2017شئون ليبية

هل تثني تصريحات الأطلسي روسيا عن مصالحها

أمين مازن

أكد المتحدث الرسمي بإسم الحلف الأطلسي تصميم الحلف على مقاومة التوجه الروسي المنتظر للإنحراط في المسألة الليبية، بما يحقق لروسيا وجودها الرامي إلى كسب موطأ قدم في البحر الأبيض المتوسط، إنه الإحتمال الذي سبق أن أشرنا إليه في مقاربة من مقارباتنا التي يجدها من يهمه الرجوع إليها في الموقع أو الصفحة، و كانت قد نُشرت على أعمدة صحيفة فبراير قبل وأدها منذ ما يقرب من سنة ضمن بقية الصحف التي كانت تأوي أعداد كبيرة من ذوي المهنة، أولئك الذين ضمتهم هيئة الصحافة و وجدوا فيها ما مكنهم من المساهمة بما يرونه تجاه الواقع لولا أن عُطلت مجتمعة بحجة العجز عن تسديد نفقات الطبع، في الوقت الذي لم يتوقف التعيين في الهيئة المشار إليها بل و إصرارها أي الهيئة على الإحتفال باليوم العالمي للصحافة و إقامة الأنشطة الجانبية ذات المبرر للإنفاق غير المشروع، و ما ذلك إلا لأن المجلس الرئاسي سامح الله مسئوليه لا تدخل المسألة الصحفية، على ما يبدو، ضمن دائرة إهتمامه فيما أوجد ضعف و بالأحرى إنقطاع حبال الحكومة المؤقتة ما جعل الصحافة و هيأة دعمها بمنأى عن أي إشراف مسئول، كما أن المساعي الرامية إلى إعلان نقابة للصحفيين لما إتصفت به من محدودية المتحركين لبعثها لم تستطع أن توجد أي مستوى من مستويات الضغط لإعادة الإعتبار للعاملين في الحقل الصحفي، خاصة و أن الفضاء الألكتروني أوجد التعويض لكل ذي رأي جاد، و من هنا فإن ما رددته بعض القنوات ذات الخطط المرسومة من مشاعر الإرتياح إزاء التصريح الأطلسي، لما يُنبئ به من إمكانية إستمرار ما ظفرت به من حرية التحرك، قد لا يكون في محلّه لأن الخطط الروسية لن تتوقف جرّاء ما يدفع به الآخر، فلكل دائماً حساباته و ليبيا كما قلنا و نكرر واحدة من الدول التي أوجدتها نتائج الحرب العالمية الثانية، و الحق الروسي بدون شك نحوها ثابت، و ما دام الإنقسام قائماً و سوء التصرف سيد الموقف، سيكون خاسراً كل من لا يزال يحلم بإمكانية إقصاء أي طرف من الأطراف الليبية القادرة و غير القادرة أيضاً، فالتاريخ يعلمنا أن أول الثغرات التي يتسلل منها الآخر هي تلك المتمثلة في وجود طرف من أطراف المجتمع يستشعر مرارة الظلم في أي مجال من المجالات، أما إذا توفرت الأكثرية التي تعاني الحاجة و تفتقد أبسط الضروريات، فإن الطريق يبدو أكثر إتساعاً و أخيراً فإن حلف الأطلسي و إن أعلن عن عزمه الرامي إلى مقاومة التدخل الروسي المتوقع في الحالة الليبية إلا أن ذلك لا يمنع من التفاهم بدلاً من الإصطدام، فبلد بهذا الحجم و تشرد بهذا المستوى، و مظالم بهذا النوع لن تؤدي إلا لمزيد التدخل الدولي، و روسيا طرف دولي قادر يملك القوة و المسوغات، و إذا كان قد أفلح في إعادة الشرعية لمجلس الأمن دون غيره فيما يخص ليبيا، فإن ذلك يعني أن من المستجدات ما لا يسمح للأطلسي أن يعيد حول ليبيا سيرتها الأولى، فالتاريخ لا يعيد نفسه و إن خُيِّل للبعض أنه يفعل ذلك، أما إذا إستدعينا ما يحفظه التاريخ من أن روسيا التي لم تضع ليبيا في أولوياتها في العام 49 ما لبثت أن ظمنت وجودها لمجرد سقوط النظام الملكي سنة69 بما صدرته من الأسلحة التي بلغت مليارات الدولارات و ما حصدته من راديكالية النظام إلى أن تم الإجهاز عليه في مطلع هذه العشرية "2011" في ظروف غير متوازنة و يتم اليوم معالجة ترتيبها و تحت مصطلح محاربة الإرهاب بالذات و في شمال أفريقيا بالكامل مما يجعل التصريح الأطلسي ليس أكثر من الكلام الذي يُصطلح على وصفه ببضاعة الإستهلاك المحلّي، و عسى ألا يطول الإنتظار.إنتهى

____________________________

لنا و ليس لهم

أمين مازن

23-12-2017

تحدثت الأنباء و أكدت صور التلفزيون قيام وزير الخارجية الفرنسي بزيارة ليبيا، و إستقباله على نحوٍ خاص من السيدين -مع حفظ الألقاب- فايز السراج و خليفة حفتر، حاثّاً إياهما على المضي في إنجاز إتفاق الصخيرات بما اقترحه من حلول لتوحيد السلطة الليبية، أو كما عبّرَ بالخروج بليبيا من ما ترزخ تحته من الفوضى، على قاعة توحيد السلطة التنفيذية و تحديدها بما يحقق شراكة أقاليمها الثلاثة في أمور السيادة السياسية و الإدارة التنفيذية و المؤسسة العسكرية، فلا يزيد مجلسها الرئاسي عن ثلاثة و حكومة لها رئيس و عدد من الحقائب و مؤسسة عسكرية ذات قيادة موحدة تختص بتدبير شئونها بالكامل و تأتمر في النهاية بأمر السلطة السياسية، و هو النظام المعمول به في جميع بلدان العالم بما في ذلك ليبيا قبل سبتمبر 69 و ما ساد عقودها الأربع من إصرار على الإنفراد بالسلطة مع إختراع المزيد من الحيِّل لإخفاء هذه الحقيقة  بشكل مضحك و وجود ميراث ما لبث المجلس الإنتقالي أن حرص عليه و هو يدير شئون البلاد طيلة فترة الإنتفاضة ليتخذ منه المؤتمر الوطني حقاً مكتسباً و لا يشذّ من ثم مجلس النواب، و لمَّا كان هذا الأخير لم يتمكن من ممارسة صلاحياته على النحو الكامل، إذ وجد المؤتمر الوطني ما يوفر له إمكانية المشاركة، فإن الذي إتفق عليه المتصارعان هو فقط تحجيم سلطة مجلس الوزراء، حتى أن أعضاء المجلسين قد أوهموا أنفسهم جميعاً بأن كل عضو له سلطة القائد، و كذلك فعل رئيسا و ربما رؤساء هذه المجالس مجتمعة، فلقد نسوا أو تناسوا جميعاً أن كل ما كانوا يسمعونه "ولم نكن خارجهم" و يشاهدونه من مائات الوجوه بل و ألافهم لا ينجزون قُلامة ظِفر ما لم يأت التوجيه، و التوجيه منزلة لا يرتقي إليها سوى الذين جاءت بهم الأقدار و هيأتهم لحمل  البشارة في مختتم كل إجتماع و إن تلك التجربة التي سُمِح لها بالبقاء إلى أن أُنهِيت على النحو الذي أُنهيت به، ليستحيل أن يُسمح للثقافة التي أنتجتها أو التخلف الذي أوحى بها أن يسود بلد تمثل شواطئه أكبر مصادر الخطر على دول جنوب أوروبا و أن الحديث عن الهجرة غير الشرعية ليس إلا الغطاء لنوعية الحكم المطلوب  و الذي إن دفع المواطن الليبي ثمناً له ما يرزخ تحته من المآسي فما ذلك إلا لأن ما يهم الأوروبيين هو مصلحتهم ليس غير، أما متاعب الليبيين و مآسيهم فهي آخر ما يشغل بالهم و يستدعي إهتمامهم، و عندما تجهر فرنسا بموقفها هذا أو ما يشي به من عزم على الدفع بالأزمة الليبية نحو الإنتهاء، و يكون ذلك على هيئة مكاشفة لطرفي النزاع الليبي بما يتوفر لأحدهما من الإعتراف الدولي و ثانيهما من الوجود على الأرض إلى جانب الدعم الفرنسي و غير قليل من الروسي و ربما الأمريكي، فإن فكرة الخروج بليبيا من دولة تُدار بالوكالة إلى درجة المشاركة في شئون المحيط يبدو أنها صارت الخيار الأفضل و قد نقول الأجدى، ففرنسا التي تضطلع بالدور الأكبر في مكافحة الإرهاب عبر حضور غير عادي في المحيط الذي تقع بداخله ليبيا عربياً و أفريقياً تبدو أكثر قدرة على الإقناع بالمطلوب، إذ فضلاً عن دورها في كل ما حصل إبتداءً من السابع عشر من فبراير و ربما قبل ذلك بقليل و بعد ذلك ما شهده الشرق الليبي من الأحداث يجعلها أكثر قدرة على المساهمة الجادة، كما أن صلتها الأخرى بالمحيط العربي يزيد أيضاً من فاعليتها، فحديثها إذاً مع الطرفين يتجاوز الأمن و السلاح و التجارة إلى الحكم في حد ذاته و على رأس ذلك بالطبع شكل هذا الحكم أو نظامه كما يقولون، فما دام الحديث عن الإنتخابات يشمل رئاسة الدولة و ما دام المجلس الرئاسي لن يزيد على الثلاثة، فإن الترتيبات المبنية على المساحة و الحدود و التركيبة السكانية لن تخرج من الحساب، و ما على الذين يتحدثون عن عدد السكان و مواطن الثروة المزعومة إلا أن يلتفتوا لما هو أكبر، و ما على الذين يرون في خضوع المؤسسة العسكرية ما يهدد القياديين أو في البرلمان ما يوفر الضمان، إلا أن يعيدوا حساباتهم و يتخلصوا من أوهامهم، فالصيغة المثلى لضمان أمن العالم و صون مصالحه و إقتلاع كل أسباب القلق لن يكون لها بقاء، و ما على الذين تحدث إليهم الوزير الفرنسي إلا أن يُحسنوا القراءة و يستعينوا بغيرهم ليس من مدخل إتقان اللغة الفرنسية أو غيرها و إنما من وراء إدراك ما وراء اللغة، مما تؤكد الأحداث أن عديد المعنيين لا يزالون دون مستوى التوصل إليه، و لقد سبق لفرنسا أن دعت الإثنين إلى باريس و ها قد سعت إليهما كلٌ في مكانه، و سرّبت ما رأت تسريبه و مع ذلك يبقى لها و لمن إلتقتهم الكثير مما قِيل، و عسى أن يرتفع الطرفان إلى ما يجعل الموقف الفرنسي الذي جاء به الوزير الفرنسي لنا و ليس لهم.    إنتهى

____________________________

علينا و ليس لنا


أمين مازن


21-12-2017


لم تسمح الأطراف الممسكة بالشروط الحقيقية لمسيرة الأمور الليبية، للبيادق التي كثيراً ما أوهمت نفسها و الأخرين غيرها بأنها تستطيع القيام بفعل ملموس، على نحو ما تردد عن إحتمال الدخول بالبلاد في ظروف غير عادية بحلول السابع عشر من ديسمبر الجاري بحجة أن ذلك اليوم يمثل اليوم الأخير لإنتهاء صلاحية إتفاق الصخيرات، فلوحت على أكثر من صعيد أن المدة المقترحة لعمر الإتفاق تبدأ من تاريخ دسترته و ليس إعلانه، أي أن كل مدة مهما طالت قبل إعتماد الإتفاق لا يمكن إعتبارها ضمن عمره المحدد، فتأكد من خلال هذا التوجه الرأي الذي سبق أن صدع به نفس المراقبين و عقب سقوط النظام في مطلع الحقبة الثانية من هذا القرن أن السيناريو الذي طُبِّقَ في العراق هو ذاته الذي ستشهده بلادنا بكل الأسف و ما الحديث عن الحكومات المؤقتة و الإنتقالية و مثلهما الوفاق ليس أكثر من اللعب على الوقت في ما لا يفيد الليبيين بل و يضمن مضاعفة خسارتهم على كل الصعد، يستوي في ذلك تردِّي الخدمات و الأحوال الإقتصاية من إنهيار لا حد له في قيمة العملة أمام الدولار و إنعكاس ذلك على الإرتفاع الجنوني في الأسعار، و المهم أن سلطة الأمر الواقع ستبقى سيدة الموقف فيكون شاغلها الأول التوجه المستمر نحو الخارج و المسارعة الدائمة بإصدار المزيد من القرارات المتعلقة بالخارج، أما الداخل فإن الوقت وحده الكفيل بحل أزماته و الصبر خير ما يُعول عليه أهله، كل ذلك دون التوقف عن إمضاء عديد الإتفاقيات مع كبريات الشركات العالمية و في أشهر عواصمها التي يحل بها هذا المسئول أو ذاك، حتى يُخيل لمن لا يعرف الحقيقة عن سوء الأحوال أن الشمس عندنا لا تغرب يوماً و تشرق في اليوم الذي يليه إلا و يتحقق منجز من المنجزات، إزاء العقود المتتالية التي ليس لها من حقيقة سوى أن الهدف الأول و الأخير هو إمضاء العقود و لا شيء غير العقود، فيدرك أكثر الناس سذاجة أن كل تصريح دولي خلفه إلتزام مالي، و حسب المرء أن يتذكر ما تلى تصريح رئاسة مجلس الأمن و مثله الناطق بإسم الخارجية الروسية، و إجتماع دول الساحل و أخيراً إجتماع وزراء دول الجوار، إلى جانب لقاءات مسئوليها و هم يستقبلون ضيوفهم أو يسافرون في مهماتهم، فلا حديث لهم إلا عن ليبيا و الإرهاب حتى يُخيل للمرء أن إسم ليبيا يمكن أن يتعدَّل ليحمل صفة الإرهاب أو مشكلة الإرهاب، فلم يعد هناك من سبيل للظفر بأغلى المكاسب و أيسرها كالتخويف من الإرهاب، حتى أنه يعيد للذاكرة السياسية ممن أدرك أصحابها خمسينيات القرن الماضي و ما قبلها عندما تبنّى مكارثي محاربة الخطر الشيوعي فكان تجديداً لمحاكم القرون الوسطى و بعدها محاكم فرانكو، حتى أن ليبيا أنشأت مكتباً لمحاربة الشيوعية، كثيراً ما إتخذ منه المرحوم عبد الرزاق شقلوف مناسبة لمساعدة الكثير من عارفيه المشتبه فيهم سياسياً فيمدهم بالمتيسر من المبالغ البسيطة لسد إحتياجاتهم الشخصية، عندما كانت الحياة على بساطتها و أقصى درجات نقائها، أحداث نستعدها مع الذكرى الخامسة و الستين لإستقلالنا 24-12-51 الذي نلناه عقب هزيمة إيطاليا في الحرب الكونية و عجزها عن العودة من النافذة، و ها هي بعد مائة سنة تجد في إتفاق الصخيرات و مكافحة الهجرة غير الشرعية ما يتيح لها التسلل إلى الأرض و البحر، و ستحذو ربما فرنسا حذوها عبر تجمع دول الساحل و مكافحة الإرهاب، فيكون الطريق من ثم ممهد لبريطانيا من شرق البلاد، و الشاطئ على كل حال طويل، و السفراء الذين يُراعى فيهم جميعاً إتقان اللغة العربية هم أهل كتاب طعامهم حِلٌ لنا و طعامنا حِلٌ لهم، و من هنا نراهم جميعاً يتنادون لإعتبار إتفاق الصخيرات إلى الأبدية أقرب من التوقيت الزمني، و يتفقون في وصفه بالإطار الأنسب، لا نملك إلا أن نقول بإسم الليبيين جميعاً نعم، إنه الأنسب و لكن علينا و ليس لنا. إنتهى


_________________________________

حلَّ السراج بالبيت الأبيض،فهل يتطور الموقف الأمريكي

أمين مازن

4-12-2017

أعلنت الولايات المتحدة عزمها اللامحدود على دعم ليبيا و تمكين السلطة الناتجة عن إتفاق الصخيرات من بسط نفوذها على كامل أرضها و تحقيق أمنها و تثبيت إستقرارها بإعتبار الإتفاق يمثل الصيغة الأفضل، و قد جاء هذا الإعلان على لسان أكثر من مسؤول أمريكي رفيع المستوى، كما تزامن مع مثول رئيس المجلس الرئاسي المقترح فائز السراج أمام سدنة البيت الأبيض بالثاني من ديسمبر الجاري، و الذي بلغ ذروته في مقابلة ترامب، و أخيراً إستدعاء المكلف بالأمن الرئاسي نجمي الناكوع. فاتضح بما لا يدع مجالاً للشك أن الإدارة الأمريكية ما تزال ترى في ليبيا واحدة من المناطق الخضراء بالنسبة لتحركها في العالم، و إنها من هذه الحقيقة ربما تكون بلورت موقفها من المعضل الليبي بتعديل المجلس، مع حكومة يراقبها مجلس نيابي و أخر إستشاري، مع قيادة عسكرية و أخرى أمنية، و في كنف توسيع الدائرة و نبذ الإقصاء، مع مقاومة التطرف و التصدي للهجرة غير القانونية و ما تحمله من أخطار و تنذر به من الأضرار، هو حل كان من المفروض أن يُصار إلى إنجازه و يبلغ ذروته بإعتماده من مجلس النواب ضمن مفردات حلف اليمين القانوني لرئيس و أعضاء السلطة الجديدة، و مثل ذلك المجلس الإستشاري أو مجلس الدولة كما هي التسمية، لولا أن الأطراف المتصارعة و من خلفها من القوى تسابقت على وضع العصي في الدواليب و تكون النتيجة هذه الفوضى المتلاحقة و النزيف المالي الذي لا يعرف التوقف، و هذا التهافت على الإنفراد بالقرار و لو كان الثمن هذا التساهل في تدفق ألاف المهاجرين و إقامة المزيد من أماكن الإيواء التي ليس لها من نهاية سوى فرض الأمر الواقع و الإكتفاء بعد ذلك بأمور الإقامة و ضرورات حقوق الإنسان التي لا بد أن تنهض بها كبريات الشركات الإيطالية و من يتبعها من التكنوقراط الليبيين الذين لا يضعون في حسابهم إختلال البنية الديموغرافية و لا مشاريع التخريط المنتظرة، و لا يقدّرون كذلك دور الفكر السياسي الذي يرتكز على هذه الأولويات في معرض معالجته لمشكلات الواقع الذي يسوسونه و دونما إغفال لإكراهات دور الإقليم، فالمثول بين سدنة البيت الأبيض لا تتوقف أهميته و حدود دوره عند من يقوم بذلك، و لكنها في الغالب تطال شركاء القرار بالكامل، كل ذلك دون إغفال حقيقة مهمة و بالأحرى منهجية هي أن قرارات أمريكا موكولة سلفاً إلى أقسام محددة و ليبيا بدون شك داخل إحداها، خاصة و أن ما تعانيه البلاد من غياب الصحافة و قصور الفضائيات الرسمية حال دون أي تواصل مثمر، قوامه التبصير بالنواقص التي يكتوي بنيرانها المواطن، مما يجعل من تكرار رئيس المجلس الرئاسي لطلبه المتعلق بالسلاح ليس أكثر من إخفاق بشأن تحديد الأولويات و التي قد لا تكون في مصلحة رئيس المجلس المذكور و ربما المساعدين له في ما يقدم على إصداره من القرارات، ما لم يكن لهذه الإحتمالات مكانها عند مراجعة ما أُثير من ملفات، فأمريكا هي بلد الملفات و ليست ليبيا الأرض و الناس و الثروات خارج واحد منها، ان يكن الرقن البدائي وسيلة تدوينها، فإن الرقن الأليكتروني الحديث قد أحسن تدوينها و جعلها أيسر تناولاً لكل باحث جاد اللهم إلا ما لم تُرفع عنه السرية. و قد ظل الملف الليبي و على مدى أربعة عقود مضت، و في مطلع كل سنة يُفتح فيها كشف المحتويات يشير إلى أن ثمة ما رؤي الإبقاء عليه سرياً، أي أن لأمريكا على ما يبدو، سراً تحتفظ به و ترفض أن يتوصل إليه غيرها.إنتهى

_____________________________

إنه مسلسل الذرائع

أمين مازن

23-11-2017


لم تتأخر فرنسا في معرض  إستغلالها للحالة الليبية و التي تمظهرت فيما تناولته وسائل الإعلام حول ما أُشيع عن وجود سوق للرقيق بليبيا، إثر بث مقطع فيديو عُرِض فيه بعض الأفارقة و إرتفاع صوت يردد مجموعة من الأرقام التي تراوحت بين الأربعمائة و الثمانمائة، ليبدو أمام المشاهد  و كأنه يعني السعر لهذا الإنسان أو ذاك و الذي عرضته شاشة الـ سي إن إن الأمريكية، واصفةً إياه بتجارة الرقيق بإحدى أسواق ليبيا و في غربها على وجه التحديد، لتتوالى بعد ذلك مجموعة من التعليقات التي قامت على مبدأ تصفية الحسابات بين الأطراف السياسية المتصارعة في الحياة الليبية البائسة و إن في شيء من النسبية، إذ بعد أن حقق النشاط الأمريكي دوره في خلق حالة من التوتر جراء ما رافق هذا النبأ الغريب من إعادات متكررة و تعليقات أكثر تكرار و أكبر حساسية بشأن مسألة الرقيق هذه و ما كان لها في الحقيقة إلا أن تكون كذلك، فما دام هناك من يعلّي من شأن التطرف و يجاهر بالموقف المتعصّب، ذلك الذي لا يسأم الشيطنة و لا يتردد في قتل المختلف باعتباره يمثل الضرر للجموع فإن القبول بما يتردد عن أسواق الرقيق الجديدة قد يبدو ليس بالغريب إن لم يكن جد "معقول". و ما دامت الولايات المتحدة الأمريكية التي تنفرد محطتها الـ سي إن إن، صاحبة السطوة القوية ببث فيديو الرقيق المزعوم تطرح على لسان خارجيتها بتوكيد شراكتها لمجلسنا الرئاسي و حكومته الوفاقية، فلا يعرف المتابع أين تقف هذه الدولة العظمى مما يجري بليبيا من المآسي و التي ما كان لها أن تتعقّد لولا الموقف المُلتبس الذي دأبت عليه من تصريح سفيرها و هو يخرج من زيارته لملك ليبيا قبل الإطاحة به في آخر الستينيات من القرن الماضي، عندما قال لمرافقه: ينبغي أن يذهب فوراً.."يقصد الملك إدريس"، و كان أن ذهب بعد ذلك، و لم يعد على أي حال، و كذلك فعلت و هي تقرن دورها الذي لا يضاهى في إسقاط القذافي عندما أصرت على أن تقرن دورها الحاسم في إسقاطه بهدم ليبيا عمراناً و بشراً سواءً بسواء، و يبدو أنها اليوم لا تتردد في إعادة تخريطها ضمن ما يجري في العالم، بل و من تجربتها التاريخية التي قامت على مبدأ الإبادة كخيار أول، و من مقولة البقاء للأقوى، و ليس الأصلح كما يقول الأخلاقيون، لما في الإحتكام إلى القوة من دفع للناس و شق للصفوف و تأسيس للتطرف الهدام.

و من هنا فإن إتجاه فرنسا إلى إثارة الرقيق المزعوم، ليس أكثر من مناورة للحصول على قرار دولي من شأنه إتاحة الفرص لمزيد التدخل في المصير الليبي، خاصةً و أن كل الحقائق تؤكد أن هؤلاء الأفارقة الذين تمتلئ بهم التجمعات المعدة سلفاً ما كان لهم أن يصلوا لولا العصابات المُنظمة التي تتولّى إستقدامهم من بلدانهم في كثير من الأمن جراء الحراسة المسلحة لقاء مبالغ تُدفع من مقار إقامتهم بموجب خطة مُعدَّة سلفاً لا يتم العبث بها إلا في الشواطئ الليبية لأن أطرافاً أخرى لديها إتفاق مدفوع الثمن يتكفل بالحيلولة دون سفرهم، ليكون وجودهم بعد ذلك مشكلة إنسانية و ما الحوار الذي حوته مقاطع الفيديو بشأن الأرقام المالية سوى حيلة إعلامية تصب في هذا المخطط الخبيث، و الذي ما كان له أن يكون لولا التطاحن المُخجل بين الأطراف الليبية و التي ليس لها مجتمعة من هدف أكثر من إطالة الأزمة الليبية المتمثلة في الإبقاء على الفوضى و ما تُتيحه من فرص التكسّب من الحالة الليبية من الهرم إلى القاعدة. و هكذا مثلما إجتمع مجلس الأمن قبل سنواتٍ ست لإصدار قراره الذي أخضع ليبيا للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة و إتخذ من الصراع الدولي مبرراً لهدم كل شيء ينبض بالحياة.

قد تتمكن فرنسا أو أمريكا أو كلاهما من تحرُّك جديد ربما يأتي على الوجود الليبي من الأساس، و ما الأهوال التي حلّت بليبيا عشية أيام القرصنة و ما فرضته من تدابير دولية إلا السيناريو الذي يمثل الصيغة الأفضل و الأقرب إلى النفيذ. و لا عجب..إنه مسلسل الذرائع.  إنتهى

________________________________


لدعاة الملكية ..عد رجالك و رد الماء

أمين مازن

12-11-2017

يتعين على المراقب المنصف أن يشكر للأطراف الإجتماعية التي يممت وجوهها منذ أيام نحو مدينة غريان، مجاهرة بالدعوة لعودة النظام الملكي الذي تم إسقاطه في سبتمبر 69 بواسطة العمل العسكري الذي قام به من سموا أنفسهم بالضباط الوحدويين الأحرار، بعد ثمانية عشر سنة كاملة من قيام دولة الإستقلال، الذي تبوأ فيه الملك إدريس السنوسي عرش ليبيا، إنهم الضباط الذين تشكلوا من أغلب المدن و القبائل الليبية، منادين بالعقيد سعد الدين بوشويرب رئيساً للأركان إقتداءً بالضباط المصريين الذين أقدموا في منتصف العام الثاني و الخمسين على الإطاحة بالملك فاروق منادين باللواء محمد نجيب قائداً لهم، لقد كان ما جرى إنقلاباً عسكريا بدون شك، أُكره فيه الحسن الرضا السنوسي ولي عهد الملك إدريس و إبن أخيه و نائبه في البلاد على التنازل عن العرش لأن الملك غادر البلاد لما يقرب من ثلاثة أشهر قضاها بين اليونان و تركيا وسط أجواء من الإشاعات و الحيرة و القلق، و إجماع على أن الملك قرر التنحي، و إن العقيد عبد العزيز الشلحي أوفر المرشحين حظاً لقيادة الإنقلاب المنتظر، ما أعطى للمفاجأة أهميتها لعديد الأطراف، كما كان للخروج العفوي الذي سارعت به الأغلبية الساحقة من المواطنين مؤيدين ما جرى و مثله الإعتراف الدولي الذي بادر به الأشقاء و الأصدقاء و العهد الذي قُطع من النظام بعدم المساس بالتعهدات و التوكيد بأن ما جرى شأن داخلي، و قبل ذلك التمكن من السيطرة على الأمور بسرعة و الدور الكبير في تسهيل المضي نحو إستئناف الحياة اليومية للجميع، لتمضي بعد ذلك العقود الأربعة التي هي عمر النظام بما عليها و ما لها و التي شهدت ضمن ما شهدت سفر الحسن الرضا للعلاج بالخارج و بقاءه بأوروبا إلى أن لفظ أنفاسه الأخيرة و بقاء أبنائه جميعاً خارج البلاد و تمكن السيد عبد العزيز الشلحي من السفر و العودة و عدم إنكاره أنه كان بصدد القيام بعملٍ ما في الخصوص و إصدار السيد مصطفى بن حليم لمذكراته و التي تبرع فيها بتبرئة ما حدث في سبتمبر من أي رعاية أجنبية و إن يكن نسي دخول السفير ديفد نيوسم إلى البيت الأبيض و توكيده بالبيت الأبيض أن ما جرى في سبتمبر سيضمن مصالح أمريكا لثلاثين سنة قادمة كما روى بن حليم!! و هي الحقيقة التي أثبتتها لاحقاً جملة الممارسات في عائدها الحقيقي، لقد كُتب طوال هذه العقود الكثير و الكثير مما إتهم و الكثير مما برأ، أما السوابق و مثلها القرائن فلا شك أنها تُرجح أن ما جرى في سبتمبر 69 لا يمكن أن يكون مفاجئاً للدوائر الغربية المأذونة بما لها من مصالح في هذه القارة الغنية بأرضها و شواطئها و موقعها و خلوها من أي مُنغّص بشري. و تلك على العموم ليست من صلب ما نحن بصدده الآن فتبقى الدعوة لعودة الملكية التي طرحها المؤتمرون في غريان و وجب أن نتوقف أمامها بما يتيسر من التناول، إنطلاقاً من أن غريان قد شهدت في عشرينيات القرن الماضي أول مؤتمر أُوفِد فيه عدد من أعيان البلاد و قادة الرأي إلى شرق البلاد منادين بالسيد إدريس السنوسي أميراً على البلاد لقيادتها و هي تقاوم المستعمر الإيطالي، تلك البيعة التي جُددت بعد ذلك أكثر من مرة  أهمها الدعوة التي تبنتها الجبهة الوطنية المتحدة عقب الحرب العالمية الثانية مباشرة و تم إيفاد السيدين محمود المنتصر و منصور بن قدارة إلى مصر و التباحث مع الأمير إدريس في مبايعته شخصياً في إمارة دستورية ما لبثت أن أنجزت فعلاً و بعد عديد المفاوضات بتسمية الإدريس ملكاً دستورياً على ليبيا، و حصر البيعة في شخصه و أبنائه من صلبه، و قد رآى غفر الله له أن يشمل بها أخاه الرضا متجاوزاً السيد صفي الدين، و يعيدها مرة أخرى إلى إبن الرضا الحسن إثر إغتيال ناظر الخاصة الملكية إبراهيم الشلحي من طرف الشريف محي الدين فكان أن حرم أبناء الشريف من أبسط الحقوق كما لو لم يكونوا أبناء أحمد الشريف الذي طرح إسمه خليفةً للمسلمين لولا أن ألغى أتاتورك الخلافة نهائياً و كذلك كان السيد صفي الدين بطل القرضابية و الذي كان رئيساً لمجلس نواب برقة و الحديث في هذا الجانب يطول.

بقي أن نبرر الشكر الذي أزجيناه لدعاة الملكية الجدد لمناسبة إجتماعهم في غريان و مجاهرتهم بالدعوة إليها كمخرج و الذهاب إلى محمد الحسن الرضا لدعوته كوريث شرعي فنقترح عليهم إن كانوا جادين في دعوتهم هذه حريصين على تحقيقها أن يبدأوا من المتاح و الأيسر فيعلنوا تكتلاً أو حزباً يدخلون بموجبه الإنتخابات النيابية المنتظرة، ليتضح لهم بشكل جلي حجم دعوتهم، فإما أن يفوزوا بالأغلبية أو يشكلو فصيلاً سياسياً مؤثراً، و على نفس القاعدة يمكنهم أن يقوموا بترشيح محمد الحسن هذا لرئاسة الدولة الليبية يعرفوا بقدراته بدلاً من الشرعية المزعومة، فإذا ما قُدِّرَ له أن يفوز برئاسة ليبيا يمكن أن يتطور الفوز إلى مشروع بيعة، و إلا فليُريحونا من عذا اللغط الذي ليس له من مردود سوى المزيد من التشتت و خلط الأوراق و فتح الأبواب لكل ما لافائدة من ورائه. و قديماً قيل "عد رجالك ورد الماء".إنتهى

___________________________

 

الجيش و التأجيج الإعلامي

أمين مازن

4-11-2017


ليس أمام المراقب الواعي لمخاطر الصراع الذي يحتدم فوق أرضنا و ينهي جميع مقومات سيادتنا، و في تجلياته العسكرية بالتحديد، إلا أن يشعر بشيء من الإرتياح إزاء الإجتماعات التي تُعقد هذه الأيام في مصر و غير مصر جامعةً أعداداً من كبار ضباط الجيش الليبي ممن إلتأم شملهم ممثلين أكثر من سلاح من حيث التصنيف و أكثر من منطقة من حيث الجغرافيا قصد توحيد القوات المسلحة. عسى أن تستطيع القيام بدورها الذي بقي مُعطلاً على نحوٍ مخجل، طوال السنوات التي توالت عقب فبراير 2011، حين حيل بينها و بين أداء دورها البنّاء في الحياة الليبية الجديدة، إنطلاقاً من تلك النصيحة الماكرة التي تبنّت الدعوة إلى إحتفاظ المسلحين الليبيين بأسلحتهم، حتى لا تُسرق الثورة من الأعداء المزعومين و الذين لم يكونوا في الحقيقة سوى بقيىة أبناء الشعب الليبي الذين كان من المفترض أن يُسمح لهم بالإلتفاف حول العهد الجديد بإعتباره في أمس الحاجة لمثل هذا الإلتفاف لما سيوفره من التماسك البنّاء و التناصح المفيد، أي قصر المتابعة على الكبائر ليس غير، و قد وصفنا هذه النصيحة بالماكرة لأنها أدركت أن كل من يُسمح له بإمتشاق السلاح في زمن السلم، لن يكون أمامه في مستقبل الأيام سوى أن يرى في هذا السلاح سر وجوده و عنوان شرفه و مدعاة وصوله إلى كل ما يتطلع إليه في الحياة الدنيا، و ربما الآخرة أيضاً ! فكان أن ساد فهم مفاده أن كل إتجاه نحو بعث المؤسسة العسكرية التقليدية يدخل في عداد الإنحراف الذي لا معدى من مقاومته بكل الطرق. و قد حشدت لهذا التوجه حزمة من المحاولات التي تكفلت بمقاومة كل محاولة ترمي إلى إعادة هذه القوة الكبيرة من المؤهلين الليبيين الذين ظلوا على مدى العقود الأربع التي هي عمر تجربة الفاتح من سبتمبر من الذين إكتفت السلطة بتكوينهم و الإبقاء عليهم مُجرَدين من أسلحتهم خشية أن يتمكن أي فصيل منهم من أن يُطيح بالنظام، و هو تجريد كان يُسوَّق عبر ضجيج إعلامي لا يسأم ترديد الشعارات المُبشِرة بجدوى الشعب المسلح و قدرته على الوقوف أمام كل هزيمة منتظرة، على الرغم من وجود أكثر من هزيمة اللهم إلا القوة المكونة للدفاع عن النظام و التي ضربت أكثر من مثل على قوتها و بالذات في الأشهر التي دامت فيها المعارك إلى حين سقوط باب العزيزية، على إثر إنحياز تاريخي نهض به أبرز الشركاء من أجل سلامة الناس حين أمر جنوده بالإنفكاك حقناً للدماء، و هو الموقف الذي لم يُقابل إلا بالجحود المخجل و مقابلة الحسنة بالإساءة و التي "بدون شك" ليست من شيم الكرام، لقد طال صاحب هذا الموقف "البراني شكال" ما طال غيره من الإقصاء أو الإجتثاث كما هو المصطلح الذي رفع شعاره بريمر في العراق و تبنّاه و كلاؤه من العرب في ليبيا، فكان لذلك كله ما تجرعنا مرارة كؤوسه من الفوضى الهدامة و التناحر القاتل، و أخيراً الحروب الأهلية التي لا تتوقف بمكان حتى تشتعل في مكانٍ آخر و التي تبلغ ذروتها في منطقة ورشفانة، حيث الصراع الذي يذكرنا بمرحلة ما بعد القرضابية قبل ما يقرب من مائة عام، مما جاء متزامناً مع لقاءات العسكريين الليبيين في مسعاهم الرامي إلى توحيد القوات المسلحة، على قاعدة رفض التشرذم و نبذ الفرقة و تعميق الولاء للوطن و التوكيد الجازم بأن التطلع للحكم لا مكان له بين المجتمعين و أن الحديث عن الأسماء آخر ما يشغل بال المجتمعين كما حدد القيادي العسكري الكفء "سالم جحا" و هو يرد على مقدم برنامج سجال الذي يوشك أن يضع الكلمات على ألسنة محاوريه و هو لا يسأم التشكيك و تبني المواقف المُسبقة و تسخير الفضائية بالكامل لتمرير ما يتبناه مقدم برنامج سجال من إنحياز لا يخفى على أي مراقب لديه من الوعي أقل من القليل و ما ذلك إلا لما إستمرأه من الإسهام في التأجيج الإعلامي غير المسئول .إنتهى

____________________________

لكي لا نُبخِس الناسَ أشياءهم

أمين مازن

31-10-2017

هيأت لي المتابعة اليومية لما تعرضه الفضائيات الليبية من حوارات مصورة يُدعى المشاركون فيها لإلقاء الأضواء على الأحداث الجارية و الذكريات التاريخية، مشاهدة الحلقة التي شارك فيها الإعلامي النشط و الصحفي المعروف محمد عمر بعيو و المحامي المشهور و النقابي النشط عبد الحفيظ غوقة و التي إنتظمت إحياءً لليوم الثالث و العشرين من شهر أكتوبر، اليوم الذي دخل فيه المجلس الإنتقالي طرابلس و أُقِيم فيه الإحتفال الشعبي الذي دشنه المستشار مصطفى عبد الجليل رئيس المجلس بأن خرَّ ساجداً ليلقي بعد ذلك خطابه الذي أُطلِق  عليه خطاب التحرير و بشّرَ فيه الرجال أن من حقهم الزواج بأكثر من واحدة و دون حاجة لموافقة النساء و الذي أثار في وقته ما إختلط بين العجب و ما يزيد على العجب، و تكفل عبد الحفيظ غوقة الذي كان يومئذ نائباً لرئيس المجلس الإنتقالي بأن أزاح الغطاء عمّا أحاط بذلك اليوم من الملابسات و الأسرار الدالة على حقيقة الصراع الذي كان يدور في بنغازي التي حُسِمَ فيها الموقف من النظام مبكراً، حين تأكد أنها لن تعود لقبضة القذافي سواء بليبيا الموحدة أو المجزأة، فأعادت إلى الذاكرة التاريخية ما حدث في الحرب العالمية الثانية عندما أكد إيدن وزير خارجية بريطانيا لمجلس العموم البريطاني عن إستحالة عودة برقة لسلطة إيطاليا، الأمر الذي كان له أثره القوي في ترسيخ النزعة الإنفصالية و مقاومة الكثير من المحاولات الواعية التي تبنّت فكرة الملكية الدستورية التي نهض بها في تلك الربوع الرمز الوطني النقي الأستاذ مصطفى بن عامر و دفع ثمنها تهميشاً طوال العهد الملكي و أشد سوءً عقب زوال ذلك العهد.

و إذ كانت آراء بعيو في هذا الحوار قد جاءت كما هي عادته متسلحة بما يمتلكه من الخبرة و مد جسور الإتفاق أكثر من الذهاب إلى الإختلاف، أي فيما يتصل بالعقود الأربعة التي هي مجموع زمن الفاتح من سبتمبر و التي وصفها "وهو مُحِق" بالمزيج من السلب و الإيجاب، و إذا كان ما ذكره بشأن عزم سيف الإسلام القذافي على التحالف مع الإسلام السياسي في المرحلة التي تلت المراجعة كما يذكر عديد الإسلاميين و إذا كان ما تم بشأن تغيير إدارة أويـا قبل الأحداث بفترة وجيزة و كذلك المؤسسة الإعلامية يُرجّح جدية هذا التوجه و إن ما عمد إليه بعضهم من مضايقة جميع الأقلام الوطنية بمصادرة مستحقاتهم كي يكتبوا بدون مقابل أو ينسحبوا لتبقى الصحيفة الواعدة، و عبر صفحاتها الواسعة، لا تنشر سوى المقالات الوعظية الخالية من أي ذوق صحفي، و هو بكل الأسف ما رأيناه يتكرر في أيامنا هذه. كل ذلك دون مشاركة المتحاورين ما ساد نبرتهما من الحدّة إزاء الإسلام السياسي لأن كل إنزلاق نحو الإقصاء لا يعني سوى أن المرء يُنفق من ذات البضاعة. من جانب آخر لقد إتصفت آراء الأستاذ غوقة بالتعميم، و إتخذت من سقوط النظام مبرراً لتجريد الناس من مسئولياتهم الحقيقية، بل و قد دفعت الأستاذ غوقة مقاومته المشهورة للعهد السابق، إلى الدفع بصورة بالغة العدَمية و بالذات فيما يتعلق بالوعي السياسي، إذ على الرغم مما ساد الحياة من تجريف كما يقول الدكتور محمد عبد المطلب منذ أبريل 1973 إلا أن إرادة الحياة ظلت قوية و خصيصة المقاومة كانت أقدر على إبقاء شعلة الثقافة، فما أكثر الذين واصلوا دراساتهم و ما أكثر الذين أصرّوا على تعليم أولادهم اللغات الأجنبية على الرغم من إلغائها في المدارس، بل ما أكثر الذين جاهروا بمواقفهم و إستمروا في عطائهم على الرغم من حملات الإعتقال و إكراهات الصمت، كما أن الكثير من الذين عملوا داخل الدائرة لم يترددوا في إنتاج خطاب ثقافي مميز و جهد فكري مشهود، بل إن بعض الذين تقلدوا أرفع المناصب لم يتأخروا عن الإنتاج العلمي الرصين و عدم التساوق مع الممارسات المتشنجة، و يكفي أن نُذكِّر برجل مثل جاد الله عزوز الطلحي الذي لم يكتف بالكتابة الفكرية و التراجم الأدبية بل لقد إتخذ من المشاركة في الحلقات الرسمية مناسبة للدفع بما لديه من آراء جادة، خير شاهد عليها كتابه "لقد أسمعت" الذي يدل عليه عنوانه و أخيراً رفضه إلقاء الخطاب الذي أُرسِل إليه و هو في الأمم المتحدة، الأمر الذي إقتضى نقله من هناك. و لعل الأستاذ غوقة أن يكون أكثر إنصافاً لو راعى مغريات المال التي جعلت أعداد كبيرة من عديد المهن تقدم نفسها لخدمة النظام و لعله لو تأمل الشريحة التي ينتمي إليها مهنياً لخرج بأقوى الشواهد بأن نظام الفاتح من سبتمبر و إن كان لم يتردد في الضرب بالعصا إلا أنه لم يبخل بمد الجزرة. و بالتالي فإن كل رأي يقوم على الإلقاء بالسلة الواحدة لا يخدم الحقيقة و لا يفيد الوطن، بل قد يعيد إنتاج سلبيات الماضي كافة، و ضرر ذلك أكثر من نفعه. و إذا كان طموحنا للكمال يدفعنا إلى تدقيق المراجعة إلا أنها ستكون شديدة الألم حين تؤدي بنا إلى أن نُبخِس أشياءنا. و عندها يمكن أن ينطبق علينا ما نهى عنه النص الزاجر حول الذين يُبخِسون الناس أشياءهم و قد يعثون في الأرض مفسدين.  إنتهى

____________________________


مرة أخرى عاجل إلى غسان سلامة 2

أمين مازن

26-10-2017



رجع المتحاورون الليبيون إلى قواعدهم سالمين من أي أذى بحول الله و توفيقه، غانمين ما تمتعوا به من وقتٍ طيب بإقامتهم المريحة في تونس الخضراء منتظرين عودة سريعة حالة ما إذا رُؤيَّ أن ثمة جدوى من الرجوع إلى جولة ثالثة، ما دام الوسيط الدولي قد ترك الباب مُوارَباً عندما كتفى ببيانه المقتضب الذي ألقاه في نهاية الإجتماع بتونس مؤكداً فيه وجود قدر من التفاهمات حول بعض الأمور، واعداً بإحتمال الوصول إلى أخرى، و لكن دون أن يستبعد إمكانية التحول إلى خيار المؤتمر الوطني الموسع الذي نصّت عليه خريطة الطريق المعتمدة من مجلس الأمن. و الحق أن الوسيط المذكور كان بالغ البراعة في موقفه هذا إذ دلّت عديد القرائن أن تطويل عمر الأزمة يمثل الهدف المركزي. بدليل الإصرار على رفض إلحاق من ينبغي إلحاقه إلى مجلس الدولة من طرف ممثلي المجلس المذكور ذي الطبيعة الإستشارية و تلكؤهم في تقديم أي رأي مكتوب حول المسائل المطروحة ،المتفق عليه و غير المتفق، و مثل ذلك إشتراط موافقة مجلس النواب على البت في تسمية القائد العام للقوات المسلحة على الرغم من تعيينه من قبل المجلس الرئاسي المتكون من ممثلين لأقاليم ليبيا الثلاثة مما لا يتفق مع مبدأ تقاسم السلطات، بل و الذي يذكرنا بإشتراط النص على صفة أمير برقة في المراسيم الملكية المتعلقة بالشئون الليبية، و عبارة بدون قيد أو شرط في مبايعته "رحمه الله" لقيادة ليبيا أثناء الحرب العالمية الثانية و في ذلك كله ما يدل أن المتحاورين يراهنون على أنهم وُجِدوا ليبقوا و أن الظروف التي وجدتهم إن قُدِّرَ لها أن تدوم فستبقي عليهم في مواقعهم متمتعين بواقعهم واثقين كل الثقة أن المحافظة عليها أصعب من نيلها مما يجعل من المؤتمر الوطني الشامل الذي لا يفرّق بين فبراير و سبتمبر و يعيد إلى ذاكرتنا ذلك الدور الذي إضطلع به ذلك المؤتمر الرائد في إستقلال الوطن تحت مشورة الأمم المتحدة و مندوبها القدير أدريان بِلت و الذي نرى في غسان سلامة أقدر من يمكنه تجديد دوره في أيامنا هذه و هو يشهد هذا التشبث المخجل بالمواقع و الإصرار على ترك الشعب الليبي في غرب البلاد و شرقها، و قبلهما جنوبها، يكابد هذه الأحوال المزرية، لا لشيء سوى أن الأطياف التي إستأثرت بالسلطة ذات غفلة، و تصر على التشبث بها و لو كان الثمن هو الإجهاز على الكيان الوطني بالكامل، ما دام الإجماع الدولي قد إنعقد على أن ليبيا بما يسود أكثر مناطقها من الفوضى هي مصدر كل الشرور التي تطال جيرانها دون إستثناء، و ان الممسكين بالقرار فيها قد وصلوا بها إلى هذا الدرك الأسفل من التدنّي، مما يجعل من المضي نحو المؤتمر الوطني الشامل المخرج الأكثر واقعية لإستخلاف إدارة مؤقتة تنحصر مهمتها في أداء الخدمات الضرورية لعموم المتساكنين، من صحة و تعليم و سيولة مالية يمكن تدبيرها لمجرد بتر الأيدي التي إستمرأت النهب المشرعن على أكثر من صعيد و تمكين القوى العسكرية و الأمنية "التي لا تجهل الأطراف الأوروبية أعدادها و قدراتها و مرجعياتها" من حفظ الأمن و مراقبة الحدود لوقف التهريب على جميع مستوياته و الضالعين في جرائمه، بعيداً عن التحسس من شبهة الوصاية و إنعدام السيادة و قل ما شئت من العبارات الرنانة التي ليس لها من هدف سوى ضمان إستمرار سلطة و مصالح هذه الأجسام التي لم يقترع عليها مجتمعة سوى أقل من خمس السكان. كل ذلك دون أن ننسى أننا نتحدث في شهر أكتوبر الذي شهد قبل ما يقرب من سبعين سنة إعلان دستور ليبيا تحت إشراف المندوب الدولي أدريان بِلت حين مُنحت إستقلالها و كانت أفقر دولة في العالم، لتُحكم بعد ذلك بعهدين أحدهما لم يتجاوز العقدين و ثانيهما تجاوز الأربعة و شهدت جلساته تمزيق الميثاق الأممي ليتم الإسقاط بالموافقة الدولية، لتؤول الأمور إلى وضع جعل الأغلبية الساحقة تُعاني ما لا تخفى علاماته على كل مراقب منصف، و عندما تتحدث الأنباء عن وصول المندوب الدولي قصد مقابلة أطياف من المجتمع الليبي على نحو ما قام به منذ أيام مضت، نرى و قد أتاح هذا الفضاء إمكانية الجهر بما نرى وجوب الجهر به في هذه السطور و من باب التذكير بما سبق أن أدرجنا منذ أيام تحت عنوان عاجل إلى السيد غسان سلامة


_____________________________

عاجل إلى السيد غسان سلامة

أمين مازن

18-10-2017

سواء تاب المتحاورون إلى رشدهم و سارعوا إلى إنجاز مهمتهم المتمثلة في تعديل إتفاق الصخيرات و الذي توشك مدته على الإنتهاء، أو إستمروا في تسويفهم أملاً في أن تكون المدة مرتبطة بالإنجاز، و لو إستمرت إلى ما لا نهاية، و إن وضع المجتمع الدولي لخريطة الطريق المتعلقة بتعديل إتفاق الصخيرات و التي يجري الحوار حولها بتونس قد إنتهج نهجاً أكثر واقعية و أدعى إلى تحقيق المنجز العملي، فتحديد المدة الزمنية و أسلوب العمل و إقتراح الأولويات و وضع المواصفات إلى جانب الهيكلية و الإختصاصات و أخيراً إعتماد التعديل المُقرر في الإعلان الدستوري ليمثّل المرجعية التي يحتكم إليها قبل الذهاب ألى إختيار الأسماء المقترحة للتكليف، إنما ليبرهن عن تمثل غير عادي لما يسيطر على معظم المتحاورين إن لم نقل جميعهم من ميل لإطالة الأزمة. كما أن الدفع بفكرة المؤتمر الوطني كي يكون محفزاً للحل أو بديلاً للذهاب إليه في موضوع الأسماء إنما يعود إلى مراعاة كون ليبيا ما تزال خاضعة للبند السابع من الميثاق الأممي، أي أن الإحتكام إلى الإرادة الدولية في حالة إنسداد السبُل. خاصة و أن نسبة الإقتراع في الإنتخابات الثلاث التي عرفتها البلاد عقب 2011 قد جاءت بذلك التدنّي الذي لا حرج من وصفه بالمخجل، مما يعني أن كل تعليق للحوار لن يدفع ثمنه سوى ضعفاء البلاد و ان المجتمع الدولي مطالب اليوم أكثر من أي وقتٍ مضى بمزيد الإنخراط بما يفضي إلى إدارة تسير البلاد برئاسة تمثل سيادتها و بالتساوي بين أقاليمها، و حكومة منفصلة عن هذه الرئاسة و تعمل تحت إشرافها، تنبثق عنها قوات مسلحة و أخرى للأمن و سلطة قضائية مستقلة و أخرى رقابية، فضلاً عن مجلس نيابي يمنح الثقة و يحاسب و يسحب الثقة، و أخر إستشاري يحقق التوازن و يراعي سابقة الثقة التي أُعطيت في أول إقتراع و هو ما أُتبع في العالم أجمع بما في ذلك دولة الإستقلال و دستورها الذي يدعو الكثيرون للعودة إليه. بقي أن نرفع عقيرتنا معشر الليبيين و نحن في شهر أكتوبر الذي شهد ذات يوم 7-10-1951 إعلان ذلك الدستور، فنطلب من السيد غسان سلامة المندوب الدولي و هو يقول إنكم تتعرضون لنهب ممنهج. إن من ينظر إلى الحريق و يملك القدرة على إطفائه و لا يفعل ذلك فهو شريك فيما يجري، و من هنا فنحن ننتظر مخاطبة المجتمع الدولي و بالتحديد مجلس الأمن و الأمين العام للأمم المتحدة ليتخذ ما يرى لوقف هذا العبث الذي نعيشه دون أن يفكر هؤلاء المتحاورون بالتخلي عن أي نسبة من مرتباتهم الفلكية و مزاياهم، و عسى أن يقرأ السيد يلامة هذه السطور، و كم يكون جميلاً لو يضيف الأخرون ما لديهم. إنتهى


____________________________



إذا مِتُّ عطشاناً فلا نزل القطر

أمين مازن

16-10-2017


إن الوحدة الوطنية من حيث هي إستحقاق من إستحقاقات الوطن الجديرة بالتقديم على ما سواها من بقية الإستحقاقات، و مطلب يمكن أن ينزل منزلة فرض العين كما يقول أساطين الفقه بشأن فريضة الجمعة، و السعي إليها واجب لا عذر فيه لأي متخلف من المتخلفين. و ما ذلك إلا لأنها كثيراً ما أُبتُليت بما لا حصر له من أسباب التثبيط، و دواعي الفشل، أو عدم الجدية بالأقل، و ذلك منذ أن قُدِّرَ للدولة الوطنية عندنا معشر الليبيين أن ترى النور في مطلع النصف الثاني من القرن الماضي، إذ مع أنها كانت مطلباً توأماً لمطلب الإستقلال و الإنضمام إلى الجامعة العربية، كما هي شعارات تلك الأيام، إلا أنها من الناحية العملية لم تسلم من عديد الأخطار، لما هيمن عليها من طرح مثالي و تصور سطحي، لم يتفطن إليه عدد غير قليل من جيل الآباء عندما توههم بعضهم أن في إمكانه حرق المراحل، فإتخذ منها شعاراً بلغ حد الهوس، حتى لقد أُعتبر ذلك الإستقلال الذي أمكن تحقيقه من خلال إحتدام الصراع الدولي عندما مثّل الحل الوسط و بفضل الإستعداد لمساعدة الدولة الوليدة التي كانت يومها أفقر دولة في العالم، و لم يتردد الكثير من متقدمي الصفوف بتلك الأيام في إعتبار الإستقلال الذي أُعلن أنه ليس أكثر من صورة من صور إخفاء الإستعمار في حين كان الأذكياء من حولنا يسارعون بقبول الحلول الأقل عندما أدركوا و تبنوا القاعدة السياسية المعروفة بوجوب القبول بما هو كائن و من ثم السعي إلى بلوغ ما يجب أن يكون، كما أن الشكل الإتحادي ذاته الذي لم يكن ثمة مناص من القبول به، لم يكن بالسوء الذي الذي أطلقته بعض القيادات السياسية غير المسئولة و التي زيّن لها الإجماع الشعبي إمكانية حرق المراحل و تجاوز الكثير من الصعوبات الفعلية التي تحتاج إلى شيء من الوقت كي لا يرى فيها ذوو المصالح إضرار بمصالحهم تلك التي نمت في سنوات الإدارة الذاتية ليس فقط أثناء الإدارة البريطانية أو الحقبة الإيطالية بل إلى زمن التركي، و بالأحرى الوضع الجغرافي الذي أكسب عديد القيادات الإجتماعية قبل أن تتطور الحساسية -و بالضرورة مدن هذه القيادات شيئاً من الخصوصية التي إنعكست في سلوك الناس بما إتصفت به من البساطة بمن فيهم المسئولين الذين طالما إستجابوا لعديد الرغبات غير المنطقية لمجرد أن سعى إليها وجيه من وجوه القوم و أقسم عليها للمسئول ! الأمر الذي أشعر عديد الأطراف الليبية و لا سيما في شرق البلاد، عندما فرضت المصالح الإقتصادية الدولية الكبرى، إلغاء النظام الإتحادي بأن ذلك الإجراء قد جاء على حساب مصلحة الأغلبية، و مدفوعاً من الدولة المركزية التي جعلت كل ذي مصلحة أن يؤمم وجهه شطر مقر الحكومة، و التي أصرّ الملك المسن و من خلال عقدته الشخصية إزاء بنغازي التي تُعتبر دستورياً عاصمة البلاد الشرقية كما طرابلس عاصمتها الغربية فإذا به يفرض بواسطة الأمر الواقع مدينة البيضاء مما يعني أن نصوص الدستور في واد و سلطة الأمر الواقع في وادٍ آخر، تماماً كما هو الحال بالنسبة لمجلس الشيوخ المقرر تشكيله بالتساوي بين الولايات الثلاث و لمدة ثمان سنوات يختار نصفه الملك بإقتراح الحكومة و الولايات و النصف الآخر يُنتخَب من المجالس التشريعية، فإذا به يُعين بالكامل من طرف الملك دونما إلتزام بقاعدة التساوي و الحجة بالطبع أن النظام الإتحادي قد تم إلغاؤه، فلا داعي -حسب هذا التعريف المعتمد و إستغلال الوحدة المزعومة- أن تُراعى شروط الجغرافيا و لا سابقة العمل الوطني في الإدارة السامية ! و يكفي أن أخر مجلس للشيوخ زِيد أعضاؤه مرة سنة 65 و الثانية سنة 68 و لم يكن ضمن أعضائه المعينين أمثال مصطفى بن عامر و أحمد زارم و علي خير الدين و علي ازواوة و عبد العزيز الزقلّعي و الحاج محمد الكريكشي و علي الديب و محي الدين فكيني و فاضل بن زكري و غيرهم ممن تتوفر فيهم سابقة العمل الوطني و المساهمة في تأسيس دولة الإستقلال و لهم من المكانة الإجتماعية الشخصية و الموروثة ما لهم، و ما ذلك إلا لأن الإحتكام المتعلق بالإختيار قد أصبح متروكاً للمزاج و تدخلات الحاشية العاجزة عن إسداء أي نُصح مسئول و إن آخر ما كان يشغل بال الكثير من الذين تسللوا لصنع القرار هو إستحقاق الوحدة الوطنية التي ما من شيء يُعمق الإحساس بها و العمل في سبيل صونها مثل إشعار الفاعلين بأنهم شركاء في حمايتها و نرى أن مثل هذه السلبيات هي ما حدا بالأعداد الكبيرة من أمثال هؤلاء أن يقفوا متفرجين على العهد و هو يتهاوى في ذلك الصباح دون أن تُطلق من أجله رصاصة واحدة أو يمتنع عن التأييد سوى الأقل من القليل و من الذين إكتووا من بعض نيران النظام الذي إنتهى في ذلك اليوم، و لا سيما و هو يلوح لهم بحضر بعض المحرمات على العامة و تركها متاحة و أكثر من ذي قبل للخاصة عندما إستباحوا كل شيء، و هي ذاتها التي دفعت من آلت إليهم إمكانية المساهمة على أي مستوى من المستويات في إدارة هذا الشأن أو ذاك إلى المضي نحو تلك الصيغ المتعددة من اللجان و المؤتمرات و القيادات الإجتماعية و السياسية لتستطعم المصالح و تتبوأ مقاعد الصدارة و تجد من ثم السبيل نحو التأييد و حتى العتب عند اللزوم، بل و تُفقد في عديد اللقاءات أو تخاطب كي تجهر بما يُراد لها أن تجهر به، خاصة و أن ما زخرت به الذاكرة الشعبية و المصادر التاريخية حول معارك الجهاد الليبي و ما شهدته من البطولات و ما استشهد بها من الرجال قد أتاح الكثير من الفرص المثيرة للحوار و المبررة للفخر بجميل الذكريات و أيا ما كانت المواقف و إختلفت الرؤى ففي التجربة الكثير مما يمكن أن يقال و من الدروس ما يمكن أن يُستخلص بصدد إستحقاق الوحدة الوطنية و الذي كثُر الحديث حولها هذه الأيام، و يُصر البعض على تجريد حديثه هذا من الغرض الشخصي و الطموح السياسي و الهدف الحزبي مما يجعل من مثل هذه الأحاديث مجرد خيال أعجز من أن يُحقِق إضافة تُذكر، فكل حديث حول الوحدة الوطنية لا يتوقف أمام مصالح الناس و لا يدعو بإلحاح لتكافؤ الفرص بين أبناء الوطن الواحد و أقاليم الوطن الواحد فليس أكثر من تنظير و غير قابل للتطبيق و لغو من القول الذي لا يسمن و لا يغني من جوع، فالوحدة الوطنية لكي تكون مجدية لا بد أن يكون لها مضمون يثق في جدواه الناس كافة و لا ضير فقبل ألف سنة قال شاعرنا الخالد بيته المشهور


معللتي بالوصل و الموت دونه *** إذا مِتُّ عطشاناً فلا نزل القطر


 ______________________________



عندما نؤبِّن شهداء ورفلّة نستحضر عديد رجالها

أمين مازن

13-10-2017


كنت في الحادي عشر من أكتوبر الجاري بين الذين ضمتهم الساحة الكبرى لفندق كورنثيا مشاركين في اللقاء التأبيني للشهداء الأربعة الذين قضوا نحبهم إثر جريمة إطلاق نار إرتكبها أحد المجرمين على سيارتهم و هم في رحلة عمل تتعلق بإصلاح ذات البين و حقن دماء الليبيين، لقاء شارك فيه أكثر من شخص إعتباري في البلاد، أكثرهم لفتاً للإنتباه السيد عبد الرحيم الكيب الذي فضّل البقاء في العاصمة منذ خروجه من رئاسة الحكومة الإنتقالية، حتى و هو يتلقّى عرضاً لشغل منصب المندوب الدائم لليبيا في الأمم المتحدة، حين أدرك ألا جدوى من شغله لهذه المهمة. و ما ذلك إلا لثقته في أدائه المُنَزَّه، ربما من الإعتداء على الأشخاص و المُنَزَّه من إستفادة الذات. لم أرغب على الصعيد الشخصي و أنا أتلقى الدعوة أن أكون بين المتحدثين ليقيني أن حديثي لا يظيف شيئاً للراحلين فإعتذرت لمن تواصل معي في الخصوص لكن المناسبة فرضت عليّ أن أدون هنا تعزيتي و صادق مواساتي، إنطلاقاً من علاقة موروثة تعود إلى عديد الأعلام الذين أذكر منهم علي و عجاج ثامر و يونس بالخير و نوري بن غرسة و علي و سعيد الجدي و محمد عبد الله بِلَّامّة و عبد الحفيظ الخازمي و غيرهم الكثير ممن عرفنا في المدينة و قبل ذلك مسقط الرأس، ممن كان لهم دورهم المعدود و حضورهم الفاعل على أكثر من صعيد فإستفدنا من نصحهم و كبير خبرتهم و حقيقة أن الورفلّي بقدر ما يحافظ على نسبه بقدر ما يبذل كل إمكانياته لمصلحة محيطه، و محل إقامته، و خير دليل على هذا القول دور آل بن غرسة في جنزور و عائلة لنقي في بنغازي و عائلة بِلَّامّة في هون و إن أنسى لن أنسى نصائح السيد عجاج ثامر في خمسينيات القرن الماضي بشأن رقابة بعض الأجهزة الأمنية الإتحادية، و البرَّاني ناجي الذي نفذ مهمته في إعتقالي سنة 73 و دموعه على خديه من شدة الحياء و هو كما دونته في سيرتي التي نشرتها حاملة كل هذه الأحداث و تحمّل مسئولية الإذن بنشرها ثلاثة من الأجيال الجديدة التي نهظت بمهمة الرقابة بعد القراءة بالطبع سالم الزيادي و عبد السلام عوير و أنيسة التايب، و جميعهم من ورفلة، و تعين التنويه بمواقفهم و أنا أسجل هذه المواساة لورفلة أينما وُجِدوا، عسى الله أن يرحم الموتى و يوفق الأحياء و يحقن دماء الليبيين كافة، و يجعل دائرة السوء على كل من يسعى في الإضرار بالوطن.

_____________________________

عُدِّلَ الإتفاق ومتى يبدأ التنفيذ

أمين مازن

11-10-2017

في إحساس غير متكلّف من الإرتياح أعلن المندوب الدولي الأستاذ غسان سلامة عن توصل المتحاورين الليبين الذين إتخذوا من منتجع قمّرت التونسي مكان لإجتماعهم، إلى إنجاز الجزء المتعلق بالهيكلية العامة لليبيا تنفيذاً لإتفاق الصخيرات الذي أُعلن منذ مايقرب من سنتين وحالت الطموحات الشخصية والنهم غير المحدود على السلطة دون تنفيذه على النحو الذي يقبل به الجميع ويتفق مع مبدأ الشراكة العادلة التي وضع أساسها جيل الأباء وهم يأسسون دولة الإستقلال تحت رعاية ومشورة الأمم المتحدة ومندوبها الدبلوماسي الشهير أدريان بلت فتقرر بموجب التعديل وبالأحرى التصحيح حصر المجلس الرئاسي في رئيس ومساعدين وهو المبدأ الذي أُتبع في إنتخاب الهيئة المكلفة بكتابة الدستور، والتي قُسِّم أعضاؤها الستون بواقع عشرين لكل إقليم من الأقاليم الثلاثة المعتمدة منذ العهد التركي، كما ستفصل السلطة التنفيذية في حكومة لها رئيس وحقائب محددة، تنال ثقتها من مجلس النواب، إستئناساً بما جاء في دستور الأباء، وما حدد بشأن إستشارة مجلس الشيوخ والإلتزام بها ومن ثم إقرار التعديلات المقترحة في الإعلان الدستوري بإعتباره الميثاق المعمول به وربما المعترف به دوليا أيضا. فكان على كل مراقب منصف أن يُثمّن مثل هذا التوجه ويؤمل فيه الحلحلة المطلوبة. ذلك أن كل تطلع لبناء أي شكل دولي يشترط أول مايشترط هيكلة السلطة وإختصاصاتها وطريقة توليتها ومحاسبتها وحتى إزالتها، كل ذلك دون الخوض في أسماء من سيتولون، إذ قبل المضي نحو هذه الخطوة لابد أن توضع معايير الإختيار من حيث الأهلية الشخصية من ناحية ومراعاة واقع البلاد الجغرافي من ناحية أخرى، إنه الإعتبار الذي يحتمه إنتشار المعرفة لدى الليبيين في جميع المدن والقرى ويفرضه كذلك حق المشاركة في شؤون الوطن إقتراحاً وتنفيذاً ورقابةً، وليس أمام كل مسكون بالوطن وهمومه والحرص على ترسيخ وحدته إلا أن يرقبه وهو يسهم في صنع قراره على أي مستوى من المستويات، إذ لاشئ يثير الغبن ويضعف الولاء ويدفع نحو السلبية القاتلة مثل إحساس المرء بأن وطنه ليس له، وإن الوحدة التي يتشدق البعض بالحديث عنها ليست أكثر من محاولة مكشوفة لإخفاء مايقترفونه من جهوية ويرسخون تحته من عصبية، إن جاز التعبير ولاشك أن الدبلوماسي المثقف والخبير الماهر كان موفقاً في نهجه هذا، إن من حيث الإنتظار إلى فصل الرئاسي عن مجلس الوزراء، وحصر الأول في ثلاثة عناصر أو من حيث توزيع الصلاحيات لما في ذلك من الحيلولة دون التغول السلطوي ومايؤدي إليه عادة من عدم إستشعار المسؤولية، وبالأحرى وهو يمارس سلطاته ويختار أجهزته المساعدة فلا يرى أبعد من محيطه الأسري ومايدخل في عدادهم من المحاسيب، وهو ما لا لن يكون متاحاً عندما تتوزع المسؤوليات على هذا النحو بحيث يكون كل ذي طموح مخيراً بين الوظيفة التنفيذية المحتاجة للمساعدين، والأخرى الشرفية التي توفر لشاغلها المظهر المعنوي المرموق من دون أن يكون متاحاً له الدخول في تفاصيل التنفيذ. وكم يكون مفيداً للنظام المنتظر له أن يسود ليبيا الجديدة بعد أن تصمت المدافع فلا توجه إلا لمن يروم إحتلال البلد أن يشمل هذا الخبير المقتدر حزمة المناصب السيادية التي لا تقل في أهميتها عن الرئاسات المشار إليها ليس فقط بما تحتاج إليه من التوصيف وإنما التوزيع بين مكونات الوطن مما يحقق التوازن المطلوب والحذر من خطفها بهذه الطريقة أو تلك ولاسيما تسلل الفساد ومرض العبث بالمسؤولية، الأمر الذي لا مجال لتحققه إلا بالبث في مسألة التسميات على أساس الحزمة الواحدة، بحيث يتحقق التوازن على جميع المستويات ويتحقق من ثم المستهدف من سلامة الأداء وحسن المردود ويحافظ هذا المندوب على ما أظهره من إحساس غير متكلّف بالإرتياح وهو يعلن توصل المتحاورين الليبيين إلى تعديل إتفاقهم الذي رعته المغرب وإنحرف به في التنفيذ بعض المندوبين، ويجري الآن تصويبه ولن نقول تعديله على أرض تونس التي تتأثر أكثر من سواها بما يجري في ليبيا والعكس صحيح، كما يقولون .إنتهى

____________________________

طريق سلامة و سلامة الطريق

أمين مازن

29-9-2017

سارع المتفرغون للتعليق على ماتشهده الحياة الليبية من مستجدات عبر القنوات الفضائية التي تبث من خارج البلاد، برفض التوجه الذي طرحه الأستاذ غسان سلامة، بشأن تنظيم مؤتمر وطني ليبي موسع تُرَاجَع فيه التعديلات النهائية لمخرجات إتفاق الصخيرات وتوضع به قائمة للأسماء المراد تكليفها بإدارة شؤون البلاد، مبررين رفضهم هذا بالخشية من إيجاد جسم جديد، على حساب الأجسام الموجودة والتي تمثل (بالرغم من تحاملهم الكثير عليها ، المشروعية) حتى إن بعضهم وصف مقترح سلامة بالزلزال الذي لن يكون له من مردود سوى تعطيل الحل المقترح، كأن هذا التعطيل لم تظهر ملامحه منذ مباشرة المؤتمر الوطني العام لمسؤولياته وإمتناعه عن المبادرة بإعداد دستور البلاد، إن بواسطة لجنة من لجانه أو أخرى يختارها، تاركاً لرئيس المجلس الإنتقالي مهمة البث في الموضوع، والذي أبى (غفر الله له) إلا أن يشرعن فكرة الأقاليم الثلاثة والتي بدأت من لجنة الواحد والعشرين التي وضعت مع المندوب الدولي ملف أساس دولة الإستقلال، وقد جاء هذا الموقف مجرداً من التوضيح اللازم، الأمر الذي جعل عديد المواطنين لا يعطون الأهمية المطلوبة للعملية الإنتخابية، خاصة وإن دوافع العزوف قد إعترت المواطنين لمجرد إكتشافهم لما ظهر على المؤتمر الوطني من نزوع نحو الممارسة التنفيذية لتأتي بعد ذلك إختيارتهم في الغالب مشوبة بالمحسوبية هذا فضلاً عما فرضوه من مرتبات فلكية ومزايا خيالية جعلتهم في مستوى الوزراء الأمر الذي لا وجود له في معظم إن لم نقل جميع بلدان العالم ، فإذا ما عنَّ لبعض الأطراف أن تشارك في إنتخاب مجلس النواب وترفض كل من لوحظ عليه شئ من الإخلال بالأمانة، كان ما كان من المواقف غير الديمقراطية والتي إنتهت باللجوء إلى السلاح، فإذا مافرضت الأحداث العودة إلى طاولة المفاوضات أو ما أُطلق عليه الحوار وتشكيل لجنة أو لجان للحوار والوصول إلى الإتفاق أو الوفاق ليستمر الأخذ والرد ويحتد الصراع الدولي في أكثر من مكان بما في ذلك بلادنا حيث كانت هذه الجلسة التي ترأسها الأمين العام وشارك فيها هذا الحشد الذي إنتظم بشأن ليبيا على هذا المستوى الرفيع لينعقد الإجماع على ضرورة الخروج بالإتفاق المنشود. وإناطت مسؤولية التنسيق للأمين العام للأمم المتحدة والذي كان قد إختار لمساعدته الأستاذ سلامة الذي حرص على وضع خارطة لطريق الحل ويكون من مفرداتها المؤتمر الوطني المقترح وعلى هذا القدر من المسؤولية، وتأتي ردت الفعل على هذا النحو، والذي رآى فيه المتفرغون للفضائيات مارأوا . والحق إن ماشهدته الأحداث من الأخذ والرد ، ومادرج عليه عديد الأطراف من وضع العصى بالدواليب كما يقولون، يجعل من المؤتمر المقترح مشروع بالغ الأهمية لما يمكن أن يترتب عليه من توسيع دائرة المشاركة والعمل على إعادة الثقة للكثير مِن مَن أحبطهم تهافت أكثر الذين تم إنتخابهم نحو مصالحهم، وإن مظاهر هذا الإحباط عبر عنها العزوف عن المشاركة من ناحية وتصريفها في أحياناً كثيرة لغير مايجب أن تصرف نحوه من ناحية أخرى. ومن ثم فإن المطلوب ليس الإصرار على عقد المؤتمر وحسب، وإنما التوسع فيه عدداً أو نوعاً لما في ذلك من بعث الحيوية وقطع الطريق على الذين يراهنون على عزوف الناس لتبقى لهم الساحة. وكم يكون مفيداً لو تصدر القرارات اللاغية لكل أنواع التحفظ ومحاولات الإقصاء، بل وإصدار أوامر الحظر على الإنفاق غير المشروع والإقتصار فقط على ماهو ضروي أما ما يتحدث عنه البعض عن الفراغ وتبرير ذلك في المضي في إنفاق المال وتعيين المحظوظين فلن ينطلي أبداً، وإن تعذّر التنبيه إليه جراء غياب الصحافة وإحتكار القنوات الرسمية في المديح والأخبار المعادة ليس غير. وما دامت نسبة المشاركة في جميع الإنتخابات على هذا النحو من التدني فإن كل حديث عن شرعيتها وحقيقة تعبيرها عن الرأي العام خيال مابعده خيال، ومع التعبير عن جزيل الشكر للأمم المتحدة متمثلة في شخص سكرتيرها العام لابد أن نثمن للإستاذ غسان سلامة مقترحه الرامي إلى عقد المؤتمر الوطني الموسع والوقوف من خلال حواراته على رأي الشعب بشأن الحلول المقترحة والأسماء القادرة على التنفيذ الجيد والتقدير السليم وإذ ذاك يمكننا أن نطلق بكل إطمئنان على مقترحات الأستاذ غسان، طريق سلامة وسلامة الطريق .إنتهى

____________________________

الدولة المدنية و بيت العنكبوت

أمين مازن

20-9-2017

يعمد الكثير من أتباع الأيديولوجية النفعية، و هم يطرحون ما لديهم من رؤية تتواءم مع ما يهدفون إلى تركه غير مُوضح. أو قابل لأن يُحمل على أكثر من وجه، مثل الحديث عن الدولة المدنية التي يريدون لها أن تسود في المجتمع الذي يتطلعون إلى حكمه، و من باب أولى الفوز بثقة ناخبيه أو تبوء مقاعد هيئاته المختارة، فتراهم يقصرون تعريف صفة المدنية هذه في شرط إستبعاد الهوية العسكرية عن شخصية الحاكم المنتظر، مردفين إلى ذلك الكثير من الكلام العام الذي لا صلة له بإشتراطات الدولة المدنية التي تسعى إليها عادةً جميع القوى السياسية، و هي تشكل تنظيماتها و تتقدم إلى مختلف جماهيرها طالبة نيل ثقتها و متطلعة إلى القيام بإدارة شئونها، إنه الطرح الذي لا يترتب عليه سوى المزيد من التشويش و المزيد من المغالطات الرامية إلى إخفاء المشروع الحقيقي لهذا النوع من الساسة الذين يعولون على التعميم و يستفيدون من عدم توضيح الأمور كما ينبغي لها أن تُوضح و تحديد المفاهيم كما ينبغي لها أن تُحدد، ذلك أن مدنية الدولة، و بعيداً عن إستعراض المصطلحات و إعادة ما درج على التحدث به المختصون، هي تلك التي تحتكم إلى دستور يحدد نظام الحكم، و أساليب محاسبة المسئولين و طريقة تعيينهم و صلاحياتهم لا فرق أن يكون هذا الحاكم ملكاً أو رئيساً، إذ يكفي أن يمثل صفة الرمز، إلى جانب سلطة مختصة بالتشريع و أخرى بالتنفيذ و ثالثة تختص بالبت في مختلف الطعون التي يمليها عادةً تظارب النظرة و إستشعار الغبن و التناقض مع نصوص الدستور الذي إتفق على صوغه جميع أبناء الشعب مُقرِّين الإعلاء من شأنه، و رفض أي مساس بقدسيته، بمعنى أن السلطة الحقيقية في كل دولة ،تزعم لنفسها صفة المدنية، فإن أول إشتراطاتها أن يكون برلمانها يملك السلطة التي تخوله القدرة على تصحيح المسار في إي وقت تستدعي فيه الأمور وجوب التصحيح، كما لا بد من وجود إقتصاد مرن يُتيح فرص العمل الحر بذات القدر الذي يفرض فيه واجب الأداء، فضلاً عن توفير الحريات العامة و تجلياتها في الصحافة و الإعلام، على أساس الإحتراف المنظّم و الدعم الرسمي المُعلن و المُحدد بحكم القانون المنظم للمهن و الكفيل بحضر كل تمويل مشبوه من شأنه المساس بشرف المهنة و سلامة الأوطان، و الدولة المدنية هي فوق ذلك، هي تلك التي تنظم فيها الأنشطة المعرفية التي تؤمِّن لذوي الحاجة تحقيق ما يطمحون إليه من سكن لائق يُسدد بواسطة الأقساط المريحة و الإتجار الحر الممول بواسطة رؤوس الأموال المعروفة يسدد أصحابها إستحقاقاتهم الضرائبية بعيداً عن الإحتيال و إدعاءات الإحسان بل الإقرارات المعقولة التي تُبيح الإعفاءات المشروعة و ترفض التهرّب الفج و تقبل أحياناً بالمصالحة التي تظمن الحد الأدنى من الأداء.

إن الدولة المدنية و الحالة هذه هي دولة الوضوح، دولة العهد الصادق و الإلتزام الشريف، الدولة التي لا يتقدم مرشحها لشغل مقاعد الرأي و المشاركة بإسم الإستقلال، فإذا ما كُتِبَ له الفوز و أقرّه الناس على ما إدعى فاجأهم بموقفه المنحاز الذي يُثبت بكل الأسف أن التلويح بصفة المستقل ليس أكثر من محاولة لإخفاء الوجه الحقيقي و الهدف الأبعد، و الأنكى من ذلك أن مثل هذا التعبير يتم في أحيان كثيرة لقاء نفع مادي و موقع قيادي، بل إن بعضهم لم يجد أي حرج في الإعتراف بأن ما قام به ليس أكثر من تُقية أو تكتيك مُبيت لأن الإعلان عن الموقف الحقيقي يعني الخسارة المحققة، كأن التناقض لا يعني الخيانة و إن إخفاء الحقيقة في مثل هذه المواقف من الأمور التي تمس الشرف و الأخلاق و قد تجلّى هذا الموقف غير الأمين في ممارسة الكثير من أعضاء الهيئة المُكلفة بصوغ الدستور حين شُكِّلَت على مبدأ التساوي بين أقاليم البلاد الثلاثة، و إذا بالبعض ينحى المنحى المختلف، و الذي كانت مصلحته إقصاء أحد الأقاليم مباشرة بدعوى المصلحة العامة أو الأكثرية، و الأمر ذاته بالنسبة للمنحدرين من ذات المناطق، ممن غيروا مواقفهم إستجابة لبعض الضغوط و حتى الرغبات كما أُشيع، و على كلٍ فإذا كان هناك من يرى أن الدولة المدنية هي تلك التي يكون محتواها دينياً صرفا، فليكن ذلك مُعلناً و دون أي مواربة، فإذا كان لمثل هذا التوجه العدد الكافي من المناصرين كان بها، و إن كانت الأخرى وجب الرضوخ لما يرى الناس و يختار الناس، بل و الفوز بثقة الناس، أما المواربة، و حتى المراوغة فذلك ما لا يمكن التستر عليه، و إعفاء مرتكبيه من المسئولية الأخلاقية تحديدا، و تظل التشريعات التي إتخذت من القوانين المدنية دون غيرها المرجعية الأساس في معاملات الناس، و إن تكن لم تغفل الأعراف و الأديان و العادات، إنما كانت تجسد بصدق حقيقة الدولة المدنية القادرة على صون وحدات الشعوب، و ما على الذين يريدون أن يتخذوا من شعار الدولة المدنية غطاء لما يهدفون إلى تمريره في غفلة من الآخرين إلا أن يعلموا بكل الوضوح أن حجتهم واهية، و حيلتهم مكشوفة و قِربتهم مثقوبة، و أخيراً فإن بيتهم أوهن من بيت العنكبوت أما إذا تذرعوا بالحد الأدنى من الصدق و أعربوا عن القليل مما يرمونه صراحة، فليس أمام كل ذي ذمة -وعسى أن نكون منهم- إلا أن يبدي لهم الإحترام الكبير، و إن كان الخلاف معهم أشد و أكبر، و لعلهم يستحقون منزلة المجتهد الذي بُشِّرَ بنيل الأجرين في حالة الصواب و بالأجر الواحد في حالة الخطأ، و ليس من يقتحم الميدان كمن يجلس بين المتفرجين.إنتهى

_____________________________

مصافحة لوزير خارجية فرنسا

وهو يحل ببلادنا زائراً أو ناصحاً أو آمرا.. !!

أمين مازن

7-9-2017

فجأة و أنا أكابد عذابات إنقطاع الكهرباء، خطر لي أن أكتب لك سطوري هذه، على هذا الفضاء الذي لم أعد أجد غيره لنشر ما يتراءى لي حول سوء أحوال بلدي، جرّاء فشل بعض أو كل من ستلتقيهم أو تبحث معهم ما يوصف بأنه مساهمة نحو إخراجنا من أزمتنا، هؤلاء الذين ينسون أو يتناسون أن مأساتنا من إستيلائهم على وسائل الإتصال من فضائيات جمدوها لتتألق أخرى أسسوها، و صحافة قتلوها لتسود أخرى أنشأوها، لأقول لك يا سيدي الوزير إننا لا نحتاج لشيء قدر حاجتنا لضبط حدودنا مع الدول التي تتمتعون معها بسامق المكانة، و التي تستنزف محروقاتنا و موادنا الغذائية و ما نستورده من مختلف السلع حيث تتمكن المافيات القادرة على إخراج كل ما ترى جدوى إخراجه لتعرضه هناك بعملات بلادهم التي صارت في زمن مأساتنا أقل من أوراق اللف، كما عبّر بعضهم في سنوات الحضر الجوي، و التي كانت أهون بكثير من رداءة هذه الأيام.

إنها المافيات التي تعيد هذه العملة الليبية على هيئة رزم لا تضبطها الجمارك و لا تحجزها أجهزة الأمن، بل إن الكثير مما تقوم به هذه الأجهزة من حملات التفتيش و حتى المصادرة للممنوع، ليس أكثر من الحرص على تثبيت سعر الممنوعات مما يؤكد أكثر من مصدر أنه يوفر ما تحتاج إليه بعض الأطراف لتمويل أنشطتها و الحفاظ على سطوتها، فإعطاء هذه النواقص الأولوية المطلوبة أجدى و أفضل بكثير من التعديلات المطلوبة لأي إتفاق من الإتفاقات، فعلى أهمية التعديلات المرغوبة إلا أنها لن تطال هذه الأعداد الكبيرة من مسئولي هذه الأيام، أولئك الذين يستنزفون جميع ما في خزائننا بل و يزيدون من ديوننا، فليس في وهم السيادة التي يتشدق بها الكثيرون و يمارسون من خلالها إمتيازاتهم متعددة الأوجه و الأغراض، ما يفيدنا نحن الذين لم تعد لنا سوى مثل هذه الفضاءات لنبثها أحزاننا و مواجعنا، و خسائرنا التي لن تعوض و التي لم تكن لولا تدخلكم أيها الفرنسيون غير المسئول الذي إكتفيتم فيه بالهدم دون التفكير في المساعدة في البناء. سطور أكتبها في غمرة أحزاني الشخصية و العامة إذ تتزامن زيارتكم مع ذكرى مؤلمة لرحيل أغلى من فقدت 9/9/2014 دون أن أنسى قول شاعر و صديق فقدته

إن يكن ما كان لا تنسوا بأني واحد من عشرات *** و قيودي سوف أفنيها بقرطاسي و صبري و دواتي.إنتهى

____________________________

وتقدِّرونَ، فتَضحكُ الأقدار

أمين مازن

5-9-2017

يُصر الكثير من مُتنفذي بلادنا هذه الأيام، ممن لا تطالهم مختنقات نقص السيولة النقدية بالمصارف، كما و لا تتأخر مرتباتهم الشهرية بأنواعها، و لا يُحال دونهم و دون سحب ما هم في حاجة إليه مما سبق أن إدخروه من عائد جهدهم لدى المصارف. و بالجملة إنهم الذين يعيشون في مأمن غير عادي من كل ما يُنغّص عليهم من نقص ضروريات العيش، فتراهم لا يسأمون تصدّر الفضائيات التي تبث من داخل البلاد و خارجها، تلك التي ظفروا بها في الأسابيع الأولى من الزمن الذي تلى العشرين من أغسطس 2011. و أفلحوا بعد ذلك في تأمين كل ما هم في حاجة إليه من التمويل الفكري و المهني و المالي، مكررين في تصدرهم هذا ما سبق أن تحدثوا به طوال السنوات الماضية حول ما لاقوه من المتاعب و بذلوه من التضحيات، القليل من هذا الذي قيل و يُعاد حدث بالفعل، و الكثير منه جاد به الخيال المجنح، و السلوك الذي يخالف التوجه الخالد الذي نهى المؤمنين عن إفساد صدقاتهم بالمَن و الأذى، بل و الذي يوجب مراقبة الواقع و ما يشهده من سوء الأحوال المعيشة لعموم الناس، تلك التي لا يعيش خارجها سوى هذا النوع من الذين إتخذوا من أسبقيتهم أو مشاركتهم أو حتى إدعائهم سبيلا للإمتياز المعيشي على من سواهم من المواطنين، و مكنتهم السطوة الإعلامية من إخفاء جميع سلبيات الحياة و التي تذبح بسيوفها عادةً الضعفاء دون غيرهم. إن هؤلاء الذين لا يملّون الظهور و لاسيما السنوي في العشرين من أغسطس يعيدون إلى الذاكرة أغسطساً آخر، عرفه التاريخ الليبي قبل سنة 69 تلك السنة التي أصبح أغسطس بعدها و حتى العشرين المنوه عنه، بمثابة الموسم الذي يُسمح فيه بإنفاق الكثير من المخصصات المالية المتعلقة بأنشطة الثقافة على هيئة إحتفاليات يتخذ منها المهمومون بالثقافة الوطنية مناسبة لتمرير شيء من آرائهم و أملهم في الأفضل، و يوجهها ذوو المآرب الشخصية لمكاسبهم و من يشاركهم في الإستفادة. و مجال ذلك على كل حال ليس هذا المجال. فأغسطس الذي نعيشه هو ذلك الذي إعتبرته دولة الإستقلال عيداً للجيش، تأسيساً على التحرك الذي بدأ في التاسع منه في أربعينيات القرن الماضي و من أرض مصر تحديداً بموجب نداء وجهه الأمير إدريس لعموم الليبيين إثر إتفاق أبرمه مع بريطانيا و أقرّه معظم المهاجرين الموجودين في تلك الربوع عندما تحركوا من هناك، فأُعتُبِرَ من ثم عيداً للجيش في دولة الإستقلال، على الرغم من وجود تحرك مشابه قاده أحمد سيف النصر من تشاد، و كان يمكن أن يشق الصف لولا قوة إيمان هذا المجاهد، و المهم أن التاسع من أغسطس أُعتُبِرَ عيد الجيش، بحلوله تتم الترقيات المستحقة و تُخرَّج الدفعات الجديدة و يتحدث رئيس الوزراء، كان الحديث تقليدياً و تغلب عليه لغة المناسبة التي ليس فيها سوى التمجيد اللهم إلا ما حدث سنة 68 عندما جاء حديث رئيس الوزراء عبد الحميد البكوش مختلفاً كل الإختلاف إذ إتخذ من المناسبة تذكيراً بما يسود الواقع من ضعف الولاء الوطني و سوء الأداء الإداري، و تخلّف الخطاب الإعلامي، الأمر الذي لم يرُق للدواير العليا التي كانت ترفض منطق النقد و تُحبذ لغة المديح التي ليس لها سوى الأثر العكسي من حيث إستفزاز المواطنين و إثارة غضبهم، حتى أن مثقفاً مثل عبد المولى دغمان لم يتردد في مطالبة مدير الإذاعة بالتوقف عن إذاعة الأناشيد التي من شأنها الدفع بالروح العسكرية عندما قال قولته المشهورة بلهجته الشعبية المُحببة "راكم ما جربتوش حكم العساكر" و كان يقصد التجربة المصرية و آخرين عرفهم التاريخ السياسي الليبي بدأوا ينضجون في تلك الأيام و يدعون لفكرة التمسك بدولة المؤسسات و لو كانت ضعيفة بدلاً من التفريط فيها و السعي لإزالتها لولا أن صوتهم كان أضعف من أن يؤثر كما أن المؤامرة الدولية كانت أكبر عندما إستفادت من شيخوخة الملك و عقدته من أبناء عمومته و إصراره في غير ما مرة على فكرة التنحّي عن الحكم، حتى أنه لم يتردد في القول -كما رويت عن السيد سيف النصر عبد الجليل- قوله أي الملك بصدد أبناء عمومته "ليس منهم رجل رشيد" و هو نفس الرأي الذي صرح به السيد عبد العزيز الشلحي، من أن عزمه على تغيير الحكم في الخامس من سبتمبر جاء لما سمعه من الملك حول ولي العهد، في حين كان الملازم معمر بوصفه قائد التنظيم طلب من موسى أحمد أن يحدد مع خليل جعفر و جماعته موعداً للإجتماع يوم الأربعاء الثالث من سبتمبر، إلا أنه عاد فقدم الموعد المتعلق بالتحرك يوم 1 سبتمبر و هو نفس الإجراء الذي إتخذه مع علي قشوط الذي كان يعتقد نفسه رئيساً للقذافي، و إذا به يُفاجأ بساعة الصفر فلا يكون أمامه سوى القبول بما أُمر به، كما روى عنه الذين تحدث إليهم من زنزانته سنة 76 ذلك أنه و لمجرد إستقرار الأمور لهذه المجموعة العسكرية المكونة من صغار الرتب و تمكنها من السيطرة على البلاد و كما لاحظه بعض المراقبين في حينه و كما أشرنا إليه في ما تيسّرَ نشره في مطلع هذه الألفية و قبل ذلك في أول تواصل أُذيع عبر الأثير، كان الرأي الراجح أن ما جرى لا يمكن أن يكون مفاجأة للدوائر الغربية، و إن طرفاً محدداً لا بد أن يكون قد تولّى تسهيل الأمر، و ما الإسراع بخروج القاعدتين من البلاد إلا علامة الإطمئنان على المستقبل و لعل الجهد الذي قام بنشره مجزءً في موقع ليبيا المستقبل ثم في كتابه التاريخ السياسي و لعبة الأمم قد أماط فيه الأستاذ إبراهيم عميش اللثام عن كثير الأسرار التي كنا قد روينا بعضها، و أهمها ما توفر للمرحوم عبد الحميد البكوش من إستعداد أمريكا لعدم الوقوف أمام أي محاولة تُقدم على إسقاط النظام الملكي و ما فاتح بشأنه بعض من يثق فيهم من الوطنيين و أبرزهم الأستاذ عامر الدغيّس، بل أن إقالة الملك للبكوش، ثم بقاء الملك خارج البلاد في تلك الصائفة التي سبقت سبتمبر و ترأس الرجل الطيب ونيس القذافي للوزارة إلى جانب الحسن الرضا لم تكن سوى الإزالة لأي عقبة أمام المغامرة المنتظرة و التي ما لبثت أن نجحت بكل اليسر و شرعت في التحرك لإستقرارها بعديد الأساليب، و من بينها طرح ذلك الكم الهائل من المشاريع الذي أوجد فضاءً شديد الإتساع للأجانب الذين يمكن بواسطتهم تحقيق أي شيء صعب، و حسبهم المساهمة المصرية في تأسيس المخابرات الخاصة بالنظام الجديد كما أشار فتحي الديب لاحقاً ثم المسارعة في تصفيتهم بإعتبار ليبيا ساحة للأمريكيين وحدهم، و من الضروري أن تكون دوائرها الأمنية لليبيين دون سواهم. و قد كان ذلك أقوى مؤشر على أن ما أُوجد من بعض فرص العمل ليس أكثر من إستدراج لدفع مصر الساداتية لتمضي في تصفية الوجود الروسي كمقدمة لحرب 73 ليُصار من ثم إلى وقف السادات عن المضي في حرب الحدود و التي كان قد منّى بها نفسه على ما يبدو بل لقد لقي حتفه و هو يحتفل بنصره بعد أن دعت الصحف الغربية إلى ضرورة إختفائه و ألمح إلى ذلك الحسن الثاني أحد عرابي زيارته الشهيرة، مما يعني أن المُصرِّين على تصدّر الفضائيات مفتخرين بما فعلوا، و يتزامن ذلك بما لا حصر له من الزيارات الرسمية التي يدعون إليها و الأخرى التي تأتيهم. فليس من المستبعد أن يستيقظوا ذات صباح مثلما إستيقظ الذين كانوا شهود المرحلة في أغسطس 69، عندما فوجئوا بغير ما توقعوا. و ما الغرابة في ذلك و قد قال الشاعرالعربي منذ القدم

وتقدِّرونَ، فتَضحكُ الأقدار.إنتهى

____________________________

أبعد من الدوحة وأكبر من أنجامينا

أمين مازن

28-8-2017

قطعت تشاد علاقتها الديبلوماسية مع قطر ، وأمرت بعثتها في أنجامينا بمغادرة تلك العاصمة ، وحددت لقرارها هذا موعداً زمنياً لا يزيد على عشرة أيام . أما مبررات هذا التصرف اللافت ، فقد أرجعته العاصمة التشادية إلى ما تتعرض له من إجراءات عدائية يقوم بها من التراب الليبي عدد من المعارضين التشاديين الذين تدعمهم الدوحة بالسلاح والمال وبقية التسهيلات التي يوفرها ، حسب الإدعاء التشادي ، ماتتمتع به قطر من المكانة الخاصة لدى العديد من المسؤوليين الليبين ، هي تهمة زاد في تزكيتها ماورد على ألسنة بعض مسؤولي دولة مالي الذين يشاركون تشاد تذمرها من الموقف القطري ، والذي يتخذ هو الآخر حسب الإدعاء المالي من التراب الليبي منطلقاً له ، ذلك يعني وبصرف النظر عن صحة ما قيل من عدمه ، أن ليبيا وفي حدودها الجنوبية تحديداً بإعتبارها الملاصقة لتشاد وماحولها يمكن أن تكون مسرحاً لعديد من العمليات العسكرية التي قد يقدم عليها أولئك المتضررون من الفوضى التي تسود ليبيا كما هو إجماع معظم الأطراف ممن لابد أن يتبنوا مثل هذه الموقف بدافع المساعدة أو المصالح المشتركة أو أي مبرر من المبررات التي تكون عسيرة التبرير ولا صعبة التنفيذ . وليس أمام مسؤلي ليبيا ، أن وجدوا سوى الوقوف المسئول أمام مايمكن أن يعود علينا من مزيد من التدخل المسلح . فما دام الثابت لدى عديد الدوائر أن بلادنا عاجزة عن حفظ أمنها . ومادام غياب الأمن قد تسبب في الإخلال بأمن الآخرين فإن من أوكد ما سيحل بنا هو المزيد من التدخل ، والتدخل في هذا الصدد لن يخرج عن الإستعانة ببعض الأطراف الليبية على هيئة سلطة محلية أو أخرى ذات أَحَقِّية تاريخية والإثنين معاً . أما إذا ما أضفنا إلى ذلك موقف التبو الليبين من مشروع الدستور الذي رافقته العجايب منذ تحديد أعضاء هيئة مساواة بين الأقاليم و إستياء معظم أهالي الجنوب من سوء تطبيق إتفاق الصخيرات من إفراغه من محتواه بواسطة الذين يريدون الظفر بكل شئ ، وليس أسهل عليهم من إقناع أي عضو من الأعضاء المنتخبين في الهيئات الثلاثة مجتمعة بالتخلي عن الأساسيات التي يفترض أن تكون بدهية، أما الإتفاق الذي وصف به رئيس المجلس الرئاسي المقترح على مخرجات الإجتماع الذي رعاه الرئيس الفرنسي ، بما أقدم عليه من دعوة البحرية الإيطالية لدخول الشواطئ الليبية لحجة المساعدة على مكافحة الهجرة الغير الشرعية ، وبقاء التراب الليبي مستباحاً للمهربين على كل المستويات واعتباراً الدوحة مسؤولة عن مايجري في أفريقيا وبالتحديد تشاد ومالي ، وهي المحاربة من تحالف يملك ما لا حصر له من القدرة على الفعل وتبرير الفعل ، إضافة إلى مايشكوه الناس في الجنوب من الحرمان من جميع الخيارت بالأحرى الضروريات ، فإن من المكابرةأن يظن كائن من يكون أن يواجه كل من يقرر التدخل أية صعوبة تذكر فإن ما أقدمت عليه تشاد إتجاه الدوحة ، ومايًنسب إليها من تهديد لأمن هذه الدولة الأفريقية وشقيقتها مالي وربما النيجر أيضا ، لا يعني سوى حقيقة واحدة تتعلق بنا نحن الليبين ، بإعتبار الأخطار تصل هناك من أرضنا وربما بعض الفرقاء المحسوبين علينا ومن جنوبنا تحديداً ، ومن ثم إنتظار مزيد التدخل ، غير أن القرار المتعلق بهذه الأمور مجتمعة ، أبعد من الدوحة وأكبر من أنجامينا .إنتهى

____________________________

روسيا تتحرك.. و تَعساً لمن يُخطئ التقدير

أمين مازن

13-8-2017

أصبح في حكم المؤكد أن روسيا بدعوتها التي نفّذت فعلاً و الأخرى المُنتظرة للسيدين حفتر و السراج ستضاعف هي الأخرى دورها في الأزمة الليبية، و التي يؤكد أكثر من مراقب أنها ما تزال المجال الأوسع للصراع المحتدم حولها من ناحية، و الكفيل بإبرام عديد المقايضات بغيرها من ناحية أخرى. و هو دور يكتسب مشروعيته و جدواه من علاقة روسيا بليبيا التي إستقلت إثر الحرب الكونية الثانية و التي كانت روسيا أحد الرابحين فيها ضمن معسكر الحلفاء، ليضمر بعد ذلك في فترة النظام الملكي و يكتسب فاعلية مختلفة طوال عهد الفاتح من سبتمبر، و الذي حقق الكثير من أسباب إستمراره بواسطة التوازن مع تلك القوة، و هو توازن يخطئ كل من يقلل من جدواه أو من إمكانية تفعيله عل ضوء المستجدات التي قد تحدث، حالة وجود سلطة تعطي الأهمية لإحتياجات الناس أولاً و ضغوط المحيط ثانياً، و الذي شهد شيئاً من الإنزلاق، حين وقع التعويل على الجانب الإيطالي تحت مبرر مقاومة الهجرة غير الشرعية، و التي لم تكن من الناحية العملية تزيد على المحاولة الساذجة لإتخاذ ليبيا مكبّاً لهؤلاء القادمين بتجارة البشر، و مافيات التهريب التي لا يزعجها شيء أكثر من وجود سلطة ليبية موحدة، تعطي الأولوية لإحتياجات المواطنين من أمن و غذاء و سلطة مركزية مُهابة، و تشي بالمعاصرة، و ترفض بالضرورة كل أشكال السكونية، تلك التي تضيق بها أعداد غير قليلة من الليبيين التي تنشط في جلساتها الخاصة، المقارنة بين ما حلم به الناس في مطلع الربيع العربي و ما صدمهم بعد ذلك من الزوابع التي طالت حياتهم، و أوجدت فوارق معيشية لم يحلموا بها يوماً، ذلك يعني أن روسيا حين تشرع في سلسلة إتصالاتها الجديدة، فإن على كل من يراقب الموقف أن يضع في حساباته مثل هذه المحطات، أخذاً في الإعتبار الأعداد الكبيرة من العسكريين الذين أكملوا دراستهم و تدريباتهم هناك، و يتجرّع الكثير منهم كؤوس المرارة جرّاء الروح العدوانية التي إستهدفت مؤسسات الدولة على كل الصُعد و لا سيما الصعيد العسكري حيث الأعداد الكبيرة من المواطنين الذين لا يخفون ضيقهم مما لحقهم من الإذلال و الإهانة، و يخطئ كل من يتجاهل إستعدادهم القوي للثأر ما لحقهم من صنوف الأذى و الذين تسببوا فيه أيضاً، بمعنى أن روسيا حين تشرع في حراكها هذا فإن على كل من يتطلّع لتقدير فاعليتها أن يستدعي كل هذه المعطيات، كما لا بد أن يتدبّر الموقف الحازم الذي أولته منذ سنوات للأزمة السورية، حين تأكد لها أن مصلحتها مع بقاء النظام قبل أي شيءٍ أخر، خاصة مع وجود التناغم غير العادي بينها و بين الرئيس الفرنسي و الأمريكي، و ما عساه قد يكون ضايق الرئيس الفرنسي تحديداً من التوجه المنفرد الذي أقدم عليه السراج تجاه إيطاليا، و ما ترتّب عليه من لغط و ما أثاره من الإستهجان و حتى الإتهام، أما إذا أضفنا حبل الود القوي الذي يربط بين شرقنا و غربنا مع روسيا هذه، إلى جانب فرنسا، فإن التحرك الروسي اليوم و الذي سبق أن تناولناه، يبدو اليوم أقرب فاعلية مما سواه خاصة و أن ضغوطاً قوية تُمارس على مصادر التمويل و حتى الإتصال لقوى سياسية كثيرة ليس خارجها الساحة الليبية، و ما يُنفق عليها و منها، مما لن يكون خافياً على "الكى جى بي" و من في حجمها من أجهزة إستخبارات العالم، و ما يمكنها أن تُقدِم عليه من خطوات مباغتة، و تَعساً لمن يُخطئ التقدير .إنتهى


___________________________

لا سيادة ولا وطن مع التهريب

أمين مازن

7-8-2017

ليس ما تتعرض إليه البلاد من حملات، عدوانية تخريبية تطال الأمن والثروة وتهدد في نهاية الأمر ، الوجود بالكامل من الأمور الخافية ، بقدر ماهي ملموسة وشديدة الوضوح ، فتهريب النفط كما تنشر وسائل الإعلام المختلفة يتم في العلن والسر ، وموارده المالية تتجلى في مواقف مختلف الأطراف الشريكة ، وهي تستمر في أنشطتها المعادية أو مواقفها المتعنتة ، دونما تأثر بأي صعوبات مالية من المفترض أن تشكل ضغطاً من الضغوط ، وتفضى إلى شئ من الليونة المعقولة لو كانت الأمور عادية وإلا تجار بالبشر والمخدرات ومثل ذلك الأسلحة هو الآخر يُدرَك ويُدرِك أسراره ومن ثم إثارة جميع المنخرطين في الأزمة الليبية على أي مستوى من المستويات ، ذلك أن ليبيا وعلى مدى السنوات التي تلت السابع عشر من فبرايرو ما شهدته من أعمال عسكرية ، ومنذ أن تخلى عنها الحلف الأطلسي وتركها عن قصد أو بدون قصد للفوضى العارمة التي قاومت بكل القوة فكرة قيام الدولة حين نجحت في الحيلولة دون تخلي الجماعات المسحلة عن الإمساك بأسلحتها ومانتج عن ذلك من شعور كل مجموعة بأنها تمثل جيشا لوحدها ومن السهل على الغير والمفيد لها هي أن تسهم في تحقيق أي أجندة من الأجندات بحيث لم يمر قليل وقت حتى تحولت البلاد إلى سوق يُصدرُ منه ويورَدُ إليه أيضا كل مايضر بالمواطن الليبي في عيشه وأمنه ، حاضره ومستقبله ، فإن حصلت جريمة قيدت ضد مجهول وأن خطف ماخطف كانت الفدية المالية محددة القيمة ولا مجال للمفاصلة فيها ، وإن حلم مسئول من المسئولين بتحري الأصول في ما كُلِّفَ به كان الإقصاء من موقعه أخف مايمكن أن يطاله، وقد صار الخروج من هذا المأزق إعتماداً على القدرات المحلية من رابع المستحيلات ، وهكذا لم يعد الليبي يُرى إلا وهو واقف أمام المصرف عسى أن يخرج بما لا يتجاوز الخمسمائة جنيه والتي هي في الحقيقة لا تزيد عن ستين دولار أمريكي ، يحار هل يسدد ثمن الدواء أو الوقود أو المواد الغذائية ، أما اللحوم والفواكه فعليه أن بنتظر الجنة الموعودة. يحدث ذلك كله وليبيا تحت الفصل السابع من قانون الأمم المتحدة وتحضر قراراتها اي الهيئة الدولية إستيراد السلاح ، وتوجد بها بعثة تسمى بعثة الدعم يرأسها مندوب يُسمى ممثل الأمين العام تداول على القيام به أكثر من شخصية أوروبية وأخرى عربية ، وتعقد الإجتماعات المتعلقة بها من مؤتمرات دولية ومجالس محلية وهيئات تصالحية في عديد من العواصم ولاسيما تونس التي تكاد تكون العاصمة حيث يقيم بها العضو المكلف بالشؤون المالية فيصدر مايتراءى له من الأوامر أحياناً ويعلن أنه مقاطع مرات أخرى ، إنه وغيره من المقاطعين يُذكّروننا بنواب المعارضة 1960 الذين عارضوا جلسات النواب في البيضاء ثم إتخذوا من الجلسة الخاصة بإستقلال الجزائر مناسبه للإلتحاق ، فأستلموا جميع مستحقاتهم عن فترة المقاطعة اللهم الا الرجل المتفرد عبدالعزيز الزقلعي كما شهد بذلك سكرتير عام المجلس في ذلك التاريخ خليفة التليسي ! ولمَّا كانت الأمم المتحدة والدول الأوروبية تحديداً ليس لها من شاغل سوا الهجرة غير الشرعية وتقترح أكثر من صيغة لوقفها ويُنسب إلى المجلس الرئاسي المقترح تواصلاً في الخصوص ويروى عنه تكذيب من جانب آخر ، فإن أوكد ماتحتاج إليه الأغلبية الساحقة من الشعب الليبي وربما تطلبه بقوة من رئيس المجلس المذكور وقبل الحديث عن المصالحة الوطنية أو الإنتخابات المبكرة، هو دعوة المختصين معه في الشرعية أوالمساويين له فيها.


ومن منطق إستحالة قدرة الليبين وحدهم على وقف حملات التهريب المتعددة للمال والسلاح والبشر أن يبحثوا معه إمكانية الإستعانة بإحدى الدول الكبرى ولتكن فرنسا تحديدا أو تحت راية الأمم المتحدة لفرض رقابة صارما ومسلحة في البحر والبر لمراقبة الحدود الجنوبية التي تدفع بألاف المهاجرين وتستقبل ملايين الأطنان من النفط والسلع ، والشئ نفسة بالنسبة للبحر شمالاً وتونس غرباً ومصر شرقاً ، وقد نقول السودان أيضاً ، فمن التهريب كل الشرور تأتي وبوقفهم توقف، أما المدافعون عن السيادة الوطنية فللأسف الشديد أن أكثر من يقولون به إنما يعيدون إنتاج القول المأثور ( كلمة حق يراد بها باطل ) .إنتهى


____________________________

تأخّرَ إدراج هذه السطور لأسباب فنية

و قد رأينا الإبقاء عليها الآن للأرشيف فقط


نعم لفرنسا ديغول – لا لإيطاليا برلسكوني


أمين مازن

28-7-2017

سواء نجح اللقاء الذي سيلتأم هذا اليوم بالعاصمة الفرنسية باريس ، بين السيدين فائز السراج بما يمثله من صفة معترف بها دولية وكونه من الأساس نتاج الإنتخابات النيابية التي أدخلت المستشار عقيلة صالح من حيث الصفة الإعتبارية من ناحية والمظلة الإجتماعية المتمثلة في قبيلة العبيدات خاصة والحرابي وقد نقول برقة بصفة عامة ، وخليفة حفتر بما يمثله من خلفية عسكرية ذات حضور غير بسيط في مؤسسة الجيش ، أيّاً كانت الملابسات المحيطة، ومظلة إجتماعية قوامها الفرجان بما يمثلونه من حضور في أكثر من مكان في الوطن الليبي ، أو كان الإخفاق هو البديل ، فإن القول بأن ما جرى يمثل خطوة مشجعة في حل المعضلة الليبية . ولن يكون مبالغاً من قد يعلق عليها شيئاً من الأمل ، وينتظر بعدها من ثم بعض النتائج المختلفة عن سابقها. وتعليل ذلك ما لدى الجانب الفرنسي من الأوراق الكفيلة بدفع الأطراف المتصارعة نحو الحد الأدنى من المشترك ، ولا سيما ما يتعلق بالاستحقاقات الدولية. ذلك أن فرنسا التي كانت بين الدول الأربعة الكبرى التي هزمت المحور في الحرب الكونية الثانية ، هي واحدة من الدول التي أقرت إعطاء ليبيا إستقلالها وساهمت في تحمل إحتياجاتها المالية والفنية ،بإعتبارها طردت إيطاليا الفاشية من فزان التي تمثل المساحة الأكبر من ليبيا . كما شاركت في كثير من الخطوات التحضيرية والمشورات الضرورية ، وأبرمت في النهاية كل الإتفاقيات المتعلقة بالحدود الخاصة بالدولة الوليدة، حين نابت عن جميع دول الحدود مع حكومة ليبيا المستقلة، وفضلاً عن ذلك فهي تتمتع بأوثق العلاقات مع دول الحدود الجنوبية حيث الطوفان البشري من المهاجرين غير الشرعيين ، إن وهم يملئون ليبيا في طريقهم إلى الشمال وإنتشارهم علي النحو الذي يمثل عديد الأعباء أو وهم يتخذون من الجنوب موطناً يخل بالبنية الديمغرافية ، ويوفر أكبر الفرص لجميع أنواع الشرور المهددة للكيان الليبي، مما يجعل الإستعانة بفرنسا هذه في حل الكثير من المشكلات والإصغاء لكل ماقد تنصح به. وإعطاءها من ثم، شيئا من الأفضلية من التعاون، يدخل ضمن مايدخل في عداد النفس بإمتياز . فإذا ماوضعنا في الإعتبار إن التحرك الفرنسي هذا قد جاء في عقب آخر إنتخابات رئاسية لفرنسا جاءت بهذا الرئيس الشاب صاحب المبادرة، إلى جانب الولايات المتحدة الأمريكية برئاسة الرئيس الجمهوري صاحبة النصيب الأكبر في القرارات الدولية المصيرية وأن الرئيسين ومنذ إستلامهما مسؤولية الرئاستين ، كان الملف الليبي على رأس أولوياتهما . فإن الدخول الفرنسي اليوم له الكثير من الشروط الواقعية وفرص النجاح ، سيما وإن نزع السلاح من المليشيات كما قيل على رأس الأولويات . فمن هذه البداية يمكن تحقيق الأمن الشخصي ، بعد ذلك الغذائي . إذ لولا السلاح ما إرتفعت الرواتب بهذا المستوى الخيالي للمحسوبين على العهد دون غيرهم، ولما إستمر تهريب الوقود والسلع نحو البلد وخارجه ولما نجح المخربون في تأجيل قيام الدولة ،وأخيراً تهريب البشر ، مما يجعل من كل محاولة تبذل قادرة على إشاعة الكثير من الأمل ، ولا سيما حين تكون المحاولة من دولة بحجم فرنسا التي تتوفر علي رأي عام يعرف دورها في أحداث 2011 ، حين تركت ليبيا تطفح في الفوضى والتدخل الرجعي غير المسؤوول . فرنسا التي أنجبت رجلا عظيما بجحم ديغول ، وليس إيطاليا التي أنجبت سمساراً مثل برلسكوني آخر مقبلين آيادي الحكام الرجال في العصر الحديث.إنتهى

____________________________



إذا جئتَ فامنحْ طرفَ عينيكَ غيرنا

أمين مازن

21-7-2017

القوى السياسية المُتنفّذة في الواقع الليبي، بما يُطبَّق فيه من سياسات متعددة الأوجه و النتائج، جهوداً إعلامية غير قليلة العدد و الأساليب، للإبقاء على الصورة السياسية القائلة بأن كل شيء في هذا الواقع على خير ما يُرام، و أن كل ما يحتدم بداخله من صراع، لم يتخلّ يوماً عن إستخدام السلاح، و ما يشهده كذلك من إنقسام مخجل في عديد السُلَط و المؤسسات، و ما ينتج عن ذلك كله من تدنٍ منقطع النظير في الخدمات العامة، طالت أول من طالت الأغلبية الساحقة من الناس، في قوتهم و أمنهم و صحتهم، يمكن الإستمرار في تعليق مسئوليته دوماً على مشجب النظام السابق، و الذي توشك السنة السابعة التي تَلَت زواله على الإنتهاء، و أن ما شهدته هذه السنوات السبع العجاف من فادح الخسائر و أوقح الممارسات، لم يكن لها من عائد سوى فتح أبواب المقارنة على إتساعها بين العهدين، كما أن كل عودة من المقارنة حين يوجد المحاسب المُنصِف لن تكون في صالح الحاضر و إن إمتلك الأغلبية في الإحصاء. و قد كان آخر هذه الجهود الإعلامية اللافتة تلك التي شكلت موضوع الحوار المُتلفز الذي بثّته بتاريخ الرابع عشر من يوليو أشهر الفضائيات مراعاة للموقف المحسوب خبراً و تعليقاً و مشاركين، حول ما تردد عن تغيّر الموقف الأمريكي من الصراع الداير في ليبيا، على ضوء ما يجري في المنطقة، حين حرصت الفضائية المشار إليها على طرح الصراع المحتدم و التطور الذي قد يطرأ، هو صراع بين غرب الوطن و شرقه، و أن ثمّة من يُحضِّر لهذه الخطوة و فاتح بشأنها الجانب الأمريكي، و الذي لم يتردد في التحذير منها كما ذكر بعض المشاركين في الحوار، و ذهب البعض الآخر إلى القول بوجود معلومات محددة لديه و أسماء بعينها فُوتِحَت في هذا الشأن و أخرى أُوفدت في الخصوص، و في ذلك كله ما فيه من الحنكة و المهارة التي سَتُظهِر هذا المتحدث على هيئة المُطّلع عما يجري هناك من فعل و رد للفعل ستكون محصلته إعطاء المكانة المميزة لصاحب هذا الرأي بل و من يشاركه الحوار أيضاً كلما جد جديد يستوجب أخذ المشورة و إستطلاع أصحاب الدراية، و من سيكون صاحب الدراية و الأولى بالمشورة أكثر من مع مشاهير أمريكا، أحاديثه و بمدنها سُكناه و مقيله و مما لا شك فيه أن القائلين بهذا الرأي و الحريصين على بثّه و إقناع الآخرين به و هم يمارسون لعبة الخلط بين الأمنيات و الآراء و الشائعة و الحقيقة إنما يؤسسون للإبقاء على القراءات السطحية للأحداث و الممارسات التي لا مردود من ورائها سوى الكسب الشخصي الناتج عن العبث بالمسئولية و الإستخفاف بالأمانة مما لن يكون له من عائد سوى إزدياد السخط العام و الدفع بكل مغامر من المغامرين كي يعمل على الوصول للسلطة حالة ما إذا كان بعيداً عنها أو تعويق أي محاولة إصلاحية إذا كانت ستُفقِده ما تحصّل عليه، لا فرق أن يكون ذلك عن طريق صناديق الإقتراع التي جُرِّبت ثلاث مرات و جاءت بهذه الأعداد المهولة من "الممثلين" المختلفين في كل شيء سوى بقائهم في المشهد و تصدرهم إياه من موقع المشاركة مرة و بإسم المقاطعة مرات أخرى، و الشيء نفسه بالنسبة للمجالس الثلاث و الحكومات الثلاث و قل ما شئت من الثلاثات التي لا يسأم أعضاؤها الطواف بالكرة الأرضية و لا يتحرّجون من عقد لقاءاتهم التوفيقية في جميع مدن العالم، اللهم إلا أحد الشواطئ الليبية الذي يمكن بواسطته لو خلصت النوايا و قطع دابر الإستغلال أن يتم إستئجار أحد الفنادق العائمة الصالحة لإستضافة أي إجتماع و برقابة أمنية دولية تحول دون أي ضغط من الضغوط و لكن السباق في ليبيا لا وجهة له سوى وجهة المصلحة للذات أولاً و من حولها ثانياً، و يكفي أن عجز بند المرتبات حسب بيان السيد الصديق الكبير بلغ خمس مليارات، فمثل هذه المعلومة أبلغ حُجّة على تردِّي الأوضاع الليبية و حاجتها الماسة لأي بديل كثيراً ما تُمليه التقاليد الأمريكية، تلك التي تُعوِّل على العسكريين عندما يعجز المدنيون عن المعالجة المطلوبة فيتركون الحبل على الغارب و يقصرون المساهمة بالحد الأدنى ألا و هو البداية بمن يرون في أنفسهم القدوة الحسنة اللهم إلا التنازل عن قدر من مداخيلهم الخيالية و إستغلالهم لكل ما تحت أيديهم من صلاحيات لإفادة محاسيبهم على مرأى و مسمع من الجميع على النحو الذي لا يدخل أحد شبكات التواصل الإجتماعي إلا و يقرأ ما يصم الأذان و من ثم يسخر من كل من راهن على تعطيل الصحافة لإخفاء حجم الإنحرافات عن الناس كي لا تكون مثار سخريتهم و مبعث إزدرائهم و تحفيزهم لأي هزة ما لم تسبق الحلحلة.


و أخيراً.. فإذا كان ما يسوقه البعض بشأن الموقف الأمريكي، يتعلق على نحوٍ ما بما يمكن أن نطلق عليه شبح البديل العسكري الذي الذي قد يؤول إليه أمر البلاد فيأتي تسويقهم هذا مزيجاً من الرأي و التمني، و هو ما يصفه بعض الأجانب بالحالة المرضية، فإن الذي لا مناص من ضرورة مراعاته هو أن البديل العسكري الذي يخشاه الكثيرون من حيث المبدأ، و قد نشاركهم ذلك بينما ينزعج منه أخرون لما يحمله من تهديد لمغانمهم و إنهاء لسلطانهم، إنما يكتسب مشروعيته من تراكم الأخطاء و إستشراء الفساد و عجز الإدارة عن القيام بأي إصلاح من الإصلاحات، كما أن القوى الدولية و في مقدمتها أمريكا التي كثيراً ما تلجأ إليه لمصلحتها من ناحية و للحيلولة دون حكم القوى المتطرفة من ناحية أخرى، و هي في لجوئها هذا لا تراهن على إسم بعينه فقانون اللعبة في عالم الإنقلابات يقوم على فكرة الفريق الكامل، و وفق خطة تسمح بالسباق بين عديد الفرقاء و الأوفر حظاً هو الذي يُمهَّد أمامه الطريق فيما يكون التنفيذ من أقصر الطرق و كثيراً ما يكون المطلوب هو الذي لا تتجه إليه الأنضار و العكس صحيح، و تبقى الأعداد الضخمة من الضباط و ضباط الصف إلى جانب الأفراد الذين تعج بهم مدن و قرى غرب البلاد، خير من يمكنه تحقيق المطلوب حين تقرر أمريكا أو غير أمريكا الذهاب إلى هذا الخيار، أما نصيحتها لمن تحب فإنها كما قال الشاعر القديم


إذا جئتَ فامنحْ طرفَ عينيكَ غيرنا ** لِكَيْ يَحْسِبوا أَنَّ الهَوَى حَيْثُ تَنْظُرُ


____________________________

أول الغيث و أول الإبتلاء


أمين مازن

10-7-2017

لا يمكن لكل من يرقب التوتر الذي حلّ بمنطقة الخليج العربي الناتج عن رفض السلطات القطرية لقائمة الطلبات الثلاثة عشر التي حددتها السعودية و الإمارات العربية و البحرين، إلى جانب مصر، حول ما تراه ضرورياً لوقف ما أُعتُبِر مهدداً لأمن الدول المذكورة، و لا مَفرّ من المسارعة بتلبيته من جانب قطر، حالة ما إذا كانت قطر راغبة في تجنّب ما شُرع في تطبيقه من إجراءات رآى المخالفون أنها رادعة إذ بدأت من الإقتصاد و قد تصل إلى طردها -أي قطر- من مجلس التعاون الخليجي و ربما أكثر من ذلك، إلا أن يستشعر المخاطر الكبيرة التي تُنذِر بأوخم العواقب على أمن و إستقرار المنطقة بالكامل. ذلك أن هذا الموقف و إن يكن قد حَملَ أختام الدول الأربعة التي أعلنته إلا أنه أُحِيط بموافقة غير عادية من المجتمع الدولي، اللهم إلا إيران و تركيا اللتين لا تخفيان إنحيازهما الدائم لقطر، لما للمشترك المصلحي من تأثير على المواقف، و بالأحرى تشكيل التحالفات، و من ثم المستهدفات، ذلك أن بعد أن لاحَ في الأفق ما يؤكد أن ما خططته القوى الكبرى من السيناريوهات المتعلقة بمستقبل المنطقة لحقب قادمة، و كان للإتجاهات الأيديولوجية المتطرفة دورها في هذه اللعبة معولة إلى حد كبير على الدعم القطري و حليفه التركي في أكثر من ساحة و قد كان أبرزها شق الصف الفلسطيني، و توظيف بعض رموزه في اللعبة الإعلامية تحديداً، و إشعال الحروب في الجزيرة العربية لأكثر من دافع و مبرر، لم يعد كما كان عليه في الماضي إذ تعين على ما يبدو الإجهاز على هذه القوى فصار ضرورياً تجفيف المنابع المالية التي طالما كان لقطر دورها المؤثر إزاءها. و كذلك الحد من الأذرع الإعلامية و على رأسها الفضائية التي كان لها من التحريض القوي ما أثار حنق الأعداء قبل الأصدقاء فتعين العمل على وقف أذاها بتعديل النهج أو إسكات الصوت بالمرة، فقد وفرت هذه الأذرع أوسع المساحات لمن أُعتبروا على رأس من أُعتبروا موصوفين بالتطرّف بل المعوقين لعديد التسويات السياسية، الأمر الذي لم يحرص على إستمراره و عدم المساس به سوى الأتراك و ملالي إيران، أولئك الذين كلفتهم الدوحة عديد الإلتزامات المالية، إستضافة سخية، و حدباً منقطع النظير، مما لم يكن مبعث رضا في عديد الساحات، تلك التي رأى الكثير من أهلها في هذه المواقف دعماً للتدخل في شؤونها الداخلية و ثوابتها الوطنية، فلم تُخف إستياءها و بالغ سخطها و قد ظاهرها على ذلك أكثر من طرف دولي طالما إتخذ ما وُصِف بمحاربة التطرّف و الإرهاب شعارات تُطرح و إجراءات تُنفذ و دعوات لا تعرف التوقف، و ليس من المستبعد أن تشمل أكثر من سلطة و إن فضلت أن تبدأ بقطر. و الأمر جد عادي عند التدبّر المُنصف، فما من دولة من الدول ظهر لها من سياسة أخرى ما هدد أمنها و شروط إستقرارها إلا و سارعت من باب الدفاع عن الذات بإنتهاج أحزم السياسات إصراراً على درء المخاطر فتبدأ من الإحتجاج و تصل في النهاية إلى التحرّك العملي و الذي قد يشمل العسكري الذي كثيراً ما يعجز الذين يوقدون شرارته الأولى عن تقدير مدى نيرانه. من هنا فإن ما طُلب إلى قطر أن تقوم به من خطوات بإعتبارها متصلة بأمن المختلفين معها، و إصرارها على رفض ذلك بحجة المساس بالسيادة الوطنية، ما لم يجنح الجميع إلى الواقعية و تقدير المصالح الأكبر، فإن خطر الإنجرار إلى أي عمل عسكري لن يستطيع أحد التحكم في عواقبه، ذلك أن الإستراتيجية الرامية إلى إشعال الحروب المحدودة و بعيداً عن الشعوب الممسكة بمفاتيح العالم تعتبر على رأس الخيارات، كتقليم أظافر إيران بضربة لا تسمح لها بأي رد و جر تركيا إلى صراع أكبر يبدو هو الأخر كبير الإحتمال، أما إشغال الأربعة المناوئين لقطر المُتذمرين من مواقفها و القوى المتحالفة معها أو المؤتمرة بأمرها داخل الدولة المشار إليها في المزيد من الحروب التي لم تكفها حرب اليمن فهو أيضا قد يكون أكثر إلحاحاً، و في ذلك كله ما سيضاعف الخسارة و يبرر التدخل و يعوق قطار التنمية إن كانت تحتاج إلى التعويق، و لا شك فإن الصلَف الإيراني قد يتكفل بذلك خاصة و أن قطار المعارضة قد تحرك من فرنسا، تماماً مثلما إنطلق ليأتي بالملالي قبل ثلاثين سنة و يُطيح بالشاه في أكثر الحركات دراماتيكية، و تأثيراً. صحيح إن مستوى الوعي هنا أو هناك قد يفرض في نهاية المطاف الجنوح إلى السلم و الإنصياع لصوت العقل الذي يؤكد ان كل تضحية تجنب الإصطدام المسلح مهما كانت مؤلمة بالنسبة لمن يقبل بها فإنها تفوق في مردودها آلام الحرب، لأنها الخيار الأكثر إستحالة في تقدير مداها و فترات بقائها، و تبعات ما بعدها. و يكفي شاهداً ما نعانيه نحن الليبيون من شرور الأعمال العسكرية طوال السنوات التي تلت السابع عشر من فبراير، عندما إحتلت قطر الحيز الذي يفوق حجمها في الشأن الليبي، مؤيدة لهذا و مناوئة لذاك، فكان الإستمرار في الأعمال العسكرية و كان التشظّي الذي لم تكفه الحكومات الثلاث و لا العواصم العربية و الأوروبية التي لا تسأم إستقبال و توديع القائمين على هذه الحكومات و المؤتمرات التي لا ينتهي أحدها حتى ينبعث المؤتمر الآخر، و لا شيء في النهاية سوى مزيد من التشرذم و التكالب على المال العام و الجاه المُفتعل و السباق المحموم نحو الوجاهة و بالأحرى التفاهة


لقد سيطرت على الحياة العربية هذه الأيام حالة من التوتر الذي هدد أحوال السلم في الصميم، إنطلاقاً من المشكل القطري، الذي ذكرنا بأكثر من شكل مثل بداية من البدايات الحروب. و إذا كان العرب يقولون في أمثالهم القديمة أول الغيث قطرة، فسيقول المؤرخ المعاصر حين يرصد الأحداث العربية التي أثرت في سياساتها و ربما جرّت بعض ما يُسيء لا قدّر الله : أول الإبتلاء قطر. إنتهى


 


________________________________



أكبر من كوبلر و سلامة و من بعدهما

أمين مازن

4-7-2017


أنهى المندوب الدولي مارتن كوبلر مهمته المكلف بها من الأمم المتحدة في ليبيا، بعد أن توفّرت الموافقة على خلفه الأستاذ غسان سلامة، وزير الثقافة اللبناني السابق، و الذي وقع الإختيار عليه من الأمين العام للأمم المتحدة، حين تعذّرت الموافقة على المرشح قبله لهذه المهمة هو السياسي الفلسطيني الشهير سلام فياض، لإعتراض الولايات المتحدة الأمريكية التي رأت أن يكون المرشح لهذه المهمة ممثلا لدولة كاملة السيادة و ليس السلطة الفلسطينية التي لم تكتسب هذه الصفة بعد، أما الدافع الحقيقي فلا شك أنه يعود إلى شخص السيد سلام فياض ذاته إذ قد لا يكون صالحاً لهذه المهمة كما يريدها أن تكون أصحاب القرار الحقيقي في الموضوع الليبي. و قد تزامنت هذه الخطوة مع مرحلة أكثر تطوراً في المسألة الليبية، و إرتباطها القوي بالمعركة المحتدمة في الخليج العربي، بما تتعرض له قطر من الضغوط غير المسبوقة جرَّاء إنحيازها لبعض الجماعات المتشددة، أو هكذا تُوصَفْ، ذات النفوذ الملحوظ في ليبيا، و الذي إزداد عقب السابع عشر من فبراير 2011 عشية الإنتفاضة التي أسقطت نظام الفاتح من سبتمبر، تلك التي كان لقطر دورها غير العادي في تحديد توجهاتها التي طالت المنطقة بالكامل، و تبذل الآن ضغوط كبيرة، لتغيير الموقف منها، الأمر الذي ترفضه قطر تعويلاً على الحليفين الظاهرين تركيا و إيران، و من هم خلف الستار بالإدارة الأمريكية طبعاً، إنطلاقاً من القاعدة النحوية التي تشترط في إعراب المُضاف إليه إرتباطه بما يدل على الفعل أو رائحة الفعل، و الفعل دائماً أمريكي، كما أن رقعة الشطرنج و إن إعتمدت على القلاع إلا أنها لا تستغني عن البيادق مما يعني أن عمر أزمتنا لا يمكن إلا أن يمتد، كما أن الدور القطري قد لا يتأثر كثيراً، إذ حتى لو حدث ذلك فسيوجد البديل، و الذي لن يكون أقل سوءً، و قد يكون هو المطلوب، ففي إنعدام الشرعية، و الإصرار على إدعائها، و وجود مسئولين لم يزدهم بؤس الشعب و إحتياجه المخجل لكل شيء، سوى المزيد من التكالب على الرواتب الفلكية و المزايا المتناسلة و المهام التي لها أول و ليس لها آخر و التنافس المحموم على تعيين الأقارب و الأصهار بعد الأشقاء و الأبناء بالطبع في عديد المواقع و لا سيما السفارات و ملحقاتها و قُل ما شئت مما يُخترَع لإستمرار الصرف الذي بَحّت من التنديد به أصوات المراجعين الماليين و الإداريين و ذلك لأن وسائل الإعلام التي يُفترَض أن تتوقف أمام هذه السلبيات ليس لها من حديث سوى عن زمن ما قبل فبراير و ما شهده من بطولات مزعومة كما لو كان كل شيء بعد ذلك التاريخ نقي من كل شايبة، إنها الممارسات التي تتكفل بضمان الوصول إلى المصالح اليومية و لكنها لا ترتقي للشأن العام بأي مستوى من الستويات القمينة بالرصد، ففي واقع يسوده سوء الخدمات و إنعدام  الإحساس بالمسئولية إلى الحد الذي يعجز فيه المسئولون عن مساعدة الشركة العامة للكهرباء عن توزيع الأحمال التي تساعد على تسوية ساعات الإنقطاع فتعمد مدن بعينها إلى رفض القبول بأي توجيه، و كانت قبل ذلك إنفردت بالمضي في تنفيذ الكثير من السياسات التي جعلتها تبدو أكثر إزدهاراً من غيرها. و في زمن لا مكان فيه لتعميم سياسات التقشّف التي لا معدَى من أن تطال أصحاب الدخول الكبيرة يكون من المضحك أن ينتظر كاين من يكون أي جديد من تغيير مندوب دولي أو مجئ آخر بدله، إذ ليس غير ألطَاف الله يمكن إنتظار أي إنفراج، ذهب كوبلر أو جاء غسان، فنحن بكل المقاييس بالنسبة لأصحاب القرار الأكبر، أقل أهمية و أضعف دوراً و أقصر شكيمه من الخليج و تركيا و إيران. إنتهى


___________________________

"كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا"

أمين مازن

13-6-2017

سواء أُعتُبِرت القائمة التي نشرها السعوديون و من ظاهرهم في الخليج العربي المُتضمنة أسماء الأشخاص و الكيانات المُموَلَة من قطر و حُمِّلَت مسئولية الإرهاب، تمثل الموقف الدولي، و الذي اِشترطت دوائر الأمم المتحدة أن يكون صادراً من الأمم المتحدة مباشرة،أو لم تُعْتَيَر، فإن الخطاب الذي ألقاه الرئيس الأمريكي ترامب يوم الجمعة، و دعا فيه صراحة دولة قطر إلى وجوب التوقف عن دعم الإرهاب و العاملين عليه من أشخاص و هيئات قد غدت في نظر المجتمع الدولي ثابتة إزاء القطريين، و ليس أمامهم إن شاءوا لسفينتهم أن تَتجنّب زوابع الخليج إلا القبول بالمخطط العام، و أن يُزِيلوا من أذهانهم كل وهم يُزيِّن لهم إمكانية الشذوذ عن المخطط العام المُعد سلفاً لمنطقة الخليج و الذي اِكتسب من خطابات الرئيس الأمريكي في مؤتمري السعودية و ما تلاه في الخطاب الأخير و التغريدات المتكررة، عندما أكد التاريخ الطويل لقطر في دعم جماعات الإرهاب و نشر العنف، أي أن تغيير الموقف لا بُد أن يجمع بين الأنشطة السياسية و الأخرى الإعلامية و من باب أولى الثقافية، و ما من سبيل لتجنّب المخاطر المنتظرة، من دون تعديل السياسات الممنهجة على مختلف الصعد، و في مقدمتها بالطبع ما يردد المحسوبين على قطر من آراء متطرفة إن داخل بلدانهم أو وسائل الإعلام المتبنية توجهاتهم، إذ منذ أن ظهرت الإمبراطورية الإعلامية المدججة بأقوى أسلحة الإثارة و التأجيج، و الذي ظهر جلياً في أبرز القيادات الشرق أوسطية غير العربية الرافعة لشعارات التحرر و المعتمدة لمثل هذه الأنشطة و المتعهّدة لها بالإحتياجات المطلوبة إعتماداً على الوكيل القطري للحليفين التركي و الفارسي و على فلسفة أو اِستراجية قوامها هدم الجيوش الوطنية بالكامل و اِستبدالها بالمليشيات السفيهة التي تفتقد لأقل درجات المسئولية، و ليس لها من هم أكثر من إشاعة الفوضى و الشهوات التي لا تلتزم بأي قيد و لا ترتدع لأي رادع من أخلاق أو حتى عادة من العادات السائدة، و قد ساعدها على اِستقطاب العوام بعض ما أفلحت في القيام به من الفرقعات التي اِكتسبت صفة البطولة و ما هي من البطولة، و تحولت إلى ذراع غير وطني بالنسبة لمحيطها فقلل إلى حد كبير من اِحترام الشرفاء لها، إذ بدت قطر و كأنها المحرك لهذه الدُمى مجتعة، الأمر الذي لا يمكن أن يكون موضع إطمئنان بل مدعاة للإستخفاف و حتى الإزالة، و أقرب الأدلة على ذلك ربما هذه اللهجة العدائية و الدعوات الصادمة التي جاءت على لسان ترامب و طلباته المتلاحقة، الأمر الذي إستحوذ على إهتمام كل المراقبين، و إن يكونوا جميعاً غير براآى من شبهات الإحتراف الإعلامي و الترويج الإصطفافي، مما جعل من الحالة القطرية مسرحاً من أكبر مسارح الصراع بتجلياته المتعددة، حيث يمثل الشمال الأفريقي بحرائقه التلاحقة و زوابعه الهدامة أكبر مجالات المساومة تلك التي إذا كان ترامب قد فتح أوسع أبوابها فإن بوتن و هو يدخل منها قد يكون في مقدمة من يجني ثمارها، بما يدأب عليه من ليّْ أكثر من ذراع، في أكثر من ساحة تزخر بما لا حصر له من فرص التدخل كما هو حالنا معشر الليبيين ممن حملت القوائم المُسرَّبة عدداً من مشاهير قومنا، ممن يُفترض أن يكون الزج بهم دافعاً للجنوح للمراجعة، فيظهر علينا آخرون حاملين أقصى درجات التشدد و الإصرار على الإنتقام، و هكذا فبينما تسعى قطر للخروج من مأزقها و يتعاطى معها محيطها بما يرضي الجميع و يصون حقوق الجميع، نظل نحن لا هم لنا و لا هدف أكثر من إلاصرار على السوء و قفل أبواب التسامح و هدر الوقت الثمين في كل ما يضر الناس و يعطّل مصالحهم و هم محتاجون إلى أبسط الأشياء و أكثرها إلحاحاً لقمة للصائم و سترة للعورة، و أمن في عطلة العيد لولا أن ذلك ليس من أولويات الذين آلت إليهم معظم أمورنا فلم يرقبوا فيها إلّاً و لا ذمة فصدق في حقهم القول الخالد "كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا". إنتهى

 

____________________________


وطن يُباع و يُشترى

أمين مازن

3-6-2017

كذّبَت الحكومة الإيطالية ما رددته بعض وكالات الأنباء عن إتفاقها -أي إيطاليا- مع حكومة النيجر على وجود عسكري جوي تستطيع بواسطته إيطاليا وضع حد للهجرة غير المشروعة التي تنطلق من تلك الربوع إنطلاقاً من أن هذه الهجرة بوضعها الحالي تهدد الأمن الإيطالي أكثر من أي بلد آخر، و أن الوجود العسكري لو قُدِّرَ له أن يكون فسيتكفّل بتجفيف منابع هذا النشاط الهدَّام من جذوره بدلاً من تركه يقطع صحاري ليبيا الواسعة و يبلغ من ثم شاطئها الذي لا نظير له في الطول و مثل ذلك التسيّب الذي جعل ما لا حصر له من المراكب المُعَدّة لحمل المائات و حتى الآلاف ممن لا يعدمون من يسهّل عبورهم بقوة السلاح، و ثمة من وصل به الأمر أخيراً إلى مهاجمة بعض النقاط البحرية الأمنية في معرض حرصه على إستمرار هذه التجارة و ما تدرُّه من من سخي الدخول، إن عن طريق الراغبين في السفر مباشرة، أو عن طريق الشركاء الآخرين القادرين عند اللزوم على تأمين المقابل المادي و ربما السياسي أيضاً، فبقاء ليبيا على هذا النحو من الفوضى المُتفشية في كل المجالات و هذه الإستحالة من إمكانية نجاح أي جهد إصلاحي إن وُجد فخطط تسعى لديمومته أطراف كثيرة ليس خارجها بأي حال إيطاليا و من معها من البقالين الليبيين، ذلك يعني أن التكذيب الإيطالي قد جاء في محله و هو متسق مع طبيعة المرحلة و مع الحسابات الإيطالية بالضرورة، فإيطاليا ليست معنية إستراتيجياً بأمن ليبيا و هي بالضرورة ليست معنية بالهجرة غير الشرعية كسياسة عامة، و لكنها فقط ستتحرك في الإطار المُتاح لها و هو مقاومة ما قد يطالها من هذه الهجرة و ربما بالقدر الذي لا يتجاوز السياسات الأكبر و لهذا نجدها تسارع بعرض مساعدتها بتوفير الإحتياجات الليبية من المعدات المتعلقة بحراسة السواحل و ما في حكمها، فهو مدخل قد يفتح الباب لتنشيط أو تأسيس بعض العلاقات و هو كذلك سيتُيح الفرصة لترويج بعض السلع في هذا الزمن الذي تبلغ فيه الأزمات الإقتصادية أشد سوئها، أي أن إيطاليا ليس أمامها سوى محاولة الإستفادة من الوضع القائم و لعلها من خلال هذا الوضع تُفلح في إستقطاب المزيد من البقالين الذين جعلهم الزمن يسوسون أمورنا بهذه العقلية فيعضّون على مكاسبهم بالنواجذ و تتحدث الأنباء عن أعداد المهام الرسمية بما يفوق الخيال في زمن لا تتوقف فيه حلقات النقاش و الأنشطة الموهومة التي تأتي على الأخضر و اليابس و تُبقي الطوابير أمام المصارف ليس للرواتب فقط، بل حتى الصرف من المدخرات الخاصة، فواقع كهذا لن يترتب عليه سوى نمو إقتصاد الخدمات و الخدمات أنسب أماكنها الشواطئ و ليبيا وفق الحسابات القديمة تمثِّل الشاطئ الرابع لإيطاليا، و عندما تعلن إيطاليا موقفها هذا و تقرر روسيا إجراء مناوراتها الضخمة أمام الشواطئ الليبية، و يذهب أردوغان إلى البيت الأبيض و يُقحم في حديثه أمام الرئيس الأمريكي ليبيا، في قائمة البلدان التي يهمه أمرها، و يصرف الرئيس نظره عمَّا تتطلع إليه أردوغان شأن فتح الله غولن أكبر مُصدّعي المهووس بتتريك الوطن العربي و نحن نكابد ما نكابد من مصايب الزمن المتناسلة، و سوء عاقبة إسناد الأمور لغير أهلها، دون أن تأتي الساعة، فلا يبقى سوى قول القائل

وطن يُباع و يُشترى *** و نقول فليحيا الوطن

 

________________________


مازال نمشو و الطريق طويلة

أمين مازن

2-6-2017

تتوالى الدبلوماسيين الأوروبيين لبلادنا هذه الأيام بشكل غير مسبوق و غير مفرق بين مدينة و مدينة أو فريق و فريق، و لا متوقف عند أي تصريح من التصريحات التي طالما حصرت الشرعية في طرف، فأوعزت بقصد أو بدونه بما يعني نزعها من الطرف الآخر، الأمر الذي يؤكد الرأي القائل أن الكثير مما يُطرح على الطاولة، لا يعني بالضرورة تطابقه مع يدور خلف الستار، ما يعني أن الحالة الليبية و كما تدل عليها هذه الزيارات غدت تستولي على كل أو جل إهتمام هؤلاء المنخرطين في المتلاحق من سلسلة الزيارات و إن قراراتهم بصددها قد لا تكون من بين ما يُحاط به المسئولون الليبيون الذين يجري إلتقاؤهم و ربما دعوتهم إلى خارج الحدود أيضاً، و لا غرو، فليبيا ذات الندرة السكانية المخيفة و المساحة التي تضاهي بعض القارات و الزاخرة بالإمكانات المُعلَنة و الأخرى التي لا تخفى على كل من لديه أضأل قدر من المعرفة و التي يجعل منها موقعها المُطِل على هذا الخليط من الدول إلى جانب الشاطئ الطويل بعد أن تهيأ لها من الدور ما تهيأ في حقبة السبعينات و ما بعدها و حتى هبوب رياح الربيع العربي لا يمكن و لا يمكن لأي مُتفكّر في أمرها أن يزيح من التاريخ حقيقة أن ما تحقق لها من الدور و أُكتُشِفَ بها من الثروة و ما طالها بعد ذلك من المتغيرات لا يمكن أبداً الخروج من حقبة نتايج الحرب العالمية الثانية تلك التي إنتصر فيها الحلفاء الأربعة و ما توصلوا إليه من وفاق يالطا الشهير الذي رتّب عالم ما بعد الحرب و ما يحدده من توزيع المغانم بين المنتصرين و تجليات ذلك في الكيانات التي ستنبعث كفضاءات لكل دولة من الدول المنتصرة حين أُنجز كل شيء في توازن ملحوظ و تسويات ظاهرة البيان ليس خارجها تنظيم التحالفات التقليدية بين القوى السياسية المُتنفذة بين مُستَعمِري أمس و مُستَعمَريِه و قد تحولوا إلى حلفاء من نوع خاص، بحيث نرى ليبيا ذات الأقاليم الثلاثة التي رفع البريطانيون علمهم في إقليميها المميزين برقة و طرابلس، و إعتمدوا الجنيه المصري عملة في برقة في إشارة -ربما- لخصوصية الدور البريطاني المستفيد من دور الأمير إدريس، و قاموا بإصدار عملة بإسم حكومة ولاية طرابلس و إدارتها المؤقتة لحسابات قدروها ليكون الإقليم الثالث متمثلاً في فزان التي دخلتها قوات فرنسا و برفقتها مفارز أحمد سيف النصر كما هو معروف الأمر الذي شرعن ترجيح كفة النظام الإتحادي عشية تقرير المصير و بناء الدولة الفتية و دستور حمل بعض الضمانات الضرورية بشأن الثروة و نظام الحكم و توقِّي التوازن الضروري في الحقوق و الواجبات على النحو الذي لا يخفى على كل من يراجع وثائق المرحلة، و خير دليل على ذلك الإتفاقيات الثلاث التي أُبرمت مع دولة الإستقلال مع بريطانيا و أمريكا و فرنسا، إذ كان لروسيا فضاءاتها الأخرى، أما الذين خسروا الحرب فكان عليهم أن يقنعوا من ليبيا المنتظرة بما يحتاجه السوق و لا شيء غير السوق، و لأنهم أدركوا هذه الحقيقة فلم تعرف ليبيا أي إهتمام يزيد على إقتصاد الخدمات و لعلنا على ضوء تلك الخلفية و ما تلاها من مواقف نستطيع مصارحة كل من يرى لروما دوراً يفوق ذلك الدور و يستقبل مبعوثيها عقب سفر البريطانيين، إن كل تجاوز للحديث يتجاوز إستيراد بعض السلع و الإستثمارات الفردية الصغيرة سيكون مجرد إضاعة للوقت، كما أن كل من يزاوج بين النشاط العام و المصالح الخاصة لن يكون له حظٌ يُذكر، و ان الصمت عن الإستغلال لبعض الوقت، لا يعني إستمرار ذلك كل الوقت، بل لعل السماح بالقيام ببعض أعمال العنف الذي يسود واقعنا لا يعني سوى أن القرار النهائي بين الفرقاء الحقيقيين لم يُتَّخَذ، فليس أمام الأدوات سِوى المضي في حول ما لا تعلم، و ما علينا كمراقبين نُدرك الحقيقة سوى المزيد من الصبر و المزيد من الإنتظار، صحيح أن سياسات هذه العواصم لا تُرسَم لسنة واحدة بل و لا سنوات محددة، فهي تمتد إلى العقود و ليس السنين، غير أن أسلوب التنفيذ لا بد أن يفرض مستجداته، فلا تبقى بصمات أوباما على سبيل المثال عندما تحل بصمات ترامب، و قل مثل ذلك على فرنسا و ما يستوجبه الفرق بين سركوزي المغامر و من جاء بعده مباشرة و يأتي بعدهما اليوم، أما بريطانيا التي غادرت لتوِّها الإتحاد الأوروبي و إرتباط ذلك بارتباطها الفريد مع أمريكا، فإن دورها في المُشكل الليبي و بالأحرى الوجود الليبي لن ينفصل الآن و كما هو بالأمس عن أمريكا. و يبقى الحراك الذي تشهده جنوب أفريقيا و من بينه حلول بعض رموز سبتمير ...فمما لا يجب الإستهانة به لكل من يرى ضرورة إستشعار المسئولية خاصة و أن مشاكل المهجرين بالداخل و الخارج بلغت من التطور ما أدخلها في المحيط الدولي بإمتياز، أي أن هذه الأحوال السيئة و وجود القدر الكبير من الخبرة و العلاقات سيكون في مقدمة ما ينبغي أن يُوضع في الحساب عند الإستعداد لما يُنذر به الغد، و قديما قال أحدهم و هو يلخص التجربة و يوجز النصيحة

مازال نمشو و الطريق طويلة ***** واللي فرق من بينا يا ويله



____________________________

وحدة البنك المركزي الليبي و المسئولية الدولية

أمين مازن

30-5-2017


قد يستطيع كل متابع للشأن الليبي، على هديٍ من تاريخه الإداري تحديداً و أسماء الذين تقلّدوا سامي مناصبه، أن يقرر بأن بنك ليبيا المركزي قد مثل في أحيان كثيرة العقبة الكأداء التي حالت دون أي إصلاح جذري في سياساتنا الإقتصادية لما أُنيط به من صلاحيات كثيراً ما أُسِئ تطبيقها بقرارات إن سلمت من سوء القصد، فإنها بكل الأسف لم تسلم من سوء التقدير. فهذا البنك الذي كاد مركز محافظه أن يُضاهي منصب رئيس الوزراء منذ تأسيس دولة الإستقلال و إختصاص الملك بتسمية محافظه شهد من الإستقرار ما لم يشهده أي منصب آخر، حتى أن عدد الذين حملوا حقيبته لم يتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة طوال عمر دولة الإستقلال كما هيأت له سلطته الرقابية المستقلة أن يحول دون أجرأ محاولة إصلاحية في مجال حركة النقد طرحها من خلال إدراكه لما شهده الإقتصاد الليبي من تطور في آخر الستينات الخبير الإقتصادي الكبير علي عتيقة من موقعه كوزير و مستشار في حكومة عبد الحميد البكوش و الرامية إلى رفع جميع القيود عن حركة النقد لتوفير التغطية العالمية و دورها في تغطية العملة و هو توجه رآى الداعون له أن يُمكِّن ليبيا من منافسة أهم العواصم العربية هي بيروت لما في حرية الحركة من إغراء لكل مستثمر لولا أن عقلية الكثير من إقتصاديي البلاد كانت دون مستجدات العصر فأفلحوا في عرقلة ذلك التوجه، و لعلهم قد تمكنوا من ذلك لأن العهد الملكي -حسب التقدير الدولي قد أفلّ نجمه- فتُرِك له أن يُقرر ما يريد حتى كان ما كان ذلك الصباح و ما ترتّب عليه من تغيير طال كل شيء في المال و الحياة و السياسة على السواء، ليكون بنك ليبيا مجرد مبرر لممارسات السلطة العليا في التضييق حين يُراد التضييقق و العكس حين يكون العكس، و لعل الكثيرين يذكرون كيف كان المتحدثون بإسم بنك ليبيا يُدمجون المخصصات السياحية مع المهام الرسمية و العلاج كمبرر لعدم صرف المخصصات السياحية التي حُدِدَ سقفها بدولة الإستقلال و لم تُرفع سوى أشهر محدودة و ظلّت تُوقَف إمعاناً في التضييق غير المُبرر مع أنها كانت تُضيّق على محدودي الدخل دون غيرهم و الذين يُفترض أن النظام قد جاء من أجلهم كما كان يتردد إعلامياً بالداخل و الخارج، و إذا به ينتج العكس، و قد كان أسوأ ما اِنحاز إليه بنك ليبيا في تلك الأيام إقتراح قيمة ضرائبية على الودائع، الشيء الذي نأت عنه دول العالم قاطبة، كما سمعته من أبرز كفاءاتنا التي عَمِلَت داخل النظام هو المهندس الصديق جاد الله عزوز الطلحي و نحن نلتقي بسرت في إحدى جلسات مؤتمر الشعب العام فنستفيد من اِستراحاته الطويلة في تبادل الرأي حول عديد الأحوال و القضايا مما حملت عنه أجمل الذكريات.

لقد كان آخر الذين شغلوا منصب محافظ مصرف ليبيا المركزي هذا قبل السابع عشر من فبراير 2011 هو السيد فرحات بن قدارة، و قد كان الوحيد الذي قَلَّ عمره عن سابقيه إذ جاء تكليفه متزامناً مع ما كان يلوح من تشبيب المواقع و الحد من جيل الكهول و من يفوقهم في العمر، و قد وُصِفَت قراراته بالجراءة، و كان آخر جراءته هذه متمثلة في إقدامه على الإنشقاق لمجرد أن بدأت أحداث فبراير و قد ذُكِرَ عن الإنشقاق أنه فوت على العهد فرصة العبث بالأموال التي كانت رهن بنان بن قدراة، فاقتضى هذا الموقف أن يعيد النظام تسمية السيد محمد الزورق رجب لمنصب المحافظ ربما لأن توقيعه، أي الزروق مُعتمداً على أكثر من صعيد بعكس البديل غير المعروف، و كان المتوقع أن يؤدي الإنشقاق المذكور إلى تجديد الإستفادة من فرحات لمجرد سقوط النظام لولا أن من بيدهم الأمر إرتأوا العكس، إذ سرعان مارتفع الحديث حول منصب المحافظ لمجرد وصول المجلس الإنتقالي لطرابلس و تشكيل حكومته الإنتقالية ليكون الصديق الكبير صاحب الحظ الأوفر وسط نقاشات طويلة أذكر أنني إستمعت لبعضها بمحض الصدفة أثناء الإجتماعات التي كانت تُعقد بشارع بن عاشور و في مبنى الإيوان وسط التفكير في تجمع أطلقنا عليه يومها ملتقى طرابلس الأهلي كان المتحمسون له يريدون النأي به عن صيغة الحزبية، و كان الحوار المتعلق بالكبير منطلقاً بما تردد عن دوره في تمويل الإنتفاضة، إذ أُعتُبر التمويل على ما يبدو في مقدمة ما يُحسَب عند توزيع الحقائب الرسمية بشقيها الإقتصادي و السياسي، و قد عُدت يومها إلى ثمانينيات القرن الماضي عندما طبّق النظام القانون المتعلق بالتطوير العمراني و ما تبعه من البيت لساكنه فاضطر الكثير من المُلَّاك إلى ترك البلاد، غير أنهم حين فوتحوا من الناشطين السياسيين في المساهمة بتمويل أي نشاط سياسي لمقاومة النظام فكان الرفض موقف أكثرهم إن لم نقل كلهم حتى أن رأس النظام لم يتردد في كيل الثناء لهم علناً في أكثر من إجتماع رسمي، أي أن التمويلات المزعومة ما كان لها أن تتم لولا أنها قد طُُلبت من دوائر مأذونة و ربما ضُبطت نتائجها و إمكانية تسديدها لاحقاً، و على كل حال فقد إستلم السيد الصديق الكبير حقيبة محافظ بنك ليبيا المركزي و طبّقَ كل ما إرتآه من السياسات و انتهت أخيراً مدته القانونية، أما إجتهاداته فتبقى للتاريخ و أصحاب الخبرة الذين لا يُخفي الكثير منهم رفضهم لها، و قد ضرب مثلاً ملحوظاً في التشبُث بموقعه و الطعن في أي سلطة تسعى إلى تغييره و لم يعدم بالطبع من يظاهره على ذلك، أما الخاسر من موقفه و موقف غيره أيضاً هو الشعب الليبي بشكل عام و الضعفاء على وجه الخصوص، و ربما لا يُلام كثيراً على موقفه فما من أحد تساهلَ في أيامنا هذه حول السلطة و المال و ما من أحد أفادته اِستقامته أو مقدرته، و ربما كانت كثرة الشكاوى دليلاً على عدم الإنصياع للكثير من مراكز القوة، و تبقى وحدة بنك ليبيا أولى أولويات ليبيا اليوم و أحقّها بحزم المجتمع الدولي، فإن لم يجد الفرقاء في أمثال عبد الله السعودي و فرحات بن قدارة و محمد شكري و الطاهر الجهيمي من يُوحِّد بتوليه بنك ليبيا فما على المجتمع المذكور و أولهم السيد كوبلر أن يتبنّى أحدهم أو ينتدب خبير عالمي، فالبلد الذي رواتب العاملين فيه أكثر من دخول نفطه لا مجال لإنقاذه إلا بمثل هذا الإجراء الذي لا مهرب منه، فنحن أمام إنقسام مُدمِّر طال ضرره البلاد قاطبة و الناس كافة و تعين على المجتمع الدولي أن يهبّ لوقفه كما يهبّ لإطفاء أي حريق يعجز أهله عن إطفائه.إنتهى

 

_______________________________________




يغير الله من حال إلى حال

أمين مازن

24-4-2017

طالب أكثر من طرف دولي في معرض أحاديثهم الرامية إلى إيجاد مخرج تُحَل بواسطته الأزمة الليبية التي طال أمدها و تفاقمت أخطارها بضرورة أن يكون لليبيا جيش موحد تديره قيادة واحدة و بإشراف إدارة مدنية، كما هو الحال في جميع بلدان العالم المُتحضّر، بحيث تنحصر مهمة هذا الجيش في الدفاع عن الوطن و ما يتهدده من المخاطر، دون أن يقترن الدفاع بممارسة الحكم، و هو توجه عادته بعض الأطراف التي حرصت أن تتخذ من إنتهاء سلطة النظام السابق و مساهمتها في إسقاطه ليكون البديل عن ذلك سلطة ليس من أولوياتها الرقعة الجغرافية المُصطلح على تسميتها ليبيا ذات الحدود المُعترف بها في الشمال الأفريقي و سكانها الذين يُقدَّر عددهم بين خمسة و ستة ملايين من البشر، من سبتمبريين و فبرايريين، أي السلطة التي لا تسأم تصنيف المواطنين فتَعِد من تتواءم معهم بالفردوس الغني بالعين و الحُور فيما تقابل من سواهم بالويل و الثبور و عظايم الأمور، توجه عارض فكرة التخلّي عن السلاح و وضع أكثر من مخطط لمداخل الفترة الإنتقالية حتى تتحول إلى ديمومة، مما كانت نهايته لجوء الأطراف المتصارعة على الغنيمة إلى أعمال السلاح داخل العاصمة، و كان من الممكن أن يلحق الخصوم إلى أرض أجدادهم لولا أن فرضت المصالح المجاورة و شروط الإستقرار أن يقف كلٌ عند حده. ذلك أنه ثبُت بعد عديد المراجعات ألا مخرج من مأزق إنتشار السلاح و تصفية الكتايب المُمسكة به إلا بجيش وطني محترف القيادة و يعتمد التراتبية و يتبنّى الإنضباط، لا مناص من أن يتشكل فيسع جماهير الضباط كافة و الذين يقرُب عددهم من العشرين ألف و نحو مائة ألف من الأفراد، إنه الجيش الذي كان النظام السابق قد جمّده و لم يترك منه سوى ألوية محدودة أُوكِلَت إليها مهمة الدفاع عن النظام قبل أن يتقرر إسقاطه، فأعداد هؤلاء العسكريين جميعاً موجودة لدى عديد الدوائر و ما من صعوبة في حشدها من جديد لتفعيل دورها لتمثّل ليبيا قاطبة و تُقدم لها ما هي في حاجة إليه من الإمكانيات الضرورية، أي أن هذا العدد لا يشمل الكتايب التي تناسلت أعدادها و تمتعت بالمبالغ الفلكية بحُجة المشاركة في الثورة فأدى وجودها بما لديها من الإمتيازات التي لم ترهق الخزينة و حسب و إنما تسببت في العجز عن تسديد المرتبات العادية و ليس تلك التي تضاعفت عدة مرات.

لقد حدثت هذه المجاهرة ضمن ما أُثير أخيراً بشأن الأزمة الليبية في جلسة مجلس الأمن الدولي التي إلتأمت في الثامن عشر من أبريل التي تحدَّثَ بها أكثر من مندوب بدءً من المندوبة الأمريكية و إنتهاءً بالمندوب الروسي فضلاً عن السيد كوبلر الذي لم يكتف بتقريره إلى المجلس و إنما أرفق تقريره بتصريحات لقناة الجزيرة، ناهيك عن الرئيس الأمريكي الذي حدد مقاومة الإرهاب و تأمين حقول النفط مع إمكانية تخريط ليبيا إدارياً لتتكون من ثلاثة أقاليم كما كانت في العهد التركي، أي قبل أن تُحْتَل من إيطاليا في مطلع القرن الماضي عقب تنازل تركيا، و الذي لم يقبله الليبيون و قاوموه بقوة السلاح ليتحالفوا في أربعينياته مع الإنجليز من الشرق بقيادة الأمير إدريس، و مع فرنسا من الجنوب التي تعاون معها السيد أحمد سيف النصر، مما جعل دولة الإستقلال عند تقرير المصير الليبي تنص على الأقاليم الثلاثة و مثل ذلك الإستفتاء و أخيراً هيئة وضع الدستور و تشكيل مجلس الشيوخ، إنه النظام الذي عُدِّلَ جراء تعقيدات تصدير البترول و يبدو أنه قد يُعَاد مرة أخرى بتأثير ذات المصالح و صِلتها بالجانب الأوروبي و الأمريكي تحديداً.

لقد نُسِبَ إلى المندوب كوبلر قوله أن التعديل المُقترَح لإتفاق الصخيرات إعادة تشكيل مجلس الرئاسة ليُختصَر في رئيس و نائبين يُمثلون الأقاليم الثلاثة و آخر لرئاسة الوزراء يتكون هو الآخر من رئيس و نائبين و عدد من الوزراء، و الشيئ نفسه لمجلس النواب و الدولة، مع قيادة للجيش تتكون من قايد عام و مساعدين، و هي صيغة تهدف إلى توسيع الدائرة مع المحافظة على التوازن في التمثيل المتعلق أولاً بالأقاليم و ربما الأطياف السياسية و من باب أولى العسكرية، غير أنه لم ينسى و هو يتحدث عن هذه الأمور مجتمعة أن يتحدث بإسهاب عن حقوق الإنسان المهدورة في أماكن حجز المهاجرين غير الشرعيين الذين تأتي بهم عصابات التهريب و تنعدم في أماكن حجزهم أدنى الحقوق، كأن ليبيا وُجِدَت من أجل هؤلاء، و أكثر من ذلك يقول أن ليبيا تتسع لما لا يقل عن ثمانية أو عشرة ملايين بما يتوفر بها من الإمكانات، و هي تصريحات لا مناص من أن تؤخذ مأخذ الجد و ما من عُذر للفرقاء في عدم الإكتراث بها. أي أن على المتصدرين للمشهد و الضالعين في إصدار القرار أن ينصرفوا إلى المعضلات التي تطال المواطن و إحتياجاته الأساسية، من أكل و صحة و مواصلات و تعليم و كلها غاية في السوء و يضاعف من سوء أثرها النقص المخجل في السيولة، حيث تقف الصفوف الطويلة في كل مكان إنتظاراً لما لا يتجاوز الخمسمائة دينار لتعود في أحيان كثيرة بدونها، في الوقت الذي بلغت رواتب و مزايا أعضاء الحكومات الثلاثة و مجالسهم و هيآتهم السامية عشرات الألاف من الدنانير المؤمّنة دون أي متاعب، و لم يتحدث أي منهم عن ضرورة تخفيضها بإعتبارها زِيدَت على نحوٍ فاق أرقى بلاد العالم و أغناها و كان من أوكد الواجبات أن يُصار إلى تخفيضها لما أحدثته من إفراغ للخزينة و ما جسدته من الفوارق في العيش و إخلال بالموازين، فإذا ما أضفنا إلى ذلك سفرهم إلى شرق العالم و غربه إلى جانب الأنشطة الدعائية التي لا مردود منها سوى المزيد من إهدار المال العام و الوقت الثمين و إصرارهم على الظهور اليومي بالفضائيات مُرتدين أحدث الموديلات كما لو أنهم يمتهنون عرض الأزياء، أما القائمة الطويلة العريضة بأسماء الدبلوماسيين الذين يُراد لهم تغطية الكرة الأرضية بالكامل، و بما تحمله من علامات الجهوية و المُحاباة و عدم العدالة بين أبناء الوطن و في الوقت الذي يجري الحديث عن التوافق فليس له من دليل سوى الإصرار على إستغلال كل دقيقة في السلطة لإفادة المحاسيب و الشركاء و الأصهار و المراهنة على سياسة الأمر الواقع مما يجعل من هذه القائمة رسالة إستفزاز للوطن من أقصاه إلى أقصاه، و وفق أحد المطالب المهمة واجبة النفاذ و المحفزة للترحيب بأي مستجدات يمكن أن يُحكِم تخطيطها السادة الحقيقيون؛ إن كلما إزدادت مشاعر الإحباط و إستشعرت الرعية طعم مرارة الظلم كلما صار زوال العهد أول أولويات الناس.

لقد تزامنت الدعوة إلى إنبعاث جيش قوي مُوحد مع جملة من الإتصالات التي قام بها أكثر من مبعوث دولي و إجتماع قممي كان آخرها لقاء روما الذي شمل ترامب و الإيطاليين، و سبقه أكثر من لقاء ثنائي بين أكثر من قبيلة ليبية ذات وجود خارج الوطن و داخله، الطوارق و التبو و أولاد سليمان.. و تحت رعاية إيطالية وهي ذاتها التي رعت لقاء عقيلة صالح و السويحلي، مع تشديد ترامب أن دوره و دور بلاده ينحصر في القضاء على الدواعش، و لأن الدواعش يمكن أن يُحسَب ضمنهم كل من يُراد القضاء عليه، فإن دور ترامب يشمل الوطن كله. غير أن ما تُعيد عرضه الفضائيات في معرض صراعها مع خصوم هذه الأيام من لقاءات المصالحة التي سبقت إنتفاضة فبراير، حين لم يدَّخر القوم ما طاب لهم من الثناء، مما نكفوا عنه بعد ذلك مسرعين، لا بد أن يدعونا إلى تذكّر القول القديم ما بين طُرفة عين و إنتباهتها: يغيّر الله من حال إلى حال




____________________________

و الحر تكفيه الإشارة

أمين مازن

3-3-2017

 

يواصل المنحرطين في المشهد الليبي، من المسهمين في أحداثه على مختلف الصعد، تواصلهم مع الدوائر العالمية حول ما أُصطلح على تسميته الأزمة الليبية، مرة تحت عنوان مجموعة الأصدقاء، و أخرى تحت مُسمى دول الجوار العربي، و ثالثة تحت مظلة المجتمع الدولي. و تؤكد أكثر القراءات صحة إن الأمور ما تزال حيث هي، أي منذ ظهورها في السابع عشر من فبراير سنة 2011 و ما رافقها من مسارعة المُدّعي العام لمحكمة الجنايات الدولية بتحضير قائمة أسماء المطلوبين للعدالة لمحاسبتهم على ضلوعهم في قمع الأنتفاضة بقوة السلاح و المخالفة الصريحة لحقوق الإنسان بدءً بتجميد الأرصدة الليبية الرسمية و كذا المسجلة بأسماء الأشخاص الضالعين في ممارسات النظام، و من رُؤيَّ أنهم مجرد محللين لكل ما هو محرّماً، و ما رافق ذلك كله من توكيد على وجود المتشددين بين صفوف المحاربين و إعتبارهم قد تمكنوا من الحصول على موضع قدم في حرب ذلك الربيع و الذي قُدِّرَ له أن يمتد إلى أن أشرف الخريف على الحلول و تسبق حلوله كلينتون بإعلانها الشهير عن تحديد موعد سقوط النظام بيوم أو يومين، و إنهاء رمزه سجناً أو قتلاً و قد غُلِّبَ الخيار الثاني كما هو معروف، لتبدأ بعد ذلك الخطوات الأولى لبناء الدولة في مدى زمني ذُكِرَ أنه سيستغرق بضعة أشهر فيما كان العالمون ببواطن الأمور يؤكدون أن المُحدد سرّاً لن يقلّْ عن سنواتٍ ثلاث بالتفاؤل و خمس على الأكثر، تأسيساً على أن خريطة الشرق الأوسط التي وُضِعَت من الفاعلين الحقيقيين عقب الحرب الكونية هي دون غيرها التي تُمثل المرجعية لكل ما جرى بعدها من أحداث، و إن المسلسل الذي بدأ بإحتلال العراق في مطلع العشرية الأولى من الألفية الثانية هو ذاته الذي مازال مستمر في الشام، و بصورة مختلفة في اليمن، و ليس من المستبعد هو نصيبنا معشر الليبيين، إذ لا يبدو في الأفق أي دليل على وجود مستوى من مستويات المراجعة أو الإستفادة من هذه التجارب المريرة التي يعاني منها الواقع المؤلم و الملئ بالمعلومات التي تُثبت أن من المستحيل الوصول إلى مخرج من سوء ما يجري ما لم يتوفر اللإحتكام إلى مبدأ القبول بأخف الضررين وأن إسطورة الغالب و المغلوب و تبادل الشيطنة بين المتصارعين من الأمور التي يستحيل تطبيقها على أرض الواقع، فحقيقة أن الكثير من التجاوزات التي سادت في العقود الماضية تكررت بكل الأسف إن لم نقل الحسرة في السنوات الماضية و خير دليل على ذلك ما صار يتردد منذ سنوات بشأن الإعتداء غير المشروع و الذي دشنه الكثيرون بأخذ حقوقهم بأيديهم و دونما إعتبار لما نُصِحوا به عقب سقوط النظام مباشرة و وقوع بعض المسئولين قيد الأسر و تمكّن بعضهم الآخر من المغادرة فكان أن أُستُبِيح كل ما تركوا ثابتاً أو منقولاً، كما أن ليبيا جزء لا يتجزأ من المحيط الملاصق و إلى حدٍ ما المقابل، و هي بما تشهده من سيطرة المجموعات المُمسِكة بالسلاح و ما يقدم عليه أكثرها من تهافت نحو المال لا فرق بين الإتجار بالسلع و البشر، غدَت تمثل خطراً لا مثيل له و لا منجاة منه لمحيطها بشقيه فيكون التدخل في شئونها ضرباً من درء الأخطار التي لا مناص من أن تطالها ما لم تسارع بوقفها في مكانها. فكان لا مهرب و الحالة هذه من أن يتفق الجميع على أن الحل الناجع لما تشهده ليبيا من صراع هو ذلك الذي يتوصل إليه الليبيون أنفسهم و تتوالى من ثم المبادرات الرامية إلى معالجة النكوص الذي لوحظ بصدد إتفاق الصخيرات الذي مضى على إعلانه أكثر من عام و لم تشهد البلاد سوى المزيد من المصاعب المؤثرة في حياة الناس إن على مستوى الإطعام من الجوع أو الأمن من الخوف، ليس هذا فحسب بل إن الذي يُجمِع عليه معظم المراقبين هو أن الحريصين على إستمرار الأزمة بل و الحيلولة دون أي جهد للخروج منها هم الذين يمثلون الأطراف الفاعلة تلك التي يصدُق عليها دائماً القول المعروف «أسمع كلامك يعجبني أشوف أفعالك أتعجَّب» فهم حريصون على ليبيا الواحدة، و لكنهم لا ينشغلون إلا بقبايلهم، بل إن شعار الوحدة ليس سوىى صيغة لإستمرار ما يمارسونه من التحيّز اللامتناهي لذويهم الذين لا يبخلون عليهم من الحلال و الحرام، حتى أن فكرة الأقاليم الثلاث التي بُنيت عليها دولة الإستقلال، و أعادها للذاكرة السيد مصطفى عبد الجليل عند تحديد أعضاء هيئة الدستور، و لم يستبعدها إتفاق، الصخيرات، لولا أن المندوب الدولي و ظّفها بطريقته الخاصة و أن التشبُث بها و الإحتكام إليها حين يُطبَّق فيسد الطريق بكل القوة على التجاوزات و فكرة التمكين المعروفة، الأمر الذي حدا بأبناء الجنوب أن يوعزوا لممثليهم كي ينسحبوا من جميع اللقاءات التي ترفع شعار التسوية و ما هي من التسوية في شيئ، و هو توجه لا يملك كل ذي بصيرة إلا أن يستصوبه، و يدعو لضرورة مراعاته بكل الحزم و لا سيما حين يُدعى هؤلاء للسفر خارج الحدود للتشاور معهم و الإهتمام بهم، و نحن نقول هذا تأسيساً على ما تناقلته عديد الأوساط المُطلعة، أن مشروع التعديل المقترح بشأن تعديل إتفاق الصخيرات و المرتكزة على مبدأ الرئيس و النائبين أي الإكتفاء بثلاثة رؤوس بدلاً من تسعة، فقد رؤيَّ أن يُصار إلى فصل المجلس الرئاسي عن الحكومة، بحيث يُحصر المجلس الرئاسي في رئيس و نائبين ليُمثل ثلاثتهم سلطة الإشراف على السلطة التنفيذية، و تُكوَّن إلى جانبهم حكومة تتألف من الوزارات المُقررة و يرأسها هي الأخرى رئيس و نائبان على أن تختص بالسلطة التنفيذية، و على ذات السياق تكون رئاسة المجلس الإستشاري و الذي ينبغي أن تشمل عضويته المؤتمر الوطني بالكامل إلى جانب مجلس الناب بالطبع، بالإضافة إلى مجلس أعلى للقوات المسلحة، يتأسس على أساس الإحتراف و العقيدة الوطنية المُبرأة من أي مؤثر أيديولوجي، لتمثِّل هذه المجالس مجتمعة السلطة السيادية في البلاد، و يتم توزيعها على قاعدة الوفاق و حق الجميع في تسيير البلاد وفقاً لوثيقة اللإستقلال و دستوره الذي وُضِع من ممثلي الشعب من دون إستثناء عشية تقرير مصير ليبيا على أساس الإستقلال و الدستور المساوي بين الأقاليم الثلاثة و مبايعة إدريس و ذريته، فحقيقة أن المعرفة عمَّت جميع أرجاء ليبيا و المؤهلات العلمية العليا منتشرة في جميع المدن و القرى، كما أن المساحة الجغرافية و الثروات الطبيعية و الإمتدادت الجغرافية توفر الأهمية لكل إقليم، و لا مجال للمفاخرة بالثروة لكونها منتشرة و لا العدد لأن ليبيا مجتمعة أقل من عدد شاغري المستشفيات في بعض الأقطار العربية، و أن كل إصرار عل تشتيتهم و العبث بتآزرهم خيانة ما بعدها خيانة، لن يفلت كل ساعٍ فيها من سوء العاقبة، أمام الأجيال الحاضرة و القادمة فضلاً عن غضب الله و رسوله و المؤمنين و عود على ما بدأنا به هذه المقاربة نكرر إن الأمور ما تزال حيث هي من التأزم و صعوبة الوصول إلى أي مخرج، اللهم إلا مزيد التغوّل للمؤثر الخارجي من الأشقاء و الأصدقاء على السواء، و إتفاق الطرفين على تغليب كل ما يفيدهما على ما يفيدنا، و خير دليل على صواب هذه النظرة تزاحم المنخرطين في المشهد على التوجه نحو العواصم المؤثرة في هذا المشهد حيث تتم مقابلتهم هناك و أينما حلّوا من أعلى رأس الهرم إلى ما دون ذلك، لا فرق بين ما تذيعه و تنشره وسائل الإعلام و الآخر الذي يتم سِرّاً، و ظهور الكثير من رموز النظام السابق في أكثر من مرفق إعلامي مصور و آخر مكتوب متحدثين عن مشاكل المهجرين، و مسهبين في سرد متاعب الموقوفين ممن لم يُبَث في أمرهم بالمحاكمة و لا تمتد لهم يد الرحمة و هو ما كنا قد طرحناه من عام 2012. و ما يتردد على ألسنة قادة دول الجوار و مساعديهم و مجاهرة الدول الأربعة، بعزمها على الإنخراط في الشأن الليبي من منطلق الإسهام في حل مشاكله، و تخفيف مآسيه التي طالت الناس كافة، مما شرعن عزم روسيا على القيام بدور أكثر من ذي قبل في الوضع الليبي، بمباركة من أمريكا في عهدها الجديد و ما يتصف من متغيرات ملموسة و ما من شك في تأثير دورها قبلنا هذا التأثير أم رفضنا مع ملاحظة ما يرافق ذلك من متابعات إعلامية متوالية و تغطيات إخبارية ظافية و لا سيما ما يتعلق بحقوق الإنسان و ما تسهب به التقارير عن خروقاتها و الإنهيار السريع في الخدمات العامة بأنواعها و لا سيما الغلاء، و نقص السيولة، ليس في الرواتب و حسب، بل حتى المدخرات الشخصية، و ظهور روائح الفساد الكريهة، كل ذلك في الوقت الذي يؤكد كل متابع إن التعيينات في سلك الحكومة على قدم و ساق. هذا فيما يؤكد الكبار عزمهم على إنجاز الحل السياسي الذي سيوحد القوى مجتمعة، و يرفض كل أشكال الإقصاء، و بناء نظام مألوف على ما هو قائم في المحيط و في حدود الحجم الحقيقي للأهل و الجماعات و الإنفاق المرشّد و إنهاء كل مظاهر التسلح لدى الأفراد و الجماعات اللهم إلا من يتكفل بحفظ الناس و طمأنتهم على أنفسهم و حمايتهم من أنفسهم أيضاً مما يعني أن الرهان على تركنا هذه الوضعية التي غدت تعُم الجميع بأضرارها القاتلة، و صارت أقرب للجميع من حبل الوريد، و قديماً قيل: العبد يُقرع بالعصا **** و الحر تكفيه الإشارة.إنتهى

 

 

 

____________________________



..إذا كنت لا تدري فتلك مصيبة

أمين مازن

20-2-2017


أقدَم رئيس المجلس الرئاسي المقترح على توقيع ما دعاه بمذكرة التفاهم مع الحكومة الإيطالية، و ستتمكن بموجبها الحكومة المذكورة من إعادة آلاف المهاجرين غير الشرعيين القاصدين أوروبا عبر إيطاليا ليُصار إلى إيوائهم بليبيا ريثما يُعادون إلى أوطانهم التي قدموا منها بواسطة إيطاليا التي عليها أن تؤمّن إحتياجاتهم طوال هذه الإقامة غير المُحددة بأجل، و إن سُوِقت بوصفها مؤقتة، و طرحت ما طرحت في المعاهدة الليبية الإيطالية التي أُبرمت قبل السابع عشر من فبراير 2011 بسنة و بعض السنة و قد جاءت إجراءات التوقيع بحسب الفضائيات مُحاطة بمظاهر الإحتفاء و ظهرت على مُحيا رئيس المجلس علامات السرور بما أقدم عليه، على الرغم مما تناقلته وسائل الإعلام المتعددة من المعارضة القوية لهذا الصنيع من عديد الأطياف و التي بدأت منذ أول إتصال قام به نائب رئيس المجلس الرئاسي المذكور أحمد معيتيق مع المعنيين، كانت حُجّة من وقّعَ و من ظاهره على ما فعل أن هذا الإجراء جزءٌ من معاهدة إستكملت جميع شروطها و لم تحمل أي إلتزامات جديدة، أما أن ما يقرب من نصف أعضاء المجلس بين مقاطع و مستقيل فمسألة لا تعني الرئيس المقترح و كونها واحدة من عدة مفردات يمكن أن تكون بالنسبة لليبيا أكثر أهمية و أقرب أولوية فأمرٌ هو الأخر غير ذا بال، ففي زمن الأمر الواقع و تسيير شئؤن الدولة بالمخالفة تحت حُجة المصلحة العامة يمكن أن تُسوَّق ألف مصلحة و مصلحة و في حُمَّى الطموح السطحي تهون ألف شُبهة و شُبهة.

و مما لا شك فيه أن ذلك قد دفع الكثيرين إلى الترحيب بالطعن الذي قُدِّمَ إلى القضاء حول دستورية هذا الإجراء بقصد إبطاله، فقد كانوا و الحق يُقال في صميم المصلحة الوطنية و لم يسبقه سوى ذلك الذي رُفِعَ حول قانون العزل السياسي و الذي لم تتمكن هيئة المحكمة من النطق بحكمها حوله، و كم يكن مفيداً و سارّاً لو طُبِّقَت عليه حالة الإستعجال، على إعتبار أن مسألة المخالفة الدستورية أوضح من الوضوح، فقد قفزت إيطاليا و ظاهَرَها على قفزها رئيس المجلس المقترح فأعطت الأولوية لهذه الإشكالية الدولية و ما تمثله من تهديد لأمن العالم فإختارت الطريق الأقصر بتدبير الإيواء لهذه الألاف المُؤلفة بالتراب الليبي ملوحة بتحمُّل نفقات الإيواء و إجراءات السفر، كأنما تريد أن تعيد ترتيباتها التي إتخذتها منذ قرن من الزمن عندما تبنَّت سياسة التقلقل السلمي لتُشرعن في وقتٍ لاحق إحتلال ليبيا متجاهلة للكيان الوطني المطروح و معاهدات الصلح المُقترحة، و تتخذ مما أنشأت أثناء فترة الإستعمار مبرراً لحقها في الوصاية على ليبيا، و سيكون مُتاحاً لها ما لم تتنادى جميع القوى لوقف هذا التوجه المُخيف و من خلال تعهدها بالمساعدة على الإيواء و الترحيل المتحكم في المُدَد المُحددة للإعادة حالة إنجازها لذلك بالفعل و التحقق من هُويات هؤلاء المغامرين ممن يبدأون رحلاتهم بإتلاف أوراقهم الثبوتية و يكون من أصعب المصاعب التثبُّت من هذه الهُويات، كما أن حقوق الإنسان المزعومة ستوفر لهم ما لا حصر له من الخدمات و أولها عدم المساس بهم إذ أن وجود المهربين يختلف كل الإختلاف عمن يحمل صفة المؤقت.

فإذا ما وضعنا في الإعتبار ما يتصف به عديد الليبيين المنهمكين في القطاع الخدمي و الزراعي و ما تدفعهم إليه حاجتهم للعمالة من التواصل مع هؤلاء و الإستفادة من سهولة التعاطي معهم، فإن المُضي نحو تشغيلهم بلا مسئولية و لا إجراءات سيكون هو الأسهل لمجرد تحرّك عجلة الإقتصاد، بل لعل إيطاليا من واقع معرفتها للظروف العامة و أساليب التغليب على مشكلات السيولة النقدية لن يستحيل عليها أن تُسرّع ببعث ظروف جديدة لا مكان فيها للتفكير في المصلحة العامة المتعلقة بمستقبل الأجيال، و يكفي أن نعود بالذاكرة إلى العقود الماضية التي تلَت رفع أسعار النفط و ما أحدثته من الإنتعاش الذي كانت الخدمات عِماده الأساسي، عندما نسيَّ المنخرطون في النشاط الخاص أي حديث عن الشأن العام و عن المستقبل و عن الأجيال الصاعدة، فقد إستوعبت المقاولات و المقاهي و المزارع الألاف و هي ستستقبلهم مرة أخرى، أما إذا كنا من الذين على علم بما تم حول ليبيا من عديد الإتصالات المتعلقة بالرقعة الجغرافية و النُدرة السكانية و مشكلات الجوار الأفريقي (الأسود بالذات) فلا شك أننا نُدرك حجم المخاطر المنتظرة، و الواقع أن مشكلة بعض المُتنفذين الليبيين تأتي من عدم إكتراثهم بأي مساحة تتجاوز مرمى نظرهم إذ يرون أن ليبيا حدودها المدن ليس غير أما الجنوب، أما المساحات الكبيرة فآخر ما يفكر فيه عديد المؤهلين الليبيين من الذين فتحوا أعينهم و وجدوا آباءهم يمتهنون التجارة و من أضيق أبوابها، فإذا ما إتسعت الأبواب بتأثير النفط كان الخروج من الوطن أول خياراتهم لمجرد بروز أي مظهر من مظاهر التأزم، إنه الخروج الذي يأتي قصد مقاومة التخلف الذي بدأت علاماته تظهر منذ السنوات الأولى التي تلَت سقوط النظام الملكي و ظهور بوادر الحكم الشمولي المعادي للديمقراطية و إن يكن يرفع شعار التحرر بل و الرافض للوجود العسكري المتمثل في القواعد، و إنما هو الخروج الرامي إلى تبادل الأدوار عند حلول الوقت المناسب، كما لمسناه من بعض القوى التي أنجزت المشروع الإستبدادي بكل الأمانة و هي تفكك الوحدة الوطنية على هذا النحو و ينبعث من بينها من يقصُر عن إدراك مخاطر اللعبة المترتبة على الإخلال بالديموغرافية السكانية على نحو ما يلوح من مذكرة التفاهم التي أزعجت القوى الوطنية كافة، حيث تثبت كل الوقايع أنها ليست سوى خطوة لتحويل البلاد إلى مكب للبشر من كل حدب و صوب، سواء و هم يصلون إلى أوروبا و يتم إرجاعهم و يسمح بإوائهم هنا أو يُحال دونهم و دون السفر بعد أن يصلوا إلى البلاد و يهمّون بمغادرتها عن طريق هذا الشاطئ أو ذاك مُعبّئين بأفكار ترى أن شمال أفريقيا بالكامل ينبغي أن يكون خاصاً بالسود وحدهم.

بقيَّ أن نلاحظ أن هذا الإعتراض لا يعني بأي حال من الأحوال الدعوة إلى عدم طي صفحة الماضي مع إيطاليا، فنحن دائماً مع التوجه إلى المستقبل و مع إعطاء الجغرافيا الأولوية، غير أن مآخذنا دوماً على إيطاليا كونها لم تتخذ من الإستعمار سبيلاً لبعث العلاقات السوية كما فعلت فرنسا مع تونس أو بريطانيا مع العراق و إنما بقيت دوماً المتقوقعة، و حسبها أنها لم تستعجل في تنفيذ ما حملته المعاهدة معها من عديد الإلتزامات سوى هذه الجزئية التي قفزت عليها قفزاً و تركت كل ما يمكن أن يُنجز بصدد المصالح الليبية بما في ذلك موضوع الهجرة و التي أجمعت دول أوروبا كافة على ضرورة التصدي لها من مصادرها إن بواسطة بعث المشاريع المشجعة على البقاء حيث المولد و النشأة، أو حتى المقاومة بالحواجز كأن تطرح إيطاليا و ينتبه من تحمّس للتوقيع معها الخطط التي تقاوم هؤلاء القادمين قبل إجتيازهم الحدود الليبية من الحدود الأفريقية تحديداً فتستهدف عصابات التهريب بأساطيلها الجوية و هي التي تملك ما لا حصر له من طائرات الأباتشي الشهيرة و الأخرى المقاتلة بدون طيار القادرة على التصوير من أبعد المسافات، لولا أن هذه المسألة ليست من مشمولاتها، فهي تريد فقط إبعاد هؤلاء القادمين إليها من الشواطئ الليبية قاصدين الذهاب إلى دول أخرى إذ تبادر بإجبارهم كي يعودوا إلى ليبيا بدعوى الإقامة المؤقتة و يُترك كل شيئ بعد ذلك للتساهيل، فإن خطر لأي ليبي أن يمارس نوعاً من الضغط هنا أو هناك كان لإيطاليا الحق، كل الحق، في إتخاذ كل ما يترآى لها أن تفعله خدمة للأنسانية بدون شك..!! فإذا وضعنا في الإعتبار أن الإنسانية تعني عدم إكراه المريض على السفر قبل الشفاء، و الأطفال قبل الكبر، و الشيوخ مراعاة لإعمارهم، و الحوامل حفاظاً على الأجنة.. ففي ليبيا المتسع كل المتسع للإقامة و للإيطالي المتعهد بالإنفاق ما يسهل المهمة و لمذكرة التفاهم التي لا تحمل من قريب أو بعيد ما يشير ألى الإقامة بليبيا من قريب أو بعيد كما يؤكد الناطق الرسمي للمجلس الرئاسي خير ضامن لعدم الأقامة بل السفر السريع !

و إذا كان تاريخ السياسة الليبية في جانبها النضالي يحفظ لكثير الرموز مواقفهم عبر جمعية عمر المختار و المؤتمر الوطني، و هذا الأخير تحدد صوته في جريدة الشعلة التي حمل مسئوليتها القانونية السيد مصطفى السراج و الذي تبوأ في أول مجلس نيابي أبرز مقاعد المعارضة التي صوتت ضد المعاهدة البريطانية و أشرف بعد ذلك على تلييب مؤسسة التأمين الإجتماعي و آثر في نهاية المطاف التفرّغ لحياته الخاصة حتى أنه لم يتردد في الرد على السيد عبد القادر البدري رئيس الوزراء سنة 1967 و ما شهدته من أحداث دامية عقب حرب تلك الأيام و تصويت إيطاليا لصالح إسرائيل دفعت البدري إلى توجيه اللوم لعدد من أعيان طرابلس فما كان من السراج الأب إلا أن قال على رؤوس الأشهاد "الملك ما خلَاش راجل في البلاد"، فإذا ما قُدِّرَ للنظام الملكي أن يسقط و ينتظم في عهد الفاتح من سبتمبر أكثر من لقاء لرجال المدينة و أعيان البلد و تفرض الإعتبارات القائمة على الأستاذ مصطفى السراج أن يكون بين الحاضرين، فإن ما يتعمّده من إختيار المقعد الخلفي و عدم الإستجابة لكل محاولة ترمي إلى الدفع به إلى الأمام، إنما يؤكد بوضوح ما يتوفر عليه الرجل من الحرص على الإقتصاد في الكلام و الخروج من هذه المواقف بأقل الخسائر فلا تذكر له اللقاءات المتلفزة أي مظهر من مظاهر التقرّب أو الحرص على أي تمييز عن الآخرين، إنها الحقائق التي توجب التذكير بها في معرض التعليق على ما أقدم عليه رئيس المجلس الرئاسي المقترح لعله يتعض و لعله يتحسّب من عواقب التاريخ و قديماً قال الشاعر: إن كنت لا تدري فتلك مصيبة *** و إن كنت تدري فالمصيبة أعظم



____________________________.

الدور الروسي.. توازن أم تأزيم

أمين مازن

8-1-2017

مثلما توقعنا قبل ما يقرب من سنة عن إمكانية تغيُّر الموقف الروسي بشأن الأزمة المتفاقمة عندنا في ليبيا، لم تكد شمس السنة المنصرمة تؤذن بالغروب، حتى ظهرت تصريحات المسؤولين الروس مؤكدة مثل هذا التوقع، بدءاً من المتحدث بإسم الخارجية الروسية، و إنتهاءً بمساعد وزيرها، و أخيراً أبرز المعلقين بها، أولئك الذين طالما إنتدبتهم الفضائيات المنشغلة بتسريب المواقف المُزمع إتخاذها لاحقاً و التي إنتهت بالدعوة إلى إعادة النظر في إتفاق الصخيرات، بما يؤدي إلى رفع ما رآى فيه البعض نوعاً من الضيم و المساس بشروط عدالة التوزيع في إدارة شؤون البلد سلطةً أو ثروة.

إن الموقف الذي ما كان لنا أن نتوقعه لو لم ندرك حجم التدخل "الروسي بالطبع" الذي طال الأزمة السورية و التغير الذي طرأ على موازين القوى عبر محاربة ما دُعى بمحاربة الإرهاب هناك، و الذي إتخذ منه الفرقاء ستاراً لما يطمحون إليه و ما ساعدت عليه التسويات المعروفة و التي طالما تدخلت في جميع الأحداث السياسية. إن على هيئة حروب بين الأطراف المحلية بحجة الصراع السياسي، أو التدخل الخارجي بحجة مقاومة الإستعمار و العكس صحيح.

هي وضعية طالت ليبيا منذ إنسلاخها من الإمبراطورية العثمانية و إرتهانها للإستعمار الإيطالي الفاشيستي و من ثم تخلصها منه على إثر هزيمة إيطاليا الفاشية و ما أملته الحرب الكونية من تسويات لم يكن الإتحاد السوفيتي بعيداً عنها، و القضية في المحافل الدولية، و ما تلى ذلك بشأن ليبيا المستقلة من النظام التقليدي و وريثه الشمولي، و الذي إرتبط في العقود الأخيرة، بل و الأولى أيضاً، ببناء الترسانة العسكرية التي شكلت مورداً من أهم الموارد المالية للإتحاد السوفيتي، مما دفع روسيا المُتخلية بالكامل عن النظرية الشيوعية منذ تسعينيات القرن الماضي أن تنتهج ذلك الطريق المتردد بشأن الأزمة الليبية التي أودت بنظام الفاتح من سبتمبر و إنتهت في النهاية إلى سقوطه بواسطة الحلف الأطلسي، حيث حقق ما يريد و ظل الروس بمعزل عن أي إسهام، إلى أن حصل التطور الذي حدث يشأن الأزمة السورية عندما صارت روسيا صاحبة التأثير الأكبر في سير المعارك فتُغير موازين القوى من سقوط النظام إلى تحديد نصيبه و حجم دوره، فبدا واضحاً أن التطور المُشار إليه لا مناص من أن يمتد لاحقاً إلى الحالة الليبية مما أثبتت الوقائع أن إنتظاره لن يطول، و هكذا كانت التصريحات الأخيرة من المسئولين الروس و كانت الزيارات التي سارع بها نحوهم بعض الفرقاء و التي أدت ضمن ما أدت إلى ما بدا يلوح من تغير في تصريحات بقية الشركاء الغربيين حول إتفاق الصخيرات و تكوين المجلس الرئاسي المقترح و إعتبار ثقة مجلس النواب في عداد المفردات الأساسية في مشروع التسوية، و إذا كان البعض سيرى في الموقف الروسي ما يمكن أن يساعد على تلافي ما عساه قد وقع من نقص و بالأحرى خسارة، إلا أن ذلك لا يعني أن الروس قد تكون لهم بدايلهم حين تقدير حساب الربح و الخسارة في أي تدخل يتم أو يقع التلويح به أو الشروع فيه، غير أن ما ينبغي الإنتباه إليه في حالة الإرتفاع إلى مستوى المرحلة هو الحذر كل الحذر من الإنزلاق مرة أخرى إلى دق طبول الحرب، ذلك أنها إذا دقت طبولها في غرب البحر الأبيض المتوسط و تسلل إليها الدُب الروسي و كان قد دخلها في شرقه و لم يتردد في الدفع بالكثير من أبنائه، فلا شك أن دوره سيكون أكثر شراسة في غربه ما لم تستيقض عقول الفرقاء نحو هذه الحقائق أو الفرضيات. أما إذا وضعنا في الإعتبار ما كان قد أُبرم من عقود عسكرية و ورد من أسلحة سُدد بعضها و مازال بعضها الآخر معلقاً و أن المبالغ الليبية المجمدة موضع بحث في الأوساط الدولية و أن إعادة إعمار ليبيا و خطر الهجرة و فكرة التوطين و طول الشاطئ و تعدد الحدود و وضوح الفشل في ممارسة الدولة و العجز الذي طال كل شيئ، و أن الدور الروسي من الأزمة الليبية قد يفوق جميع التوقعات و يتجاوز كل الحسابات.إنتهى



_____________________________

لتستقبل تونس أبناءها، و تُنفذ بشأنهم قرارها

أمين مازن

2-1-2017

ليس لمن لديه مقدار حبة من خردل حُباً لتونس، و تقديراً لدورها و ثقة في جدوى إسهامها إلا أن يرفع العقيرة بأشد عبارات الإستهجان و الرفض لما دعت إليه بعض الأصوات هناك حول عودة التونسيين الذين شاركوا في حروب سوريا و العراق و قبل ذلك أفغانستان، و ربما ليبيا و اليمن أيضاً، تلك المشاركة التي لم تكن مثار ترحيب و رضا من عديد الأطراف، بل و ربما إستوجبت الكثير من الإجراءات الجزائية، مما رآى فيها أولئك المعترضون مُبرراً لتبنِّي منع هؤلاء من العودة إلى البلاد التونسية. و مثل هذا الإستهجان لا يُملِيه الإنحياز لهؤلاء العازمين على العودة أو التأييد لما أقدموا عليه في ديار الغُربة، و لكن التمسّك في الحق الفطري لكل إنسان في العيش داخل بلاده، مُقيماً من البداية أو عائداً من الخارج، رهن يد السلطة التي تسود فوق أرضه و تطبق فيها ما تراه من الشرائع، و تصدر من القرارات، لا فرق أن يكون بقاء مثل هذا المواطن حراً طليقاً و موضع رعاية من الرعايات أو أن يكون محل رقابة أو محاسبة أو مُعَرَّضاً لأي إجراء من الإجراءات.

و من هنا فليس أمام تونس بكل أطيافها و ما تتوفر عليه من الإمكانات إلا أن تفتح أبوابها لعودة أبناءها المذكورين كي يدخلوا براً و بحراً و جواً، و لها أن تقرر بعد ذلك ما ترى من وجوب تطبيقه من التحفّظ أو المحاسبة، أو التكريم، فليس لأحد أن يمنعهم من العودة و لا أن يُحدد للسلطة طبيعة المعاملة و نوعية النظرة التي ستنظر بها. و تونس على كل حال دولة يحكمها القانون و تُدير شؤونها كدولة متعددة السلطات التشريعية و التنفيذية و المنظومات السياسية و لاسيما المؤسسة الأمنية التي تملك ما لا حصر له من وسائل التحفظ و الإيقاف طبقاً لبنك المعلومات، و عديد الحلفاء الذين لن يبخلوا بالمساعدة الضرورية، إن لهذه المجموعة أو لمن هم أكبر منها. و إذا كان السيد الباجي قايد السبسي قد أكد من موقعه كرئيس للدولة التونسية بأن لا حق في الدستور التونسي يُبيح طرد أي تونسي من بلده، و لم يختلف عنه السيد راشد الغنوشي الذي يرأس أكبر الأحزاب المشاركة في حكومة الوحدة الوطنية الذي بلور موقفه في المثل الشعبي المعروف مغاربياً " اللحم الباير يرفعوه أهله " بمعنى أن حق العودة لا يعني عدم المساءلة عن كل ما عساه قد أُرتِكب في حق الوطن أثناء الغياب. فإننا من باب الإنحياز لتونس و رفض أي دعوة لمنع أي من أبنائها عن العودة إلى بلادهم نُذَكِّر بمثل شعبي آخر يعرفه المغاربيون جميعاً و الذي يقول ما نصّه " المهبول يكتفوه أهله " بمعنى أن يتحملوا قبل غيرهم أي ضرر قد يتسبب فيه للآخرين. و بالتالي ليس أمام تونس إلا أن تفتح مداخلها البرية أو البحرية أو الجوية، ليدخل هؤلاء الراغبون في العودة أو الذين سيكرههم الآخرون على العودة، و لها بعد ذلك أن تعاملهم بالطريقة التي تفرضها مصلحة تونس و أمن تونس و إمكانيات تونس و مكانة تونس في المتجتمع الدولي. أما الدعوة لمنع أي منهم من العودة فهو آخر ما يُمكن للأُذن أن تسمعه فضلاً عن أن تدعو إليه. اللهم إلا إذا كانت سياسة إسرائيل هي المثال. و هو ما لا يمكن أن يخطر على البال، في الواقع أو الخيال.إنتهى



_____________________________

الصراحة راحة

أمين مازن

31-12-2016


منذ أن قُدِّرَ لإنتفاضة السابع عشر من فبراير 2011 أن تهب على واقعنا الليبي و تُنجز فيه ما إستطاعت أن تُنجز بصدد إسقاط النظام الذي دام أربعة عقود كاملة، و تتمكن من ذلك إنطلاقاً من بنغازي و تحت شرعية المجلس الإنتقالي و مكتبه التنفيذي اللذين أُعلِنا من هناك مع دعم دولي جمع بين السياسة و العمليات العسكرية، مما لم نُخفِ تأييده، و ما شهدته تلك الوضعية من تداخل بين السلطتين، و الذي لم يكن في حقيقته سوى التعبير الصريح عن حجم التدخل الخارجي الذي تسلل و تعمّق في وقتٍ مبكر للتجربة الجديدة، الإستفادة الملحوظة من نوعية الممارسة التي سادت طوال ما قبل ذلك التاريخ عندما كان مؤتمر الشعب العام طوال ما قبل فبراير ليس أكثر من مسوغ لتنفيذ الإرادة الأقوى و التي أُصطُلِحَ على تسميتها بالتوجيه الذي يتم الظفر به من خلال مذكرات العرض، و التي بدونها لا يمكن لأي مشروع مُخطط على أحسن الوجوه أن ينال ملِّيماً واحداً للتنفيذ، فقد تبين مبكراً و لمجرد التأكد أن بنغازي قد خرجت من يد النظام و ستتكفل بإسقاطه أو على أسوء الفروض لن تعود إلى سلطته، فإنها في ذات الوقت لن تجد أفضل من أسلوبه في إدارة مختلف الشؤون، فبواسطة المجلس الإنتقالي و شرعيته القيادية التي ظفر بها رئيسه مبكراً أمكن تحجيم المجلس التنفيذي فأمسك الأول بما لا يجب أن يمسك به و لا تسعفه قدراته العلمية للإمساك به لولا أن التجربة قد شُيِطِنَت من البداية و وجد الطامعون فيها من تجربة النظام ما سهَّل المُبتعى من العهد الجديد. و ما تزال أدبيات المرحلة بدءاً من الإعلان الدستوري المُهَلهَل و اليمين الذي أقسم به الأعضاء تحديداً خير دليل على إستسهال الأمور و القصور عن الإرتفاع إلى مستوى المرحلة و ما تستوجبه من التدقيق و ليس المضي في عالم التشويش الذهني و العبث المالي و ثقافة الكسب السريع و الوصول من أقرب الطرق و التضحية بكل شيئ في سبيل مصلحة الذات و من حولها. هي ثقافة إنتقلت بسرعة إلى المؤتمر الوطني المُنتخب على نحوٍ نموذجي، حين لم يكتفِ رئيسه الفاضل بأن يكون رمزاً في حجم الكثير من زعماء العالم فرأيناه لم يسمح لرئيس حكومته و أحد رفاقه ذات يوم أن يمارس صلاحياته الكاملة على الرغم من أن الرئيس الأمريكي قد إستقبله و فاتحه في عديد الشؤون و الشجون، و من الممكن القول أنه وُفِّق في تنفيذ التوجه و حسن إستثماره في ما يفيد العهد لولا أن قوى العبث كانت أسرع عندما قَوُيَّ السباق نحو المصالح الخاصة و الحسابات الصغيرة، فكانت الخسارات متتالية، و لا شك أن هذا ما جعل الذين يخلطون الجد بالهزل لا يُفرّقون بين المؤتمر الوطني العام نتاج فبراير و مؤتمر الشعب العام نتاج سبتمبر و إن غلّفوا كلامهم بالإعتذار، و ما ذلك إلا لأن موضوع السلطة هو الهدف الذي تطلّع لبلوغه كل الشرائع. و من المؤكد أن مثل هذه الثقافة هي ذاتها التي دفعت مجلس النواب الذي يشهد كل ذي ضمير حر بسلامة إنتخابه و وجوب تمكينه من أداء مهامه يسلك ذات السلوك من حيث التمسّك بالصلاحيات التنفيذية العليا و من حيث تسمية الأشخاص لشغل عديد المواقع في الوقت الذي تؤكد جميع مفاهيم الأرض أن مجلس النواب سلطة رقابية و ليس تنفيذية لولا أن الواقع يمتلك السلطة التي تفوق جميع النظريات و أن هذه الحقيقة كذّبت الأيديولوجيا أينما وُجِدت إبتداءً من الإسلام الذي به نُدين أو القومية التي بها نتحمّس أو الماركسية التي بها نطرب، أي أن هذه الصيغ مجتمعة لم تكن سوى التعبير الحقيقي عن الواقع و تناقضاته و تشكيلاته و قوة الضغط فيه و الرامية من حيث تقصد أو لا تقصد إلى التسطيح و التشويش و سوء الأداء، و السير على نظرية الغاية تبرر الوسيلة، أو ما يُطلق عليه وضع العربة أمام الحصان، و من هنا فإن القول بأن مجلس التواب ينبغي أن يتولى قيادة القوات المسلحة خشية المساس بمن أدّى المطلوب منه على الوجه الأكمل هو قول مضحك أو محزن إذ أن الخوف من إستئثار سلطة من السُلَط أو إستغلالها في الإساءة نحو من لا يستحق الإساءة بل يستحق التقدير، يمكن تلافيه عن طريق الإعلان الدستوري المقرر تعديله قبل إقرار إتفاق الصخيرات و منح الثقة للمجلس الرئاسي و حكومته، فيحتفظ هذا المجلس بالبت في عدد من الناصب القيادية كالمحكمة العليا و ديوان المحاسبة و القيادة العامة للقوات المسلحة و مثل ذلك الأمن أي كل ما يضمن التوزيع و الحيلولة دون التهميش خاصة و أن الأهلية متوفرة في عديد الليبيين و مناطقهم أيضاً. و حبذا لو يُصار إلى إعتماد ميثاق وطني يمكن إرفاقه بالدستور و ربما يسبقه، يُنَصْ بمقتضاه على الحيلولة دون التهميش لأي طرف من الأطراف الثلاثة التي تُكوِّن ليبيا تاريخياً و بموجبها قررت الأمم المتحدة إستقلالها، بحيث لا يكون مصطلح الوحدة مبرراً للإستئثار بأي وجه من أوجه النفع، فالقول بأن ليبيا واحدة لا يُمكن أن يُبرِّر لأقليم من أقاليمها لأن يحتكر المال و السلطة، إن جاز التفريق، أو أن يترتّب على الدور في فبراير حق الأسبقية في شغل المواقع، كما أن التمترُس في المواقف بقصد الإستئثار و التعويل على مبدأ الأمر الواقع و ترسيخ الإنقسام مع رفع شعار الوحدة فليس أكثر من المغالطة المكشوفة و إكراه الكثير من أبناء الوطن كي يذهبوا إلى الخيار الأسوأ. و كما أن بلادنا ذات مساحات شاسعة من حيث الأرض و مقومات النمو، إلا أنها من حيث التكوين السكاني - كما يحفظ المسح السكاني الذي أنجزه قبل قرن مضى الإيطالي فولبي في كتابه عن طرابلس و برقة - يحتوي على كل ما يؤكد قوة التواصل بين قبائل ليبيا شرقاً و غرباً و جنوباً و كذا إمتداداتها خارج الحدود و بالتالي فلن يصعب على أي مراقب أن يكتشف طبيعة الإختيارات المُتبعة على مختلف الصُعد، بمعنى أن ليبيا بقدر ما هي شاسعة إلا أنها واضحة و من اليسر، كل اليسر معرفة الخلفية التاريخية و مثلها الجهوية لأي إسناد أو تمكين و ما من طرف من الأطراف إلا و له من الإمتداد و العلاقات و أسباب القدرة ما يُؤهله للدفاع عن مصلحته، و الجهر بما يستشعره من الغبن، و ليس السكوت دوماً علامة الرضا، و ما من سر يمكن أن يُحفظ لأكثر من إثنين و سبعين ساعة كما حدّدت مراكز البحث الأمني منذ سبعينيات القرن الماضي، ما بالك في زمن الشبكة العنكبوتية و توفّر الهواتف النقالة في أيدي الأطفال، و قبل ذلك النساء و الرجال، و عندما نتذكر كل هذا مع الذكرى الخامسة و الستين لإستقلال ليبيا و يتخذ الكثيرون من الذكرى مناسبة لكيل المديح لذلك الماضي مع وجود هذه السلبيات فلا نملك إلا نذكّرهم بذلك و نقول كما قِيل الصراحة راحة.أنتهى



___________________________

موقع الكاتب والاديب : أمين مازن

  www.aminmazen.com © 2020- 2008

طرابلس - ليبيا

Tel 0913245901