شئون عربية و دولية 2019

تعثّرت حكومة الجملي.. فمن الرابح الحقيقي ؟

أمين مازن

25-12-2019


تناقلت الأنباء خبر الإخفاق الأول للسيد الحبيب الجمني في تشكيل الحكومة التونسية، إثر التكليف الذي أُنيطَ به من طرف حزب حركة النهضة صاحب الأغلبية غير المريحة في الإنتخابات الرئاسية و النيابية التي شهدتها تونس سابقة موعدها بأسابيع، جرّاء رحيل الرئيس قايد السبسي و ما فرضته من إكراه الإئتلاف حدد إلى جانب النهضة في ثلاثة أحزاب تمثلت في التيار الديمقراطي و حركة الشعب و تحيا تونس و التي انسحبت قبل غروب شمس الحادي و العشرين من شهر ديسمبر الجاري، هو انسحاب برره أصحابه حول رؤى البرامج و الحلول و الأساليب و يوجزه العالمون ببواطن الأمور في توزيع الحقائب أو حجم الربح و الخسارة الناتج عن التأجيل و التمتع بأقصى ما يتيحه الإستحقاق الدستوري من فرص الحزب المكلف من تمديد الأجل و أحد الأحزاب المنسحبة من امتيازات تصريف الأعمال أخذاً في الإعتبار ما هيأه البت في رئاسة مجلس النواب بإتفاق الأخوين العدوين النهضة و قلب تونس من تطبيق قاعدة "اؤمِمْهُ و لا يؤمّني" و ما حملته من معنى كلمة ربح البلد التي فسرها الأستاذ راشد الغنوشي بقبول النسبة الأقل مع المرحوم الأستاذ السبسي متخذاً منها قاعدةً لرئاسة مجلس النواب اليوم مع قلب تونس، ربما لأن تونس تحتاج إلى قلب، و من غير المستبعد أن يوجد في أصحاب هذا القلب من يتكفل بالأغلبية المريحة لرئاسة الوزارة ما بالك أن يكون في علم معظم الشركاء بألّا صداقة دائمة و لا أخرى مؤبدة في دنيا السياسة، و إنما الموجود دوماً هو المصالح الدائمة كما يقول ميكافيللي قديما و اقتدى بالقول تشرشل حديثاً في أخر حرب طالت العالم أجمع و وضعت أسس تسيير العالم أجمع أيضاً منذ سبعين سنة مضت و هو يغير تحالفاته بتلك الحرب و يتخذ مواقفه إزاء مصير مناطق نفوذها شاملة الوطن العربي من مغربه لمشرقه، فتبين من خلال الإخفاق الأول لمهمة الحبيب الجمني أن حكومة تسيير الأعمال التي يقودها الشاهد و تمكنه بواسطة تمكنه ملء ما يشغر من مواقع، و إمكانية التنسيق مع رئيس مجلس النواب الذي يجمع رئاسة حزب النهضة و الذي هو حزب الأغلبية و المشمول ببعض الإستحقاقات السياسية المعلقة و لا سيما دم الشهيدين محمد إبراهيم و شكري بلعيد و احتمال ترفّع السيد قيس السعيد عن الكثير مما يتصل بالإجراءات اليومية التي لا ترقى لمسئوليته في الرئاسة امكانية استمرار هذه الوضعية المعقدة للشاهد و الغنوشي و التي لن تخرج عن احتمالين أحدهما ما أشرنا إليه و ثانيهما المضي نحو قلب تونس لإبرام اتفاق من شأنه أن يكمل لكلا الطرفين ما هو في حاجة لإستكماله لتنفيذ سياسات أكثر التصاقاً بالقواعد الحزبية و ما تنتظره عادة مما يصطلح عليه بالتمكين الذي لن يعجز عن مسوغاته السيد الشاهد و قد لا يبخل بغض النظر على الأقل الشيخ الغنوشي و لن يحرم منه في النهاية قلب تونس الذي تؤشر أكثر من قرينة بأن يكون الورقة التي لا غنى عن اللجوء إليها دون الإحجام عن لعنها و لا حرج، فما من لاعب إلا و لا مهرب له من البحث عن الورقة الرابحة، اللهم إلا حين يثبت أن الشقاق أجدى من الإتفاق كما يلوح مع تكليف الحبيب الجمني و إخفاقه الأول و الذي ما يزال في أجله الدستوري أكثر من عشرين يوماً تتيح للشاهد الإستمرار في تصريف الأعمال التي برع الشاهد في تنفيذها كما أشار أكثر من مراقب، و لم يتردد المراقبون في حوار الفضائيات التونسية في التنبيه إليه فاعتبر إخفاق الجمني ليس بعيداً عن مصلحة الرئاسة التونسية الثانية و هي تتهيأ لرئاسة الحكومة و لن تتقاطع في المردود، مع رئاسة تسيير الأعمال، أمد الله في عمرهما، أما مصطلح حكومة الكفاءات و أسطورة المستقلين فليس أكثر من محاولة لخلط الأوراق و التي لن يكون لها ردود الفرقاء سوى ما قد يصل إلى السخرية و لو بأكثر التعابير لياقة. انتهى



___________________________



خمس و ستون سنة على الثورة الجزائرية

أمين مازن

1-11-2019


يطوي سجل التاريخ بحلول هذا اليوم خمسة و ستين عاماً على انطلاق ثورة التحرير الجزائرية التي جاءت بعد ما يقرب من قرن و نصف من الإستعمار الإستيطاني الذي طال كل شيء و فعل في سبيل استمراره كل شيء، لولا أن الإرادة التحريرية كانت الأقدر على ردع كل محاولة، و لا سيما العقل، حتى أن اللغة الفرنسية التي فُرِضَت و تربت عليها الأجيال الناشئة، بمن في ذلك الذين رُزِقوا مَلَكة التعبير، فكتبوا باللغة الفرنسية، لغة المستعمر، إلا أن ما كتبوه كان أشد تأثير على ذلك المستعمر و أكثر فضحاً لمخططاته، عندما ظهر أمثال مولود فرعون و محمد ديب و كاتب ياسين و مولود معمّري و آسيا جبّار و سعاد خضر و غيرهم كثر ممن شكلوا جبهة للمقاومة قَصُرَت دونها جهود جبهة التحرير المسلحة إن لم تكن قد عولت عليها التعويل الذي لا يقارن في إقناع الرأي العام العالمي بعدالة القضية الجزائرية، و فضاعة الجرائم الفرنسية مما يعرفه كل ذي دراية بتاريخ الشعوب، و مواقف المثقفين الوطنيين من معارك التحرير و رؤيتهم الواعية التي كثيراً ما تستشرف المستقبل و تحرص على أن يكون لها قدمَ سِبق، و لو بإعلان الموقف المبكر مما كانت تنذر به بعض الأساليب الإعلامية المنتصرة للثورة الوليدة، من سطحية التفكير و هي تكرس الرموز البارزة و بالذات الذين أقدمت فرنسا على خطفهم بالجو، ليُقتادوا إلى سجونها و لا يغادرون السجن إلا و الكثير منهم قد رسم الدور المنتظر في الجزائر المستقلة، باعتبار الحرب التحريرية تدور ضمن معارك الشعوب التي لا مناص من منحها استقلالها كي تحكمها زعامات يُطْمَأن إلى حصيلة سياساتها إن لم يكن بالإتفاق مباشرة، فبطبيعة النزعة الإستبدادية المبنية على مقولة "إنما يُصلِح الشرق مُستبدٍ عادل"، تلك التي رُوِّجَ لها كثيراً في الشرق، و صارت تغري الكثير في المغرب الكبير أيضا، و من الإنصاف أن نُشير هنا إلى أن الأسماء التي ذُكِرَت في صدر هذه المقاربة كانت شديدة الحذر من شبح الإستبداد و الذي ما لبث أن كشّر عن أنيابه في دولة الإستقلال التي أُعلِنت عقب مفاوضات إيفيان الشهيرة التي قادتها حكومة بن خدَّه لتنتهي بتنصيب أحمد بن بلَّه الذي دشن الحكم الشمولي ليرثه أقرب كبار الضباط إليه هواري بو مدين ليخلفه ثلاثة من نفس الكيان السياسي الواحد و النمط الواحد ليأتي أخيراً أقربهم جميعاً لبو مدين هو بو تفليقة الذي جدد من العهدات ما لم يحل دونه سوى المرض، أما الرفض الشعبي فلا يزال يتوالى حتى هذه الأيام، حين يعلن عن فتح باب إنتخابات الرئاسة دون أن تتوقف جُمَع الرفض الذي لا يستثني أحد، لنستعيد نحن معشر الذين وُجِدوا في تلك الأيام و ساهموا في تدوين ما حملت الذاكرة الثقافية التقدمية في ليبيا و هي تتخذ من ثورة الجزائر و غيرها جوازَ مرورٍ للتعبير عن هواجس المرحلة و مشتركات المرحلة، و التي لم تنظر لهذه الثورة أكثر من كونها واحدة من حركات التحرر الوطني التي تستفيد من مؤثراتٍ كُثر بما فيها تناقضات الغرب التي جعلت من السلاح الخاص بتلك الثورة يُشحن من الأراضي الليبية و عبر الأجواء الليبية، و يؤكد أكثر من شاهد أن السلاح كان يُشحن من الملّاحة، فيما كانت اجتماعات مجلس الثورة تُعقد بالمجلس التشريعي لولاية طرابلس و لا يتردد الشعراء في كتابة أجمل الأشعار، و ثمة من حذّرَ من الإحباط بشأن الحرية المنتظرة من الثورة، و التي تأكد منها الكثير أيضا طوال دولة الثورة التي انبعثت بعد ثمان سنوات من الكفاح المسلح، و دامت منذ السنة الثانية و الستين من القرن الماضي حتى يوم الناس هذا، و يكفي أن الشعر الذي بدأ دوره تجاه الثورة بكلمات النشيد الوطني "لمُفدي زكريا" يبدأ اليوم دوراً جديداً بتقدمٍ لحقه من الشعراء هو "عزالدين الميهوبي" فيتوسط قائمة المترشحين لرئاسة الجمهورية، أي أنه ينشد الفعل و ليس القول، و ذلك هو الدور الحقيقي لكل مثقف وطني جاد، كما يحدث اليوم في الجزائر التي انبعثت في الأول من نوفمبر بالعام 1954. انتهى



_________________________



من قتل البغدادي لن يعدم غيره

أمين مازن

31-10-2019


و جاء دور البغدادي في مغادرة المشهد إثر غارة أمريكية استهدفته في أحد مقاره المرصودة من طرف الولايات المتحدة و تعاون روسي تركي؛ لم يخفه ترامب الذي أصر على اعلان النبأ بنفسه، و بتفاصيله التنفيذية، من حيث التوقيت و الطائرات و المكان الذي هو عبارة عن نفق أُقفِلَ مخرجه سلفاً عند محاصرة البغدادي، و الإستعانة عليه بالكلاب المدربة و الملابس التي أُمِّنَت بواسطة أحد الجواسيس في اللحظات الأخيرة من المحاصرة و التي انتهت بتفجير البغدادي لحزامه الناسف، ليموت و من حوله، و يموت في ذات اليوم أو بعده مباشرة من يُعتقَد أنه سيخلفه ليخرج ترامب بكامل أناقته مُعلناً ما حدث، واصفاً البغدادي بالجبان و يشكك الذي شاهدوا و سمعوا الفيديو من المراقبين في دقة المعلومات، أما الذي لا شك فيه هو أن ترامب أراد أن يتخذ من الحدث انتصاراً يمكن حسابه و ترامب يستعد لخوض معركة العهدة الثانية في الرئاسة و يواجه المساعي الرامية لعزله من طرف الكونغرس الأمريكي، فيما يبادر مجلس النواب الأمريكي بإصدار قراره التريخي بإدانة الدولة العثمانية عن مذبحة الأرمن قبل قرن مضى و تُظهر شاشات التلفاز المعارض فتح الله غول متحدياً بعدم وجود شاهد واحد يثبت مفاتحته إياه بالإنقلاب المزعوم و الذي لم يكن سوى ذريعة لعزل و سجن الالاف من المعارضين الأتراك على مختلف الصعد داخل الدولة المحكومة من حزب ليقوده رجل تؤكد كل القرائن ما يعانيه من انفصام الشخصية، حتى أنه لا يتردد في تسهيل ألاف المتشددين الخارجين من سجون سوريا ريثما يواصلون اتجاههم حسب المستطاع و لا سيما الشمال الأفريقي حيث ما يزال لأردوغان ما يغريه بالتحرك و الإتجار في كل شيء و ادعاء الأحقية في كل دولة، الأمر الذي لن يكون له من أثر سوى شرعنة التدخل العسكري الأمريكي كما يؤكد أكثر من مراقب و خبير و متابع لمؤامرات أولئك المتطفلين بما لم يلزموا به من سيئ الأدوار اللهم إلا الطمع في طغيان السلطة و مفاسد المال ممن لا يضيرهم التنصل من أي حليف لمجرد احتدام المعارك و يكفي أن يلحظ المرء هذا التسابق المخجل من تأييد قتل البغدادي الذي طالما كان الأقرب و ربما الأطهر بالنسبة لهم، عندما كان الكثيرون و يؤكدون قرب نهايته لمجرد ادراكهم لمسببات وجوده و عبثية تفكيره و حتمية سوء منقلبه بواسطة من دفعوا به ذات يوم و صدقَ الآن توقعهم فَعَفّوا دون غيرهم عن التحليلات الشامتة و خسيسة الإنتهازية الجبانة، إذ مات البغدادي لإنتهاء دوره و أُلحِقَ به من يمكن أن يخلفه و ليس من سوي إلا و يرتاح لرحيله، إلا أنه حين يكون ضمن الذين يعيشون في شمال أفريقيا و على خاصرتها الأفقر من حيث البشر و الأغنى من حيث الدخل، و الأهم من حيث الموقع فإن الخشية من ظهور عشرات البغداديين يمثل الحساب الأدق، غير أن من قتل البغدادي لن يعدم غيره. انتهى


____________________________




لَوْلا دِمَشْـقُ لَمَا كَانَـتْ طُلَـيْطِلَةٌ

أمين مازن

15-10-2019


اجتاحت القوات العسكرية التركية الأراضي السورية على نحوٍ أثار استنكار معظم الأوساط الدولية، هو اجتياح تساعد عليه الحدود المشتركة و تبرره بالنسبة للسلطة المستبدة شراسة المقاومة التي طالما دأب الأكراد على إبدائها في قوة يمكن وصفها بالمثالية، بالنظر إلى ما لدى المُكَوِّن الكردي الموجود بتركيا من نسبة عددية ليست بالقليلة و رقعة جغرافية ليست بالصغيرة أو المتفرقة، و مقومات قومية يستحيل الطعن في توفرها أو إنكار تأثيرها، و تواصل قوي مع امتداداتٍ أخرى بالدول المجاورة، كان و ما يزال يجعل للمسألة الكردية ما يؤهلها لأن تكون في مقدمة مشكلات العصر في هذه البقعة الجغرافية المشتركة، و التي لم يزدها تحالف الجيران و اتفاقهم على محاربة هذا الإستحقاق القومي إلا رسوخاً مهما أفلحت عديد القوى في التأجيل، لقد كانت تركيا و ما تزال و بالذات في عهد أردوغان دائبة الإستغلال لهذه الإشكالية السياسية الحساسة، في اجتياز حدودنا معشر العرب على نحوٍ فيه الكثير من الإهانة لنا من ناحية، و بذات القدر للمقهورين من أبناء شعبها الذين طالما افتقدوا الكثير من استحقاقات العصر من ناحية أخرى، لتبنيها سياسات موغلة في الرجعية، حتى لقد حالت بينها و بين طموحها الرامي إلى دخول المنتظم الأوروبي رغم ما بذلته من الجهود و التنازلات، فظلّت دائماً في عداد الدول ذات الحد الأدنى من التحضّر و بالذات في مجال حقوق الأنسان، و من المؤكد أن إقدامها الحالي هذا و ما يُذكِّر به من عديد الممارسات السابقة سيزيد من رصيدها المتعلق بعدم الأهلية لولوج هذا المنتظم الأممي، الذي لا سبيل إليه دون التصالح مع المحيط و في إدراك قوي الوعي بأن الجمع بين المتناقضات في الأداء السياسي يستحيل استمراره و هو وإن أمكن بعض الوقت إلا أنه لن يكون كذلك طوال الوقت، و بالذات فيما يتعلق بالتطرف الديني أو الإرهاب كما هو المصطلح العالمي، فقد استفادت تركيا كثيراً من اللعب بهذا النشاط السياسي في أكثر من مكان حتى لقد رأيناها ترفع راية المقاومة و تحظى بما تحظى من الإشادة الأمريكية نجدها في واقع آخر تواجه الموقف النقيض حتى أن الحليف الأمريكي العتيد لم يعد يُخفي ما ينتوي القيام به لوقف ما تتبنى تركيا من سياسات في هذا السبيل فلم يعد متاحاً لها على ما يبدو سوى المراجعة الشجاعة لسوء ما انتهجته من سياسات و ما تسببت فيه من اخفاقات و هي تتخيل إمكانية الوصول إلى الدور الإيجابي من خلال تشجيع التطرف و إعادة إنتاج الماضي البعيد، حين كانت لتركيا العثمانية السطوة في البحار و الإعتماد على الحروب و الذي يُفترَض أنه انتهى مع بزوغ عصر القوميات و الذي ارتكز بالدرجة الأولى على التسليم بحق الأمم في تقرير مصيرها، و على تركيا بالذات أن تقبل واقعها كدولة شرقية لها خيط رفيع مع أوروبا في حدود مستجدات العصر و أن كل ما قضمته من جيرانها لا بُدَّ أن يعود ذات يوم، بل لعلها إن لم تراجع ما يجب أن تراجع فلا مناص من أن تُعامَل بمثل ما عاملت به غيرها من تشجيع القلاقل و إحياء الراكد من الفتن و أن العرب على ما هم عليه من التمزق و التطاحن و إن بلغ بهم السوء ما بلغ، فلا بُدَّ لهم من استنهاض البقية الباقية من عزائمهم لرفض كل ما يمت إلى الهزيمة بصلة و ما يمكن للعدوان أن يهنأ و لو قليلاً من الوقت، و لو على قطر يعاني سوء السياسات ما يعاني، فالأوطان باقية و الحكام مهما استمرت عهودهم سيغيبون ذات يوم، كما أن التعويل على الحروب المُفتَعلة و إيقاظ روح التعصب و درء الإحباط السياسي باصطناع الخطر الخارجي ليس بالضرورة هو الكفيل بتفادي الهزائم المترتبة على سوء الأداء و فساد المنهج و الإحتكام إلى التقدير السطحي للأمور و أخيراً إن ما اتفق عليه العالم بشأن حدود الدول و خرائطها منذ الحرب العالمية الأولى هو اليوم في حكم الثوابت، أما المغامرة بتصدير القوى المتطرفة و رعايتها بالدعم لتحقيق شيء في استعادة ما أنهاه التاريخ فليس أكثر من محاولة نطح الجبل بالرأس، فالرأس خُلِقَ للتدبُّر و ليس التجبُّر كما يتوهّم أردوغان. أما العرب الحقيقيين فليس أمامهم سوى مراجعة تاريخهم الذي لخصّه شاعرهم شوقي في بيته الخالد: لَوْلا دِمَشْـقُ لَمَا كَانَـتْ طُلَـيْطِلَةٌ


____________________________





لكي يحسبوا أن الهوى حيث تنظر

أمين مازن

6-10-2019


قد لا يتحرَّج المراقب السياسي الجسور لما تشهده تونس العزيزة من صراع، بين متخلف أطيافها السياسية مدفوعة بقواعدها المحلية من جماهير محتشدة، تحركها الحاجة و يشجعها الأمل، و انتلِجنسيا مُتحفِّزة، يدفعها الأمل و الطموح، و قيادات سياسية لها مرجعياتها المتنوعة، و خصائصها النابعة من المصلحة متعددة الأغراض، هي اليوم و أكثر من أي وقتٍ مضى، مفتوحة على أكثر من احتمال، إذ بعد أن عاقبت الجماهير العريضة القيادات التقليدية كافة في الجولة الأولى من الإنتخابات الرئاسية، و هي تمنح أصواتها للمرشح قيس السعيدي و هو يدخل المعركة من دون أي مساندة حزبية، اللهم إلا ما درج على تدوينه بشبكة التواصل، و يتلوه من ثم نبيل القروي نزيل السجن، فيكون سجنه هذا ربما من حيث لم يُقدِّرُ سجّانه الدافع القوي للذين فضلوا أن ينتصروا له على بقية منافسيه، ممن يُفترَض أن يكون فيهم من هو أكثر منه أهلية، فإذا بهم يتقهقرون جميعاً ليحتل المرتبة الثانية و هو وراء القضبان و يتواصل من ثم الإستعداد للجولة الثانية بالنسبة للرئاسة، و يشرع في معركة الإنتخابات النيابية التي سيخوضها القروي كرئيس لقلب تونس كواحد من الأحزاب التي انبعثت من رحم نداء تونس الذي جنى عليه الكثير من مؤسسيه و يحدوه الأمل بالطبع أن يحقق من الأغلبية ما سيجعله قريباً أكثر ممن سواه بالرئاستين أو إحداهما إن لم يكن بالأصالة فبالوكالة من دون شك، ما دام الحكم المستند للإرادة الشعبية فلا مناص أن يكون لكل ذي شعبية دورٌ فيه، لقد ثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن الرجل قد استفاد من سجنه الذي اقتضاه استقلال القضاء في تونس من حيث الرئاسة الأولى، و يؤكد أكثر من مراقب أنه سيكون أوفر حظاً بالإستفادة من هذا السجن، إن لم يكن بالفوز فبإمكانية الطعن في العملية الإنتخابية لما في بقائه داخل أسوار السجن و العملية الإنتخابية تجري، إن في شقها النيابي أو الرئاسي حالة ما لم تكن لصالحه، فإن شروط الطعن فيها أكثر استيفاء كما صرح رئيس الهيئة الوطنية للإنتخابات التونسية في معرض تحذيره من مغبة بقاء السيد نبيل القروي قابعاً في سجنه بتونس متهماً كما قيل بالتهرّب من الإستحقاق الضريبي، و على أسوأ الفروض بالفساد المالي، ليتلوه القائم بالرئاسة الجمهرية السيد محمد الناصر متخوفاً من المساس بمبدأ الشفافية و اللجوء إلى الطعن الذي قد يُدخِل تونس في ما لا تُحمد عقباه، مما لا يستبعد أن الكثير ممن يتحدثون عنه من بعيد و يعلون من شأن استقلال القضاء في تونس يعولون عليه في التخلص مما أفضت إليه الصناديق من نتائج لم تكن متوقعة، و من الصعوبة أن يقبل بها الذين استمرأوا الصدارة و بدا مؤكد خروجهم منها مما يعني أن كل سبيل نحو الطعون مضمونة القبول و ما تتكفل به من خلط الأوراق سيكون باب الأمل معه أكثر اتساعاً و لو على حساب استقرار الوطن الذي ما يزال مضرب أمثال في تجنبه لما ابتُلِيَّ به أكثر من قُطر سقط نظامه السياسي ضمن ثورات الربيع العربي، و ليس من المُستبعَد أن يحاول أكثر من طيف أن يسعى إلى الدخول من جديد من مدخل الفوضى الخلّاقة و إن يكن يدّعي غير هذا المسعى ليكون في حقيقته مثالاً لذلك الذي وصفه الشاعر في بيته الخالد عندما ترك هذا البيت المُعَبِّر

إِذا جِئتِ فَاِمنَح طَرفَ عَينَيكَ غَيرَنا *** لِكَي يَحسِبوا أَنَّ الهَوى حَيثُ تَنظُرُ





______________________

لِنَعِش بالتمنّي عل الأقل

أمين مازن

21-9-2018


مدد مجلس الأمن الدولي في جلسته المنعقدة بتاريخ الثالث عشر من سبتمبر مهمة البعثة التي يرأسها السيد غسان سلامة و مساعدته ستيفاني وليامز لسنة أخرى تنتهي في مثل هذا التاريخ بالسنة القادمة، محدداً عدداً من الأولويات التي حظّت على التوزيع العادل للثروة و إخضاع المؤسسات المصرفية و النفطية و الإستثمارية للمراجعة، و التحضير للعملية الإنتخابية المتعلقة برئاسة الدولة و سلطتها التشريعية، و القبول بنتائجها، في الوقت الذي يلاحظ القاصي و الداني أن لا صوت يعلو على صوت الرصاص و القنابل و القذائف و التي سادتها أخيراً الطائرات المُسيّرَة و تبادل الهجمات على الأماكن التي تنطلق منها، و الأطراف التي تتولى التزويد بها، بقطع النظر عن حجم الإعتراف بذلك، و حمل مسئوليته صراحة، مما يعني بكل الوضوح أن ما يُنسَب إلى المجتمع الدولي بصدد مسئولية الليبيين عن معالجة واقعهم قبل غيرهم، ليس أكثر من محاولة مكشوفة من هذه الأطراف لإخفاء ما تستشعره من المسئولية، لوقف هذا الخطر الماحق، الذي أفقد الليبيين و لا سيما الضعفاء منهم الأمل في أي مستوى من مستويات العيش الكريم الذي طال في الآونة الأخيرة رغيف الخبز، بعد أن التهم حليب الأطفال و التزامات دراستهم، و الضروري من علاجهم، و كسائهم، كما تشهد مجموعات المتسكعين من الذكور و الإناث في جميع شوارع المدن و القرى، طالبين الإحسان و ليس خلفهم سوى أكوام القمامة، إلى جانب أحدث السيارات التي يمتطيها المحظوظون و المحظوظات من الذين هَبِّت رياح سعادتهم في التمشيط أولاً و التخصيص ثانيا، فلم يعودوا يقبلون ما سواء وسائل النقل مدفوعة الثمن بمائات آلاف الدنانير شاملة ما لاحصر له من الحاشية المؤلفة من الأبناء و الأصهار و المساعدين و بالكاد بعض العاملين في السلك الحكومي مما بحَّت عن التنديد به حناجر القائمين بالمراجعة على ما يعتري بعض أدائهم من تنديد الذين طالما رأوا فيها ما يكيل بأكثر من مكيال، فغدا وفق هذه المفارقة غير جدير بما ينبغي له من الإهتمام و الحاجة المُلِحَّة للتوضيح أو التصحيح أو الإعتذار مما يتوجب معه حالة وجود النية الحقيقية لدى المجتمع الدولي لإنقاذ العامة من الليبيين من هذا المستنقع الذي انحصرت آثاره السيئة فيهم وحدهم أن يُصار إلى اتخاذ جملة من الخطوات الحاسمة التي تخرج بما قيل عن مجرد التمنيات إلى الصيغ الفعلية التي تجتثّ البؤس من جذوره، و ذلك بتحديد مخرجات تنفيذية تبدأ من التوزيع العادل للثروة بوضع أسقف للصرف من حيث قيمة البنود و طرائق التصرُّف و ضمان النزاهة بما يضع حداً للتبذير و سوء استغلال الحرية و السيادة و ما إلى ذلك من الشعارات التي لم تكن أكثر من مبرر لإدمان المظالم و التحيُّز و الطلاق الدائم للضمير، في كل ما يتعلّق بشئون الناس، مالياً و سياسياً و أمنيا، مما يجعل من التدخل المُتوقَع سبيلاً لتحقيق التوازن، و وضع حد لكل من يتخذ من الشهرة لابتلاع كل من لا شهرة له، فيُحال أولاً دون استئثار بعض الأطراف بجميع مصادر القرار لما في الإستئثارمن الإستفزاز، ما بالك و الإستئثار يقابله حديث عن انعدام الأمانة و صمت من جانب من يعنيهم الأمر تجاه ما يُنسَب إليهم من فادح المخالفات و رديء التجاوزات، و بذات القدر الإسراع بتعديل ما يجب تعديله حول مسودة الدستور المُعيبة، و بالأحرى العدول عنها بتعديل الإعلان الدستوري للذهاب إلى العملية الإنتخابية المُنتظرَة و معالجة مشكلة الإنقسام المُرْبِك بترتيب بديل يستفيد من البدايات الأولى للدولة الليبية و التعاطي مع النفوذ الدولي الذي رافق تلك المرحلة و حكم الكثير من سياساتها و عالج مشكلة فقرها و هو توجُّه لن يُحرج الجانب الأمريكي ممثلاً في المساعدة المحترمة من القيام بدور أكثر حزماً في فوضى انتشار السلاح، و ما تناقلته الدوائر المأذونة حول الفساد المالي، المرتبط بعديد المسئولين الليبيين و ما يبذلونه من مساعي محمومة نحو مجموعات الضغط الأمريكي أملاً في كسب تأييدها و الذي لا سبيل إليه مع هذا النهم المخجل تجاه المال العام و السلطة المُسخَّرة بالكامل لسيء الإستغلال، مما يجعل من التمديد للبعثة الأممية لسنة قادمة ما يُبقي على شيء من الأمل نحو خطوة أكثر جدوى من مخاطر البداية الجديدة لو لم يتم التمديد، فسنة مع ضئيل الأمل أفضل بدون شك من سنة ليس فيها سوى شر البداية و التي لا عائد منها و لا مردود لها، و لا مُنقذ سوى تجميد التعامل الدولي مع السلطة الليبية خارج الحدود، توفيراً للمال العام الذي يُنفَق في المهام على نحوٍ صار حديث جميع المراقبين من ناحية، و زاد من فرص استمرار الإنقسام الهدام من ناحية أخرى، فبات من أوكد واجبات كل ذي رأي مسموع أن يرفع عقيرته مُتبنّياً مثل هذه الدعوة، و التي لم نجد مفرّاً من التصريح بها، عشية التمديد لمهمة البعثة الدولية مرفقينها بخالص الترحيب، بعيداً عن أي دافع خاص، اللهم إلا كونها الأقل ضراراً لما تعانيه بلادنا و هي تتجرّع أمرّ كؤوس الآلام من أبنائها المتسابقين على الإضرار بها معتقدين إمكانية التنصّل ريثما يُفاجأوا ذات يوم بأنهم في الدرك الأسفل و كل ما يُنبئ بانعدام الأمل و لِنَعِش بالتمنّي على الأقل. انتهى


_____________________________




معركة الرئاسة التونسية في انتظار جولة ثانية

أمين مازن

18-9-2019


أفلحت الدولة التونسية في إنجاز الاستحقاق الانتخابي الرئاسي المبكر، الذي أملاه شغور قصر قرطاج، برحيل الأستاذ الباجي قايد السبسي الرئيس المنتخب، و الذي كان قد قرر سلفا عدم خوض معركة الرئاسة من جديد وسط أقاويل غير كريمة باتهامه بالحرص على البقاء و السعي لاستخلاف ابنه حافظ فإذا بهذا الأخير أيضا يعلن امتناعه عن خوض أي معركة من المعركتين سواء نحو قرطاج أو القصبة خلافا لعديد الأسماء التي اتخذت من تألقها سبيلا لزيادة التشرذم السياسي و الطموح الذي أفسد عليهم ما بنوه و بالأحرى استسهلوه لتحل بهم الخسارة من حيث لم يحتسبوا بل و بما ينذر بأن النتائج النيابية قد لا تكون كذلك، لما يشي به تقدم مرشح حزب قلب تونس و كذا نسبة الانتخابات البلدية التي سبق أن لفتت أنظار عديد المراقبين، لما يضطرم في تونس من صراع، أولئك الذين لم يستبعدوا مثل هذا التحول و بالأحرى الخسارة التي أنذرت بكل قوة، أن نسبة هؤلاء المقترعين ماتزال مدعوة إلى مزيد التأمل و مزيد الواقعية، من أن الأغلبية الصامتة لن تبقى صامتة إلى الأبد، و لن تظل شماعات المعتاشين على الدولة الوطنية حكما أو معارضة "المجال المناسب" أو لنقل الأجدى للحضور الفاعل نحو ثقة الشعب و التي طالما سخروها لمصالحهم العاجلة و استثماراتهم الآجلة على مختلف الصعد، عندما ينطبق عليهم القول الخالد إزاء كثير مما ينهون عنه و ينأون عنه، ذلك أنهم ما لم يسارعوا إلى فعل ذلك فليس أمامهم سوى المزيد من الخسران، و المزيد من القلاقل، التي لن تعدم من يبذل في سبيل الدفع إليها كل ما يملك، لقد بددت هذه النسب التي أعلنت قرين كل اسم من هؤلاء المتنافسين اوهاما كثيرة و صححت حسابات أكثر تبين من خلالها حجم المتغيرات و ما ينتظر أيضا من حاسم المواقف مما يجعل كل تحجج بالطعون و إعمال لسلطة القضاء، ليس أكثر من فتح أبواب القيل والقال، بل و إحراج لهذه السلطة العتيدة في هذه الدولة الأنموذج، و التي يراهن على استقرارها و علو شأن القانون فيها كل متطلع لنمو مفاهيم المعاصرة و المضي نحو تأسيس الدولة المدنية، و ما تحقق لتونس بواسطتها من الاشعاع الحضاري، و التطور السياسي، الأمر الذي طالما ازعج دعاة السكونية و أعداء التجديد، أولئك الذين لم يترددوا في تكدير صفو هذا البلد، أولئك الذين لا يستبعد أن يكون تلويحهم بالتشكيك في صحة إحصاء الأصوات و ربما أمانتها على وجه التحديد بداية لما تسعفهم به قدرتهم على تعويق هذه العملية الانتخابية المخيبة لأمال كل الذين خسروا المعركة عن جدارة عسى أن يتمكنوا من جمع صفوفهم لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، و بالذات من جاء ترتيبه الثاني خاصة و أن الذين سارعوا بممارسة مهامهم السامية أن يتجاهل الاستقالة التي رافقت الترشح أو التخلي عن ممارسة ما يناط بهم مما رأى فيه البعض ضربا من ضروب الالتفاف أو العرقلة أو أي شكل من أشكال ردة الفعل. غير أن ما أظهره رجال الأمن و مثلهم الجيش و الأعوان من حرص على توفير أقصى درجات الرعاية، لما يؤكد أن الطريق شبه مسدود على كل تصرف غير مسئول و إن تحرك التنظيم النقابي للشرطة يعني أن هذه القوة ليست فقط أداة من أدوات الإكراه بل قد تكون جاهزة لشق عصا الطاعة في سبيل المهمة الأكبر المتمثلة في احترام نتائج صناديق الاقتراع خاصة و أنها قد جاءت بمن توفرت فيه أهلية التعليم و العمل و الترفع عن التجمعات غير المبرأة من الشللية و التعالي و قصر النظر الذي يتجاوز الذات و يحترم قول ذلك الحكيم القديم و هو يقف أمام أحد محدثي السلطة حين لم يزده مع مصافحته بيد لا شك أنها لم تُتَدنَّس بما طالما دَنَّسَ الأيادي (لو دامت لغيرك ما آلت إليك) و عاد مسرعا من حيث أتى تاركا قوله الذي يخشاه كل ذي نظر. انتهى


__________________________





تونس و تعزيز الأستقرار

أمين مازن

9-9-2018


سارع المتنافسون على تبوء مقعد الرئاسة التونسية في مقعد قصر قرطاج، كل حسب الطيف الذي يمثله للشروع في المعركة الانتخابية دونما انتظار لموعدها الرسمي، كالقائمة النهائية بأسماء المعتمدين لخوضها قانونيا، من المفوضية العليا للانتخابات، فمن طرفٍ وجد فرصته في الاشتباه القانوني، الذي قد يتكفل بالإقصاء عن طريق الحجز على ذمة المحاكمة إلى آخرٍ يتخذ من محاولة الإقصاء هذه مناسبة لتلميع صورة طيفه كمحترم للقانون مشدداً على الإعلاء من شأن القضاء خلافا لما كان يقول منذ سنين و هو يكابد نيران المنفى و آلام الهجرة، إلى عائدٍ من السفر يوظف إجراءات الجمارك و ردات فعل البعض، و التي قد لا تخلو من المبالغة و شبهة تصفية الحسابات، إلى ثالثٍ يوظف هذه مجتمعة و كذا اختيار الأكثر ديناميكية كالخوض في موضوع الإسلام السياسي مع الأطراف الأوروبية الأبعد تقليديا عن تونس و الزج بالفضاء الليبي كرصيد جديد يمكن أن يدفع الإيطاليين على سبيل المثال لتقديم ما لديهم من دواعي الانحياز و لئن كانت المطاردة القضائية التي تعرّض لها نبيل القروي على سبيل المثال كأحد المرشحين المثيرين من حيث احتيازه لفضائية قناة نسمة الشهيرة و التي تعرضت سابقا للحجب بواسطة القضاء و ما دأبت عليه عبر تاريخها من تناول الكثير مما أحرج السلطة من بين ما غدا ينذر المناخ السياسي التونسي من اشتداد ضربات ما تحت الحزام في المعركة المنتظرة، فإن ما ذهب إليه ناشط مثل حافظ السبسي من إمعان في الاحتكاك مع أقرب المقربين إليه منذ سنوات و ما أنذر به من اتساع الخرق بين الأطراف المتحسسة من الخصم الأصولي و ما يحظى به من دعمٍ قد يمكِّن من كسب المعركة في جولتها الأولى فلا تبقى الفرصة التي قد يراهن البعض على إمكانية استثمارها لكسر شوكة التيار الحداثي الذي وجد في النداء و بالأحرى في قايد السبسي أنسب القادرين على مقاومة ما استشعروه من خطر الإقصاء الممنهج و الذي كثيراً ما تجاوز المنافسة على الحضور السياسي إلى الحضور الحياتي فكان أن تمكن ذلك المناضل الماهر من ترجيح كفة الرافضين لتيار الجمود، و الذي وجد في ما اصطُلِح على تسميته ترويكا ضالته عندما استطاعت النهضة الفوز بنصيب الأسد في كل شيء بتونس ما بعد الزين، فإذا بالنداء يعيد التوازن المطلوب و قد شاءت الأقدار أن يقترن قرب ترك السبسي لموقعه و إعلانه عن عدم الترشح مع رحيله من الحياة فيودعه الجميع في موكب سادته الموضوعية و الإنصاف و الاعتزاز بقيمة الرجال، و كان ذلك بعد أن أعلن صراحة عن مشروعه الكفيل بالإبقاء على تونس طبقا لما اختار لها الطاهر الحداد و فرحات حشاد و الحبيب بورقيبة و الطاهر بن عاشور، ممن انحازوا دوماً للدولة المدنية بأصدق معانيها و أوضح سياساتها كهمزة وصل بين العرب و أوروبا و بوابة من أكثر البوابات أمنا نحو الشمال الأفريقي و الجنوب الأوروبي، و في خصوصية طالما كانت مثار إعجاب و تقدير العالم، و إذا كان بعض السياسيين التونسيين الذين شاركوا في الانتخابات الرئاسية التعددية التي قررت سلفا للسيد زين العابدين بن علي فوصفوا بالمرشحين من أجل الخسارة و ليس الفوز فإن الكثير من الذين سارعوا لخوض المعركة الانتخابية التونسية الحالية حرصا على أن يكونوا ضمن قوائم الذين تقدموا لرئاسة تونس في سجل التاريخ فإن الكثير منهم سيطلق عليهم المرشحين لقوائم الخسارة و تسهيل الترتيبات العالمية لحكم تونس و ما يراد لها من دور و ما قد ينوبها من عائد و من دون إغفال لما يتوفر عليه الشارع التونسي و اتحاد الشغل التونسي من قدرة على التصدي لأي محاولة تسعى لإقصاء الشركاء و الاستئثار بالبلد في غفلة كما لوحظ على الترويكا حين أُكرهت على التراجع و القبول بالعودة إلى صناديق الاقتراع و قطع الطريق على كل من يتخذ من التشرذم سبيلا للحكم و الغدر بالمزاج العام للأغلبية التي لها من الانتخابات المبكرة ما يشرعن أي تصحيح صريح و صادق و ضامن للاستقرار، و بتر كل يد تتخذ من المال الفاسد محققا للكسب الانتخابي الذي يتحول إلى ولاية أبدية. انتهى


__________________________




ما يجمع بين أمريكا و إيران أكثر مما يفرق

أمين مازن

3-7-2019


تجنبت اﻷزمة السياسية التي استفحلت في السنوات اﻷخيرة بين الوﻻيات المتحدة اﻷمريكية و جمهورية الملالي درجة الوصول إلى المواجهة العسكرية جراء ما تناقلته اﻷنباء عن المشروع النووي الإيراني إلى المستوى الذي صار فيه مهدداً ﻷمن الوﻻيات المتحدة و ما من أمل في ردعه، وفقا لهذا التقدير، سوى اللجوء إلى الكابح العسكري، و قد جاء هذا التجنب عقب حالة إقناع ليست هينة مفادها أن الخيار العسكري أقرب مما عداه، كما ظهر تأثيره على أكثر من صعيد مالي تحديداً، إﻻ أنه ما لبث أن بدا أكثر بعداً، فبات واضحاً أن ما درج بعض اﻷمريكان على توكيده بين الفينة و الفينة من أن إسقاط النظام اﻻيراني بقوة السلاح ﻻ يأتي ضمن أولوياتهم، ليس مجرد كلام يقال، و إنما هو ثابت من الثوابت لدى هذه القوة السياسية منقطعة النظير و التي تنيط شئون علاقتها مع أي دولة من دول العالم، بشعبة من الشعب كثيراً ما تطلق عليها سمة القارة في الخارجية اﻷمريكية حيث توضع السياسات النهائية و التي ﻻ تؤثر فيها أي تحركات تكتيكية مؤقتة، إذ كثيراً ما تندغم الديبلوماسية مع اﻷمن بعد تصفية المعلومة و أخيراً التقدير الواعي للمصلحة. و إذا كان الكثيرون قد عراهم شيء من اﻹحباط وهم يفاجئون بهذا المتغير فلا شك أن آخرين منهم ،و هم كثر أيضا، لم يستغربوا هذا التحول بل لعل بعضهم قد توقعه لعلمهم أن القرارات اﻷمريكية المركزية من حيث انطلاقها من المصلحة فإن المواقيت حولها ليست ثابتة و كثيراً ما تتأجل أو تُرحَّل أو تستبدل و ﻻ سيما للدول التي تدخل ضمن المساحات الخضراء في جغرافية العالم و تقسيمات الدول الصغيرة و البث في الكثير من شئونها، أرادت أم لم ترد، و طُلِبَ ذلك منها بصراحة وقحة أو نصيحة مبطنة، و في هذا الصدد فإن كل من يجهل دور ايران في هذا السياق فلا حرج من وصفه بجهل أبجديات السياسة، كيف ﻻ و هو الدور الذي وُضِعَت خطوطه العامة عشية إقدام الدكتور مصدق الفائز بانتخابات 52 على تأميم البترول اﻷمر الذي رفضته بقوة الشركات الغربية و من خلفها من قادة الحكومات الغربية، و يومئذ لم تلجأ الدول الغربية إلى أسلحتها المختلفة و هي تستنفر قواتها كما اعتقد الكثيرون، و لكنها عمدت إلى مقاطعة ذلك اﻹنتاج الضخم ليبقى حيث هو و يحدث تلك الأزمة ريثما تحرك الجنرال زاهدي ليطيح بمصدق و حكومته و يقود أكبر عملية تنكيل بالقوى السياسية التقدمية، فيما تتقدم القوى الدينية هي اﻷخرى ﻷكثر من دولة مجاورة فتختار التنقل بين أكثر من عاصمة أما الإمبراطور فكان له من التجربة ما حدا به إلى العودة المتشحة بكل شروط الطاعة للإمبراطورية اﻷمريكية الصاعدة و الوريثة الجديدة للإمبراطورية العجوز بريطانيا و هي تستعد للإنسحاب من شرق السويس و ما كان يعرف بفضائها الطبيعي، ليكون الإمبراطور على رأس الداعين لحلف بغداد المرفوض من معظم القوى الوطنية و القومية حيث الزعامة الناصرية المعروفة برفض التبعية و المعادية بقوة للعروش التي بدا أن الزمن لم يعد لصالحها خاصة حين ﻻ يوجد من يستمع لنصيحة أمثال الشاه و التي لم يبخل بها عن العراق حين ثبت له ما يبيت للملك فيصل فحاول أن ينصحه و هو بزيارته لتركيا مقترحا على خاله اﻷمير عبد الإله عدم العودة خشية أن يلقى ما لقيه في يوليو 58 كما ذكر تقرير قنصوة في مذكراته التي اصدرها عقب رحيل الشاه و ثبوت التواطؤ اﻷمريكي لتبقى مهمة ايران حيث هي إزاء العرب و ما اقتطعت من أرض العرب سواء يحكمها الشاه، أو يؤمها الخميني و من خلفه من الملالي، فليس بدعا و الحالة هذه أن يتجنب الطرفان اليوم العمليات العسكرية و الخلاف يبلغ أقصى درجاته أو أن يؤكد الجانب اﻷمريكي رفضه لمبدأ تغيير نظام الحكم اﻻيراني، و ما ذلك إﻻ ﻷن وجود ايران الموحدة ضرورة من ضرورات التوازن في الشرق اﻷوسط كما أن قدرتها على القيام بدور ملموس في ما يدور من صراع و يطرح فيه أكثر من مخطط، يمثل بمجمله أولوية من اﻷولويات اﻷمريكية، لسبب بسيط هو أن ما يجمع بين أمريكا و ايران أكثر مما يفرق سواء و هي تُدار بعرش الشاه محمد رضا بهلوي باﻷمس أو حكم الملالي اليوم أو أي طيف جديد تمليه ضرورات التغيير و تحدد نوعيته المرحلة و وضع عليه في أطلس العالم اسم إيران أو أُشِيرَ بكلمة فارس.


___________________________





لم يرعوِ اوردغان فخسر و ليس له غير أن يخسر

أمين مازن

26-6-2019


أسفرت اﻻنتخابات البلدية التركية في دورتها المعادة عن خسارة حزب الرئيس التركي اوردغان في مدينة اسطنبول العاصمة التاريخية باﻷمس و اﻻقتصادية اليوم وسط احتفال شعبي واسع و اعتراف صريح بالخسارة، تلك اﻹعادة التي سعى اليها قضائيا هذا اليائس المهووس بإعادة دور تركيا في الوطن العربي تعويلاً على قوى سياسية قد ﻻ تكون شروط تقدمها الصفوف متاحة باستمرار. و لم يكن دافعه أي اوردغان لخياره ذاك سوى إحساسه بأن الخسارة تنذر بخسائر أكبر، على قاعدة أن اﻵتي يقاس حسب بعض المفاهيم بالماضي. و كان بعض الذين استوقفتهم و ربما سرّتهم أيضا خسارة اردوغان المذكورة قد شككوا في إمكانية استفادته بالتوجه الى المستقبل، بأن يتحرك انطلاقاً من المحيط بما يفيد أنه قد يكف عما تسببت فيه بعض ممارساته الدالة على اﻹغراق في وهم بسط الهيمنة، و إخفاء الحلم باستعادة السلطة تحت عناوين التنمية و العدالة و غيرها من اﻷساليب المتمثلة في حشد الوكلاء التجاريين لترويج الصناعات المشتركة و باﻷحرى التجمعات اﻻستهلاكية و المشروعات السياحية التي ﻻ سبيل ﻻزدهارها إﻻ بدفع القوى المتشددة في أكثر من بلد عربي ذي تاريخ و حضور كي تزيل منشآتها الوطنية بقوة السلاح على قاعدة أن الله يزع بالسلطان ما ﻻ يزع بالقرآن فلا تبقى سوى منشآت اوردغان التي طالما أمها تقاة هذا الزمان فينعمون بكل ما لذ و طاب من ارباح ما أفاءت به رياح الربيع العربي على الطيبين من اﻷتباع و هيأت من المؤسسات القادرة على جيد التأمين و حسن اﻻستثمار، أولئك الذين طالما احتكموا لما اجتزؤه من القول الخالد (أحل الله البيع و حرم الربا) و اﻻكتفاء بأداء فريضة الزكاة و نسبتها المالية المعروفة و ليس ضرائب الدخل المقدرة على صافي الربح و المتسعة ﻹعفاء كل أفعال الخير من مشاريع و تبرعات و مساهمات مهمة مما تواضعت عليه جميع اﻷمم الراقية من استحقاقات اﻻقتصاد الحر المحتكم الى القاعدة القائلة لكل حسب جهده و من ثم حسب قدرته تلك التي حققت أعلى مستويات النمو و اتاحت أوسع فرص اﻻستفادة و أعلت من سلطة القضاء عند الخلاف في التقدير فاستحقت صفة الدولة المدنية عن جدارة، و ليس المغالطة التي تفسر عبارة المدنية بالرئاسة و ما في حكمها مما لم يهمله عديد المراقبين الذين حددوا الدولة المدنية في نوعية السلطة و طرائق التشريع و النظم و اﻻحتكام الى ما أنجز المجتهدون بشأن العقوبات و استحالة وجود الحاكم الذي يطمأن اليه في إقامة الحدود و ما قيل عن وجوب درئها بالشبهات، مما شاع في أكثر من قطر من أقطار وطننا العربي و ﻻ سيما تلك التي عمّها الربيع العربي حيث كان الهم اﻷكبر الظفر بالسلطة من خلال المحافظة على المظاهر و ليس الجوهر، اﻷمر الذي طالما سقط مع أول تجربة عملية كشفها مذهب التمكين المعروف، ذلك البارع في شيطنة الجميع حالة ما يظهر منهم أي رأي مخالف. بينما يظل فتح الله غول رابضا في منفاه انتظاراً لعملية إنتخابية ﻻ بد أن تتحقق شروط نزاهتها و مراقبة العالم لحريتها، و ها قد ظهرت بشائرها مع إعادة انتخابات البلدية و سقوط حزب اوردغان من جديد و صدق القوة التي شككت منذ أشهر في استحالة توصله بالدرس فنراه يكرر الخسارة و يؤكد لكل متابع حصيف ما اخترناه عنوانا لهذه المقاربة خسر اوردغان فلم يرعوِ و ليس أمامه إﻻ أن يخسر و يخسر. انتهى


__________________________




عسكريو السودان و كلمة التاريخ

أمين مازن

7-6-2019


لن يستنكف المتتبع لما يحتدم في السودان من صراع لا هوادة فيه، بين مختلف القوى أن يوضع في قائمة ذوي الأحكام غير العادلة، و ربما المتحاملة، إذا وصف العسكريين السودانيين في عداد المتشبثين بالسلطة، أو المصرين على الإنفراد بها، دونما مراعاة لحقوق بقية الفرقاء، ممن كان لهم دورهم الحاسم في ترجيح كفة خيار الإستقلال، بدل البقاء تحت السيادة المصرية، حين كان العرش العلوي في مصر، و بالإتفاق مع بريطانيا بالطبع التي حكمت القطرين تطلق على كل من يعتليه لقب ملك مصر و السودان، تلك الصفة التي كان آخر من نطق بها أو وقّعَ تحتها تاريخيا؛ الملك فاروق، وارثاً لوالده فؤاد الأول الذي لُقِّبَ بالملك بدل السلطان أو الخيديوي، و ذلك في وثيقة التنازل عن العرش و التي وقعها فاروق بناءً على رغبة الجيش كما تحدثت وسائل الإعلام التي تابعت و وثّقت لذك الحدث المفصلي في تاريخ مصر خاصة و الوطن العربي عامة، حين تمكن من إنجازه أبناء الطبقة الوسطى من أبناء الشعب المصري و هم يلجون أبواب المؤسسة العسكرية الموصوفة بالجيش إثر معاهدة 1936 التي أبرمها مصطفى النحَّاس مع بريطانيا، فأعطت ضمن ما أعطت لأبناء هذه الطبقة، فرصة دخول الجيش و بالتحديد كلية الضباط ليجدوا الفرصة في تشكيل خلاياهم السِرّية للإطاحة بالعرش لما وضعه من الموانع أمام ما امتلأت به عقولهم من التطلع نحو التحرر، فيكون صنيعهم قدوة لعديد الجيوش العربية و من بينها جيش السودان الذي وجد ضالّته في الفريق إبراهيم عبّود مُحاكٍ للتجربة المصرية عقب قيام الحكم الوطني مباشرة، إلا أنه كان أكثر حياءً عندما لم يتحرّج من التخلي عن الحكم أمام خروج الجماهير إلى الشوارع منادية برحيله، ليستلم الحكم سر الختم خليفة، و يجري الإنتخابات التي ما لبثت أن هيأت الطريق لجعفر النميري فيعيد الإستبداد من جديد، فإذا ما قُدِّرَ للمختلفين معه و الرافضين لنهجه أن يطيحوا به و يحول حياؤهم دون إعدامه، فما كان من الذين أدركوا خطورة ما أقدم عليه أولئك الراحمون من تبنّي سياسة التسامح على مخططاتهم المتعلقة بالمنطقة ككل إلا أن سارعوا بإنزال الطائرة القادمة من لندن بمطار طرابلس و القدوم بالقوات من أكثر من جهة ليعود النميري للسلطة و يقوم بدور المحلل لتلك المذابح غير المسبوقة و يخرج السادات بلباس الماريشالية و يعلن أن ما جرى أكد أن اتحاده الثلاثي، له أنياب و مخالب، ليبقى النميري نعم الحليف الذي لا يعصي أمراً و لا يعارض منكرا، فإن تعذّرَ الإبقاء عليه حاكما، كان له في منفاه المصري نعم العوض و يكون الطريق أمام البشير غايةً في المواءمة للعقود الثلاثة ريثما جاءت النهاية من أقرب الأقربين، و يلوح أن ما جرى ليس أكثر من استراحة الحارب، و أن الإلتفاف قاب قوسين أو أدنى، و يتضح بما لا يدع مجالاً للشك أن الخلاف حول مجلس السيادة و الإصرار على أولوية الشريعة في الدستور المنتظر ليس أكثر من سلسلة الذرائع المنتظرة، أما الحديث عن المحرمات التي ضُبِطَت و تُضْبَطْ في أماكن الإعتصام فهي الخطوة الأولى نحو حضر هذا النوع من النشاط المتاح للإنسانية كافة، و أن كل تضييق على القائمين به يرتقي إلى مستوى الجرائم المحضورة في كل الشرائع و الأعراف و القوانين، مما يبقي الأبواب السودانية دوماً مفتوحة أمام هؤلاء العسكريين الذين لم يزعجهم سوى سوار الذهب الذي مثّلَ الإستثناء في القاعدة، و كلما ازداد عدد الوصوليين و تنوعت أساليبهم و فنون مكرهم و بات جلياً سوء منقلبهم و حقّت عليهم كلمة التاريخ. انتهى


____________________________



لن يعجز المواطن التركي عن الرد المناسب

أمين مازن

13-5-2019


تناقلت الأنباء في الأيام الماضية، قرار المجلس الأعلى للإنتخابات التركية إعادة الإقتراع المتعلق ببلدية اسطنبول بمقتضى طلب تقدم به حزب أردوغان إثر خسارته منذ أيام، و بعد شغله إياها لعقدين من الزمن، و من طرف أردوغان شخصياً و الذي ارتقى من خلالها لرئاسة تركيا، لقد كانت العقلانية، لو وُجِدَت توجب عليه أن يرعوي كما عَلّقنا هنا فور إعلان النتيجة لهذا السياسي الذي مَثّلَ ظاهرة غير عادية في الوطن العربي، قوامها هذا القدر من الشوفينية العثمانية التي جسّدها في التعصب على المُكَوَّن الكردي الذي ما انفكَّ يضيق ذرعاً بسياسات أردوغان بما لم يخفَ على المراقبين الذين أزعجتهم هذه الروح غير المريحة لكل سكان المحيط لما توحي به من إصرار أردوغان على التمدد و توسيع مفهوم الأمن التركي إلى التدخل في شؤون جيرانه دونما استثناء و لا سيما العرب، و نظمهم الراغبة في توكيد الحضور المختلف عند المفهوم التركي، و المنطوي على روح لا تخلُ من التعالي المضحك على العرب، و لغة العرب، و تحميلهم ظلماً و عدواناً سبب تخلّف الأتراك، فلا تتردد في التنسيق مع أكثر من طرف مجاور و لا سيما الفرس و حتى اليهود، و هي الروح التي جسّدها رفض أردوغان للنتيجة المشار إليها، و الطعن فيها على أكثر من صعيد قضائي، فرُفِضَت مجتمِعة، بحيث لا يتم قرار الإلغاء إلا بتأثير السياسة، كما صرّحَ الحزب الفائز و المُصر على خوض المعركة المنتظرة و في ثقة من تجدد الفوز، و مع التسليم بأن لكلٍ مبرراته و مثل ذلك أسباب قبوله، إلا أن اعتبار نسبة الثلاثة عشر ألف صوت التي مثّلت الفارق ضمن أسباب التشكيك و وجود عدد من المراقبين غير الموظفين مدعاة للطعن في النزاهة، إلى جانب الزج بفتح الله قولن في كل شيء، و وجود أكثر من مائتين و خمسين ألف بسجون تركيا، تمثل مجتمعة طعن في صدقية أردوغان إزاء الديمقراطية و القبول بنتائج صندوق الإقتراع و أخيراً الخشية من انتقال هذه العقلية نحو أي معركة انتخابية قد تشهدها دول المحيط و لا تقف منها تركيا الرسمية موقف المتفرج و يغدو التأثّر و التأثير من الأمور المُسلّم بها خاصةً و أن الموقف الرسمي التركي تجاه المحيط كثيراً ما أعطى الأسبقية لغير العرب، أما البحث عن الشواهد من خلال الأحداث فالحق أنها أكثر من أن تُحصى، و يكفي أن نتذكر هنا أن تركيا هذه بما عُرِفَ عنها في العقود الأخيرة من التوجه الذي بلغ ذروة مردوده في بقاء أردوغان لهذه الفترة التي صارت ليست قصيرة على رأس السلطة بتركيا و تَمكُّنُه من فرض الحكم الرئاسي الإستبدادي كثيراً ما كانت محصلته لغير المصلحة العربية، و في معارضة ملحوضة لكل ما يضمن التعاون المُثمر مع دول المحيط، بل و ربما أَشّرَ إلى كل ما قد يدفع إلى التصادم، الأمر الذي لا نَشُك أنه كان وراء خسارة أردوغان التي قابلها بالطعن و عديد الضغوط، و لن يكون له لاحقاً سوى المزيد من الرفض الشعبي و الإصرار على ذات النتيجة إن لم يكن بما يضاعف نسبة الخسارة، أما انهيار الليرة التركية أمام عملات العالم لمجرد صدور القرار موضوع الإنتخابات و ما ارتبط به من مؤشرات التدخل السلطوي و ما ينذر به من وخيم العواقب على الإقتصاد، فمن المؤكد أنه سيفضي إلى مزيد الإنهيار في شعبية هذا السياسي المهووس بهاجس السلطة التي لم يعد لها من مكان سوى دور المحفوظات التاريخية التي حفلت بكثير الأخبار التي ليس خارجها الإستيلاء على الإسكندرون من سوريا، و التنازل عن ليبيا لإيطاليا بالأمس، و ارتكاب ما لا حصر له نحو العراق و سوريا اليوم، و ما خفي كان أعظم، بالنسبة لما يتحمل التأجيل إلى ظروف أكثر من ملائمة للنظر الكفيل بترسيخ المشترك و ليس ما يقطع كل أسباب اللقاء. و لن يعجز المواطن التركي في النهاية عن الرد المناسب على أردوغان، و سَيِّئ أدائه داخل الدولة التركية و المحيط المرتبط بها على أي مستوى من المستويات.


__________________________



لكي يذهب البشير النهج و ليس الشخص

أمين مازن 

17-42019


أُعلِنَ في السودان عن تشكيل مجلس عسكري لِتولِّي حكم هذا القطر متعدد الهويات و المكونات، و قد جاء ذلك في غضون انتفاضة عارمة، قادتها القوى السياسية المدنية السلمية التي عمّت البلاد منذ أسابيع، أصرَّ الفريق عمر البشير الذي انفرد بحكم السودان لثلاثة عقود، بدأت بإنشقاق البشير عن السيد حسن الترابي حليفه في الإطاحة بالسيد الصادق المهدي الزعيم الشعبي التقليدي المتجذر شعبياً بحكم النفوذ الأُسري في الطائفة الختمية من ناحية و مهارات السيد الصادق و قدرته على المناورة من ناحية أخرى، عندما جاءت به الإنتخابات التي أُجريت عقب التخلص من سيطرة النميري، و قد كان من المفروض أن يتم المحافظة على ذلك النهج باعتباره الأقدر على صون التوجه الرامي لحفظ وحدة السودان و بالحد الأدنى من الديمقراطية و التقليل من أسلوب تغليب القوة، لولا أن غَلَبَت نزعة التفرّد ليُزاح الترابي قبل موته عن الحكم و يستمر البشير مع انقسام السودان من إقليمين إلى دولتين، و يبقى البشير في الحكم وسط جملة من المواقف و الممارسات، تلك التي كان من نتيجتها أن طُلِبَ من الجنايات الدولية للمحاكمة، لتحول المصالح و التحالفات، و القدرة الشخصية على انتقاء المسالك الآمنة. ظلَّ الطلب الدولي حبراً على ورق، فرأينا البشير يحضر أكثر من تجمع دولي، و يرشَح أن الإدارة الأمريكية وراء غض العين عن رحلات الطيران، دون إهمال الوسيط الخليجي الراعي لموروث الآيديولوجية الجامعة بين القومية العربية و الإسلام، تلك التي عرفها التاريخ السياسي المعاصر منذ ستينيات القرن الماضي، و تمظهرت في قدرة الجمع بين تركيا و إيران و قطر و عُمان و ما عُرِفَ عنها من تنسيق بين عديد القيادات المتصفة بالمعارضة لأنضمة بلدانها على قاعدة من التميّز الذي حقق لها حضوراً دولياً ملحوظاً خلع عليها الكثير من حُلل التبجيل أينما حلّت مدعُوَّة أو شريكة في هذا المنشط أو ذاك، تلك التي أوجدها الصراع المحتدم على أكثر من صعيد و بأكثر من مؤثر، كثيراً ما كان البشير في خضمه و سبباً رئيسياً في إطالة عمره حين كان من القِلّة التي لم تعصف بها رياح الربيع العربي حتى كانت هذه المرحلة التي جاءت باهتزاز أكثر من نظام فيكون البشير في المقدمة و في استهداف شاركت فيه جميع الفعاليات المكونة للنُخَب التي تمثل -حين تُقَدَّر حق قدرها- أفضل العينات الدالة على حقيقة الرأي العام السوداني، بدليل إصرارها على التعبير بأسلوب سلمي فشلت كل محاولات النظام الماكرة للإنزلاق به نحو ما يُكدِّر الأمن، حتى أنها قد بدأت قبل مُختتم السنة المنصرمة و دخول الربع الثاني من السنة الحالية مُصِرَّة على رحيل البشير و عهده، لتأتي هذه الخطوة على يد من يُفترَض أن يكون الأقرب له من غيره، فإذا به يعلن للملأ عن اقتلاع جذور العهد، بإجراءٍ تضمّنَ تشكيل مجلس عسكري انتقالي حدد عمره في أربعة و عشرين شهر، و الإحتفاظ بالبشير في مكانٍ آمن حتى يُصار إلى تسليم السلطة، لتختلف المواقف بين الفرح بالإجهاز على البشير و حذر مما جرى، و مستفيد من التجارب يرى في ما حدث مجرد إلتفاف من الإلتفافات التي كثيراً ما تُضحي بالعَلَم الذي لن يصعب بعث البديل له، حفاظاً على السلطة العميقة بالكامل، فتسارع برفض التوجه و تتبنى فكرة الإستمرار في التظاهر، فيما يسارع الموقف الدولي من جهته إلى الدعوة للمضي نحو السلطة المدنية و ترك أي توجه يرمي إلى اعتبار ما تم ليس سوى استراحة المحارب و أن رفض الرافضين قد يكون على رأس المحفزات للحذر من مخاطر التسرُّع بتسليم السلطة قبل الإطمئنان على المشترك الوطني و الدولي، و ما أقدم عليه البشير من خطوات كثيراً ما دفعت القوى المؤثرة إلى التضحية بالمطالب الشعبية لصالح الإستحقاقات الدولية، مما يجعل القوى السياسية المدنية في السودان في حاجة إلى المسارعة بصوغ برنامج يراعي هذه الإعتبارات مجتمعة يكون على هيئة ميثاق تتنادى له مختلف الأطراف، نحو حكم لا مكان فيه للشعارات البرَّاقة و لا مفردات الحكم الشمولي، و بالجملة، الذهاب إلى أولويات تكتفي بحاجات السكان أولاً و الجيران ثانياً و المستثمرين ثالثا، و ملاحظة ما يمكن أن يكون ضمن مستجدات العالم إنهاء تجربة الوكلاء السياسيين المُجندين -علموا أو لم يعلموا- لأكثر من غرض و هم يتخذون من المواقف ما يرونه أكثر سلامة، عسى أن يقطعوا الطريق على من يعتاشون على تطرّف الأغلبية التي طالما جُنِّدَت -من حيث لا تقصد- لبرنامج الأقلية، فيكون مردودها الضرر الأكبر حين لم تفلح في القبول بأقل الضررين ،و بكلمة، ليذهب البشير النهج و ليس الشخص، و السياسة عبر التاريخ هي فن تحقيق الممكن بدل المضي رأساً إلى المستحيل.انتهى

__________________________


ليشكر الله سعي الباجي و ليحفظ له التاريخ ما اختار

أمين مازن

13-4-2019


قد يرى المتابعون للشأن المغاربي خاصةً و الأفريقي عامة، في إعلان الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي عزمه على عدم التقدم للفوز بعهدة رئاسية جديدة، خطوة بالغة العقلانية، و تعبيراً عن موقف بنّاء في صون المسار الديمقراطي الذي طالما عانى الكثير من صنوف العدوان و على رأسها ظاهرة توريث الأبناء التي خامرت تفكير أكثر من حاكم قُدِّرَ له أن يصل إلى الحكم من باب الثورة فإذا به يتجه إلى ما يشبه المَلِك، فإذا بالرئيس الباجي ينأى عن ذلك، و يعيد الإعتبار لمبدأ التداول السلمي للسلطة و في وقتٍ ظن فيه الكثيرون أن الأمور لن تسير هكذا، و في خضم ما يشهده حزب حركة نداء تونس من تيارات أوشكت أن تعصف به، و ليس من المستبعد أن يتم لها ذلك مستقبلاً ما لم يتخذ هذا السياسي المثقف و القانوني المناضل من التدابير الحازمة و التي من شأنها حفظ اللُحمة لهذا المشروع الذي أفلح بتأسيسه الباجي في رد الإعتبار لأهم مشروع تحديثي معاصر عرفه الوطن العربي من القطر التونسي و على يد الحبيب بورقيبة أحد قادة معركة الإستقلال عندما اشتهر بفكرة "خُذ و طالب" ففاوض الفرنسيين و قبل منهم فكرة التدرّج، فتسرّع البعض لشيطنته، أما بورقيبة و حزبه فقد مضى في خياره و توالت مراحل نجاحه، فكاد أن يتحول إلى مذهب لو وجد الآلة الإعلامية القادرة على الترويج له، و كذا لو قُدِّرَ للمجاهد الأكبرأن يتخلص من غريزة الأُبُوَّة و ما حَبّبَت إليه من الصراحة المفرطة و التي كثيراً ما صدمت المستمعين إلى أقواله و الجريء من مواقفه، إن و هو يتحدث عن الشأن العربي المركزي "القضية الفلسطينية" أو رؤية هلال شهر رمضان و إصراره على الإحتكام للحساب الفلكي أو بتبني مبدأ الإنحياز الدائم للمرأة في الأحوال الشخصية و لو بأضعف الأقوال الفقهية تعويلاً على القول بأن الدين يسر و ليس عسر، و أن تونس وسطية، و من مصلحتها أن تكون كذلك، هو توجه رسخت جذوره و صمدت جذوعه أما جميع الهزات ،و من هنا لم يصعب على الباجي كواحدٍ من أعلام ذلك العهد إمكانية التأقلم مع فترة ما بعد الزين المدموغ بوصفة الإنقلاب على المجاهد الأكبر أن يأتي على رأس حركة نداء تونس فيرأسها كحزب و ينجح بإسمها كرئيسٍ للجمهورية و أغلبية نيابية لا تحتاج إلا للقليل من التزكية، فيختار التحالف مع حركة النهضة ذات المضمون الإسلامي تحت مبرر ترتيبها في الأغلبية دونما تحسُّب لما رُؤيَّ في هذا التوجه من تضحية بالقوى السياسية الأقرب إلى مُجمل الأطياف التي تشكّلَ منها نداء تونس، الأمر الذي كشف عنه الصراع الذي بدا يلوح بشأن الإنتخابات الرئاسية المُنتظرة، و التي ما لبثت أن أطلّت بملامحها من خلال التقاطع الذي حدث بين الرئاستين، و الذي لم تتوانى النهضة عن تعميقه رهاناً على ما صار يرشح من تطلّع الشاهد للرئاسة الأولى، و تضخيمه لم حدث بينه و بين صديق الأمس ،السبسي الإبن، حتى لقد رأيناه يؤسس حزباً جديداً ليس له من تأثير إلا على أغلبية النداء و لصالح النهضة بالطبع، بمعنى أن الشاهد بلع الطُعم بكل اليُسر و لم يُدرك بأن قطع الطريق له أكثر من تدبيرٍ و تدبير، و أكثرها أي التدابير هو التخلّي عن الإنتخابات الرئاسية بالمرة، و لا شك أنه بخطوته الحازمة، و قد حقق ما حققه من شروط الإستقرار و المشاركة الفاعلة بما قاده لمشوار تصحيح المسار و الذي بلغ ذروته في الإنتصار لتونس التحديث، و يقرر اليوم إفساح المجال لمن في عمر أبنائه ليحملوا مسئولية المعركة، و التي لن تكون الأكثر شراسة و بقائمة لا يتقدمها اسم الباجي فيتحمل مسئولية فشلها إن وقع الإخفاق و يُتَّهم بالإحتكار لو كان النجاح حليف الحركة، و ليشكر الله سعي الباجي و ليحفظ له التاريخ ما اختار.انتهى


___________________________


  1. أخفق أردوغان فليته يَرْعَوِي

    أمين مازن


    2-4-2019



    خسر رجب أردوغان الإنتخابات البلدية في تركيا، فلم يتمالك أي معني بمسيرة الديمقراطية في العالم إلّا أن يتنفس الصعداء، لما تُبَشّر به هذه الخسارة من إمكانية التوجه نحو مرحلة جديدة سيكون فيها خط المسار الديمقراطي أكثر وفرة، أملاً في أن تمتد هذه الخسارة المتعلقة بالإنتخابات البلدية لتشمل لاحقاً البرلمانية و من ثم الرئاسية، لما في هذه المعارك الإنتخابية من الترابط، و أن البداية تكون في الغالب من البلديات، و ما تضطلع به عادةً من الخدمات المرتبطة بحياة الناس و المؤثرة إلى حد كبير في طرائق تعاطيهم الإنساني، الأمر الذي يفلح في تكوين الكثير من الإنطباعات المتعلقة بالأشخاص من حيث التعامل البشري و الذي يتعذّر في أحياناً كثيرة التفريق بينه و بين الشأن السياسي اللهم إلا حين يكون الأمر متعلقاً بالأمور الكبيرة، ما بالك أن تكون العملية الإنتخابية متعلقة بسلطة تجاوزت الحقبتين من الزمن كما هو الحال بالنسبة لأردوغان و الذي لم يتردد و هو ينجح في أمور التنمية الإقتصادية و الصناعية في أن يقترب من مسائل قد تُعتبر جوهرية كالنيل من أسلوب الحكم القائم على الديمقراطية و المشاركة، لصالح السلطة الرئاسية، التي لا تعني في الجوهر سوى النيل من المشاركة المُتسعة و السلطات المتكاملة، و ليس المُتَغَوّلة، و التي ما كان لها أن تقوى و تطبع الكثير من المواقف لولا هواجس و بالأحرى وهم العَظَمة و الأمجاد القديمة التي طالما ارتبطت بالطغيان و استمراء التقليل مما تزخر به العامة من الإمكانات المدفونة و التي لا يتواصل معها عادةً الحكم الشمولي و هو يستريح إلى ما توهَّمَ أنه قد حققه من سياسات هيأت البقاء في الحكم محلّيا، بل و أفلح بواسطتها أن يقدم ما اُعتُبِرَ في المحيط إنموذجاً لم يُجاهر بالهوية الدينية لينجح في الفوز بثقة الناخب كما حصل في أكثر من قطر عربي حيث الحِس القومي أكثر ألقاً لدى المواطن العادي، ذلك الذي لا سبيل لكسب ثقته إلا عن طريق اقتصاد السوق و ما عرفته السوق التركية من سلع أمكن تجميعها و وضعها تحت تصرف الناشطين من الوكلاء الذين جمعوا بين السياسة و الإقتصاد، فجمعو بين الوكالة الإقتصادية و السياسية و ظفروا بما استطاعوا الظفر به عندما أفادوا من حولهم ديناً و دنيا، على الرغم من أن ذلك قد كان على حساب التطور الحقيقي الذي يبدو أن المواطن التركي قد التفت إليه فبدأ يحجب ثقته، و عسى أن يعم ذلك المنطقة ككل و هي تتلقى أنباء أفول نجم أردوغان الذي لا يذكر له المحيط سوى الحرص على عدم استقرار العرب عامة، و ها قد أخفق، فليته يَرْعَوِي.  انتهى


    ________________________________




لا أُلْهِيَنَّكَ إنِّي عَنْكَ مَشْغولُ

أمين مازن

30-3-2019

إثر اعتذار من البحرين و استحقاق أملاه الترتيب الأبجدي للدول العربية المشتركة في جامعتهم، تقرر في وقتٍ سابق دعوة الأقطاب العرب كما هي التسمية المتعارف عليها إلى عقد مؤتمرهم السنوي الثلاثين بتونس، حيث بدأت الإجراءات التمهيدية بانعقاد اجتماع وزراء الخارجية العرب في العاصمة التونسية، لصوغ البيان الختامي، حرصاً على تجنيب الأقطاب أي خوض في تفاصيلٍ قد تُسبب الإحراج أو تُضيِع الوقت. تتم الدعوة كما هو معروف من الجامعة العربية و هي التي لم يبقى لها سوى أقل القليل بشأن القمة المذكورة، و ذلك منذ استحداث الترتيب الأبجدي و الإلتزام السنوي و توزيع رئاسة الجامعة العربية على الدول كافة بحيث يكون وزير خارجية الدولة الرئيسة المخوَّل أكثر من غيره بالإشراف، هو أسلوب سادَ منذ سنوات على إثر سلسلة من الصراعات و الإصطفافات التي عرفها العرب زمن الحرب الباردة التي عادت و تفجرت عقب احتلال العراق للكويت ثم احتلال العراق ذاته من الغرب، و كذا الملاسنة الشهيرة بين ولي العهد السعودي و العقيد القذافي و ما ترتب عليها من مساس بالإثنين و غير ذلك كثير، أما المؤتمر الحالي فإنه كما يؤكد أكثر من متابع يجيء في ظرفٍ لا نظير له في السوء، إذ لا يوجد أحد من الحاضرين إلا و له أو لنقل بلده مشكلة من المشاكل الضاغطة التي تمثل في تأثيرها حين اللجوء إليها أن تقوده لما يُراد له أن يُقاد، مما يجعل الجميع في حالة من الضعف إن لم نقل العجز الكامل، و ما الحديث عن أقطارٍ بعينها ليس أكثر من مثلٍ يُضرَب أو على الأكثر من قبيل السيئ و الأسوأ، و يكفي أن أكثر من عشرين ملف ،كما تحدثت بعض الأنباء، قد أُحيلت إلى وزراء الخارجية العرب للنظر فيها قبل التئام الإجتماع في التاريخ المُحدد له، فالإجتماع و الحالة هذه لن يمثل قوة ضاغطة في شأن من الشئون، و إنما هو لتفادي ما هو أشد و أنكى على أحسن الفروض. صحيح أن هذا قد يمثل مستوى من مستويات الإيجابية، فما دام هناك من يتدبر إمكانية الحد مما هو أسوأ فمن الممكن أن يصل ذات يوم إلى الأحسن، إلا أن ظروف المرحلة ما زالت قادرة على إنتاج كل ما من شأنه أن يجعل كل طرف مشغول عن غيره بما هو والغ فيه من المشاكل و يهدده من الأخطار، فلا يكون في مؤتمرات كبارنا هذه الأيام أكثر من أنها وقاية لهم مما عساه يحلّ بهم، أما ما نحن فيه من آلاف المآسي، فليس لنا من أمل سوى الصبر، و لا شيء غير الصبر، تماماً كما كتب أحد الفنانين ذات مرة حول هذه المؤتمرات قائلاً على هيئة دُعابة و هم يرفعون شعار الصمود العربي، إنه الصبر العربي. أما إذا وضعنا في الإعتبار ما للأرض من تأثير على تفكير البشر، و اتخذنا من أسلوب تونس المتمثل في واقعية و جرأة و صراحة الحبيب بورقيبة مؤسس تونس الحديثة، فلا شك أننا سنُعلّق الأمل على الأقدار عساها ترشد هؤلاء المؤتمرين كي يتخذوا من الحبيب القدوة المرشدة حين لم تُغرِه رئاسة تونس مدى الحياة إلى التفكير في توريثها لإبنه الحبيب الإبن احتراماً لمقولته الخالدة بأن الملوك لا مكان لهم مستقبلاً إلا في "الكارطة" أي لعبة الورق، ما بالك أن هذا المؤتمر يأتي عقب ذكرى استقلال تونس مباشرة و تعويضاً عن اعتذار البحرين، و في غمرة انشغال أقطار المغرب العربي بأكثر من مشكلة، ليس خارجها تونس و إن بدَت أكثر تماسكا. و قديماً قال جدنا كعب:

وقــالَ كُـلُّ خَـليلٍ كُـنْتُ آمُـلُهُ *** لا أُلْـهِيَنَّكَ إنِّـي عَـنْكَ مَـشْغولُ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الجزائر و السلطة.. السيئ و الأسوأ

أمين مازن

19-3-2019

تواصل الجماهير الجزائرية، في معظم إن لم نقل كل المدن الجزائرية، رفضها للحل الذي اتجهت إليه السلطة، بتشكيل حكومة جديدة، يحمل فيها السياسي و الديبلوماسي رمضان العمامرة حقيبة نائب رئيس الوزراء و يؤكد البدوي انها ستتسع لمختلف الأجيال و الكفاءات، إلى جانب التحضير للمؤتمر أو الندوة الوطنية لإختيار صورة الجمهورية القادمة، دون أن تغفل التحذير من القوى المُندسة الرامية إلى إعادة العشرية السوداء للجزائر. فيما تؤكد قيادة الجيش أنها إلى جانب الشعب، و تمضي الأصوات في ارتفاعها إصراراً على وجوب رحيل العهد بالكامل، و تحرص وسال الإعلام المصورة على نقل هذه الصورة الحازمة في رفضها  و قوة احتقانها الذي ينذر بأكثر من خطر، ما لم يُحسَن التعاطي معه بالإيجاب، و الواقع أن عدم التحديد الصريح للأجل المطلوب لنقل السلطة قد حمل معه مبررات الشك في جدية التوجه و اعتباره داخل ما يمكن وصفه بالمناورة، إذ كان من الممكن أن يبدأ بتحديد الأجل قبل كل شيء، كما أن ما تزخر به الجزائر من رموز وطنية و قدرات أثبتت عدم تشبثها بالسلطة، كان من الممكن أن تشملها الدائرة مثلما شملت الأخضر الإبراهيمي، و لا سيما تلك التي لوحظ خروجها بين المتظاهرين كالمناضلة جميلة بوحيرَد، و كذا بقية الأسماء مثل زوجات أعلام الجزائر، و لا سيما أولئك الذين لم تخف عليهم تطلعات بعض الأجنحة لحكم الجزائر لمجرد موافقة فرنسا على الإنسحاب، و تنادي القوى الدولية و وكلائها العرب المنحازين للحكم الشمولي و الذين كان أبرزهم من زعماء الجزائر الخمسة، السيد أحمد بن بلّة، و الذي ما كان له أن ينتصر على المختلفين معه و الرافضين لتوجهه لولا انحياز بوتفليقة و الزبيري و هواري بومدين ذلك الإنحياز الذي ثبت لاحقاً أنه كان تكتيكياً، أثبته الإنقلاب على بن بلّة و عودة بو تفليقة بعد غياب ليس بالقصير أو المنزّه من علامات الإستفهام، إذ كانت العودة من الخليج و ما كان يشهده من تنافس عديد القوى و أبرز مظاهرها الحرب العراقية الفارسية التي انفجرت عقب سقوط النظام الشاهنشاهي و اتفاق العراق و إيران حول شط العرب و الذي عاد الفريقان إليه بعد سنوات ثمان من الحرب، كان للجزائر موقفها الخاص حولها و لم يكن بوتفليقة -دون شك- بمعزل عنها أو الإستفادة من تأثيراتها و لا مجال لتجاهلها عند التدبّر في ما قد تشهده المنطقة من أحداث لن تكون الجزائر بمعزل عنها و ردود أفعالها، لا فرق أن يتعلق الأمر بها مباشرة أو من حولها. فهذه الكتلة البشرية و هذه المساحة الشاسعة و الإمكانات المهولة و المشكلات المُعلَّقة الكثيرة قد توفر أكثر من شرارة لإشعال نيران الفتنة، ما لم يقدم العهد أوجع التضحيات و التي في حدودها الدنيا الإلتزام بالدستور حالة شغور منصب الرئيس بانتهاء المدة أوقبل ذلك، ففكرة نقل الإضطرابات إلى الشمال الأفريقي مقررة منذ سنين و ما تزال الجزائر أكثر إغراءً بالمحاولة، باعتبارها الأجدر على تحقيق الإنتشار المرغوب نحو غيرها بحكم الحجم و الإمكانات و الموقع و ما تتصف به الأغلبية الساحقة من السكان بصدد قابلية العنف المتبادل، و إذا كان ما حافظت عليه القوى المسيّرة للحوار من إصرار على تجنّب العنف و رفع شعار السلمية و الأمر ذاته بالنسبة للموقف المقابل من طرف الأجهزة، إلا أن شبهة المناورة و ما اتصفت به القوى المهيمنة من إحكام للقبضة أمناً و اقتصاداً  إلا أن ردود الأفعال ما تزال مخيفة و استشعار اليأس من المخرج قد ينذر بما لا يُحمد عُقباه، و عسى أن يكون في تصريحات أحمد قايد صالح بشأن إسهام الجيش في حل الأزمة ما يؤكد أن سيناريو العشرية السوداء لن يتكرر لصالح السلطة القائمة. و أن الأسلم و الأيسر هو ذهاب بو تفليقة و تسمية من يخلفه، أما التعويل على الدول الكبرى و التواصل معها عن طريق العمامرة و من على شاكلته فليس أكثر من فتح ثغرات جديدة لا يعرف أحد بماذا تأتي، و لا سيما السلطة القائمة المرفوضة بهذا الإجماع الذي لم تشبه أي شائبة من تدخل الخارج، صديقاً كان أم عدوا، مؤمناً أو ملحدا، فإن سأل سائل ماذا نرى..؟ سنجيب بلا تردد إن كل الإحتمالات متوقعة، إلا أنها بالنسبة للسلطة بين السيئ و الأسوأ. انتهى

_____________________________



نعمت القدوة الجزائر

أمين مازن

14-3-2019

يستطيع المراقب، و لا سيما حين يكون من الحريصين على سلامة الجزائر، أن يستشعر الكثير من الإطمئنان؛ و هو يتابع ما بثته الفضائيات مباشرة من القرارات المُتعقِّلة التي قابلت بها السلطات الجزائرية الأزمة التي نتجت عن الشروع في انتخابات الرئاسة الأولى و ما صاحبها من نية الرئيس بوتفليقة على خوض معركتها أو ما أُطلِقَ عليه العُهدة الخامسة، و ما أحدثته من موجات الرفض العام غير المسبوق من حيث الكم و النوعية و الأسلوب، فعددياً قيل بلغت الملايين و نوعياً شملت كل الشرائح و الأقاليم، فيما جاء الطابع السلمي من حيث الحذر من التخريب و التقيِّد في التظاهر بساعات النهار ليس غير، حرصاً على تجنّب أهوال الظلام. لقد جمعت هذه القرارات المُتعقِّلة كل الشروط الكفيلة بإنزالها المنزلة الباعثة على كل ما هو مريح؛ إذ بعد الصمت المحيِّر و الإجماع على أن التقدم للمعركة الإنتخابية أصبح في حكم المنتهى، و أن الرئيس يوشك أن يودع عالم الأحياء، إذا هو يعود من مشفاه و يتوسط مستقبليه و الكثير من كوادر سياسيي بلاده ليعلن انسحابه من الترشح و تأجيل الإنتخابات و يضع على رأس الحكومة شخصية ذات وزن و كفاءة و تاريخ و مساعدة أبرز مستشاريه و أحد الذين كانت بعض الأوساط ترشحه لخلافة بوتفليقة، و يعلن ذلك كله في جلسات يحضرها أمثال قائد الجيش و الأخضر الإبراهيمي و آخرين، فيتبين أن الإرادة الجزائرية ليست مرتهنة بالكامل للقوى الخفية، و إنما في الإمكان الذهاب إلى نوع آخر أقدر على إشاعة الأمل و بعث الثقة،و الإيعاز بما يؤكد وجود القدر الكافي من التصميم، بدليل أن الوزارة الأولى قد أُنيطَت بأحد الذين حملوا حقيبة الداخلية و أدركوا بدون شك خفايا الفساد الذي نخر الأجهزة الإدارية، أي أن المرحلة القادمة ليست مرحلة الصراع السياسي، و إنما الفساد المالي، خاصةً و أن الأحداث تُعلِّمنا أنه كلما جاءت الإنتخابات في بلد من البلدان، كلما جاءت الأموال الفاسدة التي طالما اتخذت من المجتمع المدني أوسع الثغرات الكافية بإدخال كل أشكال التخريب، و لكي لا يشكك مشكك بأن هذا الإدراج يفصح عن شيء من التسرع، على اعتبار أن ما تم قد يكون غير كافي لما نادى به الحراك من مطالبة بذهاب النظام، نقول بكل الثقة إن ذلك هو الخراب بعينه، فليس هناك عهد سيئ بالمجمل و ليس هناك معارضة مُبرأة من الأهواء، و التسوية دوماً خير مخرج من الأزمات، فقط بعد أن يبدأ رأس النظام بنفسه، و لا شك أن اقتران عدول السيد بوتفليقة عن السعي للعهدة الرئاسية الخامسة، بالتوجه إلى عقد مؤتمر موسع لبحث مستقبل الجزائر يُدعى إليه ذوو الرأي و الإستقامة و التاريخ و من بينهم السيد الأخضر الإبراهيمي و تكليفه بالرئاسة، إنما يدل على التوجه لمعالجة أسباب ما تعانيه الجزائر من معوقات، و ليس الوقوف عند المظاهر، كما أن إشارة الإبراهيمي إلى أن ما طرحته الأجيال الجديدة المُحتجّة ربما تُبشّر بمرحلة تختلف عن المألوف، و تُقدِّم ما يجدر بالإقتداء، و يومئذ سيقول كل مُنصف نعمت القدوة الجزائر. انتهى

______________________________

البابا يزور الخليج..الضيف المناسب للمكان المناسب

أمين مازن

6-2-2019

حلَّ الحَبر الأعظم بابا الفاتيكان فجر الثالث من فبراير الجاري بالعاصمة الإماراتية أبو ظبي، في زيارة رسمية بدعوة من أميرها، شملت ضمن من شملت الشيخ الأكبر أحمد الطيب شيخ الجامع الأزهر، للمشاركة في حوار يتم تحت شعار التسامح الديني، و في اتجاه التصدي الرسمي للأنشطة المتشددة التي لا تختفي بعض الوقت حتى تُفاجئ أخبارها المُرعبة في وقتٍ آخر. و قد تخلل ذلك خطاب رسمي  صدع به الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس دولة الإمارات في محفل رسمي قوامه ان دولة الإمارات التي يرأسها و التي غدت ذات تأثير غير عادي في الواقع العربي المعاصر بما تحقق لها من دور في سياساته الإقتصادية و الثقافية، و تواصل فاعل مع العالم، و في أكثر من قرار على وجه التحديد، و هي زيارة يخطئ كثيراً من لا يعطيها ما هي بحاجة إليه من الإهتمام، و لا سيما من يعتبر نفسه في عداد المنشغلين بالواقع الوطني الملاصق و الآخر الأكثر اتساعاً و أكبر تأثيرا، في عالمٍ لا يُفرّق في تقديره لدرجة التأثير بين النوعية و العددية، و الإمكانات الفعلية و المالية، على نحو ما نرى في مدينة مثل أبو ظبي التي تعجُّ بالكثير مما هو غير عربي، و لكنها لا تغفل عن كل المظاهر التي تعطيها أهلية الريادة، و التي كثيراً ما تتحقق من خلال حسن الإستثمار للمتاح، و يكفي ترؤسها للإتحاد العام للكُتّاب و الأدباء العرب، عندما أسندت قيادة اتحادها القطري لصوت مميز في الإبداع العربي، و جعلت من معرضها للكتاب واحداً من أجمل المعارض و أكثرها قدرة على الإستقطاب لإنجاز ما ترسمه مُقَدَّماً من خطط، للتتوج استراتيجيتها اليوم باستضافة الحبر الأعظم متزامناً مع الشيخ الأكبر، لدرس أكبر مشكلة تهدد العالم و أمنه و المتعايشين في ربوعه، و عندما تحرص الفضائيات الكبرى المتابعة لأخبار هذه الزيارة و تخصّها بالتغطية، بمجرد الإعلان عنها، لتحولها لاحقاً إلى بث الآراء المتعلّقة بما يواجهه كل داعٍ إلى المسيحية أو غير المسيحية في البلاد التي تحضر كل نشاط يتقاطع مع الإسلام، فإن ذلك يعني  أن مثل هذه الأسئلة التي تؤرق عديد المهتمين، يستحيل ألّا تكون في جعبة الحبر الأعظم، بصرف النظر عن الطريقة التي تُثار بها، و لو من باب ما يُطلَق عليه عادةً بمدأ المعاملة بالمثل، و التي يمكن الرجوع إليها و لو من باب استعراض مسيرة التاريخ التي تؤكد أن مبدأ عقوبة النفس بالنفس و العين بالعين و الأنف بالأنف.. إلخ قد عُرِفَ أو ما عُرِفَ بشريعة حمورابي، مما يعني أننا سنكون أمام مرحلة جديدة بصدد تحقيق التسامح، و ما تقتضيه كل جدية نحوها من تعديل مناهج التدريس و بالذات النصوص التي تُبنى عليها الشخصية، و الإرتفاع بها عن كل ما يدفع للعنف و التشجيع عليه لأي مبرر من المبررات، أي أن هذه الزيارات و إن كانت بياناتها في الغالب شكلية، إلا أنها في جلسات المكاشفة و التوافق المعتمد على الإلتزام الخلفي لن تغفل هذا الجانب، و ليس من المستبعد أن يشمل الإهتمام كل معوّق للتسامح مما لن يكون الكثير منّا معشر الليبيين في منجاة منه و سوء عاقبته، و في جميع الأحوال فلهذه الزيارة ما بعدها، و توقيتها أكثر من مناسب. انتهى

____________________________

قبل فوات الأوان

أمين مازن

17-1-2019

ثمان سنوات بتمامها و كمالها مضت على إقصاء الرئيس زين العابدين بن علي  عن سدة الرئاسة التونسية، تلك التي تسنّمها  خلفاً للزعيم الكبير الحبيب بورقيبة أول رئيس لجمهورية تونس و أبرز صنّاع استقلالها، هي خلافة ما كان له أن يبلغها لولا إجادته لحسن التخطيط و اختيار الظروف، و توفر الإجماع لدى أغلب المتصارعين على الخلافة إن لم نقل جميعهم، من حيث عجز الزعيم الأب الذي أصبح بتأثير الشيخوخة قاب قوسين أو أدنى من أرذل العمر، مما جعل الإزاحة التي حققها الزين على ذلك الشكل الهادئ، عندما شكل التقرير الطبي الجمعي الذي قرر عجز الرئيس دون المساس بشخصه و المسارعة بتنزيه ذمته المالية ما أضفى على بن علي الكثير من شروط الخلافة، تلك التي حصّنها بإحكام القبضة الأمنية و التي ربما تكون في مقدمة ما دفع الزعيم الفلسطيني عرفات يخص القادم الجديد بزين العرب، في محافظة على ما يبدو و لخصوصية تونس التي عُرِفَ رئيسها بالمجاهد الأكبر، و تدعو فلسطين خليفته بزين العرب، و كما يجاهر ذلك المجاهد بجدوى المناداة بتطبيق قرار التقسيم الذي رفضه العرب دون تمحيص و أولى بهم أن يسحبو ذلك الرفض قبل أن يجيء اليوم الذي لن يُعرض عليهم مرة أخرى، و يحافظ خليفة الزعيم الذي قرر استظافة منظمة التحرير على ذات المستوى من الكرم و الإحترام إلى أن انتهت فترة بقائهم و انتهت لاحقاً فترة حكمه ليسرع فوراً إلى حيث لا تطاله يد سوء،  فتواصل تونس مسيرتها في كثير من الخصوصية و في كثير من القدرة على التخلص مما أُريدَ لها، على الرغم من أن بعض الضربات كانت في العظم، إلا أن روح المقاومة ما تزال أقوى و أقدر على النهوض و الوقوف بوجه الهزّات و قطع الطريق أمام مسلسل التآمر، و لا سيما ذلك المتمثل في المال الفاسد الذي تدفق بسرعة البرق إلى ثورات الربيع العربي تحت شعارات البِرّ و الإحسان و دعم المجتمع المدني و جمعياته التي تأسست مجتمعة في جُنح ليل و أنجزت ما لم تبلغه أعتى أجهزة التآمر الدولي، حيث بقى المجتمع التونسي طوال هذه السنوات يسعى لسنّ تشريع يأتي على جميع الذرائع مما لم يكن إلى بلوغه من سبيل، لو لم تتضارب مصالح الرجعية و تأذن الأقدار بإمكانية فحص الخبيث من  الطيّب فيتأكد أكثر من أي وقت مضى أن حبل الكذب قصير، و حبل النهب أشد قصرا، و ما اقتران الرابع عشر من يناير في ذكراه الثامنة بإصدار القانون الخاص بتجريم تمويل الإرهاب من طرف مجلس النواب، و بما يشي بالفرز بين عديد الأطراف الشريكة، و رصدها لتغرات المجتمع المدني، الذي تناسلت مؤسساته عقب ثورات الربيع العربي عندما شكلت إدارتها في جنح الظلام، و شملت عقوباتها هذه السلسلة من التُبّع الذين يمكن استغلالهم، إلا الدليل القوي على أن الإفلات من الردع إذا ما قُدِّرَ له أن يدوم بعض الوقت، فإنه لا يمكن أبداً أن يستمر طول الوقت، فكلما بدا للجُناة بعيدا، فإنه بالنسبة للمجني عليه أقرب من القريب، فإن حدث و مسّهُ طائف من ندم تجده قد اكتشف أن ذلك جاء بعد فوات الأوان.انتهى

________________________________ 




إلى آخر قطرة من دمائكم !!

أمين مازن

12-1-2018

وسط متابعة إعلامية خجولة و شبه محايدة، و أخرى وقحة و مناوئة، خرجت الجماهير السودانية في مناطق كثيرة من ذلك القطر الغني بكل أساسيات الحياة، من ثروات طبيعية متنوعة، و طاقات بشرية خلّابة، أصرّت المؤامرة الدولية الكبرى التي بلغت ثروتها في سبعينيات القرن الماضي، عندما استيقظ العالم على الأنباء التي تتحدث عن الإطاحة بالعقيد جعفر النميري الذي أفلح قبل ذلك التاريخ بسنواتٍ خمس، في الإنفراد بالسلطة من رفاقه الذين استطاعوا الإطاحة بالجنرال عبّود و الإبقاء عليه و عموم رفاقه ليُدان من يُدان و يكتفي بالإزاحة من يُزاح، فَسِيقَ يومئذ النُميري هو الآخر إلى أحد السجون مع رفع حالة الطواري و حلّ جهاز الرقابة اعتماداً على الترحيب العارم الذي قوبِلَ به ما جرى، و تغطية إعلامية تؤكد أن كل شيء على ما يرام و أن صفحة جديدة يمكن أن تُفتح، اللهم إلا ما انتبه إليه عدد من الذين على علم بالجغرافيا السياسية دون إمساكهم بأي وسيلة إعلامية فَظلّوا يهمسون أن التدخل الدولي أقرب مما يتصور كل متفائل بما جرى، بحيث لم تمض ساعات حتى أُجبِرَت الطائرة البريطانية على النزول في المطارات الليبية و يُلقى القبض على راكبيها لتوضع في أيديهم الأغلال، فيما تتوجه القوات المسلحة من أكثر من مكان لتُخرج النميري من سجنه فيتوجه فوراً إلى مقر الحكومة و تشهدا السودان أكبر حملة إعدام لم تفرّق بين من أقصى النميري دون أن يقتله و من أيَّدَ ذلك و ربما صَمَتَ فقط، و تصريح واضح و مكشوف عن تدخل النظامين المصري و الليبي شريكي الإتحاد الثلاثي حيث طرح السادات بأن لهذا الإتحاد أنياب و أضافر، إخفاءً للحقيقة التي تؤكد قوة الدور الأثيوبي و التقليد العالمي الذي يؤكد منذ الأزل ألّا بقاء لإنقلاب عسكري خالٍ من الأصابع الغربية، و كل خروج عن هذه القاعدة يعني أن التدخل آتٍ لا ريب فيه، و يكفي أن السودان منذ تلك الحقبة تحولت إلى رقم في المعادلة السياسية العربية، لا يخلو أي حراك قومي من أصابعها، مكتسية دوم لباس دعم التوافق و رأب الصدع و رتق المُمزّق، بحجة أنها خارج الإصطفافات مع أنها في صميمها، حتى لنراها في أي منحدر تقع فيه غفلة ما تلبث أن تخرج منه مكتملة السلامة، شديدة المقدرة على القيام بأفضل الأدوار، على الرغم من أن أبسط المعلومات تؤكد أنها دوماً ليست بعيدة عن أسوأ ما جرى في أكثر من قطر من أقطارنا العربية، فضلاً عن أن واقع السودان ذاته كثيراً ما شهد أكثر من مستجد عصف بمصالحه الأساسية، إن تكن وحدة التراب السوداني في المقدمة، عندما انفصل الجنوب، فلا شك أن ما تشهده دار فور و ما حولها على رأس ما يُرجِّح أن قطار التشظّي لن يتوقف، مما يؤكد أن المتابعة الإعلامية الخجولة بلهَ المحايدة لما شهده السودان من أحداث تجاوز قتلاها المعلنين حتى الآن ما يربو على الثلاثين "ساعة كتابة هذه المقاربة" إنما يؤكد أن ما يشهده هذا البلد جزءً مما هو أكبر و أوسع بالنسبة للمنطقة ككل و التي لن يكون البشير فيها مختلفاً عن نظرائه من حيث التشبّث بالحكم و لو كان الثمن خراب الوطن كله مصداقاً لقول ذلك الممثل الساخر سنقاتل إلى آخر قطرة من دمائكم.انتهى 

موقع الكاتب والاديب : أمين مازن

  www.aminmazen.com © 2020- 2008

طرابلس - ليبيا

Tel 0913245901