شؤون ليبية 2020

يد الله فوق أيديهم

أمين مازن

26-6-2020

تقتضي الذاكرة السياسية المسكونة بالوطن، ماضياً و حاضراً موجعاً و مستقبلاً مرعباً التوقف أمام السادس و العشرين من أبريل، الذي يمر اليوم شأن الكثير من نظرائه في صمتٍ بعد أن اكتسب صفة العيد الذي دخل تاريخنا قبل سبعة و خمسين سنة مكتسباً صفة عيد الوحدة، إذ شهد إلغاء النظام الإتحادي و إعلان الوحدة الشاملة، ذلك المطلب الذي تبنّاه الفكر السياسي غير الواقعي عشية طرح المصير الليبي المتعلق بالدولة المنتظرة و ما إذا كان الأفضل أن تُقام على شكل موحّد أو أن الأصوب إقامتها على الأساس الإتحادي الذي يمكن بواسطته أن تضمن الشقيقتان الأضعف عدم ابتلاعهما من الشقيقة الأكبر، و قد غُلِّبَ يومئذ الخيار الأصوب و أُعلِنت ليبيا المتحدة الدولة الأفقر في تاريخ ذلك الزمان، إلا أنها و قبل أن تحتفل بعيدها العاشر ما لبث أن شهدت تلك القفزة غير المسبوقة جراء تدفق البترول في أكتر من مكان و بروز جملة من الضغوط و المتناقضات التي حتّمت إلغاء النظام الإتحادي المرفوض في الذاكرة ليستحق يوم السادس و العشرين من أبريل هذا لقب عيد الوحدة، و يومئذ قرأنا للرمز الوطني الكبير أحمد زارم على أبرز الصحف المحلية بالبنط العريض "سقط الفيدرالي عاشت الوحدة"، إلا أن المفارقة العجيبة أن اسم أحمد زارم ظل بعيداً عن جميع المراسيم التي عيَّنت أعضاء مجلس الشيوخ و من في حكمهم لأن الوحدة جاءت بضغط مصالح رجال البترول و ليس المؤتمر الوطني أو جمعية عمر المختار و لهذا بقي زارم في الظل و مثله مصطفى بن عامر لولا أن مصطفى بن عامر ظل دوماً مُحاطاً بما أغناه عن أي سلطة بفضل إجماع مدينته عليه، مما جعله يترفع على أي ردة فعل عندما قُدِّرَ له أن يشهد سقوط النظام الملكي و يُنادى به وزيرا، فلا يتردد في تقديم استقالته متى ثبت له ما دعاه لذلك و لم يقل كلمة سيئة واحدة في خصومه إلى أن رحل من الدنيا مرفوع الهامة و الهمّة، تاركاً المراهنين على استدراجه لتجرّع مرارة كؤوس الإحباط لأن الوطن عند مصطفى بن عامر فوق الشعارات و استقطابات الخارج مما جعله لا يرفع صوته عن شيء عقب سقوط النظام الملكي سوى الخشية من العبث بالحدود الجغرافية تحت شعارات الوحدة العربية التي لا تمثل لدى بعض الأطراف سوى قضم المزيد من مساحات أرض الأشقاء و التي لا تتضاعف أخطارها مثلما هو الحال في أيامنا هذه و موسم الإستقواء بالآخر و لو كان الثمن هو المزيد من التنازل عن الأرض فلا يملك من قد تدفعه الذاكرة المسكونة بالوطن، المفجوعة من العجز عن الإسهام بأي جهد تجاه هذه الذاكرة التي لا تستبعد أن يكون الآتي أسوأ، ليس بصدد وحدة ليبيا التي أُعلِنَت في السادس و العشرين من أبريل 1963، و إنما على وحدة الولايات الثلاث و لا سيما التي شهدت مولد أقدم جمهورية، ولاية طرابلس، حيث تُنذر البلديات التي ورثت الكومونات ما يتكفل ببلوغ الأردئ اللهم إلا إذا أعاد التاريخ نفسه و استعدنا أحداث 63، ليس من أجل البترول و إنما الموقع القادر على إنجاز كل ما يُراد في المحيط بامتياز، و إذ ذاك سنقول بعد الإستعاذة (يَدُ اللَّهِ

فَوْقَ أَيْدِيهِمْ).انتهى

________________________







الأمل أضعف الإيمان

أمين مازن

15-3-2020

قررت الأمم المتحدة تكليف السيدة ستيفاني ويليامز بتسيير بعثة الدعم لها كي تُسَيِّر المكتب المذكور، واضعةً بذلك حداً للسباق المحموم الذي أخذ يشتد بين عديد الأطراف الإقليمية و تجلياتها على أكثر من صعيد لخلافة السيد غسان سلامة، و من منطلقٍ يرى -على الأرجح- في هذه المهمة مغنماً و ليس مهمة كما جاء على لسان رئيس الإتحاد الأفريقي، حيث رأيناه يكاد يقول إن البديل ينبغي أن يكون من عمق أفريقيا و ليس من شمالها و ربما جنوب أفريقيا تحديداً حيث المحفظة و غيرها من الإستثمارات و الودائع و بالجملة كل ما من شأنه أن يفيد بلد المندوب و ليس هذا الوطن المنكوب، و إذا بالسيد قوتيرش يقطع الطريق على كل محاولات التمييع و إضاعة الوقت في الأخذ و الرد، و يمضي إلى تكليف السيدة ويليامز لتواصل الخطوات التي قطعها سلامة و الخطط التي وضعها و التي لم ينل منها و بالأحرى فاعليتها المطلوبة و ما جُبِلَ عليه سلامة من التهذيب الذي طالما عطّل الحركة المطلوبة لشراسة القوى المعرقلة و استغلالها ما تتمتع به من النفوذ في كل ما يفيدها و القريبين منها، و بالمقابل وضع العصي في الدواليب لتناسل الأزمات و اختلاق المعاذير، الأمر الذي لم يكن خافياً على السيد غسان سلامة و نكاد نقطع بأنه لم يتستر على شيء منه، إلا أنه ليس في وضعٍ يسمح له بالمواجهة، و مع ذلك رأيناه لم يتوقف عن التصريح بكل ما هو سلبي مما يجعل من تكليف السيدة ويليامز بتسيير مهمة البعثة لتعذّر استمرار سلامة المستقيل باعتبارها تحتل المقعد الثاني في البعثة من حيث الصلاحيات و التسلسل و الإطلاع، و بالتالي وجوب التثمين لهذا التوجه كي لا يترتب على فراغ الموقع تعطيل الكثير مما يحتاج إلى صلاحيات سلامة بصفته الإعتبارية، أما حين نضع في الإعتبار ما تتوفر عليه شخصية ويليامز من الإمكانيات المتمثلة في ما هي عليه من الخبرة الشخصية كدبلوماسية في إحدى الدول العظمى التي لا يستطيع أحد أن يقلل من حجم معلوماتها أو قوة نفوذها إلى جانب عملها بالبعثة كمساعدة لسلامة و مُطّلعة أقوى الإطلاع على أدق الأسرار المتصلة على نحو خاص بدور الأفراد و الجماعات و من يتواصل معهم و يدعمهم أو يتقاطع معهم، كلٌ حسب الفلك الذي يدور فيه، فلن تعجز و الحالة هذه عن أداء مهمتها الرامية إلى وقف كل متجاوز عند حده، فقد بلغت بدون شك كل ما أرادت و لن تزيدها الصرامة إلا قوة.

لم يخف الكثيرون ارتياحهم لهذا التكليف، و منهم من لا يتحرّج من المطالبة بديمومته تأسيساً على معرفتهم للظروف التي تعيشها ليبيا من حيث العبث بالمسئولية لدى معظم الممسكين بالقرار و تسخيره لأي شيء عدا ما يفيد العامة، و العامة لا تحتاج لأكثر من الأمن و الصحة و التعليم و الغذاء و حسن العلاقة من المحيط، و هو ما أصبح ينعدم في كل لحظة، و ما تدركه المندوبة الجديدة القديمة و من المؤكد أنها لن تتجاهله أو تُقصِّر بالجهر به و الدعوة للتوجه إليه، باعتبارها لا تحتاج لتحالفات جديدة ستصل إليها من هذه المهمة و لن يتستر عليها كذلك أحد من بني جنسها لو حاولت ذلك. ففي العالم الذي لا يستطيع كائن من يكون إخفاء ما اقتُرِفَ بحكم مسئوليته رئيساً كان أو وزيراً، يصعب إن لم نقل يستحيل على أمثال من يُكلَّف بمهمة هذه المرأة أن ينزلق إنزلاقات معظم السابقين، فلا حرج و الحالة هذه أن تكون من بين الذين لم يخفوا ارتياحهم لهذا التكليف بل و تثبيته أيضاً، و عسى أن يكون الأمل أضعف الإيمان. انتهى


___________________________





ماذا بعد غسان سلامة

أمين مازن

5-3-2020


لم يكد الوسيط الدولي غسان سلامة يفرغ من إدراج تغريدته المتضمنة طلبه الإعفاء من مهمته بليبيا التي دخلت منذ أيام عامها الثالث و عقب قرار من مجلس الأمن حول الحرب التي تدور رحاها منذ أشهر حول العاصمة طرابلس، حتى ذكرت الأنباء إن الأمين العام للأمم المتحدة قبل الطلب الغساني و عهد إلى المساعدة الأمريكية ستيفاني ويليامز بالمهمة، مُذيّلاً موافقته بعبارة المؤقت مما يفتح الأبواب لعديد القراءات إن يكن طلب سلامة قد جاء نتيجة إشارة من الأمين العام و إن الإستلام بالوكالة سيتطور لاحقاً إلى الأصالة، فلا شك أن ما تضمنه القرار الدولي أخيراً و الذي اكتفت روسيا بالتحفظ حوله يمثل الدافع الأقوى، إذ ما دام القرار المشار إليه بما تضمنه من دعوة إلى الإمتناع عن تزويد الأطراف المتصارعة بالسلاح و وصف هذا الموقف بالتدخل في شئون ليبيا و من ثم الإنذار بالعقوبة الدولية، ليس فقط لمن يرتكب هذه المخالفات بل و كذلك عرقلة الجهود الرامية إلى وقف الأعمال العسكرية، حتى أن الإتحاد الأوروبي لم يتردد في الإعلان عن عزمه على حظر توريد السلاح و المقاتلين بالقوة، على قاعدة خضوع ليبيا للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة لتتجاوز مهمة الممثل المقيم الصفة الإستشارية أو الناصحة إلى القوة الآمرة، بالنظر إلى ما ترتب على عبث الأطراف المتصارعة بالسيادة الوطنية في ما لا يفيد المدنيين الذين يمثلون الأغلبية و كان الحفاظ عليهم المبرر لدعوة الناتو الذي استغل الشرعية الدولية في هدم ليبيا و تركها مباحة للفوضى و مؤامرات القوى المتصارعة الأمر الذي يُقصر عنه بدون شك السيد غسان سلامة الدبلوماسي المقتدر، و لكنه ليس الممثل الأصيل لإحدى القوى العظمى التي ظفرت بليبيا في أخر الحروب و عملت على منحها استقلالها في إطار جملة من التسويات و تؤكد اليوم أكثر من قرينة أن إعادة التسوية قد حان موعدها بدليل القرار الذي لم تقف أمامه روسيا و فيتوها لحسابات قدرتها بلا جدال مما يجعل الإستقالة السلامية و سرعة قبولها و تكليف مساعدته باستلام المهمة، ما يشي بأن القطبين الكبيرين قد وجدا من التوافق ما سيضع حداً للصراع المدمر و يفتح الطريق لإرادة دولية تُجنّب الأغلبية الساحقة من الشعب الليبي و تفتح الطريق للعيش في الأرض الطيبة هانئين بما تحمل من كنوز و عقول نيرة و قادرة على العطاء مما يعني أن نقطة من الضوء قد بدأت تلوح في النفق المظلم. انتهى

________________________




لكل أجل كتاب

أمين مازن

14-2-2020


دعا مجلس الأمن في قرار تحفظت عليه روسيا و تأسفت على تحفظها أمريكا، إلى وقف إطلاق النار غير المشروط في الحرب التي تدور رحاها بليبيا و تَدَخُّل يتنصّل منه البعض، و يعلنه صراحةً البعض الآخر، فبدا واضحاً أن تأثير القرار سيكون محدوداً و ربما كأن لم يكن، اللهم إلا سيء الأثر الناتج عن استنزاف الثروة و متاعب المواطنين و الرضوخ لشروط الحلفاء و استغلالهم لكل ما قد يُطلَب منهم. و قد برر الروس امتناعهم بضبابية الموقف لما وصفوه بالمشهد، و أردف الأمريكيون مواقفهم بإدانة من استمر في إيفاد الدعم البشري و العسكري على الرغم من التعهد بالتوقف و التوقيع عليه في لقاء برلين، دون أن ينسوا "أي الأمريكيون" توكيدهم بعدم القتال و إن أدانوا أكثر من موقف مما ألمح أن العلاقة مازالت وثيقة بين الأعمال العسكرية و أن أبواب التدخُّل لدينا ما تزال مُشْرَعة، أما إذا توقفنا أمام الحراك الأفريقي الذي وصل إلى حد اقتراح تشكيل القوة العسكرية التي قد يعهد إليها بحفظ الأمن داخل ليبيا حيث يشتد القتال، أو خارج الحدود حيث الهجرة غير الشرعية المتدفقة من الحدود البرية و التوجه إلى الشمال حيث الحدود البحرية، فإن الإجتماع القادم الذي لا مهرب من أن يعقده مجلس الأمن في موعد لن يتجاوز الأسابيع و ربما بعض الأشهر، قد يتضمن تعديل مهمة البعثة الأممية من النصح و المشورة إلى التقويم و الأمر، خاصة و أن الخدمات تتوقف على كل صعيد و أكوام القمامة تحولت في العاصمة إلى جبال تُنذر حياة الجميع بسريع الفناء، سواء نتيجة الحشرات أو روائح الحرائق التي طالت آثارها شبكة الكهرباء كما يتحدث مسئولو الشركة، و قد تزامن هذا التطور مع مرور أربع سنوات على فبراير الذي هبَّت معه رياح الربيع و ما جاء به من التغيير الذي أنهى عقود سبتمبر الأربعة وسط آمال عريضة راودت نفوس الأغلبية التي ليس لديها ما تخسر و لم يكن أمامها إلا أن تؤمل، فيما كان المُطّلعون على بواطن الأمور من غير المستفيدين من النظام القائم و لا المؤملين خيراً منه لم يترددوا في التنبيه إلى أن الآتي أسوأ لارتباط ما جرى بمخطط أكبر كان قد بدأ ببغداد "و الذي لم نُخفِ خشيتنا منه كما هو مُدوَّن في هذه الشبكة القادرة على حفظ كل شيء. فحق علينا أن نُقدِّر صحة حساباتهم و احتفاظهم بشرف مواقفهم عندما قدّروا عمر المرحلة الإنتقالية بعشر سنوات على الأقل، و صرنا اليوم نواجه ما هو أخطر، اللهم إلا أن تحلّ رحمة الله التي وسعت كل شيء و فاقت في أحيان كثيرة كل توقع، و كما قال جلَّ من قائل "لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ". انتهى


___________________________




الجزائر تغادر مقعد المتفرج

أمين مازن

10-2-2020


أقدمت الجزائر، و هي تقرر الإنخراط في الجهود الرامية إلى حل الأزمة الليبية، على التواصل مع طرفي الصراع، إن وهي توفد وزير خارجيتها الذي التقى الطرفين، أو و هي تعرض استضافة كليهما، مؤكدة بوضوح على أنها تقف على مسافة واحدة من الطرفين، خاصة و أن ذلك قد حدث عقب زيارة أكبر الرؤساء المجاهرين بانحيازهم و المستعدين لبذل الغالي و الرخيص كيما يضمن اصطفافه؛ و إذا بالجزائر لا تتردد في إعلان استنكارها لما رأت أنه جدير بالإستنكار علناً و على مرأى من أجهزة الرصد في إشارة واضحة بأن الجزائر لا تمنح تأييدها مقابل وعد من الوعود أو مشروع من المشاريع، و إنما لما توصلت به من المعلومات المتعلقة بخطورة الصراع الذي تدور رحاه منذ سنوات و تؤكد أكثر من قرينة أن عمره سيطول فيما تتمدد مخاطره إلى المحيط الذي لن تسلم منه الجزائر ذاتها ليس فقط لعوامل الجيرة و يسر التواصل، و إنما لوجود أرضية لا تخلو منها الجزائر ذاتها، و التي سبق لها الإكتواء بنيران العشرية السوداء و ما أوجدت من مجانية القتل، مما لم تتخلص منه حتى يوم الناس هذا الأغلبية الساحقة من الشعب المجاهد، و التي لم تكن سوى محطة طبيعية للمؤامرة التي رافقت قيام الدولة الوطنية عندما تزامنت مع وقف إطلاق النار و التوجه إلى إكمال الهياكل الأولى و قد كانت يومئذ منذرة بإنتهاج الخيار التعددي و الذي كان مهدداً لبعض القيادات المسيطرة على الشارع العربي، و لم يكن مضومناً أن يستمر لولا الإجهاض المبكر لتلك التجربة في ما يتعلق بالمسيرة الديمقراطية إذ كسبت بإستقلال الجزائر مع تبنِّي الحكم الشمولي ما أفرغ الإنتصار من أهم مرتكزاته و جيد مردوداته، لتكون الرحلة الطويلة التي انتهت بالعشرية السوداء و نراها اليوم تطل على أكثر من قطر مما يجعل من إقدام الجزائر هذا حول ما يدور عندنا معشر الليبيين ما يمكن أن يُبشّر بتحول أكثر جدية إزاء الأطراف المتصارعة تُعبِّر عنه لغة المكاشفة و تُجسّده التدابير الجادة فلا يكون أمامنا من عذر سوى الترحيب بإقدام الجزائر هذا على أمل أن تكون حلقة اتصالنا الرسمية أكثر أمانة في نقل الصورة الحقيقية و في الوقت الذي لا يقبل التأجيل و لا يتحرّج من التوقيت، فالكُوَّة التي لا يأتي منها سوى الضوء المفيد و الريحة الطيبة ينبغي ألّا تُغلَق أبداً، أو قد يكون على رأس أولوياتنا معشر المنشغلين بالشأن العام الليبي أن نُقدِّر للجزائر توجهها هذا و نُعبِّر عن صادق الإمتنان. انتهى


____________________________





برلين و الأمل و العمل

أمين مازن

25-1-2020


أنهى مؤتمر برلين أشغال مؤتمره، الذي التأم بتاريخ التاسع عشر من أول شهر بهذه السنة "2020" و المكرَّس لبحث الأزمة الليبية التي بلغت أقصى درجات خطرها في الحرب التي بلغت عامها التاسع حتى حولت بلادنا ،كما عبَّرَ الأمين العام للأمم المتحدة، إلى ورم يهدد سلامة المحيط بالكامل، هو مؤتمر مُحضَّر له الكثير من الوقت و خُصص له رسمياً القليل، اقتصر الحضور فيه على الدول الخمس صاحبة الكلمة الأولى و الأخيرة في مجلس الأمن، و بعض دول المحيط و الأخرى المنخرطة في الأعمال العسكرية و المُطالَبة بالكفِّ عن كل ما يساعد على الإستمرار في الحرب، و التوجه نحو ما يسهل مهمة الخروج من المأزق؛ تُرِكَ للمستشارة الألمانية تلاوة ما اتفق عليه المؤتمرون من دون أي إجراءات مراسمية تتمثل في توقيع الحضور و إنما اكتفى بتوكيد تعهدهم، تعويلاً في ما يبدو على الإلتزام الأخلاقي باعتباره يفوق الكتابة و من ثم تحدثت المستشارة بما جرى و أُنجِز، ليأتي بعد ذلك حديث متلفز للمندوب غسان سلامة تأكد من خلاله أن ما اتفق عليه الحاضرون سيُقدَم لاحقاً إلى مجلس الأمن الدولي لاعتماده بالإجماع أملاً في أن يترتب على مصادقة المجلس المذكور ما يضع الأساس الكفيل بتوفير الضوابط الكافية لتحويل الأقوال إلى أفعال، و كذا قطع الطريق على كل من يتوهم إمكانية الدخول من النافذة، بعد الخروج من الأبواب، و ذلك بإحصاء المفردات في خمس و خمسين فقرة، حُددت لها مجتمعة مسارت ثلاثة لا تقاطع بين أي منها على الآخر، و تُحوِّل المخططون إلى متابعين حتى لا يبقى المندوب الدولي مكتوف الأيدي أمام عديد التفاصيل بل و المعوقات التي تمس مسيرة التسوية على خلفية المسئولية المشتركة و أكذوبة الظالم و المظلوم و المنتصر و المهزوم، و نظام يحقق العدالة في توزيع الثروة و تحقيق المستوى الأفضل للخدمة من منطلق توحيد المؤسسة العسكرية و مثلها الأمنية و المصرفية و تجلياتها الإستثمارية و مختلف مواردها، قُسِّمت مجتمعة تحت أسماء المسار السياسي و الإقتصادي و الأمني، حيث شُرِعَ باختيار خمسة مقابل خمسة عُهِدَ إليهم بمهمة توحيد المؤسسة و مراقبة الهدنة، أملاً في الوصول إلى وقف إطلاق النار فيما يتم اختيار فريق قوامه أربعون شخصية يُوكَل إليهم اقتراح الحكومة و النظام السياسي مع خريطة محددة للطريق و الزمن و مثل ذلك اعتماد من مجلس الأمن.
لم يترك الإحساس بالإحباط أية مساحة لأخذ النفس المريح و بالذات لدى أولئك الذين طالما توهموا أن كل احتياجاتهم تتوفر حالة صمت المدافع و لو لبعض الوقت للفارق الكبير بين من أقدامه في النار و من أقدامه في الماء، ذلك أن الإنسان البسيط قال منذ الأزل "اللي مش فيك في الساس"، و كذلك المعتاشين على الفضائيات للتفنن في ما درجوا عليه من شيطنة من جُنِّدوا لشيطنته و تقديس من اصطفوا لتقديسه، أم الذي رُزِقَ نعمة التأمّل البعيد عن الإصطفاف لم تغب عنه قيمة أن يُعاد الملف الليبي إلى أوروبا حيث لا مكان للمقايضة بما يجري شرقا، يستوي في ذلك من غُيب في الجزيرة أو لم يُسمح له باحتلال المكان الذي يُعيد بواسطته القرصنة بالبحر المتوسط أو العبث بالخريطة الليبية من خلال النعرات العرقية و الأوهام الطائفية، و إنما الإحتكام إلى الدولة الحديثة التي ولدت عقب الحرب و بمساعدة الدول المنتصرة و التي لا تؤمن إلا بحق الجميع في الحياة فوق هذه الأرض التي لا سيادة فوقها لكل من يتوهم إمكانية إقصاء من يخالفه الرأي و ينازعه الصراع سواء اكتسب أهليته الموروثة بإسم دولة الإستقلال أو وجد ضالته في نظام سبتمبر، أو فاق تجاوزه الطرفين بإسم السابع عشر من فبراير، إذ من هؤلاء جميعاً و بإسمهم جميعاً و من خلال خضوعهم للفصل السابع الصادر بحق ليبيا من مجلس الأمن لا مجال لحرمانه من حقه أو إفلاته من أداء ما استولى عليه ظلماً و عدوانا، فلم يتردد في إبداء ارتياحه لما تناقلته الشاشات عن لقاء برلين و لو بخطوة واحدة، فلم يبخل بلحظة أمل، و قد يسهم بما لديه من العمل و صار لزاماً أن نستبشر بما انتهى إليه هذا المؤتمر، و نعتبره بكل الإطمئنان مؤتمر الأمل و العمل، ما دامت آلية التنفيذ قد حُددت و دول الحدود قد أُشرِكَت، و الدول دائمة العضوية بمجلس الأمن ستُشرِف. انتهى


___________________________

موقع الكاتب والاديب : أمين مازن

  www.aminmazen.com © 2020- 2008

طرابلس - ليبيا

Tel 0913245901