0

الوحدة الوطنية لا تُحققها الأُمنيات


أمين مازن

18-8-2016

لم أملُك و أنا آخذ مكاني بين الحاضرين الذين إستنفرهم الدكتور عبد الرحيم الكيب للمشاركة في اللقاء الموسَّع الذي رتّْبًهُ في بيته العامر للمرة الثانية، كما ذكرَ في كلمة الإفتتاح بتاريخ الثاني من أغسطس تحت عنوان لقاء الوحدة الوطنية، إلا أن أستحضر جُملة من الذكريات المُتعلقة بأسماء الكثير من الحاضرين في التجمُّع أجساداً و آخرين غيرهم في الذاكرة أرواحاً، فالعودة إلى الماضي كثيراً ما تكون المُخلِّص من رداءة الواقع، و لا سيما حينَ يكون الموضوع هو الوحدة الوطنية و من عبد الرحيم الكيب، هذا الذي عرفت وجهه في الأسابيع الأولى من إنتفاضة فبراير 2011 ضمن عديد الوجوه التي حَرِصَت على متابعة أخبار تلك الأيام،عندما كنت أتّخذ من صالة فندق أجنحة الشاطئ بإعتباره المكان الأقرب إلى منزلي ملاذاً فأقضي الساعات الأولى من صدر كل يوم في محاولة للتخلُّص من أي إحراج للظهور الإعلامي الذي يفرضه البقاء بالداخل و ما يحملُه من تبعات بالغة الصعوبة، فقد علمت يومها من أكثر الناس قُرباً مني في تلك الظهيرات الصعبة "عبد الرؤوف الكيب" أن عبد الرحيم هذا هو أحد أنجال السيد عبد الحفيظ الكيب أحد كبار موظفي الإدارة الليبية الذي دخل تاريخ أهلنا عندما شغل منصب كبير متصرفي المقاطعة الشرقية حيث تبَعية مسقط الرأس، ثم مديراً عاماً للخدمة المدنية فلا يُنفِّذ ما يُكلَّف به من الجزاءات إلا ما يُخَفّْف، و قبل ذلك كُله و بعده قريب أحد أُدبائنا الراحلين نجم الدين الكيب أكثر أُدباء جيله زُهداً و تَنزُّهاً عن أي إساءة لغيره، و هو ما وُفِّقنَا بفضل الله للإشادة به في حينه و في السنوات الأولى من رحيله، رُغم صعوبة الظروف.

لقد أكمل الرجل مشواره الذي بدأه مع فبراير بأن ترأس أول حكومة من حكوماتها، و لثقته على ما يبدو في سلامته مما يُخجِل أو يُخِيف أصرّْ على البقاء بالداخل و تنظيم هذا النوع من اللقاءات و لهذه المواضيع المُهمة و بواسطة هذا التنوع في الأسماء، إختصاصاً و أرومة و أعماراً، مع التوكيد بخلوْ عمله من أي تجاذبات سياسية أو مآرب شخصية.

لقد تكونت مفردات اللقاء من مداخلات أربع من نص شِعري و آخر نثري أتحَفَ الحضور به الأديب و الفنان و قبل ذلك الخَلُوق الدكتور سعدون السويَّحْ الذي يكتب بالعربية، و يترجم إلى الإنجليزية، حتى إنه ترجم شعر نزار قباني إلى الإنجليزية ترجُمَةً أذهلتهُ و دفعته إلى الإقبال على سعدون بما أكسبه الأولوية على غيره بالنسبة لعلاقات الشاعر الواسعة.

و قد سبَّبَ هذا الترتيب في شيئ من الإزدحام، خاصةً و أن الوقت المُحدد لإنتهاء الأُمسية قد وُقِّتَ بحلول صلاة المغرب، مما تعذَّرَ معهُ، بالنسبة لي شخصياً إنجاز التغطية المُنصِفة، آخِذاً في الإعتبار ما أُعانيه من التداخل بين الذاتي و الموضوعي.

نعم لقد كان في وجود الدكتور إبراهيم الواكدي ضمن الحضور ما يُحِيلُني إلى أحد أعمامه الكبار المرحوم عبد السلام مصباح أحد الذين عرفتهم مبكراً في المدينة على رأس الناشطين حول ما كان يُعانيه ما كنا ندعوه بالجنوب في ستينيات القرن الماضي عندما نزَحَ مع عدد من زملائه بالمجلس التشريعي لفزان الذي أصدر الملك مرسومه القاضي بِحَلِّهِ في ذلك الزمان، و قد كان عبد السلام مصباح في مقدمة مشاهير أعضائه من ذوي المواقف.

و على ذات القدر و أكثر منه ربما، كان لوجود الأستاذ الكبير و الشيخ الفاضل عبد اللطيف الشويرف بين الحضور ما جعلني أستدعي تلك الأيام البعيدة من مشواري العملي و المعرفي الذي يُمثِّل فيه عبد اللطيف الشويرف محطة بالغة الأهمية عندما كان رئيسنا المباشر في سكرتارية المجلس التشريعي لولاية طرابلس الغرب برئاسة السيد الطاهر العُقبي و نائبه عجاج ثامر و سكرتيره العام عمر الجليدي حين كان العبئ الأكبر يقع على عبد اللطيف الشويرف من مُراجعة المحاضر و تقارير اللجان فتحرير الأسئلة و الإقتراحات فالرد على خطاب الوالي، كل ذلك دون أن يخرج من مكتبه أو يزيد على واجب وظيفته، فالوقتُ كل الوقت بالنسبة له هو مجالسته لكتاب الله الذي أفلَحَ في إستظهاره إلى جانب الأُمهات و عدم الإنبهار بأي إسم من الأسماء التي كانت شديدة التأثير على مجايليه في المدينة أُلئك الذين كانوا يغْشَوُن الكثير من أنشطتها الثقافية و الإجتماعية مُتَعَمّدِين الحديث بغير لهجة الوطن و مُرتَدِين الملابس التي تَدُل على حداثة وجودهم، فتراه خارج العمل لا يرتدي سوى الجرد و لو كان في أُمسية من أُمسيات الثقافة، بيدَ أنه ما يلبث بواسطة الحوار إلا أن يؤكد تفوقه على الكثير من مُحاوريه. و ما زلت أذكر ذلك الحوار الجاد الذي إنعقد في نادي الإتحاد بميدان الشهداء بطرابلس بمنتصف الخمسينيات من القرن الماضي تحت عنوان "شبابنا بين السلبية و الإيجابية"، إضطلع بإدارته الراحل خليفة التليسي و شارك فيه كوكبة من شباب تلك الأيام الدارسين بالخارج أمثال محمود المقهور و عبد الرحمن الجنزوري و مصطفى بن شعبان و عبد الله شرف الدين، إلى جانب المُقيمين بالداخل كمحمد فريد سيالة و عبد اللطيف الشويرف، عندما إستطاع الشويرف و بواسطة النصوص أن يؤكد أن الإسلام حين يُفهَم على حقيقته فلن يعوق تطور المرأة، لأن الوجه و اليد ليسَا بِعَوْرة ينبغي أن تُوَارى، و الأمر ذاته بالنسبة للمقابلة من أجل الزواج إحتكاماً إلى الحديث الشريف " انْظُرْ إِلَيْهَا فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا " كان الشويرف يومها يدافع عن المرأة الليبية و يخشى عليها من منافسة شقيقتها العربية. و مما لا شك فيه أن ذلك الفهم المتطور للشويرف هو الذي دفعه - و هو يضطلع بحقيبة وزارة الأنباء و الإرشاد في حكومة الدكتور فكيني - إلى تأسيس فرقة الفنون الشعبية و المألوف و الموشحات و الموسيقى أيضاً، بمعنى أنه لم يكُن غافلاً عن جدوى الطرب البريئ، و قد إستحدث في مجال التنظيم و الإستشارة لجنة عُليا للإذاعة الليبية شُكِّلَت من مجموعة من ذوي الإختصاص و الخبرة كانت المرأة من بينهم، و تبنى التقليد الإذاعي الذي يُوجِب ذِكر كُتَّاب التعليقات و التقارير الإخبارية حِرصاً على تحديد المسؤولية و تفادي الإسفاف و قد عرّْضَهُ هذا الأسلوب لأكثر من حملة عدائية سارعت إليها مراكز القوة. و رغم إدراكه أن تعيينه وزيراً قد جاء من طرف الدكتور فكيني ليس غير، إلا أنه عندما لاحظ أن الرجل قد أُستُدرِجَ لتعيين وكيلاً للوزارة دون إستشارته كوزير لم يتردد في رفض التعيين و المُسارعة بتقديم إستقالته، مما أدى إلى أزمة له مع رئيس الوزراء لم يحلها سوى تغيير الحكومة بالكامل، و قد قام بإصدار صحيفة البلاغ و كرّس لها قلمه القوي الذي قارع به جميع الرموز الذين رآى ضرورة مُقارعتهم فحققَ لها الإنتشار و لصاحبها المكانة و حَمَلَ وحده وِزرَ الكراهية من عديد مراكز القوة و النفوذ.

كانت مداخلة المهندس يوسف الفنادي موسعة إلى الحد الذي لم يترك أي وقت للمداخلتين اللاحقتين، خاصة و إنه حرص على تناول فكرة الوحدة الوطنية من بدايات التاريخ الإسلامي و مثله الليبي، و إن الجمع بين السياسة و الأدب سواءً في دولة الإستقلال أو بعده. وحول هذه الفترة إختارَ تجربة الأستاذ عبد الحميد البكوش في رئاسته لوزارة ليبيا سنة 68 و تنظيراته في الخصوص. و على الرغم من جهدهِ في الخصوص إلا أنه لم يكن - و لا لوم عليه - على علم بأسرار تلك المرحلة، إذ أن حديث البكوش عن الوحدة الوطنية لم يكن مجرد حديث نظري و إنما توفر له من المعلومات الدقيقة عن المرحلة فقد عَلِمَ أن نظام الحكم كان في مهب الريح، و إن غياب العناصر الجريئة هو الذي ترك الأمور على ذلك الوضع المُتردِّي الذي كشفته أحاث سنة 67 و من هنا جمع بين محاولة الإصلاح بواسطة بعض القرارات مثل قانون الضرائب التصاعدية و الأحوال الشخصية و تجديد الوجوه الوزارية و مناقشة بعض مُجَايلِيه بما وقف عليه من حقيقة الواقع، حتى أنني سمعت من الأستاذ الشويرف في حينه قوله أن عبد الحميد يقول كلاماً غريباً و كان أن أسندَ إليه رئاسة جمعية " البِر و المساعدات الإجتماعية " ، فإذا ما ضمّْتنا جلسة خاصة عقب سبتمبر و في الفترة القصيرة التي قضاها قبل مغادرته البلاد أنه عرض على الاستاذ الشويرف القيام بدور وطني يثمثّل في تكوين تكتُّل شعبي في البلاد بدون شروط مُسبقة، و أنه أسرَّ للمرحوم عامر الدغيس بإمكانية الإيعاز إلى من عساه يُعرَف بالجيش كي يُقدِموا على تغيير الحُكم، و كم كان شديد الفرَح لعدم إفشاء الأستاذ الشويرف للسِر المُشار إليه عقب سبتمبر، و أذكر على الصعيد الشخصي أن البكوش قال لي بالحرف الواحد - و هو ما دونته في كتابتي عن الفترة - أن الكيان الليبي ليس أكثر من حائط كرتون سَيسْقُط لمجرَّد أن يُضرَب من طرف أي مغامر بعصاة من خشب ليس غير.

و أعود لموضوع الوحدة الوطنية التي إختارها الكيب عنواناً للقائه و دعا إليه هذا الحشد و كرر غير ما مَرّة أنه في دعوته هذه لا يصدر عن طموح شخصي و لا بتأثير أي سياسة من السياسات أو عقيدة من العقايد أو أجندة من الأجندات. فأقول أن الوحدة الوطنية لا يمكن أن تُخدَم بمثل هذه النظرة المثالية، إذ فضلاً عن إستحالة وجود العمل الخالي من الهدف المُحدد فإن الخروج منه بدون مردود هو المُحصِّلة بالضرورة حين يُطرَح كما يقول الدكتور الكيب، فالوحدة الوطنية لا تُصَان و لا تتحقق إلا بالنظرة الواضحة الصريحة بشأن التنمية و أسلوب الحكم و طرائق التشريع و ضمان الحريات العامة و الخاصة، و ما لم تكن كذلك فإن الخوض فيها أو الدعوة إليها لن تخرج عن التمنيات الطيِّبة التي يُمكن أن يسعى إليها المُؤمن المُلتزم بواسطة الدعاء الخالص دُبر كل صلاة. و مع ذلك و على قاعدة أن كل الأشياء العظيمة قد تبدأ صغيرة و تتطور فلا بد أن نؤمِّل المردود الجيد على الوطن كجغرافيا و الوطن كسُكَّان.

فما إجتمع عدد من الناس دون سوءٍ مُبَيَّت إلا و كان السبيل إلى الخير الذي يمكن أن يعُمّْ الوطن كُله أقرب مما سواه و من ثَم فلا مناص من أن يُصيب في مصلحة و وحدته. إنتهى


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


المتغطي بالأيام عريان


.أمين مازن

22-6-2016

لا يملك المراقب السياسي و لو كان متوسط الامكانيات، إلا أن يقرر بكل إطمئنان أن الأزمة الليبية وُجِدَت لتبقى و إن كل ما يتردد حولها من حديث و يُعقد من لقاءات بدعوى إخراج ليبيا من هذه الازمة، لا يعدو أن يكون ضرباً من ضروب التغطية للحقيقة المؤسِفة التي تُمَثِّل العكس، و لابد ان تخرج للناس ذات يوم، و التي هي ليست في صالح الليبيين ككيان موحد، للسلطة فيه دور و للمواطن به مصلحة.

و ما ذلك إلا لأن العامل الخارجي في معظم المراحل إن لم نقل جميعها بصدد الاحداث التي مرت كان له التأثير الأكبر، و المُوَجِّهْ الاقوى.

و مع ان هذه الوضعية تعود في رحلة التاريخ الى عهود بعيدة إلا انها على نحوٍ خاص قد ظهرت بوضوح مع مولد الكيان الوطني بشخصيته الدولية و الذي ما كان له أن يُبعَث إلا لكونه الحل الوسط بين الاطراف الدولية التي انتصرت في منتصف اربعينيات القرن الماضي منتهية بهزيمة المحور و من ثم التنافس على غنيمته المتمثلة في الشعوب التي كانت خاضعة لسيطرته عندما ورثها من تفكك الامبراطورية التركية، إذ بواسطة ذلك الإستقلال أمكن الحيلولة دون دخول الدُب الروسي الى البحر الابيض المتوسط بإعتباره حليف الحرب المنتهية و ليس كذلك بالنسبة للحرب المنتظرة.

فبهذا الدافع كانت طبخة الإستقلال الليبي في ذلك الوقت المبكر، و كانت الحدود الدُنيا من المساعدة المالية و القبول بها نظير أكثر من معاهدة غير متكافئة إذ المهم ألا تكون لإيطاليا عودة لإدارة شؤون البلاد، رغم إعجاب تشرشل بمُنجَزِهَا في طرابلس و مغازلة روسيا لشيوعيي إيطاليا، عسى ان يحققوا الأغلبية البرلمانية.

لقد كان للمؤثرات الدولية إذاً دورها الرئيسي في مولد الكيان الليبي و سلطته المتمثلة في النظام الملكي الذي إستمر لثمانية عشرة سنة كاملة بدأت بالشكل الإتحادي و انتقلت الى النظام الموحد، كما تحولت في تلك الفترة ليبيا من أفقر دول العالم الى واحدة من الدول النفطية ذات الرأي المسموع في تحديد سعر هذا المعدن الذي أُصطلح على تسميته بالذهب الاسود الذي يرجع اليه في تحديد سعر العملة القابلة للتحويل و لا سيما الدولار، مما جعل مستقبل هذا الكيان و شروط استمراره و مبررات تغيير السلطة المركزية فيه لم تحصل بمعزل عن الإرادة الدولية، حتى إن الناس في العاصمة الفعلية "طرابلس" خلدوا جميعاً الى النوم في الحادي و الثلاثين من اغسطس 69 و جميعهم ينتظرون أو يتوقعون حركة عسكرية سيقوم بها أقرب ضباط الجيش الى الملك هو العقيد عبد العزيز الشلحي، فإذا بهم يُفاجَئون بأصغر مفرزة عسكرية تُفلح في الإطاحة بالنظام في دقائق معدودة قَدَّمَ لها الملك بغيابه الذي زادَ على الثلاثة أشهر و رئيس الوزراء الذي لم يُقِم وزن للتحذيرالذي أُرسِلَ من فرنسا و بالتحديد من السفير الذي كان رئيساً للوزراء لأقل من عشرة أشهر..! ليأتي بعد ذلك نظام اختلف عن جميع الأنظمة و خاض ما لا حصر له من المعارك و مثل ذلك من الادوار، و لم تتردد القوى الدولية في إخراجه من عديد المختنقات كما يؤكد أبرز شهود المرحلة -محمد حسنين هيكل- فإذا ما خُيِّل لرأس النظام أن في إمكانه ان يشمل بمواقفه غير المسئولة المجتمع الدولي بالكامل و يمزق ميثاقه في عقر داره، و تهب رياح التغيير في الربيع العربي كانت النهاية التى لم تعد سراً على أحد من حيث إرتباطها بالمحيط الجغرافي من ناحية و حجم مفارقاتها من ناحية اخرى.

مثل هذه الخبرة بالواقع الليبي منذ تلك الفترات البعيدة و على ضوء ما يزخر به تاريخ المحيط بعامة، ما كان لها أن تترك الاعمال العسكرية لتطول بمثل تلك الصورة لولا الحرص على ان يترتب عليها ما كان قد سُوِقَ حول الفوضى الخلّاقة التي يُراد لها ان تُطبق في رقعة محددة أُريد لها على ما يبدو أن تُحصر في ليبيا بالذات، و ذلك بالتمكين للقوى المعادية للمهيمنين من الضباط بقيادة المرحلة، فلم يُبذَل أي جهد لإختيار من يخلف اللواء عبد الفتاح يونس على كثرة ما عمرت به الارض الليبية من الضباط المقتدرين بل و الذين لم يحل بينهم و بين قيادة الجيش و إنما العمل به ايضاً و هم لا يشكون قلة في العدد او الكفاية او الخلفية الاجتماعية و حتى السيرة الحسنة، فبمثلهم دون شك كان من الممكن تفادي الكثير من الاخطاء المقصودة و غير المقصودة، بل بمثلهم ما كان لعدد الذين شاركوا في فبراير ممن قُدِّر عددهم بما لا يتجاوز العشرين ألفاً، و إذا بهذا الرقم يصل الى مائتي ألف و أكثر، حتى إن بند الرواتب تضاعف اضعافاً مضاعفة، و تؤكد اليوم جميع الاحصائيات إستحالة تسديد المستحقات المالية لمجموع الدخل في حالة ما إذا بيع النفط وفقاً للكميات التي كانت تسوق طيلة ما قبل فبراير فكيف إذا كان العدد قد انخفض الى الربع و مثل ذلك السعر، لقد كان في مُكنة الذين هبّوا لنصرة انتفاضة فبراير أن يقدموا لها ما قدموه لشرق ليبيا و غربها من حيث القيادة العسكرية، و كان في مكنتهم أيضاً أن يوقفوا الموانئ التي تناسلت في غرب البلاد تحديداً و مثل ذلك المطارات و التي ليس لها من هدف سوى المتاجرة بكل ما هو ممنوع، لولا أن المقصود هو هذه الفوضى العارمة، و هذه الزعامات التي لا تسأم التنقل بين عواصم العالم و لا سيما اصطنبول و الدوحة و ابوضبي و نيقوسيا و مالطا و لن نستثني سويسرا بالطبع و كنوز الارض التي فُتحت مرة واحدة و ظلت مبرأة من أي غلق يدخلون منها متى يشاؤون و كيف يشاؤون و يُثبَت لهم أن عدم الاستقرار هو الضامن القوي لدوام الجاه و السلطة و المال، فيعملون جاهدين على استمراره، و عندما يحصر الغرب إنشغاله بالمخاطر المُهدِدَة لأمنه في الهجرة غير الشرعية الزاحفة من شواطئ ليبيا الغربية، فيقرر الحيلولة دونها بواسطة الأساطيل التي ستتخذ من مياهها الأقليمية مقراً لها، و تُردِّد الفضائيات التي إنبعثت بفضل الغنيمة مثل هذه الأخبار و كذا التأكيد بأن هذا الغرب لن يتدخل ما لم يكن هناك طلب لهذا التدخل، و يتبادر الى بعض الأذهان أن العبث بأمن البلاد و ثرواتها سيستمر، و تتوالى الأخبار عن العقود الضخمة التي تُبرَم مع عديد الشركات، و تتوالى إجتماعات الكبار و من يتوكل عنهم من العرب، فإن في ذلك ما يؤكد ان الحلحلة قد بدأت، و ان كل من يتوهمون إمكانية الولوج من سَمِّ الْخِيَاطِ لا مهرب لهم بما فرحوا به.

فما يحفظه سجل التاريخ من التلازم الدائم بما تشهده ليبيا مع بؤر الصراع في العالم منذ السبعينات الماضية مع مصر و اندونيسيا و إيران، بل فيتنام في تلك الأيام و ما يتكرر اليوم في معظم هذه المناطق مع الحضور الغربي و التشدد الروسي غير المسبوق و الذي وصل الى حد طباعة الأوراق المالية الليبية، إنما يؤكد مما يحمل الغد، و ما على البيادق إلا أن تبحث لأجسامها عن مُنفِذ فتخرج و ربما لا تُلاحَق . وقديماً

قال أصحاب التجربة " المتغطي بالأبام عريان". إنتهى


____________________________________

 

نحو مراجعة أشمَل و تدقيق أجرأ


أمين مازن

1-6-2016

لئِن كان أسوأ ما خاضت فيه الفضائيات العالمية عامة و الليبية على وجه التحديد من حوار غير قليل، بصدد ما يشهدهُ الواقع المحلّي من صراع بالغ الحِدَّة بين مختلف القوى السياسية، و هو التناول الذي نحىَ منحَى التأجيج، و تبنِّي دعوات الفرقة بين مكونات الوطن، فلا شك ان أشد هذه الامور سوءً هو ما إتصل بأوراق العملة التي طُبِعت - كما تحدثت الانباء في الآونة الأخيرة - بجمهورية روسيا و بتعليمات من إدارة المصرف المركزي، تلك التي كانت طوال فترة ما قبل المجلس الرئاسي و ما رافقه من ملابسات، تمثل الشرعية المُعترف بها دولياً و لم يتردد المجلس الرئاسي و قبل إعتماد الحكومة المنبثقة عنه في صورتها النهائية في نقض اكثر من قرار و التي كان آخرها طباعة هذه العملة و التي فرضها نقص السيولة المالية التي عَمَّت البلاد كافة و شرقها و جنوبها خاصة، لقد إمتد سوء هذا الحوار عندما طال المسألة الإقتصادية و طال هذه المحاولة التي مورست في كنف الشراكة الوطنية و الثروة الاقتصاية وصل حد الإستقواء المُعيب بالاجنبي، عندما رأينا السفارة الامريكية تدخل هي الاخرى على الخط فتصل حد التشكيك في سلامة قانونية هذه الاوراق الامر الذي أثار الكثير من مشاعر الهلع لولا الإستدراك الذي بادر به رئيس المجلس الرئاسي في اللحظة الاخيرة برسالته التي خاطب بها اللجنة المختصة في مجلس النواب مؤكداً الإستفادة من العملة المُشَار إليها، مُثيراً في الوقت ذاته مسألة توزيع هذه النقوذ، فبات واضحاً أن ما شَغَلَ أصحاب الإعتراض و دَفَعهُم إلى اعمال ما لديهم من السلطان بشأن سلامة صك العملة و مُراعاة الدِقة الفنية وغيرها من المواصفات إنما كان مَرَدُّهُ مبدأ الإستفادة ليس غير. فالجهوية و الحالة هذه ما تزال سيدة الموقف، أي أن اليوم مثل الأمس و الحادي عشر بعد الألفين لم تختلف عمَّا سبقها من الحقب.

و ذلك يعني أن يكون واضحاً لدى كل من تتوق نفسه لأي دور من الأدوار القيادية في عهد الوفاق و رئاسة الوفاق هو قبل كل شيئ التسلُّح بوحدة النظرة إزاء أرجاء الوطن كافة، لا فرق بين (اسقالة الحلفا) بطرابلس و (جليانة) ببنغازي، و كل محاولة لإخفاء المميز لا بد أن تكشف عنها الممارسة و تفضحها سرعة أنتقال المعلومة، في هذا الزمن الذي لا سرية فيه لشيئ من الاشياء، و لا سيما ما يتعلق بالثروة و توزيع الثروة و الفرص الكفيلة بالحصول على الثروة.

أما عندما يكشُف الحوار المتلفز عن أن بعض المواقف المُتعلقة بطباعة العملة الورقية قد أملتهَا دوافع الترجيح لجهة دون أخرى على الرُغم من أن فارق السعر و سابقة التجربة فلا شك أن الأمر سيُثِير الكثير من القلق إزاء ما تشهدهُ البلاد من تنافس حول تنفيذ المشاريع و تخطيط المشاريع و إختيار الكوادر التي ستُدير المشاريع.

و إذا كانَ ما أقدَمَ عليه رئيس المجلس المُنتظََر لسلطة الوفاق من عدم المُضي في الإجراءات التي تعرّضت للعملة الورقية لبواعث لم تسلم من نقيصة عدم التدقيق فانتصر لفضيلة القول الخالد بأن الرجوع من نصف الطريق غير المأمون قبل المُضي في أكماله، فإن الأمل كبير في المزيد من المراجعة و المزيد من اليقضة. و قبل ذلك كله ما بات يعُجُّ به العالم من تسريبات مخابراتية بشأن الأموال الفاسدة و الرشاوى المُخجِلة التي يجري التسابق بشأن تعميمها في كل أرجاء المعمورة على نحوٍ من السرعة التي فاقت سرعة الضوء، و كشفت عن كل ما يندى له الجبين، و تُيسّر تجميده العقوبات. إنتهى


__________________________________



ليست فيينا آخر المحطات...و لا المؤتمرات


أمين مازن

21-5-2016

فرَغ المجتمعون بفيينا من اجتماعهم المُحدد موضوعه للاوضاع في ليبيا، و ما تُنذر به من مخاطر إمتدت آثارها السيئة للمحيط الإقليمي و القارِّي. و اعلنوا ما إنتهوا اليه في بيان حول مشروع الوفاق المُنتظر، وسط ممارسة جمَعت بين الترغيب و الترهيب.

و كما هي العادة في كل اجتماع يتعلّق ببلد يجمع بين الارض الشاسعة و الشاطئ الطويل، مع الإمكانيات الظاهرة و الباطنة و الموقع المُطِل على أكثر من محيط، و الخالي من أي بنية تحتية يمكن ان تصلح لأي خدمة ما لم يتم بناؤها من جديد، بل و التي يقع الإصرار على إعادة بناؤها عن طريق الآخر الذي لم يتردد في إعادة استعداده للمسارعة بالتلبية حالة وجود طلب من ذوي الشأن. فيما يغالط الكثيرون انفسهم و يحاولون مغالطة غيرهم ايضاً، فيقولون إنهم يرحبون بالدعم و يرفضون التدخل.

كان هناك من يمكنه أن يطلب العون و يشترط أن يكون دون مقابل. و هكذا شرعت الفضائيات الخاصة و بواسطة مختصيها المَهَرة في التأجيج و الحريصين على ان تكون مشاركتهم من خارج الحدود و من العواصم التي لها دورها في كل ما يجري تحت مصطلح ما يُعرَف بالتغطية، و إن يكُن هناك من يطلق على هذه الحالة تعرية ما لا يزال بدون تعرية !، و تعليل ذلك ان بلادنا هذه التي فرضت مساحتها الكبيرة و حدودها المتشابكة، أن تتسم اقاليمها دائما بخصوصية واضحة، عبَّرت عنها الكثير من العادات، و أن تتعرض من حيث الجغرافيا لأكثر من قضم لا فرق بين دولة الإستقلال الذي لم يُعلَن إلا بفعل الصراع الدولي الذي إحتدم حول مستعمرات المحور او اثناء الإحتلال الإيطالي و تسوياته مع فرنسا بتونس و الجزائر و تشاد، و الاخرى التي إتصلت ببريطانيا و هيمنتها على مصر و السودان، بل و مالطا ايضا و اخيراً زمن سبتمبر حين تم الصمت غرباً و التصادم غير المدروس جنوباً، بمعنى ان ليبيا هذه لم تكن يوماً بمنأى عن الضغوط الدولية القوية و إملاءات صراعها الذي لا يعرف التوقف.

فقد جاء الاستقلال في خضم ذلك الصراع و تلاه سبتمبر و لحقه اخيراً فبراير الذي جسّد اقوى انواع الصراع و أسوأه عندما وصل الى حد التقاتل الذي أصاب النسيج الاجتماعي في الصميم، و ها هي فيينا تشهد هذا المؤتمر الذي سُرِبَت مسودة بيانه قبل أنتهاء جلساته، و يَلُوح في الأفق ان ليبيا لن تكون إستثناء عمَّا جرى في العراق و ما يزال، و ما حلّْ بسوريا و مثلها اليمن، و لن تكون أبداً قريبة مما ينبغي ان تكون ما هي اليه الاقرب، من حيث عدد السكان و دواعي التوافق ألا و هي الجارة تونس التي خرجت من المحنة بأقل الخسائر و أدركت ان سياسات الإحلال و مُغريات الجشع لا دوام لها و إن حصلت بعض الوقت، و إن الإتفاق هو الأجدى، ذلك يعني أن أياً من الفرقاء يغترر بإمكانية الإنفراد بالسلطة في هذه البلاد الشاسعة الواسعة و التي تُعتبر في حقيقة الواقع أفقر كل من حولها جرَّاء هذا التضخُّم في الإستحقاقات المالية الشهرية غير المتسقة أبداً مع ما نُكِبَت به إيراداتها القائمة على النفط المُهدد في قلة التسويق و هبوط السعر الى جانب النَهَم الذي لا يعرف التوقف من كل الاطراف و الطارئة و الحادِبة و الحليفة،و كذا التشابك بين متساكنيها من الشرق الى الغرب مما يجعل السلم الاجتماعي بعيد المنال مما يعني ان التصالح و التوافق شرط لا بديل له و ان الإقصاء بعيد على كل طرف.

و اخيراً فإن الحديث عن السيادة الوطنية على رأس ما يكذّبُه الواقع ليس فقط لما ذكرنا آنفاً و إنما لغول الفصل السابع و الفيتو الروسي، و سيكون من السذاجة المضحكة أن يحسب أشتراط الطلب الخاص بالمساعدة تقديراً للسيادة الوطنية، إذ أين كانت هذه السيادة التي تُحترَم اليوم عند الهجوم على صبراتة و عند أخذ أبو أنس الرقيعي، و مثله بو ختَّالة، فالطلب و الحالة هذه ليس اكثر من عبث لن يكون له أي وجود في الواقع الحقيقي للناس و الحياة اللهم إلا ما يتعلّق بتسديد نفقات التدخل العسكري المُنتظرو المُحدد في بعض الغارات الجوية حالة استمرار العمليات العسكرية و بالتالي فإن مرحلة ما بعد الوفاق و حلول مرحلة إعادة الإعمار فلن يُهمَل تحديد حصص الشركات التابعة للدول المؤثرة في المشهد الليبي و ارتباطاته الاقليمية و الدولية و على رأسها بؤر التوتر المسلح و ما تُنذر به من امكانية التسوية هنا و هناك مما يجعل من بعض الفرقاء على هيئة المُجندين عن قصد او بدون قصد.

فيستعذر و الحالة هذه أن يكون ما إنتهى اليه مؤتمر فيينا هو آخر المطاف، فهو و إن وضع الكثير من الخطوط العامة إلا أن للتنفيذ دائماً إكراهاته و بالتالي فإن فيينا ليست آخر المحطات و لا مؤتمرها آخر المؤتمرات، و ليس أمامتا معشر الليبين كلما فرَغ مؤتمر لبحث شأننا إلا إنتظار مؤتمر آخر. إنتهى


______________________________________



لنجعلها ضارة نافعة

 

أمين مازن

 

دخلت الصراعات السياسية في واقعنا الليبي فجر الخميس الماضي مرحلة غير مسبوقة من التهور والاستهتار وعدم استشعار المسئولية عندما أقدمت بعض الأطراف السياسية على تكليف بعض المؤتمرين بأمرها من المسلحين الليبيين بخطف رئيس الوزراء الليبي على زيدان من مقر إقامته بفندق كورنتيا عنوة بمداهمة شملت الفندق بأكمله ومن يقيم فيه من الدبلوماسيين ورجال الأعمال وضيوف البلاد ، حيث شملهم الترويع جميعا قبل الوصول إلى مبيت السيد على زيدان وإخراجه في صورة لا يملك أمامها أكثر الناس تجردا من الضمير والإنسانية الا أن يستهجنها ويبذل أقصى ما لديه من الجهد لتوقيع اشد العقوبات على مقترفيها وتجريد كل من أسهم فيها – على أي مستوى – من أي مسئولية في المشهد السياسي الليبي، أن من حيث الصفة الاعتبارية التي يشغلها في ليبيا الجديدة أو سابقته في النضال أو حتى وهو مطلوب للعدالة وبمقتضى أمر من النائب العام ، لان العدالة أي عدالة لا يمكن أن تجلب المتهمين وهم مجردين من ملابسهم ، ما بالك وهذه العدالة و أولئك الثوار يديرون أمر بلد شهد سقوط اعثى الديكتاتوريات الحديثة ، لقد كانت هذه الجريمة التي قدر لها أن تدوم ست ساعات ، لقي فيها الرجل مالقى مما سيفيض فيه شخصيا أمام المؤتمر الوطني العام أو الأطراف المسئولة قانونا بليبيا آخر الحلقات في ذلك المشوار الذي لقيه الرجل من أول انتخابات جرت على رئاسة المؤتمر الوطني حين حيل بينه وبين رئاسة المؤتمر باعتباره الحاصل على الأغلبية – بحسب ما طرح رئيس التحالف الوطني محمود جبريل – وأعيدت الانتخابات فأمكن خلط الأوراق وإعادتها من جديد فكانت النتيجة التي أبعدت زيدان عن رئاسة المؤتمر ليخوض بالتالي معركة رئاسة مجلس الوزراء فيكسب الجولة ويمضي نحو توزيع المحافظ مراهنا على الوفاق ساعيا للظفر بتعاون الجميع مغلبا لهذا النهج على ما سواه .

كان الرهان على ما يبدو وان انتهاج أسلوب اللين وغض النظر عن بعض التوجهات غير البريئة التي ظهرت مبكرا قد تدفع أصحابها إلى مراجعة أنفسهم والى مقابلة الكرم بالكرم واعتبار التنافس على المقاعد لا يعني أبدا عرقلة الفائز وإنما يعني التعاون معه ، مادام الأمر متعلقا بالوطن وكيفية خدمته وليس الإصرار على احتكار هذه المهمة والتخريب على كل من فاز في معركة السباق نحو القيام بها غير أن هذا الرهان الذي منى به زيدان نفسه قوبل من بعض الأطراف بموقف مختلف كل الاختلاف بدءً من الإصرار على انتخاب عمداء البلديات بدلا من تعييهم بدعوى أن الانتخاب ، هو الشكل الديمقراطي على الرغم من أن التعيين لن يتم بعزل عن أراء أعضاء المؤتمر الوطني الممثلين لمناطقهم كما شرح زيدان ، كما جمد قانون الحكم المحلي الذي ستتم بواسطته الهيكلية اللازمة للدولة ، وقل مثل ذلك عن العدالة الانتقالية وما يمكن إن تهيئه من فرص المصالحة الوطنية ، فكان ذلك كله ما يؤثر على أداء الحكومة ويدفع إلى مزيد الاحتقان، لقد تدخل المؤتمر الوطني الموقر في المسالة الاقتصادية بان أقدم على إلغاء الفوائد المصرفية فعجزت المصارف عن تقديم الكثير من الخدمات التي يحتاج لها الناس في تصريف أمورهم ولاسيما ذوو الدخل المحدود ، وقد رافقت هذه الخروقات إجراءات أخرى كثيرة أبرزها الحملات الإعلامية المتعاقبة على حكومة زيدان و أدائه و الأموال وبعثرتها ولكن دون توقف مسئول أمام ما ترتب على استئثار المؤتمر الموقر بالبث في أمر المناصب السيادية بالداخل و الخارج من إضعاف للسلطة من حيث القرار وتحميلها المستمر للمسئولية من حيث التنفيذ ، وحسب المراقب إن يذكر ما رافق الكثير من الاختيارات المتعلقة بالمواقع من مراعاة للمناطقية و الايديلوجية حتى إن هناك من اعتذر عن شغل ما كلف به من المواقع لان المباركة لم تأت من أصحاب الفضيلة ، كما أن سياسات طبقت على الأرض في مجال التعليم وإمامة المساجد وإزالة المباني تطبق على الناس دون إقرار ممن يملك القرار ، كانت هناك في الحقيقة سلطة داخل السلطة الليبية ، ليس لها من هدف سوى الوقوف بقوة أمام كل تحرك يهدف الي حلحلة المشاكل الليبية على طريق الحل ولو بالتخفيف من الاحتقان وقد حدث ذلك في وقت مبكر عقب تحرير العاصمة وظل يتنامى ويزداد شراسة في مختلف المفاصل وقد تجسد ذلك في المبادرة بشغل الكثير من المنشآت العامة وتوظيفها في خدمة قوى محدد ومناطق محددة ، فان خطر لاى مسئول إن يغير في إدارة من الإدارات أو ديوان من الدواوين كان الاعتصام ، وكان الرفض من طرف المسلحين الذين تفننوا في اختراع الأسماء والعناوين وفي أحيان كثيرة التحرك السريع لنجدة كل من يطلب النجدة ويسعى إليها بهذه الوسيلة أو تلك ، وهكذا باسم الثورية والثوار وسلطة هذا التشكيل أو ذاك استردت الكثير من الحقوق الخاصة والمطالب الشخصية ، على الرغم من التحذيرات التي سارع بها رئيس المجلس الانتقالي ومكتبه التنفيذي ، وتحولت بيوت الفارين إلى مقار لأسماء معروفة وتشكيلات محددة بدت من طريق المطار إلى منطقة غرغور وغير ذلك الكثير ، فان خطر لأحد أن يجهر بما يفرض الموقف أن يجهر به ، كان مصطلح الأزلام وإتباع النظام المنهار هو الصفة الجاهزة للدفاع بها للمحافظة على التجاوز وعلى نعمة الغنيمة التي جعلت من السابع من فبراير سبيلا للكسب وتحقيق الاستفادة بدء من ملف الجرحى الذي ضمن العلاج وقسمت أماكن السفر له منطقيا ، والشهداء الذي تحدده الإحصاءات الرسمية تحت آلاف محدده ويرفعه المستفيدون إضعافا مضاعفة وقل مثل ذلك عن الجرحى ويكون الاعتصام والمحاصرة ابلغ الأسلحة و أمضاها في تحقيق المطلوب بما في ذلك ما يراد إصداره من القرارات السيادية والملايين المالية وآخرها قانون العزل السياسي الذي لن يكون له من مردود سوى حرمان البلد من أجود خبرائها في عديد الشئون ومن جميع الشرائح والمناطق ، وما ذلك الا لأن القانون المذكور لم يجرم الممارسات وإنما جرم العمل من حيث المبدأ بالنسبة للنظام المنهار والذي دام كما هو معروف أكثر من أربعة عقود فيستحيل على كل ذي قدرة في أي مجال من المجالات ولم يعمد الي ترك البلاد أن يكون مجرد امن مثل هذه الإشكالية ، فإذا ما أضفنا إلى ذلك ما شهدته السنوات الأخيرة من إجراءات التعويض وكذا المصالحات ومحاولة البعض القبول بالمشاركة أملا في الإصلاح أدركنا أكثر فأكثر عدد الذين سيطالهم العزل ، مما سيضطر الحكومة وغير الحكومة إلى التعويل المستمر على الخبرات الأجنبية ، والقبول بأولئك الذين سيكون لهم دائما أكثر من غاية تخصهم مباشرة وهم يقومون بما يكلفون به من الأعمال وفي جميع الأحوال فان الذي يمكن إن ينتهي إليه كل من راقب ما يجري بروية أن الذي انتهى إليه المختلفون مع رئيس الحكومة والمصرون على إخراجه من موقعه مستقيلا أو مقالا هو الاحتكام إلى قوة السلاح واستعمال أي تشكيلة من التشكيلات لإجبار زيدان على ترك موقعه الأمر الذي رأى فيه زيدان عدوانا على الشرعية وعلى تضحيات الليبيين التي أنتجت مؤتمرا وطنيا قام بانتخاب الحكومة وليس أمام من لا يرى في هذه الحكومة الأهلية الا أن يسعى لإقالتها بواسطة هذا المؤتمر ألذ يملك دون غيره شرعية تعديلها أو إقالتها أو إخضاعها للمساءلة على أي صعيد من الصعد ، وان كل محاولة إلى تحقيق هذه الغاية عن طريق الضغوط العسكرية لن يكون لها من مصير سوى الإخفاق ، من هنا لم تجد المحاولة التي أقدمت عليها بعض الفصائل العسكرية بخطف السيد على زيدان من مقر إقامته بفندق كورنتيا بالعاصمة طرابلس إلى مكان غير معروف أطلق عليه ثوار ليبيا افلح السيد نورى بوسهمين رئيس المؤتمر في معرفته بسرعة والتوجه إليه في مقر حجزه ، لم تجد هذه المحاولة سوى المزيد من الاستهجان والمزيد من الرفض .

هو موقف تنادى إليه كل المعنيين بالشأن الليبي من ناشطين سياسيين على مختلف الصعد الداخلية ، وعلى قدر لا يقل عن ذلك بالنسبة للصعد الخارجية أن من خلال اتصالات الرؤساء ومن في حكمهم أو المشاورات التي سارع بها الأمين العام للأمم المتحدة ، والتي كان نتائجها مجتمعة تحرير السيد على زيدان وتمكنه من مباشرة مهامه على وجه السرعة ، بحيث استطاع رئيس الوزراء ان يميط اللثام عن عديد الإشكالات وأصبح في حكم المؤكد أن المزيد من التفاصيل ستكون أمام كل من يعنيهم الأمر الليبي ، وان هذا التطور من شأنه أن يساعد على طرح المسألة الأمنية عندنا من خلال ارتباطها بالعالم وما يتوفر عليه من الاستعداد القوى للتحرك السريع لمجرد ما يلوح في الأفق ما يمكن أن يطال أي قناة من قنوات الاتصال معنا فضلا عن مبدأ الشراكة ، أما الذين سيرتكبون ما يضرفان رصدهم لاشك فيه أما توقيت التحرك نحوهم فذلك ماله مواقيته الخاصة ، وسيكون موقعنا الجغرافي بشاطئه الطويل على أهم بحار الدنيا وأكثرها حضورا في الصراع وارتباطها بهذه الحدود الجامعة مع أكثر من جوار له تأثيره شديد التأثير في طريقة الحكم ونوعية الحكام ، ما يذهب إليه البعض من تعويل على السلاح واحتكار للسلاح وتجارة في السلاح فلن يكون له سوى ما يثير الضحك أمام عالم أصبح قادر على مراقبة النمل الذي يملا الصحراء والمعادن التي تملا أعماق الأرض ، ما بالك بسلاح تم إحصاؤه سلفا وتصويره في مخازنه القديمة والشيء ذاته بالنسبة للجديدة ، ويكفى أن الحديث عن القاعدة بدأ منذ الأسابيع الأولى التي ثلث السابع عشر من فبراير ، وظل الحديث يرتفع ويرتفع متخذا من تشدد بعض الفرقاء وإصرارهم على تنفيذ ما يرون في غيبة الشرعية المتمثلة في المؤتمر الوطني المنتخب والحكومة المنتخبة من طرفه ، فيما يأخذ الطرف الدولي في التحذير من الفوضى ومن المساس بهذه الشرعية ، فهل سنرتفع جميعا إلى مستوى المرحلة وما تنذر به من الأخطار فنحافظ على ما أنجزنا ونضيف ما ينقصنا من جهازا من موحد وجيش موحد وقضاء مستقرا وإعلام مساند مسئول ، لنقول جميعا بعد تجنب مخاطر ما كاد يعصف بنا " رب ضارة نافعة " نرجو ذلك. إنتهى


__________________________________



ما أشبه الليلة بالبارحة

 

أمين مازن

 

كـان لا بد أن تخرج طرابلس الكبرى ، كما خرجت قبلها بنغازي ، وتقف وقفة رجل واحد ، مصرة على خروج المجموعات المسلحة من المدينة ، بحيث لا يبقى في العاصمة ، كما هو الحال في كل الدنيا سوى رجال الشرطة . ومن تقتضي الضرورة من الجيش الوطني . ويصدر المؤتمر الوطني من جهته قراره السيادي في الخصوص ، وتسمى الحكومة في معرض تنفيذها لقرار المؤتمر أسماء الفرق المسلحة مجتمعة ، وفي مدى زمني محدد . فقد ظلت المجموعات المسلحة وطوال السنة التي انقضت على انتخاب المؤتمر الوطني العام تمثل الحائل القوى دون قيام الدولة الليبية الموعودة . وبقدر ما كانت هذه العقبة ملموسة في المدينتين الكبيرتين ، بقدر ما كانت غير غائبة في عديد المدن والقرى ، حتى ان بعض التشكيلات المنتحلة لم تتردد في الدخول الى المحكمة وتفرج بالقوة عن بعض المتهمين ، لولا ان التوازن القبلي افلح في ان يحفظ للقضاء هيبته ويغطي الإفراج بكفالة مالية ، يحفظ للمشتكي شيئا من حقه ، وان يكن الضرر الذي طالة يتعذر جبره( هذه الحادثة حدثت بمنطقة الجفرة ) . وكما يحدث في كل مرة لم يتخلف الكثير من أمراء الحرب والمستفيدين من فوضى السلاح وتأخر قيام الدولة عن المضي نحو أدوارهم المرسومة ومكاسبهم المتتالية والتي غدت ـــ لكثرة ما تكررت ـــ معروفة سلفا لكل متابع للشأن الليبي ، كالمهاجمة المعهودة للحكومة والتحذير من سرقة الثورة وعدم تحقيق مبادئها وتسلل العاملين في النظام القديم الى صفوفها ، في الوقت الذي يعرف القريب والبعيد من هم الذين افلحوا في غرس كل من يعينهم أمرهم في مفاصل الدولة بالداخل والخارج ومثل ذلك قوائم العلاج والبعثات الدراسية ، وحتى الجوازات السياسية التي يفترض ان تصرف للضرورة القصوى ما دامت حاملة للتسمية المزيفة التي طال عمرها جراء غياب الدولة وإذا المتنفذون الجدد يحرصون على منحها لمن يحبون وكان التغيير الذي شاهدته البلاد لا يعينهم . وقل مثل ذلك على مبادئ ثورة السابع عشر من فبراير التي يصر المسلحون على الاحتفاظ بسلاحهم حتى تتحقق او يتأخر تحقيقها ، في الوقت الذي يعلم الجميع ان المبدأ الوحيد الذي أعلنه الثوار ومن آزرهم لــم يتجاوز إسقاط الديكتاتور وإعادة الدولة الدستورية ، والتي حددت في خارطة الطريق التي قدمت الى المجتمع الدولي وأصدر بموجبها قراراته التاريخية بالوقوف الى جانب الشعب الليبي وهي الخريطة التي بدأت بالمؤتمر الوطني العام صاحب المهمة المحددة باختيار الهيئة التأسيسية ، وقد كانت اخر ما شرع المؤتمر الموقر في تنفيذه وبعد أكثر من تعديل في الإعلان الدستوري شابته أكثر من شائبة ، بل ولم تتردد الدائرة الدستورية في المحكمة العليا بإعلان بطلانه ، وأصبح في حكم المؤكد ان إطالة عمر المؤتمر ستكون محالا مفر منه ، وهي ان حدثت ستخرج صدقيه المؤتمر في الصميم ولن يبرأ من هدا الجرح المجتمع المدني الناشئ ذاته . أما إذا احتكمنا الى الشعارات التي رفعتها الأحزاب وجمهور المرشحين لعضوية المؤتمر والتي تبنت جميعها مطلب الديمقراطية وتحقيق الدولة المدنية ، والتي ليس لها من شكل غير دولة القانون والمؤسسات المدنية ومنجز الخبرة الإنسانية ، أي ان المرجعية الدينية التي لم يتجاهلها احد لا تعني قفل باب الاجتهاد والاحتكام الى القول الخالد (( يسروا ولا تعسروا ) بمعنى ان إصرار الكثير من التشكيلات المسلحة على الإفلات من العودة الى الحياة المدنية ظل هو العقبة لكأداء التي تحول تحقيقه أي استقرار يمكن ان يتحرك بموجبه قطار النمو في الواقع الليبي الجديد ، بل لقد تمكنت المجموعات المسلحة من إملاء الكثير من سياساتها على المؤتمر الوطني ذاته ، وما إقرار قانون العزل السياسي المعيب الا الدليل الحي على هذه الحقيقة ، بل ان تطوع البعض بنفس الضغوط على المؤتمر ليس الا المكابرة بعينها ، اما عدم السماح لبعض الوزراء بممارسة عملهم ، اما تسخير الخطب الجمعية لدعاية الحزبية التي ترفع من شأن فريق ولا تترفع عن أي كيد لفريق آخر ومثل ذلك لأشخاص الاعتباريين وغير الاعتباريين اما اقتياد الأبرياء الى المواقع المجهولة وقد اتهمتهم بالوجوه الملثمة وما ترتب على ذلك كله من الإساءة الى سمعة البلد وكفاح شبابها فمما لا يخشى منه ــــ حسب هذا الفهم ـــ على هذه الثورة التي تضررت من ادعائها بأكثر مما تضررت من أعدائها ، على الرغم من ان أكثر القوى الدولية مناصرة للثورة ، قد نبهت من البداية من خطر الاستهانة بحقوق الإنسان والوقوع في مستنقع الانتقام . لقد أصرت أطراف بعينها على عدم صدور قانون العدالة الانتقالية ، كي لا تحصر مسئولية الجرائم التي ارتكبت إثناء حرب التحرير في المتهمين بها مباشرة وبموجب إجراءات قضائية ، بدلا من الأخذ بالهوية او اللون فحالت نشوة النصر دون مشكلة النازحين التي تحولت الى مأساة إنسانية وفرت مستمسكا لا يعرف احد عاقبته ، وكذلك الأمر بالنسبة لقانون الحكم المحلي وما يتكفل به من إعادة الهيكلة التي لن تسمح لبعض المناطق ان تعتبر نفسها فدرالية دون ان تعلن ذلك ، بل لقد هيأ لها الموقع ان تتصرف بحرية مطلقة ، ان لم يكن بواسطة البحر والجو ، فبواسطة المنافذ الحدودية والجو ، فاستحال تبعا لذلك حدوث أي تحرك بشأن مصالح الناس ، اللهم الا طلبات التعويض التي لا تعرف التوقف ، وتوالى الاعتصامات التي لا تكتفي باستنزاف الأموال الموجودة بل تزيد على ذلك نقص الموارد المالية من الأساس . وكان ذلك كله وأكثر منه يتزامن مع الإصرار على تحميل الحكومة كل الأزمات وكل المسئوليات ، لا يهم ان كان الأمر متصلا بما هو داخل اختصاصها وما يخرج عنه ، وكان التدخل في شئون مسئوليتها لا يعرف التوقف والهدف بالطبع هو دفع هذه الحكومة الى الاستقالة ، ولم يكن ثمة ما يحول دون هذه الخطوة سوى ما يتمتع به علي زيدان من استشعار المسئولية وكذلك ثقته ان في أعضاء المؤتمر الوطني العام ، رغم الكثير من الملابسات من يدرك هذه الوضعية وضعية ما يمثل التواجد العسكري في العاصمة تحديدا من الخطر وان إنهاء التواجد يمثل الخطوة الأولى وقد نقول الأخيرة للخروج من المأزق الذي وقعت فيه البلاد نتيجة هذه التشكيلات العسكرية المصرة على الاحتفاظ بالسلاح والتي لم يكن لها نتيجة سوى تأخير قيام الدولة والتحجج بالخوف على الثورة من السرقة ، كما لو كان هناك سرقة لهذه الثورة من بقاء البلاد بدون دستور وبرلمان منتخب ورئس يستفتى عليه المواطنون كان هناك خطر على الثورة من هذه الانتهاكات المتلاحقة على حدود البلاد شرقا وغربا في الوقت الذي يبقى هؤلاء المسلحون محتلين لمئات العقارات العامة والخاصة في العاصمة بالذات ، كان هناك خطرا على الثورة وعلى البلد من إفراغها من عديد الكفاءات بحجة تبعيتها للنظام المنهار في الوقت الذي يغيب التحقيق ويغيب التقصي . لقد بقت هذه التشكيلات داخل المدينتين طرابلس وبنغازي وفرضت سياسيات تتعلق بالاقتصاد والآثار وأزاحت عقارات كاملة بحجة مقاومة البدع ونصرة شرع الله وما الى ذلك من الأمور الخلافية ، والتي ليس من حق احد ان ينفرد في البث فيها ما لم تتحدد السلطات وحدود الاختصاص وطرائق التنفيذ عند اتخاذ أي قرار يتعلق بمثل هذه الشئون . لقد نصت خريطة الطريق على تشكيل حكومة ( انتقالية وأخرى مؤقتة ) أي أنها الأولى والثانية مختصة بتسيير الأعمال وليست السياسات التي تحتاج الى التوافق والى النظام المعتمد . وكان الهدف بدون شك منصرفا الى فرض الأمر الواقع . وهي نظرة متسرعة لم تدرك الأثر السلبي الذي نال من سمعة البلد بما يدعو الى التردد في القدوم إليها والتعاطي معها ، فبدأت المخاطر تلوح في الأفق فتعين أن يصار الى إصدار هذه القرارات المتعلقة بضرورة إخلاء المدينة من جميع التشكيلات العسكرية باستثناء الشرطة والجيش الوطني ، والقصد بدون شك هو تجريد هذا الوجود من الشرعية ، وتحميل كل استمرار فيه لمسئولية المصرين على هذه الوضعية ، وسيكون من المفيد أن يؤخذ هذا القرار مأخذ الجد وأن يحمل ما يحتاجه من استشعار المسئولية والمراعاة الحاسمة لظروف المرحلة وظروف المنطق ، والواقع البلد السياسي الناتج عن الفصل السابع الذي يعني بكل بساطة عودتنا الى المربع الذي بدأ به كياننا الى ما قبل سبتمبر 69 ، ان لم نقل الى الفترة التي سبقت القرار الدولي القاضي بالدفع بنا نحو الاستقلال ، فيكون التأثير الدولي بالنسبة لأهليتنا السياسية وحتى وجودنا في الخريطة الدولية أقوى مما سواه . ومن أوكد واجباتنا حسن اختيار القادرين على كسب ثقة القوى المؤثرة ، وان يكون هذا الكسب من دون وسيط يرمي الى التقرب بنا وتقديمنا ورقة من أوراقة ، بمعنى ان استكمال مظاهر الدولة والتخلص من المظاهر التي لا تصب في هذا الاتجاه وعلى رأسها التشكيلات المسلحة يعتبر استحقاقا وطنيا بامتياز وانجازه لا يخص مدينة طرابلس او أهلها القدامى كما يقول بعض قصيري النظر ولكنه السعي لضمان امن البلد ووجوده وحفظه من لعبة المساومات التي لا تعرف التوقف . وليس أمامنا الا ان نحذر التسيب والفوضى وإفساح المجال أمام لاعبين آخرين لن يكون الحصول عليهم صعبا في هذا الواقع المحزن الذي لا يسوده أكثر من التشرذم والطموح غير المبرر والاحتكام السفيه الى الكسب العاجل ، فخروج طرابلس والحالة هذه ليس من اجل المدينة وحدها ولكنه من اجل ليبيا قاطبة ، ومن يتجاوب إنما يتجاوب من اجل ليبيا ، وأي بقاء للمسلحين في الجامعات العلمية او المؤسسات السياسية بعني بكل بساطة الأضرار المتعمد بالوطن حاضره ومستقبلا ، وربما يقلل من طهارة الماضي أيضا.  وقديماً  قالت العرب : ما أشبه الليلة بالبارحة



_________________________


لابد من رد الاعتبار للحادي والعشرين من نوفمبر 1949 


أمــين مازن


اتخذ  الآباء المؤسسون لكياننا الوطني الحديث من يوم الحادي والعشرين من نوفمبر ، واحدا من أهم الأعياد الوطنية الليبية ، منذ ان شاءت الأقدار ان يشهد في السنة التاسعة والأربعين بعد الألف من القرن الماضي ، صدور قرار الأمم المتحدة القاضي باعلان استقلال ليبيا قبل مطلع سنة 1952 ، بحيث تكون الفترة التي بدأت من ذلك اليوم وحتى الموعد المضروب لمولد الدولة ، مكرسة للتحضير للدولة المنتظرة والمزمع تكوينها حسب الواقع السياسي القائم من أقاليم ثلاثة ، ألت جميعها في نهاية الحرب العالمية الثانية لمعسكر الحلفاء الذين تمكنوا من الانتصار على قوات المحور ( ألمانيا ، ايطاليا ، اليابان ) تلك الدول التي اختارت النظم الفاشية القائمة على التعصب القومي في الداخل ، وحمل شعار العرقية في الخارج ، وما يدخل في توجهها هذا من اعتزاز غير مبرر بتفوق عرقها من ناحية ، وأحقيتها في التقدم على من عداها من ناحية آخرة . وكان ان تنادى العالم اجمع لمقاومة هذه السياسة غير السوية . وعبر تحالف جمع الرأسماليات الغربية (( بريطانيا ، أمريكا ، فرانسا )) الى جانب المعسكر الاشتراكي الذي بدأ انبعاثه على يد لينين وخليفته استالين وشرع في التمدد تجاه أوروبا الشرقية وأجزاء من آسيا ذلك التوجه الذي لم يقتصر على دول هذا المعسكر وحسب وهي التي كانت محتلة للوطن العربي ، وإنما شمل الكثير من طلائعها التي استشعرت خطر الاتجاهات العرقية التي سادت دول المحور ، والتي في حالة انتصارها لن تتوقف عند الاستعمار وإنما ستأتي بما هو أسوأ . خاصة وان بعض دول الحلفاء كانت قد لوحت بالكثير من التوجهات المطمئنة ، كمبادئ الرئيس نلسن ، والتعهد بإنهاء الاستعمار عقب انتهاء الحرب ، فــأبرمت بعض الاتفاقيات مع أكثر من طرف ، وحصلت مبادرات شعبية رفعت شعار مكافحة النازية ، إدراكا منها لخطورة النزعات العنصرية التي قام عليها معسكر المحور . ولان ليبيا كانت محتلة من طرف دول المحور ، تملأ أراضيها الشاسعة قوات الايطاليين وحلفائهم النازيين ، كان لا مناص من ان يبادر الليبيون الموجودون في المهجر الملاصق لليبيا تحديدا بالتحرك للمشاركة في تحرير البلاد ، فتأسس الفيلق الذي قدم الى جانب قوات الجيش الثامن وشهد اندحار قوات المحور ، وهو فيلق دعا إليه الأمير إدريس السنوسي الملك فيما بعد ، اما التحرك الثاني فقد تولاه المجاهد احمد سيف النصر الذي شهد هزيمة الطليان في جنوب الوطن ، دون ان يغترر بوعود الفرنسيين الرامية الى إغرائه بالتوجه نحو الانفراد بفزان ، وإنما اتخذ من عقيدته السنوسية حافزا لعدم السير في هذا الطريق المعادي لوحدة البلاد ، فاثبت يومئذ انه من الذين يفضلون العيش مع جماعة الأسود كما يقول المثل المعروف ، وليس الذين يقنعون بقيادة من عداهم .

لقد شهدت تلك الفترة التي تلت الحرب ، طرح قضية المستعمرات التي كانت محتلة من الدول التي خسرت الحرب تحديدا ، الكثير من الجدل والكثير من الصراع ، باعتبار الكثير منها قبل خضوعه للاستعمار الأوروبي لم يكن قد امتلك الشخصية الدولية ، فاستغرقت القضية الليبية موضوع هذه السطور الكثير من الأخذ والرد ، جراء تباين المواقف وتعدد الأطماع بين الأطراف المحيطة . ان من خلال استحقاقات الحرب ، او من خلال الحدود وسابقة الاستعمار فاختلفت تبعا لذلك الآراء حول تقديرا لظروف وما اذا كان من المصلحة والممكن أيضا ان يقرر مصير البلاد على هيئة استقلال كامل او من خلال المراحل ، وثمة من دعا الى الوصاية والانتداب . وقد هبت القوى الوطنية في عموم البلاد متبنية مطلب الاستقلال التام وكذلك الوحدة الشاملة ، وقد قرر المجتمع الدولي ممثلا في هيئة الأمم المتحدة المصير على أساس الاستقلال التام ورفض ما سوى ذلك من العروض ، على ان تسبق الاستقلال مرحلة تأسيسية تشكل إثناءها جمعية وطنية تتولى وضع الدستور مع تشكيل حكومة انتقالية ، تلك الجمعية التي رؤى ان تشكل بالتساوي بين الولايات الثلاث كمقدمة للنظام الاتحادي الذي لم يكن ثمة  بد من القبول به ، حيث كان البديل هو التقسيم ، ولاسيما حين أقدمت بريطانيا على إقامة حكم شبه مستقل لبرقة ، أمكن من خلاله تحقيق بعض المكاسب الجهوية التي لم تكن متبناة من أغلبية السكان وممثلهم الزعيم الوطني مصطفى بن عامر . والمهم ان الاستقلال تقرر في مثل هذا اليوم وان تكن الخطوات التنفيذية التي تلث ذلك اليوم جعلت قوى كثيرة تنظر اليه وكأنه اقل من المطلوب بكثير . وقد لعب الشعر الفصيح والعامي دورا غير بسيط في ترسيخ هذه المشاعر ، فلم يعط الحادي والعشرون من نوفمبر المكانة الجدير به في الوجدان العام ، اذ باستثناء البيان التاريخي الذي ألقاه سنة 1968 المرحوم عبد الحميد البكوش لم تشهد الثقافة الليبية أي جهد نظري يعطي لذلك اليوم حقه في التاريخ وما ينطوي عليه من أهمية الاعتراف الدولي الذي تيسر لبلادنا ان تمتاز به على الكثير من الدول العربية التي ظفرت باستقلالها في ذلك الزمن ، ومنها من لم يتردد في التشكيك في جدارتنا به ، بل لقد اقترح ان يكون شريكا في الوصاية او الانتداب ، لولا فطنة الأهل ، وترفعهم عن الخوض في تلك التفاصيل عقب انبعاث الكيان وما صاحبه من احتياج للمعونات المالية والدخول في بعض المعاهدات التي لا مهرب منها .

لقد صوتت هيئة الأمم المتحدة بأغلبية صوت واحد على إعطاء ليبيا استقلالها وكانت الدولة المذكورة هي جمهورية (( هايتي )) اما مندوبها فهو أميل سان لو وتوالت بعد ذلك سلسلة الإجراءات المتعلقة بتأسيس الدولة الليبية على مرحلتين الأولى بالشكل الاتحادي والثانية بالوحدة الشاملة التي أعلنت قبل خمسين سنة ونيف وقبل ان يسقط النظام الملكي بسنوات ست ، حيث تحول الحادي والعشرين من نوفمبر الى يوم عادي بالنسبة لما بعد سبتمبر 69 شأنه شأن الكثير من الأيام المتعلقة بالتاريخ بل والإجراءات الدالة على الدولة بالأساس ، بحيث لم يعد احد يتحدث عن هذا اليوم اللهم في السنتين اللتين سبقتا السابع عشر من فبراير فقد غير اسم الشارع الذي حمل لوحة الحادي والعشرين من نوفمبر وتوسطه مبنى البرلمان ، فحل محل الاسم القديم اسم عبد الرحمن عزام الذي ارتبط اسمه بتاريخ ليبيا على أكثر من صعيد قد يؤهله لتسيمته احد الشوارع ولكن ليس الذي يرمز الى قرار الهيئة الدولية باستقلال البلد . ولكن ما الغرابة ما دام مبنى البرلمان قد هدم وأقيم مكانه مقهى وأزيح اسم اميل سان لو من الميدان الذي حمل اسمه تكريما ولو ان البديل رسا أخيرا على القدس التي ليس كثيرا عليها ميدان او ميادين . وكان تجاهل الحادي  والعشرين من نوفمبر لا يعني سوى حقيقة واحدة هل اننا لا نقيم وزنا للشرعية الدولية التي وفرت لنا وجودا لم يحظ به غيرنا من العرب لتتوالى بعد ذلك الأحوال والأهوال ، والعدوان الدائم على التاريخ والإصرار على تزييف وفرص التزييف على الأجيال الجديدة ، ليسود الفكر الواحد والكون الواحد والفرد الواحد بمباركة دولية منقطعة النظير وحرص على سلامة النظام الأرعن من كل محاولة من محاولات التغيير الكثير الى ان شاءت إرادة الله ان تشمل رياح الربيع الأول التراب الليبي لتبدأ من شرق البلاد فتخاض المعركة الكبيرة التي بدأت بالقول لتتطور الى الفعل ، لتقلب المعادلة التي توعدت بالمطاردة زنقة زنقة لتستمر مدينة مدينة ، وتهب الأمم المتحدة التي قررت ذات يوم أحقية الليبيين في الاستقلال فتسقط عن قائلها الشرعية وتحيله من ثم الى محكمة الجنايات الدولية لجرائم ضد الإنسانية ، ويرتفع صوت المندوب الليبي في ذات الهيئة داعيا الى المجتمع الدولي لإنقاذ ليبيا ، فتثأر المنظمة للإنسانية وللمجتمع الدولي من الرعونة التي وصلت الى حد تمزيق ميثاق الأمم المتحدة الليبية في اجتماع رسمي لمجرد ان رئاسة الجمعية لمندوب جئ به أصلا لتوجيه هذه الاهانة التي لو توفر الحد الأدنى من الكرامة لرفضت في حينها وعوضت عن كل التنازلات المخجلة التي طالما أدمنها ذلك المندوب المتسلق بامتياز .

فإذا كان هناك ما يمكن ان يضاف ونحن نعيش هذه الأجواء المتصلة بموقف الأمم المتحدة حول بلادنا الذي بدأ في ذلك التاريخ ، والذي كان تجسد في الحادي والعشرين من نوفمبر ، تتويجا لكفاح الآباء المؤسسين الذين لم يغالطوا أنفسهم فبتنكر الدور تلك الحقيقة الموقرة فتوجهوا إليها في وفود شارك فيها أمثال عمر فائق شنيب ومنصور قدارة ومحمود المنتصر وفتحي الكيخيا ومصطفى ميزران . فضلا عن السيد على العنيزى الذي كان له الفضل الكبير في ملازمة سان لو حتى حضر الجلسة وصوت لصالح استقلالنا ، نقول اذا كان هناك ما يضاف هو التذكير بأن ليبيا التي منحت الاستقلال ولم تكن مهيأة كما يجب والتي وحدت في زمن لـم يكن مطلب الوحدة الإدارية ملحا من طرف أبناء الشعب بل ولم يحظ بالاحتفاء الكافي ، والتي حظيت ثورتها بتجاوب لا نظير له من المجتمع الدولي الممثل بالأمم المتحدة تحديدا ليستحيل ان يسمح لأحد ان يعبت بأمنها او مقومات وجودها ولو كان من أبنائها ، فهذا الموقع شره يمكن ان يطال عديد الأطراف ، اما خيره فيمكن حصره داخل حدودها وبالتالي فهي حدود يستحيل المساس بها . وبالتالي فان أي تفكير في الاحتكام الى السلاح او العبث بالمصالح المشتركة بين ليبيا والأطراف الدولية قد يتعين درء مخاطرها ، خاصة وأن القرارات الأممية مازالت سارية المفعول وما على الذين لا يسأمون ترديد ( دم الشهداء ما يمشيش هباء )) سوى مراعاة هذه الحقيقة والتعامل معها بمسئولية ، ومن بين هذه المسئولية ما يتردد عن تهريب الأسلحة من حدودنا هنا وهناك ، وإصرار بعض منا طقنا على الاحتفاظ بها وتخزينها بمنآي عن السلطة الشرعية ، والتعلل بأن الدولة لم تعد بعد وان شروطها الضرورية من شرطة وجيش وقضاء وسجون ليست في المستوى المطلوب فنخشى من العودة الى ما قبل الحادي والعشرين من نوفمبر سنة 1949  لا قدر الله. إنتهى


_______________________________




عسى الله يقينا شر بعضنا


أمين مازن


تناقلت كالات الانباء في الكثير من الاهتمام و التحليل ، خبر اول اتصال هاتفي مباشر تم بين الرئيس الامريكي ونظيره الايراني داخل التراب الامريكي وتحت مظلة الامم المتحدة واشغال دورتها السنوية التي شارك فيها معظم رؤساء العالم ولم يخف الكثير من المتابعين توقعهم من ان هذا التواصل سيكون له ما بعده بالنسبة لمصالح الدولتين على الرغم من ان موضوع التواصل انطلق – بدون شك – من برنامج ايران النووي الذي صار في السنوات الاخيرة على راس ما يشغل بال المهتمين بالامن الاقليمي وربما العالمي .. اي ان هذا التواصل الذي حدث بعد اربعة وثلاثين سنة كاملة وهي المدة التي انقضت على حكم الملالي لايران وتمكن من اسقاط العرش البهلوي في ثورة دراماتيكية اعتمدت ضمن ما اعتمدت على اشرطة الكاسيت التي نهضت بمهمة توزيع خطب الامام الخميني الذي خلقت من الترتيبات المتقنه ما يشبه الشخصية الاسطورية بحيث امكنه ان يحقق ذلك النصر اللافت الذي تحقق في لمح البصر بعد ان كان السافاك – جهاز المخابرات الايرانية – طوع بنان الشاه و موضع ثقته فاذا به يرفض تعليمات شهبور بختيار وينحاز الى المرجع الصاعد في لمح البصر ويفتح امامه وانصاره ايضا مطار طهران ليدخل دخول الفاتحين منهيا حكم الشاه الذي بلغ اوج عظمته طول العشرين سنة التي سبقت ذلك التاريخ ، حيث ظل الامبراطور بمثابة الشرطي القوي للاستعمار الغربي ويتمكن بواسطة تلك المهمة بعد الاستيلاء على ثلاث جزر عربية لم تكن يوما من اعمال ايران فاذا بها تحتل بكلي يسر فيصمت الغرب على ذلك الاحتلال .. ويتبعه بعد ذلك حكم الملالي الذي لم يجد غضاضة في التمسك بما قدمه عليه سلفه كانما اراد ان يثبت ان مصالح الدول لا تتغير ابدا بتغير الحكام ..

بل ان بعض الامور تتم في تنسيق دقيق وكثيرا ما يمضي هذا النوع من التنسيق دون ان يرصد الرصد المطلوب وبين ما مضى دون ما يحقق من الاهتمام الاعلامي تزامن ظهور الخميني في ايران مع اختفاء الامام الصدر من المسرح السياسي اثر زيارة قام بها الى ليبيا وبالتحديد سبتمبر 79 اي مع خروج الشاه من ايران ويومئد لم تبذي المراجع الشيعية اي جهد في الخصوص اذا استثنينا بعض الاحتجاجات الروتينية او عن طريق نبيه بري او ايران ذاتها بل ان هذه الاخيرة لقيت من ذلك العهد الكثير من الدعم في حرب الخليج الاولى ، الامر الذي ترتب عليه ذلك التوازن الذي جعل الحرب المشار اليها تنتهي على هيئة لا غالب ولا مغلوب ومن ثم كان استدراج القوة الصاعدة نحو الخليج بدءً من الكويت واعادة اشكال وجودها التاريخي في مطلع الستينات عندما كانت مصر في مقدمة المتصديين للموقف العراقي المرتبط هو الاخر بحسابات اكبر ورهانات اوعى وتكون بنتيجة على تلك الصورة الكارثية التي شرعنت ما حل بالعراق ويتوالى بعد ذلك المسلسل القائم على استدراج كل نظام من الانظمة ليحفر قبره بيده ويخلف اكبر قدر من الكوارث وتبقى ايران دوما محتلة الرقم المهم في المعادلة والمشارك الاساس ف اللعبة ، اما لان المخطط هكذا او لان الممارسة كانت اكثر قربا من ذلك المخطط .. وكيفما كان الحال ومهما اختلفت الدوافع و التقديرات فها نحن نشهد هذا التحول الذي بدأ علنا بمحادثة هاتفية اما مقدمات ذلك وترتيباته وتحديد المطلوب بالنسبة للطرفين فذلك ما سيبقى سرا الى ما شء الله على الرغم من ان طبيعة العلم وسرعة انتقال المعلومات لم تعد تسمع للوقت ان يطول والمهم ان ان نظام الملالي قد جاء وايران المرتبطة بالغرب تمثل الطرف الاقوى بواسطة الشاه المسلح لتعفي بعد ذلك هذه العقود وهي معادية للغرب وزعيمته امريكا فتعود وهي بصدد اصرارها على ان تكون الاقوى في المنطقة بمعنى ان كل شيء يتم على حسابنا نحن العرب المشغولين ببعضنا والعاجزين عن التفاهم مع بعضنا.. عسى الله أن يقينا شر بعضنا


_______________________________



سِرت البداية و ليست النهاية


      أمين مازن

13-8-2016


أقدَمت الولايات المتحة الأمريكية خلال الأيام الماضية على المشاركة العلنية في الصراع العسكري الذي تدور رحاه في بلادنا و إختارت لهذه المُشاركة "منطقة سرت" مُبرِرَة تصرفها هذا بطلب مجلس الوفاق الذي أكد هذه الجزئية بواسطة رئيسه السيد فائز السراج و الذي لم يتردد في القول بأن التدخل المذكور سيكون على هيئة طلعات جوية محدودة و لن تخرج عن سرت و كأن سرت هذه مساحة مُحددة أو أنها قابلة للإباحة أو أن التصرُّف بشأنها يمكن تحديده، و قد أرفقت الولايات المتحدة تصرفها هذا بتوكيد موافقة و أمرْ الرئيس أوباما. و جاءت الأخبار بعد ذلك بأن الطائرات الأمريكية التي ألقت قنابلها على سرت قد إنطلقت من البحر، أي من حاملات الطائرات الموجودة قُبالة السواحل الليبية، و التي يعلم كل مراقب ذكي أنها مثّْلَت البديل عن أي قاعدة كانت في النصف الأول من القرن الماضي أو بعده بقليل على الأراضي العربية. لقد فضّْلَت الولايات المتحدة أن يكون تدخُّلَها العسكري المُعلَن و على لسان رئيسها من "سرت" تماماً مثلما كان هذا التدخُّل و قبل سنواتٍ خمس في مطلع الولاية الثانية للرئيس أوباما الذي نصح القذافي بالإصغاء لشعبه ثم أذِنَ لسلاح الطيران أن يشترك في المعركة، و أجرَت وزيرة خارجيته هيلاري كلينتون سلسلة من الإتصالات مع الكثير ممن كانوا يتصدرون المشهد الليبي في تلك الأيام، كما و أكدت الدوائر الأمريكية دخول القاعدة و من على شاكلتها إلى الأراضي الليبية، بل و حددت المدن أيضاً، و أصرَّت في نهاية المطاف أي هيلاري كلنتون و قبل الأعلان عن مقتل القذافي و عرض مشاهد إعتقاله أنه سيُسجن أو يُقتَل، و كان ما كان بعد ذلك من هذه السنوات التي إزدحمت بكل هذه الأحداث المثيرة التي لم تخرج فيها ليبيا عن بؤرة من بؤر الصراع و منطقة من مناطق المنافسة، فأسََالت أكثر من لُعاب و سامها كل مُفلِس كما يقول الشاعر المعروف و هو يصِف تلك التي هُزِلَت و التي لن تُعدَم بفضل موقعها الجغرافي و مخزونها الطبيعي من لا يتردد في الدخول بدون طلب و توفير السلامة لمن يريد إلى الحد الذي يوفر له أو لها السفر دون أن تطير ذبابة !! كما جرى للسفيرة الأمريكية عشية مغادرتها إلى تونس في معرض خروجها النهائي.

لقد وقَّتَتْ الإدارة الأمريكية تدخّلها المُعلَن هذا و الرئيس أوباما يستعد لترك البيت الأبيض، و تُجمِع كل مراكز البحث أن وزيرة خارجيته السابقة عند إندلاع الأزمة الليبية هي التي ستخلفه بالبيت الأبيض، لما لمثل هذا التصرُّف من أثر في إنتخابات الرئاسة الأمريكية و شرعنته بالطلب الليبي كي تُسدد الفاتورة المتعلقة بكلفة الصواريخ و الطلعات الجوية و تحرُّك حاملة الطائرات التي هي قاعدة مُكْتمِلَة جاءت بها السُلطة الشرعية و كانت قد مددَت في وقتٍ سابق قراراتها بشأن العقوبات و فعلت كل ما يُفيد خضوع ليبيا للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، و طالت الأزمة الليبية اليوم قُوت الناس من حيث الغلاء و إنعدام السيولة التي حالت دون مصالح أغلبية الشعب، و هناك أكثر من توجُّه لتخفيض مرتبات رجال التعليم الجامعي و من في حكمهم، أما كبار القوم من أعضاء المؤتمر و النواب و هيئة الدستور و الوزارات المتعددة و ألاف الثوار الذين بلغت بواسطتهم النفقات المالية حدّاً لا نظير له في العالم و لا أمل في الخروج منه، فلن يَمْسَسْهُمْ سُوء بدون شك و يكفي أن معظم عائلاتهم تُقيم في كُبريات المدن العربية و التركية، لأن الرجال متفرغون لمسؤلياتهم الكبيرة. فلم يعُد ثمّةَ من شاغل لأغلبية أبناء البلد أكثر من توفير الكهرباء و الطعام و السيولة التي تُمكنهم من شديد حاجياتهم، و يتأكد في كل لحظة ألا شاغل يفوق هذا الشاغل لعموم الناس و أن الخروج من مأزقهِ يسبق ما عداه فهو الوطن و هو السيادة، و لو وُجِدَت مراكز البحث الأمنية أو أُعطِيت الخبرات الأمنية فرصة الرصد الأمني لأكّدَت أن الترحيب العارم سيكون من نصيب كل من يُحقق في مصلحة هذه المُختنقات، و يبقى الإنطلاق الأمريكي من سرت فليس لأنه نهاية المطاف و إنما لأن سرت تتوسط الخارطة الليبية بحراً و هي كذلك حين يتم الإنطلاق منها جنوباً، و من هناك كان الإنطلاق و دون الإعتماد على اليابسة الأوروبية أو العربية رُغم تسابق الجميع بعرض المساعدة، فعَبْر سرت ستكون الوجهة بلا جِدال جنوباً، ففي العُمق الليبي يوجد كل شيئ و منه كذلك يأتي كل خطر، و الولايات المتحدة أقْدَرُ من يردع الخطر، بعد أن يصنعه و يُتقِن صناعته، و يستنفر الجيوش المُتعددة لمعركته التي لا تتوقف إلا لتبدأ من جديد. إنتهى


________________________________



ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل


أمين مازن

شرعت التشكيلات المسلحة في الانسحاب من العاصمة وتسليم ما كانت تشغله من مقار رسمية ومنازل للافراد والمسؤولين السابقين الذين مثلت بيوتهم أقوى الادلة على ما اقترفوه من اسواء انواع الاستغلال وقد جاء هذا الانسحاب على اثر الحراك الشعبي الذي بلغ حد استعمال السلاح ووفاة ما يقرب من خمسين فقيدا وما يقرب من خمسمائة جريح اضيفوا إلى ما سبق أن ضاع في بنغازي قبل اشهر مضت ممن تناولنا احداثهم في هذا المكان وكان المؤتمر الوطني العام قد اصدر في وقت سابق اكثر من قرار في الخصوص غير أن الاطراف المؤثرة كثيرا ما كانت تترك هذه القرارات حبرا على ورق وذلك بعد أن تكرر ما دأبت عليه وبواسطة مجنديها الاعلاميين عبر الوسائل المصورة والمكتوبة من إلقاء التبعية على المؤتمر الوطني والحكومة سواء في الوقت الذي يدرك الجميع حقيقة الموانع القوية الحائلة دون ذلك التي هي جزء لا يتجزأ من المساعي الرامية إلى تأجيل قيام الدولة وما ينتج عن ذلك من استحقاق العدالة الانتقالية وتجلياتها المتمثلة في انصاف المظلومين وجبر الاضرار البشعة التي حلت بهم في العقود الاربعة الماضية وكذا السنوات التي تلت سقوط النظام المستبد وما رافق معارك التحرير من تجاوزات وما استغله كذلك عديد المندسين من تصفية الحسابات وتكرار ذات السيناريوهات القديمة بما تفلح فيه من خلط الاوراق والذهاب إلى صغائر الامور بدلا من عظائمها لتكون المحصلة دوما أقل من المطلوب وفي احيان كثيرة لا يتنسى الخروج من مأزق الا يكون البديل اكثر تعقيدا لقد توالت بعد ذلك التاريخ الكثير من انواع التجاوزات ومثل ذلك الممارسات التي لم يكن لها من هدف سوى الاصرار اليائس على المزيد من اضاعة الوقت واطالة زمن السلطة المؤقتة وما يترتب عليه من استمرار المغانم التي يدرك كل متابع لما يجري في الواقع ما هي عليه من قوة المردود المادي المتمثل في الاموال الثابتة والمنقولة والمعنوي المتمثل في افادة المحاسيب والمناسيب وما يعرف بالتراث من نظام التمكين والتسكين وغيرهما من مصطلحات التاريخ الاسلامي المبكر التي كان آخرها الاقدام على خطف رئيس الوزراء وسط خليط من الاعتراف بذلك علنا ومحاولة التنصل علنا ايضا لمجرد أن تبين ما يمكن أن يترتب على هذه الجريمة عن طريق اكثر من طيف وهو الوضع الذي سبق أن ظهر جليا من خلال ما دأب على القيام به بعض مناوئي الحكومة من عرقلة للمنجز دون أن تفلح في الظفر بالاغلبية الكافية لاقالة الحكومة وبالأحرى علي زيدان شخصيا لان بعض الخصوم لم يترددوا في اعمال اعقد المعادلات السياسية أن لم نقل اعجبها الا وهو البقاء داخل التشكيلة الحكومية لحمل مسؤولية حقائبها الوزارية وتعريف امورها على مختلف الصور إلى جانب نقدها بمناسبة وبلا مناسبة ودون تحديد أي مجال من المجالات التي من شأنها أن يستطيع المراقب المدرك فحص الحق من الباطل والتأشير إلى مواقع التقصير ومن هو صاحب القسط الاوفر المتمثل في الكتل المشكلة للمؤتمر الوطني العام وما يمارسه من تقوي على السلطة التنفيذية وما تتهم به الحكومة ظلما وبهتانا التي كان آخرها إلقاء تهمة التقصير الكامل على الحكومة في آخر جلسة عقدها المؤتمر الوطني العام اثر حادثة الخطف التي لم نسمع فيها شيئا سوى دعوة رئيس الوزراء إلى الاستقالة وممن تأتي هذه الدعوة من اعضاء يفترض من أن لديهم من المعلومات المتصلة باوجه التقصير والحجج التي توفر اكبر قدر من الاقناع لتحقيق هذه الغاية أن كان ذلك ممكنا او بالاكراه في حالة ماذا اوجدت الاسباب الحقيقية ولان لكل طرف ما لديه من الاسباب الداعية إلى التمترس في موقفه وربما الاسرار التي تشجع على معرفة حدود خصمة لم يتردد علي زيدان في القول بأنه لن يستقيل وانه يعرف ما سيترتب على الاستقالة وكذا ما تعنيه وما على الذين يرون فيه عدم الاهلية إلا أن يحزموا امرهم ويسحبوا منه الثقة بل ولم يجد غضاضة في التصريح أن السلاح المتوفر لدى التشكيلات المسلحة المتمرسة في المدينة يزيد بكثير على ما لدى الجيش الليبي بل أن هذا السلاح هو ذاته ما يدفع جميع ضباط الشرطة والجيش إلى عدم القيام بواجباتهم لان السلاح كما هو معروف أول شروط القيام بالواجب الرامي إلى ردع المظالم سواء جاءت من عدو خارجي أو داخلي وأن التأييد الشعبي للحكومة في مقدمة ما يجب أن يبادر به الشارع لمساعدة السلطة على التمسك بتحقيق أي استحقاق فكان ذلك كله ما ادى إلى الحراك الشعبي الذي شهدته العاصمة وراح ضحيته هذا العدد من المواطنين واضعافهم من الجرحى الامر الذي لا يملك امامه كل مواطن الا أن يستنكره ويعرب عن كل مشاعر السخط نحوه ويدعو إلى ضرورة محاسبة كل من اسهم فيه باليد أو اللسان فقد خسر شعبنا الذين ماتوا والذين جرحوا وخسر ايضا الذين حملوا مسؤولية الفعل طائعين او مكرهين فالجزاء الرادع لا مفر منه لكل من امر او ائتمر والحزم اول ما تقتضيه الحالة لكن التحقق من مسؤولية العوامل المساعدة واجب بالغ الضرورة اذ قبل أن نذهب إلى ادانة من اقترف جريمة اعمال السلاح لابد أن نحاسب ايضا من لم يحتسب للامر حين غاب عليه أن الاعتصامات والاحتجاجات مكانها دائما الميادين العامة وامكان تجمع الجماهير وليس التوجه إلى الامكان المشمولة بالاحتجاج ولا سيما حين تكون هذه الاماكن مدججة بالسلاح فمن يحمل السلاح كثيرا ما يفقد السيطرة على ارادته لمجرد أن يواجه بامر لا يتفق مع مزاجه ناهيك عن أن يكون الامر متعلقا بوجوده وفي ظروف يعتقد فيها أنه المبجل على من سواه ومن جهة اخرى فان استغلال مثل هذه الاحداث في تصفية الحسابات المعلقة أو المآرب السياسية المؤدلجة من الامور التي يفترض على كل ذي بصيرة أن يحذر منها إن لم يكن بدوافع الاخوة واستحقاقات المرحلة فمن موقع أن المناورة السياسية لا يمكن أن تنطلي على الجميع وحسب المرء أن يلحظ تلك الانسحابات التي اقدم عليها عديد المشاركين في الجمعة الماضية عندما رفعت شعارات لا صلة لها بمطلب اخلاء المدينة من مظاهر التسليح وقل مثل ذلك حول ما اشاد به الكثير من المراقبين عن محاولة الانحراف بالحراك نحو المناطقية ونحو احتكار تمثيل العاصمة من عوائل معينة واحياء محدودة فطرابلس الكبرى تختلف كل الاختلاف عن تلك التي عرفناها في شبابنا في خمسينيات القرن الماضي بل التي شهدت زواجنا وحمل اوراق عائلية غير ارقام اهلنا عند ما كانت ورقة نفوسنا تحمل الرقم الاقل من الخميسين الف ولكنها تلك التي تتجاوز هذا الرقم اضعافا مضاعفة بحيث لم يعد لنا من بدأن نقبل أن أية انتخابات بلدية سيقبل عليها الناس المقيمون بجدية او اخرى نيابية يراعي فيها عدد سكان المدينة فلا مناص من أن تسفر عن رموز جديدة وقيادات مختلفة تتجاوز بدون شك كل ما هو تقليدي اللهم الا من افلح التعامل مع الواقع الجديد فاذا ما صحت المعلومة التي تقول أن سكان طرابلس قد وصل المليونيين فان ذلك يعني أن طرابلس قد زادت خميسين مرة عن تلك التي عرفناها في خمسينيات القرن الماضي حتى كنا نعرف اعلامها جميعا ومشاهيرها جميعا وتبقى مسألة جمع السلاح واخلاء المدينة بل جميع المدن من السلاح اما وان ذلك كله قد تزامن مع انعقاد المؤمر الوطني العام وانكبا به على جهة من الاستحقاقات وعلى رأسها هذا الموضوع وفي ظل انشغال دولي عبر الجانب الامريكي على لسان وزير الخارجية الامريكية وتواصله مع الحكومة الذي شهده لقاء زيدان مع كيري بلندن فإن التطلع إلى لقاء موسع يضم الحكومة وهيئة المؤتمر الوطني العام والكتل البرلمانية ومن في مستوى هؤلاء يبدو من الامور الملحة لتنظيم الاستحقاق الامني واكراهات المحيط وما يمكن أن تفرضه على خريطة الطريق للخروج من الفترة الانتقالية بما يحول دون تمديدها الا لاقصر الاجال وقديما قيل ما اضيق العيش لولا فسحة الامل. إنتهى


________________________________




بعض مافي تاريخنا


أمين مازن


قبل أن تجبر ايطاليا الفاشية على الرحيل من بلادنا ليبيا ، وهي تخسر الحرب العالمية الثانية ، اضطرتها الظروف العالمية وربما الداخلية أيضا على أن تسمح لعدد من الليبيين العاملين في سلكها الإداري أن يتقدموا لشغل بعض الوظائف الإدارية المساعدة ، أطلق عليها يومئذ كتاب الأشغال العربية ، ونظمت بشأنها مسابقة بين العاملين في السلك الحكومي ، ممن كانوا شبابا ، وأثبتوا شيئا من الكفاءة والأهلية ، حيث اشتركوا فيها وأعلنت من ثم نتائج امتحانها على أعمدة الصحف المحلية ووسائل الأعلام المختلفة ، في قوائم محددة ضمت أسماء أولئك الناجحين وأولوياتهم وفقا للقواعد المعروفة في هذه الأحوال ، فكان على رأس القائمة السيد حسين مازق الذي بدأ في شق طريقه من تلك الأيام وكان الى جانبه السيد سالم الصادق ومحمد نصرت عراب وأحمد بلقاسم وآخرين غيرهم من لاتحضرني الآن أسماؤهم ، وكان من المفروض أن تناط بهم بعض المسئوليات كما ذكر الذين عاصروا تلك المرحلة وما بدأت تشهده من متغيرات لولا تطور أحوال الحرب الكونية وما أدت إليه من خسارة إيطاليا وحلول الإدارة البريطانية المؤقتة التي تكت بإدارة شئون ليبيا ، ولما كانت الإدارة البريطانية هذه قد استلمت أمر ليبيا كما هي عليه من حيث الناس والحياة ، كان عليها أن تقبل ما أعتمدته السلطات الايطالية بشأن هؤلاء الموظفين مباشرة لمجرد أن استتب لها الأمر في البلاد فباشرت بتنسيبهم إلى الوظائف المتفقة مع مستوياتهم التي أثبتها الامتحان وفي المراكز النظيرة لما كانوا يتولونه من المسئوليات باعتبارهم ضمن أصحاب الحقوق المكتسبة والواجبات الملزمة . ويومئذ استاء الكثير من الناس من ذلك التوجه ، إذ تبادر إلى أذهانهم أن السلطة البريطانية الوافدة لابد لها من أن تبعد هؤلاء المستخدمين من أعمالهم وتستبد لهم بما هو دون واقعهم . وعندما حصل شيء من التلكؤ لم يتردد الناس في رفع عقيرتهم بالاحتجاج أولا ثم التعبير عن ذلك بالعصيان ثانيا ، مما جعل ردة الفعل الرسمية تختلف وفقا لطبيعة الأمكنة . وكان مرد ذلك التوقع ما سبق أن تم مع الذين كانوا يعملون مع السلطة العثمانية عندما حلت إيطاليا بليبيا ، إذ رأت فيهم نتاج الفوضى والتقدم بدون أهلية ، بعكس الذين أعتمدتهم إيطاليا التي أعتبرتها بريطانيه سلطة قائمة ولكل الذين ضمهم سلكها حقوق محفوظة وواجبات ثابتة طبقا لمحاضر التسليم والإستلام التي نصت على بقاء المستخدمين في الخدمة بل وذهبت الى أكثر من ذلك فكلفتهم جميعا بما ارتأت بل ومنهم من قدم الى مسئوليات أكبر ولاسيما بعد توقيع اتفاقية الصلح وما ترتب عليها بشأن نقل السلطة بل وتحديد مصير البلاد من طرف المجتمع الدولي .

وهكذا تقدمت الأسماء المكونة لذلك الجيل لشغل الشاغر من الوظائف الرسمية وكذلك المستحدث منها ، كل حسب إمكاناته ودرجات تطوره وقوة تحصيله ، بحيث لم يكتب لليبيا أن تستقل وتوضع نواة إداراتها حتى كان أولئك الرجال في مقدمة الصفوف الإدارية ومن ثم السياسية ، غير أن هذه الوضعية لم تكن محل ترحيب من طرف أولئك الذي كانوا بعيدين عن العمل الإداري وكذلك القادمين من المهجر ، الذين تصوروا أن الطريق سيكون مفروشا لهم بالرياحين باعتبارهم مجاهدين ورافضين للمستعمر ، في حين كانت نظرة خصومهم من هؤلاء المقيمين أن المجاهد الحقيقي هو ذلك الذي تحمل وأصر على البقاء ولم يترك مكانه للوافدين من الجنسيات الأخرى وقد كانوا أكثر ، مما جعل الصراع يحتدم بين الطرفين كل يسعى لإقصاء خصمه وهو سلوك أمتد إلى فترة الإستقلال ومن ثم النظام المنهار عندما كانت مقولة العهد البائد والمباد تتردد بمناسبة وبلا مناسبة ، حين فقدت الإدارة الليبية أحسن القدرات على الرغم من الوفرة المالية والفرص السائحة للعمل .

وهكذا نحن نرى هذا التوجه يطل اليوم مرة أخرى إذ يرفع الكثيرون عقيرتهم بضرورة التخلص من كل الذين عملوا سابقا دون أي تفرقة بين من أوغل في الخطأ ومن أفلح في تنزيه نفسه ومن لم يخطي إلا لماما حتى أن هناك من يدفع نحو تشريع يتبنى الإقصاء بالكامل ، على الرغم من أن الحلفاء جميعا لايخفون نصيحتهم بضرورة الاستفادة من كل من أثبت كفاية ملحوظة ولم يثبت بشأنه ما يبرر الإبعاد ، كما أن المواثيق الدولية والظروف المحيطة كافة تقتضي مثل هذا التوجه أكثر مما عداه ، لأن الاحتكام الى القانون ومبدأ المنافسة الشريفة والذهاب الى صناديق الاقتراع في جميع المجالات هو الأسلوب الناجح والمفضل على ماعداه ، ذلك أن السابع عشر من فبراير تقدم للوطن ومن ثم العالم ثورة وليس انقلابا عسكريا يعطي الحق وبالأحرى يحصره في ممتشق السلاح لكي يتابد في السلطة ويكلف بما لا يستطيع في بعض الأحيان ، فالثورة من طبيعتها إعادة الحق إلى ذويه ، وكثيرا ما يكون مناب القائمين بها ضئيلا ، لأنها ثورة مبدأ وليست ثورة مكاسب ، فإذا ما أضفنا إلى ذلك ما نحن عليه من سعة الرقعة الجغرافية ومثل ذلك الندرة السكانية والوفرة الملحوظة في فرص العمل ومجالات التحرك ، فإن كل حديث عن الإقصاء أو ترويج للحد من حرية النشاط أو دفع نحو تصفية الحسابات ، فهو من المضحكات المبكية كما يقول الشاعر الخالد عندما حل بمصر زمن الإخشيديين ، فليحذر الذين يقولون اليوم بالإقصاء وينبتون دعوات الاجتثاث من سوء عاقبة ما يدعون إليه من توجه عقيم ، وليراجعوا أنفسهم وحساباتهم قبل فوات الأوان ، لأن أي تحرك في الدولاب الاقتصادي سيجعلهم خاسرين قبل غيرهم بل ونادمين حيث لا ينفع الندم ، فالزبد يذهب دائما جفاء ، وما ينفع الناس فهو ما سيبقى في الأرض. إنتهى


_______________________________



بنغازي ومواعيد المصير


أمــين مازن


كان لابد أن تخرج بنغازي وما حولها في مثل هذه المظاهرة غير المسبوقة من حيث العدد والنوعية ، رافعة شعار انقاد بنغازي ، أيمانا من المشاركين فيها جميعا ، ان انقاد بنغازي يعني انقاد ليبيا بالكامل . ذلك ان ما ظل ملحوظا في الوطن عامة وبنغازي على وجه التخصيص . من مظاهر الفوضى المسلحة ومن ارتفاع في نسبة الجريمة الممنهجة ، بات ينذر بكل ما لا يحمد عقباه بالنسبة للوطن والمواطن . وان هذه الأزمات التي ما أمكن التخلص من واحدة منها إلا وتلتها ثانية وثالثة ، كإنما كانت هناك قوة لا هم لها سوى تأزيم الأمور . وعلى مدى الأشهر التي تلت إعلان التحرير وتشكيل الحكومة الانتقالية المؤقتة اثر إصرار الدكتور محمود جبريل على استقالة المكتب التنفيذي احتراما لخريطة العمل المقدمة الى المجتمع الدولي عقب تفجر الثورة ، وما تلي ذلك من إجراء انتخابات المؤتمر الوطني العام وانبعاث الكيانات السياسية وبتعبير أوضح الأحزاب وتعديل الإعلان الدستوري أكثر من مرة وحتى الاقتراع أخيرا على اختيار رئيس الحكومة المنتظرة ، والتي لن تكون إلا حكومة ذات طبيعة ائتلافية أو وفاقية كما هي التسمية المتعارف عليها ، ظل الهاجس الأمني هو المتقدم على ما سواه من الخيارات كما ان انتشار السلاح في جميع أرجاء البلاد تحت أكثر من مبرر ، كان وما يزال هو الحائل القوي دون أي أمل في الاستقرار الذي يمكن بواسطته ان تتحرك عجلة الحياة الحقيقية وتجلياتها المتمثلة في النشاط الاقتصادي بشقيه التجاري والعمراني ، الخاص والعام . الى جانب المشاريع الكثيرة المتعاقد عليها من السابق والمقرر المضيء فيها أيضا ، بحسب تعهدات السلطات المختصة ، في معرض التطلع الى الظفر باعتراف المجتمع الدولي بثورة السابع عشر من فبراير حين حصرت أولوياتها في إسقاط الديكتاتورية والتوجه نحو حياة ديمقراطية لا تخل بأي عهد متفق عليه ، أو استحقاق واجب السداد أو مشروع يحتاجه الناس .

لقد تمكنت الأطراف المتحفزة للظفر بما كان يلوح في الواقع الليبي الجديد ، المترتب على ما رافق حرب التحرير من هدم للترسانة العسكرية الضخمة من تحويل هذا العدد الهائل من الآليات الكفيلة عند الإسراع بإعادة تصديرها للأسواق العالمية بأن تدر بلايين الدولارات أو اليوروات أو الذهب الخالص ، فعمدت الى اتخاذ جملة من الإجراءات الاستباقية التي راهنت على قدرتها في تأجيل استقرار البلاد و إقحام الكثير من قواها الحية في معارك جانبية بتقلد توظيفها لتلك الغايات المشبوهة التي لم تخف على الكثير من النابهين الليبيين من لم يخفوا انزعاجهم من التدخل الخارجي المخجل في الشأن الليبي ، وبالذات في ما درج عليه من التشكيك في أداء الكفاءات الليبية بل وصدق ولائها أيضا ، لمجرد ان أحست تلك الأطراف باستحالة تسخير هذا النوع من الرجال لما كان يخطط لثورات الربيع العربي بالدفع لقدراتها مجتمعة لصالح الوكالات الجديدة تلك التي صور لها نجاحها في حل بعض المشكلات بإمكانية استمرار هذا الدور في كل زمان ومكان . خاصة وإنها امتلكت بعض الوسائل الإعلامية المصورة التي طالما تطلع للاستفادة منها الطموحون وخشي سطوتها كذلك الخائفون فكان الحديث المفتعل عن خطر العلمانية أثناء انتخابات المؤتمر الوطني العام لحجب الثقة الشعبية عن كل من عرف عنه رفض الوصايا الخارجية عندما سعت الى التسلسل من خلال المساعدات ومن تجمع أصدقاء ليبيا ، كما لو كانت ليبيا مركز اللاشعاع الروحي ويخشى عليها من خفوت هذا الإشعاع ، في الوقت الذي يعلم الجميع ما تعانيه من سعة الرقعة الجغرافية وطول المسافات الحدودية فضلا عن الندرة السكانية وما تنذر به من المصاعب لمجرد ان يقدر للحرب ان تضع أوزارها بالنظر الى ضيق الوقت وحجم المشكلات وتعدد المطالب وتعقد استحقاقات البناء ومحاولة اللحاق بركب العالم ، سيما وان الطغيان فقد افلح في تعطيل الكثير من أسباب النهضة . ان بإجبارهم على الصمت والقبول بما كان يمارس من تهميش ، او الإكراه على الهجرة ومكابدة الآم الغربة وما تفرضه على كل من يقبل بها من عديد التنازلات . ولما كان ذلك ليس خافيا على الكثير من أذكياء الواقع الجديد ، كان التوسع اللافت في تشكيل الكتائب المسلحة عقب التحرير على نحو خاص ومن ثم الدفع بالكثير من هذه القوى نحو ما كان يمارس من التجاوزات المتصلة بالتحقيق غير القانوني ومصادرة الممتلكات بدون وجه حق ومن ثم إخفاء الكثير من الجرائم الحقيقية . وقد كانت الأوضاع العامة بالكامل مهيأة لتسهيل السير في هذا السبيل . فالأجهزة الأمنية بالكامل أمكن تعطيل دورها ووقف جميع مهامها . والقوات المسلحة كانت بما تزخر به من ضباط أكفاء وأفراد قادرين محاصرة من القبضة الأمنية القوية والتشكيلات العملية المسلحة كما أن العصابات المتمرسة من المجرمين الذين فتحت أمامهم أبواب السجون من طرف النظام المنهار لمجرد استشعار الخطر القادم من الجماهير الثائرة ، الأمر الذي وفر المجال المناسب لأصحاب الجريمة كي يبادروا بالتسلل المكثف ، مرة بالتعاون مع المقاتلين وأخرى بتشكيل التنظيمات الوهمية والبوابات المفتعلة . خاصة وان السيارات العامة التي تملأ البلاد كانت خير مسهل لهذه المهمة ، اذ يمكن لأي مسلح ان يوقف من يقود هذه السيارة او تلك ولمجرد ان يتأكد من أنها ملك عام وربما حتى خاص ، فمن السهل عليه ان يجبر ممتطيها على النزول وتسليم المفاتيح بل ولا يسمح له بأخذ أوراقه الخاصة ، وفي بعض الأحيان يحرم منها هي الأخرى ، والحق ان ذلك قد أنتج حالة من القلق المعرقل للكثير من دواليب الدولة وأجهزتها ، والمثبط من ثمة لهمم الناس ومشاعرها ، خاصة وان ذلك قد رافقه شيء من التمديد لفترة المجلس الانتقالي . وصمت عن العملية الانتخابية ، وكذلك التشرذم الملحوظ في التنظيمات السياسية والتحفيز على الترشيح بواسطة التلويح بتسديد نفقات الدعاية لقاء تقديم الفواتير الخاصة بها ، الأمر الذي أربك الكثير منها اللهم الا تلك التي حزمت أمرها مبكرا ، وحاولت ان توظف ما لديها من الخبرة والقدرة على الاستشارة والاستفادة من المصالحات الداخلية والتحالفات الخارجية ، فبادرت بالتحرك أملا في الفوز بالأغلبية المريحة كي تتقدم الى مدة الحكم في جو من الاطمئنان لولا ان المفاجأة قد جاءت مخالفة لهذا التصور . ومع ذلك فان المحاولات اليائسة لم تتوقف خاصة وان الكثير من القنوات الفضائية الرسمية ومعداتها ومقارها قد أمكن تأمينها تعويلا على المليشيات ، حتى ان المكلف بملف الإعلام السيد محمود شمام عجز عن تمكين الكثير من العاملين في الجهاز الإعلامي الرسمي من العمل ، وان كان مرد ذلك أيضا الى الموقف المبدئي لهذا الخبير الإعلامي من المؤسسة الإعلامية الرسمية . اما انحياز مؤسسات الوعظ والإفتاء لتيارات سياسية دون أخرى وكذلك المذاهب المخالفة للأغلبية المالكية وظهيرها الأباظي فكان أيضا شديد الوضوح ، والهدف بالطبع إفساح الطريق أمام مذاهب لأعمق لها في صفوف الشعب الليبي وقواه الروحية المسالمة بقدر ما هي مهيأة لحسابات أخرى ، تعود مخططاتها الى عشرينات القرن الماضي وما شاهدته الجزيرة العربية من صراع حول مسألة الحكم بين شيوخ قبائل هذه الجزيرة من ناحية والهاشميين من خلال دورهم التاريخي وقيادتهم للثورة العربية من ناحية أخرى . وتعاطي هذا الصراع مع اتفاقية (( سايكس بيكو الشهيرة )) مما ساعد على تسلل الكثير من هذه التيارات عبر عديد الفرقاء . فمن آليات عسكرية تحمل اسم ثوار مدينة من المدن الى أخرى تنسب الى قبيلة من القبائل الى ثالثة تعتقل وتحاسب الى أخرى لا تتردد في تسهيل الخروج من البلد دون أن يطالها أي سؤال ، بل وربما اسند تصرفها الى مصادر القرار وثمة من يناصر السنة او الشريعة وتحرك من تلقاء بهدم كل ما يرى وجوب هدمه مما يخالف شرع الله ، كان سلطة البلد قد آلت إليه في جنح الظلام . لقد توسعت ونمت وازداد عددها ليبلغ مائات الآلاف وتسببت في إنفاق الأموال الطائلة دون ان يجرأ أحد على توجيه أي سؤال . شأنها شأن الجرحى الذين اتسع علاجهم لكل الأمراض والعاهات اللهم الا الجرحى الحقيقيين ، والكلام في هذه الأمور يطول والمسئولية اعقد من ان تحدد ، فان دعى داع الى وجوب تسليم السلاح كانت الإجابة بعدم وجود الجهة المسئولة . اما المصالحة الوطنية التي قرنها المجتمع الدولي باعترافه ولم يستش منها سوى من تلطخت يده بدم الناس او أموالهم فهي آخر ما يمكن ان يتحدث فيه الكثير من متقدمي الصفوف ولا سيما الذين ضمتهم المجالس المحلية وافلحوا في تأجيل العملية الانتخابية المتصلة بها . وارهبوا الكثير من منافسيهم بالتحقيقات المصطنعة بل وغير القانونية في مرات كثيرة حتى لقد أصبح دمج أبناء الشعب في مركب الثورة في عداد المستحيلات ، والأنكار دائما هو سيد الموقف وهو خير منقذ من أي محاصرة بشأن أي مغنم من المغانم ، لا يهم ان كانت هذه سيارة عامة او خاصة قطعة سلاح كبيرة او متوسطة الة استصلاع بحري او بري حتى كان التحرك المتعلق بالفلم المسيء للرسول الكريم والذي راح ضحيته ــــ تخطيطا او صدفة ــــ سفير الولايات المتحدة الأمريكية وعدد من أعوانه ، الرجل الذي جمع بين المكانة الرسمية كسفير لدولة كبرى وحليفة ، الى جانب انحيازه الشخصي ومحبته المعلنة لليبيين من دون استثناء ، فكان للحادث أثره غير المسبوق في إثارة مشاعر الحرة وكذلك الضيق من هذه الوضعية الناتجة عن انتشار السلاح وكثرة المليشيات لتأتي مظاهرة إنقاذ بنغازي بهذا العدد الضخم وهذا التأثير غير العادي ، جامعة بين استنكار الحادث والإصرار على حل جميع التشكيلات العسكرية وافساح المجال للجيش الوطني وجهاز الشرطة ، فكان التجاوب الملحوظ و كانت قرارات المؤتمر الوطني العام بحل جميع التشكيلات ، فاذا ما حاولت واحدة او اكثر ان تسعى الى الانضمام للجيش او الشرطة ككتلة واحدة كانت مكاشفة القوى الواعية والمثقفين الثوريين بأن الانضمام المطلوب هو انضمام الأفراد وليس الجماعات ، وان التوجيه المنتظر لا بد ان يكون وفقا للخبرات المتوفرة والتأهيل الضروري والملاك المتاح ، بمعنى ان الإسهام في الثورة لا يبرر التمييز في مجال العمل ، فالتمييز يمكن ان يكون عن طريق التكريم عند نهاية الخدمة ليس غير ، اذ كلما اقتربت الثورات من مرحلة بناء الدولة كلما كان ذلك مرتهنا بشروط جديدة كثيرا ما تختلف عن الأوضاع الثورية ، وما ذلك الالان الثورات الحقيقية تختلف كل الاختلاف عن الانقلابات ، فالسلاح في الثورات لا يحمل الا للدفاع عن الأوطان اما السلطة ومسئولية تسيير الأجهزة فالطريق اليها صناديق الاقتراع ، والتحذير من سرقة الثورة لا يعني ابدا الاحتكام الى السلاح فهو أولا وأخيرا من مشمولات العملية الانتخابية ، فان وجد نوع من أنواع التقصير كان في الاعتصامات المنظمة والمظاهرات السلمية والمطالب الواضحة ما يتكفل بتصحيح المسيرة وصونها من الانحراف . كل ذلك دون إغفال حقيقة مهمة لا بد أن تعيها كل الأطراف التي اعتقدت ان سابقتها في الثورة يمكن ان تبرر لها الاحتفاظ بالسلاح الذي يمكن ان يوفر لها التحرك الجهوي او القبلي او ما في حكم ذلك من المعارك التي دارت في البلاد من أقصاها الى أقصاها واستعملت فيها الكثير من الأسلحة ودمر فيها كذلك ما دمر ، وغض النظر أيضا ما غض لا يعني ان هناك ما هو خاف على القوى التي تولت مسئولية إنهاء الترسانة العسكرية ، فلا شك ان المسح الجوي قد أحصاها وبالتالي فمن المستحيل ان يسمح باستعمالها في ما يتخيل البعض وربما حتى الخروج بها من أمكنتها شأنها شأن الكثير مما تم الاستيلاء عليه من الآليات بما في ذلك ما بيع في أكثر من سوق او تجاوز الحدود هنا وهناك فليبيا ما تزال تحت الفصل السابع ، ومن يجهل هذه الحقيقة او يتجاهلها لن يخدع سوى نفسه ومن على شاكلته . وعسى ان تكون بنغازي التي شهدت جميع الأحداث الهامة التي ارتبطت بمصير الوطن تكون الآن هي الشاهدة على البداية الجادة لإنقاذ البلد كافة ، عندما انطلقت منها مظاهرة انقاد بنغازي . ولعل رئيس المؤتمر الوطني العام الذي كان على رأس جبهة إنقاذ ليبيا ذات يوم ان يكون قراره بحل التشكيلات العسكرية بمثابة الإنقاذ الجديد. إنتهى



__________________________________



خطوتنا نحو المشوار الطويل

أمين مازن


لم تكد شمس السابع من يوليو الجاري تأذن بالغروب ، حتى كانت معظم الدوائر الانتخابية تقفل ابوابها في إرجاء الوطن الليبي، بعد أن فرغت من إتمام العملية الانتخابية للمؤتمر الوطني العام ، طبقا للموعد المضروب من المفوضية الوطنية العامة للانتخابات ، اللهم إلا بعض مراكز الاقتراع التي رؤى التمديد لها بضع ساعات ، تعويضا عن التأخير الذي طرأ لبعض الظروف الطارئة . وكانت الانتخابات المذكورة قد اجلت عن موعدها الأول المحدد بالتاسع عشر من يونيو الماضي لصعوبات حملت مسئوليتها المفوضية العامة . وقد حسب الكثير من المشككين ومثلهم من المتذمرين أن التأجيل الذي طرأ لن يكون الأخير  ، ولكنه سيجدد وربما لأكثر من مرة ، تأسيسا على ما يحدث بين الفينة والفينة من توتر هنا وهناك ، وكذلك ما يعلق على شماعة انتشار السلاح من كثير الخروقات ، هو توتر لا يعرف بالضبط ما اذا كان سببه طبيعيا ام يدخل في عداد المدبر والرامي إلى تأجيل العملية الانتخابية ، أو على الأقل عدم تمامها على الوجه الذي تمت به من دقة التنظيم وحسن الأداء ، فضلا عن التعاون الممتاز الذي طبع سلوك الناس جميعا ، الأمر الذي رصده كل الذين نهضوا بالمسئولية الرقابية ، ولم يترددوا في الإشادة به على مختلف الصعد ، وعبر كل الوسائط ، واعتباره ايجابية من ايجابيات الدولة الناشئة وما تتمتع به من ثقة الشعب وتعاون مختلف فصائله . إذ لقد ثبت بالدليل القاطع أن السلاح المنتشر في اماكن كثيرة من الوطن الليبي لم يكن مطلقا يرمي إلى ترويع المواطن أو تعويقه عن أداء واجبه الحقيقي ، بقدر ما هو من أجل الحفاظ على أمن هذا المواطن والحد من كل ما قد يتهدده . بدليل أن العملية الانتخابية التي شملت الوطن من اقصاه إلى اقصاه لم تشهد اطلاق رصاصة واحدة للتأثير على المقترعين ، ولا لنصرة تيار على آخر ، حتى أن الذين حاولوا منع البعض عن اداء دورهم تصدت لهم الجماهير التي لم تحمل أي سلاح ، لتتمكن في النهاية من تيسير المهمة سلميا وبأقصى درجات التفاهم وحسن الوئام  .

صحيح أن هناك من قاطع هذه الانتخابات أن بالامتناع عن التسجيل من البداية أو الاكتفاء بالتسجيل وعدم ممارسة حق الاقتراع، غير أن، وصول النسبة إلى الستين في المائة وما فوقها يبدو باعثا على الكثير من الاطمئنان ، كما أن من ابسط حقوق الإنسان إلا يكره على أداء دوره ولا يعتبر تخلفه عن ذلك خيانة ، سيما حين يكون معلوما أن الكثير من الذين تخلفوا لم يكن دافعهم رفض الانتخابات من حيث المبدأ وإنما هي المسألة الاجرائية أو حتى نوعية المتقدمين إلى المقاعد في بعض الدوائر ، فما تتم المصالحة بين أي مجموعة من المجموعات ومادام هناك من يصف نفسه بالمنتصر وغيره بالمنهزم ، فأن التخلي من الامور الواردة اذ كل تهمة من التهم المجانية لابد أن تقابل بتهمة لا تقل عنها ، ولاسيما حين تختلط الامور وتسود سياسة الاقصاء ويفلح من يفلح في البقاء على حساب غيره ، وبقدرات أقل وأخطاء أفدح وتلك على كل حال وضعية من الوضعيات المحتاجة للمعالجة السريعة لمجرد أن يتمكن المؤتمر من مباشرة مهامه ، ويختار وزراء حكومته ، حتى لا تتراكم الاحقاد ويكون دورها أكثر سوءً في ما سيجري من اقتراعات كثيرة ومشورات أكثر ومراجعات اشجع . وآيا ما كان الامر فقد وصلت السفينة إلى شاطئ الامان وأعلنت نتائج العملية الانتخابية ، والت الأمور إلى مجلس منتخب يمكن لكل مواطن أن يطرح امامه ما يعاني من ظروف الدهر ومظالم البشر ، إن من حيث المصلحة الشخصية أو من حيث المصلحة العامة التي طالما ضاعت خلف تسميات ما أنزل الله بها من سلطان إما التشريعات التي سنت في جنح الظلام وأفلحت في تمريرها العناصر المتنفذة فلا شك أنها في مقدمة ما يحتاج إلى إعادة النظر وتصحيح المعوج منها عن قصد .  ويكفي ان الكثير مما كان مبعث استياء الكثيرين قد جرى وقفه عن طريق المحاكم والأكثر منه لم يتم حوله ما يجب أن يتم ، فقد تبين الخيط الابيض من الخيط الاسود من الفجر وصار ممكنا أن توضع كل الاشياء على طاولة النقاش وليس اللجوء إلى شبكة المعلومات الدولية التي شهدت وما تزال تشهد الكثير من نشر الغسيل ، المتعلق بممارسات الكثير من النهمين الذين سيرو الثورة لمصالحهم !

لقد استشعرت الأطراف السياسية المختلفة مسئوليتها إزاء الاستحقاق الانتخابي ، فبادر الكثير منها بالانخراط في مجموعة من التنظيمات الحزبية لمجرد أن نص قانون الانتخابات على وجود الكيانات السياسية فجاء عددها مرتفعا بشكل لافت ، ربما لتسهل الإجراء الذي حدد نصاب التأسيس في مائتين وخمسين فرد بحيث صار في مكنة أي مجموعة ان تعلن عن كيان خاص بها ، أما البرامج فقد تناسخت حتى يمكن استبدال العناوين فقط لان المبادئ واحدة، كان لا مجال والحالة هذه للتنوع ، اللهم إلا في مسألة الشريعة الإسلامية ، ففيما اعتبرتها أغلبية الكيانات المصدر الأساس للتشريع ، جنحت الكيانات المغالية إلى ضرورة اعتبارها – أي الشريعة – المصدر الوحيد – وذهبت إلى اكثر من ذلك فاعتبرت كل كيان لا يعلن هذا الشعار تنطبق عليه صفة العلمانية ، والتي هي حسب هذا المفهوم مناقضة للدين وجديرة بأن يعتبر كل من يمنحها صوته في العملية الانتخابية ، في حكم غير الملتزم دينيا ، وفي جميع الأحوال فقد امتلأت الشوارع والميادين في البلاد من اقصاها إلى اقصاها بما لا حصر له من الصور الانيقة لمئات المرشحين المنضوين تحت عنوان هذا الحزب أو ذاك أو الممثلين لشخصياتهم مجسدين حقيقة التغير الذي طال الواقع من جميع الوجوه ، أن من حيث رفع صور الناس جميعا بعد أن كانت كل الشوارع والميادين لا ترفع سوى صورة واحدة كما أن الحزبية التي كانت قبل أقل من سنة محظورة ومجرم كل من تثبت عليه اصبحت اليوم مشروعة ويتقدم ممثلوها لعضوية المؤتمر الوطني ، وعلى الرغم من أن مهمة هذا المؤتمر محددة في صوغ الدستور الدائم للبلاد ، فقد رأينا الكثير من المرشحين يضعون إلى جانب صورهم الكثير من وعودهم  وما ذلك إلا لأن الأمر قد اختلط عليهم ، وأن يكن حسن النية يفرض الاعتقاد بأن هؤلاء يقصدون التعريف بكياناتهم التي يمثلونها أو تلك قد ينسقون معها لاحقا ، إذ من طبيعة المعركة الانتخابية أن تستدعي الكثير من الجهد الاعلامي وتفرض أيضا بذل الكثير من الوعود ، فالمنافسة شديدة ، والمهمة جسيمة والمعركة شديدة الشراسة ، وتفرض على كل من يخوضا أن يحرص على الفوز بكل ما لديه من أسباب القوة وعوامل النجاح . وقد كانت الدعوة إلى تشكيل تحالف القوى الوطنية التي بادر بها الدكتور محمود جبريل الخبير الاستراتيجي الدولي ورئيس اول مكتب تنفيذي للمجلس الانتقالي المؤقت ابرز المشاريع التجميعية الوطنية التي حاولت أن تخاطب القوى الفاعلة في المجتمع الليبي وتسعى إلى تكوين كتلة ذات قدرة على الفوز بثقة الجماهير في أكثر من مدينة وقرية ، بفضل ما أفلح الرجل في طرحه من رؤى تتعلق بالمشروع التنموي الليبي من خلال ما دأب على إلقائه من محاضرات علمية ، ولقاءات شعبوية ومقابلات تلفزيونية ، قطع من أجلها تراب الوطن كاملاً من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه ، مستفيداً من رصيده في الانجاز وتصميمه على التخلي من أي موقع ، مما أكد لقوى الشعب ما توفر له من الصدقية ولقيادي الكيانات والأفراد المستقلين الذين استوعبوا المشروع وسارعوا إلى تبنيه وهم يخوضون تجربة أول انتخابات شاملة للبلاد كافة جدوى العمل الكتلوي إذ ما لبثت نتائج المعركة إن أكدت تقدم هذا التحالف شاملا المدن والقرى والشطوط القريبة والصحارى البعيدة ، على الرغم من حملات التشكيك المتعمد ، الذي جاء من خلال التلميح غير المختفي أحيانا والتصريح الذي لا لبس فيه أحيانا أخرى وقد كانت صفة العلمانية التي أصرت بعض الأطراف على إلصاقها قسرا وتعسفا ودون أي دليل قائم ، على رأس ما روج واستدرج إليه أكثر من خطيب جمعة في معرضه وعظه الرامي إلى اعتبار المتدينين أحق بالثقة من غيرهم ، كما أن العلمانيين ادعى إلى الأعراض ، فإذا ما لوحظ أن كلمة العلمانية هذه لم ترد على السنة المرشحين ومن يتقدم تحالفهم مثلها مثل الليبرالية التي طرحت هي الأخرى خارج السياق ، كان في كل من يقول بجدوى الدولة المدنية خير مستمسك لتجريد صاحب القول من فضيلة التمسك بدينه ، ومن تم ضرورة التحفظ بشأن منحه الثقة المطلوبة ، وبينما كان الرهان يتضخم على إمكانية تأثير هذه الحملات المغرضة والأسلحة غير الشريفة على التأثير في المعركة ، إذا بصناديق الاقتراع تكشف عن أمر مختلف كل الاختلاف ، مفاده أن الأغلبية الصامتة التي كثيرا ما حضرت المؤتمرات المفروضة واللقاءات القسرية وخرجت من ذلك كله سليمة من التورط في أي موقف مشين ، والتي كانت تدخر جهدها للحظات المناسبة التي بدأت بالانحياز للثورة وفقا للإمكانيات المتاحة وبالقدر الذي وفر الولوج من سم الخياط لم تعجز عن أن تحزم أمرها وتلقي بأصواتها حيث يجب أن تلقي ، وكأنها تريد أن تقول لمن يرفع شعار الدين من أجل السياسة وكسب مقاعد السياسة ، أن تأسيس الدول غير العبادات ووضع الدساتير ليس الفقه ، وأن الفقه ذاته ليس ذلك المتبني للمذهب الوهابي و خليفة الزايدي ، ممن أفلح بعض المروجين له أن يغيروا الكثير من منابر مساجدنا على غراره وفضل الفطنون منا أن يغظ النظر عنه حتى لا يدخلوا درك الاستعداء أو التقرب الساذج ، فالفقه عند الليبيين هو فقه السادة المالكية ونظراءهم الأباظية فقه التسيير لا التعسير  ، الفقه الذي يتبنى إقامة الدولة ذات الهياكل الواضحة والسلطات المحددة والأوامر المكتوبة ، الموقعة من احد القضاة المعتمدين ومثلهم رجال النيابة المحلفين ، وليس ذلك الذي يعتمد أساليب الفوضى ويتبنى هدم قبور المسلمين بدعوى محاربة البدعة دون أن يدرك أو لا يريد أن يدرك أن اعدل الخلفاء الراشدين لم يجد غضاضة في تأجيل بعض الأحكام ، ما بالك ما تختلف حوله الآراء ، كما أن دساتير الشعوب في كل الأرض لا تهمل الأديان ولكنها لا تعتمدها وحدها ، بل أن الإسلام نفسه لم يهمل ما سبقه من شرائع ومعتقدات إذ كلنا يعلم أن شريعة حمو رابي لها الأسبقية ، وما استحدث بشأن القصاص ما كان له أن يعتمد لولا ذلكم الجهابذة العظام في مشارق الأرض ومغاربها ، ممن عرفوا الاستقلال قبلنا وهم اليوم قدوة أكثر منا ، إما المصرون على غير ذلك لإخفاء ما هو أعظم ولعلمهم إن الجزاءات لن تطالهم ، فحسبهم ما كشف عنه من عوالم ما تحت الأرض رغم ما جلد من ضعفاء وضعيفات الشعب الليبي مما يعني أن كشف مستورهم آت لا ريب فيه ، أما الشعب الليبي وطلائعه الواعية التي تعلم أن من يرد أن يطاع يأمر بالمستطاع ، فلا شك إن دستورها التوافقي لابد أن يلتفت لهذه الأساسيات مجتمعة ، وأن مقولة لا إقصاء لأحد هي الكفيلة بتغلبنا على كل صعب ، ومرة أخرى وكما قلنا منذ بدء التحرك السياسي نحو الحياة الحزبية ، إننا نريد حزبا بحجم الوطن ، ولا شك أن التحالف كمشروع ونتيجة  قد مثل ألان خطوتنا الأولى نحو المشوار الطويل. إنتهى


_____________________________________



رائحــــة البحر المنعشـــــة


أمــين مــــــازن


أخيرا جاء دوري في الخروج . فقد بدأت العملية على أساس الدفعات المتتالية ، أي بذات الأسلوب الذي اتبع في إجراءات الاعتقال . لوحظ ان التنفيذ كان دقيقاً ومتوازنا . فقد أمكن وفقا للخطة المتبعة أن شمل قرار الإفراج وبالأحرى تنفيذه ومن اليوم الأول كل تراب الوطن ان على مستوى الإقامة او على مستوى الجذور الأسرية للموجودين جميعا والأرومة التي ينحدرون منها ، ففي مثل هذه الأحوال تصل الأخبار الى ذوي الأصل الواحد جميعا وكذا من يمت لهم بعلاقات الجيرة ، كما كانت الدفعات متشكلة من جميع التصنيفات ، صار واضحا بالنسبة لى ان الأهل البعيدين والقريبين قد وصلتهم المعلومة ، اذ كان الفضل ومثلما هو في مقدمة من شملهم الاعتقال ، شملهم كذلك الخروج فقد علم ان التنفيذ سيتم على دفعات ومن جميع الاتجاهات . وها قد جاء الوقت وجاء المنادى آمرا بأخذ ما كان موجود او ان يكن في شيء من الاستحياء ، جراء ما اخذ يسود القسم من مشاعر الحيرة وانشداد الأعصاب . والمطلوب إلان حسب السياق الذي اتبع هو التوجه الى الإدارة المختصة لبحري استكمال أي نقص من النواقص كان التاريخ موافقا لليوم الرابع من ديسمبر ، أما الإجراءات فلم تستغرق سوى بضعة دقائق كنا على أثرها في مكتب جمعه بوصفه المكلف بإجراءات التحقيق والقادر على نقل الملاحظات الضرورية لما امتاز به من حسن الخلق في أداء الواجب قادرا على كسب الثقة وحسن الأداء أما حديثة فلم يتجاوز التوكيد على صدور قرار الإفراج . وكانت خلاصة أقواله ان الإفراج قد تم على أساس البراءة بالنسبة لعدد الذين تشكلت منهم المجموعة الحالية ، ومن ثم حق العودة الى العمل السابق لكل من ثم إيقاف ، وما من احد يحق له ان يحول دون استئناف العمل او اعتبار مدة التوقيف مبررا لأي مضايقة . وان إعفاء الإدارة الموجودين في كل مكان على استعداد لرفع أي ضيق او مضايقة من المضايقات وان هذا الكلام سيؤكده او يضف إليه في وقت لاحق الحاج محمد لان كل من وصل الإدارة الآن يعتبر طليقا ولا سلطان عليه وبين تناول المشروبات التي وضعت على المناضد وتبادل ما اقتضاه المقام من أحاديث ملؤها التحايا وحتى القبل جرى استقبالنا من الحاج الذي هو المدير العام للجهاز وقد اعتاد العاملون ان يدعوه هكذا ، جراء الجو الأسرى الذي افلح في أحاطتهم به ، وقد أكد من جهته ان ما تم الآن معكم ليس من قبيل العفو او المساعدة وإنما هي البراءة الحقيقية وقد حفظنا الحق بنشر خبر في وسائل الإعلام مؤكدين ان الذين يكونون الستين فردا من المفرج عنهم أبرياء ، ومن حق كل من يرى انه قد ظلم ان يشتكي فنحن والكلام للغزالى لم نأمر باهانة أي موقوف ومن أقدم على تجاوز يتحمل مسئولية ما فعل . لم يكن الرجل مجهولا بالنسبة لي فطوال الخمسينيات كانت صلتنا قائمة بحكم المنطقة التي جمعتنا جميعا وحتى المواقف المشتركة بصدد بعض المشكلات التي تخص المنطقة ولكن ضمرت بحكم الزمن وتداخل الاهتمامات . لم تكن لديه من العلاقات المتنفذة ما تجعله محط انظار العهد . ولكن شهادة ادلى بها في معرض الحديث عن بعض الممارسات المتعلقة بالانتخابات النيابية التي أجريت سنة 964 وكان احد الذين تعرضوا للمحاربة فيها المحامي المعروف الأستاذ علي الديب الذي استطاع ان يتخذ من سرده لما لقيه من محاربة أمنية فرصة لإنصاف الرجل عندما ذكره بالاسم واضعا الطريقة التي بلغه بها قرار المحاربة الموجه له وعيناه دامعتان . وعلى نفس الطريقة كانت شهادة الأستاذ عبد الحميد البكوش الذي كان وزير العدل سنة 1965 وكان احد المرشحين في تلك الانتخابات الممثل المسرحي المعروف الأستاذ إدريس الشغيوي . وكان الغزالي مسئولا امنيا طلب إليه ان يحجب شهادة الخلو من السوابق عن الشغيوي فما كان منه الا ان قابل البكوش في مكتبه وأبلغه بتعذر حجب الشهادة المطلوبة عن الشغيوي لعدم وجود المانع القانوني . فكان ذلك دافعا لاختياره للمهمة واستطاع من خلال هذه الخلفية ومن واقع حال المرحلة باعتبارها ما تزال في البداية ان يشكل جهازه كما يذكر عارفوه ــــ على نحو متوزان بالنسبة للمناطق بحيث لم تتكون به مراكز قوى بل وتعذر اختراقه لفترة لا بأس بها . حتى ان أول تكليف لذلك الجهاز بمتابعة ما كان يجري ، بحسب رواية الرجل جاء قائما على مبدأ المتابعة الحية لكل الأطياف المشتبه فيها سياسيا ، مما جعل كتاباتهم عن الكثير من الأسماء تتسم بالروتينية ولم تعد تثير سوى الذين بلغت بهم الأوهام أقصى حدودها ، وكانت المعلومات تبلغ الكثير من المعنيين بهذه الأمور .

والواقع ان الأمن الليبي الذي تكون قبل تلك الأيام والذي يعود تاريخه الى بناء الدولة الحديثة التي بدأت بواكيرها عقب هزيمة إيطاليا الفاشية وقيام الإدارتين البريطانيين في بنغازي وطرابلس ، اشترط على الكثير من الأعيان والمشايخ الذي جرى التواصل معهم ضرورة اختيار الشباب المعروفين باستقامتهم ومقدرتهم على حسن التصرف . اذ بذلك سيضمن المجتمع حسن سير الأمور وابتعادها عن ظلم الناس والا فستكون الأمور منصرفة الى ما لايسر ، ويومئذ كما تؤكد المعلومات المنقولة عن عديد المتابعين للشأن العام وكذا سيرة الذين تم تكليفهم بالعمل في ذلك الجهاز على وجود شيء من الجدية في التكوين ، اذ اشترط المستوى الدراسي المعترف به الى جانب العمر الذي اقتصر على الخامسة والعشرين ، وقد ساعد هذا الأسلوب على إمكانية التدقيق بواسطة ما أطلق عليه دورات التأسيس التي أمكن بواسطتها التأكد من القدرات الحقيقية لتتوالى بعد ذلك الدورات المتقدمة والتي توالت عدة فترات بحيث لم تقترب البلاد من نيل الاستقلال حتى وجدت إعداد كبيرة من المتكونين لهذه المهمة ، فكان الغزالي من الذين استهواهم العمل في مجال المتابعة السرية والتي كانت في زمن الانجليز منصرفة الى مكافحة الجريمة ، وهي بحسب المدرسة البريطانية تتبنى العمل على وقفها وليس تركها الى ان تقع وينال مقترفها العقاب ، فكان دائما بعيداً عن الأضواء وعلى ارتداء لباس الشرطة ، فكان متهيئاً لمهمته ومعولا على تصميمه على تحري الحقيقة ولا شك انه يعتبر على الأقل أفضل الموجودين رغم المصاعب وتوالي دوافع الفساد وأخيرا حتى الا فساد .

حرص الجار الطيب إبراهيم الموشم احد أفراد الجهاز والمقيم على بعد أمتار من البيت ، اذ كنا معا احد الذين تحصلوا على البيوت التي شغرت عقب خروج الطليان ، وخصصت بيوتهم الشاغرة مقابل صافي علاوة السكن كإيجار الى ان يبت فيها على أساس التمليك والذي بدأت إجراءات قبل الاعتقال بفترة قصيرة . وكان هذا التاريخ مكن الأسرة من الزيارات التي كانت تمنح لمن هم في مثل وضعي . فأرسل الى الأولاد من ناحية وأوصى لي كذلك أكثر من زميل في المكان . وكذا عندما حضر هو شخصيا . وكان في حرصه ذاك محقا بدون شك فلحظه مثل تلك اللحظة المبهمة لا يمكن لأي عامل ان يتأخر عن الاستفادة منها . ولا سيما حين يكون صاحبها قد حافظ على حسن الجيرة من البداية . ولم تستغرق المسافة المتكونة من امتداد شارع بن غشير باتجاهه قرقارش وقد فضل ان تكون وجهة عن طريق قرجي ، ربما خشية ازدحام قرقارش فكان الوصول في الساعات الأولى من المساء . مع اتجاه السيارة نحو الشمال وانسيابها وسط الشارع الذي حمل اسم الأمير هشام ابرز أمراء الأندلس في بداية الحكم الإسلامي ، لاحظت ان موظف البلدية البائس قد أزال من لوحة الشارع كلمة الأمير ليكون الاسم (( هشام الأموي )) حتى يستقيم الأمر مع ذلك المفهوم السطحي الذي يخلط بين ألقاب العهد الملكي الذي يوصف يومئذ بالمباد ، وحقائق التاريخ الإسلامي القديم الذي يشهد لتاريخ الأندلس بكل ما يثير الاعتزاز وما ذلك الا لان نقيضته الاقصاء المدمر قد تمكنت من الجميع وصارت تستهوى الجميع ولا سيما السطحيين من موظفي الأجهزة الخدمية الذين يكشطون كل ما تتحدث به الإذاعة والكثير من برامجها الساذجة .

هنا بدأت رائحة البحر تعبق الجو المحيط ، اذ تبدو في هذه الأوقات شديدة الارتفاع فكاد الشوق الى البحر ورويته يتغلب على الشوق للأطفال او يستوي معه على الأقل ، ويبدو ان الثقة من ان كل اثر قد انتهى مع الخروج أثار مثل هذا الشوق ، فالإحساس بالحرية كثيرا ما يثير الرغبة الجامحة في كل شي ، شأنه شأن البقاء داخل الزرد ، اذ كلما امتلك المرء شهواته داخل نفسه كان أكثر قدرة على التماسك أمام جلاده ومع أول منحني ظهر باب المنزل البسيط في نصف فتحه ، فيما كانوا جميعا خلف السور القصير ، ينتظرون وقوف السيارة والخروج منها ، اذ بلغتهم المعلومة او كما يقول الأهل البشارة حين عودة الغائب . ففي مثل هذه الظروف تتداخل المشاعر وحتى الأحاسيس انطلاقا من تعدد المسئوليات وتضاربها وألف خاطر وخاطر عند تبادل النظرات بين القادم والقادم ، يبدو مهيمنا على المرء في لحظة ميلاد جديد ولكن بعقلية تحتضن الكون كله وتنشغل به كله ، في ثقة بأن الآتي أفضل. إنتهى


_______________________________



ستون عاما على دستور الاستقلال

أمين مازن


بحلول اليوم السابع من أكتوبر الجاري ، يكون التاريخ قد طوي في صفحات سجله الكبير ستين سنة كاملة على إعلان أول دستور لكياننا الوطني الذي قدر له أن يعلن في تلك الفترة . انه الدستور الذي أنجزته الجمعية الوطنية الليبية التي انيطت بها المهمة التاريخية المتمثلة في تنفيذ القرار الصادر من هيئة الأمم المتحدة في الحادي والعشرين من نوفمبر 1949 والقاضي بمنح ليبيا استقلالها وفي موعد لا يتجاوز مطلع سنة 1952 . ففي ذلك التاريخ وتمشيا مع الظروف المتاحة وطبيعة الصراع الدائر حول الشمال الأفريقي عموما وليبيا على وجه التحديد وبعد الكثير من الأخذ والرد والفعل ورد الفعل قررت الهيئة المذكورة البث في المصير الليبي على أساس الاستقلال التام ودعوة الإدارتين المؤقتتين في طرابلس وبرقة من ناحية وفزان من ناحية أخرى ، أي بريطانيا وفرانسا الى التعاون لتنفيذ القرار المذكور ، مع لجنة دولية ضمت عضويتها عددا من الدول المعنية او ذات المصلحة وكلفت بالإشراف على المهمة احد الخبراء المعتمدين هولاندي الجنسية ، هو السيد ادريان بلت الذي أشرف على كل الخطوات المحققة لهذا الغرض ابتداء من الهيئة التأسيسية الى الجمعية الوطنية التي وضعت الدستور وأعلنته لكي أمكن  من خلاله إعلان الاستقلال والتقدم الى المجتمع الدولي للظفر باعترافه انطلاقا من ان الدستور هو الذي يحدد شكل الدولة ونظامها وأسلوب الحكم فيها ولا سيما فيما يتعلق بمسألة الديمقراطية ، بوصفها المطلب الأساس الذي قامت من اجله الحرب العالمية الثانية التي انتهت بسقوط المحور وانتصار جيوش الحلفاء ومن انضوى تحت لوائهم من الليبيين . فكان في النصر المذكور ما فتح أوسع أبواب الأمل وأكبر مشاعر السرور .

لقد صاغ الآباء المؤسسون للدولة الليبية ، الدستور موضوع الحديث عقب سلسلة من الجلسات التي كانت في الغالب علنية وجمع معظمها ان لم يكن كلها الكتاب الذي عنوان باسم المحاضر ، فكان في ذلك العمل ما حفظ الكثير من التعريف بما كان يحتدم في الواقع الليبي من صراع بين أبناء ذلك الجيل المؤسس طبقا لمستويات تفكيرهم وتوجه مصالحهم وطبيعة مواقفهم الأمر الذي ظهرت من خلاله رؤيتهم نحو الصورة المنتظرة للدولة الليبية وعلاقة تلك الآراء بالمؤثرات الشخصية  والعامة ، الجهوية والوطنية ، وكيف كان أكثر الناس قدرة على التعاطي مع الاستحقاق المستقبلي وآخرين كانت نظرتهم أقصر ، ولا سيما فيما يتعلق بالسلطات وحدودها وطبيعة اختصاصها وتوعها وما اذا كانت المصلحة العامة قد روعيت بشأنها . ام ان المصلحة الجهوية هي التي سيطرت على الاهتمام وقد حفظت محاضر الجمعية المشار إليها والمكرسة على نحو خاص للاختصاصات المشتركة في الدستور وكذلك صلاحيات الملك صفحات ناصعة البياض لأشخاص لم يكن لهم حضورهم الإعلامي في الشارع السياسي جراء انتسابهم لأحزاب لم تكن موضع رضاء العامة كما هو الحال بالنسبة لحزب الاستقلال وسكرتيره السيد المنير برشان الذي كان له الدور الحازم في التصدي للتوسع في صلاحيات الملك والتي حاول البعض ان يتمرتسوا خلفها ، والمهم ان الدستور قد أعلن واستطاع المندوب الدولي ان يثبت فيه أهم المبادئ الإنسانية التي نادي بها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ، من حيت الحقوق والواجبات . صحيح ان بعض هذه الحقوق أمكن الحد منها بواسطة القوانين التي أوكل إليها الدستور طريقة التنفيذ ، مثل التظاهر والتعبير والحياة الحزبية ، وما لحق بهذه الأخيرة من الحضر المكبر ، الا ان الذي لا شك فيه ان الدستور قد مثل وثيقة بالغة الأهمية . سيما وانه قد جاء عقب الانقلابات العسكرية التي أخذت في الانتشار عندما انطلقت من مصر تحديدا والتي اعتبرت الدستور في آخر الأولويات ، بل لم يعد له من ذكر على الإطلاق . في الوقت الذي ظل فيه الدستور بالنسبة لليبيا يتصدر جميع قرارتها الإدارية ومراسيمها الملكية على الأقل باعتبار يوم السابع من أكتوبر الذي أعلن فيه عيدا من الأعياد الرسمية تعطل فيه الدوائر الحكومية ومثل ذلك العاملون في القطاع الخاص ان بتعويضهم ببديل الراحة او التعويض النقدي ، وفي ذلك كله ما يحفظ هذا المنجز داخل الذاكرة الجمعية ، ويستطيع بواسطته كل ذي رأي ان يعمق مفهوم الدستور لقد كان للواقع العربي المترتب على ما شهدته مصر من تنامي الحركة القومية واقتران ذلك بتغييب كامل لفكرة الدستور وما يتصل بها من انتخاب الحكام والسلطة التشريعية وإيجاد بدائل استفادت من التطبيقات الاشتراكية وما سادها من تحريف قام على تايد الحكام بواسطة النشاط الإعلامي الممنهج اكبر الأثر في تسفيه فكرة الدستور ، كما ان عدم المحافظة الضرورية لإظهار مستوى الاحترام للدستور في ليبيا الجديدة وتجليات ذلك في عدم نزاهة الانتخابات عقب إعلان ذلك الاستقلال وقبل ذلك إعلان الدستور وتجاهل أحكام القضاء في الخلافات الدستورية التي أثارها أكثر من مسئول . والبث في مسألة ولاية العهد بالطريقة التي لم تلتزم بضرورة العودة الى الشعب والحصول على موافقته وتقديم البيضاء على بنغازي في استحقاق العاصمة دون معالجة الناحية الدستورية عندما تم تعديل الدستور وإلغاء النظام الاتحادي وإحلال نظام الوحدة الشاملة ، اذ من الناحية العملية ظلت مدينة البيضاء تمثل المقر الدائم للحكومة ، على الرغم من معارضة الأطراف الدولية لهذا التوجه ، فقد كان لذلك كله أثره في إشاعة عدم الاكتراث الشعبي بالدستور وقيمته التاريخية ، وما كان يمثله من اعتبار ليبيا ضمن البلدان المتحضرة والمحترمة في المجتمع الدولي ، فكان الرأي العام وجمهور المتعلمين اميل الى عدم انزال الدستور المنزلة التي يستحقها والنظر اليه من ذلك المنظور الذي رسخه شاعر العراق معروف الرصافي حين قال قبل انبعاث الكيان الليبي بسنوات (( علم ودستور ومجلس امة كل عن المعنى الصحيح محرف )) وتبني موقفه بعد ذلك رفيق المهدوي حول الدستور والنواب والشيوخ على الرغم من انه كان من أعضاء مجلس الشيوخ ، الأمر الذي ادى الى تكون تراكم كبير من التسفيه لفكرة الدستور من حيث كونه صيغة يمكن ان تتطور ويمكن ان تساعد على الاستقرار ، فإذا ما أضفنا الى ذلك ان النشاط النفطي هو الآخر بما إشاعة من تيسر أحوال الناس وارتفاع شهوتهم الاستهلاكية وتحول ليبيا من دولة فقيرة الى دولة ذات إمكانيات وذات إسهام في دعم الدول العربية التي خسرت حرب يونيو فان التقليل من شان الدستور كمكسب والدستور كنص غدا هو الأمر الأَدعى الى البقاء ، بيد ان هذه النظرة لم تجد الأذان الصاغية ، كما ان وسائل الإعلام الرسمية وشبه الرسمية التي لم يكن لها من شغل يومئذ سوى الإسراف في المدح والتعتيم على المشكلات الحقيقية كي تظل بعيدة عن التناول الجاد والوعي العميق الذي يجعل المواطن يستشعر أهمية ان يكون في البلد دستور يحتوي على تلك المبادئ العظيمة التي تمجد الحرية العامة والخاصة وتضمن حرية المساكن والمكتب الفردية وترفض العقوبة الجماعية وتحضر النفي والحرمان من الجنسية وغير هذه المبادئ كثير مما كان جديرا باهتمام وسائل الإعلام وتناولها لوثيقة الدستور كمفخرة من مفاخر العصر فإذا بها لا تحفل بمثل هذه المعاني كلما حان موعد عيد الدستور ، فلا تردد سوى العبارات الانشائيات وعبارات المدح المنفر والخالي من أي شحنة من شحنات العاطفة التي يمكن بواسطتها أيقاظ الروح الوطنية واستنهاض همم الناس للتوقف المسئول امام واقعهم والنظر اليه نظرة الإنصاف التي تضعه في الموضع اللائق به في تشخيص مستوى التطور الليبي في المحيط العربي . والحق ان عددا لا باس به من مجايلينا قد توفرت لهم مثل هذه النظرة ، ومنهم من اتخذ جملة من المواقف العملية تمثلت في مبادراتهم الرامية الى محاولة الإصلاح من الداخل بدلا من الجلوس في مقاعد المتفرجين ، وقد يسوغ لي ان أذكر هنا انني كنت بين الذين قدروا هذا التوجه ، وحاولوا التعبير عنه الكثير مما تيسر الإسهام به في المقاربات التي كانت تتناول الواقع من خلال الصحافة الوطنية تلك التي كانت تنحي الاتجاه المناقض للضجيج الصحفي وبالأحرى الإعلامي التهريجي والتي كان أبرزها صحيفة الميدان التي أوجدت الفضاء المناسب ان من خلال الطرح التنظيري الموسوم بالهوية الوطنية او بواسطة الانحياز للكثير من الرموز التي اتصفت مواقفها بالجدية عبر ما نهضت به من المساهمات العملية ولا سيما تلك التي تمت من داخل المؤسسة حين اسندت اليها بعض الحقائب الوزارية . فارتفعت بها الى مستوى المسئولية وتخلصت من ضغوط المصالح الصغيرة والولاءات الضيقة . وكان ذلك من خلال رموز تقدمهم عبد المولى لنقي وطارق الباروني وعبد اللطيف الشويرف وعلي أحمد عتيقة وعمر بن عامر وعبد الحميد البكوش ممن نذكرهم هنا على سبيل المثل وليس الحصر ، فعبر صحيفة الميدان كان هؤلاء وغيرهم موضع متابعة وحوار لا يعرف الانقطاع ، وكان الكثير منهم لا يخفي امتنانه بما يكتب ومنهم من لم يبخل بالرعاية مثل المــــــــرحوم ونيس القذافي أخر رئيس للوزراء في العهد الملكي الذي تفضل وخصص وقتا لالتقائه ، حين تولى مدير مكتبه السيد احمد كعوان تدبير الموعد المناسب والدال في ذات الوقت . وأذكـــر ان آخر ما كتب عن ذلك الدستور ذلك المقال الذي عنونته ب (( هذه الوثيقة الخالدة ))  ضمنته جملة من الأضواء الرامية الى لفت النظر نحو مبادئ الدستور وما تكلفت به من صون الحرية بأنواعها وأكثر من ذلك تكافؤ الفرص وحق العمل الكريم وحضر التعذيب تحت أي مبرر من المبررات وأي قانون من القوانين .

لقد كان ذلك المقال غفلا من التوقيع لوجود غيره ربما ، او لكونه قد ذيل بما كنا نطلق عليه جواز المرور وهو ما لم ترحب به الصحيفة او تدعو له بالمناسبة ، فلا يستبعد ان نظر اليه كواحد من الكتابات التي تمليها المناسبة فلا تحمل سوى الموقف المجامل . في حين ان المحتوى وقبل ذلك الدافع هو ما كان يدور من حوار بين الصفوة التي لم تعد تستبعد دخول البلاد في الانقلابات العسكرية . ان بواسطة الضباط التقليديين كما كان يتردد عن السيد عبد العزيز الشلحي او من خلال العناصر غير المعروفة والتي لا تحتاج لشي سوى القسط الكافي من المغامرة حتى تقضي على الكيان بالكامل والذي شبهه المرحوم عبد الحميد البكوش بحائط الكرتون ، وهو يشخص الحال ويعرب عن مخاوفه من تعديل الخريطة العامة للشرق الأوسط وقيام نوع من الوحدة التي لا مكان فيها للمواطن الليبي ولا دور ولا قدرة على المنع لقد مرت الأحداث سريعة وهبت ريح سبتمبر وحسبت كل الكفاءات الليبية ضمن العهد المباد ووسمت غيرها بسمة الحزبية فاستحقت السجون ومنها من تعرض للإعدام . فاختفى الحديث عن الدستور بل وصرنا نجبر على الإنصات للمقولات التي تلعن الدساتير صباح مساء . اما وان ذلك كله قد زال وأصبح إعلان الدستور قاب قوسين او أدنى فليس أمامنا سوى المزيد من الجهد والمزيد من العرق لنتوصل الى دستور جدير ببيت الشاعر الليبي الخالد الذي كتبه ونحن جزء من الإمبراطورية العثمانية ( أحمد الشارف ) حول الدستور فقال قولته الخالدة :

. (( أعيد لنا الدستور والعود أحمد فمن حق تني عليه ويحمد )) .



____________________________________




عندما يتجسد احترام التاريخ


أمين مازن


بانتخاب  الأخوة محمد يوسف المقريف لرئاسة المؤتمر الوطني العام وجمعة عتيقة وصالح المخزوم نائبين ( مع حفظ الألقاب ) يكون المؤتمر المذكور قد أرسل للشعب الليبي اولا والمعنيين بدوره ثانيا . رسالة واضحة المعنى قوية الدلالة . توجت الطريقة التي اتبعت في انتخاب أعضائه ، والمناقشات الواسعة التي أجريت بشأنه ، سواء من حيث أسلوب الانتخاب او توزيع المقاعد . وما راهن عليه الكثير من أصحاب المقاصد وقصيري النظر من احتمالات الفشل تعويلا على ما أشيع عن روح التذمر لدى بعض الأوساط . فالدكتور محمد يوسف المقريف المنحدر اجتماعيا من عشيرة المغاربة التي تشغل اكبر مساحة جغرافية تتوسط التراب الليبي الطاهر وتجمع بين أجزاء من سرت وأخرى من البريقة وثالثه من اجدابيا والمتكون على تقاليد ذلك الوسط ، ليعجمه بعد ذلك التفتح السياسي على ذلك الحراك الذي عرفته البلاد في ستينات القرن الماضي في رحاب الجامعة تحديدا وما كان يحتدم داخلها ممن نقاش مسئول وطموح كبير ومحاولات جسورة ، فيبدأ مشواره العملي عقب التأهيل العلمي من ذلك الوسط ويتوقف بعد ذلك في حجة رقابية حساسة هي رئاسة ديوان المحاسبة والوقوف على البدايات الأولى من مسلسل المخالفات الذي ما لبث أن فتك بالعهد الجديد ولم تمض على قيامه سوى فترة وجيزة ، دفعته ضمن من دفعت من طلائع الوطن ليكون في مقدمة الرموز الوطنية التي نهضت بمهمة التصدي لما ظهر واضحا من نوايا النظام المنهار في سبعينيات القرن الماضي . فاشترك مع غيره في تأسيس الجبهة الوطنية لانقاد ليبيا ، ذلك الفصيل الذي انجز أضخم العمليات حتى انه استطاع ان يصل الى ثكنة باب العزيزية في أوائل الثمانينات ، وكاد ان يقضي على العهد في تلك اللحظة المدروسة لولا ان القوى الدولية كانت لها حساباتها الخاصة فعمدت الى تسريب المعلومة في اللحظة الأخيرة . ليتمكن النظام من الإفلات ويكون إجرامه أشد شراسة وخدمة لأسياده أكثر أداءً ، ومن ثم يبدأ مسلسل التضييق على الجبهة وغيرها من الفصائل ، فيضعف من يضعف ويدخل في التسوية من يدخل ، فينصرف الرجل الى رحلة معرفية بالغة الأهمية عظيمة المردود تمثلت في دراسة التاريخ الوطني من خلال الوثائق الأجنبية ، فيكشف عن حقيقة الأوضاع وما اكتنفها من أسرار ليس خارجها ضيق القوى الدولية من عجز النظام التقليدي عن مواكبة المستجدات والقدرة على التعاطي مع الاستحقاقات لتتكون قناعة مفادها ضرورة البحث عن نظام بدليل تمثل في تسهيل مهمة الانقلابيين وربما تجنيد بعضهم من الأساس الأمر الذي يفسره ذلك الانفراد الملحوظ بالسلطة والتغلب على الكثير من الأزمات الى ان بدأ العد التنازلي مرة أخرى وحل السابع عشر من فبراير وأحداثه المتسارعة فتقدم الجبهة كل ما وسعها تقديمه دونما توقف أمام  بعض المصاعب مما نما الى علمنا مما لا مصلحة في التعرض إليه الآن . اما الدكتور جمعة عتيقة ( النائب الأول للرئيس ) فهو من الناحية الاجتماعية سليل مصراته ذات الدور المميز في رحلة التاريخ الليبي سعة في الانتشار وقدرة على التحرك وحضور لا حصر له على كامل التراب الليبي الطاهر ورفض دائم لكل محاولات التقسيم ، اما من حيث النشاط الفردي فهو من ابرز الناشطين السياسيين أصحاب المواقف المبكرة في مسيرة المعارضة ، اذ بدأت رحلته عقب أول اعتقالات بدأت في السبعينيات الماضية ليتلوها بعد ذلك حضر مهنة المحاماة ففي تلك الأيام أقدم عتيقة على خوض تجربة الهجرة والمساهمة في أنشطة المعارضة على أكثر من صعيد وفي أكثر من صيغه وعلى أكثر من أرض عربية وأخرى أوروبية لم تخل جميعها من التضييق والمتاعب . ولان السياسة تعنى في أحيان كثيرة المغامرة خاض عتيقة تجربة العودة الى الوطن أملا في مصاعب أقل ولكن فوجئ بأن الحسابات مازالت معلقة فكان السجن هو المأوى أكثر من مرة بيد أن فكرة الخروج استبعدت بالمرة وبين اخذ ورد ومد وجزر وإصرار على التحرك على الرغم من كل أنواع الضغوط وأشكال التضييق الى ان هب الربيع العربي بدءً من تونس وطيرانا الى مصر ليشمل ضمن ما يشمل شرق الوطن أولا ويتجاوب الغرب ثانيا وتكون مصراته في المقدمة فيلوح في الأفق ان حبل المشنقة اقرب الى رقبة عتيقة من أي شيء آخر ، فلا يكون له من مخرج سوى ما تحقق له من الحنكة والإسراع بالحركة فكان اللحاق بركب الثورة بعد رحلة مكوكية جمعت بين البر والبحر ، وفقا للاكراهات الموجودة حتى اذا ما قدر للنصر ان يتحقق ويجعله الحياة أن تدور وتصل الى انتخابات المؤتمر الوطني كان فوز عتيقة اللافق ليصل في النهاية موقعه القيادي هذا ، وسيكون ثالث الثلاثة الدكتور المخزوم الذي لم يتجاوز في تقديمه لنفسه اكثر من كلمات بالغة الدلالة مفادها أنه سيؤدي واجبة من خلال ما يطرح زملاؤه في المؤتمر العام وما ينتهون اليه من القرارات ، وحسب المرء ان يلزم نفسه بتنفيذ ما يتفق عليه زملاؤه بوعي جيد وأمانة تامة ، فيكون الأمل كبيراً في قدرة هذا الفريق المتجانس بأن يدير دقة هذه المؤسسة باقتدار مطمئن في هذه المرحلة المجــيدة من تاريخ الوطن ، والتي يتوقف عليها بناء الدولة المنشودة ، المحتاجة الى إعادة النظر في كل شيء بعد أن جرى العبث بكل أساساتها وخططها اللهم الا تلك المحفوظة في السجلات القديمة التي تركها الآباء المؤسسون ذات يوم وظلت تمثل البداية الجديرة بالتطوير والتجديد ، لولا ان أجهزت عليها الهرطقات اللامسئولة والمغالطات والاستباحة المطلقة للبلاد والعباد ، فيئس الجميع من أي إمكانية لتبدل الأحوال ، الى أن حلت اللحظة الفارقة وما لحقها من بحار الدماء وقوافل الشهداء والجرحى والمفقودين ليثم في النهاية استعادة الوطن ، ونسلك طريق الناس جميعا في التطلع نحو المستقبل تحت شعارات التعددية السياسية التي لا سبيل غيرها لتجنب الهزات والحيلولة دون الانفراد بالسلطة ، وتعلن الثورة الفتيه انها استطاعت ان تدخل بالبلاد من بوابة العصر فتجري اول انتخابات تعددية يكون نتاجها هذا المؤتمر وهذه الرئاسة الثلاثية على هذه الحقيقة ، فيثبت للجميع ان طريق النضال الحقيقي هو دون غيره الكفيل بتحديد من هو أكثر جدارة بتقدم الصفوف وليس عدد الدوائر الانتخابية التي كاد البعض ان يعطلوا الانتقال الى السلطة بسببها لو لم يتفطن إليها أحفاء مصطفى بن عامر ويوسف بو رحيل وإبراهيم الأسطى عمر أولئك الذين افلحوا في التصدي للتيار فوصلت القافلة الى محطة الأمان ، ويصدق المخلصون ما عاهدوا الله والوطن فتتمخض العملية الانتخابية الخاصة برئاسة المؤتمر والنائبين بعيدا عن أغلبية المقاعد وإنما احتكاما الى سلامة الموقف وسيرة النضال فيفوز المقريف انطلاقا من سيرته ويتلوه عتيقة بذات التقدير ويعبر المخزومي من نقاء الامتثال ، ولا يبدي احد من مدينة الأغلبية أي تطلع خاص ، فتبين ان غول الأغلبية لا وجود له الا في أذهان بعض الواهمين والذين لم يحققوا ما حققوا الا من هذا المدخل غير النقي وغير الصادق وغير السليم .

والمرء لا يستغرب هذه الوضعية اذا ما توفرت له الرؤية القادرة على استيعاب المعطيات مجتمعه ، بدءً من الدماء الغزيرة التي سالت إثناء معركة التحرير ، التي كانت حربا بكل ما في كلمة حرب من المعاني ، حربا بين ترسانة عسكرية ضخمة استنزفت كل أموال الشعب الليبي ومقدراته في مؤامرة دولية هدفت الى حل مشاكل تجار السلاح من الحكام الذين طالما استغلوا شعارات الاشتراكية وتطبيقاتها المنحرفة حين أفلحت في تأسيس إمبراطورية سخرت بالكامل لمصلحة الإمبراطورية الروسية ، عبر تحكمها في ذلك العالم الكبير ، ومن ثم انفرادها بالكامل ثمنا لهذه الترسانة ، والتي تبين في النهاية انها لم تعد الا لتكبيل الشعب الليبي وحرمانه من أبسط حقوقه دون أي هدف آخر الى جانب العقلية الواعية التي استطاعت ان تدرك بأن الاستعمار الداخلي أشرس وأخطر من أي استعمار آخر ، وان التخلص من قبضته الخانقة يهون أمامه أي ثمن ، كما ان الوصول الى بعث المؤسسة الدستورية في هذه الفترة الوجيزة ، وبعد هذه المعارك الدامية سيتكفل بتحقيق الخروج من عنق الزجاجة ، ما بالك وان النتيجة قد جاءت بهذا المستوى من المنتخبين الذين تثبت سير أكثرهم ان لم نقل كلهم انهم على قدر كبير من الأهلية . كفاية ووسطا ، كما وكيفا ونسبة في الاقتراع ، مما يبشر أننا على موعد مع التوفيق لكتابة دستور يجيب على كل الأسئلة ، ويراعي كل الاعتبارات ويتفطن الى جميع الاشتراطات التي من شأنها الحيلولة دون أي تغول فردي على حساب المجموعات ، بدءً من الطريقة التي يمكن ان يدار بها المؤتمر وضمان اكبر قدر من المشورة الصحيحة ، ولا سيما ما تعهد به رئيس المؤتمر من البقاء على مسافة واحدة من جميع الأعضاء ، وتدشين توجهه هذا بالاستقالة من رئاسة الجبهة الوطنية لتحقيق التعاون الجيد مع كل الأطراف والأطياف ، لكي يتسنى للمؤتمر صوغ دستور عصري يمكن لمكوناته ان تضمن الحصول على التوافق المطلوب لكل ما يتصل بتوزيع الثروة وتكافؤا الفرص بصدد الحقوق والواجبات ، وذلك من خلال ما تحتاج إليه القوانين من الأغلبية التي لا تتوفر الا بالتوافق ، بين القوى المشاركة وان كل ما أشيع بصدد تهميش بعض الجهات لن يكون له وجود ما دامت الأغلبية ليست نسبية في معظم المسائل الجوهرية ومثلها القانونية ، اذ كل هذه الاحتياجات تعالج بواسطة الميزانية والميزانية تصدر عادة بقانون والقانون له أغلبية المحددة بالثلثين فما فوق ، كما ان كل القرارات المصيرية والالتزامات المالية لن تصدر الا بموافقة رئاسة الدولة ورئاسة الوزراء . ولا شك اننا على ضوء ما استمعنا إليه من أراء بناءة بصدد أداء المجلس الانتقالي وما تردد عن بعض التدخلات في الكثير من الأمور التنفيذية سيجعلنا نطمئن في إمكانية التوصل الى نظام محدد يحول دون تضارب السلطتين التشريعية والتنفيذية سواء بتقييد الصلاحيات . او بأحكام القضاء على مختلف درجاته ومستويات اختصاصه .

ولعل رئاسة المجلس بما لديها من المتابعة الجيدة ، وما يتوفر عليه النائب الأول من متابعة للكثير من القرارات والتشريعات التي سنت على عجل وكان من الممكن ان يكون إعدادها أدق ، سيفض جميعه الى وقفها مجتمعه سواء بواسطة سلطة المؤتمر وهو صاحب الاختصاص الأصيل والشرعية الأقوى او بواسطة القضاء على مختلف درجاته ، مستفيدين من خبرات الدول الإسلامية التي سبقتنا في هذا الطريق حين كتبت دساتيرها المتطورة كما هو الحال في تركيا وماليزيا وباكستان ، حيث الدولة العصرية التي لا مكان فيها لولاية الفقيه التي يسعى لها عندنا البعض ، وعسى ان يكون المؤتمر العام وهو يبدأ مشواره خطوة نحو مشروع وطني تنصهر داخله كل القوى ، وتبدأ من خلاله رحلة الرهان على المشترك  ، ويؤجل المختلف عليه الى وقت لاحق ، ويكون المتفق عليه أقوى وحبل الود المتين ، ففي الواقع ما يفرض كل ذلك وفي الوطن ما يتكفل يجعله أكثر إلحاحا على ما عداه .

لقد علق المؤتمر جلساته الى ما بعد عطلة عيد الفطر مباشرة ، بعد ان شكل مجموعة من اللجان الضرورية لتسيير أعماله ، وفي مقدمتها اللجنة المختصة بوضع النظام الداخلي للمؤتمر ، وهي التي تعتبر أكثر استعجالا مما عداها ، كما ان مهمتها تنصب على وضع القواعد العامة المتصلة بالاختصاص ، ومن الممكن اعتبارها في حكم ما يطلق عليه الفقهاء " فرض الكفاية " الذي بسقط واجب الالتزام به عن الكل بمجرد ان ينهض به البعض ، ومع ذلك فقد لوحظ ان عدد اللجنة تجاوز المطلوب بما يصل الى الضعف وتحسبا من ان يتسبب مثل هذا الإقبال في الحد من سرعة الانجاز ، ينبغي ان تتضمن اللائحة المنتظرة من الضوابط الكفيلة بالحد من تأثير الكثرة على سير العمل من خلال حزم الرئاسة وقدرة السكرتارية ، كما ان النقل التلفزيوني ينبغي مستقبلا الا يكون شاملا لكل الجلسات ، بل من المهم ان يكون مقتصرا على ما يتصل بالشأن العام ، وما عدا ذلك يمكن الاقتصار فيه على الطابع الإخباري ليس غير ، وعسى ان يكون تزامن انعقاد أول اجتماعات المؤتمر مع مؤتمر مكة الخاص بسوريا والمسلمون يترقبون ليلة القدر " التي هي خير من ألف شهر " وقيام الرئيس المنتخب بتمثيل ليبيا الجديدة فأل خير بأن العناية الإلهية مع ليبيا الشعب والتاريخ والفطرة التي فطر الله عليها عباده منذ أن استخلفهم على أرضه ووعدهم بنصره وبشرهم برحمته ، فله الحمد أولا وأخرا. إنتهى


______________________________


كي لا نستنسخ المجلس الانتقالي

أمين مازن


يظل تكرار ما سبق للمجلس الانتقالي المؤقت أن مارسه إزاء المكتب التنفيذي المنبثق عنه، ثم الحكومة المؤقتة التي قام بتشكيلها بعد التحرير، من تدخل في الاختصاصات المحددة عرفاً وتشريعاً لمجلس الوزراء، مرة أخرى من طرف المؤتمر الوطني العام، على رأس ما ينذر بانجرار هذه المؤسسة السيادية ذات الصبغة الرقابية والتوجيهية نحو ممارسات من شأنها الإضرار بالمصلحة العامة من ناحية، ومصلحة المؤتمر الوطني العام نفسه من ناحية أخرى، ولا سيما حين يكون التدخل الملحوظ يرمي إلى ما يمكن وصفه بتحسين الصورة لدى المواطن على حساب الحكومة بالطبع .

أما دواعي مثل هذا القول فمرده ما أذيع أخيراً عن تخصيص المؤتمر الوطني العام لجلسته التي عقدت صباح الثلاثاء الماضي لبحث علاوتي السكن والعائلة المقررتين لموظفي الدولة منذ ستينيات القرن الماضي بموجب لائحتين صادرتين من مجلس الوزراء في ذلك الزمن وتم تعديلهما أيضاً عن طريق ذات السلطة وأراد المؤتمر الوطني العام أن يكون صاحب المبادرة بشأنهما هذه المرة، فتعين أن تذكر مثل هذه التوضيحات وبهذا القدر من المكاشفة حرصاً على عدم المساس بالصلاحيات المقررة لكل طرف من الأطراف المسئولة في البلاد.. نعم إن كل من تابع التطورات الإدارية التي شاهدتها البلاد في ذلك الزمن ستينيات وقبل سبتمبر 69 يعلم أن لائحة إسكان الموظفين، ومثلها علاوة العائلة التي تقرر منحها لهم، كانتا من قرارات مجلس الوزراء ومنذ أن كانت السلطات مقسمة بين الحكومة الاتحادية والولايات، وقد صدرت علاوة العائلة في البداية على الأساس النسبي المتصل بمرتب الموظف ودرجته، إلا أن المجلس التشريعي لولاية طرابلس الغرب وضمن متابعات أحد أعضائه النشطين السيد الميساوي على تبني مبدأ المطالبة بتسوية العلاوة المذكورة بحيث لا يفرق بين الموظف الكبير والصغير ومثل ذلك زوجته وقد تقرر على ضوء ذلك تسوية العلاوة وكذلك عدم قصرها في الأطفال الأربعة وإنما شملت الأبناء جميعاً، ولكنها عادت القهقرى مرة وأخرى في الثمانينيات الماضية وما بعدها أما لائحة السكن فقد كانت محصورة في موظفي الحكومة الاتحادية والذين كانوا يتعرضون للنقل هنا وهناك، فكان المنقولون من شرق البلاد يمنحون الأسبقية في البيوت الحكومية التي كانت تؤول تباعاً من الأملاك التي تدار بواسطة المؤسسات الإيطالية ويجرى تسليمها تباعاً وفقاً للجداول المحددة في الاتفاقية الليبية الايطالية على يبدو وكذلك بعض المباني المحدودة التي تم بناؤها ، فإذا ما تعذر ذلك تقوم الدولة باستئجار المطلوب من البيوت الخاصة، على أن يتحمل الموظف ما قيمته 6 % ستة في المائة من المرتب الأصلي، إلا أنه مع تحسن أحوال الدولة وإنشاء وزارة مختصة بالإسكان أصبح السكن يتم حسب العلاقة مع الوزير المختص شأنه شأن العلاج ويومئذ كان وزراء الصحة والإسكان أكثر الناس ظهوراً على واجهات الصحف وبواسطة عدد من الصحفيين ممن كانوا أشبه بأصحاب مكاتب العلاقات العامة، وقد  أدت تلك الوضعية إلى الكثير من التعليق والكثير من التذمر الأمر الذي جعل الأستاذ عبد الحميد البكوش فور تعينه رئيساً للوزراء يبادر باتخاذ قرار عدلت بواسطته اللائحة المذكورة وتحولت إلى  علاوة مالية شملت جميع الموظفين، فانسحبت الدولة من الإيجار وأصبح الموظف يخير بين توفير علاوته ومحاولة البناء والإيجار عن طريق الخواص، حيث تحول الإيجار إلى قضية عرض وطلب ونوعية وموقع فعمت الحياة حالة من التراضي بين المؤجر والمستأجر الأمر الذي استمر إلى السنوات الأولى من السبعينيات وما شهدته من الفوضى المتناسلة والرهان الدائم على إقلاق راحة الناس بل ودفع السلطة التنفيذية في بعض الأحيان لإصدار قرارات توصف بالمؤقتة ولكنها ما تلبث أن تكتسب صفة الديمومة، كما حدث لعلاوة السكن بالذات، عندما تقرر ضمن بعض الإجراءات الوقائية تخفيض بعض النفقات فشمل الأمر علاوة السكن هذه بأن خفضت بنسبة ثلاثين في المائة وإذا بالتخفيض يستمر إلى يوم الناس هذا ذلك يعني أن الدولة إذا ما أرادت أن تخطو أي خطوة في الخصوص وباتجاه توفير بعض المداخيل لموظفيها فليس أمامها سوى تعديل اللائحتين المذكورتين ومن طرف مجلس الوزراء دون غيره، سواء بإلغاء القرار القسري الذي خفض علاوة السكن لمدة حددت بسنتين ثم بقيت بعد ذلك إلى الآن أو بعدم حصر علاوة العائلة في الأطفال الأربعة على اعتبار أن كل طفل له الحق في أي علاوة مقررة سواء كانت على هذا المستوى من الهزال أو رؤى ترفيعها، وأن ما تناقلته الأنباء، عن عكوف المؤتمر الوطني العام على دراسة العلاوتين المذكورتين، ليس أكثر من إضاعة للوقت في أمر لا يحتاج إلى قانون ولا إلى لجنة من اللجان ولا أي كلام من هذا الذي يتردد، فما دام المؤتمر الموقر قد انتخب رئيساً للوزراء وقبلت منه التشكيلة التي اقترحها اللهم إلا من تبعده النزاهة فإن شؤون التعيين في سلك الدولة والترقيات والتقاعد والعلاج وبالجملة الخدمات كافة تمثل الاختصاص الأصيل لمجلس الوزراء، وليس أمام المؤتمر الوطني سوى الرقابة والمحاسبة على سوء الأداء وربما التوجيه بخصوص الأولويات، والأمر أولاً وأخيراً مربوط بالموارد المالية وكيفية صرفها عدداً وتوقيتاً، فإن قيل أن تناول الموضوع من طرف المؤتمر يعني أن المؤتمر قد أعطى هذا الموضوع نوعاً من الأهمية الخاصة، أو كما يقال أن حسن النية متوفر فإن من الممكن الرد بأن الطريق إلى جهنم مفروش بالنوايا الطيبة، وأن هذا الأمر يدخل في التفاصيل التي يقول المثل أن الشيطان يسكنها ونحن نريد لمؤتمرنا الموقر أن لا ينجر إلى حيث سكن الشياطين عفا الله منهم الجميع، وليس مثل هذا القول يعني أن موضوع الرواتب لا يعني ضرورة النظر في معالجته ولكن لا يمكن أن يكون مفصولاً عن عديد الأمور الاقتصادية وفي مقدمتها الحذر من أثر الصرف على حركة السوق العام والقوة الشرائية من الأساس، كما أن عدم قيام الحكومة المنتهية ولايتها ببعض ما كان منتظراً منها  لا يعني سلب الاختصاص بواسطة المؤتمر الوطني العام بأي حال من الأحوال.

لقد كان حرياً بالمؤتمر الوطني العام وقد شهدت جلساته هذه الأحداث غير المسؤولة من بعض الأطراف غير العادية في البلد، التي أعطت للمتربصين أن يبثوا الكثير من سمومهم حول الحالة الأمنية، وما يمكن أن يترتب عليها من أثر غير جيد على حركة الحياة أن يكرسوا وقتهم الكامل لهذه الإشكالية وأن يتم ذلك بعيدا عن النقل التلفزيوني، حيث يمكن للمكاشفة المسؤولة أن تحقق من خلال النقاش المحدود مواجهة الحقيقة، أما اتخاذ ما جرى مبررا لنقل المؤتمر العام من مقره الرسمي إلى جهة أخرى بحجة الأحوال الأمنية فذلك والحق يقال هو المجانية بعينها نحو الحسابات الأخرى وهنا لابد من تحية أولئك الذين تنبهوا لهذه اللعبة وأصروا على التصدي لها، خاصة وأنها بعيدة عن سوء القصد لقد انتخب المؤتمر الوطني العام في أجواء من النزاهة والتجرد وحققت خلاله الكثير من القوى السياسية ما كانت جديرة به من الفوز بثقة الناخب الليبي الذي لا تهزه الشعارات ولا تحركه المظاهر وأفصحت الأغلبية فيه عن وعي لم يكن متوقعا، عندما فشل أصحاب الأجندة المشبوهة في عقر ديارهم بانتصار خصومهم الأكثر منهم جدارة، ومن الأهمية بمكان وقد بدأت الحياة تسير أن يقف المواطن المتابع على أن ثقته كانت في محلها، ولن يتأتى ذلك إلا بالتجرد من المصالح الشخصية وعدم الانجرار خلف ثقافة الغنيمة التي عمل البعض على تمريرها لتسويغ مع أقدموا عليه من النهب الذي لم يكن خافياً على أغلب المراقبين ممن وثقوا في حينه وصاروا يبثونه من جديد على شبكة المعلومات وصفحات التواصل الاجتماعي، ذلك الفضاء الخطير الذي تحركت بواسطته جميع القوى الفاعلة، وتصدت من خلاله أيضاً  الكثير من المهندسين والذين سعوا إلى النيل من منافسيهم لحسابات خاصة،ومن المهم الآن أن يكون واضحاً أن الكثير من الاستحقاقات ليست منة تطلب بقدر ما هي مصلحة لابد أن يقع الاحتكام إليها والعمل على انجازها، ولا سيما المؤتمر الوطني العام الذي يفترض أن يكرس الوقت والاهتمام للأساسيات التي تبدأ من الاهتمام الجدي بمسألة الدستور والإشراك القوي لرئيس الوزراء تحديداً،على ضوء ما يتوفر عليه من قوة التواصل وإمكانية الاستفادة من الأطراف ذات العلاقة، وحشد المشورات ذات الفائدة والحذر من أي محاولة تسعى لإهدار الوقت أو الجهد أو عدم الإيفاء بالآجال المحددة، باعتبار الاستحقاقات مكملة لبعضها بعض، وفي هذا الصدد فإن كل تفكير في إصدار القوانين الداعية إلى ما يسمى بالعزل السياسي أو حضر التظاهر والاعتصام من شأنها تجريد السابع عشر من فبراير من مقوماته الشرعية، إذ الصواب أن تنصرف الجهود إلى معالجة الأسباب وليس إلى النتائج فلولا تفاقم المشاكل وضياع الحقوق لما فكر أحد في الاعتصام أما العزل السياسي فليس أكثر من تكرار أخطاء النظام المنهار ذاته، وإلا فما الذي يمكن أن يزاد على ما توافق عليه المجتمع الدولي ومثله المجتمع المدني من أن كل من لم تشوه يده بدم الليبيين أو نهب أموالهم فمن حقه أن يتمتع بكل حقوق المواطنة وأن القصاص من أي جريمة لن يكون إلا بمحاكمة تتوفر فيها شروط العدالة ، وهل لم يدرك الجميع بعد أن الثورة غير الانقلاب وأن الانقلاب وحده الذي يتبنى مبدأ الإقصاء، وأن مساهمة المجتمع الدولي في مناصرة السابع عشر من فبراير وهو يعمل على إسقاط ذلك النظام لن تسمح لأحد أن يعيد إنتاجه مرة أخرى، وأن هذا المجتمع لن يتردد في بذل كل جهد لعدم السماح بعودة الاستبداد لثورات الربيع عامة وليبيا على وجه التحديد،

وأن جميع التجاوزات التي رافقت معارك التحرير كان دافعها الانتقام المقصود والحسابات الخاصة لابد أن تكون موضع مراجعة من طرف السلطة المكلفة بالرقابة والمسئولة عن جبر الأضرار وأن فتح أبواب التحقيق وبالأحرى التظلمات وأن تأجلت بعض الوقت إلا أنها لن تتأخر إلى الأبد ولا شك أن المؤتمر الوطني العام بما رافقه من انتخابات نزيهة وما توفر له من إدارة حازمة لن يتعذر عليها إدراك مثل هذه الأولويات ولن تعجز بالتالي عن مراعاتها مجتمعة ووضع الجداول اللازمة لها مجتمعة أيضا, إنتهى



________________________________



لنعتبر بما تشهده مصر

أمين مازن


ربما يكون شيخ الأزهر الشريف أكثر الناس تعبيرا عن واقع الحال عندما وصف موقفه حول تطور الأوضاع في مصر أخيرا بأخف الضررين ، فحقيقة أن السيد محمد مرسي الذي ترأس الجمهورية المصرية منذ سنة مضت ، قد تم إقصاؤه من موقفه الرسمي بالقوة ، فالإقصاء والحالة هذه يدخل تحت مصطلح الانقلاب ، بدليل إن البيان الرسمي جاء على لسان القائد العام للقوات المسلحة وتلاه وضع مرسي ونفر من مساعديه قيد الإقامة الجبرية ، أما إذا تذكرنا ما ساد مصر طوال السنة التي سبقت هذه الخطوة ووضعنا في الاعتبار ما ورد على لسان بابا الكنيسة القبطية و كذلك مجلس القضاء الأعلى فإن لتعبير بالانقلاب قد يخضع لأخذ و الرد وقبل ذلك التصريحات التي وردت على لسان الإخوان المسلمين في مصر بشان معركة الانتخابات الرئاسية وبالتالي تعديل موقفهم.

نعم لقد صرح الإخوان المصريون بأنهم لن يتقدموا لخوض معركة الرئاسة في مصر ، واكبر الكثيرون موقفهم المشار إليه ، بيد أنهم ما لبثوا إن عادوا فخاضوا المعركة ، وعندما تحقق لهم الفوز لم يترددوا في الذهاب نحو الاستفراد بالقرار وانتهاج ما اصطلح عليه ما خونه المواقع السامية الأمر الذي أثار امتعاض مختلف القوى السياسية بمصر ، على النحو الذي رأيناه ليجمع بين الاستفزاز والاستغراب وأخيرا الاستنكار وحسبهم ما درجوا عليه من حرص على تحصين كل ما أقدموا على اتخاذه من القرارات وسنوه من التشريعات كانت طوال هذه المدة مادة غير عادية لوسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمصورة ، وما من احد قدر له أن يدخل مصر ويقترب من أي شريحة من شرائحها الا ويلفت نظره ما يمر داخل ذلك الواقع من غضب إزاء كل ما يجري ولا سيما فيما يتعلق بحياة الناس من تدني قيمه الجنيه المصري أمام العملات الأجنبية والشكوى التي يجهر بها كل من يتم التعامل معه في الطرقات ووسائل النقل ومحال الإقامة على مختلف المستويات كما إن  كساد المحال العامة وخلوها من أي حركة تتعلق بالبيع والشراء فقد كانت ظاهرة وموضع حديث شديد المرارة ، كان كل شيء في تلك الربوع يدل على إن مصر قد تغيرت نحو الأسوأ وان ما يجري على مختلف الصعد كان يعني بكل بساطة إعادة إنتاج الماضي بكل سيئاته لقد أراد السيد محمد مرسي من خلال ما تحقق له على ما يبدو من شعور بولاية الأمر التي يتعين على الرعية أن تقدم على طاعتها طاعة أخرى أن يصون قراراتـــــه ، فتبني مبدأ التحصين كي لايكون أمام أي متظلم أن يطعن في أي إجراء فسجل عدوانا غير مسبوق على سلطة القضاء موضع احترام وفخر المصريين دون استثناء ، ليمضي في تقرير كل ما يعني له ، إذ حصر المشورة كما يقول معظم المتتبعون لشئون مصر في سلطة جماعته وثمة من يردد أن النظام التراتبي الأيديولوجي يلزمه بالإحكام لسلطة  تتجاوز سلطته المحددة قانونا ، وان كان الصراع يشيع ما حدث وما لم يحدث ، غير إن الذي لم يستطع أكثر الناس حماسا لما صار يجري في مصر هو إن نزعة الاستفراد بالقرار المتصل بحياة الناس على مختلف الصعد قد أصبحت في يد طيف سياسي واحد والحجة بالطبع هي إن هذا الطيف قد نال الأغلبية فصار من حقه أن يستحوذ على ما يمكنه القيام به وما لا يمكنه ، ولما كان الفارق كبيرا بين ما تردده الألسن بل وتحمله النوايا وبين ذلك الذي يطبق على الأرض وما يعتري هذا التطبيق من سوء القصد وآفة العبث التي ينتجها عادة الاستبداد والشعور بالأحقية خلافا لبقية عباد الله ، وقد شكلت هذه الملابسات الخلايا الأولي لتيار الرفض الذي رافق تجربة مرسي منذ أيامه الأولى ووجد فيها الرفقاء المختلفون معه والمنافسون له ما وفر المناخ الملائم لنمو تيار الرفض الذي صاحب التجربة والذي وضع أساسه مرسي نفسه حين لم يستجب لضرورات التوافق والاعتماد فقط على الأغلبية المتمثلة في معركة الانتخابات الرئاسية، فظن انها يمكن أن تغنيه عن مجلس النواب وتتيح له الاعتماد على شرعية الشورى و التي كانت موضع طعن رفع إلى القضاء العالي من البداية.

لقد خدعت نشوة الفوز في الانتخابات إخوان مصر، فلم يفرقوا بين الأغلبية التي حصلت في نسبة المقترعين وليس الذين يمثلون المجموع العام لمن لهم حق التصويت ، فلم يتفطنوا إلى هؤلاء الذين يحركهم عادة نوع السياسات التي تطبق وتطال حياة الناس من الجنسين ، حيث لا يرحب الجميع بالقيود التي يحاول المتدينون إن يطبقوها في الحياة العملية ، حيث يقبل الناس على الكثير من الممارسات التي يضيق بها الملتزمون دينيا فيذهب بعضهم إلى تغيير ما يرى باطلا باليد ، بدلا من اللسان على اعتبار إن السلطة الدينية تبيح ذلك وفي ذلك ما فيه من الاصطدام برغبات الآخرين ومن ثم الاستعداد لمؤازرة كل تحرك يرمي إلى مقاومة هذا النوع من السياسات فإذا أضفنا الي ذلك ما قد ينتج عن هذه التوجهات من تأثير في الحركة الاقتصادية المتمثلة في الأنشطة السياحية التي يمثل دخلها وأنشطتها نسبة لا يستهان بها من مجموع سكان مصر ، وضح أمامنا عدد الذين يكونون غير متفقين بل وجاهزين للتحرك ضد هذا النوع من السلطة أما إذا وضعنا في الاعتبار إن ما أثبته حسن تنظيم الإخوان المصريين لمخططهم الحزبي وضمن لهم ذلك الفوز الذي ظهر في أول انتخابات أجريت عقب الخامس والعشرين من يناير ، ووجود أطراف منافسة كانت تراقب الموقف وتكتشف مواطن الخطأ وهي تفاجأ بخسارة المعركة المذكورة ، فإن ذلك كله أدى الي تحفيز القوى المعارضة كي تعيد صفوفها وتبدأ في معركتها المبكرة ، لقد استهان الإخوان المصريون بالقوى السياسية التي نافستهم في معركة الانتخابات ، ولم يتفطنوا الي ما يمكن أن تتوفر عليه هذه القوى من إمكانية الاستفادة من عديد الخبرات والتجارب ، وفي مقدمة ذلك الدعوة التي طرحت منذ مدة بضرورة الذهاب إلى الانتخابات المبكرة ، على اعتبار أن مثل هذا التوجه يمثل شكلا من أشكال النضال التي كثيرا ما يلجأ إليها كل تيار معارض ، ويصر على دفع الأمور نحوها ، وكذلك يفعل من تبوأ سدة الحكم ويشعر أن الأمور تسير في صالحه ، فيذهب إلى استغلال الظرف للتبكير بالانتخابات فيضمن الفوز في المعركة ولما كان الوطن العربي لم يألف بعد مثل هذا التوجه ، فلم يعبأ كثيرا بهذه الدعوة التي طرحتها أحزاب المعارضة المصرية ، بيد أن هذه الأخيرة أخذت في استنفار مختلف القوى نحو هذا التوجه مستفيدة من صفحات التواصل الاجتماعي ، بل وذهبت الي أكثر من ذلك فطرحت دعوتها الرامية الي إعادة الانتخابات على شبكة المعلومات الدولية لكي يتسنى لكل من يتبنى مثل هذا التوجه أن يوقع بالتأييد من للأعلى صحة هذا الموقف بما تتطلبه شروط التثبت وكان أن تجاوز الرقم أكثر من ( 22 اثنين وعشرين مليونا ) ، ومن ثم ارتفع إلى ثلاثة وثلاثين ليحدد في النهاية يوم الثلاثين من يونيو موعدا للخروج في جميع مدن وقرى مصر ، فتأكد بما لا يدع مجالا للشك إن العودة إلى صناديق الاقتراع قد أصبح يمثل مطلب الأغلبية من أبناء الشعب المصري الذي لم يمض على تخلصه من استبداد حسني مبارك سوى سنة وبعض السنة ما لبثت أن استبدلت باستبداد آخر ظهرت علامات فشله على أكثر من صعيد فوجب أن يعاد النظر فيه ، ولأن التوجه اظهر سلفا إن النتيجة لن تكون في صالح السيد محمد مرسي ، فما كان منه الا أن يكرر سيناريو مبارك فيقبل أي شيء سوى ما يتصل بشخصه ، على الرغم من عديد النصائح التي أبديت في الخصوص بما في ذلك الصديق الأمريكي الذي لم يتردد في التصريح بان الديمقراطية لا تعني الأغلبية بقدر ما تعني ضرورة الإنصات للجميع وكذلك الطرف العسكري الذي أكد انه لن يقف على الحياد وهو يرى خطر الفوضى ليأتي في النهاية هذا السيناريو المتقن المتمثل في العودة إلى صناديق الاقتراع وشق طريق إدارة مدنية مؤقتة يرأسها ارفع منصب دستوري قانوني في مصر ، ولم تحل دونها المحاولات التي وصلت إلى حد استعمال السلاح ، ويتأكد - حتى الآن – إن ما جرى هو اخف الضررين كما عبر شيخ الأزهر ، صحيح أن بعض الخفايا قد لا تكون واضحة حتى ألان الا إن العودة الي صناديق الاقتراع بضغط القوات المسلحة تبدو وكأنها آخر ما سيطبق في الوطن العربي، أما الذين يتوهمون إلى الحيلولة دون قيام الجيوش سيضمن لهم الاستفراد بشعوبهم فعليهم أن يدركوا أن لا مهرب من هذا الذي شهدته مصر وان بصورة أخرى ، فلن تسود في الوطن العربي الجديد – وان اختلفت الوسائل – وجهة نظر واحدة وأخيرا لنعتبر بما تشهده مصر. إنتهى


_______________________________



لكي نتجنب القفز الى الإمام

أمين مازن


واصل مؤتمرنا الوطني العام الموقر ، خطواته الرامية الى التداخل مع اختصاصات السلطة التنفيذية ، المتمثلة في الحكومة . وقد تزامن ذلك مع اكتمال الإجراءات البروتوكولية الكفيلة بتمكين الحكومة الجديدة من مباشرة مهمتها ، فأثار ذلك قدر الاباس به من الاستغراب ، وذلك بإقدام المؤتمر المذكور على إصدار قرار بالغ الأهمية وربما نقول كبير الخطورة ، عندما حرم سعر الفائدة في المصارف العاملة في البلاد ، بحجة ان هذه الفائدة تعتبر شكلا من أشكال الربا ، دون ان يضع في الاعتبار ان مثل هذا الأسلوب من التعامل المصرفي مطبق في معظم مصارف العالم ، بما فيها الدول الإسلامية التي تتوفر على إمكانيات اكبر من بلادنا ، سكانا ، وعلما واقتصادا وقدرة على اختيار البدائل كمصر والمغرب والجزائر وتونس وغيرها من الدول العربية ، حيث الأزهر الشريف وجامع القرويين الخ ، وقل مثل ذلك عن تركيا وباكستان وماليزيا واندونيسيا . والحجة بالطبع ان سعر الفائدة يدخل ضمن المعاملات الربوية المحرمة بنص القرآن الكريم الذي انزل على الرسول الكريم قبل أربعة عشرة قرن وثلث القرن ، عندما كانت التجارة من مشمولات أغنياء قريش في الجزيرة العربية وشركائهم او المتساكنين معهم من اليهود ، أساتذة التجارة وابرز الذين اخترعوا هذا النوع من التعامل او أشاعوه ، فكان التعامل يومئذ محصورا بين الأفراد والعرض والطلب غير المقنن ، اذ لم توجد الجماعات الأهلية وبعدها الرسمية التي استحدثت في وقت لاحق بالنسبة للبلاد العربية ، حين ودع العرب حياتهم البدائية ، ولم تعد الأمية قدرا مسلما به ، ولا التطبيب بواسطة الكي ، فاستوعبوا وطبقوا القول الخالد (( أعقلها وتوكل )) وحكما جاء بعده ( لو كان الفقر رجلا لقتله ) أي قبل ان تتطور الحياة العربية ، وتتطور معها حاجات الناس ورؤاهم ، حول الكثير من قضايا الحلال والحرام وعلوم الحديث والقرآن من حيت التصـحيح والتنقيط وأسباب النزول وغير ذلك مما لا يخفي على المختصين ، ليتبلور في النهاية أكثر من مفهوم حول هذا الأسلوب الاقتصادي السائد في المعاملات العامة التي دخلت كما سبق وقلنا من تعامل الأفراد الى الجماعات وبالأحرى الدول والمؤسسات والشركات العاملة هنا وهناك ، فصار ضروريا ان يفرض التعامل مع العالم يقتي توسيع النظرة والاحتكام الى القول الخالد (( يسروا ولا تعسروا )) وغير هذا القــول كثير مما لا نرى ضرورة للإطناب فيه ، ونحن نقدم هذه المقاربة التي لا مهرب منها عند استشعار المسئولية . ونبذ رذيلة الصمت في أوقات الكلام ، أي عند الوفاء بالتزام هذا الحيز الأسبوعي المكرس ـــــ في الغالب ــــ للشأن العام ، ولا سيما ذلك الذي يخوض فيه مؤتمرنا الوطني العام الذي نفخر بوجوده سلطة ، وهيكليته أعضاء ورئاسة ، وليس أحب إلينا من ان نراه يؤدي المهام المنوطة به على الوجه الأكمل ، ويفرز من خلاله عديد الرموز القادرة على إدارة شئون البلد في المراحل المقبلة ، وما ينتظر من قيادات في السلط التشريعية والتنفيذية وبواسطة صناديق الاقتراع تحديدا . انه الشأن الذي اصر البعض على وصفه بالتعامل المصرفي الربوي ، ذلك الشأن الذي نشط الحديث حوله منذ السابع عشر من فبراير وما شهده من تفجير الثورة المجيدة على الاستبداد والتطلع نحو الحياة الديمقراطية الكريمة ، وإدارة شئون البلد بواسطة سلطة تشريعية منتخبة ودستور واضح المواد واقتصاد يسهم في تحديد هويته وتوصيف موارده الناس جميعا ، نعم فمنذ ان قدر لثورة السابع عشر من فبراير ان تتمكن من إسقاط النظام الديكتاتوري وتتجه الى بناء ليبيا الجديدة ، وموضوع الربا يتقدم على كل ما عداه من أشكال التعامل الاقتصادي المتعلق بالاقتراض وما في حكمه . وضرورة تخليص هذا النوع من التعامل من شائبة الربا . كان المصارف مشرعة أبوابها لكل من يتطلع الى قرض من القروض ، وليس ضعف السيولة المالية جعل الكثير من حسني النية الذين ابقوا على مدخراتهم في المصارف تخضع لألف قيد وقيد . كما ان المرابحة التي استحدثتها بعض المصارف للخروج من جريرة الربا جعلت الذين استطاعوا بهذه التوصية او تلك يتحصلون على سلعة من السلع المعمرة يدفعون هامش ربح يزيد على سعر التكلفة وبالأحرى سعر السوق بنسبة الضعف العام الفوائد المصرفية . الشيء الوحيد ان هذا الفارق يدفع مقابل سلطة وليس مبلغا ماليا ، كان المبلغ المالي حين يسحب لا تشتري به سلعة او قطعة ارض او بيت كامل ، انه الحل الذي يذكرنا بذلك المتدين الذي استبدل تناول المشروبات الروحية بالمخدرات ، لان النص الصريح تناول المسكر وليس المخدر ! كما ان رجل الآمن أيضا لا يستطيع اكتشاف المخدر بنفس السهولة التي يتوصل اليها لمن يشرب الخمرا ، اما عندما ترددت بعض الأنباء عن ان المصارف التي تتعامل بنظام المرابحة تمنح بعض أنصار هذا الرأي مكافآت سخية تدفع مع نهاية كل شهر ، فان بعض الخبثاء فسروا ان للأمر علاقة ببراءات الاختراع التي تفرض قوانين الملكية الفكرية للاحق بها مبالغ مالية ومن الممكن ان نعتبر الآراء الدينية التي تنتظر لنظام المرابحة نوعا من الاختراع الجديد بالحماية وتسديد الحقوق لكل امتلكه وعمل على تسويق والتسويق أيضا لمن يقوم به هو الأخر نسبة من الدخل العام . وفي زمننا هذا لا يوجد جهد بدون مقابل ، لا فرق بين الدين والدنيا .

وسواء علينا ان ذهبنا الى الرأي القائل بأن التحريم الفعلي للربا الذي جاء به ظاهر النص هو ذلك المتصل بزمن التنزيل وضمن العلاقات الاقتصادية المحصورة بين الأفراد ، او قبلنا بإمكانية أعمال القياس وطبقنا التحريم على ما تقوم به الجماعات الأهلية والحكومية وما تضطلع به من عديد الخدمات العامة من هذا الذي يؤول إليها ، فضلا عن ان الأموال من الأساس لا تؤخذ لغرض الأكل والشرب او ما يعتبر ضمن قوت اليوم ، ولكنها توظف بأشياء ــــ حين يحي توظيفها ــــ يمكن ان تدار أرباحا كثيرة ، لا فرق بين السيارة والبراد والفرن ، فان الأسئلة الممضة حقا والجديرة بالمكابدة حقا و المحتاجة الى أجوبة مؤتمرنا الموقر . وهي هل هذه مشكلة ليبيا الملحة وهل هذه هي الأولوية الجديرة بالتصرف ، وبالأحرى ما عبر عند احد الرئيس في جلسة الوزراء التي نقلت على الشاشة الصغيرة ، وبتعبير أكثر دقة هل يمكن لدولتنا الغنية وقد خرجت لتوها من الحرب وما تزال الأسلحة تملؤها سرا وعلنا عبور حماية الثورة والخوف عليها كما يقول البعض والخوف منها والاستعداد لها كما لا يقول البعض الأخر ، دولتنا التي تعيش الآلاف من رعاياها في بلدان الجوار شرقا وغربا وتعج مدنها بالنازحين من الجنوب الى الشمال ومن الغرب الى الشرق ، دولتنا التي تصر أطراف كثيرة بها على إقصاء أطراف أخرى ، وما تزال عاجزة عن تطبيق العدالة الانتقالية لتجبر الضرر وتوقع العقوبة وتطرح في نهاية الأمر المصالحة . دولتنا التي لم تستطع ان تحكم حدودها اما الهجرة غير الشرعية التي تفد إليها من كل مكان وتغادرها من أكثر مكان ، ويستقيل بعض سكانها حاجاتهم المستوردة من دون أي رسوم ويدفع الآخرون أضعافا مضاعفة ، دولتنا التي توقف بها قطار العمران بالكامل ، فبقيت العمارات المهدمة في عديد المدن والقرى وتركت الشركات العالمية الكثير من المشاريع التي سدد أصحابها المقدم من ثمنها من حرمانهم على أمل استلامها في بداية هذه العشرية ، والتي شاءت إرادة الله ان تسخر فيها رياح الثورة لتخلصهم من الظلم والقهر وتبعث فيهم الأمل لإقامة حكم يختارونه ونواب يصوتون إليهم ودستور يتفقون عليه ويخلصهم من الوصاية تحت أي شعار من الشعارات ودشنوا مشوارهم نحو السلطة الشرعية والدولة المدنية التي تعهدت بإقامتها معظمهم ان لم نقل كل الكيانات السياسية بما في ذلك حزب العدالة والبناء المتكون من قيادات الإسلام السياسي ، دولتنا هذه تعلن انحيازها الى إلغاء النظام المصرفي القائم على مبدأ سعر الفائدة بحجة ان هذا النظام يمثل نوعا من الربا المحرم شرعا ، كما لو كانت البلاد قد أنهت هذه لمشكلات مجتمعة ، وقد تمكن المؤتمر الوطني العام من التغلب على المشكلات المشار إليها ، بل ولم تكن لديه مسائل أخرى أكثر إلحاحا وتحتاج الى أكثر من وقفة مسئولة ليس خارجها ما تردد عن الكثير من التجاوزات المالية المتمثلة في عهد صرفت ولم تسوء وسيارات تشتري بأسعار خيالية وأخرى قد تكون أكثر من ذلك بحسب وزير المالية السابق السيد حسن زقلام وتهم توجه عن تدخل عربي في بعض الأمور الليبية ، ومبالغ مالية تصرف دون ان تكون مقررة من طرف السلطات المخولة بالصرف ، وكان المفروض ان يجتمع المؤتمر الوطني العام في جلسة تكرس لهذه المسائل بحيث تعطي الشرعية لمثل هذه التصرفات ، بل ولكي يرتفع وعي السادة أعضاء المؤتمر بمثل هذا النوع من الاستحقاقات التي ندرك ضرورتها وارتباطها بأكثر من طرف ، اذ نحن كما قلنا ونكرر لسنا وحدنا في العالم وما من مهرب لنا من استحقاقات كثيرة قد نضيق بها عاطفيا ولكننا لا نستطيع تجاهلها مصلحيا فمن أبجديات العمل السياسي ان العلاقة مع الأخر اخذ وعطاء والبراعة المطلوبة تكمن في كيفية أحداث الموازنة بين هاتين الركيزتين وهما في نهاية المطاف الشأن الداخلي والخارجي ، حيث لا يمكن ان يتصور كائن من يكون ان يتم النجاح في أيهما بعزل عن الآخر ، سياسة وأمنا واقتصادا وتواصلا من أولويات التنسيق والتنسيق الكامل . وما لم يقصر المؤتمر الوطني العام عمله الجدي في مهامه الأساسية المتمثلة في الدستور وقانون الانتخاب ومراجعة ما تجب مراجعته ، ويدخل في اتخاذ قرارات تتعلق بالسياسة الاقتصادية بما يلقي بعض الالتزامات المالية او يلغيها مما يدخل في صميم سلطات الحكومة ، فلن يسلم من شبهة القفز الى الأمام والاعتداء على سلطات الحكومة وبالأحرى مسئوليتها فقد اختار المؤتمر رئاسة لتنظيم أعماله وانتخب حكومة لتسيير شئون البلد وما علن الا ان يراقب وينصح في حدود الفترة الانتقالية والصلاحيات الواضحة والإمكانيات المتاحة ، وخريطة الطريق ام المرجعيات الى حين انتخاب رئيس الدولة بعون الله. إنتهى



_______________________________________



وفي ذلك فليتنافس المتنافسون

أمــين مازن


أكد السفير الفرنسي بليبيا قبل أيام ترشيح المناضل الليبي المعروف السيد على العكرمي لجائزة الجمهورية الفرنسية لحقوق الإنسان ، وقد ورد هذا التوكيد في لقاء بين السفير المذكور ووزير الثقافة والمجتمع المدني الليبي، يتوقع أن يكون انتظامه في إطار تنظيم العلاقات الرامية إلى تحقيق تعاون الدولتين ، وعلى خلفية الدور الذي نهضت به فرنسا في دعم انتفاضة السابع عشر من فبراير، كما قد يكون هذا الترشيح تعبيرا عن جدية المتابعة الدولية لتضحيات الرموز الليبية المشهود لها بحسن الأداء وهي تضطلع ببعض المواقع المتقدمة في المجتمع المدني ، مثل السيد على العكرمي الذي يرأس في الوقت الحاضر جمعية سجناء الرأي في ليبيا ، أولئك الذين وصل عددهم إلى الآلاف وقد كان هذا الرجل من القلة التي أمضت في السجن أكثر من ثلاثة عقود ، ولم تستطع هذه الفترة على طولها أن تنال من تماسكها أو تضعف من قوة إيمانها وشدة عزمها وصحة رهانها بصدد المستقبل وإذا كان العكرمي قد اعتبر هذا التكريم من طرف الدولة الفرنسية تكريما لجميع المناضلين الليبيين ، فمن لا يزال منهم على قيد الحياة أو استشهد في معارك التحرير ، دون أن يخفي أمنيته بأن لو كان هذا التكريم قد جاء من طرف الحكومة الليبية . كما لم يغفل في الوقت نفسه بأن المرحلة الانتقالية التي تمر بها ليبيا اليوم هي مرحلة صعبة وعلى الجميع أن يتكاتفوا وأن يضعوا مصلحة الوطن فوق كل الاعتبارات ، مشيراً إلى أن الليبيين عليهم الخروج من النفق المظلم الذي يمرون به، وأن يتجهوا بكل ما أوتوا من الإمكانات نحو بناء الدولة وإرساء دولة القانون والمؤسسات وأن يبتعدوا عن روح الانتقام والتشفي والثأر والتناحر ، فإنه بدون شك يؤكد أهليته لمثل هذا التكريم وغير هذا التكريم ، فهو والحق يقال جدير بالتكريم وبالتعويل عليه في عديد المهام ، ليس فقط لأنه أحد الذين قضوا هذه المدة شبه الخيالية في السجن التي بلغت حسب المصطلح عصراً كاملاً ، إذ على أهمية ذلك من حيث التضحية ، فثمة لدى العكرمي ما هو أكبر من ذلك وأهم ، ألا وهو المنزلة التي حظي بها لدى كل الذين عرفوه، ووقفوا على ما توفر له من جميل الخصال وجيد الممارسة منذ أن قدر له – وهو لم يتجاوز الحادية والعشرين سنة إلا بسنة وبعض السنة ، ليكون ضمن الذين أقفلت عليهم زود السجن الكبير في ربيع سنة 1973 ، في خضم أول فوضى عرفتها البلاد تحت شعار ما أطلق عليه الثورة الشعبية ، التي لم تكن سوى صيغة مقنعة للأحكام العرفية ومن دون قرار مسؤول ، عندما عطلت القوانين وأقصي كبار الموظفين قسرا ، ليحل محلهم المحاسيب والمناسيب والتبع والمفتقدون لأبسط شروطها الأهلية بحيث لا يكون أمام هؤلاء سوى التعويل على المستخدمين بعقود من غير الليبيين الذين جيء بهم من غير عدد ودون أية مراعاة لحقيقة الاحتياج بل وحتى الإمكانات المساعدة. لقد كان دافع تلك الخطوة ما ساد البلاد من التوتر والاحتقان اثر عديد الممارسات السفيهة التي أقدم عليها العهد وهو في سنواته الأولى وقد كان منتشيا بخروج القوات البريطانية والأمريكية ، من قاعدتي:«الملاحة والعدم»واللتين لم يبق الزمن المتفق عليه بشأنهما إلا القليل، إذ لم يتفق على التمديد في الوقت المحدد لذلك ، كما أن الإستراتيجيات الحديثة لم تعد ميالة للقواعد المقامة على أرض الآخرين ، بعد أن وفرت حاملات الطائرات العملاقة البديل الكافي عن أي التزام يمكن أن تلتزم به الدول الكبرى إزاء الصغرى ، إذ لم يعد لليبيا ما تعتبره قانونا ضمن أجوائها السيادية سوى بضعة أميال في مياه البحر ، ومن ثم تكون حاملات الطائرات قواعد متنقلة ، إلا أن تطبيق هذه السياسة أريد له أن يتزامن مع إفساح الطريق أمام نوع جديد من الحكام يمكنهم تحقيق ما كان مطلوبا من سابقيهم التقليديين وتحت شعارات تقدمية وكانت ليبيا ضمن البلدان التي وقع عليها الاختيار كي تنهض بهذه المهمة ، مهمة تحقيق المخطط الدولي بواسطة المال الليبي ، وتحت شعار العمل القومي والتحرر الإفريقي ولما كانت طبيعة الصراع قد اقتضت إسقاط الطائرة الليبية فوق صحراء سيناء بواسطة السلاح الإسرائيلي ، فلم يكن أمام القوى الرافضة للعهد الجديد والتي بدأت تدرك حقيقته في وقت مبكر وتعبر عن وعيها بأكثر من موقف ، إلا أن تستثمر سقوط الطائرة لتخرج بنغازي في مسيرات هادرة وهي تهتف (هذي الوحدة اللي تبوها من فوق الكانار خذوها) مظاهرات تقدمها المثقفون والطلبة والتجار والأعيان في بنغازي المتجانسة والتي اكتشفت في وقت مبكر حقيقة ما بدأ يلوح في الأفق حول ليبيا الشعب والوعي والتقدم ، وتحت أكبر قدر من التخفي والقفز إلى الأمام ، وتمرير أسوأ السياسات بتبني أجمل الشعارات ، ويومئذ كانت ردة الفعل الماكرة التي كانت من بين مفرداتها أو أقوى مفرداتها بالأصح اعتقال ذلك الجمع الكبير من الطلبة والنقابيين والمثقفين والوجوه الوطنية الذين ضاق بهم سجن الكويفية ببنغازي وباب بن غشير بطرابلس ، حيث مثل وجودهم أهم الأطياف السياسية والمدن والقرى الليبية ، ليعلم الجميع بأنباء الاعتقالات ونوعية المعاملة ، ما حدث منها وما لم يحدث ، خاصة وان الإيواء في البداية كان في السجن العسكري. كان الخليط ممثلا لليمين واليسار من دخل سن الشيخوخة ومن لا يزال في مقتبل العمر وإلى جانب هؤلاء جرى اعتقال عدد من رجال الجبل الأشم من حملة الفقه الأباظي ، على الرغم من وجود آخرين في اليمين واليسار ، وكان أكثر هؤلاء حيوية بالنسبة للإسلام السياسي شباب التحرير الإسلامي الذين رأى فيهم النظام التحدي الأقوى وتبين من خلال وجودهم ما كنوا عليه من الحيوية والقدرة على التحرك لقد خرج من خرج من ذلك السجن في وقت مبكر وآخرون طال بهم المقام رغم انتهاء الأحكام – على جورها – على أن الذي اتفق عليه معظم وربما كل الذين ضمهم ذلك السجن ما امتاز به على العكرمي من القدرة على التعاطي مع الجميع ، إذ شارك في لعب الورق مع الذين استعانوا به على قتل الوقت وحرص على أن يتواصل مع أكبر قدر من الموجودين بعكس الذين طالما سجنهم انتماؤهم داخل ذواتهم ومن يشاركونهم الرأي ، ولاشك عندي أن ذلك المسلك المبكر الذي انتهجه على العكرمي وحرص عليه إلى أن كان آخر الذين خرجوا من ذلك السجن الرهيب ، هو قبل غيره ما حدا به إلى قبول رئاسة جمعية سجناء الرأي في ليبيا ، حرصاً منه بدون شك وهو الذي خاض هذه التجارب المريرة وعرف هذه الأعداد الكبيرة من البشر ، على أن تكون جمعية سجناء الرأي مؤسسة تخدم الجميع وتوحد جهود الجميع وتسعى إلى تحقيق الاستفادة من جهود الجميع وقدرات الجميع إذ لاشيء تحتاج إليه البلاد أكثر من تجربة هؤلاء وتنظم جهود هؤلاء ، وهو دون غيره ، خير ما يخدم هؤلاء ويرد لهم أثمن التعويض عما فقدوا من سني عمرهم. وبعيدا عن التأثر بالمشاعر الشخصية التي لا أدعي التنزه منها ، كانت سعادتي غامرة وأنا أجد السيد على العكرمي على رأس جمعية سجناء الرأي الليبيين التي تأسست منذ فترة ، وأراه اليوم مكرما من دولة ذات وزن سياسي معروف ، وصلة مع واقعنا غير مذكورة ، ولا سيما في هذه الفترة التي يرتفع فيها الحوار بشأن الحوار الوطني ، فيعلن في غضونه وفي معرض حديثه بشأن التكريم الدولي عن مثل هذا المنهج الرافض للانصياع للمؤثرات الخاصة المنطلقة من ردات الفعل وتصفية الحسابات المعلقة مع الذين أغواهم الشيطان ذات يوم فأسرفوا في أداء ما كلفوا به بل ومنهم من تبرع من تلقاء نفسه بالإساءة ، أملاً في أن يكون ذلك داعيا لتثقيل موازينه لدى من توهم أنه سيبقى الآمر الناهي عبر الزمن ، فلا شيء يحتاجه واقعنا الجديد مثل هذه الروح السمحة والمدركة التي يطرحها العكرمي وهو ينهض بمسؤوليته هذه ، المنطلقة من الرهان على دولة المؤسسات وسيادة القانون ، لأن القانون هو الذي يتكفل بجبر أي ضرر طال هذا الطرف أو ذاك ، بما يضمنه من جدية المحاسبة وعدالة العقوبة وحصرها في الفاعلين الحقيقيين ولكن في كنف الإيمان بحاجة المجتمع لكل الناس وحق الحياة لكل الناس والإيمان بشخصية الجزاء وحصره في طبيعة الفعل دون الامتداد به إلى أي شكل من أشكال التجاوزات، فلا شيء أضر بالعهود مثل إعادتها لأخطاء جلادها وإنتاج ما أمعن فيه من الصلف ورفض دواعي الرحمة ، بل ومراعاة .. لا أحد مقطوع من شجرة كما يقولون ، وإن مبدأ التعاطف من الأمور الأصلية في المجتمع وإن تأجل التصريح بذلك، ولا شيء يحتاج إليه واقعنا الجديد مثل حشد هذه الأعداد الكبيرة من سجناء الرأي في مشروع وطني ، إن يكن السعي من أجل جبر إضرارهم أحد أهدافه؛ فإن خدمة المجتمع ككل والسعي به لتجاوز ما يحدق بالوطن في مجمله من الأخطار أكبر همومه ، « وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ». إنتهى


_________________________________


ما يجب أن يسبق كل الحسابات 


أمــين مازن


حظيت حكومة السيد علي زيدان بثقة الأغلبية المنشودة لها من أعضاء المؤتمر الوطني العام فتم بذلك ما يمكن وصفه بانجاز الاستحقاق الثاني من خارطة الطريق التي قدمت الى المجتمع الدولي ، عقب تفجر ثورة السابع عشر من فبراير ، عن طريق المكتب التنفيذي المنبثق عن المجلس الانتقالي المؤقت ، الجسم الشرعي الذي بادرت بتأسيسه القوى السياسية التي أسهمت في قيادة العمل الكفاحي ، وكان علي زيدان في مقدمة الذين بادروا بتلك المهمة .

وقد سقطت بواسطة هذه الثقة جميع المحاولات البائسة التي حاولت تجميد الوضع حيث هو ، من خلال حجب الثقة عن الحكومة المقترحة عندما أفلحت في ذلك مرتين ، فخشي الكثيرون من تكرار ذات السيناريو بالنظر الى ما شهدته الفترة السابقة من عديد المحاولات المعتمدة على كسب الوقت بواسطة التأجيل الناتج عن الشطارة ، وفلسفة مقولة أهلنا (( خرب الميعاد يوم يخرب دوم )) خاصة وان الكثير من مسئولينا طالما حرصوا على الحديث في أمر البلد وكأنهم كلفوا بشئونه لسنين طويلة ، وليس لأشهر محدودة ، ولانجازات محدودة ونفقات محدودة وصلاحيات محدودة ، وصفة مؤقتة ينبغي ان تلحق بأسمائهم كلما ذكروا في خبر من الأخبار او قرار من القرارات . بل ان القرارات نفسها ينبغي ان تقتصر على الأمور التسيرية والمتصلة بالتحضير للخروج من المرحلة المؤقتة. وقد كان هذا من بين ما جعل تناولي للانتخاب السيد علي زيدان مشوبا بالكثير من القلق . وقد أقول الخوف . ففي دينا السياسة لا توجد ثوابت بقدر ما تكون المفارقات ولا يدوم التوافق بقدر ما تشيع التقاطعات .

صحيح أنني كنت على دراية بما يتوفر عليه الرجل من الأهلية الباعثة على الأمل في إمكانية وضع العجلة على السكة المطلوبة ، وهي دراية لم تأت نتاج العلاقة الشخصية ، بقدر ما هي محصلة الحوار المسئول حول مختلف الشئون والشجون طوال السنوات التي قضاها الرجل خارج البلاد ، فقد شاءت الأقدار ان تتم لقاءاتنا في وقت مبكر ، وظروف بالغة الصعوبة ، حين كان مجرد الاقتراب من علي زيدان يجلب أكثر من محضور ، ولا سيما حين افلح الاستبداد في زرع الكثير من الحساسيات بين أبناء المنطقة الواحدة ، ومع ذلك بقى التواصل مع علي زيدان فوق الهموم الصغيرة والعوالم الصغيرة ، وكان دائما مثال المحاور الجاد والوطني الكبير والمستوعب الجيد لكل مشاكل العمل الوطني بالمهجر ، وقد وفرت لنا بعض اللقاءات القومية مناخا مناسبا لتبادل عديد المحاورات الجادة ، فتأكد لي أن إمكانية التوفيق في المهمة قد لا تكون صعبة حتى النهاية . وقد ضاعف من جذوة الأمل هذه حجم الترحيب الدولي الذي قوبل به اختياره من قبل المؤتمر الوطني العام وهو ترحيب انفرد به عمن سواه او لنقل من سبقه ، فقد تبين ان ما قام به من اتصالات أثناء اشتعال نيران الحرب لم يذهب سدى اذ بقدر ما أدى الى الظفر بالاعتراف الرسمي بالسابع عشر من فبراير وتوفير المزيد من الدعم وحسن الرعاية بقدر ما كان الانطباع عن الأشخاص محفوظا لدى تلك الأوساط مما استدعى ذلك الترحيب اللافت وذلك الاستعداد المعلن عن تقديم أي مساعدات تطلب او استعانة تفرضها المرحلة وهو رصيد ينبغي عدم التفريط فيه .

لقد تبين من تركيبة المؤتمر الوطني العام ان مجرد الأساس لبناء القاعدة الضرورية تحتاج الى ضلعين لا غنى عنهما لسلامة العملية المشار اليها وحفظها من خطر التصدع المبكر إنما تبدأ من تعاون القطبين المتمثلين في تحالف القوى الوطنية وحزب العدالة والبناء وان الترجمة الحقيقية لمثل هذا التوجه والضمانة الأكيدة لتوفر هذا الشرط إنما تبدأ من التصور الشامل لتركيبة السلطة التنفيذية ، وتجسيد ذلك عمليا ، ودون أي مكابرة على حقيقة الضمان المتمثل في طبيعة المشاركة ، باعتبار ان كل قول لا يسبقه عمل لن يكون أكثر من وعد يملك صاحبه الحرية المطلقة في المدى اللازم لتنفيذه . اما اذا ما وضعت الأطر وحددت الصيغ فان القول سيتحول الى فعل . والفعل على هذه الفرضية منوط بمن سيتولى تنفيذه . ومن هنا خرجت التركيبة الوزارية بصورتها المحددة لنوعية المشاركة ونوعية التوازنات التي روعيت فيها من حيث الكتل السياسية والمناطق الجغرافية التي أفلحت في سد الكثير من الثغرات التي اعتاد هواة التشكيك ان يتسللوا من خلالها كما استــــدرك البيان المصاحب لعرض التشكيلة ان مسئولية التعاون وتحقيق المنشود يحتاج الى مساهمــــة ذوي الرأي وأصحاب الخبرة في عديد الشئون من الذين كانت لهم مواقفهم المعروفة طوال الحقب التي مرت من تاريخ البلاد وبالذات عندما كانت الشروط صعبة والظروف غير مناسبة . وكان الطغيـان لا يتردد في وضع الصعوبة تلو الصعوبة والمكر تلو المكر ، وهو اعتراف دل على مستوى الوعي وملامح المرحلة والتي لا يمكن ان تستغني عن هذه الثروة العقلية التي قدمت الكثير عبر تكوين الرأي العام المستتر وما كان يزخر به من الرفض الشديد الذي طالما وقع التعبير عنه بأكثر من أسلوب ، وتجنب تبعا لذلك الكثير من الضربات المباشرة جراء التكتيك الواعي بطبيعة المرحلة وصار في الظروف الجديدة من الضـــرورة بمكان ان تستنفر جميعها ان أمكن كي تقدم ما لديها من الجهد والمعرفة دون أن يساء فهم ذلك وتبدو وكأنها في إطــــار من يبحث عن موقع من المواقع او دور من الأدوار . والحق ان الواقع ذاته ما لبث ان اثبت مثل هذه الضرورة . فقد أعطى الاقتحام اللامسئول الذي أقـــدم عليه البعض الى قاعــــة المؤتمر عقب عملية الاقتراع مؤشرا غير عادي ، اذ تبين من خلال الأغلبية التي أسفرت عن التصويت ان حجر الزاوية الذي اشرنا إليه قد تم وضعه بالفعل وجاءت التشكيلة على قدر غير قليل من مراعاة الكثير من الاعتبارات ، فكان ان وقع اللجوء نحو الفزاعة المعروفة المتمثلة في التوجه الرامي الى استبعاد كل من عمل في النظام المنهار سواء كان أداؤه خاليا من الأخطار المتعمدة او كان انشقاقه واضحا . او كان عمله من خلف الستار ، وما ذلك الا لأن مبدأ الرفض الكامل من شأنه ان يعطل مبدأ النسبية المتصلة بالخطأ والصواب والانحراف الناتج عن نية مبيتة والآخر المتصل بطبيعة العمل وحجم التوفيق فيه . وكانت الحسابات المتصلة بهذا الطرح تراهن على إمكانية التغيير بين هذا او ذاك ، لولا ان الرجل قد عمد الى مبدأ الاحتكام للجهات المختصة في هذه الأمور الا وهي النزاهة العامة ، التي تملك حق البث في هذه الأمور ، بما يعني ان كل من لديه اعتراض من الاعتراضات ان يدعم اعتراضه بما يملك من الوقائع التي تؤيد صحة أقواله ، ويتم بالتالي النظر فيها من كل الوجوه والوصول من ثم الى القرار الذي يصون الحق العام دون ان يؤدي الى ظلم الأبرياء او يصنع من المتابعة سبيلا للانتقام .

لقد أعرب علي زيدان عن شخصية بالغة التماسك ورؤية شديدة الوعي وهو يخاطب الفصيل الثوري الذي اقتحم المؤتمر الوطني العام داعيا الى استبدال من رأي أنهم من أزلام النظام المنهار بأنهم لا يمثلون كل الليبيين وانه اجتمع قبلهم بما يزيد على ثلاثين فصيل كل منهم يرى في نفسه الممثل لأولئك الثوار ، مما يعني ان الأمر يتطلب فحص هذه المجموعات ودعوتها الى وضع المعايير الصحيحة لمعرفة العدد الحقيقي للثوار وأن ذلك حين يتوفر سيترتب عليه الإيفاء ببعض المطالب المتصلة بهذه الفصائل اما الأمور المتصلة بالشأن العام فان الجسم الشرعي فيها هو المؤتمر الوطني العام المنتخب من كل الليبيين ، وان تحديد معايير الوطنية والإخلاص اختصاص أصيل لهيئة النزاهة ولا يمكن لأحد ان يشاركها في مسئوليتها هذه وان موقعه كرئيس للحكومة الليبية تفرض عليه استشعار المسئولية عن جميع الليبيين بمن في ذلك الذين كانوا مع النظام المنهار ، لان عملهم ذاك لا يسلبهم حق المواطنة وان يكن لا يعضهم من المحاسبة الدقيقة والمحاكمة العادلة لقاء ما اقترفوا من جرائم في حق العباد والبلاد . وأن كل استبعاد من الاستبعادات لا يمكن ان يتم قبل استجواب من يستهدف بذلك وبعد الاستماع الى وجهة نظره ، كما ان بعض الوزارات لها شروطها الخاصة واستحقاقاتها الخاصة لان الأداء المطلوب منها يفرض مثل هذه الوضعية التي قد تكون في أحيان كثيرة تتطلب المزيد من المراجعة والمزيد من التشاور ، والواقع أننا على ضوء ما نعرفه عن المجالات التي عمل فيها زيدان والعلاقات التي توفرت له والخبرات التي اكتسبها والظروف الموضوعية المحيطة بمهمته تجعلنا نتبنى الرؤية الداعية الى ضرورة التصدي لأي محاولة ترمي الى تعطيل مهمته لأي مبرر من المبررات . بل لعلنا ندعوه الى ضرورة حصر الأولويات في الاستحقاق الأمني اولا والبناء الدستوري ثانيا الى جانب إعطاء المسألة التوعوية ما هي في حاجة إليه من حيث تذكير كل من يحتاج الى التذكير ، بأننا لسنا في العالم وحدنا وان المجتمع الدولي الذي وفر ما كنا في حاجة اليه من الاعتراف والحماية ، لقاء جملة الجهود التي كان زيدان قريبا منها وبالأحرى في صلبها تفرض اليوم المزيد من التنسيق والمزيد من وجوب مراعاة جميع القواعد المطلوب مراعاتها في الدستور المنتظر والقوانين الصادرة عنه . وان الكثير مما يعتبره بعضننا في حكم الضروري او واجب النفاذ لا مجال للقول به في ضوء المبادئ العالمية التي تحضر العقوبة البدنية وتعلى من شأن الحرية الشخصية ، كما انه على ضوء ما هو معروف عنه من الاستقامة الشخصية مطالب قبل غيره بالتنبيه الى خطورة التطرف والمتطرفين على مستقبل البلاد . كما انه بحكم علاقاته وسعة اطلاعه خير من يدرك ان هناك بعض الأمور التي تعتبر في حكم المقررة سلفاً والمعتمدة مقدما بالنسبة لوحدة البلاد وبالأحرى توحيد السلطة في الأمور المبدئية ، الى جانب نظام الحكم الذي حسم أمره قبل سبتمبر 69 ، اذ لم يعد احد يشك ان ما جرى في ذلك الفجر لم يكن مفاجأة للدوائر الأجنبية ، وقل مثل ذلك بصدد الكثير من المحاولات ولا سيما تلك التي وصلت الى باب العزيزية سنة 83 وحيل دونها في أخر لحظة ! وما ذلك إلا لأننا لسنا وحدنا ولن نكون أبدا قادرين على فعل كل ما نريد او بلوغ كل ما نريد ، وكلما وجد المسئول الذي ينشد الطاعة من خلال الأمر بما في الاستطاعة والذي يدرك ويفلح في دفع غيره ان يدرك ان امن ليبيا جزء من امن العالم وحدودها جزء من حدود العالم ، وان بدت ملتصقة بأراض محدودة . وان كل من يتصور ان في إمكانه إخفاء ما سرق من المال الليبي او ضمان ما أخفى من السلاح الليبي هو واهم بامتياز فعبر القرارات الدولية الخاصة بليبيا وهي تنتفض على الديكتاتورية والرعاية التي حظيت بها من غيرها من بلاد الله ، وبواسطة المنظمات المختصة بمكافحة الإرهاب السياسي والفساد المالي يمكن تسويغ أي إجراء . اما كيف ومتى وأين فذلك ما يجب ان يسبق كل الحسابات ولمثل هذا فليعمل العاملون. إنتهى


____________________________________



معركة ما بعد الانتخابات

أمين مازن


فاجأت نتائج انتخابات المؤتمر الوطني العام التي أجريت بليبيا في السابع من يوليو الجاري ، على مستوى القوائم الحزبية والشخصيات المستقلة ، وهي تظهر تقدم تحالف القوى الوطنية بفارق لم يكن متوقعا ، بقدر ما كان مستبعدا مما جعل هذه النتيجة تثير جملة من ردود الأفعال بالنسبة لكل الأطراف ذات العلاقة بالعملية الانتخابية هذه . وما يعلق عليها من كبير الأمل وما تثيره بالمقابل من مشاعر الإحباط . وفيما رأيناها تجعل الأكثرية من أبناء الوطن تعيش حالة من الفرح غير المسبوق اللهم الا اليوم الذي سقط فيه باب العزيزية . وتمكنت الجماهير العريضة من الدخول الى سراديبه وفضح الكثير من خباياه ، رافعة على سارياته علم الاستقلال نازعة من أسواره كل ما كان يمت الى ما قبل ذلك التاريخ . معلنة للعالم أجمع انتهاء ذلك النظام الشاذ ، وان الذي تجاسر على أبناء شعبه قائلا لهم من انتم معتمدا على الافارقة الذين حشدهم من كل مكان وكلف الكثير من عملائه ليؤمنوا له وصول المزيد ، لم يملك سوى الفرار ولم يعرف له مكان فوق الأرض اللهم الا سجن ان دخله لن يفتح او قبر في مكان ما ، إذا هي من جانب أخر ولعدد قليل من الناس تفضي الى حالة من الاستفزاز غير المسبوق أيضا ، وحالة من خيبة الأمل التي يجسدها أكثر من مظهر ، الى جانب العجز الكامل عن استيعاب اللحظة ، وبدرجة لا تنم سوى عن الضعف المحجل في التكوين السياسي الذي من أبجدياته السيطرة على النفس عند ظهور أي خطأ في الحسابات ، انطلاقا من الفرضية التي توجب على كل من يخوض مثل هذه المعارك ان يضع في اعتباره ان حساب البيدر كثيرا ما يتضارب مع حساب الحقل . وان لعبة الاقتراع العام والسري على وجه الخصوص من طبيعتها قلب الأمور رأسا على عقب . لان المقترع وهو يخلو الى نفسه وليس معه سوى ضميره يصعب عليه ان يمنح ثقته لمن لا يرى فيه الاهلية الكاملة ، اذ لا مكان في حالة كهذه للمظاهر او الشعارات ، فالمسألة أولا وأخيرا مسالة وطن يحتاج للبناء ، والبناء لا ينهض به سوى أولئك الذين ينصحون ويستنصحون بأقصى درجة من درجات العقل والطمأنينة وبأقل قدر من الكلام .

وكانت العملية الانتخابية قد وصلت مرحلة الانجاز ، بعد أن مرت بسلسلة من المصاعب التي كادت ان تجعلها مستبعدة ، جراء بعض المؤثرات الخارجة عن أردة أصحاب القرار ، غير ان أكثرها كان من تدبير الداخل مباشرة ، اذ بدلا من ان يقع التوجه إليها مباشرة وكما حددت خارطة الطريق المقدمة الى المجتمع الدولي وسرعت بكسب موقفه الحازم من الانتفاضة المباركة وتطورها بالتالي الى ثورة تنشد الإجهاز على النظام المستبد ، وجدناها تحاط بحالة من الصمت المحير اذ لم تتم بشأنها أي خطوة جادة ، ولو بالتوكيد على المضي نحوها عقب التحرير ، ومائلا ذلك من اخذ ورد بشأن تشكيل الحكومة المؤقتة عقب استقالة المكتب التنفيذي التزاما بالخريطة المشار إليها وما تلي ذلك من بلبلة ترجمها القانون الخاص بالانتخابات والأخر المتعلق بالكيانات السياسية وقبل ذلك الإعلان الدستوري الذي انفرد بإصداره المكتب الانتقالي الوقت ودونما أشراك للمكتب التنفيذي كما شدد رئيس المكتب المذكور أكثر من مرة ، ولم نسمع أي توضيح في الخصوص لا من رئيس المكتب الانتقالي ولا أي الناطقين باسمه ، وتلك من الأمور المعلقة التي لا بد ان تكون من الاستحقاقات الضرورية حتى لا تبقى مجالا للقيل والقال . وفي هذا الصدد لا يملك المراقب للكثير مما جرى الا ان يشيد بالجهد التوعوي الضخم الذي بذله الدكتور محمود جبريل بشأن المرحلة وصعوباتها والمخاطر التي هددت الثورة وشراستها الى ا ن ادت في نهاية المطاف الى ترجيح فكرة الانتخابات سواء ساد الا من جميع أرجاء البلاد او تم الانجاز في المؤمنة واجل الباقي الى حين الوصول الى الأمان ، فقد وصل الجميع الى قناعة مفادها ان الوصول الى العملية الانتخابية ولو كانت دون المستوى المراد لها أفضل من القبول بمحاولات التأجيل وما تؤدي إليه من غياب الشرعية والتمديد للمجلس الانتقالي المؤقت الذي شكل على أساس التوافق وكان من المفروض ان يعوض بالانتخابات المحلية ، كما فعلت زواره وبعدها مصراته وأخيرا بنغازي ، لولا التلكؤ الذي قادته بقوه وبكل الأسف رئاسة المجلس المحلي لمدينة طرابلس ، رغم ما لديها من دراية بمخاطر الاستجابة لنداء العاطفة في تسيير أمور الناس واتخاذ الإسهام في أي ثورة مبررا لتبوا مقاعدها الأمامية من دون عودة الى الناس ولو كانت شكلية . ولا حرج من القول في هذا الصدد ان شيئا من الشك قد خامر بعض النفوس بوجود علاقة بين ما كان يتردد على السنة بعض الأطياف السياسية الإسلامية القائلة بأن الانتخابات بدعة من البدع التي وفدت على الإسلام ومن واجب المسلم المتبع ان يقاومها فان لم يستطع فليعرض عنها ، ومن ثم فان كل محاولة للحيلولة دون إجرائها قد تمثل نوعا من المقاومة الشرعية . وفي النهاية تمت حلحلة الموضوع وحددت الانتخابات على مستوى البلد ، وان يكن التشاؤم قد تسرب عند أول تأجيل خشية ان تتبع ذلك تأجيلات أخرى ، ولكن هذا التشاؤم لم يكتب له البقاء ، فقد حدد الموعد ومثله الطريق ، والتي جمعت بين القوائم المعبرة عن الكيانات السياسية والشخصيات المستقلة ، أملا في ان يتكفل أسلوب القوائم المشار إليه بإعطاء فرص اكبر للكيانات السياسية صاحبة التاريخ وصاحبة القدرة على كسب عواطف الأكثرية ، الأمر الذي دفع التجمع الوطني الديمقراطي احد فصائل المعارضة الوطنية الناشئة خارج البلاد الى إعلان تحفظه على الانتخابات وهو يشهر تأسيسه بالداخل تاركا لأعضائه حرية المشاركة كأفراد . وهو موقف يخص الكيان المشار إليه دون غيره . وكل له الحرية في التعاطي معه

لقد انخرط الليبيون عبر الكثير من المدن والقرى في الأحزاب السياسية التي بادر بإشهارها الكثير من الناشطين السياسيين وذوي الطموحات النائمة ، وحدث تنافس غير عادي في هذه العملية ، ان من حيث التساهل في عدد المؤسسين او من حيث التقارب في رؤية المواطنين الذي لم يكن يعنيهم سوى التركيز على الوسطية الإسلامية والإصرار على تأسيس دولة القانون والتداول السلمي على السلطة ، حذرا منهم على ما يبدو من الغلو والتطرف ملبسا وزينة وحياة أخرجها الله لعباده وعجب من الذين يحرمونها من الطيبات من الرزق ، ولا سيما بعد أن هالهم ما أقدم عليه البعض من هدم قباب الموتى ونبش قبورهم واعتداء على محال الزينة الخاصة بالنساء ، والتي ان افترضتا جدلا جواز تحجيرها على نساء الليبيين فلا شك انها محظورة بالنسبة للأجانب ، وفضلا عن ذلك كلمة خان كل قرارات التحريم والتحجير لا يمكن السماح بتنفيذها عن طريق الجماعات وإنما هي من مسئولية الأجهزة الرسمية وبموجب قرارات تنظيمه مكتوبة ومحددة المسئولية ومواعيد التنفيذ ، اما الادعاء بأن قباب الصالحين تعني نوعا من البدع او تمثل شيئا من الإشراك فالحق انه استخفاف بعقلية الناس وانتقاص من نزعاتهم الروحية التي كلما توالى العمل على تسفيهها كلما ضعف الجانب الروحي الذي لا يخدم سوى الفكر المادي . ومن هنا في ما نرى ، جاءت برامج الأحزاب السياسية متقاربة من حيث الموقف من الدين والحياة والتطلع نحو المستقبل ، والأمل ، ربما في سلطة تأمر بالمستطاع . الأمر الذي بلور في النهاية فكرة التحالف الوطني الرامي الى الإسلام الوسطي والمنطلق من المشروع التنموي الناضج والتخطيط العملي المدروس . والدستور التوافقي المراعي لظروف البلاد كافة . ليكون فضاء الجامعات والمعاهد العليا والمتوسطة الى جانب الأندية الرياضية والجمعيات المتعددة المكان المناسب لشرح أهداف  التحالف في المرحلة القادمة من تاريخ الوطن ، وقد كلل الله جهاده بالنصر على النظام الاستبدادي واسترداد إرادته وجزء من أمواله المهربة ، أملا في إعادة ترتيب أولويات بما يضمن أداء الدور الليبي المطلوب محليا وقاريا ودوليا . بدء من إعادة أعمار البلاد وقبل ذلك أعمار النفوس بتخليصها من الأحقاد وتفشي روح الانتقام واسترداد الحقوق بالقوة والامتثال لسلطة لقانون عند محاسبة أي معتد على حقوق الناس في أعراضهم ودمائهم وأموالهم ومن خلال قوانين ارتضاها المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها ، بدءً من باكستان وتركيا واندونيسيا ومصر شرقا ، وتونس والمغرب غربا ، حيث العواصم التي قامت بتأدية جلائل الأعمال لهذه العقيدة الشريفة ، وتستعد اليوم لاستئناف دورها على هدى من روح العصر ومستجدات المرحلة وحذر كبير من العودة الى إنتاج المرحلة المسخ التي طالما ادعت شعار تطبيق الإسلام والكف عن محرماته علنا ، وإذا بالشواهد تثبت وجود حياة أخرى تحت الأرض. كثيرا ما أشار إليها لا مطلعون ولم تصدقها الأغلبية ، بحيث لم تكن الحدود المدعى تطبيقها سوى فرصة للانتقام والتشهير والإيذاء الجسدي والقاصر على الفقراء والمغضوب عليهم من عباد الله . وهكذا جاءت نتائج الانتخابات بهذه النسبة المهولة في الأصوات التي أعطيت للتحالف الوطني ، ليس لأنه قد اخفي هويته الليبرالية او العلمانية كما روج الذين لم يمنعهم وقارهم ولا سامق مكانتهم ، من وصف الليبيين بالسذج او المضللين او الجاهلين بحقائق الأشياء والأشخاص ولكن لان الليبيين الذين ضربوا أروع الأمثلة طوال العقود الماضية في المقاومة السلبية وإخفاء حقيقة خياراتهم عن كل متربص بهم ، ساخرين في أعماقهم من كل متلون مؤمنين أكثر من سواهم ان يوم امتلاكهم لإرادتهم آت لا ريب فيه بحيث لم يصل يوم السابع من يوليو ويؤذن بفتح صناديق الاقتراع حتى كانت الدوائر من كل أرجاء الوطن تشهد هذا التقدم في الاقتراع وبهذا الفارق النسبي الذي حمل ابلغ الرسائل لكل الأطراف والأطياف . ومن كان داخل البلاد ، ومن كان خارجها ، ما يتصل باليوم وما يتصل بالغد ، بمعنى ان ما تم كان عن موقف محدد ، ورؤية واضحة وخيار محسوب يتصل بالوطن حاضرا ومستقبلا فنحن قوم محدودي العدد يعرف بعضنا بعضا عرقا وسلوكا ومعيشة . لا أحد يستطيع ان يخفى ما لديه من شئون الحياة وما يتصل بها من الثروة ومصادرها ، كما ان التجاوزات في الواقع الرسمي معروفة ، منذ ان كان التكليف بالأمر المباشر ولا يتجاوز الخمسة ألاف جنيه ، الى ان وصل في زمن أخر الى الملايين ، فأن كل ما قيل حول تجاوزات ما قبل سبتمبر تضاعف أضعافا مضاعفة بعده . ولم تسلم الأشهر الماضية التي تلت إعلان التحرير من الكثير مما قيل ويؤكد أكثر من مصدر وتدل أكثر من قرينة ان سوء الأداء وضعف الرقابة إزاء السلطة التنفيذية مرده بالدرجة الأولى كثرة الطلبات الشخصية ، والذين لهم مطالب لا تكون لهم قضايا ، حدث ذلك عندما كانت المعارضة ببلاد المهجر وحدث أيضا بعد قيام السلطة الجديدة فلا احد يستطيع التستر على مخالفة من المخالفات او يخفي مكسبا من المكاسب غير المشروعة ذلك يعني ان الذين اختاروا التحالف يدركون تماما هذه الحقيقة وقد لا يصدقون في المطلق ان كل من انفق ليست لديه فواتير واجبة السداد ، بمعنى ان الليبيين الذين رجحوا كفة التحالف ينشدون دولة يحكمها القانون ، ومجلسا يصوغ دستورا عصريا قوامه التوافق ومراعاة حقوق الإنسان ، مجلسا او لنقل مؤتمرا يوقف القوانين البائسة وتعيينات اللحظات الأخيرة ، ويمر الى حكومة متوازنة لا مكان فيها للتهميش ومثل ذلك الاستثشار حكومة قادرة على إعادة الهيكلة الإدارية السليم والحكم المحلي العادل . وشغل المواقع السيادية بما يضمن توزيع الفرص وتجنب الاحتكار والتحالفات الظالمة التي طالما أخرت  بالذين لا عصبة لهم . وربما يكون مفيدا لو يوضح ميثاق وطني يعرض مشروع صياغته على الناس كافة . واذا كان التحالف قد افلح في شرح أهدافه وظفر بهذه النسبة فأولى به ان يعود مرة أخرى الى استطلاع أراء المواطنين ليقولوا ما لديهم وفق ترتيبات يمكن للمؤتمر الوطني بما توفر له من الكفاءات الممتازة والرموز الشريفة ليصحح ما هو في حاجة الى التصحيح او الإضافة او التعديل طبقا للواقع واشتراطاته الملزمة فقط لا بد من وضع لائحة داخلية تنظم اجراءات المؤتمر وتحول دون تغول الرؤساء. إنتهى


____________________________________


من يزرع الريح يحصد العواصف


آمين مازن

سارع المؤتمر الوطني العام بتعليق جلساته ، ليتمكن الأعضاء المحترمون من تقديم العزاء الى اسر شهداء مدينة بنغازي الذين ذهبوا ضحية انفجار مروع ظهر الثالث عشر من شهر مايو ، وقد جاءت هذه الخطوة اثر تصريح بادر به النائب الأول للمؤتمر الدكتور جمعة عتيقة وآخر لرئيس المؤتمر القيافية باللائمة على السلطة التنفيذية المتمثلة في وزارة الداخلية ومثلها بالطبع الحكومة، بل ان النائب الأول لم يتردد في دعوة وزير الداخلية الى تقديم استقالته ، وقد رد رئيس الحكومة المؤقتة على زيدان من جهته على الاتهام الذي وجه للحكومة بطرح بدا أكثر عمقا، حين لم ينف مسئولية السلطة التنفيذية ولكنه نسبه الى عوامل أخرى لن يستطيع المؤتمر الوطني رئاسة ونوابا الآفلات من تبعتها ، فيما أفلحت الفضائيات الليبية والخاصة منها بالذات في استثمار هذا الحدث لشغل ساعات الإرسال بواسطة محترفي التحليل الجاهزين دائما لإدانة الحكومة الى الحد الذي جعل من لغتهم معروفة قبل ان ينطقوا بها ، وان كان هناك من اظهر شيئا من الوعي حين لم يهمل حصر التفجيرات في مراكز الشرطة وعدم اقترابها من القوى المسلحة الأخرى وكانت مدينة بنغازي قد شهدت عدة تفجيرات أودت بحياة أكثر من عنصر وبقى بعضها بدون ضحايا ، غير ان هذا الأخير اختلفت حوله الآراء ، عندما ارجع البعض الى سبب خاص مفاده ان صاحب السيارة أو صاحبيها كان دافعهم لحمل المادة المتفجرة على علاقة بصيد السمك وان سوء التخزين أو عدم توفير التامين الكافي هو ما أدى للانفجار ، فهو إذن لا يدخل في الحسابات السياسية الجديرة بالرصد عند تقييم أحوال الأمن ، وهو ما لم يرق لأولئك الذين اعتادوا إساءة الظن وتحميل الكثير من التصرفات العرضيه بما لم تحتمل ، إصرارا على استمرار التوتر بين فئات المجتمع بقصد توظفيها للمصالح الخاصة وكذا الذين لا يقدرون الآثار التي قد تترتب على بعض القرارات غير المدروسة ، كدعوة الجيش الى التداخل حماية للأمن الذي هو اختصاص أصيل للشرطة دون سواها ، لقد تعددت القراءات وتداخلت وترتب على هذا التدخل وذلك التعدد ان اختلطت النتائج وتعذر الفصل في أيها أكثر جدوى ، بيدا أنها تجاهلت اخطر تغير طال الحياة الليبية إلا وهو قانون العزل السياسي الذي صدر أخيرا عن المؤتمر العام الموقر ، وبهذه الأغلبية اللافتة ومثلها طريقة الاقتراع الأكثر لفتا وعجبا ، وما رافق هذه الإجراءات من اعتصام عديد القوى وانتهاك حرمة المؤتمر ذاته أكثر من مرة ، فهذا القانون الذي تؤكد الإحصائيات العلمية انه سيطال أكثر من نصف مليون ليبي وهو رقم بالغ الأهمية بالنسبة للعدد الكامل لسكان ليبيا ، فضلا عن نوعيته وشموله لعديد الشرائح ذات الكفاءة والخبرة والقدرة على العطاء لن يؤدي إلا لمزيد الإضعاف لعموم المتعايشين في الواقع الليبي والذين تقتضى كل الاشتراطات المضي نحو دفعهم للعمل والحد بقدر الإمكان من إقصائهم إلا في أضيق الحدود وبموجب أحكام يصدرها القضاء كما جاء في خريطة الطريق التي قدمت للمجتمع الدولي عند بدء الانتفاضة التي بدأت في السابع عشر من فبراير 2011 ضمن مجموعات الربيع العربي ، والتي قابلها المجتمع الدولي بتلك الرعاية اللافتة والدعم الحازم لمجرد ان ثبت لديه خطورة الموقف المتعنت من طرف النظام المنهار وتصميمه الوقح على إبادة الشعب الليبي دونما رحمة ، فكانت المعارك الضارية والبطولات العظيمة ، ولكن كان الى جانب ذلك كله التجاوزات المؤلمة ، ان من خلال بعض الإجراءات الموصومة بالانتقام والاستسلام لردات الفعل الثأرية، أو من خلال الضعف أمام مغريات المصلحة وشهوات الكسب ، عند واءم البعض بين التحرير والنهب للأملاك العامة والخاصة سواء في النقود الخالصة أو وسائل النقل و أدوات البضاعة وما في حكمها ، التي طالما أخذت جهارا نهارا وظهرت آثارها بسرعة في حياة أولئك الذين أقدموا عليها متمثلة في سرعة صون الأملاك الخاصة وحفلات الزواج السريعة ، بل واقتحام البيوت والمقار بحجة أنها للأزلام ومن في حكمهم ، وفي تجاهل متعمد لتوجيهات رئيس المجلس الانتقالي ومكتبه التنفيذي التي حذرت من ذلك المنزلق بشقيه الانتقامي والنفعي وكان ان ارتفع عدد من الثوار من بضعة آلاف شاركوا في حرب التحرير الشرفة الى أضعاف مضاعفة شملت حتى المناطق التي بقيت محاصرة بعد تحرير العاصمة، فرأينا أعدادا تدعي البطولة وكان بعضهم من أصحاب السوابق الذين أخلى سبيلهم النظام المنهار ضمن المخطط الرامي الى خلط الأوراق وإدخال الناس في دوامة من الفوضى والتناحر لا سيما حين وزع السلاح بطريقته الخاصة ، كما وفتحت المنافذ في وقت لاحق لدخول السلاح وخروجه ، واغلب الظن ان بعض الأطراف المتنفذة ما تزال تمرح كما تريد ، وذلك بعد ان أحكمت ارتباطها بالوكلاء الجدد ، وغدت تمثل دور المنفذ من الباطن الذي يقبل عادة بشروط هذا الوكيل لاستمالة وصوله الى الظفر بما يظهر الى الظفر به رأسا.

لقد تمكن الشعب عقب النصر من خوض معركة الانتخابات المتعلقة بتشكيل المؤتمر الوطني العام الذي تضمنته خريطة الطريق المقدمة الى المجتمع الدولي والنصوص عليه في الإعلان الدستوري ، وكانت الانتخابات المذكورة مثار إعجاب مختلف الأوساط الدولية لما اتصفت به من الشفافية وانعدام الخروقات ، وكان من المفروض ان يستمر التوجه نحو استكمال أركان الدولة واشتراطات المرحلة من حيث التوجه نحو الدستور ، واستكمال الأجهزة التنفيذية ولا سيما تلك المتعلقة بالأمن العام في ركنيه الداخلي والخارجي وتشكيل الجيش الليبي وذلك بدعوة العاملين في هذه المؤسسات ممن لم تسجل عليهم من السلبيات ما يدفع الى الاستغناء عنهم أو الحيلولة دون تمكينهم من العمل ، وهم كما يعلم الجميع قلة ، لان الأغلبية العاملة في هذه الأجهزة كانت باستمرار في غير صف الطغيان بل ان منهم من لم يخف ضيقه وحتى معارضته كما ان هناك من نفذ على مضض ، ولكن الذي حدث كان عكس ذلك تماما إذ سرعان ما رفع شعر الإقصاء للجميع ، وقد تولى الترويج لهذا التوجه أكثر من طرف بدء من أولئك الذين شرعوا في الادعاء بان للثورة مبادئ تتجاوز إسقاط الديكتاتورية وإعادة الديمقراطية فعمدوا الى تبني شعارات تمثلت في المضمون الديني غير المتفق عليه ، بل والمتبني من بعض الأطراف الشقيقة التي كان لها إسهامها في دعم الشعب أثناء معركة التحرير فأبت إلا ان تحيل هذا الدور الى مسوغ ثم من خلاله القيام بالدور الأكبر في مرحلة البناء وعلى رأسها السلاح وحملة السلاح والتركيز على نوعية من البشر فاقدي الأهلية من حيث ضعف التكوين ونقص الخبرة وانعدام الإحساس بالمسئولية ولا سيما عندما اختبر بعض القياديين بدعوتهم الى بعض الزيارات الودية ، كان من بين مفرداتها صرف بعض الهدايا المالية السخية التي قام البعض بتسليمها الى الدولة كما فعل بعض الشرفاء كما ذكر المستشار مصطفى عبد الجليل ، ورأى آخرون ان يستعينوا بها على نكبات الدهر ، باعتبارها رزقا ساقه الله إليهم كما قال احد المشايخ في محاكم سبتمبر ذات يوم ، وكان من بين الذين قبلوا الهدايا المشار إليها بعض العاملين في المرفق العسكري المراد تأسيسه ، ولان الدراهم لم تأبى إلا ان تطل برأسها وتعلن عن وجودها فان رد الجميل مالبث ان ظهر في كيل الشتائم لكل من شق عصا الطاعة على أولئك الأشقاء ، بل وقد سخرت منابر الوعظ والارشاد لمهاجمة بعض التكتلات السياسية المارقة والدفاع عن الاخري المؤدلجة ، ولا سيما التى تؤدي مهما من خلال بعض المواقع الرفيعة ، وفي النهاية كان التعديل المعيب للإعلان الدستوري وكان القانون الرامي الى العزل السياسي، وكان تحريم الفوائد الصرفية الموجودة في الكثير من بلاد الإسلام وكان الإصرار على التمسك بالسلاح ورفض الانضواء تحت ظل القوات المسلحة حتى وهي تدار ممن ليس موضع غضب الوكلاء الجدد وكان الإقدام على تحصين القوانين الجائرة من الطعن إمعانا في تحدى المبادئ الدولية والمواثيق الكفيلة بحقوق الإنسان وهي كما يعلم الجميع واجبة التنفيذ ان من خلال وجودنا داخل المجموعة الدولية ، أو خضوعنا للفصل السابع الذي ما يزال يتيح لبعض الوكلاء التصرف في مالا يجب ان يتصرفوا فيه وتسعى قوى كثيرة لإخفاء حقيقتهم ، ومن ثم صرنا نشهد هذه الأعمال التخريبية التي تقوم هنا وهناك دون ان يعلن احد عن حمل مسئوليتها ، وان كان الضخ الإعلامي قد وفر لها الكثير من أهدافها ، متعمدا كان أو غير مدرك.

وإذا كان من نافل القول ان يستنكر كل من يضمه تراب هذا الوطن مثل هذا النوع من الجرائم التي لا تستثنى من شرورها أحدا ، فان الذي لا بد من التذكير به دوما هو ان كل نظرة الى الوطن على انه غنيمة يمكن ان يفوز بمردودها فريق دون فريق آخر هو محض خيال وحرث في البحر ، فما لم يتنادى الجميع الى كلمة سواء خلاصتها ان هذا الوطن للجميع خدمته واجبة ، والتنعم بخير انه حق لكل أبنائه ، ومحاسبة من اخطأ في حقه جزاء لا مهرب لكل من اقترف خطأ منه عظم أو صغر ، غير ان الدفاع عن النفس هو أيضا لابد ان يتاح ، وان هذا الجزاء شخصي ولن يطال غير مقترفه ، وكل محاولة من المحاولات التعميم لا تعد و ان تكون محاولة من محاولات التمييع وهروب هدفه توسيع الخرق على الراقع ، ويبقى على الذين اتخذوا من السابع عشر من فبراير سبيلا للإثراء بما نهبوه من المال العام وما استولوا عليه كذلك من ممتلكات الأشخاص أيا كان موقف هؤلاء الأشخاص ان يعلموا ان ما قاموا به ليس من الثورة في شيء ، وان كان الكثير من غير الناهبين قد سارعوا بتوثيق هذا النوع من الجرائم بالصوت والصورة أينما حدثت ، وليس ما ينشر على صفحات التواصل الاجتماعي ويتم نقله بواسطة النقالات سوى النزر اليسير ، وان كل تعويل على الإفلات من العقاب عن طريق الحول دون قيام الدولة و استكمال أجهزة الأمن الضرورية لهذه الدولة والجيش الوطني المكمل لسيادتها على هدى من دستورها التوافقي وديمقراطيتها التعددية وسلطتيها الشرعيتين ، مؤتمرا وحكومة ، وغدا مجلسا نيابيا ورئيسا منتخبا وقضاء مستقلا ومجتمعا مدنيا منتخبا ، والذين يريدون ان يصنعوا من الإسهام في السابع عشر من فبراير سبيلا للفوز بما ليس لهم ، او يتخذوا من ذلك شرعية تتجاوز الشرعيات التي قامت على إعلانه الدستوري وخريطة طريقه المعتمدة مذكرين الناس بما كان قائما قبل هذا التاريخ فما عليهم إلا ان يدركوا ان التاريخ لا يعيد نفسه و ان يأخذوا ما يوجه بشأن هذه المحاولات من تحذير يتفق فيه الداخل والخارج مأخذ الجد وليعلموا قبل ضياع الوقت " ان من يزرع الريح يحصد العواصف. إنتهى


________________________________


هل لهذا اللقاء ما بعده 


أمين مازن


كثيرة  هي الاعتبارات التي وضعتها أمامي وأنا ألبي الدعوة الموجهة من هيئة دعم الصحافة ، وحضور اللقاء الذي التام بالساعة الثالثة والعشرين ، من مساء الثالث من أغسطس الجاري ، مع رئيس الوزراء السيد عبد الرحيم الكيب بفندق زميت الأثري بمدينة طرابلس ، والمخصص لأداء الحكومة عن الفترة التي أوشكت على الانتهاء ، وقل مثل ذلك عن الدوافع التي حفزتني على ترك ما اعتدته في الأمسيات الرمضانية من تغليب للجوانب الاجتماعية على ما عداها اللهم الا لقاءات الثقافة وتفرعاتها . ومن هذه الاعتبارات الجانب الأخلاقي الذي يفرض الاستجابة لمثل هذا النوع من اللقاءات التي يفترض ان يكون عدد المستهدفين بها محدودا والموضوعات التي تطرح فيها مرتبة مسبقا ، ومن يحضر يجب ان يكون اكثر استعدادا وحسب اللقاء انه مع رجل ينتمي لجيل غير معروف بالنسبة لنا معشر المقيمين بالداخل ونحن كذلك ربما ، بالنسبة له . ومع ذلك فقد اضطلع بمسئولية إدارة شئون البلد كرئيس حكومة اختيرت من المجلس الوطني الانتقالي المؤقت الجسد السياسي الوحيد من حيث الشرعية المعترف بها من الداخل والخارج ، طبقا لما تم التوافق عليه بين أولئك الذين تحملوا المسئولية السياسية للسابع عشر من فبراير ، والمجتمع الدولي الذي وفر الاعتراف من البداية وقدم أيضـــــا المطلوب من الدعم والرعاية ، لمجرد الاطلاع على خريطة الطريق وما تضمنته من مراحل محددة بشأن السلطة الشرعية المزمع إقامتها ، ومشروع الإعلان الدستوري المزمع أتباعه ، بدءً من المؤتمر الوطني العام وموعد انتخابه ومن تم تشكيل حكومته وكتابة دستوره ليتم لاحقا انتخاب مجلس النواب . وقد تم ولله الحمد انتخاب المؤتمر الوطني العام ولم يبق سوى القليل من الوقت لتشكيل الحكومة المنتظرة . وعندما لم يحدث الترتيب المتوقع فان الاحتمال الأكثر قربا ان الرجل سيلقي بيانا حول تجربته في المسئولية ، وما صادف مسيرته من العوائق والمصاعب ولا سيما من حيث التداخلات والضغوط ، عسى ان تكون مفيدة للمستقبل ، كما ان الأسئلة التي سيطرحها البعض ومن خلال إدارة الجلسة ستقدم المزيد من الأضواء وبالأحرى تدعو إليها ولكن ذلك أيضا لم يظهر بجلاء ، وما ذلك الا لان اللقاء قد جاء على عجل . ومع ذلك وسواء كانت الحكومة ممثلة في شخص رئيسها تريد ان توضح ما يجب ان يوضح ولو في الزمن الذي لم يعد لديها فيه ما يمكن ان تعمل ، ما لم يقرر المؤتمر الوطني تكليف السيد الكيب من جديد على خلفية ان التمديد غير محضور قانونيا ، فقد كان اللقاء على قدر كبير من الأهمية سواء من حيث الأسئلة او من حيث الردود التي أسهم فيها الى جانب الكيب عدد من المسئولين القياديين وعلى رأسهم نائبه (( أي الكيب )) السيد ابو شاقور خاصة وان الحكومة ـــ كما طرح رئيسها ـــ بصدد أعداد مجموعة من الملفات عن المهام التي قطعت بشأنها بعض الخطوات وتحتاج لاحقا لوقت أطول وإمكانيات اكبر . ومشورة أشمل ، اذ ان تبادل المشورة وكذلك الخبرة بين السابقين واللاحقين في ليبيا الجديدة سيكون هو المنهج المتبع عند التسليم والاستلام ، وليس كما شاع في الماضي . كل يبدأ من جديد بل وثمة من لا يتردد في تسغيه كل من سبقه .

لقد علمت في وقت سابق ان الرجل من الذين يقرءون ما تنشر الصحف الوطنية لكتابنا وصحفيينا ، وبالذات أولئك الذي يتوفرون على قدر من الخصوصية ، مما يعني إننا أمام مستوى من مستويات الجدية ، كما ان الكثير من تدخلاته المصورة على الكثير من الفضائيات إثناء معارك التحرير والأوساط السياسية التي تكون فيها والأماكن الجغرافية التي عمل بها والأخرى التي انحدر منها تدفع هي الأخرى نحو هذا الإحساس والحق انه حرص على تجسيد هذه الحقيقة او الحقائق مجتمعة . ولا سيما ما حرص عليه من عدم التقاطع مع سائليه وما تحلى به من سعة الصدر وعدم الانسياق نحو أي دافع من دوافع الاستفزاز فما كان يهمه على ما يبدو هو الخروج بأكبر قدر من الأثر الطيب . وبالجملة فان معظم الأسئلة كانت هي الأخرى متصفة بالرغبة في الاستيضاح أكثر من أي غاية أخرى ، ولعل ملاحظة رئيس تحرير المسار ( بشير زعبية ) بصدد ما كان منتظر امن الكيب ان يخوض فيه حول تجربته والصعوبات التي وقفت في طريقه وحجم الضغوط الداخلية والخارجية التي ربما تكون قد وقفت في طريقه وأثرت في أدائه قد مثلت تلخيصا واعيا وذكيا لما كان منتظر من اللقاء وبالأحرى حضوره بالنسبة لكل ذي موقف جدي إزاء ما يجري وما يقال . فيما كان اكتفاء الصحفي المعروف عب الرحمن الشاطر بالحضور دون الكلام هو الأخر سؤالا من الأسئلة بمعنى هل ان الشاطر قد أحجم من تلقاء نفسه بحكم موقعه في المؤتمر الوطني العام الذي قد يفرض عليه توفير ما لديه الى جلسات المؤتمر ، ام انه قد أبدى الرغبة في الحديث وحال دونه ما ركز عليه رئيس اللجنة التسيرية لدعم وتشجيع الصحافة إدريس المسماري في مفتتح الجلسة وختامها حول ضيق الوقت وترتيب اللقاء في هذا الوقت المتأخر جعل سؤال الشاطر المفترض بين الذين اعتذر لهم . وكيفما كان الحال فقد انتهى لقاء السيد الكيب مع صحفيي ليبيا او بعضهم بالأصح على خير ما يرام ولا شك انه يمثل نجاحا للصحافة الوطنية والصحفيين ورئيس الهيئة المشرفة ، اذ ما أكثر ما عقدت اللقاءات وكان الصحفي الوطني مغيبا او ليس صاحب الاهتمام الأول ، ويبقى ان نكرر هنا ما أعربنا عنه في حينه للسيد رئيس الوزراء بالاحرج من إنفاق أي مبالغ معقولة قرضا او مساعدة لأي طرف عربي من اجل خدمة او خدمات تتصل بتأمين المصلحة الوطنية ، ففي السياسة يحتكم الى الغايات دون الوسائل ، كما ان القيام ببعض المساعدات استحقاق دولي ، لو أدرك الملك إدريس أهميته ولم يبعد الساسة الليبيين الذين أدركوا جدواه لما قررت الأطراف الدولية المؤثرة الموافقة على إزاحته لتدفع ليبيا هذه العقود الأربعة من عمر أبنائها وإمكانياتها فقط لان هناك من تفطنه الى هذه الجزئية ، كما تشهد الكثير من الوثائق التي تناولت الحقبة النفطية . ونقلت جميعها الى اللغة العربية وكانت جد صريحة . ولعلها وغيرها كانت وراء بعض النصائح التي تبرع بها البعض للسلطة الناشئة بضرورة التفرغ لأحوال الداخل بدلا من الخروج الى المجتمع الدولي ، وهي نصيحة كما المح الرجل وان ألبست لبوس الود الا أنها لا ترمي الا لبقاء هذه السلطة محجوبة عن أي اتصال من شأنه ان يفضى الى تحقيق مكاسب اكبر وهو ما نتج عن التوجه الى الأمم المتحدة الولايات المتحدة . فكان استقبال رئيس الوزراء الليبي رسالة شديدة الوضوح مفادها ان ليبيا الجديدة وإدارتها ليست مجهولة بل لعلها خلافا لما يراهن قصير والنظر مهيأة أكثر من غيرها للاضطلاع بدورها في المحيط الإقليمي والقاري ، ومن الممكن ان تبقى شريكا قويا وحليفا فاعلا ينهض بكل ما تقتضي دواعي الشركة ، اعتماد على الموقع وكفاءة الكوادر ، وما أضحت التجربة الصعبة تفرضه وتوجب القيام به وتقترح كذلك أكثر من أسلوب .

وعندي انه كلما توفر هذا الفهم لمن تيسر له ان يتقلد مسئولية من المسئوليات القيادية ، على نحو ما حصل للسيد الكيب وهو يلمح الى مثل هذه المحطات وقد بلغ في رحلة الوطن والعمر ما بلغ وعبر رحلة من التكوين الأسري والمعرفي وقد أقول النضالي فان الاستماع والسؤال والتعليق من الأمور الضرورية لكل من يؤرقه الشأن العام ويحدوه الإدراك لأهمية الكوادر المقتدرة في مسيرة الرحلة الطويلة ،والتي لا تعرف الاستغناء عن دور العنصر الوطني ولا سيما في واقع تتأسس فيه الكيانات السياسية التي ينتظرها الدور تلو الدور . كما هو الحال بالنسبة لنا في ليبيا اليوم ، حتى لقد يكون مستحيلا على كل عنصر ان يعيش مستقبلا بمنآي عن هذه الكيانات ا وان يكون موقفه لغير صالح طرف او أطراف منها . مهما خيل له انه بمنجات عن ذلك ، ولهذا وجدتني وانا أتابع هذه التلميحات المتعلقة بتجربة الأشهر السبعة او الثمانية والتي قد لا تكون شيئا مذكورا من حيث الزمن ، الا أنها ليست كذلك من حيث حجم الأحداث وتداخل الوقائع وعلى رأسها انتخابات المؤتمر الوطني العام التي أنجزتها المفوضية العامة للانتخابات على قدر كبير من الجودة بشهادة المجتمع الدولي وحسبت لحكومة الكيب وذلك لو لم تكدر صفوها سلبية كبيرة تمثلت في الحملات الشرسة التي قام بها عدد من خطباء الجمعة ، عندما سخروا خطبهم لمهاجمة الكثير من الكيانات السياسية التي شاركت في هذه الانتخابات وكذلك الأفراد الذين اتخذوا من الدعوة الى الدولة المدنية برامج لهم ، فوصفوهم ظلما وعدوانا بالعلمانيين ، وطلبوا من أفراد الشعب عدم منحهم الثقة باعتبارهم خارجين عن الدين بل ان بعضهم لم يتورع في ذكر البعض بأسمائهم على الرغم من ان هذا البعض ليس ضمن المرشحين فقد كان المنتظر من السيد رئيس الوزراء ان يكلف زميله في الأوقاف والشئون الدينية والمسئولين معه بضرورة التصدي لهذه الظاهرة وبالأحرى هذا التجاوز انطلاقا من حقيقية مفادها ان مهمة الوعظ ينبغي ان تحصر في أمور الدين وبالأحرى العبادات وما في حكمها ، اما الانتخابات وغيرها من شئون الدولة فباستثناء الحظ على ضرورة المشاركة فان كل توصيف للأهلية او اقتراح للمعايير باسم الدين يمثل عبثا بالأمانة وانحياز الطرف دون اخر من أطراف المجتمع ، وخطباء المساجد يعتبرون اعتباريين فليس من حقهم ان يتحدثوا من خلال المنابر بالذات أي حديث يمس فريقا من الفرقاء لحساب فريق آخر لقد هيأت لهم إمامة المساجد الجراية الشهرية والمكانة الاجتماعية من المال العام ولا يجوز بكل المقاييس ان يستغل ذلك في الإساءة لقطاع من الشعب ، واذا كان السيد رئيس الوزراء قدسها عن هذه الجزئية او اعتبرها غير ذات بال فنرى انه مطالب بالاستدراك ، وبضرورة الإسراع بتكليف الوزير المختص بالقيام بالمسح الكامل لهذا القطاع الذي يجب ان يتصف بالحياد وعدم الخلط بين السياسة والدين ، بل واختزال الدين في مذهب لا وجود له في موروثنا الشعبي او الفقهي ولا يخلو أصحابه من حسابات خاصة وأجندة خاصة وصراع اشتد سعيره منذ الثورة العربية الكبرى وإخراج شريف مكة من الجزيرة العربية ، والوعاظ في النهاية يجب ان يكونوا في مستوى القضاة الذين لا يحكمون الا بالبينة ، بل وكثيرا ما تكون أحكامهم خالية من الأمر بالنشر رحمة بالمحكومين فكيف اذا كان ما يردده الوعاظ المشار إليهم ليس أكثر من اتهام غير مسئول وادانة ليس لها من دليل .

وتبقى مسالة التحاصص التي نعتت بها الحكومة ، وظل السيد الكيب دائم الحرص على نفيها ، غير جديرة بهذا الجهد ، فالأصل في حقائب السلطة ان تكون مبنية على شيء من التوازن بين القوى المؤثرة ، لا يهم ان كان ذلك بتأثير الكيانات السياسية او الأمور الاجتماعية ، فما دامت الكفاءات متوفرة في الكثير من مدن ورى ليبيا فان عدم التركيز على مناطق محددة مبدأ لا غبار عليه ، كما ان توكيد رئيس الوزراء على التزام الوزراء جميعا او إلزامهم من طرف رئيسهم بتقديم كشف حساب حول ما أنجز وما تعذر انجازه ليكون المؤتمر الوطني على بينة بحجم المنجز وكذلك الإخفاق الى جانب تقص الأسباب ، ولكن الذي نرى اليوم انه اكثر أهمية هو الوقوف على رأي هيئة النزاهة حول ما تخذه السادة الوزراء من قرارات تتعلق باختيار الكوادر والى أي حد كانت هذه الاختيارات بمنآي عن الثاثر بعامل القرابة او الشراكة او نحو ذلك من الدوافع غير السليمة فثمة في الأوساط الشعبية حول هذه الظواهر كلام كثير ، حتى ان هناك من يقول ان بعض الوزارات تجسدت داخلها الجهوية على نحو لم تشهده البلاد في أي مرحلة من المراحل ولا مناص والحالة هذه من ان يطلع الجميع على هذه الظاهرة وقد تكون لنا عودة أخرى الى ما طرح في هذا اللقاء وما لم يطرح ، ورمضان كريم وعيد سعيد


____________________________________



هل نحذر المعارك الخاسرة


أمين مازن

استدرجت القوى الإسلامية المتشددة نحو ماكان ينبغي أن تتجنبه وتحذر من سوء عاقبته ، على الوطن والمواطن . وذلك عندما  أقدمت أخيرا في جنح الظلام على هدم الكثير من الأضرحة المقامة لعدد من الإعلام الليبيين ، الموصوفين بالأولياء الصالحين ، من كان لهم دورهم المعدود في رحلة العمران الليبي وقد نقول التاريخ الوطني . وكان لهم كذلك آلاف الاتباع داخل الوطن وخارجه ، مثل الشيخ عبدالسلام الأسمر المشهور بالمغرب العربي الكبير كافة والذي لم ينل بعد حظه من الدراسة الدقيقة وبالأحرى لم تنشر تلك التي أعدت عنه وعن دوره التوعوي ، الذي سعت أطراف كثيرة الى الإبقاء عليه غامضا وبمناي عن المتناول الذي يخرج به من دائرة الدروشة ، إذ قد اضطلعت المنارة المقامة حول مثواه في مدينة زليتن بدور بالغ الأهمية في نشر الثقافة العربية ، وتجلياتها المتمثلة في الفقه المالكي والتصوف الإسلامي والنحو العربي ، حتى إذا ان الأزهر الشريف اعتبر القادمين من حلقاته الدراسية مقبولين مقدما في ذلك الصرح العلمي الخالد ، ومباشرة التحصيل في مستويات محددة ، كما أن الكثير من الذين أكتفوا بما نهلوا من فيض حلقاته ودخلوا بعد ذلك ميدان الحياة العملية مؤهلين لتقلد الكثير من المسئوليات العلمية في مختلف الشئون ، بل أن منهم قد أثبت جدارة فاقت أولئك القادمين من أكثر من مكان . وقد كانت حجة الذين أقدموا على الهدم أن ذلك التصرف مبعثة الحرص على عقيدة التوحيد ، على خلفية مادأب على ترديده بعض السذج عن كرامات الشيخ قد اضعف من درجة الايمان ووجب من ثم مقابلته بالطريقة التي تم بها التصرف . بل لقد امتد الى مدن أخرى وشخصيات اخرى ، ويؤكد أكثر من مصدر انه لن يتوقف ومن قاتل انه قد امتد بالفعل نحو الزروق بمصراته والأندلسي بتاجوراء ، والدوكالي في مسلاته ، وقد يمتد الى السيد المهدي ورفاقه بالكفرة وربما يشمل سيدي الصيد وسيدي بوعجيلة والقائمة تطول ، وهناك من يرجع التصرف الى فتيا دينية ، فالتصميم قوي والتسهيلات واضحة والمساعدة على التصرف غير خافية ، ومامن قوة يمكنها أن توقف هذا التوجه . ولان الامر ليس موضوع اجماع كان لابد أن تشتد المعركة بين المؤيدين والمعارضين وان تزهق جراء هذا الخلاف ارواح بريئة ، وان تبيت طائفة من الناس قريرة العين بما افلحت في تحقيقه واخرى حزينة كاتمة غيضها أو معبرة عنه ، متحفزة بدون شك للرد بما تستطيع . وكما يحدث في كل خلاف بشأن أي مصلحة من المصالح أو سلطة من السلط ، فقد عمد البعض الى خلط الاوراق ، وتصوير الأمر على انه خلاف بين مؤيدي النظام المنهار والثائرين عليه ، وليس ـ وكما هي الحقيقة ـ مجرد صراع على النفوذ كان ومايزال وسيبقى المحرك الاول هنا أو هناك . فهذا الخلط اعجز من ان يخفي حجم المأساة أو يمرر السر الدفين وماادى اليه من خسارة فادحة ، خسارة امتدت الى الثروة الاثرية وتجلياتها العمرانية والثقافية وكذلك السياحية ، فضلا عن امتداداتها المتصلة بالسلم الاجتماعي اذ ما من مرة يكتب فيها لطرف من الأطراف ان يتمكن من فرض تصوره على المختلفين معه بالقوة إلا وكان ذلك نذيرا بتقدم الطرف الآخر في ظرف من الظروف الملائمة للقصاص مما جرى ، والقيام بردة الفعل المتوقعة بما يتوفر من الحجم والتوقيت ، مما يعني ان مثل هذا المسلسل لن يعرف التوقف ولن يستطيع أحد ان يعرف مايمكن أذ يؤدي إليه في مسيرة السلم الاجتماعي التي ظلت مطمئنة حين مرت العملية الانتخابية دون أي شكل من أشكال المشاجرات على الرغم من حدة التنافس وانتشار السلاح ، والأمر ذاته بالنسبة لرئاسة المؤتمر الوطني والرئاستين المساعدتين . ومااتسمت به مجتمعة من التوازن والشفافية وكان من الممكن ان ينصرف الجميع للعمل المثمر ، لولا هذا المنعطف الخطير الذي لن ينتج عنه سوى مايضر بمصلحة الوطن على مختلف الصعد ، بل وينذر باوخم العواقب . مالم تبادر القوى الواعية برأب الصدع ومحاولة التخفيف من أي ردة من ردات الفعل التي لو قدر لها أن تحصل فلا شك إنها ستكون أكثر شراسة واشد ضررا على قاعدة ان كل عملية من أعمال الثار يحرص القائمون بها على ان يكون حجمها اكبر من سابقتها أعمالا لمبدأ الاستباق نحو السوء ودرء الخسائر مقدما . بيد أن الذي لم يستطع المتشددون التنبه إليه هو ذلك المتصل بالأطراف الخارجية ومايمكن أن ترتبه من إمكانية توظيف هذا الذي جرى نحو سمعة البلاد وماقد يحضر لها من مخططات غير سارة مستقبلا ويكفي ان نلحظ هذا التسابق اللافت لإدانة ماجرى ابتداء من اليونيسكو الذي اعتبر الأضرحة أثارا تاريخية وثروة حضارية يعتبر الأضرار بها من الأمور التي لايمكن القبول بها بدا باستنكارها ووصولا الى القصاص لها ، وقل مثل ذلك على المجتمع الدولي الذي أعرب عن قلقه إزاء الأحوال الأمنية الليبية ولاسيما حلف الأطلسي صاحب الدور الكبير في تدمير الترسانة العسكرية التي كادت أن تبيد الشعب الليبي بالكامل ، ولم يمكن من المنتظر أن تقف عند حدها لولا تلك الهجمات الاستباقية ، والتي تمت بواسطة التفويض الدولي المتمثل في إخضاع النظام للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة وتؤكد أكثر من قراءة ان القرار الاممي مايزال قائما ولايحتاج أعماله لأي تشاور دولي جديد ، كلما بدا ان هناك مايطال الأمن او ينذر بالخطر اويشي بوجود أن شكل من إشكال الإرهاب الدولي ، كما تفهمه تلك الأطراف وتتصرف بمقتضاه ومن الصعوبة ان لم نقل من المستحيل ان يمنعها احد من ذلك . وبعد ان أفلحت بلادنا في انتزاع إعجاب العالم ولاسيما المهتمين بشئونه السياسية بالمستوى الحضارى الذي جسدته انتخابات المؤتمر الوطني العام من إعلاء لشأن الحرية ابتداء من ظهور الشكل التعددي من خلال التنظيمات الحزبية وانتهاء بهدوء عملية الاقتراع وسلامتها من كل أنواع الإكراه وأشكال الضغوط الى جانب النسب المتعلقة بالفصائل السياسية المتنافسة ومااشرت إليه من إمكانية التوصل الى نظام توافقي يراعى ظروف البلاد وطبيعة تشكيلاتها السكانية ، ويصلح لكي يكون صيغة يمكن ان تفيد منها بقية الثورات المجاورة أو تعميق مابدأ به بعضها من جنوح نحو الدولة المدنية المبشرة بانتهاء زمن الديكتاتورية الى الابد وحسبك ان ليبيا التي حققت كل ذلك في زمن قياسي أصبحت أخيرا وفي أيام معدودة لاتذكر إلا بشيوع الأعمال الإرهابية وشبح الاحتكام الى القوة والقوة وحدها بشأن الحياة العملية المنتظرة اذ مهما كانت عظمة الأفكار او قد سيتها فان العمل على فرضها بالقوة لن ينتج إلا مايضر السمعة ويشيع الخوف ويساعد المتربصين بتحقيق كل مايتطلعون إليه من الأضرار بالعباد والبلاد مما يجعلنا جميعا مدعوين اليوم وقبل الغد الى ضرورة الإسراع بالالتفات لهذه الوضعية والتنادي لها قبل ان تنتج ماتنتج من وخيم العواقب وسيء المردود ، ففي ظل هذه الأجواء لن يوجد سوى مايساعد على تحقيق كل المخططات الماكرة والمتطلعة الى إفساد السمعة وإعاقة قطار النمو والحيلولة دون استمرار العملية الديمقراطية القائمة على نبذ العنف والاحتكام الدائم للحوار ومن ثم الاقتراع حول مختلف الشئون العامة على هدى من المشورة والتمسك بالوحدة الوطنية والحد من كل مامن شأنه ان يسهل طريق البلقنة التي طالما سعى إليها الطغيان وراهن على ان تكون هي البديل منذ ان امتشقت الجماهير سلاحها وأصرت على ان تقبر جلادها وتعيد تأسيس حياتها ، ففي ظروف انشغال هذه المجموعات الكبيرة من المواطنين الليبيين بهذه المعركة المنفصلة حول أضرحة الأولياء المنتشرة في بلادنا من أقصاها الى أقصاها ووجود نسبة كبيرة من الناس وبالا حرى الأغلبية منهم الرافضة لمبدأ إزاحتها بالقوة فان رد الفعل يكون أكثر احتمالا مما سواه ، وحين يكون الأمر كذلك من الذي سيتصدى للكثير من الموتورين والرافضين لما شهدته حياتنا من متغيرات من الذي يمكنه ان يتصرف في الوقت المناسب للكثير مما قد يأتي به الغيب من انواع التخريب المتعمد ، ثم من الذي يضمن ان ماتم بشان الأضرحة لن يضم لاحقا الى مايمكن ان يعتبر هو الآخر في حكم المحرم كالتماثيل الفنية والآثار التاريخية وقد شد ذلك عن محال الزينة والملابس التي توصف من أصحاب هذه النظرة بغير المحتشمة وربما غير الشرعية . وحين يتم ذلك لأقدر الله هلا يكون مبررا لكل من لديه أجندة ترمي الى النيل من امن الوطن في عمومه ووأد كل الأحلام الوردية التي طالما حركت مشاعر الأكثرية من أبنائه وهي تفضل الموت على الحياة في سبيل الا يبقى أمرها بيد من يتوهم انه قادر على التفكير بالنيابة عنها بل ومد الأيدي الى مكتسباتها المادية . ومن جهة أخرى فان دولة لها حدود برية مع خمس دول مختلفة السياسات والإمكانيات والأهداف والتحالفات تتسع مساحتها الى أضعاف سكانها وتكفي إمكاناتها المادية أكثر منهم إضعافا ويشكل شاطئها الطويل مصدر من مصادر الترغيب والترهيب التي تقتضي دوما تكون أساطيل الدول على مرمى البحر منها وحاملات الطائرات البديلة لما غادرها من القواعد أكثر قدرة على التحرك عند اللزوم ، ان دولة هذا هو واقعها وتلك هي ظروفها  من السذاجة بمكان ان يتصور كائن من يكون ان في إمكانه ان يرفع من داخل أرضها شعارات الجهاد فيحاكي النموذج الأفغاني المنغلق أو الإيراني الشيعي ، بل حتى الوهابي الطارئي . فما هو موجود من المهادنة المؤقتة ليس أكثر من استراحة المحارب ، وثمة في تاريخنا مايدل على ان كل الأحداث الكبيرة سبقتها قبل ذلك تحضيرات اكبر إلا أنها قد تمت على مهل .

ان كل إخلال بالأمن العام ، او أعمال للسلاح تحت أي مبرر من المبررات القائلة بالإصلاح الديني ومافي حكمه من الإجراءات القسرية التي لاتصدر عن سلطة شرعية معترف بها ، لن يكون لها من مردود أكثر من توفير المبرر الكافي لكل القوى المتربصة بالوطن ومصيره ، والمتعطشة للانتقاص من سيادته والتدخل في شئونه ، وإغراق أبنائه في معارك جانبية وخلافات هدامة واذا كان الذين أقدموا على هدم الأضرحة بل والمساجد التابعة لها ، قد سوغ لهم ذلك ماتوفر لديهم من الحرص المبالغ فيه على الجانب التوحيدي ، فان الذي فاتهم بدون شك هو عدم تقديرهم لموقف القوى الرافضة ومايمكن ان تقدم عليه من ردات فعل كثيرا ماتتجاوزالفعل المذكور ، فتمتد الخسارة الى مستويات اكبر وإعداد اشمل ، وربما تثبت المراجعة الواعية ان ماخيل لأصحاب الفعلة قد شكل نوعا من الانتصار إنما هو الهزيمة بعينها او بدايتها على الأقل . فكل خطوة تؤدي الى زيادة التوتر وتضاعف من درجة الاضقاف سيعم ضررها الوطن في عمومه ، ضرر يطال الوطن في أمسه ويتواصل مع حاضره ولامناص من ان يمتد لغده ، فهل الى خروج من سبيل



___________________________________


ولكن من الأشياء ما ليس يوهب


أمــين مازن


يقول بعض الرواة ان الزعيم الوطني الكبير الأستاذ مصطفى بن عامر الذي فرضه الضغط الشعبي في الأسابيع الأولى التي عقب قيام نظام الفاتح من سبتمبر 69 وزيرا للتربية والإرشاد القومي ، وحاول النظام الجديد ان يفرض عليه المشورة بشأن أي تصرف يريد القيام به ، لم يتردد في مخاطبة من طلب إليه ذلك ، ولعله القذافي شخصيا ( لو كنا نريد الوزارة بهذه الكيفية لأخذناها من زمان )) إذ ان الشاعر رفيق المهدوي كان قد قال قولته المشهورة (( حكومتنا محكومة ووزيرنا له تحت أمر المستشار نزول )) و يومئذ أرفق الأستاذ الجليل موقفه ذاك بالاستقالة ثم الانزواء في بيته ، والمجاهرة بتحذيره من العبث بالحدود الشرقية التي حاول الأشقاء وربما تمكنوا من المساس بها مستغلين الهوية الوحدوية المفتعلة للعهد ، إما الذي دعاني لاستدعاء هذه الحادثة ، فالحق إنها المقابلة المتلفزة التي شاهدت إحدى إعاداتها على قناة ليبيا الدولية، مع الدكتور محمود جبريل ، رئيس المكتب التنفيذي المنبثق عن المجلس الوطني الانتقالي ، ذلك الجسم الذي اضطلع بحمل مسئولية السابع عشر من فبراير عشية تفجيرها وتقدمها الى المجتمع الدولي لنيل الاعتراف والدعم ، وبمقتضى خريطة للطريق المزمع سلوكه عقب الإجهاز على النظام المستبد الذي عجزت كل المحاولات الرامية الى إصلاحه ودفعه الى التعاطي مع أملاءات العصر وما شهده من متغيرات أثبتت بما لا يدع مجالا للشك استحالة استمرار الحكم المطلق ، ففي هذا الحديث أماط محمود جبريل اللثام عن الكثير من الخبايا ، و أوضح الكثير من التفاصيل التي كشفت الوجه الآخر لما كان يجري ، عندما كانت الجبهات مستعرة ، والمؤامرات هي الأخرى على أشدها ، حتى يمكن القول ان الواقع المصاحب ليس إلا صحراء من الألغام ، ولا يدري الداخل إليها متى وكيف سيواجه الانفجار القاتل ، وما على الذين عاصروا الأحداث وشاركوا في تسييرها إلا ان يبادروا بالإدلاء بما لديهم حول ما طالهم من حديث جبريل.

وكان هذا الرجل قد تعرض لحملة ممنهجة ، منذ بروزه في الفريق الذي اضطلع بمهمة التسيير السياسي لانتفاضة السابع عشر من فبراير ، حملة شملت الصدق الثوري والالتزام الديني والأداء الوظيفي ، وكان أخطرها ترميزا صفة العلمانية التي أريد بها لفت نظر الشارع ان جبريل ليس من جماعة الإسلام السياسي، بالنظر الى ان هذا الفصيل قد يكون أوفر حظا قيادة المرحلة القادمة ، وكنا معشر المتابعين عن بعد والمحاصرين في العاصمة نستشعر حيرة شديدة من هذه الحملة ، بل وربما تشاء منا من ان الوئام بين الفصائل الوطنية المضطلعة بالقيادة لن يكون طويلا ، ذلك ان محمود جبريل كخبير استراتيجي من المستبعد ان يخوض في المسائل الدينية التي قد تدفق الى التقاطع المجاني ، وهو كانسان يبدو عليه الهدوء يتعذر ان يشتري عداوة من العداوات ، ولكن التشكيك لم يعرف التوقف سواء وهو يدير المكتب التنفيذي والحرب على أشدها في الجبهات ، والنظام المنهار يضعه على رأس قائمة المستهدفين بالقتل ، أو وهو يطرح مشروعه السياسي الذي بلوره في الكيان الذي اختار له عنوان التحالف الوطني ، عندما مهد لعمله المذكور بسلسلة من المحاضرات التي دأب على إلقائها في الأوساط التعليمية بمرحلتيها الجامعية والثانوية الى جانب النوادي  وبعض منظمات المجتمع المدني وكان لها ما لها من حسن القبول وأخر الثقة الذي ترجمته في وقت لاحق الآليات المختصة بسبر اتجاهات الرأي العام بدءً من شبكة التواصل الاجتماعي ، والمهم ان الحملات المغرضة بقت حيث هي ، وبقى المتابعون يوالون انشغالهم ودائب سعيهم للوقوف على سرها ، وكان ان أقدم الرجل أخيرا على إماطة اللثام عن كل ما لديه إذ تبين له ان الأمر ما لتعلق بالبلد والدور المنتظر منه عقب بناء الدولة المنتظرة . وما إذا كانت ستكون ــــــ كما يحب لها أهلها الواعون ــــ من اللاعبين الرئيسيين في المنطقة أم كما يريد لها الوكلاء الجدد يؤمر فتطيع ، وتتوسل كما نصح منذ سنين دعاة التوسل ! .

وقبل ان امضي في ما أحب الخوض فيه حول مجموعة النقاط التي وردت على لسان محمود جبريل وبد أنها تسببت في ما تعرض له من عنيف الحملات التي اشترك فيها اكثر من طرف ، أود ان أوكد هنا أنني لم التق الرجل إلا في الأشهر التي سبقت سفره من البلد . وقد استقال من مجلس التخطيط الوطني وحضور الحوار الذي انتظم معه في مركز الجهاد حول مشروع الرؤية المعدة عن ليبيا 2025 ، والتي أشرك فيها الكثير من الكفاءات الوطنية تحت سقف الجامعة الليبية في بنغازي ، وكان الجزء المتعلق بالثقافة من مشمولات عدد من المثقفين الجادين يحضرني منهم الاساتذه محمد الفقيه صالح و نجيب الحصادي وزاهي المغربي وغيرهم كثر ، فعلى خلفية تلك الظروف وحلقات برنامج بلا حدود حاولت التواصل مع هذا المثقف عندما زرته بالمكتب الكائن بطريق المطار وسعدت بالاستماع الى الكثير من أرائه وحسن متابعته ، وان أحزنني ما وجدته لديه من الإحباط جراء ما وقف عليه من التعويق لكل دراسته واذكر انه ختم لقاءه ذاك بكلمة بالغة الدلالة والوضوح عندما قال لي  بالحرف الواحد ( الإصلاح يحتاج الى إرادة ، ونحن إرادتنا تريد التخريب ) فثبت عندي ان الرجل لابد ان يحزم أمره ويلحق بالمعارضة المهاجرة ، والتي كنت احد المتواصلين مع بعض رموزهم والمؤمنين بجدواها ، وكان الكثير منهم لا يخفون مودتهم ومنهم من لم يتردد في إعادة نشر ما كنت اكتبه على منا برهم الاليكترونية . لقد تدافعت الأحداث بعد ذلك بسرعة لتحل الحقبة الثانية من قرننا الجاري ويبدو معها انفجار الوضع في تونس وتتلوها مصر ويثلث الحبل كما يقولون بليبيا ويأتي محمود جبريل في مقدمة الذين اضطلعوا بالمسئولية السياسية بتسمية رئيسا للمكتب التنفيذي فيكون ذلك مؤشرا على ان الداخل الليبي صاحب النصيب الأوفر في ما جرى وما سيجرى لليبيا المنتظرة .

ولا شك ان هذا الاختيار كان موفقا للغاية ، لما توفر فيه من المواءمة بين المقومات الشخصية المتمثلة في التأهيل العلمي ، والخلفية الاجتماعية المتمثلة في العصبية ، كما يقول جدنا ابن خلدون في شروط الحكم اقصد الاختيار الذي شمل الفريق بالكامل ، فحين يتحقق الجمع بين المنحدرين من القبائل المالكة لشرق الوطن والأخرى المتعذرة في غربه وشرقه في ذات الآن ، ومثل ذلك الوسط ويكونون من بين العاملين داخل النظام الحاكم وكذا المعتمدين بالداخل ، فان ذلك يعني ان داخل الوطن بكل أطيافه هو الذي يتبنى مطلب التغيير ويسعى إليه وهده مسألة يقدرها الجانب الدولي كثيرا بل ويقدمها على ما عداها ، وخير دليل على دلك ترجيح البريطانيين لكفة قحطان الشعبي على عبد القوى مكاوي عندما رأت بريطانيا إعطاء جنوب اليمن استقلاله . وقبل ذلك ليبيا عندما تقرر استقلالها فرجحت كفة الموجودين بالداخل على العائدين من المهجر ، وعلى كل حال فقد واصلت الأحداث مسيرتها واقتنع الجانب الدولي بمشروعيته الانتفاضة وجدية الليبيين في مقاومتهم لجلادهم الى ان تحقق لهم الإجهاز على النظام ودخل المجلس الانتقالي ومكتبه التنفيذي ليظهر محمود جبريل وقد بلغ به الإعياء أقصى درجاته وليس له من حديث سوى التحصن على مقاومة النفس الإمارة بالسوء والحذر من الانتقام واخذ الحقوق الشخصية بالقوة ، او كما قال بان الانتصار الحقيقي هو الانتصار على النفس ، ثقة منه ان كل تصرف لا يراعي هذه الاعتبارات سيحول النصر الى هزيمة والفرح الى أحزان . والحق ان الرجل لم يكن يعاني نزعة تشاؤمية كما ظن بعض المتسرعين وإنما لما كان يلمس من مظاهر التهور والاستعجال لمرحلة ما بعد النصر ،  والتي وقف على ملامحها الأولى من خلال المعلومات المضللة التي ظلت تطيل فترة البقاء خارج المدينة بحجة ان الأهداف المحتاجة لتدخل الحليف الدولي ما تزال كثيرة ، في حين كان عددها عند دخول طرابلس لا يزيد على اثنين ، والسبب ان البعض بدأو معركتهم مبكرا بل وقبل ان تنتهي مرحلة الكفاح ، وكان ما كان من تسارع الأحداث التي حقق فيها بعض الفرقاء أكثر من هدف ، بدءً من إرجاع بعض العقارات الشخصية بقوة السلاح واحتلال المرافق الإعلامية والإدارية والمزيد من الآليات ، والاستيلاء على أملاك الفاريين باعتبارهم أزلاما ، على الرغم من تحذيرات رئيس المجلس الوطني الانتقالي في الخصوص . فقد تم اختراق الثوار من خلال تعدد قياداتهم وهوياتهم المناطقية وصار في مكنة أي مندس ان يحقق ما يريد لمجرد ارتدائه الملابس التي يرتديها الثوار وادعاء هذه المنطقة أو تلك . وقد التزم محمود جبريل بخارطة الطريق ونصوص الإعلان الدستوري فسارع بتقديم استقالته ، خلافا لما توقع الذين لا يعرفون ، بل ولا يعرفون ما أخذ يظهر من صراع ، وبدا يلوح في الأفق ما يشير ان السفينة يمكن ان ترسو على شاطئ الأمان حين أمكن إجراء انتخابات المؤتمر الوطني ، ثم انتخابات رئاسته وكذا رئاسة الحكومة إلا ان عدم إقرار اللائحة الداخلية للمؤتمر راكد ان الأمور ليست على ما يرام ، وتردد الكثير عن التدخل الخارجي ، وتبين من خلال العزل السياسي وتشكيل الحكومات ان الصراع على أشده ، حتى كان هذه الحديث الذي أقدم فيه محمود على تسمية الأشياء بأسمائها بصدد ما واجهه من التدخل في الشأن السيادي الليبي بدءً من حضور رئيس المجلس الوطني الانتقالي الى الدوحة وعدم إحاطة محمود جبريل علما بذلك ، لا من رئيس المجلس ولا السلطات القطرية التي استضافته وأكرمت وفادته ، غير إنها لم تجد غضاضة ٍفي ان يكون ثمن ذلك إقصاؤه من حضور اجتماع وزراء النيتو بعد ان كان في مقدمة الحاضرين وذهبت الى أكثر من ذلك فطلبت تأجيل زيارة الرئيسين سيركوزي وكاميرون عقب التحرير ، بل وطلبت من رئيس المجلس ان يدعي المرض كي تتأجل الزيارة وفي النهاية حالت دون تنفيذ اتفاق الثوار على تسليم أسلحتهم بعد أن وقعوا محضرا في الخصوص ، وتساوقت في النهاية مع المجلس الوطني الانتقالي بأن اصدر قراراً الغي به قرار المكتب التنفيذي بل وسحب الاختصاص الأمني للمجلس الوطني والذي هو جسم تشريعي وليس من حقه التدخل في الشئون التنفيذية . ولا شك ان هذه الوقائع تظهر لكل من يجب ان يفهم سر الحملة التي تعرض لها هذا الرجل ومن القوى المنسجمة مع تلك الربوع والتي طالما وصفت محمود جبريل بالمعاند والمتشبث برأيه . كان الأمر يخص جبريل كشخص ، وليس الصفة التي تمثل الوطن واستقلال قراراه .

لقد كان حريا بالذين عايشوا تلك الأحداث ان يكبروا في رفيقتهم موقف المبدئي المشرق ، بدلا من ان يظاهر عليه إلا بعدين ، قبل وبعد التحرير . أما وأنهم لم يفعلوا ذلك ، ولم يدفعوا اليوم بمبرر مقنع ، فحق على كل متابع منصف ان يرصد الوقائع ، ويكبر الموقف ويقول للرجل بكل اطمئنان

وَلَو جازَ أَن يَحوُوا عُلاكَ وَهَبتَها, وَلَكِن مِنَ الأَشياءِ ما لَيسَ يوهَبُ. إنتهى



____________________________________



عن الأمازيغ بحبٍ جَمّ


أمين مازن


أفخر بصلتى الوثيقة، إن لم أقل أكثر من ذلك بالأهل الأمازيغيين، والتي تعود تاريخيا إلى سنوات الطفولة، عندما كان أبرز شخصيات ذلك الظهير العم الراحل (سالم الصادق)، يعمل موظفا بالسلك المدني التابع للإدارة العسكرية الإيطالية التي حكمت الجفرة وكذلك فزان، وسميت بلدة « مسقط الرأس هون» عاصمة الصحراء لمجرد أن تمكنت إيطاليا من بسط سطرتها الكاملة على التراب الليبي في مطلع الثلاثينيات من القرن الماضي. ففي ذلك الزمن والذي يكننى أن أحدّد تاريخه في سنة 1938 بدأت صلتى بتلك الأرومة عن طريق ذلك الرجل الذي كان جارا لجدتي وحاضنتى ، إذ كان مولدى متزامنا مع أحد أبنائه «الصادق» فترتب على تلك الجيرة أن تيسر توفير الكثير من احتياجاتي التي يتعذر الحصول عليها ـ كما روى الأهل ـ لكل من لايعمل بالدوائر الحكومية.

هو تاريخ قديم بلا جدال، ومن الموكد أنه تلاشى في مرحلة من المراحل جرّاء الكثير من المقولات غير المسؤولة والأحكام غير الدقيقة، وفنون التعبير المثقل بالتطرف العرقي، وضعف الإحساس الوطني، وفي مقدمة هذا النوع من التعبير ذلك الشعر الشعبي الذي طالما تبادله الزجالون الليبيون خلال حِقَبٍ طويلة وكانوا في كثير منه دعاة للفرقة ورسلا للتخريب والتحريض على الفتنة. ولاسيما في سنوات المقاومة للغزو الإيطالي، عندما اختلفت المواقف وتعددت الرؤى، وتضاربت المصالح، فكان لذلك كله أثره الكبير في التمكين لكل ما هو فاسد ومفسد، ويمكن القول بكل اطمئنان هنا أن ما حدث ما كان له أن يحدث لولا أن الذين تقدموا الصفوف واضطلعوا بالقيادة، كانوا في أحيان كثيرة دون المستوى المطلوب لما أوكل إليهم من مسؤوليات التسيير، وإلا لما أوقعوا المتساكنين في تلك الحرب الضروس التي طالما تسببت في تبادل التهجير بين عديد الأطراف، وفرضت الاستعانة بمن لايجب الاستعانة به، لولا أن المرارة لابد أن تسوغ المرارة الأشد لقد كان إدراكي لهذه الحقائق في مطلع تعاملي مع التاريخ إلى جانب تأثير النشأة الأولى ما ساعدني على تقويم رؤيتي في غير ما مرة، كما زودتني بالحرص القوى على تعديل أحكامي الفظة ومن ثم التراجع عنها، أو لأقل تصحيحها نحو آفاق فكرية أوسع ونظريات سياسية أشمل وصولاً إلى تعامل مع الواقع الليبي وأحداثه التاريخية بفهم أنضج، فإن التي صدرت بهاهذه السطور ما لبثت أن تجذرت أكثر وتعمقت وترسخت أكثر أيضا، فصرت مع الكثير ممن أتبادل معهم حول أي شأن من الشؤون أكثر تعبيرا عن هذه الصلة وأقول تجسيدا لهذه الصلة، حتى لقد تبادر الكثير ممن اتناول معهم الآراء حول هذه الشؤون أن للموقف علاقة بالعرق وليس فقط لسلطان الالتزام الموضوعي الذي يفرض الاسترشاد على كل من يدعي الانشغال بالوطن وما يمكن ان يحل بوحدته من المخاطر حيث لايتوفر الحذر من مجانية التخوين، وحين تحسب بعض المواقف التي ربما تكون غير سليمة على الناس بالجملة وليس - فقط - على من انفرد بها، ومن هنا كنت في مقدمة الذين تنادوْا إلى حضور أول تجمع وقع تنظمه في (ريكسوس) عقب سقوط النظام المنهار مباشرة، والاستماع إل ما ألقي من آراء في الخصوص، والحق أنني لم أستسغ رفع العلم الدال على ذلك التوجه لأن العلم الذي قاتل تحته جميع الليبيين هو علم الاستقلال فلا داعي والحالة هذه أن ترفع أعلام جديدة سواء دّلت على تاريخ الأمازيغ أو الإمارة السنوسية أو حتى تلك التي تتوسطها الشهادة، فما تحتاج إليه ليبيا الجديدة المنتصرة على أعتى الدكتاتوريات والخارجة من عالم الفوضى هو التوجه نحو بناء دولة كل الليبيين، تلك التي توحد الجميع وتخدم الجميع وتصون الجميع وتحصر أولوياتها في تجاذبات المنطقة وصراعاتها الحادة، وكذا تلك التي تثير مشاعر الخصوصية لأي مكون من مكوناتها عرقا كان أو منطقة. لقد أزاح النظام المنار ذلك العلم المقدس واستبدله بعلم أثبت فشله ولم يكن أكثر من مظهر من المظاهر التي ترفع شعار الوحدة العربية، مع بذل أقوى الجهود لتحقيق المصلحة القطرية بحيث لا تكون الوحدة المزعومة سوى وسيلة من وسائل التوسع والتمويه على العالم بالتأثير المزعوم في الشارع السياسي بل وتحرير الكثير من التنازلات السياسية والتخلي عن أشرف القضايا العربية وأكثرها استدعاء لاهتمام الجماهير لتكون النتيجة تلك الخرقة الخضراء الخالية من أي توصيف لطولها أو عرضها أو أي شعار يدل على هوية الهويات، فكان التوجه إلى أي علم غير علم الوطن علم الاستقلال الذي اختاره الأهل بالأمس، وعمَّده الشهداء بدمائهم اليوم، ولعلنا انتظرنا أن يكون من بين الأناشيد ذلك النشيد الذي طالما ردده ناشئة ما بعد الحرب والذي كان مطلعه :»هيا ارفعوا علم البلاد» ليبيا لنا ذات العماد ليبيا لنا عهد عاد، والذي ما كان له أن يختفي ويبعد من الذاكرة لولا أن أهلنا في ذلك الزمان جرفهم اجتهادهم إلى استبعاد أي نشيد خال من الهتاف ، إذ كانوا جُزْءًا من المنطقة التي جرفتها الأساليب الإعلامية السطحية التي تعتمد المظاهر المتصبلة بالتأييد وليس تلك المتجذرة في العقول والكامنة في شفاف القلوب نعم، كان يمكن لنشيد العلم أن يبقى وأن تتعتى به الناشئة إلى جانب النشيد الوطني لأن الوطن يعني الوجود الأكبر ولكن العلم يعني الخصوصية، نعم، لأن نعلم أن هناك من سيقول إن الأمر يتعلق بالتراث والاعتزاز بالتاريخ الذي يحتفظ في صفحاته بكل ما هو ناصع ومشرف ودال على الحضور الحقيقي لهذه الراية في مرحلة من المراحل ، كان للأمازيغ دورهم القوى دون شك، غير أن الحرص على عدم اثقال الذاكرة الفظة في أيامنا هذه قد يسوغ تأجيل مثل هذه الطروحات خاصة حين نضع في الاعتبار ذلك الدور البطولي الذي بذله الأمازيغ في معارك التحرير، وذلك المثل الرائع في نكران الذات وصدق التضحية والتسامي عن جميع الرواسب القديمة، ولعلي انطلاقاً من ذلك كله وجدت أن من الممكن تأجيل دستره اللغة هي الأخرى إلى وقت لاحق، بدلا من مقاطعة الانتخابات على الرغم من أنني على الصعيد الشخصي لم أقبل بلجنة الستين من الأساس وهي التي تحيلنا على الذكريات غير السارة في التاريخ الليبي ومولد الدولة الوطنية.

والأمر في هذا الصدد لايتعلق باللغة الأمازيغية ومشروعها ولكنه يتعلق بجدوى الجهود التي ستبذل وإلى أي حد يمكن أن تسهم في معركة التأسيس في بلد يضرب المثل القياسي في ضالة التحصيل اللغوى عند طبقاته المتعلمة بل والمؤهلة بالذات ، على نحو يختلف عن جميع الدول أو الأقطار المجاورة إذ ما من بلد يرفع فيه الجار والمجرور ويكسر فيه الفاعل مثل بلادنا ليبيا ومن حملة المؤهلات العالية على وجه التحديد، حيث لايخرج الكثيرون من المشاركة بعديد الأبحاث وإلقائها في مستوى مخجل منه كل من لديه أي فكرة عن اللغة العربية ، ولاسيما حين يكون بين الحاضرين بعض المثقفين الأجانب الذين تجعلهم دراساتهم المسؤولة للغة العربية ينطقونها في تنزه مشرف عن أي خطأ نحوى كثيراً ما يجسد أحرج مستويات الوقاحة. بقي بعد هذا ما ذكره بعض الذين استضافتهم إحدى الفضائيات حول مسألة اللغة هذه والدفع الذي قيل بشأن اللغة وعلاقتها بالهوية، ومن باب الحرص على هذه الهوية وعدم الضيق من الدفع بها والتفكير في مقوماتها وتنقيتها من الرواسب أرى أن أهم ما يمكن أن يقع الاهتمام به والدعوة إليه في المكون الثقافي الأمازيغي هو الفقه الإباطي الذي لابد أن يكون حاضراً في مؤسسة الإفتاء الليبية، إذا كان لابد من وجودها أصلا، فهذا الفقه قبل غيره يستحق من ليبيا الجديدة أن تعمل على إنصافه وإنزاله المنزلة اللائقة، ليس فقط لأن الأمازيغ الليبيين يقتدون به، وإنما لأنه صان هويتهم ولأن الإسهام الليبي فيه مشرف للغاية، كما أنه لقي الكثير من الاهتمام في مغرب الوطن العربي ومشرقه، فلابد والحالة هذه أن تكون سير الشماخي وما في حكمها من الراجع ولابد أن تكون إسهامات الباروني وبطولات خليفة بن عسكر حاضرة في المناهج. كما لابد أن يدرس التاريخ بشيء من الإنصاف وقدر من التجرد وحتى التنزه عن تضخيم الأخطاء، وحتى الكيل بمكيالين، كان تقفز اتصالات طرف من الأمازيغ بذات القدر الذي بررت به اتصالات الآخر، وبالجملة فقد أدخل فبراير بلادنا في ربيع بلغ أوجه في الجبل الأشم ومن الخطأ أن نتركه لرياح الصيف وشمسه الحارقة


________________________________



يبقى الأمل فوق المحبطات


أمين مازن


مرة أخرى تقف بلادنا ممثلة في مؤتمرها الوطني العام ، أمام امتحان جديد، بشأن رحلتها نحو الاستقرار ، وما يوضع في طريقها نحو هذه الغاية الشريفة من مصاعب وعراقيل، وما يعصف بموكبها من رياح المطامع والمطامح وأساليب الترغيب والترهيب . فبفارق لم يصل العشرة أصوات لا أكثر فاز المرشح علي زيدان على منافسة الحراري في انتخاب رئاسة الوزراء وتعذر على المرشح إبراهيم الدباشي الظفر بتجريب حظه ، اذ لم تتمكن وفق ما تردد ، هيئة النزاهة من البث في أمره . وهذه النسبة كما يلاحظ تزيد قليلا على سابقتها التي جرت بين السيدين: محمود جبريل ومصطفى بوشاقور ، التي كانت بصوتين ليس أكثر ، قابلها جبريل بترحيب سريع ، واستعداد معلن للتعاون ، أو على الأقل عدم العرقلة . وانتهت في الجولة الثانية من التصويت بحديث تلاه بوشاقور حول المصاعب التي اعترضته جراء اختلاف الكتل. فيما يؤكد الكثيرون أن التوقيعات كانت قد أخذت تحريريا قبل ان يلقى البيان ، وثمة من وقع على الورقة ثم رفع يده بالموافقة ، حين تأكد بأن صوته لن يؤثر في النتيجة ! على أن تغير المواقف بين تعديل يمكن أن يرضي الكتل الشريكة ، وآخر يستفزها مجتمعه فان أسبابه الحقيقية لاتزال في علم الغيب، اللهم إلا أن يعلموا بواطن الأمور الليبية ! كان زمن الجلسة الحالية التي عقدت للاقتراع على الاثنين محدودا عما سبقه ولكنه دال من حيث الأسئلة وما تشير إليه من التوجهات فمن سؤال عن الموقف من القضية الفلسطينية ، والعلاقة مع أحد يهود فرنسا الذي كان له الموقف اللافت نحو ثورة السابع عشر من فبراير ، بدليل زيارته في تلك الظروف الصعبة الى أكثر من مدينة اعتبرت في عداد الجبهات الساخنة ومساعيه المتعددة حول الحكومة الفرنسية بشأن الاعتراف والتسليح ، إلى آخر يخفي ما وراءه حول الحساسية ممن يوصفون بالعلمانيين لإخفاء الأسباب الحقيقية للمواقف غير الودية وعلاقتها بأطراف خارجية فشلت في السيطرة على بعض المسؤولين الليبيين أثناء حرب التحرير ، ولم يعد لها من جهة سوى محاولة إفقار البلد من أمواله ورجاله على السواء ، وتجد بكل الأسف من أبناء الوطن من يظاهر هذا التوجه وهو الأولى بالتفطن والحذر من تقسيم المقسم ، عندما رأيناهم يتنادون في مجانية مخجلة للتشكيك في عناصر نحن أحوج ما نكون إليهم في معركتنا الكبيرة التي يهون أمامها كل خلاف ومع ذلك يزداد الأخذ والرد ويتأكد من خلال ذلك ان السير نحو المشترك ما يزال بعيدا ،  وان حجم الشحن المؤثر في توجهات بعض القوى يبعث على الكثير من الخوف على تكرار المراوحة في ذات المكان مرة أخرى . ذلك أننا لم نكن نفرغ من جلسات المؤتمر الوطني التي انتهت بالتصويت على تسمية رئيس الوزراء بواسطة الاقتراع السري وتم الفرز بشكل علني ومباشرة من قاعة الاجتماعات الى شاشة الفضائيات حتى ظهر علينا فرسان الفضائيات الذين كنا نراهم طيلة أيام حرب التحرير بما أفاء الله عليهم من نعمة الوسامة يبعثون على الكثير من الاطمئنان ويشيعون كل ما يرفع من المعنويات ويقاوم القنوط واليأس يتحدثون عما جرى وما يمكن ان يجري ، وعن الموقف المنتظر من الفصائل التي يمثلونها ، وهل من المتوقع أن يترجم التعاون المنتظر في القبول بالممكن ام أن الشطط سيكون سيد الموقف . او ما يهدد بتكرار السيناريو الذي حصل مع السيد مصطفى بوشاقور بمعنى إن الواقع يحتاج إلى وقفة أكثر جدية بحيث تتحقق العدالة ويصدق وصف البناء ، غير أن الحديث عبر الفضائية التي اختصت بالمتابعة لم يخرج عن التعابير الجميلة والتعابير الدافئة والثقافة الجيدة التي تبدأ من مقولات المناضل الايطالي (قرامشي) في معرض مقاومته للفاشية في ثلاثينيات القرن الماضي ، دون أن تغفل التراث الإسلامي الخالد بشقيه: القرآني والنبوي وموقفها مجتمعة من الاختلاف البناء في المسيرة الإنسانية . ولكن دون أي وعد بإمكانية التغلب على الصعوبات المتصلة بالأغلبية المطلوبة والمحددة في المقام الأول من احتمال الاستمرار في التباين حول طبيعة المشاركة وترتيب صيغها العملية المرتبطة اوثق الارتباط بالحقائب الوزارية وقدرة المتكلفين بها على الظفر بالمصادقة المطلوبة التي لا سبيل إلى بلوغها دون التحلي بالإيثار ولا أمل في تجاوزها ما لم نترك ما يصفه أهلنا بشرط النسيب الكاره ذلك الذي يبالغ في الطلب حتى يتجنب الرفض المحرج . نعم لقد انتهى الحوار الذي حاول المذيع الذكي أن يخرج منه بنتيجة وبذل ممثل المجتمع المدني جهودا قوية للدفع إليه غير أنها ذهبت من حيث اتت وحديث العاصمة المذكور لم يحمل أي جديد .. وبعد فقد قيل الكثير عن الحكومة التوافقية، والوحدة الوطنية ووزارة كل الليبيين ، وترددت أحاديث كثيرة عن الاستقلال والشخصية المستقلة التي تقف على مساحة واحدة من الجمــيع ، وذكر لنا تحالف القوى الوطنية حرصه على تبني البرنامج قبل توزيع الحقائب، وظهرت علينا في النهاية فكرة حكومة الأزمة بل ودعا بعض إلى أن تتكون الحكومة من أعضاء المؤتمر الوطني بحجة ان الظرف الاستثنائي يقتضي مثل هذا الخيار ، وأفلحت القوى الواعية في إحباط هذا التوجه وما كان ينذر به من المخاطر ، ولا شك ان السيد علي زيدان بما له من سابقة في مسيرة المعارضة الليبية وخبرة بعديد الأطراف التي تشكلت منها هذه المعارضة في الداخل وتواصله مع قوى كثيرة في الداخل ، منذ ان بدأ مشواره بالمشاركة في تأسيس جبهة الإنقاذ . ثم تفرغه للعمل بالمنظمات الحقوقية والأنشطة القومية والإسلامية وأخيرا موقفه الحازم من ثورة السابع عشر من فبراير . عبْر دور اجمع الجميع على تقديره والاعتراف بجدواه . ولا شك ان علي زيدان هذا وهو ينذر نفسه لهذه المهمة يبدأ من الأرضية الحقيقية ، فيعمد الى تقديم استقالته من المؤتمر قبل ان تعلن نتيجة الاقتراع توكيدا للجدية وعدم الوقوف بمنزلة بين المنزلتين ومحددا أولوياته في الأمن والمصالحة في المقام الأول ، إيمانا منه دون شك أن الأمن والمصالحة وجهان لعملة واحدة ، فما لم تتحقق المصالحة الوطنية فلا يتوفر الأمن وما لم يستشعر الناس أمنهم فلن يثقوا في بعضهم بعضا، وما لم يحققوا هذه مجتمعه لن يظفروا بشيء في محيطهم ودون هذه وتلك فإن الصلة بالمحيط القريب والمحيط الأبعد تبقى آخر ما يمكن التطلع إليه . فإذا ما أضفنا إلى ذلك الرصيد الكبير من الكيانات ونوعية المعدن والموقع والامتداد الروحي القادر على حشد هذا الرافد في اول الاستحقاقات وأجداها وهي المصالحة الوطنية ، بما تقتضيه من اشتراطات وما تمليه كذلك من تنازلات ، فان الكثير من الأمل يمكن ان يلوح في الأفق ويمكن للمرء أن يستبعد التشاؤم الذي يتخوف منه بعضهم وهو الدخول في دوامة التأجيل لا قدر الله . بقي ان يعلم كل من يستجيب لهذا المؤثر او ذاك لما يؤجل تشكيل الوزارة وتأخير منحها الثقة المطلوبة ، إلا شيء سيبقى سريا الى الأبد ، بل ان وصول المعلومة صار في عالم اليوم يتحرك بسرعة الضوء ، والويل كل الويل لمن لا يتعظ بدروس التاريخ . إنتهى


__________________________________




موقع الكاتب والاديب : أمين مازن

  www.aminmazen.com © 2020- 2008

طرابلس - ليبيا

Tel 0913245901