شئون عربية و دولية 2020

قبرص و وهم القرصنة

أمين مازن

8-9-2020

أوقفت الولايات المتحدة الأمريكية و قبلها أو معها الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار القاضي بحضر توريد الأسلحة لجمهورية قبرص وذلك بعد ثلاث و ثلاثين سنة من نفاذه إثر إعلان القطاع القبرصي ذي الأغلبية التركية عن دولة لذات المكان ظلت تركيا المعترف الوحيد به دولياً و المتكفل على مايبدو بكل احتياجاته، وقد تزامنت هذه الخطوة مع النهج الذي سلكته تركيا بصدد ما اعتبرته مساسا بمصالحها و بالضرورة ذوداً عنها بما يجري في شرق المتوسط من تفاهمات حول الثروة الهائلة من النفط والغاز حتى كانت الثغرة التى فتحها الإتفاق مع سلطة الوفاق الليبي حين شرعت فوراً بإرسال حفاراتها المرفوقة بالتجهيزات العسكرية لتمارس حقها في التنقيب أو الحفر كصاحبة حق شرعي ليكون ما يكون من التوتر الذي بات يهدد بأكثر من خطر، خاصة وأن إعادة الصبغة الدينية لأياصوفيا التى سبق أن حُوِّلَت إلى متحف منذ عشرينات القرن الماضي وانبعاث تركيا أتاتورك المتخلية عن الخلافة وترك جميع المستعمرات تقرر مصيرها ذاتيا، وإذا بالرئيس التركي يخطو هذه الخطوة وسط أجواء احتفائية وأعداد كبيرة من المجندين الذين يمارس بواسطتهم انحيازه العلني ويؤكد تأثيره العملي، فيكون حضر توريد السلاح هذا الذي اتخذ من أجل قبرص وما يهدد أمنها في المنظور القريب على أيدي المتطاول التركي ليس إلا مقدمة لخطوات قد تكون أكثر شراسة ولا سيما حين تستمر هذه اللغة التهديدية التى تصل إلى حد إنذار اليونان بالإزالة من الوجود ما يعني أن السماح بإعادة استيراد السلاح لقبرص المهددة في أمنها اليوم قد يتطور إلى تمكينها لما هو أكثر من ذلك، أما إذا لم نغفل خصوصية الموقع القبرصي و النشاط الإستخباراتي العالمي فإن احتمالات التطور المتعلقة بالمواقف و الإستراتيجيات مما يزيد في درجة الأهمية التى ليس خارجها قرب الشواطئ الليبية وما غدت تنذر به أمن العالم في كل لحظة أما إصرار الأمريكيين على استعادة دورهم و اعتبار ليبيا ضمن أولوياتهم، أما المتغيرات التى طرأت على ميزان القوى داخل حدود هذه الدولة القارة التى يحلم بعض المغامرين بإمكانية الاستفراد بها بوحي ربما من تراث القرصنة فإنه الوهم الذي قد تكون الحالة القبرصية الخطوة الأولى لإزالته نهائيا، من كل تأثير معدود.انتهى


_________________________________





تعسا لمن يبتر قبل ان يتدبر

أمين مازن

26-7-2020

لن يجد المتأمل لما تشهده تونس من صراع وما تفرضه فيها من معايير لاختيار من سيرأس وزرائها غرابة في اقدام الرئيس قيس سعيد على تكليف المشيش بتشكيل الحكومة التى ستخلف حكومة تسيير الأعمال التى يضطلع بها حاليا الياس الفخفاخ في ضوء ما اظهرته صناديق الانتخاب الرئاسي من ترجيح كفة قيس المستقل وحرصه على تسمية رئيس الوزراء الذي تتوفر فيه المقدرة، وبمعزل عن تزكية الأحزاب إعمالا للحق الدستوري إذ تونس وفقا لهذه الوضعية ستكون أمام اختيارين قد لا يكون لهما ثالث إما القبول برئاسة المشيش المستقل عن الأحزاب و الأقرب إلى نافذة اختيار الرئيس أو المضى نحو الانتخابات المبكرة وتحمُّل تبعاتها التى قد تفرض أولوية تسهيل مهمة المشيش بتشكيل حكومة قد لا تكون موسعة وأكثر تفاديا للانتخابات المباشرة لما قد يسهل من استحقاق تغير رئاسة مجلس النواب بما يخفف من التوتر ويقطع الطريق على ما يسعى إليه البعض من الدفع بتونس نحو مزيد للفرقة إلا أن ما يخطط للمنطقة ككل وما يسعى إليه بعض المغامرين لاستثمار الحالة الليبية لما قد يمد الحريق نحو المنطقة ككل لتحقق كل هذه التوجهات الأيسر وعندما يحسن المتأمل قرأة إقدام الرئيس التونسي على تسمية وزيره المشيش رئيسا للوزارة المنتظرة دون أن يهمل النص على حقه في حقيبتي الداخلية و الخارجية، فذلك لا يعني سوى حقيقة واحدة هي أن هاجس الأمن مايزال الأوفر حظا بالرعاية الرئاسية هناك وعلى ضوء احدث التواصل و المستجدات و بالذات تلك التى لا تكتفي بالوقوف داخل الحدود وإنما تتجاوزها إلى ما قد يشكل الخطر الأقرب أو الأخطر، لا فرق أن يتواصل معه مباشرة و يتواصل حوله مع غيره واخيرا طوبى لمن يحسن التدبر وتعسا لمن يبتر قبل ان يتدبر .انتهى


____________________________________




تونس و مواعيد التوتر

أمين مازن

17-7-2020

ينذر المشهد السياسي التونسي كل من يرقبه بوعي أن مزيد التوتر بين المتصارعين سيكون سيد الموقف لما أسرف نحوه بعضهم من الطمع في الظفر بسخي الغنائم، و فيما يتخذ طرف منهم ما يوصَف بالإرهاب شركاً للإيقاع بموافقة تعني الإعتراف أو معارضة يُستفاد منها إثبات التهمة، يذهب فريق آخر إلى طرح الإطاحة بالسلطة التنفيذية بعد فشل الفكرة القائلة بتوسيعها، إلى جانب تسفيه بدعة الدبلوماسية الموازية التي تنبَّه لها رأس الهرم عندما صرّح إثر لقاء قمة تونسية فرنسية، إن تونس لها رئيس واحد و إنه يُقرّ رئيس وزرائه على توجهه الرامي إلى تنفيذ ما يرتئيه من تغيير في حقائب الوزارة دون الإحتياج إلى موافقة مجلس النواب مادام الرئيس مُتمتعاً بحقه في البقاء، فيكون كل حديث عن ضرورة تقديم الفخفاخ للإستقالة مجرد نوع من التمني، أما اعتبار ما يُطرَح من بحث حول التجاوزات، و اعتبار التحقيق فاقدٌ للأهلية، فأقل ما يمكن أن يُقال عنه بالتعبير التونسي الشعبي "عجايب"، فكم من رؤساء العالم الذين خضعوا للتحقيق ظلّوا حيث هم، و منهم من اكتفى بالإعتذار كما حدث لكلينتون و ما حدث و يحدث لنتياهو، و غير هذا و ذاك، لو أردنا إحصاءهم و ما على الذين يهمهم تمتين حبل استقرار تونس إلا أن يدفعوا نحو تصحيح وضعية رئاسة مجلس النواب بما يضمن سلاسة الإنتقال للسلطة من أيسر الطرق و أسلمها للحكام و المحكومين بدل اللجوء إلى المناورة التي لم تعد تنطلي على الأطفال، ما بالك النساء و الرجال. انتهى


______________________________________






عبد الفتاح مورو يترك حزب النهضة التونسي

أمين مازن

3-6-2020


أعلن السيد عبد الفتاح مورو نائب رئيس حزب حركة النهضة التونسية استقالته من مهمته القيادية بالحزب المذكور و اعتزاله العمل السياسي مؤكداً عزمه على التفرغ لكسب عيشه من جهده الخاص، و الإكتفاء بالإنشغال بالشأن العام من باب المواطنة و ما تقتضيه من الحضور المناسباتي، و قد جاء قرار مورو هذا في خضم التصدع الذي تشهده الحركة منذ ترؤسها للبرلمان التونسي ممثلة برئيسها السيد راشد الغنوشي و ما لوحظ عليه من خلط بين صفته التونسية السامية و ما تفرضه من الممارسة الحيادية، و زعامته الآيديولوجية و ما تُمليه من ظاهر الإنحياز و ما رشح من بوادر صراع مع رئيس الجمهورية قيس سعيد الذي اعتقد النهظَويون أن ما أشاعوه من ترجيح لكفته في معركة الرئاسة التونسية مع نبيل القروي، و هو الترجيح الذي ما لبث أن تغير في معركة الرئاسة البرلمانية بالتصالح مع القروي بدل شيطنته اللافتة، الأمر الذي صار في المجمل ينذر بمزيد التصدع و الذي يتجاوز النهضة إلى الوسط السياسي التونسي عامة و لا سيما ما تشهده ليبيا من صراع مسلح كثيراً ما أفقد دول الجوار ما كان منتظراً منها من نأيٍ بالنفس أو التقليل من الإنخراط على الأقل مما يجعل من إقدام مورو على ترك موقعه القيادي بالنهضة قارِناً ذلك باعتزال العمل السياسي دون التخلّي عن الإهتمام المُبرّأ من الإحتراف و ما يفرضه من تنازلات غير مُشرِّفة و مناورات قد تكون مخجلة و التي لا أدل عليها مثل الموقف النهظَوي المتذبذب من حزب قلب تونس و ما جسده من نقاط ضمن ما يطلق عليه إلياس الفخفاخ أخْلَقَة العمل السياسي و الذي لم يتردد مورو في المحافظة عليه و هو يجيب على سؤال من اعتقد أنه سيُحرجه بسؤاله عن المعركة بين الباجي و المرزوقي ليعلن على رؤوس الأشهاد أنه صوَّتَ في الرئاسة للباجي دون أن يهتم بما قد يخسره أمام أولئك المزايدين من مُجِيزيّْ التُقية، لأن هدف مورو حقاً هو ربح الوطن و ليس أصوات المنافسين مما يشجع اليوم كل مراقب منصف منحاز لتونس و بالأحرى المغرب الكبير على أن يُكْبِر في الأستاذ مورو ما أقدم عليه من اعتزال للحياة الحزبية و التفرغ لكسب عيشه من جهده الخاص و ليس ما يجود به أولئك الذين ينتظرون من أمثال مورو أن يبقى منزوياً ببيته أو مكتفياً بالغياب عن أنشطة النهضة فيبدوا كما لو كان متردداً أو منتظراً لفُتاتهم و دعواتهم المفتوحة للعيش بالعواصم الحادبة على الذين لم يتخذوا من أبي ذر الغفاري قدوتهم في القديم و لا الثعالبي في الحديث، و لا شك أن ما اتسمَ به مورو من جيد الأداء و هو يضطلع برئاسة مجلس النواب نائباً عن بن ناصر أو يجيء عبر شواغر الدستور ليستبشر اليوم بما أعلن عنه مورو في المرحلة المقبلة بإمكانية من ينتصر لموكب التوافق و الحد من التشرذم و بالذات حين يكون بحجم مورو المُحاور و المُطّلع و القادر على الإنحياز للخيار الأسلم تونسياً و مغاربياً و عربيا. و بهذه مجتمعة له مع نسمات العيد أطيب التمنيات و وافر الإحترام، كرمز تَنَزّهَ عمّا يُريبه إلى ما لا يُريبه.


_________________________________








تَعساً لمن يُخطئ التقدير

أمين مازن

11-3-2020


تعرضت السفارة الأمريكية في تونس لمحاولة اقتحام أقدم عليها إثنان من أبناء ذلك البلد، قيل إنهما حديثي الخروج من سجون تونس جزاء جناية غير سياسية، عندما حضرا ممتطيي دراجة نارية مُتَمَنْطْقِي حزام ناسف انتهى بتفجير مروع مات فيه إلى جانب الإثنين أحد رجال الشرطة التونسية برتبة ملازم؛ قوبل من معظم الأصوات المسموعة بتونس عبر وسائل الإعلام بما لا حصر له من الإستنكار، فضلاً عن فتح أبواب التعليق و التأويل على اتساعها، ليس على مستوى تونس كبلد، و إنما لما يتصل بالمغرب الكبير كمحيط، ذلك أن هذا الحادث الذي كانت ساحته تونس البلد، نراه متزامناً مع مباشرة حكومة السيد إلياس الفخفاخ لعملها في تصريف الشأن التونسي عقب ميلاد عسير جرّاء انعدام الأغلبية المريحة و الإضطرار إلى انتهاج مبدأ التوافق الذي دشّنه المرحوم الباجي قايد السبسي بإشراك حزب النهضة في الحكومة عندما رأى في حجمها بمجلس النواب، ما أَهّلَهَا للتقديم على ما سواها في خطوة رأى البعض أنه قد صان بها نداء تونس من صفة الإقصاء و فسرها البعض الآخر بأنها أبعدت من كان أقرب إلى الباجي كسياسي و الحزب كمؤسسة. هي المباشرة التي انحاز إليها و حرص على رعايتها قيس السعيد، الرئيس المستقل و القادم في جولته الأولى عن طريق المنصات التي قادتها جيوش التواصل الإجتماعي، فيما تحاول النهضة أن ترسخ فكرة الجولة الثانية إلى موقفها عندما جاهرت بعدائها للقروي و قلب تونس، ذلك العداء الذي لم يدم طويلا، إذ سرعان ما كذبته انتخابات الرئاسة البرلمانية التي يسّرَت للسيد الغنوشي رئاسة البرلمان الجديد و إن كان المقعد الثاني لقلب تونس الذي كان مرفوضاً إلى ما قبل ذلك اليوم بقليل، فإذا به يتجذّر إلى حد الإطاحة بالإستحقاق المتعلق بحكومة الجملي المُقترح من حركة النهضة.

هي أجواء خصّها الجانب الأمريكي بالإعراب عن اهتمامه و ربما امتنانه عندما تناقلت الأخبار نبأ زيارتين أمريكيتين رفيعتي المستوى خُصَّ بها السيد قيس السعيد و خمّن البعض أن قد يتبعها شيء من المساعدة لتونس كيما تخرج من بعض أو كل أزماتها الإقتصادية و التي ما من سبيل إليها بدون الرعاية الدولية حيث للولايات المتحدة اليد الطولى و التي كثيراً ما امتدت لتونس. هي أجواء زاد من تلبد غيومها بالنسبة لتونس، مسارعة السيد راشد الغنوشي فور انتخابه لرئاسة مجلس نواب تونس، بالتوجه إلى تركيا و ظهوره ضيفاً بقصر الرئيس التركي، و ليس إلى يمينه أي الغنوشي عَلَم تونس كما فعل أردوغان بإحضار عَلَم بلاده، متحججاً على ألسنة أتباعه أن وجوده هناك ليس كرئيس لمجلس نواب تونس، و إنما لكونه رئيساً لحزب النهضة، و هو ما لم يقبله معظم الذين شاهدوا و تحدثوا داخل تونس بمن فيهم عديد النواب، حتى أن البعض تبنوا الدعوة إلى سحب الثقة المتعلقة بالرئاسة الجديدة فيما لا يستطيع أحد أن يستبعد من الحساب ما يجري في الجزائر من تظاهر و غضب دخل عامه الثاني، و كذا الحرب التي تدور رحاها بطرابلس و توك أن تنهي عامها الأول، مما يجعل من التفجير موضوع هذه المقاربة كي يكون أكثر من نذير بأن الإدارة الأمريكية و قبل معركة انتخابات الرئاسة الأمريكية القادمة لن تتوانى عن اتخاذ كل الإجراءات الرادعة لكل من يثبت تورطه في هذه العملية المفجعة و المهينة و ما تحمله من الرسائل التي لا يشك أحد في وجود من أراد أن يبعث بها في هذه الظروف الدقيقة إن تكن تونس جاءت على رأسها، فلا شك أن المحيط ككل معني بها.. و تَعساً لمن يُخطئ التقدير.


__________________________________






تونس تُدَشِّن جمهوريتها الثالثة

أمين مازن

4-3-2020


فازت حكومة السيد إلياس الفخفاخ، بثقة مجلس نواب الشعب، كما هي التسمية الرسمية بتونس، في العملية الإنتخابية التي جاءت قبل موعدها نتيجة لرحيل الرئيس الباجي قايد السبسي، و قد جاءت هذه الحكومة خلفاً لمحاولة السيد الجملي الذي وقع اختياره من طرف الرئيس التونسي قيس سعيد امتثالاً لنصوص الدستور الموجبة تكليف حزب الأغلبية و هو حزب النهضة، الذي تختلف حول موقفه القراءات. حصلت الحكومة على مائة و تسعين صوت من أعضاء المجلس و معارضة سبعين و نيِّف، و لم تتأخر الفضائيات عن نقل مراسم التسليم و الإستلام بما تُبودل فيها من كلمات أشّرَت مجتمعة إلى ما ينذر به الصراع المحتدم بين مختلف القوى السياسية التونسية حول الإستئثار بالقرار و ما يمكن أن يترتب عليه من التأثير في الداخل و المحيط بحكم الخصوصية التونسية التقليدية و التي شهدت شيئاً من التأثّر عقب الثورة التونسية الرائدة و ما رافقها من ارتفاع الصراع الذي قلل من إيجابية تونس حين أفلحت الأيديولوجية غير الوطنية في النيل من الخصيصة و الإستقلالية التونسية و تجلياتها في الحالات المصرية و السورية، و قبل ذلك الليبية و عديد الزيارات التي تمت لتونس و منها، و استقبال و زيارة أكثرها ظهوراً بشأن ما يجري كقطر و تركيا و قبل ذلك مصر بمرسيها و سيسيها.

لم يخف الذين تابعوا حديث الشاهد و الفخفاخ امتعاضهم من لهجة السيد يوسف الشاهد بما قُدِّرَ له من بقاء غير عادي لما يُقارب الثلاثة سنوات من شكوى غير مبررة باعتباره امتلك من الإنفراد بالقرار إن و هو يختلف مع الرئيس الباجي مُعوِّلاً على مساندة النهضة أو و هو يجمع بين رحيل الباجي و عدم وجود من يقصيه لضرورات تسيير الأعمال، ليعلي من إحساسه بالخسارة في شيء من التهديد الذي قابله الفخفاخ بإعلانه إصراره على البقاء لتنفيذ برنامجه الرامي لمحاربة الفساد و اختياره لوزراء السيادة تحديداً و قوله بصريح العبارة "جئت لأبقى"، بمعنى أن أي عبث بالسلطة البرلمانية الرامية إلى إضعاف السلطة لفائدة بعض اللوبيات و التحالفات، سيُقابَل بالذهاب إلى الإنتخابات المبكرة طبقاً لما ينص عليه الدستور التونسي من واجب العودة إلى الشعب كي تحكم صناديق الإقتراع، و ليس الإستجابة للضغوط، فما دامت المديونية بالمليارات فلا خشية من نفقات الإقتراع، و مجرد أن يتم ترتيب الأولويات بوعي و يتوفر الإنفاق المدقق -كما يجمع المراقبون- يمكن لتونس أن تتجاوز ما دأب على انتهاجه ضعاف النفوس و الذمم. كفى الله تونس العزيزة شرورهم و مكرهم و عقيم سياساتهم و في كل الأحوال فإن فوز حكومة إلياس الفخفاخ سوَّغَ القول بأن تونس دخلت عهد الجمهورية الثالثة إن بعهدة هذه الحكومة أو ما سيلحقها من الحكومات.


_________________________________




الرجوع إلى الحق فضيلة

أمين مازن 

21-2-2020


ليس لمن يرى في نفسه شرف الإنشغال بالشأن العربي عامة و المغاربي على وجه التخصيص، إلا أن يبدي ارتياحه إزاء ما أقدم عليه السيد إلياس الفخفاخ المُكلَّف دستوريا من الرئيس التونسي لتشكيل الحكومة التونسية المترتبة على الإنتخابات التونسية في شقيها الرئاسي و النيابي من مراجعة ما نُسِبَ إليه من عزم على حصر مهام التسيير إلى توسيع المشاركة بما يقطع الطريق على محاولات الإقصاء و ما تفرضه بالضرورة من ردة الفعل التي كثيراً ما تؤدي إلى هدم المعبد، إذ بدلاً من المسارعة نحو الأسماء و المقترحين و المواقع التي يمكن إناطتها، إلتقت الكتل النيابية مجتمعة لتوضع أمامها ورقة عمل تتضمن مجموع الإستحقاقات التي تمثل حاجات الناس، ضرورية كانت أو كمالية، ليُصار إلى إقرارها أولا، و ترتيب أولوياتها ثانيا، و من الذين يمكن تكليفهم بها، ليس فقط من حيث الإجادة، و إنما من حيث الثقة المطلوبة داخل قبة البرلمان و بأغلبية مريحة تتوفر فيها القدرة على التأييد و التصحيح و الإضافة، على قاعدة المكاشفة و تكافؤ الفرص، و الموازنة بين التكليف و التشريف، و هدي من القول المأثور "لا أحب الولاية و لكني أكره العزل"، أما إذا وضعنا في الإعتبار ما أثبتته عديد التجارب عن الفارق الكبير بين من يجلس و يقترح كل ما تشتهي الأنفس و تتلذذ العين و ينام هادي البال و هو ينجز ذلك، إلا أنه ما يلبث أن يكتشف الهوة بين التمني و الواقع، التخطيط و التنفيذ، مما يجعل الحرص على حمل الحقائب في أي حكومة من الحكومات لا يقل عن وضع برنامجها، بل لعل معرفة و بالأحرى حسن اختيار المُنَفِّذ هو ما يمثل الضامن الوحيد لمطلب التنفيذ، إن لم يكن بحسن الأداء، فعلى الأقل بعدم التخريب المتعمد، مما يعني أن ما يردده الكثيرون حول ما يُطلق عليه التحاصص بين الشركاء السياسيين، تمثل بداية الإخفاق، ليس لأن التحاصص مُعيب، و إنما لأنه يمارس و ينكر، فيكون داخلاً في صورة المنزلة بين المنزلتين، فلا يحاسب مرتكب خطيئته و لا يكرم على إحسانه، أما إذا كان على رأس السلطة من جاءت به صفة اللاحزبية كما جرى في تونس، حيث اتخذت بعض القوى من انتخاب رئيسها قيس سعيد، كشخصية مستقلة اعتمدت في تحقيق فوزها على التواصل الإجتماعي، فروجت لحكومة الكفاءات للعودة بالشمولية فتخفق محاولة الحبيب الجملي و تمتد المحاولة للسيد إلياس الفخفاخ ليصبح المرور إلى إعادة الإنتخابات من بين الخيارات السيئة التي لن تؤدي إلا إلى ما هو أسوأ من الوضعية الحالية، إذ لو تم -لا سامح الله- لن يتوجه إلى صناديق الإقتراع سوى الذين لهم دوافعهم الخاصة و محفزاتهم المحددة و كلها في غير الصالح المُبرّأ من المكاسب الشخصية المغلفة بالعمومية إن صح التعبير، فهل تنتبه منصاتنا هذه و تتابع بمسئولية و تدرك أن تونس في أحيان كثيرة تمثل أقوى المؤشرات لما يمكن أن يأتي به الغد من متغيرات، خاصة و أنه قد جاء هذه المرة مع الربيع العربي الذي شاءت الأقدار أن يكون البوعزيزي شرارته؛ أملاً في أن يكون التشكيل الوزاري "التونسي بالطبع" بمثابة التصحيح المنتظر.


_________________________________








البشير و الجنايات الدولية

أمين مازن 

17-2-2020

شرعت السلطات السودانية التي اضطلعت بحكم السودان إثر إسقاط نظام الفريق حسن البشير باتخاذ الإجراءات القاضية بتسليمه -أي البشير- إلى محكمة الجنايات الدولية، ليحاكم على جرائمه منذ أن أفلح في الإنفراد بحكم السودان عندما تمكن من الإجهاز على جميع الذين تعاقبوا على حكم هذا القطر منذ ستينيات القرن الماضي بمجيء العقيد جعفر النميري على رأس الإنقلاب الذي أطاح بالسلطة التقليدية و أخذ في اللعب على أكثر من طيف و انتهى إلى لاجئ في القاهرة، و حلَّ البشير متحالفاً مع الترابي مرة، و مختلفاً معه أخرى، و وجود الصادق المهدي في ما يشبه البهارات في المائدة، ففي هذه المدة التي تجاوزت الثلاثين سنة، كان هذا الرجل مثالاً للقدرة على التنقل من النقيض إلى النقيض، و أداء الدور تلو الدور داخل بلاده و خارجه، إلى أن بلغ به الغرور فيخطب بين الجماهير التي احتشدت فيصرّح ملء فيه أن قرار الجنايات الدولية الرامي إلى حبسه و كما عبّرَ "تحت جزمتي دي"، معتمداً ربما على ما أفلح من تحقيقه من المهام التي طالما كُلِّفَ بها حتى لقد رأيناه يتمكن من حضور أكثر من لقاء دولي و يعود، مما حدا بغيره ربما أن يتوهم استمرار الحماية؛ لولا أن الشعب الذي خرجت طلائعه ذات يوم عارية الصدور و الرؤوس لتقف أمام دبابات عبّود سنة 64و إجباره على الإستقالة و إنجاب سوار الذهب الذي ترأس المجلس الذي أطاح لاحقاً بالنميري و أبقى عليه حياً على الرغم من أنه -أي النميري- قد ارتكب أكبر المذابح التي أودت بخيرة رجال السودان من أمثال الشفيع و فاروق حمد الله و بابكر النور ممن كان ذنبهم الوحيد عدم البحث عن الشريك الأمريكي، فيكون مصيرهم ما شهده الدومينيكان ذات يوم بل و اللندي الذي فاز بالأصوات؛ لن يبقى ساكناً إلى الأبد و إنما فقط حتى الوقت المناسب الذي يبدو أنه قد حان هذه الأيام، حين تسنَّى الإجهاز على البشير و إيداعه السجن حياً مُعافى ليبحث أمر تسليمه إلى محكمة الجنايات الدولية و عدم الإبقاء عليه بحجة الحفاظ على السيادة أو تمكين أحد أصحاب الثأر من الإجهاز عليه لينتهي بأسراره، و إنما تسليمه للمحاكمة لما في هذه الخطوة من وضع حد لما عوَّلَ عليه عديد المجرمين من استغلال للسيادة الوطنية و الإستقلال المزعوم للإفلات من المحاسبة و التملّص من الإدلاء بما يتوفرون عليه من الأسرار حول أبشع الجرائم التي طالما ذهب ضحيتها الأبرياء، بحجة التمتع بالسيادة الوطنية كما لو كانت هذه السيادة ليس لها من علامة مثل التستر على المجرمين و التهرب من واجب الإحاطة بدقيق الأسرار، خاصة و أن هذه الدوائر تتوصل لكل ما تريد من دون أي إكراه أو تعذيب، فالإجراء و الحالة هذه لصالح المشتبه به أكثر مما هو لصالح مُسلّميه، أما إذا كان ذلك قد تم في إطار الإمتثال لإستحقاقات القانون الدولي و شطب تهمة البلد الذي هو السودان من قائمة رعاية الإرهاب و حصر المسئولية في شخص الجاني الذي هو البشير، فليس أمام كل مهتم بالحق العام من موقع المسئولية إلا أن يرفع صوته مؤيداً هذه الخطوة ما بالك أن سجنه هناك سيكون أكثر سلامة له كشخص و احتراماً له كإنسان، أم إذا لم

تثبت الأدلة، فليس أكثر من المثل القائل رُبَّ ضارةٍ نافعة.


_______________________________





من يُتقن التدبُّر يُحسن الإختيار

أمين مازن

16-1-2020

حَجَبَ مجلس النواب التونسي في جلسته التي دامت حتى الساعات الأخيرة من مساء الجمعة، ثقته المطلوبة لاعتماد حكومة السيد الحبيب الجملي المُسمَّى من طرف حركة النهضة التي تحصلت على أغلب الأصوات في الإنتخابات التونسية الأخيرة التي شملت رئاسة الجمهورية و مجلس نواب الشعب، حيث أخفق المرشح عبد الفتاح مورو في رئاسة الجمهورية، و لم تحقق نسبة الفائزين بمجلس النواب سوى الحق في تسمية رئيس الوزراء فانتهج السيد راشد الغنوشي تكنيك المراحل، بتبني الشروع برئاسة مجلس النواب ليقايض حزب قلب تونس في شراكة كانت حتى اللحظة الأخيرة محرمة عند الحديث على تشكيل الحكومة فتبوأ مقعد رئاسة المجلس و إعطاء المقعد الثاني لقلب تونس و يضمن مبدأ التكليف للنهضة برئاسة الحكومة وسط تسريبات مفادها أن المرشح لهذه المهمة سيكون من المستقلين ليشمل هذا المبدأ بقية الحقائب، و من ثم تصريحات من السيد الجملي تأكدَ من خلالها أن عدم الإنتماء الحزبي المعلن سيكون ميزة إلى جانب التأهيل و ينتج عن ذلك توسع في الحقائب الوزارية و وكلائها، لتنتهي الجلسة لحجب الثقة ليُصار إلى مبدأ تسمية الرئيس من طرف رئيس الجمهورية طبقاً لما ينص الدستور، مع بقاء حكومة تسيير الأعمال و ما أعلن زعيم النهضة راشد الغنوشي و هو يؤكد قرار المجلس بحجب الثقة المشار إليه و هو يقلل من تأثير هذه الخطوة على العموم، لمعرفته ببلاد كثيرة تعيش هذه الحالة لفترات طويلة و التي قد لا تصل إليها أحوال تونس مخالفاً لما أجمع عليه أكثر المتحدثين من غير أعضاء النهضة بالمجلس ممن رأوا في القرار المذكور ما كان متوقعاً، و ما أشرنا إليه منذ أيام في معرض تقييم الخاسرين و الرابحين من هذا السيناريو، و الذي قد يدفع إلى الذهاب للإنتخابات المبكرة على الرغم مما تُكبده للدولة التونسية من إضاعة للوقت و الأموال و هو ما لم يمثل شيئاً يذكر إزاء ما بدا على الغنوشي من تماسك و ربما سرور من أسوأ الإحتمالات و ربما لإدراكه أن الذهاب إلى الإنتخابات المبكرة قد لا يكون بعيد المنال أو سيئ العائد ما دامت الأغلبية المتاحة لم توفر للحركة حكم تونس، عندما أفلح فكره الثاقب أن يدفعه إلى المثل القائل ما لا يُدرَك كله لا يُترَك جُلّه، فرضي برئاسة البرلمان، ليبقى الثاني في البلد أو الرئيس الإحتياطي، خاصة و أن قيس السعيد ،الرئيس المستقل، ما يزال في حاجة إلى معرفة وسائل الساسة الحزبيين و مكرهم، لا سيما الذين طالما تحلّوا بالمثل القائل "ضربني و بكى سبقني و اشتكى"، كما رأينا مع الشاهد، و قد نرى مع السعيد لاحقاً نفس المعاملة ما لم يتدارك أمره، و يعرف أن عدم الحزبية هي "حزبية جديدة"، أما بيد من ستكون هذه الحزبية، فذلك لا يعرفه سوى السياسي الماهر الذي يفلح في تجاوز اللونين، الأبيض و الأسود، كما فعل الملك المغربي مع الحزب النظير منذ سنوات، عندما فاز بن كيران في الإنتخابات و وفرت إجراءات الثقة الذهاب إلى أسعد بن عثمان كي يرأس الوزارة، و يبقى بن كيران حيث هو، من يُتقن التدبُّر يُحسن الإختيار.


_____________________________





زيف الملالي بامتياز

أمين مازن

10-1-2020

لم يتأخر المهيمنون على القرار السياسي في نظام ملالي إيران عن اتخاذ ما رأوا فيه الثأر أو بعضه من الإدارة الأمريكية ،عقب إقدامها على تصفية قاسم سليماني، بضربة صاروخية شديدة الدقة داخل العراق و في أشهر مطاراته و بإعلان رسمي، قابله الإيرانيون بالتوعد و من ثم التنفيذ بإلقاء إثنين و عشرين صاروخاً بالستيا، أشار المراقبون أنه لم يُلقَ بالعراق منذ العام الثامن و الثمانين من القرن الماضي عشية الحرب الخمينية الصدامية، صواريخ أُلقيت وسط ضجة إعلامية و تهديدات سمحت للأمريكيين أن يستعدوا لتفادي الضربة بالنسبة للأرواح أولا، و ما عساهم رأوه قميناً بالحفظ ثانيا، فلم يبق للملالي و من في ركبهم سوى المظاهر الدعائية التي تخدع السطحيين بالصمود المزعوم و دعاوى الجبهة المعادية للإستعمار و المتصدية للصهيونية، و قل ما شئت من الصفات التي طالما تسابق المجندون الإعلاميون على إطلاقها في مجانية مبتذلة و كرم يُحسدون عليه نحو قوة ليس لها مثل تقسيم المقسم و تشتيت المشتت من غرض، منذ تمكنها من اقتلاع العرش الشاهنشاهي الذي كان يمثل دور الشرطي في الخليج، فتتمسك بما استطاع أن يقضمه من أرض العرب لمجرد بروز الكيان الخليجي و تواصل مخطط زعزعة الأمن و وقف التطور بأكثر من أسلوب و شعار، ظاهره رفض التبعية و ادعاء التحرر، و باطنه الحرص على قطف أكبر قدر من الثمار، حتى أن الرد أو الثأر كما هو الشعار، قد جاء في أرض العراق، في إشارة واضحة شعارها نحن هنا، و ما ذلك إلا لأن زيف الملالي لا يعرف التوقف و لا يعدم من يصر على تسويقه حتى و هو يهدر ما يزيد على عشرين صاروخ تبلغ كلفتها المليارات دون أن تُراق قطرة دم واحدة، أجل.. إنه زيف الملالي بامتياز.



_____________________________









موقع الكاتب والاديب : أمين مازن

  www.aminmazen.com © 2020- 2008

طرابلس - ليبيا

Tel 0913245901