شئون ليبية 2012

كي لا ننسى المجلس الانتقالي

أمين مازن

13-11-2012

يظل تكرار ما سبق للمجلس الانتقالي المؤقت أن مارسه إزاء المكتب التنفيذي المنبثق عنه، ثم الحكومة المؤقتة التي قام بتشكيلها بعد التحرير، من تدخل في الاختصاصات المحددة عرفاً وتشريعاً لمجلس الوزراء، مرة أخرى من طرف المؤتمر الوطني العام، على رأس ما ينذر بانجرار هذه المؤسسة السيادية ذات الصبغة الرقابية والتوجيهية نحو ممارسات من شأنها الإضرار بالمصلحة العامة من ناحية، ومصلحة المؤتمر الوطني العام نفسه من ناحية أخرى، ولا سيما حين يكون التدخل الملحوظ يرمي إلى ما يمكن وصفه بتحسين الصورة لدى المواطن على حساب الحكومة بالطبع .

أما دواعي مثل هذا القول فمرده ما أذيع أخيراً عن تخصص المؤتمر الوطني العام لجلسته التي عقدت صباح الثلاثاء الماضي لبحث علاوتي السكن والعائلة المقررتين لموظفي الدولة منذ ستينيات القرن الماضي بموجب لائحتين صادرتين من مجلس الوزراء في ذلك الزمن وتم تعديلها أيضاً عن طريق ذات السلطة وأراد المؤتمر الوطني العام أن يكون صاحب المبادرة بشأنها هذه المرة، فتعين أن تذكر مثل هذه التوضيحات وبهذا القدر من المكاشفة حرصاً على عدم المساس بالصلاحيات المقررة لكل طرف من الأطراف المسؤولة في البلاد.. نعم إن كل من تابع التطورات الإدارية التي شهدتها البلاد في ستينيات وقبل سبتمبر 69 يعلم أن لائحة إسكان الموظفين، مثلها علاوة العائلة التي تقرر منحها لهم، نتابع قرارات مجلس الوزراء ومنذ أن كانت السلطات مقسمة بين الحكومة الاتحادية والولايات، وقد صدرت علاوة العائلة في البداية على الأساس النسبي المتصل بمرتب الموظف ودرجته، إلا أن المجلس التشريعي لولاية طرابلس الغرب وضمن متابعات أحد أعضائه النشطين السيد الميساوي على تبني مبدأ المطالبة بتسوية العلاوة المذكورة بحيث لا يفرق بين الموظف الكبير والصغير ومثل ذلك زوجته وقد تقرر على ضوء ذلك تسوية العلاوة وكذلك عدم قصرها في الأطفال الأربعة وإنما شملت الأبناء جميعاً، ولكنها عادت القهقرى مرة وأخرى في الثمانينيات الماضية وما بعدها أما لائحة السكن فقد كانت محصورة في موظفي الحكومة الاتحادية والذين كانوا يتعرضون للنقل هنا وهناك، فكان المنقولون من شرق البلاد يمنحون الأسبقية في البيوت الحكومية التي كانت تؤول تباعاً من الأملاك التي تدار بواسطة المؤسسات الإيطالية ويجرى تسليمها تباعاً وفقاً للجداول المحددة في الاتفاقية الليبية الايطالية علىما يبدو وكذلك بعض المباني المحددة التي تم بناؤها ، فإذا ما تعذر ذلك تقوم الدولة باستئجار المطلوب من البيوت الخاصة، على أن يتحمل الموظف ما قيمته 6 % ستة في المائة من المرتب الأصلي، إلا أنه مع تحسن أحوال الدولة وإنشاء وزارة مختصة بالإسكان أصبح السكن يتم حسب العلاقة مع الوزير المختص شأنه شأن العلاج ويومئذ كان وزراء الصحة والإسكان أكثر الناس ظهوراً على واجهات الصحف وبواسطة عدد من الصحفيين كانوا شبه بأصحاب مكاتب العلاقات العامة، وقد أدت تلك الوضعية إلى الكثير من التعليق والكثير من التذمر الأمر الذي جعل الأستاذ عبد الحميد البكوش فور تعينه رئيساً للوزراء يبادر باتخاذ قرار عدلت بواسطته اللائحة المذكورة وتحولت إلى علاوة مالية شملت جميع الموظفين، فانسحبت الدولة من الإيجار وأصبح الموظف يخير بين توفير علاوته ومحاولة البناء والإيجار عن طريق الخواص، حيث تحول الإيجار إلى قضية عرض وطلب ونوعية وموقع فعمت الحياة حالة من التراخي بين المؤجر والمستأجر الأمر الذي استمر إلى السنوات الأولى من السبعينيات وما شهدته من الفوضى المتناسلة والرهان الدائم على اقلاق راحة الناس بل ورفع السلطة التنفيذية في بعض الأحيان لإصدار قرارات توصف بالمؤقتة ولكنها ما تلبث أن تكتسب صفة الديمومة، كما حدث لعلاوة السكن بالذات، عندما تقرر ضمن بعض الإجراءات الوقائية تخفيض بعض النفقات فشمل الأمر علاوة السكن هذه بأن خفضت بنسبة ثلاثين في المائة وإذا بالتخفيض يستمر إلى يوم الناس هذا ذلك يعني أن الدولة إذا ما أرادت أن تخطو أي خطوة في الخصوص وباتجاه توفير بعض المداخيل لموظفيها فليس أمامها سوى تعديل اللائحتين المذكورتين ومن طرف مجلس الوزراء دون غيره، سواء بإلغاء القرار القسري الذي خفض علاوة السكن لمدة حددت بسنتين ثم بقيت بعد ذلك إلى الآن أو بعدم حصر علاوة العائلة في الأطفال الأربعة على اعتبار أن كل طفل له الحق في أن علاوة مقررة سواء كانت على هذا المستوى من الهزال أو رؤى ترفيعها، وأن ما تناقلته الأنباء، عن عكوف المؤتمر الوطني العام على دراسة العلاوتين المذكورتين، ليس أكثر من إضاعة للوقت في أمر لا يحتاج إلى قانون ولا إلى لجنة من اللجان ولا أي كلام من هذا الذي يتردد، فما دام المؤتمر الموقر قد انتخب رئيساً للوزراء وقبل من التشكيلة التي اقترحها اللهم إلا من تبعده النزاهة فإن شؤون التعيين في سلك الدولة والترقيات والتقاعد والعلاج وبالجملة الخدمات كافة تمثل الاختصاص الأصيل لمجلس الوزراء، وليس أمام المؤتمر الوطني سوى الرقابة والمحاسبة على سوء الأداء وربما التوجيه بخصوص الأولويات، والأمر أولاً وأخيراً مربوط بالموارد المالية وكيفية صرفها عدداً وتوقيتاً، فإن قيل أن تناول الموضوع من طرف المؤتمر يعني أن المؤتمر قد أعطى هذا الموضوع نوعاً من الأهمية الخاصة، أو كما يقال أن حسن النية متوفرة فإن من الممكن الرد بأن الطريق إلى جهنم مفروش بالنوايا الطيبة، وأن هذا الأمر يدخل في التفاصيل التي يقول المثل أن الشيطان يسكنها ونحن نريد لمؤتمرنا الموقر أن ينجر إلى حيث سكن الشياطين أي ذلك منهم الجميع، وليس مثل هذا القول يعني أن موضوع الرواتب لا يعني ضرورة النظر في معالجته ولكن لا يمكن أن يكون مفصولاً عن عديد الأمور الاقتصادية وفي مقدمتها الحذر من أثر الصرف على حركة السوق العام والقوة الشرائية من الأساس، كما أن عدم قيام الحكومة المنتهية ولايتها ببعض ما كان منتظراً منها لا يعني سلب الاختصاص بواسطة المؤتمر الوطني العام بأي حال من الأحوال.

لقد كان حرياً بالمؤتمر الوطني العام وقد شهدت جلساته هذه الأحداث غير المسؤولة من بعض الأطراف غير العادية في البلد، التي أعطت للمتربصين أن يبثوا الكثير من سمومهم حول الحالة الأمنية، وما يمكن أن يترتب عليها من أثر غير جيد على حركة الحياة أن يكرسوا وقتهم الكامل لهذه الإشكالية وأن يتم ذلك بعيدا عن النقل التلفزيوني، حيث يمكن للمكاشفة المسؤولة أن تحقق من خلال النقاش المحدود مواجهة الحقيقة، أما اتخاذ ما جرى مبررا لنقل المؤتمر العام من مقره الرسمي إلى جهة أخرى بحجة الأحوال الأمنية فذلك والحق يقال هو المجانية بعينها نحو الحسابات الأخرى وهنا لابد من تحية أولئك الذين تنبهوا لهذه اللعبة وأصروا على التصدي لها، خاصة وأنها بعيدة عن سوء القصد لقد انتخب المؤتمر الوطني العام في أجواء من النزاهة والتجرد وحققت خلاله الكثير من القوى السياسية ما كانت جديرة به من الفوز بثقة الناخب الليبي الذي لا تهزه الشعارات ولا تحركه المظاهر وأفصحت الأغلبية فيه عن وعي لم يكن متوقعا، عندما فشل أصحاب الأجندة المشبوهة في عقر ديارهم بانتصار خصوم الأكثر منهم جدارة، ومن الأهمية بمكان وقد بدأت الحياة تسير أن يقف المواطن المتابع على أن ثقته كانت في محلها، ولن يتأتى ذلك إلا بالتجرد من المصالح الشخصية وعدم الانجرار خلف ثقافة الغنيمة التي عمل البعض على تمريرها لتسويغ مع أقدموا عليه من النهب الذي لم يكن خافياً على أغلب المراقبين ممن وثقوا في حينه وصاروا يبثونه من جديد على شبكة المعلومات وصفحات التواصل الاجتماعي، ذلك الفضاء الخطير الذي تحركت بواسطته جميع القوى الفاعلة، وتصدت من خلاله أيضاً الكثير من المهندسين والذين سعوا إلى النيل من منافسيهم لحسابات خاصة،ومن المهم الآن أن يكون واضحاً أن الكثير من الاستحقاقات ليست منه تطلب بقدر ما هي مصلحة لابد أن يقع الاحتكام إليها والعمل على انجازها، ولا سيما المؤتمر الوطني العام الذي يفترض أن يكرس الوقت والاهتمام للأساسيات التي تبدأ من الاهتمام الجدي بمسألة الدستور والاشراك القوي لرئيس الوزراء تحديداً،على ضوء ما يتوفر عليه من قوة التواصل وإمكانية الاستفادة من الاطراف ذات العلاقة، وحشد المشورات ذات الفائدة والحذر من أي محاولة تسعى لإهدار الوقت أو الجهد أو عدم الإيفاء بالآجل المحددة، باعتبار الاستحقاقات مكملة لبعضها بعض، وفي هذا الصدد فإن كل تفكير في اصدار القوانين الداعية إلى ما يسمى بالعزل السياسي أو حضر التظاهر والاعتصام من شأنها تجريد السابع عشر من فبراير من مقوماته الشرعية، إذ الصواب أن تنصرف الجهود إلى معالجة الأسباب وليس إلى النتائج فلولا تفاقم المشاكل وضياع الحقوق لما فكر أحد في الاعتصام أما العزل السياسي فليس أكثر من تكرار أخطاء النظام المنهار ذاته، وإلا فما الذي يمكن أن يزاد على ما توافق عليه المجتمع الدولي ومثله المجتمع المدني من أن كل من لم تشوه يده بدم الليبيين أو نهب أموالهم فمن حقه أن يتمتع بكل حقوق المواطنة وأن القصاص من أي جريمة لن يكون إلا بمحاكمة تتوفر فيها شروط العدالة ، وهل لم يدرك الجميع بعد أن الثورة غير الانقلاب وأن الانقلاب وحده الذي يتبنى مبدأ الإقصاء، وأن مساهمة المجتمع الدولي في مناصرة السابع عشر من فبراير وهو يعمل على إسقاط ذلك النظام لن تسمح لأحد أن يعيد انتاجه مرة أخرى، وأن هذا المجتمع لن يتردد في بذل كل جهد لعدم السماح بعودة الاستبداد لثورات الربيع عامة وليبيا على وجه التحديد،

وأن جميع التجاوزات التي رافقت معارك التحرير كان دافعها الانتقام المقصود والحسابات الخاصة لابد أن تكون موضع مراجعة من طرف السلطة المكلفة بالرقابة والمسؤولة عن جبر الأضرار وأن فتح أبواب التحقيق وبالأحرى التظلمات وأن تأجلت بعض الوقت إلا أنها لن تتأخر إلى الأبد ولا شك أن المؤتمر الوطني العام بما رافق من انتخابات نزيهة وما توفر له من إدارة حازمة لن يتعذر عليها إدراك مثل هذه الأولويات ولن تعجز بالتالي عن مراعاتها مجتمعة ووضع الجداول اللازمة لها مجتمعة أيضاً

______________________________

حتى لا نلعب في الوقت الضائع

أمين مازن

7-11-2012

مرة أخرى تخوض الفضائيات الليبية ، عبر ما تحرص على تنظيمه من حوار مع الكثير من أعضاء المجلس الانتقالي من جهة وبعض الناشطين في مؤسسات المجتمع المدني من ناحية أخرى، حول الكثير من المسائل ذات الأهمية البالغة، مما يفرض على جميع المعنيين بالشأن العام الليبي والممسكين على نحو ما بالقرار فيه، أن يخصوها بما تستحقه من الاهتمام ، إن من حيث الإسراع بإصدار للبيانات التصحيحية اللازمة بشأنها، أو المبادرة بتدقيق ما تكون في حاجة إليه من حيث التهم التي كثيرا ما تطلق جزافاً بشأن الأداء وغياب الشفافية، وعدم الموضوعية وقد كان ما تسنى لي مشاهدته من حوار هو ذلك الذي بُث على شاشة قناة ليبيا الحرة حول حزمة القوانين التي صدرت أخيراً عن المجلس الانتقالي المؤقت ، واستهدفت تنظيم إجراءات تأسيس الأحزاب، وعالجت ما أطلق عليه هيبة الدولة، وتجريم الدفاع عن الطاغية ، إذ خلا قانون الأحزاب من كل الضوابط الضرورية لصون التنظيمات الحزبية المنتظرة من تسرب الجهوية والتعصب العرقي، وفسح الطريق أمام التطرف ، وذلك عندما حصر عدد المؤسسين في مائتين وخمسين مواطناً لا غير، فصار في إمكان كل عائلة من العائلات أن تؤسس حزباً من الأحزاب لمجرد أن تؤمن العدد المطلوب، وتتحصل على موقع في أي ناحية من النواحي ، كما لو كان الهدف من إيجاد الأحزاب في ليبيا الجديدة توفير أمكنة للخدمات العامة أو المطالب الشخصية أو تدبير التعاون اليومي في مختلف شؤون الحياة، فيما سعى قانون هيبة الدولة ونظيره المتعلق بشبهة تمجيد الطاغية إلى اقتراح جملة من العقوبات التي يمكن أن تطبق على كل من يمس هيبة الدولة بسوء، واعتبر التعرض لما يصدر عن المجلس الانتقالي من قرارات داخلاً في دائرة النيل من هيبة الدولة ، وسيكون في حكم المدافع عن الطاغية كل من يذكر بما اعتبر في الماضي خطأ من أي الأخطاء، وصار في أيامنا هذه عادياً عندما أسرفنا في استغلال الزمن الانتقالي مبرراً لكل تجاوز نقدم عليه، وصار الكثيرون يذكرون بهذه المفارقة .

فكان إن ارتفعت الأصوات محذرة من النتائج السيئة التي لا بد أن تطال الناس كافة من إصدار مثل هذه القوانين ، إن من حيث أضرارها بالمصلحة العامة المتمثلة في الحفاظ على الوحدة الوطنية وصون المجتمع من عواقب التعصب والجهويات والتطرف الذي لا مصلحة فيه لأحد ما بالك وهوياتي من باب الحزبية ذلك التقليد العصري الذي طالما وجدت فيه المجموعات البشرية أسلوباً للتخلص من هذه الأمراض مجتمعة، والولوج إلى دنيا المعاصرة وما تبشر به من كل ما هو حضاري ومفيد للناس في عمومهم إذا ما بقى قانون الحزبية بهذه الشوائب أو من حيث تكميم الأفواه والحد من الحريات العامة المترتبة على النقد، وكشف العيوب والتنبيه إلى النواقص، بل ولفت الأنظار إذا ما حصلت ممارسات خاطئة بأكثر مما كانت عليه الأحوال في الماضي ، وأخيرا وليس آخرا لأن هذه القوانين لم تستكمل بشأنها الإجراءات الضرورية من حيث نقاش اللجان وضبط حضور أعضائها وتسجيل المحاضر الدالة على ذلك إلى جانب الاحتكام إلى المعايير الدولية الصادرة عن الأمم المتحدة، والمنوطة بأداء خبرائها وما أعطتهم المواثيق الدولية والفترة الانتقالية من حق المشورة والنصح ، فهي تشريعات مفتقدة إلى المصدقية الضرورة من حيث موافقة الأغلبية الحقيقية المنبثقة عن تبادل الرأي وتوفر الحد الأدنى من التوافق ، كما أنها من ناحية أخرى خالية من المقاييس المتفق عليها عالمياً والتي لا يمكن الاطمئنان لأي تشريع يخلو منها صراحة لا تلميحا. ومعلوم أن الكثير من الأوساط الليبية ما فتئت تتناقل وعلى أكثر من مستوى أحاديث غير سارة حول ما شاب الكثير من القرارات من شائبة الفساد والإفساد، مما دفع رئيس المجلس الانتقالي منذ مدة إلى عدم استبعاد مثل هذه النقيصة متوعداً كل من تطاله شبهة من الشبهات بالتعرض للمساءلة، ومن ثم المحاسبة مؤكداً إنه لن يجد غضاضة في البدء بنفسه ، الأمر الذي أثار في حينه الكثير من مشاعر الراحة والاطمئنان ، مما أدى إلى التقليل من أثر الناتج عن طول الوقت الذي استهلكه تشكيل الحكومة المؤقتة، وما أثاره توزيع حقائبها، واختيار حامليها من الأشخاص والتخصصات والتوجهات الفكرية والسياسية والأصول القبلية والعلاقات الشخصية ، على خلفية الثقة في العهد الذي قطعه رئيس المجلس الانتقالي، وما عرف عنه من ماض مشرف بشأن الدفاع عن الحقيقة والانتصار للعدالة والقدرة على الجهر بالرأي الموضوعي في كنف الرؤية القائلة بأن جميع مدن وقرى ليبيا لا تخلو من العناصر الكفؤة والقادرة على حمل أي مسؤولية وأن أبسط قواعد المواطنة تقتضي مراعاة التكافؤ في الفرص، وأن استبعاد مبدأ التوزيع بحجة التخلص من شائبة التحاصص ليس هو الخيار الأمثل باستمرار، وبالتالي فإن الاعتراض على أي اسم أو أكثر ليس دائماً في غير محله ، كما أن محدودية السكان وانتشار المعلومة وقوة التواصل بين مكونات المجتمع لن تفلح في إخفاء تأثير الشخصية على الكثير من الخيارات، فالبشر هم البشر والعظمة لله وحده ، والاحتكام للعاطفة في عديد الأمور لم يسلم منها الأولون من الصحابة ومن تبعهم ما بالك الذين يعيشون بعد ألف وأربعمائة سنة من زمن الرسالة المحمدية . والحقيقة أن ما يرافق الكثير من قراراتنا ومشاريع قوانيننا من سحب بعد التوزيع وتعديل بعد التوقيع من الأمور المقلقة وغير المريحة بأي حال من الأحوال بل لعلها بكل الصدق تضعف دون غيرها هيبة الدولة التي سيكون البعض إنها يمكن ان تتحقق من خلال الحجر على نقدها وكشف مواطن الضعف فيها ، وهي أن دلت فإنما تدل على حجم التخبط وضعف مستوى المشورة ، أو بتعبير أدق لوجود فئة ذات نفوذ أكبر تستطيع حين تريد أن تسحب ما ترى ضرورة سحبه، وتعدل ما تحرص على تعديله ولا يعزب عليها في نهاية المطاف أن تصل إلى كل ما تريد، وهي في حل من أي مانع من الموانع ، فإذا كان هناك من يبدي ملاحظة على هيأة استياء من التهميش أو ما في حكمه ، فإن هناك نظرة أكثر إدراكا لا تتردد في إعلان سخريتها من وجود مثل هذه الروح ، إذ من الذي يأسس على انعدام مساهمة جانب الخسارة فيها أكثر من الربح ، بل كثيرا ما تكون الدعوة إليها لا تخرج عمَّا يطلق عليه المنظرة او الديكور ، ويكفي أن يوجد من يفكر في إصدار تشريع يرى أن هيبة الدولة يمكن تحقيقها من تجريم النقد وحرية الرأي ، فيغيب عن ذهنه ان هيبة الولايات المتحدة الأمريكية لم تتحقق بواسطة القوانين القائمة للاشتباه السياسي، أو الداعية لتكميم الأفواه، ولكنها تحققت أو ازدادت في التحقق بالأصح عندما خرج الرئيس نيكولس من رئاسة الدولة الضخمة، لأن القضاء الأمريكي أدانه ، وأنها تألقت أكثر فأكثر عندما ظهر كلينتون على شاشات المرئية ودموعه سائلة على وجنتيه اعتذارا عما بدر منه . وأن فرنسا خلدت في حاضرها القريب عندما استقال الرئيس ديغول عندما رفض الشعب الفرنسي مقترحه الرامي إلى تعديل الدستور ، وأن دول شرق آسيا لم تنل هيبتها لما حققته في مجال التصنيع، وإنما لما سادها من حكم القانون ، وإن روسيا التي استبدلت نظامها الاشتراكي بدعوى الحرص على إقامة المجتمع الديمقراطي ، عجزت عن الظفر باحترام أبنائها فضلا عن العالم أجمع، إذ تأكد أن ما يجري الداخل لا يتجاوز لعبة المحلل بين بوتن ومن على شاكلته . وإن ما ميز تونس ومصر لم يكن سوى ما لدى القضاء من الفاعلية وان عظمة الإسلام بدأت من احتفاء ابن الخطاب بكلمة (( لا )) أما الخوف من تمجيد الطاغية وإصدار قانون يجرم من يقدم عليه فلا شك إنه يثير الرثاء مما يثيره من السخط وحب المرء أن يشير إلى أن هذا الخوف قد اكتشف ولم يبقَ من عمر المجلس الانتقالي سوى أسابيع معدودة، فبأي منطق يتم الآن إصدار هذا النوع من القوانين ، اللهم إلا إذا كان هذا المنطق هو ذاته الذي أباح وضع هذه الأموال الكبيرة بيد سلطة لم توضع أمام الرؤية الكاملة والآلية الكاملة . إن القول بأن استقلالنا يبيح لنا أن نصدر من القوانين ما نشاء دون أي مراعاة لما يسود العالم من رؤى ومقاييس لا يختلف مطلقاً عمَّن يقترح التداوي بالكي وعدم الامتثال لتعليمات الطبيب ، لأن لنا تراثنا ، ألم يكف أننا أسندنا إلى المفتى الحق في مراجعة القوانين مع العلم أن السلطة في الإفتاء مسندة إلى مجلس كان من المفروض أن يحدد اختصاصه وطريقة تسييره ، وإن المرجعية المعترف بها عندنا وعند العالم الذي انتصر لنا في ثورتنا هي في الإعلان الدستوري، ولا شيء غير الإعلان الدستوري، حتى ولو كان هذا الإعلان دون مستوى الطموح، ويحتاج إلى الكثير من المراجعة والتدقيق ، فما دمنا قد ارتضيناه كي يكون القاعدة الأساس في التعامل فإن التقيد بأحكامه البداية الحقيقية للسلامة . ونعود الى ما سبق الحديث عنه بصدد الحزبية والأحزاب والتي عادت كما هي في كل العالم كي تكون الدليل الملموس على تحقق الحد الأدنى من شروط الحكم الرشيد، أو الذي يسعى لكي يكون رشيدا ، فنقول أنه ما لم يتم الاحتكام إلى توفر عدد من آلاف المواطنين الذين يتحملون مسؤولية التوكيل بالتأسيس وبنسبة واضحة من التوزيع السكاني الذي يخرج بالمشروع من شبه الجهوية، أو التعصب، أو أي نقيصة من النقائص التي تهدد الوحدة الوطنية، فإنها أي الأحزاب لن تكون سوى التكرار المخجل لتجربة الجمعيات الاستهلاكية التي حاولت ذات يوم أو أريد لها أن تكون كذلك مجرد أداة من أدوات الاستفادة الضيقة لمؤسسيها من الأقارب والأصحاب ليس غير، كل ذلك إلى جانب الشروط المتصلة بضمان حقوق الإنسان، ونبذ العنف والقبول برأي الأغلبية وقرارات الإدارة المسؤولة عن كل مرفق من المرافق، وقد نختم فنقول أن هذه المرحلة التاريخية الفاصلة التي ينتقل فيها الوطن من عهد إلى عهد، ووسط ظروف دولية بالغة الصعوبة، وأخرى إقليمية كثيرة المخاطر تحتاج أول ما تحتاج إلى الاحتكام إلى حقيقة مفادها إن إنصاف المظلومين وجبر أضرار كل من طالهم العدوان في أغراضهم أو أرزاقهم أو أرواحهم أو هذه مجتمعة هو البداية السليمة للاتجاه نحو الغد الأفضل ، إذ الاعتراف الصريح بالأضرار أول درجات التحرك للخروج من دوامة المأزق المنذرة بكل ما هو سيء وضار ومخيف، وأن الانطلاق من نظرة تدرك ضغط المساحة الجغرافية والندرة السكانية ونوعيتها ومأساة توزعها عبر حدود كلها تنذر بالصعب وتهدد بالأصعب أمر بالغ الضرورة . إن حقيقة كوننا لسنا في العالم وحدنا ، بل وشديدي التأثر بما يجري فيه من سياسات تتعلق بالحاضر والمستقبل ، وإن خُيل لنا عدم التدبر الكافي، إن الأمر ليس كذلك، وإن ما يدفع به البعض من تحذير من اعتماد نظرية المؤامرة ، لا يعني على الإطلاق ، استبعاد هذا الهاجس من الحساب ، فما أكثر ما اتفقت مخططات الدول ورغبات الناس والعكس صحيح . كما أن معظم الحسابات تؤكد إن دور الدولة الوطنية قد تضاءل حتى كاد أن ينعدم ، ولكن مبدأ القبول يظل هو المقياس لتقييم أداء كل لاعب ، عبر هذه اللعبة الكبيرة . وما دام هناك من لم يدرك أن الذين ظلوا مئات السنين عاجزين عن معرفة ما تمتلئ به صحاريهم وبحارهم من كنوز إلى أن جاء الآخر، فاكتشفها وخرط قبل ذاك حدودها وقواعد التصرف فيها ، فإن كل طمع في الفوز بالنصيب الأكبر منها عبر لعبة التجزئة هو رهان خاسر من البداية فطوق النجاة الحقيقي لهذه الأقلية المشتتة في هذه الأرض الشاسعة إنما يبدأ من بناء الإنسان المدرك لهذه الحقيقة والقادر على التكيف معها وتحس الحليف الأكثر قدرة على الإسهام فيها والخصم الأكثر خطورة عليها ، وأن ادعى غير ذلك متعجلاً في النظرة أو متطلع يصر على اللعب في الوقت الضائع .


______________________________

عن البطاقة الانتخابية وتوابعها

أمين مازن

 

ويمضي مسلسل الأحداث المتصلة بالبطاقة الانتخابية وعودتها ، والحياة وتقلبها، ومصالح الناس وتضاربها، وأثر ذلك على حركتهم وتبدل أحوالهم وتغير أنماط سلوكهم، وقدرة بعضهم الفائقة على التلون وبالأحرى التملص، بصدد كل ما ظفروا به موفور الخدمات، بواسطة مسميات استحدثت وكانوا في مقدمة السباقين إليها والمستفيدين منها،عن أحقية مرة وبدونها مرات، وصاروا في صراعهم للتملص ولايستنكفون من أكل بعضهم بعضا، فقد غرقت السفينة التي طالما سعى الكثيرون للركوب فيها،منذ أشهر تسعة وبدا النسيان والتناس شرعية الناس، ومادام الأمر كذلك فلا مناص من الضحايا، وكل لايريد أن يكون الضحية، ولو من خلال البطاطس السخن!

وتسترجع الذاكرة الفنية بما اختزنت من الأحداث وشهدت من المواقف الناشئة عن الواقع الكبير وتجلياته المتعددة، وقبل ذلك الواقع الأصغر حيث النشأة الأولى، كلما عاد المرء زائراً بدافع صلة الرحم أو بدافع استعادة ما كاد أن يتلاشى بفعل الزمن ، فالواقع الصغير يمثل عينة من العينات التي يمكن أن تعتبر عشوائية وتوفر مادة من مواد القياس حين يستعين الباحث المنهج الامبريقي الذي يعتمده العالم الاجتماعي الليبي الدكتور مصطفى التير وهو يقدم اسهاماته العلمية الجادة ويقدم أحكامه حول الظواهر الاجتماعية بواسطة العينات التي طالما أحسن اختيارها في تواضع جم.

أجل فمن هذا الواقع الصغير الذي يمكن رصده من المداومين على فنجان الشاي الذي يحرص على إعداده مجاناً كل صباح ومساء صديقنا «الحاج مصباح» الذي لم يثقل على أحد بطلب شخص طوال الثمانين سنة التي خلفها منذ سنوات ولم يكتم طيلتها كلمة حق صريحة أو شهادة يدفعها الضمير النادر، يستطيع الدارس أو الملاحظ أو المتطلع إلى الشهادة أن يقف على الكثير مما يجري في الواقع من أحداث وما يحتدم من صراع مرتبط أوثق الارتباط بالمصالح إلى الحد الذي يجعل الكثير من الوسائل غير شريفة،فتتسع المعرفة بأسباب الكثير من المتغيرات وعواملها الحقيقية وحجم المصلحة الضاغطة أو نوعيتها، فقد اخترع الكثيرون مصطلحاً لاستيلائهم على الكثير من الأملاك العامة والخاصة، المنقولة والثابتة أسموه بالغنيمة عند تحرير المدن والقرى ولاسيما تلك التي حسم أمرها عقب تحرير العاصمة ووفد إليها الثوار من أكثر من مكان لنجدة زملائهم وملاحقة الفلول المنسحبة وحدث أن استغل هذه الوضعية أشباه الثوار من المتسلقين بل والخارجين من سجون السوابق الجنائية ، ممن كان همهم الأول الكسب وكان غطاؤهم التقول على من عرفوا بشئ من التريث أو التردد أو حتى تغليب المصلحة الخاصة وربما المحدودة للواقع الصغير وكان أن نشط هؤلاء «المحترفون» في الاستيلاء على كل شئ مما وثقت نقالات القوم ونشرت شبكة المعلومات وتحولت الأفعال إلى حديث يعيده الناس صباحاً مساء وهم يتحدثون عن الانتخابات وكثرة الذين تقدموا إلى المعركة وظهرت ملامح خسارتهم جميعاً أمام منافسيهم،فتخطر أمام ذاكرات المواطنين مواقف كثيرة، كذلك الموقف الذي أصر عليه الحاج محمد«تابابة» الذي كان في مطلع سنة 1952 مستخدماً بالمتصرفية، وفرض عليه المتصرف المتدخل في المعركة أن يكون وكيلاً لمرشح الحكومة، ويومئذ بذل الرجل وهو الضعيف أمام السلطة كل ما في وسعه للاعتذار عن المهمة، ولما لم يكن ثمة بد من قبول المهمة أقدم على حجب صوته، بحيث استطاع أن يتجنب الخروج عن الاجماع الشعبي والرافض لمرشح السلطة وممثلها «الصديق بك»، وأن ينفذ تعليماتها بصدد واجب الوكالة وفي تطور آخر بصدد مسألة الوكالة حدث في آخر انتخابات أجريت سنة 1965 وقد أصر فيها أحد أشراف ودان على ترشيح نفسه رغم ادراكه بأنه لن يربح المعركة بأي حال وقد طلب من ابن أحد أصدقائه أن يكون عنه وكيلاً في مركز اقتراع «هون» ويومئذ لم يرفض المرحوم «محمد أحمد بشير» أن يكون وكيلاً عن السيد «بولموشة» المعروف بابن حبير، إلا أنه صارح صاحبه بأن الصوت الخاص به أي محمد بشير لن يكون مكانه صندوق الموكل ، ولم يجد الرجل أي غضاضة في الموقف إذ المطلوب بالنسبة له أن يكون وكيله من الأصدقاء وليس من الاقارب، وهكذا لم يأتِ يوم الاقتراع ويكون لكل مرشح وكيلاً من أقاربه سوى ابن لموشة، فقد كان وكيله من الأصدقاء ومن أكثر الناس حماساًلمرشح واحد! وكان ذلك الاقتراع هو الاول من نوعه الذي ظهر فيه ما يجعل صوت الصداقة أو الوفاق السياسي يخرج عن ضغط القبيلة التي كثيراً ما جعلت مثقفينا يبدأون أميين وينتهون قبليين كما عبر جاد الله في أحد لقاءاتنا التي كنا نتبادل فيها الحديث حول الكثير من مفارقات هذا الواقع التي لاتعرف التوقف مرة إلا وتتلوها مرة أخرى وعلى نحو أكثر إثارة للعجب إن لم نقل السخرية، وبالذات فيما يتعلق باختلاف كلام عن الفعل، ومناقضة الشعار للحقيقة، حين لم يجد الكثيرون حرجاً بين المدح العلني والنميمة السرية، ولاسيما في ذلك الواقع القروي الذي لاتخفى فيه خافية عن كبريات الأحداث التي شهدها المكان وما انجز فيه البعض من صفقات وحققوه من مكاسب وكونوه من أرصدة سواء تلك التي دخلت دائرة الملايين وسحبت في الفترة التي سبقت حرب التحرير بقليل أو بعد اندلاعها بفترة وجيزة، أو بالأحرى التي تكونت بواسطة ما اطلق عليه البعض مصطلح الغنيمة والذي لم يكن في واقع الأمر سوى السعي الساذج لإخفاء ما لايمكن إخفاؤه، وعلى الاخص فيما يتعلق بأمور الثراء الفاحش الذي ما كان له أن يتكون لولا العلاقات المشبوهة مع الممسكين بالقرار ومن يمت إليهم بصلة القرابة ، الثراء الذي يمكن اثباته من المساكن الفخمة التي لاتنسجم مطلقاً مع الواقع الصغير وطبيعة السكان ومسيرة النمو والتي توجد داخلها الكثير من أصناف السيارات الجديدة والمتجددة، منها ما جاء عن طريق التوصية ومنها ما تم شراؤه من المعارض، وأخيراً ما كان على صلة بالغنيمة ومنها ما كان وقوده مؤمناً من طرف أمراء الكتائب الذين هم في نفس الوقت أمراء القبيلة، فقد طال عمر العهد إلى التاسع عشر من سبتمبر الماضي مما جعل كل ادعاء لغير هذه الحقيقة لا مجال للقبول به من كل ذي دراية بحقائق المرحلة ومفارقتها وكيف أفلح الكثيرون في الانتقال من النقيض إلى النقيض، وثمة من استطاع أن يصنع من شخصه مقيماً لمن كان شريكاً له في الهوية والموقف وإذا به يسبقه على الموقع المختلف، بل ولايجد حرجاً من القاء المسؤولية كاملة على من هو أكثر براءة فيكون ذلك كله موضوع الاحاديث الساخرة والمفعمة أيضاً بمشاعر الحزن جراء هذا التحول الذي يرفض أي مستوى من مستويات التواصل بصدد كل ماهو مشترك يفترض أن يجمع المهتمين بالشأن العام كافة.


لعلم مجلس حقوق الإنسان

لئن لم يستطع قرار المجلس الانتقالي المؤقت، القاض ببعث المجلس الليبي الأعلى لحقوق الانسان أن

يقنع بعض الذين اعترضوا على إنشائه بالطريقة المذكورة بدعوى أن الدفاع عن حقوق الانسان نشاط ينبغي أن تنهض به الهيئات الاهلية بوصفه من الاستحقاقات ذات الطبيعة التطوعية، لاتلك التي تأتي بواسطة القرارات، إلا أن الذي لاشك فيه أن اسناد مسؤولية تسيير هذا المجلس إلى القانوني الكبير والنقابي المشهور الاستاذ «محمد العلاقي» لم يترك حجة تذكر لمثل هذا الاعتراض، بل لعله على ضوء الكثير من المعطيات يمكن أن يوصف بالشكلي نظراً لما عرف عن العلاقي من شدة الحماس ودوام المثابرة على مثل هذه المهام، طيلة السنوات التي قدر له فيها أن يكون داخل الاسرة القانونية الشريفة، محامياً في مختلف الدرجات فنقيباً للمحامين وعضواً بالأمانة العامة لاتحاد المحامين العرب، ومسيراً لجمعية حقوق الإنسان الليبية وناشطاً لايعرف التوقف لتفعيل مؤسسات المجتمع المدني وصون استغلالها ولاسيما في الأشهر التي سبقت اندلاع ثورة السابع عشر من فبراير حين كان العلاقي من أبرز المتحركين لطرح الرأي الآخر المشتبك مع دعاة السكونية الذين لم يوفروا سلاحاً إلا وشهروه في وجه كل من يسعى إلى أي قدر من حلحلة الأمور نحو الأفضل، أو على الأقل مضرة ومازالت اذكر لمحمد العلاقي موقفه المتفرد في الأشهر الاخيرة ،من رئاسته لنقابة المحامين، عشية اتمام الهيئة المديرة لمدتها وتحديده لموعد انعقاد المؤتمر العام دون انتظار لموافقة شؤون النقابات التي كانت تلوح بتأجيل الانعقاد بقصد المدة الأمر الذي أطرب الكثير من هواة السلطة من العاملين في الحقل النقابي من شكل لهم العلاقي الموقف النشاز كما ذكر الكثير منهم في حينه بل إن العلاقي لم يكتف بذلك الموقف وحسب وإنما ذهب إلى أكثر من ذلك فانضم إلى التكتل الذي خرج على العرف المتبع والتوجه الرسمي عند اختيار النقيب البديل حيث سعت الأطراف المتنفذة إلى اسناد الرئاسة إلى ما لمسوا فيه الطاعة وكان نجاح الأستاذ «عبد الحفيظ غوقة» ضربة ما لبثتت السلطة أن واجهته بالتدخل الذي أدى إلى حل النقابة وأخيراً التدخل في عملها بحيث لم تبقَ سوى نقابة طرابلس التي وفرت الفضاء البديل عندما نهض بالأمر القاضي والمحامي الأستاذ «عبد السلام وقميش»، لقد كانت فترة مهمة للغاية تلك التي اضطلعت فيها نقابة المحامين بالكثير من المناشط التي اختصت بالشأن العام، وتحولت نقابة محامي طرابلس إلى أحد مراكز الاشعاع الفكري الجاد، حين لم يكثرت أمثال العلاقي، وضو المنصوري ومحمد دراه وعبد الحفيظ غوقة وعبد السلام ... وجمعة عتيقة وغيرهم كثر بما كان يشهر من تهمة الحزبية وما في حكمها ومضوا في سبيلهم الرامي إلى طرح مشكلات الواقع في تجلياته الثقافية والسياسية، يشاركهم في ذلك الكثير من المثقفين الجادين الذين شكلوا ما يمكن وصفه بالجبهة العريضة،، عندما صارت أمسيات الخميس في نقابة المحامين وليالي رمضان مجالاً للكثيرين الحوار الجاد في مختلف شؤون الوطن والذي طعم لأكثر من مرة بالقراءات الشعرية والدراسات الأدبية، مما كان موضع احترام الكثير من الوطنيين الذين تابعوه بمناقشاتهم وتحدثوا عنه بكتاباتهم، وسيكون بدون شك موضوع الكثير من كتاباتهم حين يعودون إلى أحداث تلك الفترة ويحاولون توقيف أحداثها وكشف ما لايزال غامضاً منها.

وما دمنا على يقين بأن مثل هذه الاعتبارات لابد أن تكون موجودة في أذهان الكثير من أعضاء المجلس الانتقالي حين اسندوا رئاسة المجلس الأعلى لحقوق الإنسان إلى «محمد العلاقي» القانوني والمحامي والمثقف والمطلع على الكثير من أحوال المجتمع، ومادمنا على يقين بأنه وغيره من أعضاء المجلس الانتقالي على دراية بالكثير من المفارقات التي طالت أعداد كثيرة من المواطنين الليبيين عندما لحقهم الكثير من الأدى جراء التنافس الشرس على المصالح والهروب المخجل من حمل المسؤولية، فإننا نقترح عليه أن يسعى إلى التواصل مع المواطنين الليبيين الذين راحوا ضحية تصفية الحسابات المعلقة والأحقاد القديمة والمنافسة غير الشريفة، فمثل هذا التواصل من شأنه أن يرد المظالم ويجبر الضرر ويجعل المواطنين جميعاً يستشعرون الطمأنينة ويتذوقون طعم النصر، وإن الثورة جاءت للجميع ومن أجل الجميع.

لقد بادر الكثير من ذوي المسؤوليات الجديدة بنقل الكثير من الموظفين في غيبة الخضوع لمعايير النزاهة، ومن دون التقديم للمحاكمة وجئ بغيرهم من الأقارب والأصهار والأبناء،ومن حق هؤلاء على مجلس حقوق الإنسان أن يصغي إليهم ويقف على حقيقة أوضاعهم وأعفى الكثير من العاملين بعقود من دون أن تمنح لهم الحقوق المشروعة، ووصل الأمر إلى الحد الذي مكن بعض الخلافات الزوجية من أن تتحول إلى مبرر لإلغاء إقامة بعض العرب، وكم يكون مفيداً لو استعان المجلس بعدد من أصحاب الخبرة وذوي العلاقات الاجتماعية الواسعة ليضعوا أمام هذا المجلس ما يتوفر لهم عن أحوال الإنسان وحقوق الإنسان في زمن الثورة التي جاءت من أجل الإنسان، ويسعى الكثيرون ألا تكون كذلك.

_____________________________

يتعين أن يكون أكثر من رجعة


أمين مازن

 

اهتمت وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة، وعلى مختلف الصعد والساحات بمرور السنة الأولى على ثورات الربيع العربي التي انطلقت شرارتها الأولى من تونس فأفلحت في فترة وجيزة، في إسقاط حكم أحد المستبدين العرب، زين العابدين بن علي الذي اعتلى سدة الحكم في ذلك القطر، وسط صراع مرير على خلافة الرئيس الحبيب بورقيبة، والذي كان قد احتاز هو الآخر على الرئاسة المشار اليها عشية حصول تونس على استقلالها في مطلع النصف الثاني من حقبة الخمسينيات في القرن الماضي، عندما قررت فرنسا مبدأ الشروع في الأخذ بسياسة التخلى عن فكرة الاستعمار المباشر فتختار عوضاً عنه تسليم الحكم إلى القيادات الوطنية، وبالذات تلك التي تبدو أكثر اعتدالا بحيث لاينتج الحكم المزمع اقامته الإضرار المطلق بمصالحها، ولا تواجه الشعوب مضار الاستعمار المباشر الذي اقتضى المقاومة بقوة السلاح. وكان أن توصل الطرفان الفرنسي والتونسي إلى إمضاء الاتفاقية الخاصة بالاستقلال التونسي ولكن من خلال مراحل متفق عليها أو مااصطلح على تسميته بنظرية« خذ وطالب» ويومئذ حددت فترة الحكم الذاتي ثم الاستقلال الكامل واخيراً إعلان النظام الجمهوري بدلا من حكم البايات هذه السياسة لم تأخد من الزمن سوى سنوات ثلاث كانت في نهايتها تونس جمهورية مستقلة ذات حضور ملموس في المحيط القومي والدولي، وإن كانت في حقيقة الأمر هي جزء من سياسة أكبر كانت الدولة الفرنسية قد سلكتها عبر صلتها بالعالم عامة والعرب خاصة، في اهتمامها بالجانب الثقافي ومايمكن أن يترتب عليه من قوة العلائق، حتى ان اللغة الفرنسية حققت انتشاراً في المغرب والجزائر، فاق في زمن الحكم الوطني ماسبق في زمن الوصاية على المغرب والاستعمار المباشر للجزائر وفي تلك الفترة قاد بورقيبة سياسة الانحياز المطلق لفرنسا بكل تجلياتها السياسية أصبح الأحق لو لم تخذله في وقت لاحق السن ومالها من احكام، فيستطيع زين العابدين بن علي الذي لم يكن في حياته لتخطر على أحد، لمجرد أن سمي رئيسا للوزراء، أو وزيراً أول كما هي الاسماء المتسربة من اللغة الفرنسية، فاستصدر في جنح الظلام قراراً طبياً بأعلان عجز رئيس الجمهورية واستلام مقاليد الحكم في تونس، مع تأكيد مختلف الأطراف إذ القرار المشار اليه كان مسنوداً بدبابات حاصرت القصر، واتصالات ضمن الاعتراف، بما سمى في ذلك الوقت بتحول السابع من نوفمبر أردف بعد ذلك بأكثر من استفتاء علي رئاسة الجمهورية حرص أكثر من مرة على أن يرشح إلى أكثر من مرشح دخل المعركة من أجل أن يخسر! ويقال أن بن علي ليس عداء الذين لامنافس لهم، وقد تعهد بادئ ذي بدء أن يحترم التعديل الدستوري الذي حضر الرئاسة لأكثر من دورتين ولكن مالبث أن استحدت تعديلا جديد اباح الاستمرار، خاصة وأن الجماهير قد اصرت على ذلك!! كما أن أكثر من قيادة عربية لم تتأخر عن مساندة بن علي وتلميع صورته والإشادة بانجازاته، ومن الدول من اسند اليه اسمى الجوائز وأرفع الأوسمة،ولكن شعب تونس له حسابات أخرى، بدأت بتلك النيران التي أشعلها في مدينة القصرين« البوعزيزي» منهيا حياته، ولكن في الوقت ذاته كان يرمى إلى أنهاء عهد ظن الكثيرون الا مخرج منه، بحيث لم تمض أيام معدودة من آخر 2010 حتى أمتدت الثورة إلى كل أرجاء تونس ويدرك بن علي بحسه الأمني بالطبع أو لأي اعتبار من الاعتبارات الا أمل له في البقاء فيحزم أعراضه في مثل هذه الايام ويمتطى الطائرة التي أفلح في الحصول عليها ويفد بجلده ومن افلح في تأمين خروجه معه من الأسرة والاصحاب موليا وجهه قبلة ليتعذر كثيراً أن يجبر على الخروج منها ماذا كان ماتوفر لتونس من المؤسسات التي وأن لم تكن مفعله بالقدر المطلوب إلا أنها سيرت بدون شك مثل هذا المخرج لابن علي من ناحية وامكانية التنقل بالنسبة لاتباعه من ناحية أخرى، وهكذا لم يعد يذكر في تونس اليوم سوىَ المزيد من أخبار بن علي وتجاوزات بن علي، ويكون أكثر الناس اسهاما في نشر الفظائح هم أولئك الذين كانت لهم لغة أخرى وهذه على كل حال سنه من سنن الحياة، غير أن الربيع العربي الذي بدأ في تلك الأيام وهبت رياحه شرقا نحو مصر وبعدها اليمن، أمتد ضمن ماامتد الينا معشر الليبيين، حيث كان مااختلف عن ذلك كله من حيث الفعل والفعل المضاد وصولاً إلي النهاية التي نعرف جميعاً، ولها مجال غير هذه المجال وتناول يختلف عن هذا التناول تيسر لي ـ على الصعيد الشخصي ـ أن أعيش الخطوات الأولى المتصلة بهذا الاحتفال، داخل الأراضي التونسية مباشرة، إذ تزامن ذلك مع مهمة قمت بها هناك ضمن مشمولاتي الرسمية، بالدار العربية للكتاب، تحديداً، فوقفت على الكثير من التحولات التى شملت الحياة التونسية، طوال السنة المنصرمة التى قضيتها كاملة داخل تراب الوطن، منذ أن بدأت انتفاضتنا الكبرى من شرق البلاد في السابع عشر من فبراير الماضي، وشرعت في الانتشار رويداً رويداً، ولم يكن في مقدوري ـ وغيري كثرـ سوى الانطواء بعيداً عن الأضواء، والتفاصيل في هذا الصدد كثيرة، لما لها دون شك توقيتها الخاص وأسلوبها الخاص، غير أنني مجرد أن أحسست بأن الأمور قد غدت طبيعية وان المهمة الرسمية يمكن أن تستمر، وكانت الوجهة نحو تونس ومحاولة ولوج واقعها من الداخل سواء عن طريق العلاقات الشخصية والفضاءات المعتادة التى تبدأ عادة من مقهى باريس وجلسه أبي زيان السعدي التي طالما جمعت مختلف الأطياف، وقد تمتد الى اتحاد الأدباء والكتاب التونسيين وقد كان هذه المرة أن فرغ لتوه من إعادة انتخاب الهيئة المديرة، وهي انتخابات تجمع الكل على أن إنجازها قد تم في جو من عدم التدخل على أي مستوى من المستويات، وان كانت المرحلة الانتقالية قد ألقت بتبعاتها على حجم الحضور فيما يبدو، غير أن نسبة التجديد التى وصلت نصف المقاعد واختيار أكاديمي بحجم الدكتور الخالدى مع ما رافق ذلك من توزيع المهام ووجود عناصر تجمع بين الإبداع والحضور الصحفي من شأنه أن يجعل حجم التفاؤل أكثر مما عداه بالنسبة لمسيرة هذا التنظيم الفاعل على المستوى العربي والذى لابد أن يكون كذلك بالنسبة للمرحلة الجديدة ليس فقط على المستوى العربي المهدد بجملة من الإكراهات، بل ومن تونس ذاتها التى ادخلت عليها الثورة الكثير من المتغيرات، دون أن تمس فضاء الحرية، إذ ماتزال الصحف الخاصة حيث هي ولم تحجب سوى صحيفة الحرية باعتبارها صحيفة الحزب الرسمية والحزب أصبح في ذمة التاريخ، فلا مناص من أن تختفى الصحيفة، ولكن دون المساس بكتابها إذ يلاحظ حضورهم جميعاً في الصحف الخاصة التى ازداد عددها على نحو لافت، إلى جانب تشبت الذين ينشرون داخلها بحقوقهم كاملة غير منقوصة، ولا سيما في مجال اختيار قيادات الإعلام والصحافة، فهناك اصرارغير عادي على ضرورة أن يكون للحرفية دورها، كما أن نقابة الصحفيين تبذل من جهتها الكثير من الجهود حتى لايضار العاملون في هذا الحقل الحيوى وهم يصطدمون ببعض التوجهات المتعلقة بالحياة الاجتماعية كإرتداء النقاب في مدرجات الجامعة واصرار ادارة الكليات الجامعية على أن يكون الحضور في المدرجات خلواً من هذا التقليد، ووصول الخلاف إلى حد الاعتصام الذى اصر عليه أساتذة الجامعة فينعكس ذلك كله في الصحف وحتى القنوات الفضائية، كما يمتد الى فضاءات المقاهي وما في حكمها،حيث يختلط الخاص بالعام، والثقافي بالسياسي وهذا الأخير بالدين فيما يكون الأمر بالنسبة لنا معشر المتعاطين لهذه القضايا مع حملنا لأسئلتنا الليبية وملاحظتنا للأعداد الكبيرة من الليبيين الذين يملأون الكثير من الفنادق ومؤسسات العلاج فإن الأمر يبدو أكثر استدعاء للاهتمام والملاحظة وقد أقول المعاناة.
وحسب المرء أن يشير هنا أنه في الوقت الذى حرص السيد منصف المرزوقى الرئيس المؤقت لجمهورية تونس أن تكون فاتحة زياراته الرسمية تبدأ بليبيا ، إذا به يحضر مرة أخرى تدشين مؤسسة اطلق عليها مركز الشرق يقتصر حضور المساهمين فيها علي شقيق أردني وآخر مصري ويكون محور الحديث محصوراً في تونس ومصر وسوريا واليمن، وكان ليبيا ليست في الوجود فلا يمثلها من يمكن أن يكون في حجم هؤلاء ولاينوب أحد من الحاضرين في الإشارة بما امتازات به ليبيا والسابع عشر من فبراير الثورة التى اصرت منذ أيام قليلة تدش دعوتها للمصالحة الوطنية بحضور عربي كان من بينه السيد راشد الغنوشي ويوسف القرضاوي ويتم غياب ليبيا من مؤسة يفترض أنها تشمل العرب أو الثورات أو أي تسمية من التسميات، مما تزدحم به الأفكار ولايتسع للخوض فيه هذا الحيز، فيتعين تبعاً لذلك أن يكون إلى الموضوع أكثر من رجعة وللاشارة أكثر من تفصيل

هـــذا العيد الذي نستعيــــده


أمين مازن

 

كان يمكن لاستقلالنا الوطني الذي وقع إعلانه في الرابع والعشرين من ديسمبر سنة 1951 على لسان المغفور له السيد إدريس السنوسي الذي قرنه بتسمية شخصه الكريم ملكا على تلك الدولة المتقدمة الى المجتمع الدولي وفي كنف من كريم رعايته بداية لانبعاث مرحلة تطورية قادرة على المضي نحو التقدم بخطوات حثيثة . بالنظر الى ما سبق ذلك الاستقلال من عظيم التضحيات التي بذلها الليبيون... في كل أنحاء الوطن . منذ أن تعرضت ليبيا في تاريخها الحديث لمخططات القوى الاستعمارية النامية ، باعتبارها منطقة من المناطق التابعة للإمبراطورية العثمانية التي لم تعد قادرة على البقاء في مصاف الدول الموثرة ، بقدر ما أضحت تتخلى عن إمبراطوريتها الكبيرة منطقة تلو الأخرى ، تمشيا مع أملاءات لم يعد الرجل المريض قادرا على التخلص منها ، بقدر ما صار سريع الاستجابة لها والتعاطي معها طبقا لما يبتغي القادمون الجدد ، الذين افلحوا في التسلل الى مقومات وجوده الدولي من الأساس ، ففي تلك المعركة التي بدأت قبل مائة سنة من الزمن ، أي منذ خضوع ليبيا للغزو الإيطالي وعقب معاهدة غير متكافية مع الدولة العثمانية العاجزة ونشوء حركة المقاومة التي لم تكن شروطها الكثيرة بالقادرة على المواصلة الحقيقية ، كان حجم الصراع الدولي والضعف الداخلي والتأمر الإقليمي ، كان كل شي يصب في غير مصلحة الليبين ، الأمر الذي كان من نتيجته أن انتهت حركة المقاومة العسكرية بالكامل ، وكادت ليبيا أن تكون جزءُ من تلك الدولة الصاعدة من الجنوب الأوروبي نحو نفوذ دولي ومشروع استعماري لا طريق له سوى تلك الشواطئ الطويلة التي تبدأ من حدود تونس الخاضعة لاستعمار فرنسا غربا الى السلوم حيث مصر الخاضعة للاستعمار البريطاني شرقا والمتحالف مع الأسرة العلوية التي لم تخف مطامعها التوسعية نحو هذه الأرض الواسعة ، ان لم يكن بواسطة قضم الأراضي المتمثلة في الواحات الشرقية فبواسطة الترتيبات المتفق عليها كما تشهد الكثير من الوثائق المحفوظة عن تلك الحقبة ، بواسطة الرسائل المتبادلة والتقارير المرفوعة وما تركته من انعكاسات على مسألة الحدود الليبية في كل الاتجاهات حيث تم نهب الكثير من الأراضي ولا سيما تلك ذهبت الى مناطق النفوذ الفرنسي ، عندما كان ذلك النفوذ أكثر قدرة على فرض شروطه وأكبر أملا في بقاء القيادة والتعاطي مع الكثير من أنواع الفتن التي تسللت في مراحل كثيرة الى الصف الليبي فقللت من شروط التحامه وزادت من شروخ انقسامه ، حيث لم يتفطن جيل الآباء وهم يتجرعون السم في الدسم ، فيرفضون ما لا يجب أن يرفض ويشككون في كل من يكون رأيه أكثر تلاؤما للقبول بالممكن أملا في التطلع نحو ما هو شبه مستحيل . وقد ظهرت أثار تلك المرحلة على نحو أكثر وضوحا عند بروز القضية الليبية في المناخ الذي أوجدته الحرب الكونية ونتائجها القاضية بإمكانية تحقق الاستقلال ان لم يكن بالقدر الذي تتطلع إليه الطموحات الكبيرة فعلى الأقل بالتي تسمح ببلوغها لاحقا مما جعل مشاريع الوصاية والانتداب وما في حكمها تتقدم على ما سواها من العروض فكان ما كان من تحرك رجال ذلك الزمان وإصرارهم على نيل الاستقلال ، مستفيدين من تحركهم في المهاجر العربية وغير العربية واتصالهم بعديد القوى المتنفذة هنا وهناك بل وإسهام بعض قياداتهم في المقاومة العسكرية سواء في مصر او تشاد الى جانب التحرك المحلي ونشوء التنظيمات السياسية الكثيرة المصرة على الاستقلال ورفض ما سواه من العروض ، ولان الظروف الموضوعية ليست مهيأة بالكامل لتحقيق ذلك الطلب على الوجه الأكمل ولأن الصراع بين القوى الكبرى على أشده فقد كان صوت العقل أكثر انخفاضا وصوت ما عداه أكثر ارتفاعا ، فقد ولد ذلك الاستقلال في ظروف بالغة الصعوبة وغير قادرة على أذكاء أي جذوة من جذوات الأمل بقدر ما كانت دافعة بكل ما تملك الى الكثير من اليأس والكثير من التشاؤم ، بحيث رافق ذلك الاستقلال ما لا حصر له من الأدبيات المشككة في كل شيء واليائسة من كل تحرك ، خاصته وأنه قد جاء متزامنا مع ذلك التغيير الذي طال أكثر الساحات العربية تأثيرا في ليبيا وأشدها التصاقا بحدودها ، وإغراء لأهلها ، الشقيقة الكبرى مصر ، حيث سقط عرش فاروق بواسطة الضباط الأحرار وظهور محمد نجيب رئيسا لذلك التنظيم العسكري وبجانبه جمال عبد الناصر ، وبروز توجه سياسي جديد يتبنى رفض الملكية كنظام للحكم ويقدم البزه العسكرية بديلا ، توجه يتبنى الإسلام ويبطش بالإخوان المسلمين ، يعادي الاستعمار ويملأ السجون باليساريين ، يلعن الديكتاتورية ويحظر الحياة الحزبية، يرفض المعاهدات ويبرم اتفاقية الجلاء ، ويعتمد لذلك كله مؤسسات إعلامية قادرة على التأثير بلا حدود في الأشقاء والجيران ، وسلطة عاجزة عن تقديم أي عون حقيقي فكان لا مهرب لذلك الكيان الوليد من أن يلقى الصعوبة تلو الصعوبة من ذلك الواقع المؤثر ابتدأ من اعتراف الجامعة العربية المسيرة من قبل السيد عبد الرحمن عزام صاحب الموقف غير الودى من الملك إدريس ، ان عندما كان يسهم في الجهاد الليبي أو إثناء هجرته الى مصر ، حيث كان عزام وراء الكثير من الأنشطة المعادية للسيد إدريس والكثير من أقاربه او وهو يستعد لاستلام دوره القيادي ، عندما سحب عزام دعمه للبشير السعداوي لمجرد تبنيه لفكرة مبايعة إدريس ، بل واردف ذلك بدعم الكثير من التوجهات والمطبوعات المعادية للسعداوي ، فكان من نتيجة ذلك كله أن ازدادت كمية المصاعب لولا أن الإرادة كانت أقوى والإصرار على المسيرة ولو بأضعف الإمكانيات كان أكثر ثباتا ، فكانت مواصلة الرحلة بالمستطاع والتغلب على الصعوبات الواحدة تلو الأخرى ولا سيما بعد الشروع في التنقيب عن النفط وما ترتب عليه من إنفاق للأموال وشروع في مخططات النمو ووجود ظروف جعلت الكيان الوليد يتقدم الى المجتمع الدولي والمحيط الإقليمي بخطوات أكثر ثباتا فكان بناء الدولة المتوفرة على الكثير من شروط المعاصرة . وكانت المسيرة التنموية التي تحققت في أكثر من ميدان ولا سيما في مجال التعليم ، على الرغم من أن الانتماء الوطني لم يكن بالمستوى المطلوب إذ بقي الانبهار بالصوت الديماغوجي المفتقد لأي برنامج حقيقي أكثر جذبا للأجيال الجديدة بحيث لم تكد حقبة الستينات توشك على الانتهاء حتى شمل قلب نظام الحكم الحياة الليبية وسط جملة من المؤثرات الداخلية والخارجية التي جعلت الأمر يتم بسهولة لا نظير لها ، لتتم بعد ذلك رحلة العقود الأربعة التي قامت على فكرة الإقصاء لكل ما هو أصيل وذي علاقة بالتاريخ او مرسخ لإسهامات الأعلام ، فاعتبر كل ما سبق 1 / 9 / 69 باطلا وما تلاه هو الصحيح انها ثقافة السياسات الانقلابية التي سادت الوطن العربي عبر أنظمته الشمولية التي ألغت كل ما سبقها ليس من خلال الطعن في ممارسات السياسية وتحولاته الاجتماعية وإنما الذهاب الى أكثر من ذلك حيث ألغى الماضي بالكامل . ولم يعد في مناهج الدراسة سوى ما حدت بعد الانقلابات العسكرية التي وصفت بالثورات . رافعة شعارات الوحدة العربية والوحدة منها براء ، ومدعية السعي لنشر الإسلام وكل ممارساتها ضد الإسلام أملا في نشوء أجيال منبتة من جذورها مغيبة عن ماضيها ، والتفاصيل في هذا الصدد كثيرة والحديث بصددها يطول ، وربما أمكن الخوض فيه عبر ما تيسر الإسهام به بقدر ما سمحت به ظروف النشر وبيسرب عبر وسائل التواصل ، كلما وجدت فرصة للحديث عن تلك الفترة من تاريخنا والتي بدأت في الرابع والعشرين من ديسـمبر 1951 لعل أخرها ما نشرناه منذ سنة مضت وفي مثل هذه الأيام ، عبر فرصة أتيحت وجرت محاولة توظيفها في الإساءة للمرحوم الملك ادريس ، تحت مبرر إبعاد السيد البشير السعداوي من البلاد في الأسبوع الأول من عهد الاستقلال ، وكان أن وقع تجاوز ذلك وقصر الحديث على الواقعة التاريخية وحدها ودورها في حركة التاريخ الأمر الذي لم يخف على الكثير من المتابعين ممن لم يبخلوا بتثمين ذلك التوجه بأكثر من سبيل ، حتى كان السابع عشر من فبراير وكانت انتصاراته المتمثلة في استعادة الوطن واستعادة تاريخه ، ورد الاعتبار للخالدين في هذا التاريخ وفي مقدمة ذلك عيد الاستقلال الذي أعلن في الرابع والعشرين من ديسمبر 1951 على لسان أكثر رجال الوطن إسهاما في تلك المرحلة الطويلة ، حين عرف الآباء قدره ومستوى جدارته فقرنوا اسمه بقرارهم القاضي بإكمال الخطوات الخاصة بالدولة الحديثة ، عبر دستور مكتوب وبيعة موثقة ، وترتيبات توافقية راعت ظروف البلاد واشتراطات المرحلة ونصائح المجتمع الدولي الذي لم يبخل بإيفاد القادرين من خبرائه وعلى رأسهم السيد أدريان بلت الذي خلد اسمه على ابرز شوارع العاصمة (( طرابلس )) ويومئذ نسبت الى الملك إدريس مقولة المحافظة على الاستقلال أصعب من نيله .

وإذا كانت هذه الكلمة قد اختفت من قاموسنا السياسي ، منذ عقود أربعة خلت من تاريخنا وأعمارنا ، لتعود اليوم مع الرابع والعشرين من ديسمبر للاحتفال به كيوم شهد مولد دولتنا ، ورأينا طيلة اختفاء الكلمة من حياتنا من الأهوال ما رأينا ، فإذ ذلك ينبغي ألا يصرفنا عن استعادة ما سبق هذه الحقب طيلة الثمانية عشرة سنة التي هي كل عمر ذلك العهد ، فنتصور أنه كان خاليا من التجاوزات ا وان بعض تلك التجاوزات ما غرس آسفين الزوال من البداية ، وان شيئان من المسئولية لن يخرج منه ذلك الأب الكبير نفسه ولا مناص من التنويه به ليكون درسا وتذكره ، ان يكن أخطرها الانعزال والخروج من البلاد في الأشهر الأخيرة من تلك السنة وعدم الاستعانة بالحلفاء واخذ التعهدات المطلوبة لحماية الناس ورفض التنازل الذي اجبر عليه السـيد حسن الرضاء فلا شك أن استبعاد البيت الشريف من مسألة ولاية العهد ، وقبل ذلك ما لوحظ من تميز لبعض المناطق وخروج عن نصائح بلت في مسألة رئاسة الوزارة وعدم السماح لكل ذي برنامج إصلاحي أن ينفذ ما لديه من برامج حتى أن كل الحكومات التي سبقت سبتمبر لم يزد عمرها على عشرة أشهر ولا سيما حين يكون رئيسها من المناطق الغربية ، الأمر الذي سهل مهمة الانقلابيين وكانوا يومئذ يمثلون اكثر من طرف . ذلك يعني أننا في معرض الاحتفال بالرابع والعشرين من ديسمبر والتذكير بادوار رجاله وعلى رأسهم ذلك الرجل الصالح . لا نغض النظر عن الأخطاء ولا نتحرج من مراجعة أوجه التقصير ، عسى أن يكون في ذلك عبرة لمن يعتبر ولا سيما حين يستعاد الاستقلال ويرتفع حجم الأخطار التي تتهدده ، وبالذات عن طريق الذين أسهموا في استعادته ويسعى بعضهم الى الانفراد بمردوده .

_______________________________

 

قبل الخوض في المسألة الاقتصادية


أمين مازن


بصدفة أكثر من كونها ترتيبا، حضرت يوم السبت الماضي جانباً من مؤتمر رجال الأعمال الليبيين الذي انتظمت فعالياته بفندق المهاري، تحت عنوان هوية الاقتصاد الليبي، وقدمت حوله جملة من الأوراق المكتوبة التي جمعت بين الرسمي والاختصاصي، وكرم خلاله عدد من العاملين في هذا الحقل، ممن كانت لهم بعض المواقف الجديرة بالتكريم، على خلفية ان هذه المواقف تصب في مقاومة النظام المنهار، وكان من بين مفردات هذا التكريم مجموعة من الأوشحة التي زينت بها صدور هؤلاء، وقد وصف بعضها، ان لم تخنى الذاكرة بالعمل الصالح، وللاوسمة والأوشحة في تاريخنا معشر الليبيين سجل حافل بالمفارقات، يعود تاريخه إلى السنوات الأولى من قيام الدولة الليبية، إذ طالما جاء على هيئة رد على اشاعة من الاشاعات أو تشكيك في تصرف من التصرفات، فيتخذ منه أصحابه وبواسطة الجهد الإعلامي ، وسيلة من وسائل الدفاع ازاء ما طال أولئك المكرمين من شبهة حول هذا الجانب أو ذاك، وقد تضاعف بعد ذلك التاريخ العبث بالتكريم واللهات خلف بلوغه والوسائل المؤدية إليه ما جعله موضوع اشتباه، أكثر من أن يكون مدعاة للتقدير، وتبقى الحقيقة الأبدية ان لكل زمن رجاله وأنواع تكريماته ومبررات اسنادها حين تسند، ودواعي حجبها حين تحجب .

أما العزوف وتقدير التبعات، وبعد النظر الذي يدعو إلى الحذر والخشية من تبدل الأحوال وانقلاب المعايير فذلك أقل ما يلتفت إليه البشر ولأن الصدفة كانت سيدة الموقف بالنسبة لوجودى في هذا المحفل فقد اكتفيت بالقسم الأول من الجلسة الأولى، إذ كنت مضطرا الخروج في الاستراحة فلم أتمكن بحكم الخروج الاضطرارى من الاستماع للجميع، إلا أن ما تمكنت من متابعته من الكلمات هيأ لي تكوين فكرة عن المطروح، ولاسيما المقترحات العملية التي طرحها بوضوح تام رجل الأعمال حسني الذي طالب فيها بتجميد القانون رقم (4) المتعلقة بملكية الأرض على خلفية ان أي نهضة عمرانية لا يمكن لها أن تتكون بدون سياسة اقراضية واضحة، وان هذه السياسة تشترط أول ما تشترط الضمانات ومن بين ضمان مثل العقار، وما دام هناك نص يحرم ملكية العقار فإن الاقراض في حكم المستحيل والحق ان الرجل كان واضحا وصريحاً وعمليا أما الدكتور علي الترهوني فقد كانت دعوته الحازمة والصريحة إلى وجوب اتجاه الاستثمار الليبي للإنسان من حيث مستوى التعليم والصحة قبل كل شيء، وكذلك استغلال الثروة الطبيعية المتمثلة في موقع ليبيا من العالم ومناخها الغنى بالتنوع والاغراء في استحداث الدخل البديل للنفط، وهو توجه قد لا يقدر عليه الليبيون وحدهم فلا حرج أمام هذه الوضعية من اللجوء، إلى الشراكة الأجنبية وهو نهج سبق لغيرنا من دول العالم أن نهجتة وحققت عن طريق ما حققت وقد شاركه في راية هذا غيره ممن ضربوا المثل بماليزيا وغيرها من جنوب مشرق آسيا، ممن يوصفون بالنمور الاسيوية ، وان يكن بعض المتطلعين كثيرا ما دعوهم بنور الورق، وكان هناك من يهمس ـ لتعذر المجاهرة ـ كونوا مثلهم أو دعونا نكون مثلهم ومن ثم نعالج الأزمات!

فيمثل هذا الطرح وبحكم التنبيه القوى إلى أن ليبيا ليست في مصاف الدول الغنية بأي حال من الأحوال، ان بحكم المجمل العام لدخل النفط والذي لن يدر حين تخصم المصاريف ونصيب الشريك سوى أقل من القليل، أو بحكم الاحتياجات الكبيرة التي طالت في السنوات الأخيرة كل مناحي الحياة ولاسيما البنية التحتية والتي لايمكن الخروج منها إلا بمضاعفة المصاريف بالنظر إلى اختلال الاسرع إلى جانب الرقعة الجغرافية التي تجعل من كل منشأة من الانشاءات تحتاج إلى مضاعفة الكلفة العادية اكثر من مرة ولعل الكلمة المركزة والمكثفة التي شارك بها السيد التويجر وزير التخطيط يمكنها حين تفصل ان تقدم اسهاما بالغ الدلالة في توكيد الرؤية المنتظرة أو لنقل المطلوبة، فما اشار إليه البعض ان ما تشهده البلاد من مختنقات يعود إلى التطبيقات الاشتراكية ينطوي على أكبر قدر من المغالطة، فمن قال ان ما جرى في ليبيا يمت إلى الاشتراكية بصلة، ومتى كان اخذ أموال الناس واعطاؤها للآخرين من الأقارب المحاسيب والجواسيس ومقدمى الخدمات الخاصة يعنى الاشتراكية، وهل كان اخراج الشركات والمؤجرين الأجانب من الفلل والعمارات ومنحها لهؤلاء تحت هذا المبرر أو ذاك يدخل تحت مصطلح البيت لساكنه، ومتى كان هؤلاء يسكنون الفلل التي من بها عليهم القدر في جنح الليل، بل أين هو الفقير أو قليل الدخل الذي حظي بهذه العقارات التي جرى تخصيصها بشكل ممنهج، ومن من الذين كانت لهم سابقة معرفة بالاشتراكية على أي مستوى من المستويات قد زين للنظام المنهار أن يطبق هذه السياسة؟

لقد طرح المرحوم منصور الكيخيا بهدوئه المعروف وفي الأسابيع التي تلت سبتمبر 69 عشية طرح الاشتراكية كشعار من الشعارات وعقب وصول الخبرة المصرية وتبنى الهوية الناصرية، بأن واقع ليبيا الاقتصادي لا يستدعي أي تطبيق من التطبيقات الاشتراكية لأن الدخل القومي متكون من النفط والنفط ثروة وطنية تملكها الدولة، فليس أمام الدولة سوى أن تحسن التخطيط والتوزيع فسيطال المردود كل الناس، كما لم يبد الاستاذ علي عميش المثقف والخبير الاقتصادي غير الرأسمالي وهو يستلم حقيبة التخطيط والاقتصاد أي حماس لهذا النوع من التوجهات غير المدروسة وغير الضرورية ولم يقدم السيد أبوبكر الشريف في وقت لاحق وهو يتولى مسؤولية وزارة الاقتصاد على حضر توريد أي سلطة من السلع المزمع احتكارها من طرف أولئك الذين تبنوا تأييد الطروح دون أي دراسة حقيقية ومعرفة مسؤولة، لم يقدم السيد الشريف على توقيع أي قرار يتبنى الاحتكار الا بتوقيع تعهد من الجهة المقترحة بايجاد ما يكفي المستهلك، ومن هنا فلم تكد ملامح الازمة تلوح في الأفق حتى كان خروج الشريف هذا وهو المختص ليخلق من يجيد الحماس للتنفيذ وأن يكون قد دبر المخرج في تشغيل كل أصحاب الرفض في الملاك العام لتكون الازمة عامة، أو على الأقل لا يبقى أحد بدون مرتب واذن فان ما طبق في ليبيا ليس من الاشتراكية في شيء ولكن البلطجية بغيها والحرص على أن يكون الجميع تحت قبضة السلطة وقد كان ذلك وظاهر عليها الكثيرون، ولا سيما من غير الليبيين في الثمانينيات تحديداً.

وقد بقيت مقولة شركاء لا أجراء مفتقرة إلى أي تغطية نظرية ذات معنى مضى اللهم إلا بعض الكتابات التي لم يوجد لها أي بريق يسطع أو تأييد يقنع فإذا ما تم التراجع وبدأ بيع القطاع العام إلى ما يقترب من المجانية كان الجميع يدرك أن اللعبة لا تخرج عن استباق لتغيرات منتظرة واغتنام لفرص من فرص الاغتناء القادم.

كان الجميع يعرف أن الشراكة لم تكن سوى المبرر المصطنع للاستيلاء على تلك المنشآت إذ لم تكد تمضي مدة قليلة حتى كان التمليك المشار إليه مما يعني أن الزحف كان من البداية مرحلة من المراحل أو أن الظروف جعلته هكذا فكان عدم التجاوب والتحفظ والأحجام عن أي رأي في الخصوص هو دائماً سيد الموقف إذ أن ما شهدته المنطقة من متغيرات وما عرف من تذبذب بشأن التطبيقات الاشتراكية وغرور العالم الثالث على إمكانية سلوك مادعا بالطريق الثالث جعل الكثيرين يدركون بأن الأمر لا يدعو كونه مضيعة للوقت ليس غير كل ذلك دون التنكر لحقيقة مفادها أن ما رافق التطبيق الاشتراكي في الكثير من بلاد العالم من تأبيد للحكام في السلطة وتاليه لهم يعلو بهم في مراحل كثيرة عن البشر افقد هذه الفكرة الكثير من وهجها وما توفر لها من الجاذبية لدى الجماهير، وصارت اليوم مدعاة للنفور، ولم يعد من الممكن النظر إليها كصيغة من الصيغ الجديرة بالبقاء، وربما وجد الخصوم ما يبرر لهم مجانية التشكيك كما لو كانوا أصحاب الطرف النقيصة أو أنهم انحازوا بحق إلى منظومته الأخرى المتمثلة في حرية التفكير والتعبير والحياة بكل أنواعها وليسوا هم دعاة الفضيلة المفروضة.

إن ما يعاب على الكثير من الذين يتناولون اليوم مظاهر القصور في حياتنا الاقتصادية هو حرصهم على تجريد ممارساتهم أو لنقل سياساتهم في المطلق من أي سلبية من السلبيات التي سهلت بعض ما لحقهم من دون ما رحمة، من ذلك أن رجال أعمالنا يرحبون بذلك التوجه الذي ظهر في البلاد سنـ68ـة عند تعديل قانون الضرائب وادخال شيء من الضريبة التصاعدية التي تفرض المساهمة في الموارد بنسبة معقولة ففي ذلك الزمن لم يرحبوا بتلك الخطوة الاستباقية التي استهدفت الحد من الاحتقان الذي بدأ يتكون جراء بعض المظاهر الحياتية التي بدأت تظهر في الحياة، فكان تعديل قانون الضرائب بقصد التخفيف ولكن القوم لم يضعوه في المنزلة التي يحتاجها فقد كانت النسبة تصل إلى عشرين في المائة ولو قدر لذلك النظام أن يستمر لامكن الحد من كل مشاعر الاصطدام بين طبقات الشعب وعند ما استطاع رجال الأعمال هؤلاء أن يتحركوا هذه الأيام ويشرعوا في طرح مشاريعهم المتعلقة بالمسألة الاقتصادية نراهم يفضلون أي شكل من اشكال الاسهام في الموارد الخاصة بالدولة والصواب أن يشار إلى ذلك، وأن رؤى التأجيل بعض الوقت كما أن ما يثير الاستغراب وربما العجب أن يزعم كائن من يكون أن يقدم نظام المرابحة الذي تطرحه بعض البنوك بديلاً لسعر الفائدة باعتباره .مخرجا من الربا أكثر من كونه تغييرا في العناوين أما جوهر المسألة فهو وجود نوع من الفائدة على القروض فإذا ما علمنا أن بعض العلماء يرون في الفائدة المتبادلة بين المؤسسات والأفراد ما يخرج عن الربا وأن هذا المحرم هو ذلك الذي يكون بين الأفراد، فإن الأفضل هو بقاء الأمور على ما هي عليه، خاصة وأن المصارف التي تتبنى نظام المرابحة، يشيع البعض أنها تتحمل بعض الرواتب لمن لهم آراء فقهية في هذا الخصوص، فإذا صحت هذه فكيف يتسنى الخروج بها من هذه الشبهة اللهم إلا إذا احتكمنا للقول المأثور يجوز لهم مالا يجوز لغيرهم.

في جميع الأحوال فإن اجتماع رجال الاعمال الليبيين بقصد تدارس الاحوال والتطلع الى المساهمة في إعادة البناء موضوع بالغ الأهمية والضرورة، شريطة أن يكون تحديد القوى البشرية التي ساعدت في هذه المهمة بموافقة أجهزة التخطيط ورقابة الأمن، بما ينظم الجنسيات ويحول دون تفاقم أزمة العمالة الوافدة وما ينجم عنها بشأن الأمن والتركيبة الديمقراطية، وما يحتدم من صراع حول مختلف القوى ومخاطر الحلول المعلقة والمحتاجة للكثير من اليقظة.

أما التوجه نحو الحد من قائمة الممنوعات وإيجاد حياة اجتماعية كتلك الموجودة في بلاد الله الواسعة، فشرط لا مفر منه لكل تطلع نحو الاستقرار والتواصل مع العالم المتحضر الذي لا غنى لنا عنه ولا مهربة من مراعاة إكراهاته.

جدلية إقامة الديمقراطية والإطاحة بها

عرض لنص من كتاب الديمقراطية لتشارلز تيلي

إعداد / إسماعيل القريتلي

حسب رأي تشارلز تيلي أحد أهم الباحثين الأمريكيين في الدراسات الديمقراطية ومتخصص في العلوم الاجتماعية والسياسية، فإن الديمقراطية يتوالى عليها عمليات أقامة وإطاحة بلا انقطاع. وأطراف هذه العمليات هي السلطة ومؤسسات الدولة والمجتمع حتى في أعرق الديمقراطيات. ووضع تيلي في كتابة الديمقراطية الصادر عام 2007 مؤشرا من أربعة معايير تقاس بها الديمقراطية إن كانت في حال إقامة أم إطاحة وهذه المعايير كما وردت في كتاب الديمقراطية لتيلي هي:

1 - الاتساع أي كلما دخلت للمشهد السياسي والاقتصادي طبقات ومجموعات اجتماعية وعرقية ومذهبية تكون قد تحقق أحد معايير الديمقراطية وتكون الديمقراطية في حالة إقامة ونهوض. أما إن اقتصرت المشاركة على طبقة أو فئة بعينها فإن الديمقراطية تعيش وضع إطاحة بها.

2 - المساواة أي دخول تلك الطبقات والمجموعات يكون على أساس المواطنة التي تمنح الحقوق بين الأنواع والأعمار والملكيات بما يحقق المساواة والعدالة ويمنع هذا المعيار أي تقييد للمواطنة تحت أي مبرر تطلقها طبقة أو فئة بعينها وهنا يظهر مدى الأهمية للاعتراف بالاختلاف والتنوع في المجتمع. أما إذا انتهكت المواطنة وتم التمييز بين طبقات وفئات المجتمع فالديمقراطية تعيش حالة إطاحة بها لصالح الطبقة أو الفئة الأقوى.

3 - الحماية أي أن تحقيق الاتساع الذي يعني مشاركة طبقات جديدة في العملية السياسية والاقتصادية وتأسيس المواطنة التي توزع الحقوق فقط على أساس الانتماء للوطن يحتاج إلى حماية من السلطة التي تؤمن أساسا بالتغيير الاجتماعي الشامل للجانب السياسي والاقتصادي والثقافي وهنا يصبح لأجهزة الأمن والشرطة دور وهو حماية المجتمع في التعبير والعمل والتنظيم السياسي فتكون الديمقراطية في حالة إقامة وتأسيس. أما إذا تحولت الشرطة والأجهزة الأمنية لحماية السلطة والتضييق على الاتساع والمساواة فتصبح الديمقراطية في موضع الإطاحة بها والبدء في تأسيس نظام شمولي يصادم الاتساع والمساواة.

4 - الالتزام المتبادل أي لا يقتصر دور الطبقات والفئات الاجتماعية والاقتصادية فقط على مواسع الانتخابات بل يستمر دورها في العلاقة مع السلطة والأحزاب ومؤسسات الدولة بالتشاور وتوسيع تطبيقات آلية الاستفتاء العام في القضايا العامة فإن حدث فالديمقراطية تتمتع بالإقامة. أما إذا ضيقت السلطة مشاركة الطبقات والفئات في الشأن العام فإن الديمقراطية تمر ب مختنق وتواجهة حالة إطاحة بها.إنتهى

______________________________

بنغازي ومواعيد المصير


امين مازن


كان لابد أن تخرج بنغازي وما حولها في مثل هذه المظاهرة غير المسبوقة من حيث العدد والنوعية ، رافعة شعار انقاد بنغازي ، أيمانا من المشاركين فيها جميعا ، ان انقاد بنغازي يعني انقاد ليبيا بالكامل . ذلك ان ما ظل ملحوظا في الوطن عامة وبنغازي على وجه التخصيص . من مظاهر الفوضى المسلحة ومن ارتفاع في نسبة الجريمة الممنهجة ، بات ينذر بكل ما لا يحمد عقباه بالنسبة للوطن والمواطن . وان هذه الأزمات التي ما أمكن التخلص من واحدة منها إلا وتلتها ثانية وثالثة ، كإنما كانت هناك قوة لا هم لها سوى تأزيم الأمور . وعلى مدى الأشهر التي تلت إعلان التحرير وتشكيل الحكومة الانتقالية المؤقتة اثر إصرار الدكتور محمود جبريل على استقالة المكتب التنفيذي احتراما لخريطة العمل المقدمة الى المجتمع الدولي عقب تفجر الثورة ، وما تلي ذلك من إجراء انتخابات المؤتمر الوطني العام وانبعاث الكيانات السياسية وبتعبير أوضح الأحزاب وتعديل الإعلان الدستوري أكثر من مرة وحتى الاقتراع أخيرا على اختيار رئيس الحكومة المنتظرة ، والتي لن تكون إلا حكومة ذات طبيعة ائتلافية أو وفاقية كما هي التسمية المتعارف عليها ، ظل الهاجس الأمني هو المتقدم على ما سواه من الخيارات كما ان انتشار السلاح في جميع أرجاء البلاد تحت أكثر من مبرر ، كان وما يزال هو الحائل القوي دون أي أمل في الاستقرار الذي يمكن بواسطته ان تتحرك عجلة الحياة الحقيقية وتجلياتها المتمثلة في النشاط الاقتصادي بشقيه التجاري والعمراني ، الخاص والعام . الى جانب المشاريع الكثيرة المتعاقد عليها من السابق والمقرر المضيء فيها أيضا ، بحسب تعهدات السلطات المختصة ، في معرض التطلع الى الظفر باعتراف المجتمع الدولي بثورة السابع عشر من فبراير حين حصرت أولوياتها في إسقاط الديكتاتورية والتوجه نحو حياة ديمقراطية لا تخل بأي عهد متفق عليه ، أو استحقاق واجب السداد أو مشروع يحتاجه الناس .


لقد تمكنت الأطراف المتحفزة للظفر بما كان يلوح في الواقع الليبي الجديد ، المترتب على ما رافق حرب التحرير من هدم للترسانة العسكرية الضخمة من تحويل هذا العدد الهائل من الآليات الكفيلة عند الإسراع بإعادة تصديرها للأسواق العالمية بأن تدر بلايين الدولارات أو اليوروات أو الذهب الخالص ، فعمدت الى اتخاذ جملة من الإجراءات الاستباقية التي راهنت على قدرتها في تأجيل استقرار البلاد و إقحام الكثير من قواها الحية في معارك جانبية بتقلد توظيفها لتلك الغايات المشبوهة التي لم تخف على الكثير من النابهين الليبيين من لم يخفوا انزعاجهم من التدخل الخارجي المخجل في الشأن الليبي ، وبالذات في ما درج عليه من التشكيك في أداء الكفاءات الليبية بل وصدق ولائها أيضا ، لمجرد ان أحست تلك الأطراف باستحالة تسخير هذا النوع من الرجال لما كان يخطط لثورات الربيع العربي بالدفع لقدراتها مجتمعة لصالح الوكالات الجديدة تلك التي صور لها نجاحها في حل بعض المشكلات بإمكانية استمرار هذا الدور في كل زمان ومكان . خاصة وإنها امتلكت بعض الوسائل الإعلامية المصورة التي طالما تطلع للاستفادة منها الطموحون وخشي سطوتها كذلك الخائفون فكان الحديث المفتعل عن خطر العلمانية أثناء انتخابات المؤتمر الوطني العام لحجب الثقة الشعبية عن كل من عرف عنه رفض الوصايا الخارجية عندما سعت الى التسلسل من خلال المساعدات ومن تجمع أصدقاء ليبيا ، كما لو كانت ليبيا مركز اللاشعاع الروحي ويخشى عليها من خفوت هذا الإشعاع ، في الوقت الذي يعلم الجميع ما تعانيه من سعة الرقعة الجغرافية وطول المسافات الحدودية فضلا عن الندرة السكانية وما تنذر به من المصاعب لمجرد ان يقدر للحرب ان تضع أوزارها بالنظر الى ضيق الوقت وحجم المشكلات وتعدد المطالب وتعقد استحقاقات البناء ومحاولة اللحاق بركب العالم ، سيما وان الطغيان فقد افلح في تعطيل الكثير من أسباب النهضة . ان بإجبارهم على الصمت والقبول بما كان يمارس من تهميش ، او الإكراه على الهجرة ومكابدة الآم الغربة وما تفرضه على كل من يقبل بها من عديد التنازلات . ولما كان ذلك ليس خافيا على الكثير من أذكياء الواقع الجديد ، كان التوسع اللافت في تشكيل الكتائب المسلحة عقب التحرير على نحو خاص ومن ثم الدفع بالكثير من هذه القوى نحو ما كان يمارس من التجاوزات المتصلة بالتحقيق غير القانوني ومصادرة الممتلكات بدون وجه حق ومن ثم إخفاء الكثير من الجرائم الحقيقية . وقد كانت الأوضاع العامة بالكامل مهيأة لتسهيل السير في هذا السبيل . فالأجهزة الأمنية بالكامل أمكن تعطيل دورها ووقف جميع مهامها . والقوات المسلحة كانت بما تزخر به من ضباط أكفاء وأفراد قادرين محاصرة من القبضة الأمنية القوية والتشكيلات العملية المسلحة كما أن العصابات المتمرسة من المجرمين الذين فتحت أمامهم أبواب السجون من طرف النظام المنهار لمجرد استشعار الخطر القادم من الجماهير الثائرة ، الأمر الذي وفر المجال المناسب لأصحاب الجريمة كي يبادروا بالتسلل المكثف ، مرة بالتعاون مع المقاتلين وأخرى بتشكيل التنظيمات الوهمية والبوابات المفتعلة . خاصة وان السيارات العامة التي تملأ البلاد كانت خير مسهل لهذه المهمة ، اذ يمكن لأي مسلح ان يوقف من يقود هذه السيارة او تلك ولمجرد ان يتأكد من أنها ملك عام وربما حتى خاص ، فمن السهل عليه ان يجبر ممتطيها على النزول وتسليم المفاتيح بل ولا يسمح له بأخذ أوراقه الخاصة ، وفي بعض الأحيان يحرم منها هي الأخرى ، والحق ان ذلك قد أنتج حالة من القلق المعرقل للكثير من دواليب الدولة وأجهزتها ، والمثبط من ثمة لهمم الناس ومشاعرها ، خاصة وان ذلك قد رافقه شيء من التمديد لفترة المجلس الانتقالي . وصمت عن العملية الانتخابية ، وكذلك التشرذم الملحوظ في التنظيمات السياسية والتحفيز على الترشيح بواسطة التلويح بتسديد نفقات الدعاية لقاء تقديم الفواتير الخاصة بها ، الأمر الذي أربك الكثير منها اللهم الا تلك التي حزمت أمرها مبكرا ، وحاولت ان توظف ما لديها من الخبرة والقدرة على الاستشارة والاستفادة من المصالحات الداخلية والتحالفات الخارجية ، فبادرت بالتحرك أملا في الفوز بالأغلبية المريحة كي تتقدم الى مدة الحكم في جو من الاطمئنان لولا ان المفاجأة قد جاءت مخالفة لهذا التصور . ومع ذلك فان المحاولات اليائسة لم تتوقف خاصة وان الكثير من القنوات الفضائية الرسمية ومعداتها ومقارها قد أمكن تأمينها تعويلا على المليشيات ، حتى ان المكلف بملف الإعلام السيد محمود شمام عجز عن تمكين الكثير من العاملين في الجهاز الإعلامي الرسمي من العمل ، وان كان مرد ذلك أيضا الى الموقف المبدئي لهذا الخبير الإعلامي من المؤسسة الإعلامية الرسمية . اما انحياز مؤسسات الوعظ والإفتاء لتيارات سياسية دون أخرى وكذلك المذاهب المخالفة للأغلبية المالكية وظهيرها الأباظي فكان أيضا شديد الوضوح ، والهدف بالطبع إفساح الطريق أمام مذاهب لأعمق لها في صفوف الشعب الليبي وقواه الروحية المسالمة بقدر ما هي مهيأة لحسابات أخرى ، تعود مخططاتها الى عشرينات القرن الماضي وما شاهدته الجزيرة العربية من صراع حول مسألة الحكم بين شيوخ قبائل هذه الجزيرة من ناحية والهاشميين من خلال دورهم التاريخي وقيادتهم للثورة العربية من ناحية أخرى . وتعاطي هذا الصراع مع اتفاقية (( سايكس بيكو الشهيرة )) مما ساعد على تسلل الكثير من هذه التيارات عبر عديد الفرقاء . فمن آليات عسكرية تحمل اسم ثوار مدينة من المدن الى أخرى تنسب الى قبيلة من القبائل الى ثالثة تعتقل وتحاسب الى أخرى لا تتردد في تسهيل الخروج من البلد دون أن يطالها أي سؤال ، بل وربما اسند تصرفها الى مصادر القرار وثمة من يناصر السنة او الشريعة وتحرك من تلقاء بهدم كل ما يرى وجوب هدمه مما يخالف شرع الله ، كان سلطة البلد قد آلت إليه في جنح الظلام . لقد توسعت ونمت وازداد عددها ليبلغ مائات الآلاف وتسببت في إنفاق الأموال الطائلة دون ان يجرأ أحد على توجيه أي سؤال . شأنها شأن الجرحى الذين اتسع علاجهم لكل الأمراض والعاهات اللهم الا الجرحى الحقيقيين ، والكلام في هذه الأمور يطول والمسئولية اعقد من ان تحدد ، فان دعى داع الى وجوب تسليم السلاح كانت الإجابة بعدم وجود الجهة المسئولة . اما المصالحة الوطنية التي قرنها المجتمع الدولي باعترافه ولم يستش منها سوى من تلطخت يده بدم الناس او أموالهم فهي آخر ما يمكن ان يتحدث فيه الكثير من متقدمي الصفوف ولا سيما الذين ضمتهم المجالس المحلية وافلحوا في تأجيل العملية الانتخابية المتصلة بها . وارهبوا الكثير من منافسيهم بالتحقيقات المصطنعة بل وغير القانونية في مرات كثيرة حتى لقد أصبح دمج أبناء الشعب في مركب الثورة في عداد المستحيلات ، والأنكار دائما هو سيد الموقف وهو خير منقذ من أي محاصرة بشأن أي مغنم من المغانم ، لا يهم ان كانت هذه سيارة عامة او خاصة قطعة سلاح كبيرة او متوسطة الة استصلاع بحري او بري حتى كان التحرك المتعلق بالفلم المسيء للرسول الكريم والذي راح ضحيته ــــ تخطيطا او صدفة ــــ سفير الولايات المتحدة الأمريكية وعدد من أعوانه ، الرجل الذي جمع بين المكانة الرسمية كسفير لدولة كبرى وحليفة ، الى جانب انحيازه الشخصي ومحبته المعلنة لليبيين من دون استثناء ، فكان للحادث أثره غير المسبوق في إثارة مشاعر الحرة وكذلك الضيق من هذه الوضعية الناتجة عن انتشار السلاح وكثرة المليشيات لتأتي مظاهرة إنقاذ بنغازي بهذا العدد الضخم وهذا التأثير غير العادي ، جامعة بين استنكار الحادث والإصرار على حل جميع التشكيلات العسكرية وافساح المجال للجيش الوطني وجهاز الشرطة ، فكان التجاوب الملحوظ و كانت قرارات المؤتمر الوطني العام بحل جميع التشكيلات ، فاذا ما حاولت واحدة او اكثر ان تسعى الى الانضمام للجيش او الشرطة ككتلة واحدة كانت مكاشفة القوى الواعية والمثقفين الثوريين بأن الانضمام المطلوب هو انضمام الأفراد وليس الجماعات ، وان التوجيه المنتظر لا بد ان يكون وفقا للخبرات المتوفرة والتأهيل الضروري والملاك المتاح ، بمعنى ان الإسهام في الثورة لا يبرر التمييز في مجال العمل ، فالتمييز يمكن ان يكون عن طريق التكريم عند نهاية الخدمة ليس غير ، اذ كلما اقتربت الثورات من مرحلة بناء الدولة كلما كان ذلك مرتهنا بشروط جديدة كثيرا ما تختلف عن الأوضاع الثورية ، وما ذلك الالان الثورات الحقيقية تختلف كل الاختلاف عن الانقلابات ، فالسلاح في الثورات لا يحمل الا للدفاع عن الأوطان اما السلطة ومسئولية تسيير الأجهزة فالطريق اليها صناديق الاقتراع ، والتحذير من سرقة الثورة لا يعني ابدا الاحتكام الى السلاح فهو أولا وأخيرا من مشمولات العملية الانتخابية ، فان وجد نوع من أنواع التقصير كان في الاعتصامات المنظمة والمظاهرات السلمية والمطالب الواضحة ما يتكفل بتصحيح المسيرة وصونها من الانحراف . كل ذلك دون إغفال حقيقة مهمة لا بد أن تعيها كل الأطراف التي اعتقدت ان سابقتها في الثورة يمكن ان تبرر لها الاحتفاظ بالسلاح الذي يمكن ان يوفر لها التحرك الجهوي او القبلي او ما في حكم ذلك من المعارك التي دارت في البلاد من أقصاها الى أقصاها واستعملت فيها الكثير من الأسلحة ودمر فيها كذلك ما دمر ، وغض النظر أيضا ما غض لا يعني ان هناك ما هو خاف على القوى التي تولت مسئولية إنهاء الترسانة العسكرية ، فلا شك ان المسح الجوي قد أحصاها وبالتالي فمن المستحيل ان يسمح باستعمالها في ما يتخيل البعض وربما حتى الخروج بها من أمكنتها شأنها شأن الكثير مما تم الاستيلاء عليه من الآليات بما في ذلك ما بيع في أكثر من سوق او تجاوز الحدود هنا وهناك فليبيا ما تزال تحت الفصل السابع ، ومن يجهل هذه الحقيقة او يتجاهلها لن يخدع سوى نفسه ومن على شاكلته . وعسى ان تكون بنغازي التي شهدت جميع الأحداث الهامة التي ارتبطت بمصير الوطن تكون الآن هي الشاهدة على البداية الجادة لإنقاذ البلد كافة ، عندما انطلقت منها مظاهرة انقاد بنغازي . ولعل رئيس المؤتمر الوطني العام الذي كان على رأس جبهة إنقاذ ليبيا ذات يوم ان يكون قراره بحل التشكيلات العسكرية بمثابة الإنقاذ الجديد .إنتهى

_____________________________

المنتظر من البشير المنتصر

أمين مازن

 

سرني كثيرا ان كان السيد البشير السني المنتصر بين الذين استضافهم المركز الوطني للمحفوظات  (الجهاد ) في برنامجه الرامي الى تدوين الحقب الأخيرة من تاريخنا الحديث ، باعتبارها تندرج ضمن التوثيق لثورة السابع عشر من فبراير، من ناحية ، وتسهم من ناحية أخرى ، في إثراء الأرشيف الوطني الذي أوكل اختصاصه رسميا الى المركز المذكور، وسط هذا الحماس الذي يتحلى به العاملون في المركز ، وعلى رأسهم الدكتور محمد الجراري الذي اعتاد السير في هذا الطريق المليء بالمصاعب ، والخروج منها دائما بما يفيد مهمته العلمية و ما بذل بصددها من جهود و ما تجاوز من مثبطات ، إما مبعث سروري هذا فلان السيد البشير من الذين بادروا بتدوين تجربتهم العلمية في ميدان الخدمة العامة ، وعمد الى نشرها منذ سنوات على شبكة المعلومات الدولية ( موقع أخبار ليبيا ) فاظهر بذلك نوعا من الدفاع المشرف عما بذل من جهد كثيرا ما سعت سلطات النظام المنهار ان تزيله من الذاكرة الوطنية ، وهو ما دعاني شخصيا _ عقب قراءة العمل _ الى المبادرة بتناوله على ذات الشبكة في حدود ما ادعوه بالمتاح ، وهو تناول يسر لي الإدلاء ببعض الشهادات المتعلقة بالمرحلة التي سبقت سنه 1969 من القرن الماضي و التي كان المنتصر فيها من شباب تلك الأيام الذين تقلدوا جملة من المناصب الرفيعة كان أخرها استلامه لحقيبة وزير شئون الرئاسة في حكومة السيد عبد الحميد البكوش التي تشكلت في الربع الأخير من سنة 1967 عندما دخلت تجربة الحكم الملكي مراحلها الأخيرة ، فمثلت حكومة البكوش _ ربما – آخر محاولة من القوى المؤثرة للإصلاح من الداخل ، فيما كان إقصاؤها من قبل الملك البداية الحقيقة لانهيار ذلك النظام وتسريع الإجهاز عليه من خلال القوات المسلحة و بمخطط بالغ الدقة ، فكان تناولي لعمل المنتصر يهدف الى إثراء تلك الشهادة و الاستفادة من الحديث عنها لتثبيت الكثير مما رأيت تثبيته حول الكثير من الأحداث و الشخصيات التي تعرض لها المؤلف وبدا في تناوله ما يحتاج للتدقيق أو الإضافة وربما التوضيح و حتى التصحيح بداية من السيد محمود المنتصر الذي جمع بين الدور السياسي التأسيسي والقرابة الأسرية ، فجاء تناول البشير في حاجة الى التوسع من حيث ما اشتهر به المنتصر الكبير من خصيصة التواضع والنزاهة وغير ذلك من جميل الخصال التي رويناها عن عارفيه من أهلنا ورأينا السيد البشير يضرب صفحا عنه تحسبا من ان يوصف بالمتأثر بالقرابة ، وكذلك حجم التحديات التي واجهت حكومة الرجل في فترة رئاسته المبكرة ثم المتأخرة ، ولا سيما تلك المواقف غير المسئولة التي طالما تحاملت على محمود المنتصر ووصفته بما ليس فيه ، وقد كانت جميعا موضع اهتمام و متابعة التقارير الدبلوماسية التي عول عليها البشير السني أكثر من مرة و لكنه لم يفصل فيها بما يلقي الضوء الكافي على شخصية الرجل و الذي قدر له ان يشهد و يشارك في تأسيس الدولة الليبية ويرافق جميع أحداثها منذ طرح المصير الليبي في المحافل الدولية في إعلان الاستقلال وتشكيل أول حكومة و الصعوبات التي عرقلت مسيرته وحدت من خططه ولا سيما تلك التي قادها ناظر الخاصة الملكية السيد إبراهيم الشلحي المستفيد من ثقة الملك إدريس وصلاحياته الدستورية ، و الشيء نفسه بالنسبة للسيد حسين مازق الذي ترأس الوزارة عقب خروج محمود المنتصر من وزارته الثانية التي شهدت ترفيع البشير المنتصر لمنصب وكيل شئون الرئاسة ، متزامنة مع نوع أخر من الحكم قاده هذا الرجل و انفرد به وشهد به الكثير من الذين عملوا معه في وزارته التي طال عمرها أكثر من كل الوزارات التي شكلت عقب خروج السيد محمد عثمان الصيد من رئاسة الوزراء آخر سنة 1962 ففي هذه الوزارة تجنب السيد حسين مازق سياسة البطش لعلمه ان الملك قد لا يرحمه وربما سيضحي به ، كما انه من جانب آخر وقف على الموقف الحقيقي للرئيس عبد الناصر من الوجود الأمريكي بليبيا ، بل وموقفه الحقيقي بالمقابل إزاء المعسكر الاشتراكي وهو ما حاول ان يتحدث بشأنه في محاكم سبتمبر سنه 1969 ولم يسمح له رئيس المحكمة بالاستمرار في التوضيح ، الى جانب النقاش الذي حصل بشأن نظام الحكم وعزم الملك على استبدال الملكية بالنظام الجمهوري الأمر الذي فصل بشأنه السيد مصطفي بن حليم ولكنه لم يفصل بشأن الموقف الغربي وبالتحديد الأمريكي وليس من المعقول ان تكون الوثائق الأمريكية ان تتناوله وهي التي سبق لها ان تناولت فترة فكيني كما اثبت الدكتور المقريف حول الحقبة النفطية ، فحسين مازق احد شهود المرحلة الأساسيين وقد شهد في بداية الاستقلال وهو على رأس ولاية برقة أول محاولة ايطالية للعودة الى هناك بواسطة مشروع أعمار الجبل الأخضر المعروض من المعمر مرزوتي ووساطة السيد عبد الله عابد السنوسي وما ترتب عليها من أزمة أدت الى وقف حسين مازق عن عمله وتحديد إقامته وتجريد السيد عبد الله من لقب صاحب السيادة وهي أحداث تطورت باغتيال ناظر الخاصة الملكية الشلحي في رابعة النهار من طرف الشريف محي الدين ابن أخ الشقيق للملكة فاطمة و الطالب بالجامعة الأمريكية ، أما في ولايته أي حسين مازق كرئيس للوزراء فكانت محاولة أعادة أكثر من عشرين ألف ليبي قيل إنهم يعيشون بالصحراء الغربية المصرية ، تلك المحاولة التي أوقفت في آخر لحظة لما ظهر منها من إخلال بالتركيبة السكانية الى جانب ميزان الولاء السياسي باعتبار المذكورين جميعا من أتباع السيد إبراهيم احمد الشريف ، وكلها بدون شك لم تكن مهملة من مراقبة المتابعين للشأن الليبي من الأصدقاء الغربيين و ما كان متوفرا لهم من وثيق الصلات مع القصر الليبي و أتباعه ، و النظام السياسي و المتنفذين فيه وكذلك المخاطر التي تتهدده ويبدو أن السيد البشير السني قد أدرك هذه الغاية بدليل انه قد اقتبس فقرة من المقال المكرس للكتاب ووضعها على غلاف الكتاب الى جانب أخري اقتبست من مقال مماثل للسيدة فوزية بريون التي كانت في المهجر ، فالتناول إذن هدفه التكامل وليس التقاطع وأرى ان.السيد البشير كان موفقا حين لم يعد علي جمهور الحاضرين ما ورد في كتابه ، على النحو الذي يمله المستمع إليه ، وهو عيب كثيرا ما وقع فيه البعض من الذين لا يتفطنون _ أثناء محاضراتهم _ ان معظم الذين يغشون هذا النوع من المجالس ان لم نقل جميعهم ، هم من الذين قرأو الأعمال موضوع الحديث و الاخري الشبيهة لها ، فيستشعرون الملل وهم يسمعون أشياء سبق لهم العلم بها ، فكان حديثه مركزا و مختصرا بطريقة غير مخلة ، مما وفر لإدارة الجلسة ان تجعل من اللقاء نوعا من الحوار الحي عبر الأسئلة والردود المباشرة ، ومن الممكن القول في هذا الصدد ان الأسئلة في مجملها قد كانت في صلب الموضوع و مثل ذلك الردود ، غير ان أكثر التعقيبات وعيا بطبيعة المرحلة و ما تحتاجه من التوضيح و التصويب ، وقد نقول التحذير أيضا ، ما جاء على لسان السيد منصور الشريف احد الذين كانوا شهود المرحلة في حقبة الخمسينيات من القرن الماضي ، عبر الوسط الطلابي و المحيط السياسي ، وذلك بتناوله لجانب مهم بل و إشكالية مهمة ، مفادها ان الكثير من المتكلمين اليوم ان لم نقل جميعهم يتناولون زمن ما قبل سبتمبر أي العهد الملكي و كأنه منزه بالكامل من الأخطاء ، وان كل الأمور فيه كانت جيدة و ليست مليئة بالكثير من التجاوزات ، و ان تلك التجاوزات كانت قبل غيرها ما تكفل بتعبيد الطريق أمام المغامرين العسكريين الذين افلحوا في تقويض النظام الشرعي بذلك اليسر الذي لفت أنظار كل المراقبين السياسيين وان لم يخف عليهم التواطؤ المستتر . وهو رأي سبق للسيد منصور ان صدح به في لقاء مضيق كان قطبه ، الدكتور محمد المقريف الذي حاضر هو الآخر بالمركز وترتب على محاضرته لقاء حواري خاص تأسس على ما أورد في المحاضرة و ما تناول قبل ذلك في مؤلفاته التاريخية النفيسة ، إلا انه _ بحسب الشريف _ من الذين يتناولون ذلك الزمن بعين الرضا ، وكان ما ساده من تسيب وعدم الاستقرار في السلطة التنفيذية كان من بين ما سهل مهمة الانقلابيين ، فالحق ان ما ساد تلك الفترة من تجاوز للمؤسسات وعدوان على الدستور و مخالفة للنصائح الدولية كان هو المشجع الكبير لمجيء تلك اللحظة الفارقة في التاريخ الليبي ، و التي مهد لها قبل ذلك سفر الملك من البلاد و بقاؤه في الخارج لفترة دخلت شهرها الثالث بحجة الاستياء من المنشورات السفيهة التي تناولت شخص الملك ووزعت بكميات لافته في أكثر من مكان بالمدينة ، وكان الإعلام الغبي يتهم المختصمين معه بالوزارة ووكالة الأنباء بأنهم وراء هذه المنشورات حتى ان إدارة امن الدولة وضعت البعض تحت الرقابة وربما بتت لاعتقالهم في مطلع سبتمبر في الوقت الذي كان فيه المغمورون العسكريون يتحركون علنا في رابعة النهار ، لان الأخطار صرفت لغيرهم ! ، وكان الرأي العام مهيأ لتحرك يوشك ان يقدم عليه العقيد عبد العزيز الشلحي ، فهل كان ذلك كله مجرد صدفه و الصدفة كما يقولون خير من الميعاد أم ان الميعاد كانت ترتيباته تمت علي هذا النحو من الدقة من حيث الحقيقة و الاتهام ، بدليل ان الطوارئ قد فكت عن الجيش والأمن بتمام الساعة الرابعة و العشرين من يوم 31-8-1969 ، ومن دون قرار من مجلس الوزراء الذي يملك صلاحيته هذا الأمر كما ذكر لنا في حينه السيد رجب الماجري آخر وزير للعدل في النظام الملكي ، لقد اعتبرت المناشير المشار إليها في مرحلة من المراحل جزءا من نشاط الضباط الانقلابيين وهم يحضرون لعملهم ، ولكنها مالبث ان جاءت منسوبة لطرف آخر في الخطابات الرسمية الأخيرة عندما لوحظ أنها اعتبرت احدي القرائن التي رمزت الى جهة ما ، عندما أمكن تسريبها و قرئت المسارب المنبهة لها !

ان الأسئلة كثيرة و ما تزال معلقة وان كان بعضها اخذ في انتزاع الإجابة على نحو ما قرأنا للسيد إبراهيم عميش تحت عنوان " التاريخ السياسي و بعتة الأمم " وكذلك ما قد يحمل الجزء الثاني من معلومات احدث ، لقد أحجمنا في الماضي عن أي حديث يطال أخطاء تلك المرحلة ولاسيما المتصلة بالملك الصالح ، حتى لا يكون ذلك ضمن التقرب للنظام المنهار ، أما و ان هذا السبب قد زال فلا شك ان الحديث اليوم ينبغي ان يكون أكثر وضوحا وتحديدا ، ومن هنا فمع تجديد التحية للسيد البشير المنتصر على ما دون في مذكراته ، أجدني في حاجة الى ان أحضه من جديد على ضرورة العكوف على الوثائق الأجنبية " الانجليزية و الأمريكية " التي رصدت تلك المرحلة وعقدت بشأنها الكثير من اللقاءات و برامج التنسيق لمجرد ان استشعرت ما بدا ظاهرا من عجز الملك عن المواكبة الضرورية للأحداث ، والتي ربما يكون أكثر الديبلوماسي تنبها لها السيد ديفيد ينوسم سفير الولايات المتحدة الأمريكية الذي جاء من إدارة شئون أفريقيا وعاد إليها بعد سنوات عدة كان أثناءها مثالا للتحرك و المتنقل في عموم البلاد و كبار مسئولها والخبراء العاملين بها ، بل و كثيرا ما شوهد يغش مكاتب الكثير من رموز المرحلة و يدعو بعضهم أيضا ، و يرجح ان يكون صاحب النصيب الأكبر في التخطيط لما جري ، لقد رفض الملك إدريس مبدأ الاتصال بأي دولة من الدول وهو خارج البلاد و اعتبر ذلك علامة على ما لديه من الزهد في الحكم ، و لكن ما الذي يضره لو أذن للآخرين ان يتحركوا أو يعلن على الأقل عدم اعترافه بأولئك الذين انقلبوا عليه ، ومن الذي يمكنه ان يثبت ألا تكون هناك ضغوط قد حصلت ، بل من الذي يمكنه ان يبرر تلك السفرة الطويلة التي استمرت حتى جره ما جري و انتهي النظام في لحظات.

ان عيب هذا النوع من الرجال الذين وهبهم الله ما وهب للسيد البشير المنتصر من المقدرة على الإنتاج ، هو عزوفهم غير المبرر ، عن المساهمة في مدوناتنا بما يتفق مع ما تهيأ لهم ، فادى ذلك الى حرمان هذه المدونة من جهودهم من ناحية ، و حرمانهم لأنفسهم من الوجود اللائق بمقدرتهم في سجل الخالدين ، و الذي لا سبيل إلي تبوء المكانة المشرفة به إلا بالمساهمة العملية أو النظرية أو كليهما معا ، و إذا كانت الظروف الماضية قد أوجدت شيئا من العذر فلا شك أنها لم تعد كذلك بالنسبة لزمننا هذا ومن هنا وجب ان نجهر بهذه الخواطر التي ترتبت على محاضرة السيد البشير و قبل ذلك كتابه ، ونقول له مع أطيب التمنيات بإيجاز شديد ننتظر من البشير المنتصر.

______________________________

لكي نحبط مناورات السلماوي

 

أمــين مازن

 

ليس غريبا ، ان لم نقل كان متوقعا ، ان يحمل البيان الختامي الصادر عن المكتب الدائم للاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب ، عقب اجتماعه الذي انعقد بالقاهرة في الرابع والخامس والعشرين من شهر يونيو الماضي ، فقرة واحدة من بين فقراته التسع تفصح عن موقف عدواني إزاء ما حققه الشعب الليبي من انتصار على الحكم الاستبدادي اذ يقول بالحرف الواحد (( ينظر الاتحاد العام بقلق شديد للأحداث الدامية على الساحة الليبية ، فبعد التدمير المنظم والقتل والتشريد تحصل هذه الأيام حالات من الاقتتال الداخلي التي تهدد وحدة ليبيا الوطنية ووحدة ترابها . وندعو الأشقاء العرب للسعي ضمن المتاح لوقف النزف الدموي والعمل من اجل ان تبقى ليبيا موحدة تسودها الحرية والديمقراطية والعدالة وتكون مستقلة عن أي وصاية أجنبية )) دون ان يفصح على وجه التحديد من هو الوفد الليبي الذي اقترح مثل هذه الفقرة . او من هو الطرف العربي وبالأحرى الاتحاد العربي الذي ابلغ المجتمعين بالحالة الليبية اذ ان بقية الثمان فقرات التي هي كل ما حوى البيان جاءت منصرفة الى العموميات التي طالما افلح محترفو كتابة هذا النوع من البيانات على الإسراع بتجهيزها وربما أعدوها قبل حضور الوفود على اعتبارا ان الوفود المشاركة تحرص مجتمعة على عدم الإساءة لأنظمتها وتقدير كل وفد لما يمكن ان يفاجأ به اذا ما حاول الاحتكاك ، ولا عزوفا لاتحاد المذكور جسم يتكون من الاتحادات الرسمية ، وأمينه العام دائم التواجد في جميع المنظمات القومية المعنية بالشأن الثقافي ولاسيما المنظمة العربية للثقافة والمنظمة الإسلامية . ولهذا اكتفى المجتمعون بادانه الخطاب التكفيري الاقصائي المهدد للأمن الثقافي ! ومثل ذلك تهويد القدس ومقاومة التطبيع وصون الهوية العربية . اما الثورات العربية التي بدأت من الربيع الماضي فلا مكان لها في البيان المشار إليه ، بداً من تونس غربا الى اليمن شرقا ، اما الاستمرار في محاصرة غزة والالتزام بالمعاهدات الدولية التي لم تستشر إسرائيل فأمر لا يهم الاتحاد وشأنها في ذلك شأن المجازر التي تشمل جميع مدن وقرى سوريا من اجل الديمقراطية ، لأنها في نظر البيان التاريخي للأدباء العرب واحدة من المؤامرات الدولية ، ولان التحول الديمقراطي شأن داخلي وليس من حق أي إنسان ان ينتصر للمناضلين في سبيله ، فليبيا وحدها المحتلة والمحتاجة الى تدخل العرب ، كان العرب لم يكونوا أعضاء في الجامعة العربية التي دعت المجتمع الدولي لحماية المدنيين والتي دأبت على إرسال ممثليها لحضور كل الاحتفالات التي أقيمت في التراب الليبي من أقصاه الى أقصاه وهو يلحق بالركب الإنساني فيفسح المجال لتعددية الأحزاب وحرية الصحافة ويصل أخيرا الى تنظيم أول انتخابات عالية الجودة .

ومن هنا فان الكتاب الليبيين لا يستغربون هذا الموقف من اتحاد الكتاب العرب وأمينه العام محمد السلماوي ، وهو الذي عرف بصلاته الوثيقة بالعهد المنهار وبالرابطة التي صعد أمينها العام وهو غائب ولم يباشر بها أي مسئولية حتى لحقه بالرفيق الأعلى . اذ كان السلماوي على مدى السنوات الماضية دائم الحضور والمقابلات لمسئولي ذلك النظام على مختلف الصعد ولا سيما عندما عقد مؤتمره العام الذي جدد له الأمانة ولم يحضر من كتاب ليبيا أي اسم محترم او عندما منحت الجائزة الضخمة لجابر عصفور ففي ذلك المؤتمر وفي ندوة أخرى تزامنت مع اجتماع المكتب الدائم وكلها تمت في غيبة الكتاب استلمت ليبيا حقيبة نائب الأمين العام لاتحاد الكتاب وهو الاستلام الذي صار يمنح للبلد ابتداء من مؤتمر دمشق 98 تصريح السلماوي لموقع اليوم السابع ، مما يعني ان انشغال البيان بوحدة ليبيا الوطنية ووحدة ترابها ، ليست سوى القناع الرامي الى إخفاء استشعار الخسارة بزوال العهد الذي لم يكن يتلذذ بشي كما يتلذذ بمجيء هذا النوع من المتهافتين ، والذين طالما نظر إليهم كتاب ليبيا الجادون ومناضلوها الشرفاء بالكثير من الاحتقار ، عندما ارتضوا لأنفسهم تلك الوضعية المشينة المناقضة كل التناقض لرسالة القلم ومسئولية الكلمة ورسالة الأدب .

نعم ان الكتاب الليبيين الذين يعرفون أكثر من غيرهم أهمية الدور الذي قاموا به في مسيرة اتحاد الأدباء والكتاب العرب منذ ان قدر لهم ان يدخلوه من خلال مؤسستهم الشرعية المتمثلة في اتحادهم الذي تأسس في منتصف سبعينيات القرن الماضي ، ودشن أشغاله باستضافة المؤتمر الحادي عشر الذي شهد اكبر نقلة في تاريخ ذلك الاتحاد ليكون للعــرب جميعا ، حين عدل القانون الأساسي بحضر التجديد للامين الواحد لأكثر من دورتين ، وأمكن يومئذ إزاحة السيد يوسف السباعي الذي احتكر هذه الصفة منذ تأسيس الاتحاد الى جانب رئاسته لاتحاد كتاب مصر وكذلك أدباء أسيا وأفريقيا ، مما جعله صاحب الكلمة العليا في الشأن الثقافي العربي ، حتى لقد لقب من المصريين الساخرين بسكرتير عموم مصر ، الى ان نظم المؤتمر المذكور وأمكن الحد من جبروته بواسطة التعديل القانوني ، خدمة لكتاب مصر قبل غيرهم ، بدليل ان الإزاحة المشار إليها لم ترتبط باستلام ليبيا للمسئولية المذكورة بالرغـــــم من مشروعيتها وضرورتها لكتاب ليبيا لولا ان غلب ممثل ليبيا في المؤتمر ( خليفة التليسي ) الجانب الأخلاقي قاصر على الاكتفاء بتلك المهمة المطلوبة عربيا ، وانتقلت مسئولية إدارة الاتحاد الى العراق ودمشق ، بحيث تمكنت هذه الأخيرة وعبر المحاور السياسية ان تحظي بذات المكانة التي بلغها السباعي جراء الأوضاع المترتبة على اتفاقية كامب ديفد . ويومئذ لم تكتف ليبيا - ممثلة في اتحادها بتخصص مساهمة بلغت ثلاثة وعشرين ألف دولار دعما للاتحاد الى جانب استضافة عديد الندوات ومثلها المشاركة على حساب الأدباء الليبيين ، خاصة وان دمشق كانت لها تخريجه أخرى تمثلت في تسميته اتحادها باتحاد الكتاب العرب فظفرت بناء على ذلك بالكثير من الفرص العربية حتى إذا انتقلت الأمانة العربية منها ، ولا سيما عند انتقال الاتحاد العام للكتاب العرب إلى العراق وفي غضون الحرب العراقية الإيرانية . أما نحن الليبيين فقد جددنا الموقف مرة أخرى عند استضافة المؤتمر السادس عشر وتجديد الأمانة للشاعر حميد سعيد على الرغم من الخلاف الليبي العراقي ، ووجود أكثر من طرف عربي وليبي حاول أن يتخذ من المؤتمر مناسبة لا يعاد حميد سعيد . كان لأهم لكتاب ليبيا سوى خدمة المحاور السياسية والشراكات المصلحية المستفيدة من وفاق الساسة .

ولم يكن الموقف من مصر الرسمية ، بالنسبة لكتاب ليبيا ومؤسستهم المتمثلة في رابطة الأدباء والكتاب ، مختلفا عن سواها ، إذ على الرغم من معارضة الكتاب الليبيين لنهج كامب ديفيد ، الا أنهم حرصوا على التمسك بخصوصيتهم خاصة وأنهم كانوا مدركين ان الموقف العربي الرسمي المعارض لم يكن في المجمل خاليا من المراوغة السياسية ، بمعنى ان ليبيا الثقافية كانت أكثر تميزا إن لم يكن عن طريق التواصل مع الاتحاد المصري فعلى الأقل بعدم المجاهرة بالعداء ، وكان أن ظلت تحرص على حضور مصر من خلال رموزها المعروفين في كل المناشط التي أقيمت على مستوى قومي ، اذ لم تخل المناشط الليبية التي أقامتها الرابطة من حضور الكثير من أعلام مصر ، من أمثال محمود أمين العالم وحسن حنفي ومحمد عفيفي مطر وإبراهيم عبد المجيد وحلمي سالم ورفعت سلام وجمال الشرقاوي وماجدة رفاعة الطهطاوي وفريدة النقاش وسعيد الكفراوي وفاروق عبد القادر وأسماء أخرى كثيرة لا يتسع لذكرها المقام وذلك لان كتاب ليبيا يفرقون بين مصر الرسمية ومصر الثقافية . وربما كانوا أكثر من غيرهم يدركون ان ليبيا الرسمية ليست اقل سوءً مما عداها من الأنظمة وان مسئولية من يتولى تسيير الشأن الثقافي أثناء خلاف الأنظمة تمثل في الحد من الخسارة والحد من امتداد القطيعة حتى تطال الأساسيات . ولا شك أنهم لهذا الغرض لم ينجذبوا الى الحروب الإعلامية اللهم إلا تلك التي يلوح منها ما يصدر عن نزعة الهيمنة او الانطلاق من النظرة الفوقية غير المبررة بأي سند منطقي ، فاذا ما تعذر الإسهام فان التوجه يكون مكرسا للسياسات وليس الأسماء ، والكتاب الليبيون على كل حال يعلمون جيدا مواقف الأشقاء العرب منذ تعرضهم للغزو الايطالي ، وما تم أثناءه من المساومات والأمر ذاته بالنسبة لفترة ما بعد الحرب العالمية وطرح مصير ليبيا في الأمم المتحدة وطرح الاستقلال والوصاية ومن حبذ هذه ومن تبنى تلك ، بل ومن لم يجد غضاضة في الحديث عن تعديل الحدود المقررة دوليا مع ليبيا المنطلقة للاستقلال ! .

فإذا كان السيد محمد السلماوي من موقعه كرئيس لاتحاد كتاب مصر ، وكذلك الاتحاد العام للاداباء والكتاب العرب ، غير مدرك لهذه الحقائق عن جهل او تجاهل ، او لمصلحة وقتية تتعلق بمستقبله كواحد من الذين كانت لهم روابطهم بالزمن المباركي وقد يترتب على ذلك شيء من المصاعب ، فان الكتاب الليبيين يعلمون ان مؤتمر البحرين سينظر في وضع الاتحاد ووضع الأمانة العامة ، واستضافة المؤتمر الذي يلي مؤتمر البحرين وكلها مسئوليات قد تكون متاحة لليبيا الجديدة ومن سيقود اتحاد كتابها ، حيث لا خلط بين الثقافة والأمن ولا الثقافة والدعاية ولا تكريس لذلك كله لخدمة الديكتاتورية التي لا يضاهي خطرها حتى الاحتلال الأجنبي (( ان وجد )) ولا أي مظهر من مظاهر الاستعمار ، فالديكتاتورية تعني هذه مجتمعة واكبر منها خطرا مجتمعة . وما دام هناك من يعرض الأموال باسم الكتاب الليبيين ، وربما يكون قد أنفقها في الماضي وبلغ بواسطتها ما بلغ من استحواذ على القرار الثقافي الليبي ونيل التأييد العربي . فليس من المستبعد ان تكون الأمور بالنسبة لنا معشر الليبيين أكثر تعقيدا . وقد يلحقنا عن طريق هذه القنوات ــــ ما لم نتدارك أمورنا ــــ من الأضرار ما يتجاوز حضور هذا النوع من الاجتماعات ، وترديد هذا النوع من التخرصات ومن هنا فان الاستمرار في الجدل حول من هو الشرعي وغير الشرعي في تمثيل الأدباء والكتاب الليبيين والحديث عن الفلول والأزلام في مصر او ليبيا لن يترتب عليه سوى المزيد من إضاعة الوقت ، وقد أضعنا سنة كاملة دون الإقدام على حسم هذه المسألة . ولا سيما عندما اعتقدنا في إمكانية الاكتفاء بلجان التسيير متناسين ان السياقات العربية موحدة ولو شكليا ، وبالتالي فان اقرب المسالك وأسلمها نحو العلاج الأسرع لهذه الإشكالية يمكن بلوغها من مسارعة وكيل الثقافة لشئون المجتمع المدني باتخاذ الخطوات الضرورية لدعوة الأدباء والكتاب الليبيين المسجلين في قيودات الرابطة لانتخاب أمانة جديدة ، بمعنى ان يعقد مؤتمر عام من المسجلين في جدول اعنال له بنذ واحد هو انتخاب الأمانة وطبقا للقانون الخاص باتحاد الادباء والكتاب الليبيين المودع لدى اتحاد الكتاب العرب والذي اعتمدنا بواسطته في ذلك الاتحاد على ان يستعين في مهمته هذه بإشراك الذين ساهموا في تسيير الرابطة او أي شأن من شئون الثقافة ، كما ان من الأهمية بمكان ان توجه دعوة الى أمين الشئون المهنية بالاتحاد العام للكتاب العرب وربما الأمين العام نفسه وبعض رؤساء الاتحادات الشقيقة ان أمكن . إذ ليس لدي الكتاب الليبيين ما يخفونه ، ويجفل تاريخ الكثير منهم بقدر عال من الوضوح والشفافية وعلو المنزلة ، ما يغني عن أي تكتم او كولسة او توهم للغنيمة في مجال كله مغارم ، اللهم الا ما يحفظ التاريخ . وربما يصون مصلحة الوطن

______________________________.

 

معركة مابعد الانتخابات

أمين مازن

4-9-2012

فاجأت نتائج انتخابات المؤتمر الوطني العام التي أجريت بليبيا في السابع من يوليو الجاري, على مستوى القوائم الحزبية والشخصيات المستقلة, وهي تظهر تقدم تحالف القوى الوطنية بفارق لم يكن متوقعاً, بقدر ما كان مستبعداً مما جعل هذه النتيجة تثير جملة من ردود الأفعال بالنسبة لكل الأطراف ذات العلاقة بالعملية الانتخابية هذه – وما يعلق عليها من كبير الأمل وما تثيره بالمقابل من مشاعر الإحباط. وفيما رأيناها تجعل الأكثرية من أبناء الوطن تعيش حالة من الفرح غير المسبوق اللهم إلا اليوم الذي سقط فيه باب العزيزية. وتمكنت الجماهير العريضة من الدخول إلى سراديبه وفضح الكثير من خباياه, رافعة على يسارياته علم الاستقلال نازعة من أسواره كل ما كان يمت إلى ما قبل ذلك التاريخ. معلنة للعالم أجمع انتهاء ذلك النظام الشاذ, وأن الذي تجاسر على أبناء شعبه قائلاً لهم من أنتم معتمدا على الأفارقة الذين حشدهم من كل مكان وكلف الكثير من عملائه ليؤمنوا له وصول المزيد, لم يملك سوى الفرار ولم يعرف له مكان فوق الأرض اللهم إلا سجن أن دخله لن يفتح أو قبر في مكان ما, إذا هي من جانب آخر ولعدد قليل من الناس تفضي إلى حالة من الاستفزاز غير المسبوق أيضاً, وحالة من خيبة الأمل التي يجسدها أكثر من مظهر, إلى جانب العجز الكامل عن استيعاب اللحظة, وبدرجة لاتنم سوى عن الضعف المخجل في التكوين السياسي الذي من أبجدياته السيطرة على النفس عند ظهور أي خطأ في الحسابات, انطلاقا من الفرضية التي توجب على كل من يخوض مثل هذه المعارك أن يضع في اعتباره أن حساب البيدر كثيراً ما يتضارب مع حساب الحقل. وان لعبة الاقتراع العام والسري على وجه الخصوص من طبيعتها قلب الأمور رأساً على عقب. لأن المقترع وهو يخلو إلى نفسه وليس معه سوى ضميره يصعب عليه أن يمنح ثقته لمن لايرى فيه الأهلية الكاملة, إذا لا مكان في حالة كهذه للمظاهر أو الشعارات, فالمسألة أولاً وأخيراً مسألة وطن يحتاج للبناء, والبناء لاينهض به سوى أولئك الذين ينصحون ويستنصحون بأقصى درجة من درجات العقل والطمأنينة وبأقل قدر من الكلام.

وكانت العملية الانتخابية قد وصلت مرحلة الانجاز, بعد أن مرت بسلسلة من المصاعب التي كادت أن تجعلها مستبعدة, جراء بعض المؤثرات الخارجة عن أرادة أصحاب القرارو غير أن أكثرها كان من تدبير الداخل مباشرة, إذ بدلاً من أن يقع التوجه إليها مباشرة وكما حددت خارطة الطريق المقدمة إلى المجتمع الدولى وسرعت بكسب موقفه الحازم من الانتفاضة المباركة وتطورها بالتالى إلى ثورة تنشد الإجهاز على النظام المستبد, وجدناها تحاط بحالة من الصمت المحير إذ لم تتم بشأنها أي خطوة جادة, ولو بالتوكيد على المضي نحوها عقب التحرير, ومائلاً ذلك من أخذ ورد بشأن تشكيل الحكومة المؤقتة عقب استقالة المكتب التنفيذي التزاما بالخريطة المشار إليها وما تلي ذلك من بلبلة ترجمها القانون الخاص بالانتخابات والآخر المتعلق بالكيانات السياسية وقبل ذلك الإعلان الدستوري الذي انفرد بإصداره المكتب الانتقالي الوقت ودونما أشراك للمكتب التنفيذي كما شدد رئيس المكتب المذكور أكثر من مرة, ولم نسمع أي توضيح في الخصوص لا من رئيس المكتب المذكور أكثر من مرة, ولم نسمع أي توضيح في الخصوص لا من رئيس المكتب الانتقالى ولا أي الناطقين باسمه, وتلك من الأمور المعلقة التي لابد أن تكون من الاستحقاقات الضرورية حتى لا تبقى مجالاً للقيل والقال. وفي هذا الصدد لايملك المراقب للكثير مما جرى إلا أن يشيد بالجهد التوعوي الضخم الذي بذله الدكتور محمود جبريل بشأن المرحلة وصعوباتها والمخاطر التي هددت الثورة وشراستها "إلى أن أدت في نهاية المطاف إلى ترجيح فكرة الانتخابات سواء ساد إلا من جميع أرجاء البلاد أو تم الإنجاز في المؤمنة واجل الباقي إلى حين الوصول إلى الأمان, فقد وصل الجميع إلى قناعة مفادها أن الوصول إلى العملية الانتخابية ولو كانت دون المستوى المراد لها أفضل من القبول بمحاولات التأجيل وما تؤدى إليه من غياب الشرعية والتمديد للمجلس الانتقالي المؤقت الذي شكل على أساس التوافق وكان من المفروض أن يعوض بالانتخابات المحلية, كما فعلت زوارة وبعدها مصراتة وأخيراً بنغازي, لولا التلكؤ الذي قادته بقوة وبكل الأسف رئاسة المجلس المحلى لمدينة طرابلس, رغم ما لديها من دراية بمخاطر الاستجابة لنداء العاطفة في تسيير أمور الناس واتخاذ الإسهام في أي ثورة مبرراً لتبوا مقاعدها الأمامية من دون عودة إلى الناس ولو كانت شكلية. ولا حرج من القول في هذا الصدد أن شيئاً من الشك قد خامر بعض النفوس بوجود علاقة بين ما كان يتردد على السنة بعض الأطياف السياسية الإسلامية القائلة بأن الانتخابات بدعة من المبدع التي وفدت على الإسلام ومن واجب المسلم المتبع أن يقاومها فإن لم يستطع فليعرض عنها, ومن ثم فإن كل محاولة للحيلولة دون إجرائها قد تمثل نوعاً من المقاومة الشرعية. وفي النهاية تمت حلحلة الموضوع وحددت الانتخابات على مستوى البلد, وأـن يكن التشاؤم قد تسرب عند أول تأجيل خشية أن تتبع ذلك تأجيلات أخرى, ولكن هذا التشاؤم لم يكتب له البقاء, فقد حدد الموعد ومثله الطريق, والتي جمعت بين القوائم المعبرة عن الكيانات السياسية والشخصيات المستقلة, أملا في أن يتكفل أسلوب القوائم المشارع إليه بإعطاء فرص أكبر للكيانات السياسية صاحبة التاريخ وصاحبة القدرة على كسب عواطف الأكثرية, الأمر الذي دفع التجمع الوطني الديمقراطي أحد فصائل المعارضة الوطنية الناشئة خارج البلاد "إلى إعلان تحفظه على الانتخابات وهو يشهر تأسيسه بالداخل تاركاً لأعضائه حرية المشاركة كأفراد.

وهو موقف يخص الكيان المشار إليه دون غيره. وكل له الحرية في التعاطي معه.

لقد انخرط الليبيون عبر الكثير من المدن والقرى في الأحزاب السياسية التي بادر بإشهارها الكثير من الناشطين السياسيين وذوي الطموحات النائمة, وحدث تنافس غير عادي في هذه العملية, أن من حيث التساهل في عدد المؤسسين أو من حيث التقارب في رؤية المواطنين الذي لم يكن يعنيهم سوى التركيز على الوسطية الإسلامية والإصرار على تأسيس دولة القانون والتداول السلمي على السلطة, حذرا منهم على مايبدو من الغلو والتطرف ملبسا وزينة وحياة أخرجها الله لعباده وعجب من الذين يحرمونها من الطيبات من الرزق, ولاسيما بعد أن هالهم ما أقدم عليه البعض من هدم قباب الموتى ونبش قبورهم واعتداء على محال الزينة الخاصة بالنساء, والتي أن افترضتا جدلا جواز تحجيرها على نساء الليبيين فلا شك أنها محظورة بالنسبة للأجانب, وفضلاً عن ذلك كلمة خان كل قرارات التحريم والتحجير لايمكن السماح بتنفيذها عن كريق الجماعات وإنما هي من مسؤولة الأجهزة الرسمية وبموجب قرارات تنيمية مكتوبة ومحددة المسؤولية ومواعيد التنفيذ, أما الادعاء بأن قباب الصالحين تعنى نوعا من البدع أو تمثل شيئاً من الإشراك فالحق أنه استخفاف بعقلية الناس وانتقاص من نزعاتهم الروحية التي كلما توالى العمل على تسفيهها كلما ضعف الجانب الروحي الذي لايخدم سوى الفكر المادي. ومن هنا في ما نرى, جاءت برامج الأحزاب السياسية متقاربة من حيث الموقف من الدين والحياة والتطلع نحو المستقبل, والأمل, ربما في سلطة تأمر بالمستطاع. الأمر الذي بلور لفي النهاية فكرة التحالف الوطنى الرامى إلى الإسلام الوسطي والمنكلق من المشروع التنموي الناضج والتخطيط العملي المدروس. والدستور التوافقي المراعي لظروف البلاد كافة. ليكون فضاء الجامعات والمعاهد العليا والمتوسطة إلى جانب الأندية الرياضية والجمعيات المتعددة المكان المناسب لشرح أهداف التحالف في المرحلة القادمة من تاريخ الوطن, وقد كلل الله جهاده بالنصر على النظام الاستبدادي واسترداد إرادته وجزء من أمواله المهربة, أملا في إعادة ترتيب أولويات بما يضمن أداء الدور الليبي المطلوب محليا وقاريا ودوليا . بدء من إعادة أعمار البلاد وقبل ذلك أعمار النفوس بتخليصها من الأحقاد وتفشي روح الانتقام واسترداد الحقوق بالقوة والامتثال لسلطة لقانون عند محاسبة أي معتد على حقوق الناس في أعراضهم ودمائهم وأموالهم ومن خلال قوانين ارتضاها المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها, بدءً من باكستان وتركيا واندونيسيا ومصر شرقا, وتونس والمغرب غرباً, حيث العواصم التي قامت بتأدية جلائل الأعمال لهذه العقيدة الشريفة, وتستعد اليوم لاستئناف دورها على هدى من روح العصر ومستجدات المرحلة وحذر كبير من العودة إلى إنتاج المرحلة المسخ التي طالما ادعت شعار تطبيق الإسلام والكف عن محرماته علنا, وإذا بالشواهد تثبت وجود حياة أخرى تحت الأرض. كثيراً ما أشار إليها لا مطلعون ولم تصدقها الأغلبية, بحيث لم تكن الحدود المدعى تطبيقها سوى فرصة للانتقام والتشهيى والإيذاء الجسدي والقاصر على الفقراء والمغضوب عليهم من عباد الله. وهكذا جاءت نتائج الانتخابات بهذه النسبة المهولة في الأصوات التي أعطيت للتحالف الوطني, ليس لأنه قد اخفي هويته الليبرالية أو العلمانية كما روج الذين لم يمنعهم وقارهم ةلا سامق مكانتهم , من وصف الليبيين بالسذج أو المضللين أو الجاهلين بحقائق الأشياء والأشخاص ولكن لأن الليبيين الذين ضربوا أروع الأمثلة طوال العقود الماضية في المقاومة السلبية وإخفاء حقيقة خياراتهم عن كل متربص بهم, ساخرين في أعماقهم من كل متلون مؤمنين أكثر من سواهم أن يوم امتلاكهم لإر ادتهم آت لا ريب فيه بحيث لم يصل يوم السابع من يوليو ويؤذن بفتح صناديق الاقتراع حتى كانت الدوائر من كل أرجاء الوطن تشهد هذا التقدم في الاقتراع وبهذا الفارق النسبي الذي حمل أبلغ الرسائل لكل الأطراف والأطياف. ومن كان داخل البلاد, ومن كان خارجها, ما يتصل باليوم وما يتصل بالغد, بمعنى أن ماتم كان عن موقف محدد, ورؤية واضحة وخيار محسوب يتصل بالوطن حاضراً ومستقبلاً فنحن قوم محدودي العدد يعرف بعضنا بعضا عرقا وسلوكا ومعيشة. لا أحد يستطيع أن يخفى ما لديه من شؤون الحياة وما يتصل بها من الثروة ومصادرها, كما أن التجاوزات في الواقع الرسمي معروفة, منذ أن كان التكليف بالأمر المباشر ولا يتجاوز الخمسة ألاف جنيه, إلى أن وصل في زمن أخر إلى الملايين, فأن كل ما قيل حول تجاوزات ما قبل سبتمبر تضاعف أضعافا مضاعفة بعده. ولم تسلم الأشهر الماضية التي تلت إعلان التحرير من الكثير مما قيل ويؤكد أكثر من مصدر وتدل أكثر من قرينة أن سوء الأداء وضعف الرقابة إزاء السلطة التنفيذية مرده بالدرجة الأولى كثرة الطلبات الشخصية, والذين لهم مطالب لاتكون لهم قضايا, حدث ذلك عندما كانت المعارضة ببلاد المهجر وحدث أيضاً بعد قيام السلطة الجديدة فلا أحد يستطيع التستر على مخالفة من المخالفات أو يخفي مكسبا من المكاسب غير المشروعة ذلك يعني أن الذين اختاروا التحالف يدركون تماماً هذه الحقيقة وقد لا يصدقون في المطلق أن كل من انفق ليست لديه فواتير واجبة السداد, بمعنى أن الليبيين الذين رجحوا كفة التحالف ينشدون دولة يحكمها القانون, ومجلسا يصةغ دستورا عصريا قوامه التوافق ومراعاة حقوق الإنسان, مجلساً أو لنقل مؤتمرا يوقف القوانين البائسة وتعيينات اللحظات الأخيرة, ويمر إلى حكومة متوازنة لا مكان فيها للتهميش ومثل ذلك الاستشار حكومة قادرة على إعادة الهيكلة الإدارية السليم والحكم المحلى العادل. وشغل المواقع السيادية بما يضمن توزيع الفرص وتجنب الاحتكار والتحالفات الظالمة التي طالما أخرت بالذين لا عصبة لهم. وربما يكون مفيداً لو يوضح ميثاق وطني يعرض مشروع صياغته على الناس كافة. وإذا كان التحالف قد أفلح في شرح أهدافه وظفر بهذه النسبة فأولى به أن يعود مرة أخرى إلى استطلاع أراء المواطنين ليقولوا ما لديهم وفق ترتيبات يمكن للمؤتمر الوطني بما توفر له من الكفاءات الممتازة والرموز الشريفة ليصحح ماهو في حاجة إلى التصحيح أو الإضافة أو التعديل طبقاً للواقع واشتراطاته الملزمة فقط لابد من وضع لائحة داخلية تنظم إجراءات المؤتمر وتحول دون تغول الرؤساء

_____________________________.

   

هل نحذر المعارك الخاسرة

أميـــن مزن

 

استدرجت القوى الإسلامية المتشددة نحو ما كان ينبغي أن تتجنبه وتحذر من سوء عاقبته ، على الوطن والمواطن . وذلك عندما أقدمت أخيرا في جنح الظلام على هدم الكثير من الأضرحة المقامة لعدد من الإعلام الليبيين ، الموصوفين بالأولياء الصالحين ، من كان لهم دورهم المعدود في رحلة العمران الليبي وقد نقول التاريخ الوطني . وكان لهم كذلك آلاف الأتباع داخل الوطن وخارجه ، مثل الشيخ عبدالسلام الأسمر المشهور بالمغرب العربي الكبير كافة والذي لم ينل بعد حظه من الدراسة الدقيقة وبالأحرى لم تنشر تلك التي أعدت عنه وعن دوره التوعوي ، الذي سعت أطراف كثيرة إلى الإبقاء عليه غامضا وبمناي عن المتناول الذي يخرج به من دائرة الدروشة ، إذ قد اضطلعت المنارة المقامة حول مثواه في مدينة زليتن بدور بالغ الأهمية في نشر الثقافة العربية ، وتجلياتها المتمثلة في الفقه المالكي والتصوف الإسلامي والنحو العربي ، حتى إذا أن الأزهر الشريف اعتبر القادمين من حلقاته الدراسية مقبولين مقدما في ذلك الصرح العلمي الخالد ، ومباشرة التحصيل في مستويات محددة ، كما أن الكثير من الذين أكتفوا بما نهلوا من فيض حلقاته ودخلوا بعد ذلك ميدان الحياة العملية مؤهلين لتقلد الكثير من المسئوليات العلمية في مختلف الشئون ، بل أن منهم قد أثبت جدارة فاقت أولئك القادمين من أكثر من مكان . وقد كانت حجة الذين أقدموا على الهدم أن ذلك التصرف مبعثه الحرص على عقيدة التوحيد ، على خلفية ما دأب على ترديده بعض السذج عن كرامات الشيخ قد اضعف من درجة الإيمان ووجب من ثم مقابلته بالطريقة التي تم بها التصرف . بل لقد امتد إلى مدن أخرى وشخصيات أخرى ، ويؤكد أكثر من مصدر انه لن يتوقف ومن قائل انه قد امتد بالفعل نحو الزورق بـ مصراتة والأندلسي بـ تاجوراء ، و الدوكالي في مسلاته ، وقد يمتد إلى السيد المهدي ورفاقه بالكفرة وربما يشمل سيدي الصيد وسيدي بوعجيلة والقائمة تطول ، وهناك من يرجع التصرف الى فتيا دينية ، فالتصميم قوي والتسهيلات واضحة والمساعدة على التصرف غير خافية ، وما من قوة يمكنها أن توقف هذا التوجه . ولان الأمر ليس موضوع أجماع كان لابد أن تشتد المعركة بين المؤيدين والمعارضين وان تزهق جراء هذا الخلاف أرواح بريئة ، وان تبيت طائفة من الناس قريرة العين بما أفلحت في تحقيقه وأخرى حزينة كاتمة غيضها أو معبرة عنه ، متحفزة بدون شك للرد بما تستطيع . وكما يحدث في كل خلاف بشأن أي مصلحة من المصالح أو سلطة من السلط ، فقد عمد البعض إلى خلط الأوراق ، وتصوير الأمر على انه خلاف بين مؤيدي النظام المنهار والثائرين عليه ، وليس ـ وكما هي الحقيقة ـ مجرد صراع على النفوذ كان و مازال وسيبقى المحرك الأول هنا أو هناك . فهذا الخلط اعجز من ان يخفي حجم المأساة أو يمرر السر الدفين وما أدى إليه من خسارة فادحة ، خسارة امتدت إلى الثروة الأثرية وتجلياتها العمرانية والثقافية وكذلك السياحية ، فضلا عن امتداداتها المتصلة بالسلم الاجتماعي إذ ما من مرة يكتب فيها لطرف من الأطراف أن يتمكن من فرض تصوره على المختلفين معه بالقوة إلا وكان ذلك نذيرا بتقدم الطرف الآخر في ظرف من الظروف الملائمة للقصاص مما جرى ، والقيام بردة الفعل المتوقعة بما يتوفر من الحجم والتوقيت ، مما يعني إن مثل هذا المسلسل لن يعرف التوقف ولن يستطيع أحد أن يعرف ما يمكن إذ يؤدي إليه في مسيرة السلم الاجتماعي التي ظلت مطمئنة حين مرت العملية الانتخابية دون أي شكل من أشكال المشاجرات على الرغم من حدة التنافس وانتشار السلاح ، والأمر ذاته بالنسبة لرئاسة المؤتمر الوطني والرئاستين المساعدتين . وما اتسمت به مجتمعة من التوازن والشفافية وكان من الممكن أن ينصرف الجميع للعمل المثمر ، لولا هذا المنعطف الخطير الذي لن ينتج عنه سوى ما يضر بمصلحة الوطن على مختلف الصعد ، بل وينذر بأوخم العواقب . ما لم تبادر القوى الواعية برأب الصدع ومحاولة التخفيف من أي ردة من ردات الفعل التي لو قدر لها أن تحصل فلا شك إنها ستكون أكثر شراسة واشد ضررا على قاعدة ان كل عملية من أعمال الثار يحرص القائمون بها على ان يكون حجمها اكبر من سابقتها أعمالا لمبدأ الاستباق نحو السوء ودرء الخسائر مقدما . بيد أن الذي لم يستطع المتشددون التنبه إليه هو ذلك المتصل بالأطراف الخارجية وما يمكن أن ترتبه من إمكانية توظيف هذا الذي جرى نحو سمعة البلاد وما قد يحضر لها من مخططات غير سارة مستقبلا ويكفي إن نلحظ هذا التسابق اللافت لإدانة ما جرى ابتداء من اليونسكو الذي اعتبر الأضرحة أثارا تاريخية وثروة حضارية يعتبر الأضرار بها من الأمور التي لا يمكن القبول بها بدا باستنكارها ووصولا إلى القصاص لها ، وقل مثل ذلك على المجتمع الدولي الذي أعرب عن قلقه إزاء الأحوال الأمنية الليبية ولاسيما حلف الأطلسي صاحب الدور الكبير في تدمير الترسانة العسكرية التي كادت أن تبيد الشعب الليبي بالكامل ، ولم يمكن من المنتظر أن تقف عند حدها لولا تلك الهجمات الاستباقية ، والتي تمت بواسطة التفويض الدولي المتمثل في إخضاع النظام للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة وتؤكد أكثر من قراءة إن القرار الاممي ما يزال قائما ولا يحتاج أعماله لأي تشاور دولي جديد ، كلما بدا أن هناك ما يطال الأمن أو ينذر بالخطر أو يشي بوجود أن شكل من إشكال الإرهاب الدولي ، كما تفهمه تلك الأطراف وتتصرف بمقتضاه ومن الصعوبة إن لم نقل من المستحيل أن يمنعها احد من ذلك . وبعد أن أفلحت بلادنا في انتزاع إعجاب العالم ولاسيما المهتمين بشئونه السياسية بالمستوى الحضاري الذي جسدته انتخابات المؤتمر الوطني العام من إعلاء لشأن الحرية ابتداء من ظهور الشكل التعددي من خلال التنظيمات الحزبية وانتهاء بهدوء عملية الاقتراع وسلامتها من كل أنواع الإكراه وأشكال الضغوط إلى جانب النسب المتعلقة بالفصائل السياسية المتنافسة وما أشرت إليه من إمكانية التوصل إلى نظام توافقي يراعى ظروف البلاد وطبيعة تشكيلاتها السكانية ، ويصلح لكي يكون صيغة يمكن أن تفيد منها بقية الثورات المجاورة أو تعميق ما بدأ به بعضها من جنوح نحو الدولة المدنية المبشرة بانتهاء زمن الديكتاتورية إلى الأبد وحسبك إن ليبيا التي حققت كل ذلك في زمن قياسي أصبحت أخيرا وفي أيام معدودة لا تذكر إلا بشيوع الأعمال الإرهابية وشبح الاحتكام إلى القوة والقوة وحدها بشأن الحياة العملية المنتظرة إذ مهما كانت عظمة الأفكار أو قُدسيتها فان العمل على فرضها بالقوة لن ينتج إلا ما يضر السمعة ويشيع الخوف ويساعد المتربصين بتحقيق كل ما يتطلعون إليه من الأضرار بالعباد والبلاد مما يجعلنا جميعا مدعوين اليوم وقبل الغد إلى ضرورة الإسراع بالالتفات لهذه الوضعية والتنادي لها قبل أن تنتج ما تنتج من وخيم العواقب وسيء المردود ، ففي ظل هذه الأجواء لن يوجد سوى مايساعد على تحقيق كل المخططات الماكرة والمتطلعة إلى إفساد السمعة وإعاقة قطار النمو والحيلولة دون استمرار العملية الديمقراطية القائمة على نبذ العنف والاحتكام الدائم للحوار ومن ثم الاقتراع حول مختلف الشئون العامة على هدى من المشورة والتمسك بالوحدة الوطنية والحد من كل ما من شأنه أن يسهل طريق البلقنة التي طالما سعى إليها الطغيان وراهن على ان تكون هي البديل منذ إن امتشقت الجماهير سلاحها وأصرت على إن تقبر جلادها وتعيد تأسيس حياتها ، ففي ظروف انشغال هذه المجموعات الكبيرة من المواطنين الليبيين بهذه المعركة المنفصلة حول أضرحة الأولياء المنتشرة في بلادنا من أقصاها الى أقصاها ووجود نسبة كبيرة من الناس وبالا حرى الأغلبية منهم الرافضة لمبدأ إزاحتها بالقوة فان رد الفعل يكون أكثر احتمالا مما سواه ، وحين يكون الأمر كذلك من الذي سيتصدى للكثير من الموتورين والرافضين لما شاهدته حياتنا من متغيرات من الذي يمكنه ان يتصرف في الوقت المناسب للكثير مما قد يأتي به الغيب من أنواع التخريب المتعمد ، ثم من الذي يضمن إن مأتم بشان الأضرحة لن يضم لاحقا إلى ما يمكن إن يعتبر هو الآخر في حكم المحرم كالتماثيل الفنية والآثار التاريخية وقد شد ذلك عن محال الزينة والملابس التي توصف من أصحاب هذه النظرة بغير المحتشمة وربما غير الشرعية . وحين يتم ذلك لأقدر الله هلا يكون مبررا لكل من لديه أجندة ترمي إلى النيل من امن الوطن في عمومه ووأد كل الأحلام الوردية التي طالما حركت مشاعر الأكثرية من أبنائه وهي تفضل الموت على الحياة في سبيل إلا يبقى أمرها بيد من يتوهم انه قادر على التفكير بالنيابة عنها بل ومد الأيدي إلى مكتسباتها المادية . ومن جهة أخرى فان دولة لها حدود برية مع خمس دول مختلفة السياسات والإمكانيات والأهداف والتحالفات تتسع مساحتها إلى أضعاف سكانها وتكفي إمكاناتها المادية أكثر منهم إضعافا ويشكل شاطئها الطويل مصدر من مصادر الترغيب والترهيب التي تقتضي دوما تكون أساطيل الدول على مرمى البحر منها وحاملات الطائرات البديلة لما غادرها من القواعد أكثر قدرة على التحرك عند اللزوم ، إن دولة هذا هو واقعها وتلك هي ظروفها من السذاجة بمكان إن يتصور كائن من يكون أن في إمكانه إن يرفع من داخل أرضها شعارات الجهاد فيحاكي النموذج الأفغاني المنغلق أو الإيراني الشيعي ، بل حتى الوهابي الطارئ . فما هو موجود من المهادنة المؤقتة ليس أكثر من استراحة المحارب ، وثمة في تاريخنا ما يدل على أن كل الأحداث الكبيرة سبقتها قبل ذلك تحضيرات اكبر إلا أنها قد تمت على مهل .

ان كل إخلال بالأمن العام ، أو أعمال للسلاح تحت أي مبرر من المبررات القائلة بالإصلاح الديني وما في حكمه من الإجراءات القسرية التي لا تصدر عن سلطة شرعية معترف بها ، لن يكون لها من مردود أكثر من توفير المبرر الكافي لكل القوى المتربصة بالوطن ومصيره ، والمتعطشة للانتقاص من سيادته والتدخل في شئونه ، وإغراق أبنائه في معارك جانبية وخلافات هدامة و إذا كان الذين أقدموا على هدم الأضرحة بل والمساجد التابعة لها ، قد سوغ لهم ذلك ما توفر لديهم من الحرص المبالغ فيه على الجانب التوحيدي ، فان الذي فاتهم بدون شك هو عدم تقديرهم لموقف القوى الرافضة وما يمكن أن تقدم عليه من ردات فعل كثيرا ما تتجاوز الفعل المذكور ، فتمتد الخسارة إلى مستويات اكبر وإعداد اشمل ، وربما تثبت المراجعة الواعية إن ما خيل لأصحاب الفعلة قد شكل نوعا من الانتصار إنما هو الهزيمة بعينها أو بدايتها على الأقل . فكل خطوة تؤدي إلى زيادة التوتر وتضاعف من درجة الاضقاف سيعم ضررها الوطن في عمومه ، ضرر يطال الوطن في أمسه ويتواصل مع حاضره ولامناص من أن يمتد لغده ، فهل إلى خروج من سبيل

____________________________.

عندما يتجسد احترام التاريخ

أمين مازن

13-8-2012

بانتخاب الأخوة محمد يوسف المقريف لرئاسة المؤتمر الوطني العام وجمعة عتيقة وصالح المخزوم نائبين ( مع حفظ الألقاب ) يكون المؤتمر المذكور قد أرسل للشعب الليبي أولا والمعنيين بدوره ثانيا . رسالة واضحة المعنى قوية الدلالة . توجت الطريقة التي اتبعت في انتخاب أعضائه ، والمناقشات الواسعة التي أجريت بشأنه ، سواء من حيث أسلوب الانتخاب او توزيع المقاعد . وما راهن عليه الكثير من أصحاب المقاصد وقصيري النظر من احتمالات الفشل تعويلا على ما أشيع عن روح التذمر لدى بعض الأوساط . فالدكتور محمد يوسف المقريف المنحدر اجتماعيا من عشيرة المغاربة التي تشغل اكبر مساحة جغرافية تتوسط التراب الليبي الطاهر وتجمع بين أجزاء من سرت وأخرى من البريقة وثالثه من اجدابيا والمتكون على تقاليد ذلك الوسط ، ليعجمه بعد ذلك التفتح السياسي على ذلك الحراك الذي عرفته البلاد في ستينات القرن الماضي في رحاب الجامعة تحديدا وما كان يحتدم داخلها ممن نقاش مسئول وطموح كبير ومحاولات جسورة ، فيبدأ مشواره العملي عقب التأهيل العلمي من ذلك الوسط ويتوقف بعد ذلك في حجة رقابية حساسة هي رئاسة ديوان المحاسبة والوقوف على البدايات الأولى من مسلسل المخالفات الذي ما لبث أن فتك بالعهد الجديد ولم تمض على قيامه سوى فترة وجيزة ، دفعته ضمن من دفعت من طلائع الوطن ليكون في مقدمة الرموز الوطنية التي نهضت بمهمة التصدي لما ظهر واضحا من نوايا النظام المنهار في سبعينيات القرن الماضي . فاشترك مع غيره في تأسيس الجبهة الوطنية لانقاد ليبيا ، ذلك الفصيل الذي أنجز أضخم العمليات حتى انه استطاع ان يصل الى ثكنة باب العزيزية في أوائل الثمانينات ، وكاد ان يقضي على العهد في تلك اللحظة المدروسة لولا أن القوى الدولية كانت لها حساباتها الخاصة فعمدت الى تسريب المعلومة في اللحظة الأخيرة . ليتمكن النظام من الإفلات ويكون إجرامه أشد شراسة وخدمة لأسياده أكثر أداءً ، ومن ثم يبدأ مسلسل التضييق على الجبهة وغيرها من الفصائل ، فيضعف من يضعف ويدخل في التسوية من يدخل ، فينصرف الرجل الى رحلة معرفية بالغة الأهمية عظيمة المردود تمثلت في دراسة التاريخ الوطني من خلال الوثائق الأجنبية ، فيكشف عن حقيقة الأوضاع وما اكتنفها من أسرار ليس خارجها ضيق القوى الدولية من عجز النظام التقليدي عن مواكبة المستجدات والقدرة على التعاطي مع الاستحقاقات لتتكون قناعة مفادها ضرورة البحث عن نظام بدليل تمثل في تسهيل مهمة الانقلابيين وربما تجنيد بعضهم من الأساس الأمر الذي يفسره ذلك الانفراد الملحوظ بالسلطة والتغلب على الكثير من الأزمات الى ان بدأ العد التنازلي مرة أخرى وحل السابع عشر من فبراير وأحداثه المتسارعة فتقدم الجبهة كل ما وسعها تقديمه دونما توقف أمام بعض المصاعب مما نما الى علمنا مما لا مصلحة في التعرض إليه الآن . أما الدكتور جمعة عتيقة ( النائب الأول للرئيس ) فهو من الناحية الاجتماعية سليل مصراته ذات الدور المميز في رحلة التاريخ الليبي سعة في الانتشار وقدرة على التحرك وحضور لا حصر له على كامل التراب الليبي الطاهر ورفض دائم لكل محاولات التقسيم ، اما من حيث النشاط الفردي فهو من ابرز الناشطين السياسيين أصحاب المواقف المبكرة في مسيرة المعارضة ، إذ بدأت رحلته عقب أول اعتقالات بدأت في السبعينيات الماضية ليتلوها بعد ذلك حضر مهنة المحاماة ففي تلك الأيام أقدم عتيقة على خوض تجربة الهجرة والمساهمة في أنشطة المعارضة على أكثر من صعيد وفي أكثر من صيغه وعلى أكثر من أرض عربية وأخرى أوروبية لم تخل جميعها من التضييق والمتاعب . ولان السياسة تعنى في أحيان كثيرة المغامرة خاض عتيقة تجربة العودة الى الوطن أملا في مصاعب أقل ولكن فوجئ بأن الحسابات مازالت معلقة فكان السجن هو المأوى أكثر من مرة بيد أن فكرة الخروج استبعدت بالمرة وبين اخذ ورد ومد وجزر وإصرار على التحرك على الرغم من كل أنواع الضغوط وأشكال التضييق الى أن هب الربيع العربي بدءً من تونس وطيرانا الى مصر ليشمل ضمن ما يشمل شرق الوطن أولا ويتجاوب الغرب ثانيا وتكون مصراته في المقدمة فيلوح في الأفق ان حبل المشنقة اقرب الى رقبة عتيقة من أي شيء آخر ، فلا يكون له من مخرج سوى ما تحقق له من الحنكة والإسراع بالحركة فكان اللحاق بركب الثورة بعد رحلة مكوكية جمعت بين البر والبحر ، وفقا للاكراهات الموجودة حتى إذا ما قدر للنصر إن يتحقق ويجعله الحياة أن تدور وتصل الى انتخابات المؤتمر الوطني كان فوز عتيقة اللافق ليصل في النهاية موقعه القيادي هذا ، وسيكون ثالث الثلاثة الدكتور المخزوم الذي لم يتجاوز في تقديمه لنفسه أكثر من كلمات بالغة الدلالة مفادها أنه سيؤدي واجبة من خلال ما يطرح زملاؤه في المؤتمر العام وما ينتهون إليه من القرارات ، وحسب المرء إن يلزم نفسه بتنفيذ ما يتفق عليه زملاؤه بوعي جيد وأمانة تامة ، فيكون الأمل كبيراً في قدرة هذا الفريق المتجانس بأن يدير دقة هذه المؤسسة باقتدار مطمئن في هذه المرحلة المجــيدة من تاريخ الوطن ، والتي يتوقف عليها بناء الدولة المنشودة ، المحتاجة الى إعادة النظر في كل شيء بعد أن جرى العبث بكل أساساتها وخططها اللهم إلا تلك المحفوظة في السجلات القديمة التي تركها الآباء المؤسسون ذات يوم وظلت تمثل البداية الجديرة بالتطوير والتجديد ، لولا أن أجهزت عليها الهرطقات اللامسئولة والمغالطات والاستباحة المطلقة للبلاد والعباد ، فيئس الجميع من أي إمكانية لتبدل الأحوال ، الى أن حلت اللحظة الفارقة وما لحقها من بحار الدماء وقوافل الشهداء والجرحى والمفقودين ليثم في النهاية استعادة الوطن ، ونسلك طريق الناس جميعا في التطلع نحو المستقبل تحت شعارات التعددية السياسية التي لا سبيل غيرها لتجنب الهزات والحيلولة دون الانفراد بالسلطة ، وتعلن الثورة الفتيه أنها استطاعت أن تدخل بالبلاد من بوابة العصر فتجري أول انتخابات تعددية يكون نتاجها هذا المؤتمر وهذه الرئاسة الثلاثية على هذه الحقيقة ، فيثبت للجميع أن طريق النضال الحقيقي هو دون غيره الكفيل بتحديد من هو أكثر جدارة بتقدم الصفوف وليس عدد الدوائر الانتخابية التي كاد البعض أن يعطلوا الانتقال الى السلطة بسببها لو لم يتفطن إليها أحفاء مصطفى بن عامر ويوسف بورحيل وإبراهيم الأسطى عمر أولئك الذين افلحوا في التصدي للتيار فوصلت القافلة الى محطة الأمان ، ويصدق المخلصون ما عاهدوا الله والوطن فتتمخض العملية الانتخابية الخاصة برئاسة المؤتمر والنائبين بعيدا عن أغلبية المقاعد وإنما احتكاما الى سلامة الموقف وسيرة النضال فيفوز المقريف انطلاقا من سيرته ويتلوه عتيقة بذات التقدير ويعبر المخزومي من نقاء الامتثال ، ولا يبدي احد من مدينة الأغلبية أي تطلع خاص ، فتبين أن غول الأغلبية لا وجود له ألا في أذهان بعض الواهمين والذين لم يحققوا ما حققوا الا من هذا المدخل غير النقي وغير الصادق وغير السليم .

والمرء لا يستغرب هذه الوضعية أذا ما توفرت له الرؤية القادرة على استيعاب المعطيات مجتمعه ، بدءً من الدماء الغزيرة التي سالت إثناء معركة التحرير ، التي كانت حربا بكل ما في كلمة حرب من المعاني ، حربا بين ترسانة عسكرية ضخمة استنزفت كل أموال الشعب الليبي ومقدراته في مؤامرة دولية هدفت الى حل مشاكل تجار السلاح من الحكام الذين طالما استغلوا شعارات الاشتراكية وتطبيقاتها المنحرفة حين أفلحت في تأسيس إمبراطورية سخرت بالكامل لمصلحة الإمبراطورية الروسية ، عبر تحكمها في ذلك العالم الكبير ، ومن ثم انفرادها بالكامل ثمنا لهذه الترسانة ، والتي تبين في النهاية أنها لم تعد إلا لتكبيل الشعب الليبي وحرمانه من أبسط حقوقه دون أي هدف آخر الى جانب العقلية الواعية التي استطاعت أن تدرك بأن الاستعمار الداخلي أشرس وأخطر من أي استعمار آخر ، وان التخلص من قبضته الخانقة يهون أمامه أي ثمن ، كما أن الوصول إلى بعث المؤسسة الدستورية في هذه الفترة الوجيزة ، وبعد هذه المعارك الدامية سيتكفل بتحقيق الخروج من عنق الزجاجة ، ما بالك وان النتيجة قد جاءت بهذا المستوى من المنتخبين الذين تثبت سير أكثرهم أن لم نقل كلهم انهم على قدر كبير من الأهلية . كفاية ووسطا ، كما وكيفا ونسبة في الاقتراع ، مما يبشر أننا على موعد مع التوفيق لكتابة دستور يجيب على كل الأسئلة ، ويراعي كل الاعتبارات ويتفطن الى جميع الاشتراطات التي من شأنها الحيلولة دون أي تغول فردي على حساب المجموعات ، بدءً من الطريقة التي يمكن أن يدار بها المؤتمر وضمان اكبر قدر من المشورة الصحيحة ، ولا سيما ما تعهد به رئيس المؤتمر من البقاء على مسافة واحدة من جميع الأعضاء ، وتدشين توجهه هذا بالاستقالة من رئاسة الجبهة الوطنية لتحقيق التعاون الجيد مع كل الأطراف والأطياف ، لكي يتسنى للمؤتمر صوغ دستور عصري يمكن لمكوناته أن تضمن الحصول على التوافق المطلوب لكل ما يتصل بتوزيع الثروة وتكافؤا الفرص بصدد الحقوق والواجبات ، وذلك من خلال ما تحتاج إليه القوانين من الأغلبية التي لا تتوفر إلا بالتوافق ، بين القوى المشاركة وان كل ما أشيع بصدد تهميش بعض الجهات لن يكون له وجود ما دامت الأغلبية ليست نسبية في معظم المسائل الجوهرية ومثلها القانونية ، إذ كل هذه الاحتياجات تعالج بواسطة الميزانية والميزانية تصدر عادة بقانون والقانون له أغلبية المحددة بالثلثين فما فوق ، كما أن كل القرارات المصيرية والالتزامات المالية لن تصدر إلا بموافقة رئاسة الدولة ورئاسة الوزراء . ولا شك أننا على ضوء ما استمعنا إليه من أراء بناءة بصدد أداء المجلس الانتقالي وما تردد عن بعض التدخلات في الكثير من الأمور التنفيذية سيجعلنا نطمئن في إمكانية التوصل الى نظام محدد يحول دون تضارب السلطتين التشريعية والتنفيذية سواء بتقييد الصلاحيات . أو بأحكام القضاء على مختلف درجاته ومستويات اختصاصه .

ولعل رئاسة المجلس بما لديها من المتابعة الجيدة ، وما يتوفر عليه النائب الأول من متابعة للكثير من القرارات والتشريعات التي سنت على عجل وكان من الممكن ان يكون إعدادها أدق ، سيفض جميعه الى وقفها مجتمعه سواء بواسطة سلطة المؤتمر وهو صاحب الاختصاص الأصيل والشرعية الأقوى أو بواسطة القضاء على مختلف درجاته ، مستفيدين من خبرات الدول الإسلامية التي سبقتنا في هذا الطريق حين كتبت دساتيرها المتطورة كما هو الحال في تركيا وماليزيا وباكستان ، حيث الدولة العصرية التي لا مكان فيها لولاية الفقيه التي يسعى لها عندنا البعض ، وعسى أن يكون المؤتمر العام وهو يبدأ مشواره خطوة نحو مشروع وطني تنصهر داخله كل القوى ، وتبدأ من خلاله رحلة الرهان على المشترك ، ويؤجل المختلف عليه الى وقت لاحق ، ويكون المتفق عليه أقوى وحبل الود المتين ، ففي الواقع ما يفرض كل ذلك وفي الوطن ما يتكفل يجعله أكثر إلحاحا على ما عداه .

لقد علق المؤتمر جلساته الى ما بعد عطلة عيد الفطر مباشرة ، بعد أن شكل مجموعة من اللجان الضرورية لتسيير أعماله ، وفي مقدمتها اللجنة المختصة بوضع النظام الداخلي للمؤتمر ، وهي التي تعتبر أكثر استعجالا مما عداها ، كما أن مهمتها تنصب على وضع القواعد العامة المتصلة بالاختصاص ، ومن الممكن اعتبارها في حكم ما يطلق عليه الفقهاء " فرض الكفاية " الذي بسقط واجب الالتزام به عن الكل بمجرد أن ينهض به البعض ، ومع ذلك فقد لوحظ ان عدد اللجنة تجاوز المطلوب بما يصل الى الضعف وتحسبا من أن يتسبب مثل هذا الإقبال في الحد من سرعة الانجاز ، ينبغي أن تتضمن اللائحة المنتظرة من الضوابط الكفيلة بالحد من تأثير الكثرة على سير العمل من خلال حزم الرئاسة وقدرة السكرتارية ، كما أن النقل التلفزيوني ينبغي مستقبلا ألا يكون شاملا لكل الجلسات ، بل من المهم أن يكون مقتصرا على ما يتصل بالشأن العام ، وما عدا ذلك يمكن الاقتصار فيه على الطابع الإخباري ليس غير ، وعسى أن يكون تزامن انعقاد أول اجتماعات المؤتمر مع مؤتمر مكة الخاص بسوريا والمسلمون يترقبون ليلة القدر " التي هي خير من ألف شهر " وقيام الرئيس المنتخب بتمثيل ليبيا الجديدة فأل خير بأن العناية الإلهية مع ليبيا الشعب والتاريخ والفطرة التي فطر الله عليها عباده منذ أن استخلفهم على أرضه ووعدهم بنصره وبشرهم برحمته ، فله الحمد أولا وأخرا

______________________________.

هل لهذا اللقاء ما بعده

أمين مازن

8-8-2012

كثيرة هي الاعتبارات التي وضعتها أمامي وأنا ألبي الدعوة الموجهة من هيئة دعم الصحافة ، وحضور اللقاء الذي التام بالساعة الثالثة والعشرين ، من مساء الثالث من أغسطس الجاري ، مع رئيس الوزراء السيد عبد الرحيم الكيب بفندق زميت الأثري بمدينة طرابلس ، والمخصص لأداء الحكومة عن الفترة التي أوشكت على الانتهاء ، وقل مثل ذلك عن الدوافع التي حفزتني على ترك ما اعتدته في الأمسيات الرمضانية من تغليب للجوانب الاجتماعية على ما عداها اللهم إلا لقاءات الثقافة وتفرعاتها . ومن هذه الاعتبارات الجانب الأخلاقي الذي يفرض الاستجابة لمثل هذا النوع من اللقاءات التي يفترض إن يكون عدد المستهدفين بها محدودا والموضوعات التي تطرح فيها مرتبة مسبقا ، ومن يحضر يجب أن يكون أكثر استعدادا وحسب اللقاء انه مع رجل ينتمي لجيل غير معروف بالنسبة لنا معشر المقيمين بالداخل ونحن كذلك ربما ، بالنسبة له .

ومع ذلك فقد اضطلع بمسئولية إدارة شئون البلد كرئيس حكومة اختيرت من المجلس الوطني الانتقالي المؤقت الجسد السياسي الوحيد من حيث الشرعية المعترف بها من الداخل والخارج ، طبقا لما تم التوافق عليه بين أولئك الذين تحملوا المسئولية السياسية للسابع عشر من فبراير ، والمجتمع الدولي الذي وفر الاعتراف من البداية وقدم أيضـــــا المطلوب من الدعم والرعاية ، لمجرد الاطلاع على خريطة الطريق وما تضمنته من مراحل محددة بشأن السلطة الشرعية المزمع إقامتها ، ومشروع الإعلان الدستوري المزمع أتباعه ، بدءً من المؤتمر الوطني العام وموعد انتخابه ومن تم تشكيل حكومته وكتابة دستوره ليتم لاحقا انتخاب مجلس النواب .

وقد تم ولله الحمد انتخاب المؤتمر الوطني العام ولم يبق سوى القليل من الوقت لتشكيل الحكومة المنتظرة .

وعندما لم يحدث الترتيب المتوقع فان الاحتمال الأكثر قربا إن الرجل سيلقي بيانا حول تجربته في المسئولية ، وما صادف مسيرته من العوائق والمصاعب ولا سيما من حيث التداخلات والضغوط ، عسى إن تكون مفيدة للمستقبل ، كما ان الأسئلة التي سيطرحها البعض ومن خلال إدارة الجلسة ستقدم المزيد من الأضواء وبالأحرى تدعو إليها ولكن ذلك أيضا لم يظهر بجلاء ، وما ذلك إلا لان اللقاء قد جاء على عجل . ومع ذلك وسواء كانت الحكومة ممثلة في شخص رئيسها تريد ان توضح ما يجب أن يوضح ولو في الزمن الذي لم يعد لديها فيه ما يمكن إن تعمل ، ما لم يقرر المؤتمر الوطني تكليف السيد الكيب من جديد على خلفية ان التمديد غير محضور قانونيا ، فقد كان اللقاء على قدر كبير من الأهمية سواء من حيث الأسئلة أو من حيث الردود التي أسهم فيها إلى جانب الكيب عدد من المسئولين القياديين وعلى رأسهم نائبه (( أي الكيب )) السيد أبوشاقور خاصة وان الحكومة ـــ كما طرح رئيسها ـــ بصدد أعداد مجموعة من الملفات عن المهام التي قطعت بشأنها بعض الخطوات وتحتاج لاحقا لوقت أطول وإمكانيات اكبر . ومشورة أشمل ، إذ إن تبادل المشورة وكذلك الخبرة بين السابقين واللاحقين في ليبيا الجديدة سيكون هو المنهج المتبع عند التسليم والاستلام ، وليس كما شاع في الماضي . كل يبدأ من جديد بل وثمة من لا يتردد في تسغيه كل من سبقه .

لقد علمت في وقت سابق إن الرجل من الذين يقرءون ما تنشر الصحف الوطنية لكتابنا وصحفيينا ، وبالذات أولئك الذي يتوفرون على قدر من الخصوصية ، مما يعني إننا أمام مستوى من مستويات الجدية ، كما إن الكثير من تدخلاته المصورة على الكثير من الفضائيات إثناء معارك التحرير والأوساط السياسية التي تكون فيها والأماكن الجغرافية التي عمل بها والأخرى التي انحدر منها تدفع هي الأخرى نحو هذا الإحساس والحق انه حرص على تجسيد هذه الحقيقة او الحقائق مجتمعة . ولا سيما ما حرص عليه من عدم التقاطع مع سائليه وما تحلى به من سعة الصدر وعدم الانسياق نحو أي دافع من دوافع الاستفزاز فما كان يهمه على ما يبدو هو الخروج بأكبر قدر من الأثر الطيب . وبالجملة فان معظم الأسئلة كانت هي الأخرى متصفة بالرغبة في الاستيضاح أكثر من أي غاية أخرى ، ولعل ملاحظة رئيس تحرير المسار ( بشير زعبية ) بصدد ما كان منتظر امن الكيب أن يخوض فيه حول تجربته والصعوبات التي وقفت في طريقه وحجم الضغوط الداخلية والخارجية التي ربما تكون قد وقفت في طريقه وأثرت في أدائه قد مثلت تلخيصا واعيا وذكيا لما كان منتظر من اللقاء وبالأحرى حضوره بالنسبة لكل ذي موقف جدي إزاء ما يجري وما يقال . فيما كان اكتفاء الصحفي المعروف عب الرحمن الشاطر بالحضور دون الكلام هو الأخر سؤالا من الأسئلة بمعنى هل إن الشاطر قد أحجم من تلقاء نفسه بحكم موقعه في المؤتمر الوطني العام الذي قد يفرض عليه توفير ما لديه إلى جلسات المؤتمر ، أم انه قد أبدى الرغبة في الحديث وحال دونه ما ركز عليه رئيس اللجنة التسيرية لدعم وتشجيع الصحافة إدريس المسماري في مفتتح الجلسة وختامها حول ضيق الوقت وترتيب اللقاء في هذا الوقت المتأخر جعل سؤال الشاطر المفترض بين الذين اعتذر لهم . وكيفما كان الحال فقد انتهى لقاء السيد الكيب مع صحفيي ليبيا أو بعضهم بالأصح على خير ما يرام ولا شك انه يمثل نجاحا للصحافة الوطنية والصحفيين ورئيس الهيئة المشرفة ، إذ ما أكثر ما عقدت اللقاءات وكان الصحفي الوطني مغيبا او ليس صاحب الاهتمام الأول ، ويبقى ان نكرر هنا ما أعربنا عنه في حينه للسيد رئيس الوزراء بالاحرج من إنفاق أي مبالغ معقولة قرضا او مساعدة لأي طرف عربي من اجل خدمة او خدمات تتصل بتأمين المصلحة الوطنية ، ففي السياسة يحتكم الى الغايات دون الوسائل ، كما ان القيام ببعض المساعدات استحقاق دولي ، لو أدرك الملك إدريس أهميته ولم يبعد الساسة الليبيين الذين أدركوا جدواه لما قررت الأطراف الدولية المؤثرة الموافقة على إزاحته لتدفع ليبيا هذه العقود الأربعة من عمر أبنائها وإمكانياتها فقط لان هناك من تفطنه إلى هذه الجزئية ، كما تشهد الكثير من الوثائق التي تناولت الحقبة النفطية . ونقلت جميعها إلى اللغة العربية وكانت جد صريحة . ولعلها وغيرها كانت وراء بعض النصائح التي تبرع بها البعض للسلطة الناشئة بضرورة التفرغ لأحوال الداخل بدلا من الخروج إلى المجتمع الدولي ، وهي نصيحة كما المح الرجل وان ألبست لبوس الود إلا أنها لا ترمي إلا لبقاء هذه السلطة محجوبة عن أي اتصال من شأنه أن يفضى إلى تحقيق مكاسب اكبر وهو ما نتج عن التوجه إلى الأمم المتحدة الولايات المتحدة . فكان استقبال رئيس الوزراء الليبي رسالة شديدة الوضوح مفادها أن ليبيا الجديدة وإدارتها ليست مجهولة بل لعلها خلافا لما يراهن قصير والنظر مهيأة أكثر من غيرها للاضطلاع بدورها في المحيط الإقليمي والقاري ، ومن الممكن ان تبقى شريكا قويا وحليفا فاعلا ينهض بكل ما تقتضي دواعي الشركة ، اعتماد على الموقع وكفاءة الكوادر ، وما أضحت التجربة الصعبة تفرضه وتوجب القيام به وتقترح كذلك أكثر من أسلوب .

وعندي انه كلما توفر هذا الفهم لمن تيسر له أن يتقلد مسئولية من المسئوليات القيادية ، على نحو ما حصل للسيد الكيب وهو يلمح إلى مثل هذه المحطات وقد بلغ في رحلة الوطن والعمر ما بلغ وعبر رحلة من التكوين الأسري والمعرفي وقد أقول النضالي فان الاستماع والسؤال والتعليق من الأمور الضرورية لكل من يؤرقه الشأن العام ويحدوه الإدراك لأهمية الكوادر المقتدرة في مسيرة الرحلة الطويلة ،والتي لا تعرف الاستغناء عن دور العنصر الوطني ولا سيما في واقع تتأسس فيه الكيانات السياسية التي ينتظرها الدور تلو الدور . كما هو الحال بالنسبة لنا في ليبيا اليوم ، حتى لقد يكون مستحيلا على كل عنصر أن يعيش مستقبلا بمنآي عن هذه الكيانات ا وان يكون موقفه لغير صالح طرف أو أطراف منها . مهما خيل له انه بمنجاة عن ذلك ، ولهذا وجدتني وأنا أتابع هذه التلميحات المتعلقة بتجربة الأشهر السبعة أو الثمانية والتي قد لا تكون شيئا مذكورا من حيث الزمن ، إلا أنها ليست كذلك من حيث حجم الأحداث وتداخل الوقائع وعلى رأسها انتخابات المؤتمر الوطني العام التي أنجزتها المفوضية العامة للانتخابات على قدر كبير من الجودة بشهادة المجتمع الدولي وحسبت لحكومة الكيب وذلك لو لم تكدر صفوها سلبية كبيرة تمثلت في الحملات الشرسة التي قام بها عدد من خطباء الجمعة ، عندما سخروا خطبهم لمهاجمة الكثير من الكيانات السياسية التي شاركت في هذه الانتخابات وكذلك الأفراد الذين اتخذوا من الدعوة إلى الدولة المدنية برامج لهم ، فوصفوهم ظلما وعدوانا بالعلمانيين ، وطلبوا من أفراد الشعب عدم منحهم الثقة باعتبارهم خارجين عن الدين بل أن بعضهم لم يتورع في ذكر البعض بأسمائهم على الرغم من إن هذا البعض ليس ضمن المرشحين فقد كان المنتظر من السيد رئيس الوزراء إن يكلف زميله في الأوقاف والشئون الدينية والمسئولين معه بضرورة التصدي لهذه الظاهرة وبالأحرى هذا التجاوز انطلاقا من حقيقية مفادها إن مهمة الوعظ ينبغي أن تحصر في أمور الدين وبالأحرى العبادات وما في حكمها ، أما الانتخابات وغيرها من شئون الدولة فباستثناء الحظ على ضرورة المشاركة فان كل توصيف للأهلية أو اقتراح للمعايير باسم الدين يمثل عبثا بالأمانة وانحياز الطرف دون أخر من أطراف المجتمع ، وخطباء المساجد يعتبرون اعتباريين فليس من حقهم أن يتحدثوا من خلال المنابر بالذات أي حديث يمس فريقا من الفرقاء لحساب فريق آخر لقد هيأت لهم إمامة المساجد الجراية الشهرية والمكانة الاجتماعية من المال العام ولا يجوز بكل المقاييس أن يستغل ذلك في الإساءة لقطاع من الشعب ، وإذا كان السيد رئيس الوزراء قدسها عن هذه الجزئية أو اعتبرها غير ذات بال فنرى انه مطالب بالاستدراك ، وبضرورة الإسراع بتكليف الوزير المختص بالقيام بالمسح الكامل لهذا القطاع الذي يجب ان يتصف بالحياد وعدم الخلط بين السياسة والدين ، بل واختزال الدين في مذهب لا وجود له في موروثنا الشعبي أو الفقهي ولا يخلو أصحابه من حسابات خاصة وأجندة خاصة وصراع اشتد سعيره منذ الثورة العربية الكبرى وإخراج شريف مكة من الجزيرة العربية ، والوعاظ في النهاية يجب أن يكونوا في مستوى القضاة الذين لا يحكمون إلا بالبينة ، بل وكثيرا ما تكون أحكامهم خالية من الأمر بالنشر رحمة بالمحكومين فكيف أذا كان ما يردده الوعاظ المشار إليهم ليس أكثر من اتهام غير مسئول وإدانة ليس لها من دليل.


وتبقى مسالة التحاصص التي نعتت بها الحكومة ، وظل السيد الكيب دائم الحرص على نفيها ، غير جديرة بهذا الجهد ، فالأصل في حقائب السلطة أن تكون مبنية على شيء من التوازن بين القوى المؤثرة ، لا يهم أن كان ذلك بتأثير الكيانات السياسية أو الأمور الاجتماعية ، فما دامت الكفاءات متوفرة في الكثير من مدن وقرى ليبيا فان عدم التركيز على مناطق محددة مبدأ لا غبار عليه ، كما إن توكيد رئيس الوزراء على التزام الوزراء جميعا أو إلزامهم من طرف رئيسهم بتقديم كشف حساب حول ما أنجز وما تعذر انجازه ليكون المؤتمر الوطني على بينة بحجم المنجز وكذلك الإخفاق إلى جانب تقص الأسباب ، ولكن الذي نرى اليوم انه أكثر أهمية هو الوقوف على رأي هيئة النزاهة حول ما تخذه السادة الوزراء من قرارات تتعلق باختيار الكوادر والى أي حد كانت هذه الاختيارات بمنآي عن التأثر بعامل القرابة أو الشراكة أو نحو ذلك من الدوافع غير السليمة فثمة في الأوساط الشعبية حول هذه الظواهر كلام كثير ، حتى أن هناك من يقول أن بعض الوزارات تجسدت داخلها الجهوية على نحو لم تشهده البلاد في أي مرحلة من المراحل ولا مناص والحالة هذه من أن يطلع الجميع على هذه الظاهرة وقد تكون لنا عودة أخرى إلى ما طرح في هذا اللقاء وما لم يطرح ، ورمضان كريم وعيد سعيد .

_______________________________

 

خطوتنا نحو المشوار الطويل

أمين مازن

15-7-2012

لم تكد شمس السابع من يوليو الجاري تأذن بالغروب ، حتى كانت معظم الدوائر الانتخابية تقفل ابوابها في إرجاء الوطن الليبي، بعد أن فرغت من إتمام العملية الانتخابية للمؤتمر الوطني العام ، طبقا للموعد المضروب من المفوضية الوطنية العامة للانتخابات ، اللهم إلا بعض مراكز الاقتراع التي رؤى التمديد لها بضع ساعات ، تعويضا عن التأخير الذي طرأ لبعض الظروف الطارئة .

وكانت الانتخابات المذكورة قد أجلت عن موعدها الأول المحدد بالتاسع عشر من يونيو الماضي لصعوبات حملت مسئوليتها المفوضية العامة. وقد حسب الكثير من المشككين ومثلهم من المتذمرين أن التأجيل الذي طرأ لن يكون الأخير ، ولكنه سيجدد وربما لأكثر من مرة ، تأسيسا على ما يحدث بين الفينة والفينة من توتر هنا وهناك ، وكذلك ما يعلق على شماعة انتشار السلاح من كثير الخروقات ، هو توتر لا يعرف بالضبط ما إذا كان سببه طبيعيا أم يدخل في عداد المدبر والرامي إلى تأجيل العملية الانتخابية ، أو على الأقل عدم تمامها على الوجه الذي تمت به من دقة التنظيم وحسن الأداء ، فضلا عن التعاون الممتاز الذي طبع سلوك الناس جميعا ، الأمر الذي رصده كل الذين نهضوا بالمسئولية الرقابية ، ولم يترددوا في الإشادة به على مختلف الصعد ، وعبر كل الوسائط ، واعتباره ايجابية من ايجابيات الدولة الناشئة وما تتمتع به من ثقة الشعب وتعاون مختلف فصائله . إذ لقد ثبت بالدليل القاطع أن السلاح المنتشر في أماكن كثيرة من الوطن الليبي لم يكن مطلقا يرمي إلى ترويع المواطن أو تعويقه عن أداء واجبه الحقيقي ، بقدر ما هو من أجل الحفاظ على أمن هذا المواطن والحد من كل ما قد يتهدده . بدليل أن العملية الانتخابية التي شملت الوطن من أقصاه إلى أقصاه لم تشهد أطلاق رصاصة واحدة للتأثير على المقترعين ، ولا لنصرة تيار على آخر ، حتى أن الذين حاولوا منع البعض عن أداء دورهم تصدت لهم الجماهير التي لم تحمل أي سلاح ، لتتمكن في النهاية من تيسير المهمة سلميا وبأقصى درجات التفاهم وحسن الوئام .

صحيح أن هناك من قاطع هذه الانتخابات أن بالامتناع عن التسجيل من البداية أو الاكتفاء بالتسجيل وعدم ممارسة حق الاقتراع، غير أن، وصول النسبة إلى الستين في المائة وما فوقها يبدو باعثا على الكثير من الاطمئنان ، كما أن من ابسط حقوق الإنسان إلا يكره على أداء دوره ولا يعتبر تخلفه عن ذلك خيانة ، سيما حين يكون معلوما أن الكثير من الذين تخلفوا لم يكن دافعهم رفض الانتخابات من حيث المبدأ وإنما هي المسألة الإجرائية أو حتى نوعية المتقدمين إلى المقاعد في بعض الدوائر ، فما تتم المصالحة بين أي مجموعة من المجموعات ومادام هناك من يصف نفسه بالمنتصر وغيره بالمنهزم ، فأن التخلي من الامور الواردة اذ كل تهمة من التهم المجانية لابد أن تقابل بتهمة لا تقل عنها ، ولاسيما حين تختلط الامور وتسود سياسة الاقصاء ويفلح من يفلح في البقاء على حساب غيره ، وبقدرات أقل وأخطاء أفدح وتلك على كل حال وضعية من الوضعيات المحتاجة للمعالجة السريعة لمجرد أن يتمكن المؤتمر من مباشرة مهامه ، ويختار وزراء حكومته ، حتى لا تتراكم الأحقاد ويكون دورها أكثر سوءً في ما سيجري من اقتراعات كثيرة ومشورات أكثر ومراجعات اشجع . وآيا ما كان الامر فقد وصلت السفينة إلى شاطئ الامان وأعلنت نتائج العملية الانتخابية ، والت الأمور إلى مجلس منتخب يمكن لكل مواطن أن يطرح امامه ما يعاني من ظروف الدهر ومظالم البشر ، إن من حيث المصلحة الشخصية أو من حيث المصلحة العامة التي طالما ضاعت خلف تسميات ما أنزل الله بها من سلطان إما التشريعات التي سنت في جنح الظلام وأفلحت في تمريرها العناصر المتنفذة فلا شك أنها في مقدمة ما يحتاج إلى إعادة النظر وتصحيح المعوج منها عن قصد . ويكفي ان الكثير مما كان مبعث استياء الكثيرين قد جرى وقفه عن طريق المحاكم والأكثر منه لم يتم حوله ما يجب أن يتم ، فقد تبين الخيط الابيض من الخيط الاسود من الفجر وصار ممكنا أن توضع كل الاشياء على طاولة النقاش وليس اللجوء إلى شبكة المعلومات الدولية التي شهدت وما تزال تشهد الكثير من نشر الغسيل ، المتعلق بممارسات الكثير من النهمين الذين سيرو الثورة لمصالحهم !

لقد استشعرت الأطراف السياسية المختلفة مسئوليتها إزاء الاستحقاق الانتخابي ، فبادر الكثير منها بالانخراط في مجموعة من التنظيمات الحزبية لمجرد أن نص قانون الانتخابات على وجود الكيانات السياسية فجاء عددها مرتفعا بشكل لافت ، ربما لتسهل الإجراء الذي حدد نصاب التأسيس في مائتين وخمسين فرد بحيث صار في مكنة أي مجموعة ان تعلن عن كيان خاص بها ، أما البرامج فقد تناسخت حتى يمكن استبدال العناوين فقط لان المبادئ واحدة، كان لا مجال والحالة هذه للتنوع ، اللهم إلا في مسألة الشريعة الإسلامية ، ففيما اعتبرتها أغلبية الكيانات المصدر الأساس للتشريع ، جنحت الكيانات المغالية إلى ضرورة اعتبارها – أي الشريعة – المصدر الوحيد – وذهبت إلى اكثر من ذلك فاعتبرت كل كيان لا يعلن هذا الشعار تنطبق عليه صفة العلمانية ، والتي هي حسب هذا المفهوم مناقضة للدين وجديرة بأن يعتبر كل من يمنحها صوته في العملية الانتخابية ، في حكم غير الملتزم دينيا ، وفي جميع الأحوال فقد امتلأت الشوارع والميادين في البلاد من اقصاها إلى اقصاها بما لا حصر له من الصور الانيقة لمئات المرشحين المنضوين تحت عنوان هذا الحزب أو ذاك أو الممثلين لشخصياتهم مجسدين حقيقة التغير الذي طال الواقع من جميع الوجوه ، أن من حيث رفع صور الناس جميعا بعد أن كانت كل الشوارع والميادين لا ترفع سوى صورة واحدة كما أن الحزبية التي كانت قبل أقل من سنة محظورة ومجرم كل من تثبت عليه اصبحت اليوم مشروعة ويتقدم ممثلوها لعضوية المؤتمر الوطني ، وعلى الرغم من أن مهمة هذا المؤتمر محددة في صوغ الدستور الدائم للبلاد ، فقد رأينا الكثير من المرشحين يضعون إلى جانب صورهم الكثير من وعودهم وما ذلك إلا لأن الأمر قد اختلط عليهم ، وأن يكن حسن النية يفرض الاعتقاد بأن هؤلاء يقصدون التعريف بكياناتهم التي يمثلونها أو تلك قد ينسقون معها لاحقا ، إذ من طبيعة المعركة الانتخابية أن تستدعي الكثير من الجهد الاعلامي وتفرض أيضا بذل الكثير من الوعود ، فالمنافسة شديدة ، والمهمة جسيمة والمعركة شديدة الشراسة ، وتفرض على كل من يخوضا أن يحرص على الفوز بكل ما لديه من أسباب القوة وعوامل النجاح . وقد كانت الدعوة إلى تشكيل تحالف القوى الوطنية التي بادر بها الدكتور محمود جبريل الخبير الاستراتيجي الدولي ورئيس اول مكتب تنفيذي للمجلس الانتقالي المؤقت ابرز المشاريع التجميعية الوطنية التي حاولت أن تخاطب القوى الفاعلة في المجتمع الليبي وتسعى إلى تكوين كتلة ذات قدرة على الفوز بثقة الجماهير في أكثر من مدينة وقرية ، بفضل ما أفلح الرجل في طرحه من رؤى تتعلق بالمشروع التنموي الليبي من خلال ما دأب على إلقائه من محاضرات علمية ، ولقاءات شعبوية ومقابلات تلفزيونية ، قطع من أجلها تراب الوطن كاملاً من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه ، مستفيداً من رصيده في الانجاز وتصميمه على التخلي من أي موقع ، مما أكد لقوى الشعب ما توفر له من الصدقية ولقيادي الكيانات والأفراد المستقلين الذين استوعبوا المشروع وسارعوا إلى تبنيه وهم يخوضون تجربة أول انتخابات شاملة للبلاد كافة جدوى العمل الكتلوي إذ ما لبثت نتائج المعركة إن أكدت تقدم هذا التحالف شاملا المدن والقرى والشطوط القريبة والصحارى البعيدة ، على الرغم من حملات التشكيك المتعمد ، الذي جاء من خلال التلميح غير المختفي أحيانا والتصريح الذي لا لبس فيه أحيانا أخرى وقد كانت صفة العلمانية التي أصرت بعض الأطراف على إلصاقها قسرا وتعسفا ودون أي دليل قائم ، على رأس ما روج واستدرج إليه أكثر من خطيب جمعة في معرضه وعظه الرامي إلى اعتبار المتدينين أحق بالثقة من غيرهم ، كما أن العلمانيين ادعى إلى الأعراض ، فإذا ما لوحظ أن كلمة العلمانية هذه لم ترد على السنة المرشحين ومن يتقدم تحالفهم مثلها مثل الليبرالية التي طرحت هي الأخرى خارج السياق ، كان في كل من يقول بجدوى الدولة المدنية خير مستمسك لتجريد صاحب القول من فضيلة التمسك بدينه ، ومن تم ضرورة التحفظ بشأن منحه الثقة المطلوبة ، وبينما كان الرهان يتضخم على إمكانية تأثير هذه الحملات المغرضة والأسلحة غير الشريفة على التأثير في المعركة ، إذا بصناديق الاقتراع تكشف عن أمر مختلف كل الاختلاف ، مفاده أن الأغلبية الصامتة التي كثيرا ما حضرت المؤتمرات المفروضة واللقاءات القسرية وخرجت من ذلك كله سليمة من التورط في أي موقف مشين ، والتي كانت تدخر جهدها للحظات المناسبة التي بدأت بالانحياز للثورة وفقا للإمكانيات المتاحة وبالقدر الذي وفر الولوج من سم الخياط لم تعجز عن أن تحزم أمرها وتلقي بأصواتها حيث يجب أن تلقي ، وكأنها تريد أن تقول لمن يرفع شعار الدين من أجل السياسة وكسب مقاعد السياسة ، أن تأسيس الدول غير العبادات ووضع الدساتير ليس الفقه ، وأن الفقه ذاته ليس ذلك المتبني للمذهب الوهابي و خليفة الزايدي ، ممن أفلح بعض المروجين له أن يغيروا الكثير من منابر مساجدنا على غراره وفضل الفطنون منا أن يغظ النظر عنه حتى لا يدخلوا درك الاستعداء أو التقرب الساذج ، فالفقه عند الليبيين هو فقه السادة المالكية ونظراءهم الأباظية فقه التسيير لا التعسير ، الفقه الذي يتبنى إقامة الدولة ذات الهياكل الواضحة والسلطات المحددة والأوامر المكتوبة ، الموقعة من احد القضاة المعتمدين ومثلهم رجال النيابة المحلفين ، وليس ذلك الذي يعتمد أساليب الفوضى ويتبنى هدم قبور المسلمين بدعوى محاربة البدعة دون أن يدرك أو لا يريد أن يدرك أن اعدل الخلفاء الراشدين لم يجد غضاضة في تأجيل بعض الأحكام ، ما بالك ما تختلف حوله الآراء ، كما أن دساتير الشعوب في كل الأرض لا تهمل الأديان ولكنها لا تعتمدها وحدها ، بل أن الإسلام نفسه لم يهمل ما سبقه من شرائع ومعتقدات إذ كلنا يعلم أن شريعة حمو رابي لها الأسبقية ، وما استحدث بشأن القصاص ما كان له أن يعتمد لولا ذلكم الجهابذة العظام في مشارق الأرض ومغاربها ، ممن عرفوا الاستقلال قبلنا وهم اليوم قدوة أكثر منا ، إما المصرون على غير ذلك لإخفاء ما هو أعظم ولعلمهم إن الجزاءات لن تطالهم ، فحسبهم ما كشف عنه من عوالم ما تحت الأرض رغم ما جلد من ضعفاء وضعيفات الشعب الليبي مما يعني أن كشف مستورهم آت لا ريب فيه ، أما الشعب الليبي وطلائعه الواعية التي تعلم أن من يرد أن يطاع يأمر بالمستطاع ، فلا شك إن دستورها التوافقي لابد أن يلتفت لهذه الأساسيات مجتمعة ، وأن مقولة لا إقصاء لأحد هي الكفيلة بتغلبنا على كل صعب ، ومرة أخرى وكما قلنا منذ بدء التحرك السياسي نحو الحياة الحزبية ، إننا نريد حزبا بحجم الوطن ، ولا شك أن التحالف كمشروع ونتيجة قد مثل ألان خطوتنا الأولى نحو المشوار الطويل .إنتهى

_____________________________

شلقم والتاريخ والسياسة

 

أمين مازن:

30-3-2012

بين عودته من ايطاليا في تسعينيات القرن الماضي التي شغل فيها منصب السفير الليبي ردحا من الزمن، وتسميته أميناً للشؤون الخارجية بأمانة مؤتمر الشعب العام، بقي السيد عبدالرحمن شلقم ما يقرب من خمس سنوات في مسقط رأسه بالجنوب، إذ لم يعد إلى دائرة الضوء إلا عند تكليفه بالإشراف على إحدى دورات المهرجان الذي طالما انتظم في الشهر الرابع من كل سنة تذكيراً بالغارة الأمريكية التي حصلت سنة 86، وقد استطاع يومها أن يغير من إيقاع ذلك المهرجان فأطلق عليه اسم مهرجان الربيع واتجهت مفرداته للأدب والفن بدلاً من الشتم والعويل، بل لقد وفر دعما سخياً لرابطة الأدباء والكتاب الليبيين ولأمينها الجديد المرحوم علي فهمي خشيم الذي أقام بمدينة مصراتة ندوة عن سلطة الشعب وأعلن القذافي رئيساً فخرياً للرابطة المذكورة، وقد تزامن كل ذلك مع صدور كتاب الدين والسياسة للاستاذ شلقم فكان أن قامت إدارة القبة السماوية باستضافته محاضراً حول الكتاب المذكور ولما كنت ملتزماً بكتابة مقال اسبوعي بصحيفة الشمس فقد قمت بتخصيص مقالتي المذكورة للمنشط المشار إليه تحت عنوان (شلقم والدين والسياسية) وهي مقالة نحت المنحى الاحتفالي وتبنت الانحياز لشلقم الكاتب والإعلامي مما جعل أحد أصدقائي الراحلين في معرض متابعته لما أكتب أنت متبت عن شلقم وليس عن الكتاب، فما كان مني إلا التصريح بأن ذلك ما قصدته فالفعل وقد شاءت الصدف يومئذ ألا تمر أيام قليلة حتى كانت تسمية الاستاذ عبدالرحمن شلقم أمينا للشؤون الخارجية كما سبق وقلت، وقد توالت بعد ذلك لقاءاتنا وتعاوننا إلى أن استلم محفظة الخارجية الليبية ومنصب المندوب الدائم في الأمم المتحدة واختطفته المشاغل الكثيرة وتجاربه الواسعة مع الكثير الأمر الذي هيأ له إصدار كتابه المثير (أشخاص حول القذافي) العمل الذي جاء فيه شديد الانجذاب نحو اختصاصه الدراسي الأول وبداية مشروعه الحياتي أقصد الفن الصحفي، وأن يكن قد جمع إلى ذلك التاريخ والسياسية، فعن لي أن يكون عنوان مقالي هذا الذي أكتبه بمناسبة صدور هذا الكتاب محدداً في (شلقم والتاريخ والسياسة) مع فارق واحد وهو أن عبدالرحمن شلقم لا يحتاج للأضواء أو التزكية ذلك أن عبدالرحمن شلقم أحب من أحب وكره من كره واحد من الذين هيأ لهم التاريخ فرصة لم يتردد في اهتبالها كأحسن ما يكون الاهتبال وذلك عندما رفع صوته من أكبر منبر في العالم منبر الأمم المتحدة ومن المقعد الذي شغله باسم ليبيا ليدعو المجتمع الدولي إلى التدخل وإلى انقاذ ليبيا من الترسانة العسكرية التي تكونت ذات يوم من المال الليبي وبدعوى الدفاع عن الليبيين وإذا بها توجه إليهم دون أي شفقة أو رحمة، فكان في حديثه مؤثراً وكان التجاوب مع ما قال سريعاً، جسدته كلمات المتحدثين وتوجههم إليه في مقعده ثم في الردهات وقد زاد من تأثير الموقف المذكور كون عبدالرحمن قد اختفى لمدة يومين كما تحدث السيد الدباشي، وإذا بحضوره يزيل كل الملابسات، بل وذهب إلى أكثر من ذلك وتبنى الفكرة الواعية إلى بقاء الدبلوماسيين في مواقعهم والامتناع عن تنفيذ تعليمات النظام باعتبارهم ممثلين للشعب الليبي وليس السلطة الليبية، وهكذا أصبح عبدالرحمن شلقم صاحب الوزن السياسي الذي يفوق كل من عداه من الليبيين وبالتالي فإن كل تصريح بدلي به أو مقال بكتبه أو مؤلف يصدره حول أي شأن من شؤون ليبيا يكتسب من الأهمية ما يجعله في مصاف المرجعيات ولا سيما ما يتصل بالأفراد والهيئات والدول، وإذا كانت آراؤه المتصلة بسياسات الدول وإدانتها بصدد ما يتصل بليبيا تعطيه صفة المناضل الجسور وإذا كانت ملاحظاته حول بعض القوانين المنصرفة نحو التضييق على الحريات أو الرامية إلى فرض وحماية جديدة تجعل منه النموذج الجدير بالتقدير والاحترام فإن ما يصدر عنه بشأن الأفراد ولا سيما أولئك الذين لا يملكون الفرصة المناسبة للرد أو يكون في قوله ما يسهل النيل منهم على أس مستوى من المستويات لن يكون سارا لكل من يهمه أن يواصل عبدالرحمن شلقم مشوار نجاحه، وربما يجد نفسه مطالباً بأن يصدع بما لديه من نقاط الاختلاف، إذ من المؤلف والسياسي أن يجانب الدقة أو يؤثر في مصائر ناس ارتبط بهم السنين الطوال، حتى أن بعضهم لم يتردد في الاستنجاد به في محنته، عسى أن يضمن الحد الأدنى من حسن المعاملة أو رفيق الإقامة أو أي مطلب من هذه المطالب البسيطة يمكن أن يوفرها حرس من الحراس وليس صاحب منزلة ذات صلة برئاسة الدولة، فإذا بالاستاذ شلقم يورد تفاصيلها بواسطة اسلوبه الصحفي الذي اكتسبه من دراسته الجامعية، ولم يكتب له أن يجسدها جراء تقدمه السريع نحو المواقع القيادية التي جعلت منه مسؤولا تسييرياً وليس ممارساً تحريرياً ان صحت العبارة، فلم يكن له تأثير في فن الكتابة وإن كان أثره واضحاً في مسألة الرعاية لأولئك الذين رافقوا رحلته في سبعينيات القرن الماضي ويومئذ أجاد الذين كونتهم خلفيات أخرى كان لحسن رعايته وجميل إدارته ما وفر الكثير من أسباب النجاح لولا أن ضاق ذرع الاستبداد بهم ولم يتردد في التنكيل بهم وحرمانهم من أي تواصل فيما يكون إبعاد شلقم عن حقل الصحافة له صفته المختلفة. إذ تمثل في رحيله إلى العمل الخارجي وكيفما كان الحال ومهما فرضت الأحوال شيئاً من الاستطراد فان الذي لابد من توكيده هنا أن ما حمله كتاب شلقم (أشخاص حول القذافي) أكد بما لا يدع مجالات للشك أن الرجل يملك اسلوباً خاصاً في المعالجة الصحفية وأن قدرته على التشويق ملحوظة ونصيبه من الذاكرة كبير، ومما وفر له القدرة على المزج بين السرد المتتابع والوصف المؤثر والعودة إلى الخلف وقيمتها الاستدراكية في توفير القدر المطلوب للتبيير (من بؤرة) وما ينتج عن ذلك من توفير الخلفية الضرورية لكل ما تفرضه الأخبار بصدد أولئك الذين فضل أن يكونوا مادة لكتابه ، وكلهم كما نعلم جميعا كان شلقم قريبا منهم طيلة العقود الأربعة التي قضاها القذافي في الحكم وكان شلقم في أحيان كثيرة داخلها، من هؤلاء من كان صديقاً حميماً لشلقم ومنهم من كان نعم العون ومنهم من كان الخصم المشاكس، قائمة جمعت بين المطعون في ذممهم المالية وأصولهم العرقية ومنهم المتهم في جرائم جنائية، وآخرون لم يؤخذ عليهم سوى عدم انشقاقهم عهن النظام المنهار بعد أن أقدم على محاربة الشعب دونما رحمة واستعان عليهم بالمرتزقة وشذاذ الآفاق من جميع أصقاع الارض في أوقح طغيان عرفه التاريخ إلى أن حصلت النهاية على الصورة غير المسبوقة في التاريخ فكان أن وجد شلقم الوقت للمسارعة بكتابه هذا الذي وصفه أبرز الروائيين الليبيين بالكثير من الأوصاف المتصلة بالأسلوب والمتعة والقدرة. وعندما قرأت جملة من فصول هذا الكتاب الذي شمل في مجموعه نحو سبعة وثلاثين من الأسماء التي بقيت إلى جانب القذافي حتى النهاية، واستكثر المؤلف أن يطلق عليهم صفة الشخصيات أو الرجال وهم جميعاً ينتظرون المثول أمام المحاكمة العادلة التي وعد بها ثوار السابع عشر من فبراير، حاصرتني جملة من الاسئلة فضلاً عن السوابق التاريخية إزاء هذا العمل الصحفي الكبير، فأما السابقة التاريخية فقد تمثلت في ذلك الموقف التاريخي الذي اثبته الاستاذ خالد محمد خالد قبل ستين سنة في كتابه (من هنا نبدأ) عندما حذف الفصل الخاص بجماعة الإخوان المسلمين حين صار من الصعب عليهم أن يدافعون عن أنفسهم إزاء ارائه جراء دخولهم سجون مصر! أما بالنسبة لواقعنا فإلى أي حد يمكن أن يكون هذا لا منجز الشلقمي ضارا بهؤلاء الذين تحدث حين يتيسر لهم الدخول إلى ساحة العدالة ويكون في الوسط القضائي مثل هذا الكتاب الجهور باسم السيد عبدالرحمن شلقم وما تحقق له من سامق المكانة وربما التأثير في الضمير العام. فالكتاب نوع من الشهادة والمحاكاة مهما كانت تحتاج إلى شهادة أصحاب الخبرة ورفاق الرحلة ، سواء لغرض الاثبات أو لغرض البراءة ولا سيما من طرف ذوي الخبرة وأصحاب الرأي وعبد الرحمن شلقم واحد منهم ، إن لم يكن أولهم ،فكيف لهذه لعدالة أن تجد الطريق السهل إذا كان هناك من يجمع بين من اتهم بالقتل أو النهب إلى جانب من بقى في مكانه أو شوهد وهو يعانق القذافي أو يقول كلاما كثيراً ما قاله غيره ومنهم من كان قريباً من شلقم مثل « محمد بالقاسم الزوي » أو « محمد أحمد الشريف » أو «عبدالعاطي العبيدي أو « جاد الله عزوز الطلحي » من الذين غلبوا البقاء على الانسحاب وقد توفرت لهم الأسباب فما الذي يخسره الأستاذ « عبد الرحمن شلقم » لو أجل نشر كتابه هذا وقائمة مؤلفاته ولله الحمد كثيرة ، ريثما تنتهي المحاكمة ويخرج الموقوفون إلى الحياة العامة أو على الأقل يبث في أمرهم ، هل غاب عن بال لمؤلف إن ما تحقق له من المكانة قد بات يؤهله أن يكون دوره منصرفاً نحو المصالحة الوطنية المنتظرة وإن ما كتبه قد رجح كفة الإدانة المسبقة ولو إعلامياً ، بل إنه لو تأنى قليلاً لمحص الكثير مما ورد في سرده من حيث الدقة ، كانتخابات دائرة سرت التي جاءت بالزناتي محمد الزناتي بديلاً لمفتاح شريعة الذي نسبه خطأ لقبيلة أولاد سليمان ربما لكونه أحد أخوال عبدالسلام الزادمة، مفتاج سريعة كان خصماً لزعماء أولاد سليمان « عائلة سيف النصر » وهم الذين أنفقوا المال وحشدوا الرجال لإزاحته من موقعه النيابي لما اتخذه من مواقف معادية ووثوق علاقته بالسيد محمد عثمان الصيد ، بل ولم يغفل حقيقة تاريخية مفادها أن أعضاء لجنة الواحد والعشرين التي شكلت من ولايات ليبيا الثلاث ومثلها الستين التي شكلت هي الأخرى كان اختيار ممثلي فزان منوطاً بوالي فزان السيد أحمد سيف النصر بوصفه الحليف الأول لفرنسا في طرد الطليان من فزان ، وأن الدفع باتجاه الشكل الاتحادي كان هو البديل للخروج الاستعماري المنتظر، وقد كانت فرنسا تتطلع إلى علاقة من نوع ما مع فزان ، كما أن الذي رفض مصاهرة القذافي هو الضابط حسين الصديق وقد سجن بعد سبتمبر عدة سنوات، أما نوري خالد فقد كان موافقاً على مصاهرة القذافي، وكان الزناتي هو الخاطب وهناك معلومات ظهرت في حينها سرياً أن اجتماعاً أو أكثر قد تم في بيت مدير بوليس سبها وصهره المنتظر وبعض الأمريكان وقد مثل ذلك عن العلاقة بين زوية الشاطئ وزوية الواحات التي عزاها شلقم إلى محمد بلقاسم الزوي ملوحاً بأنها شبه ملفقة ، والواقع أن الصلة بين الطرفين تعود إلى فترة رئاسة بن عثمان للحكومة الليبية وربما مذ كان وزيراً في حكومة كعبار فقد حدث أن انتصر الصيد لعمران العابدين في انتخابات مجلس النواب في مواجهة الأستاذ محمد حمي لأسباب قبلية وليست سياسية الأمر ذاته بالنسبة لوضعية الدكتور محمد الشريف من حيث الوضع الاجتماعي والسياسي ، فالرجل من المدموغين بشبهة الإخوان قبل خروجه من ليبيا في اتجاه أمريكا ، وقد بذل الشيخ فتح الله حواص جهداً كبيراً لإبعاده من التهمة عشية التحقيق معه سنة 1973 وهو على أي حال من أشراف بن غشير الذين يتقدمهم المناضل سعد الشريف صاحب المواقف المعروفة بالمؤتمر الوطني لنصرة الجزائر أما القول بأن بقاء جاد الله عزوز الطلحي مرده الرغبة في السلطة فقول يفوق العجيب فبكل المقاييس يعلم جاد الله أن القذافي انتهى مما يجعل بقاءه لا صلة له بالسلطة ربما يكون من المناسب أن نذكر بأن جاد الله اعتذر عن التعاون مع سيف القذافي وربما يكون مثله عبد العاطي خشية من تهمة الانفصالية التي اشتغلت عليها آلة القذافي الإعلامية كثيراً بل وعرضها ، وإذ كان المرء يأسف أن يقابل موائد الحاجة صالحة والعلاقة الانسانية معها التي بلغت العمق بمثل هذا العرض فليس أكثر من خطأ في الحسابات مثلها مثل الإشارة إلى موقف السيد عمر المحيشي وانتقام المصريين منه الذي لم يشر إليه سوى السيد شلقم ، وهل هو لصالح المحيشي أو ضده ، وينتهي الحيز ولا تنتهي الأسئلة فالأربعة عقود التي عشناها وعرفنا معظم الذين تعرض إليهم الكتاب تستدعي الكثير ، ولكن « لكل أجل كتاب » .إنتهى

_______________________________

 

هلموا إلى العشر المباركات

 

أمين مازن

 

سيكون من الصعب على ذي تدبر مسؤول إزاء مايهدد بلادنا من المخاطر القاتلة، أن يقلل من مساوي ما يمكن أن ينتج عن طرح موضوع الفيدرالية على المستقبل المنشود لبلادنا، وهي تخرج لتوها من معركة التحرير مثقلة بما لا يحصى من الجروح والآلام والخسائر، ومثل ذلك من المطالب والاحتياجات،. فبكل المقاييس يعتبر مثل هذا الحديث لهذه الطريقة الاستفزازية غير منسجم مع طبيعة المرحلة، وغير منسجم كذلك مع الماضي المشرف لبعض الذين أثاروا هذا الموضوع،. والأمر فى هذا السبيل لايتعلق بسلامة النوايا أو ماضي التضحية النضالية، بل ولا المستقبل أيضا اذا لزم الأمر،. فمن سلك طريق النضال وهو فى عز شبابه من غير المتوقع أن ينكص على عقبيه عن مقصود، بل إن احتمال المراجعة يبدو أكثر الاحتمالات رجاحة. ولما كانت هذه الفيدرالية ذات المرجعية السيئة فى مسيرة التاريخ الليبي على مدى الستين سنة التي مضت على انبعاث الكيان قد طرحت بحجة التهميش الذي طال شرق البلاد عقب تحرير طرابلس وانتقال المكتب التنفيذي ومثله المجلس الانتقالي إلى المدينة المذكورة، وأن العودة الى الفيدرالية هي وحدها التي تتكفل بانتشال شرق البلاد من حالة التهميش المذكورة والتي اعتبرت ،حسب هذا الطرح، استمرار سياسة العهد المنهار الذي طالما درج على تنفيذ هذه، فكان لابد والحالة هذه أن يكرس هذا الحيز للخوض فى موضوع الفيدرالية هذه وبالأحرى حالة التهميش التي نتجت عنها ليس فقط من حيث ما يمكن أن تجره على البلاد كما يمكن أن نرى لاحقا. بل قبل ذلك كله من حيث الحقيقة التاريخية لحالة التهميش وأسبابها ومسؤوليتها، إذ بدأت كما هو معروف منذ السنةالثانية للاستقلال أواخر سنة 1954 عندما بلغ الصراع أشده بين فرعي الأسرة السنوسية المتمثلة فى أبناء السيد المهدي الذين اقتضى نظر كبيرهم الملك إدريس أن يرجح كفة شقيقه السيد الرضا لولاية العهد مضربا صفحا عن سابقة السيد صفي الدين فى الجهاد فضلا عن أبناء السيد أحمد الشريف الذين أبلوا البلاء الحسن فى حرب التحرير الليبية، واعتبروا ناظر الخاصة الملكية إبراهيم الشلحي المسؤول عن التوجه والذي تزامن مع قدوم المعمر الايطالي مزروتي صاحب المشروع الرامي إلى أعمار الجبل الأخضر بدعم- حسبما قيل - السيدين حسين مازق وعبد اللّه عابد السنوسي / ويومئذ صدار امر ملكي بإيقإف الأول عن عمله كوالٍ ببرقة والثاني جرد من لقب صاحب السيادة، فحملت جميعها على ما يبدو، ضمن مسؤوليات السيد إبراهيم الشلحي، فكان أن أقدم الشريف محي الدين السنوسي على قتله جهاراً نهاراً أمام أقرب القصور الحكومية، الأمر الذي جعل الملك إدريس لا يكتفي بتنفيذ حكم المحكمة القاضي بإعدام الشريف محي الدين، بل عمد الى أكثر من ذلك فحدد البيت المالك فى شخص ولي العهد دون غيره وأبعد شباب الأسرة خارج ولاية برقة كلية وحدد إقامة الكبار من أبناء السيد الشريف وضرب صحفاً منذ ذلك التاريخ عن مدينة بنغازي فلم يدخلها أبدا، وتمت تغطية التخلي عن قصري المنار والغدر لكليات الجامعة الليبية فى وقت لاحق واتخذ من مدينة البيضاء عاصمة للبلاد فى مخالفة واضحة لنصوص الدستور الذي أقسم على احترامه، وأعفى رئيس مجلس الشيوخ من منصبه لمجرد أنه لم يقدم واجب التعزية فى السيد إبراهيم الشلحي إلى جانب تعيين البوصيري الشلحي الذي لم يكمل دراسته خلفا لوالده ويطلق له العنان ليفعل فى البلاد ما يشاء ابتداء من التمثيل بجثث الموتى وانتهاءً باهانة كبار القوم فى رابعة النهار. ولأن ذلك قد جاء متزامنا مع بداية النشاط النفطي وما إليه من الازدهار الاقتصادى فلم تملك الرأسمالية الناشئة والمستفيدة إلى حد كبير من النفوذ الرسمي الا أن تنقل نشاطها إلى طرابلس ومن تم منشاتها ومساكنها بحيث لم يبق لها فقط بأماكن مولدها سوى سجل النفوس الذي ترك الاستفادة بالعدد وحال دون الاستهلاك لقد عمرت مدينة البيضاء فى ذلك الزمن عمرانا منقطع النظير وحققت دخولا غير عادية للذين شاركوا فى إعمارها وانتفعوا بإيجار تلك البيوت للموطفين الذين نقلوا إليها وضمنوا بوجودهم هناك علاوة صارت تدفع لهم مرة أخرى اذا ماانتقلوا إلى أي مكان الأمر الذي لم يتسن الخروج منه الا آخر الستينات عندما تقرر صرف علاوة السكن للموظفين جميعاً،. فالتهميش والحالة هذه ليس ممنهجاً من أجل غرب البلاد كما تشهد الوقائع التاريخية البعيدة وهو ليس كذلك بالنسبة للأربعة عقود الماضية، لأن الإنفاق الرسمي كان بالكامل منصرفاً إلى سرت وما عدا ذلك فمرده إلى مقومات المدن من ناحية والى دور الأهل من ناحية أخرى بدليل أن بلدة مثل زليتن التي تؤكد معلومات كثيرة أن أموال أهلها تفوق بمراحل ما لدى أهل مصراتة، ومع ذلك فإن المسافة كبيرة بين المدينتين من حيث العمران، وعلى نفس القاعدة يمكن مقارنة أصحاب رأس المال المنحدرين من شرق البلاد ومع ذلك لم يضعوا من شرق البلاد ما هو جدير به من العمران والتطوير، وفي النهاية لماذا نستبعد التهميش المتفشي بمصر لما سوى القاهرة وبسوريا لما سوى دمشق، وقل مثل ذلك لما سوى الجزائر العاصمة وتونس العاصمة، بمعنى أن طرابلس لم تبلغ ما بالغت في العقود الأخيرة جراء توجه رسمي ،فما أكثر ما قيل عنها ووجه لها من صنوف الأذى بشأن بقية مدن البلاد، إذ التوجه الرسمي الحقيقي كان دائما نحو سرت، ولم تكن الجفرة على سبيل المثال سوى فزاعة قصد بها إقناع الناس بسرت الموجودة على الشاطئ في أقل المعطيات وباستثناء عدد محدود من الفنادق التي استحدثت بقصد إيواء الضيوف الرسمين واحتفال بعض المناسبات ومجموعة الأبراج ذات الطبيعة الاستثمارية فإن كل اشتراطات العاصمة غير موجودة ولا سيما تلك المتصلة بالبنية التحتية التي يمكن ان تمول من الدخول الذاتية وما ذلك إلالأن أعمار المدن وتطويرها والوصول بها إلى مستوى العصر لم يكن ضمن تفكير النظام المنهار فإرادة التخريب كما قال الدكتور محمود جبريل ذات لقاء سبق ثورة السابع عشر من فبراير هي ما كان سائدا في الواقع الليبي وكل قول يتجاوز هذه الحقيقة إنما هو نتاج سوء فهم أو سوء قصد، وكل دفع بإعادة الفيدرالية إلى ليبيا الجديدة باعتبارها الأسلوب الأفضل لانتشال المناطق الليبية المهمشة محض خيال، ومحض تجاهل لاشتراطات المرحلة واستحقاقات الواقع ليس لأننا نحب للمركزية أن تسود أو المناطق المهمشة كي تزداد تهميشاً، وإنما لأن تلك الفيدرالية لو قدر لها أن تعود لا قدر الله فلن يكون لها نتاج سوى بضع عشرات أو حتى مئات من أصحاب المناصب السامية الذين لن يكون لهم من مردود لعامة الناس سوى المزيد من البيروقراطية والمزيد من مراكز القوة التي ستظفر بكل ما تشاء من خدمات وتعليم وثروة وتوفر ذلك للأبناء والأقارب والأصهار الذين سيكون في امكانهم الحصول على كل ما يريدونه من رخص الاستيراد أو التصدير وشهادات الخبرة والكشف بكل أنواعه ومثل ذلك من السلع المدعومة وغير المدعومة وبالجملة كل ما يحتاجه الناس فى شؤون حياتهم وربما بعد مماتهم أيضا، فالولاية هي الولاية والناظر هو الناظر والعضو هو العضو وقل مثل ذلك عما تتفكر وما لاتتفكر، ولأن هذه الفيدرالية لو قدر لها أن تقوم فستضمن ضمن ما تضمن سهولة الإجراءات المتعلقة باليد العاملة الوافدة من كل حدب وصوب، ومن شأن ذلك أن تصبح البلاد محتلة وبأولئك الوافدين وبالطرق المشروعة التي تجعلهم أصحاب حق فى العمل بليبيا أينما شاؤوا وكيفما أرادوا فالصلاحيات هي الصلاحيات والعرب والمسلون بعضهم أولياء بعض، فإذا ما وضعنا فى الاعتبار أن لبعضنا خؤولة مع شمال السودان وغرب مصر وشمال تشاد وقل مثل ذلك عن النيجر أو الجزائر فللمرء أن يفكر على أي صورة سيكون الوضع بعد أشهر معدودة ذلك يعني أننا سنتحول إلى سوق للتجارة البينية والمشاريع الاستهلاكية الخدمية التي تتكفل بتحسين المداخيل لميسوري الحال بل وحتى العاملين على اليسر (لاحقا) خاصة وإننا بصدد إقراض الراغبين فى العمل لحسابهم من الذين فقدوا أبناءهم أو أطرافهم أو بلغوا سن التقاعد أو الحد الأدنى الكفيل بهذه وإذ ذاك سيكتشف الذين لانشكك فى حسن نواياهم وصدق وطنيتهم من دعاة الفيدرالية أنهم حققوا ما يرمي إليه أعداء الوطن سواء بسواء وإلا كيف يغيب عن بال أصحاب التوجه أن ما أفلحت ثورة السابع عشر من فبراير فى تحقيقه من صدق الولاء الوطني وإيمان بالوحدة الوطنية لم يعد يسمح لأي طائف من استشعار التهميش أن يمتد إلى اختيار البديل الاسوأ وعدم الالتفات نحو مكامن الخطر الحقيقي الذي لا مناص للأجيال القادمة من أن تواجهه، عندما تهب رياحه ليس بقوة السلاح وإنما بقوة المنافسة التي تجعل الآخرين أكثر قدرة على الأداء فى كل مجال من المجالات وليس أمام ساكني هذه الأرض سوى الاعتماد عليهم، إن من خلال ما يضمون أو ما يفقهون مما يجعل من بناء الأجيال والتنظيم الديمغرافي والتحسين النوعي هو الاستحقاق الأكثر أهمية وليس الخدمة الآنية ويبقى التردد فى العودة إلى الهيكلية الإدارية التي كانت مطبقة قبل سبتمبر 69، والتي أشار الإعلان الدستوري إلى اعتمادها قاعدة لتشكيل المجلس الانتقالي المؤقت المقرر انتخابه بعد التحرير مباشرة أول الأخطاء التي أدت إلى الكثير من أوجه الارتباك إذ لو رجح ذلك الخيار لأمكن التغلب على عديد المصاعب فيصار الى انتخاب المجلس المذكور وبالنسبة التي تحول دون أي هاجس من الهواجس المتصلة بالمسألة العددية التي طالما أقلقت أصحاب النزعات الانفصالية طيلة سنين الكفاح الوطني ووجدت فيها القوى الدولية ما ساعدها على الاحتفاظ بنفوذها الذي ظفرت به عند هزيمة إيطاليا متخذة من الشكل الاتحادي المسوغ القوي لولا أن فرضت البادرة في وقت لاحق وتدفق النفط بكميات تجارية العدول عن تشتيت النفوذ والتوجه نحو سلطة قوية تجيد التعامل مع اللعبة الدولية واملاءاتها السياسية فصارت الفيدرالية شكلاً من الأشكال التي جربت وفشلت، وبات التوجه نحو الوحدة والنظام الأجدى لدولة ليبيا في أمسها وحاضرها وغدها، وإذا كان العبث بها قد كان عصياً على كل المحاولات الشرسة التي سعى إليها النظام المنهار فمن باب أولى أن يكون الحرص عليها والدفاع عنها سيكون أكثر قوة في زمن ربيع الثورات العربية الذي تمثل في ليبيا الجديدة واسطة العقد وما يقتضيه الموقع من تحقيق أكبر قدر من التوازن، بعد كتابة دستور واضح المواد محدد السلطات بعيداً عن الإفراط والتفريط، وبمنأى عن الوصاية من أي وأي مؤسسة، اللهم إلا القوانين الصادرة عن الهيئة التشريعية المنتخبة والمتعمدة، (عند الخلاف) من القضاء المستقل ودونما مساس بمواثيق المجتمع الدولي وحقوق الإنسان وضرورات التوافق على مختلف الصعد والأطياف

نحو إعمار أكثر ضرورة

أمين مازن

31-1-2012

قبل أن ينجز الشعب الليبي مرحلة التحرير ، وطوال المعارك المريرة التي صارفيها سقوط النظام الاستبدادي في حكم المؤكد ، وأن المسألة مسألة وقت ليس أكثر . بدأ الحديث عن إعادة إعمار ليبيا وصون بنيتها التحتية ومشروعاتها التنموية ، وتوجهات تروثها النفطية . ومثلما شرعت القوى الدولية ومنشآتها المتعددة في توثيق علاقاتها وعرض خدماتها والتلويح بسخي مغرياتها ، بقصد الحصول على النصيب الأوفر من الكعكة الليبية ، لم يتردد عديد المسؤولين من جهتهم في التلويح بالكثير من الوعود الجزائية . إما على هيئة مكافآت مجزية لموقف من المواقف ، او على هيئة عقاب . حتى أن الحملات الإعلامية التي اضطلعت بها شركات العلاقات العامة أثناء الحرب ، لم تتردد في معرض هجماتها الممنهجة أن تتحدث عن عقود أبرمت ، ومعاهدات وقعت على بياض . ومع أن ما قيل في هذا الصدد أي الاتفاقيات والعقود كان محض اختلاق ، ليس من حيث التنفيذ ، بل من حيث بحث تلك الأمور من الأساس ، فان الكثير من المتسرعين لم يجدوا غضاضة في ترديد مثل هذه الشائعات . ولا سيما في الفترة التي كانت فيها طرابلس محاصرة وكان من الصعب على كل ذي رأي واع وموقف سليم أن يقترب من أي أحاديث من هذا القبيل ، من شأنها أن تكشف ما كان يتكتم عليه من المواقف ، الى أن تحقق النصر وأمكن إقبار من تم إقباره وأسر من تيسر أسره ، وظل البعض الآخر طريدا ينتظر مصيره الذي لن يخرج عن احتمال التسليم للسلط الليبية ، حيث الحساب على الجرائم المقترفة وفي أي مجال كانت . او الإفلات من هذا المصير إلى حين لقاء حسابات أخرى وتأجيلات قد تفرضها المصلحة أو الاستفادة من الأموال المسروقة ولو بتأجيل تسليمها كما تفرض الأعراف والاتفاقيات وحتى الأخوة ومقتضيات الصداقة .. لقد كان تخطيطا بالغ الصعوبة والسوء الذي سلكه زمن الاستبداد عشية رهانه على أن يكون البديل لزواله الذي لا مهرب منه ، هو انجرار ليبيا نحو فوضى يستحيل التغلب عليها وتبديد للأموال على نحو يتعذر ضبطه ، وتفكيك ممنهج لكل مقومات الوحدة الوطنية ، قدرت نتائجه سلفا . غير أن الذي فات كل من راهن على هذه الفرضية ، هو أن شراسة الحرب وشدة المحنة ، وتعدد الأجيال التي أسهمت في ثورة السابع من فبراير ، إماعلى مستوى الذين أشعلوها من الداخل أو أولئك الذين بادروا بشد رحالهم عائدين للوطن ، متقدمين إلى جميع الجبهات الساخنة ، غير مبالين بكل ما أمكنهم التوصل إليه من سامق المكانة الوطنية وشريف المهن الراقية وعظيم المؤهلات العالية ، لا لشيء سوى أن يشهدوا بلدهم المستباح سيعاد إلى أهلهم وذويهم ، وأن ما سادهم من حكم لا نظير لشذوذه قد وجد الوقت لإسقاطه . لا يمكن أن يختزل مشكلة ليبيا في القضاء على الحكم المستبد فيبدأ التوجه إلى إعادة البناء ، من حيث صون المؤسسات وبعث البنية التحتية ، دون التركيز الاساسي على تحقيق المشروع الوطني الذي يضمن عدم عودة الديكتاتورية على أية صورة كانت ، وبأي شعار يمكن أن تنبت من جديد ، وذلك بإعطاء الأولوية لدولة المؤسسات التي لا سبيل إليها دون المؤتمر الوطني وما يضعه من قواعد تشريعية لحكم البلاد ، وصوغ دستور عصري توافقي سبق للثوار أن تعاهدوا عليه وتعهدوا به . تماما مثلما انطلقت خريطة طريقهم ، بشأن ضبط حدود ليبيا كي لا تكون مصدر إزعاج لأي طرف من الأطراف الدولية ، صديقة كانت أم شقيقة ، وأن سلطة هذه مرجعيتها ستراعي في مقدمة مـا تراعي الحذر من الإخلال بالتوازن الديموغرافي ، حتى لا تكون مشاريع إعادة البناء والجهات التي قد تتولى التنفيذ ، حتى لا يتكرر سيناريو السبعينيات عندما كان المرء يقطع الكثير من شوارع المدن والقرى الليبية فلا يرى سوى طوابير الغرباء الذين ضاقت بهم الأرض على رحابتها، منهم من ينام على الأرصفة ، وربما قضى حاجته أيضا ، مما جعل المدن والقرى تفقد طابعها حتى كأنها في عداد تلك القرى الكئيبة والمخيفة أيضا ، وكثيرا ما اتخذ هؤلاء وسيلة من وسائل الضغط فيتم الاستغناء عن خدمتهم من أول تصدع في العلاقات ، ثم يعودون بأعداد مضاعفة لمجرد حلول مؤثر من المؤثرات ، فلم يكن ثمة مخرج من تلك الوضعية لولا أن حصل ذلك الانخفاض غير المسبوق في أسعار النفط الذي أنتج ضمن ما أنتج انصراف تلك العمالة الوافدة والمربكة نحو جهات أخرى . من بينها الاتحاد الأفريقي المزعوم . ثم الاستثمارات غير المدروسة وأخيرا السياسات الرامية الى الاعتماد على المرتزقة في أكثر من مجال وأخرها ما شاهدناه في مواجهة الانتفاضة الكبرى ، وظهور تلك الأعداد الكبيرة من المجندين المجنسين وغير المجنسين ، من قتل منهم ومن أسر ومن اضطر الى الهروب ، اذ كانت الحسابات المعتمدة من المستبد غير مدركة للنهاية المذهلة ، بيد أن هذه النهاية لم تنته على النحو المنتظر حتى كانت حالات النزوح اللافتة لعشرات الآلاف من الوافدين الذين طالما كانوا عبئا على المواطن الليبي والواقع الليبي ، بعد تأثر ملحوظ بهذه العمالة غير المنظمة وغير المنضبطة والتي طالما أدت إلى الكثير من المشاكل الأمنية والصحية والنظامية مما جعل من خروجها حالة من حالات الراحة غير المسبوقة . مما يعني أن ما يتحدث عنه البعض بشأن أعمار ليبيا وهم يقدمون لبلادنا فرادي وجماعات ، مسؤولين ورجال أعمال ، عربا وأجانب لن يكون مطلقا بالسرعة التي يتصورونها . فعلى الرغم من أن مسألة الأعمار تبدو شديدة الإلحاح . إلا أنها لا يمكن أن تتم قبل التفكير في جملة من الاجراءات الاحتياطية حتى لا ينتج عن إعادة البناء المزيد من الهدم والمزيد من الاختناقات ، اذ كل إنفاق غير محسوب لن يكون من نتيجة سوى المزيد من الاستهلاك ، وكل زيادة في الاستهلاك نتيجتها الغلاء في جميع الأسعار . كما أن الشروع في الأعمار في غياب الاحتياطات حصاده التعقيد . وحتى لا تحدث الاستدراج نحو هذا المستنقع . سيكون من الضرورة بمكان أن يصار إلى حصر الاحتياجات بشكل دقيق وتحديد الأولويات بشكل دقيق أيضا . أما الاستفادة من الشركات الأجنبية شرقية أو غربية ، يبدو أكثر عملية ، وفي مجال البناء على نحو خاص . فهذا النوع من سياسات الأعمار ، يترتب عليها وفود عمالة ذات اختصاصات محددة وخبرات مضمونة ، ووضعيات اجتماعية تحول دون وجود المرافقين وما ينجم عن تكدسهم من التزامات إنسانية ، لان الشركات الكبيرة لا تقبل باصطحاب الأسر ولا تترك مسؤولية القادمين للعمل بالبقاء بعد انتهاء فترات عقودهم ، والبقاء بعد فترات التعاقد هو بداية المشاكل الناتجة عن الوافدين للعمل . وما يتبعها من مختنقات الإسكان والعلاج والدراسة المقدرة أساس الليبيين وفي حدود المستوى المقدر للنمو السكاني ، بل لعل ما يتردد في بعض الدوائر عن وجود عمالة موجودة الآن في ليبيا قدرتها بعض الجهات بمليوني عامل من جنسية واحدة ليس أكثر من مناورة غير بريئة ، هدفها تثبيت بعض الالتزامات غير الموجودة اذ يوضح ذلك فان معناه وجود نسبة سكانية تزيد على ثلث سكان ليبيا . وهو رقم لا وجود له في الإحصائيات الرسمية ولا الواقع الملموس ولا حجم المشكلات التي تنشأ عن وجود هذه النسبة . اذ أن استدراج عُشر هذا العدد من بعض الأطراف وما أكثرها لغير صالح الليبيين فإن حجم المخاطر يصعب التنبؤ به . ومن ثم فان التروي في الإنفاق وتنفيذ المشاريع وعدم التسرع في سياسات حرية التنقل والسلع وما إليها مما يقال من كلام ظاهر فيه الرحمة وباطنه فيه عذاب ، ولا بد أن يوضع في الاعتبار لدى كل من يعينه شأن هذا البلد ومستقبله وما ي مور في المحيط من مشاريع نووية ، تمثل مساحة ليبيا جزءً منها دون شك . بقي بعد هذا الموضوع التدريب وما أدراك التدريب وما يبديه الكثيرون من استعداد لهذه المهمة ، وفي تجاهل مقصود لحقيقة الخبرات الليبية التي حققت شهرة غير عادية في مجال الخبرات الإستراتيجية في مختلف المجالات ، بمعنى أن ليبيا لها من خبراتها ما يتكفل بتحديد الاحتياجات والأولويات ، دون الاتفاقات الرسمية التي كثيرا ما يختلط التعاون بالمساعدة ، والشراكة بالابتزاز ، ففي دنيا المصالح لا حكم الا للحسابات ولغة الأرقام . والأمثلة أكثر من أن تحصى . وبقدر ما زخرت به أشهر النضال المسلح ومن مواقف الأشقاء والأصدقاء . بقدر ما أشرت التطورات اللاحقة الى أن وراء الاكنه ما وراءها وان الجميع في سرعة من أمرهم . ومن هنا فان إعادة الأعمار تبدأ من حصر عدد جرحانا واحتياجاتهم الحقيقية . والحذر من أن تصبح حالة تتناسل رغم أن الحرب قد وضعت أوزارها . وقل مثل ذلك عن الثوار من حيث حقيقة العدد ونوعية المساهمة ومكانها وقيادة ميادينها لأنها من أبواب الفوضى الخطيرة . لقد حققت الثورة أهدافها التحريرية فأنهت الاستبداد وقضت على الخوف . وقد دفعت مدننا وقرانا أثمانا باهظة . ولكن المحافظة على النصر هي المهمة العاجلة التي تبدأ من الحذر الحاسم من أن يلد النصر على الاستبداد مستبدين جددا . أو تخطي فنظن أن من ناصرنا سيبقى على موقفه إلى الأبد ، فلا شيء لوجه الله . ولن يفيدنا أحد غيرنا ، وليس لنا من عاصم سوى يقظتنا ، ولن يكون لنا من أعمار لما لحق بنا من خراب في المباني . ما لم نبدأ من اعمار خراب النفوس ، فبهذه البداية يمكن أن تعمر ليبيا ، وبتسويق هذه النظرة سيدرك كل من يعنيه الأمر أننا عازمون على الاعمار فعلا ، وقد نحتاج له في هذه المهمة وقد نحتاج لغيره فمن قبلنا مساعدته لم نوقع معه اتفاقية للوصاية أو ما في حكمها ، وأننا أولا وأخيرا ، سنحدد قبل الشروع في معركة الاعمار الظروف اللائمة لدوام البقاء في معركة الحدود والوجود


______________________________

عن الدستور والذاكرة العربية


امين مازن

15-1-2012

يجد القارئ الكريم في القسم الثاني من الحيّز الذي استأنفت كتابته هذا بعد توقف دام طوال معارك التحرير المريرة التي كللت بإسقاط النظام المنهار وإصدار صحيفة فبراير، مقالة بعنوان الدستور والذاكرة العربية، وهي مقالة اكتفيت بإدراجها في الموقع الذي امتلكته منذ سنوات ثلاث بشبكة المعلومات الدولية، لأعيد فيه نشر ما أسهم به أحيانا أخرى ، فشكل في حينه مصدر قوة لتوسيع دائرة المشاركة والتقليل من ضغوط التنفيذ، جل وأتاح الفرصة للكثير من الواقع أن تقف... على ما نسهم به كما شهد بذلك الكثير من المصفين الذين قاموا بمهمة المقاومة خارج الحدود على مدى العقود الماضية ، ممن ارتبطنا مع بعضهم بأوثق العلائق، وكان لما دأبوا علية من إظهار الاحترام وتبادل ما ينشر بالتعليق أو إعادة النشر أثره الجيد في توسع الدائرة والحد من محاولات التضييق الماكرة ولن يخفى على كل من يعيد قراءة المقالة المذكورة إن كان قد سبق له الاطّلاع عليها أو سيراها لأول مرة ، وعلى ضوء المتغيرات التي طالت البلد وفتحت أبواب الحوار على اتساعها ما قامت عليه هذه المقالة من معالجة تتعلق قبل كل شيء بالواقع الليبي ، وبالحوار الذي عرفته الحياة الليبية انطلاقاً من مدينة بنغازي التي تفجرت منها الثورة وتمكنت من تحريرها مبكراً وباشرت قواها الحية في طرح كل ما يجب طرحه مما يتعلق بالواقع ابتداء من مؤسسات المجتمع المدني وتأسيس الكثير منه أو بالخوض في الأمور المتعلقة بإعادة تنظيم البلد انطلاقاً من استعادة التاريخ المتمثل بالأعياد والذكريات الخالدة ووصولاً إلى الأخرى المتعلقة بالتشريع وعلى رأسها الدستور ، فكان لابد أن نقدم هذه المقالة التي استهدفت التركيز على أهمية الدستور من حيث هو قيمة تنظيمية وشرط لا مناص من توفره لكل حكم يدير شؤون الناس، بحيث أمكن التشكيك في كل حكم يغيب فيه الدستور أو ترتفع الأصوات المقللة من أهمية الدستور أو جدوى الدستور كما كانت وسائل إعلامنا تردد باستمرار من تلك المقالات السفيهة التي شككت في الدستور وقللت من أهمية الدستور وسفهت فكرة النيابة ، وعجزت عن أن تبقى عليها ولو هيئة شكل غير فعال فكان لابد من التوقف أمام هذه القضايا الحساسة ولو على هيئة صياغة تتعرض للوطن العربي في عمومه، ولعل مما يعطي مثل هذا التناول أهميته ما رافقة من إعراض مستمر عن الخوض عبر أي حديث مذاع أو مقال مكتوب أو نص ينزع إلى الإبداع في ذلك ما يعطي للكتابة التي تفعل ذلك أهميتها أو لمن يقدم عليها منزلة مميزة أمام الأقران ، فقد ظلت هذه التوجهات بعيدة عن التناول ، فكان الصمت حولها يمثل أضعف الايمان وأضعف الايمان أحيانا يكون أقوى مما عداه ، ذلك أن السباق كان كبيراً أو المغريات أيضاً كانت كبيرة ، أما الضغوط فلا شك أنها لم تكن دائماً قوية فلا أحد أجبر كي يكون عضواً في جمعية من الجمعيات التي سخرت لما اصطلح على تسميته بالنشاط النظري ، وليس كل من قلد وساماً من الأوسمة جاءه ذلك دون سعي ففي كل هذه الأحوال ثمة قدر كبير من النسبة التي تبين حجم الحماس الفردي من عدمه فعبر هذه الرحلة الطويلة كان هناك من اضطر للقيام بما قام به مكرها أو شبه مكره ، أو على الأقل لم يلاحظ عليه الحماس وما في حكمه ، وكان هناك من رأى في ذلك مفخرة من المفاخر أو ظهر عليه حجم الاستفادة ، ذلك أن الواقع غني بالشواهد ومتابعة ذوي الرأي ليست بسيطة أو غير قادرة ، وإن اعتقد البعض أنها ليست كذلك وأذكر أنني سمعت من أكثر من متابع ومنذ ثمانينات القرن الماضي أن من المواطنين من يوثق بالصوت والصورة معظم أو كل ما تذيع وسائل إعلامنا المصورة من برامج ذات طبيعة توجيهية أو تحريضية أو دعائية لا يهم الوصف ولكن المهم أنها ليست موضع قبول المجتمع إن لم تكن مثار سخطهم ، وكيفما كان الأمر فكل امرئ بما كسب رهين وليس من كان أمله في المستقبل وأهمية التاريخ كمن فقد هذا الزاد الروحي وأيا كان الأمر فتبقى الكلمة ، وتبقى شهادتها فوق كل الشهادات ،فهي بالنسبة لواقعنا ذاكرة الوطن حيث لا مهرب ولا محيص .

عادت الاستحقاقات الدستورية إلى الظهور مرة أخرى في الكثير من الأقطار العربية ، إن عن طريق النخب المتعلمة فضلاً عن القيادات الشعبية الحريصة على وجودها أولا والمحتجة على غيابها أو تعطيل فعلها ثانياً ويأتي ذلك ضمن ما تطرحه الأنظمة الحاكمة وهي تواجه الاحتجاج من وعود الإصلاح ، والتصدي لما تنذر به رياح التغيير من عنيف الزوابع وقوي الأعاصير .

ومعلوم أن الحياة الدستورية كانت قد منيت بانتكاسات متكررة في معظم الأقطار العربية إن لم نقل جميعها على مدى الستين سنة الماضية وما شهدته من تنامٍ في الأنظمة الشمولية التي عمدت ضمن ما عمدت إلى النيل من هذه الحياة وكانت يومئذ في طور النشوء وهو نيل لم يتوقف عند سوء التطبيق وحسب ولكنه امتد إلى فكرة الدستور من الأساس ، بحيث لها تعد القرارات المتعلقة بشؤون الناس وطريقة حكمهم وإنفاق ثرواتهم لا تبحث لها عن سند يسوغها من خلال مواد هذا العقد الذي اصطلح العلم على وسمه بالدستور ، ولو كان هذا السند شكلياً على الأقل ، بل لقد عمدت الكثير من هذه الأنظمة إلى تجاوز ما تحويه الدساتير من قيود ومبادئ إلى التشكيك في جدوى الدستور وأكثر من ذلك إسقاط الهياكل المرتبطة بهذا العقد ، فلم تعد الصحف أو لنقل وسائل الإعلام عامة تنشر أخبار الطعون المقدمة حول دستورية القوانين ولا الأحكام الصادرة بخصوصها كما لم تعد المجالس والهيئات المختصة بحماية الدستور والحرص على تطبيقة تتناول ما يمكن أن ينقص هذا الإجراء أو ذاك حين يثبت عدم انسجامه مع مبادئ الدستور .

وقد استفحلت هذه الوضعية المعادية للدستور فكرة وتطبقا عقب نكبة العرب الأولى المتمثلة في ضياع فلسطين إثر هزيمة ظل العرب طوال هذا التاريخ يتبادلون التهم حول مسؤولية حدوثها بين بعضهم بعضاً دون أن يخطوا خطوة واحدة في الطريق الذي يمكن أن يخرجهم منها ، بل لقد رأيناهم يكررونها أكثر من مرة وفي أكثر من مجال .

وقد تم عقب تلك الهزيمة إسقاط أكثر من حاكم تقليدي، إن بابعاده من الحكم أو بإبعاده من الحياة الدنيا لتقضي بعد ذلك حقب من الزمن ولم يحفل التاريخ السياسي بشيء من الأقطار العربية ، حيث لا سيادة إلا لحالات الطوارئ و التدابير الاستثنائية التي طالما تجددت من تلقاء نفسها وفي مقدمتها بالطبع تعليق الدساتير أو إلغاؤها أو تعديلها بما يطال حقوق الشعب ويزيد من تغول السلطان ، فكادت كلمة الدستور هذه أن تختفي من قواميس السياسة العربية تستوي في ذلك الأنظمة التقليدية والأخرى المختلفة معا والتي تفوقها بصدد استحقاقات الدستور لتأتي بعد ذلك مجموعة الانفجارات التي طالت أكثر من قطر عربي فتبين أن على رأس أسباب ما حدث إنما إلى غياب الدستور وترسيخ السلطة التي تحتكم إلى الدستور إذ بات مؤكدا أن في ذلك المخرج الأنسب لتجاوز الأزمة والعرض الأكثر إغراء لإثارة اهتمام الجماهير وكسب ثقتها وضمان المطلوب من تعاونها والسلامة من ويلات غضبها وبالذات تلك التي خرجت عن صمتها وأفلحت في تحقيق ما كانت في حاجة إليه بصدد تغيير أحوالها فكان ما كان من حديث عن الدستور ولا سيما عبر الفضائيات التي أتاحت لكل متابع أن يجد نفسه في قلب الحدث من مغرب الوطن العربي إلى مشرقه منظماته وجمهورياته لجان تشكل واستفتاءات تنظم و مشاريع صيغ توضع أمام مختلف الشرائح والقوى الفاعلة فلا حديث يعلو على الحديث بشأنه كل ذي قلم يستشعر المسؤولية في هذا العالم الذي يعاد تخريطه والوطن الذي لن يستطيع أحد فيه أن يكون بمنجاة من عواصفه العاتية ومتغيراته المتلاحقة وما من سبيل أمام الكثير من أنظمته المأزومة كي تظهر بأقل الخسائر سوى أن تدرك أن زمن الحكم المطلق قد ولى إلى الأبد وأن الاعتراض على فكرة التأبيد صارت تطال مقدسات الناس ما بالك عن شؤونهم الدنيوية فلا مناص والحالة هذه من الاسترشاد بما يجري به العمل في أرقى مجتمعات العالم ،إن الاستفادة بالمنجز العلمي في مجال التقنية والطبابة وكذلك محاكاته تقتضي بالضرورة وبعيدا عن المكابرة مراعاة المنجز الفكري فليس أمام ملكيات الوطن العربي سوى أن تكون دستورية لا يتجاوز فيها الملك صفة الرمز الذي يسود ولا يحكم فلا تنفيذ لمراسمه ما لم تكن موقعة من الوزير المختص فرئيس الوزراء حين تكون هذه المراسيم متعلقة بشؤون الدولة ولا شرعية لهؤلاء ما لم يكونوا نتاج انتخابات شفافة وبحضور مراقبين دوليين يشهدون على نزاهتها وقبل ذلك التحضير لها والأمر نفسه بالنسبه للجمهوريات فلا بد لها إن أراد القائمون عليها أن يكون اختيارهم نتاج الانتخابات ولدورة محددة لا تتجدد لأكثر من مرة ولا مجال فيها لما يطلق عليه النظام الرئاسي الذي يجعل من رئيس الوزراء شكليا أو غير موجود البتة ولم يعد مقبولا أن توصف بعض الوزارات بالصفة السيادية التي تنيط اختيار شاغلي حقائبها بالملك أو الرئيس بل لابد أن يكون الجميع من اختيار رئيس الوزراء وقبل ذلك لابد أن تفصل السلطات وتحدد الصلاحيات المتصلة بتخفيف الأحكام كما أن المجالس النيابية من جهتها لابد أن تكون من غرفتين أولهما تختار بنسبة السكان وثانيهما يراعى فيها الوضع الجغرافي لكل قطر من الأقطار وضمن رؤية لا تسمح باحتكار الواقع لإقليم دون آخر أو طائفة أخرى أو مذهب بعينه فالمواطنة حق للجميع والمواطنة تعني الشراكة في المسؤولية والقرار والثروة وغير هذه النقاط كثير وكثير جدا بصدد توزيع السلطات وتحديد الصلاحيات عندما يتم التحرك نحو الدستور الذي هو في حقيقة الأمر ليس أكثر من عقد يمكن لكل ذي بصيرة أن يدلي فيه بدلوه ولا مجال للتعلل بالاختصاص القانوني لأن الاختصاص يعني سلامة الصياغة أما تقييد الصلاحيات فأمر يمكن أن يسهم فيه كل ذي رأي يملك صاحبه أن يصدح به.

بقي أن يدرك جميع أصحاب الجلالة والفخامة ومن في حكمهم من المهيمنين على القرار أن الحاكم العادل هو الذي يعاديه نصف الناس فليس أمامه والحالة هذه إلا أن يجيد الإصغاء لهذا النصف المعادي ولم يعد مقبولا في القرن الحادي والعشرين أن يظن أحد في نفسه ولي الأمر الذي لا يجوز الخروج عليه أو أمير المؤمنين يجمع السلطة والأمانة فقد انتهى زمن الفتح اللهم إلا في عالم الأحلام

_______________________________

الدستور والذاكرة العربية

أمين مازن

عادت الاستحقاقات الدستورية الى الظهور مرة أخرى في الكثير من الأقطار العربية ، ان عن طريق النخب المتعلمة فضلا عن القيادات الشعبية الحريصة على وجودها أولا و المحتجة على غيابها او تعطيل فعلها ثانيا، ويأتي ذلك ضمن ما تطرحه الأنظمة الحاكمة وهي تواجه الاحتجاج من وعود الإصلاح ، والتصدي لما تنذر به رياح التغيير من عنيف الزوابع وقوى الأعاصير.

ومعلوم ان الحياة الدستورية كانت قد منيت بانتكاسات متكررة في معظم الأقطار العربية ان لم نقل جميعها على مدى الستين سنة الماضية، وما شهدته من تنام في الأنظمة الشمولية التي عمدت ضمن ما عمدت الى النيل من هذه الحياة وكانت يومئذ في طور النشوء، وهو نيل لم يتوقف عند سوء التطبيق وحسب ، ولكنه امتد الى فكرة الدستور من الأساس، بحيث لم تعد القرارات المتعلقة بشئون الناس وطريقة حكمهم وإنفاق ثرواتهم لا تبحث لها عن سند يسوغها من خلال مواد هذا العقد الذي اصطلح العالم على وسمه بالدستور ، ولو كان هذا السند شكلياًّ على الأقل ، بل لقد عمدت الكثير من هذه الأنظمة الى تجاوز ما تحويه الدساتير من قيود ومبادئ الى التشكيك في جدوى الدستور و أكثر من ذلك إسقاط الهياكل المرتبطة بهذا العقد ، فلم تعد الصحف او لنقل وسائل الإعلام عامة تنشر أخبار الطعون المقدمة حول دستورية القوانين ولا الأحكام الصادرة بخصوصها كما لم تعد المجالس والهيئات المختصة بحماية الدستور والحرص على تطبيقه تتناول ما يمكن ان ينقض هذا الإجراء او ذاك حين يثبت عدم انسجامه مع مبادئ الدستور .

وقد استفحلت هذه الوضعية المعادية للدستور فكرة وتطبيقا عقب نكبة العرب الأولى المتمثلة في ضياع فلسطين اثر هزيمة ظل العرب طوال هذا التاريخ يتبادلون التهم حول مسئولية حدوثها بين بعضهم بعضا دون ان يخطو خطوة واحدة في الطريق الذي يمكن ان يخرجهم منها ، بل لقد رأيناهم يكررونها أكثر من مرة وفي أكثر من مجال.

وقد تم عقب تلك الهزيمة إسقاط أكثر من حاكم تقليدي ، ان بإبعاده من الحكم او بإبعاده من الحياة الدنيا، لتقضي بعد ذلك حقب من الزمن ولم يحفل التاريخ السياسي بشيء مثل ذلك السيل من الشعارات البراقة وتوالى أنظمة الحكم غير الرشيد في الكثير من الأقطار العربية، حيث لا سيادة إلا لحالات الطوارئ و التدابير الاستثنائية التي طالما تجددت من تلقاء نفسها وفي مقدمتها بالطبع تعليق الدساتير او إلغاؤها او تعديلها بما يطال حقوق الشعب ويزيد من تغول السلطان ، فكادت كلمة الدستور هذه ان تختفي من قواميس السياسة العربية، تستوي في ذلك الأنظمة التقليدية و الأخرى المختلفة معا والتي تفوقها بصدد استحقاقات الدستور، لتأتي بعد ذلك مجموعة الانفجارات التي طالت أكثر من قطر عربي، فتبين أن على رأس أسباب ما حدث إنما الى غياب الدستور وثقافة الدستور وترسيخ السلطة التي تحتكم الى الدستور، إذ بات مؤكدا ان في ذلك المخرج الأنسب لتجاوز الأزمة و العرض الأكثر إغراء لإثارة اهتمام الجماهير وكسب ثقتها وضمان المطلوب من تعاونها و السلامة من ويلات غضبها، و بالذات تلك التي خرجت عن صمتها و أفلحت في تحقيق ما كانت في حاجة إليه بصدد تغيير أحوالها، فكان ما كان من حديث عن الدستور ولا سيما عبر الفضائيات التي أتاحت لكل متابع ان يجد نفسه في قلب الحدث من مغرب الوطن العرب الى مشرقه ،منظماته وجمهورياته ، لجان تشكل و استفتاءات تنظم، و مشاريع صيغ توضع أمام مختلف الشرائح والقوى الفاعلة فلا حديث يعلو على الحديث عن الدستور و شكله وترتيب سلم أولوياته وصار ضروريا ان يقترب من الحديث بشأنه كل ذي قلم يستشعر المسئولية في هذا العالم الذي يعاد تخريطه، و الوطن الذي لن يستطيع احد فيه ان يكون بمنجاة من عواصفه العاتية ومتغيراته المتلاحقة، و ما من سبيل أمام الكثير من أنظمته المأزومة كي تظهر بأقل الخسائر سوى ان تدرك ان زمن الحكم المطلق قد ولى الى الأبد ، وان الاعتراض على فكرة التأبيد صارت تطال مقدسات الناس ما بالك عن شئونهم الدنيوية، فلا مناص والحالة هذه من الاسترشاد بما يجري به العمل في ارقي مجتمعات العالم ، وان الاستفادة بالمنجز العلمي في مجال التقنية و الطبابه وكذلك محاكاته ، تقتضي بالضرورة و بعيدا عن المكابرة مراعاة المنجز الفكري ، فليس أمام ملكيات الوطن العربي سوى ان تكون دستورية لا يتجاوز فيها الملك صفة الرمز الذي يسود ولا يحكم، فلا تنفيذ لمراسيمه ما لم تكن موقعة من الوزير المختص فرئيس الوزراء، حين تكون هذه المراسيم متعلقة بشئون الدولة ، ولا شرعية لهؤلاء ما لم يكونوا نتاج انتخابات شفافة وبحضور مراقبين دوليين يشهدون على نزاهتها وقبل ذلك التحضير لها.

والأمر نفسه بالنسبة للجمهوريات ، فلا بد لها ان أراد القائمون عليها ان يكون اختيارهم نتاج الانتخابات ولدورة محددة لا تتجدد لأكثر من مرة ، ولا مجال فيها لما يطلق عليه بالنظام الرئاسي الذي يجعل من رئيس الوزراء شكليا او غير موجود البتة، ولم يعد مقبولا ان توصف بعض الوزارات بالصفة السيادية التي تنيط اختيار شاغلي حقائبها بالملك او الرئيس، بل لابد ان يكون الجميع من اختيار رئيس الوزراء، وقبل ذلك لابد ان تفصل السلطات وتحدد الصلاحيات المتصلة بتخفيف الأحكام، كما ان المجالس النيابية من جهتها لابد ان تكون من غرفتين أولها تختار بنسبة السكان وثانيها يراعي فيها الوضع الجغرافي لكل قطر من الأقطار وضمن رؤية لا تسمح باحتكار الواقع لإقليم دون أخر او طائفة دون أخرى او مذهب بعينه ، فالمواطنة حق للجميع و المواطنة تعني الشراكة في المسئولية والقرار والثروة، وغير هذه النقاط كثير وكثير جدا بصدد توزيع السلطات وتحديد الصلاحيات عند ما يتم التحرك نحو الدستور الذي هو في حقيقة الأمر ليس أكثر من عقد يمكن لكل ذي بصيرة ان يدلي فيه بدلوه ولا مجال للتعلل بالاختصاص القانوني، لان الاختصاص يعني سلامة الصياغة أما تقييد الصلاحيات فأمر يمكن ان يسهم فيه كل ذي رأي يملك صاحبه ان يصدح به.

بقى ان يدرك جميع أصحاب الجلالة و الفخامة ومن في حكمهم من المهيمنين على القرار ان الحاكم العادل هو الذي يعاديه نصف الناس، فليس أمامه والحالة هذه إلا ان يجيد الإصغاء لهذا النصف المعادي ، ولم يعد مقبولا في القرن الحادي والعشرين ان يظن احد في نفسه وليا لأمر الذي لا يجوز الخروج عليه او أمير المؤمنين بجميع السلطة و الأمانة ، فقد انتهى زمن الفتح اللهم إلا في عالم الأحلام

_______________________________

 

يحدث في تونس الان

يحدث في مصر الان


أمــين مازن

كان ضروريا أن يطرح موضوع التعددية الحزبية على رأس أولويات الوطن العربي ، ويشكل مادة إعلامية خصبة لعديد وسائل الاتصال المصورة ، على أثر المتغيرات الدراماتيكية التي بدأت بتونس غرباً وتلتها مصر شرقاً ، متجسدة في تنحي الرئيسين زين العابدين بن علي وحسني مبارك ، فقد كان للبلدين دورهما المميز في التـاريخ العربي المعاصر منذ مطلع النصف الثاني من القرن الماضي ، عبر تجربتي الناصرية والبورقيبية ، وطموحهما للدور الريادي ، وان اختلفتا في أسلوب التنفيذ ، ففيما عولت الناصرية وهي تبدأ مشوارها بانقلاب عسكري أطاح بنظام الملك فاروق والحق به جميع الساسة الذين طالما أداروا معه شئون مصر عن طريق التنظيمات الحزبية فاعتبرها العهد الجديد ضمن المؤسسات الفاسدة المحتاجة للإصلاح ، فاحال أمرها الى لجنة مختصة سميت لجنة تطهير الأحزاب ، ليمتد التطهير المشار إليه الى حالة تنويم دائم ، ومن ثم روى سد فراغها بواسطة جملة من المحاولات بدأت بهيئة التحرير ليتلوها الاتحاد القومي ثم الاشتراكي ، وهي تنظيمات لم يكن لها من هدف سوى حشد التأييد الشعبي للنظام . تلك المهمة التي لم تتحقق في واقع الأمر إلا من حزمة المكاسب التي حققها الرئيس عبد الناصر بجرأته وضاعف من قيمتها ما اشتهر به من العفة والاستقامة ونظافة اليد والأهل الأمر الذي هيأ للناصرية أن تستقطب الشارع العربي ، حتى وهي تخسر بعض المعارك . . فيما عولت الناصرية على هذا التوجه فضلت البورقيبية الأسلوب التقليدي ، المتمثل في اعتماد مبدأ الوصول عن طريق الجماهير ، فلم يكتف بورقيبة باستلام الحكم عن طريق زعامة الحزب الحر الدستوري وهو يتفق مع فرانسا على استقلال تونس وإنما طور دور هذا الحزب الى إلغاء حكم البايات وإعلان النظام الجمهوري دونما أعمال للقوة العسكرية ، مما حد " بأبي رقيبة " الى المحافظة على مؤسسة الحزب حتى وهو يوظف هذه الصيغة لتكريس فرديته وتأبيد سلطته . فإذا ما قدر لبورقيبة أن يختفي عن الحكم بواسطة الزين ولناصر كي يختفي من عالم الأحياء ، ويتجدد السباق نحو أوروبا من البلدين ، فلم يكن أمام السادات وبعده مبارك في مصر وزين العابدين في تونس وفي إطار الظهور بما يتجاوز السابقين أكثر من الخوض في موضوع الحزبية ، ان لم يكن بالعمل الجاد فلا اقل من التغيير الشكلي ، حتى لقد رأينا أحد هؤلاء يحرص على إلا يكون المرشح الوحيد للرئاسة أكثر من مرة ، ولو كان هذا الترشيح من أجل الخسارة كما يقول صديقنا المرحوم محمد صالح الجابري في معرض تقييمه للمشهد السياسي التونسي والمهم أن الزين ومبارك عولا أكثر من سابقيهما على المؤسسة الحزبية كما أن كلاهما قد وفر لمؤسسته هذه الكثير من المقدرات ، يستوي في ذلك الحزب الوطنـــي المصري الذي احتضن كل الكوادر المصرية الرسمية السابقة ، وكذلك التجمع الديمقراطي التونسي الذي لم يكتف الزين بتغيير اسمه وإنما ضم إليه الكثير من الأسماء التي أنس فيها ما كان من شأنه ان يحقق ما رأى الحاجة إليه ، وكان من نتيجة ذلك أن ضمن كلاهما البقاء الذي نعرفه جميعا بحيث لم يتنحيا إلا في مطلع هذه العشرية تاركين هاذين الحزبين المتغولين إنها الإزاحة التي نهضت بها قوة سياسية جديدة اعتمدت أحدت أساليب التقنية وثقافة الطبقات الميسورة المراهنة قبل كل شيء على مطلب الحرية في التفكير والتعبير والمشاركة مما لا يمكن ان يتحقق إلا من خلال مؤسسات أهلية تطوعية قوامها المبادرة وضمانها التشريعات ، ومصادر نفقاتها معروفة ومدققة في مقدمتها بالطبع موضوع النشاط الحزبي وضرورة بعثه على أسس جـــديدة تتفق والمستجدات والاستحقاقات مع تجنب سلبيات الماضي ، وكلها توجهات مشروعة وجديرة بأن ينصت إليها ويعطي حولها كل رأي مسئول ، ليس داخل البلدين فحسب وإنما من طرف المعنيين بالشأن العربي كافة ، ولا سيما فيما يخص الموقف من الماضي ، وتحديد محضورات المستقبل ، فما للبلدين من إشعاع وتأثير يفرض عدم الاكتفاء بالمراقبة ، إذ يلاحظ كل من يتابع ما يثار من نقاش حول مسألة الحزبية ما يعلن في البلدين وعن طريق الذين قادوا قافلة التغيير ما يقال عن خطر عودة رجال الزعيمين المخلوعين عن طريق البوابة الحزبية حتى بدت هذه الأوصاف غير المحددة وكأنها الفزاعة التي يمكن أن ترفع مما يجعلها أكثر من غيرها في مقدمة الخطر الذي يمكن أن يجعل ما حدث وكأنه الماضي بالضبط ، بمعنى أن الذين قادوا قافلة التغيير لقاء ما ساده من الانحراف يمكن أن يقعوا في ذات الخطأ واعني به خطأ الإقصاء إذ مادامت الدولة في البلدين قد أحالت الرئيسي ومن شاركهما ما نسب إليهما الى المحاكم ، فما الداعي الى الخوف على الأحزاب المنتظرة من عودة الماضي ، وهل يمكن لحزبية يراد لها أن تكون نموذجية وفي واقع طالما كان نموذجيا أن يطرح شعار الإقصاء من جديد ، وأي ديمقراطية تتبنى أسلوب الإقصاء بالشبهة ، او تخشي عودة الخصم عن طريق المؤسسات اذ الديمقراطية باب إذا أريد لها أن تكون سليمة فلا بد أن تتسع لدخول حتى من لا نحب او لا نستسيغ اللهم إلا ما يحضره القانون ويحكم به القضاء ان ما يميز الثورات عن غيرها التي لم تكن سوى انقلابات منطلقة للسلطة هو حجم الحرية التي توفره للمجتمعات ، كما أن من علامات الحرية الحقيقية هو عدم ارتباطها بالمكاسب الفئوية الضيقة التي تفتح الأبواب للبعض وتقفلها في وجه البعض الأخر وإلا فلن يكون هناك جديد ، بل لعل المعنى في هذا التوجه من طرف شباب تونس ومصر وقواها الحية سيتكفل بالإجهاز على كل ما تردد وأدين حول الماضي ، بل وينذر كذلك بدأوا لمستقبل.إنتهى

_______________________________

في رحاب ام الدنيا

أمين مازن

12-4-2011


لم يكن غريبا ، بقدر ما كان متوقعا ، ان تخلو بيانات الملايين من المصريين التي اعتصمت في أواخر مفتتح هذه السنة (( 25-1 )) بميدان التحرير المصري من أي مطلب يتصل بالواقع العربي ، وان تبقي المطالب كلها محلية شعارها الأول والأخير ضرورة رحيل السيد حسني مبارك من مقعد الرئاسة المصرية وترك آمر مصر ، مع سرد مستفيض لما رافق عهده من صنوف التجاوزات المتصلة بسياساته الإدارية والمالية والقانونية ذلك بان حسنى مبارك الذي آلت إليه مسئولية حكم مصر بمقتضى صيغة دستورية تمثلت في وجوده نائبا لرئيس الجمهورية والتي هي ذاتها التي كانت قد أوجدت سلفه السيد أنور السادات عندما أسندها إليه الرئيس جمال عبد الناصر قبيل رحيله أثناء أزمة الفدائيين وفي اللحظات التي تلت انفضاض مؤتمر القمة العربية 1970 ظل مبارك طيلة عقود ثلاثة مصرا على ترك منصب نائب الرئيس شاغرا وغير مسند لأي كان ، كما لو أن كل شأن من شئون الحكم لابد ان يتوقف ريثما يعود الى مقر عمله ، او انه وذلك هو الأقرب قد استفاد من خطأ سلفيه سواء الرئيس عبد الناصر الذي اختار لهذه المسئولية أنور السادات بعد ان ظل بعيدا عن الأضواء لفترة طويلة ، وكان ان تكفل بتحقيق كل ما كان مستحيلا أثناء وجود عبد الناصر ورجاله ، او السادات نفسه الذي وفر باختياره حسني مبارك فرصة لم تكن تتاح لأكثر من الحصول على بدله عسكرية استطاع بواسطتها خالد الاسطنبولي ان يمتطي إحدى الدبابات ليترجل أمام المنصة ويفرغ رصاصاته في جسم السادات دون ان يمـــس حسني مبارك رجل السادات الثاني بأي أذى ، والفضل بالطبع للمقادير ، إذ لن يذكر احد ما أشارت إليه الصحف الأجنبية من ضرورة اختفاء السادات من مسرح السياسة المصرية ، بمعنى ان يأتي من هو أقدر منه على مواصلة المهمة التراجعية ، وعلى قاعدة " الباب اللي يجيب الريح سده وأستريح " فضل حسني مبارك ان يبقى وحده في الحلبة ، ولاشك انه قد أدرك ان المهمة ليست من العسر حتى تحتاج الى مساعد فالعرب الرسميون الذين لم يجدوا بدا من مقاطعة مصر عقب اتفاقية كامب ديفد صاروا في أمس الحاجة الى التواصل معها ، مع عدم المساس بتوجهها السياسي ، ورحيل السادات الى جانب خطاب التهدئة الذي بادر به مبارك تكفل بحفظ ماء الوجه لكل من بادر بالعودة والمهمة المنتظرة لمن سيكمل المشوار الساداتي لم تكن تحتاج ، حسب الخارطة المرسومة لغير المبادرة بتصفية القطاع العام وتنفيذ اقتصاد الخصخصة وتتدفق من اجلها الأموال العربية والغربية لم تكن هي الأخرى لأي تفكير يذكر ، فالمسألة أولا وأخيرا كيف يتم تحضير من يمكن ان تنوبهم منشآت القطاع العام ، وكذلك الأماكن التي ينبغي أن تقام عليها المنشآت الجديدة ، ومن هم الذين سيشغلون المواقع الإدارية بها بحكم اتفاقات هذه المشاريع ، وتلك مهام ليس أفيد لها ممن يحسن التوزيع على المحظوظين من القادرين على حمل مسئولية الشراكة التي شملت كل المجالات وجمعت بين الداخل والخارج وهكذا انتشرت المشاريع السياحية وما إليها من الصناعات الخدمية ، كما تحولت مشاريع القطاع العام الى ملكيات خاصة أصبحت بعد ان بيعت بأسعار شكلية تدر ما لا يحصى من الأرباح ولم يعد يتردد ، في مصر سوى الحديث عن القطط السمان وعلاقتهم بالأقارب والأصهار ، ممن كونوا مع الزمن طبقة خاصة ، ثراؤها لا سابق له ولا لاحق ، وتقاليدها المعيشية حديث الرأي العام ، ومساكنها تشكل أحياء خاصة ، كل شيء فيها يتحرك بالأزرار وكثير منها لا يخلو من ضابط يمكن أن تصلح للطيران الخفيف ، والمسألة دائما قسمة ونصيب ومن كدو جد ، والحمد لله على نعمائه التي خصت هذا النوع من الناس ، فسخرت لهم صحفا تتحدث عن أخبارهم وتشرع كل ما آل إليهم ، وأمنا يسهر على حمايتهم ، بل وقنوات تلفزيونية توفر كل ما يقوى النفوذ ويضاعف النعمة ، ويسكت كل صوت قد يجهر بما سوى المديح ، وهم على كل حال يكفلوا بتوفير كل ما هو ضروري للحفاظ على ذلك .فالنسبة العددية لهؤلاء لم تزد في كل الأحوال على خمسة عشر في المائة من سكان مصر ، بداخلها من هم في أعلى السلم ثم الذين يلونهم ، إما السواد الأعظم من المصريين الذين أثبتت الإحصائيات الرسمية أن عددهم لا يقل عن أربعين مليون فأنهم يعيشون تحت خط الفقر ومثل هذا العدد أو أقل منه فهم الذين يتجاوزون خط الفقر بعض الشيء ، أماديون مصر فهي وحدها التي تتنامى كما ان كليهما الأخبار التي تتناقل باستمرار عن أنواع الفساد والرشاوى وسوء الآراء ونهب المال العام الى غير ذلك مما لا يعرف التوقف ولا يشعر الظالمون فيه بالملل ، فقد أمكن التخلص من جميع الروادع وكممت كل الأفواه ، فمن فم ملأته العملات الى آخر اشترته العمولات . جهتنا فقط تعذر التغلب عليها طوال فترات تراكم الجريمة أولى هاتين الجهتين كانت شبكة الاتصالات العالمية التي هيأت صفحات التواصل الاجتماعي للأجيال الجديدة من أبناء الطبقة المتوسطة في مصر التي تعلمت استخدام هذه الشبكة وأحسنت توظيفها في تبادل المعلومة المتصلة بالواقع المصري وما غدا ينخر جسمه من أنواع الفساد المالي والإداري والسياسي مما جعل الحياة تسير دوما من سيء الى أسوأ فأخذت توسع اتصالاتها وتتبادل خبراتها ومعلوماتها إزاء ما يجري وما يمكن أن يتخذ للحد منه او اقتلاع جذوره بالأصح ، استعداداً للحظة الصفر ، فيما كانت أجهزة الرصد العالمي ودوائر مصادر القرار وبنوك المعلومات توالى نشر أخبار الفساد اللامتناهي وأرقام الأرصدة ومنزلة الأغنياء في السلم العالمي . وكان كله يوشر الى أن ساعة الأمر آتية لا ريب فيها وأن تدفقت في صباحه تلك الأجيال الصاعدة لتعلن اعتصاماً وترفع صونها المدوي ، مستفيدة بدون شك من تجربة الجماهير التونسية .

ويبدأ من ثم مسلسل التنازلات الواحد تلو الأخر ويتوالى كذلك توجيه الخطابات ومثلها الكثير من القرارات ، ومن بينها أو على رأسها شغل منصب نائب الرئيس والذي روعي في اختياره أكثر من شرط ، ليس خارجها ما بذله الرجل من جهد في مفاوضات الصلح متعددة الأوجه ألا وهو اللواء عمرو سليمان الذي يوصف برجل المهمات الصعبة ، غير ان الجماهير ظلت على موقعها لا تتزحزح قيد أغلة إلا وهو رحيل مبارك وعهده بالكامل ، فإذا ما عن للسلطة أن تجرب استعمال عصاها الغليظة معتمدة على الذين استعانت بهم في أكثر من مهمة مثلا الانتخابات التي شابتها عديد الشوائب ، والاستفتاءات التي كانت نسب النجاح فيها أكثر من مضحكة ، أولئك الموصوفين بالبلطجية ، ممن جمعوا بين تهديد المنافسين وترويع أمنهم كلما دعوا لمهمتهم هذه واستدعى ذلك استنكارا لكثير من متتبعي مجريات الأمور أولئك الذين لم يخفوا ضيقهم بل احتجاجهم كالاتحاد الأوروبي ومسئولي الإدارة الأمريكية ممن ألحوا على ضرورة احترام رغبة الشعب المصري بل وحذروا من استعمال القوة حيث كان رد الرئيس المنحاز الى العنف مقتنعا برفض الامتلاءات الخارجية وعدم السماح بالتدخل في الشئون الداخلية لمصــر المستقـــلة ، غيـــر أن الجماهــير ظلـــت حيـــث هي ولم معاذير" المبارك " أي أذن صاغية . وما كان لها في الحقيقة سوى التمسك بهذا الخيار ، ما كان لها إلا أن تسخر ما وسعتها السخرية بالحديث عن الشئون الداخلية والرفض المزعوم للاملأات الخارجية فقد عرفت منذ سنين أن مثل هذه النخوة لم تتحرك عشية غزو العراق وما رافقه من مساندة عسكرية ودعم سياسي . وكذلك فعلت كلما رأت أمريكا ما رأت ، حتى كانت اللحظة الأخيرة وبدأ أنه لا مناص من ألزام الرجل بالرضوخ لما أريد منه والقبول بالصيغة التي حددت له ، فكان البلاغ الأول عن تشكيل المجلس العسكري المصري لتأتي بعد ذلك الخطوة التالية المتمثلة في عقده لاجتماعات ومن تم تعلن الفضائية المصرية نبأ تخلي " مبارك " عن رئاسة مصر فيتذكر الكثير من دارسي التاريخ المصري خروج الحاكم البريطاني (( اللورد كرومر )) في الحقب الأولى من القرن الماضي وهو يغادر مصر ، حين شيعه الشاعر أحمد شوقي بقصيدته التي حملت بيته الشهير :

(( ارحل سجول الله جل صنيعه * * * مستعفيا أن شئت أو معزولا ))

وقد يدرك هؤلاء وغيرهم السر الحقيقي لعدم ورود أي استحقاقات تخص العرب في بيانات الجماهير المصرية وهي تقضي الأيام الطويلة بميدان التحرير في اعتصام ساهمت فيه مصر من أقصاها الى أقصاها لإجبار رئيسها على التنحي الى أن تم لها ذلك . دون أن يعيروا أي اهتمام لتعهد المجلس العسكري الذي استلم السلطة باحترام جميع الاتفاقيات الدولية الى جانب تحديد فترة ستة أشهر ستنظم أثناءها الاقتراعات المطلوبة لتنصيب رئيس بديل للرئيس المستقيل او المقال . بالإضافة الى مجلس الشعب وكذلك الوزراء الذين فاحت روائحهم الكريهة وتلطخت أياديهم بدماء الشعب وسرقة أمواله ، كما لم يسال منهم أي سؤال يتجاوز الواقع المصري ، فقد ثبت لهم بدون شك أنه حين يتوفر المسئول الذي يكون التحامه بالشأن المصري أكثر جدية فان الأمل نحو الأداء العربي سيكون أكثر حظا والتماس العذر عن الفشل ، حين يحصل أيسر منالا فالداخل دائما مرآة الخارج . وحسب المرء أن يتذكر من التاريخ الذي بدأ بمطلع النصف الثاني من القرن الماضي الخمسة عشرة سنة التي هي فترة الحكم الفعلي لجمال عبد الناصر عندما خرجت الملايين مرتين : احدها وهي تدعوه لمواصلة القيادة وتصفية أثار العدوان والثانية وهي تودعه الوداع الأخير ، وذلك إلا لأن ما أتسم به من نطاق اليد واستقامة المسلك ، ونزاهة الأسرة جعله يسمو على كل من عداه . فإذا ما قدر لخلفه السادات أن يلقي حتفه في حادث المنصة ، وأثر جملة من الممارسات المنحرفة التي رفعت من وتيرة الغضب ، وحرك ذلك المصير هو الآخر الملايين ، فإن أيا منهم لم يتحدث عن ذمة السادات المالية ، بعكس الملايين التي خرجت عقب تنحي مبارك معلنة فرحتها وسرورها بخروجه ، وما ذلك إلا لشعورها بأنها بذلك إنما تسترد مصر ، وحن يتم استرداد مصر ، فمن الممكن بعد ذلك أن ينصرف التفكير الى ما يخص الوطن العربي . ويبدو أن الرسميين من الأمريكيين قد أدركوا هذه الحقيقة ، تماما مثلما كان أسلافهم غير بعيديين عن الإجراءات التي تمت قبل خمسين سنة مضت أثناء خروج الملك فاروق عقب موجات من الغضب الشعبي الذي طالت مدته وتعددت تعبيراته ، ثم أفلحت القوات المسلحة من خلال التنظيم السري الذي ضم مجموعات من الضباط من ذوي الرتب المتوسطة والصغيرة ، من بينهم أولئك المرتبطين بالأحزاب السياسية العقائدية وتشكيلاتها المختلفة ، فضلا عن الذين لهم ترتيباتهم الخاصة ممن اتخذوا من نادي الضباط فضاءهم الواسع ومن انتخابات رئاسته تجربتهم الأولى للوصول الى الحكم فاختاروا لرئاسة النادي اللواء محمد نجيب خلافا لرغبة السلطة ، ومن ثم كان الدفع به كي يكون على رأس الحركة التي أطاحت بالملك فاروق بعد مشورة قام بها السياسي المستقل على ماهر باشا ، وضمانات وفرها السفير الأمريكي كافري تمثلت في توديع فاروق توديعا رسميا ، دفع ثمنه هوا الآخر على هيئة تنازل عن العرش لولي عهده حيث كان أقصى ما افلح فيه العسكريون هو النصر على إرادة الجيش في وثيقة التنازل ويومئذ كان كافري دائم الزيارات المعلنة عبر وسائل الإعلام المصري لمسئولي مصر القدامى والجدد ، والأمر ذاته هذه الأيام حين لم يخف المسئولون الأمريكيون على مختلف درجات مسئولياتهم إصرارهم على ضرورة التعاطي الايجابي ، مع طلبات الشارع المصري ، وهي طلبات لخصت من البداية في خروج الرئيس حسني مبارك من رئاسة الجمهورية وإعطائه ما هو في حاجة إليه من الضمانات ، لولا أن الرجل قد عمد الى المماطلة بل ولم يتردد في القول بأنه يرفض الاملاءات الخارجية ، ولا يقبل التدخل في شئونهم الداخلية ، كما لو لم يكن هو الذي كان الشريك الأول في الغزو الأمريكي للعراق ، وكأنه كذلك لم يكن أول من حض صدام حسين على ترك العراق ، ألم يكن ذلك التوجه ضربا من ضروب التدخل في الشئون الداخلية ؟ ألا يعني ذلك التوجه نوعا من الاملاءات الخارجية أيضا ولكن متى أمكن للمرء ان يمنح غيره ما يريد لنفسه ، وماذا يمكن ان يستغرب من رجل لم يجد أي غضاضة في زجر فظ من الرئيس الأمريكي وباللغة الانجليزية بما معناه " اقفل فمك " عندما حاول أن يقول كلمة بشأن الحضر الجوي الذي كان مفروضا على ليبيا في تسعينيات القرن الماضي ؟

ترى هل يمكن بعد هذا العرض أن نقول أيضا ليس غريبا أن تجيء محاولة الخروج من عنق الزجاجة ، وفقا لما طرح السيد محمد حسين هيكل في حواره الفجائي مع الأستاذ فهمي هويدي متمثلا في استحداث مجلس عسكري عام يمكن أن يستلم السلطة من الرئيس مبارك ، فالرجل الذي قدر له أن يكون اقرب من كل مجايليه من صحفي ذلك الزمان عشية أفول نجم فاروق وبروز ضباط الجيش كبديل جديد ، ووجود أكثر من دليل اكتشفه هيكل في حينه – ان جمال عبد الناصر هو الرأس المدبر لتلك الحركة ، والذي تهيأ له بعد ذلك أن يكون على علاقة بكل ما جرى ، و امتلك من ثم أهم الوثائق و الأوراق المتصلة بأحداث المرحلة كافة وما يزال أكثر ممن سواه أكثر قدرة على استشراف المرحلة المقبلة والتي ستظل لفترة طويلة منصرفة الى الشأن المصري أكثر مما عداه على نحو ما جاء في بيانات الملايين الذين غص بهم ميدان التحرير المصري والتي خرجت من أزمة وشوارع مصر ، وقد أدركت أكثر من سواها حجم الفساد المالي والإداري الذي نخر جسد النظام ، ومدى الاستباحة التي طالت كل المقدرات المصرية ، ويشاركها إدراكها هذا على ما يبدو كبار الساسة الأمريكيين ، ان في الإعراب عن ضيقهم من سوء الأداء وخطأ التصرف وتشكيل العديد من المنظمات المختصة بمكافحة هذه الظواهر ، او في التقليل من مخاطر التطرف والإخلال بالأمن ، وغير ذلك مما يمكن ان يترتب على هذه السياسات والظواهر ، فقد ثبت ان كل ما كان ينوء به الواقع المصري جراء سياسة النهب التي شاعت في الماضي القريب قد شكلت أولوية فاقت كل الأولويات ، وان كل تطلع نحو المستقبل ونحو المحيط القومي والإنساني ، لا سبيل الى بلوغه ما لم تبدأ المسيرة من إعادة بناء ذلك الواقع ، من خلال مؤسسات نظيفة وسلطات غير متداخلة او متقاطعة ، بل متكاملة كل التكامل ، يسودها الاحترام المتبادل والأداء الجيد ، وعلى هدى من مرجعية دستورية دقيقة تحدد من خلالها الصلاحيات في وضوح شديد وعلى ركائز سليمة من المشورة المنظمة والقضاء القائم على سلم متعدد الدرجات ، أحكامه ملزمة ، والطعن بشأنها محدد والسليم منها يمثل السوابق الجديرة بالاحترام ولا مجال لتسفيهها من أي كان ، إذ بذلك سيعود لمصر إشعاعها المفقود وتعود لها الثقة التي عصفت بها سنوات الاستبداد وغيبة القانون وتقود الفرد المهيمن على الحياة والناس ، فتسترجع مصر ما فقدت في الحقب السابقة التي ساد فيها التسيب واللهث المخجل خلف المال ، عسى ان يعيش الـمواطن المصري عصرا آخر ، أن عمل في الـداخل وجد في مـوارده مـا يسد حاجته ويغطي احتياجاته ، وان توجه لمحيطه لقي الترحيب الطيب والثقة المطمئنة وان حل الشقيق العربي سائحا او دارسا او مراقبا او لأي غرض كان ملأت وجدانه وبصره مصر التاريخ ، مصر التسامح ، مصر التي بدأت تتلمس طريقها منذ قرن مضى متطلعة لاستقلالها وفي أحيان أخرى طموحها نحو قيادة القافلة العربية بذلك الشعار الخالد " الدين لله والوطن للجميع " حيث لا مكان لتمييز بين أبناء الوطن الواحد في ممارسة العقائد وتأسيس المعابد ودون وجود أي سقف بشأن ممارسة المسئوليات او الدفاع عن الوطن ، مما يعني بصدق ان مصر قد دخلت مرحلة المعاصرة وقدمت النموذج السياسي الجدير بالاحترام والتثمين ولإقتداء ، وتزول الى الأبد تلك الصورة التي كثيرا ما ترددت بشأن الهوة الكبيرة بين الكلام الجميل والفعل المناقض ، وعندئذ لن يقول المصري كفانا من العرب الذين طالما أتعبنا أمرهم والانشغال بهم ، ليأتي الرد الذي كثيرا ما يقول دعونا من المصريين الذين طالما وجدناهم يقولون مالا يفعلون وحينئذ لن تكون ثمة حاجة لكتابة ذلك الشعار الذي صار يعلو شاشة قناة النيل الثقافية الذي يقول " ارفع راسك فوق أنت مصري " إذ يكفي مصر فخرا ذلك القول الخالد " مصر أم الدنيا " أما إذا حل بها من حل فحسبه النص الأخلد  ادْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَاء اللّهُ آمِنِينَ".إنتهى

________________________________

موقع الكاتب والاديب : أمين مازن

  www.aminmazen.com © 2020- 2008

طرابلس - ليبيا

Tel 0913245901