شئون ليبية 2016

..الصراحة راحة

أمين مازن

31-12-2016


منذ أن قُدِّرَ لإنتفاضة السابع عشر من فبراير 2011 أن تهب على واقعنا الليبي و تُنجز فيه ما إستطاعت أن تُنجز بصدد إسقاط النظام الذي دام أربعة عقود كاملة، و تتمكن من ذلك إنطلاقاً من بنغازي و تحت شرعية المجلس الإنتقالي و مكتبه التنفيذي اللذين أُعلِنا من هناك مع دعم دولي جمع بين السياسة و العمليات العسكرية، مما لم نُخفِ تأييده، و ما شهدته تلك الوضعية من تداخل بين السلطتين، و الذي لم يكن في حقيقته سوى التعبير الصريح عن حجم التدخل الخارجي الذي تسلل و تعمّق في وقتٍ مبكر للتجربة الجديدة، الإستفادة الملحوظة من نوعية الممارسة التي سادت طوال ما قبل ذلك التاريخ عندما كان مؤتمر الشعب العام طوال ما قبل فبراير ليس أكثر من مسوغ لتنفيذ الإرادة الأقوى و التي أُصطُلِحَ على تسميتها بالتوجيه الذي يتم الظفر به من خلال مذكرات العرض، و التي بدونها لا يمكن لأي مشروع مُخطط على أحسن الوجوه أن ينال ملِّيماً واحداً للتنفيذ، فقد تبين مبكراً و لمجرد التأكد أن بنغازي قد خرجت من يد النظام و ستتكفل بإسقاطه أو على أسوء الفروض لن تعود إلى سلطته، فإنها في ذات الوقت لن تجد أفضل من أسلوبه في إدارة مختلف الشؤون، فبواسطة المجلس الإنتقالي و شرعيته القيادية التي ظفر بها رئيسه مبكراً أمكن تحجيم المجلس التنفيذي فأمسك الأول بما لا يجب أن يمسك به و لا تسعفه قدراته العلمية للإمساك به لولا أن التجربة قد شُيِطِنَت من البداية و وجد الطامعون فيها من تجربة النظام ما سهَّل المُبتعى من العهد الجديد. و ما تزال أدبيات المرحلة بدءاً من الإعلان الدستوري المُهَلهَل و اليمين الذي أقسم به الأعضاء تحديداً خير دليل على إستسهال الأمور و القصور عن الإرتفاع إلى مستوى المرحلة و ما تستوجبه من التدقيق و ليس المضي في عالم التشويش الذهني و العبث المالي و ثقافة الكسب السريع و الوصول من أقرب الطرق و التضحية بكل شيئ في سبيل مصلحة الذات و من حولها. هي ثقافة إنتقلت بسرعة إلى المؤتمر الوطني المُنتخب على نحوٍ نموذجي، حين لم يكتفِ رئيسه الفاضل بأن يكون رمزاً في حجم الكثير من زعماء العالم فرأيناه لم يسمح لرئيس حكومته و أحد رفاقه ذات يوم أن يمارس صلاحياته الكاملة على الرغم من أن الرئيس الأمريكي قد إستقبله و فاتحه في عديد الشؤون و الشجون، و من الممكن القول أنه وُفِّق في تنفيذ التوجه و حسن إستثماره في ما يفيد العهد لولا أن قوى العبث كانت أسرع عندما قَوُيَّ السباق نحو المصالح الخاصة و الحسابات الصغيرة، فكانت الخسارات متتالية، و لا شك أن هذا ما جعل الذين يخلطون الجد بالهزل لا يُفرّقون بين المؤتمر الوطني العام نتاج فبراير و مؤتمر الشعب العام نتاج سبتمبر و إن غلّفوا كلامهم بالإعتذار، و ما ذلك إلا لأن موضوع السلطة هو الهدف الذي تطلّع لبلوغه كل الشرائع. و من المؤكد أن مثل هذه الثقافة هي ذاتها التي دفعت مجلس النواب الذي يشهد كل ذي ضمير حر بسلامة إنتخابه و وجوب تمكينه من أداء مهامه يسلك ذات السلوك من حيث التمسّك بالصلاحيات التنفيذية العليا و من حيث تسمية الأشخاص لشغل عديد المواقع في الوقت الذي تؤكد جميع مفاهيم الأرض أن مجلس النواب سلطة رقابية و ليس تنفيذية لولا أن الواقع يمتلك السلطة التي تفوق جميع النظريات و أن هذه الحقيقة كذّبت الأيديولوجيا أينما وُجِدت إبتداءً من الإسلام الذي به نُدين أو القومية التي بها نتحمّس أو الماركسية التي بها نطرب، أي أن هذه الصيغ مجتمعة لم تكن سوى التعبير الحقيقي عن الواقع و تناقضاته و تشكيلاته و قوة الضغط فيه و الرامية من حيث تقصد أو لا تقصد إلى التسطيح و التشويش و سوء الأداء، و السير على نظرية الغاية تبرر الوسيلة، أو ما يُطلق عليه وضع العربة أمام الحصان، و من هنا فإن القول بأن مجلس التواب ينبغي أن يتولى قيادة القوات المسلحة خشية المساس بمن أدّى المطلوب منه على الوجه الأكمل هو قول مضحك أو محزن إذ أن الخوف من إستئثار سلطة من السُلَط أو إستغلالها في الإساءة نحو من لا يستحق الإساءة بل يستحق التقدير، يمكن تلافيه عن طريق الإعلان الدستوري المقرر تعديله قبل إقرار إتفاق الصخيرات و منح الثقة للمجلس الرئاسي و حكومته، فيحتفظ هذا المجلس بالبت في عدد من الناصب القيادية كالمحكمة العليا و ديوان المحاسبة و القيادة العامة للقوات المسلحة و مثل ذلك الأمن أي كل ما يضمن التوزيع و الحيلولة دون التهميش خاصة و أن الأهلية متوفرة في عديد الليبيين و مناطقهم أيضاً. و حبذا لو يُصار إلى إعتماد ميثاق وطني يمكن إرفاقه بالدستور و ربما يسبقه، يُنَصْ بمقتضاه على الحيلولة دون التهميش لأي طرف من الأطراف الثلاثة التي تُكوِّن ليبيا تاريخياً و بموجبها قررت الأمم المتحدة إستقلالها، بحيث لا يكون مصطلح الوحدة مبرراً للإستئثار بأي وجه من أوجه النفع، فالقول بأن ليبيا واحدة لا يُمكن أن يُبرِّر لأقليم من أقاليمها لأن يحتكر المال و السلطة، إن جاز التفريق، أو أن يترتّب على الدور في فبراير حق الأسبقية في شغل المواقع، كما أن التمترُس في المواقف بقصد الإستئثار و التعويل على مبدأ الأمر الواقع و ترسيخ الإنقسام مع رفع شعار الوحدة فليس أكثر من المغالطة المكشوفة و إكراه الكثير من أبناء الوطن كي يذهبوا إلى الخيار الأسوأ. و كما أن بلادنا ذات مساحات شاسعة من حيث الأرض و مقومات النمو، إلا أنها من حيث التكوين السكاني - كما يحفظ المسح السكاني الذي أنجزه قبل قرن مضى الإيطالي فولبي في كتابه عن طرابلس و برقة - يحتوي على كل ما يؤكد قوة التواصل بين قبائل ليبيا شرقاً و غرباً و جنوباً و كذا إمتداداتها خارج الحدود و بالتالي فلن يصعب على أي مراقب أن يكتشف طبيعة الإختيارات المُتبعة على مختلف الصُعد، بمعنى أن ليبيا بقدر ما هي شاسعة إلا أنها واضحة و من اليسر، كل اليسر معرفة الخلفية التاريخية و مثلها الجهوية لأي إسناد أو تمكين و ما من طرف من الأطراف إلا و له من الإمتداد و العلاقات و أسباب القدرة ما يُؤهله للدفاع عن مصلحته، و الجهر بما يستشعره من الغبن، و ليس السكوت دوماً علامة الرضا، و ما من سر يمكن أن يُحفظ لأكثر من إثنين و سبعين ساعة كما حدّدت مراكز البحث الأمني منذ سبعينيات القرن الماضي، ما بالك في زمن الشبكة العنكبوتية و توفّر الهواتف النقالة في أيدي الأطفال، و قبل ذلك النساء و الرجال، و عندما نتذكر كل هذا مع الذكرى الخامسة و الستين لإستقلال ليبيا و يتخذ الكثيرون من الذكرى مناسبة لكيل المديح لذلك الماضي مع وجود هذه السلبيات فلا نملك إلا نذكّرهم بذلك و نقول كما قِيل الصراحة راحة.إنتهى


_______________________________


أعطي المريض ما في شهوته

أمين مازن

18-12-2016

لأن الولاء كان هاجس جيل الآباء الأول منذ آخر محاولة من محاولاتهم العملية التي جرت أثناء الحرب الكونية التي قبلوا فيها العرض البريطاني الرامي إلى إشراكهم في معاركها التي إنطلقت من المهجر المصري لتدخل الصحراء الليبية الشرقية و ما رافقها من مناورات بشأن تشكيل المجلس الإستشاري الذي طالب به البعض الأمير إدريس و قَبِلَ بتشكيله بعد الكثير من الأخذ و الرد، فإن من يتابع الأحداث التي تلَت تلك الأيام و لا سيما عقب قرار الأمم المتحدة و الوصول إلى مرحلة الحكومة المؤقتة و توزيع حقائبها و إختيار شخصية رئيسها و قيادة جيشها و قوات أمنها، عندما فرض هذا الهاجس ذلك الإنحياز المكشوف إلى قوة دفاع برقة من حيث إختيار الأفراد و التسليح و القايد العام، حين سُمّيِّت هذه القوة بقوة الدفاع و ليس الأمن، و ظلت رتبة قايد هذه القوة أكبرمن قايد الجيش، و فيما كان المسئول عن الدفاع يُلقب بالقايد بقى الجيش محصوراً في رئيس أركان، كما أن الحاشية الملكية المُتمثلة في ناظر الخاصّة و رئيس الديوان تتمتع بالثقل الأكبر أمام رئيس الوزراء الذي يُعتبر الشريك الأول للملك بل و رئيس سلطته التنفيذية الذي لا معدى عن توقيعه عل كل ما يتعلق بشئون الدولة كما حكمت المحكمة الدستورية في أول خلاف دستوري، و أفتَت قبل ذلك إدارة الفتوى كما تحدّثَ ثاني رئيس لوزراء دولة الإستقلال مصطفى بن حليم و هو يسرد أحداث المرحلة و يدفع بالكثير من المبررات المتعلقة بالخروق الدستورية و كذا الإجراءات الإستفزازية التي إستهدفت أول رئيس للوزراء حاول أن يُرسِّخ مثل هذا التقليد، و كان أن أُستُدرِجَ والي فزان المجاهد أحمد سيف النصر بما له من سابقة جهادية ليُجاهر بموقفه العدائي لرئيس الوزراء قصد التأثير على هيبته.

إنها المواقف التي دفعت رئيس الوزراء إلى الإستقالة و فتحت الطريق نحو إعتماد مبدأ الولاء و ليس الإحتكام إلى الوفاق و مراعاة الجغرافيا و الدور في مسيرة الأحداث، إنه التقليد الذي جسّده عدم إستقرار السلطة التنفيذية طيلة الثمانية عشر سنة التي هي عمر دولة الإستقلال لم يتجاوز فيها السنتين سوى السيد حسين مازق، و في ظروف شهدت التعاون مع الحاشية، و ليس تلك التي سادت عهده في ولاية برقة و إصراره على رفض الرغبات المتعلقة بالأملاك عندما كان من أعوانه حسين المبروك زيدان و عمر بن عامر، و قد إمتد هاجس الولاء بشأن الجيش و تسليحه و كذا قيادته، لولا أن الترتيبات الأكبر حين أُريدَ لها أن تكون سهّلَت الطريق أمام أصغر التنظيمات العسكرية السرية كي تُحقق مهمة إسقاط الحكم مع وجود القواعد و المعاهدات، و ما ذلك إلا لأن المعاهدات حين تريد، تكون نعم العون، و ليس الحاجز المنتظر. و مثلما كان هاجس الولاء المحرك الأول في العهد الملكي فقد كان أطول من ذلك طوال العقود الأربعة التي عولت على تعطيل الجيش و حصره في لواء أو أكثر بقليل لحماية العهد و الدفاع عنه و هي المهمة التي تحققت بإمتياز لولا أن الزمن قد دار دورته و الزلزال قد إكتملت شروطه فكان ما كان مما إستبعده الكثيرون و لاسيما الذين دخلوا بيت الطاعة و قبلوا عروض التسوية و تجاوزوا من فَضَّل البقاء من البداية، لقد كان الثمن باهظاً بدون شك و كان القبول بالآخر مُرّاً بلا جدال، و لكن السياسة دائماً تقوم على مبدأ المغامرة و الإجتهاد في قبول أخفّ الضررين، و لو بالصمت و عدم الإفراط في التفاؤل، و كان الولاء مرة أخرى سيد الموقف و الخوف من عدم توفره إقتضى من عديد القادرين على التضحية بما هو أهم.، و قد وجدوا في التمسّك بالسلاح و الإصرار على إقصاء الجميع و الحيلولة دون أي تسليم منظّم و جندية محترفة، إن على مستوى الأمن أو على مستوى القوات المسلحة، ليستمر التردّي إلى الحد الذي طال لقمة العيش و الطاقة و أخيراً الماء، و يجوب الليبيون الكبار مشارق الأرض و مغاربها مؤتمرات و ندوات ليس للذهاب إليها من مُبرر، سوى الحرص على السفر و مزيد الإستفادة من فُرص الكسب المادي و المعنوي، و إطالة المدة في البقاء على سُدة الحكم ، حتى أن السيد كوبلر يقرر أن مدة السلطة المترتبة على إتفاق الصخيرات، تبدأ بعد إعتماده من مجلس النواب، فإذا ما لاحظنا أن إلتئام المجلس المذكور بالنصاب المُقرر، يبدو من الأمور البعيدة، فإن ذلك يعني أن الفترة ستُمَدد و تُمَدد، و لا أحد يمكن أن يُوقفها، خاصة و أن كل شيئ للمُمسكين بالسلطة يُنَفّذ اللهم إلا ما يتعلق بمصالح الليبيين، من تأمين عيشهم أو خدماتهم، أو حتى تمكينهم من الإستفادة بأموالهم التي وضعوها في مصارفهم، و أخيراً ها هم يُعلنون عن تشكيل الحرس الذي ألقوا عليه الرئاسي و تحت مشورة أجنبية، و هي الصيغة التي سبق أن عُرِضت مُذ أول حكومة شُكِلت عقب إنتخاب المؤتمر الوطني الذي نتَج عنه تأجيل دور القوات المسلحة أو الإذن لضباطها و أفرادها الذين يبلغ عددهم عشرات الالاف بمباشرة عملهم، و كانوا جميعاً مجردين من السلاح عندما كان السلاح محتكراً من لواء محدد رُوعَِّي فيه مبدأ الولاء قبل كل شيء. و ما كان التأجيل المشار إليه أن يجد ما يسوغه بإستثناء هاجس الولاء.

بقىِّ أن يكون واضحاً أن الولاء الذي يحرص عليه المجلس الرئاسي ليس من سبيل إلى ضمانه أو حتى التعويل عليه ما دمنا نحتكم إلى سوابق الأمور و قاعدة حسب البدايات تكون النهايات، و ما دامت البدايات الآن تحدث مع الدبلوماسي سيرا و التدريب سيكون نوع منه أو جزء منه بواسطة الأمم المتحدة و التي أناطت إشرافها بالدبلوماسية الإيطالية، فإن تحديد حجم الولاء هذا و صدقه و فاعليته سيكون في متناول المشرفين عليه و ليس الذين قرروه، و مع ذلك فإن كل تدبير يَلُوحْ معه الأمل في نزع السلاح من هذه الأعداد الكبيرة التي تملأ مدن و قرى ليبيا هو المطلب الأكبر، فنحن على هيئة غرقى و إذا كان الغريق يتعلق في لحظات يأسه بقشة، فربما تكون هذه المحاولة أكثر جدية، و قديماً قِيل "أعطي المريض ما في شهوته و إدعي له بالشفاء".إنتهى



_____________________________

..الخوت بينهم وثّق الحُب و زيده

أمين مازن

25-11-2016


ربما تكون المساعي الحميدة التي بادر ببذلها الكثير من أعيان و شيوخ القبايل الليبية إزاء الإقتتال المسلح الذي إندلعت نيرانه منذ يومين أو أكثر بين قبيلتي أولاد سليمان و القذاذفة بمدينة سبها و راح ضحيته حتى مساء الثاني و العشرين من نوفمبر الجاري واحد و عشرون قتيلاً و ضعفي هذا الرقم من الجرحى الذين تراوحت جروحهم بين البسيطة و المتوسطة و الحرجة، قد بعثت شيئاً من الأمل في إمكانية التوصل إلى حل من الحلول الكفيلة بإتهاء الحرب أو وقفها على الأقل، فكل الأنباء التي تتناقل من تلك الربوع تؤكد حرص الجميع على الخروج من مأزقها الذي لا يُنذِر إلا بسيئ المضاعفات خاصة و إن لكِلاَ القبيلتين من الإمتداد الذي سيمتد بها إلى أبعد من سبها بكثير.

و كانت الفتنة قد إنبعثت بين القبيلتين كما هو الحال في عديد المدن و القبايل الليبية عقب إنتهاء معارك السابع عشر من فبرايرالتي توقفت بسقوط النظام السابق و إنصراف الأطراف المختلفة ألى ما بعد الأقتتال و الشروع في تسيير البلاد، و هو الإقتتال الذي كان معظم أولاد سليمان هناك لهم موقفهم الخاص، أي أن الإحتكاك بين الطرفين لم يحدث إلا عقب قيام النظام الجديد و توارد الأنباء عن أن المواقف قد تقاطعت و التقديرات إختلفت، الأمر الذي لا ينسجم مع أحداث التاريخ التي طالما أكدت وحدة القبيلتين و حضورهما في قلب أكثر من صراع مسلح عبر التاريخ الليبي و ما شهده من أحداث في آخر العهد التركي، عندما قاد عبدالجليل سيف النصر أو عبد الجليل القارة كما هي الشهرة ذلك التمرد المنفرد مسنوداً من القبايل العربية المعادية للأتراك الغزاة و من يمُت لهم بصلة و التي ضمّت ضمن ما ضمّت القذاذفة و ورفلّة و غيرهما مما عُرِف تاريخياً بالصف الفوقي و الذي إمتد إلى سنوات الجهاد التي كان أبرز قادتها السيد أحمد سيف النصر الذي أبلى في جميع معاركها البلاء الحسن، حتى إضطر للهجرة جنوباً إلى أن حان موعد الرجوع فكانت مفرزته التي دخلت فزان مع القوات الفرنسية ليكون لاحقاً شريكاً في بناء دولة الإستقلال، فيضطلع بمنصب والي فزان، حيث لِقبايل القذاذفة و ورفلّة و الزنتان حظهم الأوفر في تلك الولاية لوجود السيد أحمد و حوله المشاهير من أسرته فكان شغلهم أبناء القبايل المذكورة لعديد الوظائف الإدارية و الأمنية الأمر الذي لم يكن موضع ترحيب من أبناء فزان و الذين لم يُخفوا ضيقهم و لم يترددوا في المُجاهرة بمعارضتهم كما تشهد الكثير من الوثائق و لاسيما جلسات المجلس التشريعي لولاية فزان التي طالما شهدت أكثر من هجوم على سياسة حكومة الولاية السالكة هذا الدرب كما تذكر المؤلفات التي أرّخت للمرحلة الكثير عن هذا التوجه و يكفي أن فكرة العمل لتغيير نظام الحكم قد بدأت من سبها كما أن السيد محمد سيف النصر و قبل أن يُلقَى عليه القبض من طرف سلطات سبتمبر كان شديد الفرح بالحدث و من قاده كما يذكر ناظر المواصلات بولاية فزان السيد الشريف الهوني الذي بقي عل تواصل مع محمد سيف النصر طيلة بقائه في السجن و إلى حين وفاته و تسليم جثمانه لأهله، و لم يكن يخطر عل باله بدون شك أن السجن سيكون مصيره و تكون ثاني محاولة إنقلابية أعلن عنها العهد سنة 70 و تصدر بشأتها الأحكام و لم تظهر أسرارها بعد، رغم مرور سنوات خمس على زوال العهد، و قد وُصِفت يومئذ بمؤامرة الجنوب. و بالجملة فمثلما سخّر أولاد سليمان، مُمَثلين في آل سيف النصر ما إمتلكوه من السلطان في الأخذ بإخوتهم القذاذفة أثناء حكمهم لفزان كولاية و وزارة الدفاع التي إستلم حقيبتها السيد سيف النصر عبدالجليل و هو التاريخ الذي دخل فيه معمر القذافي إلى الجيش و كان من بين المجموعة التي خططت للإطاحة بنظام الملك إدريس و تَبَوَّأَ فيه السيد محمد قذاف الدم قيادة القوات المتحركة ببوليس فزان و فاز فيه الزناتي محمد الزناتي في الإنتخابات النيابية بسرت بدعم غير عادي من السيد محمد سيف النصر، فإن القذاذفة من جهتهم لم يبخلوا بالكثير على إخوتهم أولاد سليمان، حتى أن القذافي لم يتردد في أستقبال الكثير من آل سيف النصر و محاولة التواصل معهم، و إن كان هناك من بقى مُتصلّباً إلى أن زالت سلطة القذاذفة و تضمهم من ثمة مدينة سبها التي شهدت إحتكاكهم أكثر من مرة حتى كان هذا التطور غير المسبوق و الذي غدا مُهدِداً لهم في أمنهم الشخصي و كذلك حقهم في المواطنة فضلاً عن السلطة، مما يعني أن كبار القبيلتين و قبل أن ينتظروا المساعي الحميدة من هنا أو هناك، ليس لهم إلا أن يجلسوا لعقولهم، و يُراجعوا البقية الباقية من عقولهم، حتى لا يلعب بهم سفهاؤهم و يستدرجهم الغير إلى حيث لا يجب أن يُستَدرَجوا فلن يكون أي منهم ملوماً أو مهزوماً إذا تسامح في حق أو قبِل بصُلح غير مُتكافئ، أما الخسارة الحقيقية و التي لا يمكن أن تُعوض و ستطال الطرفين أولاً و المحيط ثانياً و الوطن أخيراً فتلك المُتمثلة في التشدد و حرق المصالحة و الإصرار على الثأر و لهم في قول الشاعر الشعبي قبل أكثر من نصف قرن خير ناصح :

الخوت بينهم وثّق الحُب و زيده ... الخير أفتحه و الشر كن مغلاقه

و ليَّام لا تامَن قلال عقيدة ... و لا تنخدع بلسان حلو رياقه.إنتهى



______________________________

عُضَّ قلبي و لا تعُضَّ رغِيفي


أمين مازن

19-11-2016


و لقي لقاء مالطا مثل ما سبقه من فشل لقاءات فريق الحوار الليبي، الذي إستطاع تشكيله الوسيط الدولي ليون، بمواصفات أفلح يومئذ في تحديدها و مؤثرات دولية أحسن مراعاتها، فإختار له أي الحوار منتجع الصخيرات بالمملكة المغربية، بوصفها البلد العربي، ربما، الأكثر قُرباً مما يمكن أن يُطلق عليه مسئولية الموقف المحايد إزاء الصراع الذي شهدته ليبيا منذ السابع عشر من فبراير 2011 ضمن ما  أُطلِق عليه الربيع العربي، و الذي لم تسلم منه المغرب هي الأخرى لولا أن تعاملها معه كان أكثر وعياً و إستعدادها لإستيعابه كان أوفر حظاً، فلم يُصبها من سلبياته ما أصاب غيرها، فمرَّ بها مرور الكرام، و إستمرت خطواتها التنموية على مختلف الصُعد في إتجاه الأَمَامْ، على أن صِفة الحياد هذه تكتسب صدقيتها من عدم وجود حدود ترابية بين البلدين يمكن من خلالها أن ينشط تهريب السلع أو أي نوع من أنواع الممنوع أو المكروه و أخيراً الضار. فكانت إذاً أي المغرب جديرة بإعلان الإتفاق، و إن لم تَسِر الأمور كما كان متوقعاً لها و وقَفَ دون التنفيذ أكثر من عائق توجب إستئناف اللقاءات في أكثر من مدينة، ليأتي في النهاية دور مالطا و ينعقد لقاء عاصمتها فاليتَّا، وسط أمل عريض في إمكانية الوصول من خلاله إلى نتائج أفضل لولا أنه ظلَّ مراوحاً حيث هو، الأمر الذي عبَّرَ عنه عدم وجود أي بيان محدد اللهم إلا الإعلان عن موعد الإجتماع القادم و الذي قِيل أنه في حدود شهر على الأكثر. هو تأجيل يفرضه أكثر من حافز، غير أن أقوى الحوافز بدون شك حرص الوسيط الألماني كوبلر على إستمرار الحراك في حدود الإتفاق المُشار إليه و الذي أمكن من خلاله تمرير حكومة الوفاق المُقترحة، و التي إستطاع الديبلوماسي الماكر أن يضمن لها الكثير من المشروعية بواسطة الدعم الدولي و إن لم يُوقِف الحكومة المؤقتة، بل و لا إنبعاث ما يسمى حكومة الأنقاذ، و يكاد يُفلِح في الدفع بما أطلق عليه مجلس الدولة الذي يُفترَض - حسب مشروع الإتفاق - أن يكمِّل مهمة مجلس النواب في التشريع فيصادق على ما يقرره، و إذا به يوشك أن يتحوَّل إلى مُشرِّع، بحُجّة ملء الفراغ. إنه الحراك الذي قد يفيد المُسهمين فيه مباشرة، و لكنه يبقى مراوحاً حيث هو بالنظر إلى ما يتوفر عليه المسلحون من الدور الحاسم فوق الأرض، جراء ما بأيديهم من أسباب القوة و أنواع الدعم و سلطة الأمر الواقع، الذي جعل البلد مُقسّمة بإمتياز و أتاح الفرصة لبعض المؤسسات - و لا سيما الإعلامية و الثقافية - أن تتحوَّل إلى إقطاعيات بأيدي مُسيريها، و يكفي التنبيه هنا إلى ما يسمى هيئة دعم و تشجيع الصحافة و ما تشهده من أردأ أنواع التسيير و سوء الإستغلال و مع ذلك تبقى الأرض أكثر قدرة على التأثير في كل شرعية من الشرعيات، فها نحن نرى الأعضاء الذين إنسحبوا من مجلس الرئاسة يستأنفون نشاطهم من جديد و تستقبلهم الأوساط الدولية في أكثر من مكان مجاهرين بإعتراضهم على الكثير من مخرجات الصخيرات و ضرورة تعديله وفقاً لما يتبنونه من رؤى، و يحمله هو من تحاصص مُُشوَّه، و أكثر من ذلك رأينا من يطلب من الجهات الرقابية جهاراً نهاراً أن تُوقِف بعض القرارات المتعلقة بالإحلال على وجه التحديد، و تُصدر أخرى يظهر من خلالها السعي نحو الإستيعاب و إصلاح ما أفسد سوء التوزيع، فيوضع الصوت المعترض أمام أسوء الإختيارات، فإما أن يُعدِّل الموقف إزاء ما لُوِّحَ به طُعم أو يمضي في الإصطفاف الأصلي ليُصار إلى التعديل الأكبر أو الأكثر توازناً كما ألمح بعض المستقيلين الجادين إلى جانب الذين ما يزالون يفضلون الكفّ عن المشاركة ليقينهم بأن الصدقية ما تزال منعدمة و أن الشخصنة  و ما في حكمها سيدة الموقف. بل و لا يترددون في وصف بعض التحركات بالتآمر عندما يتحدثون عن نجاح البعض في تفريخ المزيد من المليشيات الرامية لتمزيق وحدة بعض القبائل لأن كل من يحمل السلاح و يظفر بالتمويل لن يتردد في إعماله ضد مَانِحِيه كلما توفر العرض الأسخى من الأثمان المادية و السياسية، فإذا ما وضعنا في الإعتبار ما قد يترتب على فوز ترامب في معركة الرئاسة الأمريكية في إنتهاج سياسات أكثر حزماً و أدعى إلى تصفية بعض الحسابات الأمريكية المُعلّقة كمقتل السفير الأمريكي في بنغازي و مسئولية كلِنتون التاريخية فإن إحتمال تعرُّض بعض الأطراف لمواقف أكثر شدة و تدخُّل في الشأن الليبي أكثر جرأة لاسيما و نحن نشهد هذا التدَنِّي المُحزن في قيمة الدينار و صعوبة الحصول عليه من طرف المصارف بما في ذلك مُدخرات الناس ناهيك عن مرتباتهم، فإن كل إجراء لا يتكفّل بحل مثل هذه المشكلة و ما في حكمها سيجعل كل حديث عن الإستقلال و السيادة و غيرهما من قبيل اللغو الذي لا فائدة من ورائه ،ولا غرو، فقد قِيل منذ الأزل : عُضَّ قلبي و لا تعُضَّ رغيفي.إنتهى



______________________________

الأمان ليس غير..الأمان ليس أكثر

أمين مازن

28-10-2016

إستطاع المتحدث الإعلامي، في معرض إجابته على أسئلة مذيع الفضائية المشهورة بإحتراف التأجيج حتى ليكاد ذلك المذيع أن يضع الكلمات على ألسنة ضيوفه، أن يشيد بالجدوى المُنتظرة من إتفاق عدد من المجالس العسكرية في غرب البلاد و هي تتعهد بالتحرر من التجاذبات السياسية و المناطقية التي دمرت هذه المنطقة الواسعة من الوطن و صارت تُعطّل أي حراك مُثمر. فقررت في إجتماع ضم هذه المجالس التي من بينها الزاوية و صرمان و نالوت و الزنتان و غريان و الرجبان و العزيزية و غيرها أن تنأى بنشاطها عن أي مؤثرات لا تُغلِّب مصلحة الوطن و لا تصون دماء الشعب الليبي في أي تحرّك تقوم به، الأمر الذي دفع المتحدث بالإشادة بهذا الإتفاق خلافاً لما حاول المذيع المُؤدلج المشهور شأن بقية زملائه بالإنحياز الفج.

لقد وردت هذه المعلومة ضمن ما تناقلته الصحافة من عديد الأخبار المُتعلقة بالشأن الليبي مثل تصريحات كوبلر بشأن إتفاق الصخيرات و ما يشهده من تعطّل و يتهدده من مخاطر إذا ما حلّ الشهر الثاني عشر من هذه السنة التي سينتهي معها الأجل القانوني لمجلس النواب، و كان قد إنتهى قبل ذلك عمر المؤتمر الوطني و مثل ذلك بالطبع الهيئة المكلفة بوضع الدستور، حيث يكون الفراغ هو سيد الموقف، كما تحدثت به كذلك الصحف الأمريكية المؤثرة حول ما يشهده الرأي العام من إزدياد حجم المعارضة للإتفاق المُشار إليه و إعتبار التوجه إلى تعديله أو طرح بديل آخر و راعٍ آخر يمكن أن يكون أكثر جدوى، الأمر الذي يصب في مجمله إلى عزم المراجع الفاعلة على تغيير ما سبق أن طَرَحَت، ربما على ضوء ما يشهده الإقليم في مجمله من متغيرات و ما يمليه من تعديل في قواعد اللعبة، مما يستوجب على الفرقاء الليبيين أن يثوبوا إلى رشدهم و يعلموا علم اليقين أن كل رهان على تطويل الأزمة الليبية بقصد إستغلالها لن يكون مُتاحاً بإستمرار و أن كل صيغة يلوح منها تَحَقق القدر الكافي من الأمن، قد تكون الأقدر على الفوز بموافقة الناس القادرة أكثر من غيرها على الشرعنة.. نعم،فحين تطرح أمريكا بواسطة صحفها المؤثرة و المعبرة في أحيان كثيرة عما يُبَيَّت من إجراءات، بأن إتفاق الصخيرات فقَدَ أكثر مؤيديه الليبيين و إن نسبة المعارضة غدَت تدفع بما سواه، و أن معركتها مع الإرهاب في ليبيا ستطول و أن من سيحكم سرت مستقبلا مايزال قيد البحث و أن المُتحصنين داخلها و إن نَقُصَ عددهم قد تستمر مقاومتهم، و عندما يرتفع الحديث عن الحاجة إلى مؤسسة عسكرية قوية و موحدة، و يتأكد على أكثر من صعيد أن العبَث بتلك المؤسسة و زميلتها الأمنية لم يكن بمحض الصدفة، و ليس بمعزل عما يجري في بلدان الربيع العربي، و لا خارج الصراع المُحتدم على مستقبل ليبيا بعد القذافي، و إذا كان المجلس الرئاسي الذي إستطاع برناردينو ليون أن يمرره بتلك الصيغة الهجين التي لم تُنصِف ليبيا الواحدة أو الإتحادية و لم تتنزّه عن تأثير العلاقات الشخصية و توظف المناطقية لخدمة الأيديولوحية، كل ذلك و هو يصرّح بأن ليبيا تتجه إلى أن تكون في عِداد الدول الفاشلة، و إن كان السيد كوبلر الذي يجوب الكرة الأرضية شرقاً و غرباً مخترعاً الصيغة تلو الصيغة والقارة تلو القارة لتدبير المخارج للأزمة الليبية و آخرها السيد أبو الغيط الذي يريد هو أيضاً قطعة من الهبرة فيدفع بالجامعة العربية مع الإتحاد الأفريقي، فتتحول ليبيا إلى حارة " كُل مِن إيدو إلو " كما يقول "غوّار" في مسلسلاته المشهورة التي كان شعارها الأول و الأخير شر "شر البلية ا يُضحك".

و مع ذلك فإن مجرد الإتفاق بين هذه المجموعة من المجالس على تجنّب الإنجرار للصراع المناطقي و التجاذب القبلي في هذه البقعة الكبيرة من الأراضي الليبية ليتمكن المار بها شرقاً و غرباً أن يستشعر الأمان و السلامة من آثار الهوية، يشعر بالكثير من الأمل في أن يسود الأمان، الأمان ليس غير.. ليس أكثر.إنتهى



________________________________

ماذا بعد لليبيا في الأمم المتحدة

أمين مازن

24-9-2016


شرعت الجمعية العامة للأمم المتحدة في عقد إجتماعها السنوي الذي يستغرق عدة أيام و يشارك فيه عادة رهطٌ كبير من رؤساء الدول و الحكومات، طبقاً لما سيُطرح من موضوعات و يترتب من لقاءات فينفض كلٌ بما لديه من آراء بشأن المطروح بجدول الأعمال، و لا سيما القضايا الأكثر سخونة إن صح التعبير. و سيكون من بين ما يُطرح للبحث ملفنا معشر الليبيين و هو الذي بقى فوق الطاولة لأكثر من سنواتٍ خمس، و يشهد هذه الأيام المزيد من التوتر إثر المعارك التي إندلعت حول الموانئ النفطية و مسئولية حراستها التي إتخذ منها إبراهيم الجضران فرصة غير عادية للكسب المادي و حتى السياسي و بالذات عقب إتفاق الصخيرات و ما ترتب عليه من تطور في الموقف الدولي، و قد ذكرت الأنباء أن رئيس المجلس الرئاسي المقترح سيكون أحد المشاركين في هذا الإحتماع لإلقاء كلمة ليبيا، إعتماداً على الإعتراف الدولي بهذا المجلس كمُمثل وحيد لليبيا و هو حضور تستبشر به أطراف و تضيق به أطراف أخرى، و سيكون الحديث عن الأحوال في ليبيا مثيراً للكثير من التجاذبات و الكثير ن المماحكات، و سيستمع المجتمع الدولي للكثير عن الأحوال الليبية، خاصة و إن مجلس الأمن الذي عَقدَ في الآونة الأخيرة إجتماعاً لبحث الوضع الليبي أنهى إجتماعه دون أي قرار في الخصوص، فتبين أن الطرف الروسي الذي لم يُخف إعتراضه على الكثير مما جرى و الذي صار متناغماً مع بعض الأطراف العربية المتماهية مع بعض القوى أعطت المؤشر عن الموقف الروسي فأُستُبعِدَت فكرة التصويت، فيما عبّرَت تصريحات رئيس المجلس الرئاسي المُقترح عن رفضه لأي موقف من شأنه الدفع بأي ليبي كي يحارب أخاه الليبي عن شيئ من الفِطنة لإحتواء الموقف و التطلّع إلى المضي نحو الوفاق و الزهد في زيادة التأزيم و الإنحياز غير المفيد.

و إذا كانت سوابق التاريخ تحفظ أن ليبيا التي عرفها المجنمع الدولي عقب الحرب العالمية دولة مستقلة بموجب قرار الأمم المتحدة و من أقاليمها الثلاثة و بترتيبات شملت إستطلاع رغبتهم و التأكد من قبولهم لشكل الدولة و دستورها و تكليف أحد الخبراء الدوليين لإسداء ما كانت في حاجة إليه من النُصح، و أن نظامها الإتحادي أُلغيَّ بالضغط الدولي (الأمريكي خاصة)، و الأمر ذاته بالنسبة لإسقاط النظام الملكي، و حماية النظام الذي قام على أنقاضه لينعم بالإستقرار لعقود، و لم يُؤذَن بإسقاطه إلا ضمن ترتيبات شملت المنطقة كَكُل، و كم هائل من الممارسات التي وصلت إلى تمزيق ميثاق المنظمة الدولية في وجه رئيسها الذي إستلم مهمته بحكم الهوية الليبية و أُسنِدَ إليه الموقع فيما يبدو لكونه قادر على إستيعاب ذلك التصرُّف غير المسبوق و يكون البديل في النهاية ما يكابده الناس من ضنك العيش و إنعدام الخدمات و ثروة تُعَدّْ بالمليارات فتبلغ الرواتب ما لا يقل على خمسة و تسعين بالمائة من الإيراد العام و الذي لا يُؤمَّن منه سوى الربع، هذا فضلاً عن فوضى السلاح و التقاتل في كل مكان فإن الحديث في الأمم المتحدة حول الشأن الليبي لن يزيد فيه حضور رئيس المجلس الرئاسي المُقترَح و من يرافقه و من يمكن أن يلتقيه هنا أو هناك، فالفشل هو سيد الموقف و الخطاب الإعلامي السطحي و الفضائيات التي لا تصنع سوى التأجيج و الحديث المُضحك عن السيادة المُنتهكة و التشدُّق برفض التدخّل الأجنبي في الوقت الذي يُدرك القاصي و الداني أن كل ما يجري ليس براء من التدخّل الأجنبي، و أن الأجنبي هذا يعلم ما يخطر بالبال و ما لم يخطر، عن الأموال التي نُهبت و المعدات التي تُهرَّب و تُباع في أكثر من سوق عربي و مثل ذلك السلاح الذي دفع بعض الأشقاء إلى بناء الجدارات العازلة و التي ستوفر الشرعية لِما أُقتُطِع من مساحات مع أنها لم تُرَسَّم في أي يوم من الأيام التي مضت و تُعتبَر من الأمور المُؤجّلَة لولا هذه المُتغيرات المزعجة بل المُخيفة.

إن الجمعية العامة للأمم المتحدة و هي تشرع في عقد إجتماعها السنوي الذي سبق أن عُقِد في مثل هذه الأيام سنة 1949 و شارك فيه وفدٌ جَمَعَ نفقات سفره من بعض الجيوب الخاصة و الذي تُوِّج بصدور قرار الإستقلال قبل نهاية ذلك الخريف، و تكون ليبيا المُنتظرة أفقر دولة في العالم ها هي تجتمع اليوم و في جدول أعمالها الأوضاع في ليبيا، ويشارك فيها مسئولون يمكن أن يقتصدوا أو حتى يوفروا أي صرف بإستثناء مخصصات السفر و السيارات و الحراسة و المرتبات التي تصل إلى عشرين ضعف للمُستَخدَم الواحد، و سيكون فيها من الحديث المعلن و الآخر الثنائي الذي سيطالها أرضاً و بحراً و ثروة و بشراً يحلمون بالمعجزة مع أن زمن المعجزات لا وجود له في عالم اليوم.إنتهى



______________________________

كلٌ يدّعيِّ وصلاً لليلى ..... و ليلى لا تُقِرّْ لهم بذاك


أمين مازن

14-9-2016

قبل أن تكتظ بلدة نالوت، المدينة الجبلية الحاضرة أبداً في تاريخ شعبنا قديماً و حديثاً، بهذا الحشد الكبير من الليبيين الذين وصفهم من دعوهم بالحكماء و الأعيان و الناشطين في عديد المجالات، كما تحدثت معظم الفضائيات الموسومة بأسماء ليبيا أو مُعبرة بإنحيازها بما يُُثبت ذلك، بدعوى الحديث في موضوع المصالحة الوطنية، المطلب الذي طالما قيل حوله الكثير، و لم يُفعل سوى الأقل من القليل، فإن السؤال الذي يحاصر كل من يتابع ما يجري في واقعنا المحزن بمسئولية، و يسعى إلى تناوله بوعي هو بالتحديد القدر الكافي من المكاشفة التي ترفض أن يكون الحديث بضمير الغائب و تعليق المسئولية على المجهول شعوراً منها أن ذلك لا يعني سوى إستمرار الأزمة و أن وهم الإنتصار لأي طرف من أطراف الصراع أو إدعاء إمتلاك الموقف الأصوب لا يعني سوى المضي نحو المناورة و لعبة الإنحناء للعاصفة ريثما تحين لحظة الإقتصاص للذات. و الذات كما هو معروف لديها من المكابرة ما يحول دونها و دون الإعتراف بالخطأ و لا سيما ذلك الإعتراف المشوب بالإذلال، فضلاً عن أن الأمور التقديرية يستحيل الجُرم حولها و لو وجدت المعايير الثابتة و حتى الحُجَجْ الشرعية، ما بالك أن الكثير من هذه الحُجَجْ التي خُيِّل لهذا الطرف أن يتخذ منها سنداً للحُكم بإدانة خصمه هي ذاتها التي أوقعته في منتصف هذه الحقبة تحت طائلة الإدانة و إن ذلك ليبدو جلياً لكل من يُلقي أسرع النظرات على الحقب الستة و نصف التي هي مجموع عُمر دولة الإستقلال و سبتمبر و أخيراً فبراير حيث لا حرج في القول، حين نُقدِّر عامل الزمن، أن كل من تولّىَ لم يكن أقل إخفاقاً من سابقه و أجدر منه بذات الإدانة.

ذلك يعني أن على جميع الذين ستكتظ بهم نالوت، ممن حضروا للقاء و إختاروا المدعوين، أولئك الذين تتسابق الفضائيات على تغطية برامجها بهم و تغطي برامجها بفائض أقوالهم، أنهم مُطالَبون بالبداية من محيطهم حين يشرعون في أداء مهمتهم، فعلى من كان منهم في عداد مواطني نالوت و ما حولها أن يبدأ بالمصالحة من ذات المكان، إذ ما لم يُشْهَد لهؤلاء بالتَنزُّه من سوء الإستغلال و العبث بالمسئولية في الكسب الشخصي و الوجاهة المزيفة و تشجيع المناطقية بإدعاء البطولة و المَنّْ بالتضحية و توظيف الدور المميز في الخروج بالمردود الأوفر. إن المصالحة الحقيقية لا يمكن بلوغها بدون التضحية و نكران الذات و الإيمان بأن المواطنة حق للجميع و إن المصالحة الناجعة تلك التي يؤمِن القائمون عليها و الساعون إليها إنها ضرورة و ليست مِنَّة، و إن التسامح مطلب يحتاج إليه الجميع و يفيد الجميع. و إن كل تهميش أو إقصاء أو تهجير لن يترتَّب عليه سوى المزيد من الخسارة. و إن فكرة التوافق على أساس الأقاليم المفروضة بحكم التاريخ و الجغرافيا، لا يمكن أن تكون شكلية أو تُوظَف لِذر الرماد في العيون و تمرير التحالفات الأيديولوجية و إن حقيقة عجز الملايين الستة عن خدمة ليبيا و المحافظة عليها لن تُفلِح المكابرة في إخفائها و لو كان الجميع على وفاق تام ما بالك و التشرذم قد بلغ أقصى درجاته، و تبقى الإمتدادات البشرية و الإنتشار و تشابك الجذور بين عديد القبائل شرقاً و غرباً جنوباً و شمالاً من بين ما يجعل التوازن سيد الموقف و أن من يتصور أنه الأقوى قد يُفاجأ بخصمه من حيث لا يحتسب، لقد عمَّت المعرفة الكثير من أرجاء ليبيا من أصغر قرية إلى أكبر مدينة بل إن أكبر مدينة من مدننا هي في الواقع مجموعة من التجمعات، و ليس من قرية إلا و تظم مئات المؤهلين على مختلف التخصصات و ما من أحد يمكنه تبرير ما أُبتُليَ به من النهم أو لوحظ حوله من التغول بدعوى الفوارق النوعية بالذات. فالعدد يمكن التغلب عليه حين يُوجد الإقليم. و ما دمنا قد إعتمدنا الوفاق المناطقي فلا مناص من أن نراعي ذلك بالدقة المطلوبة. تلك التي لا مكان فيها للتحايل و سلب الحقوق بدعوة الأخوة. و كم يكون مفيداً لو أُعِدَّت مراجعة صريحة و مُنصِفَة تُسَمَّى فيها الأشياء بإسمائها. و أن الإستغلال و التحيّز و إهدار المال العام و العبث بالمسئولية هو القاعدة و ليس الإستثناء، و قديماً قال أحد الشعراء ما أجده أدق وصف للحال

و كلٌ يدّْعِي وصلاً لِليلى ***** و ليلى لا تُقِرّْ لهم بذاك.إنتهى



______________________________

الوحدة الوطنية لا تُحققها الأُمنيات

 

أمين مازن

18-8-2016

لم أملُك و أنا آخذ مكاني بين الحاضرين الذين إستنفرهم الدكتور عبد الرحيم الكيب للمشاركة في اللقاء الموسَّع الذي رتّْبًهُ في بيته العامر للمرة الثانية، كما ذكرَ في كلمة الإفتتاح بتاريخ الثاني من أغسطس تحت عنوان لقاء الوحدة الوطنية، إلا أن أستحضر جُملة من الذكريات المُتعلقة بأسماء الكثير من الحاضرين في التجمُّع أجساداً و آخرين غيرهم في الذاكرة أرواحاً، فالعودة إلى الماضي كثيراً ما تكون المُخلِّص من رداءة الواقع، و لا سيما حينَ يكون الموضوع هو الوحدة الوطنية و من عبد الرحيم الكيب، هذا الذي عرفت وجهه في الأسابيع الأولى من إنتفاضة فبراير 2011 ضمن عديد الوجوه التي حَرِصَت على متابعة أخبار تلك الأيام،عندما كنت أتّخذ من صالة فندق أجنحة الشاطئ بإعتباره المكان الأقرب إلى منزلي ملاذاً فأقضي الساعات الأولى من صدر كل يوم في محاولة للتخلُّص من أي إحراج للظهور الإعلامي الذي يفرضه البقاء بالداخل و ما يحملُه من تبعات بالغة الصعوبة، فقد علمت يومها من أكثر الناس قُرباً مني في تلك الظهيرات الصعبة "عبد الرؤوف الكيب" أن عبد الرحيم هذا هو أحد أنجال السيد عبد الحفيظ الكيب أحد كبار موظفي الإدارة الليبية الذي دخل تاريخ أهلنا عندما شغل منصب كبير متصرفي المقاطعة الشرقية حيث تبَعية مسقط الرأس، ثم مديراً عاماً للخدمة المدنية فلا يُنفِّذ ما يُكلَّف به من الجزاءات إلا ما يُخَفّْف، و قبل ذلك كُله و بعده قريب أحد أُدبائنا الراحلين نجم الدين الكيب أكثر أُدباء جيله زُهداً و تَنزُّهاً عن أي إساءة لغيره، و هو ما وُفِّقنَا بفضل الله للإشادة به في حينه و في السنوات الأولى من رحيله، رُغم صعوبة الظروف.

لقد أكمل الرجل مشواره الذي بدأه مع فبراير بأن ترأس أول حكومة من حكوماتها، و لثقته على ما يبدو في سلامته مما يُخجِل أو يُخِيف أصرّْ على البقاء بالداخل و تنظيم هذا النوع من اللقاءات و لهذه المواضيع المُهمة و بواسطة هذا التنوع في الأسماء، إختصاصاً و أرومة و أعماراً، مع التوكيد بخلوْ عمله من أي تجاذبات سياسية أو مآرب شخصية.

لقد تكونت مفردات اللقاء من مداخلات أربع من نص شِعري و آخر نثري أتحَفَ الحضور به الأديب و الفنان و قبل ذلك الخَلُوق الدكتور سعدون السويَّحْ الذي يكتب بالعربية، و يترجم إلى الإنجليزية، حتى إنه ترجم شعر نزار قباني إلى الإنجليزية ترجُمَةً أذهلتهُ و دفعته إلى الإقبال على سعدون بما أكسبه الأولوية على غيره بالنسبة لعلاقات الشاعر الواسعة.

و قد سبَّبَ هذا الترتيب في شيئ من الإزدحام، خاصةً و أن الوقت المُحدد لإنتهاء الأُمسية قد وُقِّتَ بحلول صلاة المغرب، مما تعذَّرَ معهُ، بالنسبة لي شخصياً إنجاز التغطية المُنصِفة، آخِذاً في الإعتبار ما أُعانيه من التداخل بين الذاتي و الموضوعي.

نعم لقد كان في وجود الدكتور إبراهيم الواكدي ضمن الحضور ما يُحِيلُني إلى أحد أعمامه الكبار المرحوم عبد السلام مصباح أحد الذين عرفتهم مبكراً في المدينة على رأس الناشطين حول ما كان يُعانيه ما كنا ندعوه بالجنوب في ستينيات القرن الماضي عندما نزَحَ مع عدد من زملائه بالمجلس التشريعي لفزان الذي أصدر الملك مرسومه القاضي بِحَلِّهِ في ذلك الزمان، و قد كان عبد السلام مصباح في مقدمة مشاهير أعضائه من ذوي المواقف.

و على ذات القدر و أكثر منه ربما، كان لوجود الأستاذ الكبير و الشيخ الفاضل عبد اللطيف الشويرف بين الحضور ما جعلني أستدعي تلك الأيام البعيدة من مشواري العملي و المعرفي الذي يُمثِّل فيه عبد اللطيف الشويرف محطة بالغة الأهمية عندما كان رئيسنا المباشر في سكرتارية المجلس التشريعي لولاية طرابلس الغرب برئاسة السيد الطاهر العُقبي و نائبه عجاج ثامر و سكرتيره العام عمر الجليدي حين كان العبئ الأكبر يقع على عبد اللطيف الشويرف من مُراجعة المحاضر و تقارير اللجان فتحرير الأسئلة و الإقتراحات فالرد على خطاب الوالي، كل ذلك دون أن يخرج من مكتبه أو يزيد على واجب وظيفته، فالوقتُ كل الوقت بالنسبة له هو مجالسته لكتاب الله الذي أفلَحَ في إستظهاره إلى جانب الأُمهات و عدم الإنبهار بأي إسم من الأسماء التي كانت شديدة التأثير على مجايليه في المدينة أُلئك الذين كانوا يغْشَوُن الكثير من أنشطتها الثقافية و الإجتماعية مُتَعَمّدِين الحديث بغير لهجة الوطن و مُرتَدِين الملابس التي تَدُل على حداثة وجودهم، فتراه خارج العمل لا يرتدي سوى الجرد و لو كان في أُمسية من أُمسيات الثقافة، بيدَ أنه ما يلبث بواسطة الحوار إلا أن يؤكد تفوقه على الكثير من مُحاوريه. و ما زلت أذكر ذلك الحوار الجاد الذي إنعقد في نادي الإتحاد بميدان الشهداء بطرابلس بمنتصف الخمسينيات من القرن الماضي تحت عنوان "شبابنا بين السلبية و الإيجابية"، إضطلع بإدارته الراحل خليفة التليسي و شارك فيه كوكبة من شباب تلك الأيام الدارسين بالخارج أمثال محمود المقهور و عبد الرحمن الجنزوري و مصطفى بن شعبان و عبد الله شرف الدين، إلى جانب المُقيمين بالداخل كمحمد فريد سيالة و عبد اللطيف الشويرف، عندما إستطاع الشويرف و بواسطة النصوص أن يؤكد أن الإسلام حين يُفهَم على حقيقته فلن يعوق تطور المرأة، لأن الوجه و اليد ليسَا بِعَوْرة ينبغي أن تُوَارى، و الأمر ذاته بالنسبة للمقابلة من أجل الزواج إحتكاماً إلى الحديث الشريف " انْظُرْ إِلَيْهَا فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا " كان الشويرف يومها يدافع عن المرأة الليبية و يخشى عليها من منافسة شقيقتها العربية. و مما لا شك فيه أن ذلك الفهم المتطور للشويرف هو الذي دفعه - و هو يضطلع بحقيبة وزارة الأنباء و الإرشاد في حكومة الدكتور فكيني - إلى تأسيس فرقة الفنون الشعبية و المألوف و الموشحات و الموسيقى أيضاً، بمعنى أنه لم يكُن غافلاً عن جدوى الطرب البريئ، و قد إستحدث في مجال التنظيم و الإستشارة لجنة عُليا للإذاعة الليبية شُكِّلَت من مجموعة من ذوي الإختصاص و الخبرة كانت المرأة من بينهم، و تبنى التقليد الإذاعي الذي يُوجِب ذِكر كُتَّاب التعليقات و التقارير الإخبارية حِرصاً على تحديد المسؤولية و تفادي الإسفاف و قد عرّْضَهُ هذا الأسلوب لأكثر من حملة عدائية سارعت إليها مراكز القوة. و رغم إدراكه أن تعيينه وزيراً قد جاء من طرف الدكتور فكيني ليس غير، إلا أنه عندما لاحظ أن الرجل قد أُستُدرِجَ لتعيين وكيلاً للوزارة دون إستشارته كوزير لم يتردد في رفض التعيين و المُسارعة بتقديم إستقالته، مما أدى إلى أزمة له مع رئيس الوزراء لم يحلها سوى تغيير الحكومة بالكامل، و قد قام بإصدار صحيفة البلاغ و كرّس لها قلمه القوي الذي قارع به جميع الرموز الذين رآى ضرورة مُقارعتهم فحققَ لها الإنتشار و لصاحبها المكانة و حَمَلَ وحده وِزرَ الكراهية من عديد مراكز القوة و النفوذ.

كانت مداخلة المهندس يوسف الفنادي موسعة إلى الحد الذي لم يترك أي وقت للمداخلتين اللاحقتين، خاصة و إنه حرص على تناول فكرة الوحدة الوطنية من بدايات التاريخ الإسلامي و مثله الليبي، و إن الجمع بين السياسة و الأدب سواءً في دولة الإستقلال أو بعده. وحول هذه الفترة إختارَ تجربة الأستاذ عبد الحميد البكوش في رئاسته لوزارة ليبيا سنة 68 و تنظيراته في الخصوص. و على الرغم من جهدهِ في الخصوص إلا أنه لم يكن - و لا لوم عليه - على علم بأسرار تلك المرحلة، إذ أن حديث البكوش عن الوحدة الوطنية لم يكن مجرد حديث نظري و إنما توفر له من المعلومات الدقيقة عن المرحلة فقد عَلِمَ أن نظام الحكم كان في مهب الريح، و إن غياب العناصر الجريئة هو الذي ترك الأمور على ذلك الوضع المُتردِّي الذي كشفته أحاث سنة 67 و من هنا جمع بين محاولة الإصلاح بواسطة بعض القرارات مثل قانون الضرائب التصاعدية و الأحوال الشخصية و تجديد الوجوه الوزارية و مناقشة بعض مُجَايلِيه بما وقف عليه من حقيقة الواقع، حتى أنني سمعت من الأستاذ الشويرف في حينه قوله أن عبد الحميد يقول كلاماً غريباً و كان أن أسندَ إليه رئاسة جمعية " البِر و المساعدات الإجتماعية " ، فإذا ما ضمّْتنا جلسة خاصة عقب سبتمبر و في الفترة القصيرة التي قضاها قبل مغادرته البلاد أنه عرض على الاستاذ الشويرف القيام بدور وطني يثمثّل في تكوين تكتُّل شعبي في البلاد بدون شروط مُسبقة، و أنه أسرَّ للمرحوم عامر الدغيس بإمكانية الإيعاز إلى من عساه يُعرَف بالجيش كي يُقدِموا على تغيير الحُكم، و كم كان شديد الفرَح لعدم إفشاء الأستاذ الشويرف للسِر المُشار إليه عقب سبتمبر، و أذكر على الصعيد الشخصي أن البكوش قال لي بالحرف الواحد - و هو ما دونته في كتابتي عن الفترة - أن الكيان الليبي ليس أكثر من حائط كرتون سَيسْقُط لمجرَّد أن يُضرَب من طرف أي مغامر بعصاة من خشب ليس غير.

و أعود لموضوع الوحدة الوطنية التي إختارها الكيب عنواناً للقائه و دعا إليه هذا الحشد و كرر غير ما مَرّة أنه في دعوته هذه لا يصدر عن طموح شخصي و لا بتأثير أي سياسة من السياسات أو عقيدة من العقايد أو أجندة من الأجندات. فأقول أن الوحدة الوطنية لا يمكن أن تُخدَم بمثل هذه النظرة المثالية، إذ فضلاً عن إستحالة وجود العمل الخالي من الهدف المُحدد فإن الخروج منه بدون مردود هو المُحصِّلة بالضرورة حين يُطرَح كما يقول الدكتور الكيب، فالوحدة الوطنية لا تُصَان و لا تتحقق إلا بالنظرة الواضحة الصريحة بشأن التنمية و أسلوب الحكم و طرائق التشريع و ضمان الحريات العامة و الخاصة، و ما لم تكن كذلك فإن الخوض فيها أو الدعوة إليها لن تخرج عن التمنيات الطيِّبة التي يُمكن أن يسعى إليها المُؤمن المُلتزم بواسطة الدعاء الخالص دُبر كل صلاة. و مع ذلك و على قاعدة أن كل الأشياء العظيمة قد تبدأ صغيرة و تتطور فلا بد أن نؤمِّل المردود الجيد على الوطن كجغرافيا و الوطن كسُكَّان.

فما إجتمع عدد من الناس دون سوءٍ مُبَيَّت إلا و كان السبيل إلى الخير الذي يمكن أن يعُمّْ الوطن كُله أقرب مما سواه و من ثَم فلا مناص من أن يُصيب في مصلحة و وحدته. إنتهى



________________________________


التاسع من أغسطس بعد سبعين سنة و ستٌ

أمين مازن

15-8-2016

لم يكن التاسع من أغسطس للسنة الأربعين من القرن الماضي يزيد عن كونه اليوم الذي سُمِحَ فيه للفيلق الليبي الذي أقدَمَ على تشكيله من المهاجرين الليبيين الأمير السيد محمد إدريس السنوسي الذي قرر الهجرة إلى مصر في عشرينيات ذلك القرن بعد أن تبين له ألا أمل في إستمرار المقاومة العسكرية و لا فائدة من المفاوضات التي قام بها أولاً بإسم برقة حيث مركز الدعوة السنوسية التي إستقرَّ أمرها لوالده السيد المهدي و تولاها بالوكالة إبن عمِّه السيد أحمد ريثما بلغ السيد إدريس سن الرشد، و أضاف إليها ثانياً طرابلس بموجب البيعة التي رُفِعَت إليه من مؤتمر غريان. و كان من المفروض أن تُنتِج شيئاً من المشاركة في حُكم البلاد على غرار ما هو سائد في الوطن العربي لولا أن إيطاليا الفاشية نَكثَت جميع ما قطعته من الوعود و قررت خضوع ليبيا بالكامل لسلطتها إلى أن دقت طبول الحرب الكونية و ظهرت فكرة المشاركة فيها و عُقِدَ لأجلها الإجتماع تلو الإجتماع، كما ظهر كذلك أكثر من رأي بدءً من مطالبة بريطانيا بتعهّد مكتوب خِشية تكرار الخدعة التي مُنيَ بها شريف مكة، و هو ما رآه السيد إدريس إستحالة التمسُّك به لعدم وجود الشروط المناسبة لإقناع البريطانيين، و أخيرا لضرورة أن يكون إلى جانب الأمير مجلس إستشاري و هو ما لم يتحمّس له الأمير في الآونة الأخيرة حيث شُكِّلَ من إثنى عشر عضوٍ، ستة من شرق البلاد و مثلهم من غربها، و قد حُسِبَ من بينهم السيد عبد الجليل سيف النصر الذي يُفترَض أن يكون له من الخصوصية التي تجعله خارج السِتَّة المحسوبين هنا أو هناك و هو ما تفطَّنوا إليه من أرّْخوا للمرحلة و حاولوا تبيين ما حفلت به من المفارقات أشهرها وثائق الدكتور فؤاد شكري و آخرها ما كتبَ الأستاذ مفتاح الشريف.

لقد تحرك الفيلق المذكور في اليوم المُشَار إليه و شاركَ في معارك الجيش الثامن الذي قاده الجنيرال مونتو جمري و إنتصر على قوات رومل، و على قدر أقل تحرَّك السيد أحمد سيف النصر الذي هاجرَ إلى تشاد و دخل مع القوات الفرنسية التي كانت من مشمولات الجنيرال ديقول و ما عُرِفَ بقوات المقاومة إذ كانت فرنسا تحت الإحتلال النازي و طُرِحَ المصير الليبي عقب الحرب المذكورة و لكن ليس على قاعدة الإعتراف بالمشاركة الليبية، و بإستثناء التصريح الذي أعلنه أيدن في مجلس العموم البريطاني حول عدم عودة السنوسي للسيطرة الإيطالية، فقد بدأت القضية الليبية في الغالب من نقطة الصفر حتى أن التعليمات البريطانية المكتوبة وجّْهَت بعدم وصف السيد إدريس بالأمير على الرُغم من أن هذا اللقب قد أُطلِقَ عليه من زمن إيطاليا و البيعة التي أشرنا إليها، و قد إنتهت الأمور في النهاية و إعلان ليبيا دولة مستقلة ذات نظام ملكي تحت عرش الإدريس شخصياِ و بدستور حَصَرَ ولاية العهد في أبنائه من بعده، و لهذه الدولة أعيادها الوطنية مثل قرار الأمم المتحدة باالحق في الإستقلال 21 نوفمبر و عيد الدستور و الإستقلال و عيد الملك و أُعتُبِرَ التاسع من أغسطس عيد الجيش، كما نصَّت بعض القوانين على إعتبار المشاركة في الفيلق المذكور ضمن ميزات الأقدمية الإدارية، فإقترنَ التاسع من أغسطس بترقية الضباط، و كانت هذه الترقيات تلك التي أمضاها الأمير الحسن الرضا بوصفه نائباً للملك في التاسع من أغسطس 69 عندما كان الملك إدريس في رحلته المشهورة التي دامت ما زاد على الأشهر الثلاث أُشيع في حينها أنه لن يرجع و أن الترقيات المُشار إليها أصرَّ الأمير على إمضائها على الرغم من معارضة السيد عبد العزيز الشلحي، كما تَردد أن عبد العزيز إقترح على الحسن الرضا أن يأذن بتحريك الكتايب ليبعدها عن المدن تحسُّباً لما لديه من معلومات عن إمكانية تحركها، كما قِيلَ أيضاً أن الشيخ منصور المحجوب قد إقترح على الأمير إعلان الأحكام العرفية و إعتقال الضباط المُشتبه فيهم، غير أن الحسن رفض النصيحة بحُجة أنه يخشى إتهامه من طرف عمه بالإنظمام إلى عائلة الشلحي التي تُخطط للإستيلاء على الحكم !!

و كان قد سقط النظام في الأول من سبتمبر فأُودِع الإثنان السجن و لم يطلب الحسن الرضا سوى ألا يُسجن مع الشلحي !!

و قد حلّ عهد تجاوز الأربعة عقود في حساب الزمن، و إمتد تأثيره حتى عمَّ المحيط القارِّي بأكمله، و كان على رأس ما تعمّده بالتأثير في الداخل مُتمثلاً في محو الذاكرة الوطنية من كل ما يرمز إلى الماضي و لاسيما الأعياد الوطنية و في مقدمة هذه الأعياد التاسع من أغسطس، و قبله بالطبع الرابع و العشرين من ديسمبر و وصل الأمر إلى وصف الإستقلال بالإستقلال المُزيَّف و ما ذلك ألا لأنه إستنسخ ما عرفته المنطقة العربية قبل هذا التاريخ الذي هو الفاتح من سبتمبر 69، إلى أن جاء الربيع العربي الذي عمَّ المنطقة قبل سنوات ست إبتداءً من تونس غرباً و مصر شرقاً وصولا إلى سوريا و اليمن متوقفاً بالطبع في ليبيا الواسعة، فيبدأ ببنغازي الذي قدَّرَ لها أن ترفع علم الإستقلال من البداية و تُعيد التاسع من أغسطس و تَحُول دون الإحتفال بالفاتح من سبتمبر 2011، و تُعيد الإحتفال بالرابع و العشرين من ديسمبر بذات السنة و تفتح أبواب قصر الخُلد العامر الذي ألغى الملك الورع منه لقب صاحب الجلالة غير أنه تركه في آخر أيامه ليشهد أفراح زواج أبن أول ناظر لخاصته و قد سمَّاه مُستشاراً له، تماماً مثلما أتاح لذلك الرجل أن يُنغِّص على أول رئيس لوزرائه و من توجه إليه بإسم أول تنظيم سياسي في طرابلس (محمود المنتصر) عارضاً عليه عرش ليبيا كي يعلوه في كنف الدستور و سلطة القضاء الذي يحول دون تَغوُّله و دون التطاول عليه، فرفض حكم بشأن المجلس التشريعي بطرابلس و سارع إلى الأمر بتنفيذه لإعدام الشريف محي الدين فكانت بداية النهاية للعهد الذي دام ثمانية عشرة سنة فينتهي و يعود، فتتأكد اليوم حقيقة مفادها ألا أحد يستطيع إزاحته إلى الأبد، و ليس في إمكان من يُعيده من خلال الإحتفال به اليوم أن يُزيح ما سواه إلى الأبد. "وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُها بَينَ النَّاس " .إنتهى



_____________________________

سِرت البداية و ليست النهاية

أمين مازن

13-8-2016


أقدَمت الولايات المتحة الأمريكية خلال الأيام الماضية على المشاركة العلنية في الصراع العسكري الذي تدور رحاه في بلادنا و إختارت لهذه المُشاركة "منطقة سرت" مُبرِرَة تصرفها هذا بطلب مجلس الوفاق الذي أكد هذه الجزئية بواسطة رئيسه السيد فائز السراج و الذي لم يتردد في القول بأن التدخل المذكور سيكون على هيئة طلعات جوية محدودة و لن تخرج عن سرت و كأن سرت هذه مساحة مُحددة أو أنها قابلة للإباحة أو أن التصرُّف بشأنها يمكن تحديده، و قد أرفقت الولايات المتحدة تصرفها هذا بتوكيد موافقة و أمرْ الرئيس أوباما. و جاءت الأخبار بعد ذلك بأن الطائرات الأمريكية التي ألقت قنابلها على سرت قد إنطلقت من البحر، أي من حاملات الطائرات الموجودة قُبالة السواحل الليبية، و التي يعلم كل مراقب ذكي أنها مثّْلَت البديل عن أي قاعدة كانت في النصف الأول من القرن الماضي أو بعده بقليل على الأراضي العربية. لقد فضّْلَت الولايات المتحدة أن يكون تدخُّلَها العسكري المُعلَن و على لسان رئيسها من "سرت" تماماً مثلما كان هذا التدخُّل و قبل سنواتٍ خمس في مطلع الولاية الثانية للرئيس أوباما الذي نصح القذافي بالإصغاء لشعبه ثم أذِنَ لسلاح الطيران أن يشترك في المعركة، و أجرَت وزيرة خارجيته هيلاري كلينتون سلسلة من الإتصالات مع الكثير ممن كانوا يتصدرون المشهد الليبي في تلك الأيام، كما و أكدت الدوائر الأمريكية دخول القاعدة و من على شاكلتها إلى الأراضي الليبية، بل و حددت المدن أيضاً، و أصرَّت في نهاية المطاف أي هيلاري كلنتون و قبل الأعلان عن مقتل القذافي و عرض مشاهد إعتقاله أنه سيُسجن أو يُقتَل، و كان ما كان بعد ذلك من هذه السنوات التي إزدحمت بكل هذه الأحداث المثيرة التي لم تخرج فيها ليبيا عن بؤرة من بؤر الصراع و منطقة من مناطق المنافسة، فأسََالت أكثر من لُعاب و سامها كل مُفلِس كما يقول الشاعر المعروف و هو يصِف تلك التي هُزِلَت و التي لن تُعدَم بفضل موقعها الجغرافي و مخزونها الطبيعي من لا يتردد في الدخول بدون طلب و توفير السلامة لمن يريد إلى الحد الذي يوفر له أو لها السفر دون أن تطير ذبابة !! كما جرى للسفيرة الأمريكية عشية مغادرتها إلى تونس في معرض خروجها النهائي.

لقد وقَّتَتْ الإدارة الأمريكية تدخّلها المُعلَن هذا و الرئيس أوباما يستعد لترك البيت الأبيض، و تُجمِع كل مراكز البحث أن وزيرة خارجيته السابقة عند إندلاع الأزمة الليبية هي التي ستخلفه بالبيت الأبيض، لما لمثل هذا التصرُّف من أثر في إنتخابات الرئاسة الأمريكية و شرعنته بالطلب الليبي كي تُسدد الفاتورة المتعلقة بكلفة الصواريخ و الطلعات الجوية و تحرُّك حاملة الطائرات التي هي قاعدة مُكْتمِلَة جاءت بها السُلطة الشرعية و كانت قد مددَت في وقتٍ سابق قراراتها بشأن العقوبات و فعلت كل ما يُفيد خضوع ليبيا للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، و طالت الأزمة الليبية اليوم قُوت الناس من حيث الغلاء و إنعدام السيولة التي حالت دون مصالح أغلبية الشعب، و هناك أكثر من توجُّه لتخفيض مرتبات رجال التعليم الجامعي و من في حكمهم، أما كبار القوم من أعضاء المؤتمر و النواب و هيئة الدستور و الوزارات المتعددة و ألاف الثوار الذين بلغت بواسطتهم النفقات المالية حدّاً لا نظير له في العالم و لا أمل في الخروج منه، فلن يَمْسَسْهُمْ سُوء بدون شك و يكفي أن معظم عائلاتهم تُقيم في كُبريات المدن العربية و التركية، لأن الرجال متفرغون لمسؤلياتهم الكبيرة. فلم يعُد ثمّةَ من شاغل لأغلبية أبناء البلد أكثر من توفير الكهرباء و الطعام و السيولة التي تُمكنهم من شديد حاجياتهم، و يتأكد في كل لحظة ألا شاغل يفوق هذا الشاغل لعموم الناس و أن الخروج من مأزقهِ يسبق ما عداه فهو الوطن و هو السيادة، و لو وُجِدَت مراكز البحث الأمنية أو أُعطِيت الخبرات الأمنية فرصة الرصد الأمني لأكّدَت أن الترحيب العارم سيكون من نصيب كل من يُحقق في مصلحة هذه المُختنقات، و يبقى الإنطلاق الأمريكي من سرت فليس لأنه نهاية المطاف و إنما لأن سرت تتوسط الخارطة الليبية بحراً و هي كذلك حين يتم الإنطلاق منها جنوباً، و من هناك كان الإنطلاق و دون الإعتماد على اليابسة الأوروبية أو العربية رُغم تسابق الجميع بعرض المساعدة، فعَبْر سرت ستكون الوجهة بلا جِدال جنوباً، ففي العُمق الليبي يوجد كل شيئ و منه كذلك يأتي كل خطر، و الولايات المتحدة أقْدَرُ من يردع الخطر، بعد أن يصنعه و يُتقِن صناعته، و يستنفر الجيوش المُتعددة لمعركته التي لا تتوقف إلا لتبدأ من جديد. إنتهى



______________________________

المتغطِّي بالأيام عريان

أمين مازن

22-6-2016


لا يملك المراقب السياسي و لو كان متوسط الامكانيات، إلا أن يقرر بكل إطمئنان أن الأزمة الليبية وُجِدَت لتبقى و إن كل ما يتردد حولها من حديث و يُعقد من لقاءات بدعوى إخراج ليبيا من هذه الازمة، لا يعدو أن يكون ضرباً من ضروب التغطية للحقيقة المؤسِفة التي تُمَثِّل العكس، و لابد ان تخرج للناس ذات يوم، و التي هي ليست في صالح الليبيين ككيان موحد، للسلطة فيه دور و للمواطن به مصلحة.

و ما ذلك إلا لأن العامل الخارجي في معظم المراحل إن لم نقل جميعها بصدد الاحداث التي مرت كان له التأثير الأكبر، و المُوَجِّهْ الاقوى.

و مع ان هذه الوضعية تعود في رحلة التاريخ الى عهود بعيدة إلا انها على نحوٍ خاص قد ظهرت بوضوح مع مولد الكيان الوطني بشخصيته الدولية و الذي ما كان له أن يُبعَث إلا لكونه الحل الوسط بين الاطراف الدولية التي انتصرت في منتصف اربعينيات القرن الماضي منتهية بهزيمة المحور و من ثم التنافس على غنيمته المتمثلة في الشعوب التي كانت خاضعة لسيطرته عندما ورثها من تفكك الامبراطورية التركية، إذ بواسطة ذلك الإستقلال أمكن الحيلولة دون دخول الدُب الروسي الى البحر الابيض المتوسط بإعتباره حليف الحرب المنتهية و ليس كذلك بالنسبة للحرب المنتظرة.

فبهذا الدافع كانت طبخة الإستقلال الليبي في ذلك الوقت المبكر، و كانت الحدود الدُنيا من المساعدة المالية و القبول بها نظير أكثر من معاهدة غير متكافئة إذ المهم ألا تكون لإيطاليا عودة لإدارة شؤون البلاد، رغم إعجاب تشرشل بمُنجَزِهَا في طرابلس و مغازلة روسيا لشيوعيي إيطاليا، عسى ان يحققوا الأغلبية البرلمانية.

لقد كان للمؤثرات الدولية إذاً دورها الرئيسي في مولد الكيان الليبي و سلطته المتمثلة في النظام الملكي الذي إستمر لثمانية عشرة سنة كاملة بدأت بالشكل الإتحادي و انتقلت الى النظام الموحد، كما تحولت في تلك الفترة ليبيا من أفقر دول العالم الى واحدة من الدول النفطية ذات الرأي المسموع في تحديد سعر هذا المعدن الذي أُصطلح على تسميته بالذهب الاسود الذي يرجع اليه في تحديد سعر العملة القابلة للتحويل و لا سيما الدولار، مما جعل مستقبل هذا الكيان و شروط استمراره و مبررات تغيير السلطة المركزية فيه لم تحصل بمعزل عن الإرادة الدولية، حتى إن الناس في العاصمة الفعلية "طرابلس" خلدوا جميعاً الى النوم في الحادي و الثلاثين من اغسطس 69 و جميعهم ينتظرون أو يتوقعون حركة عسكرية سيقوم بها أقرب ضباط الجيش الى الملك هو العقيد عبد العزيز الشلحي، فإذا بهم يُفاجَئون بأصغر مفرزة عسكرية تُفلح في الإطاحة بالنظام في دقائق معدودة قَدَّمَ لها الملك بغيابه الذي زادَ على الثلاثة أشهر و رئيس الوزراء الذي لم يُقِم وزن للتحذيرالذي أُرسِلَ من فرنسا و بالتحديد من السفير الذي كان رئيساً للوزراء لأقل من عشرة أشهر..! ليأتي بعد ذلك نظام اختلف عن جميع الأنظمة و خاض ما لا حصر له من المعارك و مثل ذلك من الادوار، و لم تتردد القوى الدولية في إخراجه من عديد المختنقات كما يؤكد أبرز شهود المرحلة -محمد حسنين هيكل- فإذا ما خُيِّل لرأس النظام أن في إمكانه ان يشمل بمواقفه غير المسئولة المجتمع الدولي بالكامل و يمزق ميثاقه في عقر داره، و تهب رياح التغيير في الربيع العربي كانت النهاية التى لم تعد سراً على أحد من حيث إرتباطها بالمحيط الجغرافي من ناحية و حجم مفارقاتها من ناحية اخرى.

مثل هذه الخبرة بالواقع الليبي منذ تلك الفترات البعيدة و على ضوء ما يزخر به تاريخ المحيط بعامة، ما كان لها أن تترك الاعمال العسكرية لتطول بمثل تلك الصورة لولا الحرص على ان يترتب عليها ما كان قد سُوِقَ حول الفوضى الخلّاقة التي يُراد لها ان تُطبق في رقعة محددة أُريد لها على ما يبدو أن تُحصر في ليبيا بالذات، و ذلك بالتمكين للقوى المعادية للمهيمنين من الضباط بقيادة المرحلة، فلم يُبذَل أي جهد لإختيار من يخلف اللواء عبد الفتاح يونس على كثرة ما عمرت به الارض الليبية من الضباط المقتدرين بل و الذين لم يحل بينهم و بين قيادة الجيش و إنما العمل به ايضاً و هم لا يشكون قلة في العدد او الكفاية او الخلفية الاجتماعية و حتى السيرة الحسنة، فبمثلهم دون شك كان من الممكن تفادي الكثير من الاخطاء المقصودة و غير المقصودة، بل بمثلهم ما كان لعدد الذين شاركوا في فبراير ممن قُدِّر عددهم بما لا يتجاوز العشرين ألفاً، و إذا بهذا الرقم يصل الى مائتي ألف و أكثر، حتى إن بند الرواتب تضاعف اضعافاً مضاعفة، و تؤكد اليوم جميع الاحصائيات إستحالة تسديد المستحقات المالية لمجموع الدخل في حالة ما إذا بيع النفط وفقاً للكميات التي كانت تسوق طيلة ما قبل فبراير فكيف إذا كان العدد قد انخفض الى الربع و مثل ذلك السعر، لقد كان في مُكنة الذين هبّوا لنصرة انتفاضة فبراير أن يقدموا لها ما قدموه لشرق ليبيا و غربها من حيث القيادة العسكرية، و كان في مكنتهم أيضاً أن يوقفوا الموانئ التي تناسلت في غرب البلاد تحديداً و مثل ذلك المطارات و التي ليس لها من هدف سوى المتاجرة بكل ما هو ممنوع، لولا أن المقصود هو هذه الفوضى العارمة، و هذه الزعامات التي لا تسأم التنقل بين عواصم العالم و لا سيما اصطنبول و الدوحة و ابوضبي و نيقوسيا و مالطا و لن نستثني سويسرا بالطبع و كنوز الارض التي فُتحت مرة واحدة و ظلت مبرأة من أي غلق يدخلون منها متى يشاؤون و كيف يشاؤون و يُثبَت لهم أن عدم الاستقرار هو الضامن القوي لدوام الجاه و السلطة و المال، فيعملون جاهدين على استمراره، و عندما يحصر الغرب إنشغاله بالمخاطر المُهدِدَة لأمنه في الهجرة غير الشرعية الزاحفة من شواطئ ليبيا الغربية، فيقرر الحيلولة دونها بواسطة الأساطيل التي ستتخذ من مياهها الأقليمية مقراً لها، و تُردِّد الفضائيات التي إنبعثت بفضل الغنيمة مثل هذه الأخبار و كذا التأكيد بأن هذا الغرب لن يتدخل ما لم يكن هناك طلب لهذا التدخل، و يتبادر الى بعض الأذهان أن العبث بأمن البلاد و ثرواتها سيستمر، و تتوالى الأخبار عن العقود الضخمة التي تُبرَم مع عديد الشركات، و تتوالى إجتماعات الكبار و من يتوكل عنهم من العرب، فإن في ذلك ما يؤكد ان الحلحلة قد بدأت، و ان كل من يتوهمون إمكانية الولوج من سَمِّ الْخِيَاطِ لا مهرب لهم بما فرحوا به.

فما يحفظه سجل التاريخ من التلازم الدائم بما تشهده ليبيا مع بؤر الصراع في العالم منذ السبعينات الماضية مع مصر و اندونيسيا و إيران، بل فيتنام في تلك الأيام و ما يتكرر اليوم في معظم هذه المناطق مع الحضور الغربي و التشدد الروسي غير المسبوق و الذي وصل الى حد طباعة الأوراق المالية الليبية، إنما يؤكد مما يحمل الغد، و ما على البيادق إلا أن تبحث لأجسامها عن مُنفِذ فتخرج و ربما لا تُلاحَق . وقديماً قال أصحاب التجربة " المتغطي بالأبام عريان". إنتهى



_____________________________

نحو مراجعة أشمل و تدقيق أجرأ

أمين مازن

1-6-2016

لئِن كان أسوأ ما خاضت فيه الفضائيات العالمية عامة و الليبية على وجه التحديد من حوار غير قليل، بصدد ما يشهدهُ الواقع المحلّي من صراع بالغ الحِدَّة بين مختلف القوى السياسية، و هو التناول الذي نحىَ منحَى التأجيج، و تبنِّي دعوات الفرقة بين مكونات الوطن، فلا شك ان أشد هذه الامور سوءً هو ما إتصل بأوراق العملة التي طُبِعت - كما تحدثت الانباء في الآونة الأخيرة - بجمهورية روسيا و بتعليمات من إدارة المصرف المركزي، تلك التي كانت طوال فترة ما قبل المجلس الرئاسي و ما رافقه من ملابسات، تمثل الشرعية المُعترف بها دولياً و لم يتردد المجلس الرئاسي و قبل إعتماد الحكومة المنبثقة عنه في صورتها النهائية في نقض اكثر من قرار و التي كان آخرها طباعة هذه العملة و التي فرضها نقص السيولة المالية التي عَمَّت البلاد كافة و شرقها و جنوبها خاصة، لقد إمتد سوء هذا الحوار عندما طال المسألة الإقتصادية و طال هذه المحاولة التي مورست في كنف الشراكة الوطنية و الثروة الاقتصاية وصل حد الإستقواء المُعيب بالاجنبي، عندما رأينا السفارة الامريكية تدخل هي الاخرى على الخط فتصل حد التشكيك في سلامة قانونية هذه الاوراق الامر الذي أثار الكثير من مشاعر الهلع لولا الإستدراك الذي بادر به رئيس المجلس الرئاسي في اللحظة الاخيرة برسالته التي خاطب بها اللجنة المختصة في مجلس النواب مؤكداً الإستفادة من العملة المُشَار إليها، مُثيراً في الوقت ذاته مسألة توزيع هذه النقوذ، فبات واضحاً أن ما شَغَلَ أصحاب الإعتراض و دَفَعهُم إلى اعمال ما لديهم من السلطان بشأن سلامة صك العملة و مُراعاة الدِقة الفنية وغيرها من المواصفات إنما كان مَرَدُّهُ مبدأ الإستفادة ليس غير. فالجهوية و الحالة هذه ما تزال سيدة الموقف، أي أن اليوم مثل الأمس و الحادي عشر بعد الألفين لم تختلف عمَّا سبقها من الحقب.

و ذلك يعني أن يكون واضحاً لدى كل من تتوق نفسه لأي دور من الأدوار القيادية في عهد الوفاق و رئاسة الوفاق هو قبل كل شيئ التسلُّح بوحدة النظرة إزاء أرجاء الوطن كافة، لا فرق بين (اسقالة الحلفا) بطرابلس و (جليانة) ببنغازي، و كل محاولة لإخفاء المميز لا بد أن تكشف عنها الممارسة و تفضحها سرعة أنتقال المعلومة، في هذا الزمن الذي لا سرية فيه لشيئ من الاشياء، و لا سيما ما يتعلق بالثروة و توزيع الثروة و الفرص الكفيلة بالحصول على الثروة.

أما عندما يكشُف الحوار المتلفز عن أن بعض المواقف المُتعلقة بطباعة العملة الورقية قد أملتهَا دوافع الترجيح لجهة دون أخرى على الرُغم من أن فارق السعر و سابقة التجربة فلا شك أن الأمر سيُثِير الكثير من القلق إزاء ما تشهدهُ البلاد من تنافس حول تنفيذ المشاريع و تخطيط المشاريع و إختيار الكوادر التي ستُدير المشاريع.

و إذا كانَ ما أقدَمَ عليه رئيس المجلس المُنتظََر لسلطة الوفاق من عدم المُضي في الإجراءات التي تعرّضت للعملة الورقية لبواعث لم تسلم من نقيصة عدم التدقيق فانتصر لفضيلة القول الخالد بأن الرجوع من نصف الطريق غير المأمون قبل المُضي في أكماله، فإن الأمل كبير في المزيد من المراجعة و المزيد من اليقضة. و قبل ذلك كله ما بات يعُجُّ به العالم من تسريبات مخابراتية بشأن الأموال الفاسدة و الرشاوى المُخجِلة التي يجري التسابق بشأن تعميمها في كل أرجاء المعمورة على نحوٍ من السرعة التي فاقت سرعة الضوء، و كشفت عن كل ما يندى له الجبين، و تُيسّر تجميده العقوبات. إنتهى



______________________________

ليست فيينا آخر المحطات...و لا المؤتمرات

أمين مازن

21-5-2016


فرَغ المجتمعون بفيينا من اجتماعهم المُحدد موضوعه للاوضاع في ليبيا، و ما تُنذر به من مخاطر إمتدت آثارها السيئة للمحيط الإقليمي و القارِّي. و اعلنوا ما إنتهوا اليه في بيان حول مشروع الوفاق المُنتظر، وسط ممارسة جمَعت بين الترغيب و الترهيب.

و كما هي العادة في كل اجتماع يتعلّق ببلد يجمع بين الارض الشاسعة و الشاطئ الطويل، مع الإمكانيات الظاهرة و الباطنة و الموقع المُطِل على أكثر من محيط، و الخالي من أي بنية تحتية يمكن ان تصلح لأي خدمة ما لم يتم بناؤها من جديد، بل و التي يقع الإصرار على إعادة بناؤها عن طريق الآخر الذي لم يتردد في إعادة استعداده للمسارعة بالتلبية حالة وجود طلب من ذوي الشأن. فيما يغالط الكثيرون انفسهم و يحاولون مغالطة غيرهم ايضاً، فيقولون إنهم يرحبون بالدعم و يرفضون التدخل.

كان هناك من يمكنه أن يطلب العون و يشترط أن يكون دون مقابل. و هكذا شرعت الفضائيات الخاصة و بواسطة مختصيها المَهَرة في التأجيج و الحريصين على ان تكون مشاركتهم من خارج الحدود و من العواصم التي لها دورها في كل ما يجري تحت مصطلح ما يُعرَف بالتغطية، و إن يكُن هناك من يطلق على هذه الحالة تعرية ما لا يزال بدون تعرية !، و تعليل ذلك ان بلادنا هذه التي فرضت مساحتها الكبيرة و حدودها المتشابكة، أن تتسم اقاليمها دائما بخصوصية واضحة، عبَّرت عنها الكثير من العادات، و أن تتعرض من حيث الجغرافيا لأكثر من قضم لا فرق بين دولة الإستقلال الذي لم يُعلَن إلا بفعل الصراع الدولي الذي إحتدم حول مستعمرات المحور او اثناء الإحتلال الإيطالي و تسوياته مع فرنسا بتونس و الجزائر و تشاد، و الاخرى التي إتصلت ببريطانيا و هيمنتها على مصر و السودان، بل و مالطا ايضا و اخيراً زمن سبتمبر حين تم الصمت غرباً و التصادم غير المدروس جنوباً، بمعنى ان ليبيا هذه لم تكن يوماً بمنأى عن الضغوط الدولية القوية و إملاءات صراعها الذي لا يعرف التوقف.

فقد جاء الاستقلال في خضم ذلك الصراع و تلاه سبتمبر و لحقه اخيراً فبراير الذي جسّد اقوى انواع الصراع و أسوأه عندما وصل الى حد التقاتل الذي أصاب النسيج الاجتماعي في الصميم، و ها هي فيينا تشهد هذا المؤتمر الذي سُرِبَت مسودة بيانه قبل أنتهاء جلساته، و يَلُوح في الأفق ان ليبيا لن تكون إستثناء عمَّا جرى في العراق و ما يزال، و ما حلّْ بسوريا و مثلها اليمن، و لن تكون أبداً قريبة مما ينبغي ان تكون ما هي اليه الاقرب، من حيث عدد السكان و دواعي التوافق ألا و هي الجارة تونس التي خرجت من المحنة بأقل الخسائر و أدركت ان سياسات الإحلال و مُغريات الجشع لا دوام لها و إن حصلت بعض الوقت، و إن الإتفاق هو الأجدى، ذلك يعني أن أياً من الفرقاء يغترر بإمكانية الإنفراد بالسلطة في هذه البلاد الشاسعة الواسعة و التي تُعتبر في حقيقة الواقع أفقر كل من حولها جرَّاء هذا التضخُّم في الإستحقاقات المالية الشهرية غير المتسقة أبداً مع ما نُكِبَت به إيراداتها القائمة على النفط المُهدد في قلة التسويق و هبوط السعر الى جانب النَهَم الذي لا يعرف التوقف من كل الاطراف و الطارئة و الحادِبة و الحليفة،و كذا التشابك بين متساكنيها من الشرق الى الغرب مما يجعل السلم الاجتماعي بعيد المنال مما يعني ان التصالح و التوافق شرط لا بديل له و ان الإقصاء بعيد على كل طرف.

و اخيراً فإن الحديث عن السيادة الوطنية على رأس ما يكذّبُه الواقع ليس فقط لما ذكرنا آنفاً و إنما لغول الفصل السابع و الفيتو الروسي، و سيكون من السذاجة المضحكة أن يحسب أشتراط الطلب الخاص بالمساعدة تقديراً للسيادة الوطنية، إذ أين كانت هذه السيادة التي تُحترَم اليوم عند الهجوم على صبراتة و عند أخذ أبو أنس الرقيعي، و مثله بو ختَّالة، فالطلب و الحالة هذه ليس اكثر من عبث لن يكون له أي وجود في الواقع الحقيقي للناس و الحياة اللهم إلا ما يتعلّق بتسديد نفقات التدخل العسكري المُنتظرو المُحدد في بعض الغارات الجوية حالة استمرار العمليات العسكرية و بالتالي فإن مرحلة ما بعد الوفاق و حلول مرحلة إعادة الإعمار فلن يُهمَل تحديد حصص الشركات التابعة للدول المؤثرة في المشهد الليبي و ارتباطاته الاقليمية و الدولية و على رأسها بؤر التوتر المسلح و ما تُنذر به من امكانية التسوية هنا و هناك مما يجعل من بعض الفرقاء على هيئة المُجندين عن قصد او بدون قصد.

فيستعذر و الحالة هذه أن يكون ما إنتهى اليه مؤتمر فيينا هو آخر المطاف، فهو و إن وضع الكثير من الخطوط العامة إلا أن للتنفيذ دائماً إكراهاته و بالتالي فإن فيينا ليست آخر المحطات و لا مؤتمرها آخر المؤتمرات، و ليس أمامتا معشر الليبين كلما فرَغ مؤتمر لبحث شأننا إلا إنتظار مؤتمر آخر.إنتهى



_____________________________

وحلة مش وحدة ثاريها

أمين مازن

30-4-2016


يصادف يوم السادس و العشرين من ابريل ذكرى الوحدة الليبية التي أُعلنت في مثل هذا التاريخ سنة 1963، اثناء إضطلاع الدكتور محي الدين فكيني برئاسة الوزارة الليبية، تتويجاً للخطوات التي بدأها سلفه السيد محمد عثمان الصيد عندما كان رئيساً لذات الوزارة، فتمكّن من إقناع الملك إدريس بإمضاء المرسوم بقانون القاضي بتعديل المادة 35 من الدستور بشأن الإختصاصات المشتركة بين الولايات و حكومة الإتحاد، فأُنيط بهذه الاخيرة جميع ما كان مشتركاً مما يُطلق عليه أمور السيادة من أمن و جمارك و ثقافة و إقتصاد و خزانة و مواصلات، و قبل ذلك الموارد و المعادن، مما جعل الولايات ليس أكثر من شكل بلا محتوىى، و مهّدَ الطريق بالتالي للدكتور فكيني ليقطف ثمرة الإنتصار لتُلغىَ الولايات و تُحِيلها الى محافظاتٍ عشر، خمسة منها في طرابلس و ثلاثة ببرقة و إثنين في فزان، و هو ترتيب أنهى سيطرة البراعصة على برقة، و هيأ شراكة الطوارق لآل سيف النصر بفزان، و فتح المجال امام الكتل السياسية و بعض القوى العشائرية لتقتسم النفوذ بطرابلس و الذي يعود الى سنين الجهاد عندما استطاع ان يعدّل الدستور بإلغاء النظام الاتحادي نهائياً، دون المساس بتشكيل البرلمان من حيث تقسيم الدوائر بنسبة نائب لكل عشرين ألف نسمة أو كسر هذا العدد و اربعة و عشرين شيخاً تُرِك تعيينهم للملك دون تحديد أي مواصفات، فكان أن زيد عدد اعضاء مجلس النواب و مثل ذلك الشيوخ، إلا ان نسبة الشيوخ بدأ العبَث بها لمجرد إلغاء الولايات تماماً مثل ما جرى تجاهل بنغازي كعاصمة من العاصمتين لِتُفرَض البيضاء بالأمر الواقع. و على الرغم من أن الوحدة المشار اليها كانت مطلباً شعبياً تبنته الاغلبية الساحقة من الشعب، عندما قُرِنت بمطلب الاستقلال و قد عمّقها شعبيا على نحو خاص اكثر من رمز وطني ابرزهم السيد بشير السعداوي و الاستاذ مصطفى بن عامر، إلا انها لم تلق الإحتفاء الشعبي المُنتظر عند إعلانها انطلاقا من ان الوضع الاقتصادي الذي طال حياة معظم المتساكنين لم يعد يشغل العموم، كما ان إتساع المساحة الجغرافية الليبية أَوجدَ شيئاً من الأُلفة بين الناس و التنظيمات الادارية، فقد جائت كما هو معروف بضغط الشركات النفطية التي ضاقت ذرعاً من تكالب مراكز النفوذ المحلِّي في اكثر من ولاية من الولايات، كما ان الدولة من جهتها لم تبذل جهدا يُذكر في مجال رفع مستوى الوعي الوطني، خاصة و ان الخطاب الاعلامي قد ساده في معظم الفترات شيئ من التسطيح بتغييب جميع الرموز و الأعلام و الاحداث التي حُصِرَت في الاعياد الوطنية التي لم تخرخ من المناسبات التي لا تعرف سوى الإجترار و هكذا لم تمض على الوحدة المشار اليها سنواتٍ ستة حتى تم الإجهاز على النظام الملكي، في ظروف كانت بها جميع الاطراف الوطنية منشغلة بمصالحها و ليس لها من أي تفكير من إمكانية حدوث ما قد حدث، فيزول الحديث عن الوحدة و عيد الاستقلال و قرار الأمم المتحدة بإستقلال ليبيا وعيد الجيش و عيد الدستور، و تبدأ دولة الصوت الواحد و الرجل الواحد لتمُرّْ حقب اربعة قِيل حولها الكثير، و لم نتأخر فيما نزعم بالإسهام الممكن، حتى كان فبراير و ما تلاه من احداث فتكون الوحدة مرة اخرى من المفردات التي تتردد على عديد الألسنة في شيئ من التسطيح المُخِل الذي يجهل او يتجاهل حقيقة ان الوحدة لا تضيق ذرعا بالخصائص و لا تنكر التمايز و إنما تسعى الي توظيفها مجتمعة لتعميق مفهوم الوحدة و ترسيخ جذورها، و إن التنظيم الإداري الذي تعرضه الجغرافيا او ضرورات المرحلة لا يضر بالوحدة الوطنية، بل إن هذه الوحدة لا تترسخ إلا بضمان حق الجميع في التنمية و الوجاهة و التاريخ و لكن في شيئ من الوعي و التركيز و الحذر من الشكليات و المحاولات الماكرة التي تسعى في اكثر من مناسبة و على اكثر من صعيد الى توظيف شعار الوحدة و الحرص على فبراير و الحذر من الازلام لتكريس المناطقية و تصفية الخصوم بل و الحسابات المُعلّقة، دون ان تدرك ان هذه الالعاب صارت مكشوفة و لم يعد احد يقبل بها و إن فضّل الصمت على البوح بما لديه.

نعم إن الوحدة الحقيقية هي التي تُشْعِر الجميع بالشراكة في الوطن و المصلحة و المسئولية، لا سيما في هذا الزمن الذي انتشرت فيه المعرفة و ازداد عدد الحاصلين على الاوراق الثبوتية الدالة على المؤهل كما هو الحال بالنسبة للهوية، و انعدمت لحظات الامتحان الحقيقي بل و كثر الساقطون فيه في رابعة النهار، و مع ذلك ظلوا يتصدرون المشهد داخليا و خارجيا ممن لا يسأمون الحديث عن الوحدة و الإساءة الى الوحدة كما هو حالها قبل خمسين سنة و نيف عندما استقبلها الشاعر الشعبي كما رويت عن المرحوم مفتاح شريعة : وحلى مش وحدة ثاريها **** والع بيها عقلي لين تورط فيها.إنتهى



______________________________

الفرنسيون أولى و أقدر

أمين مازن

25-4-2016


ليس لما يدأب على ممارسته اللاعبون الحقيقيون بالازمة الليبية و غيرها من الازمات المستفحلة في المحيط العربي و امتداداته من دلالة سوى ان هؤلاء لم يحسموا امرهم إزاء ما ينتظر هذه المساحة الشاسعة الواسعة، المعروفة جغرافيا بليبيا، و التي يمكن ان تُوصَف بالغنى في كل شيء اللهم إلا البشر، و الذين لا يشكون قلة العدد و حسب و إنما يُضيفون إليه غياب العقل و يضاعفون سوء الاثنين بإستباحة المال العام مما يدفع اللاعبين الحقيقيين في معرض انشغالاتهم اللامتناهية لئلا يجدوا غضاضة في طول عمر الازمة الليبية ليس عن عجز لديهم بأي مستوى من المستويات و إنما هو التوقيت ليس غير. و حسب المرء ان يعود بالذاكرة الى ما تناقلته وسائل الاعلام و رددته مراكز البحث منذ سنوات حول ما يُخَطط للمنطقة المعروفة بشمال افريقيا من احداث دامية ما لبثت ان اسفرت عن وجهها الكالح منذ مطلع هذه العشرية التي بدأت من ربيع لم تعِش ازهاره و إنما تسارعت زوابعه التي ذهبت بكل شيئ ليأتي صيفه الذي مازال يوالي إرسال نيرانه و ما من مردود يمكن ان يترتب عليه اكثر من تقسيم المقسّم و تجزئة المجزّأ و إشعال الحروب الاهلية في كل مكان لتتدفق بعد ذلك المجموعات البشرية المولّية وجوهها شطر الشمال ليس من اجل طيب الحياة و حسب، و إنما لتغيير نوعية هذه الحياة هناك،متى وُجد السبيل لذلك. مما يعني ان اللاعبين الكبار لم يفرغوا من إبرام الإتفاق الذي يتطلبه الموقف، أو التنفيذ الذي يقتضيه، ربما الإتفاق، بإعتبار الخطوط العامة مُحددة من آماد بعيدة و لا تُعَدَّل إلا نادراً و لضروريات التنفيذ. و عندما تتجدد مفردات الازمة الليبية أو تتحدد - لا فرق - و هي تدخل سنتها الخامسة و تزداد حِدتها لتطال قوت الناس اليومي، و قد طالت قبل ذلك الكثير من مناحي أمنهم، و يلوح في الأفق اكثر من دليل بأنها ما تزال مرشحة للمراوحة حيث هي، و إن كل المقترحات الناتجة عن الحراك هنا و هناك باعثة اكثر من أمل، ليس لها من مردود ملموس اكثر من الإحباط تلو الإحباط، و تعرض الشاشة الصغيرة من يقترح الدخول في مفاوضات دولية بشأن مشكلات الهجرة و تدفق ألاف الراغبين فيها من الشواطئ الليبية، قبل إستكمال الشروط الضرورية لوجود الشرعية التي تُسوِّغ التفاوض و تبرر الحديث الاعلامي عنه، فإن ذلك لا يعني سوى المزيد من التسطيح و المزيد من الإستخفاف بالإحتياجات الحقيقية للناس و المتجسدة في حرمانهم من مرتباتهم و القليل من مُدَّخراتهم حيث لم يكونوا مثل أولئك الذين أمّْنوا ما لديهم من الحلال و الحرام في خزائن اوروبا و امريكا و يُخيفهم التهديد المُتعلّق بتجميد ما لديهم إذا ما إستمروا في تعويق الحلول المقترحة و الملائمة لمصالح اللاعبين الحقيقيين أولئك الذين لا يُصرحون بما يريدون و إنما يُجبرون غيرهم على التبرّع بما يريدون.

ذلك يعني ان اللاعبين الحقيقيين هم أولئك الذين ظهروا منتصرين في الحرب الكونية قبل سبعين سنة قضت و اتفقوا بمالطا على الخطوط العامة لمصير الشعوب التى كانت من مشمولات دول المحور المهزوم و من بينها ليبيا، هذه المساحة الشاسعة الواسعة المشتبكة مع افريقيا التي كانت معظمها تحت السيطرة الفرنسية و أُضِيف إليها يومئذ ما يقرُب من نصف المساحة، فإقتضت التسوية ان تبعث الدولة الوطنية التي أُعتُبِرت أفقر بلد مستقل، لتتوالى بعد ذلك سلسلة المعاهدات التي نظّمت العلاقة مع الحلفاء المنتصرين في الحرب، ليكون القسط الاكبر لامريكا و شركاتها التي فازت بأكثر الإمتيازات النفطية و أفلحت في النهاية لتقوية الحكومة المركزية بدل النظام الإتحادي، و في نهاية المطاف السماح بقلب نظام الحكم، حين فشلت محاولات الإصلاح كما قلنا اكثر من مرة، و هو ما اقتضى بعد العقود الاربعة التي انتهت في السابع عشر من فبراير و ضمن الربيع العربي، و لكن على غرار العراق، و ليس تونس أو مصر، فكانت الدوامة التي ما زالت تتجدد و تمتد، إلى حيث التقاتل الأهلي و المضي الآن في المناورة على الحلول السلمية و محاولة الفوز بالقسط الأكبر من الغنيمة، و يدفع بالهجرة غير الشرعية أملاً في أن تمثل جسراً للتعاون الدولي و الشخصي بالضرورة، و هو دفع يغفل اهم الموانع، فمشكلة الهجرة غير الشرعية ليست في الشواطئ الليبية و حسب و لكنها مشكلة الحدود البرية مع مجموعة الدول الداخلة في المجموعة الافريقية مما يعني أن الحاجة للجانب الفرنسي تبدو أكثر إلحاحاً، كما ان العهد البريطاني بعدم عودة الإيطاليين الى ليبيا و إن كان قد انحصر في الجانب السنوسي لا يمكن إغفاله، ففرنسا أذاً بما لها من القوة و من الحدود و الوفاق الدولي هي الأقدر على عدم السماح لهذه الافواج الراغبة في الهجرة من دخول التراب الليبي قبل التفكير في مشاكل خروجهم، اما التحالف مع ايطاليا فليس اكثر من عدم خروج هؤلاء من ليبيا، أي أن المقارنة بمعاهدة تركيا لا تستوي مع الحالة الليبية، فتركيا تمتلك الكثير من المقومات المتعلقة لخروج المهاجرين، اما نحن فسنكون أول الخاسرين إذا إنشغلنا بخروجهم و ليس بقدومهم الى شمال البلاد. و ما ينبغي ان نفهمه بعمق و نسعى - إذا وُجِدَ السبيل - ان نعمل في إطاره هو التحرُّك في إطار الممكن و ليس الإستمرار في السير نحو المستحيل، و أخيرا الفرنسيون أولى و أقدر.إنتهى



_______________________________

.أبريل 76 و أصدقاء دار الفقيه حسن

أمين مازن

12-4-2016


لم تكن الحركة الطلابية في تاريخنا الوطني الحديث، المرتبط عل نحو خاص بنشوء دولة الاستقلال، بمعزل عن معارك النضال الوطني، و ما عبّر عنه من انشغال دائم بمعارك الاستقلال و ما شابه من مظاهر القصور من ناحية، و مقترحات العلاج من ناحية اخرى. و من هنا وجدنا الطلائع ولّت وجوهها مبكرا الى المشرق العربي في آخر ايام الادارة البريطانية و فجر الاستقلال، قصد اكمال الدراسة الجامعية و ما في حكمها جرّاء عدم وجود جامعة وطنية في ذلك الزمن، و لم يكن لها من زاد اكثر من المواقف الرافضة لذلك الاستقلال الذي شكك في جدواه عديد الرموز ممن تصدرهم عل نحو خاص امثال الاستاذ مصطف بن عامر و عبد العزيز الزقلّعي ومن جايلهما، فتعود و هي المُوفدة من الدولة الحديثة و ليس معها سوى الافكار الرامية الى الاجهاز على هذه الدولة الى الحد الذى يمكن وصفه بالخالي من أي مسؤولية. و اذا كان مثل هذا الموقف الرافض قد عبّر عن نفسه بالانحياز المطلق للموقف القومي الذي لا يتردد في التضحية بالمصلحة الوطنية إزاء الموقف القومي كما هو الحال الذي تبنّاه الطلبة بين 1964 و 1967، فإن الموقف لم يكن كذلك منذ مطلع السبعينات في خضم المتغيرات التي أخذت في التجلّي عقب سقوط النظام الملكي، و الذي كان قد بلغ أقص درجات تأزّمه جرّاء شيخوخة الملك و ضعف ولي عهده و قبل ذلك عدم شرعيته، و هي الوضعية التي تجسّدت في تغيير الحكومات، بل و عدم السماح بأي إجراء إصلاحي و اخيرا السفر خارج البلد بعد ان فاجأ الجميع بإقالة حكومة السيد عبد الحميد البكوش و إناطة الحكم بالسيد ونيس القذافي الذي لا يُضَاهىَ في الاخلاق و نظافة اليد و لكن دون الارتفاع لحجم المشاكل القارّة، بدليل انه لم يعط المعلومة التي بُلِّغَ بها من طرف البكوش عن إحتمال تحرُّك الجيش، و كان قبل ذلك يحضِّر لزيارة يُفترض ان يقوم بها ولي العهد ال فرنسا، كما علِمت ذلك منه شخصياً في مايو 1969، ففي هذه المرحلة و لمجرد أن لاَح في الافق أن ما جرى في اول سبتمبر 69 م لم يأت بمحض الصدفة و انما هو لقاء ترتيبات مُعدَّة و خطط مدروسة و مُعدَّة مع اكثر من طرف، و إن ما إتسمَ به الوقف المصري الرسمي المُتمثّل في وفد هيكل و فتحي الديب و إسراع الرئيس عبد الناصر بالتأييد المطلق على الرغم من مفاجأته بما جرى إنما يدل على شبهة ما حول العهد الجديد، فما كان من الطلبة و المهمومين منهم بالشأن الوطني إلا ان يقرِنوا تطلّعهم لبناء إتحادهم و حرصهم على قيادته بعيدا عن اي ارتباط بالعهد بل و في تناغم ملحوط مع رموز الرفض من كل الاطراف المدنية التي اخذت تتجمع حول الكثير من المطالب الوطنية التي كان ميدانها متمثّلاً في مجتمع الفضاءات المفتوحة التي شهدت المجاهرة تلو المجاهرة لعديد السلبيات و لا سيما عدم الاعتزاز بالرمز الوطني و الإعلاء من الطرح القومي الى حد الإحساس بالدونية، و قد كانت ندوة الفكر الثوري التي دُعي لها اكثر من طيف مناسبة لإعادة ترتيب الارشيف المخاراتي حين تَفتّقَت العبقرية عما أُصطُلِح على تسميته بالثورة الشعبية و التي لم تكن اكثر من اعلان الاحكام العرفية سيق بواسطته ذلك الحشد الكبير من الوطنيين الذين مثّلوا اطياف الفكر الوطني كافة، جامعين بين الرموز الثقافية و القيادات الطلابية و بالجملة عموم الناشطين السياسيين في هذا الفصيل لا فرق بين الذين دخلوا الجامعة و سعوا الى التنظيم النقابي المهني او الذين تجاوبوا معهم من المستوايات الدراسية الاقل و بالذات المرحلة الثانوية تلك التي أُستكثِر عليها ان تنصرف لهذه الامور و خُشِيَ أن تُقْدِم لاحقا على مواقف اكثر تشدداً، الامر الذي جعلها تُواجَه من العنف ما لا يتفق ابدا مع صغر السن و حداثة التجربة لولا ان الشجاعة كانت اقوى من الجلادين بكثير، انها المواقف التي ما لبثت أن أوجدَت استمرارية اقوى و كان موعدها ابريل 76 م وعقِبَ تفجّر الموقف الرافض داخل القوات المسلحة تلك التي أمكن لأقوى رموزها ان يغادر البلاد و يعلن موقفه عل مرأى و مسمع من الرأي العام العالمي ألا و هو الرائد عمر المحيشي الذي القى اخطر بيان نقدي لتردِّي الاوضاع الليبية في تجمع شعبي إلتأم بسوق الجمعة في طرابلس، فكان ما كان من مهاجمة الجامعة في طرابلس و بنغازي في الاسبوع الاول من شهر ابريل لتأتي حملة الاعتقالات التي طالت جميع قيادات الطلبة الذين تكونوا عقب سنة 73، فكان من حق الذين طالتهم تلك المحنة و تسنّى لهم حضور لقاءات دار الفقيه حسن و الاسهام في ما ينتظم بها من حوارات ان يدلوا بما لديهم حول النشاط الطلابي المُشار اليه، و كان اختيار العام الجامعي 76 م حيث أعَدّ كل من السادة رضا بن موسى و منصور بو شناف و محي الدين الكريكشي اوراق مكتوبة عن تلك التجربة إنطلاقا من ان بن موسى و بو شناف من الذين طالهم السجن فيما كان عقاب الكريكشي بالطرد من الدراسة نهائياً، و لتزامن هذا المنشط مع الذكرى الثالثة لرحيل الشاعر سنوسي حبيب مع هذا التاريخ كان إهداء الندوة الى هذا الفقيد الذي كان ضمن الذين عُوقِبوا بالسجن. و قد كانت الاوراق مجتمعة غنية بما حوته من تفاصيل عن احداث تلك الايام، بما سُرِدِ فيها من اسماء الامكنة و نوعية الحراك و مواقف الخصوم، كما ان ما حملته من مقتطفات شعرية صاغها في تلك الفترة الشاعر الراحل سنوسي حبيب تذكيرا جيدا بالمستوى الذي تحقق لشعره مبكرا و الذي لم يتم التوقف امامه عندما طغى الحديث بشأن السنوسي حبيب انطلاقا من الموقف العملي و الدور الاجتماعي و ليس المستوى الابداعي و الذي هو كما يعلم الجميع ما سيبقى منه لإحتلال المكان المناسب في الموسوعات الخاصة بالأعلاَم، فكان ضروريا ان نُلفِت النظر الى هذه الجزئية في التعقيب الذي تيسّرَ الاسهام به و الذي أوجزته لإفساح المجال امام النقابي و المناضل المعروف علي اللافي الذي اطلعني على ورقة أعدَّها في الخصوص عَنْوَنَها - بشاهد الحدث - و رَغِبَ ان تكون في الُمُفتتح بإعتبارها إضاءة، و بإعتبار اللافي مثل اكثر الناس إرتباطا بالعمل النقابي الطلابي و اكثر من الجميع مداومة على زيارة هذه الرموز و هي تقبع في السجن و قبل ان تُمنع من الزيارة و هو الموقف الذي خلّده الشاعر الفقيه صالح الذي كان سجينا هو الآخر بقصيدة بالغة الجمال خص بها علي اللافي و موقفه المُتفرّد.

لقد إستحظرت في المقام جموع السجناء الذين عرفتهم من قطاع الطلبة في تجربة 73 م من فصيل الطلبة الذين طالهم لاحقا الاعدام مثل محمد احفاف و عبد الرحمن بيوض و الذين انهاهم المرض و الاهمال امثال عبد العزيز الغرابلي و الذين ظلّوا صامدين و قد قاربوا الثلاثة عقود كالمهندس علي كاجيجي و الترهوني و العكرمي و القصبي و العجيلي دون ان اغفل مجموعة التغيرات التي عدلت من مواقف الكثيرين الذين لم يمنعهم بقائهم في صفوف المتعاونين مع العهد ان يكونوا اكثر اعتدالا،منهم من حسّنَ آدائه في ما أُوكِل اليه من مهام، و من كان اكثر إنصافا لخصوم الأمس و من رفض تنفيذ أوامر الاعدام و لقيَّ جزاؤه كما شهِدَ السيد عوض حمزة عن امتناع سعيد راشد عن تنفيذ الاوامر التي صدرت له بتصفية البعض، فكان ان قُتِل هو حسبما تردد في حينه، و كذلك من استنكر العنف في حينه شأن الدكتور محمد احمد الشريف الذي استنكر جريمة الاعدام كما تحدّث رضا بن موسى. و لا عجب، فقد كان المشوار طويلا و التجربة عريضة و لا مناص من ان يوجد الذين خلطوا عملا صالحا و آخر سيئاً، عسى الله ان يتوب عليهم و لتغمر السعادة و طول العمر من لا يزال في قيد الأحياء ممن شهدوا تلك الاحداث و لتمطر شآبيب الرحمة من ذهب الى حيث مصير الجميع، و ما من مقاربة للتاريخ في امكانها تجاهل تلك الشروط.إنتهى



______________________________

لكي نتفادى القول ان الغُزاة أرحم

أمين مازن

1-4-2016


تناقلت الفضائيات المحلية و العالمية تصريحات الكثير من المسؤولين الاوروبيين، حول نبأ مفاده ان نحو ثمانمائة الف مهاجر غير شرعي يعتزمون عبور البحر الابيض المتوسط، انطلاقاً من الشواطئ الليبية في إتجاه اوروبا، و بواسطة المجموعات المحترفة لهذه الانشطة الجامعة بين التجارة و السياسة و التهريب ايضاً، و لا سيما بعد ان وجدت في الشواطئ الليبية الطويلة، و مستحيلة المراقية في حالة وجودها ناهيك عن انها منعدمة في الغالب. و كان العمق الافريقي الناتج عن دول الجوار المتاخمة لليبيا من الجنوب و الجنوب الشرقي قد سهَّلَ عل نحو خاص قدوم هذه الاعداد المهولة، و إن تكن لا تخلو من المبالغة، كما جعل من الحالة الليبية الحرجة، خير مشجب يمكن لكل من يقترف هذا النوع المشبوه من التعيَّش دون ان يقع في سوء عواقبه، إن و هو يسهّل لهم الحلول بشواطئ الشمال الافريقي و من أي جهة تم الوصول، او السعي لتسللهم الى شاطئ الجنوب الاوروبي، ليأتي بعد ذلك سلسلة الاجتماعات التي لا تعرف التوقف لبحث المشكل الليبي و عدم الاستقرار الليبي، دون ان يتأكد احد على وجه اليقين هل ان هذا الاستقرار هو المنشود ام ان غيابه و المحافظة على هذا الغياب هو الافضل، و ما إصرار بعض الاطراف الافريقية على المجاهرة و المضي في كب الوقود على النيران المستعرة إلا الدليل القوي على صِحة هذا الافتراض. و مثلما كانت الموارد الليبية اثناء الطموح الزعامي الارعن سبيلا لإستيراد الكثير من المنتوجات غير الجيدة و تشغيل المجموعات العاملة غير المُدَربة كما ينبغي و بشروط استخدام غير دقيقة، خير مُنقِذ إن للانظمة الحاكمة او قادتها او الاثنين معا، فإن هذا الهدف ممكن ان يتحقق مرة اخرى، و بواسطة ملوك الطوائف الجدد الذين ليس لهم من هدف سوى المحافظة على ما لديهم من أختام رسمية يمكن بواسطتها منح المزيد من الاوراق الثبوتية، على الرغم من ان النظام العالمي الرقمي قد وضع الكثير من الاحترازات الكفيلة بوقف سوء استغلالها، و على رأي المثل القائل "الخانب يغلب العسَّاس" يوجد دوما من يسهِّل امكانية التسلل، كما ان إتساع الفرص و كثرة الممنوعات في مقدمة ما يتكفّل بتسهيل فرص الإستفادة، و لو من باب "حاميها حراميها" كما هو معروف. و مع ذلك فإن الحديث عن ثمانمائة ألف يعتزمون الهجرة غير المشروعة من خلال الشواطئ الليبية و قدومهم اصلا من الجنوب الليبي ، و اعتزامهم الدخول من جنوب اوروبا و هو رقم مبالغ فيه اضعافا مضاعفة إنما يُقصد به، عند توفر التحليل الواعي تهيئة الرأي العام العالمي لتدابير امنية توشك ان تُنفذ بواسطة اي تسمية من التسميات، فالبحر الابيض المتوسط وفق هذه الفرضية، لن يكون فيه اي مكان لغير القوارب التي ستصل الى الآلاف لحمل هذا الرقم المزعوم، و عندما يحتكم الى المبدأ القائل الوقاية خير من العلاج، و ان الدفاع يبدأ من منع الجريمة قبل وقوعها، فإن الاطراف المتضررة لابد ان تبدأ من أقاصي الجنوب لتصل في النهاية الى الشمال لضبط الدخول من هناك و الإبحار من هنا. فإذا وضعنا في الاعتبار ما يسود العالم من اجماع حول الكثير من مظاهر الفوضى الليبية و تجلياتها في السلاح المنتشر و اخيراً المشكل الاقتصادي الذي وصل اموال الناس و حاجتهم اليومية. فالحديث عن ثمانمائة الف يتهيأ للهجرة ليس اكثر من ثمانمائة ألف مبرر لما يُبيَّت للستة ملايين ليبي في يومهم و غدهم و بأيدي الذين يتقدمون الصفوف من ابنائهم وسط عجز و قصور، دفع الكثير من السُذَّج لا يترددون في القول بأن الغزاة أرحم، فلن يبذلوا اي جهد لمقاومتهم إن لم يرحبوا بهم مثلما فعل ذلك عديد اليائسين قبل مائة سنة خلَت.

وقانا الله تكرار الماضي. إنتهى



_____________________________

.لِنُدقِق في مسألة الخبز و الدقيق

أمين مازن

27-3-2016


قررت الجهات المختصة، بحسب وسائل الاعلام، رصد ملياري دولار امريكي لتغطية الاعتمادات المراد فتحها عن طريق المصارف، لاستيراد عدد من السلع الضرورية، و على راسها بالطبع مادة الدقيق، تلك التي ترتَّب على عدم توفرها الارتفاع غير المسبوق في ثمن الرغيف الى الحد الذي تجاوز اكثر دول الجوار ان لم نقل، جميعها حين يتوفر هذا الرغيف، ناهيك عن انه بلغ في بعض الايام حد الانعدام.

لقد أُعيد نبأ المخصصات المالية هذه مرات و مرات، بل و ظهر أكثر من مسؤول يتحدث عبر الفضائيات العامة و الخاصة على السواء، فيما بقى ارتفاع السعر الخاص بهذا الرغيف حيث هو، كما ترتَّب على الازمة المُشار اليها أن سارع عديد المختصين بشرح الظروف التي أدَّت الى إستفحال هذه الازمة و علاقتها بسوء الاداء إزاء سياسة تصنيع الطحين و احتياطات المطاحن، حتى لقد صار في مُكْنَة أي متابع لأراء المواطنين و اصحاب الخبرة في هذه الانشطة ان يلُم بالكثير من المعلومات المتعلقة بهذه الازمة و الظروف التي أدَّت الى استفحالها، بل و عدم الإطمئنان الى نجاعة الحلول المقترحة لها و المحدودة -حسب وسائل الإعلام- في فتح الإعتمادات المتعلقة بالإستيراد، و قد تبيَّن من خلال بعض الإحصائيات التي دأبَ على التحدث بها بعض المختصين ان هذه الازمة التي بلغت ذروتها في السنة الماضية 2015 كانت قد بدأت منذ سنة 2013 عندما بدأت الديون تتراكم على صندوق موازنة الاسعار و تزيد مرة اخرى سنة 2014 بحيث بلغت ذروتها سنة 2015 عندما عجز الصندوق عن دفع ديون المطاحن و لاسيما القطاع الخاص الناشئ علما بأن ديون الشركة الوطنية للمطاحن و الاعلاف المساهمة بلغت ربع مليار دينار أي ما يقارب رأس مال الشركة العامل أذ لولا ان هذه الشركة لها بعض الأنشطة البديلة أو لنقل الرديفة كالأعلاف و الكسكسي لعجزت عن تسديد مرتبات العاملين و الذين يصل عددهم الألفين. كما ان كما ان جميع ما استهلكه الشعب الليبي سنة 2014 و النصف الاول من 2015 لم يُسدد ثمنه أن للمطاحن العامة او الخاصة و بقيمة إجمالية تصل الى مليار دينار، بمعنى ان المبلغ الذي قد يُخصص لإستيراد الدقيق إن قُدِّرَ له ان يُخفف الازمة إلا أنه لن يسلك الاتجاه السليم و لن يحقق مردودا جيدا لعامة الناس، فإستيراد الدقيق بواسطة الخواص قد يطاله عدم الالتزام بالمواصفات عكس الاعتماد على المطاحن بشقيها العام و الخاص. فهذه المطاحن التي يصل عددها الاجمالي إثنين و اربعين مطحناً، ستة منها تتبع شركة الوطنية للمطاحن و الاعلاف بطرابلس و اربعة تتبع شركة المطاحن الوطنية بنغازي و ما بقى للقطاع الخاص المنتشر في البلد بالكامل، و التي تنتج مجتمعة ما يبلغ 2280000 طن من الدقيق في السنة و هي نسبة تساوي 80% من الطاقة التصميمية في حين يبلغ الاستهلاك العام 1120000 طن من الدقيق المدعوم بمعنى ان الطاقة الانتاجية تساوي ضعف الاحتياجات، فلا داعي للإستيراد خاصة و إن رفع الدعم -حسب المختصين- يؤدي الى خفض الاستهلاك بنسبة قُدرت بـ 30% و ان فارق السعر بين الاستيراد و المنتج المحلي يساوي خمسة و عشرون دينار للطن الواحد، مما يستوجب على ما سبق، مراجعة الامر لصالح المجموع، و لا مبرر لما قد يسوقه بعض المستفيدين من توظيف عوايد الاستيراد في تمويل بعض الانشطة، فنسبة عشرة في المائة لو زيدَت يمكن ان توفر المطلوب للإسهام في اي التزام عام، يستدعي المساهمة بشيئ من المال العام و لو على حساب ضروريات الناس، و كم يكون مُجديا لو ينتظم لقاء لأصحاب الشأن ممن لا تحوم حولهم شوائب الفساد للإدلاء بما لديهم في الخصوص.إنتهى



______________________________

الطفولة و الدستور و احلام يوسف الشريف

أمين مازن

4-3-2016

 

"عاشمين في الله الشمل ما يتفرّق **** لين روسنا تحت الثرَىَ تدرّق"


ذلك هو قول الاولين الذي حاصر ذاكرتي، و انا اشهد رفيق الرحلة و الفكر و الحياة "يوسف الشريف" يقف متماسكا غير عابئ بالزمن و العمر و المرض و الإحباط، لِيُسهِم في الموسم الثقافي لأصدقاء دار الفقيه حسن بالمدينة العتيقة في العاصمة، و يُلقي محاضرته و يُصغِي بعدها الى تعليقات مستمعَيه، حول الطفولة في الدستور المقترح، و الذي تؤكد جميع القرائن أن المُكلّفين بإعداده لن يفرغوا من مهمتهم في الموعد الذي لم يبقَ منه سوى بضعة ايام، و قد طافوا من خلال مُهمتهم هذه الكثير من مدن الداخل و الخارج، فحجم الأمل غير المبرر في كثير المرات هو الذى حدا به الى إنتظار الدستور في ايام ضاقَ فيها العيش و غابت الحيلة، و لم تَبقَ إلا ألطَاف الله، الذي طالما دعاه المُتَقُون من عباده، "ليس رد القضاء و إنما اللطف فيه".

لقد إستدعيت ذلك المشوار الذي يزيد في حساب الزمن على نصف قرن بتمامه و كماله، كنت اثنائه مُتَدَثّراً بِأُنسِ يوسف و آل يوسف، منذ ان إتسع لنا فضاء الثقافة و الحياة، عندما فرغ من دراسته الجامعية و وُجِهَ من الادارة العامة للخدمة المدنية الى الاذاعة، فيما كنت ضمن المُوَجهين الى وزارة الإبناء و الإرشاد كما هي التسمية الرسمية، عقب إلغاء المجالس التشريعية و من بينها المجلس التشريعي لولاية طرابلس، الذى شَهِدَ تأسيسي الثقافي و الاداري الذي كان على رأس المُسْهِمينَ فيه بالمجلس ثم الوزارة عبداللطيف الشويرف لنقضي هذا المشوار مع آخرين وثّّقتُ لهم في غير هذا المكان، عِشرة إمتدت و اتسعت لتجمع بين الخاص و العام، لقد كان يوسف من البداية الانسان الذي لا يدفَعهُ إبداعه القصصي القائم على تقنيات و مضامين الواقعية الاشتراكية الى معاداة بل حتى التقليل من الهوية القومية، و لا هاتين معا الى إغفال الاولوية الوطنية، ومثل ذلك تألّقهُ الادبي الى مهادنة السلطة التقليدية بما يخدش العِفّة الشخصية.

كان يوسف القومي الذي لا يقبل و لو على سبيل المزح النيل من أولئك الذين بادروا بمشروعهم الوحدوي عشية ظهور قاسم بالعراق، و هو الذي لم يغتَرِرْ ببعض المواقف الرافضة لدى صدام حسين عن مظالمه لمن كان يعرف من اصدقائه بالعراق و هو الذي يتصدى لبعض المعالجات الصحفية في اوائل ستينيات القرن الماضي حين لم تُعْطِ قاصّاً مثل بشير الهاشمي ما كان يستحق من الاهتمام و هو الذي يهدي اول مجموعة قصصية له الى الراحل خليفة التكبالي إعتزازاً بالرفقة المحلية و تخليداً لها، و هو الذي يصدر الاقدام العارية بإهدائه الدال و المحرض "لمن لا ينحني امام العواطف" و هو الذي يستوحي تجربة رموز خلت مثل عامر الدغيس و عبدالحميد البكوش و عبدالعزيز الغرابلي، و هو الذي يُداوم لى تواصل جمعَ فيه بين الأُخوّة و الأُبوّة، جيل الامس و جيل اليوم، الاديبات و الادباء، كما عبَّرَت بوعي أسماء الأسطى و هي تشارك في التعقيب و كذا محمد كانون الذي شَهِدَ بل و رعى مجلة أُفُق التي دامت عاما كاملا تدافع عن المستهلك الذي هو المواطن بالطبع و كانت مقالاته الاختتامية أصدق ما كان يعبِّر عن واقع الحال غير السار في تلك الايام.

لقد أسس يوسف عقب السابع عشر من فبراير صحيفة الليبي اليوم مُستَدعيا ذلك الدور الذى إضطلعت به جريدة الليبي التي اصدرها الاستاذ علي الديب قُبيل الاستقلال و بعده، و كان دورها مميز في جمع اكثر من طيف يتطلّع للافضل، و يرفض السائد، و قَبِلَ في وقتٍ لاحق حقيبة وزارة الإعلام في التشكيل الثاني للحكومة المؤقتة و كان يمكن ان يُحَقِق الكثير في هذا المجال ، لولا بعض قصيري النظر خُصُوم التنوّع الذين لم يترددوا في معرض إعاقته بعدم الخروج من مرافق القطاع و المُضي في احتلالها بدعوى الحراسة، و كان ان ألقى بها في وجوههِم و يعود متقاعداَ، ليعيش براتبه الذي صُرِفَ له قبل فبراير و من دون أي إضافات أفلحَ الكثير من نظرائه في الضَفَرِ بها، و يمضي في علاج جسده الذي بَرَته الامراض عن طريق الجراح التي أُجرِيت على حسابه الخاص في الداخل و الخارج، خلافا لما قام به عديد الاذكياء الذين طالما ضُمَّت اسمائهم و اسماء ابنائهم و ذويهم الى قوائم الجرحى في تركيا و عمّان و تونس، كلٌ حسب مساعيه و قوة من يقف خلفه، مُقتنعاً بالتقاعد الذي أُختُتِم بذلك التكريم الاهلي الذي صدر بشأنه ذلك الكتاب الذي حمل عنوان (جدل القيد و الورد) ستون يوسف الشريف تحرير احمد الفيتوري و من تعاون معه من مثقفي ليبيا الوطنيين .

لقد إستدعيت ذلك كله و بالاحرى إستحضرته و انا اراه متماسكاً وسط هذا الحضور المميز كمّاً و كيفاً بدار الفقيه حسن وسط عجز لا يُوصف عن الإصغاء لما كان يُلقى و ما ثنى به بعد عدد من الحاضرين و الحاضرات بشأن الطفل و الدستور، ليس لتدفق المشاعر و تداخلها بين الخاص و العام، و لا قرقعة اصوات بارود الزينة الذي كان يُطلق على نحو مزعج لتزامن حديث الثقافة مع مراسم عُرس بعض الجيران و الذي ارسل لنا رسالة بأن صوت السلاح و فعل السلاح فوق كل الاصوات، بل لان واقع الحال ينادي بكل الصدق قبل ان تفكروا في الطفل و حق الطفل، ينبغي التفكير في غذاء الطفل و دواء الطفل و أباء الطفل الذين تهددهم السيولة و ترهق ميزانيتهم مكافآت المشتغلين على الدستور و النيابة ممن تُعقد اجتماعاتهم خارج الحدود و تَنْقُل الكثير منهم السيارات المصفحة، بل و يعملون في الوقت الضايع.

لقد كانت سعادتي غامرة بكلمات الاتي و الذين عبّرَت كلماتهم عن المشاعر الصادقة و الامل العريض و الاحترام الجَم الذي يسير نحو الثمانين بإصرار لا يعرف اليأس في غدٍ افضل و أدب أصدق و طفولة اكثر جدارة بوطن الاجداد، و مُتَدَينين يذكُرُون ان يوسف الشريف أول من دعا قُرّاء ليبيا أو مُقرِئيها و هو يُدير الاذاعة الليبية لشهورٍ أربع على ضرورة تسجيل القرآن الكريم بأصواتهم بدل الإعتماد على الآخرين كما تحدّثَ لي القارئ الليبي الكبير محمد كريدان "ذات سجن ضمنا".

عسى الله أن يتجاوز عن كل من تبرّع بالإساءة و أصرّ على التعويق لهذا الصوت الذي لا يتأتّر بالألم و لا يتوقف للضغط المرَضي او السياسي، و لكن في كثير من الصمت، و القليل من الكلام و أُعِيد فقط ما قال الشاعر الشعبي: (( عاشمين في الله الشمل ما يتفرّق .... لين روسنا تحت الثَرَى تدرّق )).إنتهى



_____________________________


كيري يُحذّر.. فليتنا نعتبر

أمين مازن

26-2-2016


حذر وزير الخارجية الامريكي (كيري) ان لم نقل أنذرَ الاطراف الليبية المتصارعة في ليبيا من تحولها الى دولة فاشلة على خلفية العجز عن تشكيل حكومة الوفاق الوطني، بوصفها آخر الحلول لِما عانته البلاد من صنوف الصراع الذي لم يتوقف إحتدامه جرّاء انهيار النظام الذي استمر لاربعة عقود كاملة و أمكن الإجهاز عليه ضمن ثلاثة زعامات ارتبط الليبي منها بأكبر قدر من التخريب لم ينزلق اليه من كان شرق ليبيا او غربها.

لقد سبق تحذير الوزير الامريكي هذا تصريح لاحد الخبراء الدوليين بأن ليبيا في طريقها الى ان تكون دولة فاشلة، كما لم يُقصّر السيد طارق متري في البوح بالكثير مما لديه، و مثل ذلك الوزيرة الامريكية هيلاري كلينتون، مرشحة الرئاسة الامريكية اللاحقة، كما تزامن تحذير الوزير حديث عن هجمات قامت بها الطائرات الفرنسية بليبيا في مواجهة المتشددين، و هكذا اصبحت ليبيا و بعد سنواتِ خمس من سقوط النظام الذي حكمها اكثر عرضة للتهديد بالغياب من الخارطة السياسية بمعنى ان تًحكم بواسطة المجتمع الدولي، و ليس من دور لابنائها، حين يوجَد المقتدر مهم سوى ان يكون بين المساعدين. أما السلطة الحقيقية فستكون بيد المجتمع الدولي و بالتحديد الدول التي طردت من ترابها المستعمر الايطالي و حليفه الالماني، و ساهم بدون شك في تذليل صعابها و إن يكن إستأجرَ مناطق من ارضها، و عاصر في وقتِ لاحق نُمُوّها و لم يكن بعيداً عن الكثير من متغيراتها، بدءً من الاستقلال، و مرورا بسبتمبر، و اخيراً السابع عشر من فبراير و ما أحاطَ به من مفارقات و إكتنفه من أسرار. ليس خارجها ما صرّح به أشهر ضباط القذاذفة (مسعود عبد الحفيظ) عن محاولة فصل الجنوب الليبي.

و سيكون ضرورياً أن يكون واضحا امام الجميع، حالة ما إذا آلت الامور الى هذه الوضعية، أن قراراً دولياً قد يصدر في هذا الشأن، و أن يترتّب على ذلك تشكيل مجلس أو هيئة أو اي جسم آخر تُناط به مهمة تسيير امُورنا، على النحو الذي يتحقق من خلاله كَفّْ أذانا عن الاخرين، بل وصول حقوق المتساكنين جميعا من مغبّة قُصُورنا، إبتداءً من حفظ الامن الى ترتيب الخدمات و تحديد اولوياتها وفقاً لما يوجَد على ارضنا من مداخيل، إذ تحت مبرر مكافحة الارهاب و سد مخاطر الهجرة غير الشرعية و بقية انواع التهريب يمكن أن تُطلَق النيران من غيرِ ما رحمة في كل مكان، كما يمكن ان تُشَيد المباني او تُزَال و أن تٌفرَض المناهج الدراسية التي تُحِد من التطرف و تُمنع ثقافات العدوان، و ستتكوَّن هذه المجالس او الهيئات من الدول ذات العلاقة، و التي نراها هذه الايام و منذ سنوات تجتمع على اكثر من صعيد على اعتبار ان الدول المُشار اليها معنية بأمرنا و مُهددة بأخطارنا و مدعوَّة الى ترشيدنا، خاصة و ان ليبيا كما هو معروف ذات مساحة تساوي مساحة بعض الدول العظمى بأكثر من الضعفين، و يقطنها عدد من البشر يقل عددهم مجتمعين عن مجموع سكان بعض الاحياء في الكثير من مدن العالم، ما بالك و ثلثهم خارج البلاد، فالدولة الفاشلة هي التي تخضع للوصاية الدولية و ليس لأهلها سوى مساعدة رجال الوصاية.

أما عندما ترتفع الاصوات حول انتهاكات حقوق الانسان و تجلياته المتمثلة في التعذيب و القتل و الاغتصاب مما أجْمَلَهُ المتحدث الدولي لجرائم الحرب. فإن ما هو من قبيل تهيئة الرأي العام الدولي لأي مخطط ماكر يحتاج الى المبرر، على ان الذي ينبغي ان يكون اكثر من ذلك وضوحاً هو ان ما قد يُطمئِن به بعض اصحاب المصالح الذاتية انفسهم، و يُقلل إطمئنانهم هذا من ولائهم الوطني، معتقدين ان ما تَكوَّن لديهم من المال يمكن ان يضمن لهم العيش الذي يريدون لمجرد مغادرتهم تراب الوطن، إن ذلك محض خيال، بل لا بد من ان يَثِقُوا من استحالة بلوغ هذه الغاية لمجرد حدوث الكارثة لا قدّر الله، فعندما يعلن كيري او ينذر او يهدد بأن امتناع الفرقاء الليبيين عن التوافق المطلوب و الوحدة الضرورية فإن اعلان الدولة الفاشلة قد يكون الاقرب، ينبغي ان يُحمل على محمل الجد، فقد اعتمد اوباما مبدأ التدخّل في السنوات الاولى من حكمه و كان الحسم لطائراته و كانت هيلاري كلنتون وزيرة خارجيته و أكّدَ في ذلك الوقت المبكر وجود القاعدة بليبيا، و ها هو الآن يستعد لمغادرة المكتب البيضاوي و قد تخلفه هيلاري كلنتون فيبدأ عهدها بإعلان الدولة الفاشلة المحتاجة للتدخل بإعتبارها التجربة التي لم تُطبّق هذه الايام، فعلى كل ذي لَيسٍ ان يتوقف امام هذا التحذير، و ان الوحدة الليبية صناعة امريكية و الإبقاء عليها كذلك، و حبذا لو يكون التوافق بديل الدولة الفاشلة، و العاقل من يذهب الى أخَفّ الضررين و أهوَن الشرّين.إنتهى



____________________________

اربط الشر ما دام قعود قبل ما يولّي جمل

أمين مازن

9-2-2016

لم يكن غريبا بقدر ما كان منتظرا ان تعمد مجموعة من الليبيين المقيمين في المهجر المصري الى مقاطعة الانشطة الثقافية الى التشويش على بعض الذين إلتقوهم في قاعات معرض القاهرة الدولي للكتاب كمحاضرين او مشاركين بلأُمسيات الثقافية المنتظمة بالمعرض المذكور، و يكون ذلك على مرآى و مسمع من الناس، باعتبار ان الذين افلحوا في إدراج اسمائهم سيوظفون حضورهم لما يرون فيه الصواب حول الافراد و الجماعات و الاحداث، و بالجملة ما يمكن ان يُطلق عليه الخطاب الثقافي في شقيه الابداعي والسياسي الامر الذي لا يمكن ان يكون موضع إتفاق بين اولئك الذين ظمّهم المهجر الكبير.

ذلك ان مرور خمسة اعوام على فبراير 2011 و ما شهِدَته من احداث بدأت بالسلاح و انتهت بسقوط النظام، و من ثَم الدخول في ما تَلا ذلك من متغيرات حَفِلت بالكثير مما طال الناس في حياتهم اليومية و غير اليومية في الداخل و الخارج لا بد ان تؤدي الى هذه الوضعية، وضعية الخروج عن الصمت في مثل هذه المناسبات، بل لابد من مقاطعة كل من يَرى فيه من إستشعر الضرر أن كل من حظى بالحديث يمكن ان يمثل الخصم و تعمُّد مواجهته على أي مستوى من المستويات، اما اذا كان هذا الذي حصلت مواجهته قد سلك في حياته العملية اكثر من مسلك اي قبل السابع عشر من فيراير و سيقول الكثيرون ان ذلك هو الموقف الطبيعي فلا احد فوق النقد و لا احد يمكنه ان يكون بمنأة عن غضب الناس حين يطفح الكيل و تتوفر شروط التَحَرُّك و لو في الحد الادنى، ما بالك و إن سِجل التجاوزات التي طالت الناس داخل البلد و خارجه قد تعددت و صارت تُكَوّن مادة تمثّل اقوى الشواهد على سوء الاحوال، كمّاً و كيفاً على السواء هي تجاوزات مجانية و كان من الممكن ان يُحَال دونها لو وُجِدَ القدر القليل من العقل الذي يستوعب الواقع و ما يتوفر عليه من الدوافع التي تُرجَّح كفّة هذا التوجه وعلاقتها بمصلحة من يأخذ بها قبل ذلك الذي تُمَارَس نحوه، بمعنى ان كل ما اخذناه على الماضي، اي ما قبل فبراير، لم نستطع اليوم النجاة من عيوبه، بل لقد اعدنا انتاجه اضعافا مضاعفة و في اقصر الآجال. و قد كان من سوء الحظ أن وُجِدَ جيش اعلامي غبي خُيِّلَ للعاملين في قِلاعه أن تكرار شتم الماضي يمكن ان يُخفي سَوأة الحاضر فكان ما كان من زيادة حجم الإحتقان الذي لم يتردد في التعبير عن مشاعره هذه خارج الحدود كهذا الذي شهِدَه معرض القاهرة الدولي للكتاب.

و قد يَسُوُغ التذكير هنا بأن التَفَطُّن لهذه الوضعية كان قد حدا بالبعض من البداية الى المسارعة بالتحذيرمن خطورة الاستسلام لنظرية المغالبة التي أغرَت بعض قصيري النظر عقب سقوط النظام مباشرة و بمجرد الفراغ من انتخابات المؤتمر الوطني التي أُجريِت اثناء توازن القوى، عندما تبنّى قصيروا النظر الدعوة الى إقصاء كل من كان له وجود ملموس في عديد الساحات قبل فبراير و وضعه في عِدَاد الذين لا يُعول عليهم في العهد الجديد، سواء حُوسِبَ او لم يُحاسَب، و هو تحذير لم يصدر عن مبدأ الرأف و إنما لمعرفة النسيج الاجتماعي الليبي من ناحية و ظروف الواقع من ناحية اخرى. إذ فضلا عن قوة الروابط بين ابناء الوطن الواحد التي تحول دون المضي في الإساءة الى آخر المشوار. فإن ما يَعُج به الواقع من اغراءات الاستفادة ستُعَجِّل بالوقوع السريع في مستنقع التجاوز الذي ستكون مصلحته ان يُحْسَب الجميع في خانة واحدة امام المشاهد، و إن هذا المشاهد لا مناص من ان يتخندق مع الاكثرية الساخطة و لو جمعت اليه بعض الذين اخطأوا اكثر منه ذات يوم فالأسْلَم و الحالة هذه و حسب التحذير المبكر هو التوجه الى المستقبل و اعتبار الكثير مما مضى كأن لم يكن. لكن لأن التشدد كان سيد الموقف كان على الكثير من الناس ان يكتفوا بالإبتعاد، داخل الحدود او خارجها، إنتظاراً لمجئ الظرف الافضل، فإذا ما لاحَت هذه الايام بوادر ذلك ها نحن نشهد ما جرى بمعرض القاهرة الدولي للكتاب و ليس من المُستبعد أن نشهد ما هو اكثر في معارض اخرى مستقبلاً. مما يعني وجوب ملاحظة الظاهرة و الانتباه لما تُشِيِر اليه، فكل بداية لا بد ان تكبُر و تُسهِم في فتح الابواب على ما لا يُتَوقع من الاحتمالات ما لم يكن العقل سيد الموقف، و إن كل إمعان في التقليل من امكانية الخصم او التعويل على ضعفه هو من قبيل سوء التقديرالذي لا تُضمَن السلامة معه دوماً، و قديما قال أهلنا في امثالهم ( اربط الشر مادام قعود قبل ما يولّي جمل).إنتهى



____________________________

إللي عند لسان يركّبه حصان...و لو من خشب

أمين مازن

3-2-2016


هكذا يقول المثل الشعبي الليبي، في معرض توصيف المتكلم البارع على إلباس الباطل لباس الحق، إن فيما يخص الافراد و هم يقترفون افدح الاخطاء او السُلَط و هي تتبع اسواء السياسات. فكيف اذا كان هذا اللسان تيِسّر له ان يمتطئ جواد الفضائيات العصرية سواء كان مالكا لها او مسيِّرا لبرامجها، فمن هذه الشاشات الصغيرة التي لا يضفر بالظهور عليها إلا من حُدِّدَ دوره سلفا في تمرير السياسات المرسومة ابتداء من الواقع المحلّي حيث جمهور الفضائية و قِبلة توجهها، او حيث المحيط الاوسع حيث الحلفاء الاقربون من خلال التوجه او الذين يتقدمونهم من حيث التمويل، حيث لا يخفى على الملاحظ هذا التماسك العجيب بين هؤلاء الركاب الذين لا يخطئون في اي مصطلح من المصطلحات و لا يغفلون ن اي مظهر من المظاهر التى لا توفر شيئا في ادانة من تختلف معه في الرأي و هي تُرتب الحوارات الرامية الى ترجيح كل ما أُنشِئت الفضائية من اجله، بدءً من التشكيك في جدوى الحزبية في العمل السياسي، بما تُسوِقه من مجانية الادانة للجميع كإن التجربة الانسانية لم تعرف الرأي القائل بأن الحياة دوما تعرف السيئ و الاسوأ، و الضار و الأهون ضررا، و ان مخالفة الانظار هي دون غيرها التى تُروج السلع، و ان العالم الذي طوّر الدواء البدائي حتى وصل المضاد الحيوي هو ذاته الذي طور المشورة لتشرك العامة، و اقترح التعاون الاقتصادي بين الامم بما يضمن المردود لكل من يمول وفق شروط لا مجال فيها للتهرب و لا خلط بينها و بين الإحسان بما يجعل المشاهد و هو يتابع هؤلاء الذين تمتلئ بهم الشاشات الصغيرة مدافعين عن سيئ السياسات، متبرعين بإدانة جميع التنظيمات لو يجد القوة للحظة واحدة فيقول ما يجب قوله و لو كان الثمن هو الصمت الابدي، فيزداد يأسا من امكانية تحقيق أي امر ذي نفع يطال الناس كافة و ليس المستفيدين من هذه الفضائيات بما يُروجونه من سَفه القول و يُرسخونه من سطحي الاحكام، مما يجعل من هؤلاء المدمنين على هذه الفضائيات و هم يؤدون ما يتكلفون من آراء متبرعين أو مُسخَرين بين امرين احلاهما مُر، فهم إما غير مهتمين بما ينفع الناس، او عامدين على التضحية بهم، بحيث لم يبق لهم سوى اللسان الذي حسِبوا انه سيركّبهم على الحصان، دون ان يُدرِكوا انهم يركبون حصان الخشب الذي لا يغادر المكان.إنتهى



_____________________________

..لنجعل صلحهم النموذج الأمثل

أمين مازن

23-1-2016


اثلجت صدري الاجابات الواضحة و الصريحة التي أدلى بها احد شيوخ القبائل الغربية، مُعّلِقا على المصالحة الاجتماعية التي أُبرمت في الآونة الاخيرة بين بعض قبائل الجبل الغربي، و آخرها الزنتان و ككلة أمكن بواسطتها عودة الذين هُجِّروا الى بيوتهم و كذا الذين غُيِّبوا الى ذويهم، و قفل محضر المصالحة بقاعدة مُوَقَعة من الجميع هي ان كل من يُقْدِم على تَصَرّف ينقض الصلح فلا مهرب من ان يتحمّل فعله بمفرده، و لن ينجرّخلفه بقية ابناء القبيلة، فبهذه القاعدة لا يملك اي مغامر سِوى ان يتحمّل مسئولية فِعله، بدلاً من ان يتَستَّر خلف الغطاء الاجتماعي، و هي قاعدة كانت بعض مناطق الوسط (الجفرة تحديداً) قد اقرّتها منذ سنوات و كان لها اثرها الحاسم في الحَدْ من عديد الحماقات.

لقد تحدث الشيخ المُشَار اليه بكل الصراحة داعيا جميع العقلاء بضرورة رعاية الاتفاق و ترسيخ قاعدته هذه خشية الخطاب المزدوج الذي كثيراً ما يقترفه البعض فَيُقِرّون عَلَنَاً ما يَنقُضُونه سِراً، بل انهم بأحاديثهم الخاصة و صراعهم نحو الوجاهة لا يترددون في تسفيه اي إتفاق مما يشجع السفهاء على النقض بل و التطاول على افضل الحلول و اكثرها واقعية و اقدرها على تهدية النفوس و اعادة الامن للجميع، فلا تُقفل الطرق العامة و لا تتعطل الخدمات و لا تكون تونس اقرب من طرابلس جرّاء الخلافات المفتعلة و المعارك المستمرة و التي ما كان لها ان تدوم لولا ان عدد من الانتهازيين و ذوي النفوس الضعيفة حين أفلحوا في توظيف الظروف الطارئة بتحقيق الكثير من المكاسب المادية و المعنوية من مراكز وظيفية و مساحات عقارية و سيارات كثيرة عبّرَت عنها افراح ابنائهم و بناتهم و رحلاتهم التي لا تعرف التوقف عند مواسم العمرة و تقارير العلاج.

و عندما فاحت روائح الفساد و استطاع البعض ممن وقع عليهم الظلم ان يستردّوا انفاسهم و يسعوا الى استعادة ما فقدوا كانت تهمة الازلام التى تُلقى كيفما أُتُفِق خير مُعِين على ضمان اسباب البقاء في افضل ما امكن الحصول عليه بل و حتى زيادته، فإذا ما قَويت دعوة المراجعة و استطاع عديد المظلومين من فرض حالة من الرأي العام الذي لم يتوقف عند استنكار ما جرى في جُنح الظلام و ما لُفِّق في غياب العقل و انعدام الحقيقة اخذ هؤلاء يتبنون الدعوة الى المصالحة الاجتماعية القائمة على التسطيح و على ضمان الابقاء على ما تحقق بحجة دفن الماضي و البداية من جديد، و هي ذات المغالطة التى سادت في العقود التي سبقت فبراير عندما كانت البداية من جديد هي الصوت الذي يتردد أما الفعل السيئ فهو وحده ما يستمر.

كانت اجابة الرجل واضحة و صريحة، و قد جمعت بين الحض على صَون المصالحة و تحمّل المسئولية في الجانب الاجتماعي دون ان تُقلل او تُغفل الحق الشخصي الذي سيضمنه القانون عندما يُفعّل . اما المذيع الذي لم يكن يهمه سوى اتمام دقائق البرنامج و الوقت المخصص له في القمر الاصطناعي، فقد وجد في العدالة الانتقالية و قانونها المنتظر ما يُغني عن إثارة اي سلبية من السلبيات التي سادت الحياة و هدرت المصالح و سَهّلت طريق الكسب الشخصي على مختلف المسئوليات بما في ذلك الجانب الاعلامي و مثله الوَعظي و الثقافي الذي سهّل الطريق امام القدرات الضعيفة ان تعض التجربة في الصميم، بقى ان يكون معلوما للجميع ان ابواب التسوية حين تُفتح فليس من احد يمكنه ان يقفلها و لو استطاع ذلك بعض الوقت، و لانها في مقدمة الخطوات الاكثر سلامة نحو المستقبل، فليس امام كل ذي لُب سليم الا ان يثمّن كل جهد يبذل بصددها كهذا الذي شهده الجبل الغربي و جاءت إثره هذه الاجابات الواضحة الصريحة، فتعيّن ان نحييها بصدق و نؤكد انها يجب ان تكون النموذج الامثل، و الاجدر بالاحتداء.إنتهى



____________________________

وَسِوى الرومِ خَلفَ ظَهرِكَ رومٌ

أمين مازن

17-1-2016


تشهد العاصمة الايطالية مرة اخرى احد المؤتمرات الدولية المهمة المكرسة لبحث الاوضاع في ليبيا، و التي صارت تُعرف بالقضية الليبية، هذه القضية التي قُدِّر لها ان تأخذ في التفاقم منذ سنوتٍ خمس، اي بعد مائة سنة من رسُوْ سفن ايطاليا على الشاطئ الليبي بالكامل على خلفية ما إستشعرته ايطاليا يومئذ من احقيتها في احتلال هذه البلاد و التي كانت حتى ذلك التاريخ تابعة للإمبراطورية التركية التي لم تعد قادرة على إدارة شؤونها ناهيك عن ان تُدير شؤون غيرها، فقد كانت ليبيا آخر ما تخلّت عنه تركيا لصالح ايطاليا الصاعدة،و هذا لم يجد القبول لدى الكثير من العسكريين الاتراك الذين وُجِدوا بليبيا بحكم وظائفهم و كذلك عديد الوطنيين الليبيين الذين عز عليهم ان يُحكَموا من طرف غيرهم فتحركوا عبر جميع المدن و القرى رافضين ذلك العدوان و مُتَصدين له يقوة السلاح مرة و المفاوضات مرات اخرى و كان ما كان من رحلة الكر و الفر التي إنتهت بِميل كفة الاستعمار، مما لا يتسع المجال للخوض فيه الآن، غير ان ما كان مُقنعا لاطراف كثيرة في العالم هو حالة الفوضى التى سادت البلاد و تحوُل الخلاف بين كثير من شيوخ القبائل و رؤساء الجماعات الى حروب اهلية تسببت في موت المائات ان لم نقل الالاف كما حفِظت الوثائق.

على ان هذه الاستظافة التي بادرت بها ايطاليا للمؤتمر المذكور و التي يسبقها الاجتماع الذي عقده مجلس الامن الايطالي الى جانب ما يُعقد بامريكا و فرنسا من اجتماعات، تصُب مجتمعة في مجرى الاستعدادات المتعددة لمواجهة ما يُطلق عليه الخطر الداعشي فضلا عن افواج الهجرة غير الشرعية التى لا تعرف هي الاخرى الانقطاع انما تُؤذَن مجتمعة بالتدخل العسكري الذي لا يعرف احد حجمه و لا اماكن حدوثه، اما اذا وضعنا في الاعتبار ما تكابده الاغلبية الساحقة من المواطنين الليبيين من العوُز في العَيش و غياب الطمأنينةلإنعدام الامن، فإن ما يُبَيّت و ما قد يُنفذ لن يُقَابَل بالإستنكار الذي يتوقعه الكثير من ذوي النوايا الطيبة ممن يتوقعون امكانية جدوى الحوار اليبي و في غيبة الرف الثالث الدولي تحديدا،

و حَسْبُ المرء ان يُشير هنا الى هذا التَدَني غير المسبوق في القيمة الشرائية للدينار و هذا الارتفاع غير المسبوق هو الآخر في اسعار الضروريات الغذائية و الدوائية، و الذي لا تعود اسبابه الى الاجنبي فحسب و لكنه يعود بالمقام الاول الى الغياب الكامل للسلطة، فمن إدخال السلع بدون رقيب، الى تصدير الالات المتعددة الى كل ارجاء العالم لتباع بالعملة الصعبة ثم تدخل فتُضَاعِف دخل الحُذّاق و الاقوياء، و تأتي على كاهل المغلوبين على امرهم من الضعفاء.

اي ان هذه المطالب المُلِحّة لعموم الناس من شأنها ان تُقلِل من اي تأثير يُذكر، لما يُكثِر تريده مُحْتَرِفوا الظهور على شاشات الفضائيات الخاصة و العامة معلقين على هذا الخبر او ذاك، متوهمين انهم بهذا الظهور قد امتلكوا القدرة على التحليل، او ان ما يخوضون فيه من شعارات مكرورة و عبارات رنانة سيكون لها اي أثر اذا حصل الإقدام على فعل من الافعال التي يؤكد اكثر من طرف او لنقل مراقب ان ساعة الصفر وحدها هي التي لم تُحدَد بصددها بعد.

و بالتالي فإن ما يفرضه الموقف بالفعل هو سحب البساط إن امكن و ما من سبيل اكثر جدوى سوى مواجهة الواقع بشجاعة حاسمة و رؤية واعية، و اول خطوة في هذا السبيل نبذ فكرة الاقصاء لاي طرف من اطراف المجتمع، و استبعاد نظرية الغالب و المغلوب و ان الجميع بعد هذه السنوات الخمس لهم اليوم حظهم الكبير في سجل الاخطاء، و ان ايطاليا التي ارسلت سفنها قبل مائة سنة و كانت الفوضى السائدة في ليبيا مبررها الاساسي يمكن اليوم ان تعطي المبرر لآي تدبير عسكري بالذات، كما ان لعبة الوفاق الدولي قد تجعل الدور الايطالي المُنتظر اكثر قوة، فدور ايطاليا في حملة الناتو التي شهدتها بلادنا قبل خمس سنواتلا مجال لإنكاره، و قدراتها الصناعية مدنياً و عسكرياً شديدة الوضوح،و لاسيما طائرات الاباتشي الكثيرة و المتطورة، و ان الحاجة اليها اليوم ستكون اكثر مما مضى، حالة الشروع في التدخل المرتقب، كما ان الرأي العام الايطالي و مثله الاوروبي مُهيأ بما لا يُوصَف للتأييد العارم.

اما اذا وضعنا في الاعتبار أن كل ما يُدَبَّر و يُدرَسْ و يُعَد للتنفيذ قد شمَل ضمن ما شمَل دول المحيط و التي لها معنا حدود يدخل و يخرج منها كل شيئ، و ان الاكتضاض السكاني لدى الغير يقابله فراغ لدينا مخيف و ازدحام بالوافدين المؤدلجين و المرصودين بالطبع، فإن من المضحك حقا ان يعتقد كائن من يكون ان المسيرات يمكن ان توقف ما يُبَيّت، و كم يكون مفيدا ان نتذكر جميعا ان المسيرات المليونية لم تستطع فعل اي شيئ عندما دقت ساعة الصفر، سواء منذ سنوات خمس او مائة سنة قبلها و قديما قال شاعرنا الخالد .. و سِوَىَ الرومِ خلف ظهرِكَ رومٌ*** فَعَلىَ أي جنبيكَ تميلُ.إنتهى



_____________________________

مسؤليتنا إزاء الثالث عشر و الرابع عشر من يناير 1964

أمين مازن

8-1-2016


تستعيد الذاكرة الوطنية في ايامنا هذه ذكرى الثالث عشر و الرابع عشر من يناير 1964 اليوم الذي إصطدمت فيه الحركة الطلابية الصاعدة مع السلطة الامنية الليبية التي ضاقت ذرعا بالحراك الطلابي الذي خرج الى الشارع بمناسبة إعادة النظر في المعاهدة البريطانية التي كانت قد أُبرِمِت قبل ذلك التاريخ بسنوات عشر أي عقب الاستقلال مباشرة، و التي تعهدت بموجبها ليبيا المستقلة بتمكين بريطانيا من إستعمال بعص المناطق الليبية لإقامة الجنود البريطانيين لقاء معونة مالية قٌدِّرت يومها بما يغطي الاحتياجات الليبية الضرورية لتسديد نفقات الحكومة الناشئة و ما كانت مُطالبة به في مجال الخدمات التعليمية و الصحية و ما يُطلق عليه ميزان المدفوعات، إذ كانت البلاد عاجزة اشد العجز عن الإيفاء بأي إحتياج من الإحتياجات و لا مناص لها بالتالي من ان تقبل بتلك المعهادة و إن تكُن غير متكافئة، إذ لم يكن لتلك الوضعية من بديل على الرغم من إدعاء بعض الاشقاء العرب و بالتحديد مصر بإمكانية تقديم ما كانت الدولة بحاجة اليه، إذ كانت المفاجأة ان أُشتُرِط للحصول على أي مساعدة القبول برقابة صارمة على أوجه الصرف الامر الذي رآه الآباء إهانة لهم و تخلّياً عن استقلالهم الذي تحصلوا عليه بفضل كفاحهم و كفاح ابائهم من قبلهم.

و لمّا كانت هذه المغالطة قد إنطلَت على اكثر الناس من جيل الآباء حضورا في الشارع الليبي السياسي، كان طبيعيا ان يكون تيار الرفض للعهد الجديد اكثر تأثيراً، و لمّا كان هذا العهد من جهته لم يبذل جهداً يُذكر في سبيل رأب الصدع و توحيد الكلمة، بل حدثت بعض الجزاءات غير المُنصِفة و غير المُتسَامِحة كانت النتيجة مزيدا من السباق نحو عدم الثقة و تبادل لعنة التخوين، و هكذا كانت تلك الفترة التي زادتها الايام إتساعاً وقد بلغت ذروتها في عهد أكثر الحكومات قبولا في الشارع الليبي هي حكومة الدكتور محي الدين فكيني الذي إرتبط وصوله الى ذلك المنصب بتحقيق وحدة البلاد ذلك المطلب الوطني الكبير، و الذي كان يمكن ان يكون وقعه في الشارع الليبي اكثر تأثيراً لولا أن تبَدُّل الاحوال الاقتصادية بدأ يفعل فعلته في الاوساط الشعبية، بل ان الشروع في تصدير النفط قد أوجدَ هو الاخر مجالات اكثر إغراء لكل من لديه القدرة لى المناورة و من الاشقاء العرب بالذات و هكذا صار التأثير الخارجي اكثر قوة و لا سيما ذلك المُتَشِح بالرِداء القومي، فكان لذلك كله تأثيره في النشاط الطلابي و في الموقف المُعادي للسلطة و المُصِر على وصفها بكل ما ينال منها صَح ذلك أم لم يصُح، مما جعل من احداث الثالث عشر و الرايع عشر من يناير ذكرى من الذكريات المؤلمة التي تتجدد فيها الإدانة للعهد و لو كان البديل مُتَمثلا في عهد لم يستنكف الدخول الى الطلبة في جامعاتهم و شنقهم امام مدارج كلياتهم، و يستمر الحديث عن احداث الثالث عشر من يناير على نحو شديد الوقاحة، إن وُجِد نعت يفوق كلمة وقاحة إزدراءً.

لقد كانت هذه الحادثة بدون شك واحدة من سلبيات تلك الايام، و كانت حولها من الخلفيات التي لم يتفطّن اليها اكثر الناس وطنية ممن خلبَت ألبابهم من الافكار و إستهوت مواقفهم من الافعال ما حال دون جدواها عجزهم عن إختيار الاولويات ما حال دون إستمرار قطار التطور في التحرّك ليكون الطريق سهلا امام المغامرة التي فعلت ما فعلت مستفيدة من الثالث عشر و الرابع عشر من يناير و الذين أعماهم جميعا ما أَطلق عليه الاستاذ يوسف القويري هستيريا المال وهو يكتب على صفحات جريدة الحقيقة التي جسدت يومئذ ما كان يسود الواقع من التشويش و التداخل و العجز المطلق من تبيّن الخيط الابيض من الخيط الاسود و هو الذي دام كي يزداد قتامة و لقد أُعِدَّت عن تلك الاحداث دراسات كثيرة، و أُزِيل الستار عن الكثير من اسرارها، و ثمة إصرار على سرية بعص ملفاتها، على ان السؤال المُلِح والمطلب الاكثر إلحاحاً، متى يجلس الاحياء من جيلنا فيدلون بشهادتهم، ليس بتقديم الماضي و كأنه الفردوس المفقود او الخالي من اي عيب، ولكن فقط كبداية كان يمكن ان تتطور و ان الثالث عشر من يناير ليس جريمة كما نُظِر اليه يوم وقوعه و ليس بطولة كما سوِّقَ اليه بعد ذلك و لكنه حدث له ما له و عليه ما عليه، و ان النظرة الوطنية المسؤلة لا تملك الا ان تعود الى تلك المرحلة و ما أحاط بأحداثها من اسرار ما لبثت الوثائق الاجنبية على نحو خاص ان كشفت عنها، من خلال تلك الجهود العلمية الجادة التي تناولت احداث ذلك الزمن و التي كان ابرزها ما انجزه العمل الموسوعي الضخم الذي قدمه الدكتور محمد يوسف المقريف حول فترة الاستقلال و حكومات ما بعد تصدير النفط على وجه التحديد، و كذا مجموعة المذكرات السياسية التي لم تخلُ هي الاخرى من عديد المعلومات و الوثائق، فلا شيئ يفيد الحاضر و يدفع نحو المستقبل اكثر من مراجعة الماضي بوعي و مسئولية و شجاعة تبدأ من نقد الذات قبل الاخرين. فقد هزت تلك الاحداث اركان النظام القائم و الذي كان في حاجة الى الاصلاح و التطوير بدلا من الهدم، و كان حظ الداعين الى الهدم أوفر حظا و ربما وجد من يناصره اكثر من سواه، غير ان السؤال اين نحن من ذلك الزمن، لقد طرحت هذا السؤال ذات لقاء ببيت المناضل الكبير عبدالله شرف الدين و بحضور المرحوم و المناضل ايضا عزالدين الغدامسي، و قد إستوعب رحمه الله سؤالي و اجاب بما اجاب، و اشعر ان السؤال كان و ما زال اكثر إلحاحا مما عداه.إنتهى



____________________________

موقع الكاتب والاديب : أمين مازن

  www.aminmazen.com © 2020- 2008

طرابلس - ليبيا

Tel 0913245901