شؤون ليبية 2013

بعض ما يجب أن يقال

أمين مازن

10-2-2013


تتوالى زيارات المسؤولين الغربيين وقبل ذلك تصريحاتهم بشأن أحوال بلادنا الأمنية، وما يحتدم داخلها من صراع حول الكثير من المصالح ومن طرف الكثير من الأفراد والأطياف، ويأتي ذلك متزامناً مع العمليات المسلحة على مرمى البصر من حدودنا الجنوبية، وما يسودها هي الأخرى من انفلات في الأمن، وتجارة غير شرعية في كل ما هو ممنوع، على مختلف الصعد وتعدد الأنواع، وهي عمليات تمرر تحت مظلة مقاومة الإرهاب، ذلك الهدف الذي ما كان لنا أن نظفر بمساعدة المجتمع الدولي ليتخذ ذلك المقاوم الحازم بشأن الترسانة العسكرية الفريدة التي شيدت على حساب قوت أولادنا وعديد احتياجاتنا وأراد الاستبداد إن يوجهها بالكامل إلى العديد من أبناء شعبنا مع أول تعبير عن الرغبة في التغيير، حتى أن التعليمات التي رواها العاملون داخل الأجهزة المتعددة، حددت في إزالة مدن بحالها من الخريطة الأرضية فلا يبقى في الأرض ما يطلق عليه اسْم اجدابيا أو بنغازي، لولا أن بادر المجتمع الدولي وقضى على أرتالها وهي تملأ ذلك الطريق الدولي، عندما قرر مجلس الأمن أن يستجيب لنجدة العزل من السلاح، فلم يكن أمام الطرف المستفيد من بيع تلك الترسانة وإنشاء أبنيتها التحتية إلا أن يدرك بأن دوره قد انتهى وليس أمامه سوى التصريحات الاستنكارية التي لا تقدم ولا تؤخر، شأنه في ذلك مع سوابق أخرى كثيرة عرفها التاريخ العربي في أكثر من مكان حلت به الهزيمة، وقد كانت في سيلها الرَّئيس داخلية قبل أن تكون خارجية، أي فشل في القيادة وسواء في الأداء.

إذا كان ظاهر هذه الزيارات وقبل ذلكم التصريحات، يعكس حالة الاهتمام الدولي بالأمن وما يمكن أن يتعرض له من العمليات الإرهابية التي يمكن أن تطال المصالح الغربية، وقبل ذلك أبناء شعوبها، فنراها تقرن زياراتها وتصريحات الكثير من إجراءاتها العسكرية بدعوة رعاياها إلى توخّي الحيطة والحذر ربما أكثر من ذلك بشأن الدخول إلى ليبيا، فإن ذلك لا يجب أن نتعامل معه من خلال التطمينات التي تقول بأن مثل هذا التحذير لا يتجاوز الإجراءات الروتينية التي لا مفرّ من تكرارها بين الحين والحين، لاستحقاقات داخلية، فالدول الراسخة لا تفرق في مصالحها بين الداخل والخارج، وما تقوم به في الخارج لا يكون في الحقيقة إلاّ من أجل الداخل، وما تصدره من تعليمات لرعاياها والحالة هذه لا يدخل ضمن ما نطلق عليه نحن -العرب- مصطلح الاستهلاك المحلي،، فالتحذير بالنسبة للشعوب هناك هو التحذير، وهو الذي يعكس الموقف الحقيقي إزاء المكان والسكان وهم إن قالوا بعدم اطمئنانهم نحو أمن مواطنيهم فإن ذلك هو رأيهم الحقيقي،وأن مواقفهم النهائية لن تكون سوى تلك المتخذة من خلال ذلك المنطلق أو التصور أو التقويم، فعدم الصدقية هناك من السقطات التي لا نهوض بعدها.

وإذا كنا ندرك أن منطلق هذه الزيارات ومثل تلك التصريحات يرتبط أوثق الارتباط بمصالح هذه الدول واستطعنا من خلال ذلك أن نستوعب تصورها لأحوالنا الأمنية وتقييمها في النهاية لإمكانياتنا السلطوية لصون هذا الأمن وما يتطلبه من الاحتياجات الفنية والبشرية التي يخطئ كل الخطأ من يتصور أنها تقتصر على آلات تشتري أو عناصر بشرية تدرب، فالأمن والأمان عند الدول الفاعلة يبدأ قبل كل شيء من أساليب الحكم وكيفية المشاركة، وتحقق السلامة من الفساد والمفسدين، لأن كل سلطة لا تتوفر لديها مثل هذه الركائز لن تكون قادرة على الصمود الطويل، وكلما كانت مهددة بالانهيار من الداخل، فمن باب أولى أن تكون أعجز أمام الخارج، وإنما كان يتردد من أن الاستعمار لا تهمه سوى مصلحته وأن هذه المصلحة بالنسبة لليبيا على سبيل المثال تكمن في ضمان تدفق البترول، هو تسطير للأمور وعجز عن النفاذ إلى الجوهر، فالنفط كان وسيبقى صناعية غربية ووسائل الضغط بصدده من اختصاص الغرب ومن أمريكا بالذات، وحسب المرء أن يدرك بأن روسيا ذاتها التي تدعي منافسة أمريكا تعتبر من الدول المصدرة، وأن ما تقايض عليه بعض الدول المنتجة تعيد بيعه للمستهلك الغربي وشريكه الياباني وربما الصيني، وبالتالي فإن الحديث عن السعر المعلن وغير المعلن إنما هو داخل هذه اللعبة المعقدة التي هي بيد الغرب دون غيره.

والأمن والحالة هذه أكبر بكثير من المصالح الاقتصادية، وليس الخطر المتوقع من ليبيا على سبيل المثال هو ذلك المنتظر من المجموعات المسلحة ولا كميات السلاح التي يعتبر الحديث عن تهريبها لأكثر من مكان معلومة لدى القاصي والداني، إذ حتى لو ضبطت هذه الكميات وما أظنها إلا ستضبط بواسطة المعدات الفنية القادرة على تحديد امكنتها أينما أخفيت ومن تمّ ضمان السيطرة عليها بواسطة السلط الشرعية، أو اللجوء إلى وسائل أكبر، فإن إعادة إعمار ليبيا وما سيقترن بذلك، من تدفق المجموعات البشرية وما ينذر به من تسلل الأجندة الخارجية يمثل الخطر الأكبر بالنسبة للأطراف الدولية القريبة منها والبعيدة، كما أن ضمان حدود ليبيا وإحكام الدخول والخروج إليها مطلب كبير الأولوية، وبقدر ما هو شأن داخلي فإنه وبالنظر لذات مطلب دولي، وعندما فكر النظام المنهار أن يتخذ من هذه المسألة وسيلة ضغط على الجانب الأوروبي كانت المبادرة بدعم أية محاولة ترمي إلى إسقاطه، وما بعض الأصوات التي حاولت أن تتبنى الموقف المعارض لما ساد من تسيب في الحدود في تسعينيات القرن الماضي إلا لتوصلها بمعلومات تتصل بهذه الإشكالية، لولا أن الغرور قد بلغ أقصى درجاته لدى المستبد الذي أعتقد أنه الوكيل الذي لا بديل له والحارس الذي يمكن أن ينوب في أي زمان ومكان، وأن إرادة التغيير حين تتوفر شروطها وتتهيأ أسبابها فلابد لها أن تكون ولو بهذه الحرب غير المسبوقة، والتضحيات التي لم يتوان أحد إزاءها.

وعندما يحل ببلادنا رئيس الوزراء البريطاني (كاميرون) في زيارة تختتم بتوكيد الجانب البريطاني على الإيفاء بكل تعهداته نحو ليبيا وأمنها ومشروعها الديمقراطي وحماية حدودها من أطماع الآخرين، وتعيدنا إلى سبعين سنة مضت من انبعاث المسألة الليبية في اتجاه الاستقلال، في خضم الحروب العالمية التي استهدفت دكتاتوريات المحور وما تبع ذلك كل من تجاذبات ومتغيرات فلابد أن يكون واضحاً لدينا أن أوروبا وهي تسعى لصون مصالحها بواسطة دعم السلط الوطنية لم يكن الموضوع الديمقراطي خارج حساباتها لأنه الأقدر على دوام المصالح المشتركة، بمعنى أن قبول أوروبا بقادة لا يعطون هذه المسألة ما تستحق لم يكن القبول بهم إلى الأبد ولكنه التأجيل الذي له ما بعده، ويكفي أن نجري المقارنة بين ما سلك الحكم الجامد لتكون النهاية متمثلة في السماح للدكتاتورية ومن نحا المنحى الديمقراطي فضمن الاستقرار والسلامة من كل أشكال التطرف.

وإننا لكي نمر إلى هذه الغاية المشتركة من الأمن المشترك فليس لنا سوى التوجه لبناء الدولة الحديثة بكل ما في الحداثة من المعاني، والتي لا طريق إليها دون الوعي واستثمار الطاقات القادرة والآفاق المفتوحة، وذلك بالتخلي الصادق عما يلوح في مناخنا السياسي من غوغائية ونزوع نحو الإقصاء ووهم بأن هناك من يمكنه في ليبيا الجديدة أن يتفرد في الحكم وحده أو يمتلك الحقيقة وحده، أو يجدد معيار الوطنية وحده وقل مثل ذلك عن الفضيلة، ومن نافل القول أن كل مضي نحو نهب المال العام واعتبار السرقة في حكم الغنيمة واستغلال الظرف العام لفرض سلوكيات معينة تتصل بحياة الناس وتدخل في عداد المساس بحقوق الإنسان التي حرمتها المواثيق وفرضت التصدي لها بالقوة.

وكم يكون جميلاً ومفيداً أن ندرك أن هذه الأرض على ما هي عليه من الاتساع وما مرت به من المعاناة، وما ينتظرها من جهد للتوجه نحو المستقبل لن تصل إلى ذلكم بملايينها الستة، ما بالك وهناك من يطرح أطروحات العزل، وأنها أي ليبيا لكي تكون ماضية في طريق الدول غير الفاشلة فلا مناص من أن تلتزم بخارطة الطريق التي قدمتها وهي تنشد اعتراف المجتمع الدولي بثورة شبابها وسحب الشرعية من جلادها، وليس لها أن تحاسب ومن ثم تعزل كل من ثبت إجرامه في دماء الناس وأموالهم وأعراضهم وفي محاكمة عادلة ومعلنة توفر شروط الدفاع وترعى آدمية الإنسان.

إذا ما أضفنا إلى ذلك أن الأمن المنشود لليبيا الجديدة لابد له من أمن داخلي يتابع أعمال التخريب الممنهجة وخارجي يتابع ما قد يخطط وتظهر آثاره إلى جانب جيش وطني عالي الكفاية، فإن توفر الحرفية والوقوف من الجميع على مسافة واحدة لابد أن تتوفر في هذه الأجهزة مجتمعة وبمنأىً عن جميع التجاذبات.

لقد أثبتت انتخابات المؤتمر الوطني العام مستوى الوعي الذي تحقق للمواطن الليبي، بْدءًا من سلامتها من استعمال السلاح ووصولاً إلى طبيعة الفوز الذي حققته القوائم الحزبية والشخصيات ذات الحضور الحقيقي، ورفضها لكل محاولات الضغط والتضليل، فكانت النتيجة هذه التشكيلة المتوازنة للأمانة والاختيار الواعي للحكومة، وما أظهره رئيسها من قدرة على الاستيعاب، وآثاره للارتياح الداخلي والخارجي فصار ضرورياً أن يبعد الجمع عن أي شكل من أشكال التناحر أو المماطلة أو التطلع للانفراد بالقرار وليس أمامنا سوى المضي نحو الدستور انطلاقا من ذلك الذي انتهى إليه الشعب قبل خمسين سنة، حين الغى النظام الاتحادي ووُحدت البلاد على هيئة محافظات تتفرع عنها بلديات، ومن الممكن الاستفادة بالأمم المتحدة وما توفر من خبرة للحكومة المنتخبة والقانونيين في أمانة المؤتمر الوطني العام ومن الممكن الاستفادة والاستعانة والتخلص من التلويح بتأجيل أي استحقاق من الاستحقاقات ويبقى أن نعلم جميعاً أن توجه نحو تطويل المدة، سيكون مخجلاً أمام المجتمع الدولي وربما داعياً لتدخله أو حتى الاستعانة به من أي طرف من الأطراف.إنتهى


_____________________________

الفرق بين الثورة والانقلاب

أمين مازن

7-1-2013

لا يخفى الكثير من الناشطين السياسيين والمنشغلين بالشأن العام في تجلياته المختلفة وآفاقه المتعددة، ممن تستضيفهم عديد الفضائيات، أو يتنادون إليها تلقائياً للمشاركة بما يعين لهم من آراء أو يساورهم من قلق، إزاء تحول المؤتمر الوطني العام من هيئة أريد لها أن توجه السلطة التنفيذية نحو ما يجب عليها أن تقوم به من الخدمات، إلى جانب المحاسبة حول ما قد يشوب أداءها من القصور، الأمر الذي من شأنه إعاقة هذه السلطة المتمثلة الآن في الحكومة الانتقالية وارباكها بحيث لا يكون أمامها ما يدعو لتحديد المسؤولية، تماماً مثلما يؤدي ذلك إلى صرف المؤتمر المذكور عن إنجاز استحقاق الرئيس المتمثل بوضع الدستور الدائم للبلاد، ان ببعث الهيئة التأسيسية أو الانصراف إلى المهمة مباشرة، خاصة وأن المؤتمر قد أنشأ ضمن لجانه الفرعية لجنة مختصة بالتشريع، فضلاً على أن الحكومة المنتخبة قد أسندت حقيبة العدل إلى أحد المحامين البارزين، وكذلك ضمت أمانة المؤتمر الوطني ومثل ذلك المحكمة العليا، فلهؤلاء جميعاً حضورهم المحلي والدولي ولهم كذلك درايتهم بأشهر الخبراء العالميين القادرين على المساعدة لانجاز هذه المهمة، لولا أن المؤتمر الموقر لم يقم بأي خطوة في الخصوص، فذهب إلى النواحي التنفيذية ليعيد لنا، أراد ذلك أم لم يرد تجربة المجلس الانتقالي الذي أمر على إرباك المكتب التنفيذي على أكثر من صعيد وجعل من ذلك سنة نحو الحكومة الانتقالية، حيث لم يخف الكثير من أعضاء المكتب التنفيذي ومن ثم الحكومة الانتقالية امتعاضهم من تدخلات ذلك المجلس.

فبعد الاسراع بإصدار القرار الرامي إلى تعديل علاوتي العائلة والإسكان في حالة من الاستعجال التي تؤكد بما لا يدعي مجالاً للشك الأثر العكسي الذي يمكن أن تؤدي إليه الزياداتان من حيث الالتزامات المالية والاخلال بترتيب الأولويات، ومن ثم إنعدام الجدوى لما سيتوصل به المواطن جراء ارتفاع نسبة التضخم بزيادة الأسعار على كل الصعد وتقوية الشراهة الاستهلاكية ولا سيما في مجال السكن، حيث دخلت الدولة منافساً لا يبارى في الإيجار لقاء ما اقتضته المتغيرات الناتجة عن النزوح إلى العاصمة، لدواعي العمل ومثلها بقية المدن الكبيرة لذات الفرص وأغراض أخرى، ففي ذلك كل ما يضاعف من المصاعب بدلاً من التوجه نحو التخفيف المنشود ليس هذا فحسب بل لقد وجد بعض المتربصين في هذه الخطوة المتسرعة ما دفعهم إلى القول بأنها لم تتخذ إلا بقصد صرف الأنظار عما لوحظ عن بعض الاجراءات التي فاحت منها رائحة الاستفادة مثل مكافآت أعضاء المؤتمر وسفر بعضهم في أكثر من وفد بما يتجاوز المطلوب بكثير إلى جانب ما ارتفع لغط حول موسم الحج، فهذه المهمة مجتمعة لا تتفق وطبيعة المرحلة التي تفرض على المسؤولين ضرورة البقاء بالداخل إلا عند الضرورة القصوى، فقد ضعفت حجتنا معشر المنحازين للمؤتمر والمتفائلين بوجوده والمؤملين فيه الكثير، على أن المؤتمر الموقر لم يكتف بهذه الخطوة بل اتبعها بأخرى تمثلت في الخطوات التي اتخذت حول الاقتراض المصرفي القائم على الفوائد المقررة قانوناً، بحجة أن هذا النوع من الاقتراض محرم شرعاً، وليس كما هو الحال في الكثير من بلاد الله الإسلامية ذات الاستقرار الأكبر والاقتصاد الأقوى والتحصيل الديني الأرسخ لا نحن الليبيين الذين نعيش أجواد الحرب ونواجه الهجوم تلو الهجوم ولدينا من الضرورات ما يمكن أن يسوغ لنا ما لا حصر له من المحضورات التي قد لا تكون الفوائد المصرفية سوى أقلها، فإذا بنا عبر وسائل الإعلام الكثيرة نتسابق على إفشاء هذا التوجه باعتباره قرارا قد اتخذ، غير محتسبين لما يمكن أن ينتج من أضرار تتعلق بالكثير من أوجه الاقتصاد والمصالح وفي مقدمتها اسهم الشركات التي سبق للمواطنين أن اشتروها بحر أموالهم وأخرى غطتها الخزانة العامة من أصولها الثابتة، وأذا بهذا التوجه يقلبها رأساً على عقب، كما أن الأموال الأجنبية التي دخلت على هيئة استثمار وعلى هيئة شراكة من الشركات ولم تكن مثل هذه الخطوة المفاجئة محسوبة لديها قد طالها هي الأخرى ما طالها وأغلب الظن أنها ستطالب بالتعويض إذ باستثناء نظام المرابحة الذي دخل البلاد في السنوات الأخيرة دون أن يمس سعر الفائدة فقد كانت طبيعة الاقتصاد على هذا المنهج، كل ذلك مع وجود حقيقة مرة مرارة العلقم هي أن الفقراء دون سواهم من عباد الله سيكونون أول الخاسرين، لأنهم الأعجز عن جبر الضرر وإيجاد البدائل التي لن يعجز عنها الأذكياء والأغنياء بالضرورة .

ولما كان التجاوز يلد التجاوز والتغول ينمى التغول فقد أقدم المؤتمر الموقر مرة أخرى على إصدار قرارين بالغي الأهمية ولكنها من صميم الأموال التنفيذية، بكل ما في كلمة التنفيذ من المعاني، وأول هذه القرارات تمثل في اعتبار مناطق الجنوب مناطق عسكرية مع تسمية قيادة لها وآخر يعطي تسمية السفراء وغيرهم من الدبلوماسيين للمؤتمر الوطني العام، بحيث لم يعد للحكومة من صلاحية في هذا الصدد سوى أن ترشح من تراه لهذه السفارة أو تلك وتبقى في انتظار موافقة المؤتمر الوطني العام التي لا يعرف أحد متى تأتي وكيف تأتي، أما الاتصالات المتعلقة باستطلاع اراء الدول من حيث السفراء الأوفر حظا بالقبول والأكثر قدرة على اداء المهام المنتظرة والتنسيق مع الأجهزة المختلفة من حيث ما يمكن أن يدخل في مشمولات السفير أو الدبلوماسى، كل حسب المنطقة المقررة فمن لامكان له على ما يبدو على أن الغريب في الأمر ان ذلك يأتي في الوقت الذي يعود فيه رئيس الحكومة من رحلة شملت دول الجوار المقلق مجتمعه ويلوح من تصريحات الرئيس المقتضبة أن التوفيق لم يكن بعيدا عنه، وكان من المفروض أن تعطى له فرصة تقديم بيانه إلى المؤتمر عما بحثه في مهمته هذه وما قد يترتب عليها من استحقاقات وما يمكن أن يعود من خلالها بشأن الاستقرار المنتظر. ان من خلال ما عساه قد نال الاتفاق أو مازال في حاجة إلى الاخذ والرد والسعي والسعي المضاد، فإذا بنا نفاجأ بقرار المؤتمر هذا والذي ليس له من معنى سوى أنه يريد للأطراف الشريكة ان سلطات الحكومة محدودة وما اتفق معها لا يساوي شيئاً ما لم يدعم بزيارات أخرى.

طبيعي ان هناك من سيقول ان مثل هذه القراءة تصدر عن تعسف في التفسير، لأن هذه الخطوة قد اقتضاها الإعلام الدستوري فإن الرد سيكون بأن النص المشار إليه متعلق بالمجلس الانتقالي ومكتبه التنفيذي وليس بحكومة منتخبه ومؤتمر اعتبر انتخاب الحكومة على رأس أولوياته ومن ثم التفرغ للدستور، نعم حكومة منتخبه ونالت ثقة المؤتمر مجتمعه اللهم إلا من رؤى الاحتكام بشأنهم للنزاهة وحتى القضاء لأن الأغلبية كانت مريحة للغاية، كما أن الترحيب الدولي الذي عقب تشكيل الحكومة وما أعلن من استعداد عديد الأطراف لمساعدة الحكومة ولاسيما في مجال تحقيق الأمن بالبلاد يبشر بالكثير من الأمل، وكان من المفروض أن يدفع إلى منح المزيد من الصلاحيات وليس التوجه نحو تطبيقها خاصة وان نسبة الارتياح ازاء خطاب رئيس الحكومة عالية للغاية بما افصح عنه من البعد عن النزعة الاقصائية ولغة الوعد والوعيد ولكن دون المضي نحو الوعود الخلابة والمرء لا يجد غضاضة هنا في القول بأن هذا النوع من القرارات ـ وبصرف النظر عن الكم الهائل من حسن النية ـ لايدل إلا على ضعف الحماس للحكومة وميل نحو تلك الجهود التي تسعى إلى اطالة أجل الأوضاع المؤقتة والحيلولة دون استكمال المؤسسات الدستورية في أجالها المطلوب والمحددة مع المجتمع الدولي الذي لم يقصر في اداء ما نحن بحاجة إليه من الدعم ولن يخفي عليه كذلك أي تحرك يسعى إلى مصلحة هذه الأطراف أو تلك هذه القرارات إذن التي يصر المؤتمر الوطني العام على اتخاذها لن يكون لها من مردود سوى الأضرار بالمصلحة العامة، مهما كان حسن النية المدثر لها ومردودها لن يخرج عن أمرين أما اعاقة الحكومة ومن ثم تعجيزها عن التوجه الذي اعلنته وخطت الخطوات الدالة عليه، أو استدراجها إلى الاستقالة أو الاستقالة، فتعود إلى الذاكرة الطريقة التي ازيحث بها حكومة السيد بوشاقور، وان يكن غير مبرأ المسؤولية بشأنها.

يبقى بعد هذه كله وبالعودة إلى ما اثير في المؤتمر أكثر من مرة وعلى لسان أكثر من عضو أن الرحلة قد تقتضي تشكيل حكومة من بين أعضاء المؤتمر إذا ما كان هناك من يحبذ مثل هذا التوجه ويرى أنه الاصوب أو الاحدى أو الأنفع. فلا داعي لاضاعة الوقت بل التوجه إلى ذلك مباشرة فالمؤتمر على كل حال سيد نفسه ولديه من الكفاءات القانونية التي قد توفر له الصيغة التي توفر له إمكانية الجمع بين مهمة الخصم والحكم بدلا من استنساخ المجلس الانتقالي. كل ذلك إذا ما استطعنا أن ننسى أن الجمع بين السلطتين من سلوكيات ما قبل السابع عشر من فبراير، أما الفصل بين السلطات فهو من اوكد متطلباتها وذلك هو الفرق بين الثورة والانقلاب.إنتهى


_____________________________

الخريف يدفع الشتاء في مقابل الربيع

أمين مازم

30-12-2013

-1 بغروب شمس هذا اليوم تنسلخ سنة أخرى من حساب الزمن لتشمل الأحياء جميعا . وتتوقف بنهاية الساعة الرابعة والعشرين تماما عقارب الساعة مشيرة الى حلول سنة جديدة . لا يهم ان يكون استقبال هذه السنة ممثلا في طرق الكووس وإطلاق الأبواق تعبيرا عن الاحتفال او بالاستنكار لهذه البدعة ـ كما يرى البعض ـ التي استحدثها الكفر ة وعمدتها التقاليد المعادية للأديان ـ او توفر الإدراك بان الاحتفال بالعام الجديد ليس الإنتاج الحرب الكونية الثانية وما جرته على البشرية وفي مقدمتها أوروبا من الأهوال عندما انتهت في منتصف أربعينيات القرن الماضي بخسارة ألمانيا واحتلال برلين واليابان بإلقاء القنبلة على هيروشيما الأمر الذي دفع أعداداً من الشباب الأوروبيين إلى ان يحتفلوا بحلول أول سنة انتهت دون حرب ، على أمل أن تكون الحرب الأخيرة ، لينتشر بعد ذلك هذا التقليد ويتنامى مع الزمن ، خاصة أن جيوش الحلفاء والمنتصرين في الحرب أخذت تعيش في أماكن كثيرة من مدن العالم ، اذ نشبت الحرب الباردة بسرعة جراء مسارعة الروس بإقامة النظم المؤيدة لهم في المنظومة الشرقية الواسعة . وهكذا أخذت الاحتفالات بمقدم السنة تبدأ بأعياد الميلاد لتبلغ ذروتها في نهاية السنة ، والتي هي عادة موعد إقفال الحسابات التجارية والرسمية وموسم توزيع الهدايا والأرباح من طرف أصحاب المال ومن كان في خدمة مصالحهم في العالم الجديد الذي صار بفضل التواصل قرية صغيرة ، مما جعل الاحتفال بالسنة الجديدة يتحول الى تقليد عالمي وقع الانحياز له من منطلق التأثر و التأثير وليس الإيمان من عدمه ، وللمصالح سلطانها الذي يفوق ما عداه .

-2 لحسن الحظ او لسوئه ، بالنسبة لجيلنا ، ان اقتضى تنفيذ قرار هيئة الأمم المتحدة بإعلان استقلال البلاد قبل مطلع سنة 952 ، ان جاء الموعد يوم 24/12/951 أي قبل أسبوع من مختتم السنة ، فتزامن عيد الاستقلال وبالأحرى تداخل مع مولد السيد المسيح ، فلم يخرج الناس من عطلتهم المخصصة للاستقلال حتى تدخل أعياد الميلاد ، فيفرض وجود الأعداد الكبيرة من الأجانب والمرتبطين معهم على هذا النحو او ذاك ان تتوالى الاحتفالات وتتداخل الأعياد ويتنوع التعبير عن ذلك . لقد كان الجيل يومئذ مكتفيا بما لديه وليس ذلك المتهافت على السفر كما يحدث هذه الأيام ، بل لعل السفر حين يكون فان المستفاد منه يعنى ان البلد أفضل مما عداه ، اللهم الا الذين سرقهم الاستلاب وضللتهم الدعايات التي طالما جعلت الأمة العربية تكتفي في حربها بالأناشيد معتقدة ان الخطب يمكن ان ترد العدوان وقد ترسخ يومئذ الاحتفال بهذا القرى والواحات ، اذ سادة البلد سياسة من أراد ان يطاع فليحكم بالمستطاع كما ان رجال الدين ان صحت التسمية من أمثال الأفاضل محمد ابو الاسعاد العالم وعبد الحميد الديباني وعلي يحي معمر وعبد الرحمن القلهود وحميدة بن عامر وغيرهم كثر لم يتجاوزوا فضيلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . اما عندما حل بالوطن ما حل في سبتمبر 69 وارتفعت الأصوات المعادية لكل ما هو حضاري الى جانب التشدق بالتدين الزائف كان الإصرار على إحياء أعياد الميلاد ورأس السنة وغيرهما ليس الا تعبيرا عن التحدي الكامن في النفوس الرافضة للزيف والمصرة على الحرية فيما كان النظام يتخذ هذه المحاذير مجتمعة مبررا للتضييق على الشرفاء من عباد الله ، فلم يحترم لهم إقامة في نزل سددوا ثمن إقامتهم فيه من حر أموالهم ، ولم يجد غضاضة في تكدير صفو فرحتهم بعد ان وضعت البرامج الفنية المنظمة من طرف الإدارات الرسمية مرة يمنع الدخول عليهم وهم حاضرون بأسرهم وضيوفهم من الوطنيين والأجانب ومرة أخرى يحال بينهم وبين ما جرى التعهد لهم به ، والحجة دائما هي ان ما استعدوا للاحتفال به متعارض مع الدين او مخالف للأصالة ، فيما يكون المحظوظون ومن في حكمهم من الأبناء والأصهار محروسون من كل كدر ، وكم من مرة تناولنا هذه التناقضات في حدود المتاح وقلنا حولها ما تيسر فأمكن النشر أحيانا وتعذر بعض الوقت أحيانا أخرى وتلك تفصيلة لها مكان وتوقيت آخر

-3 لم أستغربُ التحية الكريمة التي خصني بها الصحفي الكبير على شعيب في عموده الأسبوعي بصحيفة فبراير وهو يتحدث عن عيد الاستقلال وتزامن إعلانه في يوم 24 ديسمبر الذي شهد ذات يوم تاريخ مولدي ، بحسب رواية السيد فتحي الصادق الذي شهده في مسقط الرأس ((هون)) عندما كان العم الكبير سالم صادق يعمل بالإدارة الايطالية هناك وهو أحد جيران جدتي ، ذلك ان علي شعيب وطوال الأربعين سنة الماضية التي كان فيها دائب الحضور . لم اعرف منه الا مثل هذه المشاعر والتي لم تكن دوما موضع ترحيب الكثير من المتنطعين بل لقد كان المطلوب غير ذلك ولا سيما حين وجد الموقف المتناقض مع بعض دعاة الانغلاق وتضييق الواسع على الناس ، والحد من أي بارقة تسعى الى الأخذ بأي يد تحاول ان تكتب حرفا أكثر تميزا او اشد تعبيرا عن المهنية . ولا أريد ان اصطنع التواضع فأقول أن ما ذكره في غير محلة ، كما هو ديدن الكثيرين ولكني اقول فقط أتمنى أن أوفق للمحافظة على ما دفعه للكتابة وما أهلني لا بقى على هذا الحضور وان يكن بالنسبة لما اطمح إليه يحتاج الى المزيد وفي جميع الأحوال فأنني شديد الاحتياج لمثل هذه التحية الطيبة لما تحمله من حسن المتابعة وجدية التقويم ، فمثلها بدون شك هو ما يدفع المرء الى مواصلة المسيرة ، وعدم ادخار الجهد ومقاومة عوامل الإحباط الناتجة عن غياب القارئ الذي لا يتابع او يبخل بالتعبير عن متابعته وانما يعرف الفضل ذووه .

-4 وصل المؤتمر الوطني العام الى النقطة التي كانت منتظرة له من البداية ، واصدر قراره الرامي الى تمديد ولايته . بحجة ان في المؤتمر عددا غير قليل من الأعضاء الموصوفين بذوي الاختصاص القانوني وربما الدستوري ايضا ، دون ان يستشعروا أي حرج في إعطاء رأي من شأنه ان يفيد قائله ، فيستعينوا على سبيل المثال برأي إدارة الفتوى والتشريع او نقابة المحاميين او وزارة العدل . او أي حجة تحول دون نقيصة التشريع للذات . وكان الكثير من المتابعين لمجريات الأمور قد أدركوا من البداية ان المؤتمر بما انتهجه من انجرار نحو المسائل التنفيذية وما أقدم عليه من قرارات مست الأمور الاقتصادية والمرتبات والكثير من القوانين دون التنسيق مع الحكومة سيهمل او يعجز عن أداء المهمة التي وجد من اجلها وهي الاستحقاق الدستوري . ولا سيما عندما سلم بالإجراء الخاطئ الذي فرضه منفردا رئيس المجلس الوطني الانتقالي المؤقت بتحديد عدد أعضاء الهيئة التأسيسية في ستين عضوا ليتم انتخابهم مما أطلق عليه المناطق الثلاثة متحججا بإرضاء الذين رفعوا شعار الفيدرالية وهددوا بمنع العملية الانتخابية فقد تبين منذ ذلك الوقت حجم الصعوبات التي ستنتج عن الانتخاب وكذلك الشك في إمكانية تحقق وجود القادرين على تأدية المهمة بواسطة الانتخاب واد أضيف الى ذلك ما شاع من التباطؤ في العمل لهذا التوجه أصبح في حكم المؤكد ان النتيجة الحتمية ستتجسد في ضرورة التمديد للمؤتمر ، وهو ما قد كان قبل أن تأذن السنة الحالية بالانقضاء ، حتى صدر القرار الذي وصف بالمبدئي كي يكون على جرعتين ليبلع ! والحق ان المؤتمر وضع البلد والمعنيين بشئونه أمام أمرين احلاهما مر كما يقولون فالتمديد ليس الا نتيجة لممارسة متعمدة وفي أحسن الفروض غير سلمية ، والدعوة الى إسقاط المؤتمر لن تؤدي الا لما هو أسوأ . اما التوجه نحو الأجسام الجديدة والتغييرات التي تصل الى حد الذهاب الى اختيار رئيس الدولة وما في حكمه . وكذا اعتبار زعماء القبائل جزءً من التفكير في الحلول المنتظرة فهو أيضا اقرب الى الخيال من اشتراطات الواقع . نعم الواقع الذي يمكن ان يقف عليه كل مراقب ان البلاد المكتظة بملايين قطع السلاح الثقيل والخفيف والموجود أكثره بأيدي غير مسئولة من الناحية الرسمية بل لعله من خلال المشكلات المناطقية والحسابات المعلقة ينذر بالكثير من المخاطر بالنسبة للداخل ، كما انه من خلال التوافقات الإقليمية والقطرية وقد نقول المذهبية يمتد خطره الى المحيط ، وبصدد هذه الإشكالية ليس من المستبعد ان يكون العبث بالوحدة الوطنية من بين الخيارات أما إذا وضعنا في الاعتبار وجود أكثر من مليون مواطن خارج الحدود وفي وضعية لفتت الكثير من ذوي الضمير في العالم ، ولا بد لنا إذا كنا جادين ومدركين لخطورة المرحلة أن نراعي ذلك كله ، الاخذ في الاعتبار بما حمله بيان مجلس الأمن من تحذير ناعم وما تحدث به «طارق مترى» حول الاجتماع المقرر عقده في مفتتح السنة حول ليبيا ، بحسب وزير خارجية روسيا . وذلك يعني أن دعوة الشارع للتحرك قد لا تكون الخيار الأفضل ، بل لعل الحالة تدعو إلى التدبر والتشاور وقبل كل شيء تبادل المعلومة .... والخريف يدفع الشتاء في مقابل الربيع ..إنتهى

_________________________________

عود على بدء

أمين مازن

24-12-2013

قبل أربع وستين سنة اعتبر الرابع والعشرين من ديسمبر عيداً لاستقلال ليبيا، التي سميت يومئذ رسميا المملكة الليبية المتحدة، حيث تولى السيد محمد إدريس السنوسي المعروف حتى ذلك التاريخ بالأمير إدريس عرش المملكة الوليدة، والمتكونة من طرابلس وبرقة وفزان. وقد جاء ذلك الاستقلال تتويجا لكفاح طويل خاصة الآباء والأجداد بدءا من استنجادهم بالسلطان العثماني كي ينقذهم من احتلال فرسان مالطا ثم تطلعهم في وقت لاحق وبواسطة ما توفر ليوسف باشا القره مانلى من الطموح السياسي للانفصال عن السلطة العثمانية شأنا مع ما كان شائعاً في أقطار عربية كثيرة أو لنقل ولايات عثمانية كثيرة بتعبير أدق وأخيراً الخروج على هذه السلطة أيضاً بواسطة العصيان المسلح والذي اشتهر فيه على نحو خاص «عبدالجليل سيف النصر وغومة المحمودي»، وهو موقف وضع اللبنة الأولى لما انفرد به الليبيون من رفضه لمعاهدة اوشي التي عقدت بين إيطاليا وتركيا، عندما أمر الليبيون على حكم أنفسهم بأنفسهم وكان لهم في هذا الصدد أكثر من اجتهاد وأكثر من أسلوب وأكثر من قيادة، إلا أن أكثرها عملية وتوافقا تلك التي انعقدت حول شخص الأمير «محمد إدريس السنوسي» لما افضت إليه من الوحدة بين برقة وطرابلس من ناحية، ولما حافظت عليه أو لنقل اجمعت عليه أقوى الزعامات التي عرفها الجنوب والمتمثلة في مشايخ سيف النصر من حرص على تقديم السنوسيين الذين تشهد الوثائق التي ارخت لتلك المرحلة بعديد المراسلات التي تمت في الخصوص حيث لاتوجد أي تقاطع بين السنوسيين وال سيف النصر، اللهم الا الموقف الذي غير الودى الذي أبداه المجاهد «أحمد سيف النصر» أزاء السيد «محمد عابد» في معرض مناقشاته المكتوبة عبر رسائله إلى الأمير إدريس. وكانت الجمعية العامة للأمم المتحدة، وعبر اجتماعاتها التي استغرقت وقتا طويلا من سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية في أربعينيات القرن الماضي قد قررت وهي تبحث مصير المستعمرات التي كانت تحت حكم الدول المهزومة في تلك الحرب أعطاء ليبيا استقلالها في أجل أقصاه أول 1952، وهو قرار وافق اصداره الحادي والعشرين من نوفمبر سنة 1949م، بحيث خصصت الفترة الواقعة بين التاريخين كي تكون خاصة بالتحضير لقيام الدولة المنتظرة وبواسطة إدارات ثلاث أشرف عليها بالنسبة لبرقة الأمير إدريس باعتباره قد شارك البريطانيين بفيلق شارك فيه بضعة آلاف من المهاجرين الموجودين بمصر، والذين مثلوا كما تشهد قوائم أسمائهم الكثير من قبائل برقة وكذا أبناء مصراته وزليتن وأولاد سليمان وعقدت بشأنهم الكثير من الاجتماعات ونشبت كذلك الكثير من الخلافات ولاسيما من طرف بعض القادة المهاجرين الذين وضعوا نصب أعينهم ذلك الخذلان الذي مني به شريف مكة من طرف البريطانيين، فيما رأى السيد إدرس القبول بدون شرط ربما لشعوره بضعف الليبيين أو ضرورة الاستفادة من تجارب أخرى، وإن كان يبدو شديد الحذر بالنسبة لبعض أبناء عمومته أبناء الشريف، وقد تربت على نظره إدريس هذه أن خصت برقة بوعد مفاده إلا عودة للايطاليين وكذلك المسارعة باقامة نوع من الحكم المتقدم على بقية الاقليمين حتى خشي البعض أن يكون في ذلك ذهاب نحو الموقف الانفصالي وقريبا من هذه الصورة كانت وضعية فزان بالنظر إلى مامثله وجود السيد «أحمد سيف النصر» في المهجر التشادي مما جعله يلقب بالحاكم ثم يكلف بالإدارة التحضيرية على الرغم من تقدم سنة وعلى الرغم من أن مهمة اختيار الأعضاء الممثلين لطرابلس في الجمعية الوطنية التي أعدت الدستور قد انيط بالسيدين البشير السعداوي ومحمد أبو الأسعاد العالم الذي كان يشعل يومئذ وظيفة مفتى البلاد إلى جانب مساعدة السعداوى في قيادة حزب المؤتمر الوطني، إلا أن استلام الإدارة من الجانب البريطاني وجدناها تسند إلى السيد محمود المنتصر بالنسبة لولاية طرابلس والتي كانت حتى ذلك التاريخ إدارة لها عملتها الخاصة وليست كما هو الحال في برقة حيث اعتمدت العملة المصرية، وهي مهمة مالبثت أن تطورت إلى رئاسة الحكومة المؤقتة أو الانتقالية التي أجرت الانتخابات النيابية عقب إعلان الاستقلال مباشرة وقد رافق تلك المهمة الكثير من الصراع والكثير من التجاوز وكذا التدخل من بعض الأطراف العربية التي عز عليها أن تكون ليبيا دولة مستقلة، ولاسيما السيد عبدالرحمن عزام الأمين العام للجامعة العربية والذي لايخفى عداه لسيد إدريس حتى رأيناه يبخل في مناداته بالأمير عندما التقاه في مصر على الرغم من معرفته بحقيقة البيعة التي رفعت للرجل عقب مؤتمر غريان بل واجماع الأغلبية الساحقة من الليبيين على ذات التوجه عقب الحرب العالمية الثانية وما ترتب على ذلك من الخلاف الحاد مع السيد البشير السعداوى والذي اعتبر زعيم الأغلبية في طرابلس بل وفي مدن أخرى كدرنه ومرزق وغدامس. وأياما كان الأمر فقد صارت ليبيا منذ ذلك التاريخ دولة مستقلة واكتسبت في تسلسل أرقام الدول العربية المستقلة الدولة الثامنة، وكانت أفقر دولة في العالم حتى ذلك التاريخ مما اضطر الأمم المتحدة بوصفها الحادية على الدولة الوليدة أن توفر المساعدة تلو المساعدة، كما اضطرت الدولة في معرض الاعتماد على الذات أن توظف شيئا من فضاءاتها في اتفاقيات عسكرية قدمت بموجبها بعض التسهيلات وضمنت ما استطاعت تلبيته من القواعد المطلوبة لما قد يفرضه الاصطدام المتوقع دوليا، وكان ان ابرمت اتفاقيتا بريطانيا وأمريكا بمبالغ اتفق عليها ومدد ثم تحديدها، الأمر الذي وجد فيه كل الذين ضايقهم استقلال ليبيا فرصة للتشكيك في هذا الاستقلال واعتباره ناقصا بل وفي غير المصلحة العربية، إلا أن الأباء المؤسسين أصروا على الصمود في وجه تلك المزاعم إدراكا منهم ان الآخرين أيضا لهم ضروراتهم ان لم نقل تنازلاتهم، فإذا ما قدر للأرض أن تجود بما لديها من الذهب الأسود وتحقق ما لديها للخروج بليبيا من دائرة الفقر، بل لقد اصبحت في وقت لاحق حيوية في مساعدتها، وكان من الممكن أن يكون دورها أكثر إيجابية نحو نفسها ونحو محيطها لولا أن خط أولى الأمر فيها من الطموح كان دون المستوى وكان أن افلس النظام التقليدي، لثاني الأربعة عقود التي اختفى فيها الرابع والعشرون من ديسمبر نهائيا من الذاكرة الوطنية، بحيث لايذكر الاستقلال إلا بالمزيف إلى أن حان الموعد الذي انتفض فيه الشعب ضمن من انتفض في الربيع العربي ويجرى بعد ذلك ما يجرى من ذلك النضال البطولى ومن ثم الدعم الدولي بحيث لم ينته ذلك العام وبالاحرى في شهر الثاني عشر، حتى عاد الرابع والعشرون من ديسمبر عيدا يفوق الأعياد جميعا ويرتفع العلم الذي عهده الشهداء بدمائهم ويصلصل النشيد الوطني الذي ظل خالدا طوال تلك العقود حيث لم يستطع النظام المنهار في السماح بنشيد يلبي الطموح ولم يسمح بالابقاء على الراية التي اختيرت في تلك الأيام بدبلا، فينعدم الشعار وتنعدم كل شروط الشخصية وكل المقومات التي تبعث على الهمة وتثير مشاعر الكرامة وتشعر الناس بما يجب أن يشعروا به. غير أن الحديث عن الرابع والعشرين من ديسمبر 1951 وماتلاه من أحداث واليوم يمثل عيدا وطنيا يحتفل به الليبيون بعد ذلك وإلى حين اقصائه الذي دائم أربعة عقود أو وهو يعود منذ أن اعيد إلى موضعه في واقع اليوم يجب وكما قلنا منذ أول احتفال به في قصر الخلد العامر إلا يجعلنا نفضل ما اقترفناه أزاء أنفسنا وأزاء استحقاقات المرحلة في تلك الأيام، إذ لولا التقصير والقصور اللذين عما حياتنا من البداية ما كان للاستقلال أن يغيب وما كان للنظام الشرعي أن يتهاوى في لحظات وما كان وما كان إلخ إلخ وعلينا بعد ذلك كله ونحن نعود إلى نقطة البداية، ونتجه نحو المستقبل في كنف الأمم المتحدة وما يمكن أن توفره من المشورة الفنية المفيدة والرعاية الرادعة، ليس فقط على مستوى الرأي الاختصاصي، وإنما على المستوى التوافقي، فقد افضت حرب التحرير إلى الكثير من الخلافات والكثير من التجاذبات، كما أحيت في وقت لاحق الكثير من الحساسيات وقد نقول الحسابات ، وبالتالي فإن كل نصيحة تجمع بين فهم الواقع الليبي والمحيط الاقليمي وأخيرا الدولي تبدو شديدة الضرورة وواجبة المراعاة، وإذا كنا في ذلك التاريخ قد عرفنا قولا عميق الدلالة في كلمة «المحافظة على الاستقلال اصعب من نيله» فلاشك أننا اليوم وفي ضوء هذه المشاعر وفي غمرة إعادة الاحتفال بذلك اليوم أن نتنادى إلى توافق سياسي وتحرك عملي ينطلق من ذلك القول بالعمل السريع تحت شعار المحافظة على الاستقلال اصعب من نيله.إنتهى


_____________________________

عندما ينتصر الصدق على مغريات السلطة

أمين مازن

18-12-2013

بكل ما يتوفر عليه الرجل الواثق من نفسه والسياسي المحترم لاختياراته والمتنزه عن كل ظهور إعلامي تفوح منه رائحة التطلع للمستقبل، بل والمصر على توكيد الزهد في كل ما يسيل له لعاب الكثيرين، وقف السياسي التونسي المعروف السيد أحمد المستيري صاحب التجربة السياسية العريضة التي جمعت بين تقلد ما يزيد على أربع وزارات في عهد الرئيس التونسي الراحل بورقيبة والمعارضة داخل الحزب والحصول على أغلبية أعضاء أحد مؤتمراته، وأخيراً الأقصاء والمحاكمة والإيقاف والإقامة الجبرية، ثم تأسيس حركة الاشتراكيين الديمقراطيين وأخيراً التخلى عنها في سنوات حكم «زين العابدين بن علي» .... وقف هذا الرجل متصدياً أمام أسئلة الإعلامي أحمد منصور التي طالما حرص على أن يستدرج بواسطتها محاورية وبالأحرى ضيوفه كي يقولوا ما يريد أن يقال، ويساعدوا على ادانة ما يجب أن يدان وبطريقة استفزازية توحي للمشاهد أن ضيوف «أحمد منصور» هذا مجرد شركاء «لأحمد منصور» وأسئلته الممنهجة وتعليقات العدوانية بل ولاحرج أن توصف بالفجة، ولاسيما حين يكون الضيف من الذين عملوا في عهد الرئيس «عبدالناصر» الذي لايترك هذا الإعلامي لحظة واحدة دون أن ينال من «عبدالناصر» بما في ذلك ما يجمع عليه أعداؤه قبل خصومه من الايجابيات. وكذلك فعل مع بعض من استضاف من تونس بشأن «بورقيبة» وجاء الآن يكرر ذات الأسلوب مع السيد «أحمد المستيري» الذي ارتبط عهده في وزارة العدل بتعديل قانون الأحوال الشخصية في تونس بشأن تعدد الزوجات وشؤون الطلاق، وما إلى ذلك مما كثر الخلاف حوله داخل تونس وخارجها في الوطن العربي، واتخذ منها المختلفون مع «بورقيبة» من التوانسة الذين اضطرتهم ظروفهم وعدم مرونة الرئيس التونسي معهم إلى العيش في المهجر والقبول بالكثير من شروط مستضيفهم من الأشقاء العرب أن يستدرجوا إلى لعبة تضخيم أخطاء «بورقيبة» واعتبار كل قراراته تصب لمصلحة المشروع الاستعماري ومحاربة الدين الإسلامي، بحيث لم يتفطنوا وربما لم يستطيعوا أن يمارسوا فطنتهم أي أن الكثير مما كان يقال بشأن خلاف السياسات العربية والساسة العرب أيضا ليس بريئا من لعبة التنافس بين الأقطاب ومثل ذلك المراكزه الأمر الذي بدأ منذ قيام الدولة الإسلامية ولعدد مراكزها وقياداتها، وكان قبل ذلك الحضارات القديمة التي سبقت الإسلام كما يعرف كل من لديه فكرة عن التاريخ، فقد تحركت الدعاية العربية القائمة كما يقول «بورقيبة» فشوهت صورة الرجل ونالت من خطواته المتعلقة بالأسرة والزوجية ورؤية الهلال وسوء الفهم المتعلق بالصوم.

حيث يرى الكثيرون أن الصائم له الحق أن يتأخر عن عمله وأن يسيء التصرف نحو الآخرين، الأمر الذي لم يقبل به «بورقيبة» وواجهه بطريقته الجامعة بين الرأي والسخرية. فكان ما كان من حشد للشارع العربي ضد «بورقيبة» ولاسيما عشية مجاهرته بضرورة قبول قرار التقسيم سنة 65 أي قبل حرب يونيو بسنتين فلبس «بورقيبة ثوب الخيانة وظن الناس بحكم الدعاية التي يحمل السيد «أحمد منصور» الكثير من معلوماتها أن «بورقيبة» أحد مسؤوليها وإن كان واضحاً أنه قد يحار في أي الاثنين يكون مسؤولا «بورقيبة» أم « عبدالناصر» ومن عمل مع هذا أو عمل مع ذلك. فإن كان لكل ثوابته التي عرف بها عبر مشواره العملي في مجال الإعلام فإن ثوابت هذا الإعلامي تقوم على الأجندة الملتحمة بالجزيرة الخط والمكان.

وإذا كان السيد «أحمد المستيرى» في ردوده على هذه المحاور أفصح عن استيعاب واع لما اقدمت عليه تونس البورقيبية من قرارات تعلقت بشؤون الأسرة وتجلياتها المتعلة بالخروج من العلاقة الزوجية عن ذلك المفهوم الذي يرى في المرأة ملكاً للرجل وليست شريكة له كما هو جوهر الدين وجوهر العلاقات الإنسانية، فوضع ما رأى ضرورة وضعه من صون للمرأة من أن يعبث بها كل من لايقدر المسؤولية، فيقدم لمجرد نزعة من النزعات إلى الزواج بأكثر من امرأة، أو يذهب إلى أكثر من ذلك فيطرد الزوجة لمجرد خلاف من الخلافات، فكان ما كان من تلك القرارات التي كانت مرجعيتها آراء فقهاء تونس المرموقين الذين كان لهم باعهم في علم التفسير وأحوال الناس، وهو ما يقوم عليه كل تشريع يراعى المصلحة عند اصدار الأحكام مذكراً في هذا الصدد بعدد من الإعلام رافضاً ما روج عن أن «بورقيبة» قرر ما قرر بمفرده فأثبت انه ليس من ذلك النوع الذي يتهرب من مسؤولية قراراته أو يتنكر لمسيرته، فإنه قد جاء باكثر من ذلك إذ لم يقم اعتبارا لما ذهبت إليه بعض التيارات السياسية التونسية المعروفة بعدائها لتونس البورقيبية وتبنيها لدعوات الإسلام السياسي، وقامت أخيراً بترشيح الرجل لرئاسة الحكومة التونسية الانتقالية، وراعى ما قد كان يفرضه الواقع أو الاحترام المتبادل من التخفيف من رؤيته الصارمة بشأن تعدد الزوجات وتنظيم الطلاق، فأصرّ على تبنى ذات الآراء التي تشكل طلاقا أبديا مع الإسلام السياسي مثبتاً إن اعتذاره عن المنصب ليس مجرد الوضع الصحي وإنما هو رفضه لحمل المسؤولية عن طريق هذا المدخل بل لعلّ المستيرى بموقفه الحازم هذا قد أكّد جدارته بالمسؤولية من حيث هي حقيقة وموقف وليس طموحاً للحكم وتخليا عن المبادئ في سبيل الوصول التافه. ولاشك أن كل من يتابع ما يجرى في ما يطلق عليه ربيع الثورات العربية، وما يشيع فيها من سعي حثيث وبالأحرى سريع لفرض الكثير مما يطلق عليه من سياسة الأمر الواقع بشأن بعض الأمور التي تمس مصالح الناس إن في شؤونهم الشخصية أو توقيع الجزاءات على من يحظى منهم فيلوحون بما لم يتفق الناس عليه، وما لم يتقرر بواسطة الدساتير المنتظرة بل وما يتقاطع مع حقوق الإنسان والإعلان العالمي الخاص به وما يحضره بشكل قاطع على كل سلطة تنتظمه في المجموعة الدولية إنما يقدم تصحيحا شديد الوضوح والقوة لما تنتظره القوى الوطنية الحية اليوم من ضرورة المكاشفة المسؤولة إزاء مقتضيات المرحلة، وما تقتضيه من استحقاقات على كل القوى التي شاركت أو ادعت المشاركة في الاطاحة بالطغاة بوجوب الكف عن أي تصرف يعصف بالاستقرار المتصل بمصالح الناس تحت مبرر المرجعية الدينية وما في حكمها لان أية مرجعية من المرجعيات لايمكن الركون إليها أو ادعاء ذلك مالم تتخذ أو بالأحرى ستكتمل الإجراءات الخاصة بصوغ هذه المرجعية بواسطة السلطة المنتخبة ثم الاستفتاء عليها، أي المرجعية التي تضع الأسس ثم القرارات ثم طرق التقاضي ورئيس دولة منتخب يمثل الناس جميعا، حاكم يصدر أحكامه باسم الشعب ويشاركه ممثل للسلطة التنفيذية، وأسس محدودة وواضحة لمحاسبته حين يخطى، بل وازاحته متى استحال اصلاحه وكذلك الحد الأقصى للتمديد له.

وبالجملة فإن ما انفرد به السيد «أحمد المستيرى» من آراء شديدة الصراحة بشأن ما ساد الحياة العربية انطلاقا من تونس من سياسات قوية التأثير على الحركة الاجتماعية ومن دون حوار معها، جراء ما كان سائداً من نظرات متسرعة وغير منصفة بل وغير مسؤولة، وفي هذه المرحلة الغنية بالمتغيرات التي يسعى أمثال الإعلامي أحمد منصور أن يتخذ منها اليوم مادة لما اشتهر به من برامج ولاسيما شهود العصر تجعلها أكثر اثارة بل ولدى البعض تسلية، ولكن المستيرى يجعلها أدعى إلى التناول المنصف والمراجعة الواعية وبالذات في مثلث تونس وليبيا ومصر، والتي لم تخل طوال قرننا الماضي من رجال امتلكوا القدر الكافي من الشجاعة، ولم يترددوا عندما امتلكو السلطة أن يستصدروا الكثير من القوانين المهمة والقرارات البناءة التي ما تزال باقية في ذاكرة الأوطان على الرغم من اضطهاد الطغاة وجبروت الجلادين، وإذا كان بعض هؤلاء قد غيبه الموت كما «عبدالحميد البكوش» بليبيا «وطه حسين في مصر، فإن أحمد المستري يصر على التمسك بما اتخذ من قرارات مفضلاً الصدق مع النفس على مغريات السلطة.إنتهى


____________________________

ليبيا من نهاية القرن التاسع حتى 1969

أمين مازن

2-12-2013

هذه هي الطبعة الثانية من هذا الكتاب الذي نقل إلى اللغة العربية قبل واحد وعشرين سنة مضت وذلك في إطار الجهود العلمية الجادة والرصينة التي ما انفك الأستاذ الجامعي المعطاء الدكتور عماد الدين حاتم يثري بها مكتبة التاريخ الليبي تأليفاً وترجمة وحواراً إلى جانب عمله الأكاديمي . إنه العطاء الذي لم يفت في عضده ما يشيع في واقعنا من انعدام العدالة في مختلف الفرص حيث ينصرف الإغداق المادي والمعنوي دائماً إلى من هم أقل من هذا الأستاذ شأناً وأضعف إسهاماً لمجرد أن أولئك المحظوظين عرفوا كيف يقدمون أنفسهم لأصحاب القرار الثقافي غير الموضوعيين في أحكامهم وعطاياهم ، وكذلك المتنفذين لديهم وما أكثرهم بكل الأسف هي جهود طالما كان فضاؤها مركز الجهاد الليبي حيث كانت الطبعة الأولى من هذا الكتاب في ذلك التاريخ لتأتي بعد ذلك الطبعة الثانية بين منشورات الكتاب الجديد وتوزيع دار أويا الليبية للطباعة والنشر والتوزيع والتنمية الثقافية ، أما المؤلف فهو نيكولاي إيلتش بروشين الذي تشير إحدى مقدمتي الكتاب أنه أمضى في إعداد كتابه هذا زهاء عشر سنوات وقد بلغت صفحاته خمسمائة وثماني وستين صفحة بما فيها ثبت المراجع قسمت جميعها إلى أربعة فصول رئيسة ، وسمى أولها بعنوان ليبيا عند تخوم القرنين التاسع عشر والعشرين .. وخصص الثاني نضال الشعب الليبي ضد المستعمرين الإيطاليين .. وانصرف الثالث إلى تشكيل الدولة .. ليخلص الرابع والأخير للنضال في سبيل الاستقلال السياسي حيث جمع بين التسلط الأجنبي والنظام الملكي .

وعلى الرغم من أن المترجم قد أثبت في هذه الطبعة المقدمة الأولى والثانية ووصف طبعته الجديدة هذه بالمنقحة ، إلا أن الكتاب جاء كما هو في الطبعة الأولى خلوا من أي تعريف بشخصية المؤلف وكيفية المدة الزمنية الطويلة التي أمضاها في إعداد عمله هذا وما إذا كان قد وجد في ليبيا تحت مظلة العمل السياسي الرسمي أو في إطار التفرغ الدراسي الأكاديمي حيث يكون عادة لغرض الحصول على إجازة

من الإجازات العلمية لقاء التفرغ الطويل للحصول على أكثر من شهادة ، وفي أي تاريخ صدر باللغة الأصلية " الروسية " وكلها إضاءات بالغة الضرورة للتيسير على كل من يطمح إلى إعداد قراءة تتوخى الموضوعية وتسعى إلى أن تكون منصفة فيما تتوصل إليه من الأحكام .

وأيا ما كان الأمر فإن هذا الكتاب الذي تمت ترجمته قبل عقدين من الزمن أي قبل انفراط عقد المنظومة الاشتراكية أعد كما هو واضح على هدي من النظرية الماركسية بوصفها المعتمدة رسمياً داخل ما كان يعرف بالاتحاد السوفييتي ، وليس النظرية الماركسية التي تمثل شكلاً من أشكال المناهج العلمية والتي لايزال الكثيرون لايخفون استفادتهم من اجتهاداتها وهم يسعون إلى الاسهام في تحليل مختلف الظواهر الاقتصادية والاجتماعية أو تحقيق الإضافة بالمنجز الإبداعي الإنساني على اعتبار أن هؤلاء لم يكونوا في اقترابهم من تلك النظرية منبهرين بالسلطة السوفيتية ولم تتأثر اجتهاداتهم بعد ذلك بضعف تلك السلطة ومنهم من لم يخف اختلافه والكثير من ملاحظاته إزاء ما رآه سلبياً في تلك المرحلة التاريخية الطويلة . ومن هنا فإن الهوية الماركسية للمؤلف تبدو في مواطن كثيرة وكأنها مفروضة من الخارج وليس بواسطة التمثل الواعي والاستيعاب المقتدر حيث يلاحظ الإقحام لآراء لينين في أكثر من موضع وفي شيء من القسر ، حيث تزامن وجود ذلك المفكر على رأس الدولة السوفيتية وأثناء احتدام معارك الجهاد الليبي وكان له أكثر من تصريح أيد فيه الموقف الليبي وأدان العدوان الإيطالي وقبل ذلك التقصير التركي ، غير أنها لاتخرج عن المعالجة الإعلامية ولا ترتقي إلى مستوى التحليل العلمي الناضج وحسب المرء أن يتوقف أمام وصفه لبعض القيادات الليبية بالإقطاعية الأمر الذي لا يتمشى مع الواقع إذاما احتكمنا إلى تعريف الإقطاعي بذلك الذي يمتلك المساحات الواسعة من الأرض ويتخذ من ملكيته هذه سبيلاً للتحكم في حاجة الناس وتوجيه سياساتهم ومواقفهم وهو مالايمكن إثباته في تاريخ النضال الليبي وواقع الزعامات الليبية . إذ يلاحظ عليه وهو يصدر الكثير من أحكام القيمة هذه لايدعم أيا منها بما هي في حاجة إليه من الشواهد الملموسة التي تسند ماذهب إليه من أنواع الإدانة الخالية من الدليل بعكس ما تعرض له بصدد التطرف المسيحي الذي وسم الكثير من السياسات الايطالية أثناء غزو ليبيا سواء ما نشرته الصحف الإيطالية في الخصوص أو ما ثبت بواسطة ما صدر عن مؤسسة الفاتيكان من البيانات التي جسدت الانحياز إلى الغزو بل واعتباره ضمن مشاريع التبشير المسيحي ومقاومة المد الإسلامي بل وتصفية الحسابات القديمة ، ففي هذا الجانب من الكتاب يفصح المؤلف عن استيعاب ملحوظ ووعي ملموس وقدرة على التفريق بين الكلام النظري والتطبيق العملي ، إنه الوعي الذي يتجسد أكثر فأكثر من خلال متابعته لما ساد الحرب من فترات المهادنة التي كثيراً ما قبل بها هذا الطرف وذاك فأثبت مقدرته على النفاذ إلى الجوهر ولاسيما من حيث الفوارق الموجودة بين برقة وطرابلس ، فضلاً عن تبين الخطوات الإيجابية التي نتجت عن بعض الاتفاقات وما أدت إليه من فكرة الحكم الذاتي وحتى المستقل وذلك في إطار المتاح محلياً ودولياً وبروز سياسة الخطوة خطوة تلك التي يقع الجهر بها وإنما ظهر الكثير مما يدل على وجودها ، حيث تؤكد الوثائق أن قادة الجهاد لم يكونوا مجرد أشخاص جاءت بهم الجمعية الدينية وما في حكمها ولكنهم أولئك الذين وعت عقولهم معنى الحكم المستقل وكان لهم نحو ذلك أكثر من برنامج أو اجتهاد ، كما أن الاتصال بالقوى الدولية الذي تم هنا أو هناك لم يكن بواقع العمالة بقدر ما جاء بحكم الصعوبات الموجودة وعلى هدي من نظرية فن الممكن بكل ما في هذه الكلمة من المعاني ، بدليل أن القادة الليبيين لم يتقبل أبرزهم صلة بالأتراك " السيد أحمد الشريف" سحب الأسلحة من التراب الليبي على خلفية الاتفاق الإيطالي التركي بل لقد انسحب الرفض على مواقف لاحقة ، ومن بينها الهجوم على الجبهة المصرية ، حيث تؤكد المراجعة أن هذا القائد قد استدرج إليها أو أجبر على القبول بها وليس كما روج أنه ذهب إليها مختاراً أو راغباً بل إن ما يظهر من خلال السرد الضافي والمراجعة الدؤوبة أن ما طمح إليه هذا الرجل وما اضطلع به من المواقع لم يكن فقط من خلال مكانه داخل أسرته وتراتبية شجرة العائلة وإنما هو نتاج الإمكانات القيادية التي أهلت الرجل للوصول إلى منزلة ظفر بها من خلال إسهامه الخاص ، كما أن انتشار الزوايا قد امتد إلى الصحراء الغربية داخل الحدود المصرية بحيث تم الاتفاق بين الطرف الليبي والإنجليزي على التوقف عن تأسيس الزوايا دون المساس بحق الحصول على ما يتوفر بها من الدخل المالي المترتب على الأوقاف مما يجعل من الفرمانات التي صدرت لاحقاً من الأستانة بحق هذا الرجل إنما جاءت ثمرة الشراكة الحقيقية مع تلك السلطة التي وإن تكن قد بلغت يومئذ آخر مراحل وجودها إلا أنها من جانب آخر لم تخرجه نهائياً من المسرح ومن مسيرة الأحداث ، وقل مثل ذلك عن مفاوضات الزويتينة واتفاقية الرجمة واجتماعات فندق الشريف ومسلاتة وغريان وفكرة الإمارة الإسلامية ومواقف سليمان الباروني ومحمد بن عبد الله البوسيفي ومحمد فرحات الزاوي وسيف النصر الكبير والمريض والسويحلي واحترام الصراع بين مختلف الزعامات الطرابلسية باعتبارها نتاجاً لمستوى الوعي وتعبيراً عن الفارق الكبير بين المجتمع المدني والآخر النقيض وليس بالضرورة عن رغبة في المخالفة كما توهم الكثيرون ، صحيح أن واقع المناطق قد فرض وجوده وأن الكثير من المواقف غير المرضية من طرف بعض القادة وإنما هي مما استشعر من حجم الخطر الناتج عن الهجمة الاستعمارية وما اتسمت به من العنف وانعدام الرأفة واختلاف الإمكانيات الدافعة للاحتمال كما أن إيطاليا هي الأخرى لم تكن قادرة على حسم المعركة وفقاً لما قدر قادتها من البداية ، وما عودة جيوشها إلى الشطوط وترك الصحراء لأهل الصحراء إلا لما ثبت للغزاة من عنيف المقاومة وما أمكن تكبيده لهم من الخسائر المروعة ، تلك الخسائر التي أكدت صحة وجودها الإحصائيات التي استعان بها المؤلف والتي شملت ضمن ما شملت الأسلحة والفرسان بمعنى أن ما حمله الكتاب من الآراء حول الحرب مرده إلى مرجعية محددة ومصادر شديدة الوضوح ، ومن الممكن أن نفهم من خلالها حقيقة الأحداث التي ما لبثت أن ظهرت في فترات لاحقة ، كما هو الحال بالنسبة لشخصية البشير السعداوي الذي أظهر وعياً سياسياً مبكراً وكذلك السيد عبدالرحمن عزام الذي ارتبط بحركة الجهاد الليبي من البداية وغدا يتابع مصير البلاد أثناء عرض القضية على أروقة الأمم المتحدة وظهور أكثر من مشروع يتصل بالمصير ويحتمل أكثر من اجتهاد مما جعل من مواقف عزام ما يتسع للكثير من التأويل بما في ذلك وصفه أي عزام بأنه صاحب طموح شخص بل وموضع اشتباه في الكثير من الممارسات ابتداء من اتهامه بالعمل على توسيع دائرة الخلاف بين أهم القيادات الليبية الأكثر قدرة على التحرك لصالح القضية وفقاً لما كان متاحاً من الظروف وانتهاء إلى ما ظهر عليه من عدم الحماس لاحتياجات الدولة الناشئة وبالذات أثناء عرض أمر دخولها إلى الجامعة العربية حين كان المذكور أمينها العام ، وقبل ذلك تخليه عن البشير السعداوي عندما ارتأى أن يعدل عن دعوات عزام المتشددة أو غير الواقعية من حيث نظام الحكم وشكل الدولة وكلها محفوظة في أدبيات ذلك الزمن وفيما تركه شهود المرحلة من آراء مكتوبة وروايات شفوية على أن أهم ماحمله الكتاب هو ذلك المتعلق بشروع الدولة المقترحة وما رافقها من الهياكل المطلوبة .. الأمر الذي صحح الكثير من الأحكام الخاطئة حول مفهومها لدى القادة وما بدر عنهم من الممارسات وما طرح كذلك من قضايا تتصل بالتنظيم الإداري وما في حكمه وما يشيء به من مستوى الوعي لدى كل الذين تقدموا صفوف الحياة.

لقد أملت النظرة شبه الرسمية للكتاب أن يلجأ في الفصل الأخير المتصل بالحديث عن نضال الشعب الليبي للاستقلال وإسقاط الحكم الملكي إلى التعويل على ما دأبت على تناقله وسائل الإعلام المختلفة ، فكان وصفه للواقع الاقتصادي بالكثير من الأوصاف التي لا تنطبق عليه من حيث الهوية الطبقية إذ لم يكن الاقتصاد الليبي أكثر من اقتصاد ريعي الذي يفتقد البارزون فيه إلى أي حس طبقي ، فأقصى ما لديهم كان هو الكسب اليومي ليس غير كما أن همه في مواقف كثيرة كان منصرفاً إلى تلميع صورة الاتحاد السوفييتي ولربما ليس له من المواقف من ذلك على سبيل المثال الموقف من استقلال ليبيا ، حيث كان هم روسيا الأول منصرفاً إلى من يمكن أن يتولى الوصاية وليس إلى الاستقلال ، أما الحديث عن تأمين الثورة وعن التصدي لمن خامرتهم فكرة التدخل فالحق أن كل المعلومات التي توفرت عقب الفاتح ٦٩ لم تذكرما ذهب إليه المؤلف من قريب أو بعيد ، وبالتالي فإن الكتاب على ما اكتسبه من الأهمية خلا من التثبت أو الدقة في هذا الجانب .

وتبقى بعد ذلك كله كلمة حول الترجمة وهي وإن كانت تحتاج إلى معرفة اللغة التي ترجم عنها العمل من حيث الأمانة أو الصدق أو الدقة ، إلا أن سلاسة الأسلوب العربي تدل بكل القوة أننا أمام عمل ليس بالبسيط وجهد يستحق الكثير من التقدير والكثير من الثناء ، فيتعين في مختتم هذه السطور أن نزجي الشكر للدكتور عماد الدين ، مع أطيب تمنيات الصحة والتوفيق.


_____________________________

ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل

أمين مازن

28-11-2013

شرعت التشكيلات المسلحة في الانسحاب من العاصمة وتسليم ما كانت تشغله من مقار رسمية ومنازل للافراد والمسؤولين السابقين الذين مثلت بيوتهم أقوى الادلة على ما اقترفوه من اسواء انواع الاستغلال وقد جاء هذا الانسحاب على اثر الحراك الشعبي الذي بلغ حد استعمال السلاح ووفاة ما يقرب من خمسين فقيدا وما يقرب من خمسمائة جريح اضيفوا إلى ما سبق أن ضاع في بنغازي قبل اشهر مضت ممن تناولنا احداثهم في هذا المكان وكان المؤتمر الوطني العام قد اصدر في وقت سابق اكثر من قرار في الخصوص غير أن الاطراف المؤثرة كثيرا ما كانت تترك هذه القرارات حبرا على ورق وذلك بعد أن تكرر ما دأبت عليه وبواسطة مجنديها الاعلاميين عبر الوسائل المصورة والمكتوبة من إلقاء التبعية على المؤتمر الوطني والحكومة سواء في الوقت الذي يدرك الجميع حقيقة الموانع القوية الحائلة دون ذلك التي هي جزء لا يتجزأ من المساعي الرامية إلى تأجيل قيام الدولة وما ينتج عن ذلك من استحقاق العدالة الانتقالية وتجلياتها المتمثلة في انصاف المظلومين وجبر الاضرار البشعة التي حلت بهم في العقود الاربعة الماضية وكذا السنوات التي تلت سقوط النظام المستبد وما رافق معارك التحرير من تجاوزات وما استغله كذلك عديد المندسين من تصفية الحسابات وتكرار ذات السيناريوهات القديمة بما تفلح فيه من خلط الاوراق والذهاب إلى صغائر الامور بدلا من عظائمها لتكون المحصلة دوما أقل من المطلوب وفي احيان كثيرة لا يتنسى الخروج من مأزق الا يكون البديل اكثر تعقيدا لقد توالت بعد ذلك التاريخ الكثير من انواع التجاوزات ومثل ذلك الممارسات التي لم يكن لها من هدف سوى الاصرار اليائس على المزيد من اضاعة الوقت واطالة زمن السلطة المؤقتة وما يترتب عليه من استمرار المغانم التي يدرك كل متابع لما يجري في الواقع ما هي عليه من قوة المردود المادي المتمثل في الاموال الثابتة والمنقولة والمعنوي المتمثل في افادة المحاسيب والمناسيب وما يعرف بالتراث من نظام التمكين والتسكين وغيرهما من مصطلحات التاريخ الاسلامي المبكر التي كان آخرها الاقدام على خطف رئيس الوزراء وسط خليط من الاعتراف بذلك علنا ومحاولة التنصل علنا ايضا لمجرد أن تبين ما يمكن أن يترتب على هذه الجريمة عن طريق اكثر من طيف وهو الوضع الذي سبق أن ظهر جليا من خلال ما دأب على القيام به بعض مناوئي الحكومة من عرقلة للمنجز دون أن تفلح في الظفر بالاغلبية الكافية لاقالة الحكومة وبالأحرى علي زيدان شخصيا لان بعض الخصوم لم يترددوا في اعمال اعقد المعادلات السياسية أن لم نقل اعجبها الا وهو البقاء داخل التشكيلة الحكومية لحمل مسؤولية حقائبها الوزارية وتعريف امورها على مختلف الصور إلى جانب نقدها بمناسبة وبلا مناسبة ودون تحديد أي مجال من المجالات التي من شأنها أن يستطيع المراقب المدرك فحص الحق من الباطل والتأشير إلى مواقع التقصير ومن هو صاحب القسط الاوفر المتمثل في الكتل المشكلة للمؤتمر الوطني العام وما يمارسه من تقوي على السلطة التنفيذية وما تتهم به الحكومة ظلما وبهتانا التي كان آخرها إلقاء تهمة التقصير الكامل على الحكومة في آخر جلسة عقدها المؤتمر الوطني العام اثر حادثة الخطف التي لم نسمع فيها شيئا سوى دعوة رئيس الوزراء إلى الاستقالة وممن تأتي هذه الدعوة من اعضاء يفترض من أن لديهم من المعلومات المتصلة باوجه التقصير والحجج التي توفر اكبر قدر من الاقناع لتحقيق هذه الغاية أن كان ذلك ممكنا او بالاكراه في حالة ماذا اوجدت الاسباب الحقيقية ولان لكل طرف ما لديه من الاسباب الداعية إلى التمترس في موقفه وربما الاسرار التي تشجع على معرفة حدود خصمة لم يتردد علي زيدان في القول بأنه لن يستقيل وانه يعرف ما سيترتب على الاستقالة وكذا ما تعنيه وما على الذين يرون فيه عدم الاهلية إلا أن يحزموا امرهم ويسحبوا منه الثقة بل ولم يجد غضاضة في التصريح أن السلاح المتوفر لدى التشكيلات المسلحة المتمرسة في المدينة يزيد بكثير على ما لدى الجيش الليبي بل أن هذا السلاح هو ذاته ما يدفع جميع ضباط الشرطة والجيش إلى عدم القيام بواجباتهم لان السلاح كما هو معروف أول شروط القيام بالواجب الرامي إلى ردع المظالم سواء جاءت من عدو خارجي أو داخلي وأن التأييد الشعبي للحكومة في مقدمة ما يجب أن يبادر به الشارع لمساعدة السلطة على التمسك بتحقيق أي استحقاق فكان ذلك كله ما ادى إلى الحراك الشعبي الذي شهدته العاصمة وراح ضحيته هذا العدد من المواطنين واضعافهم من الجرحى الامر الذي لا يملك امامه كل مواطن الا أن يستنكره ويعرب عن كل مشاعر السخط نحوه ويدعو إلى ضرورة محاسبة كل من اسهم فيه باليد أو اللسان فقد خسر شعبنا الذين ماتوا والذين جرحوا وخسر ايضا الذين حملوا مسؤولية الفعل طائعين او مكرهين فالجزاء الرادع لا مفر منه لكل من امر او ائتمر والحزم اول ما تقتضيه الحالة لكن التحقق من مسؤولية العوامل المساعدة واجب بالغ الضرورة اذ قبل أن نذهب إلى ادانة من اقترف جريمة اعمال السلاح لابد أن نحاسب ايضا من لم يحتسب للامر حين غاب عليه أن الاعتصامات والاحتجاجات مكانها دائما الميادين العامة وامكان تجمع الجماهير وليس التوجه إلى الامكان المشمولة بالاحتجاج ولا سيما حين تكون هذه الاماكن مدججة بالسلاح فمن يحمل السلاح كثيرا ما يفقد السيطرة على ارادته لمجرد أن يواجه بامر لا يتفق مع مزاجه ناهيك عن أن يكون الامر متعلقا بوجوده وفي ظروف يعتقد فيها أنه المبجل على من سواه ومن جهة اخرى فان استغلال مثل هذه الاحداث في تصفية الحسابات المعلقة أو المآرب السياسية المؤدلجة من الامور التي يفترض على كل ذي بصيرة أن يحذر منها إن لم يكن بدوافع الاخوة واستحقاقات المرحلة فمن موقع أن المناورة السياسية لا يمكن أن تنطلي على الجميع وحسب المرء أن يلحظ تلك الانسحابات التي اقدم عليها عديد المشاركين في الجمعة الماضية عندما رفعت شعارات لا صلة لها بمطلب اخلاء المدينة من مظاهر التسليح وقل مثل ذلك حول ما اشاد به الكثير من المراقبين عن محاولة الانحراف بالحراك نحو المناطقية ونحو احتكار تمثيل العاصمة من عوائل معينة واحياء محدودة فطرابلس الكبرى تختلف كل الاختلاف عن تلك التي عرفناها في شبابنا في خمسينيات القرن الماضي بل التي شهدت زواجنا وحمل اوراق عائلية غير ارقام اهلنا عند ما كانت ورقة نفوسنا تحمل الرقم الاقل من الخميسين الف ولكنها تلك التي تتجاوز هذا الرقم اضعافا مضاعفة بحيث لم يعد لنا من بدأن نقبل أن أية انتخابات بلدية سيقبل عليها الناس المقيمون بجدية او اخرى نيابية يراعي فيها عدد سكان المدينة فلا مناص من أن تسفر عن رموز جديدة وقيادات مختلفة تتجاوز بدون شك كل ما هو تقليدي اللهم الا من افلح التعامل مع الواقع الجديد فاذا ما صحت المعلومة التي تقول أن سكان طرابلس قد وصل المليونيين فان ذلك يعني أن طرابلس قد زادت خميسين مرة عن تلك التي عرفناها في خمسينيات القرن الماضي حتى كنا نعرف اعلامها جميعا ومشاهيرها جميعا وتبقى مسألة جمع السلاح واخلاء المدينة بل جميع المدن من السلاح اما وان ذلك كله قد تزامن مع انعقاد المؤمر الوطني العام وانكبا به على جهة من الاستحقاقات وعلى رأسها هذا الموضوع وفي ظل انشغال دولي عبر الجانب الامريكي على لسان وزير الخارجية الامريكية وتواصله مع الحكومة الذي شهده لقاء زيدان مع كيري بلندن فإن التطلع إلى لقاء موسع يضم الحكومة وهيئة المؤتمر الوطني العام والكتل البرلمانية ومن في مستوى هؤلاء يبدو من الامور الملحة لتنظيم الاستحقاق الامني واكراهات المحيط وما يمكن أن تفرضه على خريطة الطريق للخروج من الفترة الانتقالية بما يحول دون تمديدها الا لا قصر الاجال وقديما قيل (ما اضيق العيش لولا فسحة الامل).إنتهى


_____________________________

حوار التحالف وتحالف القوى

أمين مازن

12-11-2013

حرصت في الأسبوع المنصرم على حضور الاجتماع التحضيري لمشروع الحوار الوطني المزمع إقامته في وقت لاحق . بمقتضى المبادرة التي اعلنها ودعا اليها تحالف القوى الوطنية . واستجاب لهذه الدعوة عدد من الكيانات السياسية والشخصية الاعتبارية، وجماعات الضغط السياسي والعمل النقابي ، وقد استبشرت خيرا بالمبادرة ومثل ذلك التجاوب . فلا شيء يحتاج إليه واقعنا أكثر من الحوار .

وبين القوى القادرة عليه تحديدا ولا سيما حين يكون الشعار المرفوع متمثلا في المكاشفة والمشاركة لآن الناتج في نهاية الأمر لابد ان يكون هو المشترك . وعندما كانت فضائية ليبيا الدولية تعرض في شريطها الإخباري أسماء الكيانات التي استجابت والشخصيات التي باركت كان في ذلك كله ما يدفع لضرورة الحضور الشخصي بدلا من المتابعة من خلال وسائل الإعلام ، خاصة وأن هذه الوسائل لم تعد تخفي ما خلفها من قصدية التناول ومن استهانة بالحرفية ، وخير دليل على ذلك هذه الألقاب التي تطلق على هذه الإعداد الكبيرة من المشاركين في البث المباشر من ناشطين ومحللين تختلف وجوه الكثير منهم وتتفق في الوقت ذاته ألسنتهم ، وكل يتهم وكل يتحدث عن الأجندة وكل لا يتردد ولا يقتصد في لكأن التهم للكيانات السياسية كافة البعض يوشك ان يقول صراحة (من تحزن خان) لكثرة ما يردد من المجانية في إدانة الحزبية والأحزاب ويلقي عليها خطأ ما فعلت مرة وما لم تفعل مرات ، مما جعل من مبادرة تحالف القوى الوطنية بدعوة القوى الحية في الوطن إلى حوار تطرح عبره قضايا الوطن كافة واوجه القصور في أنماط أداءات أطرافه كافة وعلى قاعدة المكاشفة والمشاركة ، بحيث يتعين على كل ذي رأي ان يدلي بدلوه حول ما يجري من مبدأ المكاشفة إزاء ما يرى وكذا الإصغاء الجيد لما قد لا يرى ، وبالضرورة الإسهام الفاعل لتبني ما سيسفر عنه الحوار إزاء كل أنواع القصور والتقصير بما سيخلص إليه من مقترحات بناءة ليس خارجها هذه الكيانات وما شاب انبعاثها ومصادر تمويلها وكذلك مواقفها من أضرار بمصالح البلاد .

لقد عقد هذا اللقاء وسط جملة من الأحداث المثيرة التي عصفت بالبلاد في الآونة الأخيرة نتيجة للتجاذبات الناشئة عن حدة الصراع بين الأطراف السياسية التي عجزت لأكثر من سبب ان تتنادى الى كلمة سواء . بشأن الوطن المهدد على أكثر من صعيد وفي أكثر من مجال ومن أكثر من قوى ، صراع بلغ ذروته في العبث بالأمن الذي طال السيادة الوطنية إما على مستوى ما اقترف بالأيدي الليبية أو على مستوى ما أقدم عليه الطرف الدولي . وما ذلك الا لأن القرارات الدولية قد نالت من هذه السيادة جراء حرب التحرير وما فرضته من التزامات نحو الأخر وما بادر به من الوقوف الى جانب الشعب وهو يواجه الترسانة العسكرية التي وجهت في غير ما رحمة الى الناس كافة ، بحيث لم يتيسر الخروج من الحرب المشار إليها الا والبلد مثقل بجمائل الأصدقاء والأشقاء ، بل ان بعض الأشقاء لم يجد غضاضة في الإعراب عن تدخله من البداية وأنه سيستقطب أطرافا بعينها ويدفعها الى معاداة أطراف أخرى لمجرد المجاهرة بضرورة المحافظة على استقلالية القرار الليبي وإلا تتحول المؤازرة في زمن الكفاح الى نوع من الوصاية السياسية او الوكالة التجارية ، وينعكس ذلك كله على تحرك هذه الكيانات واعتمادها على السلاح لفرض ما تريد ، لقد خرجت علينا بعض التسريبات الصحفية ان لم نقل المفبركة التي حملت الكثير من التهم بشأن ما اقترفه كل أو بعض الفرقاء لتمرير القول ((بأن ليبيا قد أصبحت دولة خارجة عن القانون وإذانهيارها بات وشيبكا يمكن القول ان ليبيا الآن لم تعد دولة)) وهو تسريب ليس له من غاية سوى التحضير لحسابات أخرى أو تسويات أو تهيأة المجال المناسب لتحقيق تلك الحسابات وهذه التسويات على حساب ليبيا الأرض والثروة والفراغ الذي يسمح لكل ذي غاية ان يحقق ما يريد . وقد أدت هذه الوضعية غير الطبيعية وهذه المصاعب المتناسلة الى انبعاث جملة من المختنقات لعل أكثر تأثيرا على الحاضر والمستقبل هذه الأرقام المهولة في بند المرتبات الشهرية للعاملين في سلك الدولة من مستخدمين ومتقاعدين ، ذكرت بعض الردود التي أدلى بها جمهور المسؤولين الجادين ان نسبتها أي المرتبات تصل الى تسعين في المائة من موازنة الدولة عندما نضيف الى الرواتب التزامات الدعم الخاص بالسلع والطاقة ، بحيث ثبت من كل التوضيحات المهمة التي أدلى بها منذ أيام وزير الثقافة ان المخصص لما سوى الرواتب لا يزيد على ستة مليارات ، كما ان عدد العاملين فقط يصل الى نص مليون في حين ليست هناك حاجة فعلية لما لا يزيد على الثمانين ألف ومائة ألف على أقصى تقدير أما حين نضع في الاعتبار حجم الاعتصامات والاعتداء على آبار النفط وما ترتب على جريمة العزل السياسي وتوابعها بشأن الثروة البشرية كما وكيفا فان الصورة بدون شك تبدو أكثر قتامة والوضع أكثر تأزما فيبدو الحوار أكثر المطالب الوطنية إلحاحا والانخراط فيه بالدعم والمؤازرة من أول الواجبات لكل من يهمه الوطن ويشرفه الانشغال بتأمينه والمحافظة عليه ولا شك ان مثل هذا الإدراك هو الذي جعل المشاركة في الحوار والاطلاع على الوثائق المعدة بشأنه من طرف اتحاد القوى الوطنية يبدأ من الإمضاء على تعهد جاء فيه بعد البسملة والأمر الالهى بالوفاء بالعهد (( نشهد الله تعالى ونتعهد بأن نشارك بمؤتمر الحوار الوطني بنية صادقة وسنبذل كل الجهد من اجل إنجاح هذا الحوار بغيه الوصول الى وفاق وطني بما رضى الله تعالى ويحقق مصلحة الوطن والله على ما أقول شهيد)) . هي صيغة تلزم كل من يمضي عليها بجدية ان يتجرد من أي مطمح شخصي او غرض فئوي او مكسب حزبي ، اللهم إلا ما يوحد الصفوف ويقوي اللحمة ويدفع الى دراسة واقتراح الحلول لمجموعة المسائل التي حصرتها الورقة في ثلاثة ملفات رئيسية هي : 1 ) الملف الأمني والسياسة ، ربما يقتضيه من التشاور المسؤول والبحث الواقعي حول المصالحة الوطنية واستحقاقاتها في العدالة الانتقالية وحالات العفو وحل مشكلة النازحين بالداخل واللاجئين بالخارج في كنف جبر الأضرار وحق المواطنة ومراجعة التشريعات التي لا تتفق مع المصالحة الوطنية وحقوق الإنسان، وما يترتب على ذلك من بناء المؤسسة العسكرية وإسهامها ونمط سلاحها ودورها في حماية الحدود وتفعيل للمؤسسة الأمنية بمعرفة مهددات الأمن الوطني واختراقاتها ودورها في الاستقرار وكذا وضع التشكيلات المسلحة والأجهزة الأمنية الموازية للمكونات النظامية وتنظيم الأجهزة المعنية بالعمل الاستخباراتي ، بغية تفعيل دور المحاكم والقضاء وتوفير ما يحتاج إليه أولا من حماية القضاة والمحاكم والسجون ولا سيما غير الرسمية وضرورة الإسراع بنقل تبعيتها للدولة وتنظيم حيازة السلاح وجمعه وإعداد البدائل التي تتفق مع دور الثوار في الجبهات كي يغضي ذلك كله الى تحديد موقف نهائي من العملية الدستورية لمدى ملائمة دستور سنة 51 بنصه الأول او المعدل ، ودور لجنة الستين والنظام الانتخابي وعلاقة هذه الهيئة بالمؤتمر الوطني والتوافق على المواد الدستورية الحاكمة وكيفية الاستفتاء عليها ومن ثم إدارة المرحلة الانتقالية بالفصل بين السلطات والموقف من انتهاء مدة المؤثر الوطني بالتمديد او إعادة الانتخاب ودور وصلاحيات الرئاسة ، وما إذا كانت البلاد تحتاج الى هيئة رئاسة في المرحلة الانتقالية ، ليتم الفصل بالنهاية في دور الدولة وكيفية التحول من الدور الأبوي الى دور عصرية منظمة للعلاقات بين الأفراد والمجموعات وحامية للحقوق ، تقوم على النظام اللامركزي برؤية تعتمد التوزيع الجغرافي ويحدد العلاقة بين الإدارة المحلية والحكومة المركزية وما اذا كان من المهم ان ينص على ذلك دستوريا ، وأخيرا الأحزاب ودورها في المرحلة الانتقالية وأولويات السياسة الخارجية وتنظيم التعاون في بناء ليبيا والأمن القومي ودول الجوار . من جهته جاء الملف الاقتصادي وافيا للكثير من النقاط التخصصية المحفزة على الكثير من البحث والكثير من أعمال الفكر وتبادل الآراء مما لا يتسع للخوض فيه عبر هذا الحيز ذي الطبيعة الشمولية ليتسنى المرور الى الملف الاجتماعي الثقافي وما ينتظر منه إزاء السلم الاجتماعي لتطوير دور المثقفين في المجتمع ، أملا في ان يؤدي ذلك الى إمضاء للوفاق الوطني القائم على التوافقات التفصلية وفي أطر زمنية محددة لكتابة دستور جديد او تطوير الدستور القديم ، ربما يكون من بعض مفرداته تشكيل مجلس استشاري رقابي عن قادة الكتائب وشيوخ واعيان القبائل ومنظمات المجتمع المدني وبعض الشخصيات التي شاركت في الحوار تكون مهمته مراقبة المؤتمر الوطني والحكومة المؤقتة ، ويصدد المجلس تقريرا شهريا ينشر على الرأي العام . فالملفات ـــــ والحالة هذه ــــ في عمومها شاملة لكل الأسئلة التي يطرحها الواقع وتدعو القوى الحية مجتمعة إلى ضرورة الإسراع بتناولها والوصول بشأنها الى أجوبة صادقة . وسيكون مردودها ـــ حين يتم ذلك ــــ كفيلا بوضع القطار على السكة ليصار الى الخروج من المختنق ، وبالتالي فان أي انسحاب من المشاركة او تبرير هذا الانسحاب بالشك في سلامة الإجراءات او طريق التنظيم هو من قبيل التخلي عن المسؤولية فالمفردات يمكن ان تستوعب الأطياف السياسية مجتمعة ، بل لعلها أكثر من غيرها قدرة على فحص المهم من الأهم والضروري من ذلك يقبل التأجيل فها هي جرائم القتل تتم على مرآي ومسمع من الناس جميعا وها هي عجلة الاقتصاد تتوقف جراء بعض القرارات المرتجلة وغير المدروسة وحسبنا هذا الاهتمام الملحوظ من قبل المجتمع الدولي المتمثل في هيئة الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وهذه التصريحات المتتالية بشأن عزم هذه الأطراف على أمن ليبيا ووحدتها وتسريع المنجز الديمقراطي المرتقب لها ومنها .

ولعلنا بعد مثل هذه الإشارات التي نقصد بها التذكر قبل أي شيء أخر نستطيع ان تخلص الى القول بأن هذه الأرض الشاسعة الواسعة وهذه الندرة الفريدة في السكان ، وهذا المحيط القارئ الضاغط من جميع الحدود البرية فضلا عن الواجهة الاخري البحرية ، وهذه الكميات المعمولة من السلاح لم يسمح بتكدسها ذات يوم إلا لوفاق دولي شديد الوضوح والتي تحولت في مرحلة ما بعد فبراير الى مصدر إزعاج للعالم اجمع بما أحدثته من إخلال بأمن الجيران من ناحية وتهديد للملف الاجتماعي داخل الوطن من ناحية أخرى لن تكون أبدا خارج الخطط الدولية التي تنذر بوخيم العواقب ما لم نسارع بالتحرك وما لم نستفد من هذه القراءة الواعية التي صدرت بها المبادرة بالتنادي والاحتفاظ بما نهب من الثابت والمنقول . وما ذلك إلا لأن كل الاحتمالات مفتوحة ، غير ان سيف الوقت سيكون الأقدر على حسم المعركة ، وصولا الى تحالف القوى من خلال حوار التحالف .إنتهى


_____________________________

اللسان ما يطهرش جثة

 

أمين مازن

2-11-2013

لايخفي الكثير من مواطنينا «مسئولين وغير مسئولين» ، ضيقهم من الضخّ الإعلامي الذي تقوم به عندنا ، عشرات الفضائيات التي تتناسل في أيامنا هذه بزيادة عجزت كل وسائل تحديد النسل المختص بها ، في الحد منها ومن قوة تأثيرها ، فقد استطاعت بامتياز أن تجعل الخبر الحقيقي والآخر المزيف بين يدي الناس كافّة. وصار في مكنة أي امرئ أن يخوض فيما يعلم ومالا يعلم. فليس لهذه الفضائيات من همّ ، على ما يبدو ، سوى شغل فترات الإرسال الطويلة ، وأن يكون هذا الشغل مجانا بالنسبة للمشارك ، خلافا لما يجري به العمل في بقية أراضي الله الواسعة . فالنقل المباشر أصبح بالنسبة لإعلامنا الجديد الأسلوب الأمثل لشغل ساعات الإرسال وبأقل التكاليف ، مادامت مصاريف الإرسال وثمن الأجهزة وأجر الأقمار الاصطناعية ليس من مشمولات هؤلاء المسيرين الذين ليس لهم بعد الحوار المغرق في السطحية والمحدد هدفه سلفا من طرف المسؤولين الحقيقيين ، سوى ترديد العبارة المعروفة بأن الوقت يداهم ولم يبق سوى شكر الذين تم حشدهم للمشاركة ، وإغداق ما تيسر من الألقاب عليهم وما تحقق لهم من الخبرة وجدية المشاركة ، مع التذكير بالطاقم الفني المصاحب في كل حلقة وإنْ يكُن قد صار هو الآخر مألوفا شكلا وموضوعا وهدفا ، وصرنا ـ معشر المشاهدين ـ على علم بهذا العدد من الخبراء والناشطين وأصحاب الذكريات ، وإن لم نعد نحن ـ المتلقين ـ ندرك ما إذا كان قد اقترف نحوهم من عديد التصرفات كان عن موقف مشرف قد اتخذوه وحق للطغيان أن يجازيهم على ما فعلوا ، أو أن ما قد جرى كان بمحض الصدفة وإن يكُن قد اتّسم بالقسوة فمن الخطأ أن يعد في سجل التاريخ الوطني ، ذلك أن كل موقف وطني جرى اتخاذه عن قصد واستوجب أي مستوى من مستويات الجزاء فمن الخطأ أن يعتبر ضمن المظالم . والمهم أن الضيق من الأداء الإعلامي قد دفع ثلّة من أعضاء مؤتمرنا الوطني الموقر إلى التداول في فكرة الحدّ أو المنع لبعض القنوات الفضائية أو على الأقل الدمج على الرغم من التكذيب الذي بادر به أكثر من طرف وليس هذا بالغريب ، بل لعله المتوقع ، إذ لم يعد هناك أي مستور لما يمارس في واقعنا من تجاوز يطال الناس في حريتهم وأموالهم والكثير من شؤون حياتهم ، بل إن ما شاهدته البلاد ـ عقب دخول الثوار مدينة طرابلس ــ من سرعة الاستيلاء الممنهج على المرافق الإعلامية والقنوات الفضائية وكذلك الحرص على التمترس فيها حتى بعد أن أعيدت حقيبة الإعلام ، وكذلك الموقف الذي سبق الجهر به من فكرة الإعادة هذه ، إنما أكد من البداية أن ما احتدم من صراع لم يكُن نتيجة الخلافات المبدئية وإنما كان بدافع الصراع حول من ينبغي أن تناط به مثل هذه المهام . ذلك أن التواصل أمر له خطورته الكبيرة كما أن أدواته أو لنقل السيطرة على هذه الأدوات يتعذر التساهل بصددها ، وحسب المرء أن يتذكر الموقف الذي قامت به بعض الأطراف إزاء حقيبة الأوقاف وما بادرت حول إمامة المساجد وتغيير الكثير منهم دون أي تقدير لرغبة المعنيين التي تعتبر على رأس شروط هذه المهمة . ولا عجب فكلما ساد الموقف الإيديولوجي وغلب المشروع السياسي فإن الاستئناس برغبات الناس بما في ذلك المتعلق بشؤون حياتهم يكون هو آخر ما يفكر فيه الكثير من أصحاب القرار ، ولو رفعوا شعارات التقوى ، ذلك أنهم ضمنوا مسبقا امتلاك الحقيقة ، واستقر لديهم اليقين بأن الصواب كل الصواب فيما يفعلون ، وما على العامة إلا أن تسمع فتطيع وتؤمر فتنفذ ، فالناس ـــ حسب هذا الفهم ــــ يقادون إلى الجنة بالسلاسل ولن يصلح الشرق إلا المستبد العادل!. على أن خطل هذا النوع من التعاطي مع إشكاليات الإعلام السمعي والبصري وما طرأ على مهمته من قوة التأثير وأشكال التطور ، يأتي من إغفال حقيقة بالغة الأهمية هي أن الزمن هو زمن الفضاء وأن الأقمار الاصطناعية التي غطت الكرة الأرضية بالكامل منذ سنوات وكانت قبل تغطيتها هذه محسوبة ومقدرة الآجال ، جعلت من اليسير على كل ذي معرفة أن يستفيد من هذا التطور المترتب على قوة التنافس الاقتصادي بين القوى المؤثرة في العالم على مختلف الصعُد ، والتي طالما أرادت أن تتخذ من هذا الفضاء الوسيلة الأساس للتواصل والترويج لكل ما تفلح في إنتاجه من أشكال ثقافية معبرة عن رؤاها السياسية وأنشطتها الاقتصادية ، فليس أمامها من معين مثل هذا النوع من هذه الفضائيات ، خاصة وأن الاتفاق عليها لم يعد صعبا وبالذات حين يكون الواقع المحيط بكرا ويتسع لما تعتزم القوى الاقتصادية الدولية إنفاق على أطر التواصل ، ويتم الإعلان عن ذلك بواسطة الوكلاء الذين يجوبون بلادنا ـــ هذه الأيام ــــ طولا وعرضا مبدين استعدادهم للإنفاق السخي على كل مشروع إعلامي أو منبر صحفي ، لدرجة أن هناك من يؤكد أن ما يشهده واقعنا من تنافس في التشكيل الحزبي ونظيره الجمعياتي ليس سوى ما تعجّ به البلاد من عروض التمويل السخي ، الأمر الذي يعني أن كل تفكير في حصر الفضائيات محلًّيا هو العجز بعينه عن إدراك حقيقة ، الأوضاع المشجعة على كل تحرك غير مبرإٍ من الشوائب فما دام البلد مفتوح الأبواب ، وما دام حلم الانفراد بالغنيمة هو المسيطر الأول على كل النفوس الضعيفة ، فإن الفضاء الإعلامي سيكون دوما هو المحصن من أي ممارسة معيبة ، إذ حتى ولو أمكن ذلك بعض الوقت فإنه ما يلبث ان يبعث مرة أخرى والبث من خارج التراب الليبي من أسهل الأشياء ، كما أن اللجوء إلى التشويش ليس سوى مضيعة للوقت ، والأمر عَيْنُة ُبالنسبة لشبكة المعلومات الأولية ، فبقدر ما يصعب الحجب أو يستحيل دوامه ، فإنه يشكل مستمسكا عن سوء ما يجري. كما أن البلد الذي شهد ثورة غير بسيطة من ثورات الربيـع العربي إن لما اتصفت به من قوة المقاومة ، وفظاعة القمع اللاإنسان من طرف السلطة ، أو الدعم الدولي غير المسبوق ودوره الحاسم في كتابة آخر فصول المسرحية هذا البلد لا يمكنه أن يتبنى ما سوى الديمقراطية وما تقتضي من حرية التعبير والتحرير والإرسال بكل أنواعه ، مما يعني أن كل محاولة ترمي إلى إعادة إنتاج الاستبداد كما أن كل جنوح إلى اتخاذه ــــ أيّ البلد ــــ منطلقا لتحقيق أي استحقاق نحو إفريقيا جنوبا أو أوروبا شمالا هو محطّ سذاجة. وبنفس الفهم سيكون التعاطي مع هذه الحدود المتشابكة والمليئة بكل ما ينذر بالشرور ، ما لم تتوفر السلطة العاقلة التي تدرك حسابات المرحلة وتقدر المخاطر المشتركة. وتدرك أن كل واحدة تحرس بالآخر لن يكون له من عائد سوى الرد بما هو أسوأ وفي مقدمة ذلك كله الحكم العاقل الذي يعرف ما له وما عليه إنه التوافق الوطني ، والتقدم للآخر بكل ما تمكنه المرحلة من الاحترام الصادق والتقدير الواعي والإيمان بأن الصالح المتبادل هو وحده ما على التفاهم. إن الخوف من الإعلام أو الضيق من الإعلام أو الخشية من الإعلام كما هو التعبير الأكثر شمولا ربما يتعلق دون شك بالغيرة على العهد ، وهذه الغيرة مبعثها ـ دائماـ الحرص على البقاء ، أي لا أحد يهدف من نقد الحاضر أن يعود الماضي ولو كان صاحب النقد هذا على علاقة بالماضي أكثر من غيره مخالفات ، والناس أبناء يومهم ، لكن الحقيقة التي لا مهرب منهـا ولا محيص ، هي أن العهود لا تبدأ في استشعار التدهور إلا بمقدار ما تضر بالناس ، وتبين المسافة بين الأقوال الجميلة والأفعال المناقضة لهذا الجمال ، وهي من هذه الناحية تضع معارضتها تلقائيا ، ولذلك تسيء فهم الإعلام وترى فيه العدو أو الخصم أو المنافس . معنى ذلك أن الإعلام هو الوعاء الذي يحمل المادة ،والمادة الحقيقية هي تلك التي بنخبها الناس من خلال تعاملهم مع الواقع وما يسهمون به من الأخطاء أو التجاوزات. ومن هنا فإن العيب ليس عيب الإعلام ولكنه عيب التصرفات ، وكلما شاع في الواقع ما يندى له الجبين من استغلال النفوذ والاعتداء على الضعفاء من عباد الله والاستباحة للمال العام. كلما ازداد السخط وسهلت مهمة كل من له حسابات معلقة إزاء العهد ، ولن يكون من المستحيل أبدا أن تنشأ تحالفات جديدة ، ولن تجدي المتجاوزين فزاعات الماضي ، وهي وإن أفلحت في تغطية ما يراد تغطيته من المظالم الجديدة ، فإن الحقيقة لا بد أن تكتشف ولا بد أن يتوفر المناخ الملائم للجهر بها ، ومن هنا فإن كل من يتوقع أن إثارة الحدّ من الفضائيات أو رفع شعار تجميد الأحزاب بالكامل ، يمكن أن تخفي الحقيقة هو مغرق في السذاجة فمنذ أن تأكد وجود من يرحبون بما أفاد الله عليهم من دولارات الأشقاء وهم يعودون من رحلاتهم الحكومية ، ومنذ أن ظهرت وسائل الإعلام المؤثرة ومنذ أن عسكر الكثيرون في فنادق الخمس نجوم تأكد أن هناك من ينفق بسخاء ، وهناك من يتقبل بينهم . وقديما قال أهلنا (اللسان ما يطهرش جثة).إنتهى

 

_____________________________


لكي يكمل ادم أحمد شهادته


أمين مازن

2-11-2013

عندما خرج الإعلامي المصري الشهير احمد منصور عن التقليد الذي التزم به في برنامجه المعروف ( شاهد على العصر) الذي دأب على تقديمه في حلقات لم تقل في الغالب ، إن لم نقل باستمرار عن عشر حلقات طوال السنوات التي انقضت على تأسيس قناة الجزيرة كمؤسسة تلفزيونية ذات تأثير منقطع النظير في كبريات الأحداث العربية ولاسيما تلك المتعلقة بأنظمة الحكم ، على نحو ما جرى في ما اصطلح على تسميته بثورات الربيع العربي ، وكان ضيوفه فيها لا يخرجون عن ذوي التاريخ السياسي الرسمي أو الآخر العلمي فإذا به يكتفي بالحلقة التي خص بها احد الشخصيات الليبية ( السيد آدم احمد الحاسي) بإعطائها حصتين ليس غير ، فترك أمامنا جملة من الأسئلة التي لا يستطيع أي معنى بالشأن العام الليبي الا أن يقترب منها بالمسئولية ومن بين الذين تشملهم هذه المسئولية ، ربما قبل غيرهم السيد ادم احمد نفسه ، فهذا الرجل الذي قدر له أن يكابد محنة السجن السياسي منذ أول مجموعة واجهت محنة السجن في الأسابيع الأولى التي تلت سبتمبر 1969 عقب ما أطلق عليه مؤامرة " موسى احمد و الحواز " حيث جمع القدر بين الذين كان لهم الدور الحاسم في سبتمبر 1969 والذين كانوا يحكمون ليبيا قبل ذلك التاريخ والذين لو لم يسهموا في التسيب الذي ساد البلاد وعدم الانتباه لما كان يخطط في المنطقة لما تم الإجهاز على النظام بتلك السهولة ، ولما استطاع التناول السطحي أن يقنع الكثير من الناس إن ما تم قد كان مفاجأة للقوى العظمى المتنفذه في ليبيا بتاريخها وأساطيلها وان بقاء الملك خارج البلاد لما يتجاوز الثلاثة أشهر محض صدفة أو زهد في الحكم لقد عاش آدم احمد هذه الأجواء بالكامل ، وهو وان يكن احد الذين طالهم السجن الانفرادي على نحو فاق الكثير من نظرائه الا انه بحكم التجربة التي عاشها والمراجعات التي قام بها والثقافــة التي اشتهر بها يستطيع تغطية الكثير من الحلقات وليس هذا القدر اليسير ، والذي يستـــطيع أي مراقب إن يكتشف الفجوات التي طبعت الحلقة الثانية منه تحديدا ، حيث كانت أسئلـة احمد منصور توجه لجهة ، فإذا بالأجوبة تذهب إلى جهة أخرى ، فإذا ما وضعنا في الاعتبار إن هذا النوع من البرامج يتم بعد الكثير من الاستعداد الذي يبذله معد البرنامج ، وان الكثير من البرامج السابقة تدل على هذه الوضعية ، فان هذا الابتسار وهذا التنقل الملحوظ من الأسئلة ومن الوقائع لا يدل الا على حقيقة واحدة هي إن السيد احمد منصور قد ابتغى بعمله هذا أن يستجيب لدافع من الدوافع البعيدة عن أصول المهنة وطبيعته الشخصية المستظافه في البرنامج ، وحسبنا أن نتذكر إن السيد ادم احمد الذي لم يبق داخل البلد عقب خروجه من السجن سوى فترة محدودة للغاية ما لبث بعدها أن خرج إلى المهجر ، وظل كما يقول الكثير من المتابعين متواريا عن الأنظار دون أن ينقطع عن الكتابة -من دون اسم صريح – وكان ذلك مثار قلق النظام المنهار و مدعاة اهتمامه ومحاولة التواصل معه بأكثر من وسيلة ، بحيث لم يكشف ادم عن دوره وموقفه الصارم الا عقب وفاة المرحوم موسى احمد في تلك الظروف الغامضة والتي يزيد من غموضها في أيامنا هذه بقاؤها دون أي اهتمام يرتقي إلى حجمها والوقوف على أسرارها.

وقد كنا نود لو خصها السيد ادم بما تستحق من الأضواء الكاشفة ، خاصة وانه قد ذكر إن موسى احمد قد اعترف بما نسب إليه في المؤامرة المبكرة كما كانت توصف فالمتوفر لدينا إن موسى انطلاقا من كونه غير موافق على العملية قرر أن يكون في عداد المتآمرين بدلا من أن يكون شاهد إثبات ، ويلبس ثوبا لا يريد لنفسه إن يلبسه ، وقد دأب رحمه الله على ترديد هذه الحقيقة في موضع إدراكه لنفسية القذافي ومعرفته له منذ إن قبل الاشتراك في التنظيم، وكان آخر ماسمعته منه وقبل وفاته بأسابيع محدودة انه اقترح التنسيق مع بعض التنظيمات ومن بينها التنظيم الذي كان من العاملين فيه خليل جعفر ، حيث حدد له موعد للنقاش الموافق يوم الأربعاء 3 / 9/ 1969، الا أن الموعد الخاص بالتحرك جرى تقديمه إلى 1/9/1969 ، فكان الاستفراد بالتحرك ، فهذه الظروف لابد أن تكون في ذاكرة السيد ادم احمد كما إن جلسات السجن وبعد أن خرج ادم من سجنه الانفرادي كانت له بدون شك مراجعاته ومحاوراته مع أولئك الذين جمعه وإياهم ذلك السجن ، وكان من الواجب أن يكون لهم نصيبهم في هذه الذكريات أم إن الذاكرة لم تعد تذكر أيا منهم ، غير إن الوقت الذي سمح بدراسة اللغة الايطالية ونظيرتها الفرنسية يسمح بدون شك إن يشمل حديث الذكريات رجلا مثل محمد المهدي القاضي الذي لم يكن له من شاغل في سجنه ذاك أكثر من التعليم ، وهل كان المساجين طوال تلك العقود لا يقتربون من تجاربهم وخلفيات سجنهم أم ليس لذلك نصيب في الذكريات ،لقد كرر معد البرنامج احمد منصور علي السيد ادم احمد أكثر من مرة سؤاله المتعلق بالكيفية التي انضم فيها السيد ادم احمد للتنظيم العسكري الذي أقدم على إسقاط النظام الملكي، ولكن ادم بقصد أو بدون قصد فسر السؤال على انه يتعلق بالمجموعة التي حاولت الإطاحة بالنظام الجديد وكان يومئذ في أسابيعه الأولي بذات القدر الذي لم يتحرج فيه من التوكيد بأن الترحيب الشعبي كان كبيرا بدليل انه لم تطلق رصاصة واحدة ، وعلى الرغم من صحة هذه المعلومة الا أن الاثنين لم يحاولا الوصول إلى السر الحقيقي وراء ذلك الموقف المريب ، ولا سيما في المناطق الشرقية حيث يعتقد الكثيرون بتجدر الدعوة السنوسية، وحيث الإخلاص اللامتناهي للسيد إدريس السنوسي وحيث العطف غير المذكور على تلك الربوع ، وان كانت المفاوضات التي طالما جرت مع الأطراف الدولية ولا سيما الطليان كانت مرتكزة على الزوايا والمناطق التي وجدت بها أغلبية الإخوان السنوسيين كالجغبوب والكفرة والحقوق الخاصة بالسنوسيين في وقف تلك الزوايا بل إن الأمارة ذاتها فهمت في بعض الأحيان بأنها ترتكز على تلك المناطق ، خاصة وإنها أي المناطق كانت ذات علاقة وطيدة بل وارتباط وثيق ببعض المناطق السودانية المتاخمة للتراب الليبي والشيء نفسه بالنسبة لتشاد ، وكانت جميعا تسمى لدى العامة بالسودان ، والتمييز الوحيد كان بكلمة السودان المصري أو الفرنسي ومع ذلك كله فقد سقط النظام بالكامل ، ولم يرتد احد ملابسه العسكرية من ذلكم المسئولين سوى الفريق مفتاح بوشاح ، الذي اعتقله المرحوم موسى احمد وقام بإرسال ملابسه العسكرية إلى بيته ، حتى لا يوصف بالمقاوم لما جرى ، فقد بلغ التسيب أقصى درجاته وفقد الكيان القائم كل مقوماته حتى لقد أصبح كما وصفه المرحوم عبد الحميد البكوش في الشهر الخامس من تلك السنة بأنه يشبه حائط الكرتون الذي سيتهاوى أمام أي ضربة يمكن أن يقدم عليها أي مغامر ، وقد تبين إن مثل هذا الرأي نتاج المعلومات المتوفرة وان المغامر كان على وشك أن يقدم على فعلته ، وان تكن غير مبرأة من إعانة الآخرين الذين لا شك إنهم كانوا يرعون اللعبة من بعيد وقد تمنينا على ضوء ما تيسر للسيد ادم احمد من سعة الاطلاع ومن العيش خارج الوطن أن يتولى مراجعة تلك المرحلة وينهض بالغوص في أعماقها البعيدة فيكمل ما بدا به غيره من الباحثين وفي مقدمتهم الأستاذ إبراهيم عميش الذي تفطن الي لعبة الإيهام التي مورست بشأن الانقلاب المنتظر من السيد عبد العزيز الشلحي والذي كان له على ما يبدو والأثر الكبير في أحجام الكثير من مراكز القوى عن القيام بأي نوع من أنواع المقاومة ظنا منهم إذ الشلحي هو صاحب اللعبة ، وقد أشيع يومئذ إن محمد حسين هيكل نفسه كان يتصور أن الآمر هكذا ويذهبون إلى أكثر من ذلك فيروون انه سأل عن عبد العزيز الشلحي عندما نزلت الطائرة في بنغازي ، عندما قدم على متن طائرة خاصة مرفوقا بوفد موسع جمع بين الصحافة و الإذاعة والمخابرات ولاسيما السيد فتحي الديب صاحب الدور المشهور في الجزائر وعضو الحركة العربية الواحدة ابرز القنوات الناصرية المشوبة بالنشاط ألمخابراتي ، والذي ما لبث أن جمع خلاصة تجربته في كتاب أطلق عليه عبد الناصر وثورة ليبيا حيث أماط اللثام عن الدور المصري الحقيقي والمــدعي والأخر المسكوت عنه والذي يمكن استخلاصه من وراء السطور ، ومن بين هذا المسكوت عنه ذلك المتعلق بمؤامرة موسى احمد والحواز التي شملت ضمن من شملت السيد ادم احمد نفسه، وكان بين ما مهد به لها تلك الحلقات الخاصة بفكرة الثورة ، عندما نشرت وإذ يعث باسم السيد ادم الحواز وقيل في حينها انها كانت مدسوسة من المصريين ليعترف بها بعد ذلك فتحي الديب ، ويؤكد الواقعة لي شخصيا المرحوم موسى احمد ومما لاشك فيه أن السيد ادم احمد على علم بالكثير من هذه الأمور ولعله لم ينس تلك المظاهرات العارمة التي طافت طرابلس قائلة " موسى احمد والحواز عود وقيد وشيشة قاز " وكيف كانت المؤامرة موضوع كتابه الكثير من المستقطبين فيما اعرض عنها جميع المثقفين الوطنيين كما رصد ذلك في حينه ، غير أن الذي ينبغي أن يكون واضحا هنا أن المقصود بالحديث عن شهادة السيد ادم احمد ليس محاسبة هذا الطرف أو ذاك أو إدانة فريق دون فريق ، وإنما المقصود هو الوصول إلى المعنى الأكبر والهدف الا بعد ، أي ذلك المتصل بمشكلات الوطن التي بدأت في تلك الأيام ، اغلب الظن انها مازالت حيث هي لما نعانيه من عجز عن استلهام الدروس المستفادة والتجارب المفيدة ، والاكتفاء بهذا الابتسار المخل الذي رضي بالمساهمة فيه السيد ادم احمد الحاسي في شهادته على العصر وضيافة احمد منصور التي لا تتسع الا لما يريد ويسعى لا رادته بامتياز


_______________________________

موقع الكاتب والاديب : أمين مازن

  www.aminmazen.com © 2020- 2008

طرابلس - ليبيا

Tel 0913245901