقام في الداخل والخارج على السواء . طوال الأربعين سنة الماضية ، والتي انقضت على ظهور قلم علي صدقي عبد القادر كشاعر مجدد . ومثقف لا يعرف الكلل .

ومما لا شك فيه أن كل محاولة للاقتراب من تجربة الشاعر الخصبة ، لا بد أن تقترن بإلقاء نظرة على التيارات الفكرية التي سادت في المرحلة التاريخية عشية ظهوره . والأصوات الشعرية التي ارتفعت عند


استواء شخصيته ، بحيث يمكن بعد ذلك تحديد مكانة هذا الشاعر . وما تحقق لتجربته من مظاهر القوة ، وكذلك ما انتابها من مظاهر الضعف وعلامـات الوهن ، وأن شئنا الإخفاق في تحقيق التطور المرتقب . وغير خاف على أحد أن فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية . هي فترة ازدهار التيار الشعري الجديد ، وهي كذلك فترة التحركات السياسية الكبيرة التي حلت بالوطن العربي ، وأدت الى ظهور تلك التحولات التي شملت مختلف مناحي الحياة . إلا أنها بالنسبة لواقعنا الليبي قد اختلفت عن ذلك بعض الشيء ، فلقد ظهر في هذه المرحلة جيل المدرسة الإسلامية العليا من الذين بدأت أسماؤهم تملأ أعمدة الصحف ، تتناول قضايا التاريخ والمجتمع وبعض المعالجات الأدبية ، المتمثلة في الشعر والخاطرة الأدبية . وكادت الحياة الأدبية أن تخلوا خلواً كاملاً من أي قلم جديد كما شهدت تقهقر المدرسة التقليدية الحديثة . بحيث اقتصر الشعر التقليدي على القصائد المنظومة التي لا تفصح عن شاعرية صحيحة ، ولا تفصح عن أي إدراك واع لرسالة الشعر ، حتى ليمكن القول : انه باستثناء صوت النقد لم يكن يوجد في تلك الفترة او بعدها بقليل ما يدل على أي مناخ شعري بالمعنى الصحيح لكلمة الشعر وقد سبق ان تعرضنا في غير هذا المكان الى تلك الفترة وملابساتها ، كما سبق لغيرنا من الباحثين ان تناولوا جوانب كثيرة منها ، وبقى علينا أن نتناول تجربة الشاعر علي صدقي عبد القادر . وهي تجربة خصبة للغاية . تجربة امتدت في حساب الزمن ونأمل أن تمتد أكثر فأكثر ، كما امتدت في طبيعة المعالجة ونثق أن تمتد أكثر فأكثر أيضاً . وقد كانت هذه البداية كما حفظتها الصحف الصادرة في ذلك الزمان بداية متواضعة للغاية ، بداية يختلف فيها علي صدقي عبد القادر عن الكثير من الشعراء الذين عاصروا رحلته الشعرية سواء أولئك الذين سبقوه بعض الشيء او الذين جاءوا بعده بقليل .

ان هذه البداية في الحقيقة ، عندما نقف أمامها اليوم نلاحظ أنها لا تكتشف عن شاعرية مطبوعة ، وليس ثمة ما يدل فيها على أي صلة بحقيقة الشعر ، وقد


نشرت على ما يبدو بسبب مشاركة الشاعر في هموم الناس اليومية ومساهمته المعدودة في قضايا الناس ، أكثر من كونها تمثل موهبة شعرية مطبوعة ، او إمكانية فنية متميزة . ولا تسعفنا أشعار تلك المرحلة عن أي شكل تقليدي تظهر من خلاله مقدرة الشاعر على السبك ، او تفوقه في توليد المعاني ، او داريته في فن الوصف أو أي شرط من شروط القصيدة التقليدية بل أنه ليبدوا أبعد ما يكون عن استيعاب تجربة القصيدة التقليدية كما بعثها البارودي وشوقي ، وكانت في رحلته الى هنا تؤثر في تجارب رفيق والشارف . تماما مثلما لا يجد المرء أيه صلة لهذا الشاعر بالتراث القديم . ومن هنا شاعت في تجاربه الأولى تلك الصور الساذجة والتشبيهات العادية ، حتى يجدها القارئ اقرب ما تكون الى تلك الأحاديث العدية التي يلقيها الناس هنا وهناك .


فتنة المرأة كالرقطاء حـــولي تتلوى

نصفها نار ونصف من هشيم بات يشوي

بعضها يأكل بعضا ثم يخـبو . ثم يقوي

ويرى بعد رمادا منه حــواء تـسوى

فتنادى ليس عني يــا بني أدة سلوى

أنـــــــا من أدم ضلع قد خلقت

وقديمــــــا في الفراديس سكنت

وعلى أرضــــــكم الآن هبـطت

فخدوا عني كمـــــا شئتم وشئت

لا تقولوا فتنة الدنيـــــــا ولدت


لقد عاش علي صدقي عبد القادر سنوات طويلة على تجارب إيليا أبي ماضي وبعض هموم الشباب البسيطة . ولكن لم يستطع أن يؤكد من خلال أي لون شعري متميز ، بل أن تكراره لبعض آلام أبي ماضي إنما كان من قبيل


المحاكاة والتأثر البدائي الذي لا صلة له بالشعر الحقيقية . كما يتضح في هذا النص :

أتيت ولا علم لي بالدُّنا ، وأرحل عنها بدون اختيار

وأسلك فيها طريق الردى . واخبط عبر مثار الغبار

وأجهل ما يختفي في غدى ، فها جنة أم عذاب ونار

فلا أسف أنا عما مضى ، ولا القلب يأكله الانتضـار

فتمت حياة ويفني أناس ، ويدلج ليل ويأتي نهــار

ان المواقف الوطنية النظيفة ذاتها لم تستطع ان تزكي هذه الشاعرية من الناحية الفنية ، كما عجزت المواقف الثورية النبيلة عن تغطية الكثير من النواقص وذلك لان الموقف التقدمي والموضوع الوطني ، لا بد له في الحقيقة من أداة فنية متطورة لا بد له من صياغة قوية إذا كان العمل إبداعا أدبيا ، ومن قدرة في خلط الألوان وتحديد الطلاء إذا كان العمل لوحة فنية . وكذلك الحال بالنسبة لكل الأشكال الأخرى . لقد قاوم علي صدقي عبد القادر فكرة الأحلاف الأجنبية وكان في مقدمة الأصوات التي تصدت لحلف بغداد ولكننا عندما نقف اليوم أمام شعره في تلك المرحلة وعن ذلك الحلف بالذات ماذا عسانا قد نجد ؟ لا شك أننا سنجد الموقف الوطني اما الشعر فلا مكان له على الإطلاق انه نفس الموقف الذي نقف عليه حول بعض القضايا الأخرى حيث يجسد علي صدقي عبد القادر الروح الوطنية ولكن أداته الشعرية تعجز عن ذلك



عد ايا غاصب من حيث أتيت

واجل عــنا انك الآن انتهيت

غير مجد سفح دم،،ع ان بكيت

طالما في ارض اجدادي بغيت

وبأوراق الجنيــهات اشتريت

ذمما خانت فـأهوت إذ هويت

نحن هدمنا الذي أنت بنــيت


ذق هوان الطرد منا ارأيت ؟

زلــــزلوه

أنــــزلوه

حــــولوه

علم المحتمل من هذي الديـار

أنه بوق عار ونثــــــار

علم العادي الذي في الرق جار

اذ عليه العربي الحـــر ثار

وانبري يلقي به عرض البحار


لقد أعطت هذه التجارب الشعرية الضعيفة الفرصة القوية للكثير من خصوم علي صدقي عبد القادر في الخط الوطني ، من الذين لم يبلغوا مسلكه الوطني النظيف ان يقللوا من دوره . معولين على ضعف الروح الشعرية لديه ، لينالوا بعد ذلك من التجربة الشعرية الجديدة في العموم . وقد استطاعوا تحت هذا القناع ان يخفوا حقيقة عدائهم للشعر الجديد ، ذلك العداء النابع من رفض مضمونه السياسي أكثر مما هو موجه الى شكله الفني . نعم لقد ظل علي صدقي عبد القادر لفترة غير قصيرة من الزمن مثلا سهلا يمكن أن يركن إليه كل من لا ترتاح نفسه لمضمون الشعر الجديد . وظل ذلك مبعث لكثير من الغاضبين على هذا الشعر من الذين وقفوا أسرى نظرتهم الأولى لشاعرية علي صدقي ولم يفطنوا بالتالي لما تحقق لـهذا الشاعر من التطور . انه التطور الذي وان لم يصل بالشاعر إلى القمة ، إلا أنه لم يبق عليه في السفح .

وإذا ما سلمنا بالرأي القائل : أن مقياس التطور في كل شعر أنما يتحدد من خلال ما تحقق لمبدعه من استقلال الشخصية ، والتخلص من سيطرة الآخرين بحيث يكون نتاج مرآة صادقة لشخصيته ، تظهر من خلاله صورة العصر ويندمج فيه ما يسوده من قيم وأفكار ، وما يشرق من أمل ، وما يغشى من ألم فأنه يمكن : إن تجربة علي صدقي عبد القادر من التجارب الفريدة في حركتنا الشعرية ، ففي هذا الشعر تظهر شخصية علي صدقي كأدق ما يكون الظهور واضحة .


وهـذه الشخصية في الحقيقة تجسد بصدق صورة المدينة القديمة بمثلها الحضارية ، وتقاليدها الشعبية . وصورها البسيطة وتجربتها المحدودة وحياتها الخيالية من التكلف والمحاضرة ، وفي هذا العالم تظهر خطوات الناس محدودة وممارستهم المحسوبة ، وعلاقتهم ثابتة . هنا تشبث لا حدّ له بالقديم وتشبث لا نظير بقيمه ومعانيه ، هنا رفض لروح المغامرة وميل واضح نحو الهدوء والثبات وخضوع صادق لسلطان التقاليد وجبروت العادات ، ورفض قوي لغير المألوف وغير المستقيم من الأفعال .


ومن هنا فان هذه الشاعرية تسير في عمومها في خط واحد هو معاداة الوجود الأجنبي في تلك الساحة العربية ، رفض قاطع للأحلاف الأجنبية انحياز كامل نحو القوى الوطنية ، انتفاضة الطلاب في يناير رفض النموذج المنهزم والمتقلب والمتاجر بالكلمة ، الى غير ذلك من الأنماط السيئة التي سادت قبل تفجر ثورة سبتمبر وبالأحرى في السنوات الأخيرة من حكم العهد المباد .

انه الاتجاه الوطني الذي طبع التجربة الشعرية لعلي صدقي عبد القادر وكان المحور الأساسي في مواضيع شعره بالإضافة الى مواقفه الحياتية .

هي ذات المعاني النبيلة التي جعلته دائم التجاوب مع كل موقف شريف وهدف سام ومطلب جماهيري داخل البلاد وخارجها ، والتي جعلت منه على الدوام وجها شديد الأشراق في تاريخنا المعاصر ، الذي عرف الكثير من المتقلبين والمترددين وسماسرة الكلمة الذين ضاق بهم دائما قلم علي صدقي واحتلوا حيزاً كبيراً من شاعريته وصفحات دواوينه .

وفي هذا الشعر تظهر روح علي صدقي عبد القادر كصوت وطني للكثير من الممارسات والكثير من السياسات التي سادت طوال الخمسينات والستينات ، أي منذ أن افرغ الاستقلال من محتواه الحقيقي الذي كان يتطلع إليه جيل علي صدقي ، وأقيم ذلك الشكل السياسي الهزيل المرتبط أوثق الارتباط بالاستعمار العالمي ، الراضخ لسيطرته القوية ظاهراً وباطناً ، وما أكثر ما شغل بال علي


صدقي عبد القادر وجود القواعد الأجنبية على الأرض الليبية ووجود سياسة كانت على الدوام معادية للخط التحرري ، وكان هذا الانشغال ظاهرا في شعر علي صدقي وفق رؤية شعرية ذات قسمات خاصة ولون خاص ومضمون اجتماعي خاص أنها الرؤية التي تحددت ملامحها الأولى في فترات الكفاح الوطني ، وظلت مرتكزة على المبادئ العامة التي يمكن ان يحملها أي إنسان طالما إنها لا تحدد مضمونا للاستقلال ، ولا شكلا للنظام الاقتصادي الذي ينبغي ان يسود كبنية متفرعة عنه .

وهكذا يتضح بصورة مجملة الخط العام للظروف التي كونت رؤية علي صدقي الشعرية والتي هي جزء لا يتجزأ من نشأته الأولى وتصوراته الخاصة لمعنى الاحتلال ومعنى التحرر ، وبالتالي لحقيقة الشعر .

وبينما كان الشعر تعبيرا عن رؤية شاملة تخص الكون والحياة وترى صورة المستقبل ، وتتخذ موقفا من الحاضر ، وفيما كانت العبارة الشعرية أداة لتحديد صورة ما ، والصورة وسيلة لإبراز مضمون ما . وفيما كان ذلك كله يقوم على التجربة الإنسانية المعاصرة والتجربة التراثية مرات أخرى ، ظلت رؤية شاعرنا تختلف عن ذلك كل الاختلاف ، رؤية تقوم على وصف الأشياء لأنها أشياء وتسوق العبارات لأنها عبارات ولو أراد المرء أن يصل بواسطة هذه الكلمات الى معنى او يستنبط فلسفة من الفلسفات لما وجد غير كلمات الشاعر التي هي كلمات ليس غير .

وقد يقال ان الشاعر يجب أن يكون شاعرا وحسب ، وليس من شأنه ان يكون فيلسوفا، ولا يطلب منه أن يعبر عن وجهة نظر ما المهم أن تكون لديه الصورة الشعرية الجميلة ، والمعنى الجميل يتفق في ذلك الشعر الذي يصور الجمال او يحي الموقف البطولي . وهذا القول ينطوي على بعض الحق ، ولكنه في الآن نفسه ينكر جوهر الحق ، فالصورة في حد ذاتها تعبر عن فلسفة واللحظة تجسد رؤية . ونحن لا نشترط زواية من الرؤى إلا في ظروف خاصة وما بقى


فإننا نحب أن تعثر على رؤى ، رؤى ليس غير وكثيرا ما يعيينا البحث في شع هذا الشاعر ، كثيرا ما يعيينا عن الصورة التي تصل بنا الى الرؤية القوية ، وكثيرا ما نحس بأن الكلمات كتبت من أجل ان تكتب أي أن الكلمات لدى الشاعر لا تعبر عن دلالالة ولا تومئ الى مدى بعيد .

والحقيقة إننا لا نسوق هنا تعريقا ضيقا للشعر ، تفرضه علينا وجهة نظر نقدية او اجتهاد شخصي . ولكنا نحتكم الى كلمات الشاعر نفسه ، وهو يحدد مفهوم الشعر من حيث الموضوع ومن حيث الشكل ، من حيث مضمون العمل الشعري كخلاصة لجهد الشاعر الشاعر في الصياغة الشعرية . وفي المعنى الإجمالي للعمل الشعري ، ان علي صدقي عبد القادر يقول : ان الشعر اعتراف وان القصيدة خبايا إنسان يتمنى ان تكون له ، وان الشعر امتلاك للعالم ولكنه في الشيوع حتى ليصبح الشعر بمثابة الاندماج الكامل بين الشاعر والمتلقي فليس هذا الأخير حالة الاعتراف ، فيسمع صوته ويظن أن التجربة هي تجربة الذاتية .

حقاً ان الشاعر يفلح في ملامسة بعض الأجواء الشعرية ، وهو يطرق بعض التجارب على نحو ما نرى في تصويره للواقع الذي ران على البلاد في فترة الثورة بقليل ، حتى إذا ما قدر لهذه الثورة ان تقوم كانت بمثابة المفاجأة التي كذبت الكثير من الحسابات ، وخالفت الكثير من التوقعات . انه يفلح في التعبير عن هذه النقلة الكبيرة وذلك من خلال الصورة الشعرية الصادقة .


إنهم يخشون حتى الكلمــــــــة

ولها يبنون أسوارا وسجنـــــــا

بيد معروقة مرتعشــــــــــة

فاح منها عرق الإثم الكريــــــه

عرق الجيل الذي في فمه ثدي الخطيئة

حملوا أشواكهم ، سدوا الطريـــق

وعلى أكتافهم ليل مريـــــــع

وصليب وجــــــــــــبال

ورؤوس تدلي بــــــــالجبال


غير أنه ما يلبث إن يقع أسير التبسيط عندما يقترب من هذه التجربة الكبيرة مرة أخرى ، وبدلا من أن يعمق مفهومه ويستعيد شيئا من ذاته ليسقطه على هذا الحدث الضخم نفاجأ به يوغل في تبسيط الأمر حتى لتصغر أمنيته لمجرد ان يتحول إلى حالة شكلية إلى مشارك بسيط في الأمور العادية . وكأن الثورة حالة عادية او كأن المثقف يمكن ان يكتفي بهذه الأمنية التافهة التي أثرت في تفكير الشاعر وأدت إلى ظهور مثل هذا الكرم العادي الذي لا صلة له بالشعر ولا علاقة له بالشعور العميق . بل أنه يذهب إلى أكثر من ذلك فيظل يمالئ الشارع الذي كان ينقصه النضج وتسيطر عليه الكثير من ردود الأفعال السريعة التي تخالف كل الأحوال الصحيحة ، والشروط التي تقتضيها ضرورات الرحلة وطبيعة الفترة الزمنية المعاشة .

والواقع أن هذه النظرة الكسيحة "" والتعبير هنا مجازي محص "" جعلت الشاعر وهو على ما هو عليه من المعاداة للوجود الاستعماري ، طوال تاريخ ما قبل الثورة لا يجد صورته العميقة في شعر علي صدقي فلا يجد في تصويره سوى الملابس القديمة والتصرفات الشخصية ليتخذ منها مأخذ على الوجود الأجنبي ، وهكذا تضيع التجربة الشعرية في عوالم التسطيح والتبسيط ، وتختفي أي رؤية يمكن النفاذ من خلالها إلى عالم ما .


في فجر يوم راقـــــص الأضـواء

قد خرج الجندي ، ذو القبعة السـوداء

تجر ساقاه السراويل الكبــــــيرة

رسمت فوق ظهره : القرصان لن يعود

علقت فوق صدره : لافتة الجـــلاء

نقشت فوق عينه : ليبيا تواجه الـنار

مضى يجر قبره بلا رجـــــوع

ويمــــضغ الكــــفن . . .

ويخرج الأطفال أمنين يـــلعبون

يلملمون الشمس فــــي الاردان

ويضفرون النور كالتــــــيجان

ويقفزون ينشدون للجــــــلاء

لأن ذلك الأزعر الممقوت غــــاب

ويقذفون آلاته المزركشـــــــة

مغموسة بحوض قنديل لشـــهر زاد

تشع مثل عين النسر في الســـماء

ويرسلون في الضحى أغنية الجــلاء

تستوقف السحاب في الفضــــاء


نعم ان هذا الشاعر الذي نطالع له صورة معبرة غاية التعبير وأصدقه لذلك النموذج المذبذب الذي استمرأ لعبة الرقص على الحبال في فترة ما قبل الثورة بقليل عندما أصيب الكثير من ذوي الماضي الجيد بالوهن ، فشاعت لدى الكثيرين لعبة التطلع والتراجع عن الموقف الرافض ، تحت تأثير المغريات المالية والمصالح الصغيرة ، وهو الأمر الذي يفلح الشاعر في رصده بالصورة التي تجمع بين الوصف والسخرية ، حتى لنكاد نرى النموذج المذبذب يسير هنا وهناك عبر المدن والقرى . . ان هذا الشاعر الذي يفلح كذلك في تجسيد الخسارة الكبيرة التي حلت بالوطن عند غياب كاتب ملتزم بقضايا الجماهير والتي يرتفع فيها من نادب ساذج او بكاء بدائي الى رمز مختلف للغاية ، رمز للإنسان الثوري الشريف الذي يجسد الحياة في المثل والحياة في الموقف والذي هو بالضرورة أقوى من الموت وأقوى من العدم ، لان الإنسان الشريف كما يصوره قلم الشاعر مثل حبة القمح الخصبة لا تحصد مرة ألا تترك بعدها سنابل أخرى تنمو من جديد وتطعم


الناس من جديد . انه رمز غاية في الجمال والقدرة القوية على التعبير والثقة في المستقبل الذي لا بد ان يلد دائما من يكمل المشوار ومن يواصل مسيرة الجماهير المناضلة . . ان هذا الشاعر الذي نقرأ له كلمات غاية في الرقة والجمال ، حول رحيل شاعر كرفيق او الشارف او الفقيه حسن ، والذي يكتب هذه الكلمات الجميلة

عن الكاتب الوطني الشاب عبد السلام دنف المسلاتي لا يلبث ان يتردى في بعض الدعوات المتسرعة والتعبيرات البدائية حين يكتب أشعاره المعبرة عن فرحته بالثورة ، فتضيع منه التجربة الكبيرة التي يفترض ان تكون آمالا كبيرة وانتصارات شامخة الى أشياء جانبية وردود أفعال بسيطة لا تصلح إطلاقا أن تكون من هموم الثوار .

ومن الأمور التي عنى بها شعر علي صدقي عبد القادر وراح يدق عليها بلا كلل عبر الكثير من القصائد ، وعبر مراحل تجربته الشعرية ، عالم الطفولة ، ذلك العالم الذي شهد بعثا كبيراً في تجربة الشاعر الخالد أبي القاسم الشابي ، الذي كانت قامته عالية عند ظهور علي صدقي عبد القادر ، بل والذي يرى البعض أنه قد تأثر به في بعض تجاربه الشعرية . ومن المعلوم أن الشابي قد عبر في شعره عن الطفولة في ذلك الحين الى عالمها الجميل الذي لا يمكن لأحد أن يشعر به ألا عندما يفقده وقد ظهر ذلك التعبير في تلك الصور الجميلة ، والأوصاف الحية والتشبيهات الرائعة . ولكن الشاعر علي صدقي عبد القادر لا يقترب من هذا الكون ، ولكنه على العكس من ذلك يظل يكرر تكرارا بسيطا وعاديا ، يخلو من أي تجربة شعورية حتى حنينه للام ظل حنينا شكليا لا يخرج فيه عن تفكير الإنسان العادي وتعبير الإنسان العادي الذي كثيرا ما يجلس في زاوية من الزوايا قائلا .


لمجموعة من جلساته : إنني ما زلت طفلا ولم أنس بعد ما أكنّه من امي ذات يوم الخ .


هذه المشاعر الفردية التي وان صورت حالة إنسان إلا أنها لا تصلح بالتأكيد لكي تقدم نموذجا للأجيال .

ان مفهوم الأمومة عند الشاعر لا يرتقي الى الرمز المعبر ، ولا يقترب من النموذج الدال ، وهو لا يحلّق بالملتقى نحو عوالم إنسانية رحبة ، او لحظات إنسانية ضائعة ولكنه يقف عند الحدث لا يخرج فيه عن إطار المواطن البسيط

الذي لا هم لديه ألا اجترار الأحاسيس العادية . ان الحديث عن الأمور البسيطة واللحظات العادية لدى الشعراء يفترض فيه أن يثير لدى الملتقى ما هو أكبر على نحو ما نرى عند أساطين المدرسة الحديثة من الذين عاصرهم الشاعر وأطلع على إنتاجهم بدون شك ، بل واستفاد من طرقهم في البناء ولكنه لم يفلح في تطوير أشكاله أكثر فأكثر . وقد يحتاج الأمر الى نص محدد ، وسأسوق هنا نصا من النصوص دونما اختيار مسبق :


ولـــــــــــو نظــرت

رأتـني طفلهــــــــا الأول

وفي عيـــني ألعابي

بها ألهو ، وأصـــــــحاب

وتنظر على وجهي ، باب غرفتنا

وقوس زقاقـــنا الضيـــق

وقطة بيتنا " سعده "

وأربطه القماط البيض مغسولة

بحبل البيت منـــــشورة

قماطي وأنـــــــا طفل

رأت كلــــــماتي الأولى

على شــــــــفة تتعثر


وليست هذه الصورة وحدها التي تدعو الى القول بهذا الرأي في حق هذا الشاعر ـ وإنما هي على العكس من ذلك تتكرر مرة أخرى ، عندما يلجأ الى ما يمكن وصفه باستدعاء ـ الصوت الآخر ، وهو يعيش هذه المشاعر الوطنية العارمة عشية تحقق الجلاء :إذ عندما أراد ان يتخذ من روح والده رمزاً الجيل الذي رحل قبل أن يتحقق هذا المكسب الوطني الكبير لم يتمكن من الإفلات من تلك المعاني البسيطة التي تصور حالة إنسان او في بعهده عندما تم ذلك الانجاز ،

فلم يجد إلا ان يذهب الى قبر أحد الموتى ليزوره زيارة تقليدية ، ويقول له : ان الجلاء قد تم . ونحن قد نفهم من هذه القصيدة ان والد الشاعر كان من الوطنيين الذين شغلهم أمر الجلاء ، ولكننا لا نحس إطلاقا بأننا أمام نموذج عاش هذه القضية .

بل أن الشاعر حتى في معرض معالجته لتجربة الخطاب الشعري يبدو في بعض المواقع على هيئة مقلّد لأساليب الآخرين على نحو ما نرى في قصيدته عن الدولار التي يقترب فيها من تجارب نزار قباني وبخاصة في قصيدته " متى تفهم " ولكنه في قامة تقصر عن ذلك بكثير ، بالرغم مما قد يؤخذ على نزار قباني في تلك القصيدة :


ألا تعــــــــــــــــــلم

بأنك أيها الدولار في بلـــــــــدي

بــــلا وجــــــــــــــه

بــــلا شخصية تـــــــــعرف

وأنك سوف لن تلقي الذي يعرف ما وجهك

لأنك عملة للــموت مغلوبــــــة

علّها أنّه الزنجي مصلوبــــــــة

وحقد الأمم المغلوبة الحــــــــرة

عليها بقعة من دم مقــــــــتول

ولهثات لصهيون المرابي الأصفر التائه

عليــــها صرخة كوبــــــــا


والواقع ، ان عنصر الحكاية في شعر علي صدقي يبدو واضحا للغاية ، بمعنى ان المرء كثيرا ما يحس بأن هذا الرجل يريد أن يقول للناشـئة أشياء جميلة ، ولكن حديثة عنها يجعلها غير كبيرة . ان تصويره لشخصية مدير البترول يبدو ساذجا للغاية بمعنى ان الصورة في هذا الشعر تنعدم وتبدو صياغته ضعيفة

للغاية ، كل ما في الأمر أن الشاعر يريد أن يقول شيئا عن ذلك الواقع السيئ الذي ران على البلاد في ظل سيطرة رجال البترول في فترة ما قبل الثورة ، وكان التطلع نحو الربح الهّم الأول والآخر لدى البعض .

ومما لا شك فيه أن هذا اللون من التعبير يشير الى مدى الانفصال الكبير الذي يعيشه هذا الشاعر فيما يبدو عن بعض التجارب المعاصرة ، كتجربة عبد الرحمن الشرقاوي الرائدة في قصيدته المعروفة "" من أب مصري الى الرئيس ترومان "" التي نشرت سنة 1950 للميلاد وكذلك بقية تجاربه الأخرى في ديوان "" عزة والأطفال "" ، فضلا عن البدايات الجادة التي سطرها أمثال جيلي عبد الرحمن ومحيي الدين فارس من الذين استلهموا تجربة الشابي في موسيقى الشعر ، وعمقوا فكرة المضمون الاجتماعي للأدب في تلك الفترة المبكرة من تاريخ الشعر العربي المعاصر .

لقد كانت الساحة الثقافية مليئة بالكثير من التجارب ، ولكن الشاعر ظل في الغالب يراوح ولم يستطع ان يلج الى تلك التجارب بقوة .

وقد يقــال : ان هذا الرأي يمكن أن يرجـحّ كفة الشاعر ، بمعنى أنه قد حاول التعبير عن ذاته ، ولم يضع نفسه وراء تجربة الآخرين ، ولكن النصوص لا تؤكد هذه الحقيقة ، فالملاحظ أن علي صدقي قد اقترب الى حد كبير من تجارب الشعر الجديد ، وأنه نحـا نحو بعض النصوص التي كتبها البياتي عند تأثره بتجربة البيوت الشعرية . نعم إننا نقرأ في شعر علي صدقي بعض


النصوص التي تقترب كثيراً من قصائد البياتي في ديوانه أباريق مهشّمة ، وبالذات قصيدته " سوق القرية "

ان علي صدقي في هذه القصائد والتي تعتبر في الحقيقة من أفضل ما كتب من حيث الصياغة لم يتجاوز أطار البياتي سواء من حيث الأخذ بفكرة البحور المجزوءة . او من حيث اعتماد فكرة الصور المكررة بهدف إيصال الجو العام الذي يوحّد التجربة الشعرية ؟ انه يساير تلك الآراء السياسية التي سارت في ذلك

الزمان من ان الجريمة لا تعتبر جريمة في حد ذاتها وإنما ينظر إليها دائما من خلال الأسباب التي أدت إليها . والتي ترجعها دائما الى الأوضاع الاقتصادية التي يعيشها الناس . إنها الأفكار التي ترى ان السرقة والحرابة ليست من الأمور المتأصلة ، وان القائمين بها كثيرا ما تدفعهم ظروفهم المعيشية الى الأقدام عليها . ان الشاعر في هذا المجال يرصد تجربة من أنضج التجارب الشعرية يصور فيها تلك الحالة القاسية التي عاشها ذلك المواطن الذي اضطرته الحاجة الى الأقدام على جريمة السرقة ، وفق صراع فني غاية في القوة ، انه يترك الأحوال وحدها تتحدث وهو ينطلق الى ذلك من خلال لحظة المثول أمام القاضي والاستماع الى قرار الاتهام والمواجهة بتهمة السرقة ، ومن ثم ذلك التناقض بين الاعتراف بالجريمة والدفاع عن النفس بحكم الحالة الاجتماعية السيئة ، والمواقف الصعب الذي يواجه هذا الإنسان من جراء حرفية القانون . حتى إذا ما انتهت التجربة ظل طاحون الحياة يدق والإنسان البسيط في تلك الحالة الصعبة ، وهو الأمر الذي يبعث الكثير من المشاعر ويؤدي هذا الى الكثير من الموقف ، جميعها او أكثرها باستمرار ستكون موجهة نحو تلك الحالة الصعبة التي هي بالضرورة وليدة حالة عامة :


ويذاع حكــم المحكــــــــمة

ويجـــــر ذاك المتــــــهم

للــــسجن معـلول اليـــــدين

وتضيــــع أســــــــــرة

وتشرد الأطفال كالفئران أطفال السجين

عبـــر الأزقة والـــــــدروب

يحـــيون من تجميع أعقاب السجاير

ويضــــاف للسجان مسجون جديد

ويــــدمدم البـــــــاب الكبير

بــــــاب السجــــون

ليغيــــب فيه المتــــهم

ليموت في أعقابه ، موت الحياة

ويدور طاحون الحــــــياة

بــــلا انقطــــــــاع

وكــــأن شيئا لــــم يكن

لا يوقف الطاحون سجن الأبريـاء

ولا أنيـــنا للمـــــريض

لم تثنه صرخات طفل جائــع

سجنــــــوا أبـــــاه

لم يثنـــه دمع الأمومــــة

ويظل طاحون الحياة بنا يــدور

ابــــدايـــــــدور .


والغريب ان الشاعر كتب هذه القصيدة في منتصف الخمسينات فيما يبدو انه قد نشرها في ديوانه الأول أحلام وثورة الذي صدرت الطبعة الأولى منه سنة 1957 أي أنها سبقت الكثير من النصوص التي سبق التعرض إليها في صور هذه المعالجة والتي حملتها دواوين الشاعر التي صدرت في الستينات والسبعينات . ومع ذلك فقد جاءت الكثير من قصائده مثقلة بالسلبيات التي سبق التنبيه إليها ، ان عدم المحافظة على مبدأ التقدم التدريجي تبدو ظاهرة في تجربة هذا الشاعر ، ففي حين يجده المرء يتألق في بعض النصوص ، فأنه كثيرا ما يصطدم به وهو يعود الى ما يشبه مستوى البداية .

على أن هذه الملاحظات جميعها وكذلك التي قد يكتشفها غيرنا من الباحثين لا يمكن ان تصرف النظر عن بعض الميزات الخاصة التي ينفرد بها الأستاذ علي صدقي عبد القادر ، ولعل أهم هذه الميزات تلك التي تتمثل في قدرته على التفرد بالصور المعبرة ذات المنحى " السريالي " أن صّح هذا التعبير . وكذلك التي يسلك فيها مسلك الرسام الساخر . انه هنا يفلح في تسخير الصورة لإبراز المضمون التقدمي الذي يبتغيه من تجارب الشعرية .

ومن هــنا فان قراءة بعض تجارب الشاعر تحتاج الى أفق خاص ، الى نظرة لا تتوقف أمام الكلمات بقدر ما تتخذ من الكلمات رموزا للوصول الى مضمون ما . ان ظاهرة مضغ الذيل وشخصية الحاوي وصورة الأذن المثقوبة يوظفها الشاعر لتجسيد صورة النموذج المرتبط بالاستعمار والمتخلي عن القضية الوطنية ، الضالع في التردد ، المرتكس في دنيا الطمع الرخيص والطموح الدنيوي التافه . وهو نموذج ساد في الستينات حين كثر التهافت على المراكز الأمامية ، وتفشي البحث عن المظهر الكاذب والمركز الاجتماعي المصطنع ، وهو الأمر الذي جعل الكثير من العناصر الوطنية لا تخفي تبرمها به ، لأن الشاعر كان في قلب الحياة ، فأننا نجده شديد الضيق بذلك المهج مركزا عليه بطريقته الخاصة وأسلوبه الخاص .


وبذات الأسلوب في التصوير يفلح الشاعر في أبراز بعض المآسي العالمية التي تعرض لها بعض الشعراء العالمين وفي مقدمتهم الشاعر التشيلي بابلونيرودا الذي قتل في المؤامرة الأمريكية على التشيلي عندما أقدم نظامها الوطني على تأميم مناجم النحاس في مطلع السبعينات فكانت النتيجة ان دبرت تلك المؤامرة التي أودت بحياة الآلاف من الوطنيين عقب سقوط أللندي ومن بينهم الشاعر بابلونيرودا .

أن علي صدقي عبد القادر لا يتوقف أمام هذه التجربة بمنظار شخصي ، او كنهاية شخصية ، وإنما يفلح في الوقوف أما الحدث كمحنة عصرية ، محنة في قلب العصر وهمومه ، ويأتي تناول الشاعر لهذه المحنة غاية في الجودة ، كما تجئ النهاية طبيعية حيث تظل الصورة الفنية قادرة على رفض الهزيمة قادرة على التصدي للقتلة الذين قتلوا بالأمس نيرودا ويواصلون اليوم تأمرهم على كل عنصر وطني نظيف وكل قائد ثوري يرفـض العمالة ، ويســمو على التبعية

الأجنبية ، أنهم الثوار الذين لا تنهيهم المؤامرات الأمريكية ، ولا تقضي عليهم مخططات المتآمرين الدوليين لأنهم يواصلون رحلتهم عبر الكلمة الشريفة وتتحول كلماتهن الى تكبيرات في المساجد وأجراس في الكنائس ، وهتافات تعلو بها حناجر الجموع وبالأخص أولئك الحزانى والمحتاجين :


بيت في ( تشيلي ) يـجري خوفــــــا ، عند الشاطئ

يبكـــي يتعثر . يغـــــــرق في البـــــحر

كـــل الأطفال هــــنالك ، ترفع أصبعهـــــا ، لا

لـــم ترضـــع ثديــا . لم تغمض جفنا للنــــوم

وموانئ ( تشيلي ) تـــــرحل في أعناق طيور البحر

سقـــــطت عطشى في آبـــار منســــــية

وبــــــأعلى غصن في غــــاباتك يــا تشيلي

يــــــأتي تاريخك يقرأ في صفـــــحات كتابك

وجـــد الدنيا قفلـــت دون دونك بـــــــابك

ومضـــت لتــــنام

وكــــأن ( تشيلي ) مــــا باتت بظـــــلام

تبكي ، عــــصرتـــها الأحـــــزان ، الآلام

خرجت من محــــبرة الأطفال خفافيش ســــود

حرقت كراســـات الرسم والفرح الموعـــــود

فيـــما كانت أمطار تهـــــــــــــطل

تجــري جردانـــات الـــطرقــــــات

قضمت كفين . اشتاقت للّقيا عــــبر الخطوات

والشاعر نيرودا قد مات وما مــــــات !!!

وقضى عملاء ( نيويورك ) عليه مرات ، مرات ظنوه مات وما مات !!!


قلت في بداية هذه المعالجة أن الشاعر كثيرا ما يخوض تجربته الإبداعية لافتنانه بالكلمة في حد ذاتها ، بمعنى أنه كثيراً ما يكتفي بالنظرة التجريدية للكلمة ، ولعلى بهذا قد أخذت ببعض الأحكام التي صورت بحق شاعريته منذ فترة ليست بالقصيرة ولعلى كذلك قد أنسقت وراء نظرة نقدية صارمة ربما تصل الى حد الجمود النظري ، وأحسب ان الشاعر كثيرا ما يتجاوز مثل هذا الواقع . . كثيرا ما يفلح في إبراز فلسفته الخاصة ، وموقفه النظيف إزاء مسألة الإبداع من خلال النص الشعري وحده ، فيظل وفق تمثل صادق لرسالة الكلمة الشعرية لقيمة فنية راقية ووسيلة إبداع مشرقة يتأمل رحلة الكلمة عبر نظرة شمولية تقترب مما يمكن وصفه بلوحات المرايا ، يجسد نظرته الى الشعر ، الى الكلمة التي تتحول في وجدان الى ما يشبه الساحرة الجميلة التي يحقق لها الحبيب كل شيء من خلال حبه الصادق ، ولكن المغريات الأخرى تظل تنال من هنائه وتكدر صفو عيشه، فتراه يكتف بسلامة موقفه ، ويظل ضمير الأنا وسيلته في التعبير ، ولكن الأنا تكتسب هنا ضمير الناس كلهم ، الناس الذين تتألق لديهم الكلمة ، فلا تباع عندهم في سوق النخاسة ، ولا تسخر بينهم للمدح او الدعاية او التبشير الكنائسي :


لأني لـــــم أزيف هذه الكلــــمة

ولم أذبــــح حرفهـــــــا بيدي

على عتبـــــــــــــــــة

على ســــور كبير بابـــــه مقفل

ولم اتركــــه للشيطان في الظلـــمة

على أبواب نول ينهش الكلمـــــــة

له خمسون رأساً ، ألف ناب ، سمها قاتل

يحولها الى عظمــــــــــــة

تجرر جموع الدود في جــــــــهد

لتبـــقى دائمـــا عظـــــــمة

ولا شيء ســــــوى العظـــــمة


والملاحظ أن علي صدقي يرتاح الى هذا البحر الشعري ، وأنه يفلح الى حد كبير في الكتابة بواسطته ، بل أن أكثر قصائده دنّوا من الكلمات هي تلك التي نسجها على هذا المنوال ، وانك لتراه هنا يرسل الكلمات بعد تكلف فتبدو وكأنها عقود لؤلوية سواء وهو يتغنى بالكلمة او يفتش عن راوية الشعر او يتأمل الحبيبة التي لم تأت بعد .

ان علي صدقي عبد القادر في هذا الشكل الشعري يعمق دائما نظرته ويفصح عنها ، ويبين الى حد كبير تلك الهموم التي يعيشها ، وهذه الهموم فيما يبدو من رموز الشاعر لا تخرج عن إطار الذات والآخر ان الشاعر مسكون بالكثير من الهواجس ولكن أكبر الهواجس كما فهمت موقف الآخر ، قدرته أي الشاعر في الاحتفاظ بما يجب أن يظهر به أما الآخر ، والأخر كما أرى هو الناس . ان هذا الشاعر قدرته على حفظ نفسه من تلك المفاسد التي شاعت في الستينات ومن هنا فإن همه الوحيد أن يتنزه عما قد يقال عنه ذات يوم ، قدرته على تجاوز العصر والدخول في عصر آخر . ان الحبيبة نفسها التي كثيرا ما ينتظر لقاءها قد لا تكون حبيبة من لحم ودم ، ولكنها حياة أخرى ظل الشاعر ينتظرها ، ولعل هذا ما جعله يتخذ من المرأة رمزا للتعبير عن جرائم الفاشست التشيليين وهو يصور مأساة نيرودا الذي تحدثنا عنه منذ قليل .

ان التعبير بالخاتم المقفل وكذلك الذي فضه كرها ، واستدعاء التفاح الأحمر وقناديل الزيت وقصة الثدي ليس من قبيل الصور الحسية التي كثيرا ما يعمد البعـض الى ترديدها بهدف النيل من التجربة الشعرية عند علي صدقي عبد القادر ، ولكنها قدرة خاصة للتعبير عن بعض الأزمات التي حلت بالإنسان الحديث في أماكن كثيرة من الأرض . التي ظل علي صدقي يلاحقها صباح مساء . فعندما شيع الزمان لا بد أن يرضع الأطفال لبن الخطيئة ، وعندما يستقيم المسلك وتتألق صورة الوطن لا بد أن تحلق كل الأشياء ، لابد أن يضمن المرء سلامة السمعة وطيب الذكر مهما مرّ الزمن . ان الأشياء الجميلة في هذه الحالة تتحول من الملموس الى المحسوس بل أن لغة الكلام ذاتها تتعطل ولا يكون ثمة إلا النظر والنفس كما يقول شوقي في قصيدة(( يا جارة الوردي )) انه مفتون في الحقيقة بما يقول المعقول ، ومؤمن إيمانا لا حد له بإمكانية تجاوز كل ظرف ، بل أن شوقه الى الثورة ظل يرمز إليه بتلك الجميلة التي تأخر غيابها وظل هو ينتظرها ، أما الحقيقة . فهي في نظره فوق الأشياء المرئية ، أنها تدرك ولا ترى ، تبعث الدفء وتشيع الراحة والفرح اللانهائي .


مررت يدي فـــــــارتاحي على هــــدبي

لأطعن طــــــائري صدرك ، إشعاري

وأفتح بـــــاب المغــــــــــــلق

لتطلع شمسنا بأصابعي العـــــــــــشرة

وأجري في مدينتك التي عاشت بــــــلا سكن

وظلت عمرها مسحورة مهجورة . قــــــتلى

على أبراجها حركت ريحا عاصفا أوقدت فيها النار

وأجري حافي القدمين ، أهتف فوقها أصــــرخ

أهز مقابض الأبواب والأقفال والساعات أوقظــها

لألقاك ، ولا ألقاك بين ملامس الأشــــــياء


ان صورة المرأة تتطور عند هذا الشاعر الى ما يخرج بها من عالم الشهوة الصغيرة أنه يعيد تشكيلها على نحو يختلف غاية الاختلاف عن تلك الصورة المألوفة ، انه يتحول بإحساسه نحو المرأة الى ما يعود به الى إنسانيته الأولى أن صح هذا التعبير ، أي قبل أن يعرف الإنسان الخطيئة . أنه يعيد علينا شيئا من الإحساسات الصوفية الجديدة ، بحيث ينطلق من حبه الصادق البرئ الى اكتساب أشياء جديدة تعطي للأشياء طعما جديدا حتى لنراه يصل الى عالم تتساوى فيه خطوط اليدين عند المحب وحبيبته ، وهو الأمر الذي لا وجود له في دنيا الواقع ،

حيث تختلف البصمات حتى بين التوائم كما يقول أساطين العلم في معرض توكيدهم للقدرة الإلهية التي حفظت هذه المعجزة باستمرار ، معجزة استحالة تشابه خطوات الكف والأصابع ، ان هذا الحب يعطي طمعا جديدا للخوخ ، يجعل النسوة يعجنّ الخبز من الحب والشعر . ان الحياة في هذه العوالم لا صلة لها بكل الأشياء التي تدنس حياة الناس حيث تقوّم الأشياء بورق البنكنوت وبقائمة الممنوعات الكثيرة التي غرسها عادة مراكز الشرطة . ان الإحساس بالأمان يجعل التفاح ينضج في كل الفصول ان أحدهم قد يرفع عقيرته بأن هذا المفهوم يعني توجها من الشاعر نحو عوالم الوجودية حيث تكون كل الأشياء مباحة إلا أن هذه العقيرة لا بد أن تلج حين نذكر ان الخطيئة لم يعرفها أبن أدم إلا عندما أكل أبوه الأول من تلك الشجرة التي نهى عنها ، وأذن فإن علي صدقي إنما يطمح الى عالم لا وجود فيه للأكل من تلك الشجرة المحرمة هو يحلم دون شك ، ولكن حلمه جميل على أي حال .

ان الأشيـاء إذن لا تساق للحديث عنها بذاتها كما ألمحنا في مستهل هذه الدراسة ولكنها على النقيض من ذلك تساق من أجل إيجاز التجربة الشعرية وتحديد ملامحها وقسماتها ، فهي أذن تؤدي الى إبراز المضمون والإنساني لهذه التجربة ، وإعطائها العلامات المميزة وذلك ما يؤهلها باستمرار لأن تكون موضع دراسة وتمحيص ، وذلك ما يجعلنا على الدوام لا نقف أمامها إلا ونعود إليها مرة أخرى وذلك لما هي عليه من التجدد والثراء والخصوبة ، كما ذلك في إطار التجربة الشعرية في بلادنا بخاصة وفي وطننا العربي الكبير على وجهة العموم .


_______________________________

موقع الكاتب والاديب : أمين مازن

  www.aminmazen.com © 2020- 2008

طرابلس - ليبيا

Tel 0913245901