البشير السعداوي و الأسئلة المعلقة

البشير السعداوي و الأسئلة المُعلَّقة

أمين مازن


هــل كان المرحوم السيد البشير السعداوي المعروف تاريخياً باسم الزعيم ، يختلف عن الكثير من مجايليه ، مواليد الربع الأخير من القرن التاسع عشر ، الذين تمكنوا من الالتحاق بدواوين الدولة التركية أثر تلقي ما تيسر لهم من تعليم ذلك الزمان .

الحق انه ليس أكثر من ذلك . فقد شملته هذه الوضعية انطلاقا من مسقط رأسه مدينة الخمس مقر عمل والده المنحدر من مصراته ، في الأرجح ، وهي الوضعية التي حتمت عليه ، شأن الكثير من نظرائه من المستخدمين أن يغادر البلاد منسحبا مع غيره من موظفي الدولة التركية الذين أجبرتهم على هذا الخيار معاهدة أوشى بين تركيا وإيطاليا حين تنازلت الأولى للثانية عن ليبيا . أو ولاية طرابلس كما كانت تعرف في الحقبة الثانية من القرن العشرين وإلا كان مصيرهم ترك الخدمة . غير أن السعداوي ما لبث أن عاد الى الوطن من جديد وانخرط ضمن من انخرط في معارك الجهاد ناهضا بكل ما أملته من الالتزامات ومن أهمها تاريخيا مؤتمر غريان الذي تقرر فيه توحيد القيادة بين طرابلس وبرقة إذ كان السعداوي في مقدمة الوفد الذي اضطلع بحمل وثيقة الإمارة الصادرة عن المؤتمر المذكور كما تؤكد الروايات الشفوية والمكتوبة . لا فرق ان كانت حجة للسعداوي او عليه .

وعندما رجحت كفة الغزاة واضطر القياديون الى الهجرة شرقاً وغرباً وجنوباً ، كانت هجرة السعداوي تجاه الشرق وبالتحديد الشام شليواصل إسهامه في العمل الوطني . ولما كانت إقامته قد تزامنت مع تمكن عبد العزيز أل سعود من إعلان نفسه ملكاً على السعودية بترتيب مع بريطانيا التي ارتأت التخلي عن حليفها شريف مكة وتوجيه ابنيه للعراق والشام .

ورأى ابن سعود ان يستعين ببعض العناصر العربية تحت مصطلح المستشارين ، كان السعداوي واحدا من الذين أنيطت بهم هذه المهمة ، حيث انتقل الى الحجاز جنبا الى جنب مع السيد خالد القرقني وابن أخته جواد بن ذكرى ، ليقضي في مهمته تلك ردحا من الزمن حتى كانت نهاية الحرب الكونية الثانية وطرح مصير ليبيا - ضمن مستعمرات إيطاليا – في المحافل الدولية وتنادي الكثير من الناشطين للعمل الوطني الرامي الى تحقيق استقلال البلد ومن بينهم الذين هاجروا من الوطن فكانت عودة السعداوي ضمن من عادوا واستئنافه لنشاطه من جديد ، غير أن الكثير من الموجودين بالداخل كانوا قد سارعوا الى النهوض بهذه المهمة ، نذكر منها على سبيل المثل جمعية عمر المختار بنغازي والجبهة الوطنية المتحدة والحزب الوطني والكتلة الوطنية وغيرها بطرابلس . وكان الكثير من هذه التشكيلات ضعيفا او غير واضح التوجه او غير منسجم مع اكراهات المرحلة ولا سيما فيما يتعلق بنوعية نظام الحكم . غير ان حسم الصراع الدولي حول ليبيا لصالح بريطانيا بوصفها صاحبة الموقف المبكر بعدم السماح لإيطاليا كي تعود الى برقة . ورفض السيد أحمد سيف النصر لمبدأ الانفراد بفزان وهو الشريك في احتلالها مع فرنسا وظهور الكثير من التشرذم في طرابلس حول شكل الحكم وبالذات الملكية ، أملى ضمن ما أملى ضرورة البحث عن رمز أكثر جاذبية وأكبر وزنا خارج المدينة ، فتبين أن أكثر الموجودين قدرة على أداء هذه المهمة هو البشير السعداوي فكانت عودته وسط استعدادات حضرت سلفا ، إذ جاء مرفوقا بالدكتور محمد فؤاد شكري أبرز أساتذة جامعة فؤاد على هيئة مستشار بالإضافة الى شاب أزهري لافت " الأستاذ علي المصراتي " الذي رفع شعاره المعروف ــ لبيك وطني لبيك ــ ووسط استقبالات رسمية وشعبية امتدت الى البيوت بدلا من الشوارع . خلع على القادم الجديد لقب الزعيم فلا ينطق أسمه بدونها ولا يكتب إلا ومعه لقب "" بك "" ويومئذ أعلن عن تأسيس المؤتمر الوطني كصيغة لتوحيد الكلمة فسارع بتبني التوجه الكثير من رجال المدينة ومثلهم من الدواخل بالدخول في التنظيم الجديد وفي مقدمتهم السيد مصطفى ميزران الذي سبق أن أسس الحزب الوطني وقد تأسست للتنظيم صحيفة (( الشعلة )) التي ترأس تحريرها المجاهد أحمد زارم العائد من المهجر التونسي لتكون صوت المؤتمر والزعيم الذي تتسابق الكثير من القوى نحوه ، اللهم إلا الذين كانوا أكثر إطلاعا بتحقيق ما يجري وما يحضر وما هو ممكن في النهاية . كان الحراك قويا في ذلك الزمان وكان التيار قويا أو هكذا أريد أن يكون ، وفود تغشى الهيئات الدولية وأخرى تجئ من أكثر من جهة وصراع لا يعرف التوقف الى أن صدر قرار الأمم المتحدة بتقرير المصير الليبي على أساس الاستقلال وبالتحديد في مطلع سنة52 وقد سبق ذلك الوعد أخر انتقالي حدد بسنتين يتم إثناءها وضع الدستور وانتخاب مجلس النواب حيث أنيطت المهمة الى جمعية وطنية تكونت من ستين عضوا لكل إقليم عشرون فتبين أن النظام سيكون اتحادياً وهو ما لم يرق للسيد السعداوي فقرر مقاومته اعتمادا على ما تحقق له من شعبية في طرابلس ، غير مقدر لظروف برقة وفزان وكذلك ضرورات المساحة الجغرافية فضلا عن تركيبة المجتمع الخارج عن المدينة وما تفرضه العشائرية ، بل ولا مستفيد من تلك النصيحة التاريخية التي وجهها له على صفحات الوطن السيد مصطفى بن عامر تحت عنوان " يا سيادة الزعيم أدفع بالتي هي أحسن " ولم يستفد كذلك من النقاش الجاد الذي كان يدور في الجمعية الوطنية بشأن السلطات وتوزيعها والقضاء واستقلاله . ولم يعد لديه من خيار سوى مطلب الوحدة الشاملة ولا شي غير الوحدة وقد غلب يومئذ الشكل الاتحادي طبقا للترتيبات الدولية وتم إعلان حكومة مؤقتة أنيط بها إجراء انتخابات مجلس النواب وقد شابها من البداية شيء من الريبة إذ استقالت أسماء كثيرة من حزب المؤتمر لتدخل الانتخابات خارج مظلة المؤتمر كما أن السعداوي من جهته تبني فكرة عدم المشاركة فيها ولكن هذه الفكرة لم تجد القبول حتى عند أبرز قيادات المؤتمر في مدينة طرابلس . الذين فضلوا المشاركة وضمنت لهم الحرية فكان فوزهم جميعا وعددهم خمسة ، أما خارج المدينة فكان هناك شيء آخر وعندما عمت البلاد مسيرات الاحتجاج ومظاهرات الرفض بادرت الحكومة من عدم تسوية السعداوي ورفيقه زارم لإشكالية الجنسية وكان أبعاد الاثنين ، في حين كانت انتخابات المجلس التشريعي التي أجريت بعد النواب مباشرة ، الفرصة المناسبة لتعويض كل من حيل بينه وبين مجلس النواب وغادر السعداوي في اتجاه الشام و زارم في اتجاه تونسي ليعيش الأول خمس سنوات في منفاه . ويعود الثاني بعدما يقرب من ذات الفترة ليقضي بعد ذلك بقية عمره في الوطن ويكتب في وقت لاحق مذكراته في أكثر من جزئي ، أما الرجل الذي شكل الحكومة فقد كان أول من أصر على ضرورة الإشراف على الولايات . كما أن الرجل الذي رفع عقيرته مشككا في اتجاهات السعداوي تبنى من خلال موقعه كرئيس للمجلس التشريعي لطرابلس مبدأ محاسبته الوالي أمام المجلس التشريعي وعندما أقدم الوالي على استصدار مرسوم ملكي بحل المجلس المذكور كانت القضية الأولى بصدد دستورية المرسوم ومن ثم الحكم ببطلان المرسوم ومن ثم إصرار الحكومة الثانية على ضرورة تنفيذ حكم المحكمة ، بل أن أكثر المسئولين اختلافا مع خيار السعداوي كان أشدهم اعتراضا على أبعاده في جلسة مجلس الوزراء وغير هذا كثير من أحداث تلك الفترة المزدحمة .

لقد تداعت أمامي هذه الصور الناتجة عما قرأت عن تلك الفترة ، وما رويت من عديد الشهود الذين عاصروها وأسهموا فيها بجهد قل أو كثر ، وكانت جزءً من بعض ما كتبت وتحدثت وفي حدود ما تيسر من المتاح ، أما دافعي لذلك هذه المرة فقد كان متمثلا في المحاضرة التي شارك بها في موسم المركز الوطني للمحفوظات "" الجهاد "" الدكتور محمد سعيد قشاط المعروف بجهوده المتوالية في مجال التاريخ وقبل ذلك الأدب والشعر الشعبي التي اختار لها عنوان المجاهد بشير بك السعداوي حياته ونشأته وجهاده وهجرته في بلاد الشام والتي حضرها عدد غير قليل من المهتمين ولا سيما الذين تثيرهم أراء القشاط . وقد أقول كذلك طريقته في الحديث والتي أشهد أنه أفلح بواسطتها هذه المرة في تناول موضوعه هذا من خلال سرد لا يخلو من جاذبية ، عرج خلالها على الكثير من المعلومات المتصلة بمولد السعداوي ونشأته ونسبه وهجرته الأولى والثانية والمعارك التي أشترك فيها والخلافات التي أفلح في تصفيتها او الحيلولة دون مضاعفاتها . وقد كان في سرده منحازاً لزعيم السعداوي مكبرا لدوره في جميع الأحداث التي حلت بالوطن وشكلت محطات في تاريخه ، فوجب أن نشيد بجهده هذا ونشير الى ما في ذلك من إنعاش للذاكرة ودفع للأجيال الحاضرة كي تستعيد أحدات الماضي وما تحقق للكثير من رموزه للخلود ، ولكن دون التخلي عن محاورته من مبدأ التدقيق والاستيضاح والاستزادة بغية الوقوف على حقيقة الدور الحقيقي لهذا الرمز وبالذات في الفترة التي أمكن أثناءها انبعاث الدولة الليبية الحديثة وهو ما حاولنا القيام به عقب فراغ الرجل من محاضرته وفي حدود الوقت الذي أتسع للحوار فقد اتضح أن الأسئلة المهمة ما تزال تنتظر الإجابة ابتداء من عودة السعداوي عقب الحرب والتي جاءت بعد تردد لم يخف عن الذين قابلوه في موسم الحج ومن منطلق عدم ثقته في الأمير إدريس والتي بادله الرجل إياها كما جاء في بعض أوراقه التي نشرت في كتاب حقيقة إدريس في سبعينيات القرن الماضي . بحيث تبدو عودة السعداوي محيرة للغاية خاصة وأنه قد جاء بدعم من السيد عبد الرحمن عزام المعروف هو الأخر بعدائه للسنوسية . فهل كان هذا بتأثير ضغوط لم يكن ثمة مهرب منها ، ثم ما هي المقومات إلي تفرد بها السعداوي التي جعلته دون غيره يكلف بمثل هذا الدور أم للأمر علاقة بالخلفية العشائرية للسعداوي بوصفه أحد أبناء مصراته المنتشرين في جميع أنحاء ليبيا فمكنه بواسطة تحشيدهم أن يقوم بأداء مثل هذا الدور الذي كان الى حد كبير شديد الصعوبة أعني أن يشمل ذلك العنوان الذي عرف بالمؤتمر الوطني أرجاء طرابلس كافة بل ويمتد الى أقاصي الجنوب ، على الرغم من أن المبادئ العامة كانت مرفوعة من الجميع . كما أن السعداوي ذاته لم يكن خطيبا مفوها ولا كاتبا مرموقا ولم يكن كذلك على علاقات جيدة مع القوة السياسية الوطنية من غير الليبيين . كما ولم نعرف عنه أراء اشتهر بها في المهجر . ولعل أهم ما تصدى له القشاط هو تلك الغمزة التي جاءت في كتاب الشيخ الطاهر الزاوي أعلام ليبيا في معرض حديثة عن شخصية السعداوي بأن الجامعة العربية قد أغدقت عليه مالا كثيرا مما يشير بأن الرجل ـ لا سمح الله ـ أن يكون قد استفاد من مهمته تلك من الناحية المادية ، فأكد أن ليس هناك ما يعطي هذه الزعم أي دليل سواء من حيث أحاديث الرواة او المستوى المعيشي او الأثر المتمثل في السكن والحقيقة أن أحدا لم يشكك في نظافة يد هذا الرجل بمن في ذلك بعض الذين اختلفوا معه وناصبوه العداء مثل الأستاذ علي الذيــب الذي كان دافعه الأول ـ بما رويت عنه ـ شعوره بأن صاحب القرار لدى السعداوي كان هو فــؤاد شكري ، في حين يؤكد الحاج محمد السوكني أحد شهود المرحلة أن حضور الرجل كان بترتيب مع البريطانيين حتى ان الوالي الإنجليزي بلاكلى طلب منه ـ أي السوكني ـ أن يذهب الى السعداوي ويغشى مجلسه وأنه بمقتضى هذا التوجيه قد انتسب الى المؤتمر ولم يستقل كما استقال غيره إلا أنه السوكني يعود فيؤكد أن السعداوي بعد أن تحقق له الإجماع الشعبي قرر العمل بشكل مستقل عن الإدارة البريطانية مما اقتضى الاستغناء عنه في وقت لاحق . على أن هذا الراوي لا يدين هذا التوجه .

لقد تعشمت وأنا أحضر حديث القشاط الذي تنسى له العيش في السعودية على رأس البعثة الدبلوماسية الليبية ، الأمر الذي وفر له بدون شك الاقتراب من عديد الرموز والمستويات السعودية المتقدمة علماً وعملاً أن يتمكن بواسطته أن يزودنا بالكثير مما كان مجهولا او غير واضح عن صورة الرجل ولا سيما فيما يتعلق بإقامته ومن ثم عمله هناك ، فإذا بالصورة عادية للغاية ، كما ان السرد لم يحل الى أي مرجع من المراجع مكتوبا كان او مروياً ، وأكاد أن أزعم هنا أن القشاط ربما فضل الاحتفاظ بما توفر له تقديراً لهذا الرمز واعتزازا بالمكانة التي اكتسبها وليست كبيرة عليه بدون شك . وهذه أن صحت روح طيبة وجديرة بالتقدير ، ولكنها لا تخدم من قريب او بعيد قضية التاريخ ، ولا تحقق الغرض الذي من أجله تنظم مثل هذه المناشط ، فليست حياة العظماء خالية من الأخطاء وليست خياراتهم بالكامل فوق النقد أولا يعتريها التقصير وقد كان وما يزال السر الذي يحتاج الى المراجعة ومن خلال الوثائق السعودية بالذات هو عدم عودة السعداوي الى حيث كانت إقامته الأولى في السعودية وهل كان ذلك بموجب استغناء بادر به السعوديون أم العكس وغير هذا كثير وكثير جدا مما كنا ننتظره رواية او تحليلا او مراجعة او تدقيقا . وقديما قال جدنا الأول عبد الرحمن بن خلدون (( ان التاريخ في ظاهره أخبار وفي باطنه نظر وتحقيقي )) . إنتهى



_______________________________

 

موقع الكاتب والاديب : أمين مازن

  www.aminmazen.com © 2020- 2008

طرابلس - ليبيا

Tel 0913245901