كتاب يستحق القراءة


منصور رشيد الكيخيا

سيرته و مواقفه و قصة اغتياله

لشكري محمد السنكي

قراءة بقلم امين مازن

15-11-2018


أُتيح لي في الأسابيع الماضية، مستعيناً بصديق كما يقولون، أن أقرأ كتاب الأستاذ شكري السنكي، الذي خصَّ به المناضل الليبي الكبير منصور الكيخيا، طيب الله ثراه، ذلك المعارض الديمقراطي البارز الذي خُطِفَ من القاهرة في النصف الأول من تسعينيات القرن الماضي على خلفية دعوة وُجِّهَت إليه من طرف بعض مُمثلي نظام الفاتح من سبتمبر هيأت له قبولها ثقته في ممارسته السياسة المتسامحة و رؤيته التي طالما جاهرَ بها تجاه النظام المذكور، إذ طالما اعتبره وطنياً و مُبرّأً من العمالة و إن ارتكب ما يجعله قريباً من ذلك، فتوجه إلى حيث مكان الموعد و وجود الداعي أو الداعين، ليحلَّ ضيفاً مُكرّماً و مُحاوِراً يقول فيُسمَع، و يقترِح فيُلبَّى اقتراحه، و إذا به يُفاجأ بحمله عِنوةً من المكان الذي دُعِيِّى إليه، فلا تمض ساعات معدودة حتى يجد نفسه في أقرب المطارات الليبية، قِيل إنه مطار طبرق ليُحمَلَ من ثم إلى طرابلس، ليقضي ما كُتِبَ له قضاؤه من الزمن غائباً عن الأنظار و الأسماع دالّاً على أن الأفراد مهما عَلَت مراتبهم و سَمَت ممارساتهم، لا قيمة لغيابهم أمام المصالح الكبرى، و أن أقصى ما يمكن أن يقوم به الواقعون تحت سطوة الجلّاد، إزاء الضحية هو التعاطف، أي ما يُمثّل في الغالب أضعف الإيمان. فبعد أن تسرّبت الأنباء عن إيداعه المكان الذي سُجِنَ فيه معزولاً عن أيٍ كان، اللهم إلا الحرس الذين لم يكتموا ما حلَّ به من أحوال نفسية جرّاء فجيعة الخدعة و ما لحقها من التعذيب السَنَة تِلو السَنَة إلى أن قضى نحبه ليبقى بعد ذلك في واحدة من الثلاجات التي أُعِدَّت لأمثاله من الضحايا الذين  حالَ جُبن الطغيان عن إعلان وفاتهم و إقبار أجسادهم إلى أن حلَّ الأجل الذي سَمَحَ بالعثور عليهم و كشفِ حقيقتهم بواسطة الحمض النووي الذي أكد الوفاة كما فصّلَ المؤلف، على نحوٍ يدعو إلى أن الرجل ذهب ضحية ثقته في نفسه كمعارض وطني لم يحمل السلاح و قبل ذلك تعاونَ بالممكن، لولا أن الحد الأدنى من الأخلاق غير موجود، بل لقد كانت جريمة تغييبه واحدة من المستمسكات المُبَرِّرَة لإزاحة العهد بالشكل الذي أُزيحَ به، لتبقى جريمة قتله واحدة من الجرائم التي لا تسقط بالتقادم و تنتظر العقاب لكل من سبب فيها يوما.

و أعترف بادئ ذي بدء، و خلافاً لما حرص عليه السنكي من تجريد عمله الموسوعي هذا من صفة الأكاديمية التي طالما اعتبرها البعض منزلة يصعب الوصول إليها فإن ما أنجزه يمكن أن يُشكل مرجعاً لأكثر من دراسة، و مُحفزاً على كتابة أثر من سيرة، فقد جاء و الحق يُقال و عبر صفحاته التي بلغت الأربعمائة و خمسين صفحة، زادها التقديم الذي نهض به الأستاذ أحمد الماقِنِّي و مجموعة الصور التي وفّرتها العائلة،  درجة من الكمال، و الكثير من الأهمية، لما وثقته من التاريخ لحياة الشهيد و محطات عمله و مُجمل أنشطته بالداخل و الخارج، بدايةً من دراسته في عديد المراحل و وصولاً إلى مراحل عمله على أكثر من صعيد، بما ساهم به من الكلمات و قام به من التواصل، فضلاً عن عديد الرسائل الدالّة على دوره الجاد و تفكيره المسئول، و قدرته الفائقة على الحوار، مما يُشكل في مجمله ذخيرة لا غنى لأي باحث في شئون الوطن عن ضرورة الإطلاع عليها و الإستفادة من أسرارها، بصرف النظر عمّا قد يأخذه الباحث المُدقق و الناقد المنهجي حول التكرار و الأخطاء اللغوية..إلخ، ليس لأن هذه الأمور غير ذات  فائدة، و إنما لانني أحب لسطوري هذه أن تنحى منحى المشاركة في إحياء الذاكرة الوطنية، بما يحتلّه منصور الكيخيا من مكانة لافتة في ستينيات القرن الماضي عندما كانت مقاهي المدينة و بالتحديد "الجادة" بشارع الإستقلال تقترب من الندوة اليومية التي طالما تَحَلّقَ فيها تقدميوا ذلك الزمان  يحضرني منهم مع حفظ الألقاب محمد أيوب و مفتاح السيد الشريف و ناشد دريبيكة و محمد العارف البشتي و من اعتاد المرور كل مساء و الخوض في الكثير مما كان يجري و لا سيما قضايا العمل و العمَّال، و هموم النقابات و مظاهر التجاوز التي يُصرّ الموظفون على البوح بها لتلك القوى الناعمة فيكون الإحتجاج عليها ضاغطاً من الضواغط و دافعاً لإعادة النظر في الكثير مما حامت حوله شبهة من الشبهات، و كان من المفروض أن يزداد الإصغاء إليه و يُمَكّن من المشاركة كي يتطور النظام و يسلم من الهدم، لولا أن التسيّب بلغ حدّه كما فعلت الشيخوخة فعلتها في رأس النظام، فكان أن سُمِحَ للقوى الصاعدة أن تُنجز ما خططت له، و تختلف من ثم مواقف القوى الحية، بين رافضٍ دفع الثمن مُبكرا، و آخر اختار التعاون و محاولة الإصلاح، و هو الخيار الذي فضّله منصور ممن تعاونوا إلى بداية العقد الثاني 1980، ممن تأكد لديهم ألّا أمل بدون المعارضة المُعلَنة، وفق برامج محدودة و أولويات واضحة و حرص على استقلالية القرار، الأمر الذي لا سبيل لتحققه بدون الحذر من الإستعانة بالأجنبي سلاحاً أو مالاً أو كليهما. لقد أكدت جميع الوثائق التي حرص على جمعها كتاب السنكي، من مقابلات صحفية و أخرى إذاعية و مقالات نُشِرَت في عديد الدوريات، فضلاً عن المراسلات المتبادلة بين منصور و نظرائه الذين عجَّ بهم المهجر و حواهم أكثر من لقاء و تباينت وجهات نظرهم حول أكثر من شأن أن الرجل كان في ممارساته العملية و النظرية مثالاً للوطني الديمقراطي و السياسي المُحنّك و المعارض الطهور، و هو القومي الذي لا تصرفه قوميته عن أولوياته الوطنية و أن سعيه للإطاحة بالنظام الذي عارضه لم يدفعه يوماً إلى القبول بالتدخل الأجنبي، كما و لم يصرف النظر عن جملة من الأساسيات التي لا معدى من مراعاتها قبل الشروع في أي تحرّك عملي، و في مقدمة هذه الأساسيات توحيد فصائل المعارضة التي أُبتُلِيت منذ نشأتها الأولى بالتشرذم، و هو تشرذم و إن تفطّنَ العاملين عليه باختلاف الرؤى، إلا أنه في أحيانٍ كثيرة عبّرَ عن عجزٍ في الشروع من المُهم ريثما يتأتّى بلوغ الأهم، و من هنا رأيناه يعطي للثقل السكاني الذي من الأجدى أن تُختار منه الشخصية المُرشَّحة لقيادة حركة المعارضة و شروط تواصلها مع القوى الفاعلة و من بينها بالطبع أبناء المؤسسة العسكرية، باعتبار السلطة الفعلية في أيدي العسكريين و أن الإفتكاك سيكون صعباً إن لم نقل مستحيلاً ما لم يُنتبَه لهذه الناحية، خاصةً و إن العهد استطاع أن يكسب تأييد الكثير من أولئك الذين وصفهم بالبرجوازية الصغيرة، ذلك أنه و إن وُصِفَ بالقومي العربي و ربما بالبعثي، إلا أنه قبل ذلك و بعد ذلك أحد الذين تفتحوا على الفكر الأكثر شمولا، و الذي يصعب عليه الإستخفاف بما أحدثته سياسة الإنفاق  التي اتبعها النظام من متغيرات في حياة الكثير من الليبيين، أولئك الذين كثيراً ما شعروا أن العهد لهم، و منهم من رآى في الكثير ممن تصدروا المشهد في المهجر كونهم موسومين بسمة الجهوية، لقد أصرَّ كما أكد أكثر من طرف على الدفع بعبد المنعم الهوني لرئاسة فصائل المعارضة التي سبق التصريح بها، أما الأسباب الأعمق فليس خارجها فيما أُرَجِّح علاقة الرجل بمصر من البداية، كما أن قبول القذافي بمحاورته أي عبد المنعم، في الجزائر بعد أن تحدث عنه إلى مجلة المجلة و جريدة الوسط بكل ما لا يمكن التسامح فيه لا يعني سوى حقيقة واحدة هي أن منصور يُدرك أن من الأسرار ما يتجاوز الجزائر و مصر و لو فضّلَ أن يصمت حولها، لأسباب تتعلق بحرصه على تحقيق أي مكسب سياسي لصالح المعارضة كجسم شرعي مُعترَف به، ذلك أن ألف باء السياسة تقتضي دفع الخصم كي يعترف بمن قد لا يراه دون المستوى، و السياسة على كل حال هي فن الممكن، و الممكن لا يتحقق دون إدراك بدايته، و من هنا و حسبما تناهى إلى أسماعنا عن رأي الرجل بشأن التفاوض، كان دوماً من الدافعين للأخذ بهذا النهج لإحساسه بمعاناة الناس و حرصه على تحقيق أي خطوة تُخفف عنهم، خاصةً و أنه قد أفلح في صون نفسه عن أي مطلب شخصي له أو للأقربين من أهله، و هو قبل ذلك على دراية بأن معارضة السلطة ليست الخيار الأفضل، إذ كثيراً ما يكون التعاطي أكثر جدوى بدل المقاطعة، فليس صحيحاً أن السلطان، من لا يعرفه السلطان، بل أن السلطان هو من يعرفه السلطان، و يعرف ماذا يقول في حضرة السلطان، بدليل أن عمر منصور الكيخيا الذي ترأس أول مجلس للشيوخ بليبيا، صادَقَ، بعد مجلس النواب، على المعاهدة البريطانية تقديراً منه لدور هذه الدولة في تحقيق الإستقلال، و الذي كثيراً ما فاوض على ما دونه الحكومة الإيطالية..؛ عمر الكيخيا هذا لم يتردد في إعلان موقفه الرافض للإتفاقية الأمريكية عندما عرضتها حكومة بن حليم و المدعومة من ناظر الخاصة الملكية المرحوم إبراهيم الشلحي الذي لقي حتفه برصاصات الشريف محي الدين فكان أن أذاعت إذاعة بنغازي المحلية الأمر الملكي المُتضمن إعفاء السيد عمر الكيخيا من رئاسة مجلس الشيوخ، و قد أُشيع حينها أنه لم يسارع بعزاء الملك في ناظر خاصته بل و تفوّهَ بالإساءة لذلك القتيل، و لا يقل عن هذا الموقف الحازم للكيخيا الأب، الموقف الذي اتخذه الكيخيا الإبن، و هو الدكتور فتحي وزير العدل في دولة الإستقلال و نائب الرئيس، الذي كان في مقدمة الداعمين لرئيس المجلس التشريعي لولاية طرابلس الأستاذ علي الديب عندما طعَنَ في دستورية المرسوم الملكي القاضي بحل المجلس، ذلك الموقف المتساوق مع أول حكومة أصرّت على وجوب الإشراف على الولايات، و هو ما رفضه القصر و بالذات رئيس الديوان و ناظر الخاصة، لِما في هذه الصيغة من بقاء الحكومة مجرد واجهة ليس غير، و ما من شك في أن مثل هذه الخلفية أكثر من غيرها ما حدا بالملك إلى الرفض المزعوم لتسمية منصور وزيراً مرتين كما جاء في الكتاب، و يأتي وصف الرفض المزعوم لأن الرواية لم تُعَيِّن التشكيل الوزاري الذي أُقتُرِحَ فيه منصور وزيراً و رفضه الملك،إذ لو كانت المعلومة دقيقة لذُكِرَ رئيس الوزارة الذي اقتَرَحَ منصور وزيراً و اعترض عليه الملك، كما حدث مع السيدين علي الساحلي و سيف النصر عبد الجليل، عندما تخلّفا عن مراسم حلف اليمين في حكومة البدري، فكان الإستبدال في ذلك المساء و عدم تسميتهما بعد ذلك في أي منصب مماثل، و الحديث في هذه المسألة يطول إلا أن الإستشهاد أو قاعدة الشيء بالشيء يُذكَر يمكن أن تكون قد بررت مثل هذه الإستطرادة، خاصةً و أن المؤلف قدَّمَ الكثير من المعلومات المتعلقة بآل الكيخيا من حيث الجدور العرقية و الهوية الليبية و المناصب التي شغلوها في أكثر من عهد إلى جانب مصاهراتهم مما رآه على ما يبدو قد أثّرَ بشخصية منصور كأنسان، و إذا كانت محتويات الكتاب مثيرة من حيث علاقتها باللأحداث و الشخصيات طوال هذه الحقب التي توالت على وجودنا معشر مجايلي المرحوم منصور كأحد أبرز شهداء و مناضلي بلادنا الذين أثبتوا حضوراً و أهليةً على أكثر من صعيد و وسط بدءًا بالوطني و وصولاً إلى الدولي، فإن قراءة محتوياته اليوم بما تثيره في الذاكرة من التمحيص و في الوجدان من الإنتعاش، فقد تَيسّرَ لي أن أشهد تحرّك عديد الأصدقاء الذين بدأوا بالتحضير لما لبث أن أُعلِنَ مُتمثلاً في أول مطبوعة حملت عنوان "صوت ليبيا" لتصدر في أكثر من مكان و بالحد الأدنى من الإمكانيات كما فصّلَ الدكتور محمد عبد المطلب التيتيوي في كتابه عن سيف الإسلام القذافي، إذ تصادف يومئذ أن مررت بمدينة روما فالتقيت المرحوم فاضل المسعودي "أول و آخر لقاء"، و قد كان المنسّق يومها للقائنا، الصديق المشترك محمد زيان، أحد أقدم الناشطين في هذا الميدان و الذي أمّن لي أقوى الجسور نحو تلك العوالم و لا سيما بما أفلح في إرساله مما طُبِعَ مبكراً للمجموعات و الأفراد و من ثم إطّلاعي على الكثير مما كان يجري من أنشطة مبكرة، و حساسيات حَدَّت من جدية الحراك في أحيانٍ كثيرة و أخذت الكثير من جهود المخلصين دون أن أنسى لقاء بالغ الأهمية ضَمّني مرتين بالمرحوم محمد هويسة، أبرز الذين عرفتهم بالسجن المركزي في اعتقالات 1973، أحد هذه القاءات في فندق أفرقيا بتونس، و ثانيه في فندق "الدوني" بمدينة روما، و كان هذا الأخير أطول وقتا، ففي هذا اللقاء عرفت ما أخذ يتسلل إلى أهم فصائل المعارضة من الحساسية و استشعار الجهوية المقيتة جرّاء تأثير بعض الساسة التقليديين الذين أدخلوا هذه الروح المُدمِرة في حركة تحتاج أول ما تحتاج للوحدة في التوجه و القيادة و الممارسة، و الحذر من كل ما يشي بشبهة التمويل الخارجي، بتجنّب أي مظهر من مظاهر البذخ. لقد أفلح المؤلف في تقديم صورة بانورامية كفيلة بأن تنتشل المرء من أعتى أغلال القنوط الذي تراكم في أيامنا هذه على نحوٍ غير مسبوق مُنذراً بأوخم العواقب، جرّاء إصرار قوم على نهب كل شيء في البلاد و بيع كل شيء و لو كان ثابتاً يصعب اقتلاعه، نعم، إن كتاب السنكي فضلاً عمّا يشي به من جميل المشاعر و صادق الإنصاف لهذا الرمز الوطني، و ما يلوح منه أن المؤلف ينتمي إلى النوع الذي لا يتردد في الإعتراف بخطأ تقديره حين يتضح له، و أنه بذل لإنجاز عمله هذا الكثير من الجهد، و الكثير من المراجعة، و كم سُعدت عندما وجدت أن من ضمن الذين استعان بهم، الأستاذ مفتاح السيد الشريف، لِما أعرفه و يعرفه كل من مجايلينا من قدرة مفتاح على التفريق بين الشخصي و العام، خاصة و أنه من القِلّة  التي انخرطت في العمل الوطني مزاوجاً له بالثقافي، لتكون معالجاته للتاريخ ذات نكهة خاصة، و كم يكون جميلاً لو يستغل الأستاذ السنكي هذه العلاقة ليواصل إسهاماته المكتوبة عن الحركة الوطنية المهاجرة، عسى أن يكون في ذلك ما يُصحح الصورة لأعداد من الناس ليس لهم سوى بخس الناس أشياءهم و لو كان ذلك في جحود ما بذله أمثال منصور الكيخيا قبل جلبه و تغييبه و قد يستكثرون صدور كتاب عنه، و شكراً لمن كتبَ، و مثله من نشر، و هما بالتحديد: دار الروَّاد و مجموعة الوسط الإعلامية. انتهى

___________________________


كتاب يستحق القراءة

بين الأمل و الألم

مذكرات السجين السياسي الليبي عمر المختار الوافي

أمين مازن

21-10-2018

استهلّت مجموعة الوسط الإعلامية سلسلة كتابها الذي يُشرف عليه الأستاذ أحمد الفيتوري، بكتاب الأمل و الألم، للأستاذ عمر المختار الوافي، أحد المناضلين الذين عرفهم تاريخنا الثقافي السياسي في ستينيات القرن الماضي و حواهم من ثم سجن الكويفية ببنغازي و الحصان الأبيض و الهضبة بطرابلس في سبعينيات ذلك القرن ليقضوا مُدَداً تفاوتت بين العقد و الثلاثة، و بعد أحكام كثيراً ما خضعت للزيادة و في أحيانٍ كثيرة اعتُبِرت كأن لم تكن ليستمر السجن و كذا سوء العاملة، و قد كان نصيب الوافي خمسة عشرة سنة كاملة، شكّلت إلى جانب ما سبقها من التكوين مادة هذا الكتاب  الذي يعتبر ،دون أي مجاملة، إسهاماً جاداً في إثراء تاريخ نضالنا الوطني الذي يمثّل عمر المختار الوافي عيّنة من عيناته الجيدة التي لم تستسلم لليأسِ يوماً، و لم تبخل كذلك بالإدلاء بما شهِدت، فلم تُبخس شيئاً لأحد بدافع غياب العلاقة و لم تُضخّم آخر بعامل الصداقة، و إنما هي النظرة الواعية الهادئة التي بدأت من ربوع الجبل الأخضر و والد راهن من البداية على غرس فضيلة العلم، فكان هذا الإنسان الذي لم ينكر تأثير المحيط الذي بدأ بالمدرسة و معلّمين ذكرَ أسماءهم جمعوا بين الأقارب و الأشقاء، و أخرين حفلت بهم معظم المستويات و ضغوط فرضت اللجوء إلى العمل أحياناً و الإصرار على المواصلة أحياناً أخرى لتكون التجربة متمثّلة في شاب يتأهل جامعياً مختصاً في التاريخ و ناشطاً سياسياً يبدأ قومياً و يتطور وطنياً و إنسانيا، ليخوض في النهاية هذه التجربة المثيرة و يخرج منها بهذا النص المكتوب و الجدير بأصدق الثناء و موفور التقدير لما اتصف به من علو الهمّة و صدق التواضع و جميل الإعتراف، بدايةً من مرحلة القوميين العرب و رموزها الليبيين، و مروراً بما طرأ عليها من اختلاف الرؤى و تعدد المواقف، و وصولاً إلى تكوّن هذا الفصيل الذي زَينَ له تيار الوعي الرافع من شأن الأمل و البلاد تتعرض لذلك المتغير الذي حلَّ بها في خريف 69 من القرن الماضي، فرآى ما يمكن أن يسمح بالمساهمة المسئولة و التعاون المُثمر، لولا أن العهد كان مراهناً على الموقف الآخر المتوجس في كل طرف و الخائف من أي جهد، لتتوالى عقود البطش و المناورة تلك التي إن لانَت يوماً فإنها ما تلبث أن تذهب إلى الموقف النقيض الذي جمع بين السجن و القتل.

قاربت صفحات الكتاب أربعمائة صفحة، بمقدمة كتبها الأستاذ عوض محمد الصالح رفيق الوافي منذ النشأة، و أخرى للدكتور محمد المُفتي، أبرز الذين شاركوه محنة السجن و مراحل الوعي و شيء من الإختيار، و قد جاءت هذه المقدمة على قدر كبير من التكثيف و الحرص الملحوظ على تقديم أوفى درجات الإحاطة عن المرحلة و ظروفها و مقومات أبرز الفاعلين فيها، و أحسبُ أنها أفصحت عن إضاءة بالغة الدلالة  و بالذات في ما يتعلّق بحجم المناورة و بالأحرى الخداع و الذي لم سلم منه عديد العاملين في الأجهزة الأمنية الذين لم يكونوا -كما يُرجِّح الكثير من شهود المرحلة- أن تصل القسوة  إلى ما وصلت إليه، فكان تحليل المُفتي بالغ الدلالة لما توفر له من القُرب في الفترة الأولى، خلافاً لما انتبه إليه أمثال أحمد بورحيل و أخرين من لم يغفل عنهم عمر المختار عندما التقاهم بالسجن، أولئك الذين لم يخفوا انزعاجهم و لم يتأخروا عن القيام بالمتاح لهم من التعبير عن معارضتهم فحملوا شرف البداية على الرغم من أن الكثير من مجايليهم لم يوفوهم حقوقهم و لم يحفظوا لهم ما كان يجب أن يُحفَظ لهم ،أمس و اليوم، إنه الجيل الذي حال دون إسهامه الآباء المؤسسون بما كانوا عليه من التردد و المحدودية و الإعتماد المُبالغ فيه على الوجود الأجنبي، إلى جانب ما اتصف به البعض من التطرّف و قوة الرفض و التقليل من أهمية كل ما هو وطني، الأمر الذي هيأ للمغامرين و من راهن على جدواهم في المعسكر الدولي أن يجهزوا على النظام فيهدمونه من دون أي مقدرة على خلق البديل الملائم، ليستمر مسلس التخريب طوال هذه العقود الأربع التي ما كان لها أن تستمر لولا ظروف المنطقة و قوة التأثير في الكثير مما مرَّ بها من الأحداث، على حساب الداخل بالطبع. لقد أعاد الأستاذ الوافي للذاكرة التاريخية بما أشار إليه من الأحداث و الشخصيات الكثير من هموم تلك المرحلة و بواسطة أمثال دغمان و بورحيل و القوى التقدمية في حركة القوميين العرب و الأصدقاء البعثيين و عدد من الإسلاميين المستنيرين ما كان يشغلهم من مصير البلد و ما كان يُخيفهم من تسلل مخابرات الدول الشقيقة إلى أوساط الطلّاب و بعض من كانوا يُوصَفونَ بالمعارضة من تسهيل الطريق أمام المغامرين المُنتَظرين و الذين ما لبثوا أن تمكنوا من الإجهاز على الكيان فصارَ لزاماً على كل ذي بصيرة أن يستشعر حجم تلك الكارثة التي حلَّت بالبلاد بما أنهت من فرص التطور الطبيعي و الدخول في دُنيا الشعارات و تحقيق كل ما يرمي إليه الإستعمار بدعوى معاداته مما لا يتسع المجال الآن للتذكير به، و مازلت أذكر المرحوم عبد المولى دغمان الذي كان شديد الإنزعاج من أحداث الطلبة  في العام 64 لما كانت تؤذن به من تسهيل الطريق للقوى المُتربّصة بالنظام لتُسقِطه  و مجيء بديل لا مناص من أن يكون أكثر شراسة حتى أنه حذّرَ مدير الإذاعة من الأناشيد المتحدثة عن بطولة الجيش الليبي إدراكاً منه أن العسكريتارية أشد هولاً من الحكم الموصوف بالرجعية..!! أو هو ما لم ينتبه إليه عديد الوطنيين الذين ما لبثوا أن دفعوا الثمن  تماماً كما استعدت صورة المرحوم موسى أحمد الذي كنت جاراً لأسرته و هو بالسجن ليكون أقرب الناس لي إثر عودته،  و هو يؤكد الكثير مما سرده عمر المختار و قد كانت آخر معلومة خصّني بها رحمه الله كونه مُتفقاً مع الملازم معمر القذافي على اجتماع مع مجموعة خليل جعفر يوم الإربعاء 3 سبتمبر 69 لتوحيد التنظيمين إلا أن القذافي و برفقته الخروبي قرّرا تقديم الموعد و حدّدا ساعة الصفر بالحادي من سبتمبر أي قبل الموعد. كما أن موسى في وقتٍ لاحق اعتذر عن التوجه لمقابلة عبد الناصر من خلف القذافي، لقد كان الرجل صادق النية حسن الظن كبير الإستقامة، و قد دفع ثمن ذلك كله فرحل في ظروفٍ غامضة، و قد كان عمر الوافي بين رجال الحاسة الذين شاركوا في الوفد الشعبي الذي  قدم عقب رحيله لتقديم العزاء ثم المراجعة، و لا أدري هل حصل أي تحرّك بعد الرحيل أو أن المطلوب اعتباره كأن لم يكن فلم يستطع أيٍ كان تحريك أي ساكن بشأنه، و الأمر هنا يتعلّق بذوي الحق في الدم، و كذلك الذين اضطلعوا بحمل المسئولية عقب فبراير 2011 إذ تحدث المستشار مصطفى عبد الجليل أن جانباً لبنانياً طلب صرف النظر عن قضية الإمام الصدر، فَفُهِمَ يومها أن مشكلة الصدر تتعلّق بسياسات أكبر من ليبيا و نظامها و إن كان المُنَفّذ من ليبيا، سرّني كثيراً أن صحح الرّاوي ما كان له من تصور عن العقيد عبد العزيز الشلحي، و إن كنت قد استغربت ألا يكون مقتل إدريس العيساوي من بين ما أُثير في تلك الحوارات السجنية ما لم يكن قد اكتفى بالحديث عمّا هو أكبر و أهم، خاصةً ونحن أمام تجربة تهم كاتبها مباشرةً و ليس ضرورياً أن تمتد لمن سواها من التجارب و الذكريات.

لقد كان الأستاذ الوافي مثالاً للمناضل المُتنزّه عن ردود الأفعال و تصفية الحسابات و القادر على تجاوز الذات لحساب المجموع حتى أنه و هو يسرد تجربته و تجربة رفاقه في ذلك العالم الصعب المليء بكل ما هو محزن و لا إنساني، استطاع أن يشُدّنا كمتلقّين و ملأنا تعاطفاً مع تلك العوالم، و حسبُ السرد الجيد أن يشُدَّ مُتلقِّيه، و يبقى بعد ذلك كله أن أتمنى على صاحب هذا القلم بما هو مُختص في التاريخ و على هذا القدر من التمكّن في الأسلوب و الإعتدال في النظرة أن يواصل تعامله مع الكلمة، إسهاماً في مدوتنا المعرفية التي لا تحتاج لشيء مثل حاجتها لمثل هذه المساهمة الجادة القادرة على إثارة كل ما هو جميل و دافع للمستقبل الذي لا بُدَّ أن يكون أفضل من الحاضر، على قاعدة "إن أجمل الأيام لم نعشها بعد".انتهى


____________________________

مع أحمد نصر في ثالث مراحله

أمين مازن

اختار الباحث الأكاديمي الدكتور حسن الاشلم، سيرة الروائي و الكاتب الليبي المعروف الأستاذ أحمد نصر "المراحل" بين خمسة سِيَّر لخمسة من كتَّاب ليبيا، كي تكون موضوع رسالته التي نال بها شهادة الدكتوراه بدأها بالراحل عبد الله القويري و أنهاها بأحمد نصر إلى جانب كامل المقهور،أمين مازن،علي خشيم، و التي طبَّق عليها مجتمعة جملة من المعايير التي إتفق فيها، بدون ريب، مع الأستاذ المشرف، إمتثالاً لما تفرضه شروط البحث الأكاديمي فصار لزاماً على من تتسنَّى له قراءة السيرة أو ما كُتِبَ حولها، أن يدلي بما لديه مما يراه محفزاً على الحوار و إثراء البحث و التجرّد من جريرة قتل الإثراء الأدبي بالصمت، كما يُقال، و لا سيما هذا العمل الذي جاء ورقياً في ثلاثة أجزاء من الحجم الكبير، و زمنياً أكثر من ثلاثة عقود، و مكانياً عديد المدن و الدول، و إذا كان الجزء الأول و الثاني قد جاءا حافلين بالكثير مما يُمتع فإن الجزء الثالث جاء مثيراً و موجباً للتناول جرّاء تزامنه مع مرحلة النضج التي تحققت للكاتب من جهة و لجملة المتغيرات التي طالت الواقع و اتسعت لعديد الأعلام من جهة أخرى، منهم من لقيه ملء السمع و البصر عشية حلوله بمصر لإتمام دراسته التي كان مقرراً لها أن تكون بالأزهر أو دار العلوم، ففضّل أن تكون الأخيرة مضحياً بالمنحة التي كانت تُدفع من الأزهر الشريف، لما لدى دار العلوم من اقتراب من العصرية التي تمثلها الجامعة، فتجعل دارسيها يستشعرون شيئاً من الإمتياز على الأزهر، فيما يُصرّ هؤلاء على التصدي لمثل هذا الشعور، حتى أن أحب أبيات الشعر العربي إليهم ذلك التصحيف الذي أُدخِلَ على البيت القائل "فغض الطرف إنك من نُمير*** فلا كعبا بلغت ولا كلابا" فتراهم يرددونها بمناسبة و بلا مناسبة "فغض الطرف إنك درعمىٌّ*** فلا طِبّاً بلغت ولا آدابا"، إنه الجيل الذي بدأ لدى جيل الآباء بالأستاذ محمد فشيكة و محمود البشتي من الذين حلّوا بالثلاثينيات و أواخرها تحديداً في القرن الماضي، فلا يلفت نظره سوى جلال كِشك المعروف باندفاعاته العجيبة و التي عبّر عنها في كتاباته الغزيرة بمجلة الحوادث التي طالما صبّت جام غضبها على كل ما هو معادي للغرب، و الذي لم يتردد في تحبير مقال على صفحات الحوادث قال فيه بصريح العبارة إن الكتَّاب الليبيين أكثر طبقات الشعب عداءً للوحدة العربية..!، و إن السعودية التي كان كِشك يومئذ قوي التواصل معها عرضت على عبد الناصر التوجه غرباً صوب ليبيا، إلا أن الدوائر الأمريكية حذّرت عبد الناصر من الإقتراب من منابع النفط فتأكد لكل مراقب إن ما اعتقده البعض عن احتمال أي وحدة أو اتحاد مع نظام الفاتح مستحيل بامتياز بل إن الحديث ليس أكثر من مؤامرة، خاصة و أن الأقدار قد عجّلت برحيل عبد الناصر بعد أن خلع على القذافي صفة أمين القومية العربية و الثورة العربية و الوحدة العربية في أضخم احتفال شهدته ليبيا قبل وفاته رحمه الله بأسابيع.

و مع أن الراوي لم يُخف انبهاره بما وقف عليه من كبير التقدير الذي أجمع عليه الكثير ممن التقاهم في ذلك الوسط للمثقف المعروف على بو زقيِّة الذي كان له حضوره المشهود في ذلك الواقع الذي حلَّ به في وقت سابق لمواصلة الدراسة الأزهرية باعتباره أحد الذين درسوا بالزرّوق ثم المعهد الأسمري حيث يتم قبول كل من يحمل معه التعريف المطلوب، إلا أنه على ما يبدو و لكونه أحد الذين درسوا بالمدارس النظامية زمن إيطاليا تسنّى له هو الآخر أن يلج باب دار العلوم على نحو ما حدث لبعض معاصريه من أمثال الأستاذ محمد الباوندي و الأستاذ محمد مهلهل و  الدكتور عمر التومي الشيباني و غيرهم من الذين جمعوا إلى النبوغ الدراسي النشاط الطلابي، حتى أن بوزقيِّة ما لبث أن ترأس نادي ليبيا في القاهرة و يكون بين الذين تطوعوا لمقاومة العدوان الثلاثي في العام 1956، و روى الكثير من المفارقات المتعلقة بسيرة بوزقيِّة كواحد من طلبة الزرّوق و زليتن لا يرتدي غير الجرد الذي لا ينزل طرفه عن الرأس، إلى شاب عصري حاسر الرأس مرتدياً كامل البدلة مع ربطة عنقها، و لم يقصّر معه و هو يستقبله في وزارة التربية و التعليم بل أنهى له كل طلباته، إلا أنه ما لبث أن استجاب لبعض الشكوك لمجرد أن تقوّلَ أحدهم حوله قولاً ما، و إن أحجم الراوي عن التصريح بالأسم أو نوعية العيوب التي نُسِبَت فإن السياق يشير إلى أن ثقة السيد نصر قد اهتزت، على الرغم من أن الرجل قد غاب عن نصر منذ ذلك التاريخ و لا يعلم عنه شيئاً، و كان المفروض أن يترتب على هذا الفقد معاودة الكتابة أو الإستغناء عن هذه الإشارة المربكة، و على كلٍ فإن المذكور الذي صنفته بعض الأجهزة و المنافسات غير الشريفة باليساري المتطرف على الرغم من إجماع الكل على استقامته الدينية و الدنيوية، حتى أن السيد أحمد عون سوف استدعاه إلى مكتبه بالمجلس التنفيذي و أعاده إلى حقل التعليم بدل العمل القسري بالمواصلات و ظل يؤدي واجبه على النحو الذي شهده أحمد نصر، فإنه بعد الفاتح من سبتمبر كان أول من رفع شعار لا حزبية بعد الفاتح، و حين طُلِب إليه ترشيح من ينبغي الإستعانة بهم، تنزّه عن أي ممارسة إقصائية، و لم يتردد في ترشيح زميله الدرعمي الأستاذ مهلهل لوزارة التعليم لولا أن العسكر يريدون المناصب لأنفسهم فغدوا لا يتورعون في وسم أي مُرشح بسمة من السمات المانعة و على  رأسها الحزبية التي بقدر ما يصعب إثباتها يتعذّر التخلّص من شبهتها و بالذات عند تبرير الإقصاء، و قد دُعيَّ المذكور من طرف الضابط خليفة حنيش في مطلع العام 80 ضمن عدد من الأسماء الذين كثيراً ما حرص على مقابلتهم على أكثر من صعيد، مرة ضمن مشكلات القبائل و المشاجرات التي لا تخلو من اختلاق لتجرى بعدها المصالحات فيُطلَب إلى المدوعين أن يساهموا في التسوية أو يتقدموا بالمطالب، و قد يتم الخلط بين الدافع الإجتماعي المُعلَن و الآخر السياسي المؤجَل، فنوقش من طرف المذكور حول ماضيه السياسي زمن الدراسة و الإشتباه الذي ظل قائماً، و كان الحوار حول الإجراءات الإقتصادية المقرر تطبيقها و لا سيما فيما يتعلق بالنشاط الفردي و كانت آراء بوزقِّية في اتجاه التريّث و عدم قطع أرزاق الناس و ضرورة أن يجد الجميع مجالهم للعمل، و هو ما لم يكن مُنتظراً منه، أي بوزقيِّة، كعنصر محسوب على اليسار و يُتوقع أن يكون متحمساً لأي مصادرة مُنتظرة، و قد طُلِبَ منه في النهاية أن يُسهِم بتقديم المشورة حول كل ما يترأى له، و كان ردّه كما أكد لي في آخر لقاء بيننا قبل مغادرته للبلاد في نهاية ذلك الأسبوع إنه مستعد أن يعطي رأيه بصدق و لكنه غير مسئول بشأن قبوله من عدمه، و قد غادر الرجل بعد ذلك اللقاء البلاد بأقل من اسبوع أي في اليوم الذي قُتِل فيه عامر الدغيّس، و قد مكّنه من السفر المرحوم محمد الغزالي الذي خشي عليه من التصفية الجسدية على الرغم من أن ردود علي كانت هادئة و خففت مما كان مُبيّتاً له، و قد اختار لوجهته الجزائر حيث أقام في قسنطينة و ظل بعيداً عن أي مجموعة من المجموعات الليبية الرافعة لشعار المعارضة تحسّباً منه لما يتعرض له مثل هذا النشاط من الإختراق الذي تقوم به الدولة المستظيفة، رهاناً على أن الجزائر قد تكون أهون مما عداها لما هي عليه من العلاقة الحسنة مع النظام الليبي و لما يُعرَف عن السلطة الجزائرية من احترام لنفسها فلا تخلط بين منح الإقامة لمن يأوي إليها و توظف ذلك للضغط على الملتجئ إليها، و بالفعل، بقيَّ الرجل في مأواه هذا ردحاً من الزمن إلى أن وجد الإقامة الأنسب ليدبر في وقتٍ لاحق التوجه إلى الولايات المتحدة الأمريكية حيث ولداه حسام و سلام إلى أن أدركته المنية في التسعينيات متأثراً بسرطان البروستاتا. و إذا استثنينا مشاركته في التجمع الذي خرج لإستقبال الوفد العراقي الذي حل بطرابلس عقب الثورة العراقية التي قادها قاسم و عارف سنة 58 و اختلافهما بعد ذلك عقب الوحدة المصرية السورية و انحيازه للقوى التي أظهرت تأييدها لقاسم و رفاقه، فليس في مسيرة الرجل مبرراً لما نُعِتَ به ظلماً و عدوانا، فقد كان انفتاحه على الفكر السياسي عبر زمالة الدارسين السودانيين الذين أقام معهم زمن الدراسة ممن وجد فيهم ما يتفق مع فهمه للتطور الذي لا يخلط بين التفكير الثوري إن صح التعبير، حيث الحد من الإحتكار و مقاومة الإستغلال و الكسب غير المشروع و الإستخفاف بما درج عليه الناس من التحفظ في التصرف و الإستقامة في الممارسة و الإلتزام في أداء الفرائض دونما تظاهر أو ادعاء، فكان بإجماع كل عارفيه مثالاً للبعد عن كل شبهة من الشبهات، و قد تحمل مسئولية إدارة نادي الطلبة في مصر عشية تعرضه لمحاربة الحكومة الإتحادية "حكومة مصطفى بن حليم تحديداً" فقرر رئيس المجلس التنفيذي لولاية فزان سيف النصر عبد الجليل بمساعي الطالب محمد الطشاني يومئذ تدبير مساعدة للنادي بشرط أن تبقى سرية، فَحُلَّت مشاكل عديد الطلبة مما جعل البعض ،و في معرض المنافسة غير الشريفة على تسيير النادي، يظن أن الدعم أجنبي و بالتحديد روسي، فكان لا مفر من التصريح بالمصدر و من ثم قُطِعت المساعدة عن ذلك النادي و أدركتُ سر ما كان يشاع ظلماً و عدواناً في مرحلة من المراحل، و في آخر الخمسينيات من القرن الماضي عند اشتداد المعركة بين القيادات النقابية الداعية إلى مقاومة النفوذ الأجنبي و الأخرى المهادنة له، و الذي استوعبه في النهاية الإنفاق المالي  الضخم الذي لم يترك مجالاً للمنافسة باعتباره يفوق إمكانات الأسماء البارزة عموماً، و التي وجدت كل ما تتوق إليه من فُرص النشاط الخاص، و لا سيما في السنوات الأولى من عهد الفاتح من سبتمبر و رفع أسعار النفط و وجود إنفاق حكومي يفوق قدرات الجميع و ما عَتَمت آثاره أن ظهرت في فترة السبعينيات و التي لم يوقفها سوى التصرّف القسري المتمثل في إلغاء النشاط الفردي من دون أي سبب مشروع داخلي سوى الرغبة في التسلّط.

تناول الراوي ظروف عمله عقب العودة من دراسته في مصر و محاولته الرامية للعمل خارج إطار التعليم وسط تحسس من مدير عام الإذاعة مصطفى بن شعبان الذي سبقت له معرفته و هو ملحق ثقافي بالقاهرة و معاصرته لنشاط الطلبة الليبيين في مصر ظاناً أن إعادة بن شعبان كانت لموقفه من الطلبة و الواقع إن الإعادة جاءت لإستنفاذ فترات التمديد له و مثله الملحق الصحفي مبروك الجيباني، أما عدم التجاوب الذي أظهره فمَردُّه إلى الشعور بأن الأستاذ بعيو لن يسهل المهمة، و هو ما أورده الراوي في معرض الإشادة بتنزّه بعيو عن الوساطة  و هو ما يلاحَظ مع عدم تناسقه مع ذكره عَلَم آخر له مكانته لدى أحمد نصر هو الدكتور علي خشيم الذي وصف عدم تسهيل مهمة خشيم من طرف بعيو كونه لا يحمل دكتوراه !! و هو نفس ما ذكره حول إصرار عبد المولى دغمان على أن تكون دراسة خشيم للدكتوراه في بريطانيا ! و الواقع أن نظرة الأستاذ نصر للأحداث على الرغم مما توفره له لغته السليمة و جملته المُنتقاه و سياقها الرافض للكثير مما يظهر في سير الأمور من الأخطاء، إلا أنها كثيراً ما تبدو مثالية مثل ما حصل معه و هو يُكلَّف بمراسلة مجلة ليبيا الحديثة و بمكافأة قصد بها الساعي له أن يساعد أحواله و يتغلب على تحقيق ما صار ضرورياً و هو الشاب المقبل على الحياة، فإذا به يخوض في موضوع توزيع الكهرباء في البلاد و يكتب عنها لمجلة أُنشِئت أساساً للحديث عن ليبيا الحديثة و اختير هو مراسلاً لها من طرف محافظة مصراتة و من محافظ اعتبر اختياره خطوة غير مسبوقة و مؤشراً عن نوعية المسئولين المراد تعيينهم و من حكومة يرأسها مثقف لم يتجاوز الثلاثينيات من العمر و من وزرائه الأستاذ بعيو الذي لم يبخل عنه الأستاذ نصر بكل عبارات التبجيل، و يدور بخلد الراوي أن تكون مراسلته للمجلة متضمنة لما يلاحظه من السلبيات، فمثل هذا التوجه يمكن أن يُنفَّذ في صحيفة خاصة و ليس مجلة تصدرها وزارة من وزارات الحكومة، و من جهة أخرى احترت كثيراً في موضوع التطابق التاريخي بين مجلة ليبيا الحديثة التي ترأس تحريرها صالحين نتفة و جريدة البلاغ التي أصدرها المرحوم علي وريِّث، ذلك أن البلاغ في عهدها الأول في العام 63 كانت سابقة لليبيا الحديثة و رئيسها الأول رجب لملوم أو الثاني صالحين نتفة، أما في إصدارها الثاني في أواخر 69 و ما بعدها، فإن ليبيا الحديثة أصبحت في ذمة التاريخ و سبحان الذي لا ينسى. و ما دمنا بصدد الحديث عن علي وريِّث و الذي عاد من دراسته في حدود 58، 59 فإن دوره في نادي ليبيا بالقاهرة، كان قبل الأستاذ نصر، خاصة و أنه لم يتعرض إلى مطبوعات النادي و ما كانت تنشر أما ثالثة الأثافي فهي في مسألة مؤتمر الأدباء الليبيين و ما حمله السرد من إشادة بالأستاذ علي، لأن المؤتمر المُشار إليه لم يتضمّن حواراً يُذكَر اللهم إلا في جلسة التوصيات و التأمت لها لجنة خاصة و احتدم فيها النقاش بين الغزواني و دغمان تحديداً و كان هذا الأخير متطرفاً في موقفه حتى النهاية في موضوع الإنفتاح على أوروبا، و معلوم أن المؤتمر من أفكار الأستاذ عبد الحميد البكوش الذي اختار للجنة العليا للآداب و الفنون، الأستاذ الشويرف رئيساً، إذ أمّنَ مكاناً أرحب للأستاذ عبد اللطيف الشويرف و كان الأمل أن تنحصر مهمة الإعلام في التسهيل و لكن حدث أن قُبِلَت استقالة البكوش و أُنيطت الرئاسة بالسيد ونيس القذافي المختلف في إسلوبه عن البكوش، و ثمة من خمَّن أن تلك الخطوة تعني قفل باب الإصلاح لسكونية السيد ونيس القذافي و استعداده لإعادة النظر في أي إجراء يثير غضب أي طرف من الأطراف إذا ما فتئت بعض الأقلام أن جاهرت بمعارضتها لقانون الضرائب الذي نص على النِسَب التصاعدية بشأن الدخل الذي شهد الكثير من التحسّن بالنسبة للأفراد و الجماعات و غدا ضرورياً أن يشارك ميسورو الحال في موارد الدولة لما في ذلك من تخفيف مشاعر الحقد الذي أدت إليه فوارق الدخل، و هو ما لم يرق للجيل القديم الذي لم يدرك استحقاقات المرحلة. و يبدو أن الملك كان أكثر إحساساً بما يجري من صراع أو أن التحضير لما استقر عليه الرأي في الدوائر التي ترسم مصير المنطقة ككل استطاعت أن تتسرب و ترجح فكرة الخروج من البلاد، فلم يستطع السيد ونيس أن يستوعب ما أُرسِلَ إليه من تحذير، فكان أن أُنجِز كل شيء في أقرب الآجال، عندما أُقتيد ولي العهد في الحادي و الثلاثين من أغسطس لتوقيع التنازل عن العرش بوصفه نائباً عن الملك و العقيد عبد العزيز الشلحي الذي كان الجميع يرجح أنه على وشك الإطاحة بالنظام فيما لم يدم وقف السيد ونيس القذافي الذي يرأس الوزارة سوى أقصر الأوقات ليبقى بعد ذلك ببيته، و تتنادى الأجيال لتأييد ما جرى و يُدوّن الراوي ما تسنى له أن يُدوّن، فلا يلفت نظره سوى تسمية الأستاذ الصدِّيق بن نصر نائباً عاماً للبلد مستشعراً المفاجأة، دون أن يتوقف أمام بقية الإختيارات المطمئنة كتسمية محمود صبحي شيخاً للجامعة الإسلامية و عمر التومي الشيباني رئيساً للجامعة الليبية و قاسم شرلالة محافظاً لمصرف ليبيا و ابراهيم الفقيه حسن للتأمين الإجتماعي و خليفة الغزواني في المحكمة العليا، و الجالي هويسة للتحقيق الإداري، لقد كانت التعيينات يومئذ تقوم على أساس التأهيل و الموقف من العهد الملكي، و كان عمر المحيشي، الذي لم يحمل كتاب الأستاذ نصر أي ذكرٍ له، في مقدمة الداعمين لهذا التوجه و المتصدي بكل القوة لكل من لا موقف ملموس له من العهد الزائل، و كان هذا التوجه غير مريح للمتطلعين إلى التفرّد بثقة العهد و انفتاحه غير المشروط على مصر و بعثتها التي يقودها رجل المخابرات المعروف فتحي الديب و الدبلوماسي عماد البط، و قد وثّق الديب شهادته عن المرحلة و ملاحظاته عن الأحداث و الأشخاص في كتابه المعنون بعبد الناصر و ثورة ليبيا، الذي وُزِّع في المكتبات الليبية في العام 85 من القرن الماضي.

كنت متعشما أن يكون الزمن، و هو يكتب في العام الثامن بعد الألفين، و كاد العهد الذي يكتب في زمنه أن يعانق العقد الرابع، أن يكون تناوله للأحداث أكثر وعياً و للمصادر التي توفرت عن الفترة و منها كتاب فتحي الديب هذا تأثيره في المراجعة، فإذا به مايزال أسير تلك الأيام، ففضلاً عن بقائه أسير تلك الظروف التي سادت قطاعاً من مدينته مصراتة  و أبنائها أينما حلّوا تجاه أجرأ الذين عرفهم تاريخ المرحلة، هو عمر المحيشي و ما اتصف به دوره في ندوة الفكر الثوري، و قبل ذلك محكمة الشعب، من المواقف التي يمكن وصفها بالتطرف إلا أن الذي لا شك فيه هو بُعْدَها عن أي مؤثر شخصي، لأن المحيشي أسير رؤية لم يستوعبها بالقدر الكافي و لم يدّع غير ذلك حين نوقش بشأنها، فهو لا يدّعي النضج و لكنه أيضاً ليس بعيداً عن جيله من الذين كانوا يرون في موقفهم الصواب و قبل ذلك رؤيتهم و شيء من معلوماتهم، فهو يعرف أن مثقفاً مثل علي وريِّث و قد ضمه سجن باب بن غشير عقب أحداث 67 و ما ترتب عليها من سجن القوميين العرب و النقابيين و بعض الناشطين من أُدينوا جميعاً بعد وقف دام بضعة أشهر شهد محاكمتهم و إدانتهم كلٌ حسب المتوفر من الأدلة، و قد تواصل يومئذ معهم عديد الناشطين من مدنيين و عسكريين من بينهم الملازم القذافي الذي فاتحهم في عزمه على الإطاحة بالحكم و كانت لهم من ثم اجتماعاتهم و مشاوراتهم و مواقفهم المختلفة، و يومئذ جاهرهم الأستاذ علي وريِّث برأيه القائل أنه لن يشارك في أي تحرك يطال الملك أو ولي عهده، و هو موقف محفوظاً لدى الموجودين في ذلك التجمع، فعزَّ عليهم أن يُحسَب وريِّث ضمن الثوريين عندما أُطِيح بنظام الحكم، و لم ينسى المحيشي ذلك الموقف و لم يُخف ردة فعله بعكس الذين كانوا أكثر دهاءً فأخفوا ردة فعلهم، إذ فضلاً عما يكون قد تردد من آراء قيلت و وصلت دون شك فقد رأينا المحيشي في ندوة الفكر الثوري يرفض المصطلح القائل بالمزاوجة بين العروبة و الإسلام، بمعنى أن القومي العربي يرى الأولوية للمسيحي اللبناني بدل المسلم الباكستاني، في حين يرى صاحب المنطلق الإسلامي العكس، و قد أحجم وريِّث عن التعليق إلا أنه في العدد الصادر من البلاغ كان المديح للعقيد القذافي و اعتبار المحيشي كأن لم يكن و قد فهمت في حينها، و على نفس الوتيرة كان موقف المحيشي من النيهوم الذي كان نجماً قبل سبتمبر و بدأ يشع بعد ذلك فعزَّ على المحيشي تكرار اللعبة فجاهر بموقفه و إذا بالأستاذ نصر يرويها في شيء من الروح غير المحايدة مُعيداً قول المرحوم وريِّث حول الذين تصدروا المشهد في تلك الأيام "كلهم أفضل من ولَدْنا" بقصد عمر، باعتباره أحد أبناء مصراتة، كأن هذه البُنُوَّة تعطيه حق تفضيلهم جميعاً، و في هذا الرأي ما فيه من التحامل و من تصفية الحسابات و في عدم حذفه أو الإشارة إلى ظروفه ما يدل على عدم التدقيق بل و على عدم الإحتكام إلى الزمن و صُروفه، إذ حتى و لو اعتبرنا المحيشي مخطئاً بالمطلق و لم نراجع تصرّفه في ظروفه الزمنية، فلا شك أن مجاهرته بالمعارضة و تعرضه لتلك المؤامرة التي طالت أبناءه من بعده فحُرِموا من الدراسة ردحا من الزمن حتى كانت مشكلتهم موضوع اهتمام الناشطين السياسيين في تلك الأيام ما يفرض المراجعة. أما الإشارة إلى الإنتخابات المزيفة و الأصوات التي تُشترى بالأموال و بعد أربعين سنة تقريباً "2008" زمن الكتابة فلا حرج من القول أنه التأقلم مع النظام الذي جرّمَ التصويت بأنواعه دون أن يقاطع المجالس النيابية في العالم، عندما دأب على اجتماعاتها باعتبار مؤتمر الشعب العام ممثلاً، كما جرّمَ الحزبية و أرسل وفوداً عن طريق اللجان الثورية و استظاف الأحزاب باسم اللجان الثورية و كلها متناقضات أُثيرت بهذه الطريقة أو تلك و لم يعد العهد يضيق بها بالمطلق، على الأقل من بعض الأصوات التي عرفت كيف تطرح ملاحظاتها و تصوغ دعواتها  و حاولت أن توثّق أقوالها كُتُباً أو صحافةً أو ألكترونياً، و لو حاول الأستاذ أحمد نصر أن يقترب مما اقترب منه غيره و عمّقَ بدايته في تلك المجموعة القصصية المبكرة التي قدّم بها قلمه عشية ظهوره و حديثنا عنها في وقتها لجاء ثالث مراحله أكثر إلماماً بظروف و معاني ما كان يجري، و لَما قدم قصيدة النويري عن مؤتمر الأدباء الليبيين التي كانت تاريخاً للمؤتمر و للمحاولات البائسة التي مارست فيه الكثير من الأرهاب سواء عن طريق أحدهم الذي تحدث عن الحزبية الموهومة و حظر المذاهب الهدامة كما وصفها مستغلاً قبة البرلمان الذي استحدث ذات يوم مكتباً أُطلِق عليه مكافحة المبادئ الهدامة و خروج بعض المشاركين غضباً ليرصدهم الصحفي المتربّص و يكتب أسماءهم بالصحيفة باليوم التالي في إشارة لا تخلو من خبث، فرصدها النويري و رصد غيرها من الأحداث، من يتكلم في الموضوع و من يخرج عنه، و من يقصد من ورائه ما يقصد، فلم يكن يقصد بكلمة "الهوني و الهوني و الهوني لَقصِي و الدوني" ما كتب أحمد نصر من ذاكرته، لأن كاتب هذه السطور لم يشمله النويري بالبلد و أعاد ذكره بالإسم في قوله

مازن يتكلم و يكافح ماهوش مسلّم *** شوره يبينا نتعلم والّاَ عنده ليها اسباب

انا ما ندريش و حتى حاجة ماعنديش *** مش لازم توليع الميش مابين اِيخوة و احباب

كما أن ذكره للمهدي كاجيجي مع قوله الهوني و الهوني..الخ ليس دافعه أن كاجيجي من المجموعة كموقف، لأن المهدي له موقفه إلى جانب لقبه، و صلة بالنويري تعود إلى زمن الدراسة و الكشاف، أي أنه ليس مع المجموعة المُستنفَرة للضجيج الإعلامي الذي بدأ يقوى، و يختلف عن الفكرة الرامية لتقوية الولاء إلى الوطن و ليس للإتجاهات السياسية التي تُعلِّي من شأن  الخارج و لا تتردد في التضحية بالمصالح الليبية، و قد تغلب الضجيج الإعلامي بكل الأسف، و لم نشأ التعمّق في ذلك كثيراً عند الكتابة عن المرحلة في آخر التسعينات مسارب "2" و مع كل سلبيات المرحلة و ما في أسلوب السيد أحمد الصالحين الدعائي، إلا أن ما تلاه من النظام أكد أنه ليس في مستوى الخطأ الذي حاول البعض أن يُلبسه إياه، لأن المبالغة التي تلت تلك الأيام كانت أكبر من الماضي ، كما أن معظم أصحاب المصالح لم يترددوا في الإقبال عليه و هو يُلبِّي الكثير من طلباتهم الشخصية سواء و هو في مكتب شئون الأوقاف، حيث مجانية الحج في الباخرة مريانا لاتسي أو وهو يحل في وزارة الإعلام ليشمل معظم إن لم نقل كل الذين يكتبون في الصحف بقراراته المتضمنة سخي المكافآت المعلنة و الأخرى المعروفة بالسرية و التي كانت تُسَدَّد بواصلات أفلح بعض الخيرين في إتلافها أثناء سقوط النظام الملكي، و قبل أن تصل المعلومات لأيٍ كان.

لقد كانت سياسة تلك الأيام متجهة إلى مساعدة كل من يبدي استعداده لقبول المساعدة فقد تحسنت أحوال البلد مادياً و أهله أولى بخيراته، و على كلٍ فرغم حدة الخلافات يومئذ إلا أن الموقف ما لبث أن تغيَّرَ لمجرد سقوط النظام الملكي و الشروع في التحقيق حول ما جرى، و للتاريخ فقد كان السيد عمر المحيشي أبعد الناس عن الملاحقة الشخصية و كان نقده منصرفاً للظاهرة و ليس للأشخاص، إذ لم يطلب أي إدانة لأيٍ كان، حتى أن من المحامين من استغل ليونته فقال "سقط القصد الجنائي عن موكلي" بل أنه لم يتردد في الإشادة بالكاتب النيهوم في ملتقى الشعر الوطني سنة 74، لقد استيقظ المحيشي لِما اعترى العهد الذي كان من أقوى العاملين عليه من الإنحراف عن الطريق السوي في وقتٍ مبكر، حتى أنه لم يتردد في الدخول على المرحوم موسى أحمد وزير داخلية العهد في معتقله طالباً منه الصفح الشخصي قائلاً للرجل و هو في سجنه و المحيشي بكل سلطاته ليتك يا موسى شاورتني لأكون إلى جانبك، و يخرج بعد ذلك و يبقى موسى في سجنه و يُحاكم لاحقاً بأعنف العقوبات، و يقول لرفاقه في السجن عند التخمين عن أول من يمكن أن يلحق بهم..؟ : "عمر المحيشي" فيسخر الجميع من قوله، و يصمت موسى عن إفشاء السر، فيُسجَن و يقضي عقوبته و يستأنف حياته و يُشهدني على هذه الواقعة، تماماً كما رويت عن عبد الحميد البكوش رحمه الله من أن صديقه العقيد ركن سعد الدين بوشويرب الذي نوديَّ به رئيساً للأركان في إطار التغطية، زاره قبل خروجه من البلاد و نقل إليه اعتذار المحيشي عن ظلمه للبكوش إذ ثبت للمحيشي من خلال المراجعة أن البكوش حاول أن يبني دولة، فكان هذا الموقف أكثر تأثيراً على عقلي، حين رويته، من موقف المحيشي تجاهي شخصياً، و هو ما لم أتردد في روايته لسيف الإسلام القذافي و هو يطلب شهادتي عن العهد الملكي فأقول ما نصّه إن البكوش رجل دولة، و أشهد أن سيفاً لم يستنكف القول بما نصّه "نلقاها ان رجل دولة" و من المفارقات أن الإثنين قد لوحقا أُسرياً و أن أكون من بين الذين لم يبخسوهما ما قدماه للبلد، و في جميع الأحوال فقد اجتهد المحيشي ما وسعه الإجتهاد و قد يصدق وصفه بـالذين خلطوا عملاً صالحاً و آخر سيئاً، أما إعادته إلى النظام في سابقة من السوابق التاريخية المخزية، لمن سلّمه و من لم يرحمه فلا شك أنها - إلى جانب ما لقيه أبناؤه من الإضطهاد - لا تبرر مثل هذه الروح  التي و إن لم تُسرف في القول إلا أنها في منزلة الصمت عن الحق أو على الأقل إلتماس العذر، لقد اشترى عديد النواب الناخب المصراتي كما تردد في حينه و أدرك رجل مثل عبد الله بوسنينة حجم الخسارة المُتمثّلة في عدم فوز الشيخ سالم القاضي الذي خسرت به مصراتة رئاسة مجلس النواب، إلا أن الهادي العايب كان مثالاً للصمود عندما اتُهِمَ بتمويل النشاط الخارجي و هو يُسجَن، و مثله عبد الله بوسنينة الذي قُتِلَ في بيته، و لم يُعرَف قاتله. الغريب أن كل هذه الأحداث التي شهدتها البلاد عامةً و المتغيرات التي طالت عديد التطورات و الوثائق التي حفلت بالكثير من الأسرار، لم تؤثر في رؤية الكاتب إزاء الكيان الوطني الذي تأسس و هوى قبل سبتمبر 69 و صدرت بشأنه عديد الدراسات و التي أثبتت مجتمعة أن جيل الآباء الذين أسسوا الدولة و إن كانو دون شعبية السيد بشير السعداوي و رئاسته للمؤتمر الوطني الذي كان له أكبر الأثر في مدينة طرابلس بشأن القبول بالنظام الملكي، إلا أن الذي لا شك فيه أن بقية الرموز لم يكونوا بالصورة التي شوهتهم بها بعض الدعايات غير المحايدة، ففضلاً عن أن كل الوثائق تؤكد أن السيد محمود المنتصر الذي ترأس أول وزارة ليبية و أقدَمَ مضطراً على بعض السياسات التي لا مهرب منها، لم يكن طارئاً على التاريخ، فقد كان إلى جانب طاهر المريّض و منصور قداره، أول وفد توجه إلى مصر و قابل الأمير إدريس و فاوضه حول الدولة المُزمع تأسيسها ليكون الإدريس على رأسها و لكن بإسمه الشخصي و أبنائه من صلبه، ربما لخشيتهم من تكرار حكم الأُسَرْ بليبيا أو لعدم اطمئنانهم أن الرجل لن يختار من أسرته الأصلح، و قد أصرَّ المنتصر على ضرورة مراقبة الولاة الثلاثة من طرف الحكومة و هو ما رفضه الملك، كما أصرَّ محمد الساقزلي على تنفيذ حكم المحكمة العليا، و لم يُقدِم حسين مازق على ضرب جماهير الشعب سنة67 و لم يوصي أيٍ منهم بمن خلفه في الحكم، و لم يكن آخر الرؤساء الذين أسقطهم الفاتح من سبتمبر "السيد ونيس القذافي" قد جاء بترشح البكوش لأن استقالة الأخير حملها علي عتيقة، و لكن المخطط كان في اتجاه السكون و حتى التراجع بدليل إعادة الشيخ سالم القاضي للمالية و هو الذي عارض قانون الضرائب بشراسة، و هو موقف لا يخدم التطور و لا يخفف من احتقان الناس، و إنما يجعلهم مُهيئين لتأييد أي تغيير، و هو ما حدث بالفعل لمجرد أن أُعلِنَ ما أُعلِن في الفاتح من سبتمبر، و لم يكن القادمون الجدد غافلين جميعاً عما يمكن أن يحدث، فقد جاهروا سريعاً بالتحفظ من كل ذي رأي و لم ينتبه لهم سوى القلائل، كما كان للإنتهازيين دورهم و للأطماع الخارجية دورها أيضاً. كان البترول قد تحول إلى مورد يؤكد أكثر المراقبين على زيادته عن حاجة الناس القريبة، و تُصرّ عديد الأطراف على الإستفادة منه و انتهاج سياسة تجمع بين العصا و الجزرة كما يقولون و كانت شيخوخة الملك كفيلة بأن تدفع المصالح الكبرى إلى تسهيل مهمة جيل جديد ليتقدم الصفوف و ينحى منحى الخطأ و الصواب و يبدأ بتصفية القواعد الأجنبية التي فقدت استراجيتها و لم يكن لها في الواقع سوى ذلك التردد و العجز عن المعاصرة، فكان ما كان من الغياب الذي تجاوز الأسابيع إلى الشهور ليأتي ذلك الصباح الذي استيقظ فيه من استيقظ من جيل أحدث التغيير بمشاركة حية في أكثر من مكان و أكثر من طبقة، و تخرج القواعد في لمح البصر، و يأتي أكبر رمز عربي مشاركاً و مهنئاً و دافعاً لتوجه دام أربعة عقود، و يكتب أحد شهوده تجربته في مراحلها الثلاثة لتكون الكتابة قبل زوال العهد بسنواتٍ ثلاث فيما يتم النشر بعد السقوط بسنوات أربع، و لا نقف على أي هامش أو توضيح أو تسامح، فلا يكون أمامنا بُد من المساهمة بهذه الحواشي التي نأمل أن تكون شارحة لثالث المراحل، لكاتب نعتز بعطائه و شخصه و الكثير من ذويه و أهله. انتهى

______________________________

شهادة رجل..

حول مذكرات خالد محي الدين

إعادة نشر

و أخيراً تكلم الأستاذ خالد محي الدين أحد أبرز قادة ثورة 1952م بمصر تلك الثورة التي تفجرت في مرحلة دقيقة من تاريخ الأمة العربية و مع بداية أول مؤامرة استعمارية تمثلت في نكبة 48 التي عشناها هنا في ليبيا بكل التفاصيل سواء من حيث الممارسات اللأخلاقية التي مُورِسَت في الحرب العربية الصهيونية و التي شارك فيها متطوعونا من كل أرجاء الوطن الليبي و عادوا يروون العجب العُجاب مما شاهدوا و عاينوا من غياب المصداقية و أشكال الإنهيار مضافاً إلى ذلك تقرير المصير الليبي بالشكل الذي نعرفه جميعاً عندما أُفرِغَ الإستقلال الوليد من أي محتوى، و يوم أن زُيِّفَت الإرادة الشعبية في انتحابات 52 و أُبعِدَ البشير السعداوي كوجه وطني بارز، و من ثم تم تمرير المعاهدة البريطانية بشروطها القاسية و فُرِض النظام الإتحادي المرفوض من كل الجماهير  و الفاعليات السياسية، الأمر الذي أدَّى جميعه إلى إعطاء ثورة مصر طعمها الخاص و وقعها العظيم، فقد كانت بحق و بالنسبة للفئات المستنيرة بمثابة النذير لكل من تُسول له نفسه أن يعبث بالإرادة الشعبية و يستهزئ بثقة الجماهير، و يوجه مسيرة الأمور على نحوٍ يخالف مطامحها و تطلّعاتها العامة، على نحو ما جرى في مصر و ما كان يجري في ليبيا، و ما من شبهة في أن هذه الأوضاع هي التي حدَت بالناس،كل الناس، إلى سرعة التجاوب مع الأبطال الجدد و الإنجداب الكامل نحو شخصية محمد نجيب بوصفه الأشهر و الأكبر، بل و إلى الإلمام بخؤولته السودانية و من ثم احتمال قدرته على تحقيق وحدة وادي النيل، ذلك الحلم الذي كان يملأ الوجدان السياسي المتكون على أدبيات النضال المصري و المرتبط أوثق الإرتباط بأشعار شوقي التي كرّست لهذا المطلب النضالي الكبير، إنها الأوضاع التي جعلت الناس تستشعر شيئاً من الإحباط عشية ظهور الخلاف بين القادة الجُدد، بل و إلى مقابلة اختفاء محمد نجيب بالكثير من مشاعر القلق و الإرتياب.

و قد كان معروفاً يومئذ أن خالد محي الدين من أنصار محمد نجيب و إن تكن المذكرات الآن لا تؤكد ذلك تماماً، و أن الإثنين يناصران عودة الحياة الديمقراطية، الأمر الذي له وقعه الخاص في الوجدان النضالي الليبي و حتى عندما استقر الأمر لجمال عبد الناصر و أُسدِلَت الستارة على محمد نجيب و اختفى معه خالد أيضاً أو بالأصح قبله بقليل، و عمّت الحياة السياسية بعض مشاعر الإحباط لا سيما بعد تقرير مصير السودان على أساس الإستقلال و ليس الوحدة المنشودة، و علا في الأفق شيء من الحذر و الترقّب الذي لم تمزّقه إلا معركة حلف بغداد أو كسر احتكار السلاح، و من ثم تأميم قناة السويس و هي الفترة الحقيقية لبداية الثورة المصرية. فقد كان من حظ خالد محي الدين أن ظهر إلى الحياة السياسية عبر صحيفة المساء و جلسات مجلس الشعب و مؤتمرات السلم العالمية، و هي الفترة التي عُرِفَت في تاريخ الفكر بمرحلة باندونج و التي تعددت فيها الكتابات و تحركت الأقلام خلف القيادة الجديدة، بعضها راهن على عبد الناصر الفرد و بعضها الآخر -و هو المهم- راهن على عبد الناصر المبادئ و المثل و الأخلاق العالية، النوعية الأولى صمتت عند غياب عبد الناصر، بل هناك من تنكّر له و تطاول عليه و نوعية أخرى ظلّت على عهدها القديم تُبرِز الإتجاه و تتناول في موضوعية ما بدا و كأنه سلبي في تاريخ التجربة الناصرية. إن المجال لا يتسع الآن للحديث عن تلك الفترة بكل تفاصيلها لأن ذلك شأن المؤرخين من ناحية و لأنها من الإتساع بحيث يتطلّب الحديث عنها تحديد مواضيع معينة و وقائع محددة. بيد أن الذي يهمني الآن هو الإشارة إلى الأستاذ خالد محي الدين بالذات، هذا الرجل الذي وجدت نفسي مشدوداً إلى موقفه السياسي قبل أن يتحقق لي من النضج ما يدعو إلى الإختيار الجاد. أما عندما بدا هذا الوعي يتحدد أكثر فأكثر فقد كان أهم ما لفت نظري و أكد سلامة خياري، إقلاع الرجل عن تلك الجوقة المعروفة، لعل أبرزها كتاب السادات الشهير "ياولدي هذا عمّك جمال" و الذي تطوع فيه السادات للرد على كل رأي صادق حاول أن يُنَبِّه إلى بعض سلبيات الناصرية مبكراً. و منذ رحيل جمال عبد الناصر و كتابات كثيرة تملأ الحياة العربية بدأها السادات بأوراقه و البحث عن ذاته، و سار على منواله من سموا بالصامتين، نجيب و كمال الدين حسين و البغدادي، فضلاً عن فتحي الديب و صلاح نصر و قبلهم محمد حسنين هيكل و غيرهم و غيرهم، و اليوم يأتي دور خالد محي الدين أول المختلفين مع جمال عبد الناصر و الشريك القوي و الأساس في ذلك الزلزال السياسي الذي عمَّ الحياة المصرية طوال الأربعينات و تفجر بشكل نهائي في مطلع الخمسينيات بترك أثره البارز في الوطن العربي عموماً بل و العالم الثالث أجمع، يأتي دور خالد محي الدين لينشر جزءاً من مذكراته على تلك المرحلة، فماذا في هذه المذكرات..؟

إن أول ما يلاحظه من يقرأ ما كتبه خالد محي الدين، أن الرجل كان مقتصداً في كتابته بكل ما تحمل هذه الكلمة من المعاني، فهو لم يسرف بذكر التفاصيل و لم يتخذ من خلافه مع رفاق الأمس مبرراً لإنكار ما قاموا به من أدوار مهمة في ذلك الحدث الكبير، و لم يسبغ على نفسه ما يتجاوز واقعه و ربما يقل عنه أيضاً، لقد أفلح بحق في السيطرة على نفسه و في التمسك بأكبر قدر من الموضوعية بحيث جاءت صفحات هذا القسم المُكرَّس لنشأته أولاً، ثم المساهمة في تأسيس تشكيل الضباط الأحرار وصولاً إلى إعلان الثورة و من ثم الخلاف على مرحلة ما بعد الثورة، فالسفر إلى الخارج و البقاء لفترة من الوقت، و أخيراً العودة و تأسيس صحيفة المساء و تأميم قناة السويس و ما ترتب عليها من معارك ضارية و مناقشات حادة، و بالجملة انتقال الثورة من النظرية إلى التطبيق و ما يفرضه عادةً هذا الإنتقال من تغيّر واضح في الأساليب و الممارسات، أو ما يسمى عادة بانتقال الثورة إلى الدولة، و الثوار إلى مسئولين عمليين كثيراً ما تختلف ممارساتهم العملية مع آرائهم النظرية. و الحق أن خالد محي الدين يغطي هذه المرحلة كأجمل ما تكون التغطية و أوفاها، و يتناولها كأحسن ما يكون التناول و أعمقه، فنحن نستطيع أن نُلِم من خلالها بيسر و سهولة. إننا أمام شخصية تكونت عبر خليط من المناخ الصوفي و الوسط التجاري، بين الوطنية التقليدية و التطلّع نحو المستقبل، شخصية تشرّبت روح التصوف من الطائفة النقشبندية التي ينحدر منها أخوال خالد محي الدين حتى أنهم يعرضون عليه مشيخة الطريقة في مرحلة من المراحل، و تشرّبت العمل الوطني عبر حركات التجديد التي ملأت الحياة السياسية في مصر طوال الثلاثينيات حين أُبرِمت معاهدة 1936 مع بريطانيا التي كرست النفوذ البريطاني و إن تكن قد فتحت فرص الحياة أمام أبناء الطبقة الوسطى، لا سيما بالنسبة للكلية الحربية التي كانت إلى ما قبل ذلك الزمن مقصورة على أبناء الذوات وحدهم.

إنها الفترة التي تحولت فيها الحياة السياسية المصرية إلى خليط من الخلايا و التنظيمات السرّية التي شاعت يومئذ و تجاوزت المفهوم التقليدي متأثرة بالتجربة الأوروبية على الأخص في مجال الربط بين الإستقلال و إعادة توزيع الثروة. " كانت الحرب العالمية الثانية تطل على الجميع لتروعهم و بدأنا في مناقشاتنا الليلية نتحدث عن مشكلة السويد و هولندا أو هتلر و الإنجليز، ثم اشتعلت الحرب و بدأت خريطة العالم تُعلَّق في ساحة الكلية و عليها أسهم بتحرُّك القوات، و لا بد لذلك كله أن يخلق مجالاً لتراكم النقاش و المشاعر و الأفكار. و كنت أسهم في النقاش و كانت المشاعر الوطنية تتدفق في رفق لعلّه كان بعض ما تعلمته من أساتذتي الأوائل دراويش النقشبندية".

و مثلما يفعل كل مثقف خلصت نفسه من الإدعاء و تطهرت سريرته من داء الجحود و التنكر، يسوق خالد محي الدين أهم المؤثرات التي أسهمت في صوغ شخصيته فلا يجد غضاضة في ذكر أولئك الذين حققوا هذا التأثير حتى عندما بدأ تكوينه السياسي يميل إلى الإكتمال و أنشأ يفكر في أمر عظيم و نعني به تغيير نظام الحكم في مصر و ذهب مع رفيقه عبد الناصر إلى بعض الإجتماعات يؤكد -بكل ما لدى العنصر الشريف- ما توفر لتلك الفاعليات التي التقى بها و تحاور معها و عمل معها بعض الوقت ثم اختلف معها و فرّقت بينه و بينها السبل فإذا ما بدأ مشواره الكبير و أنشأ يكون الخلية تلو الخلية و يُجنِّد الرفيق تلو الرفيق، فإنه يفرد الحيز الكبير لشخصية جمال عبد الناصر و بروزه كعنصر قائد لتنظيم الضباط الأحرار بل إنه أكثر من ذلك يؤكد أن التنظيم الذي حقق تلك الثورة الرائدة و هو الذي قاده عبد الناصر و حدد مساره، و هو في ذات السياق يعترف بكل الصدق و الجرأة بما امتلكه هذا القائد الموهوب من الخصائص المميزة و القدرات الفريدة التي فاق بها غيره، و أنه ،أي خالد محي الدين ذاته، قد افتقد بعض هذه الخصائص الإنضباطية عندما اتخذ من المواقف ما اكتشف بعد ذلك خطأ تقديره فيه و عدم ملاءمته  للواقع.

"إنتهيت من الإمتحانات و سريعاً اتصلت بجمال عبد الناصر، و في بيته عُقِدَ الإجتماع الأول للخلية الأولى للتنظيم، جمال عبد المنعم عبد الرؤوف، كمال الدين حسين و حسين ابراهيم و بدأ جمال و قال: معي عبد الحكيم عامر انتم عارفينه لكنه لم يستطع الحضور.. إلخ". إن ما يميز كتابات خالد محي الدين، تلك الشفافية الجميلة، ذلك التجاوز  العظيم لردود الأفعال، هذا الإرتفاع الشاهق عن نقيصة تصفية الحسابات، ففي الوقت الذي نرى فيه المختلفين مع عبد الناصر قد انحدروا إلى النزعة الثأرية و أن المختلفين مع السادات يجردونه من كل دور فإن خالد محي الدين ليقف أمام الأحداث وقفة الشاهد الصادق، الشاهد الذي يمده زاده الروحي و الموضوعي بمراقبة الضمير و مراقبة الله، إنه يُبرّىء من عَلِم براءته و يتحرّى الأسباب لمن رأى منه رائحة الإدانة. يتحدث محي الدين عن إسهامات رفاق الأمس فلا  يضخم بسبب الإتفاق في الرأي و لا ينكر متأثراً بالخلاف، يستوي في ذلك محمد نجيب الذي حسبَ في فترة من الفترات على خالد محي الدين و يوسف صديق رفيقه في "حد تو" و السادات الذي بادر بمعاداته و عبد اللطيف البغدادي و جمال سالم و صلاح سالم الذين اختلف معهم في مسألة الديمقراطية، و جمال عبد الناصر الذي حصل معه أكثر من موقف، إنه يقرر ذلك في اللحظات الأولى لخروجه إلى هناك، إلى أوروبا ،بعيداً عن أهله و ذويه.

جمال عبد الناصر كان يفرض على الجميع وضعه القيادي، و كان رجلاً لا يخطو خطوة إلا بعد حساب دقيق، ليس فقط لتداعياتها، و إنما أيضاً لمستقبل هذه التداعيات، عبد الحكيم عامر.. ظلموه عندما عينوه قائداً للجيش، فهو شخص جماهيري و لو إنه قد عُيِّنَ نائباً لرئيس الجمهورية و تفرّغ لهيئة التحرير لكان قد حقق نجاحات باهرة، و آخر ما كان يصلح  له أن يتولى مسئولية الضبط و الربط، صلاح سالم، عاطفي ينتقل من النقيض إلى النقيض، مع أنه ذكي جداً. جمال سالم، شخصية مسيطرة، يفرض نفسه و وجوده. يوسف صديق، رجل شجاع، إكتسب بشجاعته و استقامته احترام الجميع. زكريا محي الدين، مُتَّزِن هادئ مرتّب حياته الخاصة و العامة، و هو كفء و نزيه و لا يجامل أحداً و هو باختصار ممثل الطبقة الوسطى. عبد اللطيف البغدادي، مُعتد بنفسه، عارض منذ البداية عودة الحياة النيابية. كمال الدين حسين، كتلة من الإخلاص للوطن و الإسلام، لكن إسلامه غير متطرف و لا يقبل بمقولات جماعة الإسلام السياسي. حسين الشافعي، نُقِلَت عنه صورة غير صحيحة، فهو رجل شجاع هادئ، إذا قرر شيئاً فعله بنجاح، و لولاه لما استطعنا في ليلة الثورة أن نحرك كل هذا القدر من سلاح الفرسان. حسن ابراهيم، يمتاز بالقدرة على المواجهة و الصراحة الشديدة، و كان ينتقد الخطأ في مواجهة أصحابه. السادات، يمتلك خبرة سياسية واسعة و يعرف كيف يُكوِّن لنفسه وضعاً خاصاً، و كان في كل تعاملاته حريصاً على مخاطبة الناس أو حتى مواجهتهم على أساس إدراكه لحقيقة نوازعهم، و لهذا صمد طويلاً مع عبد الناصر و بقى حتى صار خليفته، مع أنه لم يكن أبداً لا الأقرب و لا الأهم.. تلك هي الكلمات التي سطرها خالد محي الدين و هو يستعد لمغادرة القاهرة سنة 54 لمدة غير معروفة ليقول بالحرف الواحد و هو يستعد لتلك الرحلة إن الشعب بغالبيته العظمى قد ساند عبد الناصر و منجزاته و لم يتوقف كثيراً عند مسألة الديمقراطية.

__________________________

أمين مازن

نُشر في مجلة "لا" في تسعينيات القرن الماضي 

نوري الكيخيا

إعداد أحمد الفيتوري

قراءة أمين مازن

أعادني العزيز الأستاذ أحمد الفيتوري إلى ذات النقطة التي بدأ بها تواصله معي في منتصف سبعينيات القرن الماضي، عندما أفلح في تقييدي بإلتزام الكتابة الأسبوعية لمطبوعة الأسبوع الثقافي الشهيرة، و التي إستطاع مع عدد من من مجايليه بأن أعطوها نفساً أكثر حيوية، جسّدها الكم و الكيف، بما درج عليه من إستكتابي حول الكثير من الإبداع الجديد و القضايا المطروحة، بعد أن كدت أن أنصرف إلى نشاطي الخاص إنطلاقاً من محلِّي المتمثل في بيع المأكولات الخفيفة بعد تجربة السجن التي رافقت ما أُطلِق عليه الثورة الثقافية و خطاب زوارة الشهير فقد دشّن الفيتوري مخططه ذاك في مقابلة صحفية لافتة ظهرت فيها إلى جانبي الكاتبة الشابة "يومئذ" فاطمة محمود، فإذا بي أتخلّى عن ما بدى مني من ميل للإنزواء، فقد أمَدني هذه الأيام بأحدث ما إستطاع أن يُنجز عن المثقف الوطني و المناضل التقدمي المرحوم نوري الكيخيا، الذي غادرنا إلى العالم الآخر في السنة المنصرمة، بعد سبع و سبعين سنة، قضى أكثر من نصف قرن منها في العمل العام، تكويناً و عطاءً، حتى و هو يكابد عذاب المرض لحظة بلحظة، فدفعني إلى إستحضار هذه المسيرة العطرة و هذه المساهمات الجادة التي طالما تابعت الكثير من محطاتها عبر الاصدقاء المشتركين، منذ أن شاءت الأقدر أن نلِج أبواب هذه العوالم، إن و نحن نعيش واقعنا المحلّي، أو نتابع الحيط الإقليمي و قد نقترب من الأبعد القارّي، و تجليات ذلك في النشاط النقابي و التعبير الأدبي و التفكير السياسي، حين مثلت الكلمة المُذاعة و المكتوبة في الصحافة أولاً و الكتاب ثانياً، و الشبكة العنكبوية أخيراً، الفضاء الأوسع و المجال الأكبر لممارسة التعاطي الجاد مع خيار الإلتزام في الكلمة و التخلّص من كل محاولة تروم تضييق الهامش و الإنحياز المطلق للتقدم و هو ما نذر الكيخيا له نفسه، و حرص الفيتوري على أن يوثّق لجزء منه في هذا الجهد، فأصدر هذا السِفر المشرِّف عن فقيد الوطن هذا بلا منازع، دون أن يغفل الإسم المستعار الذي عُرِف به نوري و هو يكتب مقالاته منذ إختياره نهج المعارضة الوطنية التي إنبعثت في الخارج منذ سبعينيات القرن الماضي، دون أن تُستدرَج فتَمُد يدها لأي تمويل من هنا أو هناك، فبقيت مستقلة تعيش على الكفاف، لأن للحرية ثمنها الفادح و مرُّها الحلو، مما جعل معظم مواقفها إن لم نقل جميعها عصية على كل محاولات التدجين أو الإبتزاز، فإن تعذّرَ عليها القيام بما تريد، كان عليها فقط أن تحث الخطى إلى حيث لا تُكره على ممارسة ما لا تريد. فمن قراءة هذه الباقة من المحورات و المراثي و المقالات و النصوص المختارة و الصور الثمينة و مخطوطات اليد التاريخية، يبرز المنجز النضالي لنوري الكيخيا و تستفيد الذاكرة الممتلئة بأحداث التاريخ الوطني الذي شهده الداخل الليبي في مدينتي بنغازي و طرابلس من صراع الطلبة بشأن إتحادهم و العمَّال بشأن نقاباتهم و المهجر الذي إرتبط على نحوٍ ما بهذه الأحداث و الشخصيات الجادة التي كان لها دورها في كل ما جرى و التي تناولها نوري و هو يسرد الكثير مما شارك فيه بقوة و إتخذ موقفه بكل الوضوح و تحدث عنه بكل الصراحة، دون أن يغتاب أو يُسِئ أو يصفِّي الحسابات، فتظهر أسماء من تحدث عنهم بإجلال و من تجنّب أن يُشير إليهم بغير ما هو ضروري فتنتشي الذاكرة بما أنجز و لا سيما حين تكون هذه الذاكرة على الرغم من بعد المسافات و عدم التواصل، على عِلم بالكثير مما تم و تطل وجوه الكثير من معارفنا المشتركين أصدقائنا المقربين، علي عمِّيش، سيد العقلانيين بلا منازع، علي بوزقيِّة الذي لا يتردد في إيثار غيره حين يُدرك وجوب البحث عن التوافقيين كما فعل بترشيح الأستاذ محمد مهلهل لحقيبة وزارة التعليم عقب سبتمبر 69 عندما تباحث مع السيد عمر المحيشي في الخصوص بل و مبادرته -أي بوزقيِّة- بنصح المحيشي عن قبول وظيفة المُدّعي العام و التي كانت مجرد شَرَك لم يتفطّن إليه ذلك الإنسان المخلص الشجاع "محمد زيَّان"، الذي يُجمع معظم الذين إشتغلوا في المعارضة على أنه كان الأكثر إسهاماً، فاضل المسعودي صاحب السبق بلا إستثناء، عبد السلام المنتصر المشهود له بالنشاط الإستثنائي، مطبوعة صوت ليبيا التي إرتبطت بين نشاط الطلبة في القاهرة و أول دولة الإستقلال فالهجرة من نظام سبتمبر، لوحات جميلة من النضال الوطني الذي نهض به جيل وُجِدَ في الوقت الصعب و تحرّك في زمن المستحيل، و أصرَّ على أن يمارس ما اعتقد دون أي مراعاة للظروف الموضوعية، التي طالما دفعت كل من يعطها أكثر مما تستحق إلى الإحجام عن أي إسهام جاد، على خلفية أن المسافة بين التعقّل و التردد كثيراً ما تعجز عن فحصها العين، و ان بعض الخطوات التي يقدم عليها المناضل التقدمي، لا تزيد في أحيان كثيرة على إرضاء الضمير كزيارة المرحوم السيد محمد إدريس السنوسي و الإعتذار له و قد بَلَغَ ما بَلَغ من الشيوخة و أصرَّ على الإستقالة أكثر من مرة، فإنصافه و الحالة هذه يجب أن يُكتب للتاريخ عند مراجعته و قد لا يكون عند التمحيص الموضوعي إيجابياً بالكامل، ذلك أن الحقيقة المُرَّة تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أنه لولا التسيّب الذي بلغ أقصى درجاته في السنوات الأخيرة في العهد الملكي و تجلياتها في عدم إستقرار السلطة التنفيذية بإجبار أكثر من رئيس للوزراء على الإستقالة و ما أدت إليه و ما أدت إليه في ضعف الإحساس بالمسئولية و تغليب المصالح الشخصية على ما سواها، لَمَا أمكن لتلك المفرزة الصغيرة من ضباط الجيش أن تقلب نظام الحكم بهذه السهولة، كما أن مسارعة الأطراف الدولية بالإعتراف إنما تدُل بما لا يضع مجالاً للشك أن ما جرى لم يكن مفاجأة بقدر ما كان منتظراً و مُسهلاً له على أقل الفروض، مما يجعل من تبنى مثل هذا المثقف الناضج و الوطني المقدام لفكرة العودة إلى الملكية و الإحتكام إلى وصية السيد الحسن الرضا بالعرش لأبنه محمد مسألة بالغة الغرابة، إذ لو كان الحسن الرضا مُقدِّراً للمسئولية لَما تردد لحظة واحدة و لمجرد وجوده خارج البلاد من إعلان براءته التنازل الذي أُكرِه عليه، كما أن محمد الحسن هذا الذي وُجد خارج البلاد طوال هذه المدة و هو يسمع و يرى النشاط السياسي المعارض لنظام الفاتح من سبتمبر دون أن يخطو خطوة واحدة نحو القوة الفاعلة لا يدل إلا على عدم أهليته لأي دور، إذ لو توفرت الأهلية لبادر بالإنهماك في العمل على أي مستوى من المستويات ليبقى تحديد الدور من مشمولات الناس كافة و لا سيما الفاعلين منهم و على ضوء ما يلمسونه في كل عنصر، و يظل ما تردد عن تنازل الملك في مكتوب سُلِّمَ للعبَّار و عريقيب و إستعداد عبد العزيز الشلحي للإستيلاء على السلطة في الثالث من سبتمبر في ذلك العام و معارضة أمثال بن حليم و السيفاط لإعادة الملَكية و ما نشره المقريف من الوثائق الغربية من المؤشرات المهمة على التوجهات الغربية و الأمريكية على وجه التحديد و التي طالما ضاقت ذرعاً من التسيّب الذي عمَّ البلاد في آخر أيام العهد الملَكي يستحيل أن تُقرّ معها فكرة العودة لذلك النظام مرة أخرى كيفما كانت الأخطاء التي سادت أثناء عهد الفاتح من سبتمبر و ما تلاه منذ السابع عشر من فبراير 2011، و التي فرضها ما حواه الكتاب بشأن موقف هذا المناضل الذي لا يملك أي متابع لتاريخ النضال الليبي و رموزه الشرفاء إلا أن يحترم إجتهاده و إن إختلف معه أو رآى في إجاباته ما يزيد اللبس أو لا يُحقق التوضيح المطلوب. فقد إمتد عهد الفاتح من سبتمبر عقود أربع بدأ تقاطع الكثيرين معها في وقت مبكر للغاية، كما إختلفت مواقف المتقاطعين كل حسب ظروفه، و مثلما صارح الأستاذ و المناضل العربي الكبير حسين مروّة فقيدنا نوري بخطأ معارضته للمستبدين في مراحل صعودهم، فإن الكثير من حمَلة الفكر السياسي لديهم مثل هذه القناعة حتى أن هناك من فاتح المرحوم عبد المولى دغمان في إمكانية السفر و مواصلة الدراسة لنيل الدكتوراه بدلاً من البقاء في مدينة بنغازي ليُشار إليه بالبنان كواحد من رافضي الحكم العسكري و إضطرار السلطة لإصطياده بسببٍ مقنع أو بدونه، و هو ما حصل بالفعل إذ  كان و أحمد بورحيل و معتوق آدم في مقدمة من حواهم السجن العسكري، و لو وُجِدَ التواصل الكافي و التناصح الضروري لما وَثَقَت بعض القوى التقدمية في العهد الجديد و اعتقدَت أن إنحيازها يمكن أن يبرر لها أي تحرك تظهر منه علامات التنظيم و لو كان هذا التنظيم حاملاً شعار التأييد، فالإستبداد لا يطيق أي تجمع منظّم و لو كان يهتف ليل نهار ما لم يكن هناك من يقوده من الداخل بل و يحدد له لحظة الهتاف و لحظة الصمت. و من هنا كان النشاط الخارجي في مجمله مُخترَقا و كان كل ما يجري أو أكثر ما يجري يتناقل بين الرواة. و ما أكثر الذين كانوا يتحدثون عن النشاط الخارجي فيُحيطونه بما هو حقيقي و ما هو غير حقيقي، و عندما تعذّر على النظام معرفة المموِّلين لم يتردد في سجن كل من حامت حوله شبهة من هذا النوع حيث سيمَ سوء العذاب، كما حدث للمرحوم الهادي العايب و غيره، و قد كانت هذه الأجواء من بين ما دفع المرحوم الدكتور محمود المغربي للإتسام بِسِمَة التحفّظ و بالذات فيما يتعلق بإجتماع الجزائر، حيث لم يُدرك أحد دور الطرف الثالث الذي أقنع الطرفين، و الذي تؤكد عديد المراجعات أن النظام هو الذي نكص عقبيه فلم يُنفّذ الإتفاق فاكتفى فقط بالإفراج على المساجين، و إقترف الكذب بالإبقاء  على التحرير الإسلامي على الرغم من التصريح الرسمي أن الإفراج قد طال جميع سجناء السبعينات و قد رويت على الصعيد الشخصي عن المرحوم عبد اللطيف الكيخيا أن الأستاذ منصور لم يكن معترضاً على مفاوضة القذافي من طرف المغربي إذا ما تحقق عن ذلك شيئ من الإنفراج الداخلي و قد علمت من الأخير حين تواصلت معه أن من الممكن تحقيق شيئ و لكن دون مبالغة في التفاؤل، و قد تواصلت معه منذ عودته إلى الوطن إلا أنه بدا أكثر تشاؤماً و كان كثير الترديد لكلمة "مافيش وقت" و أخيراً فارق الحياة إثر مرضه العضال موصياً بنشر أوراقه المكتوبة.

و لأن قراءتنا لهذه التجربة النضالية و تحرير هذه القراءة تتم بقصد إستخلاص الدروس فلا مناص من الإشارة إلى بعض الآراء التي أرجعت تصفية الأستاذ منصور الكيخيا إلى ما يتجاوز التواطؤ المصري و العمل الإستخباراتي الليبي ليس خارجه إن لم يكن في صميمه ذلك الموقف المتشدد الذي إتخذه منصور من إجتماع المعارضة الذي عُقِدَ في أمريكا و لم يكتف منصور برفض حضوره و إنما جاهر بموقفه العدائي له، فكان أن تم بشأنه ما تم تحت مبرر المشترك الليبي المصري، في حين كان المخطط أكبر من الإثنين، إنه نفس المصير الذي لقيه السيد موسى أحمد عندما أبلغ السفارة الليبية في ألمانيا عن الإتصال الذي تم معه باللغة الإنجليزية، فكانت النتيجة أن مُنِع من السفر، و عندما سُمِح له كانت بعد ذلك تصفيته التي لا يعرف أحد كيف تمّت، و قل مثل ذلك عن السيد إدريس العيساوي الذي رافق الحسن الرضا في زياراته لأمريكا، و لم يمض كبير وقت على عودته حتى كان إغتياله فيما بقى الحسن الرضا معزولاً عن كل أسباب التكوين و المشاركة إلى أن حلّ به ما حل في مطلع ذلك الخريف، فبدا و كأنه لم يُوجَد إلا ليوقع وثيقة التنازل عن العرش، و لقد رويت شخصياً عن السيد سيف النصر عبد الجليل ما أطلقه الملك إدريس على ولي عهده عندما سأله لماذا يُقدّم الإستقالة من الحكم و له ولي عهد، إذ كانت إجابته أي الإدريس "ليس منهم رجل رشيد" كما رويت شخصيا عن الدكتور المغربي في آخر لقاء معه قبل أن يداهمه مرض النهاية أن مسئولاً أمريكياً أكد لأحد الليبيين "أُرجِّح أنه يقصد نفسه" عندما تحدث معه في موضوع يخص ليبيا، أنه في حال إعادته لليبيين سيصل إلى الطرف الأمريكي في حدود 48 ساعة على الأكثر و من طرابلس. و على كل فإن إستقبال القذافي المستمر للمغربي و نقد عبد السلام جلود العلني، و مجيئ عبد المنعم الهوني بعد الحديث الذي أدلى به لصحيفة الوسط، كلها أسئلة تظل  في حاجة إلى مزيد من البحث من كل من شارك في المعارضة المهاجرة و ما حفلت به من التناقضات و ما تعرضت له من الضغوط، و هي تواجه إكراهات المصالح و مساومات الأشقاء قبل الأصدقاء، أعلم أن هناك من يعتبر في بعض ما ذكرت إمتثالاً للتفكير التآمري، فله ما يرى و لغيره كذلك، و في الحياة متسع للجميع، عسى الله أن يرحم الفقيد المناضل نوري الكيخيا في ذكرى رحيله، و التقدير الكامل و الإمتنان الوافر للعزيز الأستاذ أحمد الفيتوري عميد التواصل بلا منازع.    إنتهى

_____________________________


 


أمشاج أحمد عمران بن سليم

وشمعة ميلاد

لأسباب ليس خارجها التقصير في المواكبة لما ينضاف إلى المدونة الأدبية من عديد النصوص الإبداعية و الدراسات الأدبية، لم أقابل اللفتة الطيبة التي خصّني بها الدكتور أحمد عمران بن سليم عشية حلولي ببنغازي قبل ثلاثة عشر سنة مضت، فتكرّمَ بإهدائي نسخة من ديوانه "أمشاج" و الذي صدر حينها ضمن منشورات مجلس تنمية الإبداع الثقافي، و رآى بعض الفاعلين في الشأن العام و من موقعهم في مؤتمر الشعب العام وقت آلت إليهم مشمولات الثقافة عندما شاءت إرادة المزاج الرسمي أن تُلغي حقيبة الثقافة أن يكون مقر ذلك الجسم البديل في مدينة بنغازي، و بادرَت السلطة المحلية بتوفير المقر المناسب، و كان ذلك كله يتم في إطار مقاومة التهميش الذي عاشته بنغازي طوال السبعينيات عقوبة لما بدر من بعض قواها من مواقف رافضة أن يُوضع مجسمات البيض تحت تمثال النسر الذي إنتصب في أشهر ميادينها و الذي نعتته الألسنة الشعبية "بطير الشر" و ثمة من نعته أي النسر بطير الدجاج إنطلاقاً من القافية الشعرية التي حملت مفردة التاج، إنها المواقف التي بلغت أقصى درجاتها في المظاهرات الضخمة التي إنطلقت عقب سقوط الطائرة الليبية في صحراء سيناء و لم يهدأ للسلطة بال حتى أعدمت من رأت إعدامه على مرأى و مسمع من الناس، ليكون بعد ذلك ما كان من تهميش و في المجال الإعلامي تحديداً، فكان مجلس الإبداع هذا ضمن ما حاول بعض العاملين في صمت لإزالة تلك الحساسية، و إن كانت بالنسبة لنا معشر الذين شهدوا مرحلة ما قبل الفاتح من سبتمبر ندرك أن بنغازي نالها ما نالها منذ أن قُدِّرَ لأحد ميادينها أن يشهد إغتيال المرحوم إبراهيم الشلحلي في الخامس من أكتوبر 1954 ذلك الحادث الذي تؤكد جميع المعلومات عدم وجود أي تشاور حوله، لا من أسرة السيد أحمد الشريف و لا غيرهم من المتنافسين مع السيد إبراهيم الشلحي و أصهاره، إذ على الرغم من النص عليها ،أي بنغازي، دستورياً بالواحدة من العاصمتين إلا أن قصر الحكومة فعلياً إنتقل للبيضاء، و لهذه الإستطرادة مكاناً آخر بدون شك، و المهم أن أجواء مجلس الإبداع و منجزات مجلس الإبداع، حملتني إلى بنغازي و أتاحت لي الإقتراب من الدكتور أحمد عمران سليم و العودة بديوانه الممهور بإهدائه الكريم و بتاريخ التاسع و العشرين من الشهر الحادي عشر 29-11-2004، فأكتفي بالقراءة و أعجز و ما أكثر ما عجزت، عن توثيق قراءتي و توكيد واجب مواكبتي و تفادي مسئولية تقصيري.

لقد أودع الشاعر في ديوانه هذا أضمومة من قصائده التي عبّرَ بها عمّا عاشه من التجارب و حرّك مشاعره من الأحداث، و ما خامره ربما من المواقف، و قد تكفلت المقدمة و بالأحرى الدراسة التي كتبها الأستاذ محمد جاب الله الفرجاني بإلقاء جملة من الأضواء على خلفيات أكثر القصائد إثارة و إرضاءً لذائقته و إشتباكها مع أحواله و من يتعاطى معهم، ما تشهد الحياة من الأحداث فتدفع الكثير مما أوتو مَلَكَة التعبير أن يشحذوا مَلَكَتهم فتترك لنا من القريظ الذي كثيراً ما يهزُّنا، لولا أننا عندما نعود إليها بعد إختفاء المناسبات التي دفعت المشاعر لكتابتها، لا نجد فيها ذات التأثير الذي إستشعرناه إبّان إستماعها الأول فنحار كما يقول الأستاذ العقّاد عمَّا إذا كان الإنفعال الذي إستشعرناه نتاج النص أو الحدث الذي إستفز الشاعر لكتابته، إنه الرأي الذي قصد به الأستاذ العقَّاد مناكفة أمير الشعراء أحمد شوقي قبلما يقرب من قرن مضى و لعلّه أن يكون قد وجد من يظاهره عليه و من يطبّقه على غير أحمد شوقي، إلا أن الذي يتفق عليه معظم الذين قرأوا ذلك الجيل و توقفوا أمام تنظيرهم و إبداعهم هو أن الأستاذ العقَّاد بقدر ما أفلح في تعليم الأجيال حقيقة الشعر إلا أنه -فيما ترك من شعر- لم يترك على كثرة ما ترك ما ارتفع لمستوى المثال، و هذه أيضاً إستطرادة ربما لها مجال غير هذا المجال.

لقد دخل هذا الديوان مكتبتي كما سبق و قلت ليكون ضمن النصوص التي كثيراً ما أَبِقُ إليها دون ترتيب مسبق و لا أقصد عند الحديث عنها شفاهة أو كتابة إدعاء مقاربة يمكن أن تكون متجاوزة مساحتها و لا دواعي تدوينها، وجدت و أنا أقرأ قصيدة شمعة الميلاد التي ذُيِّلت بتاريخ 1-1-91 و مكان كتابتها الإسكندرية، وجدت في هذه القصيدة و في أبياتها التي بلغت الثمانية عشرة بيتاً ليس أكثر، نصاً شعرياً مُعبِّر أقوى التعبير و أصدقه عن مِحنة الإنسان من حيث هو إنسان تجاه الزمن، ذلك الغول الذي يدُق نواقيسه في منتهى كل عام و يعتقد المُنغلقون و قد أقول الجبناء أن التدبُّر فيه يمثّل نوعاً من الإستيلاب أو تقليد الأجنبي كما لو لم يكن الشعر العربي بشقيه الشعبي و الفصيح قد إمتلأ بالكثير من مثل هذا النوع من التدبُّر في مِحنة الزمن، فتجدهم يتكلفون في أشعارهم الأحداث العامة يسوقون حولها كلاماً مُعاداً لا مكان فيه لحرارة التجربة و لا وجود فيه لملامح المأساة التي يدفع إليها عدم التدبُّر العميق حين تكتشف الذات حجم الخسارة الفادحةة التي مُنيت بها الذات فخسرت ما خسرت و إستحال بالطبع إمكانية التعويض، فلا يبقى سوى مكاشفة الذات و محاورة التجربة و في شيء من الفخر مرة و دون ذلك مرة أخرى، بيد أنه لا يترك مما لديه شيئاً مخبأً يبخل عن أن يبوح به على نحو ما حملت قصيدة أحمد بن سليم هذه و هي تنضح بهذه الشحنة المتدفقة بهذا التمثّل الصادق للتجربة المُعاشة، عندما تستوي الأشياء و ربما الأضواء و الظلم، كما عبّرَ المتنبي قبل ألف عام و نيِّف، و هو ينام ملء جفونه عن شوارد عبقريته، غير مكترث بسهر الناس و إختصامهم. كيف لا، و نحن نراه يعتمد هذا التقابل القوي بين ذوبان شمعة الميلاد هذه في تلك الليلة المُؤشِرة إلى نهاية العام و كل ما عساه قد شهد للشاعر في حياته من لحظات الفرح و الترح، فيتأملها دفعة واحدة، بما يثيره الإحساس المُحيّر بلحظة إستشعار العدم و حالة من المكاشفة التي لا تترك قيمة للبطولة أو غير البطولة بقدر ما فيها من خسارة الذات نفسها و هي تستعيد ما أنفقت في رحلة العمر، فترى النص في معرض إستعارته الذكية و هو يشاهد إحتراق شمعة الإحتفالات تلك و وسط أعياد الميلاد، و التي قد تكون مرتبطة بإنتهاء السنة كما هو مُوثّق في أسفل القصيدة حيث مُختتم السنة و في الإسكندرية تحديداً حيث لأعياد الميلاد و ما لها من الخصوصية، أي أن النص منطلق من لحظة شخصية و إنتهاء سنة من سنوات العمر، عمر شاعرنا الذي قد نغامر فنعزو ما يوحي به نصه من قوة الأنين إزاء تلك التجربة الحياتية التي ربما أعيتها القيود الإجتماعية و دكتاتورية الفضيلة المفروضة، فحالت بينها و بين الإنطلاقة الخلّاقة، فلا يبقى سوى تشابه الإحتراق بين الشمعة التي يشاهدا الشاعر و هي تحترق أمامه، فيما يكون هو يعيش ذات الإحتراق، إن بتأثُّر مكابدة إستحقاقات الحياة بما هي عليه من المسئوليات، أو من حيث الفناء المجرد  الذي لا يفرق بين الأشخاص و هو يحكم بنهايتهم فلا يبقى سوى حثوتين كما عبّرَ طُرفة قبل الإسلام، و من حسن الحظ الشاعر أن أفلح في مزاوجة الحالتين و لا سيما فيما يخص الشاعر الإنسان إذ إستطاع أن يضعنا أمام ذواتنا جميعاً كلما قرأنا نصه بوعي و حاولنا أن نُدوِّن ما خرجنا به من هذه القراءة و لو بعد هذا الزمن الذي بدا لي الآن بعيداً، و لعله كذلك، و لكنه بالنسبة للنص فسيبقى إلى ما شاءت له الأقدار أن يبقى و يوجد من يتأمله، و حسبُ النص أن يدفع متلقيه إلى معايشة ما يحسه شخصيا، كما أتاح لي قصيد أحمد عمران هذا بما تحقق له من التفرّد حتى ليبدو على شيء من الغرابة وسط هذا الكم من الشعر المختلف حيث طغيان الشأن العام الذي يهز قارئه بما يشغله من نيران الحماس بيد أنه لا يخترق شِغاف القلب و ستأخذ القراءة القائمة على النظرة التقليدية في النقد أن ما يُلاحَظ على هذه القصيدة من تكرار  لجُمَل خواتيم القافية بمثابة الدليل على ضعف القدرة الشعرية إذ أن النقد التقليدي لم يُجَوِّزْ تكرار الكلمة الواحدة إلا بعد عشرة أبيات في القصيدة الواحدة، و لكن النص الذي بين أيدينا في انشغاله بجوهر الشاعرية لم يكترث بهذه القاعدة فذهب إلى أكثر من تكرار و على نحوٍ متوالي و ما ذلك إلا لأن مسألة القافية  حين يكون الإنشغالية في نص تجاه الشاعرية فإن التكرار قد يكون أكثر جدوى، و لئن كانت اللغة قد جاءت في شيء من البساطة إلا أنها في ذات الوقت إستطاعت أن تنآى عن التبسيط بل أن الرَوَىّْ الذي يبدو متشابهاً لفظاً نجده أكثر دلالة على إختلاف المعنى، كما أن ما تحقق لهذه القصيدة من الوحدة العضوية اللافتة هو ما يحول دون فاعلية أي مأخذ شايع، و لمَّا كان من شروط القراءة أن يدعم الرأي بما يحتاجه من الشواهد المُختارة من النص، فلا نرى في مُختتم هذه المقاربة بُدّاً من وضع القصيدة كاملة أمام كل من يرى أهمية قراءتها


دموع الشمع ، هل تذوين مثلي* * * بصمتٍ في غيابات التّمني!؟

رأيتك في صميمي حين تذوي * * * ذؤابات الضياء من التجني

وذنبك مثل ذنبي، غيــر أني* * * صبورٌ، لا ينال اليأس مني

وأجـــــهد أن أُرى خـلوا ألاقي* * * صباباتي بقلبٍ مطمئن

أجوب الحزن في عجلٍ، وأمضي* * * أصانع بسمتي فتروغ مني

كلانا شمعة الميـلاد وهمٌ* * * تستر خلف آمالٍ، وظن

كلانا يسكب العبـــرات حُزناً* * * فيحسبها الخلي من التغني

ودمعك حين فــــاض له جمود * * * ولي دمع أهيجه بأنّي

ودمعك في صفاء الصّبح صفواً * * * ولي دمع كليلٍ مُستكن

يؤرقني إذا ما النــاس نـاموا* * * ويفضحني بما يرويه عني

يفرج عنك كربــك ومضُ نورٍ* * * ومالي من يزيح الكرب عني

ويؤنسك الضياء وإن تبدّى * * * كرقص النّزع في لحنٍ مرنّ

سألتك بالهوى، وبكل غيب* * * سألتك باحتراقك أن تمُنّي

أذيبي شمعة الميـلاد حُبّي* * * بقطرك، وامزجيه بكلّ فنّ

أذيبيـــني بحبٍّ فيه أفنى * * * كأني لم أكنه ، ولم يكني

وذرينا رماداً ســوف ننمو * * * مع الأشواق في روضٍ أغن

ليسقينا الصبـــــاحُ سُلاف قطرٍ* * * ويحجبنا المساءُ بغير منّ

كذلك يا دموع الشمع أمضي * * * بصمت في غيابات التمني

أحمد عمران بن سليم

الإسكندرية 1-1-1991

_______________________________


مازلت نا هو نا

أمين مازن


لأن دور الشعر الشعبي في تاريخنا السياسي الليبي كان أكثر مما عداه من أنواع التعبير، إن و هو يوثق لمعارك النضال الوطني إزاء الغازي الأجنبي، و على الأخص الإيطالي الفاشيستي و هو يقوم بأشرس هجماته، أو وهو يتصدى لوريثه البريطاني و هو ينسج خيوط مؤامرته عشية تقرير المصير دولياً بما إقترحه من مختلف الإتفاقيات التي عملت على إدخاله من النافذة، و أخيراً و هو يتصدى لسوء أداء الحكم الوطني بما شاع عن بعض رموزه من الإنحراف و إستغلال النفوذ، مما أفقده من مقومات البقاء فغدا جاهزاً للإنهيار أمام أي هزة من الهزات، كانت المؤامرة على هذا الشعر طوال العقود الأخيرة شديدة المكر، عندما إتخذت منه وسائل الإعلام المدعومة، و ما تسلحت به من آلة قوية و ترسانة من ترسانات الدعاية الشخصية المُنفّرة و ما تبنّته من مدايح رخيصة لتمجيد السلطة المتسلطة إلى الحد الذي لم يقف عند رموزها و إنما تعدّى ذلك إلى عائلاتها و حتى قبائلها، الأمر الذي أفقدها كل ما كان لديها من إحترام الناس، بل لقد ظلت في أحيان كثيرة لا تُثير سوى الإشمئزاز مما جعل الإقتراب من هذا الشعر في أحيان أخرى يمثل نوعاً من الشجاعة ما بالك أن يكون مثل هذا الإقتراب من إسم له حضوره في الشعر الفصيح، بل و حتى العمل السياسي، شأن الشاعر المعروف عبد الحميد باطاو الذي أتحف مكتبتنا الوطنية بمؤلف بالغ الأهمية إختار له من العناوين "ما زلت نا هو نا" و الذي كان من الأساس عنواناً لقصيدة من القصائد التي أنجزها أحد الشعراء المعروفين و سلمها لزميل أو أكثر من زملائه الذين تولوا إرسالها إلى بعضهم بعضا ليشارك فيها كل شاعر بما لديه من نصيب، بإعتبار القصيدة المشار إليها جاءت من البداية تعبيراً عن تجربة شخصية و دفعت باطاو نفسه كي يسهم فيها بمقطع من المقاطع، فشرع يوالي إتصالاته إلى أن  أمّن ما يزيد على عشرين قطعة قدم لها تقديماً مكثفاً و معبراً عن روح التجربة كما يحبها، لتدخل المكتبة الليبية منذ سنوات أي بداية سنة 2009 كأنما أراد أن يقول لكل من لم يدرك حقيقة الشعر الشعبي الحقيقي، حين وقع عليه ما وقع من التسطيح و عدم التقدير لما يزخر به من المعاني الرائعة حَذَراً من سوء الفهم، فثمة في ديوان هذا الشعر ما يختلف كل الإختلاف عمّا شاع بينكم و أثار عدم رضائكم، فعمد إلى المساهمة بمقطوعته التي جادت بها قريحته و عبّرت عن رؤيته إزاء ما تناوله غيره من الشعراء الذين إحترم مساهماتهم فجمع ما تيسر الوصول إليه و صدَّر هذه الحزمة النقية بهذه المقدمة التي ألقت من الأضواء ما ألقت، ليتحقق من ذلك كله الإلتفات إلى هذا النوع من الشعر الرفيع و هو يتحدث عن جوهر النفس الإنسانية و ما جُبِلت عليه من حب للحياة و تجلياتها المختلفة من الطيبات بأنواعها و التي بدونها لا يستوي الطبع البشري كما أراد له الله  أن يكون وهو يودع في الذات ما يودع من الرغبات أولاً و قدرة التعبير ثانياً، و الشجاعة على البوح في نهاية المطاف على خلفية أن الإنسان قبل كل شيء هو الإنسان الذي يهتز عادةً لكل ما هو شهي و مُحبب، تطرب له الحياة و تحول دون الوصول إليه سوء الأحوال، بيد أن الشاعر يأنف عن أن يتأثر بهذه الضغوط فيرتبك و هو يكابد مصاعبه فلا يهتز للجمال أو يعجز عن التصرف الذي تفرضه الحالة و لو كانت غير سوية أو تحمل من الإكراهات ما تحمل من التلميح و التصريح و قد جاءت مشاركة عبد الحميد باطاو شديدة الوضوح بما عبّرت عنه من الإعتزاز بالموقف الشخصي إزاء الأحداث من حيث الإلتزام بالمبدأ المشرّف و الثبات عليه، إذ أن ما يخدش سمعة الكثيرين هو تقلّب مواقفهم بين النقيض و النقيض فتراهم يغضون أبصارهم متوارين مما صنعوا فيأتي الشاعر هنا ليستعمل الدلالة القوية حيث يستعمل مفردة "ما دَنْقرَت" التي هي غض البصر إحساساً بالعار و ليس الخجل الذي يتشرف به صاحبه، تماماً مثلما يستعمل مفردة أخرى بقوله ما "عوكرت" بما يحمله التعبير بمفردة "عوكر" من تغيير الإتجاه بين طريق و آخر إشارة إلى التقلّب الذي تفرضه المصلحة و يُمليه ما تلجأ إليه الذات الضعيفة من لجوء للتذبذب المخزي، مما يتفاداه شاعرنا على الرغم من سوء أحوال الصحة و فراغ اليد بحكم المرحلة العمرية، و لكنها العاقلة المُتشرفة بما كسبت و هي تحيا على تحويشة العمر التي أمّنت السكن و مرتب الضمان الذي وفر الحاجة و معها الروح العالية و الواثقة، حيث لا خوف من شبح الحساب الذي لا بد أن يطال الكثير ممن غرّتهم السلطة و أغراهم الطمع فوقعوا في المحظور و تعرضوا للمحاسبة إن من خلال القانون الوضعي أو الموقف الإجتماعي فنرى شاعرنا يفخر بعدم خوفه من غصرات المحاسبة و اللجوء لمن لا يكرم الملتجئ و لا يرحم المحتاج و مع ذلك فإن الشاعر و هو يسترجع كل هذه الضغوط يستطيع التغلب على اليأس و التذرّع  الدائم بالأمل الذي لا يصمد أمامه مهما قسا الألم الذي طالما أُبتلي به ضعاف النفوس فلم يكن لهم من حديث غير الشكوى و غير اللوم على الآخرين فتراهم لا يغشون المجالس إلا و هم يشكون و لا يتركونها إلا و هم يلومون، فلا يخرج من يلتقيهم إلا بالحسرة فتأتي مشاركة باطاو مستوعبة لذلك كله متجاوزة؛ لكونها تدرك أن للزمن شروطه و للعمر أحكامه و ليس أمام من يكبرسوى الصبر. كانت هموم الزمن كثيرة و إحتياجاته أكثر غير أن الإيمان القوي و الأمل الأقوى يظل الزاد الذي لا ينضب و الذي تهون أمامه جميع المصاعب و تضؤل كل الرزايا فالإرادة قاهرة كل ما عداها مما يُبتلى به البشر من الرزايا عبر التاريخ. و قد كانت الثفة في النفس و ما تزال في مقدمة ما مثَّل الزاد الطبيعي عندما أُصطُلِحَ على وصف ذلك شعبياً بالهمة التي هي أولى أبجديات التعبير، و كان ملخصها في قول هؤلاء الشعرء في قصيدتهم هذه بلازمتها التي افتتحت بها المقاطع و أُختتمت أيضاً، و مثلما جاءت مشاركة باطاو غنية و دالة، كانت قبلها مساهمة بوجلاوي الذي برز من البداية ساخراً من الخمسين التي تتأكد فيها الكهولة بما تحمله من إستحقاقات الزهد و الوقار لدى الكثيرين، نرى بوجلاوي و إن لم ينكر إلا أنه لا يستسلم و لكنه يصر على تمسكه بالحياة و ما تزخر به ليكون ذلك أقوى علامات إستمراريته، تلك التي يُعبر عنها بصون ذكرياته و لو وهو يستقبل العزاء في من يذكر، هي صورة بالغة الدلالة تُتِيح له سرد مفاخره و مواقفه بما يتناسب مع رحلة عمره هذه، إذ كلما إستشعر المرء شبابه كلما حافظ على الإيجابي مما سواها أيضاً، و قد أفلح الشاعر الفاخري من خلال المقطع الذي عبَّر فيه عن مكابدته لمصاعب فراق من أحب فخانته أشواقه عندما هزمته أحلامه في النوم ليطل علي الطيب و يذكّره و بالأحرى يفسد عليه ما كان قد منّى به نفسه من إمكانية النسيان و من ثم الذهاب إلى التوبة بلا جدال، لتأتي المعاني على لسانه و هو يبوح بما لديه في هذا المضمار، لولا أن النص ما يفتأ أن يوحي لنا بمعنى قد يكون أبعد، بصدد مسألة الشوق و العجز عن الثبات عليه، إذ على ما في العبارات المباشرة نستشعر وجود معنى أبعد و هدف أكبر، فيكون تأويل الشوق هذا إلى ما يتجاوز الذات و علاقاتها، حتى لنراه يمثّل حنينه و ألمه و شدة مواجعه و لنقل بكاءه يفوق بكاء الخنساء على صخرها الذي غيبه الموت، فصخر كما هو معروف ليس زوجاً و لا حبيباً و لكنه شقيقها الذي لم يعوضه لها أحد، مما يجعل من العشق رمزاً للحرية أو العدالة أو المواطنة التي أُهدِرت في تلك الأيام و بكاها عديد الوطنيين في صمت مرة و بالصوت مرات، و قد زاد من ألمه إدراكه بأن المُعزَين في هذه المحن، هم إلى الشماتة أقرب منهم للمواساة، و تلك مأساة البشرية منذ الأزل و قد كانت في الواقع الليبي شديدة الوضوح عندما كان الأشقاء يقدمون من كل حدب و صوب ليحضوا بكل ما هم في حاجة إليه من التقدير المادي و المعنوي، و في عدم إكتراث مستفز لعديد الوطنيين ممن هم الأولى، و الفاخري شأن غيره من الوطنيين لا يملك سوى التذرع بالصبر و عدم الإستمرار في التحسّر على ما يجري، لأن الأيام كما يعرفها من طبيعتها التقلّب و هي و إن أظهرت ما لا يسرّه حين أعرضت، إلا أنها  لا بد أن تعود من حيث  بدأت، فقط عليه أن يتركها أي الأيام تأخذ ما تريد من التقلُّب "فالغنداق" الذي هو موسم الزراعة في أقصى درجات عطائه لا مناص من أن يعود من حيث بدأ، فإذا كان قد .. بما يحزن الآن فلا بد أن يعود مرة أخرى و يحمل ما يسر أو يعوض ما فات، أو كما عبّر الفاخري ينصفن الأيام يوماً ما و لا بد لكل من سبب ما أساء من أن يلقى جزاءه، و الفاخري على كل حال  واثق من قبول دعوته، فالمفقود و الحالة هذه أكبر من المعنى القريب، فالرمز البعيد هو ما يشغل العموم و ما يشكل القناع الذي يحب المتحدث الإختفاء خلفه، و تأتي مشاركة بوروين شديدة الوضوح في مجاهرتها  بما تريد، عند إهتزاز الجميع لمقولة "مازلت نا هو نا" فنرى في المقاع الثلاثة لا ترى في مقومات الوجود الذي إختاره الشعراء و هم ينسجون على هذه اللازمة أكثر من إعتباره لحقيقة أن الحياة في مجموعها لا تخرج عن الوجدان و ما تعمر به الدنيا من الأشياء الجميلة، تلك التي لا تتأكد دون ممارسة هذه الحياة المنطلقة التي ترفض القبول و لا تقبل بالحجر و ليس لها من هدف أكثر من الحرية بكل معانيها و تجلياتها في الفرج و الوصال و ما في حكمه  حتى أن "بوروين" و هو ينهي قصيدته التي شارك بعبارة لا لبس فيها و لا تورية عندما يصرّح بمقته اللامتناهي للكبر أي كبر السن كل من يعير به، و ينعت سنوات الفراق بالغبر، لإيمانه بأن أفضل أيام العمر هي أيام الشباب و أن أسعدها تلك التي يتحقق فيها التواصل مع من يريد، لدرجة أن راوده الحلم بإمكانية أن يجد القبر الذي يضمه مع من يحب، إنها الصورة الرومانسية كما عبّر عنها الشاعر باطاو في معرض تعليقه المُذيّل في نهاية كل مشاركة، و لكن هل كانت الحياة في صورتها البريئة و نهايتها الجميلة أكثر من أن يحلم المرء بمثل هذه الصورة اللاواقعية، لا شك أن كونها غير واقعية هو وحده الذي يجعلها تستحق أن تُعتبر أفضل و أبلغ مما عداها، و قد صور شاعر البيت الواحد أو غناوة العَلَمّْ مثل هذه الحالة بقوله "الهاوي قليل صواب عليه كا راييت تُوجعه" أي أن من شروط الهوى غياب الصواب و رفض الرأي الصائب، فالهوى لا يسخر بشيء كما يسخر بالنصح و الناصحين و كل القائلين بالعيب في حضرة الحبيب، غير أن الذي لا يقبل الشك أن هذه الحزمة من القصائد إنما جاءت في وقتها لتؤكد أن الشعر الشعبي غير أغاني البادية و غير الطبّيلة التي عُرِضت في كثير من التسطيح و إنما هو هذا الشعر الذي لا يهيم إلا بالجمال، و لا يعلن الولاء إلا للمحبين المُنزهين عن الطمع و المكاسب، و إنما الذين يحبون لذواتهم، و يمكن لكل من يخلص في مواقفه نحوهم أن يرفع صوته عالياً و يقول "مازلت نا هو نا" و يُحي بكل الإعتزاز الشاعر باطاو الذي شارك بالقول، و جمع و أحسن التقديم بالفعل.    إنتهى



_____________________________




كتاب يستحق القراءة

القسم الاول

أمين مازن

15-3-2016

ان من يقرأ كتاب الدكتور محمد عبد المطلب الهوني، حول سيف الاسلام القذافي "مكر السياسة و سخرية الاقدار" و الذي تولّى نشره على نفقته الخاصة و طرحه في المكتبات بسعر قد لا يتجاوز سعر التكلفة، لا يملك إلا ان يتوقف امام جملة من الامور التي يمكن ان تندرج في عِداد الإيجابيات، و في مقدمتها حرصه على الإدلاء بما لديه من شهادات تطال غيره، ممن إلتقاهم حول تجربته هذه و أكثرهم على قيد الحياة، بل و منهم من يمكن ان يظيف او يصحح او يوضح، بل و محمد عبدالمطلب ذاته يشارك في الحوار المتعلق بالمأزق الليبي و إقتراح الحلول المتعلقة به، و بالاحرى الفرقاء الليبيين المتصارعين حول مختلف عوائده، فعبّرَ بموقفه هذا عن خصوصية تتمثّل في فضيلة عدم التنصُّل من علاقته التي إختارها موضوعاً لكتابه، فلم يسلك ما سلَكَ الكثير ممن جمعتهم كثير الصِلات على اكثر من صعيد و لم يترددوا في التعبير عن سخيّْ الإشادة، مما نقرؤه و نراه على اكثر من فضائية من فضائياتنا المُنشغِلة أقوى الإنشغال بجراح الماضي و المُتَخلِّية على نحوٍ مُخجِل عن كل ما يساهم في تخفيف مُختنقات الحاضر. و لا شك ان إختيار عبدالمطلب لبداية السرد من شتاء سنة 1968م و هي الفترة التي تعرّفَ فيها على الملازم -في ذلك الوقت- معمر القذافي و قد كان الى جانب عمله ضابطاً في الجيش مُنتسباً للجامعة الليبية، على أي صيغة من الصِيَّغْ، عندما كان المحيط الجامعي في بنغازي تحديدا يُمثّل أقوى و أوسع اماكن الصراع الفكري و بالأحرى السياسي يدُل على دِقة ما ذَكر، فلقد عرفت على الصعيد الشخصي و قبل الشتاء مباشرة محمد عبدالمطلب، ضمن الطلبة الذين اكملوا في تلك السنة المرحلة الثانوية، و من بينهم عبدالمطلب هذا القادم من مرزق و الذي كان قد نشَرَ بعض النصوص الادبية المُعبِّرة عن المضمون الذي إنحاز اليه، و أكاد أقطع انه قد لمسه في ما كنت أنشر في الصحف و المجلات و أقطع تبعا لذلك بصحة ما روى عبدالمطلب حول اللقاء و الحوار و الإعتذار عن توزيع المنشور الذي عرضه للتوزيع عبدالسلام بوقيلة و إعتذر عن توزيعه بِأدب عبدالمطلب مُعللاً موقفه هذا بتعرضه لإعتقال سابق ربما في احداث 1967، اما الذي اذكره شخصيا فإن عبدالمطلب كان يُفكِّر في امكانية العمل الاضافي كمراسل صحفي، و يومئذ صارحته بأن اي صلة معي و أمثالي لن تسمح له بتحقيق مثل هذه الغاية، و في كل الاحوال فقد إلتزم عبدالمطلب الموقف الحذر، على ان عدم ظهور اسمه بين قوائم و اجتماعات الموصوفين بالرفاق ممن أُسنِدَ إليهم الكثير من المواقع السامية، في الإدارة الليبية على الرغم من إفتقارهم لما يؤهلهم، اللهم إلا ولائهم الشخصي، لا يعني ان عبدالمطلب قد غادر الذاكرة الخطيرة و التي لا تُهمِل أي معلومة تتعلّق بالاشخاص الذين إلتَقتهم في السنوات الاولى من العمر و لا سيما عند وضعهم موضع التمحيص، وعلى ذات المستوى لا تُهمِل ملاحظتهم بتركيزِ شديد، بل لعل الإنطباع الذي حمَلته تلك الذاكرة المُرَكّبَة يستحيل عليها التخلّي عنه و لا سيما حين يكون هذا الإنطباع سلبيا، فلا تتردد في التعبير عنه اللهم إلا في السنين الاخيرة عندما رَجَحت كفة السياسة و ازداد تناسل المتعاونين من المُستعدين لبذل ما يُطلَب و ما لا يُطلَب، غير ان يقيني بصدد عبد المطلب و موقف القذافي منه و موافقته على ان يكون من خَاصّة إبنه إنما يعود قبل كل شيئ الى ذلك الموقف الذي كان فيه حذِراً و مُمتنعاً عن التعاون و الذي لا شك عندي في أنه رجّح كفّة صِدقيِته بشأن استقالته المُبكرة من المعارضة و كذا العودة الى البلاد، فلم يتوجّس من ان يكون مدسوسا عليه او على ابنه، و هناك في ذكريات تلك الايام الكثير مما ردده الرُواة بشأن هذه الصفة، من ذلك عدم نسيان ذلك اللقاء الذي حصلَ في تلك الفترة، فترة الدراسة، عندما إلتقى القذافي صدفة بمنزل السيد مفتاح كعيبة بكل من فوزي البشتي و جمعة عتيقة طالِبي الجامعة في تلك الايام و تحدَّثا عن عبد الناصر بما لا يعجبه، فقد ظل مُحتفِظا بالحادثة في ذاكرته ليأمُر في سنة 1977 بسجن فوزي البشتي من دون أي تهمة و بشكل فرادي، و لا شك انه منذ ذلك التاريخ و بصرف النظر عن ملابسات وفاة فرج مخيون و ما كُتِبَ عن وفاة الاستاذ البكوش، فإن اسم جمعة عتيقة ظل محفورا في ذاكرة معمر الملاوم و الطالب الذي كَبُرَت معه مَوجُدته مع الزمن، و هي ذاتها التي لم تنسى للجناح اليساري في حركة القوميين العرب الذين كان لهم موقفهم المتحفّظ بل و الرافض ايضا للعرض الذي غامر به القذافي عندما زار المجموعة في السجن عقب احداث 67، و تم طرح فكرة التعاون في السجن و كان ترحيب الجناح اليميني المُتمثّل في قيادة الحركة الى جانب النقابيين و أبرزهم الدكتور محمود المغربي، و حدث ان جاهر بالموقف الرافض السيد مفتاح الشارف و ابلغ به القذافي من داخل السجن، فما كان من معمر و قد اصبح الرجل الاول في البلد، الا ان وجّه بضرورة إعتقال المجموعة التي أُطلِق عليها جماعة الأوكسي ليقضوا في السجن ما يقرُب الثلاث سنوات، بل و أُعتُقِلوا مرة اخرى بذات الاسلوب، و عندما أفلح المرحوم الغزالي في أنتزاع الموافقة بالإفراج، نصح الخروبي بضرورة عدم التسرع خِشية ان يتم الامر بما يتجاوز السجن..!! و الحقيقية ان الشواهد في هذا الصدد كثيرة و لو طاوعت الذاكرة لسردت ما قد يضيق به الملتقى، اما لماذا يكون الامر كذلك فلأن التجربة الشخصية قامت على هذه الكيفية، بمعنى ان الإستهزاء الذي قابل به كثير المسؤولين تحرُّك القذافي منذ بدء التحرُّك من ايام الدراسة الاولى جعلته لا يهزأ بأي نشاط و لا يغفل اي تحرٌّك يتعلق بمسألة الحُكم و أمور الامن السياسي، المهم ان محمد عبد المطلب الذي تزامن مشواره الفكري و نمو وعيه السياسي عبر الجامعة الليبية و من ذلك الشتاء تحديداً عندما إلتقى تلك المجموعة التى ذكر اسماء الكثير منها و قد كانت جامعة بين الطلبة و الضبّاط المُتشبّعين بالافكار القومية و الاشتراكية، و التى تُنعَت إجمالاً باليسار، و قد لَقِيِّت ما لَقِيِّت من العنف منذ السنوات الاولى من سبعينيات القرن الماضي، فحاول بعضها ان يثأر و يقاوم و يتصدى للإنحراف و كان أن إنفضح امرها و فشَلَ مخططها فنالت من صنوف التنكيل الذي وصل في بعض الاحيان الى التصفية الجسدية، و شمل ذلك الداخل و الخارج، مما حدا بالبعض الآخر الى الرحيل، شأن عبد المطلب الذي سلك طريق التحايل فسافر في إجازة من دون راتب إستطاع ان يتحصّل عليها بموجب مقابلة للنائب العام الاستاذ الصدّيق بن نصر، كما رَويت عن المستشار عزام الديب الذي كان في تلك الفترة بين مُعَاوِنيّ النائب العام المذكور، و كان ان جَمَع بين دراسة القانون بإيطاليا و المساهمة في نشاط المعارضة الليبية المهاجرة و أولى فصائلها الحركة الليبية الديمقراطية التي أصدرت مطبوعة صوت ليبيا مُذَكِّرةً بها تجربة الوطنيين الليبيين في خمسينيات القرن الماضي، عندما كان منطلقهم نادي ليبيا بالقاهرة، و قد كانت مطبوعة صوت ليبيا هذه مثالاً للعمل الصحفي الجامع بين الحِرَفية و الهدف السياسي بحيث سَلِمَت من المُباشَرة و الحِس السياسي الصارخ، و اذكر ان الصديق محمد زيان الذي حَفِظَت اوراقه الشخصية نماذج شعرية كتبتُها زمن الصِبَا و رأى فيها - مع عدم إستبعاد المُجَاملة الشخصية - ما يُبرر النشر، فاختار ان يُذِيلها بإسم " أبو فيصل " و قد إطلعت عليها في إحدى سفراتي إذ كان زيان حلقة إتصالي مع الكثير من أولئك الاعِزّاء الذين طالما تبادلنا معهم المعزّة و التقدير و الاهتمام، و لا سيما قبل ان تبدأ تلك الحملات الشرسة التى إستهدفتهم في غير ما رحمة، و لم تتردد في مطاردة كل من تجرّأ على التواصل معهم او عَفّْ عن إستنكار مواقفهم، كان عبدالمطلب في ما توفر لدي من معلومات، و قبل حملة الإغتيالات بين المُقِيمين بروما و الى جانبه بالطبع رفيق رحلته جمعة عتيقة، و قد وجد في تلك الفترة الاستاذ فاضل المسعودي الذى عَلِمَ من المرحوم الغزالي انه قد سُجِّل في المعارضة و ربما حُمِّل اصدار صوت ليبيا، و قد إكتفيت بالتواصل في أضيق نطاق و يومها تلقينا نبأ دعوة المرحومين عامر الدغيس و علي بوزقيّة الى لقاء طُرِحَت فيه الانشطة الخارجية، لتأتي بعد ذلك عودة عبدالمطلب و حضوره موضوع هذا الكتاب المُثير بإمتياز.

و حرصا على عدم الاثقال على المُتَلقي اكتفي الآن بهذه الحلقة ليكون ما تبقى من هذه المقاربة في حلقة اخرى.



_______________________________




كتاب يستحق القراءة

القسم الثاني

أمين مازن

18-3-2016

بلغت صفحات الكتاب مائتين و ستين صفحة، حاوية رحلة الدكتور محمد عبدالمطلب العملية، إبتداء من استقالته من نشاط المعارضة الليبية و التي قُبِلت في اجتماع مُعلن، بعد ان إضطلع فيها بإحدى المسؤوليات القيادية. و قد سجَّل بسلوكه هذا فضيلة التنزّه من نقيصة إزدواجية الموقف و ما يُثيره عادة من عدم الارتياح، و هي الاستقالة التى بنى عليها عودته الى الوطن، و التخلّص من غُربة قَدَّرَ ان تكون قصيرة فطَالت، مُرجِعاً فضل ترتيب عودته هذه الى صديقه عبدالسلام بوقيلة احد ضباط الجيش المنخرطين في التنظيم العسكري الذى تمكَّن من الاطاحة بالنظام الملكي، و هو كما يعلم الذين تابعوا اخبار ذلك التنظيم احد المنحذرين من بلدة سوكنة الذين وُلِدوا و قبلهم آبائهم بمرزق فإكتسبوا مكانة مرموقة بها، شأن اسرة التيتيوِي المُنحذر منها عبدالمطلب و أخواله آل الدبري و مثلهم بن علوه و الدبغش و آل حامد، ممن حلّوا تجّاراً و أقاموا و حققوا حضوراً أمكن بعضهم من تمثيل المدينة في مجلس النواب لأكثر من دورة شأن السنوسي حمَادي و المهدي بشير حامد. و قد شارك في الأخذ بيد عبدالمطلب رجل المخابرات المعروف عبدالله السنوسي و الذي شارك بوقيلة في مصاهرة القذافي كلاهما في إحدى الزوجتين، و إن كان الأخير صار الأقرب، و قد تجلَّى ما أشاد به عبد المطلب بدءً من عدم مسائلته عن فترة غيابه، كما حدث للكثير من أمثاله، ليُقِيم إقامة آمنة كُلِلَت أخيراً بدعوته من قِيل عبدالله السنوسي و إستطلاع رأيه في بعض الامور فضَّلَ عدم الإقتراب منها و لو تلميحاً.

و قد انتهى الامر في النهاية بعبدالمطلب المُتخرِّج الحقوقي من ليبيا ثم إيطاليا و الذي إعتذر عن توزيع منشور القذافي و تناقش معه أن يكون من خاصّة إبنه سيف، و هي مهمة لا نشك أن القذافي لم يترك بشأنها من المعلومات ما لا يخطر على بال أي كان.

و كم وَدَدتُ في هذا الصدد لو فصّلَ عبدالمطلب، و هو الذي يعرف الكثير، عن الجذور القبلية التي تجمع بين قبائل العلاونة و معدان و المقارحة و أولاد سليمان أولئك الذين ظاهروا عبدالجليل سيف النصر الاول عشية تمرّده على الاتراك و بلغوا معه أقاصي الجنوب من منطلق انهم جميعا بني سليم كي لا تبقى العلاقة غامضة او دافعة للحيرة او التفسير الاسوأ، خاصة و ان عبدالله السنوسي و قبل ان يتقدم في مهمته االمخابراتية كان قد طرح على زملائه في حركة اللجان ضرورة تقوية علاقتهم بجذورِهم القبلية كي لا تبقى ترهونة و زليتن و العجيلات و المْنِفَه و غيرها كثير مُرتهنة للزعامات القديمة، فيتحوَّل الثوريون الى زعماء لقبائلهم، و هو و إن بَرّرَ ذلك بخدمة الثورة إلا أنهم بصنيعهم ذاك و لمجرد أن استمعوا للنُصح اكتسبوا من الحماية ما عزّزَ نفوذهم.

و مما لا شك فيه ان عبدالمطلب و هو يعيد ما ذكره افتقاده للوزن القبلي، انما كان يناقش نفس التوجه و هو على اي حال ليس في الضعف الذي ذكره، و قد تفرغ عبدالمطلب لانشطته الخاصة كرجل اعمال نجح في نشاطه و لم يبخل بما لديه على الكثير من ذويه و اصدقائه و معارفه، غير انه لم يصنع من نفسه مُبشِّراً من مُبشّرِي النظام و لم يُقحِم المتواصلين معه من الاقارب في مظاهرات التأييد أو الإستنكار و لا احتفالات الاعياد و الاعراس التي طالما أسرَفَ فيها و تفنّنَ عديد المستفيدين من النظام السابق، كما ان خطابه كانت له خصوصية، و اذكر انه دعاني لحضور لقاء الكُفرة الذي تحدث عنه في الكتاب عندما نقلتنا طائرة صغيرة الى تلك المدينة في عشاء يمكن ان نطلق عليه عشاء عمل، حضره الى جانب سيف شقيقه خميس و المهندس الشامخ و الدكتور عبدالكبير الفاخري و السيد حبيب ثامر، فخاضوا في مختلف الامور في ما يشبه المتابعة الجامعة بين الإستيضاح و التوجيه و الأجوبة، و لكن بدون الجفاف الرسمي، و قد كانت مشاركات عبدالمطلب خالية من كل ما يَمُتْ الى المزايدة او المَلَق الى غير ذلك مما يسود هذا النوع من اللقاءات، حتى إذا ما حلَّ اليوم التالي كانت جولة الكُفرة التي إمتطينا فيها الى جانب سيف سيارة قادها السيد كرفاخ و إحتلَلت و عبدالمطلب المقعدين الخلفيين قصد التجوّل في المدينة و تمكين سيف من التواصل معي، إذ قال لي أُريد ان استفيد من هذا اللقاء و استمع الى ما تعرفه عن دولة الاستقلال، مع ان اسئلتي ستكون عفوية و قد قرأت كتاب السني المُنتصر، و هو الكتاب الذي نَشرتُ بصدده رأياً على شبكة المعلومات، و أُعِيدَ إدراجه بموقع اخبار ليبيا و هنا أجملت إجاباتي بصدد الاسماء الذين ذكرهم إنطلاقا من الملك إدريس و رؤساء الوزراء الذين عَمِلوا، فكان توكيدي بادئ ذي بدء بأن أهم شخصية في دولة الاستقلال هو الملك ادريس و ان خير مرجع يُؤكد هذه الحقيقة هو الكتاب الذي صدر سنة 1970 أي عقِب سبتمبر بأشهر تحت عنوان حقيقة ادريس و الذي كُتِبَ بغرض إدانة ادريس و لكنه أفَادَ بالعكس، و قد ردَّ من جانبه انه قرأ الكتاب و وصل الى هذه النتيجة، لأبدأ بعد ذلك بالسيد محمود المنتصر الذي إشترطت عليه الحكومة المصرية لكي تُقدم له المساعدة المطلوبة ان يكون الإشراف على الصرف بيد مسؤول معين من طرف مصر، و كان لابُد ان يرفض هذا الشرط المُذِل و كذلك ما إمتاز به السيد عبدالمجيد كعبار من نزاهة بشأن العملية الانتخابية عندما أجرى سنة 1960 انتخابات المجلس الذي أطاح بحكومته كما ذكرتُ له كفاءة السيد حسين مازق و إلغاءه للرقابة الشخصية، لنصل اخيرا الى الاستاذ عبدالحميد البكوش الذي وصفته صراحة برجل الدولة، و قد أمَّنَ على ما قُلت، و أخيرا سألني حول ما اتوقع بشأن جدية والدي في مسألة إستخلافه، و كان ردِّي ان الأب الذي لا يصغرني إلا بسنوات ثلاثة لابُد ان يفكِّر في الموت و قد يُقدِم على هذه الخطوة، و كان السؤال عن موقف الناس فأجبت بأن عددا كبير يقبل، فأكمَلَ من ناحيته و عدد يرفض، و حول الرفض قُلتُ الحوار.. ولم أكَدْ أُكمِل هذه الكلمة حتى وقفَت السيارة امام احد المباني الذي لم اعلم شيئاً عنه مُسبقاً كما ان تركيزي في الحديث جعلني لا أحفل بما حولي غير ان مبادرة سيف بالحديث جعلتني أُدرِك اننا أمام ضريح السيد احمد المهدي السنوسي و إننا سنقرأ الفاتحة على قبره و أشهدُ أنني لم أُصدِّق ما كان يجري و لم أُخف مشاعري هذه إذ قلت هذا آخر ما كنت اتوقعه، أن أزور الكفرة... فكان أن ردّ مسرعا "و أكون معك"، و فيما كُنّا نغادر المقام بل و نحن امام الضريح خاطبني قائلا و في تقدير ملحوظ "أظن فيها مقال" فأدركت الرسالة و كان مقالي الاسبوعي الذي حان موعده لاحقا موضوع الزيارة المثيرة. ليكون لي بعده مقال آخر عن الرابع و العشرين من ديسمبر أي عيد الاستقلال، و هو مقال قصرتهُ على ايجابيات الاستقلال و ليس التعرّض الى السلبية المتعلقة بإبعاد السيد بشير السعداوي و ما أُذيع حول انتخابات سنة 1952.

كان هذا اللقاء الاول و الاخير بمثل هذه الصورة المتصِفة بالحوار و كانت على ما اذكر سنة 2010، و قد كان لي بعد هذا التاريخ اكثر من لقاء مع عبدالمطلب بيدَ ان آخر لقاء كان خِضم اندلاع احداث مصر و تونس و قد قال لي بالحرف الواحد "هذا تسونامي" لا بد ان يصل إلينا، و كنت أرى فيما يقول عبدالمطلب و غيره من قُدماء المعارضين الليبيين المقيمين بأوروبا ما يُمثّل المعلومات و ليس الاجتهادات، و ها نحن نلتقي اليوم عبر هذا الكتاب غير البسيط، فأُلاحظ ان ما ذكره بصدد البغدادي المحمودي يتّْسِم بالمُبالغة او التحامل إن من حيث عدَم تدعيم وصفه بالفساد و الإفساد بشواهِد مُحددة، او من حيث إغفال حقيقة ان الفساد المالي بليبيا قد أخذ في الإستفحال منذ الإحتكام الى اللجان المُختصة بالإجراءات المالية و التقيُّد بالقواعد التى تُنظِّم صلاحيات الافراد و المجموعات و الوكلاء و الوزراء و رئيس الوزراء فقد أٌعطِيت صلاحيات التكليف المباشر بمائات الالاف، و أُقتـرِح اسلوب تجزئة التكليف للتحايل و تمرير الأخذ بيد المحاسيب و الشركاء.

و إذا كان عبدالمطلب قد جاء في حديثه عن الفساد مُتحامِلا على البغدادي المحمودي فإننا نجده مُنحَازاً أشدُّ الإنحياز للدكتور شكري غانم بوصفِهِ إياه بدُعاة الإصلاح أو أن المجيئ به الى الحكم بدافع الرغبة في الإصلاح، إذ ليس للدكتور شكري غانم ما يُشِير الى مشروع إصلاحي يتعلّق بالسياسة الداخلية او الخارجية، و لم يُصنَّف يوماً على اصحاب الإتجاهات السياسية، و حتى مشاركته في نشاط المعارضة و لم يعلم بها أي مُكلَّف من النظام، و بإستثناء رفضه القاطع لأي إنفاق من المال العام على عموم المواطنين لم يُعرَف عنه رأي إقتصادي يُذكَر، كما لم يُحذِِّّر من تأثير رفع الاسعار على المواد المُصنّعة كما هو شأن الدكتور علي عتيقة، و لم يقترح في معرِض شَغل المناصب السامية إن حقائب الوزارات او مجالس الإدارات ما يُفيد بالرغبة في الدفع بالعناصر ذات الموقف و ما تحذيره من الاقتراب من الاعلام الا الرغبة في تفادي الاحتكاك بمصادر القرار، اما عداؤه للجان الثورية فليس اكثر من تناغم مع توجهات سيف، بل و عدم الاطلاع على ما لدى بعضهم من التغيير في مواقفهم نحو الافضل مثل تعديل المناهج الدراسية و رفض مشروع الشريط الساحلي وعدم الحماس لمشروع السكك الحديدية، أما إقدام البعض علىى إحراق البيت الخاص بشكري فليس أكثر من ردّة فعل على تمكينه من استلام بيت والى طرابلس الذي خُصِّصَ له بقيمة ستين ألف دينار كما ذَكرَ لي عبدالمطلب نفسه عندما تناقشت معه حول اداء الصديق شكري الذي عرفته منذ مطلع الستينات و لم تنقطع صلتي به و ما زلت اذكر قوله في الاسبوع الاول من سبتمبر 69 عندما قال لنا في مقهى جنان النوَّار بطرابلس (( اصبح مصير البلاد في يد قُصّر فلن يطبقوا يميناً معقولاً و لا يساراً مقبولاً )) او العكس، و هو تقييم لم أنسه و لم أتصوّر ان من وصفهم بالقُصّر سيدوم عهدهم حتى يتقدم للسلطة عن طريق ابنائهم، و ليس أحَبُّ عندي من ان يُقال عنه إلّا كل ما هو ايجابي، و ان يُناطَ اللثام عن حقيقة موته المفجع. غير ان العلاقة الشخصية شيئ و تسيير الشأن العام شيئٌ آخر.

على انني و بالرغم من تقديري لحذَر المؤلف من الظهور بمظهر البطل الروائي الوحيد حالة ما اذا اسهبَ في ذِكر كل ما لديه، إلا انني أُخالفه حَذرُه هذا حين يكون على حساب ما يُعتبر جوهرياً، مثل إكتفائه بالقول انه استقال من حركة المعارضة و تم قبول استقالته في اجتماع عام و لأسباب شخصية، فالمعروف ان هناك الكثير من المفارقات التى رافقت ذلك النشاط المُبكِّر، و فرضت عليه انواعاً من التشظّي الناتج عن الضغوط الخارجية و التضاربات الايديولوجية و الجهوية و انعدام الشفافية حول الكثير من الاجراءات التسيرية، كما ان بعض المساعدات لم تكن موضع ترحيب من الجميع، و لا شك ان رحلة التاريخ تفرض على عبدالمطلب كواحد من الناشطين الاوائل ان يبوح و لو بالقليل مما لديه، كما ان حديثه عن تجربة أويا في المجال الصحفي، لم تكن واضحة بالقدر الكافي، ذلك ان الصحيفة المُشار اليها لم تتأثر بما نشرت للدكتور البعجة فحسب، بل لقد غُيِّرَت ادارتها بالكامل و طالت العاملين في الحقل الصحفي على كل المستويات، غير انها من الناحية التاريخية لم تكن الاولى من نوعها في تلك الايام التي لقيِّت من إقبال القُرّاء ما لقِّيت، فقد سبقتها بفترة ليست بالبعيدة مطبوعة " لا " التي ضَرَبت الرقم القياسي من التوزيع، و لكن النظام كان لا يُطِيق أي ذي رأي، و محاربة النجومية و مهاجمة النُخبوية إلى غير ذلك من المصطلحات التي يصدُق عليها القول المعروف " كلمة حق يراد بها باطل " إلا ان الضيق من الرأي الآخر و عندما يُقلِِل الكاتب من جدوى اليمقراطية او اعطائها الاولوية، بحجة ان الليبيين و الشياب منهم بالذات يحتاجون الى التنمية إنما يخرق ما عُرِفَ عنه من أنحياز للعلمانية و التنوير، إذ ما هي التنمية التي لا تحميها و تسعى الى تطويرها الديمقراطية، بل كيف ستُقيم هذه التنمية من دون ديمقراطية، أليست التنمية هي أنفاق المال العام للصالح العام..؟ فكيف يمكن لهذا المال ان يُنفَق على الوجه الأكمل ما لم يتوفر المناخ الديمقراطي المُتَمثِّل في التمثيل الشعبي الصحيح و الرأي العام الصريح، دون ان يتوفر البرلمان المُنتخب بالإرادة الشعبية الصادقة و التعددية السياسية الحقيقية. ذلك ان التنمية بدون هذه الآليات لن تخرج عن خزينة تُفتَح لتدُر الاموال على المحاسيب و المناسيب و المدجنين لتحقيق مآرب السلطة و سياساتها التى لا تسلم من الإعوجاج. و كم يكون مفيداً لو نذكر تجربة سيف و إستشارة عبدالمطلب و ليبيا الغد و غير ليبيا الغد، لم تكن تخرج عن عديد المناورات التي عرفتها البلاد على نحو خاص عقب الغارة الامريكية في منتصف ابريل 86 و ما تلاها من زيارة عبدالسلام جلود الى موسكو وما تردد من ان السوفيِّت قد حمّلوه رسالة تتضمّن رغبة امريكا في ضرورة تخلّي الشقيق الاول لعضدِه الثاني او كما يصف نفسه بالأول مُكرر، و ما تلاها من هزيمة الجيش الليبي في تشاد و محاورة المعارضة في الجزائر و الإقدام على هدم السجون كخطوة اولى من الاصلاح إذ سبقها اجتماع دعا اليه جلود عددا من المثقفين أكدَ فيه ان النظام مُقدِم على تغيِير و ان المطلوب من المدعوين و من في حكمهم ان يتخلّوا عن رفض المثابات الثورية و إنما يرتادونها و يغيرونها للوجهة التي يرونها، إذ تسرّب ان النظام قبِل ان تتحول المثابات الىى مراكز ثقافية و إن حكومة ستُشَكَّل و مرجعية دستورية ستُوضَع، و لكن الإلتفاف ما لبِثَ أن أطلّ و تم تقليص دور عبدالسلام جلود، حتى كانت لعبة الحظر الجوي فقَبِل القذافي ان يدعو عبدالسلام جلود هذا مجموعة الأختصاصيين الإقتصاديين و الإجتماعيين و المثقفين بلغ عددهم خمسة عشرة عنصراً تحدَّث إليهم عن الفساد المستشري و عن ضرورة الإصلاح قائلا بالحرف الواحد ليس لدي أمل سِوى واحد في المائة و ستكون هذه محاولتي الأخيرة، و يومها قُدِمَت اوراق بلغت الاربعين شَرَحتْ الواقع بالكامل ، فكان الرد عليها مُتجسِّداً في هدم المبنى التاريخي الضخم الذي شيده الايطاليون مصرِفاً و تم تصيِّنه ليكون مقر لرئاسة اللجنة الشعبية العامة (رئاسة الوزراء) ليتأسس بعد ذلك مجلس للتخطيط، كما نُودِيَّ بالمهندس جادالله عزوز الطلحي ليشغل حقيبة وزير للتخطيط، ليأتي في مُختَتم هذه الإرهاصات ليُدَفع بسيف و في صيغة من أعجب الصِيغ و التي إنتهت الى ما تحدث عنه الدكتور عبدالمطلب بإسهاب وقُلتُ بصدده ما لدي.

أختُم فأُشيد بما توفر لهذا النص من اللغة الجيدة و التسلسل الآسِر مُتطلِّعاً الى المزيد من السرد عن هذه التجربة الطويلة لعبدالمطلب، و ليقبل من يقبل و يرفض من يرفض. آملا ان تكون هذه القرأة جامعة بين الحوار و الإنصاف و الإعزاز.إنتهى

_______________________________


موقع الكاتب والاديب : أمين مازن

  www.aminmazen.com © 2020- 2008

طرابلس - ليبيا

Tel 0913245901