مقالات صحيفة فبراير

ابريل 76 و أصدقاء دار الفقيه حسن

*امين مازن


لم تكن الحركة الطلابية في تاريخنا الوطني الحديث, المرتبط عل نحو خاص بنشوء دولة الاستقلال, بمعزل عن معارك النضال الوطني, و ما عبّر عنه من انشغال دائم بمعارك الاستقلال و ما شابه من مظاهر القصور من ناحية, و مقترحات العلاج من ناحية اخرى. و من هنا وجدنا الطلائع ولّت وجوهها مبكرا الى المشرق العربي في آخر ايام الادارة البريطانية و فجر الاستقلال, قصد اكمال الدراسة الجامعية و ما في حكمها جرّاء عدم وجود جامعة وطنية في ذلك الزمن, و لم يكن لها من زاد اكثر من المواقف الرافضة لذلك الاستقلال الذي شكك في جدواه عديد الرموز ممن تصدرهم عل نحو خاص امثال الاستاذ مصطف بن عامر و عبد العزيز الزقلّعي ومن جايلهما, فتعود و هي المُوفدة من الدولة الحديثة و ليس معها سوى الافكار الرامية الى الاجهاز على هذه الدولة الى الحد الذى يمكن وصفه بالخالي من أي مسؤولية. و اذا كان مثل هذا الموقف الرافض قد عبّر عن نفسه بالانحياز المطلق للموقف القومي الذي لا يتردد في التضحية بالمصلحة الوطنية إزاء الموقف القومي كما هو الحال الذي تبنّاه الطلبة بين 1964 و 1967, فإن الموقف لم يكن كذلك منذ مطلع السبعينات في خضم المتغيرات التي أخذت في التجلّي عقب سقوط النظام الملكي, و الذي كان قد بلغ أقص درجات تأزّمه جرّاء شيخوخة الملك و ضعف ولي عهده و قبل ذلك عدم شرعيته, و هي الوضعية التي تجسّدت في تغيير الحكومات, بل و عدم السماح بأي إجراء إصلاحي و اخيرا السفر خارج البلد بعد ان فاجأ الجميع بإقالة حكومة السيد عبد الحميد البكوش و إناطة الحكم بالسيد ونيس القذافي الذي لا يُضَاهىَ في الاخلاق و نظافة اليد و لكن دون الارتفاع لحجم المشاكل القارّة, بدليل انه لم يعط المعلومة التي بُلِّغَ بها من طرف البكوش عن إحتمال تحرُّك الجيش, و كان قبل ذلك يحضِّر لزيارة يُفترض ان يقوم بها ولي العهد ال فرنسا, كما علِمت ذلك منه شخصياً في مايو 1969, ففي هذه المرحلة و لمجرد أن لاَح في الافق أن ما جرى في اول سبتمبر 69 م لم يأت بمحض الصدفة و انما هو لقاء ترتيبات مُعدَّة و خطط مدروسة و مُعدَّة مع اكثر من طرف, و إن ما إتسمَ به الوقف المصري الرسمي المُتمثّل في وفد هيكل و فتحي الديب و إسراع الرئيس عبد الناصر بالتأييد المطلق على الرغم من مفاجأته بما جرى إنما يدل على شبهة ما حول العهد الجديد, فما كان من الطلبة و المهمومين منهم بالشأن الوطني إلا ان يقرِنوا تطلّعهم لبناء إتحادهم و حرصهم على قيادته بعيدا عن اي ارتباط بالعهد بل و في تناغم ملحوط مع رموز الرفض من كل الاطراف المدنية التي اخذت تتجمع حول الكثير من المطالب الوطنية التي كان ميدانها متمثّلاً في مجتمع الفضاءات المفتوحة التي شهدت المجاهرة تلو المجاهرة لعديد السلبيات و لا سيما عدم الاعتزاز بالرمز الوطني و الإعلاء من الطرح القومي الى حد الإحساس بالدونية, و قد كانت ندوة الفكر الثوري التي دُعي لها اكثر من طيف مناسبة لإعادة ترتيب الارشيف المخاراتي حين تَفتّقَت العبقرية عما أُصطُلِح على تسميته بالثورة الشعبية و التي لم تكن اكثر من اعلان الاحكام العرفية سيق بواسطته ذلك الحشد الكبير من الوطنيين الذين مثّلوا اطياف الفكر الوطني كافة, جامعين بين الرموز الثقافية و القيادات الطلابية و بالجملة عموم الناشطين السياسيين في هذا الفصيل لا فرق بين الذين دخلوا الجامعة و سعوا الى التنظيم النقابي المهني او الذين تجاوبوا معهم من المستوايات الدراسية الاقل و بالذات المرحلة الثانوية تلك التي أُستكثِر عليها ان تنصرف لهذه الامور و خُشِيَ أن تُقْدِم لاحقا على مواقف اكثر تشدداً, الامر الذي جعلها تُواجَه من العنف ما لا يتفق ابدا مع صغر السن و حداثة التجربة لولا ان الشجاعة كانت اقوى من الجلادين بكثير, انها المواقف التي ما لبثت أن أوجدَت استمرارية اقوى و كان موعدها ابريل 76 م وعقِبَ تفجّر الموقف الرافض داخل القوات المسلحة تلك التي أمكن لأقوى رموزها ان يغادر البلاد و يعلن موقفه عل مرأى و مسمع من الرأي العام العالمي ألا و هو الرائد عمر المحيشي الذي القى اخطر بيان نقدي لتردِّي الاوضاع الليبية في تجمع شعبي إلتأم بسوق الجمعة في طرابلس, فكان ما كان من مهاجمة الجامعة في طرابلس و بنغازي في الاسبوع الاول من شهر ابريل لتأتي حملة الاعتقالات التي طالت جميع قيادات الطلبة الذين تكونوا عقب سنة 73, فكان من حق الذين طالتهم تلك المحنة و تسنّى لهم حضور لقاءات دار الفقيه حسن و الاسهام في ما ينتظم بها من حوارات ان يدلوا بما لديهم حول النشاط الطلابي المُشار اليه, و كان اختيار العام الجامعي 76 م حيث أعَدّ كل من السادة رضا بن موسى و منصور بو شناف و محي الدين الكريكشي اوراق مكتوبة عن تلك التجربة إنطلاقا من ان بن موسى و بو شناف من الذين طالهم السجن فيما كان عقاب الكريكشي بالطرد من الدراسة نهائياً, و لتزامن هذا المنشط مع الذكرى الثالثة لرحيل الشاعر سنوسي حبيب مع هذا التاريخ كان إهداء الندوة الى هذا الفقيد الذي كان ضمن الذين عُوقِبوا بالسجن. و قد كانت الاوراق مجتمعة غنية بما حوته من تفاصيل عن احداث تلك الايام, بما سُرِدِ فيها من اسماء الامكنة و نوعية الحراك و مواقف الخصوم, كما ان ما حملته من مقتطفات شعرية صاغها في تلك الفترة الشاعر الراحل سنوسي حبيب تذكيرا جيدا بالمستوى الذي تحقق لشعره مبكرا و الذي لم يتم التوقف امامه عندما طغى الحديث بشأن السنوسي حبيب انطلاقا من الموقف العملي و الدور الاجتماعي و ليس المستوى الابداعي و الذي هو كما يعلم الجميع ما سيبقى منه لإحتلال المكان المناسب في الموسوعات الخاصة بالأعلاَم, فكان ضروريا ان نُلفِت النظر الى هذه الجزئية في التعقيب الذي تيسّرَ الاسهام به و الذي أوجزته لإفساح المجال امام النقابي و المناضل المعروف علي اللافي الذي اطلعني على ورقة أعدَّها في الخصوص عَنْوَنَها - بشاهد الحدث - و رَغِبَ ان تكون في الُمُفتتح بإعتبارها إضاءة, و بإعتبار اللافي مثل اكثر الناس إرتباطا بالعمل النقابي الطلابي و اكثر من الجميع مداومة على زيارة هذه الرموز و هي تقبع في السجن و قبل ان تُمنع من الزيارة و هو الموقف الذي خلّده الشاعر الفقيه صالح الذي كان سجينا هو الآخر بقصيدة بالغة الجمال خص بها علي اللافي و موقفه المُتفرّد.

لقد إستحظرت في المقام جموع السجناء الذين عرفتهم من قطاع الطلبة في تجربة 73 م من فصيل الطلبة الذين طالهم لاحقا الاعدام مثل محمد احفاف و عبد الرحمن بيوض و الذين انهاهم المرض و الاهمال امثال عبد العزيز الغرابلي و الذين ظلّوا صامدين و قد قاربوا الثلاثة عقود كالمهندس علي كاجيجي و الترهوني و العكرمي و القصبي و العجيلي دون ان اغفل مجموعة التغيرات التي عدلت من مواقف الكثيرين الذين لم يمنعهم بقائهم في صفوف المتعاونين مع العهد ان يكونوا اكثر اعتدالا,منهم من حسّنَ آدائه في ما أُوكِل اليه من مهام, و من كان اكثر إنصافا لخصوم الأمس و من رفض تنفيذ أوامر الاعدام و لقيَّ جزاؤه كما شهِدَ السيد عوض حمزة عن امتناع سعيد راشد عن تنفيذ الاوامر التي صدرت له بتصفية البعض, فكان ان قُتِل هو حسبما تردد في حينه, و كذلك من استنكر العنف في حينه شأن الدكتور محمد احمد الشريف الذي استنكر جريمة الاعدام كما تحدّث رضا بن موسى. و لا عجب, فقد كان المشوار طويلا و التجربة عريضة و لا مناص من ان يوجد الذين خلطوا عملا صالحا و آخر سيئاً, عسى الله ان يتوب عليهم و لتغمر السعادة و طول العمر من لا يزال في قيد الأحياء ممن شهدوا تلك الاحداث و لتمطر شآبيب الرحمة من ذهب الى حيث مصير الجميع, و ما من مقاربة للتاريخ في امكانها تجاهل تلك الشروط.

________________________________

قبل أن نفقد الوطن


* امين مازن

كشرت روسيا أخيراً عن انيابها بشأن الحرب الدائرة في سوريا ، بعد أن ظلت هذه الانياب تعض من وراء الستار، عندما أكتفت بتزويد النظام الأسدي بالسلاح والحيلولة دون إصدار قرار دولي على غرار ما جرى مع الرئيس صدام حسين في مطلع القرن الحالي وماتلا ذلك بشأن تونس ومصر وليبيا .وهكذا رأيناها اليوم توالي إرسال طائراتها المقاتلة لتلقي آلاف الأطنان بحجة المساهمة في حرب الدولة الإسلامية المزعومة في حين يؤكد أن الغارات المشار إليها تستهدف المعارضة السورية بالكامل، كي يمتد عمر النظام العلوي فتحمل الأنباء استرداد للكثير مما سبق أن خسر ،ويلاحظ أكثر من مراتب ما طرأ على عديد الأطراف من تغير في الخطاب الذي لم يستبعد بقاء النظام داخل اللعبة، على الرغم من أن روسيا لم تتردد في التوكيد بأن هدف التدخل الحفاظ على المصلحة الروسية والتي أبرزها بدون شك قاعدة طرطوس التي أمكن الحصول عليها بمقتض معاهدة مع السلطة الشرعية ، ومن غير المتوقع أن تسمح روسيا بقيام سلطة لا تصون هذا الحق ، ولعل الغريم الامريكي مدرك لهذه الوضعية أز حصر همه في تفادي احتكاك طائرات الطرفين .ولما كان هذا التطور اللافت في الموقف الروسي قد يكون ضمن مخطط كامل أزاء ما يشهده الشرق الأوسط من صراع مسلح وتنام للجماعات التي يتفقون على وصفها بالارهابية ويتنادون جميعاً لمحاربتها مع امكانية استثمار تشددها أو لنقل حماسها لما تعتقد فها هي روسيا - كما تؤكد عديد الأبناء - تعلن هي الأخرى عن قلقها مما تدعوه بالارهاب في ليبيا وعزمها على الاسهام في محاربته ، مما يعني أن استمرارنا معشر الليبيين في التناحر على توزيع مواقع الحكومة المطروحة دون أن نلتفت لهذا الخطر الذي تدق طبوله من هناك هو الغباء بعينه ، فمادام الدب الروسي قد تحرك بسلاحه في أقصى الشرق فمن أقوى الاحتمالات أنه سيكرر خطوته هذه في المغرب أيضاً ، ليس فقط لأن هذا الحلم قد خامر الروس منذ الحرب العالمية الثانية عندما أقر من بين ما أقر إمكانية وضع ليبيا تحت الوصاية الدولية تقديراً لقوة الحزب الشيوعي الإيطالي ، بل لأن أوروبا بالكامل ضاقت ذرعاً بالهجرة غير الشرعية ولاسيما إيطاليا التي تمثل أقوى الاقتصادات الأوروبية .وأن هذا الشاطىء الطويل المهيئ في المجمل للقيام بأي عملية عسكرية تحت مبرر محاربة هذه المجموعة أو تلك، ولاسيما في ظل وجود من يتحدثونه عن القبيلة والعشيرة والإمارة والانفراد بالسلطة هنا أو هناك ،فالسلطة الروسية المتعطشة لاستعادة ما فقدت والمستعدة للقيام بأي مغامرة عسكرية جراء انعدام الرقابة الشعبية على القرار السياسي من واجب كل ذي بصيرة أن يضعها في الاعتبار حين يتسنى له المشاركة في تقرير المصير ، ففي ضوء سوابق روسيا في قوة التدخل العسكري منذ ربيع براغ وحرب الشيشان وأحداث أوكرانيا ، وفي ضوء وجود آلاف المهجرين والحرص على المبالغة في عددهم، وحنين الأنظمة انتهت وأقليات تبالغ في طرح استحقاقاتها، متجاهلة أن ليبيا بالكامل غير قادرة على فعل شيء من حيث الإنجاز والاستهلاك، فقد تنضم روسيا إلى المتصارعين على ليبيا الجريحة، وهي أن فعلت فلن تكون لها من قبلة أقرب من الخاسرة التي تمكنها من الجمع بين البحر والأرض ، ليس لمحاربة الأرهاب هنا وإنما الوصول إلى أفريقيا فضلاً عن منابع النفط، وعندئذ سنكتشف اننا فقدنا الوطن ولن يكون ثمة مكان لإقامة شرع الله أو معصية الله ، ولا حول ولا قوة إلا بالله



__________________________________


الذين خلّدتهم مجالسنا


* امين مازن

لم تحملني الفضائية كما يحدث لي بين الحين والآخر إلى ربوع تونس المكان وتونس التاريخ وأنا أُتابع الحوار المبرمج تلفزيونياً تحت عنوان قهوة عربية، الذي وقع إنجازه هذه الحصة مع السياسي التونسي المخضرم السيد محمد بن ناصر رئيس مجلس النواب التونسي. الذي كان في مقدمة الساسة التونسيين الذين بادروا بالجهر بما لديهم من آراء لم تكن منسجمة مع السلطات التونسية أثناء حكم الرئيس أبو رقيبة وعبر حزب الوحدة الشعبية تحديداً ذلك الحزب الذي قاده السيد أحمد بن صالح الذي حمل مسؤولية سياسة التعاضد عندما رؤي التراجع عنه، على الرغم من أنه أي التعاضد كان خياراً بورقيبياً إذ على الرغم من أن الحوار قد أُجرى حول ما يشهده مجلس النواب التونسي من جدل حول مستوى الفاعلية السياسية وحجم الأداء الذي يجعل المجلس المشار إليه مجسداً لحقيقة الشراكة المنشودة في السلطة وليس أداة من الأدوات الرئاسة التي طالما اتخذت من السلطتين التشريعية والتنفيذية في ذلك القطر في حكم التابع إن في زمن المجاهد الأكبر أو خليفته من بعده، فالحوار الذي أجري في جزأية من جزئياته حول إجراءات مجلس النواب والكيفية التي تتبع في تسيير أعماله وإدارة جلساته عادت لدي صور الكثير من الرموز الذين عرفتهم مجالس ليبيا النيابية والتشريعية والتي كانت تنظم بلوائح داخلية واضحة القواعد المتعلقة بطريقة الكلام وتحديد مستويايته حيث لا يوجه الخطاب إلا للرئيس ولا يتم إلا بعد الإذن بالكلام، وحيث لا يؤاخذ الأعضاء على آرائهم اللهم إلا تلك التي يقع فيها الخروج عن الموضوع أو منافاة الأصول فيبادر الرئيس الواعي بتصحيح المسار والحيلولة دون التلاسن بين أعضاء المجالس وممثلي الحكومة، ويجري تنظيم الحوار أو لنقل أداء المهمة من خلال الاقتراحات المتعلقة بتوفير الخدمات والأسئلة التي تستوضح وتلفت النظر ثم الاستجواب الذي قد يتطور إلى سحب الثقة وعلى هذه القاعدة تحال الاقتراحات إلى اللجان المختصة فتدرس موضوعاتها وتقرر بصددها التوصيات المطلوبة التي تحال إلى السلطة وتلتزم هذه بالإبلاغ عما تم بصددها من إجراءات في حين يحدد للأسئلة أجل لا يقل عن الأسبوع فيما توقّت الاستجوابات بأسبوعين فما فوق، أما طلبات المناقشة فلابد أن توقع من عشرة أعضاء على الأقل بالنسبة للمجلس التشريعي ونفس العدد بالنسبة لمجلس النواب وقد كان أمثال السادة الطاهر العقبي ومفتاح عريقيب وعلي الديب مثالاً جيداً على حسن إدارة الجلسات وإيجاد المخارج وإعطاء الهيبة اللازمة للمجالس المذكورة فلا تظهر بمظهر التبعية المخجلة، بل إن بعضهم طالما شارك في تشكيل الوزارات والمجالس التنفيذية وقد كان من حسن الحظ أن عدداً من الإداريين الذين تولوا مسؤولية إعداد محاضر جلسات تلك المجالس وعهدوا إلى تجميعها في مجلدات كاملة فكان في ذلك الصنيع ما حفظ لتاريخنا الوطني ذخيرة بالغة الجودة بما حوته من صفحات ناصعة عن جميل الاقتراحات وذكي الأسئلة وقوي التعقيبات أسهم فيها أمثال عبدالرحمن القلهود ومصطفى السراج وعبد المولى لنقي ومحمد الصابري ومحمد توفيق الغرياني ومحمد الصيد صفر والميساوي علي ومحمد مصطفى عراب وعلي خير الدين وعبدالسلام الزايدي وغيرهم ممن دخلوا مجلس النواب والمجلس التشريعي بطرابلس ونظيريه في برقة وفزان، فقد كان جهدهم يفوق ما يتحدث عنه محمد بن ناصر وأمثاله فكان في ذلك ما ضاعف إحساسي بالسعادة وأنا أتذكر تلك السنوات الغنية بالتجارب والتي تتكفل حين تجد الرأس المنصف بتقديم تجربة مشرفة أيما تشريف حول جهد أولئك الذين خلّدوا أسماءهم في ذاكرة الوطن بجدارة




________________________________

هكذا تكلم ديوان المحاسبة

امين مازن


في مجلد ناهزت صفحاته الخمسمائة نشر ديوان المحاسبة الليبي تقريره العام عن السنة المالية « 2014» مثبتا تاريخ الطباعة شهر ابريل من هذه السنة المالية، أي في الأجل الذي لا يتجاوز الربع الأول من السنة وهو الذي كان في سنوات الالتزام بالنظام المحاسبي الانجليزي تقريباً ، يمثل بداية السنة المالية ، وذلك قبل أن تطال نظامنا المالي ، أن وجد لدينا نظام عديد التعديلات التي لم نعد قادرين على ملاحقتها ، ولا الفهم الجيد لبواعثها وما أدت إليه من تحقيق الاجدى .

وعلي الرغم من أن هذا النوع من التقارير يحتاج في تناوله الأكثر جدوى ، إلى نوع من الاختصاص العلمي ، إلا أن ذلك لا يعني أن يقابل مثل هذا العمل وثيق الارتباط بالكثير مما يشهده واقعنا من واجب القاء بعض الأضواء على ما يمكن أن يخرج به كل من يلقى نظرة علي ما حفل به من الملاحظات حول طبيعة الاجراءات المتعلقة بالتصرف المالي للدولة وما يستوجبه بين الالتزام بأحكام اللوائح وشروط أصول التصرف والتي تحدد الاسقف التي ينبغي أن يقف عندها الأفراد وهم يمارسون ما يكلفون به من المهام المتصلة بالانفاق ، فيعترض عادة جداً أدى للتصرف الفردي ، وتأتي بعد ذلك مشاركة اللجان ابتداء ، من الوحدة الإدارية ، وانتهاء بالوزارة وما في حكمها طبقاً للوائح التنظيمية وما تحمله من الضوابط - ضوابط عدلت مرات عديدة طبقاً لما شهدته الأحوال المالية من تحسن في الدخل وتعلل بالضيق من الروتين والحرص على سرعة الانجاز ، ألا انها ظلت باستمرار تحمل بذور التجاوز وتيسر سبل الاستغلال ، وتزيد من صلاحيات الأفراد وتقلل من فرص الرقابة وبالجملة سلطة القانون ، ويومها عرفت البلاد تلك الأساليب الماكرة ، للتغلب علي كل قيد من القيود ، والتي من أشهرها تجزئة الكثير من النفقات التي تفرض القيود المالية اشراك الجهات الرقابية والسلطات الأكبر ، لتبقى فسحة التكليفات المباشرة وما توفره عادة من تيسير السبل لافادة المحظوظين بين الاقارب والأصدقاء وحلفاء المصلحة والهوى ، حتى لقد رأينا هذا النوع من الممارسة يمثل ظاهرة عامة لا يكاد يخلو منها أي قطاع من القطاعات ليأتي التقرير متحدث عنها بكل الصراحة والوضوح من دون أي استثناء لأي جهة من الجهات التي ربما ظن القائمون عليها أنهم قد يكونون في عصمة من سلطة الرقيب وملاحظة المراجع ، مما جعل التقرير التاريخي لا يتحرج من ذكر أي تصرف مالي يحتاج إلى طرحه في عطاء عام أو مناقصة محددة تستوي في ذلك مستلزمات التشغيل وما تمثله من سلع مقحمة أو خدمات مضافة تتجاوز الاحتياجات الضرورية ، وحبك هذه الأرقام المهولة من السيارات التي تشتري وتملك ، ومعاطف الجلد التي تبلغ أسعارها الالفي دينار والحراسة التي بلغ عدد العاملين فيها ما يزيد على يفترض ألا يكون في عملها ما يفرض السفر ، والمبيت في جهات لينبغي أن تكون تبعيتها للتعليم والمواصلات أو الأوقاف وإذا بها تلحق بجهات شبه سامية ويفترض أن تكون بعيدة ليس له من ولالة سوى التهم غير المحدود للهيمنة في الجاه والمال .

وإذا كان هذا التقرير الجريء يثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن هناك من مسؤولينا لا يتردد في الجهر بما يقف عليه من صفوف المخالفة والاستخفاف بالمسؤولية والعبث بالأمانة من باب تغيير المنكر باللسان ، فإن المنتظر من مدعيي الشرعية الاسراع بمحاسبة كل من شمله التقرير بثبوت التقصير والمخالفة ليصار بعد ذلك إلى ردعهم عن مخالفتهم وارجاع ما ضيعوه من مستحقات غيرهم .

وإننا إذ نشد علي أيدي العاملين في الديوان علي هذا الجهد نهيب بوسائل إعلامنا وفضائياتنا بالتحديد كي تدعو جميع من شملهم التقرير إلى الرد عما نسب إليهم وإلى بقية الأطراف المعنية لتعلق وتوضح وتقترح الحلول المناسبة، فالمحاسبة من حيث هي مراجعة أو محصنة من مسؤولية الديوان .

أما تنفيذ ما يتقدم به خبراؤها فمن مسؤولية المجتمع بلا استثناء




________________________________

موقع الكاتب والاديب : أمين مازن

  www.aminmazen.com © 2020- 2008

طرابلس - ليبيا

Tel 0913245901