ثمرات الفصول

ثمرات  الفصول

نشرت هذه المقالات  تحت عنوان  قضايا  بمجلة الفصول الأربعة مجلة اتحاد كتاب ليبيا في حقبة التسعينات الماضية

.......................................................

التراث بين الامتلاك والاجترار

أمين مازن

قد يتبادر إلى ذهن المتلقي المتعجل الذي اعتاد أن يطلق الأحكام دون رؤية ، ويرسل القول بدون تمحيص ، أن المرء سيمارس لعبة تكرار الأفكار القديمة أو يقترف جريرة ترديد المعلومات الأولية الخالية من أي جديد يذكر أو تطوير يضاف ، حين يتحدث عن التراث . ويذكر بأهميته ويشيد بدوره الفاعل في معركة الحضارة وفي اثراء الفكر ، وتحقيق الوجود الوطني ، واقتلاع مختلف أسباب التخلف ودواعي الانهيار وأسباب التلاشي والذبول ، التي كثيراً ما تسيطر على المجتمعات ابان تخلفها وعدم مسايرتها لركب الحضارة الصاعد .

وقد يقول البعض أيضًا أن ثمة مبالغة في الحديث عن هذا التراث المزعوم ، وافتعالاً في تضخيم دوره الموهوم ، بعد أن أشبعه الدارسون المختصون كتابة وقتلوه بحثاً على حد تعبير القدامى . ولم يعد ثمة بالتالي ما يبرر للمرء أن يقترب منه مرة أخرى ، ويتحدث عنه بمثل هذا الحماس ويقول حوله مثل هذا القول ويثير مثل هذا الجدل ، بقدر ما ينبغي أن يقع الاهتمام بأمور أخرى أوجب وأوكد ، خاصة وأن الواقع يطرح ولله الحمد المزيد من القضايا ويقدم الكثير من الإشكاليات مما يبدو أكثر الحاحاً وأشد اثارة للاهتمام ، وأدعى إلى تحقيق الهدف المنشود من كل حديث يقال وكل حرف يكتب .

والحقيقة أننا لن نضيق ذرعاً بمثل هذه الأقوال مهما بدت قاسية أو غير منصفة ، لن نشكو من قريب أو بعيد من مثل هذه الأحكام مهما أسرف القائلون بها في جور وجانبوا التوفيق في قصدهم ومقومات تفكيرهم ، ذلك أننا ندرك أعمق الادراك ما ينطوي عليه مثل هذا الموضوع الحساس من التشعب والتداخل وما تعرض له من سوء الفهم وسوء التناول . من لدن عدد غير قليل من المقبلين عليه دون دراية والمتصدين له دون مقدرة، أولئك الذين عملوا بصنيعهم هذا على تشويه المفهوم الصحيح للتراث والخروج به من فن له دلالته وأصوله وفاعليته المؤثرة في تنقية النفس وإثراء الوجدان إلى عملية ساذجة تقوم على السطحية والفجاجة والإفلاس ، ومعاداة الموضوعية وما يدخل في حكمها من شروط البحث وعوامل التفكير وأسباب المعاناة .

لقد تسرب إلى حياتنا مفهوم خاطيء كل الخطأ مجحف كل الإجحاف حول مفهوم التراث الشعبي منه وغير الشعبي ، خصائصه وشروطه ، معنى الاهتمام به والالتفات إليه ، وكيفية الوقوف الجاد المسئول أمام دلالاته ورموزه ، وذلك عندما ظن  كثير من الناس أن احياء هذا التراث عمليه  يمكن أن تحقق لمجرد استظهار بضعة نصوص قديمة تخلط بين المثل السائر والحكايات المعادة والخرافات التي لا أهمية لها واجترار كل ذلك أمام الأجيال الجديدة بمناسبة وبلا مناسبة عبر الشاشة الصغيرة وعلى موجات الإذاعة المسموعة ، وفي بعض الأحيان بواسطة الكتب التي تطبع في غياب التقييم الواعي والنقد الموضوعي . حتى لقد غدا مفهوم التراث لا يتجاوز جلسات السمر ، أو " هدرزة المرابيع " المهم الضجيج الاعلامي الموغل في السطحية على نحو ما فعلنا في برنامج أغاني البادية وفعل غيرنا في برنامج قافلة تسير – تماماً مثل ما ذهب البعض الآخر إلى إعادة طباعة الكتب القديمة دون بذل أي جهد يذكر في بالخصوص ولو على سبيل مقارنة الطبعات القديمة وإضافة الحواش والتعليقات .

ونحن نقول بخطأ مثل هذا الأسلوب وندينه بكل ما أوتينا من قوة لما يجسده من عدوان آثم على حقيقة التراث وكيفية الإهتمام به ، ولأن الناس كل الناس لن تتذوق هذا التراث ولن تظهر ازاءه وازاء منتجيه أي اعتبار يذكر ، أو تقدير يعد ، ولو أعدناه على مسامعهم خمس مرات في اليوم كما يفعل المسلم العامل بما أمر به ، وذلك لأن القضية فضلاً عن القوى التي أنجزته والأخرى التي تم لصالحها وفي اتجاه الدفاع عن مكتسباتها .. أنها الأمور التي لا سبيل لبلوغها إلا بالأخذ بأسلوب الدراسات التحليلية وأعمال الرؤية المنهجية الواضحة والنظرية النقدية الشمولية .

نعم ، إن التراث .. والشعبي منه بالذات . قد انجز في مراحل طويلة من التاريخ اتسمت في أحيان كثيرة بالقلق والتغير ، تبعاً لتطور أحوال البشر وشروط العمران ، وكان في معظمه تعبير حياً عن تلك الظروف وانعكاساً صادقاً لذلك الصراع الذي خاضته وماتزال تخوضه بجسارة شديدة وصبر دائم جموع الجماهير العريضة ضد أولئك الذين ساموها سوء العذاب ومارسوا ضدها وبها مختلف أشكال السعف وأنواع التسلط ، تحت شعار ومبررات ، أفلحوا في اختلاقــــها وإن لم يفلحوا في اقناع           

كل الناس بها ، واخفاء ما تنطوي عليه المغالطة والخطأ . وقد صور التراث الشعبي بالذات تلك المعارك أصدق ما يكون التصوير وجسدها كأحسن ما يكون التجسيد ... والسؤال الذي يطرح نفسه دائماً ! هل يمكن لأحد منا اليوم  أن يدرك كل هذه الأبعاد ويلم بكل هذه الأمور لمجرد الاستماع إلى بضعة أمثال من هذا التراث أو مجموعة من الحكايات والأنغام التي كثيراً ما تلقى على المسامع            أو تقدم عبر الشاشة الصغيرة في فجاجة ظاهرة وتكرار ممجوع ؟ هل يمكن كذلك لأحد منا أن يستفيد بحق من أكداس الكتب التراثية التي تعاد طباعتها من مختلف دور النشر بحروف واحدة وأخطاء مطبعية مكررة تحت شعار إحياء وتشجيع التراث ؟

أكاد أقطع أن احداً لن يفلح في اقناعنا بجدوى مثل هذا الأسلوب أسلوب تكرار النصوص واجترار الأمثال مهما كرر القول واعاد الايقاع ، وضاعف من أكداس المطبوعات .. إن هذا القطع لا يصدر عن وجهة نظر خاصة أو موقف شخصي ، بقدر ما يصدر عن متابعة لجهود نظرية مخلصة بذلت وماتزال تبذل تجاه تطوير التراث وامتلاك التراث أثرت وما تزال تؤثر في رؤيتنا تجاه هذا الكنز الثمين . بل إنها الكنوز التي ظلت لفترة طويلة لا صلة لها بحياة الناس لو لم تمتد إليها أيدي الباحثين وتتناولها بالدراسة والتمحيص ، وتكتشف ما تزخر به  من المضامين الانسانية النبيلة والمواقف العظيمة التي عبرت عن قدرة الانسان العربي على مقاومة الطغاة وامكانياته الفاعلة في ترويض سجانيه والوصول بهم إلى مواقف تخفف من غلوهم وبطشهم .. إنها المواقف التي تكشف أن العقل العربي في فترات صحوته السباق الأول نحو انجازها سواء بواسطة الابتكار أو عن طريق الاستفادة من تجربة الانسان  ورحلته النضالية وتجربته المريرة في مقارعة الطغاة والقدرة على تخفيف  ضرباتهم وإبطال جبروتهم .   

وسيكون أبلغ شاهد يمكن أن نركن إليه لتوكيد صحة ما أوحانا ذلك الأثر التراثي الخالد المتمثل في كتاب ألف ليلة وليلة هذا الجهد الفني الضخم الذي أنجزه العقل العربي في القرون الأولى من انبعاث الإمبراطورية الإسلامية كما تقول معظم المصادر التاريخية ، ومع ذلك فقد ظل كماً مهملاً لا يقف أمامه الناس إلا بغرض التسلية ، بل ويستنكف أولئك المنعوتون بالعلماء من مجرد الاقتـراب منه !! حتى لقد

غدت بعض المصادر تشكك في صحة نسبة الكتاب إلى التراث العربي تحرجاً من تبعة منافاة الأخلاق والآداب العامة التي طالما ابتدعوها قولاً وخالفوها  واقعاً وسلوكاً ... إنها الاخلاقيات التي نالت من فن الحكاية وقابلته بشيء  من الاستهزاء وعدم الاحترام اللازم حتى إذا ما قدر للصحوة الغربية أن تحدث وبدأ الفن القصصي يتكون من تلك الوقفات المكانية أمام هذا الأثر الفني الخالد ، وكانت الاستفادة الكبيرة من أسلوبه القصصي وبنائه الملحمي ومستواه الرديء وما تحلى به من فن التداعي والحيوية ، وهي ذات الشروط التي أفلح في تحقبقها رواد الفن الروائي الرائع ف عصرنا الحديث ، عندما أعادوا انتاجه وقدموه لنا وصرنا ننقله ونتعلم منه ، كما لم تكن أي علاقة بمثل هذا الفن في أي يوم من الأيام .

لماذا ؟ ببساطة شديدة لأننا لم نجد ذلك العقل العربي النابه الذي يستطيع أن يقرأ هذا الأثر كما يجب ان يقرأه ويفسره كما يجب أن يفسر ، بل على العكس من ذلك كان لنا العقل الذي استسلم للخمول وركن إلى الدعة ، فلم تتجاوز القراءة حدود التسلية ولم يخرج الفهم عن نمط الخرافة التي أراد منشئها أن يسلي بها السلطان ، فيما استطاع العقل الجديد والمتنور أن يكتشف فيها شكلاً من أشكال المقاومة وضرباً من ضروب مواجهة الظلامية ولو بأبسط الأسلحة وأيسرها . وقد تجلى تأثير هذا الكتاب بشكل واضح في روايات أدب أمريكا اللاتينية على نحو ما قرأنا لتيريوس في السير الرئب ، وغارسيا مركيز في رواية مائة عام من العزلة .

ولا شك أن استدعاء مثل هذه الشواهد من شأنه أن يساعدنا على التفريق بين الفكر المجتر الذي يقف أمام التراث موقف المردد الذي لا يضيف جديد أو لا يكتشف أثر والآخر الذي يصل إلى المرامي البعيدة والمعاني المستعصية . ان الفكر الذي أفلح  في إعادة الاعتبار إلى مثل هذا الاثراء الخالد وإعادة شكليته للعقل العربي الذي أنجزه وأكد وجوده سواء بواسطة الابداع والخلق الفني أو عن طريق الاقتباس والافادة ...

انه الفكر الذي لم يعجز عن انجاز هذه المهمة ضمن مجموعة الانجازات الابداعية الأخرى التي تدخل فيها الابداع بالاقتباس والتوليد والاضافة والمحاكاة .. بالزيادة والتأسيس .

وقد حفل تاريخ الفكر العربي بعشرات الأسماء الجليلة التي استطاعت أن تحتفظ للعقل العربي بما أنجزه وبما أضافه . رغم أن القوى الدولية كانت وما تزال تسعى بكل جهد وتعمل بكل وسيلة لابتلاع الأرض العربية بالكامل وامتصاص الثروة العربية بشتى الطرق . وكانت الجماهير وكان العقل السادر في سياسته العميقة غير مدرك لكل كنوزه العلمية ، مثلما كان غافلاً عن كل الكنوز الأخرى التي امتلأت بها الأرض العربية ولم تجد من يستطيع أن يلتفت إليها ويفيد منها سوى الغزاة أنفسهم الذين لم تفتهم أي شاردة ولم تخف عليهم أي واردة بقدر ما أجادوا الاكتشاف وأفلحوا              في تحقيق الوعي والإدراك .

ولا عجب في ذلك دون شك . ألم نكن جميعاً نعلم منذ القدم أن الحضارة تراكم ، وهي بالتالي كل لا يتجزأ ، ومجموع يفيد فيه الكم والكيف على السواء وأن من يتحرج من الوقوف أمام السيء لا يمكن أن يكتشف مواطن الحسن ومظاهر الجيد؟

إن ما نراه من اجمال لما سبق التنبيه إليه ، ان العودة الى التراث لايمكن أن تتحقق ولا يمكن لها ان كذلك أن تؤدي ما يراد منها من نتائج إيجابية ما لم تكن ضمن خطة شاملة تقوم على التحليل والأصالة ، وتجمع بين تحديد الايجابي والسلبي على السواء .. ان التراث حن نفلح في فهم وإدراك مراميه يمكن أن يصل بنا إلى إدراك خصائص كل مرحلة من مراحل التاريخ في اتجاه فحص مواطن الضعف التي انتابتها ، ومصادر القوة التي ساعدت على ازدهارها ، لكن لن يفلح في صنع مرحلة جديدة ولا يمكن لأي دارس أن يطلب أو يسعى لمثل هذا الطلب . ذلك أن كلمة تراث في حد ذاتها تعني تلك الآثار التي استطاع انجازها أولئك الذين سبقونا وعاشوا قبلنا ، ونأتي اليوم لاقتفاء اثرهم ، وجني محصول سعيهم وعطائهم. في محاولة جادة لتجاوزهم ومن ثمة البدء من حيث انتهوا وليس إعادة تجربتهم نقلاً ساذجاً وتقليداً لا حياة فيه ولا حيوية .

إن ما ينتظر منا إذن ، حين نكون جادين في مانعمل ، وبعد أن نكمل استلهام ما أنجزه الأولون ، وما حفل به العطاء البشري عموماً ، أن نتخذ مشروعنا بمفردنا ، وفق شروط عصرنا وحاجات زماننا وضرورات واقعنا .

وكل محاولة تتجاوز هذه الحقيقة لا تعد وأن تكون مضيعة للوقت واهداراً للجهد نعم إنها – بدون ما سبق – ستكون كذلك وكذلك ليس غير



______________________________

لكي تكون جهودهم أكثر نفعاً

أمين مازن

ثمة جهود علمية جمة ، طيبة ومخلصة، وعلى قدر وافر من الكثرة والجدية. بذلها ويبذلها في سخاء مشهود ، ومثابرة واضحة ، نفر غير قليل من أولي الاختصاص والخبرة باللغة العربية وعلومها المختلفة في بلادنا الفتية ، عبر مشاركاتهم الجادة ، واسهاماتهم الثرية ، في  حقل المعرفة والعطاء الفكري المتنوع ، بواسطة الإذاعة والشاشة الصغيرة أحياناً ، وعلى أنهار الصحف وأعمدة المجلات أحياناً أخرى .

وقبل ذلك كله جاءت تلك الجهود الطيبة ، عبر حلقات الدروس التطوعية في المساجد والزوايا ، عندما كان الجهاد في سبيل الله وطلب العلم والعمل به يكونان حلقة واحدة ، وينالان جزاء واحداً ، لأنهما صنوان لا يختلفان .

وقد تمثلت هذه الجهود ، على نحو خاص في المتابعة المستمرة لتصحيح النطق العربي ، الشفوي والتحريري ، لفظاً واعراباً ، وملاحقة الشارد والوارد في هذه اللغة العظيمة ، بواسطة الشاهد النحوي والتأكيد عليه شعراً قديماً أو نصاً قرآنياً كريماً ، وهما الدعامتان الأساسيتان لكل رأي يتصل اتصالاً وثيقاً بسلامة اللغة ، وتنقيتها من مضار العجمة ، التي كانت وما تزال من أخطر ما يتهدد هذه اللغة ، منذ اتساع الامبراطورية الاسلامية واختلاط العرب بالأمم المجاورة والأمصار المتعددة ، ونشوء المصالح المعاشية وارتباطاتها الجديدة التي لم تكن موجودة قبل انبعاث الحضارة الإسلامية . ومولد تلك الدولة القوية التي غيرت ماسبقها من العقائد . وما شاع قبلها وانتشر من العادات والتقاليد ، وإن لم تعتصم من التأثر بها والاستفادة من منجزاتها ، ولو من قبل إعادة الإنتاج ، على حد تعبير غلاة النقد الحديث ، من الذين قد يختلف الباحث مع نتائج بعض أبحاثهم ، إلا أنه لا ينكر أهمية مناهجهم ومجمل إضافاتهم .. وما حققوه في هذا الحقل  المعرفي الهام .

والمرء لا يملك في الحقيقة ولو كان لديه النذر اليسير من الإنصاف ، إلا ان يثمن هذه الجهود ويكبر دور القائمين عليها ، وينزلها المنزلة اللائقة بها عند التصدي لتجربتنا التعليمية بالنقد والتقييم ، وفحص ما يتوفر لها من مواطن السلب والايجاب ، لما تنطوي عليه من قوة الحرص على هذه اللغة الجميلة ، وصادق الحدب على سلامة نطقها وأحكام مخارج حروفها وطرق تصريفها ، ومن تم الذوذ الحاسم عنها من كل السبل والوجوه ،

وبالتالي صونها من مخاطر التسيب والتفريط وافتقاد شروط الأصالة ، باعتبار الأداة القومية الفاعلة ، والإرث الحضاري الثمين ، والشرط الأساسي المؤثر في تحقيق ملامح الهوية القومية ، وتوكيد الانتماء العربي . والوصول إلى مستوى الفعل الحضاري ، عبر عملية البناء الاجتماعي الكامل الذي تشهده حياتنا ويطرحه عصرنا وتتسابق فيه المجموعات البشرية ايما تسابق ، وتبذل في سبيل بلوغه عديد الجهود والأعمال وما ذلك إلا لأن هذا العصر أصبح الآن يعرف بعصر تأكيد الذات والرفض القاطع لفكرة الذوبان في الآخر ، تحت أي شعار من الشعارات .

بيد أن القول بتثمين هذه الجهود المخلصة ، وازجاء الثناء والتقدير تجاه القائمين بها ، لا يمنع إن أردنا الدقة من سوق هذا الاستدراك الذي نرى أهمية القول به والسعي إلى توكيده .

ومجمله : ان مشكلات لغتنا العربية والعمل على توفير احتياجاتها الكثيرة . وسد ثغرانها الواسعة ، ونواقصها المتعددة ، لا يمكن ان تحقق مثل هذه الجوانب الضيقة ، وان تطورها التطور اللازم وتنقيتها التي ينبغي أن تتحقق هو أمر تجاوز بالتأكيد مثل هذه المنطلقات السريعة لما تتصف به من أحادية الجانب والنظرة ، وبالتالي فهي ما تزال تفتقر إلى الاجتهاد ، والتجديد والادراك الشامل لهموم العصر وما يحدث فيه من مستجدات وما تتفاعل فيه من متغيرات وأحداث ، تتصل بمواقف الناس وطرائق تفكيرهم وأدوات تعبيرهم ، وفي مقدمتها اللغة التي تجمع كل مناهج التفكير وقواعد المعرفة على أنها لا تتسع ولا تنمو الا بالاستعمال والتوليد والإثراء المستمر من مستجدات الحياة وضروراتها ، واسهامات الحضارة وانجازاتها ، ومعطيات المدنية واضافاتها ، عبر عملية غاية في التعقيد والتداخل والجدلية .

ولا يتسرع احد بإساءة الظن بقولنا هذا ، فيحسب عن خطأ أننا من اللذين يستهينون بمسألة تصحيح النطق وتحقيق الفصاحة لهذه اللغة ، أو أننا من المتساهلين ازاء العبث بفصاحة اللسان العربي وشيوع اللحن في القول شفاهة أو كتابة. اذ لو طاوع المرء نفسه واتبع هواها واستجاب لما تحب وترضى ، لما وجد شيئاً أحب إليه من النحو وغرائب النطق . وشواهد الأعراب ، فهي رفيقة العمر وتوأم النشأة وبدء البداية في عالم الحياة ، منذ حلقات الدرس الأولى عبر النص الشعري المتداول فضلاً عن المثل السائر والحكمة الخالدة ، ولو وجد المرء سبيلاً وامتلك عدة لمنع كل من لا يحسن النطق من الحديث الملقى على مسامع الناس . وربما فعل أكثر من ذلك فحمل في يده عصا وهوى بها  على كل من يخطيء في اللغة العربية ولا يقيم وزناً لسلامة النطق وفصاحة اللسان وبلاغة التعبير أو عمد إلى إلغاء كل شهادة علمية لا يتوفر لحاملها القدرة على الحديث كما يجب ولا اعتبر الخطأ في النطق من الكبائر التي لا بد من التفكير عنها والجرائم التي لا بد من المحاكمة عليها والقصاص من مرتكبها .

غير أن الفرق كبير والبون شاسع بين هوى النفس وما تتوق اليه من رغبات ومطالب ، وما ترنو إليه من كبير الآمال وواسع التطلعات ، وهموم العصر وما يطرحه من أسئلة واشكالات وقضايا ، بين خطاب القلب الذي يعشق النحو والذاكرة التي تحمل لهذا العلم كل الذكريات الجميلة ، وبين صوت العقل الذي يرى في النحو جزءاً من اللغة ، يزيدها توفره جمالاً لكنه ليس كل شيء فيها .. أي أنه مهما بالغنا في تكريمه وتكريم العاملين في حقله فلا يعدو أن يكون ركناً بدونه لا يستقيم بيت اللغة ، بل لا بد من أشياء كثيرة أخرى وشروط أخرى أشد كثرة . لكي تكون اللغة أداة معرفة حققية ووسيلة بناء حضاري يحقق للإنسان ماهيته ويمكنه من أداء دوره الطليعي في معركة الحياة الواسعة، التي تحتاج إلى جهد العقل في مجال التفكير وإلى فصاحة اللسان في مجال التعبير ، وإلى استشعار المسئولية في كلا الاثنين وعلى ذات القدر من المساواة والتعادل والتنسيق .

من هنا فنحن نرى أن جهود اللغويين من ذوي الاختصاص والخبرة في ميدان اللغة والحادبين على هذه الأداة الجميلة في بلادنا إذا ما اريد لها أن تكون أكثر جدوى وأوكد نفعاً وأدعى إلى ضمان المساهمة الحقيقية في حل معضلات هذه الأداة وقضاياها وأقرب إلى تحقيق ما ننشده لها من الإثراء والخصوبة .. نقول إن هذه الجهود إذا ما أريد لها أن تكون كذلك ، فلا بد من أن تنصرف ، وبدون أي تأخير ، إلى اللغة من حيث هي كائن ينبغي أن يتطور وينمو وتكفل له جميع الأسباب المؤدية لبلوغ هذا الغرض النبيل ، وتوضع أمامه كل الشروط المحققة لمثل هذا التوجه المجدي والوسائل المساعدة لتحقيق هذا الهدف الكبير . الأمر الذي سيضاعف من اتساع متن هذه اللغة بتوسيع مشتقاتها وزيادة ثروتها . وهي أمور لا يصار إليها إلا من استعمالات الحياة ومن واقع قياسات الدارسين واستنباطاتهم وموازينهم وخلاصة تجربتهم وتحصيلهم في شتى الفنون والآداب  ولا سيما تعاملهم مع اللغات الأخرى وما تقدمه معاجم تلك اللغات في مطلع كل سنة من جديد الاشتقاقات والاستحداثات .

إن جهود اللغويين فيما نعتقد ، ينبغي أن تنصرف بقوة ودراية إلى التعبيرات التي ملأت اللغة العربية بحكمة التطور والتعامل اليومي مع الحياة ، فيما يظل النحويون القدامى ودعاة الجمود يصرون على رفض استعمال هذه المصطلحات ورمى أن كل من يأخذ بها بالمخطيء المتعمد ، وذلك بالرغم من أن لغتنا الجميلة قد عرفت منذ القدم ما يسهم بتوسيع الاستعمال ومرونة التشقيق حتى لقد قيل في أمثالها القديمة " خطأ مشهور خير من صواب مهجور " وهو قول يؤكد الأهمية التي أعطاها لاجماع البشر وممارستهم ، وما انتهوا إليه من فهم لدور اللغة والتي لا يمكن لها أن تتجاوز في كل الظروف ، كونها وسيلة لغاية أكبر ، ونعني  بهذه الغاية تبليغ الخطاب .

ولو أردنا أن نضرب مثلاً لهذه الاستعمالات التي دخلت لغتنا وثمة من يعترض على الأخذ بها ، لما وجدنا اقرب من عبارات المناخ الثقافي .. الجمود الفكري .. الحياة الأدبية .. حقل المعرفة .. جفاف الحياة الفكرية .. موت الشعر .. إلى آخر هذه التشبيهات التي درجنا على استعمالها وتخطئة كل من قول بها ، متحججين بأن المناخ تعبير جغرافي يتصل بالهواء ، الذي يتنفسه الناس .. وأن الحياة تتصل بطريقة العيش وأن الحقل يعني الأرض المزروعة وأن الجمود والموت من التعبيرات التي تطلق على الأشياء الملموسة إلى غير هذه الردود التي يدفع بها عدد غير قليل من المتحذلقين وهواة التكلس والجمود ، فلماذا إذن لا ينصرف المهتمون بمشكلات اللغة العربية إلى معالجة مثل هذه الأمور . لماذا لا يستثمر أمثال هؤلاء درايتهم في مجال النحت والاستعارة والكناية وما في حكمها من مصطلحات اللغة لاكتشاف أساليب جديدة في اتجاه تطور لغتنا وجعلها أكثر قرباً من مستجدات العصر ، ألم يأن لنا أن نعلم أن آفة لغتنا إنما تكمن في تلك الهوة السحيقة القائمة بين الاستعمال اليومي وتلك القواميس شبه الجامدة والتي تجسد إلى حد كبير تخلفنا في ميدان اللغويات ؟

حقاً اننا لا ندعو إلى التفريط في كنوز هذه اللغة التي تكونت عبر مسيرة حضارية طويلة ومشاركة معدودة في رحلة الانسانية ، ولكننا نحب أن نشير إلى حق نشعر بثقله وتأثيره، ونشيد بجهد ينبغي أن يحسن استثماره والاستفادة منه والافادة منه ، بعد أن خبرنا كنهه ووقفنا على حقيقة ما بذل فيه .

إن ما نرمي اليه من اثارة هذه القضية الفكرية المهمة والدفع بها إلى آفاق النقاش وتبادل الرأي الواضح ، بعيداً عن المواربة ، هو الرغبة الملحة في ايصال لغتنا العربية بمشكلات الحياة الحقيقية كيما تتطور وتنمو ، وتحقيق ما  نتوخاه لها من مسايرة لضرورات الحياة واحتياجاتها الواسعة ، وما نريده لها من قدرة على استيعاب المرحلة التاريخية الهامة التي يمر بها العالم ، وتمر بها لغاته ومن بينها بالطبع لغتنا الجميلة ، والتي نجرم في حقها جرماً لا يدانيه جرم حين نفصلها عن سيرورة العالم وسيرورة لغاته ، وما يحتدم فيه من صراع ، وما يحدث فيه من تطور يشمل كل شيء

صحيح إن ذلك لن يتم لو أخذنا بأسلوب الهدم المخل بالأصول ، والتجريب المنافي للقواعد والأسس ، كما أنه لن يتم كذلك لو انسقنا وراء التقليد الأعمى والانبهار بكل ما هو اجنبي ، والذي لو أخذنا به فلن يؤدي إلا لمزيد الافلاس ومزيد التعثر ، بقدر ما سيتحقق عبر التسخير الواعي الموروث التراثي في المسيرة الجديدة . مضافاً إليه ما تزخر به التجربة الانسانية من عطاء فكري خصب واضافات علمية لا يستهان بها .. وكلما كانت هناك محاولة للاجتهاد كلما كان هناك مجال للخلق والابداع ، والتوليد الخصب المستمر ، المليء بالاضافات الجديدة والانجازات الرائعة والاثراء الخلاق .

ان ما تحتاج إليه اللغة ، أي لغة ، هو المحاولة الدائمة الصبورة في اتجاه الابتكار والاضافة والتجديد ، والاستشراف العميق لروح العصر ، الذي هو حقاً عصر التطور وعصر التجديد في كل مجالات الحياة ومناشطها وفي مقدمة هذه المجالات مجال " اللغة " الذي لا أوسع منه ولا أرحب ، ولا أجدر منه بتجديد المجددين وإضافات المجتهدين من ذوي الخبرة والمقدرة ، ومن أصحاب العطاء الغزير المستمر ، والذين كانت جهودهم دوماً طيبة ومثمرة وان كنا نحب لها أن تكون أكثر تطوراً وأكثر ايجابية ، على نحو ما أسلفنا من ملاحظات وعلى نحو ما قد يضيفه غيرنا ممن يشاركنا تقدير هذه الجهود والحرص على تطويرها واستمرارها . 

قربا من مستجدات العصر، ألم يأن لنا ان نعلم ان آفة لغتنا انما تكمن في تلك الهوة السحيقة القائمة بين الاستعمال اليومي وتلك القواميس شبه الجامدة والتي تجسد إلى حد كبير تخلفنا في ميدان اللغويات؟.

حقا اننا لا ندعو إلى التفريط في كنوز هذه اللغة التي تكونت عبر مسيرة حضارية طويلة ومشاركة معدودة في رحلة الإنسانية، ولكننا نحب ان نشير إلى حق نشعر بثقله وتأثيره ونشيد بجهد ينبغي ان يحسن استثماره والاستفادة منه والإفادة منه، بعد ان خبرنا كنهه ووقفنا على حقيقة ما بذل فيه .

ان ما نرمي إليه من إثارة هذه القضية الفكرية المهمة والدفع بها إلى آفاق النقاش وتبادل الرأي الواضح، بعيدا عن المواربة هو الرغبة الملحة في إيصال لغتنا العربية بمشكلات الحياة الحقيقية كيما تتطور وتنمو، وتحقق ما نتوخاه لها من مسايرة لضرورات الحياة واحتياجاتها الواسعة وما نريده لها من قدرة على استيعاب المرحلة التاريخية الهامة التي يمر بها العالم، وتمر لغاته ومن بينها بالطبع لغتنا الجميلة، والتي نجرم في حقها جرما لا يدانيه جرم حين نفصلها عن سيرورة العالم وسيرورة لغاته، وما يحتدم فيه من صراع، وما يحدث فيه من تطور يشمل كل شيء.

صحيح ان ذلك لن  يتم لو أخذنا بأسلوب الهدم المخل بالأصول والتجريب المنافي للقواعد والأسس، كما إنه لن يتم كذلك لو انسقنا وراء التقليد الأعمى والانبهار بكل      ما هو أجنبي، والذي لو أخذنا به فلن يؤدى إلا إلى لمزيد الإفلاس ومزيد التعثر، بقدر ما سيتحقق عبر التسخير الواعي للموروث التراثي في المسيرة الجديدة، مضافا إليه      ما تزخر به التجربة الإنسانية من عطاء فكري خصب وإضافات علمية لا يستهان بها، وكلما كانت هناك محاولة للاجتهاد كلما كان هناك مجال للخلق والإبداع، والتوليد الخصب المستمر، المليء بالإضافات الجديدة والانجازات الرائعة والإثراء الخلاق.

ان ما تحتاج إليه اللغة، أى لغة هو المحاولة الدائمة الصبورة في اتجاه الابتكار والاضافة والتجديد، والاستشراف العميق لروح العصر، الذى هو حقا عصر التطور وعصر التجديد، وفى مقدمة هذه المجالات مجال "اللغة" الذى لا أوسع منه ولا أرحب، ولا أجدر منه بتجديد المجددين وإضافات المجتهدين من ذوي الخبرة والمقدرة، ومن أصحاب العطاء الغزير المستمر والذين كانت جهودهم دوما طيبة ومثمرة وان كنا نحب لها ان تكون أكثر تطورا وأكثر ايجابية، على نحو ما أسلفنا من ملاحظات وعلى نحو ما قد يضيفه غيرنا ممن يشاركنا تقدير هذه الجهود والحرص على تطويرها واستمرارها.

بقي علينا ان نشير هنا إلى تلك الثورة القوية التي قادها شعراء العصر العباسي الذين خاضوا تجربة التوليد في هذه اللغة ، وكان صنيعهم ذاك موضع تقدير واحتفاء من العلماء والدارسين الذين رأوا فيه الإضافة ورأوا فيه التطوير مما أدى إلى غض النظر عن الكثير من السلوكيات غير المحمودة  في ذلك الزمان على نحو ما حصل للشاعرين العملاقين، بشار بن برد والحسن بن هاني (أبو نواس) .

وبقي ان نشير كذلك إلى تلك المحاولات الرائدة التي قادها في العصر الحديث كل من أمين الخولي في مجال أساليب تدريس اللغة، وسلامة موسى في مجال التشقيق اللغوي، حيث استطاع هذا الأخير ان يتجاوز أعمال مؤسسة رسمية تملك الكثير من الإمكانيات ونعني بها مؤسسة المجمع اللغوي، ومع ذلك فقد كانت إضافات سلامة موسى أوسع وأشمل، بصرف النظر عن مواطن الخلاف معه من قبل القوى الأخرى، وبالذات تلك التي لم تسترح لكتابات سلامة موسى حول الوظيفة الاجتماعية للأدب وموقف الأديب من قضايا ومشكلات الواقع .

ان طريق اللغة شاق، وطويل وتحديد وظيفتها وأساليب تدريسها وأسس النهوض بها يحتاج إلى تكاتف كل الجهود، وإعمال كل الآراء والاجتهادات، شريطة ان نتجرد من الشطح والخيال المجنح .

غير ان البداية تكون دائما من إثارة الحوار والتمسك به والحرص عليه وحمايته من مواطن انحراف، حتى وان لم يكن الحماس بالقدر المبتغى، والمساهمات كذلك ليست بالجدية المتوخاة، ذلك ان كل خطوة تخطي ستنقص من مسافة تلك الرحلة الشاقة الطويلة، رحلة اللغة التي هى في الحقيقة بداية كل الرحلات، كيف لا، وقد قيل قديما     " ان اللغة للسان كالملح للطعام" فمن ذا الذى يستسيغ الطعام بدون ملح ما لم تكن هناك موانع أكبر؟

الحق ان الموانع هنا غير موجودة بل ان الدوافع هى الكثيرة، وستبقى كذلك باستمرار



____________________________

حـــــــول أيام الانتفاضة الثقافية

أمين مازن

كلما طوت الانتفاضة المباركة يوما من أيامها أو شهرا من شهورها أو سنة من سنواتها كلما زادت بذلك شيئا مهما إلى رصيدها النضالي الحافل بالدروس والانجازات، وحققت فعلا مؤثرا في الوجود العربي الساكن الذى كاد ان يموت لو لم تبزغ شمسها اللاهبة وتهب رياحها الفتية .

بيد أنها في الوقت ذاته وبالشروط نفسها تضاعف مضاعفة كبيرة من مسئولية الثقافة الوطنية والمثقفين الوطنيين تجاه هذا الفعل الإنسانى العظيم الذى كان وما يزال وسيبقى إلى ان ينتصر بحول الله أروع ما قدمته البشرية في عصورها الحديثة، حتى ليشعر المرء أحيانا ويصدح بشعوره هذا ان على كل الألسنة أن تصمت وتترك لهذا الفعل الفريد ان ينطلق وأن يمارس مسئوليته الثورية في زمن كثر فيه الحديث وقل فيه وربما انعدم فيه الفعل .

لكن ، ما الحيلة وكل فعل لابد ان تكون بجانبه كلمة،قد تسبقه وتدعو إليه، وقد تعقبه وتتحدث عنه، وقد تواكبه بهذه الطريقة أو تلك، هذا يعنى ان الحديث عن الانتفاضة لابد ان يكون ولابد ان تشد من أجله الرحال مهما كانت ضغوط الوقت وتعدد الالتزامات

وقد عشت شخصيا كل هذه المشاعر وأنا أتلقى الدعوة الكريمة التي قامت بتوجيهها مشكورة وزارة الثقافة الأردنية والدائرة الثقافية في منظمة التحرير الفلسطينية وقد زاد من ضرورة التزامي بالمشاركة اعتذار الأستاذ خليفة التليسي .

وقد تنوعت هذه الأيام الثقافية وتعددت المناشط التي صاحبتها تنوعا يصعب على المرء ان يتحدث عنه كما يجب، ويتابع كما ينبغي فهذا عرض مسرحي، وذلك معرض فني، وهنا أمسية شعرية، وهناك مهرجان خطابي، إنه بحق عرس ثقافي حافل هذا الذى استغرقت أيامه أسبوعا كاملا يبدأ من ساعات الصباح الأولى وينتهي في ساعة متأخرة من الليل .

كثيرة هى الوجوه التي حضرت هذا اللقاء ومثلت تيارا من التيارات أو فاعلية من الفاعليات، أسماء تحمل على ظهرها تجارب السنين، ويجسد حضورها الفاعلية والخصوبة .

عبد العظيم أنيس بماضيه البعيد وحاضره القوى محمد براده بتجربته الواسعة، فاروق عبد القادر ببحثه الرصين حول الرواية الفلسطينية، عبد اللطيف اللعبي وهو يتناول مسألة الديمقراطية عبد القادر الشاوي يحاور ويضيف من تجربته النضالية المريرة، رشاد أبو شاور وجبرا وجمال الغيطاني ويوسف القعيد، وكأنهم يشكلون جبهة للرواية العربية، فريدة النقاش ويوسف الصائغ ومحمد أنيس من كوكبة الحداثة ، سالم النحاس وفخري قعوار وعبد الرحيم عمر وعوده عوده وأسماء أخرى كثيرة، وبالذات تلك التي جاءت من الأرض المحتلة تدعم الانتفاضة وتغني أغنيات النضال وتصر على مواصلة المسيرة .

كان البرنامج حافلا ومكثفا ولكنه كذلك ليس مملا لكل من اعتاد ان يتابع بمسئولية ويشارك باهتمام ويقيم الأمور بموضوعية وبمنأى عن التسرع وإعمال الأحكام الجاهزة والآراء المتسرعة .

والحقيقة ان أمسية الشاعر أدونيس تعتبر من أهم المناشط التي أقيمت في هذه الأيام بالإضافة إلى الندوة بالطبع، وترجع أهمية الأمسية إلى الشجاعة الفائقة التي تحلى بها أدونيس، فلقد حدث ان تحركت المجموعات السلفية ووزعت منشورا تضمن اعتراضها على دعوة أدونيس، بوصفه ينضوي تحت لواء من يدعون بالشعراء غير المتدينين، وكان واضحا ان هذه المجموعات لن تستنكف من استعمال القوة، وقد تصور البعض ان أدونيس سيتخلف عن الأمسية، لكن الذى حدث قد جاء مخيبا لهذه التصورات، إذ لم يكد الموعد المحدد للأمسية يشرف على الدخول حتى كان الشاعر في مقدمة الحاضرين، وكانت قصائده الرائعة بعد إجراءات التقديم البسيطة في منتهى الجمال والرقة والتمثل الصادق للهم القومي ولمأساة التشرذم، في الوطن العربى وفى الحركة القومية بالذات، انها النصوص الخالدة التي كتبها أدونيس مستلهما التجربة الصوفية محكما الربط الوثيق بينها وحركة الشورى، ان أدونيس من القلة التي أجادت استثمار التراث الصوفي عبر القصيدة النضالية، إنه الصوفي الزاهد لكنه ليس السلبي وانما هو المتقد تحرقا ولوعة نحو تلك المعبودة الجميلة التي هى الحقيقة أو الحرية أو الثورة، كل يستطيع ان يقرأ ويجد معنى من هذه المعاني لكنه المعنى المحصن من المباشرة ومن الصراخ وانما هو التمثل الواعي في ما يشبه التبتل .

ويبدو ان الجماعات المتحفزة لأدونيس قد أدركت هذه الحقائق عندما بدأ يقرأ قصائده وبسط أمامها الأوراق الواحدة تلك الأخرى ولهذا لم تجد سوى التشويش بواسطة التصفيق المتواصل والتكبير والتهليل المتعمد، ولما لم تستطع ان تحول بين الشاعر ومستمعيه ولما لم تجد في الشعر ما يمكن ان يكون موضع احتجاج ولم يحقق التشويش هدفه المبتغى لم يكن أمامها سوى الانسحاب خارج القاعة فيما ظل الشاعر يوالي انشاده وسط مظاهر الاحتفال والتقدير .

كان ثمة نقاد كثيرون لهم رأي في تجربة ادونيس ومواقفهم تجاه ما يطرحه من آراء لكنهم تضافروا جميعا في تلك اللحظة من أجل ان يتمكن ادونيس من انشاد ما لديه بعيدا عن مؤامرات الإكراه ومحاولات التخريب .

كان مشهدا كبيرا حقا ذلك الذى تم في قاعة قصر الثقافة إنه المشهد الذى أثبت بحق كيف تستطيع الجماهير الواعية ان تكبح جماح بعض الجماعات الرامية إلى تعطيل لغة الحوار فتكرهها على الإصغاء للآخرين أو الانسحاب بعيدا عن محافل الحوار والقراءة والرفض القاطع لأعمال القوة والغوغاء .

ويبدو ان هذا الموقف كان تجسيدا واعيا لتلك الأفكار التي طرحها عبد اللطيف اللعبي في الجانب المتصل بالديمقراطية والانتفاضة عندما استطاع ان يحدد في معرض الإجابة على السؤال المتصل بتحذير الديمقراطية في خطاب الانتفاضة، وانتهى إلى القول بأن جواب المثقف عن سؤال الديمقراطية يمكن ان يتحدد عبر الالتزام بهذا المنهج في ساحة العطاء المستمر وعبر الممارسة اليومية، أى ان المسألة مسألة سلوك يومي مستمر وليس مجرد قول يكرر هنا وهناك .

ونحن نستطيع ان نقف على هذه الأرضية حين ننطلق من تلك التجربة الرائدة في مجال الفن الروائي والتي قدمها غسان كنفاني بصدد تصويره للمأساة الفلسطينية بعيدا عن التناول المباشر منذ مجموعتها " عالم ليس لنا" وروايته "رجال في الشمس" وكذلك " ما تبقى لكم " وهى أمور لفتت أنظار النقاد الذين كتبوا عن فن غسان طوال الستينات على نحو ما فعل كل من الدكتور عبد القادر القط والأستاذ محمود أمين العالم، والتي كانت على ما يبدو في ذاكرة فاروق عبد القادر وهو يدرس أحوال الرواية الفلسطينية في الثمانينات .

ان ميزة فاروق عبد القادر تكمن في شدة ذكائه إزاء النموذج الروائي وقدرته الفائقة على اكتشاف الخلل وفق أسلوب هادئ معبر ودونما لجوء إلى الأحكام الحاضرة والتصورات المسبقة .

ان الأيام الثقافية في الحقيقة تعيد طرح قضية الثقافة المناضلة في العموم، وهى ان اتخذت من المقاومة والانتفاضة منطقا، فلأن الانتفاضة هى الفعل الكبير الذى تشهده الساحة والذي يراهن كل مثقف على استمراره وتأجيجه بأكثر درجات التأجج، ولعل هذا ما يجعل فكرة الربط بين هذه الأمور مجتمعة وقضية الوحدة العربية التي تطرحها ثورة الفاتح من الأمور الجوهرية في هذه الأيام أو لنقل السنة التي نريد لها ان تكون سنة الوحدة العربية، بهدف إبراز هذا المطلب الجماهيرى في زمن أصبح شعاره الأول والأخير رفض التجمعات الصغيرة والأخذ بنظام التكتلات الكبيرة، الامر الذى يقتضي طرح التوجه الوحدوي عبر النص الشعري بشقيه التقليدى والمعاصر، والنص القصصي عبر رحلته الطويلة .

وعندما طرحت هذه القضية عبر اللقاءات المتعددة مع الفاعليات المشاركة، وكان الترحيب الجاد بالأخذ بها كان ذلك يعنى مدى الإدراك  للارتباط الوثيق بالانتفاضة كفعل والوحدة كهدف، وهو ما تطرحه كل نظرية ثورية صحيحة ذات توجه جماهيري صادق


_____________________________

في مسألة العمل الوحدوي

أمين مازن

لا شك ان السؤال المركزي الذى قد يثب إلى الذهن الآن بقوة ونحن نسعى إلى ان تكون الدعوة إلى الوحدة العربية، بواسطة المسيرات السلمية هى محور العمل الشعبي لسنة 91م وعبر الساحات العربية مجتمعة .

لماذا هذه الدعوة الآن بالذات؟ ولماذا نقول نحن اليوم بضرورة ان تكون المحور الأول لكل عمل شعبي، خاصة وأننا نعلم العلم كله ان الدعوة إلى الوحدة العربية تعتبر الشعار الوحيد الذى سيطر على وطننا العربى الكبير طوال احتدام معارك الكفاح الوطني، وبالتحديد تلك التي تأججت على نحو لم يسبق له مثيل طوال الخمسينات والستينات، وان تكن في الحقيقة قد بدأت تاريخيا قبل هذه الفترة بكثير، أى منذ انهيار الإمبراطورية العثمانية وأفول نجم السيادة التركية التي ملأت أرجاء كثيرة من العالم الواسع، ومن بينها وطننا العربى، حين كان الفعل التركي هو السائد وكان الفعل الشعبي بالمقابل هو الفعل الموصوف بالمقاومة بصرف النظر عن اختلاف الدوافع والأهداف، وملابسات خضوع هذا القطر أو ذاك وتداخل الصراع مع قوى أخرى كانت حريصة على الاستفادة من هذا الوضع، عشية تصفية الإمبراطورية العثمانية المتداعية.

ومن الواضح ان كل رغبة صادقة في الحوار وفى طرح مشكلات واقعنا العربى بموضوعية وشمول، وهو أمر لا نشك في وجوده والحرص على تحققه والانطلاق منه، توجب في أولوياتها، ألا يكون لدينا أى ضرب من ضروب الضيق إزاء طرح مثل هذا السؤال وألا نستشعر أى إحراج إزاءه بقدر ما يجب ان يدفعنا بقوة نحو مزيد النقاش، والتسلح بالتفكير العلمي المسئول، سواء ظهرت أمامنا الرغبة الصادقة في الحوار وتبادل الرأي وبالتالي اكتشاف الحلول الناجعة،أو فاحت من هذا السؤال رائحة السخرية الماكرة، وسيطرت عليه آفة الاستهزاء بكل رأي يقال وكل دعوة ترفع، إلى آخر ما اعتدنا الاصطدام به من صنوف المحاولات الانهزامية التي أنتجتها سنوات التخلف وعملت على ترسيخها عهود التبعية الثقافية ومعطيات الاستلاب الثقافي المعيب، حين سادت فكرة الذوبان في شخصية الغازي وتقليد سلوكه ومحاكاة قيمه والتلاشي أمامه في كل شيء .

ونحن نعلل موقفنا هذا بتصور يرى ان كل دعوة كبيرة يمكن ان تكون لها نتائجها الحاسمة والمؤثرة في مسيرة المجتمع، لابد ان نجد من يقف في طريقها وينال من أهدافها، فينعتها ظلما وعدوانا بكل النعوت، ويرميها جورا أو بهتانا بكل السيئات من الأوصاف، بنفس المقدار الذى ستجد فيه مثل هذه الدعوة الكبيرة من يقف إلى جانبها بصدق ويتحمس لها بحيوية، ويعمل على ترسيخها بكل الطرق والوسائل، بدءا من التربية الأولى، ووصولا إلى مرحلة المجهود الفكري والممارسة العملية المرتبطة به في تجربة الحياة المريرة .

وهكذا فنحن نعتقد ونجزم باعتقادنا هذا إنه بقدر ما تتحمس كل القوى التقدمية للدعوة إلى العمل الوحدوي وترى في الجهر به بداية برنامج عمل وطني خلال السنة المحددة لهذه الدعوة وعبر كل الساحات العربية، فإن قوى أخرى لابد ان تتحرك ولابد ان تقف في الطرف النقيض لتجهز على هذا التوجه، أما بوقفه من البداية أو باللجوء إلى أسلوب الالتفاف وممارسة لعبة التخريب من الداخل، وهو أسلوب تخريبي عرفه تاريخ النضال الوطني، حين تلجأ القوى المعادية لتوجهات الجماهير إلى القبول ببعض المطالب ومن ثم العمل على إفراغها من محتواها الحقيقي بواسطة التنفيذ السيئ، بحيث تتحول الانجازات والمطالب في ظل مثل هذا الوضع إلى أشكال خالية من أى محتوى، مما يوفر مناخا ملائما يتم بواسطة الإجهاز النهائي على التجربة المستهدفة في الوقت المناسب!.

ونحن نرجع رهاننا على ظفر هذه الدعوة بما نحب لها من فرص النجاح وكسب التأييد والتحقق، إلى مبدأ أخلاقي، مفاده صون النفس من السقوط في درك الاسفاف في القول والعمل، والانحدار نحو ذلك المنزلق الخاطئ الذى طالما سهل على الآخذين به اطلاق صفة الخيانة على كل رأي مخالف أو قول مغاير، حتى لنجد هذا النمط من الخلق يكاد ان يقيم الدنيا لمجرد ان تسمع أذنه قولا يغاير قوله، أو يقع بصره على رأي يناقض رأيه، ونحن نتحمس لهذه الدعوة لأننا لا نرى فيها وصفة طبية جاهزة تتكفل بحل جميع المشكلات وتحقيق مختلف المطالب، كما أننا لا ننظر إليها كمشروع يسير المنال، لا تحول دون تحقيقه أنواع شتى من المصاعب ولا تعوق طريقه صنوف مقدرة من الموانع والعراقيل .

بل على عكس من ذلك نحن ندرك أعمق الإدراك عديد المصاعب التي قد تؤجل تحقيق مثل هذا الهدف بعض الوقت أو تجعل منه شيئا ضعيف الإيجابية، الامر الذى يفرض سرعة الالتفات إلى هذه المصاعب والحذر من تفاقهما بكل الطرق والوسائل. لكن إدراكنا هذا لا يدخل في عداد ذلك التفكير الذى يؤدى إلى الهزيمة عند البعض ويسبب بالتالي في النكوص عن الهدف الأكبر .

ولكنه الإدراك الرامي إلى تفادي السلبيات ومحاولة السير بسرعة وبمنأى عن كل النكسات التي كثيرا ما تجئ حصادا لكل مشروع يقوم على الطفولة الفكرية، ويرتكب خطيئة تغييب القوى المستفيدة منه عن مسئولية المشاركة في التخطيط والتنفيذ واقتراف جريرة فرض الوصاية عليها والنيابة عنها، مما يدفع هذه القوى كرد فعل طبيعي إلى الوقوف موقف المتفرج وربما حتى المعارض متى وجد المناخ لإعلان مثل هذه المعارضة، وهو أسلوب تم العمل به في تجارب كثيرة كما يحفظه سجل تاريخ هذه التجارب.

وقد لا يجادل مجادل في ان إشكالية الخطاب القومي في فكرنا العربى المعاصر، قد تمثلت في اكتفاء حملة هذا الخطاب عبر جل أطروحاتهم على إثارة العواطف والتعويل على جذوة الحماس الكامنة في النفوس والتي كانت مبرراتها الأساسية كون هذا الخطاب قد نشأ أثناء خضوع أمتنا العربية للحكم التركي وتعرض لمحاولات التتريك التي ظهرت عند مولد نزعة الاستقلال لدى جميع الشعوب التي خضعت لذلك الحكم المتخلف ومنها شعبنا العربى، تلك النزعة التي اصطدمت بعد ذلك بالاستعمار الأوروبي عشية إبرام معاهدة سايكس بيكو الشهيرة التي تم بمقتضاها تقسيم مناطق النفوذ في العالم وفى مقدمتها أقطار وطننا العربى التي قسمت بين فرنسا وانجلترا.

ونحن نقول بهذه الإشكالية ونكاد نجزم بتأثيرها، لأن الخطاب القومي لم يتجاوز في معظم مرتكزاته الفكرية مثل هذه العوالم، وهو أمر أفلح في إذكاء العواطف وتحريم النفوس النائمة، إلا أنه ظل مفتقرا لكل مشروع نظري يتصل بشئون الناس من حيث تنظيم الحياة وتوزيع فرص العمل وتحقيق الحياة وتوزيع فرص العمل وتحقيق العدل الاجتماعى، وذلك باستثناء الفترات الأخيرة من عمر التجربة الناصرية وظهور الميثاق الوطني كدليل عمل نظري وبداية مشروع حضاري.

ومما لا شك فيه ان استشعار هذا الفراغ النظري هو الذى حدا بثورة الفاتح من سبتمبر العظيمة إلى صوغ النظرية العالمية الثالثة المتمثلة في الكتاب الأخضر، كمحاولة جريئة ورائدة لتقديم مشروع فكري يهدف إلى تحقيق التكامل، في اتجاه إثراء العمل القومي الرامي إلى توفير المضمون التقدمي لفكرة الوحدة العربية، والارتفاع بها من عالم السلبيات السابقة عندما كانت خلوا من المسألة الاجتماعية، وقد تجسدت هذه الخطوة على نحو خاص حين تبنت هذه النظرية فكرة الحوار المستمر، وبالذات القوى الفكرية في العالم، سواء بتنظيم حلقات النقاش بالداخل أو الإصغاء إليها في الخارج في محاولة جادة لإعطاء الرأي واستنطاق الرأي البديل .

غير ان الذى لا يمكن إنكاره أو التنصل منه، بقدر ما يجب ان نعترف به دون أى مواربة هو ان معسكر التجزئة ما زال أقوى من قطار الوحدة، وأكثر قدرة على عرقلة المسيرة وتوجيهها في الاتجاه الذى تبتغيه قوى التقدم، حتى ان أكثر الأقطار العربية اتحادا في العقيدة السياسية تتخذ من المواقف المتناقضة ما لا يوجد عند أطراف أخرى، الامر الذى شجع بكل أسف على قيام نظام المحاور وأفلح في تغييب الحقيقة أمام الجماهير، وجعل من المستحيل على الباحث ان يعطي الحق لهذا الطرف أو ذاك فالشعارات واحدة والمواقف ومتباينة، الوحدة شعار الجميع والتناحر هو الموقف الثابت وهو الموقف المهيمن، وكانت النتيجة بالنهاية إهدار الجهد ومضيعة للقوت، ومعارك مستمرة مع طواحين الهواء.

من هنا أصبح من الضرورة بمكان ان تطرح الدعوة إلى الوحدة العربية بهذه الكيفية وان تكون سنة 91م هى سنة العمل الوحدوي الذى لابد لكل القوى التقدمية ان تتبناه وتدعو إليه وتطالب به عبر مختلف الساحات وعلى كل العصور وان يكون هذا العمل بالطرق السلمية وبواسطة الحوار والإقناع ورفض أى أسلوب سواها.

ولا ريب ان النص على أسلوب الجوار وتوكيد الطرق السلمية انما أريد من ورائه ان تطرح قضية الوحدة من منطلق يرفض كل عمل ديماغوجي يتم في غياب الوعي أو يقوم على أساس الحماس الطائش، وذلك لأن الأمر يتطلب أعمال التفكير وتقدير المصالح بذات القدر الذى تدرك فيه مختلف الصعوبات المرتقبة والعراقيل الممكنة، فضلا عن بعض النتائج التي قد لا تكون سارة .

ولا ريب أيضا أن هذا الفهم من شأنه ان يدعو إلى ضرورة الإلمام الكافي بما يطرحه العصر من ضرورات وشروط، أمام كل مجموعة ترنو إلى البقاء والى الخروج من دائرة التخلف، والتي تأتي في مقدمتها كشرط أساسى، استحالة البقاء لكل مجموعة صغيرة لأن الزمن الحاضر هو زمن المجموعات الكبيرة وبالتالي فلا مجال للشراذم والأقزام بالإضافة إلى ضرورة توفر الأسلوب الديمقراطى أمام كل عمل وحدوي مما يستوجب بدون شك استبعاد فكرة الإقليم القاعدي التي ظلت مسيطرة فترة غير قصيرة على الفكر القومي الوحدوي، ذلك ان هذه الفكرة وان تظاهرت بالإقليم المؤثر إلا أنها في حقيقتها لا تعدو فكرة الهيمنة والاستيلاء على المجموعات الصغيرة دون أى مراعاة أو روية، الأمر الذى سيدفع بالضرورة إلى فكرة أكثر عملية ونعني بها الفكرة القائمة على الإقليم المشع الذى يستقطب الأنظار ويشحذ الهمم ويستفز الفاعليات بما يحققه من برامج إنمائية سليمة وممارسة سياسية صائبة وأسلوب عملي يحقق التوازن المطلوب بين سلامة الأهداف والوسائل على السواء، إنه المنطق الذى سيترتب عليه الأخذ بفكرة تحسين النوعية في كل شيء وبالتالي سيساعد على طرح المشروع الحضاري الوحدوي في اتجاه تحقيق الطمأنينة للجميع، وتوفير فرص العمل للجميع، بعيدا عن الإحساس بالخوف واستشعار الضياع لكل الأجزاء الصغيرة ودرء خطر تضخم الذات أمام الأقاليم الكبيرة التي اعتادت التهام من هو دونها تحت شعارات مبتدعة .

ان الدعوة إلى طرح العمل الوحدوي بواسطة القوى التقدمية بالذات عبر كل الساحات الحربية ليس من الأمور التي خلقتها الصدفة بقدر ما هو محصلة طبيعية لما يتوقع ان تشهده هذه الحقبة من تغير كبير في مناطق أخرى من العالم كان لها ابلغ التأثير علينا وعلى تطلعاتنا وكان لها كذلك من القدرة على الاستفادة من تخلفنا ما لم يعد خافيا على أحد ولا منكورا من أحد أيضا، حتى عندما كانت هذه المناطق في بداية صحوتها، فما بالك ونحن نعلم كم سيتضاعف هذا التأثير وتلك الاستفادة وقد أخذت هذه المناطق تتجمع في وحدات كبيرة وتمارس سياسات ونظما متغيرة، مما يضاعف من مسئولية القوى التقدمية في مهمة توصيل الخطاب القومي إلى الجماهير الشعبية على أسس علمية ومن معطيات أكثر موضوعية وأقدر على اقناع المتلقي وكسبه .

نعم ... ان الانطلاق من سنة 91م يعنى إننا نتحرك – ان تحركنا بالفعل – بأقل من سنتين فقط من مولد العملاق الأوروبي الذى سيواجه الدنيا مكتمل النمو ابتداء من سنة 93م ليفرض سياساته في مجال الاقتصاد والسياسة والاجتماع وقيم الناس وأفكارهم وأخلاقهم، خاصة بعد انهيار المعسكر الاشتراكى الذى بدأت منظومته تتسابق في تهافت مخجل نحو غرب اوروبا، طالبة المعونة منشدة المؤازرة مقدمة التنازل تلو التنازل، حتى أنها لم تعد تخجل من قبول شروط الغرب التي أقل ما يمكن ان توصف به أنها تشكل انتقاصا من سيادة دول هذا المعسكر، فإذا ما أضفنا إلى ذلك كله إمكانيات اليابان المهولة وقوة الاحتكارات الأمريكية، رغم أزماتها الكبيرة، سندرك بما لا يدع مجالا للشك حجم التحديات التي تنتظر شعبنا العربى وقطاعاته المختلفة السادرة في غفوتها الطويلة، وأنظمتنا المنغمسة في برك الخلاف والتطاحن والصراع الذى لا مبرر له      ولا مجال لإنكاره، والاعتراف بوجوده.

ان القول بهذه الحقائق وغيرها مما هو أكثر تأثيرا أو أشد وضوحا لا يعنى اليأس من إمكانية الخروج من عنق الزجاجة ولا يندرج كذلك ضمن لعبة الميل إلى جلد الذات التي كثيرا ما يلجأ إليها المنهزمون داخليا والمتشائمون من الغد، المستسلمون لشروط التخلف القاسية، ولكنه القول المنطلق من التصميم الواعي الأكيد على ضرورة خلق الظروف الملائمة والكفيلة بتحقيق أوضاع أفضل وأسباب أجدى وأنجع لكسر القيود المكبلة لجماهيرنا العربية بهدف دفعها في اتجاه ترسيخ العمل الوحدوي والسعى الدؤوب من أجل العمل على تحقيقه وفق مخطط يعتمد منهج تجاوز المراحل بدل اللجوء إلى إحراقها أو محاولة قفزها بهدف تجنب التردي والسقوط والظفر بالوصول المؤكد.

ان آفة الفكر العربى الكبيرة في نظرنا هى تلك التي تمثلت في أحيان كثيرة بما اصطلح على تسميته بسياسة النعامة التي تزعم ان مواراة رأسها بالتراب يتكفل باختفائها كلية، فترى الآخرين بمثل هذا الأسلوب يلجأون إلى إخفاء الحقائق ورفض كل تحليل يقول بوجود مشكلات محددة وفوارق طبيعية تحتاج إلى برنامج عمل واسع لصلاحها وبلورة الحلول الناجعة لها، وهو وضع على الأقل بقدر ما يساعد على تفاقم المشاكل وزيادة تعقيدها والدفع بها بالتالي إلى ما يمكن وصفه باستعصاء الحلول، أمام كل من يسعى إلى الحل الناجع والإصلاح العملى .

من هنا يصبح في مقدمة ما ينبغي ان ينصرف إليه الباحثون ويلتفت إليه الدارسون طوال هذه السنة (91م) سنة العمل الوحدوي والتحرك السلمي لإزالة الحواجز والحدود المصطنعة بين أبناء الشعب الواحد، هو برمجة هذا الموضوع ضمن حلقات حوار موسعة، تحدد بموجبها الأولويات والتي تفضي بالضرورة إلى تكوين قواسم مشتركة لهذا المشروع القومي الحضاري، وتغدو والقوى الوحدوية التقدمية بالتالي مدعوة إلى الكف عن التشبث بأي خيار من شأنه ان ينال من سرعة تحقيق مثل هذا المشروع، وان تقبل بتأجيل أية أطروحة قد تجعل من العمل الوحدوي أمرا بعيد المنال.

ان التوجه الوحدوي القائم على رفض كل تضخيم للخصوصية القطرية والتي يعرف الجميع أنها إذا لم تكبح ستؤدي إلى الموقف الإقليمى الرجعي، ان هذا التوجه يعتبر اليوم مطالبا أكثر من أى وقت مضى إلى تبني الموقف المماثل بحيث يتم الإقلاع عن أى موقف عقائدي في سبيل تحقيق شكل من أشكال الوحدة، طالما ان الزمن زمن المجموعات الكبيرة، وليس زمن العقائد الكثيرة.

كما ان أخذ زمام المبادرة من قبل القوى السياسية في الوطن العربى عموما، يعنى بدون شك تكريس كل الإمكانيات العقلية لهذا العمل القومي الحضاري، بحيث ينبغي ان يتنادى إلى الاضطلاع بهذه المسئولية كل المستنيرين من أدباء وكتاب وأطباء ومهندسين وأساتذة جامعات وأخصائيين اجتماعيين وخبراء العلوم والاقتصاد من يشكلون القوى الحية في هذا الوطن الكبير، بهدف الوصول إلى صيغ وحدوية شعارها الحوار والوصول إلى أكبر قدر ممكن من الإيمان ومن ثمل العمل الحازم السريع.



_____________________________

ماذا بعد حرب الخليج ؟؟

أمين مازن

ليس من قبيل المبالغة في القول ولا اللغو في الكلام ، بحسب ما نعتقد ، ونثق في صحة معتقدنا هذا ، أن نقول اليوم : أن أمتنا العربية المجيدة ، وعبر هذا الوطن الكبير الخالد من المحيط إلى الخليج ، تعيش الآن مرحلة تاريخية من أخطر مراحلها وتواجه ظرفاً عصيباً من أسوأ ظروفها وأنها قد غدت بين عشية وضحاها ، تتجرع كؤوساً مترعة من الآلام والأوجاع والفجيعة ، كؤوساً لا طعم فيه إلا للمرارة           ولا احساس فيها إلا بالضجر والعناء والتحسر وإن المواطن العربي من أي فئة كان وفي أي بقعة هو يواجه الآن أزمة خانقة تشمل كل شيء قد يرفع عقيرته فيجهر بها أحياناً ما وسعه الجهر ، وقد يفلح في كتمها مكرها أو راغباً برغم ما يجره الكتمان على القلب والأعصاب

ولا مخرج على ما يبدو قريباً من هذه الأزمة لانها مست هذا المواطن في الصميم فغيرت حاضره بعنف اليوم ، ومن الثابت أنها ستؤثر بقوة في انطلاقه نحو الغد .

وليس من قبيل استمرار لعبة الاتكاء على الآخر والقاء جميع التهم والتبعات عليه   في كل كارثة تحدث ان نقول اليوم أيضاً : أن ماجرى كان نتاج مؤامرة استعمارية بالغة التعقيد ، طويلة المدى ، لأن الأمر من الوضوح حتى لا يحتاج إلى أي جهد في البحث ، أو عناء للاثبات ، إلا انه ، وهذا هو الخطير في الأمر على قدر وافر من الدقة والتداخل والتعقيد ، وأي شيء أسوأ وأدق في ذات الوقت من أن يجري كل شيء بمشاركة الأيدي العربية ذاتها ، أي شيء من أن نستدرج جميعاً فنقدم المدى طائعين مختارين حتى نذبح في رابعة النهار ونمكن الجاني من أن يرتكب جريمة   بهذا اليسر وتلك السهولة وسط ظروف مواتية واجماع غير قليل من أقوى الأطراف وأكثرها .

وأنه لمن الغباء المسرف دون شك أن نضيع الوقت في توزيع المسئوليات وتحديد اسهام كل طرف في هذه المسئولية وما إذا كانت هذه الأخطاء قد جاءت عن تعمد مقصود

واصرار مسبق مبيت ، أو انها قد جرت في غطاء من النوايا الحسنة وبمنأى عن سوء القصد والتدبير ، فحين تقع الرزية بقوم من الأقوام ويحل الدمار بما لديهم من نفوس طاهرة وامكانيات مهولة ومنشآت متعددة ، ويأتي على ما حققوا طوال السنين الطويلة بالعرق والدماء والدموع فإن محصلة الرزية في نهاية الأمر ستكون واحدة وهي الخسران المبين وإن ما يلجأ إليه البعض عندئذ في تعداد الأسباب واستبعاد مبدأ التعمد ، انما هو في الحقيقة لا يعدو أن يكون من قبيل التخفيف  من وقع الحزن وتأثيره على النفس المكلومة لغير أما استحالة التعويض عن الرزية ، اما صعوبة البناء فإنها من الأمور الثابتة ثبوت الليل والنهار ولا مجال لانكارها مهما كثرت التعليلات وتعددت المعاذير ، ووقع التفنن في اكتشافها بل وحتى اختلاقها أيضاً خاصة عندما تكون هذه الخسارة بمثل هذا الحجم ويجري التحضير لها بمثل هذا الأسلوب ويتم تنفيذها بمثل هذا التخطيط ووسط هذه الظروف والمعطيات المتشابكة .

لقد دمرت منشآت لا حصر لها في وطننا العربي ، وفي مشرقه بالذات وازهقت أرواح طاهرة وبريئة وفقدت نفوس عزيزة أو عوقت في صحتها الغالية نفوس كان يمكن أن تدخر لزمن قادم ومشكلات منتظرة ومعارك لابد أن تكون ولا مناص من خوضها والاستعداد لها وقد وقع التحضير لما جرى منذ فترات طويلة ودأبت وسائل اعلام متعددة ومعروفة الاتجاه في الحق تمهد لهذا العمل الذي تم وقد ظهرت الدلائل جلية منذ أن بدأ الارتفاع المذهل في اسعار النفط وأخذت الثروات تتكدس في الشرق بالذات تماماً مثلما بدأت الأسلحة كذلك تتكدس والقوات العسكرية تزداد وقد أشار إلى هذا الأمر أكثر من مراقب من الذين لفت نظرهم امعان بعض الجهات العربية في ممارساتها العنصرية وعدم قدرتها على تحقيق أي شكل من أشكال الواقعية في توزيع الثروة بل وأي اقتراب معقول مما طرأ على العصر من تطور وما حل فيه من تغير وتبدل ... تماماً مثلما لم تسترج نفوسهم إلى ترسانات السلاح الكبيرة التي تم تكوين الكثير منها على حساب مشروعات التنمية الحقيقية أحياناً وفي غياب المشاركة الشعبية الصحيحة أحياناً أخرى بل أغلب صفقات الشراء كانت مجرد تبرير لتلك العمولات الكبيرة التي ضاقت بها مصارف أوروبا ،وأزيلت عنها حتى السرية المصرفية لقد كان كل شيء يثير الخوف ويدعو إلى التساؤل والترقب خاصة بعد أن اشتد الصراع على الظفر بالسيطرة على مياه الخليج ومنابع النفط بالذات وعلى الأخص من قبل الولايات المتحدة الأمريكية التي لمح مسئولوها في غير مامرة عن ضرورة احتلال منابع النفط وتأمين وصوله إلى المواطن وارتفاع الأصوات الداعية إلى الثأر من اولئك الذين رفعوا الاسعار على المواطن الأوروبي أثناء برد الشتاء القارص وصحت لديهم فكرة استثمار هذا المعدن في الأمور السياسية على نحو ما جرى في حرب 73 .

وقد كان من أوكد واجبات المواطن العربي المستنير أن يلتفت إلى مثل هذه الأوضاع المرتقبة والمشكلات المتوقعة منذ أن احتدمت المعارك وأطلت المصاعب برأسها الكالح وأن يستدعي إلى الذاكرة تلك الأزمات الاقتصادية التي عصفت بالعالم في الماضي وبالمؤسسات الصناعية بالذات وكانت سبباً مباشراً في اشعال فتيل الحرب وجر النكال والوبال على البشرية لكن الذي حدث كان عكس ذلك بالكامل  وها نحن أولاء نعيش هذا الواقع المزري الذي يتمثل لنا في قطر عربي مدمر حتى النهاية واقطار أخرى مملوءة بالقوات الأجنبية والأساطيل الغربية التي يخطيء الخطأ كله من يظن أنها أي هذه القوات قد جاءت لتخرج أو لتعيد أية شرعية من الشرعيات بقدر ما يجب ان يكون ثابتاً أنها ستبقى إلا إذا ما اجبرت على الخروج وهو أمر بعيد الاحتمال بالنسبة للقوى الممسكة بالأمور اليوم والدليل على ذلك ما يقال عن قوات الأمن المنتظرة والتي يزمع بعض الفرقاء تشكيلها في الفترة القريبة .

والسؤال الملح الآن وقد بدأت المدافع تكف عن القصف والنيران تخفف من اللهيب ماذا عن المستقبل ، ماذا يمكن للقوى الوطنية أن تصنع ماذا على الفئات المثقفة بوصفها طليعة العمل الوحدوي القومي التقدمي ماذا عليها وماذا عساها الآن أن تفعل ؟

حقيقة أن هذه الفئات دون غيرها تستطيع في هذه المرحلة أن تصنع الكثير وأن تحقق الكثير أيضاً وذلك إذا ما استشعرت المسئولية بشكل كامل ، وواجهت الأمر بما يستحقه من الدراية والحزم وارتفعت إلى مستوى الحدث وابعاده ما يتطلبه الأمر من عزم وشجاعة واحتكام مستمر لسلطان العلم ومنطق التاريخ ، ومنجزات العصر وحقائقه

وسيكون من المفيد في هذا الاطار أن تتظافر الجهود وتنصرف الاهتمامات إلى الوقوف الجدي أمام كل ما جرى ، وذلك بمحاولة النزول إلى الأعماق الحقيقية للأزمة ، وفهم أسبابها وذواتها بعيداً عن الضجيج الإعلامي الأرعن والتناول السطحي الساذج ، الذي اعتاد مقترفوه دائماً أن يكتفوا بالحديث عن النتائج دون الأسباب والكلام عن الشكل دون المحتوى ، وهي نظرة تغفل حقائق التاريخ وتغفل الأسباب الجذرية التي تقف عادة خلف كل صراع جرى ويجري لسبب أو آخر طالمما لم توجد الخطط والبرامج العلمية القادرة على تطويقه في المهد .

وسيكون من الضروري تبعاً لذلك أن يتم الاقلاع بكل قوة وجدية عن ظاهرة جلد الذات المخجلة ، وعن الوقوع في درك دائرة المعارك الاعلامية المسفة التي لن يكون لها من مردود يذكر سوى تبديد طاقات الأمة العربية وهدر امكاناتها الطيبة في ما لا طائل من ورائه ولا رجا منه الأمر الذي يفرض علينا جميعاً أن نحذف من قاموسنا كل المطلقات من الأمور بحيث نستطيع والحالة هذه أن نكتشف مواطن الخطأ في تقديراتنا لنصل بالتالي إلى تقدير حجم الخسارة الحقيقية ، ومحاولة استشراف الايجابيات حتى وإن يكن البلوغ إليها سيكون بعد حين من الدهر ومزيد من الصبر .

ومن الواضح إن مثل هذا المنطق سيساعد على الاعتصام من تلك الأحكام المتعجلة والعاطفية أيضاً والتي مالم نحترس منها فستودي بنا إلى الوقوع في دائرة المفاضلة بين الفرقاء ، وذلك لأن هذا المنهج لن يؤدي إلى النتائج التي نتطلع إليها ولا يواكب المرحلة التي نمر بها كما أن الخطأ كان خطأنا جميعاً وبالتالي فإن الخسارة كانت كذلك ... نعم إن هذا المنطق من شأنه أن يدفعنا إلى استشراف المستقبل بثقة وأمل وإلى إعادة النظر في مختلف الهياكل والتنظيمات التي لو كانت سليمة من الخلل مبرأة من الشوائب لأمكن تفادي الكارثة أو العمل على استيعابها ومن ثم الحيلولة دون تفاقمها واستفحال خطرها وهو الذي كان عاماً وشاملاً .

إن أخطر ما يهدد أمتنا العربية اليوم أن يفضي الصراع الذي جرى إلى تكريس الفرقة بإقامة نظام المحاور أو المعسكرات خاصة بعد أن نفضت القوى الدولية كلها أو أكثرها نظام الأحلاف وغدت تتعاون وتخطط لعالم جديد عالم يسوده الوئام وتحكمه الواقعية وصيغ الوفاق والتآزر والتعاضد في كل مناحي الحياة ، حتى لقد اتخذت اجراءات صارمة لإلغاء بعض الأحلاف وتفكيك القواعد العسكرية وتصفية الأسلحة بعد صراع دام حقباً طويلة ومريرة واتلف بسببه جهود كثيرة وامكانيات ضخمة ، أثرت بشكل واضح على مسيرة التنمية وعلى تأخير قطار التقدم الاقتصادي لبلدان كثيرة ، فكيف يمكن أن تسمح للأحلاف والمحاور أن تطل من جديد وأن تكون نظاماً يتبع وأسلوباً يستعان به في معالجة المشكلات ؟

لا شك أن الصواب يقتضي غير ذلك ومن هنا يصبح من الضروري أن تنصرف الأنظار وتلتفت الجهود إلى ما سبق أن أومأنا إليه في معالجة مشكلات ما بعد الصراع العسكري إلى العمل على انتهاج سياسة جديدة وممارسات جديدة .

حقاً إننا لسنا خياليين فنزعم ان الجرح يمكن يندمل بسرعة أو أن كل شيء يمكن أن ينتهي بين يوم وليلة ، ولكن الذي نهدف إليه كي يكون واضحاً للجميع أن كل اصرار على استمرار الصراع وعلى تصفية الحساب ، ولو  وصلت إلى حد استعمال السلاح مرة أخرى .

وهذا يعني أن على القوى المستنيرة أن تدفع بالأمر في اتجاه الوثوق باستحالة تحقيق الغلبة لأي طرف مما يقتضي أن يتم الاتجاه نحو صيغ تضمن حق الجميع  في المساهمة والبقاء ، بل وحاجة الأمة كلها إلى هذه الجهود مجتمعة .

صحيح أن بنى كثيرة لا بد أن يطالها  العصر وأن رياح التبديل لا بد أن تتم وتشمل ألواناً شتى من الحياة اجتماعية كانت أم سياسية ، لكن هذا لابد أن يتم في إطار الصراع الديمقراطي وبمنأى عن التدخل الخارجي تحت أي شعار من الشعارات وبأي حجة من الحجج .

وعندما تسود مثل هذه النظرة في مواجهة الأمور بالنسبة لفترة ما بعد الحرب ، وأثناء إعادة البناء فإن الأمة العربية تستطيع أن تحول دون المخطط الرامي إلى تصفية كل محاولة صناعية تحت شعار الحفاظ على الأمة في الشرق الوسط ، بل قد يصار إلى فهم حقيقة المخطط الامبريالي الذي لم يكن يهدف إلا لاحكام القبضة على خبرات هذا الوطن وعلى مقدراته ومداخيله العامة ويكفي ان يلحظ المرء هنا هذا التسابق العجيب على الظفر باضخم العقود وأكثرها لما يسمى بإعادة التعمير ، وذلك حتى قبل أن تحصى الخسائر الفعلية وقبل أن يعاد ترتيب الاولويات على ضوء ماضاقت الحرب من دروس مستفادة وعبر ومواعظ ينبغي أن تتبع ويؤخذ بها . وقد يتركز الأمر نحو مزيد من الانجلاء ،فتفهم أبعاد سياسة إعادة التسليح وبناء الترسانات العسكرية فيتضح بالتالي أن القلق لم يكن من تدفق السلاح وانما فقط من تعدد مصادره وتعدد  الحاصلين عليه ، بمعنى ان الامبريالية الاطلسية تهدف إلى تغيير ميزان القوة في الظاهرة ، إلا أنها قد تكون بل من المرجح أنها تدرس إلى جانب ذلك تحديد الفئة التي ينبغي أن يؤول إليها السلاح ، ويؤول إليها الدور السياسي ، وهو دور لن يكون مطلقاً في غير صالح الامبراليين أنفسهم ، بل وتحت امرتهم بكل ما تعني كلمة الامرة من معنى .

وبالجملة ، فإن القوى الثقافية التقدمية تستطيع إن أرادت أن تدفع بمطلب التعامل مع القضايا الدولية بمعيار واحد وتكيل لها بمكيال واحد ، وأن تحول بين ازدواجية الموقف الذي طالما جرى به العمل منذ زرع الكيان الصهيوني في الوطن العربي وطوال الفترة التي لم يستطيع السلاح العربي أن يدرك الأرض التي احتلت منذ سنة 1948 م .

ان متغيرات كثيرة قد حصلت وأوضاعاً كثيرة قد برزت ويمكن لمن يراقب تصريحات الخصوم انفسهم ان يلحظ قوة الدفع التي تحرك الأحداث ، بالرغم من الجهود الاعلامية المعادية ، ومما لا شك فيه إن المثقفين العرب بالذات يستطيعون أن يقدموا الكثير في اتجاه اطفاء فتيل النار وسد الطرق التي قد تكون طويلة وقد تكون خاطفة، إلا أنها ستكون مدمرة بدون شك معطلة لقطار التنمية بدون شك أيضاً فقط لابد أن تكون النظرة هادئة وذات محتوى شمولي .. وأن يكون المصب في اتجاه توسيع المشاركة الشعبية وفي كل ما يخص الوطن حاضراً ومستقبلاً وطنياً وقومياً ، وعالمياً على السواء .


____________________________

أمريكا وأزمة المصداقية

أمين مازن

تظل الغارة الأمريكية الآثمة التي تعرض لها ترابنا الطاهر ، واصطلى بنيرانها شعبنا البطل  قبل أربع سنوات خلت ، عندما جاءت الطائرات الضخمة من أقاصي أوروبا ومن حاملات الطائرات الرابضة في المحيطات حاملة آلاف الأطنان من البارود الحارق ومختلف وسائل الدمار الشرسة في الهزيع الأخير من الليل ، حيث يركن الأطفال إلى أحضان أمهاتهم ويلجأ الناس جميعاً إلى مضاجعهم وحيث تميس الأغصان بأزهارها العبقة وهي تستعد لاستقبال يوم جديد .

في ليلة ربيعية مقمرة حولتها الغارة إلى حريق مشتعل تظل هذه الغارة الباغية ، من اشرس الاحداث التي عرفها هذا القرن الذي يوشك اليوم على النهاية وبالتالي فهي تدعو الى التدبر وتحرض على التفكير ، وتفرض على الجميع باستمرار ، ويسعى جاهدا للنفاذ إلى ما هو خلف سطوره ووسط احداثه الظاهرة والخفية ، عساه يصل إلى إدراك تلك الترتيبات الكبيرة ، التي وإن تأجل تنفيذ بعضها يوماً فإن الذي لا شك فيه أن فكرة تنفيذها بالكامل تظل دائماً موضع عمل مستمر وجهد لا يعرف التوقف من قبل اساطين السياسة الاستعمارية وعملائها المنتشرين في كل مكان من أرض الله الواسعة . إنها الترتيبات التي لن تكون مطلقاً في اتجاه تحقيق أي قدر ، ولو كان ضئيلاً من راحتنا وهنائنا ، بقدر ما ستكون مدعاة لقلقنا واقتلاع أسباب اطمئناننا وشل حركتنا في كل اتجاه ، لأن هذه الحركة ليست منسجمة مع المصالح الامريكية لأن هذه المصالح بالأساس على حساب مصالح الشعوب المستضعفة وما تؤمله من حياة حرة لأفرادها .

غير أن هذا التأمل ، إذا أردنا له أن يكون مجدياً وقمنا بتحقيق ما نرمي إليه من أهداف فاعلة ، فلا بد أن نربأ به عن العويل ، وأن نرتفع به عن المعارك الاعلامية الفجة ، والحملات الدعائية الساذجة التي كثيراً ما صبغت بعض معاركنا القومية ، بقدر ما يجب أن يكون تأملنا هذا حافزاً إلى وضع الأمور في نصابها الصحيح بهدف الاستفادة الواعية من المستجدات الدولية وعلى ضوء ما أضافت الممارسات الامريكية ذاتها ، وما قدمت من سوابق في عالم السياسة ودنيا الصراع المسلح الضاري الذي يبرز الدور الامريكية

تقدم في كل مرة اشياء جديدة ، وتتوفر في معظم الاحيان على قدر غير قليل من التناقض في المواقف والتضارب في الحجج والموازين عند تعاملها مع المشكلات الدولية .

ومن الواضح أن الغارة الامريكية حين نغوص في أعماقها البعيدة ندرك انها قد كانت خاتمة لخطط سابقة ومحاولات متعددة ، كان هدفها الأول والأخير زعزعة أمن الثورة العظيمة ،إذا ما تعذر القضاء عليها بالكامل ، وكان ذلك بهدف القضاء على مجموعة الاجراءات التي تم انجازها في اتجاه دعم حركة التحرر التي حملت لواءها هذه الثورة الشجاعة منذ الساعات الأولى لانبلاجها ، وكان الاسراع بتصفية القواعد الاجنبية الذي تم في الاشهر الأولى من عمر الثورة هو التجسيد الحي للمضمون النضالي لهذه الثورة الجسورة ، ومن ثم الشروع في ضرب المصالح الاستعمارية في أماكن كثيرة من العالم الثالث ، الامر الذي ما كان له أن يكون لو لم تقم هذه الثورة ، خاصة بعد غياب عبد الناصر وما أصيبت به حركة النضال العربي من انتكاسات معروفة شملت أكثر من ساحة عربية وتجسدت في أكثر من شكل ، وفطن إليها أكثر من مراقب .

وقد تم التمهيد لتلك الغارة الآثمة بسلسلة من الاجراءات التبريرية وعقدت بخصوصها جملة من الاجتماعات السرية بين أطراف دولية غير قليلة ، وكان العمل الاعلامي في مقدمة هذه الاجراءات التمهيدية ، حيث بذلت جهود كثيرة ومتعددة لتشويه صورة الثورة في أوساط الرأي العام العالمي ، وذلك بتقديم الجماهيرية كبؤرة  للارهاب وترسانة للسلاح المدمر إلى غير ذلك من النعوث الملفقة التي لم تكن في حقيقة الأمر سوى محاولة واهية لتبرير ما كان يخطط ويدبر ، الأمر الذي لم يكن ينطلي على القوى القومية التقدمية التي فطنت إلى هذا الأمر من البداية وأدركت مخاطره المتوقعة وما كان ينذر به من أضرار محققة وكان أن سعت إلى التحذير من أهدافه ومراميه ، وعملت بكل قوة وجهد إلى فضح المؤامرة من قبل أن يتمكن الامبرياليون من الاقدام عليها ، حتى اذا ما قدر للمؤامرة أن تنفذ وللجريمة البشعة أن ترتكب ، فلم يكن أمام تلك القوى الحية سوى مضاعفة اتباطاتها بهذه الثورة مما جعل منها القوة الفاعلة لكل عمل تقدمي عربياً كان أو أممياً ، الأمر الذي حول الجماهيرية إلى قلعة للنضال البطولي المتصدي للاستعمار وأساليبه ومخططاته في أي مكان وجد وبكل أسلوب تحرك ، وشكل وساماً على صدر كل أفراد شعبها .

نعم ، لقد كانت جميع الحقائق والقرائن على اختلاف الاتجاهات والاجتهادات تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن ما دعي بالارهاب الليبي لم يكن في حقيقته سوى ذلك الموقف الحاسم تجاه معارك الشعوب من أجل تحقيق حريتها والافلات من قبضة جلاديها الذين طالما ساموها سوء العذاب وجرعوها كؤوس الردى وعملوا على وأد تطلعاتها بكل السبل وشتى الوسائل وسعوا إلى إعاقة سعيها الدؤوب للحاق بركب النهضة الحديثة والخروج من دائرة التخلف والتبعية التي طالما أملتها وعملت على التمكين لها بكل جهد وقوة سياسات الاستعماريين الطغاة ومن سار في فلكهم من التقليديين والمترددين وذوي المواقف السكونية ، من الذين لم يكن لديهم أي مشروع جاد للحاق بالعصر وما أضافه للبشرية من تطور مهول في مختلف العلوم من صناعة وادارة وتنظيم ودراسة

كما أن السلاح الذي ضخمت صورته وضوعفت كمياته لم يكن في واقع الأمر وبمنطق الانصاف يتجاوز ضرورات الدفاع المشروع الذي أملته بالدرجة الأولى سعة الأرض وندرة السكان وحساسية الموقع الجغرافي ، وهو سلاح تم الحصول عليه بواسطة الشراء الحر الذي نزه التنزيه كله عن التبعية السياسية والرضوخ لبعض الشروط المجحفة وعلى الأخص فيما يتعلق باستعمال السلاح وظروفه ، وهي الشروط التي كثيراً ما اضطرت للقبول بها قوى أخرى بسبب ظروفها الخاصة وما كانت تعانيه من صعوبات مالية ، فتم الحد بالتالي من قدرتها على استعمال السلاح حين كانت الضرورة تقتضي استعماله فيما ظلت الاتفاقيات تحول دون ذلك .. لقد اثبتت كل الوقائع ان السلاح الليبي كان مبرأ من كل القيود الامر الذي تأكد في قوة الصوت الليبي ووضوحه حول مجموعة من الأحداث الدولية التي مست بعض الدول الاسلامية فكان الصوت الليبي ، بعكس الآخرين مثالاً للجرأة على نحو ما جرى بالنسبة للمؤامرة التي دبرت على وحدة الباكستان حين تم تقسيم ذلك البلد الواحد إلى دولتين متناحرتين ولم تستطع قوى عربية كثيرة أن تفصح عن كلمة احتجاج واحدة بسبب اتفاقيات السلاح وقيود الشروط غير المعلنة !

ومن جهة أخرى فإن مادعى بالسلاح الكيماوي أو المعمل الكيماوي لم يكن في واقع الأمر سوى مصنعاً للادوية قصد به توفير حاجات المواطن الليبي أولا من هذه المادة الضرورية لحياة الانسان وحفظ نوعه ودفع قطار الموت الزاحف نحوه والذي طالما وجد الطريق ممهداً بسبب استمرار الاحتلال الاوروبي الذي لم يكن يبذل أي جهد للحفاظ على صحة هذا المواطن حتى انه لا يمكن اليوم مقارنته بما تحقق لغيره    في العالم الآخر من رعاية ، ما كان لها أن تتم لولا نهب المواد الخام ، بل ولولا اجراء التجارب الطبية على هذا المواطن على نحو ما جرى في قلعة التمييز العنصري " جنوب أفريقيا " التي لم يكن من قبيل الصدفة ان تشهد مستشفياتها أول عملية جراحية لنقل القلب كدليل حي على تضحيتها بأطراف الانسان الاسود واجزائه الغالبة لاسعاد الغازي الدخيل ، الذي سلب قبل ذلك كل الثروات وكل المداخيل .

لقد كانت جميع الحقائق اذن تؤكد ان بلادنا تشهد تجربة نضالية مشروعة ، وتخوض معركة نهضوية عادية ، لكن الامبرالية لا تعرف المشروع الاعندما يكون هذا الانسان من طينتها او يكون الحديث عن هذه الحقوق وسيلة لاحراج الخصم او قتله او احتلال ارضه ، ولهذا تمت المؤامرة ووقع انجازها بعنف ، فجاءت الطائرات لتلقي قنابلها المروعة على الأطفال والنساء والرجال وعلى بيت القائد البطل بوصفه رمز النضال ورمز الصمود وعنوان المقارعة القوية للاستعمار ومخططاته وتدابيره .

لكن العناية الالهية كانت اكبر من خطط المتآمرين ، ففشلت الهجمة وانتكست الحملة وبقيت الثورة وبقى صوتها عاليا مدويا برفض الهزيمة ومواصلة المسيرة وخوض المعركة بكل ما في النفس القوية من التصميم والارادة والاصرار على مكافحة الاستعمار ورفض مشاريعه اينما كانت وكيف كانت . وكان ذلك الموقف المؤازر الذي بادرت باتخاذه القوى التقدمية متحدية صمت الانظمة وترددها المخجل أمام الطغاة ومؤامراتهم ودسائسهم ، وهو موقف رصدته ذاكرة شعبنا في حينه وان تكن اثرت عدم التحدث عنه طويلاً .

صحيح ان سلسلة من المتغيرات قد حصلت بعد هذه المعركة وقد تمثلت على نحو خاص في مجموعة من الانهيارات التي حلت بالمنظومة الاشتراكية وكانت جميعها في اتجاه التخلي الكامل عن معارك الشعوب وعن تطلعاتها الرامية إلى تحقيق المستوى المطلوب من التطور والحيوية .. ومع ذلك فقد تم تحقيق سلسلة من الاجراءات الحاسمة الرامية الى كبح جماح المعسكر الاستعماري ومخططاته الجهنمية وابطال مفعول ما دأب على تدبيره في الخفاء سنين طويلة .

كانت الغارة اذن محاولة اثمة لممارسة الارهاب الرسمي تهدف بالدرجة الاولى الى انهاء دور الثورة العربية التي حملت ثورة الفاتح رايتها الخفاقة بشجاعة نادرة واصرار لا نظير له ، وكانت حسابات الاستعماريين الذين قاموا بها في تلك الليلة ، تقوم على محاولة ابطال المسيرة وكسر قناة النضال والعودة بالامور إلى نقاط    البداية .. لكن هذه الحسابات قد فشلت بالكامل وواجهت الثورة مسيرتها بقوة كرد فعل طبيعي ومشروع دليل على رفض العدوان وعدم السماح لاي اثر من اثاره أن يبقى سوى ذلك الاثر الذي يمثل الشهادة القوية على وقوع تلك الجريمة البشعة والت ظلت مثار اعجاب لكل القوى التقدمية التي دأبت علر زيارة مدن الجماهيرية طوال فترة ما بعد الغارة .

وهكذا دخلت الثورة مرحلة جديدة تمثلت في هدم ورفع جميع القيود التي تحول دون تحرك المواطن وتنقله ، ثم اعلنت الوثيقة الكبرى لحقوق الانسان ومشروع قانون تعزيز الحرية ، والغاء القوانين المخالفة له ، واخيراً طرح المشروع الوحدوي الذي حدد السعي له ابتداء من هذه السنة "91" ، بالاضافة الى انتهاج سياسة متوازنة تقوم على فتح قنوات الاتصال مع جمع الساحات العربية بعيداً عن الأحكام المسبقة واقتناص مواطن الخلاف ، بل بالبحث عن نقاط التفاهم ودعم القواسم المشتركة الكفيلة بتوحيد الجهود كلها .

وقد كان انجاز اتحاد المغرب العربي اهم خطوة وحدوية ، انسجمت كل الانسجام مع توجهات الثورة وخياراتها المبدئية مجسمة بحق قدرتها على رفض المخططات الامبريالية التي طالما سعت الى نشر بذور الشقاق بين هذه الثورة واقطار المغرب العربي ، مستهدفة وضع فواصل معينة في وجه التحرك الجماهيري بهدف تطويقه وصولاً الى الانتفاض عليه في الوقت المناسب .

لقد انتبهت الثورة بحسها العميق الى خطورة مثل هذا المخطط فبذلت جهوداً ممتازة للحيلولة دون وقوعه وذلك بأن اقتلعت كل جذور الخلاف واسباب التوتر ونهجت سبيلاً قام على التفتح والحوار ونبذ كل الاساليب الرامية الى ادخال القوة في معالجة المعضلات العربية ، وكان هذا النهج يعني بحق ما استطاعت الثورة ان تصل اليه من تطوير في اساليبها ومن مقدرة على اكتشاف ضرورات العصر ونداءات المرحلة .وهو امر لقي الترحيب كله والتقدير كله من قبل الحادبين على هذه الثورة والمنشغلين باستقرارها وامنها ، بنفس القدر الذي كان به مثار قلق لاولئك الذين كانوا يراهنون على كبوة جواد النضال والوقوع في متاهات الصراع الموهوم بحيث يتم الانحسار ومن تم الاختناق في النهاية .

على ان المعركة لم تنته ابدا ، قد تتوقف بعض الوقت ولكنها لن تتوقف حتى النهاية ، كما ان القوى المعادية لم تتخل عن سياساتها الرامية الى تسدد الضربة تلو الضربة ، وكلما سنحت الفرصة لذلك ، وها هي الظروف السائدة اليوم تفصح عن مجموعة من التدابير التي اتخذت في حق الأمة العربية في المدى البعيد وان تكن قد طرحت على غير هذا النحو ، وقد وجدت القوى المعادية ضالتها المنشودة في حرب الخليج تلك الحرب التي اتت على الأخضر واليابس واسفرت عن احتلال اربعة اقطار عربية كما عبر القائد القذافي بحق . لقد كثرت المبررات وتعددت المعاذير لكن النتجة واحدة ، وهي مزيد من احتلال ومزيد من التدخل في شئون عدد من الاقطار العربية ، كان مكناً ان تكون اوضاعها اكثر استقامة ومواقفها اكثر تقدماً لولا تلك المعركة الخاسرة التي اسهم فيها كل طرف من الاطراف المصارعة بما يملك ، ويحمل اليوم وبسببها من الاوزار ما لا يمكن التخلص منه ، مهما تنوعت الحجج وتداخلت الاسباب والمبررات ومهما توالت الشهور والسنوات .

وها نحن نسمع كل يوم حديثاً مشتعلاً بالحزن عن الخسائر الفادحة والشروط المجحفة الرامية الى اتلاف المقدرات العربية تحت حجج واهية لا تنهض حجة ولا تصلح لحسم اي خلاف بل ان الادارة الامريكية غدت تلوح اليوم مرة اخرى بما تدعوه بالاسلحة الكيماوية الليبية ، في محاولة مكشوفة لتشويه الصورة ومواصلة السياسات العدوانية القائمة على المحاصرة والتآمر وتدبر الدسائس وصنوف التخريب ، وحسب المرء ان يذكر في هذا الصدد تلك المؤامرة التي تمثلت في اختطاف الاسرى الليبيين في الساعات الاولى من سقوط حبري من حكم تشاد كخطوة للابقاء على التوتر واختلاق المعارك الجانبية التي  لن تكون ابدا في صالح اي من الشعبين المتجاورين ولن تسمح لاي استقرار ان يزدهر اذا ما قدر للتوتر ان يبعث لان الانشغال بالحرب يعني بالضرورة اختلال الموازين والسماح بالتدخل الخارجي وفتح الابواب أمام التآمر وتدبير المكايد المختلفة على نحو ما جرى في أماكن كثيرة بدأت المعارك فيها صغيرة ثم تحولت الى حرب لا تبق ولا تذر انها السياسة التي افلح الاستعماريون في نسج خيوطها واستدراج بعض الانظمة الوطنية الى الوقوع في شراكها الذي لا يمكن الخروج منه بعد ذلك ف حين ان الأمر يختلف عن ذلك تماماً لو وجد العقل المدرك الذي يفرق بين الحق والباطل ويميز الرشد من الغي ويدرك الخبث من الطيب .

نحن اذن نذكر كل هذه الأمور في ذكرى الغارة الامريكية الاثمة على ترابنا الطاهر وندرك بكل وعي جميع هذه الخلفيات وتلك الخبايا لنخلص بالتالي إلى نتيجة مفادها : ان كل القرائن تدل على احتمال مؤامرة جديدة بيد أننا وكما قلنا من البداية نرفض أن ننجر نحو المعارك الاعلامية الساذجة ونرفض اسلوب العويل والصراخ غير المجدي ونحن سنعد لكل طاريء ونواجه أي مخطط ، ولكننا ومن موقع الصمود وبكل ما يملكه الواثق من نفسه نقول : ليس بيننا وبن الولايات المتحدة اية عداوة تاريخية ولسنا كذلك من هواة الصدام لمجرد الصطدام لان الحياة تتسع للجميع ، والتعاون والوفاق يمكن أن يسود بالرغم من كل المتناقضات وما نريد ان نخلص اليه اننا شعب يصر على ان يدير شؤونه بنفسه ودون وصاية من أي كان ، شعب يصر على أداء  دوره القومي كاملا غير منقوص ولن يسمح لاحد أن ينال من هذا الدور او حتى يحدده بالطريقة التي يبتغيها ، ومن هنا فنحن نعتقد ان من الممكن ان تقوم بيننا وبن هذه القوة الدولية علاقة ايجابية لو قبلت ادارتها بهذه البديهيات والتي هي من صميم ما يضمنه القانون الدولي الذي تقوول الادارة الامريكية اليوم كلاماً كثيراً حول المحافظة عله وحول الشرعية الدولية المنبثقة عنه بل ان هذه الادارة قد ارسلت منذ اسابيع اعداد كبيرة من جنودها وعتادها تحت شعار المحافظة على هذه الشرعية الدولية ولكننا ضد التفرقة في اعمال الشرعية ضد الممارسة الرسمية للادارة الامريكية القائمة على اعطاء الحق للبعض وحجب هذا الحق عن البعض الآخر .. اننا نطمح بكل الصدق الى عالم تسوده الشرعية الدولية التي تضمن حق البقاء للجميع وحق التقدم للجميع الامن والسلام للجميع ، عبر هذا الكوكب بشكل عام والشرق الاوسط على نحو خاص ، ولا اعتراض لدينا على تدمير الأسلحة في كل مكان وان يعيش كل انسان بارضه ويدير شئون بلده بالشكل الذي يريد ويرضى ويعتقد بجدواه في تحقيق أهدافه ومراميه ، ومن بينهم الشعب الفلسطيني صاحب الحق المهدور والبلد الضائع .

اننا نقول للادارة الامريكية كل هذا واكثر من هذا وهي تقود حملة المطالبة بالتعويض عن حرب الخليج ،أين انت أيتها الادارة من تلك الغارة الآثمة وما جرته من من خسائر ؟ اين انت من الاطفال الذين ماتوا والبيوت التي هدمت والثروات التي اتلفت . وهل هناك اجدر باعطاء الحق من ذلك الذي دعو الى اعطائه للآخرين ؟

ان الادارة الامريكية ستظل مفتقرة لأبسط  قواعد المصداقية مالم تقم بكل امتنان وقناعة بحل كل هذه المشاكل مجتمعة ، خاصة في هذا الظرف الدولي الذي تكاد ان تنفرد بكل الأمور وحدها بعد ان انفردت بكل المصالح وحدها .

وتبقى القوى القومية والتقدمية ومختلف الفئات الواعية تبقى هذه الشرائح جميعها مدعوة اليوم أكثر من أي وقت مضى وبالحاح شديد الى السعي الحثيث لتوحيد الصفوف وشحذ العزائم وتوفير مختلف الامكانيات من اجل عالم بلا خطر عالم بلا غارات جوية بلا وكالات استخبارات متعددة الجنسية متحدة الأهداف تحصى على كل الناس حركتهم تدون اسماءهم في قوائم طوي

لة واسماء زوجاتهم وأطفالهم وأقاربهم وأصدقائهم واحب الاشياء اليهم وأكرهها على السواء ... أجهزة تدون للناس ماذا يعملون وما لا يعملون وكيف يفكرون وربما حتى اذا خلوا الى مضاجعهم بماذا يحلمون .

ويوم يتم ذلك سنبدأ في بناء مرحلة جديدة.... وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ


______________________________

الفن والتجربة الانسانية .

أمين مازن

نحن نعلم ، حق العلم ما يمثله الفن الصادق في حياة الناس وأحوالهم ، ومدى التأثير الذي يتركه مثل هذا النشاط الانساني الرفيع ، على حواسهم واعصابهم ومشاعرهم . سواء من حيث  تغذية وجدانهم القومي وتشكيله التشكل المبرأ من العقد المنزه من النواقص ، والقائم على التفتح والشفافية والنزوع الدائم نحو الجمال اينما كان وحيثما وجد ، ونبذ كل ما هو سيء معاب ، مثبط للهمم والعزائم مناف للذوق والمسرة . او من حيث توكيد الايجابية الفاعلة وتنقية النفوس الغالية من ذلك الدرن الذي كثيراً ما يعلق بها بسبب تفشي المصالح المادية الطاغية في صفوف البشر ، وسيطرة الشهوات والغرائز عليها وعلى أنماط سلوكهم وطرائق تفكيرهم وصنوف حركتهم ، وتجديد مواقفهم ، وتوجيه خياراتهم  ازاء الكون والحياة اولاً ، وازاء بعضهم البعض ثانياً ، وهم يخوضون ما تزخر به من ألوان خيرها وشرها حلوها ومرها ، وفقاً لسنن الواقع وظروفه ، وما سسود فه من شروط مؤثرة ، ومعطيات فاعلة وعوامل ضاغطة ، يستحيل عليها جميعاً الخروج من احكام قبضتها الصارمة ونتائجها الحتمية التي لا محيد عنها ولا مناص من جبروتها . ولا معدي من هيمنتها القوية وسلطتها الجائرة احياناً أخرى .

ونحن نعلم حق العلم أيضاً ، ان هذا الفن الصادق الذي نؤمن باهميته ونتحدث عنه ، ونشيد بدوره وندعو ، بحماس شديد ، الى اشاعته ، ووضع الخطط العملية الكفيلة بنشره وضمان ازدهاره . ومع كل ما نعرف عن هذه الأهمية وتلك الفاعلية ومدى ما تحقق بواسطتها من تأثير في معركة الحياة الطويلة .... نقول بالرغم من كل ذلك فإن الفن الذي عانى ومازال يعاني دون أي رحمة ولا هوادة من تلك النظرات الخاطئة والتصورات الجائرة التي طالما رأت في ممارسته بل وحتى في مجرد الاهتمام به والحديث عنه ، نوعاً من النشاط الدوني الذي لا أهمية له ولا مردود يمكن أن يعود من

الانشغال به . بل قد رأت في فترات معينة أن الانصراف اليه يشكل نقيصة يجب الاقلاع عنها والاسراع بتجاوزها ، وانحطاطاً معيباً ينبغي لكل من سلك طريقه أن يتخلص منه ويؤوب الى نفسه ويثوب الى رشده عنه ، كي يمكن له بعد ذلك ان تصهر في بوتقة الحياة كما يريد ويرضى وأن تألق فيها كما حب ويشتهي ، للظفر بعدئذ بالمنزلة التي طمح لبلوغها والآمال التي يرنو الى تحقيقها ويسعى جاهداً للوصول اليها والظفر بها وهو بسابق المنافسين من أقرانه ويزاحم الحاسدين من خصومه .

ولا غضاضة في القول ، بحسب ما نرى ، أن هذه نظرة سقيمة هيأت لها سنوات التخلف الاجتماعي المريع وفكرة خاطئة ورؤية جامدة عملت على نشرها والترويج لها بين طبقات الشعب المختلفة سنوات الانحطاط والضحالة ، ورسختها ومكنت لها فترات الجهل والقصور الفكري ، عندما كان الفن يقوم بدور التسلية الرخيصة ويتولى مسئولية جلب اللهو الممجوج . سواء تم هذا الدور المزري في حضرة سلطان جائر يحكم الجماهير بالحديد والنار ، فيخنق فيها كل بسمة ويئد عندها كل أمل .أو على مائدة غنى مرفه يمارس الفسوق والعصيان في " قرية حق عليها القول" أو في دهاليز ملهى عام أريد له ان يكون سبيلاً لصرف الجماهير العريضة عن همومها الحقيقية ومطالبها العادلة ومشكلاتها الملحة ، لهدف دفعها نحو افاق من التخدير ، والاقلاع عن أي رأي ايجابي وفاعل ف معركة الحياة الشرسة وصراعاتها الطويلة المضنية .

ضد مختلف الشرور والآثام والعاملين عليها من حاكمين ظلمة ومتعلمين مرتزقة .

وقد ساعد هذه النظرة على تحقيق ما تحقق لها من التفشي والشيوع ، والاستيلاء على الباب الناس وأفكارهم ، واحكام السيطرة على قلوبهم وعقولهم ، عاملان اساسيان : أحدهما تمثل في تفشي الامية التي كبلت مجتمعنا سنين طويلة ، حيث افلحت في حجب الانظار  عن دور الفن الايجابي في مواجهة الشبق الجنسي ومقارعة الشهوات الحيوانية التي طالما وجدت ظالتها في كل مجتمع منغلق تطرح في  أوساطه شعارات الفضيلة فيما تكون جميع الممارسات الفعلية متداخلة مناقضة لكل ما يقال كل التناقض ، تحت مبررات افلحوا في ابتداعها والترويج لها وان لم يفلحوا اطلاقاً في اخفاء ما تنطوي عليه من السطحية وما تفصح عنه من المجافاة لكل شكل من اشكال المصداقية والالتزام .. اما العامل الثاني فمرده يعود الى التصور القائم على الميل نحو السمسرة وتحقيق الربح السريع بأي صورة من الصور ، وبأي اسلوب من الأساليب ، والنظر إلى المجتمع نظرة استعلائية لا تتوقف ابداً أمام ظاهرة الابداع ودنيا البذل والعطاء وما يصاحبها عادة من نزوع صادق نحو الايثار المحبب لكل نفس طاهرة وروح رفيعة .. انها المعاني التي يتكفل بتوفرها كل فن صادق اصيل وكل عطاء هدف الى الارتفاع بالذوق العام والسمو به نحو آفاق ارحب واجواء اوسع وعوالم اكبر وأرفع فيما تغدو ظروف المجتمع الاستهلاكي تزرع الصعوبة تلو الصعوبة في طريق كل نشاط لا يواكب الهجمة الاستعمارية الشرسة التي ترمي دائماً ، بشتى الطرق والوسائل الى تحويل الناس كل الناس الى ارقام مسيرة في العملية الحسابية الرأسمالية وتروس مسخرة في عجلة المصالح الاحتكارية وارتباطاتها المشبوهة وتحالفاتها المعقدة الظالمة وعلاقاتها الاجتماعية المنصفة .

وهذه وأيم الحق محصلة طبيعية لكل ثقافة تقوم على التشويش الفكري وتعاني من فقدان الجذور الاصيلة المرتبطة اوثق الارتباط واشده بحركة الحياة وحركة الجماهير التي يفترض أن تكون مصدراً لإبداع كل فنان حقيقي ومرجعاً لعطائه والهامه ، ومصباً لنشاطه وتفكيره . وبالتالي السند القوي له والساهر على تحركه وتوجيه ممارسته ، من أجل أن تعلو البسمة كل الشفاه وأن تملأ البهجة كل النفوس وأن يخيم الاطمئنان على كل الحيارى وأن تعم السكينة كل الخائفين .

ولما كان مجتمعنا غير منفصل عن هذه القضايا بقدر ما هو مشغول بها اشد الانشغال ، ولأن ثورة هذا المجتمع أيضاً كانت معنية كذلك كل العناية مطالبة بالالتفات اليها والتوقف امامها بكل دراية وروية ، بما في مثل هذا الموقف من التجسيد الحي لمعنى الحضارة والتمثل الواعي لمسؤوليات العصر وهمومه واشراطه ومتطلباته فكان ان تمت الوقفة الجادة امام الفن والفنانين .

.... وقد تمثلت هذه الوقفة في مجموعة من الانجازات التي تم تحقيقها في مجال الفن من كل نواحيه وفي اتجاه تطوير عطائه وتكثف عوائده ، الامر الذي شمل الاغنية كلمة ولحناً وأداءً ، والمسرح نصاً واخراجاً .

وقد وجدت هذه الأجناس جميعها السمت السالك المدشن نحو الساحات العربية والعالمية للوقوف على ما يراه الآخر في طبيعة ما تم انجازه بعيداً عن المجاملة والاحتكام الى منطق العاطفة التي لا أضر منها ولا اخطر ، على كل نشاط ابداعي ، وكذلك الوقوف على ما تحقق لهذا الاخر ايضاً من أنواع التطور وصنوف التقدم ، مما افضى الى تحقيق كم وافر من الاحتكاك المفيد والتلاقح المخصب ، وفق المعطيات العامة للفن والمقومات الضرورية لاستكمال شكله وأسباب تطوره ، كل ذلك في اطار الهوية القومية وعلى درب العمل الثقافي المرتبط اشد الارتباط واوثقه يالمشروع الحضاري .

وليس بدعاً ان يتم ذلك دون شك ..ليس غريباً ان يقع الاهتمام بالفن والفنان ، وأن توضع السياسات المؤدية الى تحقيق مثل هذا التوجه ...ليس غريباً أن توضع الخطط الدراسية والحوافز التشجيعية وأن توفد البعوث الى كل مكان في الارض وأن تستضاف الخبرات القادرة والمثرة من كل حدب وصوب ، بل إن الغريب حقاً والمستهجن حقاً هو عدم انجاز مثل هذا الامر ، أو أن يتعثر الاخذ به والعمل على تحقيقه ، لاي سبب من الأسباب ،ذلك ان الشعوب الأخرى قد غدت تستعين بهذا النشاط لمخلوقات أخرى غير الانسان ، فكيف اذا كان الامر يتعلق بثورة تقدمية رائدة تدرك أهمية دور الفن وفاعلية دور الفنان في تجذير كل ما يراد تجذره من قيم نبيلة ورؤى متطورة ، تؤدي في النهاية الى ترسيخ المضمون التقدمي لهذا النشاط الانساني الرفيع ، والذي لا مندوحة لكل ثورة أصيلة من الوقوف أمامه ووضع الخطط الشاملة للارتفاع بمستواه ومستوى المنضوين تحت لوائه ، سواء من حيث كونهم بشراً في هذه الحياة أو من حيث المؤسسات التي ترعى نشاط هذا البشر وتسعى للارتفاع به والارتفاع بشرف الانتساب الى دوحه الخصب وعطائه الفياض .. ذلك أن الفن في حقيقته معركة ضارية دؤوبة ، لا مجال فيها للوقوف في منتصف الطريق .. وهو بهذا المعنى نشاط كامن في النفس البشرية منذ الفطرة الأولى لهذا الكائن العظيم الذي تجمع كل الشرائع على عظمته وان اختلفت في تحديد سر هذه العظمة وكيفية تنميتها . ودون إحساس بأي ضرب من ضروب المجاملة الساذجة .وبعيداً عن الانجرار نحو متاهات الملق الرخيص نستطيع القول ، بكل ثقة ، أن الثورة تدرك قبل غيرها ما تتوفر عليه التجربة البشرية من الاغتناء الجم بكل هذه المعاني الجميلة ، والقيم العالية ، التي جسدت على مر التاريخ وعبر كل العصور ، أهمية دور الفنان وأكدت حضوره الفاعل ... وذلك لان الثورة بالأساس وكما يفهمها كل مدرك لقوانين حركة المجتمع ومقومات وجوده وأسباب صراعه ، تعتبر في جوهرها قراءة جديدة وذات أبعاد مختلفة لمسيرة الإنسان ، وتفسيراً متطورا لرحلته النضالية وتحديداً واعياً لمدى اسهاماته في مختلف الشؤون ، وفق نواميس ثابتة وقوانين غير سكونية ، يهتدي بها الباحث ولكنه لا ينقلها بشكل حرفي جامد لا مجال فيه للاجتهاد ولا صلة له بالاجتهاد والتطوير ، وهي تأسيساً على ذلك وانطلاقاً منه لا تتحرك من الفراغ ولا تقوم على الأحكام الجاهزة والكلمات الوعظية المطلقة . التي قد تغري البعض ببريقها فيأخذون في اطلاقها بدون رؤية ويذهبون إلى تطبيقها بشكل قسري ظالم ، يؤدي بمن يأخذون به إلى أسوأ النتائج ..انها اذن إعادة اكتشاف مدرك وذكي للحياة وقوانينها وخصائصها المستقلة ابتداء من البنى التحتية وانتهاء بالنشاط الذهني المنبثق عن هذه البنى ، المعبر عنها بالضرورة ، بهدف الوصول الى انجع الاساليب واجداها ، لاجتثاث كل ما من شأنه أن يحول دون مواصلة المسيرة ، أو ينال من فاعلية التحرك ، أو يؤدي الى افراغ أي مكسب وطني من محتواه التقدمي ومردوده الانساني . فيفضي بالتالي الى الوقوع في درك التقاعس والعجز والاستسلام لعوامل الاحباط والفشل في تحقيق أي دور ايجابي تجاه الانسان والمجتمع والحياة .

من هنا شملت النظرية الثورية ضمن ما شملته وهي تراجح مشكلات الواقع وتقدم محاولتها الدؤوبة لرسم صورته المستقبلية مسألة النشاط الفني وجاءت نتيجة رؤيتها في وجهة نظر محدودة وموجزة تلخصت في مقولة " الشعوب لا تنسجم الامع فنونها وتراثها " لتحدد في شمول وعمق ودراية معنى الفن الصادق الذي يستطيع متى تحقق أن يؤثر في تعميق انسانية الانسان كي يحدد هذا الإنسان طريقه السالك في المجتمع الجديد .. ولتحدد " أي المقولة " في تطلع منهجي واضح مدى ما يمكن أن يضيفه الفن إلى الذات البشرية ، وما يتكفل باعطائه التجربة البشرية وصولا الى ما يمكن ان يفعله في معركة الحياة ومعضلاتها المعقدة وصراعها المرير من أجل توكيد التقدم وترسيخ القيمة النبيلة والمباديء العادلة القائمة على مقاومة التخلف ورفض الهزيمة واقتلاع جذور السلبية والاحساس بالتعاسة والتلاشي والانسحاق وبناء مجتمع العدالة والسلام ومولد الانسان القوي الكامل القادر على التوحيد بين الوطنية والقومية والانسانية .

ان هذه المقولة المبدئية اذن كما نفهمها وكما نحب لها أن تفهم وتزكى من قبل غيرنا أيضاً ، تعتبر دعوة صادقة وملحة للفن كي يحدد دوره الفاعل في معركة الحياة ، وأن يكون هذا الدور ايجابياً وفي اطار العمل الجريء الثابت . وفي اتجاه الكفاح الدؤوب لتسويد القيم الشريفة والمباديء العادلة ومواجهة الاحتكار اينما كان وعلى أي شكل وجد وفي أي مكان تمت ممارسته وظهرت صورة هذه الممارسة ، وهي على هذا الأساس رفض قاطع للحياد في الفن ورفض للهو ساذج بالفن وادانة لا هوادة فيها ولا رحمة لكل محاولة اعتباطية ترمي الى تسخير الفن في تحقيق المداخيل السريعة والهبوط به إلى مستوى العرض في سوق النخاسة ودنيا الاتجار المخجل والاستهلاك الذي لا يعرف الحدود ولا يخطو خطوة واحدة في مجال الانتاج والسير على طريق النمو .

ان القول بأن الشعوب لا تنسجم الا مع فنونها وتراثها قول ينبغي أن يفهم من كل المنخرطين في سلك الفن والحادبين عليه والمشغولين بازدهارها على انه قراءة مبدئية وتحديد منهجي لمفهوم الفن في زمن الثورة القومية ، حيث ينبغي أن يكون لكل نشاط دوره البارز في المعركة القومية ومبادئها التقدمية وتوجهاتها النبيلة .

غير ان هذه القراءة اذا أريد لها أن تكون مجيدة وان تؤتي أكلها الطيب وعوائدها الجيدة ، فلا بد من أن تتنزه عن المباشرة والتهريج والاسفاف .. لا بد أن تتسلح بالعطاء المفيد الجيد والتمثل الواعي لما يملأ الواقع من هموم ومطالب لا أكبر منها ولا ألح .

والسؤال الذي يقفز الآن ، وقد يطغى على جميع الأسئلة الأخرى ، بل أنه يختصرها جميعاً كيف يمكن تحقيق هذا الانسجام ، بل كيف نستفيد نحن من هذا الانسجام ، بل كيف نستفيد نحن من هذا الانسجام ، بمعنى أن انسجام الشعوب لا يعني التوقف أمام هذه الفنون بشكل ساذج أو ترك هذه الفنون معزولة عن حركة الحياة وحركة التطور ، بل على العكس من ذلك ان مسألة انسجام الشعوب تعني أول ما تعني وتفرض في مقدمة ما تفرض العمل على تطوير هذه الفنون مجتمعة ، بحيث ينبغي أن يشمل ذلك اللوحة المصورة والقطعة المموسقة والكلمة الملحنة والحركة المؤثرة . والفنون الشعبية مجتمعة كي تؤدي دورها الحازم في توكيد التطور ومواجهة الفلسفات الرجعية القائمة على التخلف وتعطيل قطار التقدم ، والتي لا حصيلة لممارستها سوى ترسيخ كل ما من شأنه أن يواجه عجلة الحياة الى الخلف .

اننا نعلم ، ولا نخفي ما نعلم ، ان جهوداً كثيرة في هذا الصدد قد بذلت ، كما سبق أن أومأنا ، وقد تحددت هذه الجهود على نحو خاص في بعث الأغنية القديمة واعادة توزيعها على نحو ما حدث للتراث الأندلسي الذي سمى في مصطلح اليوم  "بالمالوف " وكذلك بعض الألحان الشعبية الخالدة كما قد جرى تهذيب الرقص الشعبي واعادة ضبط حركاته وتحديد قياساته واستنباط لوحات جديدة منه ، وبالأخص تلك التي تمجد العمل الجماعي ، وتبعث انماط الحياة القديمة التي كانت على بساطتها وانطلاقها من مناشط بدائية كالزراعة والحصاد وورود الماء وغير ذلك ، تجسد ما تحقق من مدى الاستفادة من التجربة الانسانية وما حققته الدول التي لها باع طويل في هذا المجال ... تلك الدول التي ذهب اليها الدارسون الليبيون وجاء منها الخبراء ايضاً منذ بدء النشاط الفني والتنافس في مجاله عبر العقود الثلاثة الماضية ، حيث كانت المشاركات الفنية بالمهرجانات الدولية موضع تقدير لا نهائي .

وإذا كانت الحقائق التاريخية الثابتة تؤكد جميعها أن الاتجاه الى الفن قد بدأ منذ مطلع الستينات ، وأن الحركة الكشفية قد خطت خطوات رائدة في مجال الفنون الشعبية بالذات . فإن منطق الإنصاف يقتضي القول أن هذه الجهود قد تضاعفت بعد الثورة أضعافاً كثيرة وعلى الأخص في اطار الفن الجماهيري . وتلك محصلة طبيعية لكل نشاط ثوري يستهدف بتوجهه الجماهير العريضة قبل غيرها ، سواء بخطابه الفلسفي النظري أو بتخطيطه الاقتصادي التطبيقي وفقاً لما تطرحه ضرورة الحياة وقوانين المجتمع ، من عمق الارتباط وشدة تداخله بين الإثنين لكونهما سبباً ونتيجة.

وقد نخلص الى القول فنحدد ، ووفقاً لما أسلفنا من قرائن وضربناه من أمثلة فنقول:ان دور الفن إذن مهم وحازم في هذه المسألة ، وبالذات في هذه المرحلة التاريخية المهمة من عمر نضالنا الوطني والقومي ، التي تحتاج منا الى الصمود ورفض الهزيمة وتبعاتها القاسية ومخططاتها المدمرة ، وحيث يكون الفن حين نحسن انتاجه واحداً من أمضى أسلحتنا ويكون الفنان- حين يخلص لرسالته – مقاتلاً من أبرز مقاتلينا ونحن نتصدى للمؤامرة الخطيرة التي تحاك ضدنا بطرق متعددة ، وتحاول أن تتسلل من شتى الطرق وبعديد الوسائل ، فيما نظل نحن مصرين على مواصلة الرحلة المريرة الشاقة ... وثمة تجارب كثيرة خاضتها أمم غيرنا من قبل ، وأساليب علمية أخذت بها واسترشدت بمناهجها وهي تخوض معاركها الثقافية وتناقش قضاياها ، ومن بينها قضية الارتفاع ، بمستوى الفن وتطوير أدواته وأشكاله ، بهدف تكريس ذلك في معركة الحياة الاجتماعية ، وما يدخل في اطارها من توكيد الهوية القومية وتعميق المضمون التقدمي لأنظمة حكمها وأساليب ادارة شئونها كما رأتها وكما عملت على بعثها تلك التجارب ، ولا بد لنا بكل صدق من ضرورة الاستفادة من تلك التجارب واستيعابها الاستيعاب الأمثل .

لقد حقق الفن عندنا ما لا يخفى على أحد جزءاً لا يستهان به من رسالته العظيمة ، وخاصة عندما كان المناضلون الليبيون يواجهون العدوان مع القوى الاستعمارية ويخوضون معاركهم النضالية وهم يعزفون أهازيجهم القوية وينشدون الحانهم المعبرة لإذكاء جذوة النضال الوطني ، وتحقيق أكبر قدر ممكن من الصمود والثبات في المعركة وعدم التولي يوم الزحف ، وقد شكل هذا النشاط زاداً روحياً شديد التأثير في سير المعركة ، وكان له إلى جانب القوى الأخرى أبلغ الأثر وأشده في تحقيق النصوص الشعبية التي تناقلتها الأجيال المتعاقبة ، بل إنها تسجل في بعض الأحيان السجل الوحيد لسر تلك المعارك وما وقع فيها من أحداث وما اعتراها من تداخل ومفارقات .

وأن المرء حين يعود اليوم الى تلك الألحان التي حفظتها الذاكرة الشعبية التي سكن اليها المواطن البسيط وهو يقاوم ضغوط الحاجة وآثار التخلف الاجتماعي عندما استعان بضوء القمر على قهر الظلام وانعدام فرص العمل وساعات الملل الطويلة ، حيث كان الأطفال يتعلقون بخيوط الأمل لعودة الآباء الغائبين في أقاصي المدن بحثاً عن لقمة العيش والعودة فيما بعد بما يسد الرمق ولو لبعض الوقت وتظل الأسر تقاوم الزمن وتحفظ الشرف وتتنزه عن ذل " المسألة "   .

إن كل من يعود الى الحان ذلك الزمان وكلمات ذلك الزمان لا بد أن يقف على مظاهر المقاومة التي بذلت وكانت ذات أثر في تحقيق الصمود البطولي .. ذلك أن ما جرى لم يكن يجري في إطار السلبية أو من قبيل الوقوع في مهاوي الاتكالية بقدر ما كان تجسيداً حياً للمقاومة الصبورة وارتفاعاً عن التهافت على تحقيق الحاجة بكل السبل ومختلف الوسائل ، بما في ذلك المنافية للكرامة والدالة على السقوط المخجل ... وهو يعني بطبيعة الحال كيف يتمكن المرء وهو يقاوم مصاعبه الجمة ويفلح في عدم السقوط أمامها والاستسلام لشروطها القاسية وآثارها الخطيرة .

لقد كان الفن رفيعاً نافعاً للانسان ، دافعاً قوياً له على مواصلة رحلته العظيمة ، وقد اكتسبت الألحان المتصلة بسنوات الكفاح وقعها الخاص وفاعليتها المتميزة ... فهي مليئة بالشجن المؤثر والصدى الدافق والرنين الدال . ولو أوكل أمر دراسة أنواع الألحان التي أنتجت في سنوات النضال إلى فقيه متبصر في دراسات السلم الموسيقي وشئون دلالاته لاستطاع أن يكشف أعمق الدلالات وأغناها الحصاد والحان الزرع وجنى الثمار، فضلاً عن المعارك النضالية وأيام التصدي والمقاومة ، بل و لحدد العلاقة الوثيقة بين هذه الفنون مجتمعة باعتبارها كل ملية نضالية واحدة تجمع بين عوامل الإنتاج والإصرار على التحرير . انطلاقاً من الوفاق الكامل بين هذين الجانبين ... ولو وجد الدارس الذي يدرك أبعاد العلاقة بين الأحوال النفسية للبشر وإيقاع اللحن الموسيقي لظهـرت بدون شك قــواعد كثيرة وقياسات متنوعة في هذا السبيل ولا سيما في مجال العـلاقة الوثيقة والايجابية مع الزمن وعمق التأثر به والموقف منه.

والحق أننا اليوم أحوج ما نحتاج إلى استدعاء هذا السلاح الفاعل ، مرة أخرى، ونحن نواجه الهجمة الإمبريالية الظالمة، المستهدفة قيمنا وثقافتنا كجزء من مؤاترتها الكبرى على كل مقومات وجودنا وأسباب بقائنا . بعد أن استطاعت أن تظفر بالنصيب الأكبر من ريع مداخيلنا القومية لفترات طويلة من الزمن ..

وبعد أن أمسينا نفلح في تغيير ميزان القوى لصالحنا بفضل خياراتنا الثورية الصارمة ومواقفنا المبدئية الجريئة ومازلنا بحاجة إلى الوقت لخوض مزيد المعارك وبذل مزيد الجهود لضمان الاستمرارية والقدرة على المواجهة وفضح ما يستجد من تأمر وتخاذل.

على أن هذا الدور إذا اتفقنا على أهميته، فانه في الحقيقة لن ينفذ ولن نخطو في سبيله خطوة واحدة إذا عولنا على ذلك الأسلوب الساذج القائم على الاجترار سواء كان ذلك في مجال الكلمة المنقولة وما يدخل في إطارها من مثل سائر، أو كان في مجال الألحان حيث يعّول البعض على تكرار الكثير من الألحان الشعبية البدائية دون إدخال أي تطوير ممكن عليها لا في مجال الكلمة ولا في مجال اللحن .. ذلك أن الفن أحياء وتجديد ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكون اجتراراً لكل ما هو قديم في سذاجة وعبط .. وهو ككل أنواع التراث وأشكاله، وكما قلنا في غير هذا المكان ولن نسأم من التكرار مرة أخرى- إعادة امتلاك يجسدها التطوير والتقييم والاكتشاف المستمر، وفق ما أضافه العصر للمعرفة البشرية، وما أنتجته المذاهب والمدارس الفكرية من قواعد وأسس ثم الأخذ بها في مجال تنظيم مختلف الشؤون الحياتية .. فما بالك بالتراث الفني، والذي نعلم جميعاً مدى تباعد الأزمنة وتداخلها عندما ثم إنتاجه وجرى العمل على تراكمه .. ومن ثم فقد انعكست عليه كل الظروف التاريخية وما نتج عنها من تداخل وما قد اعتراها من تضارب .. إذ لا بد لكل مجتمع أن يضيف من هذه الأوضاع ويفيد من تلك الظروف – بحكم قانون التحدي والاستجابة وفاعلية المعرفة – ويعكس منها ما يعكس ويكتشف ما يكتشف، الأمر الذي يفرض على هذه المجتمعات وعلى طلائعها المثقفة بالذات ضرورة العودة إلى هذه الفنون بهدف تنقيتها وجعلها أكثر ملاءمة للعصر وظروفه وما يطرح فيه من هموم جديدة وأوضاع جديدة وذلك إذا ما كان المقصود بالفن خدمة البرامج العصرية والأهداف العصرية وهي الرسالة المثلي لكل اتجاه نحو الفن وكل اهتمام بنشر الفنون وتطويرها.

صحيح إن مثل هذه المهمة تدخل بالدرجة الأولى في مشمولات الدارسين والعلماء المتخصصين، ومن ثم فلا بد أن تنهض بها وبمقتضي خطط مدروسة مراكز البحث والتوثيق وجمع وتحليل المعلومات ... ومع ذلك فان أصحاب الثقافة العامة يمكنهم لو قرروا تقديم إسهامات فاعلة ومهمة في هذا الإطار العام. ونحن مطالبون بحق ووفقاً لما أسلفنا وعلى ضوء مقولة " الشعوب لا تنسجم إلا مع فنونها وتراثها" بالحفاظ على هذه الفنون وعلى هذا التراث والعمل على تقديمه الى الأجيال، نقيا من كل انحراف سليماً من كل اعوجاج، كما يتم الانتفاع به على أحسن الوجوه وأكملها في معركة الحياة الكبيرة، التي هي معركة وعى وإدراك في المقام الأول، كما أن دور الأدب والفن فيها دائماً فاعل ومؤثر، بل انه يسبق كل شئ أخر.


____________________________

منظمة اشتراكي البحر الأبيض المتوسط

بين الوجود والشكلي والمسؤولية الحقيقية

أمين مازن


قد لا نعدو الحقيقة، أو نخالف الواقع، إذا ماقلنا إن الدعوة السياسية الرامية إلى إخلاء البحر الأبيض المتوسط من كل الأساطيل الأجنبية الدخيلة و القوات العسكرية المتصارعة كيما يتحول هذا المعبر المائي الهام إلى بحيرة للسلام و المحبة، ومنطقة للوئام والتعاون وبناء الصرح الحضاري الخلاق، تعتبر من أهم الدعوات التي طرحت من قبل الثورات التحريرية المعاصرة وقادتها التقدميين في التاريخ السياسي الحديث، وان ما أثير في هذا الصدد من نقاش كان يجسد الدليل الحي على أهمية هذه الدعوة وواقعيتها، وعلى ما تتوفر عليه من توهج، وقدرة على الاستقطاب لحملة الفكر وأصحاب الرأي وصناع القرار السياسي المصيري..

ذلك لأن هذه الدعوة قد جاءت سابقة لكل المتغيرات الدولية التي طرأت في هذه المنقطة الحساسة من العالم، والتي كانت إلى فترة ليست بالبعيدة تثير توقعات الدارسين وحسابات المتحسبين، وذوى الاهتمامات السياسية من الذين هئ لهم في تلك الفترة المبكرة النظر إلى القوات الدولية الموجودة في البحر الأبيض المتوسط بمنظار واحد، يبدو وكأنه ينطوي على شئ من التعسف في الحكم والمغالطة في التصور، إذ لا يمكن أبدا ووفقا لتصورات أولئك المتحسبين واحترازا تهم أن يجمع المرء في معرض أدانته واعتراضه بين قوى غازية محتلة، تضع في مقدمة أهدافها إملاء سياسات غير وطنية ودعم أنظمة حكم غير وطنية أيضاً، وقوة أخرى تتبع أنظمة حكم لا تحتل أحداً بل وتسعى بكل ما أوتيت من قوة وإمكانيات، إلى خلق شئ من التوازن مع الطرف النقيض، وذلك بدعمهما لحركات التحرير الوطني وأنظمة الحكم السائرة على طريق النمو ومناهضة الاستعمار القديم والجديد، وسياساته الظالمة ومشاريعه المشبوهة، كالمعاهدات غير المتكافئة والمساعدات الاقتصادية المشروطة، التي ملأت العالم بعيد الحرب العالمية الثانية وتفجر الصراع بين ورثة الاستعمار القديم أو لنقل معسكر الحلفاء .. أنها المشاريع التي كانت

موضع جدل حاد وخصام مستمر بين مختلف الفصائل الوطنية في العالم الثالث، باعتبارها مشاريع ترمى إلى تكريس الاستعمار وتقديمه في ثياب جديدة، على نحو ما جاء في حلف بغداد في الخمسينات أو مشروع صدقي في الأربعينات، حين هبت القوى الوطنية والتقدمية في الوطن العربي بالكامل، رافضة لهذه المخططات وماشاكلها من معاهدات ثنائية سارت في نفس الخط وتبنت ذات الأهداف وكان مالها الفشل الذريع والإخفاق التام بفضل التيار الشعبي الرافض.

ولقد أسرف أصحاب هذا الرأي فيما نعتقد إسرافا غير قليل، في حسن نيتهم وفي رهانهم هذا حتى أنهم وصلوا إلى حد التشكيك في فكرة الدعوة إلى تصفية الوجود الأجنبي بدعوى أن التسوية بين الأنظمة الموجودة على نحو ما أسلفت ترمى في المقام الأول إلى تصفية المعسكر المعادى للرأسمالية قبل أي شئ أخر، إذ أن الصدع بها لم يظهر إلا عندما وجدت القوة غير الرأسمالية سبيلاً إلى الشرق الأوسط ووجد من يتحمس لهذا القول في أوساط تقدمية كثيرة، ناسين أو متناسين أن الأساطيل العسكرية حين تحل بمنطقة من مناطق العالم وتحت أي مبرر من المبررات فإنها لا توزع الحلوى على الأطفال ولا تمنح الخبز للجياع ولا تهب الدواء للمرضي .. وإنما تجئ وان وفرت ذلك كله – بأسلحتها الفتاكة ومخازن بارودها المكثفة التي لا تنشر سوى الدمار وأثاره الرعب في النفوس وممارسة التهديد المبطن باستعراض العضلات والتلويح باستعمال القوة متى لزم الأمر ووجد من يرفع صوته ليقول بأي قول مغاير أو موقف مناقض ، أن يكون مظهراً من مظاهر الاحتلال لا أكثر ولا أقل وان العمل على رفضه من اهم ما يجب الالتفات إليه.

ورغم إن مثل هذا التحسب قد فقد أساسه منذ تفجر بعض المشكلات الدولية الكبيرة مثل انشطار دولة باكستان والحرب الصومالية الإثيوبية والحرب الأفغانية وقبل ذلك "ربيع ابراغ الحالم " فان الذي لا شك فيه إن الأمور قد اتضحت بشكل أكثر جلاء، واشد وضوحاً حين ظهرت المتغيرات الدولية التي جرفت بسيلها أنظمة الحكم الاشتراكية بالذات وقلبت أوروبا الشرقية رأسا على عقب، ومن ثم بدأت التسويات الدولية تؤتي أكلها لعالم القوى المعادية للتقدم، وفي اتجاه الخنق المستمر لحركات التحرير الوطني وإفساح المجال للتدخل السافر في شئون الدول المستقلة تحت شعارات متعددة ومبررات واهية

كان أخرها ما جرى بالخليج، عندما تخلى أصحاب حق النقض في مجلس الأمن الدولي عن مجرد التهديد باستعمال هذا الحق حتى عندما تحول شعار صد العدوان إلى عملية احتلال كامل للأرض العربية، الأمر الذي أكدّ بكل وضوح أن مردود المتغيرات الدولية كان لصالح القوى الاستعمارية ، وأن نتائج سياسات الوفاق الدولي إنما جاء لتصفية الحركة الوطنية في كل من أسيا وأفريقيا والأمريكتين ، وتسخير كل المتغيرات للتمكين للاستعمار والهيمنة الأجنبية.

من هنا كان لزاما على القوى التقدمية المتوسطية أن تبادر بكل حزم إلى تنظيم صفوفها، وتسعى بكل جهد إلى إعادة ترتيب إمكانياتها وتوحيد قوتها في جبهة تقدمية نضالية واحدة لمواجهة المؤامرات الاستعمارية التصفوية الكبرى ، التي ما انفكت تدبرها هنا وهنالك تحت أقنعة مختلفة وأسماء متعددة.

بيد أنها في نهاية الأمر كانت تصب في مجرى واحد وتفضي إلى نتيجة واحدة، تتمثل في الحد من تطلعات الشعوب " الشرق أوسطية" وطموحاتها نحو التطور ومواكبة النمو، وكانت منظمة الاشتراكين التقدميين لحوض البحر الأبيض المتوسط من أهم ما تم إنجازه في هذا السياق، خلال السنوات الأخيرة، حيث تبنت هذه المنظمة مسئولية سياسة حشد القوى التقدمية لمواجهة الترديات التي ظهرت في الساحة الدولية وشملت كنتيجة لذلك المبادئ والمواقف على السواء.

حقاً إن هناك من تبرع بالتساؤل وفي إطار التشكيك الذي درج على الأخذ به إزاء كل مشروع شعبي مستحدث، عن الجدوى التي يمكن أن تعود من هذه المنظمة الوليدة، بدعوى إن الاشتراكية قد سقطت وشرع في إعادة النظر فيها وفي كل برامجها، داخل المنظومة الاشتراكية التي تبنتها وناضلت من اجل التمكين لها سنين طويلة، وبالتالي فأي مردود يمكن إن يصار إلى الظفر به من أي منظمة تحمل شعار الاشتراكية أو تنطلق منها بالأصح، لاسيما إن المعسكر الاشتراكي بالكامل قد صار اليوم يواصل مساعيه نحو القارة الأوروبية راغباً في الحصول على الخبرة، ملحاً في طلب العون ، قابلا بجميع الشروط التي أقل ما يمكن أن توصف به أنها شروط مجحفة تنال من السيادة الوطنية وتنقص من أي مضمون حقيقي للاستقلال في المدى البعيد .

والمرء لا يستنكف مثل هذا القول ، نعني بالنسبة للمعسكر الاشتراكي على نحو خاص ، فهو معسكر مكتمل يضم مجموعة من الدول المتباينة والقوميات المتعددة، وكان قيامه نتيجة لتسويات الحرب العالمية الثانية، عندما ظهر الاتحاد السوفيتي شريكاً فاعلاً في القوة المنتصرة في تلك الحرب الضروس التي عمت خسائرها الكون كله وشملت أثارها السيئة الإنسان أينما كان، مما جعله أي الاتحاد السوفيتي مؤهلاً للظفر بنصيبه في نتيجة هذه الحرب بغض النظر عن مستوى هذه الغنيمة ، ومن ثم فإن هذا المعسكر أدري بتقدير مصالحة وما قد يفرضه هذا التقدير من إعادة لترتيب الأمور، وتعديل مختلف البني والأسماء ، فنحن لا نريد أن نكون ملكيين أكثر من الملك كما يقول المثل المعروف، ولكننا في الوقت نفسه لا نقبل مطلقا صفة التبعية التي يمارسها البعض، بحيث نرفض نظرية اقتصادية (الاشتراكية تحديداً) لمجرد أن دولة من الدول قد اقتضت مصالحها أن تتخلى عنها نتيجة ظرف من الظروف أو ضغط مصلحة من المصالح، لأننا بالأساس نرفض كذلك فكرة القبول بتأثير أي ضغط خارجي ولان النظريات الاقتصادية والمذاهب الفلسفية تعتبر ملكاً للإنسانية قاطبة وبالتالي فهي ليست حكراً على دولة من دول حتى وإن تكن هذه الدولة هي أول من طبق النظرية  كما هو الحال بالنسبة للاتحاد السوفيتي.. وكما إن النظرية الرأسمالية ليست ملكاً للعالم الرأسمالي فإن الاشتراكية أيضاً ليست ملكاً للمعسكر الاشتراكي، تماماً مثلما هو الحال بالنسبة للنظرية الجماهيرية التي تستهدف بتوجهها العــالم أجمع وليس الجماهيرية وحدها – ومن جهة أخرى فإن ما جرى في الاتحاد السوفيتي يعتبر ضمن محاولات هذه القوة الدولية الرامية إلى دخول أوروبا من أوسع الأبواب بهدف خلق مزيد من التناقض داخل المعسكر الرأسمالي ذاته الأمر الذي انتبه إليه بعض المراقبين منذ هدم سور برلين، وقال به الجنرال ديغول منذ الستينات لا يهم إن نجحت المحاولة أم  لم تنجح  .

على إن الاشتراكية حيثما كانت وكيفما  وجدت أو لنقل حملتها من البشر بالذات إنما تعنى المسألة الوطنية بالمقام الأول، وبالتالي فإن ما يعنى الاشتراكية والاشتراكين إنما هو موضـوع التغيير وتنفيذ برنامج النمو على مختلف الصعد والأنشطة .. إن العناصر الاشتراكية إذن تظل دائماً في حاجة إلى تنظيم صفوفها وتوحيد جهودها على كلمة سواء، غير عابئة بتخلي المتخلين ولا تراجع المتراجعين، بيد أنها بالضرورة لن تمارس لعبة الغباء  فتنكر ما تحقق من تطور تقنى مهول وارتفاع في معدل النمـــو في المعسكر

الرأسمالي، غير أنها تدرك وذلك هو المهم ، أن العالم الرأسمالي لن يقدم ما تحقق له من نمو لقمة سائغة لأولئك الذين يقررون أن يحذوا يحذ وه وأن ينهجوا نهجه اليوم لأن الرأسمالية بالأساس تقوم على لعبة الاستغلال، ولأن ما تحقق لها من ازدهار مرده بالمقام الأول إلى إتقان هذه اللعبة، مما يحتم التمسك بذلك والعمل به طوال الممارسات المقبلة، بل إن كلا النظامين الاقتصاديين اللذين سادا في الدولتين الأعظم إنما طبقاً لضرورات داخلية محضة ولأمور تتصل بالدولة الأم ذاتها، وكل كلام قيل في هذا الصدد إنما هو من قبيل التبرير النظري ولعل أبلغ حجة يمكن الدفع بها في هذا الصدد عوائد  حرب الخليج ، حيث أعطيت كل مشاريع الأعمار للاحتكارات الكبرى وباء الذين تواطأ بالخسران المبين.

لذلك وتأسيساً على ما سبق فإن قيام منظمة اشتراكيي البحر الأبيض المتوسط في الماضي واستئنافها لحوار الحضارات الآن ومراجعة ظروف المنطقة واشكالياتها على ضوء المتغيرات الدولية و محاولة الوصول إلى رؤية مستقبلية تدرك أبعاد المرحلة وتستجيب للضرورات الداخلية وتراعى العوامل والمتطلبات.. بمعنى أن هذه القوى حين تنظم صفوفها وتوحد فصائلها فإنها لابد أن تتمك بخيار واحد، ألا وهو مواجهة التخلف واقتلاع أسبابه وإنهاء  عوامله ولكن بشرط مراعاة أكبر قدر من المرونة وإعادة النظر في أساليب العلاج ، وطرق الإصلاح .         

ومن الواضح أن أهمية هذه المنظمة وغيرها من المنظمات الشعبية إنما تأتي من أهمية المنطقة ذاتها بالنظر إلى ما يمثله البحر الأبيض المتوسط من موقع جغرافي ممتاز اثبت فاعلية في جميع الصراعات الدولية التي شهدها العالم ولا سيما في الحرب العالمية الثانية، بالإضافة إلى ما سبق لشعوب هذه المنطقة إن قدمت من إسهام حضاري غير منكور في رحلة التطور البشري حتى انه لا توجد ذات اثر معروف إلا وكان لشواطئ هذا البحر نصيبه الأوفر فيها.

ومما لا جدال فيه أن ظروفاً كثيرة  قد تضافرت على عرقلة  قطار الحوار  بين حضارات البحر المتوسط وقواه التقدمية بالذات  ، ويلاحظ المرء أحياناً  أن أسباب هذه الظروف  ما تزال قائمة  ومؤثرة  ... وآية ذلك  أن هذا الحوار  يتم عادة بين نظم مختلفة  ، وشعوب مختلفة  أيضاً  نعني تلك التي تعيش  في هذه المنطقة  فهي شعوب لا


تختلف في اللغات  والأعراف  فحسب ولكنها فضلاً عن ذلك  تختلف في المواقف  وتقدير المصالح ، فهي تنقسم الى شعوب منتجة  وأخرى مستهلكة  ، شعوب تصنع الحدث  وأخرى تتأثر  بهذا الحدث  ، شعوب تؤسس استمراريتها  على استغلال الآخر  ، وأخرى تواجه  استحالة  النمو  ما لم تتمكن  من الافلات  من براثن  هذا المستغل .

وقد كان من سوء حظنا  نحن العرب  ان وجدنا  في الجانب  المتضرر من هذه  المفارقة  .. الجانب المستهدف  بالاستغلال  والسعي المستمر  للتمكين للتخلف ، وقد ضاعف من سوء حظنا ان كانت مواقفنا متباينة وظروفنا الداخلية متقاربة، وإذا كان بعضنا يعاني من ثنائية اللغة فإن بعضنا الآخر يعاني من القصور الواضح في هذا المجال، ان على مستوى الكم أو على مستوى الكيف، وان الإنصراف إلى التعريب بشكل حماسي كثيرا ما اغفل الأسس العلمية الضرورية وحجم الإمكانيات الحقيقية، مما أدى إلى استحالة تحقيق أى تطور ثقافي مرتقب . بل ان بعض الشعوب وبسبب موقفها الخاص من هذه المسألة قد تحملت أعباء تفوق إمكانياتها وحملت بالتالي أفرادها جزءا من التضحية الغالية، الامر الذى جعل النتائج في المنظور البعيد ليست ايجابية بالنسبة لحركة النمو البشري .

ضف إلى ذلك ان المواقف من قضايا المنطقة لم تتبلور بعد التبلور اللازم لها، ولم يحدث ان تم التوصل إلى رؤية مكتملة حول مختلف القضايا المصيرية، بحيث يمكن ان تقدم هذه الرؤية أثناء الحوار بلغة تقبل من كل الأطراف وتراعي مختلف المصالح وعلى الأخص قضايا الحرب والسلام والتطور الاجتماعى والتفكير السياسى، فنحن كما يعلم الجميع وفى حوض هذا البحر نقول بمجموعة من التصورات والآراء التي لا تجانس بينها ولا تقارب، ان لم نقل ان التضارب هو الطابع العام المميز بين هذه التصورات، وفيما يذهب البعض إلى التعددية السياسية يذهب البعض الآخر إلى النظرية الجماهيرية في حين يحظر طرف آخر أى تحرك سياسي ... وهذا الوضع من شأنه ان يجعل الحوار من المسائل بالغة الصعوبة، فلا اللغة متقاربة ولا طرق التفكير متساوية       ولا الممارسة السياسية متجانسة، ناهيك عن التناقض المريع بين المعلن والمضمر.

صحيح ان الاتفاق لا يلغي الخصوصية القائمة ولا يعنى ان تكون كل المجتمعات نسخة مكررة من بعضها البعض وان شعوب شمال المتوسط بالذات تعيش الكثير من أشكال التناقض ولا سيما في مجال اللغة حيث يحتدم الصراع بين الأنجلوسكسون، وغيرهم لكن ذلك لا ينبغي ان يصرف عن أذهاننا ان ثمة قواسم مشتركة تجمع بين هذه القوى جميعها، وأن ثمة أساسيات ثابتة ومتفق عليها تتصل بطائفة من الأمور وفى مقدمتها السياسة والتطور الاجتماعي وأنماط السلوك والعادات .

ولقائل ان يقول : هل سيكون مؤدى قولنا هذا ان يغض النظر عن مسألة طرح إحياء حضارات البحر المتوسط، وهل أصبح من المتعذر ان تتحقق في اتجاهه أية خطوة

إلى الأمام، أو بتعبير أدق هل ان الإشكاليات الموجودة الآن هى بالدرجة الأولى عربية  فإن علينا بالتالي ان نؤجل كل نشاط في هذا السبيل ريثما يصار إلى البت في هذه الإشكالات ووضع الحلول الناجعة لها .

والواقع اننا سنجيب في هذا الصدد بنعم، ولا في ذات الوقت، فإما ان بعض الإشكالات تحتاج منا نحن العرب على نحو خاص إلى وقفة جادة ومتأنية والى قرارات حاسمة وجريئة، فذلك أمر لا مفر من الاعتراف به والاتجاه إليه بدون شك، لأن ذلك من شأنه ان يوفر لمساعينا هذه ما نريده لها من الإيجابية وما نتوخاه من الانجاز، وإما ان العمل في هذا الإطار، حتى وان لم نتمكن من حسم هذه الإشكالات فلابد ان يستمر ولابد ان يقع التفكير فيه، فذلك أيضا لابد من مراعاته، بمعنى ان العمل في إطار البحر المتوسط سيؤدي بالضرورة إلى مراعاة اعتبار لغة الحوار ولغة السياسة، الأمر الذى سيؤدي بالضرورة إلى التفكير الموسع في نظم التعليم وبرامج التنمية، وثنائية اللغة وسياسات التعريب وشئون الهيكلة بمختلف أشكالها وعلى كل مستوياتها وصعهدها، وان طبيعة التأثر والتأثير لابد ان تفرض نفسها وتمكن لنواحيها ان تسود وفقاً لمنطق الصراع وصيرورته وحجم المصالح وتأثيرها ومشكلات الأمن وضروراتها .

ومن الواضح ان خير حكم يمكن الرجوع إليه وخير مرشد يمكن الاستئناس به هو ذلك الذى يستقى من جداول الإحصائيات بالدرجة الأولى، سواء في مجال الاستيراد والتصدير أو في مجال نظم التعليم وخطط الإنماء أو النقل العسكري القاري أو في اتجاه تصفية بعض المشكلات المعلقة بين دول المتوسط ذاتها كما هو الحال بالنسبة لنا نحن الليبيين والجانب الإيطالى الذى ما يزال يتقاعس في مسألة التعويضات ويمارس تجاهلا تاما لأي تواصل ثقافي تفرضه علاقات الجيرة وتداخل المصالح، مما يقتضي على الجانبين تحقيق خصوصية العلاقة وتنقيتها من كل شائبة .

كما أننا لابد ان نضع في الذاكرة ما تقدمه الإحصائيات أيضا عن مجال الانفاق الضخم في مجال السياحة مثلا، حيث تنفق مئات المليارات في التنقل والإقامة وتنظم الآلاف المؤلفة من الرحلات هنا وهناك ويحظى البحر المتوسط بالنصيب الأوفر، الأمر الذى يطرح علينا مسائل في غاية الخطورة وتحتاج منا إلى مزيد الوعي ومزيد الشجاعة في المواجهة واكتشاف الحلول .

ولن يضيرنا في هذا الصدد وحين نكون جادين في توجهنا هذا ان ندخل أية نظم جديدة أو نعدل أية نظم قائمة طالما ان الهدف الأساسى هو تحقيق مزيد الفاعلية ومزيد المشاركة في ما يجري حولنا نحن العرب بالذات وعلى مرمى أبصارنا وأسماعنا، لا سيما وأن العالم على مختلف أنظمته وبجميع أعرافه وعقائده لم يعد يقبل منا سوى التواصل وتبادل الرأي حول كل أحوال المنطقة ومشكلاتها المزمنة وأسس علاجها وآفاق حلولها، بالنظر إلى ما هى عليه من الترابط والتداخل، وبالنظر إلى ما تفرضه هذه الارتباطات من وحدة الأخطار والمصاعب، وضرورة توحيد أساليب الوقاية تبعا لذلك . خاصة وأن الآخرين ينظرون إلى المنطقة بشكل موحد ويضعون مخططاتهم التي هى ليست في صالحها بأي حال من الأحوال بشكل موحد أيضا .

ان كل نظرة واقعية إلى واقع هذه المنطقة وتداخلها تثبت بما لا يدع مجالا للشك ان أى ضربة توجه إلى شاطئ من الشواطئ المتوسطية سواء على مستوى البشر أو على مستوى المناخ أو على مستوى الثروات مما يجعل من المستحيل في أحيان كثيرة استعمال سلاح يشترىَ بأغلى الأثمان لأن الضرر مشترك بين من يستعمل هذا السلاح ومن سيوجه إليه هذا السلاح، وتلك إشكالية من إشكاليات التطور ومأساة من مآسي العصر التي تجعل من الاتجاه إلى السلم والتعايش هو الأسلوب الأجدى، بلا جدال .

ان الحوار بين الشعوب المتوسطية ليس من الأمور التي تجئ من قبيل التزيد في الممارسة السياسية كما قد يقال من بعض الأطراف، بقدر ما هو استجابة واعية لما تفرضه الضرورات السابقة واللاحقة على السواء، وهو من الثوابت التي لا سبيل إلى الانفكاك منها أو التقليل من أهميتها عند تقدير الأمور حق قدرها بل الخيار الذى لا بديل له والموقف الذى لا محيص عنه .

على ان القوى التقدمية بالذات تعتبر مدعوة أكثر من غيرها لحمل هذه المسئولية الخطيرة سواء رأت هذه القوى ان تتبنى فكرة الاشتراكية أو ترفضها، لأن الأصل في الحياة هو تحقيق النتائج وليس تبني الأفكار، لقد حفل الماضي بالكثير من الايجابيات، والكثير من الانجازات، ولا شك ان المستقبل قادر على ان يضاعف من تحقيق المزيد، ذلك ان الزمن في صالح العقول وليس في صالح أى شيء آخر، وهو كما كان دائما لا يستقيم إلا باللجوء إلى هذا السلاح الذى هو فوق كل الأسلحة وكل الجنود وكل القوى وهو الذى سيحسم المعركة في نهاية المطاف .


_____________________________

عن الثقافة ورائحة النفط

أمين مازن

ان الموضوع قد يبدو غريبا عند البعض، بل ان هذا البعض قد يذهب إلى أكثر من ذلك فيمط شفتيه وهو يعبر عن هذا الاستغراب، أو يشيح بوجهه مستهجنا وربما رفع عقيرته قائلا بحكم سريع، إننا نلوي عنق الأشياء ونصر على إيلاج بعضها ببعض دون أى مسوغ من عقل أو رافد من تفكير.

ونحن في الواقع لن ننزعج من أى أمر من هذه الأمور ولن نضيق بأي قول من هذه الأقوال، ان لم نقل اننا سنقبلها وكلنا ابتسام وهدوء؟ إذ لم تبل الثقافة العربية بشيء مثلما ابتليت  بهذا السيل الجارف من الأحكام الجائرة المتعجلة التي كثيرا ما يطلقها البعض هنا وهناك في جرأة قل نظيرها، وتعسف يصعب على المرء ان يجد له دافعا مشروعا أو مبررا معقولا أو أى سند من أسانيد العقل والمنطق، فما هى العلاقة التي يمكن للمرء ان يعثر عليها إذن بين النفط والثقافة، وأي الإثنين يمكن ان ينتج الآخر، وأيهما الأصل وأيهما الذى يجسد النتيجة.

والحقيقة ان الامر ليس صعبا على الإطلاق، فإما ان العلاقة وثيقة بين النفط والثقافة، فذلك أمر لا يحتاج في إثباته إلى أسانيد كثيرة، وإما ان الثقافة تتأثر بهذا النفط فذلك أمراً لا يحتاج كذلك إلى جهد كبير لإثبات البرهان فيه وتحديد الدليل بشأنه، فالنفط حين يتفجر في بلد من بلاد الله المتخلفة ويعم بخيراته "السخية" وعطاءاته الواسعة تلك البلاد، فإنه في الواقع يصنع كل شئ وتبدأ مظاهر هذه الصناعة منذ الشروع في التنقيب عن هذا النفط، وقبل ان يتفجر بسنوات طويلة، لأن فوائده التي يعرفها أولئك الذين يظهرون معه ويستظلون بظله وكما قال أحدهم وهو يصارع للحصول على تمويل حقول "البترول" في إحدى المجالس الليبية في مطلع الستينات لأن هذه الفوائد والقول لذلك الليبى الذكي... هى تلك التي يتم الحصول عليها قبل تصدير النفط ، اما عندما يبدأ التصدير فإن كل شيء سيذهب إلى خزائن الشركات الكبيرة .

ان آثار النفط إذن تظهر في كل شيء لمجرد ان يكتشف ويشرع في البحث عنه ويبدأ الإنفاق بصدده ومن ثم بعد ان يصدر ويبدأ في البحث عن اكتشافات جديدة منه ... ومثلما تستخدم مشتقات النفط الكثيرة في إنتاج مزيد السلع الاستهلاكية، فيستغنىَ

بذلك عن مختلف المواد الأولية التي تكون قبل النفط سببا رئيسيا من أسباب الإنتاج ومصدرا من مصادر الرزق الطيب للإنسان وأسلم له في يومه وغده وأدعى إلى توفير قدر أكبر من مشاركته في العملية الإنتاجية، ومثلما يأتي النفط بمواد جديدة تتجاوز تلك القديمة، فإنه يأتي كذلك بمجموعة من الأخلاقيات الجديدة التي تكون في مجموعها ما يمكن ان نسميه بالثقافة الجديدة، فترى مجتمعات النفط عادة ترفض كل التصورات القديمة القائمة على المثل العظيمة الرافضة لكل أنواع الأنانية والمرتكزة دوما على الإثرة  ونزعة المشاركة والإيثار فتشيع بدلا من ذلك النزعة الفردية الضيقة ويسود الاستسلام الكامل للمبادرة واللهث المخل خلف المصالح الآنية والمطامع الصغيرة والسعى إليها ومحاولة الحصول عليها بأي ثمن وبأي وسيلة، وهو تأسيسا على ذلك يصنع ثقافته وينتهج أدواتها وطرائق استهلاكها وتوفير الظروف الكفيلة بتسويدها والتمكين لها .

أجل ان هذا النفط العظيم يتوفر على قدرة فائقة ومقومات مهولة، تؤهله عادة من امتلاك الناس والسيطرة عليهم فتراه إلا في النادر القليل يملك هؤلاء الناس بدل ان يملكوه ويطبع أنماط حياتهم بدل ان ينطبع هو بهذه الأنماط، وتغدو قيمة الإنسان بما يملك من مظاهر الحياة الدنيا، لا بما يتوفر عليه من معرفة وما يتحقق له من نجاح في عالم الكسب وهكذا تكون الاستقامة شذوذا والعفة انغلاقا، والنزاهة فشلا؟ وتختفي بالكامل تلك الصور التقليدية الجميلة التي كانت لفترات طويلة تشكل قيمة من القيم العظيمة، وتمثل معنىَ من المعاني الرفيعة التي يشكل توفرها علواً وغيابها نقيصة وخللا.

ولأن النفط صناعة أمريكية دماً وروحا، فقد ظهرت آثار هذا النفط في ثقافة أمريكا السائدة، بمعنى ان هناك ثقافة أمريكية أخرى غير متأثرة بهذا النفط، لكنها غير سائدة وما كان لها ان تسود، أما تلك التي أفلحت في تحقيق السيادة وتمكنت من الهيمنة، وأن ترفع نموذجها الدال فإنها تلك المتمثلة في ثقافة النفط والموجهة إلى مجتمع النفط، فإذا ما تأملت الشريط المصور وجدت الإخراج المهول والتصوير الفخم والأحداث الخارقة والقفلة التي تنوء لحملها الجبال، أما إذا بحثت عن معنى من المعاني الإنسانية النبيلة أو فتشت عن تسلسل معقول في القصة فإنك تخرج بقبض الريح، أما إذا تعرفت إلى كتاب من الكتب فإنك تجد الطباعة الفاخرة والورق المصقول والتجليد الفخم

والإخراج منعدم  النظير، ناهيك عن حملات الدعاية التي تبشر بهذا الإنتاج الذى يأتيك من تلك العوالم سواء كان بذات اللغة أو ترجم إلى أى لغة من اللغات الحية، بل ان الدعاية ذاتها لا تقوم بها وسائل الإعلام وإنما يقوم بها في الغالب عدد من الكتاب الذين تم تجنيدهم بطريقة عجيبة لهذه الثقافة الوافدة التي تسحر الكثيرين بما يشبه عصا موسى.

ان هذه الأقلام مسخرة بطريقة عجيبة، وتسعى بكل جهد ودون أى ملل أو ضيق بإشاعة نوع من الكتابة التي لا علاقة لها بحياة الناس من حيث كونها معرفة تحتاج إلى مساهمة الكتاب بقدر ما هى وكما تصورها هذه الكتابات المدجنة تعود إلى مأساة الحظ الذى يرفع من يشاء ويخفض من يشاء، والذكاء الفردي الذى يؤدى وحده إلى تجاوز الفوارق أو يفلح في بلوغها حسب الأحوال... انها أقلام وعقول تعتمد الاستبيانات وتقوم على المعلومات الدقيقة التي تقدم عن الناس كل شيء حتى وهم يطلبون خدمة من الخدمات أو يتلمسون مطلبا من المطالب، فتراهم يحصلون على المعلومات التي قد تصل إلى آدم في النسب والى مقاسات الملابس الداخلية أيضا!!.

وقد كانت الثقافة الوطنية وحتى وقت قريب ترفض بكل الشدة مثل هذا الأسلوب الامريكى المكارثي، وكان المثقفون يدينون هذا الأسلوب الأرعن وهذا الفهم التجاري في إدارة الثقافة، غير أن الأمر فيما بعد وقد خرج عن إرادة المثقفين أو ان كثيرا من هؤلاء المثقفين قد تم استيعابهم واحتواؤهم .

ان تلك المواقف العظيمة والوقفات الرافضة لم تستطع ان تستمر طويلا، فأكثر الذين تصدوا لمؤسسة افرانكلين في الخمسينات لم نلبث ان نلتقي بهم في مؤسسات أخرى  لا تقل ضراوة عن افرانكلين وان تكن تحت تصنيفات أخرى... وجميع الذين كانوا يكتبون في الطبعات الشعبية جرفتهم المؤسسات الكبيرة ولم يعد سوى من لا يتجاوزون أصابع اليد الواحدة من لا يزالون يراهنون على توفير الكتاب وتوصيل الرأي بأيسر الطرق واقل التكاليف.

ان ظاهرة الورق المصقول والتكاليف المبالغ فيها هى السائدة هذه الأيام، وحيثما يممت وجهك شرقا ومغربا وجدت هذه الظاهرة المحزنة، ظاهرة احتراف الكتابة والخروج بالكتاب وبالعمل الثقافي عموما من وسيلة من وسائل الخطاب إلى وسيلة من وسائل الارتزاق والكسب الظاهر للعيان، والحرص الظاهر على تسخير الإنتاج الفكري في تحقيق أكبر قدر ممكن من الكسب .

لقد فعل الزمن فعلته فيما يبدو وها نحن نشهد سيلا جارفا من المجلدات الفخمة التي تكلف طباعتها مئات الدنانير أو لنقل الدولارات وتؤدي الكميات المضاعفة من طبعها وتخزينها إلى ملايين الدولارات التي لا تمنح لمؤسسة عامة وإنما في محاولة مكشوفة لتحقيق الثراء غير المشروع لفريق من الكتاب كان همهم الأول والأخير التزام الموقف المحايد نحو كل ما يجري في الواقع بل وفى أحيان كثيرة إلقاء التبعة على الجماهير ووصفها بما هى براء منه، وبالذات عندما كان المثقفون الحقيقيون يواجهون الوجود الأجنبي ويقاومون شروط التخلف وممارسات الفهم الرجعي، وقد كان هذا الوضع مثار اشمئزاز وموضع إدانة، إلا إنه في السنوات الأخيرة أمسى يتحول إلى نموذج يحتذىَ وأسلوب يقتدى به .

ان المرء لابد ان يقف مندهشا أمام هذا الارتفاع المهول في سعر الكتاب والذي يعزوه الكثيرون إلى ارتفاع أسعار الورق، وهو مبرر يمكن قبول بعضه، لكنه في واقع الامر ليس الأول والأخير، ذلك ان الارتفاع الملاحظ يقتصر على نوع معين من الكتب وبالتحديد تلك المتمثلة في معاجم اللغة أو مصنفات التاريخ أو مختارات الشعر أو التراجم بل ان الإصدار بالذات يكاد ان يتوقف أمام هذا النوع من الكتب، وتعليل ذلك في الحقيقة ان نفرا من الكتاب قد تحول إلى ما يمكن وصفه بالاحتراف، ولعله ان يكون في هذا الصدد قد استمرأ لعبة الوراقة التي عرفت في بداية عصر التدوين ولعل ما يشجعنا على القول بهذا الرأي أكثر فأكثر هذا التزايد المستمر في دور النشر الفردية التي تسير في هذا الاتجاه وتشجع عليه من ناحية وتلقي من الأنظمة العربية على مختلف اتجاهاتها وأهوائها الرعاية تلو الرعاية .

لقد أوجد النفط قطاعاته المختلفة المستفيدة منه والمعولة عليه، وها هو الامر يطال الثقافة أيضا، ويتسلل على نحو خاص إلى الساحات العربية التي يفترض ان تكون قليلة الحماس لهذا النوع من الإصدار على الأقل .

غير ان الملاحظ بكل أسف ان هذه الساحات غدت أكثر احتفاء بهذا النوع من الكتابة وأكثر إصرارا على تكريس نموذجها وإعطائه كل الفرص الثمينة بتسويده ، وتلك بلا جدال سلبية من سلبيات الممارسة، ودلالة من الدلالات على بعد المسافة بين التوجه العام والتنفيذ اليومي، ونحن في هذا الصدد لن نكون من ذلك الصنف الذى يوزع المسئولية ويلقي بها على أقل المستويات ولكننا نقول  وبدون مواربة ان توجيها محددا لابد ان يتم ولابد ان يطال هذا النوع من الكتابة، بحيث توزع فرص الإنتاج على الجميع، ويحال بينها وبين هذه اللعبة المكشوفة الرامية إلى استثمار الإمكانيات المخصصة للكتاب في نوع معين من الإنتاج هو إلى الترف اقرب منه إلى الثقافة الحقيقية، بل ان مؤسسات النشر الرسمية بالذات تعتبر الآن مطالبة بالحيلولة دون استنزاف الدخل العام في هذا النوع من الكتب وذلك بمحاولة طباعتها رأسا ودون الحاجة إلى وسيط.

وربما يكون مهما في هذا الصدد ان يشيد المرء بتجربة الدار العربية للكتاب التي أقدمت منذ سنوات على طبع الذخيرة وترتيب القاموس المحيط وروائع الشعر العربى بعيدا عن الاستثمار الفردي البشع، وطلبات الشراء التي لا علاقة لها بواقع السوق والاحتياجات الفعلية .

هناك إذن علاقة وثيقة بين النفط والثقافة، وثمة اثر واضح لهذه العلاقة وهو اثر يفضي إلى السلبية ويحد من الثقافة الحقيقية ويوظف مختلف الإمكانيات نحو انعدام الموقف وانعدام الجدية، والسير المستمر نحو الكسب وتشجيع الاحتراف، وتحويل العمل الثقافي إلى وسيلة من وسائل الثراء وتحقيق الكسب اللامشروع.

وهناك علامات دالة على هذه الحقيقة المحزنة، تظهر في نوعية الإنتاج الثقافي وتظهر في ارتفاع التكلفة وفى عمليات الشراء الملفتة للنظر، والتي كثيرا ما تتم على حساب المؤسسات العامة وعلى حساب الإمكانيات المحدودة التي تواجه بتقشف عجيب يندر وجوده ويقل نظيره.

وتظل الثورة مطالبة بالحد من هذه الأمور مطالبة بالتدخل السريع لحماية الثقافة الوطنية من تأثير النفط وأخلاقيات النفط ومشاريع النفط، تظل الثورة مطالبة بذلك      ولا عذر لها في الحقيقة إزاء كل تقاعس يتم أو تجاوز يحصل، فالوقت للعمل ولا شيء غير العمل.


____________________________

نحو مفهوم حقيقي للثقافة

أمين مازن

كثيرا ما تكون المظاهر والشكليات من الأمور، هى الطابع المميز لكل نشاط فكري أو عمل ثقافي تغلب عليه السطحية ويسيطر عليه القصور الواضح، ومع ذلك تكتب له السيادة بعض الوقت، ويستقر له الأمر  عن غير جدارة بالطبع، ولا سيما في فترات الجذر ولحظات التذبذب والعجز في مواجهة هجمة الآخر، حين يكون الاستهلاك هو السلوك الشائع  والطموح الفردي هو الأسلوب المتبع ويغدو الإنصراف إلى الإنتاج وتنمية المداخيل وترشيد الانفاق من الأمور المكروهة والسياسات الممقوتة فتسود تبعا لذلك الروح السلبية بمظاهرها الكثيرة والمتعددة في ذات الآن ، انها الروح القائمة على الاكتفاء، بالقشور دون اللب والوقوف أمام النتائج دون التفكير في البحث عن الأسباب، عندما تحل نازلة من النوازل أو معضلة من المعضلات التي تتصل بواقع الناس وتنال من أية قدرة من قدراتهم وخطوط مصائرهم .

انها المنظومة المكتملة لتلك العقلية البائسة التي كثيرا ما تداري يأسها وقصورها بالسير نحو عدو موهوم، واختلاق سبب مفتعل أثناء معالجة مشكلات الواقع حتى وان كانت الحقائق مجتمعة تقول بعكس هذا المنطق .

وكنتيجة لهذا الواقع المزري، وفى اتجاه التعبير العاجز عنه، والموقف السلبي إزاءه يكتفي "المثقف العربى التحرير" الذى  لم  يلتزم بأي مشكلة من مشكلات الواقع الذى يعيش فيه يوما، ولم يصطدم بالسلطات المتحكمة جورا وعدوانا في مصائر الملايين من أبنائه يوما، ولم يدفع ثمنا لموقفه هذا من أى شيء يمس حياته أو مصالحه، يكتفي هذا المثقف وكلما حلت في الحياة أحداث جديدة وعصفت بالأمة أهوال ومخاطر...يكتفي هذا المثقف وكلما حلت في الحياة أحداث جديدة وعصفت بالأمة أهوال ومخاطر، يكتفي بأن يفرك يديه وهو منتش حتى الثمالة بأعطية نالها من احتياجات ملايين الجوعى والمحرومين بعد ان جرى  خلفها حتى خضبت بالدماء نعلاه، ويجذب نفسا عميقا من لفافته باهظة الثمن مفرغا جام غضبه على الجماهير الغبية (حسب فهمه بالطبع) التي لم تعرف قدره المعرفة اللازمة ولم تقدره التقدير الكافي، ولم تستطع التوصل إلى نبوته الفذة واكتشافاته العظيمة التي قام

بها منذ سنين طويلة حول كل رأي يقول بمسئولية الكاتب عن أى حرف يكتبه وضرورة ان يكون لما يكتب معنى من المعاني التي تشكل الموقف الايجابي من الحياة والناس، ومقاومة

مختلف القوى التي تحاول ان تحد من وجهة السير الصحيحة ناسيا أو متناسيا ان كل كتابة تغفل هذه الحقيقة ستقع بالضرورة في دنيا التجريد، وعالم المطلقات وستؤدي في النهاية إلى التقاعس عن كل ما هو جدي وهام رغم ان الأمر يتم تحت شعار حرية المثقف وعدم التدخل في العملية الإبداعية التي يقتلها بحسب هذا الفهم الممعن في التبسيط أى شكل من أشكال المسئولية وأى مراعاة لسلطان المنطق .

وتبدأ مراسم العرس بعد ذلك في معظم الساحات العربية عبر الفنادق الدرجة الأولى والممتازة وعلى قنوات الشاشة الصغيرة ومختلف وسائل الإعلام، إدانة لا هوادة فيها للاستعمار وأعوانه المتآمرين على الوطن العربى ووحدته وأمنه، حلقات متعددة ولقاءات متتالية لا تكتفي بفنادق العرب على كثرتها بل ربما تتعداها إلى اوروبا ذاتها ابتداء من أثينا ونيقوسيا ووصولا إلى باريس وروما وغيرها من تلك العواصم الكبيرة .

انها مسرحية تمثل بأبطال معروفين بيد ان المرء لا يعرف ماذا سيفعل؟ هل يضحك ملء شدقيه أو يبكي حتى النهاية، هى مسرحية بدأت منذ سنوات لكنها اليوم أمست مثيرة للأسى باعثة على الاستفزاز وتوجب على كل من لديه قدرة ما ان يسرع بوضع حد لها بعد بحث أمرها بكل صراحة ووضوح .

ان الامر لا يكون كذلك أو لا يهم كذلك إلا عندما يستعرض المرء قائمة الأسماء التي تشارك في مثل هذه اللقاءات والتي لكثرة ما تكررت وتكرر حضورها يمكن للمرء ان يستعرضها من الذاكرة، إنها أسماء تفقه في شئون الوحدة العربية وفى المتغيرات     الدولية وفى قضايا الإبداع الأدبي والنشاط الفني، تتصدى لمعسكر داوود ثم تأتى مرة أخرى تبشر بوحدة الصف وأخيرا وليس آخرا تؤسس الشركات التجارية لتنتج وتسوق الإنتاج الأدبي والفني !!.

عوالم هذه الأسماء فنادق الدرجة الأولى وفى الغالب المرديان بدءا من الدار البيضاء وتونس غربا ووصولا إلى دمشق وعمان شرقا مرورا بطرابلس بالطبع، وفى محافظة واضحة على الطقس السياسى في هذه المدن مجتمعة، ندوات متعددة واجتماعات متكررة وضجة إعلامية كبيرة وقاموس من الكلمات المحفوظة عن ظهر قلب.

ان المواقف تختلف إزاء هذا النوع من اللقاءات كما ان المشاركة أيضا تختلف، هناك من يذهب إلى مقاطعتها انطلاقا من الإيمان بعدم جدواها وهناك من يقول بضرورة المساهمة بهدف دفع الأمور في اتجاه الأفضل والأجدى من الشكل الذى أومأنا إليه إلى شيء آخر أكثر ايجابية وادعى إلى توفير المناخ الملائم للتحرك الجاد، ولو بكلمة احتجاج غاضبة أو تعقيب سريع ولو باستغلال الإمكانيات في اللقاءات الثنائية بين القوى المتحددة هدفا المتباعدة مسافة، ان حجة هذا البعض هو العمل على اقتلاع كل ما هو رديء وغير جاد كل ما هو مكرس للاحتراف ليسود بعد ذلك كل ما هو جميل ورائع ومنسجم كل الانسجام مع روح العصر ومستجداته وما دأب على فرضه من خيارات جديدة تقوم بالدرجة الأولى على تقديس الحرية والنوع ووضع حد لكل ما أحادي فكرة أو تنفيذا .

ان اللعبة قائمة إذن بين ما هو كائن وبين ما يجب ان يكون بين من يريد ان يسخر الأمور لما هو شكلي وما هو مخالف للثقافة بمفهومها الحقيقي ورسالتها الشريفة وبين من يريد ان يدفع بها نحو كل ما هو ايجابي ومتناسق مع حركة الحياة الكبيرة، ومن ثمة فليس هناك ما يدعو إلى  الضيق ويبعث على الأسى طالما ان القضية قضية معركة بين قطبين للصراع بصرف النظر عن مبدأ التكافؤ .

ومثلما يكتفي المثقف الذى لم يلتزم بقضايا الواقع يوما ولم يصطدم بقوى القمع والتسلط يوما، وفى الوقت الذى يحظى فيه بما هو أعلم قبل غيره بعدم استحقاقه له، ويصب جام غضبه مع نفس من لفافته باهظة الثمن على الجماهير "القاصرة" عن معرفة ما يدرك والعاجزة كذلك عن تقدير ما علم منذ سنين طويلة ، فإن ذلك لا يعنى ان اللعبة قد انطلت وان المعركة قد حسمت أو ان التاريخ قد أسدل ستارة من النسيان على كل شيء، لأن الحقائق لم تقلب بما فيه الكفاية، بل حتى وان تم ذلك لبعض الوقت فإن التاريخ ليس في صالح هذه اللعبة نعني لعبة المثقف المتفرج .

ذلك إنه إلى جانب هذا الواقع السيئ وفى كل الساحات العربية وأينما التقى المثقفون الذين يمارسون مثل هذا السلوك من هواة الفنادق الفخمة والتحرك بواسطة المراسم وارتال السيارات الفارهة، هناك من يدرك لعبة أخرى تديرها دائما القوى الحية التي تضع هذه اللقاءات في حجمها الحقيقي ضمن سياق حركة المجتمع وتناقضاته الكثيرة وما تتركه العوامل  والمؤثرات المختلفة .

هناك قوى تتصدى للارتزاق وترفض كل شكل من أشكال الاحتراف وتحويل العمل الثقافي إلى نوع من المضاربة ان جاز للمرء ان يعبر حتى يشيع التناقض والتذبذب وعدم الثبات في أى شيء لدرجة أمست تثير أعصاب أكثر الناس اتزاناً  وأكبرهم هدوءا ، بل لعل الأنظمة التي تنفق على كل أو بعض هذه اللقاءات غدت اليوم أشد ضيقا منها من أى مكان، وأشدها إيمانا بعدم جدواها وفشل مساهمتها مهما تظاهرت بغير ذلك طبقا لقواعد المجاملة المعروفة .

حقا ان هذه القوى المتصدية ما تزال تعاني من التهميش تواجه أنواعا من التغييب وسوء الفهم حتى في أكثر الساحات العربية تبنيا لشعارات التقدم ومناداة به، بل لعلها في بعض هذه الساحات بالذات تعاني من ضيق ذات اليد، لكن المهم في الأمر ان هذه القوى تظل تواجه واقعها وتقدم إسهاماتها على نحو يهز التخلف بعنف ويواجه سوء الفهم بضراوة، ويكشف ألوان الزيف بكل قوة، مما يجعل اللعب تدار دائما بشكل مختلف عما يريد دعاة التبعية وأعداء التطور بحيث تظل الأمور تسير دوما في اتجاه ترسيخ كل ما هو جدي وخال من كل الشوائب والطفيليات .

ان الخطوات كثيرا ما تكون بطيئة أو هكذا يلحظها المرء والصعوبات كذلك أكثر من ان تحصى وربما تبدو أكبر من ان تواجه كما ان عوامل الضعف وأسباب اليأس تظهر أحيانا أكثر قدرة وأشد فاعلية غير ان الإرادة والتصميم تفوقان في نهاية المطاف كل شيء آخر.

ان القوى الجادة لا تتشبث بالأشياء لمجرد التشبث وانما لإيمانها القوي وثقتها الأكيدة ان خياراتها تنبع من ضرورات محلية وشروط يفرضها الواقع بالمقام الأول، ذلك ان الأفكار وفقاً لهذا الخيار بالذات تأتى لخدمة الواقع وبهدف السعي إلى تطويره وإثرائه، وليس العكس كما يصر عبدة الفلسفات وعشاق الجموح العقائدي .

اننا لن نكون مجافين للحقيقة أو مبالغين في حسن النية إذا قلنا ان ما يهم القوى التي نصفها بالخيرة والنيرة في ذات الوقت وهو تطوير بالواقع الذى تعيش فيه وتنطلق منه وخلق أفضل الظروف الكفيلة بالرقي واكتشاف أنجح السبل لعلاج مشكلاته الكثيرة وأمراضه المزمنة وهى تأسيساً على ذلك تدرك قبل غيرها وتجهر بإدراكها هذا أيضا ان كل النظريات والأطروحات المنبثقة عنها ليست وصفة طبية جاهزة تستطيع ان تحل كل المشكلات دفعة واحدة، لأن حل كل مشكلة من المشاكل سيؤدي بالضرورة إلى خلق مشكلات جديدة ستوجب هى الأخرى البحث عن حلول جديدة لها وسعي دؤوب من أجل تحقيق مثل هذا الحل، قد تكتشف المشكلة المستحدثة بسرعة وقد يتأجل اكتشافها بعض الوقت على ان الأصل في الأشياء ان المشاكل من طبيعة الحياة وان الاصطدام بها سنة من سنن الكون وعلامة من علامات التطور والخروج من دائرة السكون الذى هو الموت بعينه.

من أجل ذلك تظل هذه القوى التي نصفها بأطيب الأوصاف وأكرمها وأجمل النعوت وأفضلها تظل دائبة الدعوة إلى توسيع المشاركة وإعطاء مزيد الفرص للرأي والرأي الآخر، وهى تتمسك بدعوتها هذه على شتى المستويات وأيا كان نصيبها من مسيرة القرار، بل انها لذلك وبسبب منه تدرك وتتمسك بإدراكها ان كل تعطيل للحوار أو تقليل من فاعليته لن يكون له من دور سوى إفساح الطريق أمام التطرف ومن ثم الحيد البيّن عن كل ما هو عصري ومتفق مع منطق التاريخ .

وهى بذلك وبسبب منه تراهن وتثق في كسب رهانها ان المثقف الذى يفرك يديه داخل صالات الفنادق الكبيرة مثيرا للجعجعة حول المتغيرات الدولية ومختلف القضايا التي لا تهم واقعه بشكل مباشر ولا تسجل موقفا ايجابيا من هذا الواقع، ان مثل هذه المشاركة لا تشكل أية خطوة إلى الأمام ولا تضيف إلى التجربة الإنسانية الكبيرة أى شيء يذكر بقدر ما تعني الإمعان في الهرطقة والاجترار .

ان الأمور رغم كل ما سبق ما تزال تسير نحو الأفضل وان قطار التقدم يقطع مسافات لا بأس بها وان الحياة كذلك ليست راكدة وليست خالية ممن يواصل التحرك     في شموخ ظاهر وإصرار واضح وتصفية مستمرة في تحد لكل المصاعب ورفض لكل الانهيارات وجمع صفوف الانكسار في سياق متين بربط المحلي بالقومي بالإنساني.

بنفس المقدار وبذات الشروط يذهب المثقف الذى اختار الطريق الآخر وآثر مقاطعة حركة التاريخ ومخالفة قوانينه الثابتة إلى هامش الأحداث، حتى وان خيل إليه بعض الوقت ان الامر ليس كذلك، حتى وان خدع نفسه بتصوره المزعوم وريادته المزيفة أو أية صفة أخرى يتم الوثوب عليها فيما يشبه السطو، عند غياب المالك الحقيقي والرقيب الشرعي، فطريق الخطيئة مهما طال قصير، وكل سيادة بنيت على باطل فهى إلى زوال أيضا مهما خيل للناس ان الامر ليس كذلك .

بقي علينا بعد ذلك ان نتحرك جميعا لمناقشة هذه الأمور بشكل أكثر تفصيلا وتناول أكثر تحديدا، سواء بواسطة الندوات المتخصصة أو الأبحاث المكتوبة أو الاجتماعات الموسعة ولم يعد ثمة ما يبرر الصمت أو الاكتفاء بموقف المراقب.


_____________________________

عن إشكاليات الثقافة والعلاقات  الليبية الايطالية

أمين مازن

لم تكن قضية المنفيين الليبيين التي أثيرت في السنتين الأخيرتين مجرد قضية أفراد تم إبعادهم عنوة من أرضهم وحيل بينهم قسرا  وبين أهلهم وذويهم، ومن ثم غيبت أخبارهم في فترة من أحلك الفترات سوادا وأشدها قتامة في التاريخ الحديث عندما هجرت تلك المجموعات الكبيرة من البشر جهارا نهارا ولم يعثر لهم بالتالي على أى اثر، ولم ينقل عن مصيرهم أى خبر، إذ على ما في هذه الجريمة المنكرة من البشاعة وما تنم عنه من المجافاة الواضحة لأبسط القواعد والأعراف وما تجسده من صنوف التعسف والإمعان المخجل في ممارسة الظلم والتآلف معه، فإن الامر في رأينا يتجاوز هذه المسألة بكثير، ونحن بهذا الفهم نتوقف عنده ونخصص له هذا الحيز، لأنه يفضي إلى إعادة فتح ملف العلاقات الليبية الإيطالية ويخضعها للبحث والمناقشة سواء في مجالها السياسى، أو في مجالها الثقافي، وان كنا نثق كل الثقة بعدم وجود أى فاصل بين الثقافي والسياسي، مهما خيل للبعض عن وجود مثل هذا الفاصل، لأن الثقافي إذا ما طرح بعمق فسيؤدي بالضرورة  إلى السياسى، كما ان السياسى إذا ما مورس بوعي ودراية ، فسيعطى الاهتمام الأكبر والعناية الأكبر لكل ما هو ثقافي والأصل تأسيسا على ذلك يتصل بشمولية النظرة قبل أى شيء آخر .

ومن هنا، فنحن في الوقت الذى نرفع فيه أصواتنا مواكبين الدعوة الرامية إلى ضرورة كشف الحقيقة كاملة عن مصير تلكم الآلاف من المنفيين سواء بإعادة من لا يزال منهم في عداد الأحياء أو بإعادة رفات الأموات منهم ومن ثم الدخول في تعويض الأهل والأقارب وفقاً لما توجبه الأعراف وتسهم به السوابق والمواثيق، فإن ذلك لا يمنعنا من الدعوة إلى طرح القضية من الأساس نعني قضية العلاقات الليبية الإيطالية، ولاسيما       في هذه الفترة التاريخية التي يصحح فيها كل شيء ويطرح أثناءها كل شيء.

أجل ان مأساة المنفيين على ما هى عليه من البشاعة، وما تستدعيه من الإحساس بالحسرة والأسى ليست أكثر من جزء من إشكالياتنا الكثيرة مع الجانب الإيطالى، والذي   ما يزال هو الآخر يعاني من آثار تلك الحقب المظلمة من التاريخ والتي عمت بظلامها أجزاء كثيرة من عالمنا المعاصر، وتضافرت على إزاحتها كذلك قوى كثيرة ، وضاعف في سبيل تلك الإزاحة أيضا أرواح كثيرة وصلت إلى الملايين، وما كان لها ان تضيع في الحقيقة لولا ظاهرة الفاشية وصنوتها النازية، وما كان لهاتين الظاهرتين ان تجتثا من الجذور لولا تلك التضحيات الجسام التي بذلت في سخاء من شعوب الأرض قاطبة.

وإذا كان التاريخ قد حفظ لنا في سجله الذى لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها صفحات بالغة القتامة عن تلك الفترة وما شاع فيها من ألوان الظلم والإذلال طالما كان القتل والنفي والتشريد وتحديد الإقامة مظهرا من مظاهرها اليومية طوال الثلاثين سنة التي كتب فيها للاستعمار الإيطالى ان يسود على هذا التراب الطاهر، وكان التآمر على الثروة واغتصاب الأراضى الخصبة بشتى الطرق عنوانها الأساسى قبل الاحتلال وكذلك بعد زواله على يد قوات الحلفاء وطرح القضية الليبية في المحافل الدولية، وكان مشروع أسفورز الشهير الرامي إلى إعادة الوصاية والحيلولة دون قرار الأمم المتحدة بخصوص تحقيق الاستقلال لكل المستعمرات، ذلك المشروع الذى أنفقت ايطاليا في سبيله الكثير من الأموال في محاولة بائسة لشراء الذمم الضعيفة، الامر الذى تصدت له القوى الوطنية بعنف وقاومته بضراوة حتى تم إسقاطه في ظروف دولية مواتية.

ان أحداً لا يجادل دون شك في القول بأن الحديث عن هذه الفترة يطول، وبالتالي فإن مجاله يخرج عن دائرة مثل هذه المعالجات التي ليس من شأنها التوسع الشمولي بقدر ما تسعى إلى لفت النظر نحو ما نطرح في أكبر قدر من الإيجاز والتحديد، مما يقضى التنويه من البداية : ان القول بإثارة موضوع العلاقات الليبية الإيطالية لا يعنى مطلقا الإنصراف إلى التفاصيل الواسعة بقدر ما يعنى فقط التوقف حول بعض ما يوجد فيها من قضايا وإشكالات .

وفى هذا الإطار فإن الجانب الثقافي يحتل الحيز الأكبر في إشكالية العلاقات الليبية الإيطالية أو ملفها على حد تعبير المصطلح السياسى المعاصر، ذلك إنه بالإضافة إلى ما اتسمت به السياسة الإيطالية أثناء خضوع بلادنا لاحتلالها البغيض، من إصرار على تجهيل الجماهير العريضة، سواء بإصرارها على عدم فتح المدارس النظامية أو لمحدودية التحصيل فيها حين أجبرت على فتح القليل منها بالمدن الكبيرة، بحيث لم تتجاوز الدراسة في هذه المدارس على قلتها المراحل الأولية وكانت هذه الدراسة كذلك باللغة الإيطالية، لأن الهدف منها كان فقط لتكوين بعض الكوادر الصغيرة التي تستطيع ان تقدم بعض الأعمال التي يأبىَ تقديمها الايطاليون أنفسهم بعد ان شاهت تلك النفوس بغطرسة    الاحتلال .

ان مثل هذا الأمر يتجلىَ في ذلك الفراغ الثقافي الهائل الذي عانت منه بلادنا، وأمكن الوقوف عليه بوضوح، عشية انبعاث التجربة التقليدية حيث لم يوجد في البلاد أى تيار ثقافي يمكن نسبه إلى اللغة الإيطالية على نحو ما نرى في ازدهار الفرنسية بالمغرب العربى والانجليزية بالمشرق أيضا .

صحيح ان هذا الامر كان قد ساعد على مولد أجيال جديدة فيما بعد بعيدة عن التأثر المباشر، وسهل بالتالي مهمة التوجه القومي، إلا ان هذا الوضع لم يكن مقصودا من جانب الايطاليين ولكنه من قبيل الفوائد التي تجنى بها المصائب على حد تعبير الشاعر المعروف.

ومن جهة أخرى فإن الكثير من التيارات التنويرية التي عرفها الوطن العربى كانت في الحقيقة بتأثير عناصر تفتحت مبكرا على اللغات الأجنبية، الامر الذى لم نعثر له على شبيه في العناصر الليبية التي تكونت في الحقبة الإيطالية كما قلنا في غير هذا الموضع، ونحن نناقش إشكاليات الثقافة وتيارات التجديد.

وإذا كنا نقول ان مسألة الإنصراف إلى الثقافة لم تكن من مشمولات ايطاليا الفاشية سواء بالنسبة للشعوب التي نكبت بالاستعمار الإيطالى أو بالنسبة للإيطاليين أنفسهم، بمعنى ان الثلاثينيات كانت طامة كبرى على الشعبين معا انطلاقا من ان الفاشية تعادي الثقافة والمثقفين بالأساس، إلا اننا لا نستطيع ان نغض النظر عن حقيقة مفادها: ان هذا النقص قد ساد العلاقات الليبية الإيطالية حتى بعد انكشاح العهد الفاشي وانبعاث التجربة الليبرالية في ايطاليا المعاصرة ، وحسب المرء ان يلحظ هذا النقص البيّن في المنح الثقافية التي تمنح من دول كثيرة ويكون نصيب ايطاليا دائما قليلا وفى أحيان أخرى أقل من القليل ، وفيما يلحظ المرء عشرات بل مئات المعاهد التي تدرس اللغات بأيسر الطرق في مشرق الوطن العربى ومغربه ولا يجد شبيها لذلك في الأرض الليبية، فضلا عن ذلك كله هناك عزوف ظاهر عن نقل الإبداع العربى إلى اللغة الإيطالية وهناك انصراف بيّن عن تشجيع أى حركة للنقل من اللغة الإيطالية .

نعم ... ان ايطاليا المعاصرة إذا أردنا ان نكون واضحين معها لم تطرح أى سياسة تهدف إلى تنمية قدرات شعبنا كما فعل غيرها، هنا وهناك، ولم تعمد إلى أى ممارسة       من شأنها طي صفحة الماضي البغيض ولم تتجاوز في توجهاتها سوى الحرص المستمر على بقاء السوق الليبى مفتوحا أمام منتوجاتها الكثيرة والتي لم تكن أجود من غيرها في الغالب وهى في هذا السياق تجسد تخلفا مريعا عن روح العصر وما حل فيه من تغير، وقصورا مخجلا عن المفهوم  الذى استطاع ان يصل إليه غيرها من الدول التي أفلحت بفضل سياساتها الثقافية ان تخفف من مشاعر الحزن التي خلفها الاستعمار وان تسهم في طي الكثير من صفحاته القاتمة وجروحه العميقة .

ولسنا بهذا القول نهدف إلى استمرار ظاهرة الشكوى التي طالما اتكأ عليها البعض في مواجهة مختلف المعضلات، ولسنا كذلك نريد ان نستدر العواطف ونتخذ من  الاحتجاج سبيلا لمعالجة الأمور، بقدر ما نحب ان نمارس مسئولية النقد ومسئولية لفت النظر في زمن أصبح شعاره الاحتجاج وسادت فيه الموضوعية والمصالح المتبادلة وباتت السيطرة فيه للحقائق الموضوعية والأساسيات القارة، وقد يكون من المفيد هنا ان نشير إلى ان دافعنا إلى تناول هذا الأمر ليس من منطلق النزعة الثأرية أو مبدأ تصفية الحسابات القديمة ولكنه منطق الرغبة الصادقة في إزالة الآثار القديمة، وقطع دابر السلبيات السابقة، ومخلفات سوء الفهم وبقايا الأخطاء وصولا إلى فتح آفاق جديدة تقوم على التعاون وتبادل المنافع واجتثاث كل تراكمات الماضي البغيض، وما تركه من آثار سيئة في النفوس وجروح عميقة في الوجدان .

اننا ندرك اعمق إدراك ما تفرضه علاقات الجيرة وما تمليه المصالح المشتركة والمخاطرة المشتركة أيضا، من وجوب توثيق الصلة في مختلف المجالات، خاصة بعد ان حل بالعالم ما حل من تغير في ميزان القوى وبعد ان دخلت العلاقات الدولية مرحلة أخرى من مراحل التطور السياسى، هذه المرحلة التي يخطئ كل الخطأ من يزعم انها ستظل مبرأة من الصراع، بعيدة عن التنافس، ولا سيما حول هذا المجرى المائي الخطير المسمى بحوض البحر الابيض المتوسط، الذى نطل عليه جميعا، ونعيش على خيراته جميعا وسنصطلي بأي نار قد تشتعل فيه في أى مرحلة من المراحل ومن أى مكان أقبلت جميعا أيضا، مما يجعل من المستحيل على أى طرف من الأطراف ان يتصور إمكانية الاستغناء عن الطرف الآخر .

ان قضية المنفيين الليبيين إذن لابد ان تطرح على منضدة المفاوضات ولابد ان تسرع القوى الديمقراطية في ايطاليا بالذات إلى تناولها بعمق، ولابد ان تتضافر كل الجهود لدعم المطالب الليبية العادلة، وفقاً لما تقتضيه القواعد المتبعة والأعراف الجارية، والسوابق المعمول بها في معالجة المشكلات الدولية عبر تداخلاتها الكثيرة.

ونحن إذ نجهر بهذا الرأي فإننا نثق بجدوى ذلك للشعبين المتجاورين وبوجود من يتحمس لهذا الرأي ويتبناه ويبذل الجهود الكثيرة في سبيل التمكين له، باعتباره السبيل الأمثل لصوغ مشروع تنموي مشترك تكون من مشمولاته الإسهام في تحديث بنيتنا الثقافية التي تحتاج في مقدمة ما تحتاج إلى مثل هذا التعاون الجاد لنمونا وتوسيع قدراتنا الفنية في إطار من الثقة المتبادلة والمنفعة المشتركة، لأن كل توجه لا يراعي مثل هذه الحقائق انما هو بمثابة القفز على الواقع المشترك والمصير المشترك، ولأن كل قفز للواقع يحمل في طياته إمكانية السقوط مهما خيل لمن قد يقدم عليه غير ذلك، ومهما تأجل الأمر بعض الوقت .

ترى هل تجد هذه الدعوة  من يفهمها في الجانب الإيطالى كما جاءت في هذا الطرح؟ ذلك ما نرجوه مخلصين أما نحن فسنظل نتناول هذه المسألة بهذه الكيفية، ونلح عليها دون ملل، ونتمسك بها في كل الظروف.


____________________________

الثقافة العربية و التحديات الراهنة

أمين مازن

التحدي والاستجابة، التراث والمعاصرة، الثقافة والتحديات، تلك هى العناوين المسيطرة في كل لقاء ينظمه المثقفون العرب، هنا أو هنالك عبر الساحة العربية الكبيرة وبالتحديد منذ اوآخر السبعينات وطوال الثمانينات أى منذ أن أقلع الاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب عن تلك العناوين المحايدة التي سادت طوال حقبة السبعينات.

وقد كانت ندوة الثقافة العربية والتحديات المعاصرة إحدى فعاليات أسبوع التضامن مع الجماهيرية الذى استضافته لجنة التضامن المصري ونظمته لجنة التضامن الليبى، وشاركت فيه مجموعة من المثقفين اللامعين، كانت هذه الندوة من ابرز فعاليات هذه التظاهرة الرائعة ان لم تكن أبرزها على الإطلاق .

ان أهمية هذه الندوة لا تأتى من طبيعة الموضوع فحسب، لأن كل المواضيع التي طرحت هى في حقيقة الامر على قدر وافر من الأهمية ، بل ان بعضها قد يتجاوز ذلك بكثير، ولكن هذه الأهمية تأتى من المنهجية التي اتبعت في بحث القضية وذلك من جميع المتحدثين في الندوة سواء أولئك الذين قدموا أوراقا مكتوبة شأن الأستاذ محمود أمين العالم وسالمة عبد الجبار ورجاء النقاش وكاتب  هذه السطور، أو أولئك الذين علقوا فشكلت تعليقاتهم إضافات جديدة واثراء مسئولا للحوار، فقد كانت السمة العامة لجميع المداخلات هى ان الثقافة مسئولية لا مجال لفصلها عن الواقع ولا سبيل لممارستها إلا بمخطط شمولي ينظم حركة المجتمع ككل ويوفر الحرية المطلقة لكل الآراء كيما تبدع وتتألق وتتصارع وتتلاقح، وإنها أى الثقافة لكي تكون كذلك فلابد ان توفر لها الرعاية الكافية والتشجيع الكامل، الامر الذى أخرج الحوار من دنيا التجريد وعالم العواطف، ومصطلح الشعارات التي تأخذ بالعاطفة أكثر مما تأخذ بالعقل.

ولسنا الآن بصدد إعادة الآراء التي ألقيت في هذه الندوة، لأن طبيعة هذه المعالجة تخرج عن إطار المتابعة الحرفية وتقوم على مبدأ استدعاء الذاكرة وإضافة ما يولده الحوار، وينتهي إليه الجو العام، وذلك في إطار صوغ مرتكزات أساسية تتكفل بتقديم صورة ما لمن يعنيه امر ما يثار من مسائل تشكل في مجملها ملمحا من ملامح إشكاليات الثقافة، أو هما من همومها الكثيرة، ووسيلة من وسائل تطويرها وتحقيق أكبر قدر ممكن لنموها .

وأيا ما كان الأمر، فإن التحديات التي  تواجه ثقافتنا العربية هى من الكثرة والتداخل حتى ليصعب على المرء ان يلم بها في مثل هذه المعالجة لكن ذلك لا يحول دون الحديث عنها ولو بشيء من التعميم، على ان أخطر هذه التحديات تلك التي تتمثل في التحديات الخارجية التي تستهدف الوطن العربى في عمومه، ذلك ان هذه الوضعية تأتى من مفهوم يرى ان الثقافة بقدر ما تؤثر في الواقع فهى كذلك تتأثر بهذا الواقع ومن ثم فإن هذا التحدي يقوم على محاولة طمس الشخصية العربية ووأد الأماني العربية مباشرة وتجريد الوطن العربى من كل مقومات الوجود، من كل مصادر القوة، من كل إمكانية تسهم برفض المشروع الصهيوني الاستيطاني والتخلي عن أى محاولة لوقفه عند حده أو الحيلولة دون تحقيق برنامجه.

ان التحديات الخارجية في هذا الإطار تجمع بين تصدير الثقافة الاستهلاكية المنبثقة عن الحياد المطلق تجاه مختلف المعارك والاهتمام الكامل بالشكل دون المضمون سواء كان ذلك في مجال الكلمة المكتوبة أو للوحة الملونة أو العبارة الملحنة، وبين الاعتداء المباشر على القدرة العربية سواء بالعدوان الصارخ كما حصل للعراق منذ مدة وكما يحضر للجماهيرية الآن أو بواسطة تفتيت الوحدة الوطنية وإشاعة المعارك الجانبية وبث روح الفتنة في مختلف الأقطار العربية كما يجري في معظم الساحات العربية حيث يطل ذلك البرنامج التقليدى المتمثل في تشجيع الفتن ودفع الأقليات العرقية والمذهبية للتحرك تحت شعار حقوق الإنسان وحق تقرير المصير ومن خلال الاستفادة من القصور الظاهر في معالجة بعض الأنظمة العربية عن أى شكل من أشكال الارتفاع إلى مستوى العصر وما بات يطرحه من أولويات وما يتميز به من تعقيدات .

ان هذا الفهم الساذج في تناول مشكلات الواقع العربى، وهذا العلاج القاصر في هموم  الإنسان العربى هو ذاته الذى يسهل مهمة حمى التسليح التي ما تزال تسيطر في كثير من الساحات العربية ان لم نقل كلها بما في ذلك تلك التي تبنت سياسة الموقف المسالم مع العدو الصهيوني ومع ذلك يلاحظ المرء استمرارها في نهج التسليح المستمر الامر الذى يفقد هذه السياسة أية مصداقية تذكر فهى إما ان تكون تهدف من استمرارها في هذا النهج إلى ممارسة الإرهاب الداخلى وتمرير السياسات الظالمة وهو خيار سيء بدون شك أو انها ما تزال مشدودة إلى المخطط الاستعماري القديم الرامي إلى إنهاك الشعوب بمصاريف التسليح الضخمة التي تتكفل بتعطيل أى مشروع تنموي فاعل وذلك بعد ان اكتشف الاستعمار خطأه الكبير في تجريد اليابان وألمانيا من السلاح عقب الحرب العالمية الثانية وما نتج عن ذلك من بناء هذه القوة الاقتصادية الهائلة التي تمكنت من انجازها الدولتان المهزومتان، فهيأ لهما إمكانية التعويض، بل وغدا يدفع الحلفاء القدامى إلى المطالبة المستمرة لإدخالها في دوامة صراع التسليح باعتباره الوسيلة الوحيدة القادرة على إثقال كاهل الاقتصاد بما يراد ان يحمل به من مصاريف تسهل تمرير المخطط الاقتصادى الاحتكاري تجاه الشعوب الضحية وتمكن من توجيه ميزان المدفوعات لصالح الاستعماريين .

إنه الفهم الذى لم تستطع الثقافة العربية ان تضعه في حجمه الطبيعى ولم تستطع ان تنبه إلى خطورته بما فيه الكفاية، لا لأن المعالجات النظرية لم تحصل، وانما لأن مشروع التوصيل قد حيل بينه وبين تحقيق برنامجه نتيجة مخططات جهنمية ومعقدة ، وما تزال أكثر قدرة على تمرير مشروعها، ما لم تبادر القوى الحية بالتصدي اللازم لها ولإفشال مخططها الرهيب.

بل إنه الفهم الذى مكنت له جحافل الأمية التي ما تزال تسيطر على حياتنا، ان على مستوى القراءة والكتابة وعدم القدرة على متابعة ما يكتب بمختلف وسائل النشر، أو على مستوى التناول ذاته، من حيث الوهم القائم على إمكانية حرق المراحل، والقفز الغبي على الواقع وما يمتلئ به من صعوبات حقيقية وما يسود فيه من ظروف قادرة وأسباب قادرة على الإعاقة لآماد طويلة، ولا سبيل لتجاوزها إلا ببرنامج طويل المدى.

ان أحدا قد ينبري بالقول اننا بهذا التحليل نهدف إلى تعطيل قطار التحرك، أو ان نتيجة هذا التصور تعني التسليم بالشروط، ورغم ان السباق العام لن يؤدى إلى مثل هذه النتيجة ولا يسعف بتقديم أية حيثية لإصدار مثل هذا الحكم الظالم، ومع ذلك فنحن نحب ان ندرأ مثل هذا القول بالإشارة إلى ما نرمي إليه هو ضرورة الاستفادة من الخبرة البشرية مجتمعة ومن المسيرة الإنسانية مجتمعة، وان ما سيضر بثقافتنا هو الوهم القائل بأن من الممكن الاستغناء عن مجموعة القوانين العلمية التي توصلت إليها البشرية عبر كفاحها الطويل في مواجهة شروط التخلف وأسباب التقهقر، وهو وهم لم يستطع أن ينال من أسلافنا العظام عشية تأسيسهم لتلك الإمبراطورية الواسعة وتحقيقهم لتلك النهضة الحضارية الكبيرة، حيث تم انفتاحهم الكبير على ثقافة عصرهم، وكان مشروعهم التحديثي الهائل المتمثل في نقل ثقافات الآخرين ودراسة ألسنهم واستيعاب معجزاتهم بعيدا عن التعصب الغبي، والاستلاب المخجل، فكان انجازهم لذلك الخطاب الثقافي الذى ما يزال الشاهد القوي على حقيقة ما أنجز .

غير ان هذا الانجاز على ضخامته وعلى أهمية الدور الذى حققه في مجال الإضافة السخية لحركة الحياة ومسيرة الفكر أصبح اليوم يواجه نكسات غير منكورة وانهيارات يصعب الخروج منها أو الانتصار عليها، لأن التحدي الذى يطالها هو ذلك الذى ينشأ ويتنامى من الداخل ذاته، فباسم الأصالة يرفض الانفتاح وباسم العودة إلى السلف يتم الاستغناء عن منجزات العصر، وباسم الاتباعية يجري الانغلاق تلو الانغلاق. انها غريبة حقا هذه الثقافة التي تسود هذه الأيام، والتي يرفع لواءها قوم نالوا حظا غير قليل من الدراسة العلمية ليس فقط بجامعاتنا العربية بل ان أكثرهم قد أوفد إلى أكبر جامعات العالم ليدرس الفيزياء أو الرياضيات أو أى مجال من مجالات التخصص العلمي الراقي، فعاد إلينا يحمل أكبر الدرجات العلمية، ولكن لا ينصرف إلى مجال البحث العلمي المتخصص وإنما يهتم بمسائل هامشية عجيبة بدعوى أنها الأساس وأنها لب المشكلة وبداية الخروج من المأزق المعاصر، كما لو كانت المعاصرة كلها مأزقا وكما لو كان كل ما تم انجازه مجرد حرام في حرام .

والحقيقة ان خطورة مثل هذا القول لا تكمن فقط في انصراف القائلين إلى هذه الهموم الهامشية وإهمال المشكلات الحقيقية، إذ لو كان الامر كذلك لقلنا ان الحوار كفيل بتصحيح أى خطأ وسد أى نفق، ولكنها تكمن في تلك المقولة المطلقة المتمثلة في ان الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن لا لأنها تلخص جوهر الفلسفة التي يسعى إلى تسويدها القوم، وهى فلسفة تقوم على رفض الحوار وعلى إملاء كل شيء بواسطة هذا السلطان الذى لا نعرف كيف سيتولى ولا كيف يمكن ان يقوم، وذلك لأنه سيعتمد في ممارسة مسئوليته على قوة لا نملكها ولا يمكن ان نصل إليها، وحين تسود في الحياة فلسفة ترفض الحوار وتتعالى على البحث وترى لنفسها الحق المطلق فإن ذلك يعنى الوصول إلى الطريق المسدود، وهو ذاته الذى يدعو إلى استشعار الخوف من مثل هذا الطرح البائس، والذي يحتاج إلى جهود فكرية واسعة للتحذير من أخطاره ومن مغبة ما يمكن يترتب على سيادته، انها الجهود التي لابد ان تنطلق من القراءة الواعية للتراث ذاته ومن أقوال الأسلاف ذاتهم ولا سيما تلك القراءة التي قالت في بداية الدعوة بضرورة تغليب المصلحة على النص، لا لأننا نرفض النص ولكن لأن التمسك الحرفي بالنص والتفسير القاهر للنص من شأنه ان يساعد على التمكين لقطار الانغلاق ان يسود ولتيار الجهود ان يترعرع وهو امر ترفضه طبيعة المرحلة وتأباه المسيرة الطويلة لفكرنا العربى الخالد .

فإذا ما أضفنا إلى ذلك كله ان كل هذه المصاعب وهذه الأوضاع التي تعيشها ثقافتنا العربية اليوم، تقف إلى جانبها في الطرف الآخر وعلى شاطئ البحر الذى يعيش على ساحله جل أبناء الوطن العربى تقف هناك اوروبا الموحدة التسعينات حيث البطاقة الواحدة والعملة الواحدة والأمن الواحد والاقتصاد الواحد والبث المرئي الواحد، أدركنا بدون شك في أى عالم نعيش وأى ثقافة يمكن ان تسود ... اننا نحتاج إلى إدراك مثل هذه الحقيقة لأننا حين ندرك ذلك بحق يمكن ان نحدد نقطة البداية، ونقطة البداية ليست اصطدامية بأي حال من الأحوال ولكنها تعني العودة إلى الذات، إلى تحديد الأولويات إلى الابتعاد عن المعارك الوهمية والمشكلات المفتعلة، أن هذا الآخر الذى نقابله لديه الإحصائيات الكاملة عن كل شيء، ولديه القدرة على تحليل كل موقف، وحساب كل فعل في اتجاه حفظ مصالحه وصيانة حقوقه، ونحن لو فعلنا ذلك لحققنا شيئا من الاستفادة، ولأدركنا بحق ان الثقافة ليست الشعر وليست القصة وليست المقالة، ولكنها مجموعة الخبرات التي يحققها المجتمع في مجموعه، هى السلوك الذى يسود حياة   الناس، هي طريقة التفكير، هى أسلوب المعاملة التي تؤمن بأن الصواب نسبي والحق نسبي والخطأ من طبيعة البشر، هى التسليم بأن زمن العصمة قد ولىَ وانتهى وان الحياة تنوع مستمر وانها كذلك أو لا تكون .

أن ما يعيب واقعنا العربى هو ذلك الإحساس المسيطر بأن الثقافة تستطيع ان تفعل كل شيء وان المثقف يستطيع ان يغير من صورة الواقع غير السحنة، وهو إحساس ملأ وجداننا من ذلك العصر البدائي حيث كان الشاعر الجاهلي يرفع بقصيدة المدح من يشاء ويخفض بقصيدة الهجاء من يشاء أيضا، في حين ان الزمن لم يعد  كذلك، لأن الثقافة غير المدح وغير الهجاء ولأن المثقف الحقيقي هو ذلك الذى يترفع عن المدح وينأى عن الهجاء ويتجاوز كل المسائل الصغيرة.

ويبقى الحوار حول الثقافة وحول التحديات الخارجية، هو الأسلوب الأمثل لتجسيد كل موقف تضامني جاد في أية معركة من المعارك، ولاسيما فيم عركة الجماهيرية التي هى أولا وأخيرا معركة الطموح والتحدي والأمل الكبير.



_____________________________

التجربة الشعرية المعاصرة

أمين مازن

تعتبر التجربة الشعرية المعاصرة من أثرى أشكال الأدب العربى تجددا وأغناها اتساعا وتألقا فلقد استطاعت هذه التجربة ان تقدم إضافة لا مجال لانكارها أو التقليل من فاعليتها في رحلة الأشكال الأدبية المستحدثة وذلك منذ ان أفلح الأدب العربي في الخروج من ربقة التخلف الذى انتاب الحياة الفكرية العربية طوال عصور الانحطاط العربى وما رافق ذلك من وهن في وسائل التعبير وخمول في محتوى التفكير، وعجز بيّن عن مجاراة العصر في تلك الحقبة المعتمة .

ومع ان هذه التجربة قد ولدت في أحضان التجربة الشعرية التقليدية الحديثة التي أسس لها في المشرق البارودي وشوفي وحافظ والزهاوي ومطران، واستجاب لها في المغرب العربى مصطفى بن زكرى وسعيد أبو بكر وأحمد الشارف ورفيق المهدوي وإبراهيم  الهوني، وصولا إلى الأسطى عمر وعلي صدقي عبد القادر ومحمد ميلاد  مبارك ورجب الماجري وحسن السوسي ومن ثم على الرقيعي وعلي الفزاني وحسن صالح ومحمد الشلطامي وغيرهم، وغيرهم إلا ان الذى لا مراء فيه ان التجربة الشعرية المعاصرة قد تميزت وخلفت لنفسها من فنون المعالجة ما اعطاها من السمات ما جعلها خليقة بالدراسة النقدية من ناحية والمقابلة الاحتفالية من ناحية أخرى، وذلك لما تمكنت من تحقيقه في مجال الانجاز النصي والقدرة على طرحه في الساحة الأدبية .

على ان هذه التجربة الشعرية وان تكن في انبعاثها قد مثلت الوليد الشرعي لتلك النهضة الأدبية التي ازدهرت منذ مطالع هذا القرن وطوال معارك التحرير التي خاضتها جماهير الأمة العربية بقيادة شرائحها المختلفة وهى تحاول التخلص من السيطرة التركية وتواجه في ذات الوقت مؤامرات الاستعمار الأوروبي وخياناته المتلاحقة ودسائسه التي يعجز القلم عن حصرها، فإنها ما لبثت ان خرجت عن طوع ذلك الأب القديم ليس فقط على مستوى الاكتفاء بالتفعيلة الواحدة كما حصل في الخمسينات والستينات من حيث بناء القصيدة أو من حيث نزوعها نحو الجموع  والالتزام بقضاياهم بل إلى درجة هجر التفعيلة بالكامل والاستعاضة عنها بواسطة الصورة والموسيقى الداخلية إلى غير ذلك من المصطلحات التي أفلح النقاد في استحداثها واكتشاف أسرارها البعيدة والقريبة، حتى لقد غدونا نقرأ ألوانا من الإبداع لا صلة لها على الإطلاق بذلك الموروث الذى قرأناه واستقر في وجداننا لآماد طويلة ودأبنا على التفاعل به وإعادة ترديده أثناء الليل وأطراف النهار.

وبالرغم مما قيل وكتب في مناسبات كثيرة حول رحلة الشعر الجديدة وحول فنون الإبداع التي حفل بها ومظاهر التطور التي حققها فإن الانفصال ما يزال كبيرا بين هذا الشعر الجديد وبين جماهير القراء المستهدفين بهذا الخطاب الجديد والمطالبين بتذوق جمالياته والتعامل معها وإعطائها ما تستحق من الفاعلية والتفاعل ولم تعد الذاكرة  العربية في حقيقة الامر تعيد من الشعر العربى سوى تلك النصوص الخالدة التي أبدعها أعلام الشعر العربى منذ المتنبي وأبي العلاء ومن قبلهم أبي تمام وبشار إلى زمن المدرسة التقليدية ومدرسة المهجر، وصولا إلى نزار والبياتي والسياب وأدونيس في مراحله الأولى، بل ان هذا الأخير يقدم في دراساته التطبيقية سوى نصوص القدماء والنزر اليسير من نماذج النهضة الحديثة، وكانت المسألة الملحة دائمة والدعوة المستمرة أيضا هو ان هذه التجربة ذات التنظيرات الكثيرة لابد لها من تقديم دراستها التطبيقية حول نصوص شعرية محددة توفر للآخر إمكانية الحوار وتعطي للحياة الأدبية ما تحتاج إليه من الحيوية والتجدد، لتحقق بالتالي ما ينتظر منها في مجال الإثراء والإسهام الجيد الفاعل .

كانت هناك معضلة حقيقية أمام هذا النص الشعري، لم تستطع كتاباتنا الكثيرة ان تتغلب عليها أو تقلل من تأثيرها وقد بدأت مظاهر هذه المعضلة تتجسد أكثر فأكثر عقب استفحال المشكلات التي غدت تواجه المواطن العربى في معاركه المستمرة التي لم يستطع ان يخوضها كما يجب ان يخوض ولم يسمح له بتأدية دوره الذى كان وما يزال        يتطلع إليه،ولم يحسب عليه فقط سوى ما ظل يتوالى من الهزائم المستمرة والنكسات المتعاقبة والورط التي لا مخرج منهلا على ما يبدو في المنظور القريب .

وكان على فرسان الكلمة ان يلتفتوا إلى هذه المعضلة بجدية وان يتوقفوا أماها بكل ما تستحق من الاهتمام والمتابعة لاتصالها بمسألة الوجدان ومسألة التعامل مع الكلمة وإشكاليات الوعي المتنوعة .

وقد لا يعزب عن أحد جلال الدور الذى قام به الشاعر علي صدقي عبد القادر في معايشة هذه الأمور، ومدى الحضور الذى أكده في الحياة الشعرية منذ ما يقرب من خمسة عقود في عمر الزمن، كانت خلاصتها هذا العطاء الشعري المتتالي الذى حملته مجموعاته الشعرية المتتالية ومشاركاته الإلقائية الكثيرة، سواء في المناشط التي تقام داخل الجماهيرية أو تلك التي تنظم في المحافل الدولية والعربية، والتي كانت جميعها في اتجاه التجريب وخوص غمار التجربة من كل نواحيها .

لقد بدأ علي صدقي عبد القادر تجربته الشعرية في إطار المدرسة التقليدية الصرفة، بحيث يلحظ المرء في دواوينه الأولى الكثير من القصائد التقليدية بل إنه حتى عندما طرق باب التجديد انما عالج ذلك من خلال التفعيلة الواحدة ليس غير، إلا أنه ظل بعد هذه البدايات وطوال مداومته على كتابة الشعر ينزع أكثر فأكثر نحو التخلي عن التجربة القديمة حتى إنه غدا في تجاربه التي دأب على كتابتها في السنوات الأخيرة يكتفي بالصورة المكثفة والعبارة المقتضبة ليس غير .

ورغم ان هذا اللون من الشعر يمكن تذوقه بواسطة القراءة دون الإلقاء، فإن الشاعر ظل يحرص على إلقاء قصائده هذه وكأنه يريد ان يقول ان التجربة الجديدة لا تصدم المتلقي التقليدى بالكتابة فحب بل انها تهدف إلى اقتحامه بواسطة الإلقاء أيضا.

حقا إنه ليس الوحيد في هذا الميدان،فكل فرسان القصيدة الجديدة يحرصون على خوض هذه التجربة إلا ان علي صدقي في الحقيقة يظل دائما نسيجا وحده وتجربة لها من الفرادة والخصوصية ما لا يمكن لأحد ان ينكره .

غير إنه لا يقف وحده في هذه التجربة فهناك أعداد كبيرة من الشعراء الذين يكتبون في بلادنا هذه الأيام وكلهم إمعان في التجديد وكلهم رفض للموروث الشعري في كل كتابة يكتبونها وكلهم ثقة في ان تجربتهم متميزة وان الحركة النقدية ظلمتهم ولم تستطع ان توفر لهم المناخ الملائم ولم تستطع ان تنزلهم المنزلة التي يستحقونها ولم تلامس بعد اضافتهم الشعرية .

كل هذه الشروط التي أومأنا إليها وتلك التي لم نستطع الإلمام بها دفعت (بالفصول) وهى تجربة الملفات الثقافية ان تعقد هذا الملف للشاعر علي صدقي عبد القادر وان تترك الحيز الأكبر من الإسهام فيه لعدد من المثقفين الشباب شعراء وكتابا للكتابة عن علي صدقي بعد القادر والتحاور مع علي صدقي عبد القادر، وذلك بعد ان قدمت عبر المساهمات الفردية والمجهود الشخصي الكثير من الدراسات عن تجربة هذا الشاعر عبر دواوينه المختلفة .

وهى دراسات وان تكن لم تستطع ان تعطي الشاعر حقه إلا انها بدون شك عبرت عن جزء من الاحترام الشخصي والعناية المستمرة بإبداعه والتثمين العالي لمواقفه المشرفة، على انها كانت وما تزال بحاجة إلى مزيد المراجعة ومزيد الإثراء .

ان الملف الذى يحويه العدد القادم يندرج ضمن المحاولات الرامية إلى الجمع بين تكريم السابقين في درب الكلمة والاحتفاء بهم ليس فقط من منطلق التمجيد المطلق ، وإنما بواسطة الحوار المسئول لعطاءاتهم وما قدموه للحياة الأدبية من إنتاج زائد وعطاء غير قليل.

وهو تأسيسا على ما سبق لا يكتفي بما حواه بقدر ما يجسد دعوة ملحة لكل الفاعليات الأدبية لتوالي المناقشة وأعمال الرأي المسئول لسد أى نقص عساه ان يكون قد وجد وتصويب أى خطأ ربما يكون قد حدث .

ذلك ان الحياة الأدبية لا يمكن ان تحقق ما يراد لها من الازدهار وما ينتظر لها من التقدم إلا باستمرار المبادرة وتوالي المشاركات .

بل لعل في إصدار هذا الملف ما يجسد دعوة ملحة لكل الفاعليات النقدية لمناقشة قضية الشعر من الأساس ولا سيما بالنسبة للأصوات الجديدة ، فالتجربة لابد ان تصنع دارسيها ولابد ان تفرز القادرين على فهم أسرارها واكتشاف عناصر إبداعها.

ورغم الكثير من المحاذير، فإننا نعتقد ان اليوم الذى ستصل فيه التجربة إلى هذا المستوى لن يكون بعيدا بل وانه لأقرب من القريب .


_____________________________



***********************************************************

موقع الكاتب والاديب : أمين مازن

  www.aminmazen.com © 2020- 2008

طرابلس - ليبيا

Tel 0913245901